1439 / محرم / 1  |  2017 / 09 / 22         الزيارات : 422275         صلاة الصبح |         صلاة الظهر والعصر |         صلاة المغرب والعشاء |

دفن شهداء واقعة الطف (دراسة تاريخية تحليلية)

{ الشيخ عامر الجابري }
دفن شهداء واقعة الطف (دراسة تاريخية تحليلية)

 

بسم الله الرحمن الرحيم

     (وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ * يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ * الَّذِينَ اسْتَجَابُواْ لِلّهِ وَالرَّسُولِ مِن بَعْدِ مَآ أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ مِنْهُمْ وَاتَّقَواْ أَجْرٌ عَظِيمٌ * الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُواْ رِضْوَانَ اللّهِ وَاللّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ)  صد الله العلي العظيم

آل عمران: ١٦٩ ـ ١٧٤

 


مقدمة المركز

العلم والقراءة والكتابة بالقلم، قواعد المجد، ومفاتيح التنزيل، وديباجة الوحي، ومشرق القرآن الكريم، بها يقوم الدين، وتُدوّن الشرائع، وتحيى الأمم، وتُبنى الحضارات، ويُكتب التاريخ، ويُرسم الحاضر والمستقبل، وبها تتمايز المجتمعات، وتختلف الثقافات، ويُوزن الإنسان، ويتفاضل الناس، ويزهو ويفتخر بعضهم على البعض الآخر.

 في ضوء هذه القيم والمبادئ السامية، ومن منطلق الشعور بالمسؤولية، وبالتوكل على الله تبارك وتعالى، بذلت الأمانة العامة للعتبة الحسينية المقدّسة جهوداً كبيرة واهتمامات واسعة لدعم الحركة العلمية والفكرية والثقافية، وتطوير جوانب الكتابة والتأليف والتحقيق والمطالعة، وذلك عن طريق الاهتمام بالشؤون الفكرية، وافتتاح المؤسسات ومراكز الدراسات العلمية، وبناء المكتبات التخصّصية، والتواصل مع الأساتذة والعلماء والمفكّرين، وتشجيع النُخب والكفاءات والطاقات القادرة على بناء صروح العلم والمعرفة.

ويُعدّ مركز الدراسات التخصّصية في النهضة الحسينية في النجف الأشرف، امتداداً لتلك الجهود المباركة، وقد عمل منذ تأسيسه وبأقسامه ووحداته المتنوّعة على إثراء الواقع العلمي والفكري، وذلك من خلال تدوين البحوث، وتأليف الكتب وتحقيقها ونشرها، وإصدار المجلات المتخصّصة، والمشاركة الفاعلة مع شبكة التواصل العالمية، وإعداد الكوادر العلمية القادرة على مواصلة المسيرة.

ومن تلك الأمور المهمّة التي تصدّى مركزنا المبارك للقيام بها وتفعيلها بشكل واسع، في إطار وحدة التأليف والتحقيق، هي الاهتمام بنشر التراث العلمي والنتاج الفكري والكتابات التخصّصية للعلماء والمحقّقين والباحثين، وذلك بهدف فسح المجال وفتح الأبواب والنوافذ أمام قرّاء الفكر، وطلاب العلم والحقيقة.

ومن تلك النتاجات العلمية والقيّمة، هذا السفر الماثل بين يديك عزيزي القارئ، وهو كتاب (دفن شهداء واقعة الطف) الذي عمل على تأليفه وتحقيقه فضيلة الشيخ عامر الجابري, وقد امتاز هذا الكتاب بجوانب علمية وتحقيقية وفنية عديدة، من أبرزها:

أولاً: سلاسة الأسلوب ووضوح الفكرة.

ثانياً: تسليط الأضواء ـ بصورة مدروسة ومنهجية ـ على حادثة دفن الأجساد الطاهرة لشهداء الطف.

ثالثاً: البحث والتحليل العلمي لتلك الحادثة من زوايا متعدّدة ومختلفة.

رابعاً: الاعتماد في بحوث الكتاب على أهم المصادر العلمية المعتبرة.

 نتمنى للمؤلف دوام التوفيق في خدمة القضية الحسينية، ونسأل الله تعالى أن يبارك لنا في أعمالنا إنه سميع مجيب.

 

                         اللجنة العلمية  

في مركز الدراسات التخصصية في النهضة الحسينية

 

 

 

المقدمة

كانت النهضة الحسينية ولا تزال محطّ أنظار المؤرِّخين والأُدباء  والباحثين، حتى أنّه يمكن القول: إنّه لا توجد واقعة في تاريخ الإسلام ـ إن لم تكن في تاريخ البشرية جمعاء ـ قد كُتبت حولها من المؤلفات والمصنَّفات، كما كُتب حول واقعة عاشوراء.

وليس في هذا القول مبالغة أو مجانبة للموضوعيّة، فقد حاول الشيخ محمد صادق الكرباسي أن يجـمع الموروث الحسيني في موسوعة ضخمة أطلـق عليها اسـم: (دائرة المعارف الحسينية)، ومن أنّ المتوقع بلوغ هذه الموسوعة الفريدة إلى ما يقرب من ستمائة جزء أو أكثر، وهي بهذا الكمّ الهائل ربما تكون أكبر موسوعة دينيّة عرفتها البشرية لحد الآن، غير أنّ كثيراً من الباحثين في التراث الحسينيّ يرَون أنّ هذا الرقم يعدّ رقماً ضئيلاً مقارنةً بما كُتب عن الحسين عليه السلام، من آلاف المصنَّفات والمؤلفات، وبأفكار ورؤى وتصورات مختلفة ـ كلٌّ على حسب مشربه ـ  تناولت شخصيةَ الحسين عليه السلام، وخصائصه ومعطيات نهضته وآثارها... وغير ذلك مما يسمى بالحسينيات[1].

وربما يتصور بعض الناس ـ بعد سماعه هذا الكلام ـ أنّ الكتابة عن واقعة كربلاء لم تُعدّ ميداناً للإبداع والابتكار؛ فإنّ ألفاً وثلاثمائة واثنين وسبعين عاماً مرّت على هذه الواقعة كفيلةٌ بأن تستوفى جميع جوانب هذه الواقعة بحثاً ودراسة وتقييماً وتنقيباً، إلى غير ذلك من شؤون الكتابة والتدوين.

وهذا التصور غير صحيح، فإنّ كثيراً من تفاصيل وجزئيات واقعة الطفّ لا زالت ميداناً واسعاً للإبداع والابتكار، ولم تعطَ نصيبها الكامل من البحث والكتابة، بل إنّ هناك كثيراً من العناوين التي لا تزال أبكاراً لم تتناولها الأقلام.

وممّا ساعد على بروز هذه الرؤى الخاطئة، وتبنّي هذا الفهم السقيم، هو ما نراه في بعض الكتابات من إعادة للأفكار المستهلكة، واجترار لبعض المفاهيم وتكرارها.

ويرى كاتب السطور أنّ ندرة المادّة التاريخيّة بالنسبة لبعض  قضايا (واقعة الطفّ) من جهة، وعدم التفكير الجدّي في تجديد منهج البحث في تاريخ هذه الواقعة من جهة أخرى، هما السبب الحقيقي وراء هذه السلبية التي انطبعت بها الكثير من الكتابات في هذا المجال.

في الحقيقة إنّ الإبداع والابتكار في البحث التاريخي، يكمن في الإبداع والابتكار في المنهج، وبدون التجديد في المنهج فإنّنا سوف نبقى ندور في فلك السابقين، ولن ننتج سوى المكررات والمعادات.

ونحن لا نستطيع في هذه المقدَّمة الموجزة أن نتحدَّث عن المنهج التاريخي الذي نقترحه في التعاطي مع التاريخ الكربلائي، فإنّ هذا الأمر يتطلَّب منّا بسطاً في الكلام لا يتناسب مع صغر حجم هذه الدراسة، ولا يمكن أن نكتفي بإشارة خاطفة حول ذلك، ولعلّنا نوفق في المستقبل القريب إلى تخصيص بحث مستقل ودراسة مفردة نتحدَّث فيها عن (المنهج المقترح في التعاطي مع تاريخ واقعة الطفّ).

ومع ذلك، فإنّ الباحث المتمرِّس في التاريخ الحسيني، والمطَّلع على الإشكاليّات الخاصّة به، سيتعرَّف على كثير من مكونات هذا المنهج، من خلال ما نتقدَّم به من معالجات للفجوات والثغرات التاريخيّة الموجودة في حادثة الدفن، والتي سببها العوز الحاصل في المادة التاريخيّة حول بعض الموارد، كما ألمحنا إلى ذلك فيما مضى.

ولا ريب في أنّ البحث حول حادثة (دفن شهداء واقعة الطفّ) ليس بحثاً جديداً، فقد تكرر هذا العنوان في أغلب مصادر الطفّ  قديمها وحديثها، ومع ذلك فإنّني أشعر بأنّ الحاجة لا تزال ماسّة إلى إعادة النظر في هذه الحادثة، وأنّها لا تزال تفتقر إلى مزيد من البحث والدراسة، ليس على صعيد تحقيق هذه الحادثة من الناحية التاريخيّة فحسب، وإنما على صعيد محاولة حلّ بعض رموزها وفهم بعض إشاراتها.

 

إنّ عمليّة الدفن ـ حسب اعتقادي ـ لم تكن عملية عشوائية، وإنّما كانت عمليّة مقصودة ومدروسة وتحوي على الكثير من الرموز والإشارات، وهذا ما سنحاول الوقوف عليه في هذا الكتيب.

 وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب.

 

           الشيخ عامر الجابري

 

 


[1] اُنظر: السلمان، راضي ناصر، الأسرار الحسينية: ص13، دار المحجة البيضاء، ط21، 2009م.

 
 
البرمجة والتصميم بواسطة : MWD