العتبة الحسينيةمؤسسة وارث الأنبياء
مخطوطة العتبة الحسينيةمخطوطة وارث الأنبياء
الأهداف والمبادئ السياسية لنهضة الإمام الحسين (عليه السلام)

الأهداف والمبادئ السياسية لنهضة الإمام الحسين (عليه السلام)

  • المؤلف: الشيخ قيصر التميمي

  • الطبعة: الأولي

  • الناشر : مؤسسة وارث الأنبياء للدراسات التخصصية في النهضة الحسينية

  • سنة الطبع: 1438 هـ ـ 2017 م

مقدّمة المؤسّسة

إنّ نشر المعرفة، وبيان الحقيقة، وإثبات المعلومة الصحيحة، غاياتٌ سامية وأهدافٌ متعالية، وهي من أهمّ وظائف النُّخب والشخصيات العلمية، التي أخذت على عاتقها تنفيذ هذه الوظيفة المقدّسة.

من هنا؛ قامت الأمانة العامة للعتبة الحسينية المقدسة بإنشاء المؤسّسات والمراكز العلمية والتحقيقية؛ لإثراء الواقع بالمعلومة النقية؛ لتنشئة مجتمعٍ واعٍ متحضّر، يسير وفق خطوات وضوابط ومرتكزات واضحة ومطمئنة.

وممّا لا شكّ فيه أنّ القضية الحسينية ـ والنهضة المباركة القدسية ـ تتصدّر أولويات البحث العلمي، وضرورة التنقيب والتتبّع في الجزئيات المتنوّعة والمتعدّدة، والتي تحتاج إلى الدراسة بشكلٍ تخصّصي علمي، ووفق أساليب متنوّعة ودقيقة، ولأجل هذه الأهداف والغايات تأسّست مؤسّسة وارث الأنبياء للدراسات التخصّصية في النهضة الحسينية، وهي مؤسّسة علميّة متخصّصة في دراسة النهضة الحسينية من جميع أبعادها: التاريخية، والفقهية، والعقائدية، والسياسية، والاجتماعية، والتربوية، والتبليغية، وغيرها من الجوانب العديدة المرتبطة بهذه النهضة العظيمة، وكذلك تتكفّل بدراسة سائر ما يرتبط بالإمام الحسين×.

وانطلاقاً من الإحساس بالمسؤولية العظيمة الملقاة على عاتق هذه المؤسّسة المباركة؛ كونها مختصّة بأحد أهمّ القضايا الدينية، بل والإنسانية، فقد قامت بالعمل على مجموعة من المشاريع العلمية التخصّصية، التي من شأنها أن تُعطي نقلة نوعية للتراث، والفكر، والثقافة الحسينية، ومن تلك المشاريع:

1ـ قسم التأليف والتحقيق: والعمل فيه جارٍ على مستويين:

أ ـ التأليف، والعمل فيه قائم على تأليف كتبٍ حول الموضوعات الحسينية المهمّة، التي لم يتمّ تناولها بالبحث والتنقيب، أو التي لم تُعطَ حقّها من ذلك. كما ويتمّ استقبال الكتب الحسينية المؤلَّفة خارج المؤسّسة، ومتابعتها علميّاً وفنّياً من قبل اللجنة العلمية، وبعد إجراء التعديلات والإصلاحات اللازمة يتمّ طباعتها ونشرها.

ب ـ التحقيق، والعمل فيه جارٍ على جمع وتحقيق التراث المكتوب عن الإمام الحسين× ونهضته المباركة، سواء المقاتل منها، أو التاريخ، أو السيرة، أو غيرها، وسواء التي كانت بكتابٍ مستقل أو ضمن كتاب، تحت عنوان: (الموسوعة الحسينيّة التحقيقيّة). وكذا العمل جارٍ في هذا القسم على متابعة المخطوطات الحسينية التي لم تُطبع إلى الآن؛ لجمعها وتحقيقها، ثمّ طباعتها ونشرها. كما ويتم استقبال الكتب التي تم تحقيقها خارج المؤسسة، لغرض طباعتها ونشرها، وذلك بعد مراجعتها وتقييمها وإدخال التعديلات اللازمة عليها وتأييد صلاحيتها للنشر من قبل اللجنة العلمية في المؤسسة.

2ـ مجلّة الإصلاح الحسيني: وهي مجلّة فصلية متخصّصة في النهضة الحسينية، تهتمّ بنشـر معالم وآفاق الفكر الحسيني، وتسليط الضوء على تاريخ النهضة الحسينية وتراثها، وكذلك إبراز الجوانب الإنسانية، والاجتماعية، والفقهية، والأدبية، في تلك النهضة المباركة.

3ـ قسم ردّ الشبهات عن النهضة الحسينية: ويتمّ فيه جمع الشبهات المثارة حول الإمام الحسين× ونهضته المباركة، ثمّ فرزها وتبويبها، ثمّ الرد عليها بشكل علمي تحقيقي.

4 ـ الموسوعة العلمية من كلمات الإمام الحسين×: وهي موسوعة تجمع كلمات الإمام الحسين× في مختلف العلوم وفروع المعرفة، ثمّ تبويبها حسب التخصّصات العلمية، ووضعها بين يدي ذوي الاختصاص؛ ليستخرجوا نظريات علميّة ممازجة بين كلمات الإمام× والواقع العلمي.

5 ـ قسم دائرة معارف الإمام الحسين×: وهي موسوعة تشتمل على كلّ ما يرتبط بالنهضة الحسينية من أحداث، ووقائع، ومفاهيم، ورؤى، وأسماء أعلام وأماكن، وكتب، وغير ذلك من الأُمور، مرتّبة حسب حروف الألف باء، كما هو معمول به في دوائر المعارف والموسوعات، وعلى شكل مقالات علميّة رصينة، تُراعى فيها كلّ شروط المقالة العلميّة، ومكتوبةٌ بلغةٍ عصـرية وأُسلوبٍ سلس.

6 ـ قسم الرسائل الجامعية: والعمل فيه جارٍ على إحصاء الرسائل الجامعية التي كُتبتْ حول النهضة الحسينية، ومتابعتها من قبل لجنة علمية متخصّصة؛ لرفع النواقص العلمية، وتهيئتها للطباعة والنشر، كما ويتمّ إعداد موضوعات حسينيّة تصلح لكتابة رسائل وأطاريح جامعية تكون بمتناول طلّاب الدراسات العليا.

7 ـ قسم الترجمة: والعمل فيه جارٍ على ترجمة التراث الحسيني باللغات الأُخرى إلى اللغة العربيّة.

8 ـ قسم الرصد: ويتمّ فيه رصد جميع القضايا الحسينيّة المطروحة في الفضائيات، والمواقع الإلكترونية، والكتب، والمجلات والنشريات، وغيرها؛ ممّا يعطي رؤية واضحة حول أهمّ الأُمور المرتبطة بالقضية الحسينية بمختلف أبعادها، وهذا بدوره يكون مؤثّراً جدّاً في رسم السياسات العامّة للمؤسّسة، ورفد بقيّة الأقسام فيها، وكذا بقية المؤسّسات والمراكز العلمية بمختلف المعلومات.

9 ـ قسم الندوات: ويتمّ من خلاله إقامة ندوات علميّة تخصّصية في النهضة الحسينية، يحضـرها الباحثون، والمحقّقون، وذوو الاختصاص.

10 ـ قسم المكتبة الحسينية التخصصية: حيث قامت المؤسسة بإنشاء مكتبة حسينية تخصّصية تجمع التراث الحسيني المطبوع.

11 ـ قسم الموقع الإلكتروني:وهو قسم مؤلّف من كادر علمي وفنّي؛ يقوم بنـشر وعرض النتاجات الحسينية التي تصدر عن المؤسسة، كما ويتكفل بتغطية الجنبة الإعلامية للمؤسسة ومشاريعها العلمية.

12 ـ قسم المناهج الدراسية:ويحتوي على لجنة علمية فنية تقوم بعرض القضية الحسينية بشكل مناهج دراسية على ناشئة الجيل بالكيفية المتعارفة من إعداد دروس وأسئلة بطرق معاصرة ومناسبة لمختلف المستويات والأعمار؛ لئلا يبقى بعيداً عن الثورة وأهدافها.

13 ـ القسم النسوي:ويتضمن كادراً علمياً وفنياً يعمل على استقطاب الكوادر العلمية النسوية، وتأهيلها للعمل ضمن أقسام المؤسسة؛ للنهوض بالواقع النسوي، وتغذيته بثقافة ومبادئ الثورة الحسينية.

وهناك مشاريع أُخرى سيتمّ العمل عليها قريباً إن شاء الله تعالى.

مجلّة الإصلاح الحسيني

ومن بين أبرز المشاريع التي أنشأتها هذه المؤسسة المباركة هو إصدار مجلّة فصلية متخصصة في النهضة الحسينية، تحمل عنوان وشعار وهدف وغاية ومنهج وفكر وهداية (الإصلاح الحسيني) وقد احتوت علىٰ المقالات العلمية التحقيقية الرصينة، وقد اتفقت مجموعة من المقالات في تناول موضوع واحد من جهات مختلفة وبأساليب متعدّدة، فكان من المناسب ـ بل والضروري ـ أن تجمع هكذا أبحاث في كتاب واحد حتىٰ تُلملم أطراف البحث الواحد وتعم الفائدة المطلوبة، فكان من الأُمور المهمة التي عملت عليها المؤسسة في قسم مجلّة الإصلاح الحسيني هو إصدار سلسلة مؤلّفات بعنوان كتاب المجلة.

وهذا الكتاب الذي بين يديك عزيزي القارئ هو الكتاب الثالث من هذه السلسلة، والذي يحمل عنوان: (الأهداف والمبادئ السياسيّة لنهضة الإمام الحسين×)؛ تأليف: الشيخ قيصر التميمي ـ رئيس تحرير مجلة الإصلاح الحسيني ـ وقد تمَّ نشر هذه البحوث في أعداد سابقة من المجلة مع مجموعة من الإضافات الجديدة التي تفضل بها الكاتب مشكوراً.

وهذا الكتاب قد تناول جنبة مهمّة وحيويّة من جوانب النهضة الحسينيّة المباركة حيث سلط الضوء على مجموعة من الأهداف السياسيّة لنهضة كربلاء، مع التركيز على أسباب قلة البحوث التحليلية حول تلك الأهداف.

وفي الختام نتمنّى للمؤلِّف دوام السداد والتوفيق لخدمة القضية الحسينية، ونسأل الله تعالى أن يبارك لنا في أعمالنا، إنّه سميعٌ مجيبٌ.

 

اللجنة العلمية في

مؤسسة وارث الأنبياء

للدراسات التخصصية في النهضة الحسينية

كثيرة هي الغايات والأهداف والأسباب التي دعت الإمام الحسين× للقيام بوجه الطغاة والخروج على واقع المسلمين المنحدر والمتدهور آنذاك، وقد كُتبت جملة وافرة من البحوث والمقالات لإحصاء واستقصاء تلك الدوافع والغايات، وأُحصيت في هذا المجال أهداف غيبيّة ورساليّة واجتماعيّة وسياسيّة وغير ذلك.

لكنّنا نلمس في الوقت ذاته تفريطاً وإهمالاً واضحاً ـ عن قصد أو من دون قصد ـ في مجال دراسة وتحليل الدوافع السياسيّة في المشروع الحسيني، فلا نرى الضوء مسلّطاً عليها في البحوث والدراسات العلمية والتخصّصية، مع أنّها تشغل حيّزاً كبيراً في نصوص النهضة الحسينيّة وتراثها.

والنقطة التي نهتمّ بدراستها في هذا الكتاب ـ بعد التعرّف على أهمّ الأهداف السياسيّة للنهضة الحسينيّة ـ هي الوقوف على أهمّ الأسباب لإهمال أو ضمور البحوث التحليليّة والكتابات العلميّة حول الدوافع السياسيّة في حركة الإمام الحسين×، وليس غرضنا الأساس هو الولوج مفصّلاً في تحديد تلك الدوافع أو تفسيرها أو الاستدلال عليها، ولكنّنا مع ذلك سنعرض للقارئ الكريم ـ فيما يلي من الفصل
الأوّل ـ لقطات سريعة وموجزة عن الأهداف والمبادئ الحسينيّة السياسيّة مع بعض شواهدها؛ لتشكيل صورة إجماليّة ننطلق من خلالها في الفصول الّلاحقة لمعرفة الأسباب المتنوّعة للتغافل والإعراض عن الدراسات التحليليّة في هذا المجال.

الفصل الأوّل

نصوص ووثائق الأهداف السياسيّة

لنهضة الإمام الحسين×

الفصل الأوّل: نصوص ووثائق الأهداف السياسيّة لنهضة الإمام الحسين×

الفصل الأوّل

نصوص ووثائق الأهداف السياسيّة لنهضة الإمام الحسين×

إنّ الذي نعتقده ـ بنحو الإجمال ـ هو أنّ من الأهداف الأساسّية والمحوريّة لخروج الإمام الحسين× ما يلي:

أولاً: الإطاحة بالنظام الحاكم وإسقاط الحكومة الأمويّة الظالمة؛ لعدم شرعيتها، ولخروجها وانحرافها عن جادّة الدين القويم.

ثانياً: إعلاء معالم الدين، والتصدّي للظلم والجور والفساد، ونصرة المظلومين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والعمل في إطار التغيير والإصلاح الاجتماعي، وتطبيق الشريعة الإسلامية، وإجراء الحدود الإلهية، والالتزام بالقوانين والأحكام الشرعية.

ثالثاً: إقامة حكم الله في الأرض، وتشكيل حكومة الإسلام الشرعيّة بقيادة خليفة الله في خلقه، الواجد لجميع شرائط الإمامة والقيادة، وذلك «بدافع من أداء المسؤولية المُلقاة على عاتق المعصومين^»؛ لأنّ الخلافة واستلام الحكم والسطلة حقّهم المشروع، و«هو الطريق الشرعي بالنسبة للمعصوم لإقامة حكم الله في الأرض»([1]).

هذه هي الأهداف السياسية الكبيرة والخطيرة والحسّاسة، التي كُتبت شعاراً بارزاً ونصّاً واضحاً على لوحات ولافتات النهضة الحسينيّة، وهي التي أثارت حفيظة الدولة الأُموية وأقضّت مضاجع الساسة والحُكّام على مرّ الزمان.

وتندرج أيضاً تحت تلك الأهداف الكلّية أهداف سياسية ثانوية وتفصيليّة، سنشير إلى أهمّها في ثنايا ما يأتي من بحوث وعناوين.

والشواهد والأدلّة على تلك الأهداف السياسية كثيرة جدّاً، ذَكر جانباً منها بعض الباحثين([2])، ونستعرض فيما يلي بعضها بنحو الإجمال:

أولاً: نصوص الإصلاح

لقد بيَّن الإمام الحسين× ـ في مطلع فجر نهضته المباركة ـ أنّ من أهدافها إصلاح الأُمّة وتوعيتها، وإرجاعها إلى صوابها واستقامتها، بعد أن انحرفت وشطّ بها حُكّامها عن طريق الهداية، وكذا رفع الظلم والجور عنها، وإشاعة العدل والقسط فيها، وإلزامها بالحدود والأحكام والفرائض الإلهية.

وهذه كلّها مبادئ وأهداف سياسية لا يمكن إنجازها والقيام بها من دون التصادم والمواجهة مع السلطات الحاكمة والظالمة آنذاك، ولا يمكن اختزالها بكونها أهدافاً اجتماعية ودينيّة فحسب.

والنصوص المُصرّحة بذلك كثيرة ومتنوّعة:

منها: شعار النهضة الخالد الذي رفعه الإمام× في منطلق نهضته، حينما قال: «... وَأَنّي لَمْ أَخْرُجْ أشِراً وَلا بَطِراً، وَلا مُفْسِداً وَلا ظالِماً، وَإِنَّما خَرَجْتُ لِطَلَبِ الإصْلاحِ في أُمَّةِ جَدّي|، أُريدُ أَنْ آمُرَ بِالمَعْرُوفِ وَأَنْهى عَنِ المُنْكَرِ، وَأَسيرَ بِسيرَةِ جَدّي| وَأبي عَليِّ بْنِ أَبي طالِب×، فَمَنْ قَبِلَني بِقَبُولِ الحَقِّ فَاللهُ أَوْلى بِالحَقِّ، وَمَنْ رَدَّ عَلَيَّ هذا أَصْبِرُ، حَتّى يَقْضِيَ اللهُ بَيْني وَبَيْنَ القَومِ بِالحَقِّ، وَهُوَ خَيْرُ الحاكِمينَ»([3]).

ولا شكّ أنّ من أهمّ الأعمال والإنجازات في سيرة جدّه وأبيه÷ التصدّي للأُمور السياسية، وتشييد وبناء معالم الحكومة الإسلامية، كما أنّ الإصلاح في الأُمّة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بشكلٍ مطلق لا يتيسّر من دون القيام بأعباء السلطة والحكم.

ومنها: ما رُوي عنه× أنّه قال:«اللّهُمَّ، إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ ما كانَ مِنّا تَنافُساً في سُلْطان، وَلاَ الِتماساً مِنْ فُضُولِ الحُطامِ؛ وَلكِنْ لِنُرِيَ المَعالِمَ مِنْ دينِكَ، وَنُظْهِرَ الإصْلاحَ في بِلادِكَ، وَيَأمَنَ المَظْلُومُونَ مِنْ عِبادِكَ، وَيُعْمَلَ بِفَرائِضِكَ وَسُنَنِكَ وَأَحْكامِكَ، فَإِنْ لَمْ تَنْصُرُونا وَتُنْصِفُونا قَوِيَ الظَّلَمَةُ عَلَيْكُمْ، وَعَمِلُوا في إِطْفاءِ نُورِ نَبِيِّكُمْ، وَحَسْبُنَا اللهُ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنا وَإِلَيْهِ أَنَبْنَا وَإِلَيْهِ المَصيرُ»([4]).

يُعدّ هذا النص من غرر ودُرر النصوص المنسوبة إليه×، وقد تضمّن مجموعة من الأهداف السياسية للنهضة المباركة، وهي:

أولاً: إنّ النهضة لم تكن من أجل التنافس الشخصي على السلطة والحكم، ولا لأجل نيل المنافع الدنيويّة والفئويّة الضيِّقة.

ثانياً: إنّ من أهداف النهضة إعلاء معالم الدين وشعائره.

ثالثاً: إظهار الإصلاح في البلاد.

رابعاً: محاربة الظلم ونصرة المظلومين.

خامساً: توجيه الأُمّة نحو الالتزام بالشريعة الإسلامية، والعمل بالفرائض والسنن والأحكام الإلهية.

سادساً: مطالبة الأُمَّة بالإنصاف من نفسها لنصرة أهل البيت^، وشدّ أزرهم، وإضعاف جانب أعدائهم؛ لئلّا يعمل الأعداء على إطفاء نور الله تعالى ونور نبيّه الأكرم|.

وهذه كلّها تُعدّ من أهمّ وأبرز المبادئ السياسية للنهضة والثورة، كما هو واضح.

ثانياً: إرسال مسلم بن عقيل إلى الكوفة

لقد أرسل الإمامُ الحسين× إلى الكوفة ـ في أوائل أيام النهضة ـ ابنَ عمّه وثقته من أهل بيته مسلم بن عقيل؛ للتفاوض مع أهلها وأخذ البيعة منهم، حاملاً إليهم كتاب الحسين× الذي تضمّن كلّ مبادئ الثورة والتغيير السياسي والاجتماعي؛ حيث كتب فيه× إلى أهل الكوفة بعد مراسلتهم إياه: «بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحيمِ، مِن حُسَيْنِ بْنِ عَليّ إِلىَ المَلأ مِنَ المُؤْمنينَ وَالمُسْلِمينَ، أَمّا بَعْدُ، فَإِنَّ هانِئاً وَسَعيداً قَدِما عَلَيَّ بِكُتُبِكُمْ ـ وَكانا آخِرَ مَنْ قَدِمَ عَلَيَّ مِنْ رُسُلِكُمْ ـ وَقَدْ فَهِمْتُ كُلَّ الَّذي اقْتَصَصْتُمْ وَذَكَرْتُم، وَمَقالَةَ جُلِّكُمْ: إِنَّهُ لَيْسَ عَلَيْنا إِمامٌ فَأَقْبِلْ؛ لَعَلَّ الله أَنْ يَجْمَعَنا بِكَ عَلَى الهُدى وَالحَقِّ. وَقَدْ بَعَثْتُ إِلَيْكُمْ أَخي وَابْنَ عَمّي وَثِقَتي مِنْ أَهْلِ بَيْتي [مُسْلِمَ بْنَ عَقيل] وَأَمَرْتُهُ أَنْ يَكْتُبَ إِلَيَّ بِحالِكُمْ وَأَمْرِكُمْ وَرَأيِكُمْ، فَإِنْ كَتَبَ إِلَيَّ: أَنَّهُ قَدْ أَجْمَعَ رَأْيُ مَلَئِكُمْ، وَذَوِي الفَضْلِ وَالحِجى مِنْكُمْ، عَلى مِثْلِ ما قَدِمَتْ عَلَيَّ بِهِ رُسُلُكُمْ، وَقَرَأْتُ في كُتُبِكُمْ؛ أَقْدِمُ عَلَيْكُمْ وَشيكاً إِنْ شاءَ اللهُ، فَلَعَمْري، مَا الإْمامُ إِلّا العامِلُ بِالكِتابِ، وَالآخِذُ بِالقِسْطِ، وَالدّائِنُ بِالحَقِّ، وَالحابِسُ نَفْسَهُ عَلى ذاتِ الله، وَالسَّلامُ»([5]).

وقد أمره الإمام× «بتقوى الله، وكتمان أمره واللطف»، وبعد أن نزل مسلم بن عقيل الكوفة، وقرأ على أهلها كتاب الحسين× وهم يبكون، بايعه ثمانية عشر ألفاً؛ «فكتب مسلم إلى الحسين بن عليّ× يخبره ببيعة ثمانية عشر ألفاً»([6])، ويحثُّه على القدوم.

ولا شكّ أنّ هذه كلّها خطوات سياسيّة وعسكريّة مهمّة لنيل السلطة، وإقامة الحكم الإلهي بقيادة خليفة الله في الأرض.

وكتاب الإمام× واضح في أنّه إنّما أرسل مسلم بن عقيل لتلبية طلب أهل الكوفة، وأخذ البيعة منهم؛ ليكون خليفة هدًى لهم وإماماً عليهم، وقد أكّد× هذا المطلب الكوفي بقوله لاحقاً: «مَا الإْمامُ إِلّا العامِلُ بِالكِتابِ، وَالآخِذُ بِالقِسْطِ، وَالدّائِنُ بِالحَقِّ، وَالحابِسُ نَفْسَهُ عَلى ذاتِ الله»، ويتمثّل ذلك بشخصه المبارك؛ لأنّه الإمام المعصوم، الحائز على جميع الكمالات، والعامل بكلّ تلك الأُمور والفرائض.

وقد تضمّنت كتب أهل الكوفة ـ التي استجاب لها الإمام الحسين× ـ ملامح الثورة والتغيير ولغة السلاح وعسكرة المجتمع للخروج بوجه النظام الأُموي الفاسد؛ حيث كتبوا إليه× بعد هلاك معاوية: «الحمد لله الذي قصمَ عدوّك الجبّار العنيد، الذي انتزى على هذه الأُمّة؛ فابتزَّها أمرها، وغصبها فيئها، وتأمّر عليها بغير رضًى منها... إنّه ليس علينا إمام، فأقبِلْ لعلّ الله أن يجمعنا بك على الحقّ، والنعمان بن بشير في قصر الإمارة لسنا نجمع معه في جمعة، ولا نخرج معه إلى عيد، ولو قد بلغنا أنّك أقبلت إلينا أخرجناه حتى نُلحِقه بالشام»([7]). وفي رسالة أُخرى كتبوا: «فإنّ الناس ينتظرونك لا رأي لهم غيرك»([8]). وفي نصٍّ ثالث: «فأقدِمْ على جندٍ لك مجنّدة»([9]).

ولا شكّ أنّ هذا التحرّك وحالة التجاوب (الحسيني/الكوفي) المتبادل، يُعدّ في لغة السياسة ـ بل أبجديّاتها ـ شروعاً في الانقلاب على السلطة الحاكمة؛ حيث تضمّنت خطوات ومشاهد ساخنة، وخطابات سياسية بالغة الخطورة وحساسّة للغاية، وقد سجّلها التاريخ وثيقة خالدة للثورة، وشاهداً كبيراً على الحركة السياسيّة الواسعة والأُسلوب العسكري المنظّم والمدروس في مفاصل وآفاق النهضة الحسينيّة.

ثالثاً: أقوال الإمام الحسين× وتصريحاته ومكاتباته ورسائله السياسيّة

لقد احتوت نصوص النهضة وتراثها أقوالاً للإمام×، وتصريحات ومكاتبات ورسائل سياسيّة مناهضة للحكم الأُموي الفاسد، وداعية الأُمّة لدعم ومساندة مشروع الخلافة والإمامة الإلهيّة، المتمثّل بشخصه المبارك، وهي كثيرة ومتنوّعة المضامين، وجديرة بالدراسة والتحقيق، فمنها:

أ: رسائله× إلى أهل الكوفة

وهي رسائل عديدة، قد أشرنا إلى بعضها في نصٍّ سابق، ومن تلك الرسائل أيضاً ما كتبه× إلى أهل الكوفة، بعد أن حثّه مسلم بن عقيل على القدوم والمجيء إليها؛ حيث كتب فيها×: «أَمّا بَعْدُ، فَإنَّ كِتابَ مُسْلِم بْنِ عَقيل جاءَني يُخْبِرُني فيهِ بِحُسْنِ رَأْيِكُمْ، وَاجْتِماعِ مَلَئِكُمْ عَلى نَصْرِنا، وَالطَّلَبِ بِحَقِّنا، فَسَأَلْتُ اللهَ أَنْ يُحْسِنَ لَنَا الصُّنْعَ، وَأَنْ يُثيبَكُمْ عَلى ذلِكَ أَعْظَمَ الأجْرِ، وَقَدْ شَخَصْتُ إِلَيْكُمْ مِنْ مَكَّةَ يَومَ الثُّلاثاءِ لِثَمان مَضَيْنَ مِنْ ذِي الحَجَّةِ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ، فَإِذا قَدِمَ عَلَيْكُمْ رَسُولي فَاكْمِشُوا([10]) أَمْرَكُمْ وَجِدُّوا؛ فَإِنّي قادِمٌ عَلَيْكُمْ في أَيّامي هذِهِ إِنْ شاءَ اللهُ»([11]).

فالإمام× بكتابه هذا قد حيّى في أهل الكوفة حسن رأيهم واجتماع ساداتهم وكبرائهم على نصرة أهل البيت^، والمطالبة بحقّهم الشرعي في الخلافة الإلهيّة وقيادة الأُمَّة وإدارة شؤونها بالقسط والعدل والمساواة.

ثمّ حثّهم× أيضاً على أن يُهيّئوا الأرضية الصالحة والظروف المناسبة لذلك التحرّك، وأن يمضوا في أمرهم هذا، ويُسرعوا في إتمامه وإنجازه بعزمٍ وجدٍّ واجتهاد، وأخبرهم بأنّه سيُلبّي دعوتهم، وأنّه قادم إليهم في الأيام القليلة المقبلة.

وما نفهمه من هذا النصّ هو أنّ الإمام× يستنهض أهل الكوفة، ويُشجّعهم ويحثّهم على الشروع في تنظيم وتشكيل معالم الحكومة المقبلة، وأن يمضوا في أمرهم بعزم، وأمرهم هو ـ كما تقدّم ـ عبارة عن طرد والي الكوفة وحاكمها من قِبَل الأُمويين (النعمان بن بشير)، والبيعة له× حاكماً وإماماً وقائداً لحركتهم ومسيرتهم، وتشكيل قوّة عسكرية وجنود مجنّدة لمواجهة قادة الشام وجيوشها.

وهذا يكشف عن طبيعة التحرّك السياسي المنظّم الذي بدأه الإمام× مع أهل الكوفة، والذي اتّسع وظهر حتى بلغ صداه الشام.

ب: مكاتباته× إلى أشراف البصرة ووجهائها

بعث الإمام× في إطار حركته ونهضته مجموعة من الكتب إلى أشراف البصرة ووجهائها، يحثّهم على طاعته وامتثال أوامره؛ حيث كتب فيها:«وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلى كِتابِ اللهِ وَسُنَّةِ نَبيِّهِ|؛ فَإِنَّ السُنَّةَ قَدْ أُميتَتْ، وَإِنَّ البِدْعَةَ قَدْ أُحيِيَتْ، وَإِنْ تَسْمَعُوا قَوْلي وَتُطيعُوا أَمْري أَهْدِكُمْ سَبيلَ الرَّشادِ»([12]).

وهذه دعوة صريحة منه× إلى إطاعة أوامره، والعمل على إقامة حكم الله في الأرض في ضوء الكتاب والسنَّة، بقيادة الخليفة الشرعي المنصوب من قِبَل الله تعالى.

وهذا ما فهمه يزيد بن مسعود النهشلي حينما قرأ كتاب الإمام الحسين×؛ فخاطب قومه قائلاً: «وهذا الحسين بن عليّ، ابن بنت رسول الله|، ذو الشرف الأصيل، والرأي الأثيل، له فضلٌ لا يوصف، وعلمٌ لا يُنزف، وهو أوْلى بهذا الأمر؛ لسابقته وسنّه وقِدَمِه وقرابته، يعطف على الصغير، ويحنو على الكبير؛ فأكرمْ به راعي رعيَّة، وإمام قوم وجبت لله به الحجّة، وبلغت به الموعظة، فلا تعشوا عن نور الحقّ، ولا تسكعوا في وهدة الباطل، فقد كان صخر بن قيس انخذل بكم يوم الجمل؛ فاغسلوها بخروجكم إلى ابن رسول الله ونصرته، والله، لا يُقصِّر أحد عن نصرته إلّا أورثه الله الذلّ في ولده، والقلّة في عشيرته، وها أنا ذا قد لبست للحرب لامَتَها، وادّرعت لها بدرعها، مَن لم يُقتل يمُت، ومَن يهرب لم يفت، فأحسنوا ـ رحمكم الله ـ ردَّ الجواب»([13]).

ومن كلامه هذا نفهم بوضوح أنّ الكتاب الذي بعثه الإمام× إلى أهل البصرة، كان يدعوهم فيه إلى نصرة ولي الأمر، والدفاع عن حريم الإمامة الإلهية، وإقامة حكم الله في الأرض بقيادته×؛ لأنّه الأحقّ والأجدر بذلك.

ثمّ كتب النهشلي إلى الإمام الحسين× في جواب كتابه: «بسم الله الرحمن الرحيم، أمّا بعدُ، فقد وصل إليّ كتابك، وفهمت ما ندبتني إليه ودعوتني له، من الأخذ بحظّي من طاعتك والفوز بنصيبي من نصرتك، وإنّ الله لم يُخلِ الأرض قطّ من عامل عليها بخير، أو دليل على سبيل نجاة، وأنتم حجّة الله على خلقه، ووديعته في أرضه، تفرّعتم من زيتونة أحمديّة هو أصلها، وأنتم فرعها، فأقْدِمْ سُعدت بأسعد طائر؛ فقد ذلّلتُ لك أعناق بني تميم...»([14]).

إنّ هذا الكلام من النهشلي يكشف عن أُفقه الواسع، وقراءته السياسية الدقيقة للأحداث، وفهمه العميق لمضامين الكتاب الذي بعثه له الإمام الحسين×؛ حيث فهم منه وجوب البيعة والطاعة والنصرة لحجّة الله على خلقه؛ فأبدى استعداده لذلك، وهيّأ الناس وجيّش الجيوش، ثمَّ دعا الإمام× للقدوم وتولّي الأمر.

ج: أقواله وأحاديثه×  في طريقه إلى الكوفة

وهي كثيرة جدّاً، نذكر منها للاستشهاد على سبيل الإيجاز:

قوله× لعبد الله بن مطيع العدوي حينما سأله عن سبب قدومه إلى الكوفة: «إِنَّ أَهْلَ الكُوفَةِ كَتَبُوا إِلَيَّ يَسْأَلُونَني أَنْ أَقْدِمَ عَلَيْهِمْ؛ لِما رَجَوا مِنْ إِحْياءِ مَعالِمِ الحَقِّ وَإِماتَةِ البِدَعِ»([15]).

وهذا النصُّ صريحٌ أيضاً في كون تولّي الخلافة والقيادة لإدارة شؤون البلاد، وإحياء معالم الحقّ فيها، والقضاء على الباطل وإماتة البدع، من أهمّ الأهداف التي دعت الإمام× للقيام بنهضته الإصلاحية.

ومن ذلك أيضاً قوله× مخاطباً جيش الحرّ بن يزيد الرياحي: «أَمّا بَعْدُ، أَيُّهَا النّاسُ، فَإِنَّكُمْ إِنْ تَتَّقُوا وَتَعْرِفُوا الحَقَّ لأِهْلِهِ يَكُنْ أَرْضى لله، وَنَحْنُ أَهْلُ البَيْتِ وَأَوْلى بِوِلايَةِ هذَا الأَمْرِ عَلَيْكُمْ مِنْ هؤُلاءِ المُدَّعينَ ما لَيْسَ لَهُمْ، وَالسّائِرينَ فيكُمْ بِالجَوْرِ وَالعُدْوانِ»([16]).

وخاطبهم أيضاً قائلاً: «أَلا وَإِنَّ هؤُلاءِ قَدْ لَزِمُوا طاعَةَ الشَّيْطانِ، وَتَرَكُوا طاعَةَ الرَّحْمنِ، وَأَظْهَرُوا الفَسادَ، وَعَطَّلُوا الحُدُودَ، وَاسْتَأْثَرُوا بِالفَيءِ، وَأَحَلّوُا حَرامَ اللهِ، وَحَرَّمُوا حَلالَهُ، وَأَنَا أَحَقُّ مَنْ غَيَّرَ. قَدْ أَتَتْني كُتُبُكُمْ، وَقَدِمَتْ عَلَيَّ رُسُلُكُمْ بِبَيْعَتِكُمْ أَنَّكُمْ لا تُسْلِمُوني وَلا تَخْذُلُوني؛ فَإِنْ تَمَّمْتُمْ عَليَّ بَيْعَتَكُمْ تُصيبُوا رُشْدَكُمْ، فَأَنَا الحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ، وَابْنُ فاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللهِ|، نَفْسي مَعَ أَنْفُسِكُمْ، وَأَهْلي مَعْ أَهْليكُمْ، فَلَكُمْ فِيَّ أُسْوَةٌ، وَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَنَقَضْتُمْ عَهْدَكُمْ، وَخَلَعْتُمْ بَيْعَتي مِنْ أَعْناقِكُمْ، فَلَعَمْري، ما هِيَ لَكُمْ بِنُكْر»([17]).

وفي نصٍّ آخر قال×: «وَأَنَا أَحَقُّ مِنْ غَيْري بِهذاَ الأَمْرِ؛ لِقَرابَتي مِنْ رَسُولِ اللهِ|»([18]).

إنّ هذه النصوص الشريفة قد استوعبت مجموعة من المبادئ والأهداف السياسيّة المهمّة، التي ابتنت عليها النهضة الحسينيّة المباركة، نؤشِّر فيما يلي بعضها بنحو الإجمال:

1ـ إنّ أهل البيت^ هم الأحقّ والأوْلى بالخلافة والولاية على الناس من ولاة الجور الحاليين، وهم بنو أُميّة وولاتهم.

2ـ وجوب معرفة هذا الحقّ، والدفاع عنه، وانتزاعه من أيدي الطغاة، والعمل على وضعه في أهله ومحلّه، وهم أهل البيت^.

3ـ إنّ الإمام الحسين× هو الأحقّ والأجدر بالعمل على تغيير الحكم، وإقامة الحكومة الإلهية العادلة، ورفع الظلم والجور والفساد، وتطبيق الشريعة الإسلامية، وإجراء الحدود والأحكام الشرعية، وتحسين الظروف المعيشيّة والاقتصاديّة، بتقسيم الفيء والموازنة المالية بالقسط بين الناس.

4ـ تذكير أهل الكوفة بكتبهم، وبيعتهم له×، وحثّهم على الاستمرار والثبات عليها، وأن في ذلك رشدهم وصلاح أمرهم، كما حذّرهم أيضاً من نقض البيعة والتنصّل عنها.

5ـ إنّ الخلافة القائمة المتمثّلة بيزيد بن معاوية، ليست شرعيّة، وهي خلافة جور وعدوان، ينبغي الخروج عليها لإسقاطها.

إنّ هذه الأُمور وغيرها كلّها أُسس ومبادئ مهمّة ساهمت في رسم خارطة التغيير السياسي آنذاك؛ ينبغي بحثها ودراستها والتدقيق فيها.

د: أقواله وأحاديثه× في كربلاء

وهي أقوال وأحاديث كثيرة أيضاً، من جملتها قوله× لعمر بن سعد، قائد الجيش الأُموي: «فاتْرُك هؤُلاءِ وَكُنْ مَعي؛ فَإِنَّي أقْرّبُك إلى اللهِ}»([19]). وكان ذلك في إطار التفاوض مع ابن سعد؛ لكي يثنيه عن الحرب والقتال، بل يدعوه هو وجيشه ـ كما في بعض النصوص اللاحقة ـ للانضواء تحت راية الإصلاح الحسينيّة.

ولك أن تتصور النتائج وما سيحدث لو أنّ ذلك الجيش الكبير بقادته وجنوده قد سمع الموعظة، وعاد إلى رُشده وصوابه، وانضمّ إلى حركة الإمام الحسين× ونهضته!

ومن ذلك أيضاً قوله× لجيش عمر بن سعد: «وَاللهِ، ما أَتَيْتُكُمْ حَتّى أتَتْني كُتُبُ أَماثِلِكُمْ بِأَنَّ السُّنَّةَ قَدْ أُميتَتْ، وَالنِّفاقَ قَدْ نَجِمَ، وَالـحُدُودَ قَدْ عُطِّلَتْ؛ فَأَقْدِمْ لَعَلَّ اللهَ يُصْلِحُ بِكَ الأُمّةَ»([20]).

إذن؛ بموجب هذا النص يكون الحسين× قد خرج لإقامة حكم الله في الأرض، وقيادة الأُمَّة الإسلامية إلى ما فيه رشدها وصلاحها.

وكذا قوله× لهم: «تَبّاً لَكُمْ أَيَتُهَا الجَماعَةُ وَتَرْحاً وَبُؤُساً لَكُمْ! حينَ اسْتَصْرَخْتُمُونا وَلهينَ، فَأَصْرَخْناكُمْ مُوْجِفينَ، فَشَحِذْتُمْ عَلَيْنا سَيْفاً كانَ في أَيْدينا، وَحَمَشْتُمْ عَلَيْنا ناراً أَضْرَمْناها عَلى عَدُوِّكُمْ وَعَدُوِّنا، فَأَصْبَحْتُمْ إِلْباً عَلى أَوْلِيائِكُمْ»([21]).

هذه المواقف والنصوص المتضافرة وغيرها الكثير، قد صدرت كلّها في إطار البُعد السياسي للنهضة، وهي تكشف بوضوح عن كون الأهداف السياسيّة من أهمّ الدوافع التي دعت الإمام الحسين× لأن يخرج وينتفض بوجه الطغاة من بني أُميَّة وأعوانهم.

وإنّنا من هذا المنطلق واستناداً إلى هذه الرؤية ندعوا العلماء والكتَّاب والباحثين والمفكّرين للتوجّه إلى هذا التراث الشريف، والنظر إليه بجدّية وموضوعية، والعمل على جمعه وتنظيمه وفهرسته ودراسته والتدقيق في مضامينه ومحتوياته، للخروج بأبحاث ونتائج وتوصيات تُناسب تراث تلك النهضة المباركة، وترسم لنا خارطة طريق في سبيل الثورة والتغيير والانقلاب على الحكومات الفاسدة والظالمة. خصوصاً ونحن اليوم بحاجة ماسّة إلى مثل هذا التراث، لما نعيشه من متغيّرات وتحوّلات سياسيّة في أغلب البلدان العالميّة والعربية والإسلامية.

وأمّا البحث في علل وأسباب الإهمال والإعراض عن مثل هذا التراث الحسيني، المرتبط بالدوافع والأهداف السياسية للنهضة الحسينيّة، وضمور البحوث العلميّة والتحليليّة في هذا المجال، فقد كان هو الباعث الأساس لكتابة هذه السطور، وهو ما سوف يطالعه القارئ الكريم في الفصول الّلاحقة لهذا الكتاب إن شاء الله تعالى.

خلاصة الفصل الأوّل

استعرضنا في هذا الفصل أهمّ الأهداف السياسيّة للنهضة الحسينيّة، كالإطاحة بالنظام الأُموي، وإعلاء كلمة الله، وإقامة حكم الله في الأرض. ثمّ بيّنا جملة من الشواهد والأدلّة على تلك الأهداف السياسيّة، استناداً إلى أقوال وخُطَب ومواقف وتحرّكات الإمام الحسين×، وكان منها: نصوص الإصلاح، وإرسال مسلم بن عقيل إلى الكوفة، ورسائله× إلى أهل الكوفة والبصرة، وأقواله وتصريحاته وخُطَبه× في مكّة المكرّمة، وفي طريقه إلى العراق، وحينما استقرّ في كربلاء. وقد كشفت هذه الشواهد بمجموعها عن كون الأهداف السياسيّة من أهمّ الدوافع التي دعت الإمام الحسين× لأن يخرج وينتفض بوجه الطُغاة من بني أُميَّة.

الفصل الثاني

الأسباب والمبررات العَقَديّة

للتفريط بالأهداف والمبادئ السياسية للنهضة الحسينيّة

(إشكاليّة: منافاة الأهداف السياسية لعِلْم الإمام× وعصمته)

الفصل الثاني: الأسباب والمبررات العَقَديّة للتفريط  بالأهداف والمبادئ السياسية للنهضة الحسينيّة

أشرنا في الفصل الماضي إلى أهمّ الأهداف والدوافع السياسيّة للنهضة الحسينيّة، وكان الباعث الأساس لذلك هو الوقوف على أهمّ الأسباب التي أدّت إلى الإهمال والضمور في دراسة وتحليل تلك الأهداف في المشروع الحسيني، مع أنّها تشغل حيّزاً كبيراً في نصوص وتراث النهضة الحسينيّة.

وقد عرضنا للقارئ الكريم لقطات سريعة وموجزة عن أهمّ الأهداف والمبادئ الحسينيّة السياسيّة مع بعض شواهدها؛ وذلك بغية تشكيل صورة إجماليّة ننطلق من خلالها لمعرفة أسباب التغافل والإعراض عن الدراسات التحليليّة في هذا المجال.

وكان من جملة تلك الأهداف السياسيّة المهمّة التي استعرضناها:

1ـ الإطاحة بالنظام الحاكم وإسقاط الحكومة الأُمويّة الظالمة؛ لعدم شرعيتها.

2ـ إعلاء معالم الدين، والتصدّي للظلم والجور والفساد، ونصرة المظلومين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والعمل في إطار التغيير والإصلاح الاجتماعي، وتطبيق الشريعة الإسلاميّة، وإجراء الحدود الإلهيّة، والالتزام بالقوانين والأحكام الشرعيّة.

3ـ إقامة حكم الله في الأرض، وتشكيل حكومة الإسلام الشرعيّة.

وخلصنا إلى كون هذه الأهداف من أهمّ الدوافع التي دعت الإمام الحسين× لأن يخرج وينتفض بوجه الطغاة، وهي التي أثارت حفيظة الدولة الأُمويّة وأقضّت مضاجع الساسة والحُكّام على مرّ الزمان.

ولكننا وجدنا شريحة واسعة ـ ممَّن كتب حول أهداف النهضة الحسينيّة ـ حاولت إسقاط تلك الأهداف العظيمة من القائمة، وبنت على أنّ الحسين× إنمّا خرج ليستشهد فحسب! «وأنّ الله سبحانه وتعالى قد عهد للإمام الحسين× وأمره ـ عن طريق النبي| ـ بتنفيذ مشروع ينتهي باستشهاده واستشهاد مَن معه، وجميع ما حدث من مآسٍ وفجائع»([22])، وأنّ هذه الشهادة المباركة والعمليّة الاستشهاديّة الربّانيّة هي الغاية الكبرى التي تترتّب عليها المصالح الإلهيّة الغيبيّة وإصلاح المجتمع، فليس في النهضة برمّتها إلّا دمٌ لا بدّ أن يُراق، دمٌ زكيّ طاهر كدم الحسين بن عليّ÷، يستيقظ على صوته ضمير الأُمّة، وتهتزّ لصرخته عروش الظالمين، وتُحفظ به «شجرة الإسلام التي كادت أن تجفّ لولا أن سقاها بذلك الدم الطاهر»([23])، وهذا هدفٌ عظيمٌ وكبيرٌ وسامٍ، وقد تحقّق بالفعل حينما قُتل الحسين×([24]).

وقد وجدنا أنّ بعض الأعاظم من الأعلام قد صرّح بأنّ الإمام الحسين× لم يُبالِ بسلامته ولا سلامة مَن معه، فضلاً عن أن يكون ساعياً لتحقيق النصر العسكري، بل كان× يُمهِّد لشهادته، ويهيّئ الظروف لمصرعه، ويُعين الأعداء على قتله!! حيث يقول:«كانت نتيجة اتّفاقه× مع الحرّ أن وصل إلى مكان بعيد عن الكوفة، قريب من نهر الفرات، حيث الماء والزرع والقرى، وحيث يسهل تجمّع الجيوش لقتاله، ويصعب أو يتعذّر على من يريد نصره الوصول إليه»([25]).

ويقول أيضاً (حفظه الله) بعد استعراض جملة من النصوص والشواهد لإثبات هذا الرأي:«فإنّ ملاحظة هذه الأُمور بموضوعيّة وإنصاف تشهد بتصميمه× على أن يصل إلى موضع مصرعه الذي وعد به، وعدم تشبّثه بأسباب السلامة، فضلاً عن أن يسعى للانتصار العسكري»([26]).

ونحن وإن كنا لا ننكر ما أفادهK، ولكن لا نرتضي منه حصر أهداف النهضة الحسينيّة بالشهادة، وما ترتّب عليها من آثار إيجابيّة ومظاهر للصحوة الإسلاميّة.

وفي الحقيقة، تتوزَّع تلك الأسباب والإشكاليات بين العقدية والتراثية والتاريخية، ومنها ما يرتبط بالواقع الذي نعيشه، ونحاول في هذا الفصل أن نستعرض بنحو الإيجاز واحدة أهمّ الأسباب والإشكاليات العقديّة التي أدّت إلى التغاضي عن الأهداف السياسيّة للنهضة الحسينيّة، وهي إشكاليّة: (منافاة الأهداف السياسيّة لعلم الإمام وعصمته)،ومن ثَمّ إيراد بعض الحلول والإجابات الموجزة عن هذه الإشكاليّة:

إشكاليّة: منافاة الأهداف السياسيّة لعلم الإمام وعصمته

إنّ من أهمّ الأسباب التي تُطرح عادةً للتشكيك في الأهداف السياسيّة للنهضة الحسينيّة هو كونها تتنافى مع علم الإمام وعصمته المطلقة؛ وذلك باعتبار أنّ الإمام الحسين× لو كان خروجه لأجل إسقاط الحكم الأُموي وإقامة حكم الله في الأرض ـ مع أنّه سوف لا يتحقّق له هذا الهدف في علم الله تعالى ـ فإنّ معنى ذلك أنّ الإمام× لم يكن عالماً بمصيره ومصير نهضته، وهذا ما لا يقبله أحد ممَّن يؤمن بإمامته وولايته، فهو وليّ الأمر المحيط بعلم الكتاب الذي فيه تبيان كلّ شيء، وهو عَيْبَةُ علم الله وخازن وحيه، العالم بالمنايا والبلايا ومصير الأُمم على مرّ الدهور والعصور، فكيف لا يعلم بمصيره؟!

حتى قال بعض الباحثين:«الحسين× خرج وهو على بيّنةٍ من أمره، وما يصير إليه هو وأنصاره وأهل بيته ممَّن يبقى معه، وإنّما خرج امتثالاً لأمرٍ أمره به أبوه وجدّه عن السماء، وملاحظةً منه للمصالح التي ستترتّب على هذا الخروج المبارك... وإنّي لا أميل إلى تبنّي النظر القائل: إنّه× سار إلى الكوفة؛ لأنّ ظواهر الأُمور كانت تحكي عن أنّه سيصير إلى نصرٍ مؤزّر على جيش أعدائه، يؤول إلى أن تأخذ الإمامة دورها من خلال التصدّي المباشر للحكم وقيادة الأُمّة... وكيف كان، فإنّ الحسين× عالم بكلّ ذلك باطناً وظاهراً، ومع ذلك سار إلى محلّ قتله»([27]).

ثمّ يضيف قائلاً:«فمن خصائص شهادة الحسين× أنّه أقدم على ما يكون فيه شهادته... بل إنّ الحسين× أخذ النساء لتُؤسر وقد تعلّقت بذلك الإرادة الإلهيّة... التي علم بها الإمام قبل التحرّك»([28]).

إذن كان الحسين× يعلم علم اليقين بأنّه مقتولٌ شهيد، والنصوص المتضافرة شاهدةٌ على ذلك، كما سيأتي.

فكيف يخرج الإمام× ـ والحال هذه ـ لإقامة حكم الله تعالى؟! ولو خرج× للعمل على تحقيق مثل هذا الهدف لكان منافياً لعصمته؛ إذ لا يعقل أن يخرج المعصوم الحكيم لأهداف وغايات غير ممكنة ولا قابلة للحصول والتحقّق في أرض الواقع، بل هي تتقاطع وتتنافى مع الإرادة والمشيئة الإلهيّة.

الإجابة عن هذه الإشكالية: علم المعصوم بمستقبل الأحداث لا يتنافى مع إمكانيّة التغيير الإلهي

ما ينبغي الالتفات إليه قبل الإجابة هو: أنّنا نقبل تماماً حديث الشهادة وأهدافها، ولكن ما نرفضه هو إسقاط الأهداف السياسيّة من رصيد الثورة، والاقتصار على الدم الحسيني الطاهر كهدفٍ وحيد لها.

ونكتفي في مقام الإجابة عن هذه الإشكالية بذكر إجابتين بنحو الإجمال:

الإجابة الأُولى: علم الإمام وحقيقتا البداء والقضاء

إنّ المعصومين من أئمّة أهل البيت^ مع علمهم الواسع بكلّ ما خلق الله تعالى، فهم عَيْبَة علم الله}، ومخزن الأسرار والمعارف الإلهية، ولكنهم^ مع ذلك كلّه لا يقطعون ولا يجزمون على الله تعالى بشيء؛ لأنّهم يعلمون بأنّه تبارك وتعالى يداه مبسوطتان، وقدرته واسعة، ومشيئته الذاتية حاكمة على كلّ شيء، فله أن يُغيّر ما يشاء بما يشاء كيف يشاء.

وهذا ما يرتبط إجمالاً بفكرتي البداء والقضاء: فإنّ البداء تارة يكون على مستوى الوقوع والتحقّق الخارجي الفعلي، ونَطلُق عليه اصطلاح (البداء الوقوعي)، وأُخرى يكون على مستوى إمكانية الوقوع والتحّقق، ونصطلح عليه (البداء الإمكاني)([29]).

أمّا على المستوى الأوّل من البداء، فقد يكون مختصّاً بعالَم المحو والإثبات فما دون، وعلم أهل البيت^ في مراتبه العليا هو أعلى وأشرف من ذلك بما لا يُحصى ولا يُقاس.

وأمّا على المستوى الثاني، فإنّ لله المشيئة في كلّ علم مخلوق، ولعلّ هذا هو تفسير أنّ أوّل ما خلق الله المشيئة، لأنّها تبدأ كصفة ذاتية للنور الأوّل، ثمّ تتنزّل في عوالم الوجود، فكلّ علم أفاضه الله على خلقه في أيِّ مرتبة من مراتب الخلقة تكون له تعالى فيه المشيئة الفعليّة المخلوقة، وفوق ذلك كلّه المشيئة الإلهيّة الذاتيّة التي هي عين الذات المقدّسة وحاكمة على كلِّ شيء.

ومن هنا؛ نجد أنّ أهل البيت^ لأجل علمهم بذلك ـ ولقدرة الله الواسعة على تغيير كلّ شيء ـ لا يجزمون عليه تعالى بشيءٍ أبداً.

وللتوضيح أكثر نقول: إنّ صفة المشيئة كصفة العلم، من الصفات الإلهية التي تنقسم إلى ذاتية هي عين الذات([30])، وفعلية منسوبة إلى الذات الإلهية وإلى فعلها([31])، وهذه المشيئة الإلهية الفعلية، تُعدّ من الصفات الذاتية لأوّل مخلوق خلقه الله تعالى، وهو العقل والنور الأوّل، الذي هو نور محمد| وآل محمد^، وبالنور الأوّل والمشيئة الفعلية الأُولى خلق الله كلّ خير، يبتدئ بالنزول من عوالم الغيب العليا، فيتجلّى قلماً ولوحاً وعرشاً وكرسيّاً، وهكذا يستمرّ بالنزول حتى ينتهي بعالمنا الدنيوي المادّي.

والبحث هنا في الأعمّ من المشيئة الذاتية لله تعالى ـ التي هي عين ذاته المقدّسة ـ ومن المشيئة الفعلية المخلوقة، والمشيئة الفعلية الأُولى حاكمة على ما دونها من المخلوقات، بالتبديل والتغيير والتحويل، فمنها البداء والإبداء، وهذه حكومة إلهية كبرى جعلها الله تعالى للنور الأوّل، ما فوقها حكومة، إلّا حاكمية الله تعالى، والله} حاكمٌ بمشيئته الذاتية على النور الأوّل ومشيئته؛ ومن هذا تعرف أنّ جميع الأُمور محكومة بالمشيئة الإلهية الذاتية، فلا يخرج عن إرادة الله ومشيئته الذاتية إمكانية تغيير الأشياء وتبديلها.

ونقول أيضاً: إنّ الأُمور الكائنة بحسب قدَرِها وقضائها ووقوع البداء فيها على مراحل وأقسام، وهي بنحو الإجمال كالتالي:

1ـ ما يكون له مقادير وشرائط محدّدة قد قدّرها الله تعالى، ولكن من دون أن يصل بتلك المقادير والشرائط إلى مرحلة القضاء، فلم يُقض به بعدُ، وهذا القسم هو المعروف في أكثر النصوص والكلمات بوقوع البداء فيه، ومعروفيّته بذلك من جهة أنّه الأكثر عرضة للبداء والتغيير، حيث تكون جهات البداء والتغيير فيه كثيرة جدّاً، فقد يكون التغيير من جهة استبدال المقادير وتغييرها، وقد يكون من جهة اختلاف أنواع العلل أو تخلّفها، وقد يكون من جهة أُمور حاكمة على علله، كما قد يكون أيضاً من جهة حياديته تجاه المشيئة الإلهية الفعلية، بالإضافة إلى حاكمية المشيئة الإلهية الذاتية عليه، فدائرة البداء فيه أوسع.

وقد يُسمّى العالم الذي تتغيّر فيه الأُمور بهذا المعنى بعالم المحو والإثبات؛ لما يُمحى فيه من مقادير ويثبت فيه من مقادير أُخرى مختلفة.

ومجال صناعة المستقبل وتحديد ما ينبغي أن يكون عليه القدر في الآتي، مفتوح على مصراعيه ومن جميع جوانبه في هذا العالم، فهو قدر ومصير بيد البشر دراسته وتغييره وتحويله، وهو ما اصطلحنا عليه عنوان (البداء الوقوعي).

2ـ ما يصل إلى مرحلة القضاء، ولكن لا يكون قضاؤه محتوماً، وتكون جهات البداء فيه أقلّ وأضيق دائرة من جهات القسم السابق؛ حيث تكون المقادير والشرائط تامّة ومقضيّاً بها، فلا تغيير ولا بداء من جهتها، مع احتمال التغيير من الجهات والجوانب الأُخرى، كالعلل أو ما يكون حاكماً عليها أو من جهة المشيئة الإلهيّة الفعليّة والذاتيّة، فيقع فيه البداء من جهاته الأُخرى، دونما جهة المقادير، من قبيل إحراق النبي إبراهيم× بالنار، الذي تمّت جميع مقاديره وشرائطه، ولكن علّة الإحراق والاحتراق وهي النار لم تؤثِّر أثرها بأمر الله تعالى، فاستطاع إبراهيم× أن يقرّر مصيره، وأن يصنع لنفسه بإيمانه واعتقاده مستقبلاً جديداً، حيث تمرّد على المستقبل الذي رسمه له الطغاة.

ولكن قابلية التغيير في هذا القسم أضيق دائرة وأبعد وقوعاً من القسم السابق كما ذكرنا، ويقع هذا النحو من التغيير أيضاً في عالم المحو والإثبات فما دون، ونُسمّي إمكانية حصول البداء فيه أيضاً بـ(البداء الوقوعي).

3ـ ما يصل إلى مرحلة القضاء، ويكون قضاؤه محتوماً، ولكنّه من القضاء المحتوم الذي قد يُردّ ويُبدّل، وتكون جهات البداء والتغيير المستقبلي فيه أضيق دائرةً وأشدّ بُعداً من القسم السابق؛ لأنّ ردّه وتبديله لا من جهة شرائطه ولا من جهة اختلاف أو تخلّف علله، وإنّما من جهة أُمور أُخرى قد تكون حاكمة على علله، من قبيل: الصدقة، والدعاء، وصلة الرحم، وغيرها من الأُمور التي قد تردّ القضاء وإن أُبرم إبراماً، وكذلك قد يتغيّر من جهة المشيئة الإلهية. وهذا النحو من التغيير أيضاً يكون في عالم المحو والإثبات، وهو أيضاً من أشكال وصور البداء الوقوعي.

4ـ ما يصل إلى مرحلة القضاء، ويكون قضاؤه محتوماً، ودرجة الحتم فيه غير قابلة للردّ والتغيير والتبديل، ولكن مع ذلك كلّه يبقى لله فيه المشيئة، فليس هناك سبب للتغيير إلّا من جهة المشيئة الإلهية، فقد يشاء الله تعالى التغيير وقد لا يشاء، ولم تستقر المشيئة الإلهية الفعلية ـ لحكمة ـ على طرفٍ معين، سلباً أو إيجاباً، وذلك من قبيل الوعيد الإلهي بالعذاب يوم القيامة، فلا بداء فيه إلّا من جهة المشيئة الإلهية الفعلية، وكذا الذاتية، فيبقى أمل التغيير فيه مفتوحاً، ولكنه بعيد جدّاً، يكاد ألّا يقع، وهو معنى حتميته، مضافاً إلى كونه حتميّاً بالنسبة إلى ما دون المشيئة الفعليّة العليا، وبلحاظ هذه الحتمية نُسمّي البداء فيه بـ(البداء الإمكاني)، وموضعه أعلى من عالم المحو والإثبات بمراتب.

5ـ ما يصل إلى مرحلة القضاء ويكون قضاؤه محتوماً، ودرجة الحتم فيه غير قابلة للردّ والتغيير، وقد شاء الله تعالى ألّا يُغيره، فهو تعالى قد أعمل مشيئته الفعلية بعدم التغيير، وهذا هو ما يُسمّى بالميعاد الذي لا خُلف له، من قبيل الوعد بإدخال الأنبياء والأولياء والصالحين إلى الجنة.

ولكن هذا القسم أيضاً يبقى محكوماً بالمشيئة الإلهيّة الذاتيّة، وبلحاظ محكوميته بهذه المشيئة يكون البداء فيه إمكانياً أيضاً، والإمكان كما هو معلوم لا يستلزم الوقوع.

من ذلك كلّه يتّضح: أنّ جميع الأشياء والمخلوقات يطالها البداء وإمكانية التغيير، ولكن دوائر ذلك البداء تختلف بحسب مرتبة المخلوق ودرجته في عالم الخلقة، فحتى علم المخلوق الأوّل ومشيئته محكومتان بالمشيئة الإلهيّة وإمكانية التغيير كما بيّنا.

وبهذا البيان نختلف مع ما ذكره العلّامة الطباطبائي في رسالة علم النبي| والإمام×، حيث يؤكِّد فيها على أنّ علم المعصومين^ لا يحتمل البداء ولا التغيير أبداً، وجعل ذلك هو السبب والعلّة في عدم تأثير علمهم في أفعالهم^؛ حيث قال:«علمهم بالحوادث علمٌ بها بما أنّها واجبة التحقّق، ضرورية الوقوع، لا تقبل بداءً ولا تحتمل تخلّفاً كما في الأخبار، والعلم الذي هذا شأنه لا أثر له في فعل الإنسان»([32]). ونحن قد عكسنا الأمر تماماً، وأثبتنا أنّ علمهم^ لكونه محكوماً بالمشيئة الإلهيّة الذاتيّة، فهو مفتوح على جميع الاحتمالات، وقابل للتغيير والتبديل، فلا ينبغي الاستسلام لنتائجه، بل لا بدّ من مواصلة المسير، والعمل بالوظائف والتكاليف التي تتناسب مع عالمنا، ويبقى بيد الله تعالى إمكانية التبديل والتغيير.

وفي ضوء ما بيّناه من تفصيل؛ يتّضح ـ في محلّ بحثنا ـ أنّ الإمام الحسين× مع علمه الواسع بمُلك وملكوت السماوات والأرض، لكنّه لا يجزم على الله تعالى بشيء؛ لأنّ له} إمكانية البداء، وبيده تحويل وتغيير كلّ شيء، وهو× يعلم في هذه الحالة بأنّه ليس عليه إلّا القيام بوظيفته المكلّف بها، وعواقب الأُمور الحتمية وخواتيمها النهائية بيد الله تعالى، وله تعالى القدرة والمشيئة في أن يُغير مجاري الأُمور ويقلب المعادلة ويجعل النصر العسكري حليف الإمام الحسين×، فيُقام على يده المباركة حكم الله تعالى في الأرض، وهذا هو الجانب الذي ألمحنا إلى كونه مرتبطاً بالأُمّة، ولكن الأُمّة قد أساءت التصرّف، ورفضت التغيير، وتنكّرت للإصلاح الحسيني.

ويشهد لما بيّناه ـ من عدم وجود علم مخلوق مستقبلي قطعيّ بالنسبة إلى المشيئة الإلهية ـ طوائف كثيرة من نصوص النهضة الحسينيّة وتراثها:

منها: ما يرويه ابن شهر آشوب في المناقب عن مسير الإمام الحسين× إلى العراق، حيث يقول:«فلما نزل شقوق([33])أتاه رجل، فسأله عن العراق، فأخبره بحاله، فقال: إنّ الأمر لله يفعل ما يشاء، وربّنا تبارك كلّ يوم في شأن، فإن نزل القضاء، فالحمد لله على نعمائه، وهو المستعان على أداء الشكر، وإن حال القضاء دون الرجاء، فلم يبعد مَن الحقُّ نيّتُه»([34]).

وفي نصّ الفتوح لابن أعثم الكوفي:«وسار الحسين حتى نزل الشقوق، فإذا هو بالفرزدق بن غالب الشاعر قد أقبل عليه، فسلّم، ثمّ دنا منه فقبَّل يده، فقال الحسين: من أين أقبلت يا أبا فراس؟ فقال: من الكوفة يا بن بنت رسول الله. فقال: كيف خلّفت أهل الكوفة؟ فقال: خلّفت الناس معك وسيوفهم مع بني أُميّة، والله يفعل في خلقه ما يشاء! فقال: صدقت وبررت، إنّ الأمر لله يفعل ما يشاء، وربّنا تعالى كلّ يوم هو في شأن، فإن نزل القضاء بما نحبّ؛ فالحمد لله على نعمائه وهو المستعان على أداء الشكر، وإن حال القضاء دون الرجاء، فلم يعتد مَن كان الحقُّ نيّتُه»([35]).

وهذا النصّ الشريف صريح فيما بيناه؛ إذ إنّه واضح في أنّ كلّ الأُمور والحوادث متوقّفة على المشيئة الإلهيّة، ولم يجزم الإمام× على الله تعالى بشيء، فقد ينزل القضاء الإلهي بما يحبّه ويرجوه، وهو النصر وإقامة حكم الله في الأرض، وهذه نعمة إلهية عظيمة تستحقّ الحمد والشكر، وإن حال القضاء دون الرجاء، واستُشهد×، فإنّه شهيد الحقّ والحقيقة، وليس معتدياً أو بعيداً عن الله تعالى، بل هو حيّ عنده يُرزق.

ومنها: قول الإمام الحسين× في طريقه إلى الكوفة: «أما والله، إنّي لأرجو أن يكون خيراً ما أراد الله بنا قُتلنا أم ظفرنا»([36]).

إذن؛ كانت حسابات الإمام الحسين× ـ بموجب هذا النصّ ـ مفتوحةً على كلا الاحتمالين، النصر أو الشهادة، وليست المسألة محتومة ولا محسومة بالشهادة كما قد يُصوّره البعض؛ فيبقى الأمر بيد الله تعالى يفعل ما يشاء ويقضي ما يريد، وإن كانت الإرادة والمشيئة الإلهيّة ستكون متطابقة مع ما علم به الإمام الحسين× من أمر الشهادة كما سيأتي.

نعم؛ الخير والبركة والمصلحة والحُسن في كلا الاحتمالين (النصر أو الشهادة)، وينبغي ألّا نختلف في هذا الأمر.

ومنها: قول الإمام الحسين× للطرماح بن عدي، بعد أن قدّم له النصيحة بعدم الذهاب إلى الكوفة، والاحتماء بقبيلة طي:«جزاك الله وقومك خيراً، إنّه قد كان بيننا وبين هؤلاء القوم قولٌ لسنا نقدر معه على الانصراف، ولا ندري علامَ تنصرف بنا وبهم الأُمور في عاقبهِ»([37]).

وفي نصٍّ آخر ـ وبالمضمون نفسه ـ ينقله ابن نما الحلّي:«إنّ بيني وبين القوم موعداً أكره أن أخلفهم، فإن يدفع الله عنّا فقديماً ما أنعم علينا وكفى، وإن يكن ما لا بدّ منه ففوز وشهادة إن شاء الله»([38]).

وهذان النصّان قريبان في مضمونهما من النصّ السابق، فإنْ دفع الله تعالى الخطر وحظي الإمام× بالنصر، فهو من نعمه وكرمه جلّ شأنه، وإن كان المصير هو القتل والموت الذي لا مفرّ منه، فهو فوزٌ بالشهادة في سبيل الحقّ. ثمّ يُعلّق الإمام× ذلك كلّه على المشيئة الإلهيّة، وهذا هو ما بيّناه في مستهلّ كلامنا.

الإجابة الثانية: تعدّد مراتب علم المعصوم بحسب تنوّع عوالم وجوده

تُثبت الآيات والروايات المتضافرة عظمة شخصية الرسول الأكرم| والمعصومين من أهل بيته^، وأنّها شخصيات كبيرة وضخمة وممتدّة في عمود عوالم الخلقة، من أوّل مخلوق وهو النور الأوّل، ومروراً بالعوالم المتنزّلة (القلم، واللوح، والعرش، والكرسي، وأُم الكتاب و... والمحو والإثبات وغيرها) إلى أن يستقرّ وجودهم الطاهر في هذا العالم المشهود، فهم^ النور الأوّل في مرتبة أوّل مخلوق، وهم القلم في عالم القلم، واللوح في عالم اللوح، والعرش في مرتبة العرش، والكرسي في الكرسي، وهم المحو والإثبات في عالم المحو والإثبات، وهم الوجودات المادّية المشهودة المقدّسة في عالمنا هذا.

وتختلف صفاتهم وأسماؤهم وخصائصهم الوجودية المقدّسة باختلاف العوالم التي تتجلّى فيها وجوداتهم وشخصياتهم الطاهرة، فحياتهم وعلمهم وقدرتهم وسائر صفاتهم وأسمائهم ـ وهم في منزلة النور الأوّل ـ تختلف عمّا لهم من تلك الأسماء والصفات في عالم القلم؛ لأنّ ما في النور الأوّل أجلّ وأقدس وأعظم ممّا هو في القلم، فما في القلم رقيقة الحقيقة التي في النور الأوّل، وهكذا الحال حينما تتنزّل عوالم الوجود في مراتبها الدنيا، فما في القلم أعظم ممّا هو في اللوح، وما في اللوح أعظم ممّا في العرش، وهكذا...

وعلمهم^ الذي لا يعزب عنه شيء هو علمهم الذاتي في النور الأوّل، وهو عين ذاتهم النورية الأحديّة القدسية، وهذا العلم لا حاكم عليه بالتغيير والتبديل إلّا المشيئة الإلهية الذاتية، ثمّ يبدأ هذا العلم بالتنزّل والتجلّي للعوالم الأدنى، وعندما يصل إلى عالم المحو والإثبات يُصبح علماً متغيّراً ومحكوماً بالعوالم الأعلى والإرادات والمشيئات الفوقانية المحيطة به، فيقع فيه البداء والتحويل، والتبديل والتغيير.

وعلى هذه المرتبة العلميّة ـ في عالَم المحو والإثبات ـ تُحمَل أغلب الروايات التي تُثبت وقوع البداء في علومهم^ التي أخبروا بها أصحابهم وأتباعهم، من قبيل الرواية المعتبرة والمشهورة التي يرويها الكليني، بسنده عن أبي عبد الله الصادق×، قال: «مرّ يهودي بالنبي|، فقال: السام عليك. فقال رسول الله|: عليك. فقال أصحابه: إنما سلّم عليك بالموت! قال: الموت عليك! قال النبي|: وكذلك رددت. ثمّ قال النبي|: إنّ هذا اليهودي يعضّه أسود في قفاه فيقتله. قال: فذهب اليهودي فاحتطب حطباً كثيراً فاحتمله، ثمّ لم يلبث أن انصرف، فقال له رسول الله|: ضعه. فوضع الحطب، فإذا أسود في جوف الحطب عاضٌّ على عود، فقال: يا يهودي، ما عملت اليوم؟ قال: ما عملت عملاً إلّا حطبي هذا احتملته، فجئت به، وكان معي كعكتان فأكلت واحدة وتصدّقت بواحدة على مسكين. فقال رسول الله|: بها دفع الله عنه. وقال: إنّ الصدقة تدفع ميتة السوء عن الإنسان»([39])، فما أخبر به النبي| لم يكن كذباً ولا جهلاً ولا خطأ، وإنّما أخبر أصحابه بمعلومة من عالم المحو والإثبات أو ممّا هو دونه، وهذه المرتبة العلمية مشروطة ومحكومة بما فوقها، وقابلة للتغيير والتبديل كما بيّنا، ويبقى النبي الأكرم| في عوالم القلم واللوح وأُمّ الكتاب عالماً بالنتائج النهائية الثابتة غير المحكومة بشيء، إلّا بالمشيئة الإلهية الذاتيّة.

وهكذا الحال أيضاً بالنسبة إلى المرتبة والدرجة العلمية لهم^ في عالمنا المشهود، والتي سُمّيت قديماً في كلمات علمائنا بالعلم العادي للمعصوم، فإنّ هذه المرتبة العلمية أيضاً يقع فيها البداء والتغيير والتبديل، وعلى هذه النتيجة تُحمَل طوائف كبيرة وكثيرة من الروايات التي تتحدّث عن علومهم^ العادّية، من قبيل المعتبرة المشهورة التي يرويها الكليني أيضاً بسنده عن عبد الحميد بن سعيد، قال:«بعث أبو الحسن× غلاماً يشتري له بيضاً، فأخذ الغلام بيضة أو بيضتين فقامر بها، فلمّا أتى به أكله، فقال له مولى له: إنّ فيه من القمار. قال: فدعا بطشت فتقيّأه»([40]).

ويترتّب على هذا البيان فهم طبيعة ما يفعله المعصوم في عموم حياته اليوميّة، فيُقدِم على الجهاد في لهوات الحرب، ويُثاب عليه بأعظم الثواب، بل يعدل قتاله وجهاده عبادة الثقلين، وكذا يخشى المعصوم الله} أكثر من غيره، حتى يُغمى عليه في الصلاة، ويرهق من كثرة العبادة؛ لأنّه الأعلم بقدرته تعالى على تغيير كلّ شيء، وتحويل المخلوقات من حال إلى آخر، فيبكي ويدعو ويتضرّع؛ لئلّا يُخرجه الله تعالى من واسع رحمته، وألّا يُدخله النار، وألّا ينتزع منه نعمته وفضله وعطاءه و... وهو يدرك أنّه تعالى قادر على ذلك كلّه، ومشيئته حاكمة في جميع تلك الأُمور.

وبما بيّناه أيضاً تتّضح حقيقة علمهم^ الإشائي في هذا العالم، وأنّهم متى شاؤوا أن يعلموا علموا أو أعلموا([41])، فواحدة من معانيه الصحيحة أنّهم^ وهم في هذه النشأة المادّية متى ما أرادوا الاتّصال بوجوداتهم القُدسية في العوالم العليا فإنّهم قادرون على ذلك، فينهلون علوماً من تلك العوالم متى شاؤوا، وتكون المرتبة العلمية المقيّدة بمشيئتهم^ هي مرتبة علمهم في هذا العالم، وليس المقصود تقييد العلم بالمشيئة في جميع مراتبهم العلميّة بجميع عوالمهم القدسية، وإن كان جميعها مقيّد بالمشيئة الإلهيّة الذاتيّة.

قال العلّامة الطباطبائي في رسالة له حول علم النبي الأكرم| والإمام× بالغيب: «وأمّا الأخبار، فقد تكاثرت عن النبي| وأئمّة أهل البيت^؛ أنّ نور النبي| أوّل ما خلقه الله، وأنّ نورهم ونور النبيّ| واحد، وأنّ الله آتاه علم ما كان وما يكون وما هو كائن وحْيَاً، وأنّهم^ أخذوه عنه| بالوراثة. وقد ورد في بعضها ـ وسياقه سياق التفسير لسائرها ـ أنّهم^ إذا شاؤوا علموا وإذا لم يشاؤوا لم يعلموا.

ويتحصّل به: أنّ لهم بحسب مقام نورانيتهم علماً بالفعل بكلّ شيء، وأمّا بحسب الوجود العنصري الدنيوي، فهم إذا شاؤوا علموا بالاتّصال بمقام النورانية بإذن الله، وإذا لم يشاؤوا لم يعلموا؛ وعلى هذا يُحمَل ما ورد في بعض القَصص والسِيَر المأثورة عنهم ممّا ظاهره أنّهم ما كانوا على علم بما كان يستقبلهم من الحوادث، فلا تغفل»([42]).

بعد هذا البيان الموجز لحقيقة علم المعصومين^ وشخصياتهم المقدّسة في العوالم المختلفة، نقول:

ينبغي علينا أن لا نُحجِّم شخصيّة الإمام الحسين× الإلهيّة الضخمة بمستوى واحد من عوالم الوجود؛ لأنّ شخصيته× ممتدّة في تلك العوالم المتنوّعة، فالإمام× في مرتبة القلم واللوح وأُم الكتاب لا يتغيّر علمه، ولا تطاله يد البداء من الناحية الوقوعيّة، وإن أمكن فيه التغيير من جهة المشيئة الإلهيّة الذاتيّة، وهو× في مرتبة المحو والإثبات قد يتغيّر علمه وقوعاً، وكذا الحال في هذا العالم الدنيوي؛ حيث تكون علومه× في عالمنا متغيّرة ومشروطة بمشيئة العوالم العليا، وهذا أمر طبيعي ومقبول كما بيّنا.

والحاصل: إنّنا لا نرى في ضوء ما بيّناه أيّ مشكلة عقديّة في أن يسير الإمام الحسين× في نهضته للإصلاح بموجب معطيات الواقع وظروف المرحلة، وبما يتناسب مع مرتبة علمه ووجوده المقدّس في هذا العالم الأرضي، بتزاحماته ومتغيّراته، وملابساته الماديّة الدنيويّة، فينهل من علوم الوحي والمغيّبات على قدر ما يتناسب ويتماشى مع طبيعة عالمنا الدنيوي. ولا يسير في ضوء علوم الغيب في عوالم الوجود العليا بتمامها([43])، فيعمل× بموجب وجوده الأرضي، لا بموجب عوالمه الأُخرى، وإن كانت له× درجات سماويّة عليا تتسنّم علياء النور الأوّل.

ولعلّ العبارة المعروفة عن السيِّد المرتضى ـ في كتابه تنزيه الأنبياء ـ ترمي إلى ما ذكرناه؛ حيث يقول في صدد التوفيق بين المواقف الحسنيّة والمواقف الحسينيّة:«وهذا [أي الإمام الحسين×] لمّا قوي في ظنّه النصرة ممّن كاتبه ووثق له، ورأى من أسباب قوّة نُصّار الحقِّ وضعف نُصّار الباطل؛ ما وجب معه عليه الطلب والخروج»([44]).

وكذا قول المفيد:«فأمّا علم الحسين× بأنّ أهل الكوفة خاذلوه، فلسنا نقطع على ذلك؛ إذ لا حجّة عليه من عقل ولا سمع»([45]).

وهذا ما قد يُسمّيه البعض بعلم الظاهر، أو العلم العادي للمعصوم، كما أشرنا.

 ولا يتنافى هذا البيان أبداً مع النصوص الآتية التي تؤكّد علم الإمام× بما سيجري عليه وعلى صحبه وأهل بيته من القتل والسبي؛ لأنه:

أولاً: قد أشرنا إلى أنّ هذا العلم الغيبي محكوم بالإرادة والمشيئة الإلهيّة، فلا يقين مطلق من جميع الجهات بوقوع ذلك وإن كان محتوماً؛ لأنّ الحتم نسبي، كما أوضحنا.

وثانياً: ذكرنا بأنّ الإمام× إنّما يتعامل في هذا العالم بما يتناسب معه من درجات العلم، ولا يتعامل فيه بما يتناسب مع العوالم الأُخرى من درجات ومراتب علميّة متفاوتة.

خلاصة الفصل الثاني

تعرّضنا في هذ الفصل لواحدة من أهمّ الإشكاليّات العقديّة، وهي إشكاليّة منافاة الأهداف السياسيّة لعلم الإمام وعصمته، وذلك باعتبار أنّ الإمام الحسين× لو كان خروجه لأجل إسقاط الحكم الأُموي وإقامة حكم الله في الأرض، فإنّ معناه أنّه لم يكن عالماً بمصيره ومصير نهضته، وهذا ما لا يقبله أحد ممّن يؤمن بإمامته×.

وقد أجبنا عن هذه الإشكاليّة بإجابتين كليّتين، تحدّثنا في الأُولى عن الرابطة الوثيقة بين مبدأ علم الإمام وبين عقيدتي البداء والقضاء والقدر، وتبيّن أنّ الإمام الحسين× مع علمه الواسع بمُلك وملكوت السماوات والأرض، لا يجزم على الله تعالى بشيء، وهو× يعلم في هذه الحالة بأنّه ليس عليه إلّا القيام بوظيفته المكلّف بها، ولله تعالى القدرة والمشيئة في أن يُغيِّر مجاري الأُمور ويقلب المعادلة باتّجاه النصر العسكري.

وتحدّثنا في الإجابة الثانية حول تعدّد مراتب علم المعصوم بحسب تنوّع عوالم وجوده، وتبيّن أنّه لا ضير في أن يسير الإمام الحسين× في نهضته للإصلاح بموجب معطيات الواقع وظروف المرحلة، وبما يتناسب مع مرتبة علمه ووجوده المقدّس في هذا العالم الأرضي، بكلّ تزاحماته ومتغيّراته، ولا يسير في ضوء علوم الغيب في عوالم الوجود العليا.

 الفصل الثالث

الأسباب والمبررات التراثيّة

للتفريط بالأهداف والمبادئ السياسية للنهضة الحسينيّة

(إشكالية: خروج الإمام الحسين× بأمرٍ إلهيٍّ للشهادة)

اعتمد بعض المنكرين للأهداف السياسيّة للنهضة على بعض النصوص والروايات التي تؤكِّد على أنّ الإمام الحسين× مقتول لا محالة، وأنّه إنّما خرج ليستشهد، كما أنّه كان مأموراً بذلك.

إشكالية: خروج الإمام الحسين× بأمرٍ إلهيٍّ للشهادة

نحاول فيما يلي ـ لبيان هذه الإشكاليّة ـ أن نستعرض بعض تلك النصوص المشار إليها مع بيان كيفيّة الاستدلال بها على دعوى المنكرين، ثمّ ننتقل بعد ذلك إلى الإجابة عنها بنحو عام:

منها: إخبارات النبيّ الأكرم| وأهل بيته^ المتواترة والمتنوعة ـ عن جبرئيل عن الله تعالى ـ بمقتل الإمام الحسين× في كربلاء، وأنّه مأمور بذلك من قِبَل الله}، وهي كثيرة جدّاً، مرويّة من طُرق الفريقين، ولا داعي لاستعراضها([46]).

ويدّعي أصحاب هذه الإشكالية: أنّ تلك الطوائف من الروايات والنصوص النبويّة الشريفة تكشف بوضوح عن كون القضية الحسينيّة معلومة النتائج ومحسومة سلفاً، والحسين× يعلم علم اليقين ـ عن طريق هذه الإخبارات الوحيانيّة ـ بأنّه خارج ليُقتل، لا لينتصر ويُقيم حكم الله في الأرض.

ومنها: ما رواه الصدوق في الأمالي، حينما استعرض مسير الإمام الحسين× إلى الكوفة، حيث قال: «ثمّ سار حتى نزل الرهيمة([47])، فورد عليه رجل من أهل الكوفة، يُكنّى أبا هرم، فقال: يا بن النبيّ، ما الذي أخرجك من المدينة؟ فقال: ويحك يا أبا هرم! شتموا عرضي فصبرت، وطلبوا مالي فصبرت، وطلبوا دمي فهربت، وايْمُ الله، ليقتُلنّي، ثمّ ليُلبسنّهم الله ذُلّـلاً شاملاً، وسيفاً قاطعاً، وليُسلِّطنّ عليهم مَن يذلّهم»([48]).

فالإمام الحسين× يشرح مظلوميته لهذا الرجل الكوفي، ويُقسم له بأنّ بني أُميّة سيقتلونه لا محالة، ومَن كانت هذه حاله كيف يُتصور أنّه قد خرج لإسقاط الحكم الأُموي واستلام مقاليد الحكم؟!

ومنها: ما رواه ابن قولويه في كامل الزيارات، عن أبي عبد الله، عن أبيه، عن جدّه، عن الحسين بن عليّ÷، قال:«والذي نفس حسين بيده، لا ينتهي بني أُميّة مُلكُهم حتى يقتلوني، وهم قاتلي»([49]).

وهذا النصّ أيضاً صريح بأنّ الإمام الحسين× كان عالماً علماً يقينيّاً بأنّه مقتول، وأنّ بني أُميّة هم الذين سيرتكبون جريمة قتله، وقد أقسم الإمام× على حصول ذلك.

ومنها: قوله× لأُمّ سَلَمة حينما نصحته بألّا يخرج إلى العراق:«إنّي ـ والله ـ مقتول كذلك، وإن لم أخرج إلى العراق يقتلوني أيضاً، وإن أحببت أن أُريكِ مضجعي ومصرع أصحابي. ثمّ مسح بيده على وجهها؛ ففسح الله عن بصرها حتى أراها ذلك كلّه، وأخذ تربةً فأعطاها من تلك التربة أيضاً في قارورة أُخرى، وقال×: إذا فاضتا دماً فاعلمي أني قُتلت»([50]).

ويُكرِّس هذا النصّ أيضاً مضامين النصوص السابقة، وهي القَسم بأنّه× مقتول من دون شك، وأنّه سوف يُقتل على كلّ حال، توجّه للكوفة أم لم يتوجّه.

ومنها: قوله× أيضاً لأُمّ سَلَمة: «يا أُمّاه قد شاء الله} أن يراني مقتولاً مذبوحاً ظلماً وعدواناً، وقد شاء أن يرى حرمي ورهطي ونسائي مشرّدين، وأطفالي مذبوحين مظلومين، مأسورين مقيَّدين، وهم يستغيثون، فلا يجدون ناصراً ولا مُعيناً»([51]).

إذن؛ النتيجة معلومة، والمشيئة الإلهيّة قد تعلّقت سلفاً بأن يُقتل الحسين× ظلماً وعدواناً، وأن يُلاقي رهطُه وحرمه وأطفاله× آلام الأَسر والظلم والقتل، ولا يلوح في الأُفق أيّ هدف سياسي قابل للتحقّق على أرض الواقع آنذاك.

ومنها: ما رواه الصفار في البصائر بسنده، عن حمزة بن حمران، عن أبي عبد الله×، قال: «ذكرنا خروج الحسين وتخلُّفَ ابن الحنفية عنه، قال: قال أبو عبد الله:
يا حمزة، إنّي سأحدّثك في هذا الحديث، ولا تسأل عنه بعد مجلسنا هذا: إنّ الحسين لما فصل متوجهاً، دعا بقرطاس وكتب: بسم الله الرحمن الرحيم من الحسين بن عليّ إلى بني هاشم، أمّا بعد، فإنّه مَن لحق بي منكم استُشهد معي، ومَن تخلَّف لم يبلغ الفتح. والسلام»
([52]).

فالطريق الحسيني طريق شهادة وتضحية، وأصحاب الفتح هم الشهداء، لا القادة السياسيّون.

ومنها: خطبته× المشهورة التي قال فيها: «الحمد لله، وما شاء الله، ولا حول ولا قوّة إلّا بالله، وصلّى الله على رسوله وسلّم، خُطّ الموت على ولد آدم مخطّ القلادة على جيد الفتاة، وما أولهني إلى أسلافي اشتياق يعقوب إلى يوسف، وخيْرَ لي مصرع أنا لاقيه، كأنّي بأوصالي يتقطّعها عُسلان الفلوات، بين النواويس وكربلا، فيملأنّ منّي أكراشاً جوفاً وأجربةً سغباً»([53]). فكان الحسين× يرى تفاصيل ما سيجري عليه من القتل والهتك والسلب، فكيف يُعقل أن يخرج ساعياً لإقامة الحكومة الإلهيّة على هذه الأرض؟!

ومنها: ما أخرجه الكليني بسنده عن أبي عبد الله الصادق×، في حديث طويل حول الوصية وميراث النبوّة وخواتيم الأوصياء، جاء فيه قوله×: «فلمّا تُوفّي الحسن ومضى، فَتَحَ الحسين× الخاتم الثالث، فوجد فيها أنْ قَاتِلْ فاقتُل وتُقتَل، واخرُج بأقوام للشهادة، لا شهادة لهم إلّا معك. قال: ففعل×»([54]). فالوصاية الحسينيّة مختومة بالقتل، لا بالقيادة والحكم والرئاسة.

«وذلك بمجموعه يكشف عن أنّه× قد أقدم على تلك النهضة عالِـماً بمصيره»([55]).

هذه هي أهمّ النصوص والأحاديث التي تُذكر ـ عادة ـ لإثبات أنّ الإمام الحسين× كان عالماً علماً قطعياً بأنّه مقتول مسلوب، وأنّه إنّما خرج طلباً للشهادة؛ ليكون فاتحاً ومنتصراً بدمه الطاهر، ولم يخرج لإسقاط حكمٍ جائر وإقامة حكومة إلهيّة عادلة([56]).

ويتحصّل من مجموعها ما يلي:

أوّلاً: إنّ الإمام الحسين× كان عالماً علم اليقين بمقتله على كلّ حال، وكان عالماً أيضاً بتفاصيل ما سيجري عليه.

ثانياً: إنّ القضيّة الحسينيّة معلومة النتائج ومحسومة سلفاً، عن طريق الإخبارات الوحيانيّة، فالحسين× خرج ليستشهد، لا لينتصر ويُقيم حكم الله في الأرض.

ثالثاً: إنّ المشيئة الإلهيّة قد تعلّقت بشهادة الحسين× وشهادة وُلده وأصحابه وسبي عياله.

رابعاً: إنّ الفتح الحسينيّ فتح بالمظلومية والشهادة، لا بالقيادة.

وفي ضوء هذه النتائج قرّر بعض الباحثين شطب الأهداف السياسيّة من قائمة أهداف النهضة الحسينيّة.

الإجابة عن هذه الإشكالية: علم المعصوم ومشيئة الله تعالى الفعليّة لا تعني حسم الأُمور

بغضّ النظر عن البحث في أسانيد هذه النصوص ومدلولاتها، فإنّ إجابتنا عن هذه الإشكالية تعتمد على ما بيّناه وأوضحناه في الإجابة عن الإشكالية السابقة؛ لأنّها تبتني أيضاً على استيضاح العلاقة بين البداء والقضاء وبين مراتب ودرجات علم المعصوم، وفيما يرتبط بالمقام نؤشّر الإجابات التالية:

الإجابة الأُولى: علم الحسين× بشهادته لا يتنافى مع الأهداف السياسيّة للنهضة

إنّ علم الإمام الحسين× المسبق بشهادته ومقتله لا يتقاطع أبداً مع ما ذكرناه من المبادئ السياسيّة للنهضة، وذلك لوجهين:

الوجه الأوّل: إنّ هذا العلم ـ كما بيّنا ـ مهما كان قطعيّاً ومحتوماً ومأخوذاً من علوم النور الإلهي الأوّل، فإنّه يبقى محكوماً بالإرادة والمشيئة الإلهيّة الذاتيّة، ويبقى علماً وقطعاً نسبيّاً بالنسبة إلى ما دونها، وتبقى الحتميّة فيه حتميّة بالنسبة إلى العوالم الأدنى، فهو علم قطعي وقضاء حتمي لا يتأثّر ولا يتبدّل ولا يتغيّر بما دونه من العوالم الوجوديّة، لكنه قابل للتغيير والتبديل إذا لوحظ منسوباً إلى المشيئة الإلهيّة الذاتيّة؛ لأنّها حاكمة على كلّ شيء، وهذا هو ما أسميناه بالبداء الإمكاني في علوم ومعارف النور الأوّل([57]).

وحينئذٍ نقول: إنّ علم الإمام الحسين× بمقتله وشهادته حتى لو كان يقينيّاً وقطعيّاً وحتميّاً، بل حتى لو كان انكشافاً حضوريّاً ومشاهدة لما سيقع في مستقبل الأيام، فإنّ حصوله ووقوعه في عمود التسلسل الزمني يظل محكوماً بالمشيئة الإلهيّة الذاتيّة، وهذا هو معنى ما ذكرناه: من أنّ المعصوم لا يجزم على الله بشيء، فقد تنقلب المعادلة وتتغيّر الأُمور، وتختلف الحسابات إذا شاء الله تعالى ذلك.

ويبقى على الإمام الحسين× أن يعمل بتكليفه ووظيفته الإلهيّة، وإلى الله ترجع الأُمور كلّها، ومن وظائفه× وتكاليفه الإلهيّة الثابتة بالنصوص المتضافرة ـ كما ألمحنا إليه في الفصل السابق ـ هو محاربة الحكومة الأُمويّة الظالمة، والعمل على إسقاطها، وإقامة حكم الله في الأرض، وتشكيل الدولة الإلهية العادلة، وعلمه× المحكوم بالمشيئة لا يُغيِّر من واقع تلك الوظيفة شيئاً، وقد يتمّ تحقيقها وإنجازها في أرض الواقع إذا شاء الله تبارك تعالى.

ولا ننسى أنّ ذلك كلّه تابع لإرادة الأُمّة، إذا اختارت التغيير وانقلبت على حكّامها الظالمين والمتجبّرين، وكثيراً ما كان يربط الإمام الحسين× نهضته المباركة بإرادة الأُمّة والوعود والعهود والمواثيق التي قطعتها على نفسها، وكان يحترم المواثيق الكوفيّة، علّها تؤتي أُكُلَها وتُغيّر الموازين وتقلب المعادلات، لو سارت الأُمور بالاتّجاه الصحيح.

الوجه الثاني: ما أشرنا إليه سابقاً: من أنّ الإمام الحسين× بوجوده الأرضي المقدّس إنّما يتعامل في هذا العالم الدنيوي بما يتناسب معه من درجات العلم والمعرفة، ولا يتعامل فيه أبداً بالعلوم العُليا التي تُناسب العوالم الأُخرى، وإن كان عالماً بها ومطّلعاً عليها بوجوده ومقامه الملكوتي الأعلى، لا بوجوده الأرضي، فالعلم بما في العالم العُلْوي إنما يناسب ذلك العالم، ولا يعني الجري بمقتضاه في عالمنا الدنيوي، بل لعالمنا علومه المتغيرة والمحدودة التي تناسبه كما بيّنا، وهذه هي طبيعة التفاوت في خصائص وصفات عوالم الخلقة.

الإجابة الثانية: المشيئة الإلهيّة الفعليّة لا تعني حسم الأُمور

صرّحت بعض النصوص المتقدّمة بكون المشيئة الإلهيّة قد تعلّقت بشهادة الإمام الحسين×، وشهادة وُلده وأصحابه، وسبي عياله ظلماً وعدواناً؛ حيث قال×: «قد شاء الله أن يراني مقتولاً مذبوحاً ظلماً وعدواناً، وقد شاء أن يرى حرمي ورهطي ونسائي مشرّدين، وأطفالي مذبوحين مظلومين، مأسورين مقيّدين، وهم يستغيثون فلا يجدون ناصراً ولا معيناً». وقد استُنتج من ذلك كون الشهادة والسبي أمراً محسوماً، ولا معنى في هذه الحال لوجود أهداف سياسيّة للنهضة.

ولكن في مقام الإجابة عن ذلك نقول: لقد بيّنا ـ مفصّلاً ـ بأنّ المشيئة الإلهيّة تنقسم إلى مشيئة ذاتيّة هي عين الذات الأحديّة المقدّسة، ومشيئة فعليّة منسوبة إلى الذات الإلهيّة وإلى أفعالها ومخلوقاتها، والذي يُفهم من هذا النصّ الشريف أنّ المشيئة الإلهيّة المذكورة فيه هي المشيئة الفعليّة؛ وذلك لما ذُكر فيه من تعلّقها بالشهادة والسبي، والمشيئة الفعليّة هي التي تُعيّن جانباً على حساب جانب آخر، أي تختار طرفاً بالفعل وهو الشهادة والسبي دون الأطراف الأُخرى المحتملة.

وأمّا المشيئة الذاتيّة، فهي مطلقة وواسعة ومفتوحة على جميع الاحتمالات وكافّة الأطراف المتصوّرة، فكلّ شيء ممكن وقابل للحصول والتحقّق بالنسبة إليها.

والمشيئة الفعليّة بجميع مراتبها وعلى اختلاف وتنوّع عوالمها الوجوديّة محكومة بالمشيئة الإلهية الذاتيّة، فهي قابلة للتغيير والتبديل إذا نُسبت إلى إرادة ومشيئة الذات الإلهيّة، فالعلم بها لا يعني أبداً أنّ أمر الشهادة والسبي محسوم، وأنّ احتمال النصر والظفر مفقود، بل يبقى رجاء الإصلاح موجوداً، وأمل التغيير قائماً، وفي ضوئه خرج الإمام الحسين× للإصلاح، وهو القائل كما تقدّم: «إنّ الأمر لله يفعل ما يشاء، وربّنا تبارك كلّ يوم في شأن، فإن نزل القضاء؛ فالحمد لله على نعمائه، وهو المستعان على أداء الشكر، وإن حال القضاء دون الرجاء؛ فلم يبعد مَن الحقُّ نيّتُه».

والحاصل: إنّ المشيئة الإلهيّة الفعليّة التي أخبر عنها الإمام الحسين×، لا تغلق الأبواب أمام إمكانية تحقيق النصر العسكري، ولا تُلغي الأمل والرجاء في إصلاح الأُمّة وإسقاط الحكومة الظالمة، وإقامة حكومة إسلاميّة عادلة بديلة عنها؛ ولذا خرج الحسين× بأمل ورجاء تحقيق وإنجاز تلك الأهداف والمصالح والغايات السامية.

وفي نهاية المطاف، ينبغي أن نُميّز بين النصوص الصادرة في أوائل أيام النهضة، وبين ما صدر في نهاياتها، حينما أصبح الإمام الحسين× على مشارف الكوفة، وبعد انقلاب أهلها؛ لأنّ ما صدر في الأيام الأخيرة كان أقرب إلى الشهادة من النصر. وجملة من النصوص التي ذكرت في هذه الإشكالية، هي من نصوص الأيام واللحظات الأخيرة للنهضة([58]).

يضاف إلى ذلك كلّه: أنّ النصوص المذكورة في هذه الإشكالية، لا يخلو أكثرها من المناقشات السنديّة والدلاليّة، كما هو واضح، لكننا أعرضنا عن ذكرها لكفاية ما استعرضناه من أجوبة([59]).

وبما بيّناه تتّضح الإجابة أيضاً على جملة من الإشكالات والنقوض التي أوردها بعض المحقّقين من الأعلام على الأهداف السياسيّة للثورة الحسينيّة([60]).

خلاصة الفصل الثالث

تعرّضنا في هذ الفصل لواحدة من أهمّ الإشكاليّات التراثية، التي أدّت إلى شطب الأهداف السياسيّة من قائمة أهداف النهضة الحسينيّة، وهي إشكاليّة أنّ خروج الإمام الحسين× كان بأمر إلهيٍّ للشهادة، وقد أوردنا شواهد ونصوص هذه الإشكاليّة بشيءٍ من التفصيل، وأجبنا عن هذه الإشكاليّة بإجابات، كانت حصيلتها أنّ علم المعصوم ومشيئة الله تعالى الفعليّة لا تعني حسم الأُمور، ولا يتقاطع ذلك أبداً مع ما يُذكر من المبادئ السياسيّة للنهضة الحسينيّة.

الفصل الرابع

الأسباب والمبررات التاريخيّة

للتفريط بالأهداف والمبادئ السياسية للنهضة الحسينيّة

القسم الأوّل:  (إشكاليّة: كون الخروج لإسقاط الأنظمة الحاكمة

لم يكن سبيلاً ومنهجاً في سيرة الأئمّة^)

كان التاريخ ولا زال اللاعب الأساس في رسم معالم الكثير من المعارف الدينيّة والإسلاميّة، وانسياقاً مع هذا النوع من التأثير أدرج مجموعة من العلماء والباحثين الأحداث التاريخيّة التي أحاطت بالنهضة الحسينيّة في قائمة الأسباب المانعة من الالتزام بوثائق ومستندات أهدافها السياسيّة.

ونحن قد تعرّضنا في الفصلين الماضيين لبعض الأسباب والمبرّرات التي دعت جملة واسعة من أُولئك العلماء والباحثين لإنكار الأهداف السياسيّة للنهضة الحسينيّة، فذكرنا منها الأسباب العقديّة والتراثية، وأجبنا عنهما بما يتناسب مع الآفاق العامّة للبحث، ونحاول في هذا الفصل أيضاً أن نستعرض واحدة من أهمّ الأسباب والمبرّرات التاريخيّة التي أدّت لإنكار تلك الأهداف.

إشكاليّة: كون الخروج لإسقاط الأنظمة الحاكمة لم يكن سبيلاً ومنهجاً في سيرة الأئمّة^

إنّ الإشكاليّة التاريخيّة المطروحة في عنوان هذا الفصل ملخّصها هو: أنّ كلّ الأئمّة المعصومين^ بعد وفاة النبيّ الأكرم| ـ باستثناء الإمام الحسين× في موقفه الأخير ـ لم يُسجّل لهم التاريخ موقفاً سياسيّاً يُمثّل جانباً من جوانب الثورة والانقلاب والخروج على السلطات غير الشرعيّة لإسقاطها وإقامة الحكومة الإسلاميّة الإلهيّة العادلة بقيادة خليفة الله في أرضه.

فأمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب× قد بقي جليس داره زمناً طويلاً، ولم يرصد له التاريخ تحركاً سياسيّاً أو تخطيطاً عسكريّاً لإسقاط النظام الحاكم آنذاك، بل كان مستشاراً دينيّاً وقانونيّاً وسياسيّاً لذلك النظام في كثير من القضايا المهمّة والمفصليّة، وحينما جاءه المسلمون يبايعونه على الخلافة ـ بعد مقتل عثمان ـ اعتذر في بداية الأمر عن قبول بيعتهم، وطلب منهم أن يلتمسوا غيره، وشارطهم على أنّه سيكون داعماً للحكومة التي يختارونها، ولعلّ أسباب ذلك هو أنّ الأُمّة قد انحرفت بعد نبيِّها عن مسارها الصحيح الذي اختطَّه لها، ولم يبقَ بالإمكان فرصة إصلاحها بإقامة حكومة إلهيّة على يد الخليفة المعصوم، باستثناء ما سيقوم به المهديّ×. وحتى بعد قبوله× استلام السلطة كان يعلم من أوّل الأمر بفشل مشروع الإصلاح، ولم يكن هدفه من ذلك تحقيق ما اندفعت الجماهير له وتخيّلته ممكناً، من إصلاح الأوضاع العامّة، أو تعديل مسار السلطة في الإسلام. وإنّما كان الدافع الأساس هو عهد النبي| له بالقيام بالأمر إذا وجد أنصاراً.

كذلك الإمام الحسن×، حيث اضطرّ لترك الخلافة وتسليمها لمعاوية بن أبي سفيان، وبغضّ النظر عن الحديث في ظروف ومبرّرات ذلك، فهو× في نهاية المطاف قد تنازل عن الخلافة لحساب معاوية، ما يعني أنّ الأُمّة لا زالت غير مؤهَّلة لتشكيل حكومة إسلامية عادلة.

والإمام الحسين× لم يتحرّك أيضاً بعد أخيه الحسن× للقيام بالثورة والانقلاب لإقامة دولة الإسلام، لا في زمان معاوية ولا زمان ابنه يزيد، وهو إنّما خرج أخيراً لطلب الشهادة بأمر إلهيٍّ، لمّا حوصر وضاقت عليه الأرض بما رحبت.

والصورة أوضح وأجلى بالنسبة إلى سائر الأئمّة المعصومين^، من زمن إمامة عليّ بن الحسين زين العابدين×، إلى زمن الإمام الحسن بن عليّ العسكري×، والفترة التي أعقبتها حينما غاب ابنه المهديّ×، حيث لا نجد في فصول سيرتهم^ أيّ تحرّك باتّجاه التغيير السياسيّ أو الانقلاب العسكري، بل كانوا يأمرون أصحابهم بالجلوس والسكون والالتزام بالهدنة وانتظار الفرج على يديّ القائم من آل محمد^، خصوصاً في زمن الإمام الصادق×، مع أنّ فرصة التغيير السياسيّ كانت كبيرة جدّاً في فترة إمامته×.

روى الكليني بسنده عن عبد الحميد الواسطي، عن أبي جعفر الباقر×، قال: «قلت له: أصلحك الله! لقد تركنا أسواقنا انتظاراً لهذا الأمر، حتى ليوشك الرجل منّا أن يسأل في يده؟ فقال: يا [أبا] عبد الحميد! أترى مَن حبس نفسه على الله لا يجعل الله له مخرجاً؟ بلى والله، ليجعلَنّ الله له مخرجاً، رحم الله عبداً أحيا أمرنا»([61]).

وروى النعماني في الغيبة بسنده عن عبد الرحمن بن كثير، قال: «كنت عند أبي عبد الله× يوماً وعنده مهزم الأسدي، فقال: جعلني الله فداك، متى هذا الأمر الذي تنتظرونه، فقد طال علينا؟ فقال: يا مهزم، كذب المتمنّون، وهلك المستعجلون، ونجا المسلمون، وإلينا يصيرون»([62]).

وهذا كلّه يكشف عن أنّ منهج الأئمّة^ وسيرتهم بعد النبي الأكرم| لم يكن قائماً على التدبير والتخطيط لإسقاط الأنظمة الظالمة في زمانهم، واستبدالها بالحكومة الإلهيّة العادلة. بل إنّ سيرتهم^ وسيرة أتباعهم قد جرت على مبدأ السكوت والجلوس والانتظار والترقّب، إلى أن يأذن الله بأمره؛ وذلك لأنّ الأُمّة قد فقدت قابلية الإصلاح والتغيير حينما انحرفت عن مبدأ الإمامة والخلافة الإلهيّة بعد وفاة نبيّها الأكرم|، فأضحى الإصلاح وإرجاع السلطة في الإسلام إلى مسارها الصحيح متعذّراً، بعد الانحراف الكبير الذي تورّطت به الأُمّة، وكان الأئمّة^ يعلمون بذلك من اليوم الأوّل للانحراف، وإن لم يتسنّ لهم التصريح به والتأكيد عليه إلّا بعد فاجعة الطف.

وحينئذٍ يكون الإيمان بثبوت أهداف سياسيّة انقلابيّة وثوريّة للنهضة الحسينيّة، ممّا يتنافى مع المنهج الصحيح والتوجّه العام والسيرة العمليّة المعروفة لأئمّة أهل البيت^، في كيفيّة تعاملهم مع السلطات غير الشرعيّة، الحاكمة في زمانهم، حيث كانت قائمة على مبدأ المهادنة وعدم التصدّي لمواجهة الحاكم، مع أنّ بعض تلك السلطات قد لا يقلّ ظلماً وجوراً وتهتّكاً عن حكومة يزيد بن معاوية.

الإجابة عن هذه الإشكاليّة: النهضة والإصلاح والتغيير السياسي في منهج وسيرة أهل البيت^

نعتقد بأنّ هذه الإشكاليّة والرؤية المجتزأة في تحديد سيرة ومواقف المعصومين^ تجاه السلطات الحاكمة في زمانهم، غير واقعيّة ولا مطابقة لأُسلوبهم في التعامل مع طبيعة الواقع الديني والاجتماعي والتقلّبات السياسيّة والاضطرابات الأمنيّة والاقتصاديّة والمذهبيّة التي عايشوها آنذاك. وللوقوف على حقيقة الأمر نقول:

إنّنا وبشكل صريح وواضح نرفض هذه الإشكالية من الأساس، ولا نقبل بفكرة أنّ الأئمّة^ لم يسعوا على الإطلاق لاستلام الحكم وإصلاح الأُمور وبناء دولة الحقّ والعدل بعد وفاة النبي الأكرم|. بل نعتقد بأنّ سيرتهم كانت قائمة على العكس من ذلك، حتى بعد انحراف الأُمّة عن مسارها الصحيح في مسألة الإمامة والخلافة، خصوصاً في الفترة التي سبقت شهادة الإمام الحسين×، والتاريخ والنصوص الدينيّة المتضافرة خير شاهد ودليل على ما ندّعي، ولنأخذ جولة سريعة حول أهمّ الأحداث والنصوص الواردة في هذا الإطار ضمن البحوث التاليّة([63]):


 





 



المبحث الأوّل: المبادئ السياسيّة للنهضة العلويّة


نعتقد بأنّ الإمام عليّ بن أبي طالب× قد سعى بقوّة وبشكل جادّ للقيام بنهضة تصحيحيّة شاملة، كما سعى أيضاً بالسبل المتاحة والمشروعة لاستلام السلطة والخلافة وإقامة حكم الله في الأرض بعد وفاة النبيّ الأكرم|، والشواهد التاريخيّة والروائيّة على ذلك كثيرة جدّاً، ومستفيضة نصّاً ومعنًى، نذكر فيما يلى بعضها:

الشاهد الأوّل: الحركة السلميّة لإسقاط الحكومة غير الشرعيّة

لقد واصل الإمام عليّ× رفضه واستنكاره لخلافة أبي بكر، ومقاطعتها، وامتناعه عن أداء البيعة، وتحصّنه هو وأهل بيته وأتباعه في بيت فاطمة (سلام الله عليها)، والمطالبة المستمرّة بحقّه المشروع بالخلافة وقيادة الأُمّة، واعتبار ما حصل انقلاباً على الشرعية.

يقول× في إحدى خطبه حول هذه النقطة بالخصوص: «وقال قائل: إنّك على هذا الأمر يا بن أبي طالب لحريص. فقلت: بل أنتم ـ والله ـ لأحرص وأبعد، وأنا أخصّ وأقرب، وإنّما طلبت حقّاً لي، وأنتم تحولون بيني وبينه، وتضربون وجهي دونه... اللّهم، إنّي أستعينك على قريش ومَن أعانهم، فإنّهم قطعوا رحمي، وصغّروا عظيم منزلتي، وأجمعوا على منازعتي أمراً هو لي»([64]).

وقد شكّل ذلك العصيان المدني والسياسي اللافت خطراً شديداً على تشكيلة الحكومة الجديدة، واعتبره قادة الحركة الانقلابية توهيناً وإضعافاً لهيبة الخلافة والدولة في نفوس عامّة المسلمين، ما استدعى منهم إصدار التوجيهات والأوامر بالتحرّك العسكري لقمع المعارضة، وإعلان حالة الطوارئ، وفرض الأحكام الجاهليّة اللاعرفيّة، التي انتهكت حرمة البيت النبويّ الطاهر، وتجاوزت على البضعة النبويّة الشريفة بالضرب والتعنيف، وقد وقعت في أكثر من مناسبة مشادّات كلامية ومناوشات بين أفراد في المعارضة وبين قيادات حكوميّة وعسكريّة في الحزب الحاكم([65]).

هذه وغيرها من الأحداث ـ في سياق الحركة السلميّة العلويّة للمطالبة بالحقوق الدينيّة والسياسيّة ـ كوّنت رؤية واضحة لدى الرأي العام تجاه الخلافة القائمة وعدم شرعيتها. وهذا خير شاهد على التدخّل المباشر من قِبَل المعصوم في صناعة القرار السياسيّ وتعيين نظام الحكم والسلطة، ولكن بالطرق السلميّة.

الشاهد الثاني: الحركة الثوريّة لإسقاط الحكومة غير الشرعيّة

لقد ترأّس الإمام عليّ× حركة ثوريّة لإدارة دفّة التغيير السياسي والحكومي، واتّخذ خطوات ميدانية بقيادته الحكيمة لإسقاط خلافة الانقلاب السقيفي، الفاقد للأهلية والكفاءة في قيادة الأُمّة الإسلاميّة، وهنالك نصوص تاريخية وروائية كثيرة جدّاً، يمكن رصدها وتتبّعها لفهم معالم وآفاق هذه النهضة العلويّة الرائدة، وتفصيل الكلام في هذه النقطة قد يخرجنا عن هدف هذا الكتاب، ولكننا نحاول التأشير على بعض مشاهد وصور تلك النهضة إجمالاً، فمن ذلك على سبيل المثال:

1ـ ما رواه الخصيبي في كتابه الهداية الكبرى، بسنده عن الإمام الحسن×، حينما عاتبوه على صُلحه مع معاوية، وتركه الخلافة له ـ كما سيأتي ـ فأجابهم قائلاً: «لو أنّي في ألف رجل، لا والله إلّا مائتي رجل، لا والله إلّا في سبع نفر لما وسعني تركه، ولقد علمتم أنّ أمير المؤمنين دخل عليه ثقاته حين بايع أبا بكر، فقالوا له مثلما قلتم لي، فقال لهم مثلما قلت لكم، فقام سلمان والمقداد وأبو ذر وعمار وحذيفة بن اليمان وخزيمة بن ثابت وأبو الهيثم مالك بن التيهان، فقالوا: نحن لك شيعة ومن ورائنا شيعة لك، مصدِّقون الله في طاعتك. فقال لهم: حسبي بكم. قالوا: وما تأمرنا؟ قال: إذا كان غداً فاحلقوا رؤوسكم واشهروا سيوفكم وضعوها على عواتقكم وبكّروا إليّ؛ فإنّي أقوم بأمر الله ولا يسعني القعود عنه. فلمّا كان من الغد بكّر إليه سلمان والمقداد وأبو ذر وقد حلقوا رؤوسهم وأشهروا سيوفهم وجعلوها على عواتقهم، ومعهم عمار بن ياسر... فلمّا قعدوا بين يديه× نظر إليهم... فقال: اغمدوا سيوفكم، فو الله، لو تمّ عددكم سبعة رجال لما وسعني القعود عنكم»([66]).

فهذا النصّ صريح في أنّ من الوظائف المصيريّة والأوامر الإلهيّة التي كان يرى الإمام عليّ× ضرورة القيام بها ـ بعد رحيل الرسول الأكرم| ـ هو النهوض والتحرّك المسلّح لإسقاط الخلافة المنتحلة، والتصدّي لإقامة أمر الله وحكمه في الأرض بإمامته وقيادته×، وقد أعطى الأوامر والتوجيهات اللازمة في هذا المجال، وكان يكفيه للخروج وتحقيق الأهداف في ذلك الحين سبعة من الرجال المخلصين، المضحّين لدينهم ومبادئهم. لكنه× لم يجتمع لديه حتى هذا العدد القليل من الأعوان والأنصار، وهو ما اضطرّه للبيعة واستبعاد الخيار العسكري.

2ـ خطبته× المشهورة في مسجد النبي الأكرم|، حينما تخاذلت الأُمّة في الدفاع عن حقّه بالإمامة والخلافة، يقول فيها×، بعد تقديم الحمد والثناء لله تعالى، والصلاة على الرسول الأكرم|: «أيُّها الأُمّة التي خُدعت فانخدعت، وعرفت خديعة مَن خدعها فأصرّت على ما عرفت، واتّبعت أهواءها، وضربت في عشواء غوايتها، وقد استبان لها الحقّ فصدّت عنه»، في إشارة واضحة منه× إلى أنّ خلافة السقيفة كانت خدعة مفضوحة بفكرتها ورجالاتها وتشكيلتها، وأنّ الخدعة انكشفت للأُمّة بالجهود السلميّة التي بذلها×، فظهرت بذلك معالم الحقّ والحقيقة، ولكن الأُمّة تخاذلت، واتّبعت أهواءها، وصدّت عن الحقّ، ونامت على وسائد الخديعة والذلّ.

ثمّ يواصل× كلامه في تعنيف الأُمّة وتوبيخها على تضييعها هذا الحقّ الإلهيّ، الذي فيه صلاح البلاد والعباد والسعادة في الدارين، إلى أن يقول×: «أما والله، لو كان لي عدّة أصحاب طالوت أو عدّة أهل بدر ـ وهم أعداؤكم ـ لضربتكم بالسيف حتى تؤولوا إلى الحقّ وتنيبوا للصدق، فكان أرتق للفتق، وآخذ بالرفق، اللّهم فاحكم بيننا بالحقّ وأنت خير الحاكمين»، فكان الإمام× على استعداد تامّ لخوض حرب شاملة، هدفها إسقاط الحكم الفاسد وإرجاع الحقّ لأهله، ويؤكِّد بشكل واضح وصريح على أنّ المصلحة في ذلك، وأنّه لا مصلحة في المهادنة والسكوت. ولكن لا حرب بلا جيش، ولا صولة بيدٍ جذّاء!!

ثمّ خرج× من المسجد، فمرّ بحظيرة فيها نحو من ثلاثين شاة، فقال: «والله، لو أنّ لي رجالاً ينصحون لله}ولرسوله بعدد هذه الشياه لأزلت ابن آكلة الذبان عن ملكه. فلمّا أمسى بايعه ثلاثمائة وستّون رجلاً على الموت، فقال لهم أمير المؤمنين×: اغدوا بنا إلى أحجار الزيت محلّقين، وحلّق أمير المؤمنين×، فما وافى من القوم محلّقاً إلّا أبو ذر والمقداد وحذيفة بن اليمان وعمار بن ياسر، وجاء سلمان في آخر القوم، فرفع يده إلى السماء، فقال: اللّهم إنّ القوم استضعفوني كما استضعفت بنو إسرائيل هارون»([67]). ومضمون النصّ واضح لا يفتقر إلى التعليق. ويظهر منه أنّه× كان يجلس لاستقبال المبايعين على التضحية والقتال في سبيل الحقّ، وقد أقنع ـ بكلامه وخُطبه وتحرّكاته الواسعة ـ مجموعة كبيرة من الصحابة، قادرة على التغيير وصناعة المستقبل بما يتوافق مع الإرادة الإلهيّة، لولا الخيانة والخذلان.

3ـ ما يروى عن سليم بن قيس، أنّه قال: «سمعت عليّاً يوم الجَمَل ويوم صفِّين يقول: إنّي نظرت فلم أجد إلّا الكفر بالله، والجحود بما أنزل الله، بمعالجة الأغلال في نار جهنّم، أو قتال هؤلاء، ولم أجد أعواناً على ذلك. وإنّي لم أزل مظلوماً منذ قُبض رسول الله|، ولو وجدت قبلُ الناس أعواناً على إحياء الكتاب والسنّة كما وجدت اليوم لنا لم يسعني القعود»([68]).

فكان البحث جارياً عن الأعوان والأنصار مُنذ قبض رسول الله|، وما كان يسع عليّاً× القعود عن حقّه، لولا اليد الجذّاء وتخاذل الشعب وفقدان الناصر. والنصّ يُشير بوضوح إلى أنّ هناك نهضة علويّة تستهدف إحياء الكتاب والسنّة، والتغيير الثوري المسلّح، ولكنّها نهضة لم ترَ النور بسبب تخاذل الأُمّة وتقاعسها عن الحقّ. كما أنّ النصّ واضح أيضاً، في كون الجلوس عن الحقِّ، ومهادنة الطغاة، مع وجود الأعوان والأنصار، من الأُمور التي تستلزم لصاحبها الكفر بالله، والجحود بكتابه، واستحقاق الدخول إلى نار جهنّم، فهي من الكبائر بامتياز.

4ـ يواجه الإمام× في هذا النصّ قيادات الحزب الحاكم في مسجد رسول الله|، ويُصارحهم بأبعاد حركته السياسيّة الثوريّة التي كانت تؤرّقهم آنذاك، ويخاطبهم× بالقول: «ولو كنت في أربعين رجلاً، لفرقت جماعتكم، فلعن الله قوماً بايعوني ثمّ خذلوني»([69]).

فكان هناك تخطيط عسكري من قِبَله×، وبيعة له على التحرّك المسلّح لإسقاط النظام، وكاد أن ينجح الأمر لولا الخذلان، ولعلّ نظام الحكم الانقلابي قد بلغ من القوّة والاستحكام ما احتاج فيه الإمام× لزيادة سقف الأعوان والمؤيدين من سبعة رجال إلى الأربعين رجلاً.

5ـ في مضمون آخر ذي صلة، أنّ رسول الله| قال لعليٍّ× ـ بعد أن كشف له طموحات القوم ومخططاتهم ورغبتهم الجامحة في تولّي السلطة والحكم ـ: «إنّ وجدت عليهم أعواناً فجاهدهم ونابذهم، وإن أنت لم تجد أعواناً، فبايع واحقن دمك». فقال عليّ× مخاطباً مجلس الشيوخ!!: «أما والله، لو أنّ أُولئك الأربعين رجلاً الذين بايعوني وفوا لي لجاهدتكم في الله»([70]).

فلم تكن وصية النبيّ الأكرم| لعليّ× هي السكوت والقعود عن حقّه بشكل مطلق وفي جميع الأحوال، وإنّما جعل ذلك ظرفاً اضطراريّاً ومشروطاً بعدم وجود المؤيِّدين والأعوان، وأنّ عليه أن يسعى لتكوين قوّة فدائية ضاربة؛ يستعين بها لتقويم الانحراف الذي ظهرت معالمه في الأُمّة، ويظهر من كلامه× أنّه قد عمل فعلاً بالفرض الأوّل من الوصية، فاستنصر الناس وتهيّأ للجهاد وجمع الأعوان، وعبّأهم للقتال، وأنّ هناك أربعين رجلاً من الأصحاب ـ في أقلّ التقادير ـ قد بايعوه بالفعل على الجهاد لإسقاط نظام الحكم، ولكنّهم خذلوه، فاضطر للسكوت والمهادنة.

6ـ وهناك نصّ روائي يُبيِّن طبيعة التحرّك والتخطيط العلويّ لجمع الأعوان، وكسب الأنصار، والتأكيد على ضرورة التحشيد البشري والعسكري؛ للخروج على الخلافة غير الشرعيّة، وهو ما شاهده سلمان، ورواه توصيفاً وتوثيقاً لتلك المرحلة الحسّاسة؛ إذ يقول: «فلمّا كان الليل حمل عليّ فاطمة على حمار، وأخذ بيد ابنيه الحسن والحسين، فلم يدع أحداً من أهل بدر من المهاجرين ولا من الأنصار إلّا أتى منزله وذكر حقّه ودعاه إلى نصرته، فما استجاب له من جميعهم إلّا أربعة وأربعون رجلاً، فأمرهم أن يُصبحوا بكرة محلّقين رؤوسهم، معهم سلاحهم، وقد بايعوه على الموت، فأصبح ولم يوافه منهم أحد غير أربعة»([71]).

لقد احتشدت في هذا النصّ معانٍ ومضامين بالغة الخطورة والأهمّية، تحكي آفاق وأُسلوب وآليات النهضة العلويّة للتغيير، تلك النهضة التي أقعدها خذلان الأُمّة وضعف إرادتها، حيث حمل× ثقل النبوّة وحرم الله ورسوله وأهل بيته الطاهرين، وخرج بهم في هيئة وكيفيّة خاصّة، وبشيء من السريّة والخفاء والكتمان؛ وذلك بغية إقناع الأُمّة بحقّه، ودعوة الناس لنصرته، ومبايعته على الموت والجهاد في سبيل الله؛ لتصحيح المسار الذي لا زال في بدايات الانحراف والضلال، وقد اختار للتغيير والتصحيح الأُسلوب العسكري المسلّح؛ لخطورة الموقف، وضرورة الإصلاح.

نكتفي بهذا القدر من النصوص والإيضاحات، ويمكننا أن نجمل مفاصل هذه النهضة العلويّة المباركة بعد وفاة النبيّ الأكرم| في النقاط التالية:

1ـ كان الإمام عليّ× يعلم بواقع المؤامرة؛ حيث أخبره النبي| بذلك، وأطلعه على ما يُضمره القوم من مطامع وشهوات تجاه الزعامة والحكم.

2ـ إنّ النبي| قد أوصى عليّاً×، في حال تفاقمت الأُمور، وانقلب القوم على الشرعيّة السماويّة، بأن يسعى لتشكيل قوّة عسكريّة مسلّحة لوأد الفتنة وإفشال المؤامرة، وإكمال مسيرة بناء الدولة الإسلاميّة العادلة؛ فكان الخروج المسلّح للتغيير من الوظائف الإلهيّة، بأمر مباشر من النبيّ|.

3ـ كذلك أوصى النبيّ| عليّاً× بالجلوس والسكوت واستبعاد الخيار العسكري إن لم يجد ما يكفي من الأتباع والمؤيّدين، ويُفهم من النصوص الواردة في هذا المجال أنّ خيار السكوت كان خياراً اضطراريّاً، وعلاجاً طوارئيّاً في أسفل قائمة الحلول، ولم يكن هو الأصل في التأسيس لكيفيّة مواجهة السلطات والحكومات الفاسدة والمنحرفة.

4ـ ابتدأت الحركة العلويّة بشكل سلمي؛ لكشف خيوط المؤامرة والخديعة والشعارات المزيّفة، متمثّلة في بداية الأمر بالمقاطعة والاستنكار والمطالبة بالحقّ ورفض البيعة والعمل على كشف الأوراق، وقد نجحت هذه الحركة السلميّة في فضح المؤامرة ورجالاتها أمام الرأي العام، وأضحى المسلمون على بيّنة من أمرهم، يعلمون أنّ الحقّ مع عليّ×، لا مع غيره. واستشعاراً بخطورة هذه الحركة اتّخذت الحكومة القائمة تدابير أمنيّة صارمة لإسكات هذا الصوت المعارض، والمطالب بحقوقه المشروعة.

5ـ كانت الحركة والنهضة العلويّة المباركة تحمل شعارات التغيير والإصلاح، وإحقاق الحقّ، والدفاع عن الدستور الإسلامي (الكتاب والسنّة النبويّة)، وإقامة حكم الله في الأرض.

6ـ بعد أن جُوبه الخيار السلمي بالعنف الحكومي، وارتسمت الصورة الواضحة للخلافة غير المشروعة، وعملاً بالوصيّة النبويّة الشريفة، سعى الإمام× بشكل جادّ ومتكرّر لاستنهاض الأُمّة وتحشيد المسلمين وإقناعهم بضرورة تبنّي الخيار العسكري لاسترجاع الحقوق وردع البغاة والطامعين والمتسلّقين على أكتاف المسلمين، وأنّ الخروج المسلّح لتحقيق الإرادة الإلهيّة أصلح للأُمّة من المهادنة والسكوت على الباطل، بل يُعدّ هذا الأمر من الكبائر مع إمكانيّة التغيير.

ويظهر من بعض النصوص أنّه× قد تحرّك بهذا الاتجاه مراراً وتكراراً، وحاول استنهاض الأُمة في ظروف ومناسبات مختلفة. كل ذلك بتدبير خاص ومدروس ومُتقن، مُحاطاً بدرجة عالية من السرِّية والخفاء والكتمان، وفي وفد مفاوض إلهي رفيع المستوى، ضمّ أهل الكساء والمباهلة وآية التطهير.

7ـ أصابت تلك الجهود المباركة أهدافها، وأسفرت عن تشكيل جيش متكامل، وقوّة عسكريّة كبيرة قادرة على التغيير، وقد بايعوا الإمام× على الجهاد في سبيل الله والموت بين يديه. وصرّح× في أكثر من موقف بأنّه مستعدّ لخوض حرب عامّة وشاملة ضدّ كلّ مَن يقف بوجه الإصلاح والتغيير، واسترجاع الحقوق المسلوبة، وإقامة حكم الله في الأرض، وليس ذلك إلّا لخطورة الموقف وحساسيّة المرحلة.

8ـ أصدر الإمام× لأتباعه مجموعة من التوجيهات والأوامر والتدابير السياسيّة والأمنيّة، كان من جملتها المحافظة على سريّة الحركة إلى حين مجيء ساعة الحرب، وأن يكونوا على استعداد كامل للمواجهة، وأن يحلقوا رؤوسهم؛ ليتميّزوا بالهيئة والشكل عن غيرهم، ويُوحوا لأعدائهم بأنّهم مستميتون في سبيل مبادئهم، ويُدخلوا في قلوبهم الرعب، وقد أمرهم× بالإبكار مصبحين واضعين سيوفهم على أكتافهم، إما التغيير أو الموت.

9ـ لكن المؤسف في الأمر هو أنّ الأُمّة قد تخاذلت في أداء وظائفها، وتخاذل المؤيّدون وتراجعوا تدريجيّاً عن بيعتهم، اتّباعاً للهوى، وطلباً للسلامة الدنيويّة على حساب الدين ومصلحة الإسلام.

10ـ اضطرّ الإمام× بعد الخذلان للبيعة والمهادنة، وحينما استدعاه الحزب الحاكم للبيعة تحت طائلة العنف والتهديد، صارحهم بحركته السياسيّة وتخطيطه العسكري، الذي كان كثيراً ما يؤرِّقهم ويُخيفهم، وقد أطلعهم بشكل واضح على أنّه كان عازماً على استئصالهم وإقصائهم عن سدّة الحكم، لولا تقاعس وخذلان الناس والأعوان.

وحاصل ما ذكرناه في هذه النقطة وسابقتها: أنّ هناك نهضة إصلاحيّة وتصحيحيّة منظّمة، قادها الإمام عليّ×، حملت شعارات: التغيير، وإحياء الكتاب والسنّة، والدفاع عن الشرعيّة الإلهية، وإسقاط الخلافة المبتدعة والخارجة عن القانون، وإقامة حكومة الإسلام بقيادة علويّة ربّانيّة. ولكن النجاح لم يُكتب لهذه النهضة المباركة بسبب سوء اختيار الأُمّة المتخاذلة، وفقدان الأنصار المؤمنين بالنهضة وقائدها.

الشاهد الثالث: التصدّي الفعلي لتسلّم مقاليد الحكم والسلطة

تسنّم أمير المؤمنين× وبشكل مباشر ورسمي كرسي الخلافة، وإدارة شؤون الدولة الإسلاميّة، بعد مقتل عثمان وإقدام أغلب الصحابة والمسلمين على مبايعته، وقد رسم للسياسة صورة رائعة، وأعطى رؤية متكاملة حول نظام الحكومة الإسلاميّة، فكان ولازال عليّ بن أبي طالب× الحاكم الأبرز والأمثل والأعدل في تاريخ الحكومات الإسلامية والعالمية، وقد صُنِّفت حول شخصيّته السياسية المحنّكة وحكومته الرائدة الكتب والبحوث والدراسات، وانتُخبت أقواله ومواقفه وسيرته مع الرعية والولاة والحكومات والأنظمة غير الإسلامية مصدراً ومنهاجاً عالمياً في الأُمم المتحدة، ولازال المفكّرون من القرّاء والدارسين لهذه الشخصية العظيمة على أعتاب سُلّم المجد العَلَويّ، ولازالت جميع الدول والحكومات مدعوّة لدراسة أبعاد الحكومة والقيادة العلويّة والاقتداء بها للخروج من أزماتها الدوليّة والمحلّيّة.

وقد حملت هذه الحكومة الإلهية في جنباتها كلّ خير للأُمّة الإسلامية وللإنسانيّة جمعاء، وتضمّنت من الأقوال والنصوص والمواقف والشواهد ما يكرِّس وبشكل واضح وجلي كلّ ما ادّعيناه في هذه الإجابة الأُولى، من أنّ سيرة المعصومين^ قائمة على التخطيط لبناء دولة الحقّ واستلام مقاليد الحكم.

وكم يُعجبني أن أستعرض هنا بعض الفصول السياسية الضخمة في حياة عليّ×، من قبيل ما يرتبط بإعلان الدستور (الكتاب والسنّة)، وتحديد الرؤية الإسلاميّة السياسية تجاه الحكم ومبادئه وعلاقته بالدين والسماء، وتشكيل حقائب الحكومة الصالحة وتعيين وظائفها التنفيذيّة، وبناء الدولة الكريمة، واختيار الولاة والقضاة والموظفين والعمّال، وتنظيم الموازنة الماليّة والاقتصاديّة، وإنشاء منظومة الحقوق ودوائر ودور الرعاية الاجتماعية، ورفع راية الإصلاح والتغيير والتطوير، والاهتمام بالتنمية البشريّة، ومحاربة الفساد بكلِّ أشكاله، ودعم التسليح العسكري، وتعبئة الجبهات ضد الأعداء على كافّة الأصعدة، وغير ذلك من روائع الموسوعة السياسيّة العَلَويّة. ولكنه يطول بذلك المقام، وتتّسع دائرة هذا الفصل بما يخرجنا عن نقطة البحث؛ ولذا نكتفي بأصل الفكرة في هذا الشاهد، وهي مسألة التصدّي الفعلي لاستلام الحكم والتأسيس لمعالم الحكم الإسلامي؛ فإنّه خير شاهد على أنّ قيادة الأُمّة بالحقّ دينيّاً وسياسياً من الأُمور المتيسِّرة والممكنة حتى بعد انحرافها في الحُقب الماضية، وأنّ ذلك من الوظائف الموكلة للإمام المعصوم×، إذا أحسنت الأُمّة اختيارها، ووقفت إلى جانبه، وقدّمت الدعم البشري لحكومته الإلهيّة.

وأمّا قصّة رفض الإمام عليّ× للخلافة وامتناعه عن استلام الحكم والسلطة بعد مقتل عثمان، لمّا انهال عليه الناس للبيعة، فليست أسبابها عدم أهلية الأُمّة لقيادة المعصوم في بناء الدولة وتشكيل الحكم الإسلامي، وإلّا كان من المفترض رفض الخلافة على أيّة حال، فقبوله× يكشف عن أهليّة الأُمّة لذلك لو أحسنت اختياراتها([72])، وإنّما أراد× بذلك الرفض والامتناع عن قبول الخلافة في بداية الأمر أن يسجّل استنكاراً واعتراضاً على الذين توجّهوا لغيره بعد وفاة النبي|، وأقرّوا بخلافته بسوء اختيارهم، من دون أن يتحلّى ذلك الغير بأيّ صفة من مواصفات العلم والحلم والحكمة والقدرة على قيادة المجتمع، فمنعوه× حقّه الطبيعي والمشروع في تولّي الخلافة ظلماً وعدواناً. وينضاف إلى ذلك أيضاً الظرف الحرج والحساس جدّاً الذي كانت تمرّ به الأُمّة بعد مقتل الخليفة عثمان؛ حيث كان سيُتّهم بدمه كلّ مَن يجلس في مكانه لتولّي الخلافة، وسيتحمّل المتصدّي أيضاً أعباء الإرث الثقيل للفساد المستشري الذي تورّطت به الحكومة السابقة، على كافّة الأصعدة وفي جميع المستويات، وهذا ما حصل بالفعل.

ومن مجموع ما بيّناه إجمالاً يتّضح: أنّ سيرة أمير المؤمنين× ومواقفه وأقواله وتحرّكاته عموماً كانت قائمة على تبنّي الرؤية السياسيّة، والتدخّل العسكري، والتصدّي للإصلاح والتغيير، وإقامة حكم الله في الأرض، ولكن سكوته× عن ذلك في فترة معيّنة من حياته المباركة كان سببه الأساس هو الاضطراب والتردّد والتخاذل من قِبل الأُمّة والمجتمع الإسلامي بصورة عامّة. وهذا ما اختلفت ظروفه وشرائطه في زمن الإمام الحسين×، فاختلفت في ضوئه الصورة والنتائج، كما سيتبيّن.





 



المبحث الثاني: المبادئ السياسيّة للنهضة الحسنيّة


نعتقد أيضاً بأنّ الإمام الحسن× قد تصدّى بشكلٍ واضح وصريح لإكمال صروح المسيرة الربانيّة والنهضة الإصلاحيّة بعد شهادة أبيه أمير المؤمنين×، وقد باشر في التأسيس لإقامة دولة إلهيّة إسلاميّة عادلة بإمامته وقيادته×، في إطار نهضة تغييريّة إصلاحيّة واسعة الأبعاد، والحديث في هذه النقطة يطول أيضاً، وشواهده الروائية والتاريخية كثيرة جدّاً ومستفيضة، وجديرة بالدراسة والبحث والتدقيق، ولكن سنقتصر على اقتطاف بعضها؛ للتدليل على ما نقول:

الشاهد الأوّل: الخطابات السياسيّة والقياديّة

والأبرز في هذا المجال خطبته× صبيحة الليلة التي دُفن فيها أمير المؤمنين×، حيث استعرض أثناء مراسم العزاء والتأبين المسيرة الدينيّة والإيمانيّة والاجتماعيّة والسياسيّة والجهاديّة والقياديّة التي حفلت وتميّزت بها حياة أبيه عليّ بن أبي طالب×، ثمّ انتقل بعد ذلك مباشرةً للتعريف بشخصيته المباركة، وأنّه الامتداد الطبيعي للبيت النبويّ والعلويّ، وأنّه الكفؤ والأهل والأحقّ باستلام زمام الأُمور وتولّي قيادة الأُمّة، قال×: «أيُّها الناس، مَن عرفني فقد عرفني، ومَن لم يعرفني فأنا الحسن بن عليّ، وأنا ابن النبيّ، وأنا ابن الوصي، وأنا ابن البشير، وأنا ابن النذير، وأنا ابن الداعي إلى الله بإذنه، وأنا ابن السراج المنير، وأنا من أهل البيت الذي كان جبريل ينزل إلينا ويصعد من عندنا، وأنا من أهل البيت الذي أذهب الله عنهم الرجس وطهَّرهم تطهيراً، وأنا من أهل البيت الذي افترض الله مودّتهم على كلّ مسلم»([73]). «ولقد حدّثني حبيبي جدِّي رسول الله| أنّ الأمر يملكه اثنا عشر إماماً من أهل بيته وصفوته، ما منّا إلّا مقتول أو مسموم»([74]).

فانتسب الحسن× إلى جدّه وأبيه، وعرّف نفسه بمواريث النبوّة والوصاية والمُلك والإمامة وهداية الأُمّة والدعوة إلى الله}، وأكّد على أنّ مودّة أهل البيت^ فرض واجب على كافة المسلمين، وأنّ المعصومين من أهل البيت^ هم أئمّة الخلق وساداتهم بالحقّ.

وقد فهم الحاضرون من هذه النُّبذة التعريفيّة أنّه× قد عرض نفسه الكريمة لتولّي الخلافة والحكم وقيادة الدولة الإسلاميّة خلفاً لأبيه أمير المؤمنين×؛ ولذا نهض عبد الله بن عباس مباشرة يدعو الحاضرين لمبايعة الحسن×، قائلاً: «معاشر الناس، هذا ابن نبيّكم ووصي إمامكم فبايعوه. فاستجاب له الناس، وقالوا: ما أحبّه إلينا! وأوجب حقّه علينا! وتبادروا إلى البيعة له بالخلافة... فرتّب× العمال وأمّر الأُمراء، وأنفذ عبد الله بن العباس (رضي الله عنه) إلى البصرة، ونظر في الأُمور»([75]).

ثمّ إنّه× خطب الناس بعد البيعة قائلاً: «نحن حزب الله الغالبون، وعترة رسوله الأقربون، وأهل بيته الطيبون الطاهرون، وأحد الثقلين اللذين خلّفهما رسول الله| في أُمّته، والتالي كتاب الله، فيه تفصيل كلّ شيء، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فالمعوّل علينا في تفسيره، لا نتظنّى تأويله، بل نتيقّن حقائقه، فأطيعونا، فإنّ طاعتنا مفروضة؛ إذ كانت بطاعة الله (عزّ وجلّ) ورسوله مقرونة»([76]). ويُمثّل هذا الخطاب التاريخي إعلاناً رسميّاً رئاسيّاً لثالث حكومة إلهيّة في الإسلام بقيادة المعصوم من حزب واحد، هو حزب الله الغالب، ويجب على الأُمّة السمع والطاعة لأوامر وتوجيهات هذا الحزب الإلهي المبارك.

وكان الحسن× يؤكّد دائماً على حقّه الشرعي وأحقيّته بالخلافة والحكم، ويُطالب باسترجاع هذا الحق في مواضع كثيرة، ومناسبات مختلفة، حتى قال له معاوية ـ بعد واحدة من خطبه× البليغة التي ألهبت مشاعر المجتمع الشامي ـ: «أما إنّك ـ يا حسن ـ قد كنت ترجو أن تكون خليفة ولست هناك. فقال الحسن×: أما الخليفة فمَن سار بسيرة رسول الله| وعمل بطاعة الله (عزّ وجلّ)، ليس الخليفة مَن سار بالجور وعطّل السُّنن واتّخذ الدنيا أمّاً وأباً»([77]). وفي خطبة أُخرى أيضاً في مجلس معاوية يقول×: «أصبحت قريش تفتخر على العرب بأنّ محمداً منها، وأصبحت العرب تفتخر على العجم بأنّ محمداً منها، وأصبحت العجم تعرف حقّ العرب بأنّ محمداً منها، يطلبون حقّنا، ولا يردّون إلينا حقّنا»([78]). هو المنطق ذاته وذات الشعارات التي حملتها النهضة الحسينيّة المباركة، ولكن الدور والقرار والمشهد السياسي قد يختلف باختلاف ظروف الواقع الإسلامي المتقلّب والمتردّي.

الشاهد الثاني: التصدّي لمباشرة شؤون الخلافة والحكم

حيث تولّى× وبشكل مباشر إدارة شؤون الحكومة والدولة الإسلاميّة، ففي ضوء النصّ السابق لـمّا بويع الحسن× وأعلن تولّيه الأمر وقيادته للأُمّة، بادر مباشرة لتشكيل الحكومة وتعيين الحقائب الوزاريّة وتخصيص وتشخيص سائر الأُمور التنفيذيّة والماليّة ذات العلاقة، فرتّب العمال وأمّر الأُمراء ونظر في الأُمور. وكتب لمعاوية يأمره بطاعته والانقياد لأوامره، ويقول له: «إنّ عليّاً لما توفّاه الله ولّاني المسلمون الأمر بعده، فاتّق الله يا معاوية، واُنظر لأُمّة محمد|، ما تحقن به دماءها وتصلح به أمرها»([79]). وفي نصٍّ آخر مماثل يقول فيه×: «فاليوم فليتعجّب المتعجّب من توثّبك ـ يا معاوية ـ على أمر لست من أهله... إنّ عليّاً لـمّا مضى لسبيله... ولّاني المسلمون الأمر بعده... فدع التمادي في الباطل، وادخل فيما دخل فيه الناس من بيعتي؛ فإنّك تعلم أنّي أحقّ بهذا الأمر منك عند الله وعند كلّ أوّاب حفيظ، ومَن له قلب مُنيب. واتّق الله ودع البغي، واحقن دماء المسلمين، فو الله، ما لك خير في أن تلقى الله من دمائهم بأكثر ممّا أنت لاقيه به، وادخُل في السلم والطاعة، ولا تُنازع الأمر أهله ومَن هو أحقّ به منك، ليُطفئ الله النائرة بذلك، ويجمع الكلمة، ويُصلح ذات البين، وإن أنت أبيت إلّا التمادي في غيّك سرت إليك بالمسلمين فحاكمتك، حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين»([80]).

وقد تضمّنت هذه النصوص والمكاتبات التاريخيّة المهمّة معالم الرؤية السياسيّة الثاقبة والمتميّزة للإمام الحسن× إزاء التأسيس للدولة العادلة، والتصدّي لمحاربة البغاة والمفسدين والإرهابيين القتلة، الطامحين في إقامة دولة داعشية أُمويّة تكفيريّة، بقيادة معاوية بن أبي سفيان، تُبنى هياكلها على جماجم المسلمين، تُكفّرهم وتقتات من دمائهم. ولا بأس بالتنصيص على أهمّ ما جاء فيها؛ لارتباطها بواقعنا المعاش:

1ـ معاوية الذي انخرط في حزب (بيعة المسلمين) المزعومة لأشياخه، وبنى مجده على أنقاض ورفات خلفاء تلك البيعة، يبدأ الإمام الحسن× بإلزامه بما ألزم به نفسه، فها هي بيعة المسلمين قد تمّت له× بما لا ينقص عن مبايعة السابقين، وعلى معاوية أن يُذعن ويخضع وينقاد لولايته وخلافته الإسلامية الشرعية، وأن يلتزم الجانب السلمي في التعاطي مع هذا الأمر.

2ـ يواصل الإمام× التأكيد على حقّه في قيادة الأُمّة، وأنّه من الحقوق المعلومة والثابتة، التي لا تفتقر إلى بيعة مَن بايع أو طاعة مَن يطيع، وإنّما البيعة والطاعة من آليات وسبل تفعيل ذلك الحقّ الإلهي، يُشير إلى هذا المعنى قوله×: «فإنّك تعلم أنّي أحقّ بهذا الأمر منك عند الله، وعند كلّ أوّاب حفيظ، ومَن له قلب منيب... ولا تنازع الأمر أهله ومَن هو أحقّ به منك». ويؤكّد× على أنّ خير الأُمّة صلاحها في إرجاع الحقّ لأهله، حيث يقول: «ليُطفئ الله النائرة بذلك، ويجمع الكلمة، ويصلح ذات البين».

3ـ التأكيد على عدم أهلية معاوية للمنصب الحساس الذي يشغله، وعليه أن يتنحّى عن منصبه، وأنّه ينبغي أن تكون الأهلية والكفاءة هي المعيار الأساس في تولّي المناصب السياديّة والحكوميّة.

4ـ الدعوة إلى السلم، والطاعة، وتقوى الله، والانقياد للشرعيّة، وتوحيد الكلمة، وإطفاء الإرث العدواني الثقيل، وتوخّي الإصلاح وصلاح الأُمّة، وترك البغي والتمادي في الغيّ والباطل، وعدم منازعة أهل الحقّ في حقّهم، وحقن دماء المسلمين، والتزام مبدأ التداول السلمي للسلطة.

5ـ وقد ختم الإمام× كتابه لمعاوية بالتهديد ولغة السلاح والقتال إن أبى معاوية التعامل بالطرق السلمية والدبلوماسية، قائلاً: «وإن أنت أبيت إلّا التمادي في غيّك، سرت إليك بالمسلمين فحاكمتك، حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين».

ثمّ إنّه× قام بتجييش الجيوش وتحشيدها والرفع من معنوياتهم، وخرج الجيش الإسلامي بقيادته لقتال البغاة ـ معاوية وأتباعه بعد أن رفضوا دعوته للطاعة والسلم ـ وقد زاد في عطاء الجيوش وتجهيزهم وتسليحهم([81]). والحديث في هذه النقطة بالخصوص يتّسع ويطول، ونحن اليوم بأمسّ الحاجة لدراسة معالم وأبعاد السياسة الحسنيّة المباركة، ومعرفة دورها في التعامل مع الأزمات الاجتماعيّة والسياسيّة والأمنيّة والعسكريّة، التي واجهها المجتمع الإسلامي، قبل الالتجاء إلى الموافقة على عقد الهدنة مع معاوية. وسوف نتجنّب الولوج في هذه النقطة أيضاً رعايةً للإيجاز والاختصار.

الشاهد الثالث: فقدان الناصر وخذلان الأُمّة

هناك مجموعة كبيرة جدّاً من الأحاديث والنصوص التاريخية، الواضحة والصريحة في أنّ الخروج المسلّح ضد معاوية وإسقاط حكمه وإقامة حكم الله في الأرض، كان هو الحلّ الأمثل والأفضل، بل هو المتعيّن مع وجود الأنصار المؤمنين بنهضة الإصلاح والتغيير، كما أشرنا آنفاً إلى بعض تلك النصوص. وقد سار الإمام الحسن× بشكل عملي لإنجاز هذه المهمّة العسكريّة المصيريّة والحسّاسة، فخرج بالجيوش ليختبر نيّاتهم وطاعتهم، ففشلوا في الاختبار فشلاً ذريعاً([82]).

وكان الحسن× كثيراً ما يُهدِّد معاوية بالجيش الإسلامي، ويضع الخيار العسكري دائماً على طاولة المداولة والمفاوضات، برجاء أن ينهض الجيش بهذه المهمّة والمسؤوليّة الحسّاسة، كما تقدّمت الإشارة إلى ذلك في نصٍّ سابق، وهو ما جاء أيضاً بشكل صريح في كتابٍ بعثه لمعاوية بعد أن نفّذ× عقوبة الإعدام بحق شخصين منافقين من جواسيس معاوية، يقول فيه: «أمّا بعد، فإنّك دسست إليّ الرجال كأنّك تحبّ اللقاء، وما أشكّ في ذلك، فتوقّعه إن شاء الله»([83]).

ولكن التاريخ يرسم صورة مختلفة للجيش الإسلامي آنذاك، فكان وللأسف جيشاً متداعياً، خائر القوى، منهزماً ومكسوراً من الناحية الإيمانيّة والنفسية والإعلاميّة، خائفاً مهزوزاً متململاً من كثرة الحروب وطول أمدها وامتداد تاريخ المسيرة الجهاديّة، قد وضع الدنيا وزينتها أمام طموحاته وأمانيه، وجعل التضحية في سبيل الدين والمبادئ آخر ما يفكّر فيه ويهتمّ به، وسجّل انهزامات متتالية في شتّى الميادين، حتى كاد هذا الجيش الضعيف المخترق والمكشوف أن يُسلِّم الحسن× أسيراً بيد معاوية، وهذا ما صرّح به الإمام× في محضر معاوية، حينما خطب الناس قائلاً: «أيُّها الناس، إنّ معاوية زعم أنّي رأيته للخلافة أهلاً، ولم أرَ نفسي لها أهلاً، وكذب معاوية، أنا أوْلى الناس بالناس في كتاب الله، وعلى لسان نبي الله، فأُقسم بالله، لو أنّ الناس بايعوني وأطاعوني ونصروني لأعطتهم السماء قَطْرَها، والأرض برَكَتَها، ولـمّا طمعتَ فيها يا معاوية، وقد قال رسول الله|: ما ولّت أُمّةٌ أمرَها رجلاً قطّ وفيهم مَن هو أعلم منه إلّا لم يزل أمرهم يذهب سفالاً، حتى يرجعوا إلى ملّة عَبَدة العجل... وقد تركت الأُمّةُ عليّاً× وقد سمعوا رسول الله| يقول لعليّ×: أنت منّي بمنزلة هارون من موسى غير النبوة، فلا نبي بعدي. وقد هرب رسول الله| من قومه، وهو يدعوهم إلى الله، حتى فرّ إلى الغار، ولو وجد عليهم أعواناً ما هرب منهم، ولو وجدت أنا أعواناً ما بايعتك يا معاوية. قد جعل الله هارون في سعة حين استضعفوه وكادوا يقتلونه، ولم يجد عليهم أعواناً، وقد جعل الله النبي| في سعة حين فرّ من قومه، لـمّا لم يجد أعواناً عليهم، وكذلك أنا وأبي في سعة من الله، حين تركتنا الأُمّةُ وبايعت غيرنا ولم نجد أعواناً. وإنّما هي السُّنن والأمثال يتّبع بعضها بعضاً»([84]).

وأمّا أنصاره والمحيطون به، فقد تحدّث هو× عنهم قائلاً: «يزعمون أنّهم لي شيعة، ابتغوا قتلي، وانتهبوا ثقلي، وأخذوا مالي... والله، لو قاتلت معاوية لأخذوا بعنقي حتى يدفعوني إليه سلماً. فو الله، لأن أسالمه وأنا عزيز خير من أن يقتلني وأنا أسيره أو يمنّ عليّ، فتكون سُبّةً على بني هاشم إلى آخر الدهر»([85]).

وفي نصٍّ آخر يقول×: «أما والله، ما ثنانا عن قتال أهل الشام ذلّة ولا قلّة، ولكن كنّا نقاتلهم بالسلامة والصبر، فشيب السلامة بالعداوة، والصبر بالجزع، وكنتم تتوجّهون معنا ودينكم أمام دنياكم، وقد أصبحتم الآن ودنياكم أمام دينكم، وكنّا لكم وكنتم لنا، وقد صرتم اليوم علينا... وإن معاوية قد دعا إلى أمر ليس فيه عِزٌّ ولا نصفة، فإن أردتم الحياة قبلناه منه، وأغضضنا على القذى، وإن أردتم الموت، بذلناه في ذات الله، وحاكمناه إلى الله. فنادى القوم بأجمعهم: بل البقية والحياة»([86]).

وفي نصٍّ ثالث يؤنِّب أنصاره على الاختراقات الخطيرة والخيانات العسكريّة
التي انتشرت في جيشه ومعسكره، حيث يقول×: «
ويلكم! والله، إنّ معاوية لا يفي لأحد منكم بما ضمنه في قتلي، وإنّي أظنّ أنّي إن وضعت يدي في يده فأسالمه لم يتركني
أدين لدين جدّي| وإنّي أقدر أن أعبد الله (عزّ وجلّ) وحدي، ولكنّي كأنّي أنظر إلى أبنائكم واقفين على أبواب أبنائهم يستسقونهم ويستطعمونهم بما جعله الله لهم، فلا يسقون ولا يطعمون، فبُعداً وسحقاً لما كسبته أيديكم (
(وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ ) فجعلوا يعتذرون بما لا عُذرَ لهم فيه»([87]).

ويقول أيضاً× في مقام بيان سبب تسليمه الخلافة لمعاوية: «والله، ما سلّمت الأمر إليه، إلّا أنّي لم أجد أنصاراً، ولو وجدت أنصاراً لقاتلته ليلي ونهاري، حتى يحكم الله بيني وبينه»([88]).

وبهذا الكلام كان الحسن× يستقبل مَن يعاتبه من أصحابه في مسألة الصُلح والهدنة، فمن ذلك ما تقدمّت الإشارة إليه في ملامح النهضة العلويّة، حيث أجاب× حِجر بن عدي الطائي بالقول: «والله، يا حجر! لو أنّي في ألف رجل، لا والله إلّا مائتي رجل، لا والله إلّا في سبع نفر لما وسعني تركه... وتالله، يا حجر! إنّي لعلى ما كان عليه أبي أمير المؤمنين لو أطعتموني»([89]).

وبنفس المضمون ما روي عن علي بن محمد بن بشير الهمداني، قال: «خرجت أنا وسفيان بن ليلى، حتى قدمنا على الحسن المدينة، فدخلنا عليه، وعنده المسيب بن نجبة وعبد الله بن الوداك التميمي، وسراج بن مالك الخثعمي، فقلت: السلام عليك يا مذلّ المؤمنين! قال: وعليك السلام، اجلس، لستُ مذلَّ المؤمنين، ولكني معزُّهم، ما أردت بمصالحتي معاوية إلّا أن أدفع عنكم القتل، عندما رأيت من تباطؤ أصحابي عن الحرب، ونكولهم عن القتال»([90]).

ويُعقّب السيِّد المرتضى على مثل هذه النصوص قائلاً: «لأن المجتمعين له من الأصحاب وإن كانوا كثيري العدد، فقد كانت قلوب أكثرهم دغلة غير صافية، وقد كانوا صبوا إلى دنيا معاوية... فأظهروا له× النصرة، وحملوه على المحاربة والاستعداد لها طمعاً في أن يورِّطوه ويسلِّموه، فأحسّ بهذا منهم قبل التولّج والتلبّس، فتخلّى من الأمر، وتحرّز من المكيدة»([91]).

ونستنتج من مجموع هذه النصوص المتضافرة الأُمور التالية:

1ـ إنّ الإمام الحسن× كان عازماً على السير قُدماً في تولّي شؤون الخلافة الإلهيّة، والاستمرار في بناء الحكومة العادلة وتشييد صرح الدولة الإسلاميّة الكريمة.

2ـ كان يرى× أنّه هو المؤهّل والأوْلى والأحقّ في تولّي الحكم وقيادة الأُمّة في كتاب الله وعلى لسان رسول الله|، قبل بيعة الناس له، وأنّ على معاوية أن يطيعه ويخضع لحكمه الإلهي العادل كما تقدّم، وأنّ الناس لو أطاعوه وبايعوه ونصروه لأعطتهم السماء قطرَها، والأرض بركتَها.

3ـ إنّه× كان عازماً على محاربة الفساد والقضاء عليه بشتّى الوسائل والسُبل المشروعة، وابتدأ× بمحاولة القضاء على حكومة معاوية بن أبي سفيان، التي كانت تمثّل أبرز مظاهر الفساد، وتشغل مساحة جغرافية كبيرة وواسعة ومهمّة في كيان الدولة الإسلاميّة. فاختار× الحلّ العسكري والخروج المسلّح لاستئصال جذور الشجرة الخبيثة والغدّة الأُمويّة التي ابتُلي بها المجتمع الإسلامي، وكان عدد الجيش وعدّته كافيين لبلوغ هذه الغاية، ولكن الأُمّة عصت أوامره وخذلته وتقاعست عن الجهاد في سبيل الله، وقدّمت المصالح الشخصية والرغبات الفرديّة الخاصّة، على سعادة البشريّة ورقيّها وصلاح أمرها.

4ـ إنّه× لو وجد أعواناً وأنصاراً لما بايع معاوية، ولقاتله ليله ونهاره، وأنّ العزّة والنصرة والكرامة بقتاله والقضاء عليه، ولم تكن المصلحة أبداً في الصلح لو اختارت الأُمّة طريق الجهاد، بل كان في الصلح ذلّة ومهانة لهم وللأجيال الّلاحقة، فاختار القوم العيش بالذلّ وفضّلوا الحياة الرخيصة وقدّموها على خيار العزّة والإباء والنصر، فبايعت الأُمّة معاوية خاضعة خاسئة، وأُجبر الحسن× على قبول الصلح وفي العين قذى؛ ليُلملم ما تبقّى للمؤمنين من العزّة والكرامة، فبُعداً وسُحقاً لما كسبته أيدي الأُمّة المتخاذلة، وسيعلم الذين ظلموا أيّ منقلب ينقلبون.

5ـ كانت هناك مؤامرات تُحاك ليلاً ونهاراً، وخيانات وانقلابات عسكريّة متوالية، هدفها القضاء على خلافة الحسن×، والتجاوز على شخصه الكريم، ونهب تراثه وتسليبه، وتسليمه لمعاوية ليرى فيه رأيه، إما القتل أو الإذلال، فكان الصلح خياراً مُرّاً لا مناص منه.

الشاهد الرابع: ما تضمّنته بنود الصُلح والهدنة مع معاوية

إنّ الإمام الحسن× قد صالح معاوية على «أنّ له ولاية الأمر بعده، فإن حدث به حدث فللحسين»([92])، ويُعدّ هذا البند من البنود المهمّة التي تصدّرت القائمة، وتكرّر ذكرها في خُطب الإمام الحسن× بعد توقيعه على كتاب الصلح، وهذا ما يكشف وبوضوح عمّا نروم إثباته، من أنّ الإمام الحسن× كان ينظر إلى الحكم الإلهي والقيادة الربانيّة على يد المعصوم في هذه الأرض من الفرائض التي يجب النهوض بها، ولكنها كانت وللأسف فاقدة لشروطها المرتبطة بواقع الأُمّة، ومتى ما تحقّقت الشروط كان على الإمام المعصوم أن ينهض للقيام بدولة الحقّ والعدل.

ويُضاف إلى ذلك أيضاً البنود الأُخرى التي تضمّنت روح التدخل السياسي من قِبل المعصوم؛ لسدّ منافذ الفساد والانحراف في الحكومات غير الكفوءة، من قبيل ما يرتبط بالقضايا الأمنية العامّة، وترك تتبّع الناس وقتلهم على المذهب والهوية والانتماء، واحترام رموز الأُمّة وقادتها، والمحافظة على أموال الشعب وصرفها في مستحقّيها، وغيرها من البنود الأُخرى.

الشاهد الخامس: التهديد والإنذار المتواصل

كان الإمام الحسن× دائماً ما يوجّه التهديد والإنذار لمعاوية، بأنّه يراقب المشهد السياسي عن كثب، وأنّه سيعمل على دراسة الأُمور مجدّداً، وإعادة النظر في قرار الصلح، والانقلاب عليه بإلغائه، في حال تفاقمت الأُمور، وتدهورت الأوضاع الأمنيّة والاجتماعيّة، واستشرى الفساد، وتعرّض المسلمون عموماً وأتباع أهل البيت^ على وجه الخصوص للسوء والاضطهاد والمطاردة من قِبل السلطة الظالمة.

ويمكننا أن نستشعر ذلك بوضوح في ردٍّ له× على إساءةٍ واعتداء في الكلام على شخصه الكريم من قِبل عمرو بن العاص في مجلس معاوية، يقول فيه×: «يا معاوية، لا يزال عندك عبد راتعاً في لحوم الناس، أما والله، لو شئت ليكونن بيننا ما تتفاقم فيه الأُمور وتحرج منه الصدور»([93]).

وفي نصّ آخر طويل ومفصّل، يردّ فيه× بقوّة على كلام مُسيء تحدّث به مروان بن الحكم في مجلس معاوية، فأذهل بكلامه× الحضور، وأسكت الطغاة وألجم أفواههم وألقمها حجراً، حيث يقول: «ثمّ تزعم أنّي ابتُليت بحلم معاوية. أما والله، لهو أعرف بشأنه وأشكر لنا إذ ولّيناه هذا الأمر، فمتى بدا له، فلا يغضين جفنه على القذى معك، فو الله، لأعنفنّ أهل الشامبجيش يضيق فضاؤه([94])، ويستأصل فرسانه، ثمّ لا ينفعك عند ذلك الروغان والهرب»([95]). إنّ هذا المنطق العاصف والقوي والمرعب لطواغيت الأُمّة، يكشف وبوضوح عن أنّ الإمام الحسن× قد مهّد الأُمور لتنفيذ ما يقول، وعمل على التأسيس لقاعدة شعبية عريضة وواسعة في المجتمع الإسلامي، وهيأها للتغيير والانقلاب، في حال تطلّب الأمر ذلك، ولكنه× كان ملزماً بالصلح. وهناك شواهد للتدليل على هذه الحقيقة أعرضنا عن ذكرها خوف الإطالة.





 



المبحث الثالث: المبادئ السياسيّة للنهضة الحسينيّة


كان هذا العنوان بالخصوص هو الموضوع الأساس الذي دعانا لتدوين أبحاث هذا الكتاب، وقد عرضنا في الفصول الماضية جملة من الشواهد والنصوص فيما يرتبط بالتدليل على المبادئ والأهداف السياسية للنهضة الحسينيّة المباركة، وذكرنا من ضمن تلك الشواهد: حركة التغيير ونصوص الإصلاح الحسيني، ومواقف الإمام الحسين× وأقواله وتصريحاته ومكاتباته ورسائله السياسية إلى أهل الكوفة والبصرة وغيرهما، مضافاً إلى أقواله وأحاديثه وخطبه× في طريقه إلى الكوفة وفي فترة تواجده بكربلاء.

واستنتجنا من مجموع تلك الشواهد أنّ الإمام الحسين× قد قام بنهضة إصلاحيّة عامّة وشاملة، كان من أهمّ أهدافها: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتصدّي للظلم والجور والفساد، ونصرة المظلومين والمضطهدين، والإطاحة بالنظام الأُموي الـمُستبِدّ، وإرجاع الحقّ إلى أهله، وإقامة حكم الله في الأرض، وتشكيل حكومة إلهية بقيادة خليفة الله في خلقه، وتطبيق مبادئ الشريعة الإسلامية، وحفظ الحرّيات الدينيّة والإنسانيّة المشروعة، وأداء الحقوق والواجبات الدينيّة والاجتماعيّة، وإجراء الحدود، وتنفيذ القوانين، والعمل بالأحكام الشرعيّة.

وقد تهيّأت كافّة السبل والأسباب والعوامل لانتصار هذه النهضة النوراء، وبزوغ الفجر الحسيني الصادق، وإقامة الحقّ والعدل في ربوع البلاد، وذلك من زوايا وجهات مختلفة ومتنوّعة، منها:

1ـ هلاك معاوية، الذي أحكم قبضته على الناس بالظلم والقتل والجور وانتهاك الحرمات.

2ـ انقضاء مدّة الهدنة وأمد الصلح الحسني، الذي التزم به الحسين× مع وجود معاوية في سدّة الحكم([96]).

3ـ ضعف الحكومة الأُموية المتمثّلة بيزيد المتهتك الطائش.

4ـ سأم الناس وامتعاضهم الشديد من الحكم الأُموي الجائر، الذي تجاوز كلّ القيم الإسلامية والبشرية، وأرهق الأُمّة بصنوف الاضطهاد والإرهاب، من القتل والتشريد والتجويع، والتضييق الخانق للحريات الدينية والفكريّة والاجتماعيّة والسياسيّة.

5ـ اشتياق المسلمين وحنينهم للعدالة العلويّة الضائعة.

6ـ المنزلة المتميزة والمقام الرفيع الذي يشغله الإمام الحسين× في نفوس المسلمين.

7ـ وجود الشخصيّة القويّة والمؤهلة لقيادة الأُمة.

8ـ توفّر القدر الكافي من الأعوان والأنصار، الذين بايعوا الإمام الحسين× على الخلافة والجهاد والنصر وبذل النفس والتفاني بين يديه، بنوايا حقيقية وصادقة، اختبرها السفير الحاذق والرائد الفطن والثقة من أهل البيت مسلم بن عقيل×، وعكسها بأمانة تامّة على الإمام×، في كتاب يحمل بشائر التغيير، ويدعوه للإسراع في القدوم إلى العاصمة العلويّة هادياً مهديّاً.

وهذا ما لم يتوفر لأمير المؤمنين× بعد وفاة النبي الأكرم|، ولا للحسن× حينما اضطر للصلح مع معاوية كما ألمحنا سابقاً. بل سبق أيضاً التصريح بأنّهما÷ سيخرجان للتغيير والانقلاب على السلطات غير الشرعيّة لو اجتمع لهما العدد المطلوب من الأتباع والأنصار، وقد حُدّد ذلك العدد في بعض النصوص بسبعة من المضحّين، أو بأربعين، بحسب اختلاف الظرف وطبيعة الموقف، وهذا العدد من الأبطال وأكثر منه قد التفّ حول الحسين× في كلّ الظروف، قبل حادثة كربلاء وحين وقوعها.

يُضاف إلى ذلك كلّه تردّي الأوضاع السياسية والاجتماعية والدينيّة وتدهورها وانحدارها بما لا يترك مجالاً للجلوس والسكوت؛ وفي ضوء هذا وذاك اختلفت المرحلة وتغيّرت الأوضاع وتحركت رياح الثورة والتحرير، فتوجّهت أنظار الأُمّة لمنقذها، فأصبح الإمام في قطب دائرة المسؤولية السياسيّة، وتوجّب عليه الخروج لإسقاط النظام الظالم وإقامة الحكومة الإلهية العادلة.

وأمّا لماذا لم تُحقّق النهضة الحسينيّة المباركة هذا النوع من الأهداف السياسيّة؟ ولماذا لم يحصل التغيير السياسي والحكومي، ولم تسقط دولة بني أُميّة؟ ولماذا لم تُشرق الأرض بصبح العدالة الحسينيّة؟ ولماذا انقلبت الظروف وتغيّرت إلى مأساة وثأر تطلبه السماء؟ فلهذا كلّه شأن آخر وحديث مستأنف، نتمنّى أن نحظى بفرصة أُخرى لبحثه ودراسته دراسة مفصّلة.

اتّضح إلى هنا: أنّ الانقلاب على الحكومات الظالمة والفاسدة، والعمل على إسقاطها وإقامة حكم الله في الأرض، هو المنهج الإلهي والسبيل القويم الذي سار عليه سادة الخلق وأئمّة الهدى^ بعد وفاة النبي الأكرم|. والإمام الحسين× قد اتّخذ ذات المواقف العلويّة والحسنيّة، ولكنّ اختلاف الظروف والشرائط والأحداث هو الذي غاير في فوارق الصورة وملامح المشهد.




 





المبحث الرابع: مواقف وأقوال الأئمّة^ من ذرّية الحسين× بعد شهادته

نعم؛ نحن نعتقد بأنّ منهج وأُسلوب التعامل مع السلطات الحاكمة قد تغيّر بعد شهادة الإمام الحسين× مباشرة، وكان السبب الرئيس في ذلك هو انكفاء الأُمّة وفقدان الأعوان والأنصار المؤهّلين لرفع راية الإصلاح والتغيير بما يناسب الوقت والمرحلة، والنصوص والشواهد التاريخية والروائية الدالّة على ذلك كثيرة ومتضافرة، نكتفي بالإشارة إلى بعضها:

منها: ما تحدّث به الإمام زين العابدين× مع أهل الكوفة، حينما أبدوا استعدادهم لمبايعته والقتال بين يديه لإسقاط حكومة يزيد بن معاوية، بعد أن ألهب مشاعرهم بخطاب حول مأساة كربلاء، يحرق القلوب، يقول فيه: «أنا ابن مَن انتهكت حرمته، وسُلبت نعمته، وانتُهب ماله، وسُبي عياله، أنا ابن المذبوح بشطِّ الفرات، من غير ذحل ولا ترات، أنا ابن مَن قُتل صبراً، وكفى بذلك فخراً»، ثمّ توجّه إلى الناس قائلاً: «رحم الله امرئاً قبل نصيحتي وحفظ وصيتي»، فأجابوه بأجمعهم: «نحن كلّنا يا بن رسول الله سامعون مطيعون، حافظون لذمامك، غير زاهدين فيك، ولا راغبين عنك، فمرنا بأمرك يرحمك الله، فإنّا حرب لحربك، وسلم لسلمك، لنأخذن يزيد لعنه الله، ونبرأ ممّن ظلمك». فأجابهم× بما يُحدّد وبوضوح الموقف السياسي الإلهي تجاه الأُمّة المتخاذلة في ظل الحكومات الظالمة، قائلاً: «هيهات هيهات! أيُّها الغَدَرَة الـمَكَرة! حِيل بينكم وبين شهوات أنفسكم، أتريدون أن تأتوا إليّ كما آتيتم آبائي من قَبل؟! كلّا وربّ الراقصات، فإنّ الجرح لـمّا يندمل»، ثمّ انتقل لتحديد الوظيفة الفعليّة لهذه الأُمّة الضعيفة، قائلاً: «ومسألتي أن تكونوا لا لنا ولا علينا»([97]). فكانت هذه المرحلة العصيبة والحساسة بعد شهادة الحسين× أدنى ما تتطلّبه هو تحييد الأُمّة من الناحية السياسيّة، في ظل التخاذل الكبير، الذي وصفته السيدة زينب‘ في الموقف ذاته، مخاطبة أهل الكوفة بقولها: «خوّارون في اللقاء، عاجزون عن الأعداء، ناكثون للبيعة، مضيّعون للذمّة»([98]).

ومنها: قول الإمام الباقر×: «إذا اجتمع للإمام عدّة أهل بدر ثلاثمائة وثلاثة عشر، وجب عليه القيام والتغيير»([99]). وهذا يكشف بجلاء عن أنّ الأُمّة لا زالت مؤهّلة للنهضة والتغيير في زمان الإمام الباقر×، والمشكلة في توفّر الأنصار، واستمرّت الحال كذلك في زمن المعصومين من ذريّته^. كما أنّ النصّ صريح أيضاً في أنّ القيام والتغيير السياسي من الأُسس الدينيّة والأهداف الحيويّة التي يرصدها ويُتابعها كلّ إمام، متابعة ميدانيّة وبشكل متواصل، ومتى ما تحقّقت الشرائط والظروف المناسبة، خرج للتغير وإقامة حكم الله في الأرض.

ومنها: ما هو المشهور والمروي عن مأمون الرقي، قال: «كنت عند سيِّدي الصادق×، إذ دخل سهل بن حسن الخراساني، فسلّم عليه، ثمّ جلس، فقال له: يا بن رسول الله، لكم الرأفة والرحمة، وأنتم أهل بيت الإمامة، ما الذي يمنعك أن يكون لك حقّ تقعد عنه، وأنت تجد من شيعتك مائة ألف يضربون بين يديك بالسيف؟! فقال له×: اجلس يا خراساني رعى الله حقّك. ثمّ قال: يا حنفية، أسجري التنور. فسجرته حتى صار كالجمرة، وابيضّ علوه، ثمّ قال: يا خراساني، قم فاجلس في التنور، فقال الخراساني: يا سيِّدي يا بن رسول الله، لا تعذبني بالنار! أقِلني أقالك الله. قال: قد أقلتك، فبينما نحن كذلك، إذ أقبل هارون المكّي ونعله في سبّابته، فقال: السلام عليك يا بن رسول الله. فقال له الصادق: القِ النعل من يدك واجلس في التنّور. قال: فألقى النعل من سبابته ثمّ جلس في التنور، وأقبل الإمام يحدِّث الخراساني حديث خراسان، حتى كأنّه شاهد لها، ثمّ قال: قم يا خراساني واُنظر ما في التنور. قال: فقمت إليه فرأيته متربعاً، فخرج إلينا وسلّم علينا، فقال له الإمام: كم تجد بخراسان مثل هذا؟ فقلت: والله، ولا واحداً. فقال×: لا والله، ولا واحداً، أمّا إنّا لا نخرج في زمان لا نجد فيه خمسة معاضدين لنا، نحن أعلم بالوقت»([100]). فكان التغيير السياسي والقيام بنهضة إصلاحيّة في الأُمّة من المرتكزات المتأصّلة في نفوس الشيعة والموالين لأهل البيت^، وكان الإمام× على دراية تامّة بمتطلّبات المرحلة، ومن أهمّ متطلباتها وجود الأنصار المؤيِّدين والمخلصين لدينهم وإمامهم، الذين يحملون ما يحمله هارون المكِّي من تسليم وإخلاص وتفانٍ بين يدي إمامه وقائده وسيِّده الصادق×، وهذا ما لم يظفر به أحد من الأئمّة المعصومين، إلّا الإمام الحسين×، فخرج بأهله وأصحابه المخلصين؛ لطلب الإصلاح والتغيير.

ومنها: ما روي عن عبد الله بن بكير، عن أبي الحسن موسى بن جعفر×، قال: «يا بن بكير، إنّي لأقول لك قولاً قد كانت آبائي^ تقوله: لو كان فيكم عدّة أهل بدر لقام قائمنا، يا عبد الله، إنّا نداوي الناس ونعلم ما هم، فمنهم مَن يصدقنا المودّة يبذل مهجته لنا، ومنهم مَن ليس في قلبه حقيقة ما يظهر بلسانه، ومنهم مَن هو عين لعدونا علينا، يسمع حديثنا، وإن أُطمع في شيء قليل من الدنيا، كان أشدّ علينا من عدونا»، ثمّ شرع× باستعراض الأوصاف والخصائص المطلوبة في أنصار النهضة والتغيير، قائلاً: «ينتظرون أمرنا ويرغبون إلى الله أن يروا دولتنا، ليسوا بالبذر المذيعين، ولا بالجفاة المرائين، ولا بنا مستأكلين، ولا بالطمعين، خيار الأُمّة، نور في ظلمات الأرض، ونور في ظلمات الفتن، ونور هدًى يُستضاء بهم، لا يمنعون الخير أولياءهم، ولا يطمع فيهم أعداؤهم، إن ذُكرنا بالخير استبشروا وابتهجوا واطمّأنت قلوبهم وأضاءت وجوههم، وإن ذُكرنا بالقبح اشمّأزت قلوبهم واقشعرّت جلودهم وكلحت وجوههم، وأبدوا نصرتهم وبدا ضمير أفئدتهم، قد شمّروا فاحتذوا بحذونا وعملوا بأمرنا، تعرف الرهبانية في وجوههم، يصبحون في غير ما الناس فيه، ويمسون في غير ما الناس فيه، يجأرون إلى الله في إصلاح الأُمّة بنا، وأن يبعثنا الله رحمة للضعفاء والعامّة، يا عبد الله، أولئك شيعتنا، وأولئك منّا، أولئك حزبنا وأولئك أهل ولايتنا»([101]). إذن هذه هي المواصفات الحقيقيّة لحزب أهل البيت^، والذي يطمحون لتشكيله وإصلاح الأُمّة به، ولكنه لم يجتمع هذا الحزب الإلهي بتلك الخصائص كما أشرنا، إلّا تحت قيادة الإمام الحسين×، فنهض بالأمر.

ومنها: ما روي عن عبد العظيم الحسني، قال: قلت لمحمد بن عليّ بن موسى^: «يا مولاي، إنّي لأرجو أن تكون القائم من أهل بيت محمد، الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما مُلئت ظلماً وجوراً. فقال×: ما منّا إلّا قائم بأمر الله، وهادٍ إلى دين الله، ولكن القائم الذي يُطهِّر الله به الأرض من أهل الكفر والجحود، ويملأ الأرض قسطاً وعدلاً، هو الذي يخفى على الناس ولادته، ويغيب عنهم شخصه... يجتمع إليه من أصحابه عدّة أهل بدر: (ثلاثمائة وثلاثة عشر) رجلاً من أقاصي الأرض... فإذا اجتمعت له هذه العدّة من أهل الإخلاص، أظهر الله أمره، فإذا كمل له العقد وهو: (عشرة آلاف) رجل، خرج بإذن الله، فلا يزال يقتل أعداء الله حتى يرضى (عزّ وجلّ)»([102]).

ومن هنا؛ نجد أنّ النصوص الكثيرة والمتضافرة قد نصّت على محورية أصحاب الإمام المهدي× في مسألة شرائط الظهور وقيام دولة المعصوم الإلهية العالمية العادلة. كما ورد ذلك في كلام الإمام الصادق×، حيث يقول: «كأنّي أنظر إلى القائم× على منبر الكوفة، وحولهأصحابه ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً، عدّة أهل بدر، وهم أصحاب الألوية، وهم حكّام الله في أرضه على خلقه»([103]).

ثمّ إنّ هناك مواقف سياسية كثيرة ومتنوّعة صدرت من الأئمّة^ في أزمنة ومراحل مختلفة، جميعها يؤكّد ما بيّناه، من أنّ الأصل في حركة المعصوم هو الإصلاح والتغيير السياسي وإقامة الدولة الإلهيّة، وأنّ هذا من الأُمور الممكنة والمتيسّرة، إلّا في حال فقدان الشرائط التي يتطلّبها التغيير، وأهمّها توفّر الأنصار واستعداد الأُمّة لذلك، ومن تلك المواقف السياسيّة على سبيل المثال:

1ـ الدعم السرّي المتواصل لكثير من الحركات الثوريّة، التي كانت تخرج لمقارعة الطغاة والدفاع عن حقوق المظلومين والمضطهدين.

2ـ العمل بشكل دؤوب ومتواصل لبناء المجتمع الإيماني الصالح المتماسك والقويّ والقادر على إدارة شؤونه بشكل ذاتي ومستقلّ.

3ـ تكريس فكرة مقاطعة الجبت والطاغوت في نفوس أتباع أهل البيت^، وأنّ الحكومات القائمة باطلة وغير شرعيّة ومُفسدة في الأرض، وأنّ الحكومة التي ينبغي ترقّبها والاستعداد لها هي حكومة المعصوم، القائمة على أُسس العدالة والقسط.

4ـ المنع من التحاكم للجبت والطاغوت، وتغذية المجتمع الإيماني بالفقه الفردي والاجتماعي والأخلاقي والاقتصادي والسياسي وغير ذلك، ممّا يُغني الشيعة عن الاحتياج لأروقة الحكّام والسلاطين.

5ـ ترسيخ عقيدة المهدي، التي تمثّل فكرة مقاطعة ومقارعة الطغاة، والسعي لإقامة حكم الله في الأرض.

لكننا أعرضنا عن البحث التفصيلي في جميع هذه المواقف والأدوار والسياسات المتنوعة، طلباً للاختصار وبما يُناسب طبيعة البحث وأهدافه.

 

نتائج البحث

أوّلاً: إنّ الأُمّة كانت مؤهّلة للإصلاح والتغيير السياسي بقيادة المعصوم، حتى بعد الانحراف عن الحقّ الذي تورّطت به الأُمّة بعد وفاة النبي الأكرم|.

ثانياً: إنّ المنهج القويم والأصل في حركة المعصومين^ هو القيام والنهوض لمقارعة الظالمين، والعمل على إسقاط الحكومات الباطلة والفاسدة، والتخطيط لإقامة حكم الله في الأرض، ولكن مع توفّر الشرائط ومقوّمات الخروج، والتي من أهمّها وجود الأعوان والأنصار، المؤمنين بالفكرة، والمخلصين لها.

ثالثاً: لقد توفّرت كافّة الشرائط المطلوبة للنهوض في الفترة الزمنيّة لإمامة الحسين×، فنهض للتغيير والإصلاح في الأُمّة، ولكن الخذلان بعد ذلك هو الذي أدّى إلى النتيجة المأساوية.

رابعاً: تُعدّ المهادنة للسلطات الفاسدة من الكبائر، ولا يُصار إليها إلّا في حال الضرورة القصوى، وحينما تتقطّع كافة السُّبل للتغير والإصلاح.

خامساً: إنّ للأئمّة^ أدوارهم المختلفة بحسب اختلاف الوقائع والظروف المتلوّنة والمتغيّرة التي يعيشونها، ومنها نستلهم الشرعيّة والنهج الصحيح، وليس من الصائب تغليب دور على حساب الآخر، فلو ثبت أنّ الخروج لإسقاط السلطة الظالمة من مبادئ النهضة الحسينيّة، فليس لنا التشكيك في ذلك عطفاً على أدوار بعض الأئمّة^ في ظروف خاصّة مغايرة ومختلفة، عاشوها في فترة إمامتهم، فالأهداف الإلهية متنوّعة والأدوار مختلفة.

سادساً: إنّ هناك نهضة علويّة ونهضة حسنيّة ونهضة حسينيّة، تعاقبت وتسلسلت في مسار واحد، واستهدفت استئصال الأنظمة الفاسدة، والانقلاب عليها، وإقامة حكم الله في الأرض، وكان الأئمّة من وُلد الحسين^ يسعون لذلك النحو من التغيير، ويأملون في تحقيقه لإصلاح الأُمّة، ولكن من دون جدوى، فاضطرّوا بشكل طارئ للقبول بالمهادنة، والجلوس عن حقّهم. هذا، ونسأل الله تعالى العفو والمعافاة في الدنيا والآخرة.





 



 



خلاصة الفصل الرابع

استعرضنا في هذا الفصل واحدة من أهمّ الأسباب والمبرّرات التاريخية لإنكار المبادئ والأهداف السياسية للنهضة الحسينيّة، وهي أنّ الأئمّة المعصومين^ بعد النبي| ما عدا الإمام الحسين× لم يسجِّل لهم التاريخ موقفاً سياسيّاً يدعو إلى الثورة والخروج على السلطات الحاكمة، وأجبنا عن هذه الإشكالية من خلال عرض مجموعة من الشواهد التاريخية والروائية من حياة الأئمّة^ التي تُثبت عكس ذلك، فابتدأنا بعرض أهمّ الشواهد التاريخيّة للمبادئ السياسيّة للنهضة العلويّة، ومن ثمّ ذكرنا أهمّ الشواهد الدالّة على الأهداف السياسيّة للنهضة الحسنيّة، ثمّ أشارنا لأهمّ المبادئ السياسيّة لنهضة الإمام الحسين×، مع بيان وتوضيح للسبل والأسباب التي ساعدت على انتصار هذه النهضة، وعرضنا بعدها مواقف الأئمّة^ من ذريّة الحسين× في المجال ذاته، فتبيّن من ذلك كلّه أنّ الانقلاب على الحكومات الظالمة والعمل على إسقاطها هو المنهج الذي سار عليه أئمّة أهل البيت^، ولكن عدم توافر الشروط الملائمة حال دون ذلك.

وخلصنا إلى جملة من النتائج، أهمّها: أنّ الأُمّة كانت مؤهّلة للإصلاح السياسي بقيادة أهل البيت^ عبر انتهاج مبدأ النهوض لمقارعة الحكومات وإسقاطها وإقامة حكم الله في الأرض، وقد توافر للحسين× في عصره كافة الشروط المطلوبة للنهوض؛ فنهض بالأمر، إلّا أنّ الخذلان بعد ذلك أدّى إلى حصول المأساة، وأنّ الأئمّة^ بعده كانت لهم أدوارهم المختلفة حسب ما تهيّأ لهم من ظروف وأسباب.

الفصل الخامس

الأسباب والمبررات التاريخيّة

للتفريط بالأهداف والمبادئ السياسية للنهضة الحسينيّة

القسم الثاني: (إشكاليّة: إنّ معالم الانتصار العسكري لا تلوح في الأُفق)

تحدّثنا في الفصول الماضية حول الأسباب الداعية لاستبعاد الأهداف السياسيّة للنهضة الحسينيّة، واستعرضنا منها العقديّة والتراثيّة والتاريخيّة، ونريد أن نتحدّث في هذا الفصل أيضاً بخصوص واحدة من أهم الأسباب التاريخيّة الأُخرى التي دعت بعض الباحثين للتخلّي عن الهدف السياسي للنهضة، وهو ما يُطرح عادة في إطار الحديث عن فقدان التكافؤ العسكري بين الجبهتين، جبهة الحسين× والجبهة الأُمويّة الحاكمة. وتُشكّل هذه الفكرة إشكاليّة معقّدة، انجرفت بتأثيرها مجملُ البحوث والدراسات الحسينيّة باتجاه هدفيّة الموت والشهادة المحتومة، حيث يتمّ التأكيد دائماً على أنّ ذلك هو الهدف السياسي الوحيد للنهضة. فتعالوا معي لنقرأ فيما يلي هذه الإشكاليّة التاريخيّة في ضوء كلمات العلماء والباحثين، ثمّ ننتقل بعد ذلك لمناقشتها:

إشكاليّة: إنّ معالم الانتصار العسكري لا تلوح في الأُفق

يُعدّ هذا السبب التاريخي من الأسباب الرئيسة التي دعت جملة وافرة من العلماء والباحثين للتخلّي عن الأهداف السياسيّة للنهضة الحسينيّة المباركة بشكل واضح وصريح، وحاصل هذا السبب هو: أنّ الانتصار السياسي والعسكري لم يكن مُتاحاً للإمام الحسين× آنذاك، ولا لاحت معالمه في الأُفق، ولم يكن يحتمله واقع الأُمّة والسلطة آنذاك؛ إذ لم يكن هناك أيّ تكافؤ عسكري بين جبهة الحسين× وبين الجبهة الأُمويّة، من حين إعلانه× الرفض لبيعة يزيد في المدينة المنورة وحتى الشهادة في كربلاء، فعلى طول الخط الزمني لمراحل النهضة كان يزيد هو الأقوى والأكفأ والأكثر سطوة وهيمنة وقدرة من الناحية السياسيّة والعسكريّة والميدانيّة، بل لا مجال أبداً للمقايسة والمقارنة بين الجانبين من هذه الناحية، فيزيد ـ وريث الحكم الأُموي ـ يُمسك الأرض، ويجلس على كرسي الخلافة الإسلاميّة، ويقود جيشاً نظاميّاً مسلّحاً منتشراً في أرجاء الولايات الإسلاميّة، وهذا ما لم يكن متوفِّراً للإمام الحسين×، فلا تمتلك النهضة جناحاً عسكريّاً قادراً على الوقوف بوجه النظام الحاكم.

وقد كانت هذه الحقيقة الميدانيّة واضحة ومعلومة لدى الجميع، فالصحابة والتابعون وغيرهم من عقلاء القوم وذوي الخبرة منهم ـ كما سيأتي ـ كانوا يعلمون بأنّ الحركة الحسينيّة لا تمتلك مقوّمات التفوّق والنصر السياسي والعسكري، ومَن قَبْلهم كان الحسين× عالماً بذلك بدءاً وختاماً، علماً غيبيّاً، وأيضاً من خلال دراسته الميدانيّة للظرف والمرحلة؛ ولذا لم يكن ذلك هو الهدف من نهضته المباركة، وإنّما كان الهدف إسقاط شرعية الحكومة الفاسدة السوداء بمعارضة حمراء مصبوغة بدم المذبوح بكربلاء.

يقول السيِّد محمد باقر الصدر+ في حديثه عن دوافع النهضة الحسينيّة: «وفي هذه اللحظة الحاسمة من تاريخ الحكم الإسلاميّ دقّت ساعة السخاء في أُذني الحسين، تؤذنه بأنّها لحظة التضحية والشهادة، لا لكسب السلطة عمليّاً واستردادها من الغاصبين، فإنّ ذلك لم يكن ليؤمّل في تلك الظروف التي درسها الحسين× جيّداً، وفهمها عن آبائه جيّداً أيضاً، بل لتُسفر دولة المعارضة بلون أحمر من الدم، ولون أسود قاتم من الظلم، فينتزع بذلك عنها الطابع الإسلاميّ الذي كانت تدّعيه، ويضع هذا الطابع على الدولة التي أرادها الإسلام للمسلمين»([104]).

ويقول السيِّد حسن الشيرازي& في حديثه عن الحركة الحسينيّة: «وخاض في معركة عَلم منذ الخطوة الأُولى أنّه سيخسرها إلى الأبد، ولكن الإسلام سيربحها حتّى الأبد»([105]).

كذلك يقول الشيخ الآصفي& في هذا المجال: «كانت ثورة الإمام الحسين× وقيامه (خروجاً) على يزيد و(مقاومةً مسلّحة)، تتبعها تضحية مأساويّة فجيعة نادرة في تاريخ الإسلام، ولم تكن (حرباً نظاميّة عسكريّة) تستهدف إسقاط النظام.

ووعي هذه الحقيقة ضروري في فهم ثورة الحسين×، فلم يكن يرى الحسين× أنّ بإمكان أنصاره من العراق والحجاز أن يقاوموا جيش بني أُميّة، ولا أن يصفو له العراق، ولا أن يُقاوم أهل العراق إرهاب بني أُميّة وإغرائهم، فما كان ليصفو في أحسن الأحوال للإمام من العراق غير قلّة قليلة من شيعته يخرج بهم على يزيد، وكان الإمام× يعلم بهذه الحقيقة ويفهمها جيّداً.

إذن، لم يكن الإمام يطلب فتحاً عسكريّاً، وإنّما كان يطلب في خروجه تحريك ضمائر المسلمين، وإثارة الضمائر والنفوس والعواطف والعقول بفعل المأساة المفجعة، التي واجهها الحسين× على يد جيش بني أُميّة في كربلاء»([106]).

ويقول أيضاً في موضع آخر: «ونحن لا نشكّ في أنّ الإمام لم يكن يطلب في ثورته الشهيرة، وخروجه على يزيد بن معاوية إسقاط النظام الأُموي عسكريّاً، والاستيلاء على السلطة»([107]).

والذي يؤكّد هذه الحقيقة، وهي أنّ الحسين× لم يخطِّط أبداً لانقلاب مسلّح، ولم يخرج بهدف النصر السياسي والعسكري، هو«أنّ الظروف التي أحاطت بنهضته المباركة، وخروجه من مكّة إلى العراق، كانت لا تناسب انتصاره عسكريّاً، ولا أقل من أنّها كانت تقتضي مزيداً من الاحتياط والتأنّي، ولو من أجل العائلة المخدّرة؛ كما يشهد بذلك إجماع آراء مَن نصحه، فإنّهم ذكروا لتوجيه آرائهم أُموراً لا تخفى على كثير من الناس، فضلاً عنه×. ويبدو مدى وضوح الخطر عليه في خروجه للعراق، وقوّة تصميمه× عليه مع ذلك، من محاورة ابن عباس معه... وإنّما كان× يُبرّر خروجه بدعوة أهل الكوفة له، وكثرة كتبهم إليه ـ بنحو قد يوحي بأنّ هدفه الانتصار العسكري ـ ؛ لأنّ عامّة الناس، وكثيراً من خاصّتهم لا يستوعبون أنّ هدفه× من الخروج هو الإصحار والإعلان عن عدم شرعيّة السلطة في موقف يحرجها ويستثيرها، وإن ترتّب على ذلك التضحية بنفسه الشريفة وبمَن معه، وانتهاك حرمتهم وحرمة عائلته الكريمة»([108]).

مجموعة من الشواهد والقرائن لإثبات هذه الرؤية

لقد ذُكرت في المقام مجموعة من الشواهد والقرائن للتدليل على أنّ النصر والتغيير العسكري لم يكن متيّسـراً للحسين×، وأنّه لم يُشكّل هدفاً من أهداف الحركة الحسينيّة في كلّ خطواتها ومراحلها، ونحاول فيما يلي إجمال أهمّ تلك الشواهد والقرائن ضمن العناوين التالية:

1ـ انعدام التوازن في القوى وفقدان التكافؤ العسكري

أشرنا في مُستهلّ حديثنا إلى ما قد يُدّعى في المقام، من أنّ الواقع الميداني للأُمّة والسلطة لا يدع مجالاً لاحتمال انتصار الحركة الحسينيّة عسكريّاً؛ وذلك لانعدام التكافؤ العسكري بين الجبهتين، وهذا أمرٌ واضح جدّاً؛ لأنّ يزيد بن معاوية هو الحاكم الفعلي للبلاد بعد هلاك أبيه، بيده السلطة والأرض والمال والرجال، وهو الذي تنقاد لأوامره الجيوش الإسلاميّة، ويُطيعه القادة والولاة وسائر المؤسّسات والدوائر الحكوميّة، بالإضافة إلى الكثير من رؤساء القبائل ووجهائها.

وهذا ما لم يكن متاحاً للإمام الحسين×، وهو ما اضطرّه للإسراع بالخروج من المدينة إلى مكّة، ومنها إلى العراق، فلم يكن له× «أعوان يعتمد عليهم في حركته وخروجه في غير العراق. فقد كانت مصر والحجاز بعيدتين كلّ البعد عن ظروف الثورة والحركة، وكانت الشام القاعدة المتينة التي ينطلق منها يزيد بن معاوية، ويحتمي بها في حماية ملكه وسلطانه.ولم يكن هوى أهل العراق معه من غير شيعته، فقد كان الإمام يعلم جيداً أنّ من غير الممكن الاعتماد على الكثرة من أهل العراق، فهم مع الطرف المنتصر، ومن الخير له ألّا يلتحقوا به، فإنّهم سوف ينفرطون عن جيشه كما انفرطوا عن جيش أخيه الحسن× من قبل، أو أسرع وأيسر من ذلك، ويفتّون في عضده وعضد أصحابه وشيعته، ويتخلّون عنه في أحرج ساعات المعركة، ولا يبقى له في ساحة المعركة غير شيعته، الذين ثبتوا من قبل في جيش أخيه الحسن×، وهم قلّة لا يكوّنون قوّة عسكريّة تصمد أمام جيوش الشام». بل يمكن القول بأنّ فرصة الانتصار العسكري في عصر الإمام الحسين× أضعف بكثير منها في زمن الإمام الحسن×، «ولم تكن تجربة الإمام الحسن× بعيدة عن الحسين، ولم يكن الإمام الحسين× بأقدر من أخيه في تجميع قوّة عسكريّة لضرب سلطان بني أُميّة وإسقاط النظام، إن لم تكن ظروف الحسين× أسوأ من ظروف أخيه الحسن. فقد استقرّ لبني أُميّة السلطان، وامتدّ نفوذهم، وعمل معاوية بدهائه المعروف في تحكيم أُصول حكم بني أُميّة، وامتداد نفوذهم، وشراء الضمائر ونشر الرعب والإرهاب في أجواء المعارضة، واكتساح الأكثرية، التي يتحكّم فيها الإرهاب والإغراء، ويميلون دائماً إلى الجهة المنتصرة القويّة في الساحة... فلم يكن يصفو ـ إذن ـ للإمام الحسين من القوّة العسكريّة غير ما صفا لأخيه الحسن× من قَبل، وهم الثابتون من شيعته ومواليه، ولا يمكن أن يفكّر الإمام ـ بكلّ تأكيد ـ أن يجازف بهذه القوّة المحدودة لإسقاط النظام الأُموي الرهيب، بعد أن أخفقت محاولة أخيه الإمام الحسن×، في ظروف أحسن من ظروفه، وبقوّة عسكريّة أقوى من الجيش الذي كان يعدّه له العراق بعد موت معاوية»([109]).

2ـ تصريحات الإمام الحسين×

هناك مجموعة من الأقوال والتصريحات الثوريّة التي صدرت عن الإمام الحسين× في عصر النهضة وحركة الإصلاح، استدلّ بها جملة من العلماء والباحثين لإثبات ما يعتقدون به، من أنّ التغيير والنصر العسكري المسلّح لم يكن مُتاحاً، كما لم يكن أيضاً من دوافع وأهداف الحركة الحسينيّة، وأنّ الإمام× كان يعلم يقيناً بأنّ الشهادة والتصفيّة الجسديّة المأساويّة هي المصير المحتوم والنتيجة المحسومة لحركته وثورته، وكان دائماً ما يخبر الناس بمصرعه ومصرع أصحابه، وما سيجري عليه وعلى أهل بيته من المصائب والمآسي، ولا مجال أبداً للتفوّق العسكري والنصر المسلّح، فهو× خارج لينتصر بدمه، لا بسيفه.

وقد استعرضنا في فصلٍ سابق مجموعة من تلك النصوص والأقوال، وأجبنا عن الاستدلال بها في ضوء الإطار العام الذي نفهمه من مقامات ومراتب علم الإمام المعصوم، لكنّنا سوف نستذكر أهم تلك النصوص وأوضحها؛ ونبحثها من الزاوية التاريخيّة والميدانيّة المرتبطة بمحلّ البحث، لنرى أنّ الحسين× هل كان يتحدّث من حين انطلاق النهضة بروح ونفس الموت والشهادة والهزيمة العسكريّة، أم لا؟

وسوف نختار من تلك النصوص ما فيه دلالة أو إلماح إلى استبعاد فكرة النصر والتغلّب العسكري، ولا نورد النصوص التي اكتفت بالتأكيد على حتميّة القتل والشهادة؛ لأنّنا قد أجبنا عن هذه الحيثيّة بشي من التفصيل في بحوث ماضية.

وسنحاول أيضاً أن ننتقي أهمّ تلك النصوص وأوضحها، ونتوخّى التسلسل الزمني التقريبي لصدورها؛ لتأثير ذلك في طبيعة الإجابة كما سيأتي، والنصوص هي:

النصّ الأوّل: ما رواه الطبري في دلائل الإمامة، عن الأعمش، قال: «قال لي أبو محمد الواقدي وزرارة بن جلح: لقينا الحسين بن علي÷ قبل أن يخرج إلى العراق بثلاث ليالٍ، فأخبرناه بضعف الناس في الكوفة، وأنّ قلوبهم معه وسيوفهم عليه، فأومأ بيده نحو السماء، ففُتحت أبواب السماء ونزل من الملائكة عدد لا يحصيهم إلّا الله، وقال: لولا تقارب الأشياء وحبوط الأجر لقاتلتهم بهؤلاء، ولكن أعلم علماً أنّ من هناك مصعدي([110])، وهناك مصارع أصحابي، لا ينجو منهم إلّا ولدي عليّ»([111]).

يكتسب هذا النصّ أهميّته من جهة زمانه وظرف صدوره؛ لأنّه صدر في حياة مسلم بن عقيل، وبعد وصول تقريره الإيجابي الذي رفعه للإمام الحسين×، يطلب منه القدوم إلى الكوفة، والنصّ صدر أيضاً في فترة ضعف التواجد الأُموي في العراق، ومع ذلك كلّه يصرّح الإمام الحسين× بأنّه ليس من طلّاب النصر العسكري، وأنّه لا يعتمد في حركته ونهضته على دعم أهل الكوفة له في مواجهة طغاة الشام، ولو كان هذا هو هدفه لقاتلهم بالملائكة، فلم تكن غايته إلّا السعي لمصرعه ومصارع أصحابه، والسير إلى البقعة المقدّسة التي يرتقي منها إلى الله تعالى، وينال فيها مقاماً لا يناله إلّا بالشهادة، فلا وجود لمفردة النصر العسكري في قاموس النهضة، ولم يكن جيش الكوفة مؤهّلاً لذلك أصلاً، بل كان جيشاً ضعيفاً متهاوياً، ولاؤه العسكري لبني أُميّة، كما نصّ على ذلك الواقدي وزرارة في حديثهم هذا، والإمام× قد أقرّهم على رؤيتهم وتشخيصهم الدقيق للموقف الكوفي، ولم يُنكر عليهم ما ذكروه في أهل الكوفة.

النصّ الثاني: خطبته× المعروفة حينما عزم على الخروج إلى العراق، حيث قام خطيباً في الناس، فقال: «خُطَّ الموت على ولد آدم مخطّ القلادة على جيد الفتاة، وما أولهني إلى أسلافي اشتياق يعقوب إلى يوسف، وخير لي مصرعٌ أنا لاقيه، كأنّي بأوصالي تقطّعها ذئاب الفلوات([112]) بين النواويس وكربلاء، فيملأنّ منّي أكراشاً جوفاً، وأجربة سغباً، لا محيص عن يوم خطّ بالقلم، رضى الله رضانا أهل البيت، نصبر على بلائه ويُوفّينا أجور الصابرين... مَن كان باذلاً فينا مهجته، وموطِّناً على لقاء الله نفسه، فليرحل معنا، فإنّي راحل مصبحاً إن شاء الله»([113]).

فالحسين× يُعلن في هذا الخطاب التاريخي «على مسمع من جموع الحجّ المتوافدة من الربوع الإسلاميّة، من أنّه ماضٍ إلى الموت... فهل مَن ينوي القيام بثورة مسلحة يتحدّث بهذه اللغة؟! لا؛ وإنّما يتحدّث بلغة مختلفة، ويتوجّه إلى الناس قائلاً: (سنضرب، سنقتل، سننتصر ونبيد العدو). لكن الحسين كان يتوجّه إلى الناس بقوله: إنّ الموت زينة للمرء كحلية الفتاة، ثمّ يُغادر مكّة إلى الموت!!»([114]).

إذن، هذا الخطاب الشريف واضح «في أنّ الإمام× كان يُعدّ أصحابه لنهضة كبيرة، قوامها التضحية والدم والشهادة، ولا يطمح فيها إلى أيِّ نصر عاجل. فها هو يبدأ خطابه مع أصحابه بالموت الذي يطوّق ابن آدم، كما تطوِّق القلادة جيد الفتاة. ثمّ يخبر عن مستقبل هذه الحركة المأساوية، فيقول: (كأنّي بأوصالي تقطّعها عسلان [ذئاب] الفلوات). ثمّ يطلب النصرة من المسلمين، ولكن بهذه الطريقة الفريدة: (فمَن كان باذلاً فينا مهجته، موطّناً على لقاء الله نفسه فليرحل معنا). إنّ الإمام لا يشير في هذه الخطبة إلى أيّ هدف عسكري بالمعنى المعروف في الأعمال العسكرية، وإنّما يُعِدّ أصحابه لتضحية مأساوية دامية، ويطلب من الذين يرافقونه في هذه الرحلة أن يُعدّوا أنفسهم للقاء الله ولبذل المهج في سبيل الله»([115]).

النصّ الثالث: وهو الكتاب المعروف والمشهور، الذي كتبه الإمام الحسين× لأخيه محمد بن الحنفية وبقيّة بني هاشم في المدينة، وذلك بعد انصرافه من مكّة متوجّهاً إلى العراق مباشرة، جاء فيه: «أمّا بعد؛ فإن مَن لحق بي استُشهد، ومَن لم يلحق بي لم يُدرك الفتح، والسلام»([116]).

بعد أن اكتسب قرار الخروج إلى العراق درجته القطعيّة، وأصبح قراراً مُعلَناً، تتناقله وسائل الإعلام المكّي، بعث الإمام الحسين× بكتابه هذا إلى بني هاشم في المدينة، يعدهم بنصر من الله وفتح قريب، ويحثّهم على الالتحاق بركب الفاتحين، ويرغّبهم بالنعيم ورفاهيّة العيش معه، ولكنّه نصرٌ بالقتل في سبيل الله، وفتحٌ إلهي في الدعوة إلى الله بحجم الفداء والتضحية، ونعيمٌ بمقامات الشهادة ودرجاتها الرفيعة عند الله تبارك وتعالى. ولم يتضمّن الكتاب أيّ إشارة أو تلميح إلى إمكانيّة النصر والفتح العسكري المسلّح.

النصّ الرابع: خطبته× المشهورة، التي خطب بها أصحابه بمنزل ذي حسم([117])، جاء فيها قوله×: «ليرغب المؤمن في لقاء الله محقِّاً، فإنّي لا أرى الموت إلّا شهادة([118])، ولا الحياة مع الظالمين إلّا برماً»([119]). فالركب الحسيني سائر للقاء الله بالشهادة، والخلاص من الحياة البائسة في ظلّ هيمنة الطغاة والظالمين.

النصّ الخامس: ما رواه الصدوق في معرض حديثه حول مسير الإمام الحسين× إلى الكوفة، حيث قال: «ثمّ سار حتى نزل الرهيمة([120])، فورد عليه رجل من أهل الكوفة، يُكنّى أبا هرم، فقال: يا بن النبي، ما الذي أخرجك من المدينة؟ فقال: ويحك يا أبا هرم، شتموا عرضي فصبرت، وطلبوا مالي فصبرت، وطلبوا دمي فهربت، وأيم الله ليقتُلنّي، ثمّ ليلبسنّهم الله ذلاً شاملاً، وسيفاً قاطعاً، وليُسلّطنّ عليهم مَن يذلّهم»([121]). فالحسين× محاصَر من قِبل السلطة الأُمويّة، وسوف يُقتل على كلّ حال، وقد اختار له الله تعالى القتل والشهادة في كربلاء؛ لأنّ ذلك هو الأفضل له وللأُمّة في علم الله تعالى.

والمتحصّل من مجموع هذه النصوص والشواهد: أنّ الإمام الحسين× كان مُقدِماً «عن علمٍ ووعي على تضحية مأساويّة نادرة، بنفسه وأهل بيته وأصحابه؛ ليهزّ ضمير الأُمّة الخامل، ويبعث في نفوسهم الحركة وروح التضحية والإقدام... ولم يكن يفكِّر في عمل عسكري على الإطلاق لمواجهة سلطان بني أُميّة»([122]).

وبعبارة أكثر تأثيراً: لقد ترك الحسين× «مدينته وخرج من بيته نافضاً يديه من الحياة، مختاراً الموت، حيث كان لا يملك في مواجهة عدوّه سوى هذا السلاح العظيم (الموت)، وبهذا السلاح واجه العدو وفضحه وهتك أقنعته، وهو إن لم يكن في مقدوره قهر العدو وهزيمته في ساحة القتال، ففي مقدوره ـ عبر الموت ـ أن يفضح هذا العدو. إنّه كإنسان أعزل وحيد وفي نفس الوقت مدرك لمسؤوليّته، لم يكن يملك إلّا سلاحه الواحد: تلك الميتة الحمراء!»([123]).

3ـ الخروج العلني ضد السلطة

لا ريب في أنّ الإمام الحسين× قد رفض خلافة يزيد والبيعة له بصورة معلنة، وكذلك كان خروجه المناهض لسلطان بني أُميّة خروجاً علنيّاً في كلّ أحداثه ومراحله، ولم تكن هذه الحقيقة خافية على أحد في ذلك الحين، وفي هذا الضوء يحقّ لنا أن نتساءل: «هل كان لسياسيٍّ واعٍ يعيش في ظلِّ السلطة الأُمويّة القادرة، وتحت قبضة حكمها، وفي قلب قواعدها، أن يأخذ الموقف التالي: ينتفض بلد (الكوفة) ضدّ السلطة المركزيّة، فيوجّه دعوته إلى الحسين، طالباً منه النصرة والقيادة، ويلبّي الحسين الدعوة، مظهراً قبوله لقيادة تلك الانتفاضة، ثمّ يُعلِن جهراً وبشكل رسمي أنّه متوجّه إلى البلد الثائر، ثمّ يصطحب نساءه وأطفاله وبني أخيه ورجاله، تضمّهم جميعاً قافلة ضخمة، تتحرّك من بلد في قبضة العدو، قاطعة مئات الكيلومترات إلى مكّة، حيث تتواجد قوّة كبرى لهذا العدو... ثمّ يُعلن من مكّة وأمام كلّ هؤلاء: أنّه يريد الكوفة، ثمّ يتوجّه من غرب الجزيرة، قاطعاً القطر الشرقي للدولة، إلى العراق قاصداً الكوفة مركز الثورة والانتفاضة.. هل كان لسياسيٍّ واعٍ معارض، وقائد ثورة معادية، تتوفّر له فرصة الخروج إلى أرض ثورته وميدانها، حيث تنتظره القواعد الثورية التي سيقاتل من مواقعها، لكي يقضي على السلطة ويُطيح بنظامها ويقوّض أركانها، هل كان يخرج بهذا الشكل العلني السافر، أم أنّه يحيط أمره بالكتمان، وهو الشيء البديهي؟ وهل كانت السلطة لتسمح له بالخروج والوصول إلى جنده ورجاله وقواعده وأسلحته، وتتركه يقطع الفيافي والصحاري علناً وتحت نظرها، فلا تقاتله أو تعتقله أو تُبيده؟! مثل هذا الرجل السياسي والقائد الثائر لا يفعل ذلك.. لكن الحسين بالعكس تماماً فعل ذلك! لقد أعلن: لن أبايع وسوف أغادر مهاجراً إلى الموت! قالها جهراً على مسمع من السلطة والناس، وخرج سافراً على مرأى من السلطة والناس، لم يتكتّم، بل لم يتخفّ»([124]).

4 ـ نصائح الصحابة والتابعين والمحبّين بترك الخيار العسكري

حينما أعلن الإمام الحسين× قرار خروجه إلى العراق؛ تلبية لنداء أهل الكوفة واستغاثتهم، اعترض طريقه مجموعة كبيرة من الناصحين والمشفقين، ونصحوه بالتريّث والتراجع عن قراره، وقد استشرفت نصائحهم مستقبل الثورة ومصير الحركة الحسينيّة، حيث اجتمعت كلمة الناصحين على أنّ الكوفة لا تصلح كقاعدة رصينة للتغيير، وأنّه لا يمكن أبداً الاعتماد على أهلها لإسقاط الحكم الأُمويّ عسكريّاً؛ لأنّهم أهل غدر ومكر، لا يُوفون بوعودهم وعهودهم، وأنّهم سينقلبون بسيوفهم على الحسين×، وسينتهي الواقع السياسي والعسكري بجريمة الإبادة الجماعيّة، وهذا ما حصل بالفعل، ممّا يعني أنّ ما ترتب من نتائج مأساويّة على الحركة الحسينيّة كان أمراً واضحاً، أدركه عقلاء القوم وساستهم قبل حدوثه، واستقبلوه وعاينوه بشكل واضح، اعتماداً على رؤيتهم ومعايشتهم لأحداث الساعة آنذاك، فلم يكن هناك أيّ احتمال لطرح فرضيّة النصر العسكري الحسيني على سلطان بني أُميّة، وهذا ما لم يكن خافياً على الحسين×؛ إذ كانت المعطيات لديه واضحة، وكان يُدرك بأنّه لا يمتلك أيّ قاعدة عسكريّة يمكن الاعتماد عليها لتحقيق الانتصار السياسي المسلّح، ما يعني أنّ ذلك لم يكن هو الهدف من القيام بوجه الطغاة، وإنّما كان الهدف هو الشهادة بصورة مأساوية؛ لفضح الأُمويين وأذنابهم، وتعريتهم أمام الرأي العام للمسلمين، وإسقاط دولتهم وحكومتهم الظالمة والفاسدة بدم الشهادة.

ولعلّ من أهمّ تلك النصائح: ما جاء في حديث عبد الله بن عبّاس، الذي عايش الواقع الكوفي في فترة خلافة أمير المؤمنين والإمام الحسن÷، حيث خاطب الإمام الحسين× بالقول: «قد بلغني أنّك تريد العراق، وإنّهم أهلُ غَدر، وإنّما يدعونك للحرب، فلا تعجل... إنّهم مَن خَبَرتَ وجرّبت، وهم أصحاب أبيك وأخيك، وقتلتك غداً مع أميرهم، إنّك لو قد خرجت فبلغ ابن زياد خروجك استنفرهم إليك، وكان الذين كتبوا إليك أشَدّ من عدوّك»([125]).

ومن النصائح المهمّة أيضاً المرويّة في هذ المجال نصيحة أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث، ومن جملة ما جاء فيها قوله: «كان أبوك أقدم سابقة، وأحسن في الإسلام أثراً، وأشدّ بأساً، والناس له أرْجى، ومنه أسمع وعليه أجمع، فسار إلى معاوية والناس مجتمعون عليه، إلّا أهل الشام، وهو أعزّ منه، فخذلوه، وتثاقلوا عنه، حرصاً على الدنيا، وضنّاً بها، فجرَّعوه الغيظ وخالفوه، حتى صار إلى ما صار إليه من كرامة الله ورضوانه، ثمّ صنعوا بأخيك بعد أبيك ما صنعوا، وقد شهدْتَ ذلك كلّه ورأيته، ثمّ أنت تريد أن تسير إلى اللذين عَدَوا على أبيك وأخيك تقاتل بهم أهل الشام وأهل العراق ومَن هو أعدّ منك وأقوى، والناس منه أخوف، وله أرجى، فلو بلغهم مسيرك إليهم لاستطغوا الناس بالأموال، وهم عبيد الدنيا، فيقاتلك مَن وعدك أن ينصرك، ويخذلك مَن أنت أحبّ إليه ممّن ينصره، فاذكر الله في نفسك»([126]). ويمثّل هذا النصّ دراسة واعية ومتكاملة حول الوضع السياسي والعسكري الذي كان قائماً آنذاك، وأنّه لا مجال للتغيير، وقد جازاه الإمام الحسين× خيراً على رأيه هذا.

إذن، كانت هذه النصائح وغيرها تمثّل رؤى صائبة ودراسات واعية، خلصت إلى انعدام التكافؤ العسكري بين الجبهتين، وكان الحسين× أعلم بذلك من ناصحيه، الذين لم يُدركوا أنّ هدف الخروج ـ وهو فضح الطغاة بدم الشهادة ـ لا يعتمد على التفوّق عسكريّاً، بل الأمر على العكس تماماً، وهو× ما كان يريد أن يصارحهم بذلك؛ «ولذا كان× يبدو عليه الإحراج مع كثير من ناصحيه من أهل الرأي والمعرفة، الذين يعتمدون المنطق في موازنة القوى. وأقوى ما كان يعتذر به، ممّا يصلح لأن يُقنع الناس، أنّه× خرج من مكّة خشية أن تُهتك به حرمتها وحرمة الحرم...»([127]).

هذه هي أهمّ الشواهد والقرائن التي طُرحت في المقام، وبها أُغلق ملف التغيير الثوري المسلّح في الحركة الحسينيّة، فلم يكن الإمام× يخطِّط لتوجيه ضربة عسكريّة لإسقاط النظام الحاكم.

الإجابة عن هذه الإشكالية: الحركة العسكريّة المسلحة ومحوريّتها في البرنامج السياسي للنهضة الحسينيّة

نحاول فيما يلي مناقشة الإشكالية من وجهين، فنجيب عنها أوّلاً من خلال طرح رؤيتنا المعاكسة حول الموضوع بصورة عامّة، ثمّ ننتقل بعد ذلك وبصورة تفصيليّة للردّ على القرائن والشواهد السابقة التي استُدلّ بها لإثبات صحّة مضمون هذه الإشكاليّة التاريخيّة، فيقع حديثنا في إطار الإجابتين التاليتين:

الإجابة الأُولى: رؤيتنا العامّة حول الحركة العسكريّة المسلّحة ومحوريّتها في البرنامج السياسي للنهضة

في البداية ينبغي الاعتراف بأنّ الحديث حول هذا الموضوع لا يخلو من حساسية وخطورة معرفيّة؛ وذلك لارتباطه المباشر بالجانب العقدي؛ لأنّنا نتحدّث عن إمام معصوم بأعلى وأرفع درجات العصمة المطلقة، عالم بالغيب والشهادة، يحمل أهداف السماء ومبادئها، وارث الأنبياء والرسل والأوصياء، والصفوة من أهل البيت^، فكيف يقود انقلاباً عسكريّاً مسلّحاً تكون نتائجه عكسيّة ومأساويّة؟! وكيف يخرج رجلٌ محارب وقائد عسكري إلى أعدائه بخطاب الموت والشهادة، ويحمل معه نساءه وأطفاله، وثلّة قليلة من أهل بيته، وبصورة سافرة ومُعلنة، يطوف بهم الفيافي والبلدان، ويقطع المسافات الطويلة في صعيد مكشوف، أمام هيمنة وطغيان النظام الحاكم؟! وكيف يعتمد في إسقاط حكم متجبّر، قويّ ومستقرّ، على وعود وعهود من مجتمع وجيش عُرف بالتخاذل والغدر والمكر والخيانة؟! ألا يتنافى ذلك كلّه مع علم الإمام وعصمته؟! ألا يكشف أيضاً عن سوء التخطيط وضعف التدبير العسكري والإخفاق في دراسة معطيات الواقع؟! ثمّ كيف يكون ابن عباس وأضرابه أدقّ وأصوب في قراءة المستقبل من الإمام الحسين×؟!

هذه التساؤلات وغيرها تضعنا أمام مسؤولية تاريخيّة وعقديّة كبيرة، فعلينا أن نتوخّى الدقّة والحذر إذا كنّا نعتقد بأنّ الحسين× قد استهدف بخروجه الانقلاب المسلّح والتغيير العسكري للسلطة، في ظروف ـ كما نرى ـ كانت مُهيّأة للنصر وبناء الدولة العادلة!!

المصادرات والأُصول الموضوعة

في مقدّمة البحث وقبل الشروع في الإجابة أجد نفسي ملزماً بالتذكير ببعض الأُمور التي لا ينبغي أن نختلف فيها، أو هي أُصول موضوعة تبتني على معطيات الأبحاث الماضية:

1ـ إنّ الدوافع والأهداف لخروج الإمام الحسين× كثيرة ومتنوّعة بتنوّع أبعاد النهضة واختلاف مراحلها؛ فهناك دوافع تكليفيّة تتطلّب محاربة الظلم والفساد عن طريق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقد كان هذا الدافع يُشكّل بُعداً ممتداً راسماً للحركة الحسينيّة المباركة في طول مسيرتها. كما أنّ هناك أيضاً دوافع رسالية، قد تستهدف الحفاظ على مقام الإمامة وشخص الإمام في المراحل الأُولى للنهضة، وهذا ما حصل بالخروج من المدينة كخروج موسى×، وقد تستهدف تلك الدوافع الرساليّة أيضاً الحفاظ على مبادئ الرسالة الإلهية وجهود الأنبياء والمرسلين في الأُمّة ولو بدم الشهادة في مراحل لاحقة ومتأخّرة، وهذا ما حصل في نهاية المطاف. ومن الدوافع أيضاً ما يرتبط بالغيب، كالمقام المحمود عند الله الذي لا يناله الإمام الحسين× إلّا بالشهادة.

هذه الأهداف وغيرها ترتبط جميعها بطبيعة التنوّع المرحلي والأبعاد المتعدّدة والآفاق الواسعة للنهضة، وليس من الموضوعية تطويقها بدائرة ضيّقة ومحدودة.

ومن الأهداف التي نؤمن بها أيضاً في بعض مراحل النهضة هي الأهداف السياسيّة، ومنها التخطيط للانقلاب العسكري، وتحريك الأُمّة باتّجاه التغيير المسلّح لنظام الحكم الأُمويّ، وهذا ما حصل بالفعل ـ كما سنُبيّن ـ في مرحلة التواصل مع القواعد الشعبيّة والقوات المسلّحة في العراق.

2ـ إنّ النهضة في مراحلها الأخيرة قد فقدت القدرة على التفوّق العسكري وإمكانيّة التغيير المسلّح؛ وذلك بعد التقلّبات والأحداث المتسارعة في المنطقة، والتغيير المفاجئ في المواقف، وانقلاب الجيش الكوفي واصطفافه مع مرتزقة آل أبي سفيان، فوقع سيف الحسين× بيد أعدائه، وأضحى احتمال التغيير منعدماً.

3ـ إنّ الإمام المعصوم عالم بالغيب، ومطّلع على عواقب الأُمور، ولكن ذكرنا في فصلٍ سابق بأنّ هذا العلم قابل للتغيير والتبديل، ومحكوم بقانون البداء الإلهي العام، وموقوف على قرارات المشيئة الإلهية الفعليّة، وكذا المشيئة الذاتيّة المطلقة والحاكمة على كلّ شيء. فالعلم بالغيب لا يمنع المعصوم من النهوض بالأُمّة لتحقيق النصر والإصلاح، حتى وإن كانت مقادير الغيب لا تُضيء هذه الأهداف ولا تكشف عن طبيعة مكوّناتها، فيخرج المعصوم وينهض بالأُمّة لتغيير مقادير الغيب نحو الأفضل. ولو كان علم الغيب مانعاً، وكانت مقاديره محسومة النتائج، لما خرج النبي الأعظم| في معركة أُحد طلباً للنصر، ولما خرج أمير المؤمنين× في معركة صفّين للقضاء على معاوية!!

إذا اتّضحت هذه الأُمور المهمّة، واستحضرناها بصورة واعية، ننتقل إلى بيان المناقشة التفصيليّة لتلك الإشكاليّة التاريخيّة في إطار العنوان التالي:

القوّات المسلّحة الحسينيّة كانت هي الأقوى والأكفأ في العراق (دراسات ميدانيّة)

إنّ المعطيات التاريخيّة لعصر النهضة تكشف لنا بوضوح أبعاد ومديات التحرّك السياسي آنذاك، وتُنبِّئنا بأنّ التواجد الحسيني كان هو الأقوى والأكفأ في العراق، وأنّ التواجد الأُموي في هذه المنطقة بات ضعيفاً للغاية بعد هلاك معاوية، وكانت التوقّعات والدراسات الميدانيّة كلّها تشير إلى أنّ الحسين× هو المتفوِّق عسكريّاً، وأنّه سوف ينتصر على أعدائه في الكوفة، فيما لو سارت الأُمور في سياقاتها الصحيحة والمخطِّط لها، وهذا ما صرّح به السيّد المرتضى حينما قال في حديثه حول الحركة الحسينيّة: «إنّ أسباب الظفر بالأعداء كانت لائحة متوجّهة، وإنّ الاتفاق السيّء عكس الأمر وقلبه، حتى تمّ فيه ما تمّ»إلى أن يقول:«وهذا [أي الإمام الحسين×] لما قوي في ظنّه النصرة ممّن كاتبه ووثق له، ورأى من أسباب قوّة أنصار الحقّ وضعف أنصار الباطل، ما وجب عليه الطلب والخروج»([128]).

وتمتلك هذه الرؤية التاريخيّة مجموعة كبيرة من الوثائق والحقائق الدامغة، التي
 لا يمكن تأويلها أو إنكارها أو التشكيك فيها، ونختار منها فيما يلي ـ للتدليل على ما ندّعي ـ ثلاث دراسات ميدانيّة، كلّها تؤكّد تلك الرؤية الإيجابيّة تجاه تفوّق الحركة الحسينيّة المسلّحة في الكوفة:

الأُولى: دراسة كبار القادة العسكريين في الجيش الإسلامي

كان المجتمع الكوفي في تواصل دائم ومستمرّ مع الحسين× في حياة معاوية، وبعد هلاكه علم أهل الكوفة بأنّ الحسين× قد أعلن رفضه إعطاء البيعة ليزيد بن معاوية، وأنّه خرج في إثر ذلك من المدينة واستقرّ في مكّة المكرّمة، وأنّ ذاته المقدّسة وحياته الشريفة لا زالت مهدّدة بالخطر من قِبل السلطات الأُموية الجائرة، فأثارهم هذا الواقع المرير والمؤسف الذي يعيشه ريحانة رسول الله|، وأحسّوا من أنفسهم بأنّهم شيعته وأقرب الناس إليه وأولاهم بالنصرة وحماية إمامهم وابن بنت نبيّهم، فاجتمعوا في منزل (سليمان بن صُرد الخزاعي) يتدارسون الأمر لاتّخاذ الموقف المناسب، وكان (سليمان بن صُرد) أوّل مَن افتتح الحديث في هذا الموضوع قائلاً: «إنّ معاوية قد هلك، وإنّ حسيناً قد تقبّض على القوم ببيعته، وقد خرج إلى مكّة، وأنتم شيعته وشيعة أبيه [وقد احتاج إلى نصرتكم اليوم]([129])، فإن كنتم تعلمون أنّكم ناصروه ومجاهدو عدوه فاكتبوا إليه»([130]). فأجابوه جميعهم بالإيجاب والقبول والترحيب، وأجمعوا على أنّهم الأَولى والأجدر باحتضان النهضة الحسينيّة المباركة، وأنّهم مستعدّون وقادرون على تقديم الدعم الكامل لإنجاحها وتطبيق مبادئها الإلهيّة، فقرّروا أن يرفعوا بذلك كتاباً وتقريراً مفصّلاً للإمام×، يؤكّدون فيه جاهزيّتهم واستعدادهم للمواجهة والتضحية في سبيل النهضة وإمامها. وقد تضمّن تقريرهم هذا دراسة مفصّلة ومتكاملة، يذكرون فيها أسباب وموجبات التفوّق البشري والعسكري الذي يحظون به في المنطقة عموماً، وفي الكوفة على وجه الخصوص.

وهنا ينبغي أن نقف متأمّلين في مضمون هذه الدراسة الميدانيّة المهمّة، التي دوّنها ووضعها بين يدي الإمام الحسين× مجموعة من كبار الشيعة المخلصين من ذوي الخبرة العالية، وخيرة القادة العسكريين في الجيش الإسلامي، الذين خاضوا الحروب والتجارب العسكريّة المتنوّعة في ميادين القتال، وخصوصاً في الحروب والمعارك العلويّة لمواجهة الجيش الأُموي في الشام.

لقد كان محتوى تلك الدراسة ومضمونها هو أنّ الكوفة مهيأة ـ من الناحية الاجتماعية والعقديّة والسياسيّة والعسكريّة ـ لاحتضان النهضة الحسينيّة، جاء ذلك
 ـ كما أشرنا ـ بعد مؤتمر واجتماع موسّع لكبار الشيعة ووجهائها، حيث تمّ فيه تداول الأوضاع العامّة، وأحداث الساعة، والتحوّلات السياسيّة التي تمرّ بها البلدان الإسلاميّة، والموقف الذي ينبغي اتّخاذه في الظرف الحالي؛ وبعد المداولات قرّر المؤتمرون بأنّ الكوفة قادرة على التغيير العسكري للسلطة، وأنّ خير مَن يقود هذا التغيير نحو الأفضل والأصلح هو الحسين بن عليّ÷، فبعثوا له كتباً ورسائل كثيرة ومتوالية، تتضمّن دراسة دقيقة للواقع الكوفي والاستعداد التام لإنجاح النهضة، ومن جملة ما جاء فيها كما في كتاب الفتوح لابن أعثم وغيره: «
إلى الحسين بن عليّ، من سليمان بن صرد([131])، والمسيب بن نجبة([132])، وحبيب بن مظاهر([133])، ورفاعة بن شداد([134])، وعبد الله بن وال([135])، وجماعة شيعته من المؤمنين، أمّا بعدُ، فالحمد لله الذي قصم عدوّك... نحن مقاتلون معك وباذلون أنفسنا من دونك، فأقبل إلينا فرحاً مسروراً، مأموناً مباركاً، سديداً وسيّداً، أميراً مطاعاً، إماماً خليفة علينا مهديّاً، فإنّه ليس علينا إمام ولا أمير، إلّا النعمان بن بشير، وهو في قصر الإمارة وحيد طريد، ليس يُجتمع معه في جمعة، ولا يُخرج معه إلى عيد، ولا يؤدّى إليه الخراج، يدعو فلا يُجاب، ويأمر فلا يطاع، ولو بلغنا أنّك قد أقبلت إلينا أخرجناه عنّا حتى يلحق بالشام، فأَقدِمْ إلينا، فلعلّ الله أن يجمعنا بك على الحق»([136]). ثمّ ألحقوه بكتاب آخر يؤكِّدون فيه بأنّ «الناس ينتظرونك، ولا رأي لهم في غيرك، فالعجل العجل»([137]).

هذا هو رأي خمسة من كبار الشيعة وقادتها، وهو أيضاً رأي عموم الشيعة، وفيهم هانئ بن عروة، وعبد الله بن سبع الهمداني، وقيس بن مسهّر الصيداوي، وعابس بن أبي شبيب الشاكري، وعبد الرحمن بن عبد الله الأرحبي، وعمارة بن عبيد السلولي، وهانئ بن هانئ السبيعي، ومسلم بن عوسجة، وسعيد بن عبد الله الحنفي، وغيرهم من وجهاء الشيعة وثقاتها، وفيهم مَن نال مقام الشهادة مع الإمام الحسين× في كربلاء.

وقد احتوى هذا النصّ التاريخي البالغ الأهميّة على مجموعة من الحقائق الميدانيّة التي تُمثّل صمّام أمان لانتصار النهضة وإصلاح الأُمّة، وهي ما يلي:

1ـ إدراك المواطنين الكوفييّن لمبادئ النهضة وإيمانهم بها، واشتياقهم لإمام زمانهم وقائد مسيرتهم الحسين×، واستعدادهم التام للجهاد والقتال والتضحية في هذا السبيل.

2ـ إنّ الحسين× سيكون آمناً في الكوفة على نفسه وأهله وخاصّته وذويه، وسيكون قادراً على تحقيق وتفعيل مبادئ النهضة والتغيير في الأُمّة.

3ـ إنّ وجود السلطة الحاكمة ضعيف جدّاً في الكوفة، فهي لا تملك فيها شيئاً من مقوّمات القدرة، وتفتقر للدعم البشري والمالي والعسكري، وليس لها في نفوس الناس هيبة ولا وقار ولا سُلطان.

4ـ إنّ الوجود الضعيف للسلطة الحاكمة في الكوفة، والمتمثِّل بالنعمان بن بشير وجهازه الحكومي، يمكن عزله والقضاء عليه متى شاء الإمام الحسين× ذلك.

وهذا كلّه يعني أنّ انتصار النهضة الحسينيّة في الكوفة أمرٌ مفروغ عنه بحسب المقاييس السياسيّة والعسكريّة، ومن هنا طالبوا الإمام× بالإسراع في القدوم عليهم. هذه هي رؤية السياسيّين والمجاهدين الخُلّص من شيعة أهل البيت^ بالنسبة للواقع الكوفي الذي يُعايشونه عن كثب ومتابعة جادّة ومسؤولة.

ولا شكّ أنّ هؤلاء القادة السياسيين والمجاهدين المخلصين من الشيعة هم الأكثر تماسّاً بمجتمعهم، والأقرب لمحلّ الحدث، والأعرف بمتغيّرات ومستجدّات الواقع الكوفي من غيرهم، وهؤلاء هم الذين انتصر بجهادهم وجهودهم وتضحياتهم أمير المؤمنين× في مُجمل حروبه ومعاركه، ومدحهم مراراً بهذا الشأن، وقد كان رأيهم بالإجماع أنّ الحسين× لو جاءهم سيُحقّق أهدافه وينتصر على أعدائه، وأنّهم في الكوفة يُشكّلون قوّة بشريّة وعسكريّة مسلّحة كافية للوقوف بوجه الطغاة، وإسقاط حكومة الجور والظلم والفساد، وإقامة الحكومة الربانيّة العادلة بقيادة الإمام المعصوم.

ونحن لا نجد أيّ مبرر عقلائي لإغفال هذه الآراء المسؤولة والدراسات الميدانيّة، والمبادرة لتقديم وتفضيل بعض الآراء الأُخرى المخالفة لها، والمبتنية على معطيات ومعلومات سابقة وقديمة جدّاً، مُستقاة في الغالب من الموقف الكوفي المتخاذل في أواخر خلافة أمير المؤمنين×، وفي فترة خلافة الحسن×، أي مُنذ عشرين عاماً، كما هو الحال في رأي ابن عباس، حينما أشار على الحسين× بعدم الخروج إلى الكوفة؛ لأنّ سكّانها أهل غدر ومكر. ابن عباس الذي ابتعد عن الواقع الكوفي أكثر من عشرين عاماً بعد الصلح مع معاوية، كيف يُقدَّم رأيه على رأي سليمان بن صرد الخزاعي وحبيب بن مظاهر ومسلم بن عوسجة وعابس الشاكري وأمثالهم، ممّن عايش أحداث الكوفة بآلامها وآمالها والمستجدّات فيها؟!

وأمّا كون النتيجة النهائية للنهضة جاءت متطابقة مع تكهّنات ابن عبّاس، فهذا لا يصلح أبداً لأن يكون مبرّراً لتصحيح رأيه وتخطئة آراء الآخرين، كما سننبّه على ذلك لاحقاً.

الثانية: دراسة مسلم بن عقيل

بعد مرور (ستّة وثلاثين) يوماً على تواجد الحسين× في مكّة المكرّمة، وفي العاشر من شهر رمضان بدأت كُتُب الشيعة من أهل الكوفة ورسلهم تتوالى على الإمام× وبشكل متواصل، وكانت الرُسُل والوفود الكوفية تنتظر الردّ، وتتمنّى أن يكون إيجابيّاً، وبقي الإمام× أيّاماً لا يتحدّث مع أحد في الموضوع، ويتريّث في الأمر، ويستمهلهم لدراسة الموضوع واستخارة الله تبارك وتعالى بهذا الشأن، وبعد الإلحاح والطلب الحثيث لمعرفة الجواب والقرار النهائي «قام الحسين× فتطهّر وصلّى ركعتين بين الركن والمقام، ثمّ انفتل من صلاته وسأل ربَّه الخير فيما كتب إليه أهل الكوفة، ثمّ جمع الرسُل، فقال لهم: إنّي رأيت جدّي رسول الله| في منامي وقد أمرني بأمرٍ وأنا ماضٍ لأمره، فعزم الله لي بالخير، إنّه وليُّ ذلك والقادر عليه إن شاء الله تعالى»([138]). ثمّ أخبرهم بأنّه سيبعث موفوداً عنه «ليعرف طاعتهم وأمرهم، ويكتب إليه بحالهم ورأيهم»([139]). وقام باستدعاء ابن عمّه مسلم بن عقيل، وكلّفه بمهمّة استطلاع ودراسة الملف الكوفي، قائلاً له: «قد رأيتُ أن تسيرَ إلى الكوفة، فتنظر ما اجتمع عليه رأي أهلها، فإن كانوا على ما أتتني به كُتُبهم، فعجّل عليّ بكتابك؛ لأُسرع القدوم عليك، وإن تكن الأُخرى، فعجّل الانصراف»([140]). وأمره كذلك «بتقوى الله وكتمان أمره واللطف»([141])، وأن يدعو الناس إلى طاعته، وخذلان آل أبي سفيان. وكتب× إلى أهل الكوفة كتاباً مفصّلاً، ومن جملة ما جاء فيه قوله: «وإنّي باعث إليكم بأخي وابن عمّي وثقتي من أهلي (مسلم بن عقيل)؛ ليعلم لي كنه أمركم، ويكتب إليَّ بما يتبيّن له من اجتماعكم، فإن كان أمركم على ما أتتني به كتبكم، وأخبرتني به رُسُلُكم، أسرعتُ القدوم عليكم إن شاء الله»([142]). وأمرهم أن ينهضوا بالأمر بقيادة ابن عمّه، وأن يبايعوه وينصروه إلى حين قدومه×.

وقد باشر مبعوث الحسين× فور وصوله الكوفة بأداء مهمّته بأحسن وجه، وقام بدراسة الأوضاع الاجتماعيّة والسياسيّة والعسكريّة من كلّ جوانبها وبصورة دقيقة وتفصيليّة، وعلى درجة عالية من السريّة والكتمان، كما أمره الإمام×، وبمدّة قاربت الأربعين يوماً إلى حين اتّخاذ القرار النهائي وبشكل إيجابي، وكان من أهمّ إنجازات هذه الفترة تشكيل قوّة عسكريّة ضخمة مضحّية، يفوق عددها الثمانية عشر ألف رجل من الشيعة، كلّهم قد بايعوه على الجهاد والقتال والنصر أو الموت بين يديه.

وبموجب ذلك كلّه، وفي ضوء المعطيات الميدانيّة الوافرة التي يطول الحديث باستعراضها، كان الرأي الذي تشكّل لدى مسلم بن عقيل ـ الثقة المأمون والعالم النبه والأقرب من مكان الحدث وزمانه ـ واضحاً وصريحاً في أنّ الأجواء مهيّأة تماماً لاستلام السلطة، وأنّ الدعم البشري والعسكري كافٍ لتحقيق النصر وقيام دولة العدل والإيمان، وأنّ الحسين× لو تحرّك نحو الكوفة فإنّه سيتولّى القيادة والحُكم فيها بيُسرٍ وعافية. وفي ضوء هذه المعطيات أبرق إليه كتاباً يقول فيه: «أمّا بعدُ، فإنّ الرائد لا يكذب أهله، وقد بايعني من أهل الكوفة ثمانية عشر ألفاً، فعجّل الإقبال حين يأتيك كتابي، فإنّ الناس كلّهم معك، ليس لهم في آل معاوية رأي ولا هوى، والسلام»([143]).

والحاصل: إنّ الحسين× كان ينتظر التقرير الذي سيرفعه مبعوثه إلى الكوفة الثقة العالم الأمين مسلم بن عقيل، فإن كان سلبيّاً امتنع عن الخروج إليهم، وإن كان إيجابيّاً وعلى طبق مضمون كتبهم وأقوال رُسُلِهم، خرج إليهم لإقامة حكم الله في الأرض، وهذا ما أكّده× في كتابه لأهل الكوفة كما في تذكرة الخواص: «فإن كتب إليّ أنّه قد اجتمع رأي ملئكم وذوي الحجا منكم على مثل ما قدمت رسلكم قدمتُ عليكم، وإلّا لم أُقدم»([144]). فخروج الحسين× إلى الكوفة لم يكن قدراً محتوماً وقضاءً ناجزاً على كلّ حال، بل كان قراراً موقوفاً على وجود قوّة عسكريّة كافية للقيام المسلّح بوجه الحكم الأُموي المستبدّ، وكان تحديد هذا الأمر موكولاً إلى ما يتوصّل إليه المبعوث الحسيني من خلال دراسته الميدانيّة لمجمل الأوضاع في الكوفة، وكانت النتيجة الإيجابيّة التي رُفعت إلى الحسين× هي الباعث الأساس الذي دعاه للخروج إلى الكوفة، ولو كانت النتيجة سلبية وغير مُطمئنة تجاه الوضع الكوفي، فإنّ الحسين× لا يخرج إلى الكوفة أبداً.

وفي هذا الضوء نفهم مضمون كلام الإمام الحسين× حينما خاطب معسكر عمر بن سعد في كربلاء قائلاً:«تَبّاً لَكُمْ أَيَّتُهَا الجَماعَةُ وَتَرْحاً وَبُؤُساً لَكُمْ! حينَ اسْتَصْرَخْتُمُونا وَلهينَ، فَأَصْرَخْناكُمْ مُوْجِفينَ، فَشَحِذْتُمْ عَلَيْنا سَيْفاً كانَ في أَيْدينا، وَحَمَشْتُمْ عَلَيْنا ناراً أَضْرَمْناها عَلى عَدُوِّكُمْ وَعَدُوِّنا، فَأَصْبَحْتُمْ الباً عَلى أَوْلِيائِكُمْ»([145]). فإنّ هذا النصّ الشريف صريح في أنّ الكوفة كانت منذ فترة قريبة تُشكّل قوّة عسكريّة كبيرة مؤهّلة للانقلاب العسكري، وكان أمرُ هذه القوّة بيد الإمام الحسين×، وكانت أهدافها مواجهة الأعداء والقضاء على التواجد الأُموي في المنطقة، وإقامة حكم الله في الأرض، لكن الخذلان وسوء الاختيار الذي أدّى إلى وضع ذلك السيف الحسيني الكوفي بيد الأعداء، كان هو السبب الأساس لتغيّر الأوضاع السياسيّة، وانقلاب معادلات القوى العسكريّة.

ونستنتج من مجمل هذا العرض والدراسة الميدانيّة للواقع الكوفي الأُمور التاليّة:

1ـ إنّ الأمر النبويّ الذي وُجِّه للحسين× في المنام، هو وجوب الخروج إلى الكوفة بهدف التغيير السياسي، وتحريك عجلة المقادير الإلهية، وإسقاط الحكم الأُموي عسكريّاً، وأن يوطّن الإمام× نفسه على كلّ الاحتمالات، فقد شاء الله تعالى في ضوء معطيات الواقع أن يخرج الحسين× للإصلاح والتغيير، حتى لو أدّى خروجه إلى الشهادة والقتل بصورة مأساوية، فإمّا النصر أو الشهادة.

2ـ إنّ مسلم بن عقيل كان مأُموراً بالاستقرار في الكوفة، والتعامل مع أهلها بهدوء ولطف وتحمّل، وأن يُرسِل كتاباً للإمام× يدعوه فيه للمجيء إلى الكوفة، فيما لو وجد الأُمور على ما يُرام، وهو مأُمور أيضاً في مرحلة لاحقة بالتبليغ المعلن للنهضة الحسينيّة، وشنّ حملة إعلاميّة مضادّة على الحكم الأُموي الفاسد، والعمل على تهيئة الظروف والأجواء للقيام المسلّح تمهيداً للنهضة إلى حين مجيء الحسين×، كما جاء ذلك صريحاً في كتابه لأهل الكوفة: «فقوموا مع ابن عمّي وبايعوه وانصروه ولا تخذلوه»([146]).

3ـ إنّ مسلم بن عقيل كان مأُموراً بالانصراف سريعاً وترك الكوفة، فيما لو وجد الأُمور على غير ما يُرام، وحينها سيترك الحسين× الخيار الكوفي، ويُسقطه من حسابات النهضة.

4ـ كانت دراسة مسلم بن عقيل لمجمل الأوضاع في الكوفة إيجابيّة وباعثة على الاطمئنان، وبذلك كتب للحسين×، يدعوه للإسراع بالخروج والإقبال على الكوفة، وفي هذا الضوء أعلن الإمام× قرار الخروج إلى الكوفة متوكّلاً على الله تعالى، وموطّناً نفسه على النصر أو الشهادة.

5ـ انفتحت النهضة في مراحلها الوسطى على فرضيّة النصر المسلّح وإمكانية التفوق العسكري، وكانت النهضة في هذه المرحلة سرّية للغاية، ويمكن تحديدها بثلاثة أشهر تقريباً، من حين التواصل مع أهل الكوفة (العاشر من شهر رمضان) وحتى لحظة اتخاذ قرار الخروج من مكّة المكرّمة (الثامن من شهر ذي الحجّة).

وفي بدايات هذه المرحلة الحسّاسة كان الحسين× لا ينفتح مع أحد بالحديث حول الشأن الكوفي، إلى أن اتّخذ قرار التواصل معهم، وقد أمر مبعوثه إليهم بالتزام الكتمان والسريّة التامّة، وهذا ما حصل بالفعل، فقد كان دخول مسلم بن عقيل إلى الكوفة واستقراره فيها بشكل سرّي، ولم يطّلع على ذلك إلّا المقرّبون والمأمونون من الشيعة، وحتى البيعة كانت تؤخذ سرّاً وبالخفاء، ففي الأمالي الشجريّة: «كان الحسين× قدّم مسلم بن عقيل يبايع له في السرّ إلى الكوفة»([147]). وفي هذا الضوء سارت الأُمور، ففي شرح الأخبار: «كان مسلم بن عقيل قد بايع له جماعة من أهل الكوفة في استتارهم»([148]). وفي نصٍّ ثالث: «ولم يزل مسلم بن عقيل يأخذ البيعة من أهل الكوفة، حتى بايعه منهم ثمانية عشر ألف رجل في ستر ورفق»([149]).

إذن؛ كانت النهضة في مرحلة الانقلاب والتغيير العسكري للسلطة مُحاطة بالتعتيم التامّ والسريّة المطلقة، ولا نستبعد أن يخفى ذلك أيضاً على الشخصيات المعروفة والبارزة في مكّة والمدينة، من أمثال: عبد الله بن عباس وعبد الله بن الزبير ومحمد بن الحنفيّة وغيرهم، وهذا ما يظهر بوضوح من حديثهم مع الإمام× لحظة إعلان قرار خروجه من مكّة إلى الكوفة في السادس أو السابع من شهر ذي الحجة، حيث فوجئوا بالقرار واعترضوا عليه بناءً على ما لديهم من معطيات قديمة جدّاً حول المجتمع الكوفي، وهذا ما استقربه أيضاً السيّد المرتضى في قوله: «لعل ابن عباس لم يقف على ما كوتب به من الكوفة، وما تردّد في ذلك من المكاتبات والمراسلات والعهود والمواثيق»([150]).

ونحن نرى بأنّ مسلم بن عقيل هو الأَحقّ والأجدر بالحديث حول أهل الكوفة؛ لأنّه كان الأعلم بالواقع الكوفي من ابن عباس وغيره، ممّن ابتعدوا كثيراً عن الأحداث والوقائع والتطورات الكوفيّة، وقد خالفهم في رؤيتهم، وقرّر بأنّ الكوفة على استعداد تامّ لاستقبال النهضة، وفي هذا الضوء قرّر الحسين× أيضاً الخروج ونَقْل النهضة إليها، تاركاً خلفه الآراء القديمة والبالية، والتي هو أعلم بها من أصحابها.

كتاب الإمام الحسين× إلى رؤساء البصرة وأشرافها

الذي يظهر من مجموع النصوص التاريخيّة الواردة في توثيق هذه المرحلة من النهضة، أنّ الإمام الحسين× بعد أن استوثق من موقف أهل الكوفة، أرسل كتاباً عاجلاً إلى رؤساء أهل البصرة وأشرافها، «يدعوهم فيه إلى نصرته والقيام معه في حقّه»([151])، والطاعة والانقياد لأوامره، ومن جملة ما جاء في الكتاب قوله×: «وأنا أدعوكم إلى كتاب الله وسنّة نبيّه، فإنّ السنّة قد أُميتت، وإنّ البدعة قد أُحييت، وإنّ تسمعوا قولي وتطيعوا أمري أهدكم سبيل الرشاد»([152]). وكان يزيد بن مسعود النهشلي ممّن أُرسل إليهم الكتاب، فعقد على إثره مؤتمراً عامّاً جمع بني تميم وبني سعد، وأخذ منهم البيعة والموافقة على نصرة الحسين× في نهضته، وكتب بذلك كتاباً مفصّلاً للإمام× يخبره فيه باستعدادهم التام لتقديم الدعم العسكري للنهضة، ويقول فيه: «وصل كتابك، وفهمت ما ندبتني إليه ودعوتني له، من الأخذ بحظّي من طاعتك والفوز بنصيبي من نصرتك... فأَقدِم سُعدت بأسعد طائر، فقد ذلّلت لك أعناق بني تميم، وتركتهم أشدّ تتابعاً في طاعتك من الإبل الظماء لورود الماء يوم خمسها وكظها، وقد ذلّلت لك رقاب بني سعد». فلمّا قرأ الحسين× الكتاب، قال: «آمنك الله يوم الخوف، وأعزّك وأرواك يوم العطش الأكبر»([153]).

وما نريد قوله هنا: هو أنّه سوف لا يبقى أيّ مُبرّر لإرسال هذا الكتاب لو لم يكن الإمام× ساعياً للنصر ومُطمئناً بإمكانيّة تشكيل قوّة عسكريّة قادرة على إسقاط النظام الأُموي في العراق، فأيّ معنى يبقى لهذا الكتاب لو كان الحسين× ساعياً لأجله وقدره المحتوم، وخارجاً لنيل مقام الشهادة مظلوماً بيد أعدائه؟! ألم يكن من الأجدر لتحصيل هذا الهدف هو السكوت وترك الاستنصار كي ينال× غايته سريعاً؟!

إذن؛ كان الحسين× ـ وبموجب مكاتباته السياسيّة ـ يرى بأنّ التغيير العسكري المسلّح للسلطة أمرٌ ممكن، وكان يدعو الناس ويستنصرهم لذلك، بل إنّ مكاتباته ورسائله كلّها (للكوفة والبصرة وغيرهما) كانت تؤذن بإمكانية انتصار الثورة سياسيّاً وعسكريّاً.

وكان يرى الحسين× أيضاً ـ بموجب هذا الكتاب ـ أنّ الكوفة ستكون انطلاقة أُولى لانضمام سائر الولايات والبلدان الإسلاميّة الأُخرى إليها، ودخولها تحت سلطة الخلافة الإلهيّة العادلة.

الثالثة: دراسة أزلام النظام الحاكم

لم تكن تلك القراءة الحسينيّة الإيجابية للواقع الكوفي خافية على مرتزقة يزيد وجواسيسه، حيث أحسّوا بالخطر، وعلموا يقيناً بأنّ الأوضاع لو بقيت على ما هي عليه، فإنّ الحسين× هو المنتصر لا محالة، وأنّ مسلم بن عقيل يسير بجدّ وجدارة عالية باتّجاه حسم الأُمور لصالح النهضة، فبادروا بإرسال الكتب والنصائح والنُذر إلى طاغية الشام، يخبرونه بخطورة الموقف، وأنّ الكوفة ستخرج من نطاق حكمه وسلطانه، وأنّ التواجد الحسيني أضحى هو الأقوى والأكفأ في المنطقة، ومن جملة ما دوّنوه في كتبهم قولهم: «أمّا بعدُ، فإنّ مسلم بن عقيل قد قدم الكوفة، وقد بايعه الشيعة للحسين بن علي، وهم خلقٌ كثير، فإن كان لك في الكوفة حاجة، فابعث إليها رجلاً قويّاً ينفذ فيها أمرك، ويعمل فيها بعملك من عدوك»([154]). وفي كتابٍ آخر: «فإنّ يكن لك في سلطانك حاجة، فبادر إليه مَن يقوم بأمرك»([155]).

وهكذا استشعر يزيد الخطر الكبير الذي يُهدّد مُلكه وسلطانه، وبادر إلى الاستشارة العاجلة في هذا الأمر، وكان القرار بعد المداولة الجادّة هو الإسراع في العمل على التغيير الحكومي بما يناسب خطورة المرحلة، فوقع الاختيار على السفّاح المجرم عبيد الله بن زياد ليتولّى أمر الكوفة، فبعث إليه كتاباً مفصّلاً وعاجلاً يحثّه فيه على مسك الملف الكوفي فوراً، ويخبره بأنّ مسلم بن عقيل قد نزل في الكوفة يجمع الجموع للحسين بن عليّ، «وقد اجتمع إليه خلق كثير من شيعة أبي تراب»([156])، ويأمره بالتوجّه مسرعاً إلى الكوفة، ويخاطبه قائلاً: «فالعجل العجل، والوحا الوحا»([157])، «إن كان لك جناحان، فطر إلى الكوفة»([158])، «وشدَّد عليه في تحصيل مسلم وقتله»([159])، وأن يبعث إليه برأسه، «وأن يتيقّظ في أمر الحسين بن علي، ويكون على استعداد له»([160])، «فأقبل عبيد الله بن زياد على الظّهر سريعاً، حتى قدم الكوفة»([161])، وفعل ما فعل بأهلها من الجرائم ما يملأ بطون التاريخ.

ولقد بلغ بيزيد الخوف والاضطراب من التحرّك (الكوفي/الحسيني) مبلغاً عظيماً، فوجّه كتاباً مفصّلاً لابن عباس، يُخبره بذلك، ويُطالبه بإقناع الحسين× ألّا يتواصل مع أهل الكوفة، وألّا يخرج إليهم، حيث يقول: «بلغني أنّ رجالاً من شيعته من أهل العراق يُكاتبونه ويُكاتبهم، ويُمنّونه الخلافة ويُمنّيهم الإمارة... فألقه واردده عن السعي في الفرقة، وردّ هذه الأُمّة عن الفتنة، فإن قبل منك وأناب إليك فله عندي الأمان والكرامة الواسعة»([162]). وما يلمسه القارئ بوضوح في هذا الكتاب، هو عبارات التخوّف الشديد من أبعاد الحركة الحسينيّة وارتباطها بالواقع الكوفي.

إنّ هذه الدراسة الميدانيّة لمعالم التقدّم الحسيني في الكوفة، والاضطراب والخوف الشديدين، والتحرّك السريع لتدارك الموقف، والقرارات الحاسمة التعسّفية، وترقّب النتائج على حذر ويقظة تامّة، كلّ ذلك يكشف وبوضوح عن صحّة وواقعية الدراسة التي رفعها مسلم بن عقيل للإمام الحسين×، وأنّ الإمام× قد تحرّك بالاتجاه الصحيح وقرأ الواقع كما ينبغي، واتخذ القرارات المناسبة على بصيرة من أمره، ودراية تامّة بمجريات الأُمور. وهذا ما كان يجهله ابن عبّاس وغيره في مكّة والمدينة.

وأمّا انكفاء النهضة بعد ذلك، وتطابق النتائج النهائية مع آراء بعض الناصحين من أمثال ابن عباس وغيره، فلا يحمل أيّ دلالة على أنّ رؤيتهم تجاه الواقع الكوفي الفعلي كانت هي الصحيحة، وأنّ تلك النتائج كانت معلومة ومحسومة في رأي عقلاء القوم، وأنّ الحسين× كان على يقين من ذلك، وإنّما خرج لنيل الشهادة وفضح الظلمة والمفسدين. ليس في آرائهم ونصائحهم أيّ دلالة على شيء من ذلك، وإنّما نعتقد بأنّ الحسين× قد خرج في ضوء معطيات صحيحة وصائبة في نظر ذوي الخبرة والقادة الميدانيين، وهي تُوصله ـ لو سارت الأُمور بمسارها الصحيح ـ إلى تحقيق النصر العسكري وإقامة الحكومة العادلة، وتبقى النتائج النهائية وعواقب الأُمور موكولة إلى الله تعالى.

ونظير ذلك ما هو مذكور مفصّلاً في كتب التاريخ حول خروج النبي’ إلى القتال في معركة أُحد([163])، حيث خرج’ من المدينة لمواجهة مشركي مكّة، وذلك في ضوء معطيات وتقارير ورؤى واستشارات صحيحة وموضوعيّة أدلى بها كبار الصحابة من ذوي الرأي والخبرة، وأكّدوا بأنّ الخروج من المدينة لمواجهة الأعداء هو الأسلم، وستكون نتيجته النصر على طغاة مكّة، ولكن في المقابل كان رأي عبد الله بن أُبيّ المنافق هو البقاء في المدينة، وعدم الخروج منها، والتحصّن فيها، ومقاتلة المشركين على طريقة حرب الشوارع، وأنّ الخروج سيُعرِّض المسلمين للهزيمة والقتل. والنبي الأكرم’ في نهاية المطاف أعرض عن رأي ابن أُبيّ، وأخذ برأي الحمزة وكبار الصحابة من المهاجرين والأنصار، وحرّض المسلمين على القتال، «وأمرهم بالجدّ والجهاد، وأخبرهم أنّ لهم النصر ما صبروا»([164])، ولكن كانت النتائج متطابقة مع رأي ابن أُبي، حيث خسر المسلمون المعركة، وقُتل خيرة رجالات الإسلام، وأُصيب النبي’ بجروح بالغة، فهل هذا يعني أنّ رأي المنافق ابن أُبي كان صائباً؟! وأنّ القرار الذي اتّخذه النبي| كان مخطئاً؟! كلا، بل كان قرار النبي’ هو الصائب؛ لأنّه مبتنٍ على مبررات موضوعية تكون نتيجتها النصر لو التزم المسلمون بالصبر والخطط القتالية وتوجيهات القادة الميدانيين في المعركة، ولكن وقع ما وقع من تقصير المقاتلين في وظائفهم؛ ما أدّى إلى الهزيمة، ولكن يبقى قرار النبي الأكرم’ صائباً، وإن تطابقت النتائج مع رأي ابن أُبي. وهكذا الحال بالنسبة إلى سائر المعارك التي تكون من هذا القبيل، نظير ما جرى في معركة صفِّين وغيرها. والذي يُصحّح الموقف هو السير في ضوء الدراسات والمبرّرات الموضوعيّة، وتبقى المقادير النهائيّة بيد الله تبارك وتعالى.

والنتيجة: إنّ الرؤية التي نؤمن بها ونعتقد بأنّها مطابقة للمعطيات التاريخيّة والميدانيّة في ذلك الحين، هي كون التغيير السياسي للسلطة والانقلاب العسكري المسلّح لاستلام الحكم، من أهمّ دوافع وأهداف النهضة الحسينيّة المباركة، ولكنّه كان يُشكّل حقبة خاصّة من تاريخها، ومرحلة معيّنة ومصيريّة من مراحلها، ابتدأت بعد استقرار الإمام× في مكّة المكرّمة وحينما بدأ التواصل مع المجتمع الكوفي، وانتهت حينما انقلب الناس على عهدهم وبيعتهم، وقُتل السفير مسلم بن عقيل، وحوصر الحسين× في الأراضي العراقيّة، حينها أصبحت الشهادة كرامة الأولياء، وعزّ الأُباة والمصلحين، وفتحاً مبيناً لكلّ الأحرار والشرفاء، وهدفاً سامياً وحيداً أسقط الأقنعة الدينيّة المزيّفة التي احتمى بها الظلمة والطغاة والمفسدون.

الإجابة الثانيّة: الردّ التفصيلي على القرائن والشواهد لإنكار هدفيّة النصر العسكري

من مجموع ما تقدّم يتّضح الردّ على الشواهد والقرائن السابقة، التي ساقها جملة من العلماء والباحثين؛ للتدليل على أنّ الانتصار السياسي والعسكري لم يكن مُتاحاً ولا يحتمله واقع النهضة الحسينيّة في كلّ مراحلها، وكانت عبارة عن أربعة شواهد أساسيّة كما سبق:

أمّا بالنسبة إلى الشاهد الأوّل: وهو انعدام التوازن في القوى وفقدان التكافؤ العسكري، فقد تبيّن أنّ ذلك لا يُمثّل واقع النهضة بتمام مراحلها؛ لأنّ الجبهة الحسينيّة كانت هي الأقوى والأكفأ في فترة التواصل والتخطيط والتنظيم (الكوفي/الحسيني) كما تبيّن مفصّلاً. نعم، تراجعت القوّة العسكريّة لجبهة النهضة في مراحلها الأخيرة، وذلك حينما انهار الواقع الكوفي أمام التحدّيات، وأصبحت الشهادة حينذاك هدفاً وحيداً، ومقاماً إلهياً رفيعاً خالداً بخلود اسم الحسين×.

وأمّا بالنسبة إلى الشاهد الثاني، والذي يُمثّل مجموعة من النصوص والتصريحات للإمام الحسين×، فالنصّ الأوّل وهو ما رواه الطبري عن الواقدي وزرارة بن جلح، فالإجابة على الاستدلال به من وجوه:

1ـ إنّ قولهما: «فأخبرناه بضعف الناس في الكوفة، وأنّ قلوبهم معه وسيوفهم عليه»، إنّما يُمثِّل رأيهما وقراءتهما الخاصّة عن الواقع الكوفي، بناءً على مُعطيات لا يُعلم أساسها ومستندها، وهي قراءة تتقاطع تماماً مع دراسة ورؤية مسلم بن عقيل وكبار القادة المخلصين من ذوي الخبرة والتاريخ الجهادي، حيث قرأوا الواقع الكوفي بصورة إيجابيّة ومختلفة كما تقدّم مفصّلاً، وليس من الموضوعيّة أبداً ترك هذه الرؤية الناضجة والقائمة على أُسس علميّة وميدانيّة، والاعتماد على قول ورأي شخصين لا نعلم مدى خبرتهم ولا حجم تواصلهم الميداني مع مستجدّات الواقع الكوفي، مع احتمال تأثّرهما بالأحداث والمعطيات القديمة حول المجتمع الكوفي، كما هو حال سائر الناصحين والمشفقين من أمثال عبد الله بن عباس.

إنّ قولهما في فرض موضوعيّته واستناده لمعطيات علميّة وميدانيّة، إنّما
يكون ـ في أحسن الأحوال
ـ عاملاً مضعِّفاً للمضمون الإيجابي الذي رفعه مسلم بن عقيل للحسين× حول الواقع الكوفي، ولا يُسقطه عن الاعتبار من رأس. فيبقى الخروج إلى الكوفة مُبتنياً على مبرّراته الموضوعيّة والعقلائيّة، ويكون خروج الحسين× بدافع النصر العسكري أو الشهادة خروجاً على طبق الموازين العسكريّة المعتبرة في مواجهة العدو.

3ـ إنّ قول الحسين×: «لولا تقارب الأشياء وحبوط الأجر لقاتلتهم بهؤلاء [الملائكة]، ولكن أعلم علماً أنّ من هناك مصعدي، وهناك مصارع أصحابي». المقصود منه ـ بحسب الظاهر ـ أنّ الإمام× لا يبحث عن النصر العسكري المحتوم والمحسوم، ولو كان يستهدف تحقيق النصر عسكريّاً بتلك الصورة لقاتل بني أُميّة بالملائكة وحسم الموقف، ولكنه يُريد انتصاراً قائماً على إرادة الأُمّة واختيارها، وهذا النصر ليس قطعيّاً ولا محسوماً، وإنّما تتغير مقاديره وإراداته السماويّة تبعاً لواقع الأُمّة ومجريات الأُمور، وشاء الله تعالى أن يخرج الحسين× على كلّ حال، فإمّا أن ينال انتصاراً عسكريّاً مؤزّراً، أو ينتصر ويفوز بدم الشهادة العظمى، وكانت وقائع هذا النصر الأخير حاضرة ومشهودة في مخزون علم الغيب الحسيني، ولكنه علم غيبيّ محكوم بالبداء والتبديل والإرادة والمشيئة الإلهيّة، كما شرحنا ذلك مفصّلاً في فصلٍ سابق.

النصّ الثاني: وهو الخطبة المعروفة التي خطبها الحسين× حينما عزم على الخروج إلى العراق، والتي مطلعها: «خُطَّ الموت على ولد آدم مخطّ القلادة على جيد الفتاة...»، فإنّه لا علاقة له بالموضوع أبداً؛ لأنّ كلّ قائد ميدانيّ مُقبل على مواجهة عسكرية مع جبهة شرسة لا تؤمن بالمبادئ الإنسانيّة، فضلاً عن الإسلاميّة، لا بدّ أن يخرج هو وأنصاره وجيشه موطّنين أنفسهم على الموت والشهادة كخيار أخير، وهذه هي حال القادة والجيوش في سوح القتال، فالحسين× لا يقول: أنا خارج كي أموت، بل هو× خارج لينتصر عسكريّاً أو يموت، وكم فرق بين المبدأين؟! وهذا هو مغزى قوله×: «مَن كان باذلاً فينا مهجته، وموطّناً على لقاء الله نفسه، فليرحل معنا». وكان إعلان خروجه× إلى الكوفة هو بذاته إعلان للهدف العسكري المسلّح في مواجهة السلطة؛ ولذلك حاول الجهاز الحكومي في مكّة أن يثني الإمام× عن قرار خروجه، لكنّهم لم يُفلحوا.

النصّ الثالث: وهو قوله× لبني هاشم في المدينة: «مَن لحق بي استُشهد، ومَن لم يلحق بي لم يُدرك الفتح». فهو أيضاً كمضمون النصّ السابق، ومفاده: إنّ مَن يلتحق به× ينبغي عليه أن يوطّن نفسه على الموت والشهادة، وإلّا فسوف لا يُدرك الفتح ولا يشهد ربيع النصر الإلهي، ولا يحظى بإحدى الحُسنيين: إمّا النصر المسلّح أو الشهادة.

النصّ الرابع: قوله×: «ليرغب المؤمن في لقاء الله محقّاً، فإنّي لا أرى الموت إلّا شهادة، ولا الحياة مع الظالمين إلّا برماً». والإجابة عن الاستدلال بهذا النصّ من وجوه:

1ـ إنّ هذا النصّ لو فُرض كون تاريخ ومحلّ صدوره هو فترة تواجد الركب الحسيني في منزل ذي حسم، كما ورد في تاريخ الطبري، فهذا معناه أنّ الأوضاع قد تغيّرت، وأنّ الحسين× قد وقع في قبضة عدوّه، وهم الحرّ وجيشه، وفي هذا الظرف انتقلت النهضة إلى مرحلة هدفيّة الشهادة، ومن الطبيعي حينئذٍ أن يصدر في هذه المرحلة نصّ بهذا المضمون وبهذه اللهجة الاستشهاديّة.

2ـ إنّ أغلب المصادر المعتبرة تؤكّد على صدور هذا النصّ والخطاب الشريف في خصوص أرض كربلاء، وفي ليلة العاشر من المحرّم تحديداً على ما في بعض المصادر، وحينئذٍ يكون صدوره بتلك اللهجة الاستشهاديّة أمراً طبيعيّاً جداً، ولا علاقة له بمحلّ البحث.

3ـ بغضّ النظر عن تاريخ ومحلّ الصدور، فإنّ هذا النصّ لا يتقاطع مع رؤيتنا حول الموضوع، ولا يُثبت أبداً أنّ الشهادة هدفاً وحيداً للنهضة؛ لأنّه يتحدّث عن أفضيلة الشهادة بعزّ وكرامة، على العيش بالذلّ في ظلّ الظالمين، وهو أمرٌ مسلّمٌ لا شك فيه، ومن الطبيعي أن نجده في قاموس رجل كالحسين×. وهذا لا ينفي الأهداف السياسية والعسكرية للنهضة أبداً، وكما يُقال: إثبات شيء لا ينفي ما عداه.

النصّ الخامس: قوله× لرجل من أهل الكوفة حينما نزل الرهيمة: «وأيمُ الله ليقتُلنّي، ثمّ ليلبسنّهم الله ذلاً شاملاً، وسيفاً قاطعاً، وليُسلّطن عليهم مَن يذلّهم». ففي مقام الإجابة عن الاستدلال به نقول: إنّ الصحيح هو كون (الرهيمة) من المنازل القريبة جدّاً من كربلاء، فالنصّ صادر في مرحلة هدفية الشهادة، ولا ضير في صدوره بهذه الصراحة.

وأمّا بالنسبة إلى الشاهد الثالث: والذي كان حاصله أنّ خروج الحسين× لمناهضة السلطة الأُمويّة كان خروجاً علنيّاً في كلّ أحداثه ومراحله، وهذا لا يتناسب مع كونه× يستهدف الإطاحة بالنظام الحاكم عسكريّاً. فقد اتّضحت الإجابة عنه مفصّلاً، حيث أثبتنا بأنّ النهضة في مرحلة استهدافها للتغيير المسلّح لنظام الحكم كانت سرّية للغاية، ولم تكن علنيّة، حتى يصحّ ما يؤكّد عليه الدكتور شريعتي في مجمل حديثه حول النهضة الحسينيّة، من أنّ الخروج الحسيني المعلن لا يتناسب إلّا مع اختيار الشهادة هدفاً.

وأمّا بالنسبة إلى الشاهد الرابع: وهو مجموعة نصائح الصحابة والتابعين والمحبّين بترك الخيار العسكري، والتراجع عن قرار الخروج إلى الكوفة.. فإنّه أيضاً قد تبيّنت الإجابة عنه مفصّلاً، وتبيّن أنّها كانت نصائح مُبتنية على معطيات قديمة جدّاً، ولا يمكن اعتمادها عقلائياً في تحديد مسار النهضة، خصوصاً مع وجود رؤى حديثة ومعتبرة، وقائمة على أُسس ومعطيات ميدانيّة لأحداث الساعة، تُفيد بأنّ الخروج إلى الكوفة هو الخيار الأصلح والأصحّ، وأنّ النصر العسكري مضمون في ظلّ الظروف الحاليّة.

وبذلك كلّه يتّضح: أنّ الحسين× قد خرج إلى الكوفة يستهدف الفوز بإحدى الحسنين: إمّا النصر العسكري أو الشهادة، في ظل ظروف وقراءات ودراسات ميدانيّة دقيقة، تُشير كلّها إلى أنّ فرصة النصر العسكري وإقامة حكم الله في الأرض كانت هي الأقرب للتحقّق والوقوع، وهي فرصة اختصّ بها الحسين× من بين الأئمّة المعصومين^، وقد استثمرها بما لا مزيد عليه، لكن الأُمّة أخلفت وعودها، وخانت مبادءها، وتنازلت عن كرامتها، فوقف قائدها وحيداً، وضحّى بدمه في مشهد محفور في ذاكرة التاريخ، ومخلّد في السماوات. فسلامٌ على الحسين يوم وُلِدَ ويوم استُشهد ويوم يُبعث حيّاً.

خلاصة الفصل الخامس

تطرّقنا في هذا الفصل إلى واحدةٍ من أهمّ الرؤى المطروحة في مجال النهضة الحسينيّة، ألا وهي الرؤية الداعية إلى إبعاد الأهداف السياسيّة عن حركة الإمام الحسين×، ونحن إذ نؤمن بالرؤية المعاكسة حاولنا أن نثبت هذه الرؤية، وذلك بعد عرضنا للرؤية الأُولى.

إنّ أهمّ ما ذُكر لإثبات الرؤية الأُولى يكمن فيما يلي:

1ـ فقدان التكافؤ العسكري بين طرفي الصراع، فإن كفّة الميزان العسكري كانت تميل إلى جبهة الحاكم الأُموي؛ وعليه فإنّ الانتصار العسكري والسياسي لم يكن مُتاحاً للإمام×، ولم يكن وارداً في حساباته أصلاً.

ولكن قلنا: إنّ عدم التكافؤ العسكري لم يكن يمثّل واقع النهضة بكلّ مراحلها؛ فإنّ الدراسات الميدانية التاريخيّة تثبت تفوّق القوات المسلحة الحسينيّة في الكوفة، وهذا ما شخّصه كبار القادة العسكريين في الكوفة والذين أعلنوا استعدادهم للمواجهة والمضي في سبيل تحقيق أهداف الثورة المباركة.

2ـ تصريحات الإمام الحسين× الدالّة على علمه مسبقاً بالمصير المحتوم الذي سيلاقيه. وأجبنا: بأنّه لا تلازم معرفي بين ما ذُكر وبين عدم إرادة الهدف السياسي زيادة على ذلك، خصوصاً وأنّ الكثير من تلك التصريحات كانت في المرحلة الأخيرة من النهضة.

3ـ الخروج العلني ضدّ السلطة والذي يتناقض مع كون الثائر ذا حنكة سياسية واعية، وبما أنّ ذلك لا يتصوّر في الحسين×؛ فعليه يلزم كون أهدافه غير سياسيّة.

إلّا أنّ ذلك في الحقيقة لم يكن من المراحل الأولى للثورة، فالثورة كانت سرّية، حتى تمّ الإعلان عنها في مراحل متأخّرة.

4ـ توجيه النصائح من قِبل الصحابة والتابعين بترك الخيار العسكري وهذا إن دلّ على شيء فإنّما يدلّ على دراسة واعية بواقع الحال الذي كانت تعيشه السلطة المتجبّرة والأُمّة المغلوبة على أمرها.

وأجبنا: بأنّ قول بعض الناصحين كان يبتني على معطيات قديمة خاصّة بأصحابها، وهي قراءة تتقاطع تماماً مع قراءة كبار القادة المخلصين والمجاهدين الميدانيين.

وعليه فقد خلص الكلام إلى أنّ الهدف السياسي والتحرّك العسكري كان منشوداً في الحركة الحسينيّة المباركة، خصوصاً في مراحلها الأُولى إلى حيث انحسرت القوّة بسبب القهر والظلم والاضطهاد، حتى أصبحت الشهادة الهدف الأسمى في المرحلة الأخيرة للنهضة.

الفصل السادس

الأسباب والمبررات الزمكانيّة

للتفريط بالأهداف والمبادئ السياسية للنهضة الحسينيّة

(إشكاليّة: الفصل بين القيادتين الدينيّة والسياسيّة في عصر الغَيبة)

نؤكّد مرّة أُخرى بأنّ الذي دعانا للنّظر والتحّديق في الملامح السياسيّة للنهضة الحسينيّة، ما قد نلمسه واضحاً من التهميش والإقصاء لهذا النوع من الأهداف في واقع الأُمّة وحياة الشعوب، في الوقت الذي كان من المفترض أن تُسهم تلك النهضة المباركة في رسم المعالم الاجتماعيّة والسياسيّة لمحيط أُمّتنا الإسلاميّة والإنسانيّة بشكل عامّ، وأن نستلهم من مسيرتها الرائدة مناهج التطوير والتغيير السياسي والاجتماعي، وأساليب معارضة الطغاة والمفسدين، والعمل على إسقاط الأنظمة الجائرة، والتحرّك في سبيل تشييد الحضارة الإنسانيّة وبناء حكومة (بشريّة/إسلامية) عادلة.

لكن الذي أَذهلَنا وآسفنا كثيراً أنّنا وجدنا الرؤية معكوسة تماماً، حيث تمّ التنظير بشكل علمي ومنهجي لإقصاء النهضة الحسينيّة في أهمّ أهدافها، فلا علاقة لها أبداً بالتخطيط لبناء الدولة الإسلاميّة، ولا محاربة الأنظمة الفاسدة لإسقاطها، وإنّما كانت عمليّة استشهاديّة، هدفها فضح الطغاة، وعتادها المأساة، وسلاحها الدم! وكم يؤلمنا ما يُقال: «إنّ قَتْلَ الحسين× بتلك الصورة البشعة والمأساويّة كان أنفع للإسلام من استلامه الحكم وقيادة الأُمّة»!! وقد أسلفنا مراراً وتكراراً بأنّ لهذه الرؤية أسبابها ومبرّراتها، واستعرضنا للمناقشة فيما مضى طائفة من تلك الأسباب، ونحاول في هذا الفصل أن نناقش سبباً جديداً مرتبطاً بحاضر الأُمّة الإسلاميّة ومستقبلها.

إشكاليّة: الفصل بين القيادتين الدينيّة والسياسيّة في عصر الغَيّبة) أسباب زمكانيّة(

من الأسباب المهمّة التي أدّت بالعلماء والباحثين إلى إهمال الأهداف السياسيّة للنهضة الحسينيّة ـ وخصوصاً هدفيّة إقامة حكومة إلهيّة بقيادة المعصوم ـ هو الاعتقاد بفقدان الأثر والفائدة العمليّة لهذا النوع من الأهداف في زمن الغيبة، انطلاقاً من دعوى اختصاصها بزمان حضور المعصوم وتواجده الميداني والمُعلَن في أوساط الناس، وبما يراه مناسباً من الآليات والأسباب والشرائط لإقامة وتشييد معالم الدولة العادلة، بل ادُّعي أيضاً: بأنّ النّصوص المستفيضة تنهى المؤمنين في عصر الغيبة عن التحرّك السياسي والخروج المسلّح لإسقاط الحكومات والأنظمة الظالمة والمستبدّة في سبيل إقامة الحكم الإسلامي، إمّا لأجل أنّ الظروف غير مؤاتية لتحقيق ذلك الهدف، ولا طاقة للمؤمنين على النصر وإقامة الحكم، ولو بشهادة الغيبة نفسها، فنهاهم الله تعالى عن التحرّك والسعي لتحصيله، وإمّا للنّصوص الخاصّة كما سيأتي. ويُعدّ هذا الرأي من الآراء المهمّة في الفقه الشيعي، وقد تبنّاه مشهور فقهائنا حينما تعرّضوا لمبحث ولاية الفقيه.

إذاً؛ حتى لو سلّمنا وآمنّا بالأهداف السياسيّة للنهضة الحسينيّة بكافّة أشكالها وألوانها، فإنّه لا داعي ـ في هذا الفرض ـ لبحثها ودراستها والنظر في وثائقها ونصوصها؛ ذلك لأنّها لا تنتمي لمكوّنات بيئتنا وواقعنا المعاش، ولا تُسهم في تصميم وإنتاج المشهد السياسي في الظرف الحالي. وقد كرّست هذه الرؤية الفقهيّة البداية والمنطلق للإيمان بفكرة فصل القيادة الدينيّة عن القيادات السياسيّة والحكوميّة في مثل زماننا، وهذه هي الحقيقة التي نعيشها اليوم في بعض بلداننا الإسلاميّة شئنا أم أبينا! ويؤسفنا القول: بأنّنا أصبحنا في ظلّ هذا الواقع التفكيكي المزكوم لا نستطعم النكهات السياسيّة والاجتماعيّة في تشكيلة الحركة الحسينيّة. وأصبح من العبث في زماننا الحاضر الخوض في منظومة المعطيات المضمونية والدلالية للنصوص الدينيّة والتاريخية التي تتحدّث عن قيادة الشعوب وسياسة البلدان، ومن أهمّ منابع تلك المنظومة جملة وافرة من الأحداث والنّصوص والوثائق في ملفّات الثورة الحسينيّة، والتي يراها باحثون وقائع تاريخية وتراثية عديمة الفائدة والتأثير في وقتنا الحاضر.

وتعتمد هذه الرؤية على مجموعة من الأفكار والشواهد والتحليلات التي يُعتقد أنّها تدفع باتّجاه تعطيل الفكر والتراث السياسي المرتبط بمكافحة المفسدين والإطاحة بهم وتشكيل الحكومة المهنيّة العادلة، ونستعرض فيما يلي بصورة موجزة أهمّ ما استُدل به في هذا المجال بما يتناسب ومساحة هذا الفصل، مع الالتفات إلى كونها مجموعة شواهد متداخلة ومترابطة، فصّلناها في نقاط متسلسلة تنظيماً للبحث:

1ـ فكرة فصل الاختصاص الديني عن المنهج السياسي

لا نتحدّث تحت هذا العنوان حول ما يُعرف لدى العلمانيين والليبراليين وبعض الإسلاميين من فصل الدين عن السياسة بشكل مطلق، وإنّما حديثنا عمّا يؤمن به الكثير من العلماء والباحثين من فصل الاختصاص الديني وتراثه ورجالاته عن مجالات السلطة ومفاصل الحكومة والدولة في عصرنا الحاضر، حيث يرى البعض بأنّه لا يحقّ للمنظومة الدينيّة بمناهجها وكوادرها أن تشترك في تنظيم وإدارة الجهاز الحكومي (تشريعاً وقضاءً وتنفيذاً)، بل لا يحقّ لها مطلقاً إتلاف الوقت وهدر الطاقات والجهود بهدف التأسيس العَقَدي وتشييد البناء الفكري والتنظير العلمي في المجال السياسي بكلّ حقوله وتخصّصاته المختلفة والمتنوّعة، وأضحى في نظر البعض أنّ من الممنوع أكيداً على أبناء الحوزة العلميّة ـ التي تمثّل الاختصاص الديني ـ أن يعملوا على صناعة التكنقراط السياسي، أو تشكيل الأحزاب والمنظّمات، أو إنشاء المؤسّسات ومراكز الدراسات السياسيّة في أوساطهم وأروقتهم العلميّة، كما يشهد على ذلك طبيعة مناهجنا الدراسية والعلوم التي نتلقّاها في كثير من حوزاتنا ومحافلنا العلميّة، وكذلك التوصيات الكثيرة التي نسمعها باستمرار من العلماء الأعلام بضرورة التزام المناهج التقليديّة المتّبعة حالياً، وخطورة الخروج عن هذا الإطار العام والمألوف، والتأكيد على أنّ الانشغال بدراسة علوم الإدارة والسياسة والاجتماع والخوض في نصوصها وتراثها الديني وواقعها البشري يتقاطع مع فضيلة العالم ومنزلته العلميّة واجتهاده المرتقب. ويتمسّك أصحاب هذه النظرة بسيرة كبار العلماء الماضين، وظواهر بعض النصوص الدينيّة التي سنُشير إليها في جملة من الشواهد اللّاحقة.

إذاً؛ بناءً على هذه الرؤية لا داعي لأن نشغل أنفسنا ونهدر طاقاتنا العلميّة بدراسة وتحليل التراث السياسي في الإسلام، وخصوصاً التراث الحسيني المرتبط بهذا الجانب، بل لعلّ الانشغال به يُعاكس الاتّجاه العلمي والمسار التخصّصي في أهمّ الحقول الدينيّة، ويقف حائلاً أمام الإنتاج الديني النوعي والاجتهادي الذي تضطلع به الحوزة العلمية، فيما يرتبط بـ(علم الفقه والإفتاء) وما يُحيط به من علوم تكميليّة.

2ـ خصائص العصمة والإمامة

وممّا قد يُدّعى في هذا المجال أيضاً: هو أنّ حركة المعصومين من أئمّة أهل البيت^ السياسيّة لاستلام مقاليد الحكم وقيادة الأُمّة ـ في فرض ثبوتها ـ تُعدّ من خصائص عصمتهم ومقام إمامتهم الربانيّة، ولا يصلح الاقتداء بهم والتأسّي بسيرتهم في هذه الموارد والامتيازات الخاصّة، ولعلّ السبب الرئيس في ذلك كونهم^ إنّما يتحرّكون سياسيّاً بأمر من الله تعالى في سبيل إقامة معالم الدولة الإلهيّة العادلة، التي تبتني على أُسس وقواعد القانون السماوي المعصوم والمنزّه عن الخطأ والخطل والجهل والنقصان، وتُصاغ مفرداتها في إطار الأحكام الواقعية المتكاملة التي تقود الإنسان باتّجاه ما يريده الله تعالى منه على هذه الأرض، وفي ضوء هذه النظرة يتبيّن أنّ حركة المعصوم لاستلام السلطة والحكم من التكاليف والمهامّ المختصّة بمقامه الإلهي، ولا يجري هذا الحكم على عموم الأُمّة وعلمائها، خصوصاً في فترة غياب المعصوم عن المشهد السياسي؛ لأنّ غير المعصوم لا يمتلك القدرة ولا القابليّة على إقامة تلك الدولة الإلهيّة العادلة والمستقيمة، ويعضد هذه الفكرة أيضاً طائفة من الشواهد والنصوص كما سنذكر لاحقاً. ومن هذا المنطلق يتّضح السبب في عدم الفائدة والجدوى من تجشّم عناء التأسيس للبحوث والدراسات السياسيّة المعتمدة على التراث الديني بشكل عام، وتراث النهضة الحسينيّة في مجاله السياسي بصورة خاصّة.

3ـ كُلّ راية تُرفع قَبل قيام المهدي فهي راية ضلال

تمسّك القائلون بالفرق بين خصائص عصرنا وأحداث العصر الحسيني بمجموعة من النصوص والروايات، التي تُصرِّح بضلال وبطلان كُلّ راية تُرفع أو دولة تُقام قبل قيام المهدي×، حتى لو كان أصحابها وأتباعها من الدعاة لدين الحقّ، فلا يحقّ لأحد من المؤمنين اليوم أن ينخرط في العمل السياسي بهدف الوصول إلى السلطة وتشكيل حكومة إسلاميّة، ولا يصح أبداً الاقتداء بالنهضة الحسينيّة ومبادئها لبلوغ هكذا أهداف ممنوعة ومنهيّ عن السعي لتحصيلها في زماننا.

ومن جملة تلك النصوص التي قد تدعم بظاهرها هذه الفكرة، ما رواه النعماني في الغيبة بسنده عن أبي جعفر الباقر× أنّه قال: «كلّ راية تُرفع قبل راية القائم صاحبها طاغوت»([165]). وما رواه الكليني عن أبي بصير، عن أبي عبد الله الصادق×، قال: «كلّ راية تُرفع قَبل قيام القائم فصاحبها طاغوت يُعبد من دون الله}»([166]).

ومن الواضح أنّ موضوع هذه النصوص ونظائرها هو رفع الراية قَبل قيام القائم×، وهو مفهوم يتضمّن الدعوة لتحقيق الأهداف والغايات التي يدعو إليها صاحب الراية، والتي هي تعبيرٌ آخر عن إقامة حكومة إسلامية، فتكون هذه النصوص دالّة بوضوح على التحريم والنهي عن رفع الراية وإقامة الحكومة مطلقاً إلى حين الظهور، وذلك بمقتضى كون صاحبها طاغوت يُعبد من دون الله}. وإيماننا بأنّ الحسين× خرج لإسقاط الحكم الأُموي واستبداله بالحكم الإلهي، لا يسمح لنا بالسعي لتكرار هذه التجربة مع وجود مثل هذه النصوص والمضامين الحاكمة بطاغوتية كلّ مَن يسعى لاستلام السلطة باسم الدين والمذهب الحقّ.

4 ـ الروايات الآمرة بالجلوس والناهية عن الخروج على السلطات الظالمة

كذلك استدلّ المانعون عن التأسّي والاهتداء بالأهداف السياسيّة للنهضة الحسينيّة ببعض الروايات الظاهرة في الأمر بالسكوت والجلوس، والنهي عن الخروج والانقلاب على الحكومات والأنظمة الظالمة في زمان الصدور، ويجري ذلك في زماننا أيضاً تمسّكاً بالإطلاق، وهذا يعني أنّ خروج الحسين× حتّى لو كان بهدف الإطاحة بحكم بني أُميّة وإقامة دولة العدل بقيادته الحكيمة، مع ذلك لا ينبغي لنا التحرّك في هذا الإطار وبنفس الأُسلوب تأسّياً به×؛ للنصوص الخاصّة الصريحة في لزوم السكون وعدم التحرّك والخروج إلى حين تحقّق علامات الظهور وقيام المهدي×.

ومن جملة هذه النصوص ما رواه الكليني بسنده عن عيص بن القاسم، قال: سمعت أبا عبد الله× يقول: «عليكم بتقوى الله وحده لا شريك له، واُنظروا لأنفسكم، فوالله، إنّ الرجل ليكون له الغنم فيها الراعي، فإذا وجد رجلاً هو أعلم بغنمه من الذي هو فيها يُخرجه ويجيء بذلك الرجل الذي هو أعلم بغنمه من الذي كان فيها، والله، لو كانت لأحدكم نفسان يُقاتِل بواحدة يُجرّب بها، ثمّ كانت الأُخرى باقية تعمل على ما قد استبان لها، ولكن له نفس واحدة إذا ذهبت فقد ـ والله ـ ذهبت التوبة، فأنتم أحقّ أن تختاروا لأنفسكم، إن أتاكم آتٍ منّا فاُنظروا على أيِّ شيء تخرجون، ولا تقولوا: خرج زيد، فإنّ زيداً كان عالماً وكان صدوقاً، ولم يدْعُكم إلى نفسه، وإنّما دعاكم إلى الرضا من آل محمد|، ولو ظهر لوفى بما دعاكم إليه، إنّما خرج إلى سلطان مجتَمِعٍ لينقضه، فالخارج منّا اليوم إلى أيّ شيء يدعوكم؟ إلى الرضا من آل محمد|؟ فنحن نُشهدكم أنا لسنا نرضى به، وهو يعصينا اليوم وليس معه أحد، وهو إذا كانت الرايات والألوية أجدر أن لا يسمع منّا، إلّا مَن اجتمعت بنو فاطمة معه، فوالله، ما صاحبكم إلّا مَن اجتمعوا عليه، إذا كان رجب فأقبلوا على اسم الله، وإن أحببتم أن تتأخّروا إلى شعبان فلا ضير، وإن أحببتم أن تصوموا في أهاليكم فلعلّ ذلك يكون أقوى لكم([167])، وكفاكم بالسفياني علامة»([168]).

ومفاد هذه الرواية ـ بقرينة الاستثناء فيها «إلّا مَن اجتمعت بنو فاطمة معه» ـ هو أنَّ أيَّ خارج خروجاً عسكريّاً مُسلّحاً لإسقاط الأنظمة الحاكمة وإقامة حكومة داعية إلى الرضا من آل محمد| ومتحدّثة بالنيابة عنه، فإنّها غير مرضيّة عند أهل البيت^، ولا يجوز الخروج معها، إلّا إذا كانت الدعوة بقيادة مَن اجتمع معه بنو فاطمة، وهو المهدي×؛ فيشمل النهي فيها كلّ خارج سوى المهدي×.

مضافاً إلى أنّ الظاهر من صدر الرواية أنّها في مقام الإرشاد إلى مَن يصحّ الخروج معه شرعاً، وليست في مقام بيان الحكم التكليفي، وهذا يعني أن أيّ شخص غير المهدي× فهو فاقد لصلاحية إقامة الدولة العادلة، ولا يصحّ تنصيبه إماماً وقائداً لهذا الغرض.

ومن تلك النصوص أيضاً ما رواه الكليني بسنده عن أبي عبد الله الصادق× أنّه قال لسدير الصيرفي: «يا سدير، الزم بيتك، وكن حِلساً من أحلاسه، واسكن ما سكن الليل والنهار، فإذا بلغك أنّ السفياني قد خرج فارحل إلينا ولو على رجلك»([169]). ومضمونها صريح في وجوب الجلوس والسكون وعدم التحرّك سياسيّاً إلى حين مجيء علامات الظهور، وأبرزها خروج السفياني.

ولعلّ السبب المعقول وراء هذا النوع من الأوامر والنواهي هو الظرف الخاص والمختلف في عصر الغيبة، حيث لا يجب على المؤمنين السعي لاستلام الحكم وإدارة الأُمّة؛ لعجزهم وعدم قدرتهم على تحقيق هذا الأمر بالشكل المطلوب، كما يشهد لذلك نفس غيبة الإمام المهدي×، «فلو كانت إقامة الحكم الإسلامي ممكنة وواجبة، كان أجدر الناس بذلك هو الإمام صاحب الزمان#، فهو إنّما غاب لأنّه لم تكن من الوظيفة اليوم إقامة الحكم، ولم تكن الظروف مؤاتية لذلك»([170]). ويؤيِّد ذلك قول الإمام الصادق× المتقدِّم بشأن الحركة العسكريّة المسلّحة لزيد بن عليّ: «إنّما خرج إلى سلطان مجتَمِعٍ لينقضه». فالظاهر منه أنّ قوّة السلطان واجتماع أمره هو السبب في فشل ثورة زيد بن عليّ، كما نبّه على ذلك المجلسي في مرآة العقول، حيث يقول: «قوله×: (إلى سلطان مجتَمِعٍ) أي: فلذلك لم يظفر»([171]).

وحينئذٍ؛ لا يبقى أيّ معنًى للتأسّي بالإمام الحسين× في حركته السياسيّة والعسكريّة باتّجاه تشكيل حكومة العدل الإلهي في زماننا، لاختلاف التكاليف والأحكام باختلاف الظرف والمرحلة.

5 ـ سيرة المعصومين^ بعد الحسين× على ترك السعي لإقامة حكومة إسلامية

يستدلّ الكثير من الباحثين على فكرة الاختلاف في المرحلة والمسؤوليّة بين واقعنا والواقع الحسيني بسيرة المعصومين^ بعد شهادة الحسين×، وهي سيرة قائمة على اعتزال العمل السياسي والعسكري، وترك السعي لإقامة حكومة إسلاميّة، وهو أمر واضح يلمسه أيّ باحث حينما يُطالع تاريخ وسيرة الأئمّة^ من الفترة التي زامنت إمامة عليّ بن الحسين زين العابدين× إلى حين غيبة الإمام الثاني عشر×. وهذا يعني أنّ الحركة الحسينيّة المسلّحة لتغيير السلطة مرهونة بزمانها ومرحلتها، ولا يحقّ لنا تكرار التجربة في زماننا، تمسّكاً وتأسّياً بالسيرة الحاكمة للمعصومين^ بعد عصر النهضة.

الإجابة عن هذه الإشكاليّة: الحكومة الإسلاميّة وولاية الفقيه في ظل المبادئ السياسيّة للنهضة الحسينيّة

لا زالت هذه الإشكاليّة من الملفات المفتوحة والمطروحة مفصّلاً في الأبحاث العقديّة والفقهيّة، ولا زال العلماء والفقهاء يتداولونها في بحوثهم بشكل جادّ وموضوعي، خصوصاً في الآونة الأخيرة، وقد تركّزت البحوث في هذا المجال حول مسألة (الحكومة الإسلاميّة وولاية الفقيه) في معناها وأدلّتها وأبعادها وحدودها ومعطياتها وآثارها، والبحث في هذا الملفّ بتفاصيله والآراء والنظريات المطروحة فيه موكول إلى الدراسات الفقهيّة العليا المعمّقة ذات الصلة، وهناك نظريات مختلفة ومتفاوتة تتراوح بين القول بولاية الفقيه المطلقة والشاملة لكلّ مفاصل الحياة الاجتماعيّة والسياسيّة والإداريّة وغيرها، وبين القول بولاية الفقيه الحسبية والخاصّة ببعض الأُمور المنصوص عليها في التراث الديني، ونحن هنا لا نريد الخوض في هذه المسألة وأبحاثها الطويلة نسبيّاً، ولكنّنا نحاول فيما يلي أن نُشير بنحو الإجمال إلى بعض النقاط المهمّة والمفصليّة، التي تُكرّس الدور المؤثّر والفاعل للأهداف السياسيّة للنهضة الحسينيّة في أوضاعنا الراهنة:

أوّلاً: نظرية الحكومة الإسلاميّة وولاية الفقيه المطلقة

لا شكّ في أنّ واحدة من النظريات الفقهيّة المهمّة والمطروحة في المقام هي نظريّة الحكومة الإسلاميّة وولاية الفقيه المطلقة في عصر الغيبة، وقد تبنّاها وأسّس لها جملة من العلماء والباحثين، وتعرّضوا في بحوثهم العقديّة والفقهيّة بشكل تفصيلي لحدودها وأدلّتها وشواهدها، وضرورتها العقليّة والدينيّة، وموقعها المتميّز في منظومة الشريعة الإسلاميّة، وتصدّوا للردّ مفصّلاً على تلك الإشكاليّة الرافضة للنظريّة بكلّ وجوهها المتقدّمة، وقد باتت هذه النظريّة تحت ظلِّ ورعاية حشد من الفقهاء والمجتهدين منهجاً ودستوراً عامّاً يحكم نظام الجمهوريّة الإسلاميّة في إيران بما يناهز الأربعة عقود، ولا زالت سارية المفعول إلى يومنا هذا.

وفي ضوء هذه النظريّة ـ وهذا المبنى الفقهي والعقدي المتميّز والمقبول لدى الكثير من فقهاء الطائفة ـ ينبغي أن تكون الأهداف السياسيّة والعسكريّة لنهضة الإمام الحسين× هي الأساس والرائد الأوّل في مجال مقارعة الطغاة ومحاربتهم، وإسقاط أنظمتهم الظالمة وحكوماتهم الفاسدة، والعمل على تشكيل حكومة الإسلام العادلة في مجتمعاتنا الإسلاميّة، وهذا ما كان يُنادي ويهتف به دائماً مؤسِّس جمهوريّة إيران الإسلاميّة الإمام الخميني+، حتى اشتُهر عنه القول: «بأنّ كلّ ما لدينا من عاشوراء»، وكان يقول أيضاً+: «إنّ ثورتنا هي امتداد لنهضة الحسين× وشعاع من أشعتها»([172]).

وكان يرى+ أنّ الولاية والحكومة الإسلاميّة من أهمّ الأهداف الأساسيّة لتشريع الدين الإسلامي، ويعتقد+ بأنّ «للإسلام نظاماً وتشريعاً في كافة الشؤون الحيويّة للإنسان والمجتمع البشري عامّة، ولا بدّ لنا أن نعتقد جزماً بأنّ الإسلام يعني الحكومة، وأنّ قوانين هذه الحكومة هي الأحكام الإسلاميّة التي نزل التشريع بها بهدف تعميم ونشر العدالة، وتلبية الحاجات الفردية والاجتماعية والثقافية والسياسيّة والاقتصاديّة والأُسريّة»([173])  ([174]).

وقد قطعت هذه النظريّة في الآونة الأخيرة شوطاً كبيراً في الفكر الشيعي، وتمَّ طرحها وعرضها والتأسيس لها بشكل متكامل، وبصورة علميّة ومنهجيّة، وعلى الموازين الفقهيّة والاجتهاديّة، وحاول المؤمنون بهذه النظريّة مناقشة وردّ كُلّ الرؤى والشبهات المناهضة لها، وتأمّلوا كثيراً في الروايات التي قد يظهر من بعضها المنع عن إقامة حكومة إسلاميّة في زمن الغيبة، إمّا من حيث الطريق والسند، أو من حيث الدلالة والمضمون، بما في ذلك الشواهد التي أوردناها لتأييد الإشكالية المطروحة في هذا الفصل. ومن هذا المنطلق وتحت ظلّ هذه النظريّة تبقى الأهداف السياسيّة لنهضة الإمام الحسين× مصدراً عقديّاً وتشريعيّاً لكلّ ثورة ونهضة تصحيحيّة تسعى للإطاحة بالطغاة وحكوماتهم الفاسدة، واستبدالها بحكومة إلهيّة إسلاميّة تقوم على أساس العدالة والقسط والاستقامة.

ثانياً: فكرة المشاركة السياسيّة والاجتماعيّة (الولاية الحسبية)

بعيداً عن نظرية الحكومة وولاية الفقيه المطلقة، فإننا نعتقد ـ على أقلّ تقدير ـ بأنّ الدين عموماً والشريعة الإسلاميّة الحقّة على وجه الخصوص شريك أساس في تنظيم وتقنين حياة الناس، وإدارة المجتمع، وقيادة الأُمّة، وممارسة وظيفة الحكم والقضاء، وتصحيح مسارات العمليّة السياسيّة والاجتماعيّة بشكلٍ عام، ومجاهدة الأعداء والغُزاة، والوقوف بوجه الظلم والظالمين، والدفاع عن حقوق المظلومين والمضطهدين، وحماية الضعفاء والفقراء، ورعاية القاصرين والمحتاجين، وغير ذلك ممّا يرتبط بحفظ النظام العام وإتيان ما لا يرضى الشارع الأقدس بتفويته، وهذا هو ما نفهمه من معنى ولاية الفقهاء والمؤمنين الحسبيّة والخاصّة، التي يتبنّاها مشهور فقهائنا.

نعم، قد تختلف مساحتها وشرائطها سعة وضيقاً من فقيه لآخر بحسب اختلاف الأدلّة والمباني الفقهية الاجتهاديّة.

وهذا ما نلمسه بوضوح تامّ حينما نطالع كلمات وآراء الفقهاء ـ قديماً وحديثاً ـ في هذا المجال، وللوقوف على شواهد هذه الحقيقة ـ التي تكاد أن تكون إجماعيّة ـ ننتقي
ـ على سبيل المثال ـ بعض الأقوال والآراء الفقهيّة في هذه المسألة:

يقول الشيخ المفيد+ في كتابه المقنعة: «وللفقهاء من شيعة الأئمّة^ أن يُجمّعوا بإخوانهم في الصلوات الخمس، وصلوات الأعياد، والاستسقاء، والكسوف، والخسوف، إذا تمكنوا من ذلك، وأمنوا فيه من معرّة أهل الفساد. ولهم أن يقضوا بينهم بالحق، ويُصلحوا بين المختلفين في الدعاوى عند عدم البيّنات، ويفعلوا جميع ما جُعل إلى القضاة في الإسلام؛ لأنّ الأئمّة^ قد فوّضوا إليهم ذلك عند تمكّنهم منه بما ثبت عنهم فيه من الأخبار، وصحّ به النقل عند أهل المعرفة به من الآثار»([175]). وقريب من هذا المضمون ما ذكره الشيخ الطوسي في النهاية([176])، وابن إدريس الحلّي في السرائر([177])، والمحقّق الحلّي في الشرائع([178])، والعلّامة الحلّي في القواعد([179])، والشهيدان في اللمعة وشرحها([180]).

ويقول الفيض الكاشاني+ في المفاتيح: «وبالجملة فوجوب الجهاد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتعاون على البرّ والتقوى، والإفتاء والحكم بين الناس بالحقّ، وإقامة الحدود والتعزيرات وسائر السياسات الدينيّة من ضروريات الدين، وهي القطب الأعظم في الدين والمهمّ الذي بعث الله له النبيين، ولو تُركت لعُطّلت النبوّة، واضمحلّت الديانة، وعمّت الفترة، وفشت الضلالة، وشاعت الجهالة، وخرب البلاد، وهلك العباد، نعوذ بالله من ذلك... وكذا إقامة الحدود والتعزيرات وسائر السياسات الدينيّة، فإن للفقهاء المأمونين إقامتها في الغيبة بحقّ النيابة عنه×، إذا أمنوا الخطر على أنفسهم، أو أحد من المسلمين على الأصح، وفاقاً للشيخين والعلّامة وجماعة؛ لأنّهم مأذونون من قِبَلهم^ في أمثالها، كالقضاء والإفتاء وغيرهما، ولإطلاق أدلّة وجوبها، وعدم دليل على توقّفه على حضوره×»([181]).

وأيضاً يقول الشيخ كاشف الغطاء+ في حديثه عن أحكام الجهاد وأقسامه وشرائطه: «وإذا لم يحضر الإمام ـ بأن كان غائباً أو كان حاضراً ولم يُتمكّن من استئذانه ـ وجب على الـمُجتهدين القيام بهذا الأمر. ويجب تقديم الأفضل أو مأذونه في هذا المقام، ولا يجوز التعرّض في ذلك لغيرهم، وتجب طاعة الناس لهم، ومَن خالفهم فقد خالف إمامهم. فإن لم يكونوا، أو كانوا ولا يمكن الأخذ عنهم ولا الرجوع إليهم، أو كانوا من الوسواسيين الذين لا يأخذون بظاهر شريعة سيّد المرسلين، وجب على كلّ بصير صاحب رأي وتدبير ـ عالم بطريقة السياسة، عارف بدقائق الرئاسة، صاحب إدراك وفهم وثبات وجزم وحزم ـ أن يقوم بأحمالها، ويتكلّف بحمل أثقالها، وجوباً كفائياً مع مقدار القابلين، فلو تركوا ذلك عُوقبوا أجمعين»([182]).

ويقول المولى النراقي+ في حديثه عن ولاية الفقيه: «كُلّ فعل متعلّق بأُمور العباد في دينهم أو دنياهم ولا بدّ من الإتيان به ولا مفرّ منه، إمّا عقلاً أو عادة من جهة توقُّف أُمور المعاد أو المعاش لواحد أو جماعة عليه، وإناطة انتظام أُمور الدين أو الدنيا به. أو شرعاً من جهة ورود أمر به أو إجماع، أو نفي ضرر أو إضرار، أو عُسر أو حرج، أو فساد على مسلم، أو دليل آخر، أو ورود الإذن فيه من الشارع، ولم يجعل وظيفته لمعيّن واحد أو جماعة ولا لغير معيّن ـ أي: واحد لا بعينه ـ بل عُلم لا بدّية الإتيان به أو الإذن فيه، ولم يُعلَم المأمور به ولا المأذون فيه، فهو وظيفة الفقيه، وله التصرّف فيه، والإتيان به»([183]). ثمّ استدلّ على ذلك كلّه بإجماع الفقهاء.

وفي كتاب الجواهر: «الولاية للقضاء أو النظام والسياسة أو على جباية الخراج أو على القاصرين من الأطفال أو غير ذلك أو على الجميع، من قِبَل السلطان العادل أو نائبه، جائزة قطعاً، بل راجحة؛ لما فيها من المعاونة على البرّ والتقوى، والخدمة للإمام، وغير ذلك، خصوصاً في بعض الأفراد، وربما وجبت عيناً»([184]).

وفي موضع آخر منه: «لولا عموم الولاية لبقي كثير من الأُمور المتعلّقة بشيعتهم معطّلة. فمن الغريب وسوسة بعض الناس في ذلك، بل كأنّه ما ذاق من طعم الفقه شيئاً، ولا فهم من لحن قولهم ورموزهم أمراً، ولا تأمّل المراد من قولهم: إنّي جعلته عليكم حاكماً وقاضياً وحجّة وخليفة. ونحو ذلك؛ ممّا يظهر منه إرادة نظم زمان الغيبة لشيعتهم في كثير من الأُمور الراجعة إليهم»([185]).

ويقول المحقق النائيني+ بصدد بيان حدود وأبعاد ولاية الفقيه: «لو بنينا على عموم ولاية الفقيه ببركة دلالة مقبولة ابن حنظلة، فلا إشكال في أنّ له الولاية على كلّ ما عُلِم بأنّه من وظائف القضاة، أو عُلِم بأنّ تصدّيه من وظائف الولاة، أو كان مشكوكاً. فله جباية الخراج والمقاسمة فضلاً عن مطالبة الأخماس والزكوات، وله التصدّي لإقامة الجمعة؛ بناءً على أن تكون إقامتها من وظائف الولاة، وأنّه مع تصدّيه لإقامتها تجب على كلّ مَن يتمكّن حضورها وجوباً عينيّاً، وكذلك له التصدّي لإقامة الحدود والتعزيرات وأمثالهما ممّا يُشكّ في كونه من وظيفة القضاة أو الولاة»([186]).

هذه باقة منتقاة من كلمات وآراء الأعلام من فقهائنا (قدّس الله أسرارهم)؛ ويتجلّى منها بوضوح أبعاد وآفاق الرؤية والفكرة التي أشرنا إليها في مستهلّ هذه الإجابة، وهي كون الدين الإسلامي شريكاً رئيساً للإنسان في إدارة وتنظيم وبناء الحياة الاجتماعيّة والسياسيّة، ولا يسمح الدين أبداً للناس أن ينفردوا في بناء حياتهم وحضاراتهم البشريّة اعتماداً على عقولهم وأفكارهم وميولهم وغرائزهم الماديّة فحسب، بل يتحتّم عليهم أن يستعينوا بمزدوج المنتوج الديني والمنتوج البشري؛ لرسم المناهج والسُّبل والسياسات الصحيحة التي تُسهم في الارتقاء بواقع بلدانهم وبناء وتشييد مجتمعاتهم الصالحة والآمنة والمتحضّرة.

وفي ضوء هذه الرؤية نستكشف مدى أهميّة الأهداف السياسيّة للنهضة الحسينيّة وأثرها ودورها الفاعل في حاضر الأُمّة ومستقبلها؛ كونها تُمثّل مصدراً ومنهلاً عقديّاً وتشريعيّاً مؤثّراً ومُلهماً للشعوب والبلدان الإسلاميّة، وعلى كلّ فرد مسلم يؤمن بالحسين× أن يحمله فكراً ومنهجاً وأُسلوباً في الحياة.

ومن هذا المنطلق؛ يتوجّب على الأُمّة الإسلاميّة بكافّة أطيافها أن تستلهم من المدرسة الحسينيّة الخالدة دروس العزّة والإباء والتضحيّة والفداء والعظمة، وتتفاخر وتقتدي بالحسين الذي أرعب الطغاة، وأقضّ مضاجعهم، وأسقط عروشهم، وزلزل الأرض تحت أقدامهم.

وينبغي للأُمّة أيضاً أن تستلهم من الحسين× شارات الكرامة؛ لتخرج بكبريائها وشموخها ثائرة منتفضة على فراعنة عصرها، رافضة لحكوماتهم الجائرة وأنظمتهم الفاسدة، وأن تتعلّم الأُمّة من وحي أهداف نهضته: كيف تُخطط سياسيّاً وعسكريّاً للانقلاب عليهم والإطاحة بهم واستبدالهم بالنظام الأصلح؟ وكيف تتحرّك إلى الأمام لتجعل الدين مصدراً مهمّاً من مصادر مجدها وشموخها وعظمتها؟

وعليها أن تبحث في الحسين× عن عزّتها وكرامتها المهدورة، وتصنع من مبادئ نهضته المباركة مجتمعاً قويّاً رصيناً متلاحماً، لا يرضى بالذلّ والظلم والفساد، حسينيّاً في منهجه ومبادئه وأهدافه وغاياته، ولا معنى لأن يُقال ـ بعد هذا الحديث ـ: إنّ الأهداف السياسيّة للنهضة الحسينيّة لا تنتمي لمكوّنات بيئتنا وواقعنا الـمُعاش، ولا تُسهم في تصميم وإنتاج المشهد السياسي في زماننا الحاضر!!

ثالثاً: الحضور الحسيني المتميّز في الأوضاع الراهنة

إنّ مجتمعاتنا الشيعيّة اليوم هي مجتمعات (حسينيّة/كربلائيّة) بامتياز، بكلّ مضامينها ومظاهرها، وكلّنا يشاهد ويرى كيف أن دم الحسين× يرسم بألوان الحريّة والإباء والكرامة لوحة بلداننا وصورة أجيالنا، ويبني بلَبِنات العزّة والشموخ صروح مجدنا ومعالي حضارتنا، بل أضحى حسين الخلود حضارة الإنسان التي نتفاخر بشرف الانتماء إليها، وقد تعلّمنا من الحسين كيف نُقارع الأنظمة والحكومات الفاسدة، فانتصرنا وأقمنا حكومة الإسلام في دولة إيران العزيزة، وتعلّمنا من الحسين كيف نواجه طاغية العراق بعزيمة واستبسال، فانتصرنا وأذقناه ذلّ العار والهوان، وتعلّمنا من الحسين كيف نكون أحراراً في الدفاع عن ديننا وأعراضنا وأوطاننا، فانتصرنا نصراً مؤزّراً، وها هم أبناء الحسين× وأحبابه وشيعته يُسطّرون اليوم أروع ملاحم البطولة والتضحية والفداء في الدفاع عن تُراب ومقدّسات عراقنا الحبيب، وها هم يكتبون في هذه المرحلة الحسّاسة تاريخاً ومستقبلاً جديداً، ناصعاً مشرقاً، ينتمي لكربلاء الصمود، فسلامٌ وتحيّةٌ من الله لهم وهم يقفون جبالاً شامخة في مواجهة ظلام الكفر والفساد والتخلّف والطغيان المتمثّل بما يُسمّى بأوباش (داعش) ومَن يقف خلفهم من الظلاميين والتكفيريين والخونة والمتآمرين. وها هي الشعوب المؤمنة بالحسين× ومبادئ نهضته المباركة كانت ولا زالت تسير في رَكْبِه قُدماً، وتنبض مسيرتهم بالخير العطاء وعنفوان الحياة، وكان ولا زال حُكّام الجور والطغاة يرتجفون خوفاً وهلعاً من صدى الصوت الحسيني الهادر (هيهات منّا الذلّة).

وفي إطار هذه الملاحم العظيمة، ونحن نعيش هذه الانتصارات المتوالية للسياسات والمبادئ الحسينيّة تحت إشراف علمائنا الأعلام والمرجعيّة الرشيدة، فإنّي لا أفهم أبداً ما قد يُقال: بأنّ المؤمنين لا يمتلكون مقوّمات النصر على الطغاة في زمن الغيبة!!

كلّا! وألف كلّا! فإنّ المؤمنين قد انتصروا، وهم يعيشون اليوم في نعيم دولة الحسين× وحضارته المترامية الأطراف، فالمبادئ السياسيّة للنهضة الحسينيّة بكلّ أبعادها باتت وأصبحت هي الطاقة الخلّاقة التي تُحرّك حاضر الأُمّة باتّجاه صناعة مستقبل واعد وكريم.

رابعاً: مناقشة شواهد ونصوص الإشكاليّة

لا نريد بهذا العنوان الولوج مفصّلاً في الردّ والإجابة عن الشواهد التي سيقت لتأييد تلك الإشكاليّة الزمكانيّة؛ لأن هذا الأمر موكول للبحوث التخصصيّة والاجتهاديّة الفقهيّة والعقديّة المطروحة في مسألة ولاية الفقيه والحكومة الإسلاميّة، وقد ذُكرت أجوبة كثيرة ومتنوّعة وتفصيليّة للردّ على تلك الشواهد الروائيّة والتاريخيّة، يستطيع الباحث ملاحظتها في مظانِّها، ولكننا سوف نُشير بنحو الإجمال إلى بعض الإجابات والتعليقات المختصرة، فنقول:

أوّلاً: إنّ المضمون الذي بيّناه واستعرضناه في الشاهد الأوّل بعنوان (فكرة فصل الاختصاص الديني عن المنهج السياسي)، كان ولا زال يُمثّل هاجساً كبيراً لدى كثير من العلماء والأساتذة والباحثين في الاختصاص الديني، ويمنعهم من محاولة التفكير الجادّ في إقحام علوم السياسة والاجتماع كمناهج علميّة تخصصيّة في جدول مدرستنا الدينيّة الاجتهاديّة؛ ممّا أدّى إلى إلغائها وإقصائها بشكل كامل من منظومة مناهجنا الدراسيّة التقليديّة في كثير من حوزاتنا العلميّة، مع أنّ لهذه العلوم الإنسانيّة مساحة واسعة وتراثاً ضخماً في موروثنا الديني والإسلامي.

وفي الحقيقة: إنّ مُدارسة ومناقشة هذا الأمر تفصيلاً لا تحتمله سياقات بحثنا الموجز، لكنّنا نغتنمها فرصة لندعو العلماء والأساتذة والفضلاء لإعادة النظر في هذا القرار أو العرف المناهجي الذي أصبح شبه نافذ ومعمول به في دروسنا وكراسي اختصاصاتنا الدينيّة الرسميّة، ونحن نرى اليوم ضرورة التغيير والتطوير في هذا المجال، خصوصاً في أوضاعنا الراهنة التي يتعذّر فيها التنصّل والابتعاد عن الواقع الاجتماعي والسياسي لعالمنا المعاصر، فإن كُنّا من المؤمنين بنظرية الحكومة الإسلاميّة وولاية الفقيه، فالحاجة إلى دراسة مثل هذه العلوم دراسة دينيّة اختصاصيّة اجتهاديّة لا تفتقر إلى البيان، وإن كُنّا لا نؤمن بهذه النظريّة، فإنّ إجماع الفقهاء ـ كما تقدّم ـ قائم على الإيمان بولاية الفقيه الخاصّة والحسبيّة، وضرورة أن يكون الاختصاص الديني شريكاً قويّاً ومؤثِّراً في مجال السياسة والاجتماع، وهذا هو الدور المصيري والحسّاس الذي تقوم به مرجعيّاتنا الرشيدة اليوم في كثير من البلدان والأمصار، وهو ما يتطلّب منّا أن نكون شركاء أقوياء، وأن نُساهم في إدارة شأننا السياسي والاجتماعي عن معرفة ودراية تامّة بالتراث الديني وواقع الحياة ومتطلّبات العصر والمرحلة.

وحينذاك؛ يُصبح التراث السياسي للنهضة الحسينيّة على وجه الخصوص من أهمّ مصادرنا التشريعيّة والعقديّة المؤثِّرة في رسم معالم مشاركتنا السياسيّة والاجتماعيّة، ولا مبرّر أبداً لإهمال وتهميش هكذا تراث مهمّ ومفصليّ وحساس.

ثانياً: إنّ ما ادُّعي في محتوى الشاهد الثاني، من كون حركة المعصومين من أئمّة أهل البيت^ السياسيّة لاستلام مقاليد الحكم وقيادة الأُمّة، تُعدّ من خصائص عصمتهم ومقام إمامتهم الربانيّة، ولا يصلح الاقتداء والتأسّي بهم في مثل هذه الموارد. فإنّه لا يمتلك هذا الادّعاء أيّ دليل ناهض لإثباته، بل الأدلّة المتضافرة على خلافه، والفقهاء قديماً وحديثاً يؤكّدون في بحوثهم الأُصوليّة والفقهيّة على أنّ النبيّ الأكرم| وأهل بيته المعصومين^ هم قدوة وأُسوة في كلّ أفعالهم وتحرّكاتهم الفردية والاجتماعيّة والسياسيّة، إلّا ما أخرجه الدليل الخاصّ، وهو قليل ونادر جدّاً، من قبيل جواز التزوّج بأكثر من أربعة بعقد دائم ووجوب صلاة الليل في حقّ النبي|، وأما ما دون ذلك فإنّ منهجهم^ في الحياة هو سبيلنا ومنهجنا، ولكن بشرطها وشروطها، ومن شروطها الضروريّة العمل الجادّ على وضع البحوث والدراسات والمناهج التخصصيّة الاجتهاديّة؛ لتحديد ما يتطلّبه الواقع والمرحلة، وما ينطبق عليه من منهج أهل البيت^ وسيرتهم المتنوّعة بتنوّع واقعهم الذي عايشوه آنذاك، وواحدة من المصادر المهمّة في هذا المجال سيرة الحسين× ونهجه السياسي في نهضته المباركة.

ثالثاً: يعتمد الشاهدان الثالث والرابع ـ كما تقدّم ـ على جملة من النصوص والروايات الشريفة، التي يُستظهر منها الأمر بالجلوس والنهي عن التخطيط للخروج على الحكومات الفاسدة بهدف إسقاطها واستبدالها بحكومة إسلاميّة عادلة، وهناك أجوبة وردود مفصّلة لمناقشة الاستدلال بمضامين هذه النصوص، مطروحة في البحوث الاجتهاديّة الفقهيّة حول مسألة الحكومة الإسلاميّة وولاية الفقيه، لا نريد الخوض في تفاصيلها، لكننا بنحو الإجمال نقول:

1ـ بالنسبة إلى النصوص المتقدّمة الدالّة على أنّ كلّ راية تُرفع قبل قيام القائم× فصاحبها طاغوت يُعبد من دون الله. فقد أُجيب عن الاستدلال بها من وجوه كثيرة، ولعلّ أوضحها وأتقنها: هو أنّ المقصود بالراية التي وقعت موضوعاً في هذه النصوص ـ بمناسبات الحكم والموضوع ـ هي التي يكون صاحبها داعياً الناس إلى نفسه في قبال راية الحقّ، وهي راية القائم×، وأمّا مَن تكون رايته في سبيل إسقاط رايات وحكومات الباطل والظلم، وإقامة الحقّ وإرجاعه إلى أصحابه الشرعيين، وتسليم الراية إلى القائم× في حال ظهوره، فهكذا راية غير مشمولة بتلك النصوص، وذلك بقرينة وصف صاحب الراية الباطلة بالطاغوت وأنّه يُعبد من دون الله، وهو ما يُعطي معنى الصنميّة والدعوة إلى الذات، الذي «يناسب فرض كون خروجه لنفسه، لا بنيّة تسليم الأمر إلى الإمام المعصوم لو حضر»([187]). وقد ناقش بعض أساتذتنا الأجلّاء في تماميّة هذه الإجابة، وتفصيل البحث موكول إلى محلّه([188]).

2ـ أما بالنسبة إلى النصوص الآمرة بالجلوس والسكون، والناهية عن الخروج على السلطات الظالمة، فأهمّها وأصحّها رواية عيص بن القاسم المتقدّمة، وقد أُجيب عن الاستدلال بها في المقام بوجوه عديدة، أتقنها ما أجاب به بعض المحقّقين في كتابه (دراسات في ولاية الفقيه)، من أنّ الرواية ناظرة إلى خروج مَن يخرج داعياً إلى نفسه، كما هو شأن الخارجين في زمان صدور النصّ، وليست ناظرة إلى مَن يخرج داعياً إلى الإمام×؛ وذلك بقرينة التفريق في الرواية بين خروج زيد وخروج غيره، وقد امتدح الإمام× خروج زيد وأثنى عليه؛ معلِّلاً ذلك بأنّه لم يخرج داعياً لنفسه وإنّما خرج داعياً إلى الرضا من آل محمد|، فيُفهم منه أنّ الخروج الآخر المنهي عنه وغير المرضي لدى الإمام× هو الخروج مع مَن يخرج مستقلاً عن الإمام وداعياً لنفسه؛ إذ لا فرق بينه حينئذٍ وبين الحكومة القائمة آنذاك، فكلٌّ منهما يدعو إلى نفسه.

يقول+: «الصحيحة لا تدلّ على عدم وجوب الدفاع وعدم جواز الخروج، بل تدلّ على أنّ الداعي إلى الخروج قد تكون دعوته باطلة، بأن يدعو إلى نفسه مثلاً مع عدم استحقاقه لما يدّعيه، كمَن يدّعي المهدوية مثلاً كذباً. وقد تكون دعوته حقّه، كدعوة زيد بن عليّ بن الحسين مثلاً، حيث دعا الناس لنقض السلطنة الجائرة وتسليم الحقّ إلى أهله، أعني: المرضي من آل محمد... فالصحيحة تُمضي قيام زيد، وتدلّ على جواز القيام للدفاع عن الحقّ... ولا خصوصية لزيد قطعاً، وإنّما الملاك هدفه في قيامه وصلاحيته لذلك. فالقيام لنقض الحكومة الفاسدة الجائرة مع إعداد مقدماته جائز، بل واجب. ولو ظفر زيد لوفى بما دعا إليه من إرجاع الحكومة إلى المرضيّ من آل محمد، كما نطق به الخبر»([189]).

ونحن نعتقد أيضاً بأنّ الرواية ـ بقرينة كون صدرها في مقام الإرشاد إلى مَن يصحّ الخروج معه شرعاً ـ ظاهرة في أنّ المجتمع الشيعي من صلاحياته اختيار من يُمثّله ويُدير شؤونه من ذوي العلم والخبرة والقدرة، فلا بأس أن يتصدّى من العلماء الأجدر والأكفأ إذا اختارهم الناس لذلك الشأن، ويتحرّكوا حينئذٍ بالنيابة عن المجتمع الشيعي في ضوء تعاليم أهل البيت^، ويجتنبوا الحديث والتحرّك باسم الرضا من آل محمد، فتُمثِّل حركتهم التنفيذيّة والإداريّة إرادة ورضا المجتمع الإيماني، لا إرادة ورضا المعصوم مباشرة.

وأمّا رواية سدير الصيرفي، فقد حملها بعض المحقّقين على القضيّة الخارجيّة وموردها الخاصّ وهو سدير نفسه، فسدير هو المنهي عن الخروج مع الخارجين، وهو المأمور بالسكون والجلوس في بيته؛ وذلك لخصوصيّة في شخصيته العاطفيّة والمزاجيّة المتقلّبة، وقد أورد+ جملة من الشواهد والمؤيّدات لفرض خصوصيّة المورد،
فلاحظ
([190])([191]).

رابعاً: إنّ التمسّك بسيرة المعصومين^ بعد شهادة الإمام الحسين×، ودعوى كونها قائمة على اعتزال العمل السياسي والعسكري، وترك السعي لإقامة حكومة إسلامية، في غير محلّه تماماً؛ فإنّهم^ مع كلّ المصاعب والظروف الحرجة والخانقة التي عاشوها في زمن الأُمويين والعباسيين، كانوا شركاء فاعلين ومؤثِّرين وحاضرين باستمرار فيما عايشوه من أحداث وتقلّبات في واقعهم الاجتماعي والسياسي، وكانوا^ يتحرّكون في هذه الدائرة بصورة فاعلة ومتواصلة بما كان يسمح به النظام الاستبدادي والدكتاتوري الذي عايشوه آنذاك، وتاريخهم وسيرتهم المباركة خير شاهد على ما نقول، ويكفينا ذلك مبررّاً للخوض في مُدارسة الملف السياسي والاجتماعي للمعصومين^ على اختلاف مراحله ومواقفه، ابتداءً من زمن النبي الأكرم|، ومروراً بأحداث النهضة الحسينيّة، وانتهاءً بزمان غيبة المعصوم الثاني عشر#.

 

 


 

 

خلاصة الفصل السادس

تعرّضنا في هذا الفصل لإشكالية جديدة أدّت لإقصاء النهضة الحسينيّة في أهدافها السياسيّة، وهي إشكالية الفصل بين القيادتين الدينيّة والسياسيّة في عصر الغيبة، وتعتمد على جملة من القرائن والشواهد التاريخيّة والتراثيّة، ذكرنا منها: فكرة فصل الاختصاص الديني عن المنهج السياسي، ودعوى أنّ الحركة السياسيّة للمعصومين من أئمّة أهل البيت^ من خصائص عصمتهم وإمامتهم، والنصوص الدالّة على أنّ كلّ راية تُرفع قبل قيام القائم× فصاحبها طاغوت يُعبد من دون الله تعالى، والروايات الآمرة بالجلوس والناهية عن الخروج على السلطات الظالمة، وادّعاء كون سيرة المعصومين^ بعد شهادة الحسين× قائمة على ترك السعي لإقامة حكومة إسلامية. ثمّ انتقلنا بعد ذلك للإجابة عن هذه الإشكاليّة وشواهدها في إطار العناوين التالية: نظرية الحكومة الإسلاميّة وولاية الفقيه المطلقة، وفكرة المشاركة السياسيّة والاجتماعيّة (الولاية الحسبية)، والحضور الحسيني المتميِّز في الأوضاع الراهنة، ثمّ انتقلنا لمناقشة شواهد ونصوص الإشكاليّة بصورة خاصّة. وخلصنا إلى كون المبادئ السياسيّة للنهضة الحسينيّة من أهمّ مصادر حركتنا السياسيّة والاجتماعيّة في عصرنا الحاضر.

الفصل السابع

سياسة الإمام الحسين ×

في مواجهة الإرهاب الحكومي


مدخل

كان ولا يزال العنف المجتمعي يتصدّر قائمة التحدّيات الصعبة، ويمثّل التحدّي الأشهَر والأبرز على الإطلاق، ولا زال يقف حائلاً أمام الجهود الإنسانية المتواصلة التي تُبذل باستمرار لإرساء معالم التعايش السلمي بين بني البشر في قرية أرضيّة آمنة موحّدة؛ ولأنّ العنف طبع غرائزي متجذّر في تكوين الإنسان وتركيبته السيكولوجية المعقّدة ([192]) ـ ولأنّه فتّاك، سريع الاشتعال، شديد الانفجار، عالية ألسنة لهبه ونيرانه، تحرق الأخضر واليابس ـ كان وسيبقى العبء الأكبر والهمّ الأثقل الذي يشغل تفكير الهداة والمصلحين بمختلف ألوانهم وتوجّهاتهم، وفي شتّى بقاع الأرض وأصقاعها، مع أنّهم لا يطمعون أبداً بالقضاء عليه بقدر ما يسعون جاهدين للحدّ من انتشاره وتفشّي مظاهره بشكل مُفرط في الأوساط الموبوءة بداء العنف.

وهناك من العنف المضادّ ما هو مبرّر ومقبول لدى العقلاء من البشر، فالإنسان بحاجة إلى شيء من غريزة الحزم والغلظة والعنف يدافع بها عن النفس والعرض والوطن والثروة والحياة، ويقف ببطولة وبسالة أمام أطماع الغزاة والمعتدين، وتوسّعهم الهمجي على حساب الآخرين. لكن هناك أيضاً من العنف ما هو مرفوض وغير مبرّر ولا مقبول، تستنكره الفطرة الإنسانيّة السليمة، وله درجات وأشكال متنوّعة ومتفاوتة، قد تبدأ بكلمة جارحة، وتنتهي أو لا تنتهي بحروب عالمية طاحنة.

وقد أُطلق في العقود الأخيرة مصطلح الإرهاب (Terrorism) على بعض أشكال العنف وأنواعه غير المبرّرة، وليس هدفنا في هذا الفصل دراسة كلّ ما يُسمّى إرهاباً في عصرنا الحاضر، فهذا ما لا يسعه بحث أو كتاب، وهو همُّ الإنسانيّة الأكبر الذي ملأ بطون الكتب وشغل بالَ الباحثين والمفكّرين، لابثين في فهمه ودراسته أحقاباً طويلة من الزمن الماضي والحاضر، فأضحى الإرهاب شبح العصر المرعب، وعُقدت لمعرفة هيولاه المؤتمرات والقِمَمُ العالميّة، وكُتبت البحوث والقوانين والمعاهدات الأُمميّة والدوليّة؛ لقوننة هذا الطراز الخاصّ من العنف ووضعه في أُطره وسياقاته الواضحة؛ ما أنتج تراثاً ضخماً متضارباً متلاطم الأمواج، مفقود السواحل، لا يمكن أن يُحصر بكلمات مختصرة في محدودة هذا البحث الموجز.

ومن هذا المنطلق؛ سندرس صنفاً خاصّاً من أصناف العنف الإرهابي في ضوء كلمات الإمام الحسين× ونهضته المباركة، وهو ما يُسمّى بـ(الإرهاب الحكومي) أو (الإرهاب السياسي) أو (إرهاب الدولة)، ولعلّ هذا الصنف من الإرهاب هو أبرز ما واجهه الإمام الحسين× في حركته وثورته الإصلاحيّة. وقد أحطنا أقطار حديثنا في هذا الموضوع بأسوار المبحثين التاليين:





 



المبحث الأوّل: الإرهاب الحكومي في اللغة والاصطلاح


أولاً: الإرهاب

الأصل اللغوي في مادة الإرهاب: (رهب)، وقد نصّ جملة من اللغويين على أنّ معناه لغةً: الخوف والفزع. ويكون معنى الإرهاب المشتقّ من ذلك الأصل: هو إخافة الناس وإفزاعهم. قال ابن منظور في لسانه: «رَهِبَ، بالكسر، يَرْهَبُ رَهْبةً ورُهْباً، بالضم، ورَهَباً، بالتحريك، أَي: خافَ. ورَهِبَ الشيءَ رَهْباً ورَهَباً ورَهْبةً: خافَه... وأرْهَبَه ورَهَّبَه واستَرْهَبَه: أَخافَه وفَزَّعه. واسْتَرْهَبَه: اسْتَدْعَى رَهْبَتَه حتى رَهِبَه الناسُ؛ وبذلك فُسّـر قـوله: ﴿قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ ﴾؛ أَي: أَرْهَبُوهم»([193]). وقال الزبيدي في تاجه: «والإرْهَابُ بالكَسْرِ: الإِزعاجُ والإِخَافَةُ»([194]).

ويؤكِّد الزمخشري على الجانب القلبي والنفسي في مفردة الإرهاب، ويجعله هو الأساس في مضمون هذه المفردة ومؤدّاها، وليست الإخافة في مؤدّى الإرهاب إلّا سبباً لحصول تلك الحالة النفسيّة، وهي حالة القشعريرة والاضطراب والانزعاج والفزع والرعب النفسي الحاصل بالتخويف، ويتضمّن أيضاً عنصر المفاجأة، إذ يقول:«رهَبْتُه، وفي قلبي منه رهبة، ورَهَب ورهبوت، وهو رجل مرهوب، عدوّه منه مرعوب... وأرهبته ورهّبته واسترهبته: أزعجت نفسه بالإخافة. وتقول: يقشعرّ الإرهاب. إذا وقع منه الإرهاب»([195])؛ فيكون تعريف الإرهاب بالإخافة والتخويف من تعريف الشيء بالعلّة والسبب. ولعلّ هذا هو مراد الراغب الأصفهاني أيضاً حينما قال: «الرَّهْبَةُ والرُّهْبُ: مخافة مع تحرّز واضطراب»([196]). وفي ضوء هذه الرؤية يكون الإرهاب أقرب إلى مفردة الفزع من مفردة الخوف؛ لأنّ الخوف هو مجرّد:«توقّع الضرر المشكوك في وقوعه»([197])، وأمّا الفزع فهو: «مفاجأة الخوف عند هجوم أمر، وهو انزعاج القلب بتوقّع مكروه عاجل»([198]).

ثمّ إنّ صاحب كتاب الفروق اللغوية أضاف عنصراً آخر لمؤدّى الإرهاب، وهو عنصر الاستمراريّة والدوام، إذ يقول:«الرهبة طول الخوف واستمراره؛ ومن ثَمَّ قيل للراهب: راهب؛ لأنّه يُديم الخوف، والخوف أصله من قولهم: جمل رهب إذا كان طويل العظام مشبوح الخَلق والرهابة»([199]). ونسجاً على هذا الرأي اختار بعض المحقّقين «أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة: هو الخوف المستمرّ المستديم»([200]). ولكن اتّضح أنّ الخوف والإخافة بمنزلة السبب لمؤدّى الإرهاب، ومؤدّاه المطابقي والحقيقي هو: حالة من الفزع والانزعاج والرعب النفسي المفاجئ، ولا تخلو هذه الحالة ـ بحسب العادة ـ من عنصر الاستمراريّة والدوام، ولعلّه من هذه الزاوية أضاف العسكري هذا العنصر في فروقه.

والحاصل في تعريف الرَّهَب والإرهاب لغةً: هو حالة من الانزعاج والفزع والرُّعب القلبي والنفسي المفاجئ، الناتج عن الإزعاج والإخافة الصادرة عن الغير، وهي لا تخلو عادةً من عنصر الاستمراريّة والدوام.

وبهذا المعنى اللغوي استُعملت مادّة الإرهاب في القرآن الكريم، كما في قوله تعالى: ﴿ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ([201])، وفيه مطالبة بالخشية والفَرَق والفزع النفسي من انتقام الله تعالى ونزول عقابه وغضبه. وقوله تعالى: ﴿ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ ([202]). وأيضاً قوله سبحانه: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ الله ([203])، أي: تُدخلون حالة من الفزع والرعب في نفوس وقلوب أعداء الله وأعـداء المـؤمنـين. وقوله: ﴿ فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ ([204])، فالسَّحَرة أدخلوا الرعب والفزع في قلوب الناس بعجائب وغرائب سحرهم.

وأيضاً«في حديث (الدعاء رغبة ورهبة إليك) الرهبة: الخوف والفزع... وفي حديث بهز بن حكيم: (إنّي لأسمع الراهبة). هي الحالة التي تُرهِب، أي: تُفزع وتُخوّف»([205]).

وفي مناجاة الإمام زين العابدين علي بن الحسين÷ مع الله تعالى يقول: «وتلطّفت في الترغيب، وبالغت في الترهيب»([206])، أي: أدخلت الفزع في قلوب الناس، عن طريق التهديد والوعيد بالنار والعذاب وسوء المصير، وهو ذات المعنى اللغوي الذي قرّرناه. وبالمعنى ذاته ما جاء في الحديث أيضاً: «قد أرهب عمر بن الخطاب امرأة، فأُخمصت بطنها، فألقت جنيناً ميتاً، فشاور عليّاً×، وحمل ديّة جنينها»([207]).

فتحصّل: أنّ النصّ الديني كما استعمل مادّة الإرهاب في معناه اللغوي بمعطيات ومواصفات وتطبيقات إيجابية ومطلوبة دينيّاً، كذلك استعمله في المعنى اللغوي بمعطيات ومواصفات وتطبيقات سلبية ومرفوضة في المقاييس الدينيّة، كما هو الحال في الإرهاب الذي مارسه السَّحَرة لإدخال الرعب والفزع والخوف في قلوب الناس، وكذا الإرهاب الذي مارسه عمر بن الخطاب بحقّ المرأة الحامل التي فقدت بسببه جنينها.

وأمّا الإرهاب في معناه الاصطلاحي: فقد اختلفت وتضاربت فيه الأقوال والتعريفات بشكل واسع ومُفرط؛ ما أدّى ببعض الباحثين إلى الاعتقاد بعدم إمكانية ضبط وتأطير لفظ الإرهاب في مفهوم ومعنى محدّد وواضح. وبنحو الإجمال والإيجاز نقول:

1ـ استعمل طائفة من الفقهاء الإسلاميين لفظ (الإرهاب) في العنف القولي، من قبيل لعن وتوبيخ العُصاة والمذنبين من المسلمين؛ ليجتنبوا مواقعة الذنب والمعصية([208])، وكذلك تعنيف القاضي لبعض المتخاصمين في القضاء، إذا ظهرت له أمارات كذبه واحتياله([209]). كما استعملوه أيضاً في العنف الفعلي، ومن أمثلته: ممارسة أفعال الرعب والعنف والقوّة لإخافة وإرعاب الخصم والعدوّ، من قبيل حشد الخيول وضرب الطبول ونشر السلاح والرماح في ساحات القتال والجهاد في سبيل الله([210])؛ تطبيقاً لقوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّالله ([211]). يقول الشوكاني مستنداً إلى هذه الآية المباركة: «الإرهاب للعدو إنّما يكون بالعَدد والـمَدد، والعُدّة والشدّة، والسلاح المعدّ للكفاح»([212]).

ومن الجدير بالذكر أنّ هذه المعاني والتطبيقات كلّها إيجابية ومرغوب فيها بنظر الفقهاء، وبحسب مقاييسهم الاستنباطيّة في الفقه الإسلاميّ، ولا تحمل في مؤدّاها أيّ صفة سلبيّة من الصفات التي نحملها في أذهاننا عن مفهوم الإرهاب في وقتنا الحاضر.

نعم، هناك بعض العناوين والمضامين الفقهيّة ذات المداليل السلبيّة أدرجها بعض الباحثين تحت عنوان الإرهاب، من قبيل: (البغي والخيانة، والسرقة والحرابة) وغيرها، وهي ـ مع قطع النظر عن المناقشة في كونها إرهاباً أم لا ـ خارجة عن محلّ البحث. ولكن هناك أيضاً عناوين أُخرى سلبيّة المضمون والتأثير، قد تُحسب في عداد الأعمال الإرهابيّة، وهي مرتبطة بمحلّ البحث ـ ستأتي الإشارة إليها لاحقاً ـ من قبيل: (الظلم والقتل، والذبح والإحراق، والطغيان والعدوان) وأمثالها، وهي قد تكون في الحقيقة من أهمّ أساليب ووسائل ومظاهر العنف والإرهاب.

2ـ حاول جملة من الباحثين وفقهاء القانون المحدثين تعريف الإرهاب بالمثال، وتحديد معناه بذات الأفعال الإجراميّة، وتجريم الأنشطة التي لا تختلف الآراء في كونها أعمالاً إرهابيّة، سواء أسمَينا ذلك تعريفاً مادّياً أم إحصاءً مصداقيّاً للعمل الإجرامي، فساقوا للتوضيح والبيان مجموعة من الأمثلة والممارسات التي ينطبق عليها عنوان الإرهاب، بل ذهب بعضهم إلى أنّ حقيقة الإرهاب ومحتواه لا تعدو ذلك النحو من التمثيل، فانصبّ جُلّ جهدهم على بيان وإحصاء واستقصاء كلّ الأمثلة الفعلية والمتصوّرة الحصول في المستقبل، وصاغوا من ذلك مادّة قانونية لمعرفة معنى الإرهاب وتحديد مضمونه ومحتواه، وقد أحصوا في هذا المجال: جرائم القتل، والاغتيال، والإبادة، والاختطاف، واحتجاز الرهائن، وأعمال القرصنة، والتخريب، والسطو المسلّح، والإخلال بالنظام العام وأمثالها.

ويبقى باب الأمثلة مفتوحاً أمام الحوادث المتجدّدة في عالمنا المتغيّر والمتطوّر. وليس هناك أيّ ضرورة لوضع تعريف محدّد ماهويّ للأعمال الإرهابيّة، بل إنّ وضع «تعريف للعمل الإرهابي قد يُضيّق من دائرة جهود مكافحته، ويحصر هذه الجهود في إطار التعريف المحدّد له؛ لتبقى دائماً ملزمة بالخضوع له»([213]). مضافاً «إلى أنّ الإرهاب كمصطلح في حدّ ذاته غير قابل للتعريف؛ لأنّ أيَّ محاولة لتعريفه لن تكون قادرة على الإلمام بكافة صوره ومظاهره، وأيّ تعريف للإرهاب إمّا أن يكون عامّاً؛ وهو بذلك يحتاج إلى تفسيرات أُخرى، أو أنّه محدّد وحصريّ، فيكون بذلك جامداً غير قادر على مسايرة التطوّر المستمرّ في صور الإرهاب وأساليبه المتزايدة باستمرار تزايد التطوّر العلمي في شتّى المجالات»([214]). ومن هذا المنطلق آمن جملة من الباحثين بمبدأ النسبية، و«أنّ مفهوم الإرهاب هو مفهوم نسبي متطوّر، يختلف من مكان إلى آخر، ومن شخص إلى آخر، ومن عقيدة أو فكر إلى آخر، وحسب الظروف المتغيّرة، رغم وجود بعض القواسم المشتركة؛ ولهذا من الصعب أن نقول بوجود مفهوم واحد للإرهاب أو للجريمة السياسية أو للعنف السياسي يمكن أن يقبل به الجميع، أو يمكن أن يُرضي الكلّ؛ ولهذا نعترف أن ليس هناك تعريف محدّد واضح أو دقيق للفكر الإرهابي»([215]).

حاولت مجموعة أُخرى من الباحثين وذوي الاختصاص في المجال القانوني ضبط معنى الإرهاب في تعريف قانوني ماهويّ، واضح ومحدّد وشامل، يحظى بالمقبوليّة العامّة في المجتمع الدولي، بعيداً عن المهاترات والتوظيفات الفئويّة والسياسيّة؛ إيماناً منها بإمكانيّة ذلك، بل ضرورته، وهو ما أكّد عليه قرار الجمعية العامّة للأُمم المتّحدة المرقّم 42/159، الصادر بتاريخ 7 كانون الأول 1987، الذي يعترف بأنّ «فعّالية محاربة الإرهاب يمكن تعزيزها من خلال وضع تعريف للإرهاب الدولي يحظى بإجماع عام»([216]).

وقد اختلفت الرؤى والأفكار إزاء هذه الحقيقة الغامضة والشائكة، وما زالت الآراء مختلفة حولها، وأنتج هذا الاختلاف الفكري تُراثاً بشريّاً غنيّاً، يكشف مدى قدرة الإنسان على الإنتاج في المجالات الفكريّة والعقديّة والإنسانيّة، وهو تُراث كبير وجدير بالدراسة والبحث والتنقيب، وهذا ما لا يسعه بحثنا الموجز؛ ولذا سوف نقتصر على إيراد أهم التعاريف بنظرنا، لنستخلص منها العناصر المرتبطة بمحلّ بحثنا، الذي نحاول تسليط الضوء فيه على ملامح حركة الإمام الحسين× في مواجهة الإرهاب الحكومي الأُموي:

التعريف الأوّل: ما جاء في مؤتمر مدينة (وارسو) في بولندا المنعقد عام1930م لتوحيد القانون الجزائي، حيث عُرِّف الإرهاب بأنّه: «الاستعمال العمدي لكلِّ وسيلة قادرة على إحداث خطر جماعي، ويُعتبر الرعب عنصراً أساسيّاً في تكوين هذه الجريمة»([217]).

لقد تضمّن هذا التعريف الأُممي أربعة عناصر أساسيّة في تحديد محتوى الإرهاب وبيان حقيقته، وهي:

1ـ استعمال وسيلة ذات خطورة إجراميّة.

2ـ تعمّد استعمال تلك الوسيلة.

3ـ أنْ يُشكّل استعمال تلك الوسيلة خطراً جماعيّاً.

4ـ اعتبار الرعب عنصراً أساسيّاً في تكوين الجريمة الإرهابيّة.

ولم تُؤخذ الأسباب والغايات والأهداف في هذا التعريف عنصراً من عناصر تكوين مفهوم الإرهاب، وهو ما يتبنّاه ويختاره جملة من المختصّين والباحثين في هذا المجال، إذ يؤكّدون على ضرورة الفصل بين حقيقة الإرهاب ومعناه، وبين الدوافع والأهداف، وسيأتي التصريح بذلك في تعريف لاحق.

التعريف الثاني: ما جاء في اتّفاقية جنيف لقمع ومعاقبة الإرهاب عام 1937م، من أنّ الإرهاب هو: «الأفعال الجنائية الموجّهة ضدّ دولة مّا، ويكون غرضها أو نتيجتها إشاعة الرعب والذعر لدى شخصيّات أو جماعات معينة أو لدى عموم الجمهور»([218]).

واضح أنّ هذا التعريف يشترك في جملة من عناصره مع التعريف السابق، مع إضافة العناصر التالية:

1ـ أنْ تكون الأفعال الجنائيّة موجّهة ضدّ دولة معيّنة، وهذا ما يُضفي على مفهوم الإرهاب مذاقاً سياسيّاً، وهو مذهب طائفة كبيرة من فقهاء القانون.

2ـ قد يكون (الغرض والهدف) من ممارسة تلك الأفعال الإجراميّة هو إثارة الرعب والهلع ذاته لدى الناس.

3ـ إنّ مفهوم الإرهاب يطال أيضاً الأعمال الإجراميّة التي تُمارس بحقّ الشخصيّات ذات الحصانة والمكانة السياسيّة أو الاجتماعيّة، وقد أُضيف هذا العنصر في أعقاب أحداث اغتيال ملك يوغسلافيا ووزير الخارجيّة الفرنسيّة في فرنسا عام1934م، وهروب الفاعلين إلى إيطاليا ورفض الأخيرة تسليمهم؛ بذريعة الفصل بين الجرائم السياسيّة والجرائم الإرهابيّة.

التعريف الثالث: ما ورد في معاهدة منظمة المؤتمر الإسلامي لمكافحة الإرهاب الدولي، من أنّ الإرهاب هو: «كلّ فعل من أفعال العنف أو التهديد به، أيّاً كان بواعثه أو أغراضه، يقع تنفيذاً لمشروع إجراميّ فرديّ أو جماعي، ويهدف إلى إلقاء الرعب بين الناس وترويعهم، بإيذائهم، أو تعريض حياتهم أو أعراضهم أو حريّتهم أو أمنهم أو حقوقهم للخطر، أو إلحاق الضرر بالبيئة أو بأحد المرافق والأملاك العامّة والخاصّة، أو احتلالها، أو الاستيلاء عليها، أو تعريض أحد الموارد الوطنية أو المرافق الدوليّة للخطر، أو تهديد الاستقرار أو السلامة الإقليمية أو الوحدة السياسية أو سيادة الدول المستقلّة»([219]).

أضاف هذا التعريف عناصر أُخرى مهمّة في تحديد مضمون مفردة الإرهاب، وهي:

1ـ إنّ من موارد الإرهاب أيضاً التهديد بممارسة العنف.

2ـ أنْ يمثِّل العنف أو التهديد به مشروعاً إجراميّاً مُنظّماً لفرد أو جماعة، وهو ما قد يُسمّى في بعض التعريفات بـ(الاستعمال المنظّم للعنف والجريمة).

3ـ لا يهمّ التعرّف على نوع وطبيعة الدوافع والأغراض في تحديد معنى الإرهاب، سواء كانت سياسيّة أم لا، وهو أحد الآراء المهمّة والمطروحة بقوّة في أروقة التشريعات القانونيّة للإرهاب.

4ـ أضاف هذا التعريف ـ علاوة على مسألة الرعب والترويع ـ عنصر إيذاء الناس والاعتداء على حقوقهم وحرّيّاتهم والإضرار بهم وبأملاكهم العامّة والخاصّة وتعريض الموارد الوطنيّة والمرافق الدوليّة للخطر، وكذلك تهديد الأمن والاستقرار والسلامة الإقليمية والوحدة السياسية وسيادة الدول المستقلّة؛ ما يُعطي صورة أوسع وأشمل لمعرفة طبيعة العمل الإرهابي، من دون تحديده بالزوايا والأبعاد السياسيّة.

التعريف الرابع: الإرهاب هو: «عملُ عنفٍ غير قانوني»([220]).

أضاف هذا التعريف الموجز للإرهاب عنصر عدم الشرعية والقانونيّة في أعمال العنف، وأنّ العنف القانوني لا يسمّى إرهاباً.

التعريف الخامس: الإرهاب «هو: الأُسلوب أو الطريقة المستخدمة، والتي من طبيعتها إثارة الرعب، والفزع، بقصد الوصول إلى الهدف النهائي»([221]).

يُؤكّد هذا التعريف على عنصرين أساسيّين في تحديد مفهوم الإرهاب:

1ـ إنّ الإرهاب أُسلوب وطريقة يتّبعها الإرهابي في عمله الإجرامي، من طبيعتها إثارة الرعب في نفوس الناس، وليس الإرهاب فكرة عقديّة أو نظريّة علميّة فحسب.

2ـ أن تكون ممارسة الأساليب المرعبة بقصد الوصول إلى هدف محدّد ومعلوم، وليس من الصحيح الإغماض عن طبيعة الهدف المقصود في معرفة وتحديد معنى الإرهاب، وهذا من أهمّ العناصر التعريفيّة بنظر طائفة كبيرة أُخرى من فقهاء القانون.

التعريف السادس: الإرهاب هو:«العمليات العنيفة المنسّقة، المادّيّة والمعنويّة، التي تحوي نوعاً من القهر؛ بُغية تحقيق غاية معيّنة»([222]).

ما يُضيفه هذا التعريف هو: أنّ العنف المأخوذ في معنى الإرهاب يشمل العنف المادّي والمعنوي، ولنا أن نتصوّر السحر وتحضير الجن والتنويم المغناطيسي وأمثالها من جملة وسائل العنف المعنوي والروحي.

التعريف السابع: الإرهاب هو: «كلّ فعل يرمي إلى قلب الأوضاع القانونيّة أو الاقتصاديّة التي تقوم على أُسسها الدولة»([223]).

إنّ هذا التعريف يجعل البُعد الغائي في الفعل الإجرامي مقوِّماً لتحديد معنى الإرهاب، فالإرهاب حركة انقلابيّة تسعى بالعنف لتغيير الدولة وقلب أوضاعها وشؤونها القانونيّة والاقتصاديّة، وهذا تحديد واضح لمعنى الإرهاب بأعمال العنف ذات الغايات والأهداف السياسيّة.

هذه هي أبرز التعريفات وأهمّها فيما نعتقد، أوردناها لنستخلص منها أهمّ العناصر المختارة في معنى ومفهوم مفردة الإرهاب اصطلاحاً، وبالنحو التالي:

1ـ إنّ الإرهاب يمثِّل طريقة وأُسلوباً ومنهجاً أيديولوجياً مخطّطاً له ومنظّماً ومستمرّاً وغير قانوني في ممارسة أعمال العنف والجريمة، بقيادة فرد أو جماعة أو حزب أو غير ذلك. «فالعنف في النشاط الإرهابي لا يمكن أن يُحدث أثره إلّا إذا كان مُنظّماً من خلال حملة إرهاب مستمرّة، أي: من خلال نشاط منسّق ومتّصل لعمليات أو مشروعات إرهابية تؤدّي إلى خلق حالة من الرعب، فالفعل الإرهابي نفسه لا يُخيف إلّا ما يُهدّد بأفعال أُخرى مستقبلية، وحتّى العشوائية في أعمال الإرهاب مقصودة في حدّ ذاتها؛ لكي تُعطي الانطباع بأنّ كلّ إنسان في أيّ مكان معرّض لأن يكون الضحية التالية»([224]).

2ـ أن تكون أعمال العنف والوسيلة المستخدمة ـ مادّية أو معنويّة ـ ذات طبيعة إجراميّة وخطيرة، من شأنها أو يُقصد بها نشر الرعب في المجتمع، وإثارة الفزع والخوف في نفوس الناس الآمنين المسالمين، وزعزعة الأمن والسلم الوطني والدّولي. ومن المتّفق عليه أنّ الرعب يُمثِّل عنصراً أساسيّاً في تحديد حقيقة الإرهاب وتعريفه.

3ـ إنّ من الإرهاب أيضاً (التهديد) بممارسة أعمال العنف والرعب والترويع.

4ـ يُضاف إلى مسألة الرعب والترويع، عنصر إيذاء الناس والإضرار بهم وبأملاكهم العامّة والخاصّة، والاعتداء على حقوقهم وحريّاتهم، وتعريض الموارد الوطنيّة والدوليّة للخطر، وأيضاً تهديد الأمن والاستقرار والسلامة الوطنيّة والإقليمية، أو تهديد الوحدة السياسية والوطنيّة أو سيادة الدول المستقلّة.

5ـ أن يكون الفاعل عالماً قاصداً متعمّداً لما يقوم به من أعمال إجراميّة منظّمة.

6ـ أن يُشكِّل استعمال تلك الوسيلة خطراً جماعيّاً ومجتمعيّاً، سواء كان موجّهاً إلى دولة معيّنة بشعبها أو بحكومتها أو بأرضها ومواردها، أم كان موجّهاً إلى جماعة خاصّة من الناس، تجمعهم لغة أو دين أو طائفة أو عرق أو أمثال ذلك، ويُضاف إلى ذلك الشخصيات المرموقة ذات الحصانة السياسيّة أو الاجتماعيّة.

7ـ إنّ هناك بُعداً غائياً في التعريف، له دوره المهمّ والمؤثِّر في معرفة حقيقة الإرهاب وتحديد معناه، سواء كانت الغاية هي نفس إخافة الناس وإرعابهم، أم كانت هناك غايات سياسيّة معيّنة، أم كانت هناك غايات أُخرى اجتماعيّة أو دينيّة أو طائفية أو عنصريّة عرقيّة (نازيّة فاشيّة) أو غير ذلك.

هذه هي أهمّ عناصر الإرهاب في معناه الاصطلاحي المعاصر، وهو بهذه العناصر يُمثِّل ظاهرة خطيرة ومستنكرة عقلاً ونقلاً، ويجب على العقلاء من البشر محاربتها والقضاء عليها. كما ينبغي الالتفات أيضاً إلى أنّ هذا المعنى الاصطلاحي للإرهاب يُعدّ مورداً وتطبيقاً من تطبيقات المعنى اللغوي كما هو واضح.

ثمّ إنّه لا يخفى على القارئ الكريم بأنّ هناك جملة من المفردات الأُخرى التي قد تكون أسباباً فاعلة ومؤثّرة، تُساهم بصورة مباشرة في تكوّن ونشوء ظاهرة الإرهاب، كمفاهيم التطرّف والتعصّب والكراهية ونحوها، أعرضنا عن بيانها وتعريفها؛ لخروجها عن محلّ البحث.

ثانياً: السياسة، الحكومة، الدولة

إنّ البحث في معاني ومضامين هذه المفردات الحيويّة والحساسّة يُعدّ هو الآخر من أهمّ الأبحاث الشائكة والمعقّدة والمحتدمة، التي وقع في تعريفها النزاع والاضطراب والتضارب والخلاف الشديد، وهذا أمر طبيعي ومعقول جدّاً؛ إذ كانت ولا زالت التطبيقات والمظاهر اليوميّة لمعاني هذه المفردات تُشكّل أهمّ مفاصل الحياة البشريّة، لكنّنا نكتفي في المقام بالبيان الإجمالي وبما يرتبط بمحلّ البحث، من معرفة المعنى اللغوي والاصطلاحي لهذه المفردات وبصورة موجزة:

السياسة

السياسة في اللغة: هي القيام على الشيء وتولّي أمره وإدامة تدبيره؛ لإصلاحه وتأديبه وترويضه. والسياسيّ: هو الذي يتولّى أُمور الناس ويرعاها، ويكون أميراً عليهم؛ ليواصل تدبير أُمورهم بالإصلاح والتأديب والأمر والنهي([225]). و«الفرق بين السياسة والتدبير: أنّ السياسة في التدبير المستمرّ، ولا يُقال للتدبير الواحد: سياسة، فكلّ سياسة تدبير، وليس كلّ تدبير سياسة»([226]).

«وفي الحديث: (كان بنو إِسرائيل يَسُوسُهم أَنبياؤهم). أَي: تتولّى أُمورَهم، كما يفعل الأُمَراء والوُلاة بالرَّعِيَّة»([227]). وفي الحديث أيضاً: «ثم فوّض إلى النبي| أمر الدين والأُمّة ليسوس عباده. كلّ ذلك من سُسْتُ الرعية سياسة: أمرتُها ونهيتُها»([228]).

وأمّا السياسة في اصطلاح الفقهاء والإسلاميين عموماً: فلا تبتعد كثيراً عن معناها اللغوي، فهي في نظرهم: «استصلاح الخلق بإرشادهم إلى الطريق المنجي في العاجل والآجل»، أو هي: «حياطة الرّعية بما يُصلحها لطفاً وعُنفاً»، أو هي: «ما كان فعلاً يكون معه الناس أقرب إلى الصلاح وأبعد عن الفساد»، أو «أنّها القانون الموضوع لرعاية الآداب والمصالح وانتظام الأموال»([229])، وغيرها من التعريفات التي يُراعي الفقهاء فيها المعنى اللغوي للسياسة، كما هو واضح.

وأمّا السياسة في تعريفاتها المعاصرة: فقد اختلفت واضطربت معانيها بصورة لا يمكن الجمع والتوفيق بينها، لكنّنا نكتفي بهذا التعريف المتداول، وهو كون السياسة سُلطة تُعنى بـ(رعاية شؤون الدولة الداخليّة والخارجيّة)([230] )، وهو أيضاً مُقتبَس من المعنى اللغوي لمفردة السياسة، ولكن في إطار الدّولة.

الحكومة

أصل الحكومة في اللغة: هو المنع من وقوع الفساد والظلم.«ومن هذا قيل للحاكم بين الناس: حاكِمٌ؛ لأَنّه يَمْنَعُ الظالم من الظلم. قال الأَصمعي: أصل الحكومة ردّ الرجل عن الظلم، قال: ومنه سُمّيت حَكَمَةُ اللجام؛ لأَنّها تَرُدُّ الدابّة. وحَكَمَ الشيء وأَحْكَمَه، كلاهما: منعه من الفساد»([231]).

وأمّا الحكومة في الاصطلاح المعاصر: فنختار من معترك التعاريف الاصطلاحيّة التعريف التالي: «الحكومة: هي الجهة التي تمتلك القوّة والسلطة الشرعيّة لفرض وتنفيذ الأحكام والقوانين؛ بهدف تنظيم الحياة المشتركة بين الأفراد، والحفاظ على الأمن والاستقرار والرفاهية في المجتمع»([232]).

الدَّولة

الدَّوْلةـ بالفتح ـ في اللغة: هي الانتقال إلى حالة الانتصار والغلبة على العدّو، وموردها«في الحرب أن تُدال إحدى الفئتين على الأُخرى، يُقال: كانت لنا عليهم الدَّوْلة. والجمع الدُّوَلُ. والدُّولة ـ بالضم ـ في المال؛ يُقال: صار الفيء دُولة بينهم يَتَداوَلونه مَرّة لهذا ومرة لهذا، والجمع دُولات ودُوَلٌ»([233]). وجاء في الحديث: «ألا وإن للباطل جولة وللحقّ دولة»([234]).

وأمّا في الاصطلاح: فأوضح التعاريف وأخصرها، هو أنّ «الدولة: عبارة عن الشخصيّة المعنويّة التي ترمز إلى شعب ـ حُكّاماً ومحكومين ـ موحّد ومستقرّ على رقعة جغرافيّة مُعيّنة، بحيث يكون لها سلطة سياسيّة ذات سيادة»([235]).

ثالثاً: إرهاب الدولة/ السلطة: (الإرهاب: الحكومي/السياسي(

لا نريد أن نتحدّث تحت هذا العنوان حول الإرهاب الدّولي، «وهو الإرهاب الذي تُمارسه دولة واحدة أو أكثر، عن طريق تسخير إمكانيّاتها الدبلوماسية أو العسكرية؛ لتحقيق هدف سياسي، أو الاستيلاء على مكتسبات أو ثروات غيرها من الدّول»([236])، فإنّه على الرغم من أهمّيته القصوى وخطورته البالغة وابتلاء عالمنا المعاصر به، خارج عن محلّ بحثنا.

وإنّما يختصّ بحثنا بالسياسات الدكتاتوريّة غير الشرعيّة، والأعمال والممارسات الإرهابيّة والإجراميّة والقمعيّة المنظّمة والشاملة والمدروسة، التي تُمارسها الدّولة والحكومة والسلطة بحقّ شعبها أو فئة خاصّة من الشعب، على أساس التمييز السياسي أو الاجتماعي أو العرقي أو الديني أو الثقافي أو نحو ذلك، فتَعْمد إلى تسليط أجهزتها ومنظمّاتها القمعيّة على أفراد الشعب الأعزل؛ لتقوم باستخدام الوسائل الوحشيّة وممارسة ألوان الجرائم، والاعتقالات التعسّفيّة، والمحاكمات غير العادلة والخطف والتغييب في مطامير السجون، والتعذيب والنفي والتهجير والقتل السياسي، والإعدامات العسكريّة والاستخباراتيّة والأمنيّة، ومصادرة الحقوق الإنسانيّة الأساسيّة بالقوّة، كلّ ذلك وأمثاله يقع خارج نطاق الشرعيّة الدستوريّة والقانون والقضاء العادل، الداخلي المحلّي والخارجي الأُممي، تستهدف من ذلك نشر الخوف والقلق وإشاعة الرعب وعدم الأمان بين المواطنين المدنيين؛ لإخضاعهم أمام الأغراض والأهداف السياسيّة والأيديولوجيّة التي لا تتمكّن الدّولة من تحقيقها بالوسائل القانونيّة والمشروعة، من قبيل حماية الطبقة الحاكمة، وإجبار الشعب على طاعة الحكومة والانصياع لأوامرها، والقضاء على الأصوات والحركات والأحزاب المعارضة والمطالبة بالتغيير، والانتقام منها، وضمان استمرار النظام السائد وسيطرته على مقاليد الحكم.

وقد يكون النظام الدكتاتوري قائماً على أساس سلطة الفرد الحاكم أو العائلة الحاكمة، كما قد يكون قائماً أيضاً على أساس عنصري أو قومي أو إثني ديني، ولعلّ الأخطر من ذلك كلّه في زماننا الحاضر دكتاتوريّة الحزب الواحد، «فحزبية النظام وعسكرته يعني: أنّ الحزب الحاكم هو الحزب الوحيد في الدّولة، ويُطلق على هذا النظام: دكتاتورية الحزب، فهو الذي يُسيّر أُمور الدّولة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعسكرية وكذلك الأمنية، وتعني حزبية النظام أنّه لا يقبل بوجود معارضة سياسية له»([237]).

ويُعدّ الإرهاب الحكومي من الجرائم الدّولية الخطيرة والمدمّرة في كافّة الأبعاد والأصعدة الإنسانيّة، والاجتماعيّة والسياسيّة، والاقتصاديّة والنفسيّة، والأمنيّة والدينيّة وغيرها، وحينما نطالع الجهود الكبيرة والمتواصلة التي بذلها ويبذلها الإنسان في القرنين الأخيرين، انطلاقاً من المسؤوليّة التي يحملها تجاه بيئته ومجتمعه، نجد أنّ هناك تحرّكات ومساعي مستمرّة ومحاولات جادّة ومسؤولة لتحديد وتعريف هذا القسم الخطير من الإرهاب، والسعي لمحاربته وتحجيمه والقضاء عليه، ونحاول فيما يلي وبإيجاز استعراض أهمّ التعريفات وأوضحها؛ للوقوف على خصائص وأسباب وآثار وأهداف الإرهاب والعنف الحكومي، مع الالتفات إلى أن الإرهاب الحكومي يُمثّل قسماً من أقسام مفهوم الإرهاب الكلّي الذي سبق تعريفه، فتنطبق عليه كافّة العناصر التي سبقت في تعريف الإرهاب؛ ومن هنا نحن نبحث في التعاريف التالية عن الحيثيات والعناصر الإضافيّة الخاصّة بهذا النحو من الإرهاب، التي تُميّزه عن الأقسام الأُخرى، مع التنبيه أيضاً على بعض العناصر الماضية:

التعريف الأوّل: ما ورد في دائرة المعارف الحديثة، من أنّ: «الإرهاب من الوسائل التي يستخدمها الحكم الاستبدادي؛ لإرغام الجماهير على الخضوع والاستسلام لها، وذلك بنشر الذُّعر والفزع بينها»([238]). وهو وإن ذُكر فيها كتعريف لعموم الإرهاب، لكنّه من الواضح مختصّ بالإرهاب الحكومي، وقد تضمّن العناصر التعريفيّة التالية:

1ـ إنّ إرهاب الحكومة يُمثِّل وسيلة من وسائل الحكم الاستبدادي.

2ـ إنّ إرهاب الحكومة يمثِّل أيضاً وسيلة إجراميّة تنشر الذعر والفزع بين الجماهير.

3ـ إنّ الغاية من ممارسة هذا النوع من الإرهاب هو إرغام الجماهير على الخضوع والاستسلام لنظام الحكومة الاستبدادية.

التعريف الثاني:ما ذكره الدكتور أدونيس العكرة، من كونه: «منهج نزاع عنيف، يرمي الفاعل بمقتضاه وبواسطة الرهبة الناجمة عن العنف إلى تغليب رأيه السياسي، أو إلى فرض سيطرته على المجتمع أو الدولة، من أجل المحافظة على علاقات اجتماعية عامّة، أو من أجل تغييرها أو تدميرها»([239]). وهو وإن جاء أيضاً كتعريف عامّ لمفردة الإرهاب، لكنّه الأقرب إلى قسم الإرهاب الحكومي، وقد تضمّن العناصر التالية:

1ـ إنّه منهج وأُسلوب منظّم.

2ـ إنّه منهج عنيف يُوجب الرهبة في نفوس الناس.

3ـ هدفه تغليب الرأي السياسي، وفرض السيطرة على المجتمع، ومفاصل الدّولة، بما يتوافق مع الرؤية السياسيّة التي يتبنّاها الفاعل لجريمة الإرهاب.

وهذه عناصر أساسيّة تتوافر عادة في الإرهاب الحكومي.

التعريف الثالث:إرهاب الدّولة المستبدّة هو: «الاستخدام المنتظم للعنف؛ لخلق مناخ عامّ من الخوف في مجموعة من السكّان، لتحقيق هدف سياسيّ معيّن، أو تثبيت سياسة معيّنة مرفوضة شعبيّاً»([240]). يشترك هذا التعريف في عناصره مع ما سبقه من تعريف، وهي ممارسة العنف المنتظم، وإدخال الرهبة والخوف في نفوس الناس، وأنّ وراء ذلك أهدافاً سياسيّة. ولكن مع إضافة كون تلك الأهداف السياسيّة مرفوضة ومُستنكرة شعبيّاً.

التعريف الرابع: إرهاب السلطة الحاكمة هو: «انتشار أعمال العنف من جانب دولة ضدّ شعبها»([241]). يتميّز هذا التعريف بالاختصار والإيجاز، مع فرض حيثيّة انتشار العنف ضدّ الشعب؛ ما يجعله ظاهرة مجتمعيّة متفشّية.

التعريف الخامس: إنّ إرهاب الدولة: «هو أعمال العنف الإجراميّة التي تُرتكب في حقّ المدنيين الأبرياء، ويقوم بها أفراد أو أجهزة أو جماعات تنتسب إلى الكيان الرسمي للدّولة، أو تتمّ بمعرفة وموافقة السلطات العُليا التي تُشرف على هذه الأجهزة وتُصدر إليها الأوامر، أو تغضّ الطرف عن هذه الأفعال مع علمها بوجودها من حيث تبعيّة الجزء للكلّ، أو تُوفّر لها الحماية من أيِّ نوع»([242]). بالإضافة أيضاً إلى ما تضمّنه هذا التعريف من العناصر المشتركة مع التعريفات السابقة، وكون المجنيّ عليهم من المدنيين الأبرياء، تمّ التركيز على ذكر المنظّمات والأجهزة القمعيّة المختلفة التي تُباشر ممارسة الأفعال الإرهابيّة، كما هو مُفصّل في نصّ التعريف، ويجمعها حيثيّة ارتباطها بالسلطات العُليا الحاكمة، من جهة انتسابها إليها، أو الإشراف عليها، أو حمايتها ورعايتها، أو نحو ذلك.

التعريف السادس: الإرهاب الحكومي هو: ما «إذا قامت الدولة من خلال أجهزتها القمعيّة بانتهاكات بليغة لحقوق الإنسان، في التعذيب والقتل، وضرب الشعب بالأسلحة الكيماوية والصواريخ، والإخفاء القسري، والإعدامات، والتعذيب للبشر، وإهدار حقوق الإنسان المعروفة في الإعلان العالمي والمعاهدات الدّولية، وفي التحريض على العصيان أو دعم الأشخاص أو الجماعات، للقيام بتفجيرات ضدّ أهداف مُعيّنة، أو التدخّل في شؤون دولة أُخرى، تُعتبر الدّولة ممارِسة للإرهاب وراعية للعنف السياسي من خلال إشاعة الرعب والخوف، ومصادرة الحريّات الأساسية»([243]). بعد ذكر العناصر المشتركة، من قبيل ممارسة العنف وإشاعة الرعب والخوف بين الناس، أضاف التعريف المذكور العناصر التالية:

1ـ الاهتمام الخاصّ بتعداد الأفعال الإجراميّة التي قد تُمارسها السلطة القمعيّة ضدّ شعبها.

2ـ إنّ من الإرهاب الحكومي إهدار حقوق الإنسان المعروفة في الإعلان العالمي والمعاهدات الدّولية.

3ـ إنّ من الإرهاب الحكومي أيضاً مصادرة الحرّيات الأساسيّة للشعب.

التعريف السابع: إرهاب الدّولة عبارة عن: «تلك الأعمال الإرهابية التي تقودها الدّولة من خلال مجموع الأعمال والسياسات الحكومية التي تستهدف نشر الرعب بين المواطنين؛ لإخضاعهم داخلياً أو في الخارج، بهدف تحقيق الأهداف التي لا تستطيع الدّولة ولا تتمكّن من تحقيقها بالوسائل المشروعة»([244]). أضاف هذا التعريف أيضاً عنصراً مهمّاً في تعريف إرهاب الدّولة، وهو أنّ من جملة الأسباب التي تدفع السلطات الحكوميّة لممارسة العنف بحقّ شعبها، هو أنّ لها أهدافاً وغايات لا تتمكّن من تحقيقها بالوسائل المشروعة.

التعريف الثامن: إرهاب الدولة هو: «الاستعمال غير الشرعي للقوّة والقمع اللذين تمارسهما دولة مّا، وذلك بحقّ بعض أو كلّ المواطنين، على أساس التمييز السياسي أو الاجتماعي أو العرقي أو الديني أو الثقافي»([245]). أضاف هذا التعريف جملة من الأُسس التي قد يتمّ على أساسها التمييز بين مكوّنات الشعب، وممارسة القمع والقوّة غير الشرعيّة في حقّ مكوّن دون آخر.

التعريف التاسع: الإرهاب الحكومي هو: «الإرهاب الذي تُمارسه الدّول والأنظمة الحاكمة ضدّ رعاياها أو ضدّ المعارضين لها، من أحزاب وأفراد، والإرهاب في هذا القسم، يعني: تجاوز القوانين الدّولية والعرفية التي تُنظّم علاقة الحاكم بالمحكوم، كأن تعتقل مجموعة من الأبرياء وتُعذّبهم من أجل إخافة المعارضين الحقيقيّين الذين ربما لم ينكشفوا بعد»([246]). أضاف هذا التعريف العناصر التالية:

1ـ قد يُقصد من ممارسة هذا النوع من الإرهاب تخويف المعارضة والكشف عن هويّتها؛ لإجبارها على طاعة الحكومة.

2ـ يُحدّد هذا التعريف ما هو المقصود من عدم قانونيّة العنف الذي تمارسه الحكومة بحقّ شعبها، وأنّه عبارة عن تجاوز القوانين الدّولية والعرفية التي تُنظِّم علاقة الحاكم بالمحكوم.

التعريف العاشر: إرهاب الدّولة هو:«عنف منظّم ومتّصل، بقصد خلق حالة من الرعب والتهديد العام الموجّه إلى المعارضة (جماعة سياسيّة)، والذي ترتكبه جماعة منظّمة أو حكومة أو نظام ضدّ شعبها بقصد تحقيق أهداف سياسية»([247]). فكون العنف منظّماً ومتّصلاً ومستمرّاً من العناصر الأساسيّة في هذا التعريف.

وقد حدّدت منظمة العفو الدولية الرئيسة أشكال إرهاب الدولة بـ: «الاحتجاز التعسّفي، والمحاكمات غير العادلة، والتعذيب، والقتل السياسي أو الإعدام خارج نطاق القضاء»([248]).

بعد أن طالعنا طائفة من التعريفات المختصّة بالإرهاب الحكومي، نحاول فيما يلي أن نستخلص منها أهمّ العناصر التي تُحدّد طبيعة هذا القسم من الإرهاب:

1ـ إنّ الإرهاب الحكومي الاستبدادي يُمثِّل منهجاً عنيفاً وأُسلوباً منظّماً، ووسيلة من الوسائل القمعيّة غير القانونيّة، تنشر الذعر والفزع بين أفراد الشعب.

2ـ تُمارس الدّولة هذا النحو من الإرهاب بواسطة الأجهزة القمعيّة المرتبطة بها، إمّا من جهة انتسابها إليها، أو الإشراف عليها، أو حمايتها ورعايتها، أو نحو ذلك.

3ـ إنّ الغاية من ممارسة هذا النوع من الإرهاب هو تغليب الرؤية السياسية الحاكمة، المرفوضة والمستنكرة شعبيّاً، والتي لا تتمكّن الحكومة من تحقيقها بالوسائل المشروعة. ومن الغايات أيضاً فرض السيطرة على المجتمع ومفاصل الدولة، وتخويف المعارضة وإرغام الشعب على الخضوع والاستسلام للنظام الاستبدادي الحاكم.

4ـ إنّ من جملة الأُسس التي قد يتمّ على أساسها التمييز بين مكوّنات الشعب، وممارسة القمع والقوّة غير الشرعيّة في حقّ مكوّن دون آخر، هي الأُسس السياسيّة أو الاجتماعيّة أو العرقيّة أو الدينيّة أو الثقافيّة.

5ـ إنّ المراد من عدم قانونيّة العنف الذي تمارسه الحكومة بحقّ شعبها، هو تجاوز القوانين الدّولية والعرفية التي تُنظّم علاقة الحاكم بالمحكوم.

ثمّ إنّ الإرهاب الحكومي قد يكون نابعاً من الشعور بالقوّة المفرطة للسلطة، أو الشعور بالخوف من المعارضين، أو الشعور الزائف بمشروعيّة ما تقوم به من العنف والقمع بحقّ شعبها، أو نحو ذلك.

ويُعدّ هذا القسم من الإرهاب هو الأخطر والأكثر تدميراً؛ للأسباب التالية:

1ـ إنّ السلطة القمعيّة تمتلك المبررّات القانونيّة لممارسة إرهاب الدولة، بلا رقيب ولا مُساءلة من أحد، فتنطلق من مبدأ الحفاظ على هيبة الدولة والأمن والنظام العامّ، لتسحق تحت ظلّ القانون معارضيها وكلّ مَن يُخالفها الرأي بوحشية منقطعة النظير، كما حدث ذلك بأبشع صوره في عام1991م، حينما قمع النظام البعثي الجائر الشعب العراقي في الوسط والجنوب بعد ثورة 15 شعبان، في إبادة جماعيّة هي الأُولى من نوعها، إذ امتلأت السجون والمقابر الجماعية بجثث الملايين من الأبرياء، الذين ما خرجوا إلا للمطالبة بحقوقهم الإنسانيّة المشروعة التي حرمهم منها النظام البعثي البائد.

2ـ سيطرة السلطة على مصادر القوّة ومنابع القدرة، وعلى كافة الإمكانيات المتاحة في داخل البلد وخارجه، وعلى النقيض من ذلك الشعب المضطهَد، فهو في الغالب أعزل ومجرّد من السلاح ومصادر القوّة؛ ولذا ينتشر في أوساطه القمع والاضطهاد والرعب بلا قيود أو حدود.

3ـ سيطرة السلطة على وسائل الإعلام، وقدرتها على ممارسة التضليل الإعلامي بأبشع صوره، فترسم صورة مشرقة لإرهابها، وأُخرى قاتمة سوداء لمعارضيها.

وفي نهاية المطاف لهذه الدّراسة المفهوميّة نقول: إنّه ممّا لا شكّ فيه أنّ الشريعة الإسلاميّة قد استنكرت وحاربت بشدّة هذا اللون الأسود من الإرهاب، بل نحن نعتقد بأنّ واحدة من أهمّ الأهداف الرئيسة لبعثة الأنبياء وإرسال الرسل وإنزال الشرائع السماويّة هو الوقوف بوجه السلطات الظالمة والمستبدّة، التي مارست بحقّ شعوبها أشكال القمع والجريمة والفساد، وجعلتهم عبيداً لها، يعيشون ذلّ العبوديّة القاسية، تفعل بهم ما تشاء، وتستغلّهم فيما تُريد، وتسومهم سوء العذاب والهوان، والاضطهاد والترويع، ومصادرة الأموال، وهتك الأعراض، والتشريد والتهّجير، والقتل والإبادة بوحشية مروّعة، لا يُتقِن صناعتها إلّا الطغاة والجبابرة من بني البشر.

ولولا الدور الريادي والجهادي للأنبياء والرسل والأوصياء والشرائع السماويّة المتعاقبة، لما كنّا ننعم اليوم بجانب من الحريّة والحياة الإنسانيّة. وهذا ما تؤكّده النصوص الدينيّة والآيات القرآنيّة المتضافرة، ولعلّ أبرز مثال قرآني على ما نقول،
قصّة النبيّ موسى×؛ عندما أرسله الله تعالى إلى فرعون حينما علا وطغى وعاث
 في الأرض فساداً، ومارس أعنف وأقسى أشكال الإرهاب الحكومي بحقّ شعبه المضطهد من بني إسرائيل، الذين كانوا يعيشون تحت وطأة سلطته القمعيّة الجائرة، وكان يخاطبهم بملء فمه قائلاً: ﴿
مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي ([249])، فأمر الله نبيّه موسى× بالقول: ﴿ اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى([250])، وقد أوضحت الآيات القرآنيّة الكثيرة مشاهد الاستبداد والطغيان والقمع والجور الذي كان يُمارسه فرعون بحقّ طائفة مستضعفة من رعاياه، وهم بنو إسرائيل، قال الله تعالى:  
﴿ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ ([251]). وأيضاً يقول تبارك وتعالى في مخاطبة بني إسرائيل: ﴿ وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ ([252]). وبعـد أن جـاء موسى× بالبيّنات وأظهر الحجـج والآيات الإلهيّة الواضحة، مارس فرعون أيضاً الإرهاب والرعب
مرّة أُخرى بوسائل معنويّة، وحاول أن يُخيف الناس ويردعهم عن الالتحاق بنبيّهم موسى× عن طريق السحر، فانتدب لهذه المهمّة كبار السَّحَرة ومخضرميهم؛ ليُلقوا بعظيم سـحرهم ومكرهم
أمام الملأ العامّ، ﴿ فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ([253]) ، وحينما تجلّت الحقيقة للناس، وآمن السَّحَرة بإله موسى×، استمرّ فرعون بممارسة أساليبه القمعيّة، واستنكر على السَّحَرة إيمانهم ب