1439 / ربیع‌الاول / 5  |  2017 / 11 / 24         الزيارات : 483675         صلاة الصبح |         صلاة الظهر والعصر |         صلاة المغرب والعشاء |

ثورة المثقف.. دراسة ثقافية تحليلية في سيرة زهير بن اللقين ومواقفه مع الحسين عليه السلام

{ د. وسام حسين جاسم }
ثورة المثقف.. دراسة ثقافية تحليلية في سيرة زهير بن اللقين ومواقفه مع الحسين عليه السلام

المقدّمة[1]

للمواقف رجالٌ يُعرفون بها وتُعرف بهم، وللتاريخ صولته وجولته فيمَن حفر اسمه في سجلِّ الخالدين، ودوّنه بحروفٍ من ذهب، ومَن ترك وراءه موقفاً دنيئاً يُدانُ به، ويُعيّر به مدى الدهر، وهنا حين نُقلّب سِفر البطولة والشهادة في يوم عاشوراء الحسين عليه السلام لا نَجد غير الثناء العاطر الذي أُحيط بتلك الثُلّة المُباركة التي أحاطت به كالنجوم الثاقبة حول البدر المنير، فكانوا بحق عنواناً لكلِّ ذكرٍ جميل، ومِصداقاً للمُثُلِ العُليا التي سعت إليها كلُّ الشرائع والفلسفات والنظريات منذ فجر التاريخ إلى مغربه.

وقد يتقطّع حبرُ القلم منسجماً مع ذلك التردُّد النفسي المهول الذي ينتاب صاحب هذه السطور؛ يقيناً منه بأنَّ كلَّ ما ينوي البوح به من قولٍ، أو وصفٍ، أو سردٍ، أو استعراضٍ لبطولات هذه الكوكبة المُضحّية بأغلى ما عندها على عتبات رضا مولاها الحسين عليه السلام، لا يرقى قيد أنملةٍ واحدة من حقِّ الجزاء لهم، فقد تشرّفوا أيّما تشريف بتكريم المولى أبي عبد الله الحسين عليه السلام حين وصفهم قائلاً: «أمّا بعدُ، فإنّي لا أعلم لي أصحاباً أوفى ولا خيراً من أصحابي، ولا أهل بيت أبرّ ولا أوصل من أهل بيتي، فجزاكم الله عنّي خيراً»[2]. فما قولي بحقهم يُغني أو يُسمن من جوع، التطلّع إلى قاماتهم الشامخة، ومراتبهم السامقة، التي أعجزت مَن جاء بعدهم من المُخلصين في مبادئهم، إلّا أنّني رغبت الوقوف عند كوكبٍ وضّاء أشارَ لي ضياؤهُ من بعيد، فكان لي أنْ أحطَّ ركاب قلمي عند مضارب بطولاته في يوم عاشوراء، إنّه (زهير بن القين البجلي)، أحد أبرز الشخصيات التي تحرّكت على مسرح الفداء الحسيني، وذبّت عنه باللسان واليد، ومن ثَمّ أُزهقت الروح وهي راضية بإقدامها الشجاع، مرضيّة عند مولاها الحسين عليه السلام.

وهنا أودُّ تحريك مرجل البحث ليتوجّه عند التحوّلات التي مرّ بها البجلي، فقد كانت رحلته العقديّة قبل لقائه الإمام الحسين عليه السلام تسير على عكس اتجاه المسار العقدي للإمام الحسين عليه السلام، وهنا كان لي أنْ أتوقّف عند هذه المحطّة المهمّة بشيءٍ من التأمُّل والفحص؛ وذلك لما تُعانيه الأُمّة الإسلامية في عصرنا الحالي من أزماتٍ فكريّةٍ وعقديّة نتج عنها تصدعات ونتوءات في داخل نسيج الأُمّة، التي وصفها الله سبحانه وتعالى في كتابه المجيد بأنّها خير أُمّة؛ بما كان فيها من استعدادٍ لقبول الحق وتقبّله، ومن ثَمّ حمله مبدأً حُرّاً يشعُّ سناه دليلاً يهدي المتحيّرين، ولعلّ بيت الوائلي رحمه الله يُومئُ إلى هذه الخصوصية، فيقول:

  يا عطاء القرآنِ يصنعُ دُنيا الـ

 

 حُبِّ في أُمّةٍ من الجلمود

 

 

أمّا ما نجده اليوم من تشدُّدٍ وغُلوٍّ شاب أكثر المسلمين، فهو لا يتّفق والروح الإسلامية التي نشأت على مبادئ صحيحة تتّصل بمنابع الفطرة السليمة، الأمر الذي يدفعها للتواصل المنشود فيما بينها وبين الحقِّ الصراح، الذي تقبله القلوب قبل العقول؛ ولذا آثرت الوقوف عند التحوُّل العقدي الذي مرَّ به (زهير بن القين)، وهو ابنُ مرحلةٍ تاريخيّةٍ ماجت بتوتّراتٍ عقديّة، كان لها الأثر في توجهات المسلمين السياسية، فجعلتهم فِرقاً وأحزاباً هنا وهناك، ببسط ما نقله لنا التاريخ من أخبارٍ تتّصل بالشخصية ـ محلّ البحث ـ وتحليلها ثقافيّاً، بما يتسع له صدر الباحث وما وعاه من أدوات تُعين صاحبها على إضاءة المخبوء بين طوايا الخطاب اللغوي، فاللغة ممّا لا تُنكر أهميّتها في توصيل معالم الصورة إلى متلقّيها، بطريقةٍ تجعله يحيى الحدث، ويتواصل معه بقدر ما يمتلكه المتلقّي من تفقُّهٍ لمكنوناتها.

وفيما يتّصل بهذه المحطّة، كان للباحث أنْ يتداعى فكرهُ إزاء احتواء ما يستطيعه من احتواء للضوء المنبعث من تلك الشخصية؛ فلذا لا بُدّ لأجل استكمال الصورة المشرقة لشخصية ابن القين، من استعراض مواقفه الخالدة التي ذكرها المؤرّخون، فكانت بحق منابع لتفجُّر الشخصية الرسالية المؤمنة بما وعدها الله من جزاء.

وعلى هذا تكون خطة البحث على النحو الآتي:

التمهيد: مفهوم المثقف بين الفهم التقليدي والفهم المعاصر.

المحطة الأولى: قبل اللقاء/ بعد اللقاء صورة حقيقية للمثقف الرسالي.

المحطة الثانية: مع الحسين عليه السلام إلى كربلاء.

المحطة الثالثة: في كربلاء قبل المعركة (ممارسات ثقافية واعية).

المحطة الرابعة: ليلة عاشوراء (دروس من ثقافة الاستشهاد).

المحطة الخامسة: يوم العاشر (البطولات والتضحيات).

الخاتمة: وفيها أهم النتائج التي توصّلت إليها عبر مسيرة البحث بأكمله.

وقد أسعفتني جملة من المصادر التاريخية التي عوّلت عليها في توثيق الأخبار والأحداث، فكانت لي معيناً استعنت به لأجل رصانة البحث، وجعله مفيداً لـمَن تصفّحه، فضلاً عن المراجع الحديثة في علم النفس والثقافة، وعلم الاجتماع، واللغة والتداولية التي عوّلت على بعض ما فيها من مقولات، ومفاهيم، ومعلومات، أفدت منها بقدر ما ينفع تعضيد الفكرة وتوضيحها في ثنيّات البحث.

وفي الختام، أسأل الله التوفيق وألتمس قارئي العُذر وأزجيه الشكر لما سيقضيه من وقتٍ في قراءة سطوره.

التمهيد: مفهوم المثقّف بين الفهم التقليدي والفهم المعاصر

تعددت وجهات النظر بخصوص مفهوم المثقف باختلاف المنطلقات والاهتمامات العلمية، والمجالات التي تناولت مفهوم الثقافة بالدراسة، كالأنثروبولوجيا، وعلم الاجتماع، انطلاقاً من طرح السؤال الجوهري في هذا الموضوع: ما هي الثقافة؟ وقد كان الأنثروبولوجي البريطاني (إدوارد بارنات تايلور)[3] صاحب أوّل تعريف للثقافة، بأنّها «ذلك الكلّ المركّب الذي يشمل المعرفة والمعتقدات، والفن والأخلاق، والقانون، والعادات، وكل القدرات، والعادات الأُخرى التي يكتسبها الإنسان بوصفه عضواً في المجتمع»[4]. ولما كانت الثقافة ـ بحسب هذا التعريف ـ معنىً شموليّاً لا يمكن تقنينه في علمٍ دون علم، أو تخصصٍ دون آخر، كان التعريف العام للمثقف بصفة عامة لا يخرج عن كونه «شخصاً تجاوز تخصصه الأساسي، ووسّع دائرة اهتمامه على صعيد القراءة والمطالعة، وعلى صعيد التأثير، فهو في خطابه يستهدف شريحة واسعة من الناس، وهو في الوقت نفسه يمتلك ملاحظات نقدية، ويُنتج بعض الأفكار والمفاهيم ذات الطابع التقني والعلاجي، والمتصلة بتطوير الواقع واستشـراف المستقبل»[5].

إنّ التعريف الآنف الذكر للمثقف يمثّل الصورة النمطية السائدة في أكثر عقول الناس، من كون المثقف إنساناً مهتمّاً بالقراءة، واقتناء الكتب، ومداولة الأفكار ومناقشتها، وطرح ما يراه صائباً، وانتقاد أفكار لا تستقيم ورؤاه الفكرية، في حين إذا نظرنا في تعريفات كثير من الكتّاب المعاصرين للمثقف، فإنّنا «نجد أنهم يُؤكدون على أنَّ (المثقف الحقيقي) هو صاحب دورٍ نضالي في الوقوف إلى جانب الحق، وفي نقد الممارسات الاجتماعية، والإدانة الخاطئة، إلى جانب امتلاك روح التضحية بالكثير من مصالحه من أجل الجهر بآرائه وأفكاره وملاحظاته، وفي هذا يقول: نعوم تشومسكي[6]: المثقف هو مَن حمل الحقيقة في وجه القوة»[7].

وبحسب ما توضّح في رؤية (تشومسكي) أنّ المثقف يحمل الحقيقة، وقد تتعدّد المصاديق لتعيين مفهوم الحقيقة، إلّا أنّها على الرغم من تعدُّدها، فهي لا تختلف من أنْ يكون (العلم) أحد أبرز تلك المصاديق، بل أهمُّها، فيشترط في المثقّف كونه عالماً، أو متعلّماً يبتغي طلب العلم ونشـره بين الناس، وهذا الأمر تحقّق لـ(زهير بن القين)[8]، فقد عُدّ واحداً من الذين روى عامر الشعبي (ت103هـ) عنهم الحديث النبوي[9]، ولمّا كان الشعبي لا يُختلف في أنّه كان تابعيّاً، فنستدل على أنّ زهير كان صحابياً، وهو أيضاً من الأشراف الذين ذكرهم البلاذري (ت279هـ)[10]، وعدّه الشيخ الطوسي (ت460هـ) وابن داوود (ت707هـ) من ضمن الرجال الذين اعتُمِدوا في نقل الحديث[11]، وعُدّ من الطبقة الثالثة من الرواة الذين اعتمدهم الطبريُّ في تدوين أخبار تاريخه[12]. ويبدو أنَّ التاريخ قد أسدل على أحواله تفاصيل كثيرة لم تُبيّن لنا حاله قبل مسيره راجعاً من الحج إلى الكوفة، حيثُ مقرُّ سُكناه مجتمعاً على غير ميعاد بالإمام الحسين عليه السلام وأهله، سوى أنّه كان «شخصيةً بارزة في المجتمع الكوفي، يبدو أنّه كبير السن»[13]. ويظهر عبر ما رواه المجلسـي (ت 1111هـ) في بحاره أنّه كان فاضلاً عالماً يستحقّ التسليم من الإمام المعصوم الغائب عليه السلام، إذ يقول عنه: «السلام على زهير بن القين البجلي، القائل للحسين عليه السلام وقد أذن له في الانصـراف: لا والله، لا يكون ذلك أبداً، أأترك ابن رسول الله صلى الله عليه وآله أسيراً في يد الأعداء وأنجو أنا؟! لا أراني الله ذلك اليوم»[14].

وفي كتابه الشهير (الآلهة التي تفشل دائماً) أشار الناقد الكبير (إدوارد سعيد)[15] ـ وهو بصدد حديثه عن مفهوم المثقف العضوي لـ(أنطونيو غرامشي)[16] ـ إلى تعريف (جوليان بيندا)[17] الشهير للمثقفين بأنّهم: جماعة صغيرة من ملوك حكماء يتحلّون بالموهبة الاستثنائية، والحس الأخلاقي العالي، وقفوا أنفسهم لبناء ضمير الإنسانية[18].

يظهر عبر هذا التوصيف الذي ذكره (بيندا) أنّ المثقف يتمتع بموهبة استثنائية تختلف عن الآخرين، إلّا أنّ الحديث عن هذه الموهبة قد لا يكون دقيقاً من حيث اكتناه وصفها، وعلى أيّ حالٍ تكون هذه الموهبة الاستثنائية؟ كلها أسئلة قد لا يضيء الحديث عنها عشرات الكتب والبحوث؛ ومن هنا كان لي سبيل أن أقرأ سيرة المجاهد (زهير بن القين) على وفق هذه الفكرة، إذ تُنبئ سيرته المضيئة على أنّه كان مثقّفاً يعي ما قام به من دورٍ، أهّله أنْ يكون في الصف الأوّل المدافع عن الحسين عليه السلام، فقد ألقى بغلالة التحجّر الفكري التي عاشها مدّة من حياته، ثمّ أعاد النظر فيما اعتنقه من آراء آمن بها من قبلُ، فوجدها أبعد ما تكون عن المنبع الأصيل للفكر الصحيح، شأنه شأن كثير من المصلحين الكبار الذين تركوا أفكارهم التي دعوا الناس إليها، هذه المبادئ التي يناضلون من أجل تثبيتها بين الناس، ولأجل كونهم أُناس عبّروا عن حرية ما اعتنقوه من أفكار، «كائنات نادرة جدّاً في الحقيقة، ما دام ما يرفعونه هو القيم الخالدة للحقيقة والعدالة التي هي بدقة ليست من هذا العالم»[19]. فالمبدأ الأخلاقي الذي دفع هؤلاء يُمثّل «نموذجاً واضحاً عن مفهوم المفكّر، أو الفيلسوف، أو رجل الآداب، الذي لا تشغله همومه المعرفية، وتأملاته الفلسفية عن الاهتمام بشؤون المدينة، والنزول إلى الساحة العمومية، صادعاً باسم (الحق) و(العدل) و(الخير)، ومدافعاً عن القيم الإنسانية العامة المجردة التي يلخّصها شيشرون[20] في (حبّ النوع البشري)»[21].

ولعلّه اقترب من توصيفهم درجةً تعبّر عن قناعاتهم التي صدروا عنها، بما يرفعونه من قيم خالدة، فضلاً عن استعدادهم المتواصل في النضال، لأجل تثبيت تلك المبادئ؛ فلذا يكونون أقرب إلى عالم المعنى من عالم المادة، فهم بهذا التوصيف «يسعون إلى مسـرّتهم في ممارسة فنّ ما، أو علمٍ ما، أو تأمّل ميتافيزيقي، باختصار في امتلاك مزايا غير مادية؛ ولهذا السبب يقولون بطريقةٍ محددة: (مملكتي ليست من هذا العالم)»[22].

إنّ رؤية (بيندا) للمثقف تعكس شجبه لـمَن اتّخذ ثقافته برجاً عاجياً ينعزل بسببها عن الناس، فالمثقف الحقيقي حين تحركه عاطفة غيبية، فضلاً عن استشعاره النفسي المنبثق عن فطرة سليمة تُملي عليه وجوب الانصياع إلى المبادئ النزيهة للعدالة، وفي مقابل ذلك ينبع شعوره الداخلي بشجب الفساد والدفاع عن الذين يقع عليهم طائلته، حتى وإن تحدّوا السلطة غير الشـرعية الجائرة عن العدل، يكون المثقف في أفضل حالاته، وهنا يستشهد (بيندا) ببعض الذين تركوا مواقف عبّرت عن عمق ثقافتهم، المتزامنة مع التزامهم المبادئ الصحيحة من دون خشية أن يطالهم الموت، فيقول: «كيف شجب فنيلون[23]، وماسيلون[24]، حروبا محددة للويس الرابع عشر؟[25] كيف أدان فولتير دمار البلاطينيين؟ كيف استنكر رينان أعمال نابليون العنيفة؟ وكيف شجب بكلي[26] تعصب انكلترا اتجاه الثورة الفرنسية؟ وفي زمننا كيف أدان نيتشه ممارسات ألمانيا الوحشية ضد فرنسا»[27].

إنّ رسالة المثقف التي أعلنها (بيندا) شعاراً لا بُدّ للمثقف الحقيقي من الالتزام به، هو الثبات على الموقف والتضحية في سبيل ذلك الثبات، حتى وإن أودت بهم التضحية إلى الحرق، أو النبذ، أو الصلب، فهم «شخصيات بارزة رمزية موسومة بنأيها الثابت عن الاهتمامات العملية... يجب أن يكونوا أفراداً مدققين وذوي شخصيات قوية، وفوق كل شيء، يجب أنْ يكونوا في حالة تضاد مع الوضع القائم على نحو شبه دائم؛ لهذه الأسباب جميعاً»[28]. ولعلَّ أبرز مثال لظاهرة تحوّل المثقف بوصفه رائداً للحقيقة، لا يهمه إنْ تخلّى عن أفكار ومعتقدات وآمن بما هو أكثر قُرباً للعقل، ما شهدناهُ في القرن العشرين من إسلام الفيلسوف الفرنسي (روجيه غارودي) الذي عُدّ أحد أقطاب الماركسية في أوروبا. وفي العالم العربي ما شهدناه من تحوّل (الدكتور عبد الرحمن بدوي) ـ أحد أقطاب الوجودية والعرّابين لترويج أفكارها، وترجمة مصادرها ـ إلى الفكر الإسلامي ودفاعه عن الإسلام ونبيّه الكريم في مؤلفاته المتأخرة. وفي العراق ما شهدناه من تحوّل فكري ثقافي للكاتب الماركسـي، ثمّ القومي، ثمّ الإسلامي لـ(عزيز السيد جاسم) الذي أودى تحوّله الفكري إلى أنْ يُعرّض للسجن، وثمّ القتل.

وقد تساءل (إدوارد سعيد) عن كيفية حصول هؤلاء الرجال على الحقيقة، فهل كانت بصيرتهم النافذة إلى المبادئ الخالدة مجرد أوهام شخصية كالتي عند (دونكيشوت)؟ إلّا أنّه لا يختلف مع (بيندا) في أنّ الصورة الحقيقة التي أرادها (بيندا) للمثقف تبقى صورةً جذابة، وتفرض نفسها بقوة حتى وإن أظهرته كائناً منبوذاً، إلّا أنّه قادر على قول الحقيقة للسلطة، وشجاع على نحو خيالي، حيث لا توجد سلطة دنيوية كبيرة ومهيبة جداً لا يمكن أن ينتقدها ويوبّخها بحدة[29].

وعبر ما بيّناه سنُسلّط الضوء على شخصيّة كان لمواقفها الشجاعة أنْ يخلّدها الدهر، وتسجد الأقلام في محاريب عشقها، أَلا وهي شخصية (زهير بن القين) على أنّ التاريخ الإسلامي لم ينقل لنا كثيراً من حياته، فكل ما قيل عنه أنّه كان من كبار شيوخ قبيلة بجيلة في الكوفة؛ فمن هذا الباب عُرِف أنّه كان رجلاً شريفاً في قومه.

أمّا شجاعته، فقد كان له في المغازي مواقف مشهورة، ومواطن مشهودة، ومن أبرز تلك المواقف التي ذكرها التاريخ قبل لقائه بالإمام الحسين عليه السلام، هو في معركة بلنجر[30].

أمّا توجّهه الفكري، فقد قيل: إنّه كان عثمانيّاً، بمعنى أنّه كان متعصّباً لبني أُميّة في موقفهم من الإمام علي عليه السلام الذين اتّهموه بمقتل الخليفة الثالث عثمان بن عفان، وكان لمعاوية بن أبي سفيان أنْ يرفع عقيرته مطالباً أخذ الثأر لابن عمّه عثمان من الإمام عليٍّ عليه السلام إلى تفاصيل يعرفها كل مَن تصفّح التأريخ، وطالع حوادثه وأيّامه، فضلاً عن سائر توجهاتهم المضطربة بين نُكرانهم مبدأ الوراثة بالنسبة لأبناء الرسول صلى الله عليه وآله من بعده اعتماداً على حديثٍ محرّف عن الرسول صلى الله عليه وآله، وبين قولهم إنّ الأمر شورى، وثمّ عدولهم عنها في الخليفة الثاني[31].

وهنا سيكون لنا استعراض لمواقفه التي ظهرت في ثنيّات التأريخ، المرافق لثورة الإمام الحسين عليه السلام منذ البداية حتى نهايته، بشيءٍ من التحليل يُبيّن تفاعله واستجابته لهذه الثورة، ومقدار الثقافة التي تجلّت في مجمل مسيرته، وذلك عبر محطّات سنتوقف عند كلّ واحدة منها بمقدار ما يستدعيه ذلك الموقف الذي صدر منه:

المحطة الأُولى: قبل اللقاء/ بعد اللقاء صورة حقيقية للمثقّف الرسالي

من الطبيعي أنْ يؤثّر على زهير موقفه العثماني، فينعكس على سلوكه الذي ينأى به أنْ يتفاعل مع مشروع الإمام الحسين عليه السلام الإصلاحي، بل يخلق عنده حالة من عدم التوافق النفسي؛ لذا تنقل بعض المصادر التاريخية عن مقرّبين من زهير القول أنّه قال: «كنّا مع زهير بن القين البجلي حين أقبلنا من مكّة نساير الحسين، فلم يكن شيء أبغض إلينا من أن نسايره في منزل، فإذا سار الحسين تخلّف زهير بن القين، وإذا نزل الحسين تقدّم زهير، حتّى نزلنا يومئذٍ في منزل لم نجد بُداً من أن ننازله فيه، فنزل الحسين في جانب، ونزلنا في جانب، فبينا نحن جلوس نتغدى من طعام لنا، إذ أقبل رسول الحسين حتّى سلّم، ثمّ دخل فقال: يا زهير بن القين، إنّ أبا عبد الله الحسين بن علي بعثني إليك لتأتيه. قال: فطرح كلّ إنسان ما في يده حتّى كأنّنا على رؤوسنا الطير»[32].

في هذا الخبر الذي نقله الطبري، عن أبي مخنف، عن الأسديين، يبدو للمتأمّل فيه أنّهما ـ أي: الأسديين ناقِلَي الخبرـ كانا وزهير على توجّه فكريٍّ واحد، ينمّ عن عدم ارتياح مسايرتهم الإمام الحسين عليه السلام، ولم يجمعهم غير المسير في طريقٍ واحد، فما كان من ابن القين إلّا أنْ ينأى بنفسه مبتعداً عن لقاء الإمام، بعدّه ابن الرجل الذي اشترك في قتل الخليفة الذي يراه رمزاً يستحق الولاء؛ وهنا يتجلّى ذلك الموقف المتضاد من وقوفه حين يسير الإمام الحسين عليه السلام، وحراكه حين يقف الإمام الحسين عليه السلام؛ لأجل أن لا يجتمعا معاً، إلّا أنّ الإمام الحسين عليه السلام قد أحسن اختيار الوقت الملائم لكسب الأنصار المؤيدين لمشروعه الإصلاحي، حتى وإنْ كانوا على خلاف التوجّه السياسي، والعقدي الصحيح الذي نشأت على بنيانه الثلة الصالحة من شيعة آل البيت عليهم السلام، فلم يتحرّك الإمام عليه السلام في ثورته الإصلاحية لأجل تقوية الجماعة الخاصة التي حفّت بها، ومن ثَمّ إرضائها بمجموعة من المكاسب، كما هو الحال عند أكثر القيادات حين تتحرّك للثورة وانتزاع سلطة من جماعة أُخرى؛ لغاية فئوية محضة، وهنا لا يتبدّل من الوضع الاجتماعي السياسي شيئاً للأُمّة، فتُبدّل جماعة بأُخرى، وحزب بآخر. أمّا الإمام الحسين عليه السلام كان يطمح إلى تأسيس دولة إنسانية تقوم على هدي القرآن الكريم، الذي لا يفرّق في خطابه بين جماعةٍ وأُخرى، إلّا على أساس التقوى والصلاح والعلم، وهي مبادئ إنسانية عامة لا يختلف اثنان على ضرورة إقامتها معياراً لتفضيل الأفراد بعضهم على بعض؛ ولذا كان للإمام عليه السلام أن يُرسل رسوله إلى زهير بن القين ويُلقي عليه الحُجّة في الوقوف إلى جبهة الحق والعدل، الممثلة بالإمام الحسين عليه السلام ومشروعه الرامي إلى الإصلاح على مختلف المستويات، وهنا أُشير إلى اختيار الوقت الملائم من الإمام في طرح الحجّة وتنجيزها على المخالف، حين أقبل رسول الإمام الحسين عليه السلام على زهير وصاحبيه، وهم جلوس يتناولون الغداء في وقت استراحتهم، ومعلومٌ أنّ وقت تناول الطعام، ولاسيّما وقت الغداء وما بعده، يُعدّ من الأوقات التي يستثمرها كثير من الشخصيات في طرح أفكارهم؛ إذ يكون الإنسان في هذا الوقت، أي: بعد تناوله الطعام، متهيّئاً نفسيّاً لتقبّل المعلومات، أو تنفيذ ما يُراد منه من عمل، أو القيام بمهمةٍ يسعى إلى تحقيقها الشخص المقيم لهذه المأدبة، وقد نقل الطبري في أوّل بعثة الرسول صلى الله عليه وآله بعد نزول قوله تعالى: (وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ )[33] تخوّفه من عدم استجابة عشيرته قبل الآخرين من الناس لهذه الدعوة، فما كان منه إلّا أنْ يستدعي الإمام علي عليه السلام، قائلاً له في ضمن كلام له: «فاصنع لنا صاعاً من طعام، واجعل عليه رجل شاةٍ، واملأْ لنا عُسّاً من لبنٍ، ثمّ اجمع لي بني عبد المطّلب حتّى أُكلّمهم، وأُبلّغهم ما أُمرت به»[34]، آملاً من أنْ يكون اجتماعهم على الطعام حافزاً إلى تقبّلهم النفسي والفكري أنّ محمداً رسولٌ من الله، وأنّهم مكلّفون باتّباع هذا الرسول، وقد باءت هذه المحاولة بالفشل مع أنّها تكرّرت مرةً أُخرى لتنجيز الحجة وتوكيدها عليهم؛ لما كان عليه بعض عتاة قريش من إصرارٍ على الكفر ومكابرةٍ على قبول الحق، فضلاً عن ممارسة عمّه أبي لهبٍ تأثيره في الآخرين، حين جعل يبثّ بين الناس أنّ ابن أخيه ساحرٌ، وغيرها من افتراءات تُنبئ عن قساوة قلوبهم وانحرافهم عن الفطرة السليمة التي فطر الله الناس عليها، فضلاً عن أنّها طريقة حضارية لاكتساب الآخرين، وجعلهم منسجمي التفكير، ومتفاعلين إلى حدٍّ ما مع الشخص الداعي لهم؛ فلذا نجد في عصرنا الحالي الكثير من الناس تتعارف فيما بينها على مأدبة طعام.

 أمّا الإمام الحسين عليه السلام، فقد علم أنّ هؤلاء الرجال الذين قُدّر لهم أن يكونوا مسافرين في طريقه، مخالفون لتوجّهاته العقدية والسياسية، فهم في جبهة وهو في جبهة، فلم تسنح له الفرصة أنْ يُولِمَ لهم؛ لكي يطرح عليهم بعدها ما يُريدهُ ويتبنّاه من موقفٍ ورأي، إلّا أنْ يستثمر وقت راحتهم وتناولهم وجبة الغداء، فكانت الصعقة غير المتوقّعة منهم بأنْ يتسمّروا في أماكنهم، ويسكنوا من دون تحريكٍ لأي عضوٍ من جسدهم، (كأنّ على رؤوسهم الطير) إلّا العقل، فحينها جعل يموج ويضطرب ويعيد كلُّ واحدٍ منهم النظر في هذه الدعوة الكريمة الموجّهة إلى أبرزهم، وهو (زهير بن القين)، وهنا لا بدّ للعقل من صولةٍ يُعيد فيها ترتيب أفكاره، ويُنظّمها بصورةٍ تتفق والفطرة السليمة. فالإنسان في هذه اللحظة حين تتنازعه الحيرة العقدية تكون في الوقت نفسه دافعاً له صوب حلول جديدة، «فالتناقض في وجوده هو الذي يجعله يسير قُدُماً في الطريق الذي ابتدأه، وعندما أضاع الإنسان الفردوس، وفقد الاتحاد مع الطبيعة، أصبح المتجوّل الأبدي (أوديسيوس، أوديب، إبراهيم، فاوست)، وهو مجبر على السير قُدُماً إلى الأمام، باذلاً ذلك الجهد الدائم؛ ليجعل المجهول معروفاً بأنْ يملأ ثغرات معرفته بالأجوبة، وعليه أنْ يُقدّم لنفسه حساباً عن نفسه، وعن معنى وجوده... يعذّبه الشوق إلى (المطلق) وإلى ضربٍ آخر من الانسجام، يستطيع أنْ يرفع اللعنة التي فصلته عن الطبيعة، وعن إخوانه البشر، وعن نفسه»[35].

ويظهر أنّ زهير بن القين حين دُعي للقاء الحسين عليه السلام كان يأبى ذلك، وهذا ما يُؤيده ابن الأثير (ت 630هـ) بقوله إنّ زهيراً حين «استدعاه يوماً الحسين فشُقّ عليه ذلك، ثمّ أجابه على كُرهٍ»[36]؛ فراراً من تلك المواجهة التي ستزلزل ثوابته التي استقرّت في وعيه ولا وعيه، بما يصفه (داريوش شايغان) بالخوف من فقدان الهوية، فهل البقاء على المتبنّيات السالفة يعكس «رغبة هوية ثقافية؟ أم هو خوف من الاحتواء في دائرة الطرق الفكرية الخطرة؟»[37]. وهنا يبدأ الرهان على فطرته واكتشاف مقدار سلامتها من أدران المادة، فهي بحاجة إلى «تنبيه معصومٍ عن الخطأ في تعريف قضايا، ومواقع دلالتها، وهو التنبيه المُتلقّى من الوحي الإلهي؛ ليعصمَ الفطرة من الميل عن الجادة السليمة»[38]. وهنا كان للزوجة الصالحة (دلهم بنت عمرو) التي رافقته في مسيره أثرٌ نفسي يكشف عن مقدار تمسّكها الصحيح بالإسلام ورسوله وآل بيته الطاهرين عليهم السلام؛ إذ دفعته إلى لقاء الإمام الحسين عليه السلام والاستماع إلى ما يُريد أنْ يقوله من كلامٍ، بقولها: «أيبعث إليك ابنُ رَسُول الله، ثمّ لا تأتيه؟! سبحان الله! لو أتيته فسمعت من كلامه. ثمّ انصرفت. قالت: فأتاه زهير بن القين، فما لبث أن جاء مستبشراً قد أسفر وجهه. قالت: فأمر بفسطاطه وثقله ومتاعه، فقدم وحُمل إلى الحسين، ثمّ قال لامرأته: أنت طالق، الحقي بأهلك، فإنّي لا أحبّ أن يُصيبك من سببي إلّا خير»[39]. وقد استدرك السيد علي بن طاووس (ت664هـ) قوله لها: «وقد عزمتُ على صحبة الحسين عليه السلام لأفديه بروحي، وأقيه بنفسي. ثمّ أعطاها مالها، وسلّمها إلى بعض بني عمّها ليوصلها إلى أهلها، فقامت إليه وبكت وودّعته، وقالت: خار الله لك، أسألك أن تذكرني في القيامة عند جدّ الحسين عليه السلام»[40]. وقد ذكر ابن سعد (ت230هـ) في طبقاته خبراً تفرّد به من دون الآخرين، من أنّ زوجته بقيتْ مُرافقةً له إلى آخر استشهاده، ولمّا «قُتل مع الحسين، فقالت امرأته لغلام له يقال له شجرة: انطلقْ فكفِّنْ مولاك. قال: فجئتُ فرأيتُ حسيناً مُلقىً، فقلت: أُكفّن مولاي وأدع حسيناً! فكفّنت حسيناً، ثمّ رجعت، فقلت ذلك لها، فقالت: أحسنت، وأعطتني كفناً آخر. وقالت: انطلق فكفّن مولاك. ففعلت»[41].

إنّ خطاب المرأة بوصفها زوجةً للرجل، يُمثّل بصفة عامةٍ حافزاً للتفاعل على اختلاف نوعية هذا التفاعل تبعاً لنوعية الخطاب، وفي قول (دلهم) يظهر التعجّب من سلوك زوجها زهير بن القين، حين يُدعى من قِبَل ابن رسول الله صلى الله عليه وآله باعتراف جميع مذاهب المسلمين، فلا يُجيب له دعوة، أو يعبأ بأهمية مثل هذه الدعوة؛ ولذا يتبدّى الاستفهام المقرون بالتعجّب من سلوكه غير المنسجم واللائق مع ابن رسول الله صلى الله عليه وآله، فهي تحثّه ـ عبر مفهوم هذا الاستفهام ـ على لقاء الإمام والسماع لخطابه، وقد مثّل خطابها دافعاً للتحرّك النفسي قبل الجسدي؛ لكون الرجل الزوج دائماً ما يرى نفسه أكثر معرفةً وإحاطةً من زوجته، فيدفعه الشعور بكمال الذات إلى التغلّب عليها، وتدارك ما فاته من موقف يثبّت تصوّراً غير مرغوبٍ فيه، فكان اللقاء مع الحسين عليه السلام إيذاناً بإذابة طبقات الفهم الخاطئ الراكدة على نفس زهير، وتصوّراته التي بُنيت على ذلك الرُكام الجاثم على مخيّلته، ولم ينقل التأريخ ما دار بين الإمام الحسين عليه السلام وبين زهير من كلام، إلّا أنّ المتأمّل في تلك الخلوة بينهما لا يتوقّع إلّا ما يُوحي بطمأنينة نفس زهير التي بُشـّرت بالجنة من مولاها الحسين عليه السلام، فيما لو عدَلت عن موقفها السابق وعبرت إلى ساحل النور والنجاة بنصـرة الحسين عليه السلام، والوقوف معه في هذا المقام؛ ولذا وصفه الخبر بأنّه رجع إلى زوجته مستبشراً قد أسفرَ وجهه، بما يُنبئ عن حالته النفسية المضطربة فيما قبل اللقاء، ممّا جعل علائم ذلك الاضطراب تبدو على مُحيّاه، وبمقاربة نفسية تُشخّص حالة زهير بن القين قبل لقائه بالإمام الحسين عليه السلام، تُبيّن لنا أنّه كان منذُ مسايرته وإلى ما بعد مجيء رسول الإمام الحسين عليه السلام له غير مرتاحٍ نفسيّاً، تمظهر على سلوكه المضطرب بأنْ يقف عند تحرّك الحسين عليه السلام، ويتحرّك عندما يقف، وإلى عدم موافقته لقاء الإمام الحسين عليه السلام حين دُعي إلى ذلك من قِبل الرسول، وتأثير زوجته عليه حين وجّهت إليه الخطاب، فكأنّه كان «مُكرهاً على ممارسة فعلٍ يعتقد بعبثيته، إلّا أنّه يظنّ بعدم استطاعته التخلص من هيمنته»[42]، فوسواسه النفسي كان قد تجلّى على تصـرفاته «بصورة شك وتردد، وعدم إمكانية التركيز الذهني، وقرارات وتصرفات غير مألوفة، وبالطبع لا يلتفت الأفراد لهذا الأمر؛ لأنّه ليس بتلك الدرجة من الشدّة التي تصل إلى حدّ الحيلولة بين المرء وممارسته لأعماله ونشاطاته الاجتماعية»[43].

 أمّا الآن فقد استقرّ نفسيّاً حين التقى بالإمام الحسين عليه السلام، ووجد تلك الغلالة الفكرية التي تشـرنق بها، لم يكن لها غير الوجود الوهمي في عقله، فرجع إلى صاحبيه اللذين كانا معه فأمر بفسطاطه ومتاعه أن يُقدّم إلى جوار فسطاط الإمام الحسين عليه السلام؛ وهذا الأمر يُبرز مكانته الاجتماعية فيما بينهم، إذ لا يُباشر أُموره بنفسه، بل هناك مَن يُعينه عليها، ثمّ التفت إلى زوجه، فأخبرها بأنّها طالقٌ لا لأنّه كره العيش معها، بل لأنّه عزم على أنْ يفدي نفسه، ويبذل مهجته في سبيل نصرة الإمام الحسين عليه السلام، وهذا ما سيُعرّضها لشتى صور الألم والإيذاء فيما بعده، فهو من باب كفّ الأذى عنها، والخوف على ما ستقع فيه من مصائب ومحن فيما لو بقيت حليلته وقتذاك.

إنّ ثمرة ذلك اللقاء الذي خطّط له الإمام الحسين عليه السلام مع زهير، قد آتى أُكُله في إشاعة مفاهيم إنسانية كبرى، لها في عصرنا الحاضر أعظم الأثر في تقريب وجهات النظر بين الأفراد، ومن ثَمّ المجتمعات، إذ تؤكّد الدراسات الثقافية على ضرورة التلاقي بين الأفراد مهما كانت وجهات نظرهم مختلفة، «فالتنوع الثقافي لا يعني التنافر الإنساني المُطلق، ولا يعني النفي الوجودي المتبادل، وإنّما يعني أنّه مع الإيمان بضـرورة التعدد والتنوع ضماناً للحركة، فإنّ ثمّة ضرورة للفهم العقلاني لتأكيد تكامل عنصـر، أو عامل التكافل الإنساني الأشمل، ووحدة الجوهر الإنساني»[44].

ولنأتِ إلى خطاب زهير مع أصحابه، فقال لهم: «مَن أحبّ منكم أن يتبعني وإلّا فإنّه آخر العهد، إنّي سأُحدّثكم حديثاً: غزونا بلنجر، ففتح الله علينا، وأصبنا غنائم، فقال لنا سلمان الباهلي[45]: أفرحتم بما فتح الله عليكم، وأصبتم من الغنائم؟! فقلنا: نعم. فقال لنا: إذا أدركتم شباب آل محمد فكونوا أشدّ فرحاً بقتالكم معهم منكم بما أصبتم من الغنائم، فأمّا أنا فإنّي أستودعكم الله. قال: ثمّ والله ما زال في أوّل القوم حتّى قُتل»[46].

وهُنا أعلن زهير ـ عبر خطابه مع أصحابه الذين عرفوا توجّهه من قبل ـ أنّه ليس زهيراً الذي يعرفونه، فهو الآن عازمٌ على المُضيِّ في ركب الحسين عليه السلام إلى آخرِ المسير، «فما الذي حصل عندما اجتمع مع الإمام عليه السلام حتى صار مريداً ومحبّاً، وولياً وناصراً، بشكلٍ أثار الاستغراب ممّن كانوا في صحبته، إذ كيف يتحوّل إنسان بمثل هذه السرعة ويبدّل موقفه؟»[47]، فالجواب عن (ماهية) ذلك اللقاء، تبقى من الأسرار الإلهية، إلّا إنّه كما أوضحت قبل قليل، كان لقاءً مُوحياً بالطمأنينة النفسية التي تعطّش إليها زهير، وتاقت نفسه إليها، ولا يبعد أنْ يكون في ضمن كلام المولى أبي عبد الله الحسين عليه السلام
أنّه ـ بوصيةٍ سابقةٍ من أبيه، أو عن رسول الله بالمباشرة ـ أخبره بمضمون الحديث الذي نقله عنه سلمان المحمّدي رضي الله عنه، الذي بدوره تحدّث به حين كان فتح بلنجر أمام ثلّةٍ من الجُند المسلمين، وإلّا ما أدراه ـ أي: سلمان المحمدي ـ بما سيحدث على شباب آل محمد بعد تسعٍ وعشرين سنة، ومن ثَمّ يلتمس ممّن معه فيما لو أدرك ذلك الزمان أنْ يكونوا أشدّ فرحاً ممّا هم فيه من فرحٍ لحصولهم على الغنائم الوفيرة، فنجزم أنّ ذلك الخبر كان مصدرهُ نابعاً من رسول الله صلى الله عليه وآله، ونفترض أنّه خصّ به اثنين هما: سلمان المحمدي الذي أفضـى به إلى مَن معه من جند يوم فتح بلنجر، والإمام الحسين عليه السلام؛ لكي يكون هذا الخبر علامةً على صدق دعواه حين يذكره لزهير بن القين، الشاهد الوحيد في هذا الركب، ودليلاً على تنجيز الحُجّة على زهير المُخالف ـ الآن ـ لتوجّه الإمام الحسين عليه السلام؛ ولذا رجع زهير إلى أصحابه يُحدّثهم عن هذا الحديث، وكأنّ أحداً ذكّره بهذا الحديث حين ذهب للقاء الحسين عليه السلام، ويعتقد الباحث أنّه عليه السلام كان في ضمن كلامه الذي استمال به فكر زهير وخلب به عاطفته، أنّه ذكّره بهذا الموقف الذي غاب عنه الحسين عليه السلام حضوراً، إلّا أنّه لم يغب عنه وصيةً من جدّه رسول الله صلى الله عليه وآله، أراد توصيلها لزهير في هذا اليوم. وأرى أنّ قول سلمان المحمدي الذي نقله ابن الأثير أكثر دقةً وتحديداً؛ إذ يقول في ضمن عرضه هذا الخبر: «إذا أدركتُم سيّد شباب أهل محمدٍ، فكونوا أشدّ فرحاً بقتالكم معه بما أصبتم اليوم من الغنائم، فأمّا أنا فأستودعكم الله!»[48]. ولا أعلم هل سقطت لفظة (سيد) من قول سلمان في نص الطبري عفواً أم قصداً؟!

ومن الأدلة العقلية التي يراها الباحث قويّةً في إثبات أنّ الإمام الحسين عليه السلام كان قد ذكّر ابن القين بهذا الحديث، أنّ التذكير سُنّةٌ قُرآنية حثَّ الله عليها نبيّه الكريم صلى الله عليه وآله؛ لتثبيت الحجة على الإنسان بعد قيامه بالفعل، فقال تعالى مخاطباً رسوله: (فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ * لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ)[49]، حيث بيّنت الآيتان أنّ وظيفة الرسول هي «التذكرة؛ رجاء أن يستجيبوا و يؤمنوا من غير إكراه وإلجاء»[50]. والأئمّة من آل بيت الرسول (صلوات الله عليهم) أولى الناس باتّباع هذه السنّة القرآنية.

ومن الأدلة النقلية التي حفظها التاريخ لنا في تذكير أئمّة أهل البيت عليهم السلام أعداءهم حين النزال؛ لأجل إسقاط حجّة الخصم الباغي عليهم، ما ذُكِرَ عن الإمام علي عليه السلام في معركة الجمل، وذلك حين نازله الزبير، فقال له الإمام عليه السلام: «يا زبير، أتذكر يوم مررت مع رسول الله (صلّى الله عيه وسلّم) في بني غنمٍ، فنظر إليّ فضحك وضحكت إليه، فقلت: لا يدع ابن أبي طالبٍ زهوه، فقال لك رسول الله (صلّى الله عيه وسلّم): صَهْ، إنّه ليس به زهو، ولتقاتلنّه وأنت له ظالم؟ فقال: اللهمّ نعم، ولو ذكرت ما سرت مسيري هذا، والله لا أقاتلك أبداً»[51]. ومعلومٌ أنَّ الزبير فرَّ بعدها من المعركة وقُتل في وادي السباع[52].

ومن الطبيعي أنْ نجد هناك مَن يستفيد من ذلك التذكّر ومَن لا يستفيد، مصداقاً لقوله تعالى: (فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَىٰ * سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشَىٰ * وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى)[53]. فكان زهيرٌ من الصنف الأوّل الذي يعكس نقاوة فطرته، مُضافاً إليها نوع التربية والأخلاق التي تحلّى بها، ولا بُدّ من القول إنّه تربّى في حضنٍ طاهرٍ أمدّه بأعالي القيم وأفاضلها التي تُسهم في بلورة الشخصية وتحصينها مهما تأثّرت بعوارض البيئة التي تعيشها، ومهما كانت الظروف التي تمرُّ بها، فالشخصية التي تنشأ في ظروفٍ صحّية يكون لها عظيم الأثر عاجلاً أم آجلاً، بما تتركه من قيم صالحة سيظهر دورها الإيجابي فيما لو أُتيحت لها الفرصة، أو اصطدمت بموقفٍ يُزيح عنها الركام الذي حال بين تفعيل هذه القيم التربوية الأصيلة، ويُرشدها إلى برّ الأمان، وعن أثر هذه الظروف يقول (جون ديوي): «إنّ الظروف الإيجابية التي تكوّن الثقافة كلّها أمرٌ مطلوب، فالتحرر من صنوف الظلم والقمع التي كانت فاشية من قبل؛ دليل على وجود حالة انتقال ضرورية، ولكن لا يخفى أنّ حالات الانتقال ليست سوى ذرائع ومعابر تتخذ رغبة في الوصول إلى شيءٍ آخر، قد يكون مختلفاً كل الاختلاف»[54]، فمثل هذه القيم لا تؤسس أصالتها بتأثير وازعٍ دينيٍّ فحسب، بل هي موجودة في صميم الفطرة الإنسانية، ولا يختلف على أنّها من أعالي القيم وأرقاها، وكلّ الناس إنّما يتباينون فيما بينهم بحسب تجذّر هذه القيم وتفعيلهم لها على مسـرح الحياة، وهنا تظهر أصالة التربية التي كان عليها زهير بن القين، فقد عُرِف أنّه صحابيّ للرسول صلى الله عليه وآله، وقد أثبتت المواقف التي أظهرها يوم عاشوراء أنّه كان لا يعرف الدنايا، بل يستنكرها على الآخرين حين تظهر منهم، فالمعارك لها آدابها وأُصولها التي لا يتعدّاها إلّا مَن لؤم أصله وفسد محضنه، وما موقفه من الشمر (لعنه الله) يوم عاشوراء إلّا دليل على طُهر منبته ونجابته، فقد «حمل شمر في المسيرة حتَّى طعن فسطاط الحُسَيْن برمحه، ونادى عليّ بالنار حتَّى أحرق هذا البيت على أهله. فصحن النساء وولولن وخرجن من الفسطاط. فقال الحُسَيْن: ويحك، أتدعو بالنار لتحرق بيتي على أهلي؟! وقال شبث بن ربعي (لشمر): يا سبحان الله! ما رأيت موقفاً أسوأ من موقفك، ولا قولاً أقبح من قولك. فاستحيى شمر منه، وحمل عليه زهير بن القين في عشـرة، فكشفه وأصحابه عن البيوت»[55].

وإذا عُدنا إلى خطاب زهير بن القين السابق مع أصحابه حين رجع من الحسين عليه السلام نجده مُفعماً بدلالات التهيُّؤ والحماس لنصرة ابن رسول الله صلى الله عليه وآله والذبّ عن حُرَمه الطاهرات، بحيث جعل يُخبر أصحابه بأنّه سيفارقهم سواءً أكان الفراق عن التوجّه العقدي الذي كان عليه فيما سبق، أم كان الفراق عن الدنيا؛ وذلك باستعداده للقتال الذي يودي بصاحبه إمّا للنصر أو للشهادة، ولمّا كان أتباع الحسين وأنصاره لا يماثلون الأعداد التي تهيأت لقتاله من جيوشٍ مدجّجةٍ بالسلاح، كان احتمال الاستشهاد هو الوارد حصراً في ذهنه؛ لذا صدّر خطابه إلى أصحابه بقوله: «مَن أحبّ مِنْكُمْ أن يتبعني وإلّا فإنّه آخر العهد»، وختمه بقوله لهم: «فأمّا أنّا فإنّي أستودعكم الله». وفي وسطه كان استدعاءً مقصوداً لحادثة وقعت معه قبل تسع وعشـرين سنة، حين غزا في جيش الفتوح الإسلامية في (بلنجر) مع الصحابي الجليل (سلمان المحمدي)، وقوله لهم بوجوب الذبّ عن سيد شباب آل محمد ونصرته، واستشعار الفرح والسرور بالقتال بين يديه؛ لأجل أنْ تكون هذه الحادثة وهذا الحديث، دافعاً لأصحابه في أنْ ينخرطوا في الدفاع عن الحسين عليه السلام والاستشهاد في سبيله.

المحطة الثانية: مع الحسين عليه السلام إلى كربلاء

بعد أنْ تبيّن لنا موقف زهير الذي اتّخذه بعد لقائه بالإمام الحسين عليه السلام، الذي عكس مقدار شفافيته ـ إنْ صحَّ الوصف ـ من تقبّل الحقيقة والمُضيِّ بها شعاراً يُنادي به ويُقدِّم نفسه قرباناً لأجل تثبيتها في المجتمع، وهي صفةٌ تكمنُ في المثقّف الأصيل الذي لا يتحجّر عند فكرةٍ أو يتقوقع على رأي، بل عليه أنْ يُصحّح مسيرته بما استجدَّ له من تفكيرٍ أعاد حساباته السابقة، وبهذا «لم تُعد الأُمور قابلة لأن يقف الإنسان عند الآراء الشخصية، والمواقف المتشنجة، التي يتمكن الإنسان من خلال التفكير الهادئ والعقلانية الواضحة، أن يرى الفارق بين المسألة المبدئية والمسألة الشخصية، ويُقدّم ما هو الأهم والأخطر في نظره، ولهذا سرعان ما فكَّر واتَّخذ القرار ليكون إلى جانب الإمام الحسين عليه السلام رفيقاً له في الدرب والشهادة»[56].

بعد أنْ انضمَّ زهيرُ بن القين إلى قافلة الإمام الحسين عليه السلام وأتباعه، كان للحُرِّ ـ وهو قائدٌ عسكري أُرسِل من والي الكوفة عبيد الله بن زياد ـ مهمّة تنحصر في الجعجعة بالإمام الحسين عليه السلام، إلّا أنّه عليه السلام لم يكن منقاداً بالمرّة إلى كتيبةٍ عسكرية، فكان له أنْ يخطب في جماعته بحضور هؤلاء الجند في منطقة (ذي حسم)[57]، وقبلها منطقة (البيضة)[58] آملاً أنْ تكون كلماته نوراً يشقُّ دياجي بصيرتهم، وتتسبّب في هدايتهم، ففيهم مَن لا يعرف الحقَّ في أيِّ جهة فيُولّي وجهه شطره، والشاهد الذي سأذكره ما يتعلّق بخطبته في (ذي حسم) التي عقّب زهيرٌ بعدها بكلام أورده الطبري عن «عقبة بن أبي العيزار[59]: قام حسين عليه السلام بذي حسم، فحمد الله وأثنى عليه ثمّ قال: إنّه قد نزل من الأمر ما قد ترون، وإنّ الدنيا قد تغيّرت وتنكّرت، وأدبر معروفها، واستمرت جداً، فلم يبقَ منها إلّا صبابة كصبابة الإناء... فإنّي لا أرى الموت إلّا شهادة، ولا الحياة مع الظالمين إلّا برماً. قال: فقام زهير بن القين البجلي، فقال لأصحابه: تكلّمون أم أتكلّم؟ قالوا: لا، بل تكلّم، فحمد الله فأثنى عليه، ثمّ قال: قد سمعنا هداك الله يا بن رسول الله مقالتك، والله لو كانت الدنيا لنا باقية، وكنّا فيها مخلدين، إلّا أنّ فراقها في نصـرك ومواساتك، لآثرنا الخروج معك على الإقامة فيها. قال: فدعا له الحسين، ثمّ قال له خيراً»[60].

يظهر في الخطبتين اللتين تزامنتا في وقتٍ واحدٍ، دلالاتٌ تَنِمُّ عن تناغمٍ وانسجامٍ بينهما، وكأنَّهما قطعةٌ واحدة من حيث المضمون والشكل، على أنّ ثمّة تشكيلات بيانية وأُسلوبية تميّزت بها الأُولى، فجعلتها بمثابة المتن، أمّا الثانية، فكانت هامشاً لها، فالإمام الحسين عليه السلام قد بيّن عبر فقرات كلامه أنّ الدنيا منقطعة لا يبقى منها شيءٌ غير الذكر الحسن والموقف النبيل، وحين تلتبس القيم وتنقلب المعايير الصحيحة التي بموجبها يجد الإنسان نفسه، ويُقيّم عمله بمنظور تلك المعايير، لا يبقى شيءٌ من الدنيا يستحقّ البقاء لأجله، فالسعادة تكون مقرونةً بالشهادة، وفي قِبال ذلك يكون السأم ـ بوصفه الداء الدويَّ للإنسان الحرّ في اختياره مبادئه ـ مقروناً بالحياة، فيما لو كانت محكومةً بقبضة الحُكّام الظالمين، الذين يستلبون إرادة غيرهم بالقهر والقوّة، وهنا ينسجم الخطاب الثاني الذي أدلى به زهير مستدركاً خطبة الإمام الحسين عليه السلام من حيث المضمون، فهو يؤكّد على لسانه ولسان مَن جاؤوا لنصرة إمامهم، أنّه لو فُرِض أنّهم مخلّدون في دار الدنيا ـ على أنّه فرضٌ لا واقع له، ولكن كما قيل: فرض المحال ليس بمحال ـ إلّا أنّ هذا التخليد منوطٌ بعدم نصرتهم الإمام الحسين عليه السلام والخروج معه للقتال، لكان خيارهم في استئثارهم الخروج معه أنصاراً على البقاء فيها. وهنا يلتقي مضمون خطابه بمضمون خطاب الإمام الحسين عليه السلام، حين يجد الموت سعادة باقترانها بكلِّ غالٍ ورفيع من المبادئ والقيم التي تستحقّ النضال، وهو مضمونٌ سامٍ لا يستلذّه إلّا الأحرار في دنياهم، أمّا «الذين لا يعرفون الخلود، لا يمكنهم مساعدة الآخرين على التخلص من الخوف من الموت، أولئك الذين لا يعيشون حياتهم بكلّيتها وبشغف»[61].

ومن المزايا الشكلية التي اشتركت كلتا الخطبتين فيهما، أنّ كلتيهما ابتدأتا بحمد الله والثناء عليه، ودلالته أنّها تُعبّر عن رؤية إيمانية تبتدئ بذكر الله وتنتهي إلى رحمته، والرضا بقضائه وقدره، ولكي لا يُفهم مضمون الخطاب على أنّه نظرة سوداوية للحياة، وتشاؤمٌ مُطبق أودى بصاحبه إلى الانتحار، بل يُعتبرعقيدةً بالله وتسليماً بحكمه، وامتثالاً لحُكمه، بالابتعاد عن زينة الحياة الدنيا حينَ تُقرن بالتخلّي عن الدين والقيم الإنسانية الأصيلة، والتماس ما لا يفنى من نعيم الله وثوابه العظيم.

 وفي موقف آخر لزهير بن القين: بعد أنْ حاصر الحر بن يزيد الرياحي ركْبَ الإمام الحسين عليه السلام ومنعه من الرجوع إلى حيث ما جاء، كان لا بُدّ للحُرِّ من تنفيذ أمر قائده الأعلى عبيد الله بن زياد، والإمام الحسين عليه السلام يطلب منه أنْ يُنزله إلى قُرى مُجاورة، في حين كانت الأوامر العليا تُلزم بإنزال الحسين عليه السلام ومَن معه في قرية لا ماءَ فيها ولا خضرة، توجّه زهير بن القين لمولاه الحسين مُشيراً عليه بالقول: «بأبي وأُمّي يا بن رسول الله، والله، لو لم يأتنا غير هؤلاء لكان لنا فيهم كفاية، فكيف بمَن سيأتينا من غيرهم؟ فهلّم بنا نناجز[62] هؤلاء، فإنّ قتال هؤلاء أيسر علينا من قتال مَن يأتينا من غيرهم»[63].

يبدو جليّاً نسق الولاء في خطاب ابن القين مع الإمام الحسين عليه السلام؛ وذلك حين يبتدأ كلامه بباء التفدية، ثمّ يُبدي رأيه الذي يعكس حرصه وخوفه على حياة إمامه، وكأنّه ذلك الرحّال الذي تعبَ من الضرب في المجهول، حتى وجد ضالّته، فكان أشدّ الحرص في الحفاظ عليها، فكان له أنْ ينطلق من صميم عواطفه المشبوبة بنار الوجد الحسيني، فيطرح فكرةً مفادُها المبادرة إلى قتال كتيبة الحرِّ، فهم بعددهم يقتربون من عدد مَن جاء مع الإمام الحسين عليه السلام من رجال وشُبّان، فالتمكّنُ من قتالهم أكثر احتمالاً ممّا لو جاءت أعدادٌ أُخر من جيوشٍ سيُرسِلها طاغية الشام إلى كربلاء.

ومن الدلالات التي يقتضيها مضمون كلام ابن القين، أنّه ذو رُؤيةٍ استشرافية لا تقف عند اللحظة الآنية، فترى موضع قدميها فحسب، بل ترمي بأقصى نظرها إلى ما هو أبعد، فهو يتوقّع ـ بحسب ما يقرأه من حراكٍ يجري وقعه على الساحة ـ أنّ أعداد الجيوش سوف تتزايد في الأيام المقبلة، فلو تمّ مناجزة هؤلاء العسكر؛ لكان الخلاص من قبضة الحاكم ونكال بطشه أسهل. أمّا الإمام الحسين عليه السلام فقد أبدى رأيه صريحاً واضحاً بقوله: «إنّي أكره أن أبدأهم بقتال حتى يبدأوا»[64]. وهو رأيٌ يعبّر بوضوح عن عصمة قائله؛ إذ كان الإمام عليه السلام يرى الأُمور بطريقةٍ أُخرى غير التي يراها زهير، فقد وصف ابتداءه قتال أعدائه بالكراهة، ويعرّفها ابن فارس (ت 395هـ) ـ بحسب الرجوع إلى أُصول المادة اللغوية؛ للكشف عن دلالتها ـ بأنّها «على خلاف الرّضا والمحبّة... [أو هو] المشقّة. والكره: أن تُكلّف الشَيء فتعمله كارهاً»[65]. ومعلومٌ أنّ هذه الكراهة من صميم الفطرة الإنسانية السليمة، وقد عبّر القرآن الكريم عن أصالة هذه النزعة عند الإنسان مبيّناً أنّ الخروج عنها لا يكون إلّا لأمرٍ واجبٍ فرضه الله، إلّا أنّه ـ بغضِّ النظر عن المصالح المتحققة به والمفاسد المترتّبة على إهماله والتواني عنه ـ شعورٌ يعكس ميل الإنسان للسلام، إذ يقول تعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ  وَاللَّـهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ )[66]. ولما نعلم أنّ الإمام عليه السلام يعلم علم اليقين أنّه مقتولٌ بكربلاء، وأنّهم سوف لا يستثنون عن قتله، فهو بقوله هذا أراد أنْ يكشف زيف ادّعاء حكومة آل سفيان بأنّها تُقاتل مَن لا يبدأها بقتال، فهي إذن حكومة بعيدة عن القيم الإنسانية المتأصّلة في النفوس السويّة التي تنأى عن القتال ما جهدت إليه سبيلاً، كذلك أراد الإمام عليه السلام أنْ لا يترك عُذراً للذين يفكّرون بطريقة انتهازية، حيث يستغلون نقاط الضعف في الآخر، وغير ذلك من العبر التي بإمكان المتأمل أنْ يقف عندها.

إلّا أنّ زهير بن القين لم يكتفِ بهذا الردِّ؛ لكونه مخلصاً في ولائه للإمام، مُبالغاً في الحرص عليه من أنْ يُمسَّ بأدنى أذى، فأشار عليه بأن ينزل قريةً وُصِفت بأنّها حصينةٌ في عاقول[67]، وبالقرب منها شط الفرات الذي يحدق بها من وجه واحد. «قال الحسين: وما اسم تلك القرية؟ قال: العقر[68]. قال الحسين: نعوذ بالله من العقر. فقال الحسين للحر: سر بنا قليلاً، ثمّ ننزل. فسار معه حتى أتوا كربلاء، فوقف الحر وأصحابه أمام الحسين ومنعوهم من المسير، وقال: انزل بهذا المكان، فالفرات منك قريب. قال الحسين: وما اسم هذا المكان؟ قالوا له: كربلاء. قال: ذات كرب وبلاء، ولقد مرّ أبي بهذا المكان عند مسيره إلى صفّين، وأنا معه، فوقف، فسأل عنه، فأُخبر باسمه، فقال: هاهنا محطّ ركابهم، وهاهنا مهراق دمائهم. فسئل عن ذلك، فقال: ثقل لآل بيت محمد، ينزلون هاهنا»[69].

لنأتِ إلى خطاب ابن القين أوّلاً؛ لمبادرته الكلام، فهي تعكس حرصه الشديد وتخوّفه من أنْ يطالَ الإمامَ الحسين عليه السلام سوءٌ؛ فلذا كان يتمنّى عليه أنْ ينزل في قريةٍ تحصّنه من جيوش الأعداء، فضلاً عن كونها أرضاً أشبه ما تكون بالوادي، فهي بهذا الوصف غير مستهدفة من قبل الآخرين؛ لعدم الاهتداء إليها بسرعة، والأمر الآخر الذي يكشفه لنا كلام ابن القين، أنّه على علمٍ بالطريق ومنازله، والقرى المحيطة به من قريب أو بعيد، بما يُؤكّد أنّه يعلم بهذه الأماكن عبر عمره الطويل الذي قضاه بين معارك ورحلات، حيثُ تعكسُ استشاراته مدى الخبرة العسكرية التي توفّرت عنده عبر مسيرته الجهادية، فالمكان الذي اختاره لنزول الإمام الحسين عليه السلام، توفّرت فيه كل المزايا الاستراتيجية التي تؤهل المتموقعين فيه برجحان الكفّة، ومن ثمّ التغلّب على مناوئيهم. إلّا أنّ الإمام الحسين عليه السلام أبى أنْ يختار موضعاً يحملُ عنواناً موحياً بالاستئصال، والتحوّل من حركةٍ وديمومة إلى توقّف وانتهاء، فالأصل في مادة (عقر) يُشير إلى «تحوُّلٍ في مسير الحياة وتغيير الحركة الطبيعية؛ بحيث يلغي جريانه الأصيل، وهذا المعنى يختلف ويتفاوت بحسب اختلاف الموضوعات: كتحوّل التوليد في المرأة، فيقال: إنّها عاقر. وتغيير جريان الحياة في البعير بقطع قوائمه. وكذلك بعض الجروح إذا حوّلت مسير الحياة. ومثله تغيير رحل الدابة أو سرجها للإتعاب في الحركة والسير. وقطع رأس النخل الموجب لتحوّله في الحياة، وتعقّر الغيث إذا توقّف عن الجريان. وحدوث النسيان الموجب توقف استمرار العلم، وكذلك القصر إذا تحوّل عن عمارته إلى التخرّب وخلا عن أهله وتوقّف جريان عمرانه»[70].
ومن هذه الدلالات التي بيّنتها المعاجم العربية لمادة (عقر) نُدرك جليّاً لماذا كان الإمام الحسين عليه السلام يقول: نعوذ بالله من العقر؟ الأمر الذي دفعه أن لا يختارها موضعاً ينزلُ فيه، وقد اختار كربلاء على ما يُوحي اسمها من دلالة الكرب والبلاء، إلّا أنّه لا يوحي بالانتهاء والتحوّل كما توحيه دلالة مادة (عقر)، بل لما فيها من دلالة البلاء التي تكشف صبر الإنسان واجتيازه عقبات الاختبار الإلهي وغيره، وهذه الدلالة لم تكن غائبة عن اللغويين ممّن أمعن في النظر في دلالة المادة بحسب السياقات التي ترد فيها، مثل ابن فارس الذي يقول: «ويكون البلاء في الخير والشّرّ، والله تعالى يُبلي العبد بلاءً حسناً وبلاءً سيّئاً، وهو يرجع إلى هذا؛ لأنّ بذلك يُختبر في صبره وشُكره»[71].فضلاً عن أنّها الأرض التي مرَّ بها أبوه أمير المؤمنين عليه السلام بمعيّته إلى صفّين، فتوقّف عندها، واستشرف ما يقع فيها من أحداثٍ عليه في يوم عاشوراء، فهي أرضٌ موعودةٌ بما سيقعُ فيها من حدثٍ جلل، لا يمكن له أنْ يغيّر زمانه أو مكانه.

المحطة الثالثة: في كربلاء قبل المعركة ـ ممارسات ثقافية واعية

استمرَّت وتيرة الحماس عند زهير بن القين بالتصاعد، وقد نفذت أشعة الولاء الحسيني إلى أعماق قلبه، فجعل يبوح بمودّته لمولاه غير مكترثٍ أو مُبالٍ لما سيفرضه ولاؤهُ عليه من ضريبةٍ تُكلّفه حياته، فالخلود في الحياة الدنيا لا طعم له ولا لون ولا رائحة عنده حين يكون دون نُصـرة الحسين عليه السلام، وها هو ينتفض مُجدّداً في اليوم التاسع حين اقتربت صيحة الجيش مُحكمةً خناقها حول خيام الحسين عليه السلام ومَن معه من أنصار، فما كان للإمام الحسين عليه السلام إلّا أنْ يطلبَ من أخيه أبي الفضل العباس عليه السلام أنْ يتوجه بمعية عشـرين فارساً ـ فيهم زهير وحبيب ـ إلى معسكر الأعداء، فيستفهم منهم ما الذي يريدونه؟ ثمّ يرجع إلى الإمام بمطلبهم الذي يستحيل على الإمام عليه السلام تنفيذه، أَلا وهو النزول على حكمه؛ لما فيه من مهادنةٍ للظلم وقبولٍ بدولة الباطل، وما يصدر عنها من أفعال، وهنا حانت فرصةٌ ثمينة لحبيب بن مظاهر رضي الله عنه في أنْ يخاطب القوم الذين أزمعوا على قتال ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وآله، «فقال حبيب بن مظاهر لزهير بن القين: كلّم القوم إنْ شئت وإنْ شئت كلّمتهم. فقال له زهير: أنت بدأت بهذا، فكن أنت تكلّمهم. فقال لهم حبيب بن مظاهر: أما والله، لبئس القوم عند الله غداً قوم يقدمون عليه قد قتلوا ذرية نبيّه صلى الله عليه وآله، وعترته وأهل بيته عليهم السلام، وعبّاد أهل هذا المصـر المجتهدين بالأسحار، والذاكرين الله كثيراً. فقال له عزرة بن قيس[72]: إنّك لتزكّي نفسك مَا استطعت. فقال له زهير: يا عزرة، إنّ الله قَدْ زكّاها وهداها، فاتق الله يا عزرة، فإنّي لك من الناصحين، أنشدك الله يا عزرة أن تكون ممّن لا يعين أهل الضلالة عَلَى قتل النفوس الزكية! قال: يا زهير، ما كنت عندنا من شيعة أهل هذا البيت، إنّما كنت عثمانياً. قال: أفلست تستدل بموقفي هذا أنّي منهم! أما والله، ما كتبت إليه كتاباً قطّ، ولا أرسلت إليه رسولاً قطّ، ولا وعدته نصرتي قطّ، ولكن الطريق جمع بيني وبينه، فلمّا رأيته ذكرت به رسول الله صلى الله عليه وآله ومكانه منه، وعرفت ما يقدم عليه من عدوه وحزبكم، فرأيت أن أنصره، وأن أكون في حزبه، وأن أجعل نفسي دون نفسه، حفظاً لمِا ضيّعتم من حق الله وحق رسوله صلى الله عليه وآله»[73].

 في كلامِ ابن القين نلاحظُ التزامه الشديد بأُصول الحوار والمُحاججة؛ وذلك حين يطلب منه حبيب بن مظاهر أنْ يُدلي بما عنده من كلامٍ يوجّهه إلى هؤلاء الذين باعوا دينهم بدُنياهم، إلّا أنّه علمَ بمقتضى كلام ابن مظاهر رغبته في الحديث،
فلم يتقدّمْه احتراماً لرغبته في الحديث معهم، ولمبادرته بهذه الفكرة قبله.

وحين نقف عند كلامه ـ بعد أنْ قاطع عزرة بن قيس كلام حبيب بن مظاهر ـ نجده يتكلّم بلغة الواثق من نفسه، ومن صفاء نوايا أصحابه، فقد دافع عن حبيب كما يدافع عن نفسه، وكأنَّه مصداقٌ لحديث رسول الله صلى الله عليه وآله: «المؤمن مرآة المؤمن، والمؤمن أخو المُؤمن، يكفّ عليه ضيعته، ويحوطه من ورائه»[74]، إذ جسّد في ردِّه على عزرة السلوك الذي ينبغي للمؤمن أنْ يكون عليه، مدركاً أنَّ مُغالطة عزرة بن قيس لن تنطلي عليه، فهو وحبيب أكثر تمسُّكاً بقوله تعالى: (. . . فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَىٰ)[75]، إلّا أنّ حكم الكراهة بخصوص تزكية العبد لنفسه، قد يرتفع في بعض المواطن، حين تتطلب المصلحة أنْ يُظهِرَ المؤمن ما عنده من خصوصيةٍ، ولأجل تحذير الآخرين من انتهاك حرمته، أو استرخاص شأنه، فقد ورد أنّ سفيان الثوري[76] (ت 161هـ) سأل الإمام الصادق عليه السلام: «ما يجوز أن يزكّي المرء نفسه؟ قال: نعم، إذا اضطُر إليه، أمّا سمعت قول يوسف: (. . . اجْعَلْنِي عَلَىٰ خَزَائِنِ الْأَرْضِ  إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ)[77]، وقول العبد الصالح: (وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ)[78]»[79]. فضلاً عن مواقف كثيرة للإمام علي عليه السلام وآل بيته الطاهرين حينَ بيّنوا عظيم مقامهم وعلوّ شأنهم عند الله عز وجل، فهل يحقّ لأحدٍ أنْ يُشكل عليهم بأنّهم يُخالفون أمر القرآن بكراهة تزكية العبد لنفسه؟!

إنّ ردَّ ابن القين على عزرة كان مُفحماً له، حين استدلَّ بمضمون قوله تعالى: (قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا )[80]، حيثُ بيّن أنَّ حبيب لم يُزكّ نفسه، بالمعنى الذي قصده عزرة، بل كان جوابه بليغاً لا يفقهه إلّا مَن تأمّل في الآية، وأدرك بُعد مرماها الذي يشير إلى «أنّ الدين ـ وهو الإسلام لله فيما يريده ـ فطريٌّ للنفس، فتحلية النفس بالتقوى تزكيةٌ وإنماء صالح وتزويدٌ لها بما يمدّها في بقائها»[81]، فالذي تمسّك بدينه سلوكاً كان هو المُفلِح في تزكية نفسه بما ضمنه لها من ثوابٍ جزيل يوم الجزاء، وفوزٌ بالنعيم المقيم؛ ولذا كان ردُّهُ مستفِزّاً لعزرة الذي فُوجئ بشخصيّته التي لم تكن في يومٍ من الأيام على هذا التوجّه الحميم لآل بيت الرسول الكرام (صلوات الله عليهم أجمعين)، فكلاهما ـ أي: زهير وعزرة ـ ابنا قبيلةٍ واحدة (بجيلة) ومِصرٍ واحد (الكوفة)؛ الأمر الذي دفعه أنْ يسأله متى أصبح شيعيّاً علويّاً وهو لم يعرفهُ إلّا عثمانيَّ الولاء؟ وكلا الاتّجاهين على طرفي نقيض!! إلّا أنَّ جواب ابن القين كان حكيماً إلى أبعد الحدود، فقد أدانه من لسانه، حين طلب منه أنْ يستدلَّ على موقفه الحالي وتبدّله العقدي برهاناً على صحّة هذا المنهج الذي تبنّاه، فهو لم يلتقِ بالإمام الحسين عليه السلام من قبلُ، أو يُحسَب على شيعته، أو ممّن كاتب له بضرورة القدوم إلى العراق، سوى المصادفة التي جمعته بالإمام الحسين عليه السلام التي كانت سبباً في هدايته، بعد أنْ كانت الصورةُ مُضبّبةً في ذهنه عن ابن رسول الله صلى الله عليه وآله نتيجة الإشاعات والافتراءات التي حيكت حول آل بيت الرسول (صلوات الله عليهم أجمعين)، أمّا بعد انقشاع غياهب التصوّرات الزائفة عن ذهنه؛ بلقائه الإمام وجهاً لوجه، وسماعه البيّنات من الحجج التي أخرجته لطلب الإصلاح في أُمّة جدّه، كان له وجوب التحوّل من جبهة الباطل إلى جبهة الحق، ومن ثمّ التصدّي للدفاع عن الحق وأهله ممثّلاً بالإمام الحسين عليه السلام، حتى وإنْ كلّف ذلك إزهاق النفس رخيصةً دون نفسه الزكيّة، تكفيراً لها عما قصّرت فيه من حقوق إزاءها فيما سبق من زمان.

وقد ذكر الطبسي أنّ كلام زهير الذي ينفي فيه أنّه ممّن كتب للإمام الحسين عليه السلام، كان على نحو التعريض ـ وهو « نوع لطيف من الكناية، يطلق فيه الكلام مشاراً به إلى معنى آخر يُفهم من السياق، أو المقام الذي يتحدّث فيه»[82] ـ بعزرة بن قيس الذي كتب إلى الإمام الحسين عليه السلام مع مَن كتبوا من رجالات الكوفة، يُعلنون نصرتهم له فيما لو جاء إلى العراق[83]، فهو يُشير إلى مخاطبه بأنّه هو الذي نكث العهد، وكان الأوْلى به أنْ يُلزم نفسه بما كتب؛ ولذا عرّض به في مقام الذم، ، ومعلومٌ أنّ التعريض لا يحسن إلّا ثلباً (ذماً)، وهو أخفى من الكناية[84].

إنّ ما تحقّق في هذه (المُناجزة) الفكرية ـ إنْ صحّ الوصف ـ يعكس مدى ثقافة زهير لا بوصفه مُندفعاً بعاطفته فحسب بل في حذقه[85] ومهارته إدارة الخطاب وجعله مُنتِجاً في إثبات ما يُريده على الخصم، وتوفير أكثر من نقطة ضعف في خطاب الخصم، وجعلها محاور تُعينه على إفحامه. والأمر الآخر أنّه لم يخشَ لومة لائم في طرح ما تبنّاه من رأي، والتزمه من موقف لم يكن عليه فيما سبق، وهذه سمة المثقف بحق، حين يطرح ما عنده من أفكار من دون تردّد؛ ابتغاء إقناع الآخر بصوابها أو إقناعهم له بصواب ما عندهم، وذلك لا يتحقق فيما لو أسدل المثقف على نفسه أستار السكوت، وأبى التصريح بما توصّل فكرهُ إليه، فالصواب هو أنْ يطّلع على الأفكار الأُخرى، وهذا الاطلاع إمّا أن يؤكّد له صحة فكرته، أو يكشف له عن صحة الفكرة الأُخرى، وأينما وجد الحق يجب أن يأخذه حتى لو كان عند غيره[86].

المحطة الرابعة: ليلة عاشوراء.. دروس من ثقافة الاستشهاد

إنّ الحديث عن أثر الثقافة الرسالية التي نشأ عليها أنصار الحسين عليه السلام لا تترجمه الكلمات، بل تترجمه المواقف العملية التي خلّدها التاريخ لهم، ومن نافلة القول أنْ نُؤكّد أهمية الثقافة الصحيحة في بناء المجتمع المتكامل فكريّاً قبل بنائه مادّياً، باعتبارها «هوية ذلك المجتمع ووجوده، فإذا انحرفت الثقافة فإنّ المجتمع يكون أجوفاً فارغاً مهما حقق من القوة في الجوانب الاقتصادية والسياسية والصناعية»[87].

إلّا أنّنا حين نقرأ تلك المواقف الشجاعة للإمام الحسين عليه السلام وأنصاره الأخيار، نتلمّس فيها صورةً لثقافةٍ ثوريّةٍ نابعة من جذور القرآن الكريم بوصفها مبدأً رساليّاً، تتقوّم على أساسه الدعوة الإسلامية، وتستقي من ينبوعه الثر، تلكم هي (ثقافة الاستشهاد) التي تنبني على استرخاص النفوس الزكية والمواجهة المباشرة للسلطة المنحرفة عن المسار الإسلامي؛ لأجل إحقاق الحق وإزهاق الباطل.

ومن مواقف زهير بن القين التي أبرزت استعداده للاستشهاد، ما قاله من كلامٍ هو وجماعته حين نشرَ الظلامُ جناحيه ليلة العاشر من محرّم، ردّاً على طلب الإمام الحسين عليه السلام بأنْ يتّخذ كلُّ واحدٍ منهم الليل جملاً، ويتفرّقوا في المدائن والأمصار علماً منه بأنّ هؤلاء النفر الذين قَدِموا معه لم يكونوا هدفَ الجيوش المُرسلة من الشام، بل الهدف المطلوب تحقيقه كان في قتله حصراً إنْ أبى البيعة ليزيد (لعنه الله)، فلو حقّقوا غرضهم لانشغلوا به عن سواه، وهذا الطلب يعكس مدى احترام الإمام عليه السلام لرأي الآخرين وانفتاحه في الحوار مع أصحابه الذين قدموا لنصرته، وهو الآن يستميحهم الانصراف؛ لكي لا يُصيبهم ضررٌ بسببه، ولكي لا يلومه أحدٌ فيما بعد أنّه كان سبباً في توريطه في موارد الهلكة، وليستبين نوايا أنصاره وذلك حين يُخيّرهم بالبقاء ودونه، وقد كان الاستدراج لأنصاره سبيلاً ليعرضوا عليه ما استقرَّ في وجدانهم وهيمن في عقولهم من معتقدٍ راسخٍ في الدفاع عن الإسلام المتمثّل بشخص الإمام الحسين عليه السلام، فقد انهمرتْ شلالاتُ مشاعرهم تصبُّ ولاءً منقطع النظير، بدءاً بأخيه العباس عليه السلام والهواشم من آل عقيل، وثمّ كان الأنصار يتهافتون عشقاً كالفراش على نور بصيرتهم، ولمّا آن دور زهير أبدى رأيه قائلاً: «والله، لوددتُ أنّي قُتلت، ثمّ نُشرت، ثمّ قُتلت حَتَّى أُقتل كذا ألف قتلة، وأن الله يدفع بذلك القتل عن نفسك وعن أنفس هؤلاء الفتية من أهل بيتك»[88].

هذا النص الذي ذكرته عن زهير ثابتٌ عند أكثر مُؤرّخي المقتل، إلّا أنّ ما ورد في زيارة الناحية المقدّسة أشار إلى نصٍّ آخر، يقول فيه الإمام عليه السلام ـ بعد اقتطاع سلام الإمام عليه وذكرنا محل الشاهد ـ: «لا والله، لا يكون ذلك أبداً، أأتركُ ابن
رسول الله صلى الله عليه وآله أسيراً في يد الأعداء وأنجو أنا؟ لا أراني الله ذلك اليوم»[89].

وكلاهما يُعبّران عن رسوخ المبدأ الحق وتجذُّره في عقل زهير؛ إذ لا يعبأ بالموت إنْ كان في سبيل الحفاظ على العقيدة الصحيحة، وفي سبيل إحياء تلك القيم الخالدة التي يرى المسلم بوجودها مُفعّلةً على أرض الواقع أنّه مسلمٌ، لا مُجرّد أنّه شخص يحمل هويّة الإسلام، فالقسم يُؤكّد رغبة قائله المُلحّة في تصديق ما يطرحه من كلام، وقد توزع ملفوظ خطابه المنقول عن الناحية المقدّسة بين أساليب الإنشاء غير الطلبية التي لا تستدعي مطلوباً غير حاصل وقت الطلب[90]. من قسمٍ سيق لتأكيد ما يُتوقّع خلافه عند المُخاطب، ومن استفهام خرج إلى معنى استنكار وقوع ما هو استفهام عنه في الظاهر[91]، وختمه بالدعاء الذي عُدّ أحد أساليب الإنشاء الطلبي؛ ليبثَّ دلالةً في ذهن المتلقي توحي بيقين النوايا الكامنة في ذهن المتكلّم، منتظرةً الإذنَ لها بأنْ تُترجمَ عمليّاً لتؤكّد صدق مضمونها.

وتجدر الإشارة أنّ كلامَ جميع أنصار الإمام الحسين عليه السلام قد اتّفق على مضمونٍ واحد، بل حتى في الأساليب الإنشائية، ما جعل راوي الخبر يقول: «وتكلّم جماعة أصحابه بكلام يشبه بعضه بعضاً في وجه واحد، فقالوا: والله، لا نفارقك، ولكن أنفسنا لك الفداء، نقيك بنحورنا وجباهنا وأيدينا، فإذا نحن قُتلنا كنّا وفينا، وقضينا ما علينا»[92].

إنّ قول زهير الذي استعرضناه آنفا يُعزّز القيم الرسالية التي آمنَ بها زهير بوصفه رائداً للحقيقة ومُنتجِعاً لها، فقد انطلق والأنصار بوعيٍ وإرادةٍ يُعبّرون عن رغبتهم بالتضحية في سبيل أنْ يكونوا الفائزين في نصرة مولاهم الحسين عليه السلام من دون أي ضغوطاتٍ مُورِست عليهم، فقد أُتيح لهم الخيار أنْ يعودَ كلُّ واحدٍ منهم من حيثُ أتى، إلّا أنّ إيمانهم الصُلب، وعقيدتهم المشبعة بقيم العدل ونصـرة الحق وأهله، جعلهم يتنافسون فيما بينهم على إظهار مودّتهم وولائهم لرمز الحقِّ والعدل الممثّل بشخص الإمام الحسين عليه السلام. ولعلَّ الباحث يميل إلى تضعيف ما رُوي من أنّ الإمام الحسين عليه السلام لمّا رأى منهم تلك المواقف «قال لهم: إن كنتم كذلك فارفعوا رؤوسكم وانظروا إلى منازلكم. فكُشف لهم الغطاء ـ بإذن الله ـ ورأوا منازلهم وحورهم وقصورهم، فقال لهم الحسين: يا قوم، إنّي غداً أُقتل وتقتلون كلكم معي، ولا يبقى منكم واحد. فقالوا: الحمد لله الذي أكرمنا بنصرك، وشرّفنا بالقتل معك، أو لا ترضَ أن نكون في درجتك يا بن رسول الله؟»[93]؛ لندرة هذه الرواية في مصادر التاريخ والسيرة لدى مدرسة أهل البيت، كذلك لم تتناقلها مصادر التاريخ السُنّية، هذا من حيث السند، أمّا من حيث المتن، فهي تطرح جانباً إعجازيّاً لا يمكن أنْ يقبل منطق العصـر به؛ لأنّه لو قبلنا هذه الرواية، لانطلقت الإشكالات على سائر موارد أخبار فاجعة الطفّ، ولكان السؤال: لماذا لم يكن المدد الغيبي حاصلاً بطريقة مباشرة لتحقيق النصر المباشر للإمام الحسين عليه السلام؟ وغيره من أسئلة، فضلاً عن أنّ أنصار الحسين عليه السلام ـ بحسب مضمون الخبر ـ لم يُشكّكوا أو يطلبوا علامةً لتضمن لهم الإقدام والتضحية في سبيل الإمام الحسين عليه السلام، بل بالعكس كانوا يدعون الله أنْ يقبل تضحياتهم، من دون أنْ يشترطوا على الإمام أن يكونوا في درجته في الجنة.

المحطة الخامسة: يوم العاشر.. البطولات والتضحيات

زحف اليوم العاشر بكلِّ ما يحمله من مآسٍ قُدّر للإمام الحسين عليه السلام أنْ يُقاسيها، إلّا أنّه لم يكن جازعاً قانطاً من رحمة الله، بل كان يوصي أهل بيته بالصبر الجميل، ويوصي كلَّ أصحابه أنْ يتأسّوا به، فضلاً عن التزامه الأخلاقي الرفيع بتلك المبادئ الإنسانية التي حثَّ الإسلامُ عليها، من كراهة ابتدائه القتال، إلّا أنْ يبدأوا، فهناك سيكون الخيار منحصراً بوجوب الدفاع عن النفس، وقد أشرف بنفسه الزكية على توزيع المهام القتالية لكلِّ واحدٍ من أهل بيته وأنصاره، فكان لزهير بن القين أنْ يكون قائداً على ميمنة الجيش، فيما كانت الميسرة تحت إمرة حبيب بن مظاهر، أمّا الراية فكانت بيد أخيه أبي الفضل العباس عليه السلام، ولا يخلو اختيار الإمام عليه السلام من دلالةٍ تكشف عن مكانةٍ عظيمة لكلِّ واحدٍ من هؤلاء البررة، بحسب كفاءته القيادية التي يتحلّى بها، وكما علمنا أنّ زهيراً كان له منذُ شبابه مشاركاتٌ كثيرة في معارك وغزوات، احتفظ التاريخ بذكر واحدة (فتح بلنجر) وأسدل ستاره على أُخريات؛ الأمر الذي أهّله أنْ يكون عند حسن ظنِّ الإمام عليه السلام بقيادته ميمنة الجيش، فكان له بذلك تشريفٌ وتكريم بما حمله من عقيدةٍ صُلبة، فضلاً عن خبرته العسكرية التي استفادها طوال عمره.

وقد ذكر المؤرّخون أنّ الجيشين قبل أنْ يلتحما، كان لكبار قادتهما أنْ يتبارزا كلاميّاً، وهنا نقف عند كلام زهير بن القين ـ بعد أن أكمل الإمام الحسين عليه السلام كلامه مع الطرف الباغي؛ آملاً هدايتهم ونُصحهم على أنْ يزدجروا وينتهوا ممّا سيوقعون أنفسهم به من عارٍ في الدنيا، وخزي وعذابٍ في الآخرة ـ الذي رواه كثير بن عبد الله الشَّعبي بقوله: «لمّا زحفنا قِبل الحسين خرج إلينا زهير بن القين على فرس له ذنوب[94]، شاك في السلاح، فقال: يا أهل الكوفة، نذار لكم من عذاب الله نذار[95]! إنّ حقاً على المسلم نصيحة أخيه المسلم، ونحن حتّى الآن إخوة، وعلى دين واحد وملة واحدة، ما لم يقع بيننا وبينكم السيف، وأنتم للنصيحة منّا أهل، فإذا وقع السيف انقطعت العصمة، وكنّا أُمّة وأنتم أُمّة، إن الله قد ابتلانا وإيّاكم بذرية نبيه محمد (صلّى الله عليه وسلّم) لينظر ما نحن وأنتم عاملون، إنّا ندعوكم إلى نصرهم وخذلان الطاغية عبيد الله بن زياد، فإنّكم لا تدركون منهما إلّا بسوء عمر سلطانهما كله، ليسملان أعينكم، ويقطعان أيديكم وأرجلكم، ويمثّلان بكم، ويرفعانكم على جذوع النخل، ويقتلان أماثلكم وقرّاءكم، أمثال حجر بن عدي وأصحابه، وهانئ بن عروة وأشباهه. قال: فسبوه، وأثنوا على عبيد الله بن زياد، ودعوا له، وقالوا: والله، لا نبرح حتّى نقتل صاحبك ومَن معه، أو نبعث به وبأصحابه إلى الأمير عبيد الله سلماً. فقال لهم: عباد الله، إنّ وَلَد فاطمة (رضوان الله عليها) أحق بالود والنصر من ابن سمية، فإن لم تنصروهم فأعيذكم بالله أن تقتلوهم... قال: فرماه شمر بن ذي الجوشن بسهم، وقال: اسكت أسكت الله نأمتك، أبرمتنا بكثرة كلامك! فقال له زهير: يا بن البوال على عقبيه، ما إيّاك أخاطب، إنّما أنت بهيمة، والله، ما أظنّك تحكم من كتاب الله آيتين، فأبشر بالخزي يوم القيامة والعذاب الأليم. فقال له شمر: إنّ الله قاتلك وصاحبك عن ساعة. قال: أفبالموت تخوفني! فو الله، للموت معه أحبّ إليّ من الخلد معكم. قال: ثمّ أقبل على الناس رافعاً صوته، فقال: عباد الله، لا يغرّنكم من دينكم هذا الجلف الجافي وأشباهه[96]، فو الله، لا تنال شفاعة محمد (صلّى الله عليه وسلّم) قوماً هراقوا دماء ذريته وأهل بيته، وقتلوا من نصرهم وذبّ عن حريمهم. قال: فناداه رجل، فقال له: إنّ أبا عبد الله يقول لك: أقبل، فلعمري لئن كان مؤمن آل فرعون نصح لقومه وأبلغ في الدعاء، لقد نصحت لهؤلاء، وأبلغت لو نفع النصح والإبلاغ!»[97].

لعلَّ هذه الخطبة تمثّل أطول خطبة لأنصار الحسين عليه السلام، وفيها من العِبر والدلالات الثقافية التي تعكس قوة المهارة الخطابية التي حذقها ابن القين في تلقينه الخصم الحجج البليغة، التي تفضـي بإفحامه والتنازل عن مدّعياته، أو إسقاطه في خلاف ما يدّعيه، ومن ثَمّ يُعرّيه ويُوقعه في تناقضٍ فاضح؛ الأمر الذي يؤكّد لنا بوضوح ثقافته اللغوية العالية، وتمكّنه من استمالة المخاطَب، فإمّا أنْ يذعن لمقتضـى تلك الحجج والبراهين، أو يُنكر فيُظهره في صورته الحقيقية.

وحين تُحلّل مضامين تلك الخطبة نجدها على النحو الآتي:

1 ـ تحذير أهل الكوفة ونُصحهم، وهذا المضمون قد جعله زهير في بداية كلامه وانتهى إليه في الختام، إذ يُحذرهم مغبّة إقدامهم على قتل الإمام الحسين عليه السلام بوصفه ابناً لرسول الله صلى الله عليه وآله نبي المسلمين، وتنبيهاً للغافل منهم ممّن لا يعرف شخصية الإمام الحسين عليه السلام.

ولعل النسق المضمر في هذا التحذير، يوحي بالقدر الكبير من التشويه الإعلامي الذي مورس بحقّ الإمام الحسين عليه السلام وأبيه من قبلُ، فهو بهذا الكلام يكشف ضلالات قد أُشيعت بين الناس من شأنها أنْ تعمي الحقائق بين الناس، وتدفعهم إلى تحقيق مآرب السلطة الحاكمة من دون وازعٍ من أنفسهم يردعهم على ذلك الفعل.

2 ـ التزامه بأدب الحوار المنسجم وروح التعاليم السامية للدين الإسلامي، فهو يفترض ـ على ما نووا القيام به من جرمٍ شنيع بحق الإمام الحسين عليه السلام ـ أنّهم مُؤمنون، ورابطة الإيمان تفرض عليهم الشعور بالإخوة بمقتضى قوله تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّـهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ)[98]، وهذا الافتراض إنّما طرحه لأجل إلانةِ قناة موقفهم، وإرغامهم على محاسبة أنفسهم قبل أنْ يتورّطوا في قتل الإمام عليه السلام، فيكونوا في تلك الحالة أُمّةً خرجت عن ربقة الإسلام.

3 ـ دعوته إيّاهم أنْ ينصروا ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وآله، فهو أحقّ بالنصرة من ابن معاوية، وهي دعوة قائمة على روابط فكرية مشتركة؛ بوصفهم مسلمين يدينون بالإسلام، وعليه فهم مُلزمون بتطبيق أوامر هذه الشريعة، وإلّا كانوا خارجين عنها، وبهذا تظهر القيمة الحجاجية لهذا الاستدراج بالنتيجة التي يؤدي إليها[99].

4 ـ تذكيره لهم بفساد النظام الحاكم الذي يدينون له بالسمع والطاعة، وذلك حين استعرض الجرائم البشعة التي ارتكبها زياد وابنه عبيد الله في حق القرّاء والأخيار، مثل: حجر بن عدي وأصحابه، وهانئ بن عروة، فهؤلاء إنّما يُشكّل مقتلهم وصمة عارٍ على حكومةٍ تدّعي الإسلام شعاراً لها، وهذا ما يُسمّى بحجة التمثيل التي عرّفها بيرلمان بقوله: «هو طريقة حجاجية تعلو قيمتها على مفهوم المشابهة المستهلك، حيث لا يرتبط التمثيل بعلاقة المشابهة دائماً، وإنّما يرتبط بتشابه العلاقة بين أشياء ما كان أن تكون مترابطة»[100]. كذلك كان يُذكّر بأُصولِ كلٍّ من طرفي النزاع بين المعسكرين، فأحدهما يوالي ابن فاطمة التي لا يشكُّ أحدٌ من المسلمين في طهارتها وقداسة نبعها، والآخر يوالي ابن سُميّة التي عرفها كلّ قاصٍ ودانٍ بشناعة فعلها، وما كانت عليه من دناءةٍ وخسّةٍ انعكس تأثيرها على ذرّيتها فيما بعد، وبهذا القياس الحجاجي الذي عرضه زهير في خطابه، أبان حقائق الأُمور وأوضحها لـمَن خفيت عليه ببهرجة الإعلام الأُموي المزيِّف.

5 ـ أبرز جواب ابن القين على الشمر (لعنه الله) حقائق قد تخفى على آخرين من جنود المعسكر المُحارب للإمام الحسين عليه السلام؛ وذلك بوصفه بالجلف الجافي، أو ابن البوال على عقبيه، وكلاهما أوصاف تعبّر عن بُعد هذا الإنسان عن التربية الإسلامية الصحيحة التي تفرض على أتباعها التحلّي بفضائل الأخلاق، والتزام السلوك المنسجم وروح القرآن الكريم، الذي أُنزل لرفع مستوى الأخلاق إلى ما هو أفضل وأحسن، أمّا مَن بقيَ جلفاً جافياً فهو أبعد ما يكون عن الدين الإسلامي وتعاليمه السمحاء؛ لعدم اتّصافه بأيِّ صفةٍ تدلُّ على إيمانه بتلك المبادئ الإسلامية الراقية، كذلك يُظهر قوله الآخر بشأن عدم إتقان الشمر إحكام آيتين، فراسته وحذقه الذي استفاده عبر محاورته الآخر المُعادي للحق وأهله، ويقتضي كلامه أنّ مَن يُحكم آيتين لا يكون في هذا الموقف المناوئ للحق وأهله؛ ولذا بشّره بالخزي في الآخرة والعذاب الأليم؛ لمِا سيقترفه من ذنبٍ عظيم بقتل الإمام الحسين عليه السلام. وفي الوقت نفسه يقتضي كلامه معرفته العميقة بكتاب الله وفهم مراميه؛ إذ مَن يعيب الآخرين بعدم إتقانهم آيتين من القرآن، يُفترض أنْ يكونَ مُلمّاً بمعرفة آيات الله وفهم مدلولاتها، وهنا تتّضح شخصية زهير بن القين، التي جمعت بين الفهم العميق لمرامي القرآن الكريم، والالتزام العملي بمَن أمر القرآن باتّباعهم والاقتداء بسيرتهم.

وأخيراً، كان وصف الإمام الحسين عليه السلام له في هذه الحالة بأنّه كمؤمن آل فرعون حين تصدّى ناصحاً إيّاهم أنْ لا يحاربوا نبي الله موسى عليه السلام، يعبّر عن رضا الإمام عليه السلام بما صدر من زهير من نُصحٍ تارةً، وتوبيخٍ لهم تارةً أُخرى، وتحذيرٍ لما سيؤولوا إليه يوم الحساب من عذابٍ عظيم، ومن ثَمّ جعلهم أمام مفترق طرق إمّا أنْ يرعووا عن هذا الفعل وينضمّوا إلى معسكر الحق وأهله، أو يبقوا على ضلالهم فيبوؤوا بخُسـرانٍ عظيم في الدنيا والآخرة.

ثمّ كانت المعركة، فكان لزهير أنْ يرفع راية البطولة، بعد أنْ تقدّم وسعيد بن عبد الله الحنفي يقيان الحسين سهام القوم أن تصله وهو في الصلاة، ثمّ واصل حملاته على الجيش، مُزمجراً بتلك الأهازيج الدالة على شجاعته وثبات عقيدته. كان في واحدةٍ منها يقول:[101]

أنا زهير وأنا ابن القين

 

أذودكم بالسيف عن حسين

إنّ حسيناً أحد السبطين

 

من عترة البرّ التقيّ الزين

ذاك رسول الله غير المين

 

أضربكم ولا أرى من شين

يا ليت نفسي قُسمت قسمين(1).

 

ومعلومٌ أنّ مَن يُعرّف نفسه أمام الآخرين إنّما ينطلقُ من ثقةٍ عاليةٍ بنفسه وبعقيدته وبمبادئه، وفي سائر أشطر أرجوزته تجد التعريف بوصفه تقنية حجاجية تقوم بتوضيح ما التبس عند الآخرين فهمه، أو ما يُتصوّر أنّ فهمه مُلبسٌ لديهم؛ لأنّه لا يُعقل أنْ يقاتل الإنسان من جاء لهدايته إلى الصـراط المستقيم، فلذا استدعى الأمر أنْ يعرّف زهير بالإمام الحسين عليه السلام، وفي الوقت نفسه يُوصل رسالةً أنّه سيقاتل مَن يُقاتل إمامه، ويتمنى أنّه لو كان أكثر من شخص؛ لكي يكون دريئةً يدفع بها شرَّ الأعداء عن مولاه. وفعلاً قاتل حتّى قتل مائة وعشرين رجلاً، ثمّ رجع فوقف أمام الحسين، وقال له:

فدتك نفـسي هادياً مهديّا

 

اليوم ألقى جدّك النبيّا

وحسناً والمرتضـى عليّا

 

وذا الجناحين الشهيد الحيّا

 

[102]فكأنّه ودّعه بهذين البيتين اللذين يُفصحان عن شدّة تشوّقه إلى لقاء النبي والشهداء الأبرار من آل بيت الرسول الكريم صلى الله عليه وآله، فعاد يقاتل، «فشدّ عليه كثير بن عبد الله الشعبي، ومهاجر بن أوس التميمي فقتلاه، ولمّا صُرع وقف عليه الحسين عليه السلام، فقال: لا يُبعدنّك الله يا زهير، ولعن الله قاتلك لعن الذين مُسخوا قردةً وخنازير»[103].

إنَّ تأبين الإمام الحسين عليه السلام يُمثّل تأميناً للعقيدة الصحيحة التي استُشهد زهيرُ بن القين عليها، كذلك دعاؤه عليه السلام يعكس عظم الشخصية التي فقدها الإمام، فمَن قتله يستحق اللعنة نفسها التي وقعت على بني اسرائيل الذين مُسخوا قِردةً وخنازير؛ فنستنتج إذن أنّ مقامُ زهير كمقام الأنبياء الكرام الذين أُرسلوا إلى بني إسرائيل؛ وذلك لأنّ مناوئيهم ومُقاتليهم مُسخوا قردةً وخنازير، وبحسب نظر الباحث أنّ زهير ـ بمقتضى هذا الدعاء ـ كان عالماً كبيراً بوصفه مصداقاً لأحاديث كثيرة وردت عن الرسول الكريم صلى الله عليه وآله تُبيّن عظم المقام الذي يتبوّأه عالم الدين بمنزلةٍ تُحاذي منزلة النبي في الشرف[104].

وبهذا القدر نكتفي علّنا وُفِّقنا في إظهار صورةٍ جديدة للمجاهد الشهيد زهير بن القين بين يدي الحسين عليه السلام، أَلا وهي ثقافته وحذقه وعلمه، وبيانه الكاشف عن مدى فقهه وقدرته على استشـراف الواقع إلى ما بعده، فسلامٌ عليه يوم وُلِد، ويوم استُشهِد مرضيّاً عند مولاه، ويوم يُبعث حيّاً.

الخاتمة

من أهم النتائج التي توصل إليها البحث، هي:

1ـ طَرَق البحث صورةً جديدةً للمثقف تتفق والمباني الرسالية للدين الإسلامي، فضلاً عن أنّها رائجةٌ في الفكر الغربي، ولها أنصارها في داخل الوسط الأكاديمي وخارجه.

2ـ توصّل البحث إلى أنّ زهيراً كان صحابيّاً؛ بدلالة معاصرته كبار الصحابة، مثل: سلمان الفارسي، والإمام الحسين عليه السلام، فضلاً عن روايته الحديث النبوي بحسب ما بيّناه، ويفترض البحث أنّه ـ بحسب سكناه في الكوفة ـ كان ممّن عاصر الإمام علي عليه السلام في مدّة خلافته في الكوفة.

3ـ أظهر البحث بعض المسكوت عنه في مسيرة زهير بن القين، محلّلاً موقفه نفسيّاً وثقافيّاً واجتماعيّاً، ثمّ تأويل ذلك التحوّل الذي طرأ عليه بعد لقائه بالإمام الحسين عليه السلام.

4ـ ناقش البحث بعض الروايات فضعّفها اعتماداً على ندرتها وعدم تواترها بكثرة في كتب التاريخ، فضلاً عن مناقشتها متناً، فهي لا تصمد والمنطق العام الذي بُنيت على أساسه الأحداث.

5ـ أظهر البحث مدى الثقافة التي تمتّع بها زهير بن القين، والتي أهّلته أنْ يكون قائداً على ميمنة جيش الإمام الحسين عليه السلام في معركة يوم العاشر من محرّم؛ وذلك لمشاركاته في غزوات وفتوحات فيما سبق من مراحل عمره، فضلاً عن تقديمه المقترحات الاستراتيجية الميدانية للإمام الحسين عليه السلام في اتخاذه مكاناً دون آخر.

6ـ كشف البحث عن ثقافة زهير القرآنية ورؤيته الثاقبة الدالة على عمق فهمه للنص القرآني؛ وذلك عبر تحليل كلامه والفهم الدقيق لمرامي آيات القرآن المجيد.

7ـ أظهر البحث ـ عبر كلمات الإمام الحسين عليه السلام وزيارة الناحية المقدّسة ـ أنّ زهير بن القين كان عظيم الشأن من حيث الرتبة العلمية والشخصية الرسالية، بما يُوازي في الفضل والمكانة أنبياء بني إسرائيل.

---------------------------------------------------------------------------

فهرست المصادر

       * القرآن الكريم.

  1. الآلهة التي تفشل دائماً، إدوارد سعيد، ترجمة: حسام الدين خضور، التكوين للطباعة والنشـر والتوزيع، 2003م، بيروت ـ لبنان.
  2. أحاديث في الدين والثقافة والاجتماع، حوار مع حسن الصفار، ط1، 1422هـ، بيروت.
  3. الأخبار الطوال، أبو حنيفة أحمد بن داوود الدينوري (ت282هـ)، تحقيق: عبد المنعم عامر، مراجعة: الدكتور جمال الدين الشيال، ط1، 1960م، دار إحياء الكتب العربي ـ عيسى البابي الحلبي وشركاؤه، القاهرة.
  4. الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد، أبو عبد الله محمد بن محمد بن النعمان العكبري البغدادي المعروف بالشيخ المفيد (ت413هـ)، تحقيق: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث، 1407هـ، قم ـ إيران.
  5. الاشتقاق، أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد الأزدي (ت321هـ)، تحقيق وشرح: عبد السلام محمد هارون، ط1، 1991م، دار الجيل، بيروت ـ لبنان.
  6. أُصول النظام الاجتماعي في الإسلام، محمد الطاهر ابن عاشور، ط2، 1985م، الشـركة التونسية للتوزيع ـ تونس، المؤسسة الوطنية للكتاب ـ الجزائر.
  7. الأعلام، خير الدين بن محمود بن محمد الزركلي الدمشقي (ت1396هـ)، ط15، 2002م، دار العلم للملايين.
  8. أنساب الأشراف، أحمد بن يحيى بن جابر بن داود البلاذري (ت279هـ)، تحقيق: سهيل زكار، ورياض الزركلي، ط1، 1996م، دار الفكر ـ بيروت.
  9. أنصار الحسين (دراسة عن شهداء ثورة الحسين عليه السلام.. الرجال والدلالات)، محمد مهدي شمس الدين، ط3، 1996م، المؤسسة الدولية للدراسات والنشر، بيروت ـ لبنان.
  10. بحار الأنوار، محمد باقر المجلسي (ت1111هـ)، مؤسسة الوفاء، بيروت، د.ت.
  11. البصائر والذخائر، أبو حيّان التوحيدي، علي بن محمد بن العباس (المتوفى: نحو 400هـ)، تحقيق: د. وداد القاضي، ط1، 1988م، دار صادر ـ بيروت.
  12. تاريخ الثقات، أحمد بن عبد الله بن صالح العجلي (ت261هـ)، ط1، 1984م، دار الباز.
  13. تاريخ الرسل والملوك، محمد بن جرير بن يزيد بن كثير الطبري (ت310هـ)، ط2، 1387هـ، دار التراث ـ بيروت.
  14. تاريخ مدينة دمشق، أبو القاسم علي بن الحسن بن هبة الله المعروف بابن عساكر (ت571هـ)، تحقيق: عمرو بن غرامة العمروي، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، 1995م.
  15. تجارب الأُمم وتعاقب الهمم، أبو علي أحمد بن محمد بن يعقوب مسكويه (ت421هـ)، تحقيق: أبو القاسم إمامي، ط2، 2000م، سروش، طهران.
  16. تحف العقول عن آل الرسول صلى الله عليه وآله، الشيخ أبو محمد الحسن بن علي بن الحسين بن شعبة الحراني (ت ق4)، قدم له وعلّق عليه: حسين الأعلمي، ط6، 1996م، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت ـ لبنان.
  17. التحقيق في كلمات القرآن الكريم، حسن المصطفوي، ط1، 1393هـ، مركز نشـر آثار العلّامة المصطفوي، طهران.
  18. التسامح رؤيا جديدة تزهر الحياة، أوشو، ترجمة: د. علي حداد، ط1، 2011م، دار الخيال للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت ـ لبنان.
  19. تفسير الميزان، محمد حسين الطباطبائي، صححه وأشرف على طباعته: الشيخ حسين الأعلمي، ط1، 1997م، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت ـ لبنان.
  20. تكوين المفكر.. خطوات عملية، عبد الكريم بكار، ط2، 2010م، دار السلام للطباعة والنشـر والتوزيع والترجمة، القاهرة ـ مصر.
  21. حركة التجديد والاستنهاض.. قراءة في الفكر السياسي للإمام الخميني، مركز الإمام الخميني الثقافي، ط 1، 2000م.
  22. الحرية والثقافة، جون ديوي، ترجمة: أمين مرسي قنديل، مطبعة التحرير، إدارة الشؤون العامة للقوات المسلحة، د.ت.
  23. الدلائل في غريب الحديث، قاسم بن ثابت بن حزم العوفي السرقسطي (ت302هـ)، تحقيق: د. محمد بن عبد الله القناص، ط1، 2001م، مكتبة العبيكان، الرياض.
  24. الدين والتحليل النفسي، إريك فروم، ترجمة: فؤاد كامل، مكتبة غريب، دار غريب للطباعة، القاهرة، د.ت.
  25. رجال ابن داوود، ابن داوود الحلي (ت707هـ)، منشورات المطبعة الحيدرية ـ النجف، 1972م.
  26. رجال الطوسي، شيخ الطائفة أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي (ت385 هـ)، تحقيق: جواد القيومي الإصفهاني، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرّسين بقم المشرّفة، 1373هـ.
  27. رسائل الجاحظ، أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ (ت255هـ)، تحقيق وشرح: عبد السلام محمد هارون، ط1، 1991م، دار الجيل، بيروت.
  28. سنن أبي داوود، أبو داوود سليمان بن الأشعث بن إسحاق بن بشير السَّجِسْتاني (ت275هـ)، تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد، المكتبة العصرية، صيدا ـ بيروت، د.ت.
  29. الطبقات الكبرى، أبو عبد الله محمد بن سعد الهاشمي بالولاء المعروف بابن سعد (ت230هـ)، تحقيق: محمد بن صامل السلمي، ط1، 1993م، مكتبة الصديق، الطائف.
  30. الطبقات الكبرى، أبو عبد الله محمد بن سعد الهاشمي بالولاء المعروف بابن سعد (ت230هـ)، تحقيق: محمد عبد القادر عطا، ط1، 1990م، دار الكتب العلمية، بيروت.
  31. علوم البلاغة (البديع والبيان والمعاني)، د. محمد أحمد قاسم، ود. محيي الدين ديب، ط1، 2003م، المؤسسة الحديثة للكتاب، طرابلس ـ لبنان.
  32. فاجعة الطفّ، محمد كاظم القزويني، إعداد وإخراج: أُسرة موقع الحكمة للثقافة الإسلامية على موقع: http://www.alhikmeh.com، (ضمن كتب المكتبة الشاملة الشيعية).
  33. الكامل في التاريخ، أبو الحسن علي بن أبي الكرم محمد بن الجزري (ت630هـ)، تحقيق: عمر عبد السلام تدمري، ط1، 1997م، دار الكتاب العربي، بيروت ـ لبنان.
  34. كتاب العين، الخليل بن أحمد الفراهيدي (ت170هـ)، تحقيق: د. مهدي المخزومي، د.إبراهيم السامرائي، دار ومكتبة الهلال، 1980م.
  35. اللغة والحجاج، أبو بكر العزاوي، درب سيدنا، ط1، 2006م، الدار البيضاء.
  36. لماذا ينفرد الإنسان بالثقافة.. الثقافات البشرية (نشأتها وتنوعها)، مايكل كاريذس، ترجمة: شوقي جلال، سلسلة عالم المعرفة (229)، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 1998م، الكويت.
  37. اللهوف على قتلى الطفوف، علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن طاووس الحسيني (ت664هـ)، ط1، 1993م، منشورات مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت.
  38. المثقف والسلطة.. دراسة في الفكر الفلسفي الفرنسـي المعاصر، محمد الشيخ، ط1، 1991م، دار الطليعة للطباعة والنشر، بيروت.
  39. المجروحين من المحدّثين والضعفاء والمتروكين، محمد بن حبّان بن أحمد الدارمي (ت354هـ)، تحقيق: محمود إبراهيم زايد، ط1، 1396هـ، دار الوعي، حلب.
  40. مع الركب الحسيني من المدينة إلى المدينة، ج2، الشيخ نجم الدين الطبسي، وج3، الشيخ محمد جواد الطبسـي، مركز الدراسات الإسلامية لممثلية الولي الفقيه في حرس الثورة الإسلامية، ط3، 1428هـ، قم.
  41. معجم البلدان، شهاب الدين أبو عبد الله ياقوت بن عبد الله الرومي الحموي (ت626هـ)، ط2، 1995م، دار صادر، بيروت.
  42. معجم الصحابة، أبو الحسين عبد الباقي بن قانع (ت351هـ)، تحقيق: صلاح بن سالم المصـراتي، ط1، 1418هـ، مكتبة الغرباء الأثرية، المدينة المنورة.
  43. المعجم الصغير لرواة الإمام ابن جرير الطبري، أكرم بن محمد زيادة الفالوجي الأثري، تقديم: علي حسن عبد الحميد الأثري، الدار الأثرية، الأردن، دار ابن عفان، القاهرة، 1425هـ.
  44. معجم ديوان الأدب، أبو إبراهيم إسحاق بن إبراهيم بن الحسين الفارابي (ت350هـ)، تحقيق: د. أحمد مختار عمر، مراجعة: د. إبراهيم أنيس، مؤسسة دار الشعب للصحافة والطباعة والنشر، 2003م، القاهرة.
  45. معجم مقاييس اللغة، أحمد بن فارس بن زكريا الرازي (ت395هـ)، تحقيق: عبد السلام محمد هارون، دار الفكر، 1979م.
  46. مفهوم الثقافة في العلوم الاجتماعية، دنيس كوش، ترجمة: منير السعيداني، ط1، 2007م، مركز دراسات الوحدة العربية.
  47. مقتل الحسين عليه السلام وأنصاره، د. نجاح الطائي، ط2، 2010م، دار الهدى لإحياء التراث، بيروت.
  48. مواقف من كربلاء، معهد سيد الشهداء للمنبر الحسيني، ط1، 2001م، جمعية المعارف الإسلامية الثقافية، بيروت ـ لبنان.
  49. ميزان الحكمة، محمد الري شهري، ط1، 1416هـ، دار الحديث، قم.
  50. نسب معد واليمن الكبير، أبو المنذر هشام بن محمد بن السائب الكلبي (ت204هـ)، تحقيق: د. ناجي حسن، ط1، 1988م، عالم الكتب، مكتبة النهضة العربية.
  51. النفس المبتورة.. هاجس الغرب في مجتمعاتنا، داريوش شايغان، ط1، 1991م، دار الساقي.
  52. الوسواس والهواجس النفسية، د. علي القائمي، ط1، 1996م، دار النبلاء، بيروت ـ لبنان.
  53. موقع ويكيبيديا على الرابط:  .https://ar.wikipedia.org/wiki/

 

 

 


[1] كلية الإمام الكاظم عليه السلام/واسط.

[2] ابن مسكويه، أحمد بن محمد، تجارب الأُمم وتعاقب الهمم: ج2، ص75.

[3] (إدوارد بيرنت تايلور (بالإنجليزية Edward Burnett Tylor))(1832ـ1917م) هو: أنثروبولوجي إنكليزي، ساعدت دراساته على تحديد مجال الأنثروبولوجيا وتطور الاهتمام بذلك العلم. كان أستاذاً للأنثروبولوجيا بجامعة أكسفورد (1909ـ 1896م). أهم كتبه: (الثقافة البدائية) (1871 م)، و(الأنثروبولوجيا) (1881م). اُنظر: موقع ويكيبيديا على الرابط:
/https://ar.wikipedia.org/wiki.

[4] كوش، دنيس، مفهوم الثقافة في العلوم الاجتماعية: ص30.

[5] بكار، عبد الكريم، تكوين المفكر(خطوات عملية): ص18ـ 19.

[6]هو أستاذ لسانيات وفيلسوف أمريكي، إضافة إلى أنّه عالم إدراكي وعالم بالمنطق، ومؤرخ وناقد وناشط سياسي، إضافة إلى عمله في مجال اللسانيات، فقد كتب عن الحروب والسياسة، ووسائل الإعلام، وهو مؤلف لأكثر من (100) كتاب. وفقاً لقائمة الإحالات في الفن والعلوم الإنسانية عام (1992م) فإنّه قد تمّ الاستشهاد بتشومسكي كمرجع أكثر من أيّ عالم حي خلال الفترة من (1980م ) حتى (1992م)، كما صُنف بالمرتبة الثامنة لأكثر المراجع التي يتم الاستشهاد بها على الإطلاق، في قائمة تضم الإنجيل، وكارل ماركس، وغيرهم. وقد وُصف بالشخصية الثقافية البارزة، حيث صُوت له كـ (أبرز مثقفي العالم) في استطلاع للرأي عام(2005م). اُنظر: موقع ويكيبيديا على الرابط:
/https://ar.wikipedia.org/wiki.

[7] بكار، عبد الكريم، تكوين المفكر (خطوات عملية): ص19.

[8] «هو زُهير بن القَيْنِ بن الحارث بن عامر بن سعد بن مالك بن ذُهل بن عَمرو بن يشكر، قُتل مع الحسين بن علي عليه السلام بالطفِّ سنة (61هـ)». ابن الكلبي، هشام بن محمد، نسب معد واليمن الكبير: ج1، ص345.

[9] اُنظر: ابن سعد، محمد، الطبقات الكبرى: ج6، ص260.

[10] اُنظر: البلاذري، أحمد بن يحيى، أنساب الأشراف: ج3، ص168.

[11] اُنظر: الطوسي، محمد بن الحسن، رجال الطوسي: ص101. ابن داوود، الحسن بن علي، رجال ابن داوود: ص94.

[12] اُنظر: الأثري، أكرم، المعجم الصغير لرواة الإمام ابن جرير الطبري: ج1، ص175.

[13] شمس الدين، محمد مهدي، أنصار الحسين: ص88.

[14] المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج45، ص71. وقد بحث الشيخ محمد مهدي شمس الدين وتابعه الدكتور نجاح الطائي بالحرف طرق إسناد هذه الزيارة، وتوقف عند التعارض بين تاريخ صدورها ونسبتها على خيارين: الأوّل: تأخير صدورها عشـر سنين، فتكون قد صدرت سنة (262هـ) بدلاً من (252هـ)، وعلى هذا يمكن الحفاظ على نسبتها إلى الإمام الثاني عشـر. والثاني: التخلي عن نسبتها، والمحافظة على تأريخها بافتراض أنّها صادرة عن الإمام الحادي عشر أبي محمد العسكري عليه السلام. اُنظر: شمس الدين، محمد مهدي، أنصار الحسين: ص170ـ171. الطائي، نجاح، مقتل الحسين عليه السلام وأنصاره: ص343.

[15] مُنظّر أدبي فلسطيني وحامل للجنسية الأمريكية، كان أستاذاً جامعياً للغة الإنكليزية والأدب المقارن في جامعة كولومبيا في الولايات المتحدة الأمريكية، ومن الشخصيات المؤسسة لدراسات ما بعد الكولونيالية، كما كان مدافعاً عن حقوق الإنسان للشعب الفلسطيني، وقد وصفه روبرت فيسك بأنّه أكثر صوت فعال في الدفاع عن القضية الفلسطينية. اُنظر: موقع ويكيبيديا على الرابط:
/https://ar.wikipedia.org/wiki.

[16]  فيلسوف ومناضل ماركسي إيطالي، وُلد في بلدة آليس بجزيرة ساردينيا الإيطالية عام (1891م)، وهو الأخ الرابع لسبعة أخوات، تلقى دروسه في كلية الآداب بتورينو، حيث عمل ناقداً مسرحياً عام (1916م). انضمّ إلى الحزب الشيوعي الإيطالي منذ تأسيسه، وأصبح عضواً في أمانة الفرع الإيطالي من الأُممية الاشتراكية. اُنظر: موقع ويكيبيديا على الرابط:/https://ar.wikipedia.org/wiki.

[17] هو فيلسوف وروائي فرنسـي، ويشتهر بمقالته: خيانة المثقفين.ـاُنظر: موقع ويكيبيديا على الرابط:
/https://ar.wikipedia.org/wiki.

[18] اُنظر: سعيد، إدوارد، الآلهة التي تفشل دائماً: ص18.

[19] سعيد، إدوارد، الآلهة التي تفشل دائماً: ص18ـ19.

[20] ماركوس توليوس كيكِرو شيشرون (Cicero)، الكاتب الروماني وخطيب روما المميّز، وُلد سنة (106ق.م)، صاحب إنتاج ضخم يُعتبر نموذجاً مرجعياً للتعبير اللاتيني الكلاسيكي، وصلنا لحسن الحظ جانب كبير منه، لقد أثارت شخصية شيشرون الكثير من الجدل والتقويمات المتضاربة، وخاصة في الجانب السياسي من حياته، فهو تارةً مثقف مضيع في وسط سيء، وتارةً أُخرى ثري إيطالي صاعد في روما، وثالثة انتهازي متقلّب و(أداة طيعة في يد الملكية)، و(متملق لبومبي، ثمّ سيزار) بحسب ثيودور مومسين، وجيروم كاركوبينو، ولكنّه أيضاً بحسب بيير كريمال الجسر الذي عبره وصلنا جانب من الفلسفة اليونانية.ـاُنظر: موقع ويكيبيديا على الرابط: /https://ar.wikipedia.org/wiki.

[21] الشيخ، محمد، المثقف والسلطة (دراسة في الفكر الفلسفي الفرنسي المعاصر): ص14.

[22] سعيد، إدوارد، الآلهة التي تفشل دائماً: ص19.

[23] فرانسوا فنلون (1715م): شاعر و كاتب فرنسي. اُنظر: موقع ويكيبيديا على الرابط:

[24] لم أعثر له على ترجمة.

[25] ملك فرنسا منذ (14أيار/1643م) حتى وفاته (1715م). أحد أبرز ملوك البوربون، تولى الحكم وهو بسن الخامسة، إلّا أنّه لم يكن يملك السيطرة الفعلية، حتى توفي رئيس الوزراء (الكاردينال مازارين) في (1661م). كان يُلقّب بملك الشمس؛ وذلك لاهتمامه بالأدب والفن، وهو الذي قام ببناء قصر فرساي في فرنسا. اُنظر: موقع ويكيبيديا على الرابط: /https://ar.wikipedia.org/wiki.

[26] لم أعثر له على ترجمة.

[27] سعيد، إدوارد، الآلهة التي تفشل دائماً: ص19.

[28] المصدر السابق: ص20.

[29] اُنظر: المصدر السابق: ص21ـ22.

[30] مدينة تقع على بحر الخزر شمالي باب الأبواب (دربند) في الطرف الأقصى للقوقاز. اُنظر: الحموي، ياقوت بن عبد الله، معجم البلدان: ج1، ص305.

[31] اُنظر: الجاحظ، عمرو بن بحر، رسائل الجاحظ: ص19ـ22.

[32] الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الأُمم والملوك: ج5، ص396.

[33] الشعراء: آية214.

[34] الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الأُمم والملوك: ج2، ص320.

[35] فروم، إريك، الدين والتحليل النفسي: ص27.

[36] ابن الأثير، علي بن أبي الكرم، الكامل في التاريخ: ج3، ص151.

[37] شايغان، داريوش، النفس المبتورة (هاجس الغرب في مجتمعاتنا): ص33.

[38] ابن عاشور، محمد الطاهر، أُصول النظام الاجتماعي في الإسلام: ص21.

[39] الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الأُمم والملوك: ج5، ص396.

[40] ابن طاووس، علي بن موسى، اللهوف على قتلى الطفوف: ص44ـ45. علماً أنّ هذه الرواية لم تُذكر في المصادر السنية على اختلافها، أمّا كتب الحديث الشيعية فقد عوّلت على ما نقله ابن طاووس الذي لم يُشر إلى مصدر هذه الرواية، إلّا أنّ الباحث أخذ بها لاتّفاقها مع المضمون الاجتماعي الذي يفرض على الرجل حين يُطلّق امرأته من دون سببٍ خلافي سوى الالتحاق بركب الجهاد والتضحية، أنْ يُطمئنها ويبشّرها بأنّه لا ينساها في الآخرة.

[41] ابن سعد، محمد، الطبقات الكبرى: ج1، ص485. وهذا الخبر لا يراه الباحث المدقق صواباً؛ لعدم تواتر أهل الأخبار عليه، هذا من جهة الإسناد، ومن جهة النظر في المتن، فينبغي أنْ تكون زوجة ابن القين متأثّرة أشدّ التأثر بالإمام الحسين عليه السلام، فتكون أكثر غيرةً عليه من زوجها، وهي التي كان لها الفضل في تحريك عواطف زهير ليلتقي بالإمام الحسين عليه السلام، أمّا بعد اهتدائه للمنهج الحق، وتركه ذلك الهوى العثماني الذي عصف بأفكاره من قبلُ، بتلك الصولات الميدانية والخطابات المدوّية له مبيّناً لهم شرَّ عاقبة ما أقدموا عليه من فعل، وموضّحاً عظيم مكانة أهل البيت بعامة، والإمام الحسين عليه السلام بخاصة، وبعد ذلك تأتي زوجتهـالتي يفترض أنْ تكون أكثر الناس تأثُّراً بخطابهـبعد استشهاده بالمبادرة إلى تكفين زوجها قبل الإمام الحسين عليه السلام، فيبادر غلامها إلى تكفين الإمام الحسين عليه السلام قبل زهير بما يعكس ولاءه للإمام الحسين عليه السلام أكثر منه لمولاه زهير! فهو خبرٌ لا يمكن الركون إلى صحّته بما بيّنته من استدلال.

[42] القائمي، علي، الوسواس والهواجس النفسية: ص10.

[43] المصدر السابق: ص13.

[44] كاريذس، مايكل، لماذا ينفرد الإنسان بالثقافة ـ الثقافات البشرية.. نشأتها وتنوعها (مقدّمة المترجم): ص10.

[45] هو سلمان بن ربِيعة بنِ زيد بنِ عمرِو بنِ سهمِ بنِ عمرِو بنِ ثعلبة بنِ غنمِ بنِ قتيبة بنِ معنِ بنِ مالك بنِ أعصر، صحابي، غزا الشام مع أبي أمامة الصدي بن عجلان الباهلي، فشهد مشاهد المسلمين هناك، ثمّ خرج إلى العراق فيمَن خرج من المدد إلى القادسية متعجلاً، فشهد الوقعة وأقام بالكوفة وقُتل ببلنجر سنة (32هـ). اُنظر: ابن قانع، عبد الباقي، معجم الصحابة: ج1، ص285. ابن عساكر، علي بن الحسن، تاريخ مدينة دمشق: ج21، ص463. وقد ذكرت مصادر أُخرى أنّه سلمان الفارسي وليس الباهلي. اُنظر: المفيد، محمد بن محمد، الإرشاد: ص73. الطبسي، نجم الدين، وآخرون، مع الركب الحسيني من المدينة إلى المدينة: ج3، ص204، كذلك في بعض مصادر التاريخ السنّية نقلت أنّه سلمان الفارسي. اُنظر: ابن الأثير، علي بن أبي الكرم، الكامل في التاريخ: ج3، ص151. وهو الراجح عند الباحث؛ لخصوصية صحبته للرسول الكريمصلى الله عليه وآله التي من شأنها أنْ تعزز العلاقة، فتفضي بالرسول أنْ يخصّه بأحاديث تشير إلى ما سيقع فيما بعده، فضلاً عن أنّ سلمان الباهلي لم يعرف بكثرة نقله للأحاديث والأخبار عن رسول اللهصلى الله عليه وآله، إلّا ما ورد في معجم الصحابة لابن قانع من كلامٍ للرسولصلى الله عليه وآله أجاب به على عمر بن الخطاب. اُنظر: ابن قانع، عبد الباقي، معجم الصحابة: ج1، ص286.

[46] الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الأُمم والملوك: ج5، ص396.

[47] معهد سيد الشهداء للمنبر الحسيني، مواقف من كربلاء: ص49ـ50.

[48] ابن الأثير، علي بن أبي الكرم، الكامل في التاريخ: ج3، ص151.

[49] الغاشية: آية21ـ22.

[50] الطباطبائي، محمد حسين، تفسير الميزان: ج20، ص310ـ 311.

[51] الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الأُمم والملوك: ج4، ص502.

[52] اُنظر: المصدر السابق: ج4، ص511.

[53] الأعلى: آية9ـ11.

[54] ديوي، جون، الحرية والثقافة: ص8.

[55] البلاذري، أحمد بن يحيى، أنساب الأشراف: ج3، ص194.

[56] معهد سيد الشهداء للمنبر الحسيني، مواقف من كربلاء: ص50ـ51.

[57] الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الأُمم والملوك: ج5، ص403 ـ404.

[58] المصدر السابق: ج5، ص403ـ404.

[59] عقبة بْن أبي العيزار الكوفي، مولى لبني أود من مذحج، سمع إبراهيم والشَّعبيّ وأباه، سمع منه عبد الواحد، منقطع. اُنظر: ابن سعد، محمد، الطبقات الكبرى: ج6، ص344.

[60] الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الأُمم والملوك: ج5، ص403ـ404.

[61] أوشو، التسامح رؤيا جديدة تزهر الحياة: ص49.

[62] المناجَزة في الحربِ: أن يتبارز الفارسان حتى يقتل أحدهما صاحبه. اُنظر: الفراهيدي، الخليل بن أحمد، العين: ج6، ص71، مادة ( ن ج ز).

[63] الدينوري، أحمد بن داوود، الأخبار الطوال: ص252.

[64] المصدر السابق: ص252.

[65] ابن فارس، أحمد، معجم مقاييس اللغة: ج5، ص172.

[66] البقرة: آية216.

[67] «عاقول الوادي: ما اعوجّ منه، والأرض العاقول: التي لا يهتدى إليها». الفراهيدي، الخليل بن أحمد، العين: ج1، ص161، مادة ( ع ق ل).

[68] العَقْر: قَصْر يكون مُعْتَمَداً لأهل القَرْيَةِ يَلْجَأُونَ إليه، وهو مكان قرب كربلاء من نواحي الكوفة. اُنظر: الفراهيدي، الخليل بن أحمد، العين: ج1، ص150، مادة (ع ق ر). الحموي، ياقوت بن عبد الله، معجم البلدان: ج4، ص136.

[69] الدينوري، أحمد بن داوود، الأخبار الطوال: ص252.

[70] المصطفوي، حسن، التحقيق في كلمات القرآن الكريم: ج8، ص235.

[71] ابن فارس، أحمد، معجم مقاييس اللغة: ج1، ص293.

[72] عزرة بن قيس البجلي، من أحمس من بني دهن من أنفسهم، من قدماء التابعين بالكوفة، كُوفِي مَجْهُول، روى عن خالد بن الوليد وكان معه في مغازيه بالشام. اُنظر: ابن سعد، محمد، الطبقات الكبرى: ج6، ص239. وقال عنه ابن حبّان بأنّه «مُنكر الحديث على قلته لا يُعجبني الاحتجاج به إذا انفرد وإن اعتبر مُعتبر بما لم يُخالف الأثبات لم أرَ به بأساً على أن يحيى بن معين كان سيء الرَّأي فيه، سمعت الحنبلي يقول: سمعت أحمد بن زهير يقول: سُئل يحيى بن معين عن عزرة بن قيس، فقال: لا شيء». ابن حبّان، محمد، المجروحين من المحدّثين والضعفاء والمتروكين: ج2، ص197ــ198.

[73] الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الأُمم والملوك: ج5، ص416ـ 417.

[74] أبو داوود، سليمان بن الأشعث، سنن أبي داوود: ج4، ص280.

[75] النجم: آية32.

[76] سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري، من بني ثور بن عبد مناة، من مضر، إمام المسلمين في الحديث. كان سيد أهل زمانه في علوم الدين والتقوى. وِلد ونشأ في الكوفة، وراوده المنصور العباسي على أن يلي الحكم، فأبى، وخرج من الكوفة، فسكن مكة والمدينة. ثمّ طلبه المهدي، فتوارى، وانتقل إلى البصرة فمات فيها مستخفياً. له من الكتب (الجامع الكبير) و (الجامع الصغير) كلاهما في الحديث. اُنظر: الزركلي، خير الدين، الأعلام: ج3، ص104.

[77] يوسف: آية55.

[78] الأعراف: آية68.

[79] الحرّاني، الحسن بن علي، تحف العقول عن آل الرسولصلى الله عليه وآله: ص274.

[80] الشمس: آية9.

[81] الطباطبائي، محمد حسين، تفسير الميزان: ج20، ص167.

[82] قاسم، محمد أحمد، ومحيي الدين ديب، علوم البلاغة (البديع والبيان والمعاني): ص248.

[83] اُنظر: الطبسي، نجم الدين، وآخرون، مع الركب الحسيني من المدينة إلى المدينة: ج2، ص342.

[84] اُنظر: قاسم، محمد أحمد، ومحيي الدين ديب، علوم البلاغة (البديع والبيان والمعاني): ص248.

[85] من معاني الثقافة الرئيسة في معجمنا العربي هي الحذق والحصافة، يقول الفارابي: «الثَّقافة: مصدر قولك: رجل ثقف لقف، أي: حاذق خفيف. وهي الحصافة، يقال: رجل حصيف، أي: محكم العقل... والسَّخافة: رقّة العقل». الفارابي، إسحاق بن إبراهيم، معجم ديوان الأدب: ج2، ص275.

[86] اُنظر: الصفار، حسن، أحاديث في الدين والثقافة والاجتماع: ص231.

[87] مركز الإمام الخميني، حركة التجديد والاستنهاض ـ قراءة في الفكر السياسي للإمام الخميني: ص84.

[88] الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الأُمم والملوك: ج5، ص419.

[89] المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج45، ص71.

[90] اُنظر: قاسم، محمد أحمد، ومحيي الدين ديب، علوم البلاغة: ص310.

[91] اُنظر: المصدر السابق: ص297.

[92] الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الأُمم والملوك: ج5، ص420.

[93] القزويني، محمد كاظم، فاجعة الطفّ: ص6.

[94] «الذَّنوب: الفرس الواسع هلب الذَّنب». الفراهيدي، الخليل بن أحمد، العين: ج8، ص190، مادة (ذ ن ب).

[95] لم تشر المعجمات إلى معنى كلمة (نذار) ولم توردها، إلّا أنّ التوحيدي شرح معناها بقوله: «وأمّا قوله: نذار، فمعناه النّذير والإنذار، وكأنّ الإنذار إعلامٌ إلّا أنّه مع تحذير، وليس كذلك التّبشير، فإنّه مقصورٌ على إعلام الخبر». أبو حيّان التوحيدي، علي بن محمد، البصائر والذخائر: ج8، ص135.

[96] «الجلف: الأعرابي الجافي في خلقه وأخلاقه. وقال أبو حاتم، عن أبي عبيدة: الجلف: هو الجافي الخالي الجوف، مثل الدَّنّ الفارغ، ويقال للشَّاة المسلوخة بلا رأس ولا بطن: جلف، وغنما، وإنّما يقال لرجل: جلف، إذا وُصف بالجفاء، وقلَّة العقل، أي: جوفه هواء من العقل». السرقسطي، قاسم بن ثابت، الدلائل في غريب الحديث: ج2، ص582.

[97] الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الأُمم والملوك: ج5، ص426ـ427.

[98] الحجرات: آية10.

[99] اُنظر: العزاوي، أبو بكر، اللغة والحجاج: ص26.

[100] المصدر السابق: ص91.

[101] المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج45، ص25.

[102] الأمين، محسن، أعيان الشيعة: ج7، ص27.

[103] المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج45، ص26.

[104] اُنظر: الري شهري، محمد، ميزان الحكمة: ج3، ص363

 
 
البرمجة والتصميم بواسطة : MWD