1439 / ربیع‌الاول / 2  |  2017 / 11 / 21         الزيارات : 479913         صلاة الصبح |         صلاة الظهر والعصر |         صلاة المغرب والعشاء |

الفصل بين التطرف والثورة (قراءة فقهية في مشروعية النهضة الحسينية)

{ د. الشيخ صفاء الدين الخزرجي }
الفصل بين التطرف والثورة (قراءة فقهية في مشروعية النهضة الحسينية)

 

مقدمة

يرجع البحث في الفصل بين الثورة والتطرّف إلى البحث في مشروعية الثورة وعدمها، وهو من البحوث الحيوية، خصوصاً فيما يرتبط بالنهضة الحسينيّة، التي اخترنا بحثها لتكون نموذجاً تطبيقياً لحالة الفصل بين التطرّف والثورة؛ لذا لا بدّ من مراجعة لدراسة هذه النهضة طبقاً للميزان الشرعي؛ لنرى مدى مشروعيّتها ومدى احتمال صحّة النقد والطعن الموجَّه إليها في هذا المجال، فإذا كانت واجدة للشرعيّة صُنِّفت في عداد الثورات المشروعة، وإلّا صُنِّفت في دائرة التطرّف أو الإرهاب كما يجري عليه الاصطلاح المعاصر، وهو الذي يُعبَّر عنه بـ(البغي) في الاصطلاح الشرعي، أو (الخروج غير المشروع على وليّ الأمر الشرعي).

لكن قد يبدو هذا البحث في العقل الشيعي المعاصر مفروغاً عنه ومن الأُمور البديهية التي لا تحتاج إلى بحثٍ أو نقاش، بعد الاعتقاد بعصمة الامام عليه السلام  قولاً وفعلاً وتقريراً، وهي رؤية صحيحة، بيد أنّ البحث العلمي لا بدّ أن يأخذ مداه في كل مسألة، مضافاً إلى أنّ الأمر مختلف عنه في العقل السنّي الذي لا يرى عصمة للحسين عليه السلام  من جهة، ويُحرِّم الخروج على الجائر على الرأي المشهور عندهم؛ لوجود النصوص الناهية عن ذلك من جهة أُخرى؛ ومن هنا جاء وصف بعضهم خروجه عليه السلام  بالخروج على الشرعية، وبذلك تظهر ضرورة البحث وأسبابه.

المبحث الأوّل: المبرّرات الشرعية للنهضة الحسينية

إنّ أيّة نهضة لا تكتسب مشروعيّتها ولا تخرج من دائرة التطرّف ما لم تمتلك المبرّرات الشرعية أو القانونية التي تُسوِّغ لها الخروج السلمي أو المسلّح ضدّ السلطة الحاكمة، والتطرّف والإرهاب معنى يُقابل ذلك تماماً؛ فهو لا يملك المبرّرات الشرعية للخروج.

 ومن هنا؛ لا بدّ من دراسة المبرّرات الشرعية للنهضة الحسينية أوّلاً[1].

المبرّر الأوّل: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

لم يناقش أحدٌ ممّن يُعتدّ بعلمه في هذه الأُمّة من الفريقين صغروياً في وجود المنكر وترك المعروف على عهد يزيد، سواء أكان المنكر متمثّلاً في شخص الحاكم، أم في حكومته، أم في المجتمع بصورة عامة، وإنّما النّقاش عند بعضهم في حرمة الخروج عليه تمسّكاً بالنصوص المانعة من الخروج على الحاكم بعد الاعتراف بجور يزيد وظلمه.

وعليه؛ فإنّ صغرى عمومات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر محرزة في المقام؛ ومن هنا كان من الواجب كفاية على الأُمّة جميعاً آنذاك على اختلاف بلدانها القيام بالمعروف والنهي عن المنكر، بحيث تُعدّ آثمةً فيما لو تخلّت عنه، إلّا أنّ الملاحظ أنّه لم ينهض بهذا الواجب إلّا شخص واحد وهو الإمام الحسين عليه السلام  مع ثلّة من أهل بيته وصحبه، ومن المعلوم أنّه لم يكن فيمن اجتمع مع الحسين عليه السلام  كفاية؛ وعلى هذا فقد وقع الإثم على الباقين.

وممّا يؤكِّد ثبوت هذه الصغرى ـ أعني فساد شخص الحاكم وعدم أهليّته للخلافة[2] ـ ما جاء في أقوال الإمام الحسين عليه السلام :

1ـ قال عليه السلام  لوالي المدينة عن سبب امتناعه من البيعة: «ويزيد فاسقٌ فاجر، شاربٌ للخمر، قاتلٌ للنّفس المحترمة، مُعلِنٌ بالفسق والفجور»[3].

2ـ وقال عليه السلام : «إنّا لله وإنّا إليه راجعون، وعلى الإسلام السلام؛ إذ قد بُليت الأُمّة براعٍ مثل يزيد»[4].

3ـ كما أشار إلى فساد الجهاز الحاكم بقوله: «أَلا وإنّ هؤلاء قد لزموا طاعة الشيطان وتركوا طاعة الرحمن، وأظهروا الفساد وعطّلوا الحدود، واستأثروا بالفيء، وأحلّوا حرام الله وحرَّموا حلاله»[5].

 4ـ وقال أيضاً: «أَلا ترونَ أنّ الحق لا يُعمَل به وأنّ الباطل لا يُتناهى عنه»[6].

وأمّا الكبرى في هذا البحث، فقد أشار إليها عليه السلام  في وصيّته لأخيه ابن الحنفية قبل خروجه من المدينة: «إنّما خرجتُ لطلب الإصلاح في أُمّة جدّي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، أُريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر وأسير بسيرة جدّي وأبي علي بن أبي طالب»[7]. وقوله عليه السلام  في زيارته الثانية لقبر جدّه النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم : «اللّهمّ، إنّ هذا قبر نبيّك محمّد صلى الله عليه وآله وسلم ، وأنا ابن بنت نبيّك، وقد حضرني من الأمر ما قد علمت، اللّهمّ، إنّي أُحبّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر»[8].

شُبهات وردود

يمكن أن تثار بخصوص هذا المبرِّر بعض الشبهات التي نشير إليها فيما يلي:

الشُّبهة الأُولى: فقدان شروط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

ممّا يُشكَل به هو عدم توفّر شروط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في نهضة الإمام الحسين عليه السلام ؛ وذلك لأمرين:

الأمر الأوّل: إنّ من الشروط المعتبرة في الأمر بالمعروف احتمال التأثير في مرتكب المنكر، ومثل هذا الاحتمال غير متحقِّق بالنسبة لشخص يزيد وحكومته.

والجواب عن ذلك:

أوّلاً: إنّ هذه المناقشة مبنائية؛ بمعنى أنّها مبنيّة على التسليم بالشرط المذكور، لكنّ في قباله قولاً يُنكِر هذا الشرط بدليل إطلاق أدلّة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وخلوّها من هذا الشرط، وهذا ما ذهب إليه الشيخ الطوسي وصاحب الجواهر وبعض الفقهاء المعاصرين.

قال صاحب الجواهر: «الكلام فيما ذكره المصنِّف وجماعة، بل ربّما نُسِبَ إلى الأكثر من السقوط أيضاً [أي: سقوط الأمر بالمعروف] بغلبة الظن بعدم التأثير، مع أنّ الأوامر مطلقة ومقتضاها الوجوب على الإطلاق حتى في صورة العلم بعدم التأثير، إلّا أنّه للإجماع سقط في خصوصها، أمّا غيرها [غير صورة العلم] فباقٍ على مقتضى الإطلاق من الوجوب... ودعوى انصراف الإطلاق إلى غير ذلك ـ فيبقى أصل البراءة سليماً ـ ممنوعة»[9].

وقال بعض الفقهاء المعاصرين: «مقتضى الأدلّة عدم اشتراط ذلك كما صرَّح به فقيه عصره صاحب الجواهر رحمه الله ، كما أنّ مقتضى الآية الكريمة: (وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا ۙ اللَّـهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُمْ)[10]، عدم اشتراط ذلك، كما صرَّح به شيخ الطائفة، قال في الجزء الخامس من التبيان في ذيل الآية: والتقدير: واذكر إذ قالت أُمّة منهم لطائفة: لِمَ تعظون قوماً علمتم أنهم هالكون في الدنيا ويعذّبهم الله عذاباً شديداً في الآخرة؟ فقالوا في جوابهم: وعظناهم إعذاراً إلى الله؛ أي: نعظهم اعتذاراً إلى ربّكم؛ لئلّا يقول لنا: لِـمَ لَـمْ تعظوهم؟ ولعلّهم أيضاً بالوعظ يتّقون ويرجعون. وفي ذلك دليل على أنّه يجب النّهي عن القبيح وإنْ علم الناهي أنّ المنهي لا ينزجر ولا يقبل، وإنّ ذلك هو الحكمة... .

فإن أُورِدَ على ذلك: بأنّه مع العلم بعدم التأثير يكون وجوب الأمر والنهي لغواً لا يصدر من الحكيم.

أجبنا عنه: بأنّ فائدة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إنّما هو حفظ الجامعة الإسلامية ووحدتها، وسوق المجتمع إلى العزّة والصلاح والسعادة، بل هما ينبوع الحياة الاجتماعية، فإذا قام كل فرد من أفراد الأُمّة بنصيحة الآخر استقرّ أمر الخير والمعروف بينهم، وامتنع الشر ولا منكر فيهم، وهذه هي فائدة التناصح أمراً ونهياً؛ ولتلك وجبا على كل فرد من الأفراد، وهي الغرض الأقصى من توجّه التكليف إلى كل فرد»[11].

ثم تنزّل فقال: «فعلى فرض تسليم اعتبار هذا الشرط، والعلم بعدم تأثير الأمر والنهي، فمع ذلك يجب إظهار الحقّ عند ظهور البدعة في الدين، لاحظ النبوي: إذا ظَهَرتْ البدع في أُمَّتي فليُظهِر العالم علمه، فمَن لم يفعل فعليه لعنة الله. والعلوي: إنّ العالم الكاتم لعلمه يُبعَثُ أنتن أهل القيامة ريحاً، تلعنه كلّ دابة من دوابّ الأرض الصغار. وما رواه ابن عبد الرحمن في حديث رُويناه عن الصادقين عليهما السلام أنّهما قالا: إذا ظَهَرتْ البدع فعلى العالم أن يُظهر علمه، فإن لم يفعل سُلِبَ نور الإيمان. ونحوها... ولا يشترط في ذلك احتمال التأثير؛ فإنّ المطلوب في هذا المقام إظهار الحقّ، وهذه الفائدة تترتَّب مع العلم بعدم التأثير أيضاً»[12].

وكلامه في هذا التنزّل ينطبق تمام الانطباق عند التأمّل على نهضة الإمام الحسين عليه السلام .

هذا بناءً على رأي الإمامية، وأمّا على رأي العامّة فالأكثر لم يشترط احتمال التأثير كالشافعية والأحناف والحنابلة، ولم يذكره إلّا المالكية[13].

ثانياً: إنّه على فرض التسليم بالشرط السابق، فإنّا تارة نتكلَّم عن التكليف الظاهري للإمام الحسين عليه السلام ، الذي كان يتصرَّف فيه باعتباره واحداً من المكلَّفين في ضوء المعطيات الظاهرية والسياقات العامة للوضع، وأُخرى بناءً على علمه المسبق بما ستأول إليه الأُمور. فعلى الأوّل يمكن القول بوجود احتمال التأثير في هذه الصورة بناء على ما قام به عليه السلام  من التمهيد لذلك ضمن مقدّمات: كان أوّلها الخروج من المدينة بأهل بيته، ثمّ الاستقرار بمكّة واللقاء بالناس والوفود واستنهاضهم، وبعث الرسل إلى البلدان كالبصرة والكوفة، وقد بايعه أهل الكوفة؛ الأمر الذي يدلّ على وجود احتمال التأثير قوياً مع سلوك هذه المقدمات وفق المعطيات والمعايير الظاهرية المنظورة؛ بمعنى أنّ هذه المقدّمات تنتج بشكل طبيعي حصول احتمال التأثير إن لم يكن الظن لكلّ مكلَّف؛ ولعل الشاهد على ذلك أنّه لمّا حوصر الإمام عليه السلام  من قِبَل جيش الحرّ الرياحي، وكان قد بلغه مقتل سفيره مسلم بن عقيل، وعَلِمَ بعدم إفضاء هذه المقدّمات للنتائج المطلوبة والتأثير المتوقَّع، طَلَبَ من الحرّ السّماح له بالرجوع عن مواصلة الطريق إلى الكوفة[14]؛ وذلك لسقوط التكليف بانعدام الناصر والمعين.

وأمّا بناءً على علمه المسبَق بمصيره وأنّه سوف يُستشهد، فهنا قد تتعقَّد الإشكالية ويقال بعدم التأثير قطعاً؛ لأنّه عليه السلام  كان عالماً باستشهاده وعدم وصوله إلى مطلوبه من تغيير المنكر حيث بقي المنكر على ما كان عليه.

ولكن الجواب على ذلك يمكن أن يكون بأمرين:

1ـ إنّ التأثير لا ينحصر بالتأثير الفعلي أو المباشر، بل يشمل ما يكون في المستقبل، فالتأثير تأثيران؛ وذلك لأنّ سنخ المنكر الموجود آنذاك كان سنخ منكر يهدف إلى محو الإسلام والقضاء عليه على مدى الأجيال والدهور؛ ممّا يتطلّب إنكاراً يتناسب وحجم ذلك المنكر، بأن تظهر نتائجه ولو في الأجيال اللاحقة، ولا يتوقَّف الأمر على احتمال التأثير الفوري، وهذا ما دعا بعض الفقهاء إلى القول بأنّه في هذه الحالة لا يسقط وجوب النهي عن المنكر، فهو بقوة احتمال التأثير الفعلي ولا فرق بينهما، كما لو احتملنا إن تصدّينا لفضح ومحاربة الفِرَق الضالّة والمؤسسات الفاسدة ونشر معايبها وانحرافاتها على الناس سيؤدّي في المستقبل إلى توعية الناس شيئاً فشيئاً، ثمّ كساد تلك المؤسسات وإفلاسها واندثارها في المجتمع، أو على الأقل يؤدّي إلى الحدّ من اتّساع رقعة نشاطاتها وإضلالها، أو تحصين الناس من الانخداع بأفكارها وبرامجها، ففي هذه الصورة يكفي احتمال التأثير المستقبلي في عدم سقوط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. بل ينتقض وجود مثل هذا الشرط في حال تعميمه بدعوة أكثر الأنبياء والمصلحين، حيث لم يكن تأثيرهم فعلياً ومباشراً على أُممهم كما هو واضح، ومعلوم أنّ دعواتهم هي من أجلى مصاديق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومع ذلك قاموا بهذه الوظيفة ولم تسقط عنهم بعدم احتمال التأثير الفعلي، وهكذا الأمر في نهضة الحسين عليه السلام .

ولذا؛ يقول بعض الباحثين حول هذه النهضة: «إنّ الحسين انتصر على المدى البعيد، فهو وإن لم يظفر بمراده في معركة حربية ومواجهة عسكرية، إلّا أنّ نيله الشهادة في ذاته كان انتصاراً لله، ثمّ إنّه زرع بذور الحقد والسخيمة في قلوب الناس جميعاً نحو بني أُمية، ولا يخامرني شكّ في أنّ الحسين انتصر على المدى البعيد، وكان استشهاده سبباً مباشراً في زلزلة عرش دولة الأُمويين مع انصباب جام اللعنات والسخطات عليهم من جرَّاء هذه الجريمة البشعة»[15].

2ـ إنّه لو سلّمنا انحصار ذلك بالتأثير الفعلي، فإنّه يمكن أن يقال: إنّا نقيّد عمومات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بفعل المعصوم، وهو الحسين عليه السلام ، فيكون العموم ثابتاً في سائر الموارد إلّا فيما أقدم عليه الحسين عليه السلام  بخروجه ونهضته فإنّه خارج بالدليل تخصيصاً[16].

ثالثاً: يمكن التفصيل بين موارد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فثمّة موارد يُشترط فيها احتمال التأثير كما في كثير من موارد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولكن ثمّة موارد يجب فيها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مطلقاً حتى لو لم نحتمل التأثير بل قطعنا بعدمه؛ كما لو كان الحفاظ على بيضة الدين تتطلَّب الأمر بالمعروف، بل يجب ذلك حتى لو لم يبلغ الخطر على بيضة الدين، كما في بعض الموارد التالية التي ذكرها الفقهاء، وهي:

1ـ لو وقعت بدعة في الإسلام بحيث كان سكوت رؤساء الإسلام موجباً لهتك الإسلام وضعف عقائده.

2 ـ لو كان في سكوت رؤساء الدين خوف صيرورة المنكر معروفاً والمعروف منكراً.

3 ـ لو كان في سكوت رؤساء الدين تقوية الظالم وتأييد له.

4 ـ لو كان سكوتهم موجباً لجرأة الظلمة على ارتكاب سائر المحرَّمات[17].

وكل هذه الموارد بل وأكثر منها كان في زمن الحسين عليه السلام .

الأمر الثاني: من شروط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عدم تضرّر الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر، وقد تخلّف هذا الشرط في نهضة الإمام الحسين عليه السلام ؛ حيث تعرَّض لأعلى مراتب الخطر وهو القتل، مضافاً لنهب المال وأسر العيال.

والجواب على ذلك:

أوّلاً: إنّه يمكن إدخال المسألة وإدراجها في باب التزاحم؛ فإنّه إذا دار الأمر بين حفظ بيضة الإسلام ولو بالتضحية بالنفس وبين محو الإسلام مع حفظ النفس فلا شكّ في تقدّم الأوّل لأهمّيته، ومن هذا الباب الجهاد في سبيل الله بقسميه الابتدائي والدفاعي، إذ لا شكّ في بذل النفس المحترمة فيه إذا كان فيه حفظ الإسلام، فإنّ حفظه مقدَّم على حفظ النفوس المحترمة بما فيها نفس المعصوم عليه السلام  نبيّاً كان أم وليّاً كما يدلّ عليه حضور النبي صلى الله عليه وآله وسلم  في الحروب. قال السيّد الخميني قدس سره : «لو كان المعروف والمنكر من الأُمور التي يهتمّ بها الشارع الأقدس، كحفظ نفوس قبيلة من المسلمين وهتك نواميسهم، أو محو آثار الإسلام ومحو حجته بما يوجب ضلالة المسلمين، أو إمحاء بعض شعائر الإسلام كبيت الله الحرام بحيث يُمحى آثاره ومحله وأمثال ذلك لا بدّ من ملاحظة الأهمّية، ولا يكون مطلق الضرر ولو النفس أو الحرج موجباً لرفع التكليف، فلو توقّفت إقامة حجج الإسلام بما يرفع بها الضلالة على بذل النفس أو النفوس، فالظاهر وجوبه، فضلاً عن الوقوع في ضرر أو حرج دونها»[18].

وأفاد بعض الفقهاء المعاصرين في تقرير هذه الحجة أيضاً: إنّ اشتراط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالأمن من الضرر في كل الموارد ليس مسلّماً في كل الموارد، بل يمكن القول: إنّ الثابت شرعاً هو عدم الاشتراط في بعض الموارد، ولا بدّ من الموازنة بين المصالح الموجودة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وبين مقدار الضرر الداخل منهما، فإن كانت المصلحة أهمّ وجب استيفاؤها شرعاً مثل إحياء الدين لزم تحمّل الضرر ولم يجُزْ ترك المعروف أبداً. وحاصل كلامه: ضرورة التفصيل بين موارد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من حيث المصالح والمفاسد؛ وبهذا تندفع شبهة الإلقاء في التهلكة؛ فإنّ القيام لو خلا من المصلحة الراجحة كان من مصاديق الإلقاء في التهلكة، وإلّا لم يكن منها، وقد كان قيام الحسين عليه السلام  واجداً للمصلحة الراجحة بلا ريب.

وقد أشار بعض علماء الجمهور لخطر حكم يزيد، فقال عبد الرحمن بن الجوزي (ت 654هـ): «إنّما رحل الحسين عليه السلام  إلى القوم؛ لأنّه رأى الشريعة قد رُفِضَت، فجدَّ في رفع قواعد أصَّلها الجدّ صلى الله عليه وآله وسلم »[19].

وقال الغزالي: «وقد أجمع أئمّة المسلمين على أنّ تقاليد الإسلام في الحكم قد تحوَّلت عن مجراها الرشيد على عهد معاوية وأُسرته، ثمّ التاث أمر الدين واضطربت مصالح الناس، ووُجِدَ من حكّام المسلمين مَن سبق ملوك الكفر في سكرتهم وعمايتهم؛ وذلك من سوء حظّ البشر قبل أن يكون من سوء حظّ المسلمين، وحكم الإسلام في دفع أُولئك الجبّارين لا يحتاج إلى مزيد من البيان والتكرار»[20].

وقال العلايلي: «الذي ثبت لمفكري المسلمين أن بني أُمية أداة فساد، وفي طبيعتهم بعث الحياة الجاهلية بكل أشيائها وألوانها»[21].

 ثانياً: لو تنزّلنا عمّا سبق وسلّمنا بالعموم لكل موارد الضرر في أدلّة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إلّا أنّه يمكن القول بتخصيص هذا العموم بفعل المعصوم عليه السلام  بنفس البيان السابق، حيث يُدّعى أنّ فعل المعصوم يكون مقيِّداً للإطلاق.

المبرّر الثاني: الجهاد في سبيل الله

 من المبرِّرات المهمّة التي استُدلَّ بها على مشروعية النهضة الحسينية ما دلَّ على الجهاد كقوله تعالى: ( وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّـهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ)[22]، وقوله:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّـهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ)[23]. قال العلّامة في معرض كلامه عن حكم الهدنة: «والهدنة ليست واجبة على كل تقدير، سواء كان بالمسلمين قوّة أو ضعف، لكنّها جايزة؛ لقوله تعالى: (وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا)[24]... بل المُسلم يتخيَّر في فعل ذلك برخصة ما تقدّم وبقوله تعالى: (وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ)[25]، وإن شاء قاتل حتى يلقى الله شهيداً بقوله تعالى: (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّـهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ)[26]، وبقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً). وكذلك فعل سيّدنا الحسين عليه السلام ، والنفر الذين وجَّههم النبي صلى الله عليه وآله وسلم  إلى هذيل وكانوا عشرة فقاتلوا مائة حتى قُتلوا، ولم يغلب منهم أحدٌ إلّا حبيب؛ فإنّه أُسَر وأقبل بمكة وهادن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم »[27].

 نعم، خالف المحقِّق الكركي وصاحب الرياض فذهبا إلى وجوب الجهاد لا جوازه، كما ذهب إليه العلّامة الحلّي[28].

المبرِّر الثالث: النصوص الآمرة بالخروج على الجائر

قد وردت أحاديث تحثّ على الخروج على الحاكم الظالم لردعه، وقد تمسّك الإمام الحسين عليه السلام  بمثل هذه الأحاديث كالحديث المشهور عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم  الذي احتجّ به الحسين عليه السلام  لمّا لقي الحر وأصحابه قائلاً: «أيّها النّاس، إنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم  قال: مَن رأى سلطاناً جائراً مستحلاً لحُرَم الله، ناكثاً لعهد الله، مخالفاً لسنّة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان، فلم يُغيِّر عليه بفعلٍ ولا قولٍ، كان حقّاً على الله أن يُدخله مُدخله»[29].

وهناك أحاديث أُخرى مروية من طرق الجمهور في صحاحهم، من قبيل: ما رواه أبو داود، عن خالد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم  أنّه قال: «إنّ النّاس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه، أوشَكَ أن يعمّهم الله بعقاب»[30].

إلّا أن هذا المبرّر يمكن إلحاقه بالأوّل، ولا يُعدّ أمراً مستقلّاً في نفسه؛ لدخوله في عموم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولكنّه مع ذلك يمكن إفراده بالاستقلال؛ لأنّه منصوص عليه بعنوانه، وهو (الخروج على الجائر).

المبرِّر الرابع: الدفاع عن النفس

يتألف هذا المبرِّر من كبرى وصغرى، أمّا الكبرى فمفادها أنّ حقّ الدفاع عن النفس أمرٌ مكفول في جميع الشرائع والقوانين الوضعية. وأمّا الصغرى فمفادها أنّ موقف الإمام الحسين عليه السلام  تجاه الحكومة الأُموية كان في بعض صوره موقفاً دفاعياً عن النفس؛ وذلك لأنّه کان مهدّداً بالقتل عندما دعاه والي المدينة لمبايعة يزيد، هذا أوّلاً. وثانياً: إنّما ترك الحسين عليه السلام  مكّة وحوّل عمرته إلى مفردة وخرج منها يوم التروية؛ لأنّه كره أن يُقتَل فيها فتُنتَهك بذلك حرمة البيت، وهذا ما يؤكِّده قوله عليه السلام : «وأيم الله، لو كنتُ في جحر هامَّة من هذه الهوامّ لاستخرجوني حتى يقضوا بي حاجتهم، والله، ليعتدن عليَّ كما اعتدت اليهود في السبت»[31].

وفي الدر النظيم: «وحدَّث جعفر بن سليمان، قال: حدَّثني مَن شافه الحسين عليه السلام  بهذا الكلام، قال: حججت فأخذتُ ناحية الطريق أتعسّف الطريق، فوقعت إلى أبنية وأخبية، فأتيت أدناها فسطاطاً فقلت: لمن هذا؟ فقالوا: للحسين بن علي صلوات الله عليهما. فقلت: ابن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ؟ قالوا: نعم. قلت: فأيّها هو؟ فأشاروا إلى فسطاط. فأتيته، فإذا هو قاعد عند عمود الفسطاط، وإذا بين يديه كُتُب كثيرة يقرأها. فقلت: بأبي أنت وأُمّي! ما أجلسك في هذا الموضع الذي ليس فيه أنيس ولا منفعة؟ قال: إنّ هؤلاء [يعني السلطان وأتباعه] أخافوني، وهذه كُتُب أهل الكوفة إليَّ، وهم قاتلي لا محالة»[32]. وقال له أبو هرة: لماذا تركت حرم الله وحرم جدّك؟ فأخبره الإمام عليه السلام  بأنّ بني أُميّة أخذوا أمواله فصبر، وجرّعوه الغصص وصبر، وهم الآن يريدون قتله وإهراق دمه وانتهاك حرمة البيت، وإنّه لن يصبر على ذلك.

ولا شكّ في أنّ مشروعية الدفاع عن النفس ثابتة من الناحية الكبروية كتاباً وسنّةً وعقلاً وسيرةً عقلائية ومتشرعية، ومن الناحية الصغروية باعتبار أنّ حياة الإمام الحسين عليه السلام كانت مهدَّدة بالخطر كما اتّضح آنفاً.

المبحث الثاني: شبهات على النهضة الحسينية

إنّ مَن يرصد الموقف الفقهي لدى جمهور المسلمين تجاه ثورة الإمام الحسين عليه السلام  يجد أنّهم بين مؤيِّد ورافضٍ لها. وقد أثار المعارضون جملة من الشبهات يمكن تنويعها إلى عدّة أنواع نشير إليها مع الردّ:

الشبهة الأُولى: الخروج على الشرعية

إنّ هذه الثورة تُعدّ خروجاً على الشرعية المتمثِّلة بشخص الحاكم، وهو يزيد بن معاوية؛ ممّا يُدخِل هذه الثورة في عداد البغي حسب الاصطلاح الفقهي، ولعلّ أقدم وأكبر شخصية في هذا الاتجاه هو القاضي أبو بكر بن العربي الأندلسي(ت543هـ)، وإليك نصّ عبارته: «وما خَرَجَ إليه أحدٌ إلّا بتأويل، ولا قاتلوه إلّا بما سمعوه من جدّه المهيمن على الرسل، المُخبِر بفساد الحال، المحذِّر عن الدخول في الفتن، وأقواله في ذلك كثيرة، منها: ما روى مسلم عن زياد بن علاقة، عن عرفجة بن شريح، قوله صلى الله عليه وآله وسلم : إنّه ستكون هنات وهنات، فمَن أراد أن يُفرِّق أَمْر هذه الأُمّة وهي جميع فاضربوه بالسيف كائناً مَن كان»[33].

وعليه؛ فهو يرى صحّة خلافة يزيد وشرعيَّتها، وممّن قال بمقالته الحافظ عبد الغني المقدسي الحنبلي(ت600هـ)، الذي أفتى بصحّة خلافة يزيد حينما سُئل عن ذلك؛ معلِّلاً فتواه بأنّ ستّين صحابياً قد بايعه[34].

ردّ الشبهة

يمكن مناقشة هذه الشبهة بما يلي:

أوّلاً: إنّ الحديث الذي ذكره أورده مسلم في صحيحه، وقد أخرجه عن زياد بن علاقة، عن عرفجة، وابن علاقة سيئ المذهب، منحرف عن أهل البيت كما ذكره ابن حجر[35]، وذكر عرفجة في موضع آخر[36]، ولم ينقل له مدحاً أو ذماً؛ فهو من المجهولين، لا يؤبه بحديثه.

ثانياً: إنّ بيعة يزيد قد أُخِذَت من قِبَل معاوية بالمدينة بالقوّة، وتحت ظلّ السيف[37]؛ فلا تكون شرعية حتى على مبنى الجمهور. قال ابن مفلح الحنبلي: «من الاعتقادات العامّية التي غلبت على جماعة من المنتسبين إلى السنّة أنّهم قالوا: كان يزيد على الصواب والحسين مخطئ في الخروج عليه، ولو نظروا في السِّيَر لعلموا كيف عُقِدَت البيعة له وأُلزِمَ الناس بها!»[38].

ثالثاً: إنّ البيعة عند الجمهور تكون عن طريق أهل الحلّ والعقد، ولا شكّ في أنّ الحسين عليه السلام  كان من أهل الحلّ والعقد، بل هو رأسهم في زمانه، كيف لا، وهو سيّد شباب أهل الجنة وقد رفض البيعة ليزيد، فكيف تصحّ مع ذلك خلافة الأخير؟!

رابعاً: إنّ العدالة التي هي من شروط الخلافة عند الجمهور مفقودة في يزيد؛ لأنّه محرَزٌ فسقه إن لم نقل بكفره، وهذا مُجمَع عليه، ولم يشذّ عنه سوى أهل التعصّب المنحرفين عن أهل البيت عليهم السلام ، وإليك شطراً من كلمات العلماء في انحراف يزيد وفسقه بل كفره:

1ـ قال الآلوسي: «ومنهم مَن يقول: إنّه [يزيد] لم يعصِ بذلك ولا يجوز لعنه، وقائل هذا ينبغي أن يُنظَم في سلسلة أنصار يزيد. وأنا أقول: الذي يغلب على ظنّي أنّ الخبيث لم يكن مصدِّقاً بالرسالة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وأنّ مجموع ما فعل مع أهل حرم الله وأهل حرم نبيّه عليه الصلاة والسلام وعترته الطيبين الطاهرين في الحياة وبعد الممات، وما صدر منه من المخازي، ليس بأضعف دلالة على عدم تصديقه... ولا أظنّ أنّ أمره كان خافياً على أجلّة المسلمين إذ ذاك، ولكن كانوا مغلوبين مقهورين، ولم يسعهم إلّا الصبر... ولو سُلِّم أنّ الخبيث كان مسلماً، فهو مسلمٌ جمَعَ من الكبائر ما لا يحيط به نطاق البيان، وأنا أذهب إلى جواز لعن مثله على التعيين، ولو لم يُتصوَّر أن يكون له مثلٌ من الفاسقين، والظاهر أنّه لم يتُب، واحتمال توبته أضعف من إيمانه». وقال أيضاً: «نقل البرزنجي في (الإشاعة)، والهيثمي في (الصواعق): أنّ الإمام أحمد لمّا سأله وَلَده عبد الله عن لعن يزيد، قال: كيف لا يُلعَن مَن لعنه الله تعالى في كتابه؟! فقال عبد الله: قد قرأتُ كتاب الله فلم أجد فيه لعن يزيد! فقال الإمام: إنّ الله يقول: (فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُولَـٰئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّـهُ...)[39]، وأيّ فساد وقطيعة أشدّ ممّا فعله يزيد؟!... وقد جزم بكفره وصرح بلعنه جماعة من العلماء، منهم: الحافظ ناصر السنّة ابن الجوزي، وسبقه القاضي أبو يعلى، وقال العلّامة التفتازاني: لا نتوقّف في شأنه بل في إيمانه لعنة الله عليه وعلى أنصاره وأعوانه، وممّن صرّح بلعنه الجلال السيوطي»[40].

2ـ وقال ابن خلدون: «غلط القاضي أبو بكر بن العربي المالكي في هذا؛ فقال في كتابه الذي سمّاه (العواصم والقواصم): إنّ الحسين قُتِلَ بشرع جدّه. وهو غلط حملته عليه الغفلة عن اشتراط الإمام العادل، ومَن أعدل من الحسين في زمانه وإمامته وعدالته في قتال أهل الآراء»[41].

3ـ وقال ابن مفلح الحنبلي: «ولقد فعل [يزيد] مع الناس في ذلك كل قبيح. ثمّ لو قدَّرنا صحّة خلافته، فقد بدرت منه بوادر وظهرت منه أُمور كل منها يوجب فسخ ذلك العقد: من نهب المدينة، ورمي الكعبة بالمنجنيق، وقتل الحسين وأهل بيته، وضربه على ثناياه بالقضيب، وحمل رأسه على خشبة، وإنما يميل إلى هذا جاهل بالسيرة عامي المذهب يظن أنه يغيظ بذلك الرافضة»[42].

4ـ وقال الشوكاني: «لقد أفرط بعض أهل العلم؛ فحكموا بأنّ الحسين السبط رضي الله عنه وأرضاه باغٍ على الخمِّير السكِّير الهاتك لحرمة الشريعة المطهَّرة يزيد بن معاوية لعنهم الله، فيا للعجب من مقالات تقشعر منها الجلود ويتصدّع من سماعها كل جلمود!!»[43].

5ـ وقال الجاحظ: «المنكرات التي ارتكبها يزيد من قتل الحسين، وحمله بنات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم  سبايا، وقرعه ثناياه [الحسين عليه السلام ] بالعود، وإخافته أهل المدينة، وهدم الكعبة؛ تدلّ على القسوة والغلظة، والنصب وسوء الرأي، والحقد والبغضاء، والنفاق والخروج عن الإيمان، فالفاسق ملعون، ومَن نهى عن شتم الملعون فملعون»[44].

6ـ وقال الذهبي: «كان [يزيد بن معاوية] ناصبيّاً، فظّاً، غليظاً، جلفاً، يتناول المُسكِر ويفعل المنكر، افتتح دولته بمقتل الشهيد الحسين، واختتمها بوقعة الحرّة؛ فمقته النّاس، ولم يُبارَك في عمره»[45].

الشبهة الثانية: شق عصا الأُمّة

من الشبهات التي أُثيرت حول نهضة الحسين عليه السلام  هو ما ورد في بعض الكلمات من أنّ خروج الحسين عليه السلام  يُعتَبر شقّاً لعصا الأُمّة، وهي مفسدة تُرجَّح على مصلحة الخروج والتغيير، قال ابن تيمية: «وقلّ مَن خَرَجَ على إمام ذي سلطان إلّا كان ما تولَّد على فعله من الشّر أعظم ممّا تولَّد من الخير». ثمّ قال بعد ذلك فيما يخصّ خروج الحسين عليه السلام : «إنّه لم يكن في الخروج مصلحة في دين ولا في دنيا، وكان في خروجه وقتله من الفساد ما لم يحصل لو قعد في بلده؛ فإنّ ما قصده من تحصيل الخير ودفع الشّر لم يحصل منه شيء، بل زاد الشّر بخروجه وقتله، ونقص الخير بذلك، وصار سبباً لشر عظيم، وكان قتل الحسين ممّا أوجب الفتن»[46]. وتابعه على ذلك الخضري بك، فقال: «إنّ الحسين أخطأ خطأً عظيماً في خروجه هذا الذي جرّ على الأُمّة وبال الفرقة والاختلاف، وزعزع عماد أُلفتها إلى يومنا هذا»[47].

 أقول: إنّ هذه الإشكالية مبنية على أنّ حرمة الخروج على الجائر تندرج في باب التزاحم بين مفسدتين، ومن ثمّ تغليب مفسدة بقاء الجائر وظلمه وتعسّفه على مفسدة إهراق الدماء.

ردّ الشبهة

إن الجواب عن هذه الشبهة يقع تارة بلحاظ أصل الكبرى الواردة في النص الأوّل لابن تيمية، من لزوم الفساد في الخروج على الجائر، وأُخرى في خصوص الصغرى، أمّا الكبرى فيرد عليها:

أوّلاً: إنّه على فرض إرجاع المسألة إلى باب التزاحم، أو ما يُسمّى بـ(فقه الأولويات والمآلات)، فلماذا نغلّب مسبقاً مفسدة بقاء الجائر وظلمه وتعسّفه على مفسدة السعي لاستبدال الخوف بالأمن ما قد يستلزم شنّ الغارات وإهراق الدماء؟ فقد يكون العكس صحيحاً، كما لو كان الخارجون أكثر عدّة وعدداً وكان الجائر ضعيفاً؛ وعليه فلا بدّ من تقييد حكم الخروج وعدمه بملاحظة المفسدة والمصلحة في كل منهما، لا إطلاق الحكم بالمنع كما يرى المانعون من الخروج. هذا مضافاً إلى عدم التسليم بتعميم هذه الدعوى؛ إذ قد يتمّ التغيير بأيسر التضحيات والخسائر.

ثانياً: إنّ من الضروريات الدينية المعلومة بالبداهة وجوب إقامة الدين وحفظه، وإنّ حفظه مقدّم على حفظ جميع المقدّسات والنواميس الأُخرى وهي النفس والعقل والمال والعرْض، ومعلوم أنّ الجائر لا يقيم الدين، بل يهدمه وينقضه عروة عروة بأساليب متعدّدة، من قبيل: نشر الآراء والمذاهب والأفكار المنحرفة والهدّامة في المجتمع الإسلامي؛ لطمسه العقيدة الحقّة من الناحية النظرية، ثمّ ترويج الانحراف الأخلاقي والسلوكي وقبول تسلّط الأجانب والارتباط بهم، وتنفيذ مخطّطاتهم، والعمل على خلاف مقتضيات مصالح الشعوب الإسلامية، وإفقار الأُمّة مادّياً ومعنوياً على المستوى العملي، كما هو واقع الشعوب الإسلامية اليوم.

وعليه؛ فكيف تُقدّم مصلحة إبقاء الجائر حتّى لو دثر الدين وحاربه على مصلحة الخروج عليه لو استلزم بعض التضحيات بالنفوس والأموال وغيرها؟! فهل حرمة النفوس والأموال أغلى من حرمة الدين؟! لو كان الأمر كذلك لما شُرّع أصل الجهاد والدفاع، ولما عرَّض الرسول وآله الميامين وصحبه الكرام أنفسهم لخطر القتل في الجهاد مع الكفّار، وقتال البغاة كما قام به أمير المؤمنين عليه السلام .

إذن؛ لو أدخلنا المسألة في باب التزاحم فلا شكّ في تقديم مصلحة إقامة الدين والعدل على مصلحة حفظ النفس والأمن مع وجود الحاكم الجائر، شريطة تهيّؤ الظروف الموضوعية والخارجية لمثل هذا الخروج، وإلّا فلا بدّ من العمل على إعداد الأُمور لذلك، وعدم اتخاذ فقدان الظروف الموضوعية والخارجية ذريعة لسقوط التكليف عن الأُمّة، ولا مفسدة أعظم من تعطيل الدين، ولا مصلحة أهم من مصلحة إقامة الدين مع تهيّؤ الظروف[48].

وأمّا الردّ على الصغرى ـ وهي كلام ابن تيمية الثاني في تطبيق الكبرى التي ذكرها على خروج الحسين عليه السلام  ـ فيرد عليها:

أوّلاً: المناقشة في أصل دعوى أنّ في خروجه عليه السلام  مفسدة، وأنّه لو كان قد قعد كان أفضل، فنقول: بعد نقض معاوية الصلح وقَتْلِهِ الإمام الحسن عليه السلام ، راجع الشيعة الحسين عليه السلام  من أجل الخروج، فأبى عليه السلام ؛ لوجود معاهدة الصلح مع معاوية بعدم الخروج، رغم نقض معاوية له من طرف واحد، ولكنّه عليه السلام  بمجرّد هلاك معاوية لم يقرّ له قرار وأبى البيعة ليزيد، ورفض ذلك أشدّ الرفض لأسباب من جملتها:

تبدّل مسار الخلافة من نظام الشورى إلى نظام التوريث، وهو تطوّر خطير وبدعة غير مسبوقة في نظام الخلافة؛ لأنّها رغم انحرافها عن مسارها الصحيح الذي وضعته السماء بقيت شورائية أو تعيينيّة لكن لغير أبناء الخلفاء؛ ولذا كانت بيعة يزيد مرفوضة بكل المقاييس، وبإجماع الأُمّة، ولم يقبلها إلّا أهل الشام.

فساد الحاكم نفسه بنحوٍ لا يصحّ السكوت عليه، والقبول بذلك يُعدّ خطراً على الإسلام واستهزاءً بالدين والشريعة، وهذا ما ترجمه الإمام الحسين عليه السلام  بقوله: «وعلى الإسلام السلام إذ قد بُلِيَت الأُمّة براعٍ مثل يزيد»[49]. والنصوص في انحراف يزيد مستفيضة نكتفي بذكر واحد منها لأهمّيته، وكونه صادراً من أحد أعوان معاوية؛ وهو زياد ابن أبيه، الذي طلب منه معاوية حثّ الناس على أخذ ولاية العهد لوَلَدِه، فاستشار زياد أصحابه أن يكتب لمعاوية كتاباً يقول فيه: «إنّ كتابك ورد عليَّ بكذا، فما يقول النّاس إذا دعوناهم إلى بيعة يزيد، وهو يلعب بالكلاب والقرود، ويلبس المصبّغ، ويُدمن الشراب، ويمشي على الدفوف، وبحضرتهم الحسين بن علي، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عمر»[50].

إن هذين السببين کانا يمثلان تهديداً كبيراً للإسلام، جعلاه على حافّة الهاوية وشرف السقوط والاندثار، سيما مع سكوت الأُمّة بأكملها رغم رفضها القلبي، فكانت الأُمّة بين طريقين لا ثالث لهما، طريق القبول بهذا الخطر المحدق، وطريق التصحيح وإرجاع مسيرة الإسلام إلى نصابها الأوّل على عهد الرسالة، ولو بالتضحية والشهادة؛ امتثالاً للآيات الآمرة بالمعروف والناهية عن المنكر والركون إلى الظالم، فهل في هذا فساد وفتنة، أم صلاح وتقويم للدين؟! ولذا لم يعترض أحدٌ من الصحابة والسلف ممّن يعترف به ابن تيمية: كابن عباس، وابن عمر وغيرهما على الحسين عليه السلام  بمثل هذا الاعتراض على الإطلاق، إلى أن ظهر ابن تيمية فتحذلق بإظهار النصب لسيّد شباب أهل الجنّة، واتّهمه بالإفساد والفتنة.

نعم، أشفق الصحابة على الحسين عليه السلام  من القتل، فإن كان هذا الناصبي صادقاً في دعوى اتّباع الصحابة والسلف، فليمسك كما أمسكوا، لكنّه ينطق حيث يجب الصمت كما في مقامنا ويصمت حيث يجب النطق كما في خروج عائشة، حيث اعترض عليها الصحابة ونساء النبي صلى الله عليه وآله وسلم  ومنعوها من الخروج وذكّروها أن تقرّ في بيتها امتثالاً لأمر الله تعالى، ولكن ابن تيمية يخرسه نصبه هنا ويلوذ بالصمت.

ثانياً: إنّ كلام ابن تيمية يستبطن تكذيباً ضمنياً للحديث المتّفق عليه بين الفريقين عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم : «الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنّة»[51]. فإنّ هذا الحديث ليس صادراً على وجه التشريف فقط للإمامين الحسنين عليهما السلام  باعتبارهما أولاد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، بل لبيان مقامهما وأنّهما يمتلكان مقوّمات السيادة في الآخرة، فكونهما كذلك في الآخرة، ففي الدنيا من بابٍ أوْلى؛ وذلك لشرف الآخرة على الدنيا بلا شكّ، ومَن كان سيّداً بنصّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فهو أحقّ بالاتّباع من غيره، فيلزم من تخطئته واتهامه بالإفساد في الأُمّة تكذيبُ النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فلو كان الحسين عليه السلام  كما قال ابن تيمية مُفسداً ظالماً؛ لكان أحقّ بالذّم من قِبَل النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، لا المدح والتسييد على الأُمّة.

كما أنّه تكذيبٌ لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم : «حسين منّي وأنا من حسين، أحبّ الله مَن أحبّ حسيناً، حسين سبطٌ من الأسباط»[52]. فهل النبي صلى الله عليه وآله وسلم  يُعطي غطاءً شرعياً في هذا الحديث لمفسدٍ ومفرِّق في أُمّته فيعتبره منه، ويعتبر نفسه الشريفة منه ويدعو إلى حبّه؟! فلو لم يكن الحسين عليه السلام  مستحقّاً لذلك لكان هذا الحديث محاباة منه صلى الله عليه وآله وسلم  على حساب الدين والرسالة، وحاشاه عن ذلك.

وبعبارة أُخرى: إنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم  يدور أمره بين علمه بحال الحسين عليه السلام  بعده وجهله ـ نعوذ بالله ـ فإذا كان عالماً بإفساده وفتنته فلماذا لم يحذِّر منه بدل أن يمدحه بمثل هذا الحديث وغيره. وإمّا أن يكون جاهلاً وحاشاه عن ذلك فيكون حديثه هذا إغراءً للأُمّة بأمر الحسين عليه السلام ، وهو خلاف قوله تعالى: (وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ)[53].

ثالثاً: إنّ اعتراض ابن تيمية تكذيب لحديث الثقلين وحديث السفينة، وغيرها من الأحاديث التي دلَّت على وجوب التمسّك بهم، وأنّهم عدل القرآن، وهم السفينة التي يجب ركوبها، فإذا كان الحسين عليه السلام  مُفسِدَاً وصاحب فتنة فكيف يأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم  بالتمسك به والركوب في سفينته؟! بل في اعتراض ابن تيمية تكذيبٌ لقول الله في آية التطهير التي نزلت في حق الحسين عليه السلام  وبقية أصحاب الكساء الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً، وتكذيبٌ لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم : «مَن رأى سلطاناً جائراً مستحلاً لحُرَم الله، ناكثاً لعهد الله، مخالفاً لسنّة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان، فلم يُغيِّر عليه بفعل ولا قول، كان حقّاً على الله أن يدخله مُدخله»[54].

فهل يبقى شكّ لذي لبّ أو مسكة بعد كلّ هذه الموارد التي تُنزّه الحسين عليه السلام  ممّا رماه به هذا الناصبي وأضرابه؟! وهذه ليست أوّل قارورة يكسرها ابن تيمية بحقّ الحسين عليه السلام ، فقد كسر مثلها بحقّ أخيه الحسن عليه السلام  عندما برّأ معاوية من قتله، فقال: «معاوية حين أمر بسمّ الحسن فهو من باب قتال بعضهم بعضاً»!![55]. وكذلك فقد برّأ يزيد من قتل الحسين عليه السلام  وأنّه لم يأمر بقتله، مع أنّ ابن زياد لما عُوتِبَ على قتله الحسين عليه السلام  اعترف أنّه خيّره يزيد بين قتل الحسين أو قتله[56] ولم يُدن يزيد إلّا على وقعة الحرّة، لكنّه حاول أن يخفّف منها قائلاً: «لكنّه [يزيد] لم يقتل جميع الأشراف، ولا بلغ عدد القتلى عشرة آلاف، ولا وصلت الدماء إلى قبر النبي»[57]، بل حاول أن يبرئه من ضرب الكعبة بالمنجنيق، فذكر أنّ «حريق الكعبة لم يقصده يزيد، وإنّما مقصوده حصار ابن الزبير، والضرب بالمنجنيق كان له لا للكعبة، ويزيد لم يهدم الكعبة ولم يقصد إحراقها لا هو ولا نوابه باتفاق المسلمين»[58]، ولم يتوقّف كسر القوارير لديه عند الحسن والحسين عليهما السلام ، بل امتدّت إلى الزهراء عليها السلام  حين تجاسر واتهمها بأنّها طالبت أبا بكر ما ليس لها، وبما هو خلاف حكم الله ورسوله، وأنّ ذلك مدعاة لجرحها!![59]، بل ذكر المنافق أنّ فيها شبهاً من المنافقين الذين إذا أُعطُوا من المال رضوا، وإن لم يُعطَوا إذا هم يسخطون؛ وذلك لأنّها طالبت أبا بكر فلم يُعطها فغضبت عليه[60]. وأمّا قواريره المكسورة مع بعلها أمير المؤمنين عليه السلام  في (منهاج السنّة) ففوق حدّ الإحصاء في إنكار فضائله، ومحاولة الحطّ من شأنه.

والمهم، إنّ هذا هو منهج النصب التبريري الذي سلكه ابن تيمية في التحامل على أهل البيت عليهم السلام  وتبرئة أعدائهم، ومن هذا المنطلق جاء اتّهامه للحسين عليه السلام  في خروجه، ولكنّا نسأل هذا الناصبي: هلّا أدان معاوية لمّا خَرَجَ على الخليفة الشرعي بحرب صفين وسبّب قتل الآلاف؟! فهل خروجه كان للإصلاح، وخروج الحسين عليه السلام  كان للإفساد؟! فهذه آية نصبه واضحة لا غبار عليها.

رابعاً: لو كان اعتراض ابن تيمية وإدانته للحسين عليه السلام  بشأن خروجه، فإنّ الفساد هو في قتل يزيد له، لا في خروج الحسين عليه السلام ، فلِمَ لا يُدين يزيد بقتله للحسين عليه السلام ، مع أنّه كان قادراً على العفو عنه بعد الظفر به؟! وعلى فرض أنّه لم يأمر بقتله كما يزعم ابن تيمية فلِمَ لم يُدِنْه على ترك قاتليه ولم يعاقبهم؟! إذن؛ كان الفساد والفتنة في قتله عليه السلام  لا في خروجه؛ إذ كان بإمكان الحكومة الأُمويّة التعامل بحكمة وتطويق المشكلة بإرجاع الحسين عليه السلام  إلى المدينة أو غيرها تجنباً لكل الإشكاليات، فلماذا أقدموا على قتله، أو رضوا به، أو لم يحولوا دونه؟!

الشبهة الثالثة: حرمة الخروج على الحاكم الجائر

هناك مَن اعترض على النهضة الحسينية بأنّها تتنافى والروايات الدالة على حرمة الخروج على الجائر، وهي روايات روتها صحاح المسلمين، وهذه الإشكالية يطرحها بعض أهل السنّة بعد اعترافهم بعدم شرعية الحاكم الجائر، وإنّما يحرِّمون ذلك درءاً لمفسدة إراقة الدماء وإثارة الفتنة، وعلى كل حال، فينبغي أوّلاً الإشارة إلى هذه النصوص، ثمّ مناقشتها ضمن استعراض الأقوال في المسألة، وهذه النصوص على قسمين:

القسم الأوّل: الروايات المانعة مطلقاً

وهي الروايات المطلقة في المنع عن الخروج على الجائر، سواء أكان الإمام عادلاً أم جائراً، ومن جملتها:

أ ـ صحيح البخاري[61]

1ـ عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، قال: «مَن رأى من أميره شيئاً يكرهه فليصبر عليه؛ فإنّه مَن فارق الجماعة شبراً فمات إلّا مات ميتة جاهلية».

2ـ عن عبادة بن الصامت، قال: «دعانا النبي صلى الله عليه وآله وسلم  فبايعنا... على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا، وعسرنا ويسرنا، وإثرة علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله إلّا أن تروا كفراً بواحاً».

ب ـ صحيح مسلم[62]

1ـ وعن عبد الله بن عمر بن العاص، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم  قال:«مَن بايع إماماً فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه، فليُطعه إن استطاع، فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر».

2ـ وعن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم  أنّه قال: «مَن خَرَجَ من الطاعة، وفارق الجماعة، فمات؛ مات ميتة جاهلية. ومَن قاتل تحت راية عمية يغضب لعصبة أو يدعو إلى عصبة أو ينصر عصبة فقُتِلَ؛ فقتلة جاهلية، ومَن خَرَجَ على أُمّتي يضرب برّها وفاجرها، ولا يتحاشى من مؤمنها، ولا يفي لذي عهد عهده؛ فليس منّي ولست منه».

3ـ عن نافع، قال: جاء عبد الله بن عمر إلى عبد الله بن مطيع حين كان من أمر الحرة ما كان زمن يزيد بن معاوية، فقال اطرحوا لأبي عبد الرحمن وسادة. فقال: إنّي لم آتك لأجلس، أتيتك لأُحدّثك حديثاً سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقوله: «مَن خَلَعَ يداً من طاعة، لقي الله يوم القيامة لا حجّة له، ومَن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية».

القسم الثاني: الروايات المقيَّدة بحرمة الخروج على ولاة الجور خاصّة

ومنها ما ورد في صحيح مسلم[63]:

1ـ عن أُمّ سلمة أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم  قال: «ستكون أُمراء فتعرفون وتنكرون، فمَن عرف برئ، ومَن أنكر سلم، ولكن مَن رضي وتابع. قالوا: أفلا نقاتلهم؟ قال: لا، ما صلّوا».

2ـ وعن عوف بن مالك، عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم  قال: «خيار أئمتكم الذين تحبّونهم ويحبّونكم، ويُصلّون عليكم وتُصلّون عليهم. وشرار أئمّتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعنونهم ويلعنونكم. قيل: يا رسول الله، أفلا ننابذهم بالسيف؟ فقال: لا ما أقاموا فيكم الصلاة، وإذا رأيتم من ولاتكم شيئاً تكرهونه فاكرهوا عمله ولا تنزعوا يداً من طاعة».

3ـ وسأل سلمة بن يزيد الجعفي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم  فقال: «يا نبيَّ الله، أرأيت إن قامت علينا أُمراء يسألونا حقّهم ويمنعونا حقّنا فما تأمرنا؟ فأعرض عنه، ثمّ سأله، فأعرض عنه، ثمّ سأله في الثانية أو في الثالثة فجذبه الأشعث بن قيس وقال: اسمعوا وأطيعوا، فإنّما عليهم ما حُمّلوا وعليكم ما حُمّلتم». قال:وحدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدّثنا شبابة، حدّثنا شعبة عن سماك بهذا الإسناد مثله، وقال: فجذبه الأشعث بن قيس. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : «اسمعوا وأطيعوا، فإنّما عليهم ما حُمّلوا وعليكم ما حُمّلتم».

4ـ وعن حذيفة بن اليمان قال: «كان النّاس يسألون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم  عن الخير وكنت أسأله عن الشرّ؛ مخافة أن يدركني، فقلت يا رسول الله: إنّا كنّا في جاهلية وشرّ، فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير شرّ؟ قال: نعم. فقلت: هل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: نعم، وفيه دَخَنٌ. قلت: وما دَخَنُه؟ قال: قوم يستنّون بغير سُنّتي، ويهدون بغير هديي، تعرف منهم وتنكر. فقلت: هل بعد ذلك الخير من شرّ؟ قال: نعم، دعاة على أبواب جهنّم، مَن أجابهم إليها قذفوه فيها. فقلت: يا رسول الله صِفهُم لنا. قال: نعم، قوم من جلدتنا ويتكلّمون بألسنتنا. قلت: يا رسول الله، فما ترى إن أدركني ذلك؟ قال: تلزم جماعة المسلمين وإمامهم».

5ـ وعن حذيفة بن اليمان أيضاً قال: «يا رسول الله، إنّا كنّا بشرّ، فجاء الله بخير فنحن فيه، فهل من وراء هذا الخير شرّ؟ قال: نعم. قلت: هل وراء ذلك الشرّ خير؟ قال: نعم. قلت: فهل وراء ذلك الخير شرّ؟ قال: نعم. قلت: كيف؟ قال: يكون بعدي أئمّة لا يهتدون بهداي ولا يستنّون بسنّتي، وسيقوم فيهم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس. قال: قلت: كيف أصنع يا رسول الله إن أدركت ذلك؟ قال: تسمع وتطيع للأمير، وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك، فاسمع وأطع».

وعليه؛ فإنّه مع وجود هذه النصوص النبويّة بقسميها المطلق والمقيَّد تواجه ثورة الحسين عليه السلام  في نظر هؤلاء مثل هذه الإشكالية. وسنردّ على هذه الإشكالية بعد استعراض الأقوال عندهم في هذه المسألة.

الأقوال في المسألة[64]

انقسم الموقف لدى علماء المذاهب الأُخرى تجاه مسألة الخروج على الجائر
إلى قولين:

القول الأوّل: حرمة الخروج

 وقد التزم أصحاب هذا القول من الناحية الفقهية بالروايات الناهية عن الخروج، وهؤلاء هم مشهور فقهاء العامّة، بل نُسِبَ هذا القول إلى الإجماع، قال القاضي الباقلاني في باب ذكر ما يوجب خلع الإمام وسقوط فرض طاعته: «إن قال قائل: ما الذي يوجب خلع الإمام عندكم؟ قيل له: يوجب ذلك أُمور، منها: كفرٌ بعد الإيمان، ومنها: تركه إقامة الصلاة والدعاء إلى ذلك، ومنها عند كثير من النّاس ـ: فسقه وظلمه بغصب الأموال، وضرب الأبشار، وتناول النّفوس المحرّمة، وتضييع الحقوق وتعطيل الحدود. وقال الجمهور من أهل الإثبات وأصحاب الحديث: لا ينخلع بهذه الأُمور، ولا يجب الخروج عليه، بل يجب وعظه وتخويفه وترك طاعته في شيء ممّا يدعو إليه من معاصي الله. واحتجّوا في ذلك بأخبار كثيرة متظاهرة عن النّبي (صلّى الله عليه وسلّم)، وعن أصحابه، في وجوب طاعة الأئمّة وإن جاروا واستأثروا بالأموال، وأنّه قال (صلّى الله عليه وسلّم): اسمعوا وأطيعوا ولو لعبدٍ أجدع، ولو لعبدٍ حبشي، وصلّوا وراء كلّ برٍ وفاجر. وروي أنّه قال: أطعهم وإن أكلوا مالك وضربوا ظهرك...»[65].

وقال النووي: «وأمّا الخروج عليهم وقتالهم فحرامٌ بإجماع المسلمين، وإن كانوا فسقة ظالمين، وقد تظاهرت الأحاديث بمعنى ما ذكرته، وأجمع أهل السنّة أنّه لا ينعزل السلطان بالفسق»[66].

ردّ الشبهة

أوّلاً: إنّ الروايات التي استندوا إليها مبتلاة بوجود المعارض المكافئ لها سنداً ودلالة، وهو عبارة عن النصوص الدالة على جواز الخروج على الجائر، من قبيل: ما رواه البخاري عن نافع، عن عبد الله (رضي الله عنه)، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم  قال: «السمع والطّاعة على المرء المسلم فيما أحبّ وكره، ما لم يؤمر بمعصية، فإذا أُمِر بمعصية فلا سمع ولا طاعة»[67].

وروى أبو داود، عن خالد، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم  قوله: «إنّ النّاس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوْشَكَ أن يعمّهم الله بعقاب»[68]، وغيرها من المرويات. فكان اللازم في البدء معالجة التعارض الواقع بين هاتين الطائفتين من النصوص، حتّى ننتهي إلى الجمع بينهما أو ترجيح طائفة على أُخرى أو التساقط؛ وعليه فليس من الصحيح اجتزاء بعض النصوص وترجيح إحدى الطائفتين قبل حلّ التعارض كما يقتضيه المنهج العلمي.

ثانياً: إنّ هذه الروايات معارضة أيضاً بجملة من الآيات؛ وعليه يكون الترجيح للروايات المجوِّزة للخروج لو لم يمكن الجمع بين الطائفتين ورجعنا إلى المرجِّحات الخارجية، ومن هذه الآيات قوله تعالى: (وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّـهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ)[69]، والركون هو: «الاستناد والاعتماد والسكون إلى الشيء والرضا به. قال قتادة: معناه لا تودّوهم ولا تطيعوهم»[70]. وقال الجصّاص: «الركون إلى الشيء: هو السكون بالأُنس والمحبّة، فاقتضى ذلك النهي عن مجالسة الظالمين ومؤانستهم والإنصات إليهم»[71]، فإذا كان الركون منهياً عنه فالطاعة والامتثال لهم من باب أوْلى، وما ذكره الجصّاص هو مقتضى الأولوية، وكذلك يعارض تلك الروايات عمومات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ كقوله تعالى: (وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُولَـٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)[72].

ثالثاً: معارضة هذه النصوص لمقاصد الدين، ولروح الشريعة الغرّاء الداعية إلى إقامة العدل والقسط، وإلى تحكيم الدين والشرع في حياة النّاس؛ كما في قوله تعالى: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ)[73]، فكيف يُعقل للدين الذي جاء من أجل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومقارعة الظلم والتعسّف والفساد أن يُنظِّر ويؤسّس للظلم والفساد بإقراره حكومة الحاكم الجائر؟! أليس هذا نقضاً للغرض الذي لا يفعله الحكيم؟! أليس هذا تقنيناً وتشريعاً للظلم؟! أليس معنى هذا أنّ الدين يمحق نفسه بنفسه عن طريق إعطاء الشرعية لمن يمحقه وهو الظالم؟! إنّ هذا الدين الذي لم يقبل ولا في واحد من تشريعاته الكثيرة الظلم لا على المستوى الفردي ولا على المستوى الاجتماعي، كيف يوافق على هذه المساحة الواسعة من الظلم في المجتمع الإسلامي؟!

قد يقال: أليس اجتماع الأُمّة ووحدتها من مقاصد الشرع والدين، فكيف يجوز الخروج إذا استلزم الفتنة؟

الجواب: قد اشترطنا في الآمر أن يهيّئ الظروف التي منها اجتماع الأُمّة على خلع الجائر، وإلّا فلا بدّ من العمل على تهيئة ذلك، وقد عمل الإمام الحسين عليه السلام  على تهيئة الأرضية للخروج كما تقدّم بيانه.

رابعاً: إنّ في القبول بولاية الجائر والمنع من الخروج نقضاً لكل ما ذكروه في تعريف الخلافة بأنّها نيابة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم  لحراسة الدين، فأيّة حراسة من قبل الجائر للدين وهو يهدم الدين وينقض عُراه ويبطش بأهله؟!

القول الثاني: جواز الخروج على الجائر

ذهب إلى هذا القول جملة من فقهاء الجمهور. قال ابن حزم الأندلسي: «والواجب إن وقع شيء من الجور، وإن قلَّ، أن يُكلَّم الإمام في ذلك ويُمنَع منه، فإن امتنع وراجع الحقّ وأذعن للقود من البشرة أو من الأعضاء، ولإقامة حدّ الزنا والقذف والخمر، فلا سبيل إلى خلعه، وهو إمام كما كان لا يحلّ خلعه، فإن امتنع من إنفاذ شيء من هذه الواجبات عليه ولم يراجع وَجَبَ خلعه، وإقامة غيره ممّن يقوم بالحق»[74]. وقال في موضع آخر موضّحاً حدود الطاعة: «فهو الإمام الواجب طاعته ما قادنا بكتاب الله تعالى وسُنّة رسول الله، فإن زاغ عن شيء منهما مُنِعَ من ذلك، وأُقيم عليه الحدّ والحق، فإن لم يُؤمَن أذاه إلّا بخلعه خُلِعَ وولّي غيره»[75].

وقال البغدادي: «ومتى زاغ عن ذلك كانت الأُمّة عياراً عليه في العدول به من خطأه إلى صوابه، أو في العدول عنه إلى غيره»[76].

وقال الماوردي: «الذي يتغيّر به حاله [أي: حال الإمام] فيخرج به عن الإمامة شيئان: أحدهما جَرْحٌ في عدالته، والثاني نقصٌ في بدنه»[77]. وقال أيضاً: «وإذا قام الإمام بما ذكرناه من حقوق الأُمّة فقد أدّى حقّ الله تعالى فيما لهم وعليهم، ووجب له عليهم حقّان: الطاعة، والنصرة، ما لم يتغيَّر حاله»[78].

وقال الرازي في تفسير آية الطاعة لأُولي الأمر: «إنّ الأُمّة مُجمِعَة على أنّ الأُمراء والسلاطين إنّما يجب طاعتهم فيما عُلِم بالدليل أنّه حق وصواب»[79]. وقال أيضاً: «إنّهم [الظالمين] غير مؤتمنين على أوامر الله تعالى، وغير مقتدى بهم فيها، فلا يكونون أئمّة في الدين؛ فثبت بدلالة الآية بطلان إمامة الفاسق»[80].

وقال الزمخشري: «إنّ أُمراء الجور، الله ورسوله بريئان منهم، فلا يعطفون على الله ورسوله في وجوب الطاعة لهم»[81].

وقال الطبري: «لصحة الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأمر بطاعة الأئمّة والولاة، فيما كان [لله] طاعة وللمسلمين مصلحة»[82].

وقال البيضاوي: «أمر النّاس بطاعتهم بعدما أمرهم بالعدل؛ تنبيهاً على أنّ وجوب طاعتهم ما داموا على الحقّ»[83].

وقال الشهرستاني: «إن ظَهَرَ بعد ذلك [أي: من الإمام] جهلٌ أو جورٌ أو ضلالٌ أو كفرٌ، انخلع منها، أو خلعناه»[84].

وقال الغزالي: «إنّ السلطان الظالم عليه أن يكفّ عن ولايته، وهو إمّا معزول أو واجب العزل... وهو على التحقيق ليس بسلطان»[85].

وقال الإيجي: «وللأُمّة خلع الإمام وعزله بسبب يوجبه». وقد شرح هذه العبارة الجرجاني بقوله: «مثل أن يوجد منه ما يوجب اختلال أحوال المسلمين، وانتكاس أُمور الدّين، كما كان لهم نصبه وإقامته لانتظامها وإعلائها»[86].

وقد استُدِلَّ على هذا الرأي بما يلي:

1 ــ  الكتاب العزيز

مثل قوله تعالى: (وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ * الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ)[87]، وقوله عزّ وجل: (وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ)[88]، وقوله تعالى: (وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّـهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ)[89]، وقد مرّ معنى الركون سابقاً.

وأيضاً ما جاء في وصف حال المعذَّبين في الآخرة بسبب طاعتهم الحكّام
في المعصية: (وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا * رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا)[90]، وقوله تعالى: (إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ * وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَٰلِكَ يُرِيهِمُ اللَّـهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ)[91]، وقوله تعالى: ( وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّـهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ )[92]. وقد نقل القرطبي تفسيراً عن ابن عباس لهذه الآية الكريمة: «أمر الله المؤمنين أن لا يَقرُّوا المنكر بين أظهرهم فيعمّهم العذاب»[93].

وقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَىٰ أَن لَّا يُشْرِكْنَ بِاللَّـهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّـهَ إِنَّ اللَّـهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ)[94]، وقد فسَّر العلماء قوله تعالى: (وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ ) بقولهم: «التقييد بالمعروف مع أنّ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم  لا يأمر إلّا به؛ للتنبيه على أنّه لا يجوز طاعة مخلوق في معصية الخالق»[95].

 2 ــ  السُّنّة النبويّة

وهي طائفتان من الروايات:

الطائفة الأُولى: الروايات الناهية بعمومها عن طاعة المخلوق سواء أكان حاكماً
 أم غيره في معصية الخالق، مثل قوله صلى الله عليه وآله وسلم : «السمع والطاعة حقّ، ما لَم يُؤمَر بالمعصية، فإذا أُمِر بمعصية فلا سمع ولا طاعة»[96]، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم : «إنّما الطاعة في المعروف»[97]، وقوله أيضاً: «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق»[98].

الطائفة الثانية: الروايات الخاصّة الناهية عن طاعة الحاكم الجائر، وهي القسم الثاني من الروايات السابق ذكرها، مثلما رواه أبو داود عن خالد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم  قوله: «إنّ النّاس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه؛ أوْشَكَ أن يعمّهم الله بعقاب». وما رواه أيضاً من حديث ابن مسعود عنه صلى الله عليه وآله وسلم  قال: «والله، لتأمرُنّ بالمعروف ولتنهَونَ عن المنكر، ولتأخذُنّ على يدي الظالم، ولتأطرُنه على الحقّ أطْراً، ولتقصرُنه على الحقّ قصراً»[99].

وقد روي عن أبي بكر قوله: «أطيعوني ما أطعت الله ورسوله فيكم، فإن عصيت فلا طاعة لي عليكم»[100].

وذهب عمر إلى أبعد من ذلك؛ حيث أجاز قتل الحاكم الظالم في خطبته التي ورد فيها: «لوددت أنّي وإيّاكم في سفينة في لجّة البحر تذهب بنا شرقاً وغرباً، فلن يعجز الناس أن يولّوا رجلاً منهم، فإن استقام اتبعوه، وإن جنف قتلوه. فقال طلحة: وما عليك لو قلت: وإن تعوَّج عزلوه؟ قال: لا، القتل أنكل لمن بعده»[101].

فإن قلت: هذه الروايات معارضة بالروايات الناهية عن الخروج على الجائر، وعليه لا بدّ من علاج التعارض.

قلت: نعم، يقع التعارض في مقامين:

المقام الأوّل: الروايات الناهية عن شقّ عصا الأُمّة ومفارقة الجماعة المروية عند الفريقين، وهنا لا بدّ من تقييد إطلاقها طبقاً لقواعد الجمع العرفي بالروايات الدالة على جواز الخروج، المؤيَّدة بعمومات الآيات السابقة الناهية عن الركون للظلم، وعمومات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا داعي لحمل الروايات الناهية عن شقّ عصا الأُمّة ومفارقة الجماعة على التقية، كما ذكره السيّد الأُستاذ (دام ظلّه)[102].

المقام الثاني: الروايات الناصّة على حرمة الخروج على الجائر، والتعارض بينها وبين ما دلّ على جواز الخروج محكّم ومستقر، ولا يمكن الجمع العرفي، فتصل النوبة إلى المرجِّحات، وهي تُرجّح الثانية؛ لوجود المرجِّح من الكتاب، وحكم العقل، ومقاصد الشرع، والمخالفة لفتوى الجمهور.

3 ــ الاحتجاج بخروج الحسين عليه السلام

احتجَّ البعض على جواز الخروج؛ بخروج الحسين عليه السلام ، والظاهر أنّ ذلك بناءً منهم على حجيّة عمل الصحابي. قال ابن مفلح الحنبلي: «جَوَّز ابن عقيل وابن الجوزي الخروج على الإمام غير العادل؛ بدليل خروج الحسين على يزيد لإقامة الحق»[103].

الشبهة الرابعة: خطأ الحسين عليه السلام  في حسابات المعركة

هناك مَن خطّأ الحسين عليه السلام  في حساباته وتخطيطه، لا في أصل شرعية خروجه، وهذا ما ذهب إليه ابن خلدون حيث قال: «فرأى الحسين أنّ الخروج على يزيد متعيّن من أجل فسقه، ولا سيما مَن له القدرة على ذلك، وظنّها من نفسه بأهليّته وشوكته، فأمّا الأهلية فكانت كما ظنَّ وزيادة، وأمّا الشوكة فغلط يرحمه الله فيها»[104].

ردّ الشبهة

لم يبيِّن ابن خلدون كيف أخطأ الحسين عليه السلام  في حساباته، فهذه دعوى غير بيِّنة ولا مبيَّنة؛ وذلك لأنّ الإمام عليه السلام  لم يخطأ، بعدما قدّم كل المقدّمات اللازمة لنهضته كإرسال الرسل إلى البلاد، ومنهم: سفيره إلى الكوفة الذي أمره أن يُخبره بصحّة مكاتبات الكوفيين له بالقدوم، فهو عليه السلام  كان محتاطاً في التعامل مع طلب الكوفيين ولم يكتف بكتبهم، بل أرسل مَن يدرس له الواقع الذي يكمن وراءها؛ وعلى هذا الأساس أُخِذَت له البيعة في الكوفة، وكتب له مسلم بمبايعة ثمانية عشر ألف رجل منهم، وفي بعض الروايات خمسة وعشرون، وفي بعضها أربعون ألفاً، ولولا خوف قتله في مكّة غيلةً لمَا كان ليخرج منها حتى يأتيه جواب مسلم من الكوفة ويتثبَّت من الأمر، فلم يكن استعجاله الخروج إلّا خوف انتهاك حرمة الكعبة، كما صرَّح بذلك لابن الزبير حينما قال له: «إنّ أبي حدثني أنّ بمكّة كبشاً به تُستَحلّ حرمتها، فما أحبّ أن أكون ذلك الكبش، ولئن أُقتَل خارجاً منها بشبر أحبّ إليَّ من أن أُقتَل فيها»[105]. وقال في جواب عن سبب خروجه من المدينة: «شتموا عرضي فصبرت، وطلبوا مالي فصبرت، وطلبوا دمي فهربت»[106].

وقد نقل المؤرِّخون موقف الحسين عليه السلام  المتريِّث هذا قبال كُتِب أهل الكوفة، فقد ذكر الطبري أنّ الحسين عليه السلام  كتب كتاباً إلى أهل الكوفة جاء فيه: «وقد فهمت كلّ الذي قصصتم وذكرتم ومقالة جلّكم أنّه ليس علينا إمام... وقد بعثت إليكم أخي وابن عمّي وثقتي من أهل بيتي، وأمرته أن يكتب إليَّ بحالكم وأمركم ورأيكم»[107]، فكل هذه النصوص تدلّ على محاولته عليه السلام  دراسة الوضع دراسة ميدانية، وأنّه لم يكن مخطئاً في حركته، ولكن الأُمور قد تغيَّرت بمقتل سفيره مسلم بن عقيل.

وأمّا استمراره عليه السلام  في مواصلة الطريق حتى بعد اتضاح مقتل سفيره مسلم وتغيُّر الأُمور لغير صالحه، الأمر الذي يذكره البعض كابن الخطيب[108]، فالجواب عليه ما يلي:

أوّلاً: إنّ الإمام عليه السلام  على الرغم من شهادة مسلم كان ملتزماً بتعهّده لأهل الكوفة، محترماً لما قطعه على نفسه لهم من القدوم عليهم بحيث لم يكن يسعه رفض طلبهم بمجرد مقتل سفيره؛ ولذا واصل السير باتجاه الكوفة؛ لأنّه كان من المحتمل عند قدومه تتغيَّر الأُمور لصالحه كما تغيَّرت لصالح ابن زياد بعد دخوله فيها، وهذا الاحتمال وارد جدّاً؛ ويدلّ عليه قوله للطرماح ـ لما عَرَضَ عليه أن يلتجئ لقبيلته طي التي ستحميه وتقاتل لجانبه بعشرين ألف مقاتل ـ: «إنّه قد كان بيننا وبين هؤلاء القوم قولٌ لسنا نقدر معه على الانصراف»[109].

ثانياً: إنّه لو سلَّمنا عدم تمامية الجواب السابق، وأنّه كان يتحتّم عليه الرجوع، لكن السؤال المطروح هو: هل كان يملك الحسين عليه السلام  أمر الرجوع؟ وهل كان يسعه ذلك وهو محاصر من قِبل الحُر في ألف فارس، فكان على الإمام إمّا القبول بشروطهم والنزول على بيعة ابن زياد في الكوفة ويزيد في الشام، أو القبول بحكم السيف، وهذا ما أشار إليه الحسين عليه السلام  بقوله: «أَلا وإنّ الدّعي ابن الدّعي تركني بين السِّلة والذِّلة»[110]، وقد أشار المحقِّق الكركي لذلك فقال: «في الوقت الذي تصدّى للحرب فيه لم يبقَ له طريق إلى المهادنة، فإنّ ابن زياد لعنه الله كان غليظاً في أمرهم عليهم السلام ، فربّما فعل بهم ما هو فوق القتل أضعافاً مضاعفة»[111].

لقد علم الحسين عليه السلام  منذ بداية تحرّكه أنّه غير متروك، وأنّه مطلوب للقتل لا محالة، وقد صرح بذلك مراراً عديدة، فكان أمامه ثلاثة خيارات لا رابع لها:

الخيار الأوّل: البيعة الذليلة، وهذا ما كان يرفضه منذ البداية، فإنّه ذكر في المدينة لأخيه ابن الحنفية: «يا أخي، والله، لو لم يكن في الدنيا ملجأ ولا مأوى لمَا بايعتُ ـ والله ـ يزيد بن معاوية أبداً»[112]، وهذا قرار اتخذه الإمام وثبت عليه ولم يتراجع عنه؛ لأنّ في البيعة إقراراً لمشروعية الحكم الأُموي وتهديداً لبيضة الإسلام ومحوه والقضاء عليه إلى الأبد.

وعليه؛ فكان على الإمام عليه السلام  إما أن يُقتَل ويحيى الدين، وإمّا أن يموت الدين ويبقى هو عليه السلام  حياً، هذا على فرض بقائه حيّاً وعدم تصفيته جسدياً كما وقع لأخيه الحسن عليه السلام  بعد الاتفاق والصلح، فلم يبقَ أمامه عليه السلام  إلّا خيار الشهادة.

الخيار الثاني: القتلة الذليلة التي تختارها السلطة.

الخيار الثالث: القتلة العزيزة التي يختارها الإمام عليه السلام .

ولا شكّ في أنّ كل قائد ثائر حرّ نزيه يختار الخيار الثالث؛ إذ النتيجة على كلّا التقديرين هو القتل، فلماذا لا يختار القتل بعزّة؟! وهذا ما اختاره الإمام الحسين عليه السلام  بالفعل.

 ثالثاً: إنّ كل ما تقدّم إنّما هو على طبق الحسابات الطبيعية والتكليف الظاهري، وأمّا بحسب التكليف الخاص، فإنّه عليه السلام  كان مكلَّفاً بتكليفٍ خاصٍ من قِبل جدّه المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم  على نحو الوجوب التعييني، ولم يكن الحسين عليه السلام  ليحيد عنه، وهذا ما تؤكِّده النصوص الكثيرة التي صرَّح بها من أوّل تحرِّكه حتى النهاية، حيث كان يردّ على الناصحين له بعدم الخروج مخافة القتل بأجوبة متعددة منها: أنّه خَرَجَ لأجل الأمر بالمعروف. ومنها: أنّه مطلوب للسلطة على كل حال سواء قام أو قعد. ومنها: أنّه مأمور بذلك بنحو خاص على نحو الوجوب التعييني، وإليك بعض كلماته عليه السلام  في هذا المجال:

1ـ لمّا أراد عبد الله بن جعفر أن يصرفه عليه السلام  عن الخروج، لم يقبل وقال له: «إنّه رأى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم  في المنام، وأمره لا بدّ من إنفاذه»[113].

 2ـ في ليلة خروجه عليه السلام  من مكّة إلى العراق نصحه ابن الحنفية بعدم الخروج مخافة غدر أهل الكوفة، وأن يسير إلى اليمن أو بعض نواحي البر، فوعده عليه السلام  النظر في ذلك، لكن ابن الحنفية تفاجأ بخروجه في سحر تلك الليلة، فحدث حوار بينهما كما نقل المجلسي: «يا أخي، ألَم تعدني النظر فيما سألتك؟ قال: بلى. قال: فما حداك على الخروج عاجلاً؟ قال: أتاني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم  بعدما فارقتك فقال: يا حسين، اخرُج؛ فإنّ الله تعالى شاء أن يراك قتيلاً»، فاسترجع ابن الحنفية، ثمّ أضاف له عليه السلام  سبب إخراج العيال أيضاً قائلاً: «شاء الله أن يراهنّ سبايا»[114].

الشبهة الخامسة: تعيّن الصلح مع يزيد لا الخروج عليه

ثمّة مَن يشكك في خروج الحسين عليه السلام  ويخطّئه في تقدير المصلحة ویقول: إنّ المصلحة كانت في المصالحة مع يزيد كما صالح النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم  في الحديبية، وكما صالح الإمام الحسن عليه السلام  مع معاوية، فهذان نموذجان يصلحان للتأسّي في حال عدم تكافؤ المواجهة.

وبعبارة ثانية: كان أمام الإمام الحسين عليه السلام  عدة خيارات:

الخيار الأوّل: الخروج على يزيد، وهذا ما لم یکن يرضَ به يزيد، علماً أنّ هذا الخيار لم يفضِ إلى إزالة ملكه.

الخيار الثاني: البيعة ليزيد، وهذا ما لم يكن يرضى به الحسين عليه السلام .

الخيار الثالث: الصلح مع يزيد كحل وسط بين الطرفين من دون بيعة، كما فعل الإمام الحسن عليه السلام ؛ لأنّ الصلح يعني الهدنة وإيقاف المواجهة، ولا یعنی البیعة بالضرورة.

ردّ الشبهة

أوّلاً: إنّ اقتراح المصالحة لم يكن وارداً آنذاك لا من قِبَل السلطة ولا من قِبَل الإمام عليه السلام ، بل كانت السلطة تركّز على أحد أمرين: إمّا البيعة، أو السيف، وهذا ما أشار إليه الإمام بقوله المعروف: «أَلا وإنّ الدّعي ابن الدّعي تركني بين السِّلة والذِّلة»، كما رفض ابن زياد وساطة ابن سعد الذي اقترح أن يذهب الحسين عليه السلام  لإحدى البلدان، فجاء الردّ من ابن زياد: أنّه لم يبعثه لكي يفاوض الحسين عليه السلام .

ثانياً: إنّه قد تقدّم أنّ الإمام عليه السلام  إنّما خرج للإصلاح، بعد أن أدرك خطر حكومة يزيد وتحوّل الحكم إلى وراثة وملوكية، فلم يكن يسعه لا البيعة ولا الصلح، بل حتى لو آمنه الأُمويون واكتفوا منه بالسكوت وعدم البيعة لم يسعه السكوت أيضاً، هذا مضافاً إلى كونه مكلَّفاً على وجه التعيين بالخروج من قِبل جدّه صلى الله عليه وآله وسلم ، كما صحّ عنه ذلك، وهو مصدّق في إخباره؛ لأنّه من أهل آية التطهير. قال المحقّق الكركي: «وأمّا فعل الحسين صلوات الله عليه، فإنّه لا نعلم منه أنّ المصلحة كانت في المهادنة وتركها، ولعلّه عليه السلام  علم أنّه لو هادن يزيد (عليه اللعنة) لم يفِ له، أو أنّ أمْرَ الحقّ يضعف كثيراً بحيث يلتبس على النّاس، مع أنّ يزيد (لعنه الله) كان متهتِّكاً في فعله، مُعلِناً بمخالفة الدين، غير مداهن كأبيه (لعنة الله عليهما)، ومَن هذا شأنه لا يمتنع أن يرى إمام الحقّ وجوب جهاده، وإن علم أنّه يُستشهد، على أنّه عليه السلام  في الوقت الذي تصدّى للحرب فيه لم يبقَ له طريق إلى المهادنة، فإنّ ابن زياد (لعنه الله) كان غليظاً في أمرهم عليهم السلام ، فربّما فعل بهم ما هو فوق القتل أضعافاً مضاعفة»[115].

ثالثاً: إنّه على فرض القبول بالصلح، فهل يلتزم يزيد بالصلح؟ وهل الصلح سيضمن حياة الإمام عليه السلام ، أم سينكث يزيد الصلح كما نكث أبوه من قَبْلُ صلحه مع الإمام الحسن عليه السلام ، ولم يكتفِ بذلك، بل سمّ الإمام الحسن عليه السلام  بعد نقض الصلح؟

فتلخّص ممّا سبق: أنّ خروج الإمام الحسين عليه السلام  كان صحيحاً بحسب المقاييس الشرعية والضوابط الوضعية؛ وذلك لأنّ كلّ المبرّرات كتاباً وسنّة وعقلاً وعقلائيّاً وإجماعاً تكفل هذا الخروج بما لا تُبقي مجالاً من الناحية العلميّة للتشكيك في شرعيّته، وهذا ما أجمع عليه علماء الفريقين، سوى شرذمة من متفقهة بني أُميّة الذين أرادوا تلميع صورتهم والدفاع عنهم والتجنّي على الفقه بطرح شبهات فقهية على خروجه عليه السلام ، وقد عرفت تفنيدها ونقدها، ولولا طرحها لمَا جاز التعرّض لها والخوض فيها، بعد قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : «الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنة»[116]، وقوله: «ابناي هذان إمامان قاما أو قعدا»[117].

 

 

 

 


[1] إنّ التعرّض لهذه المبرّرات مبني على الرأي القائل: بأنّ خروج الإمام عليه السلام  قابل للتكييف الفقهي ضمن الأدلّة والقواعد الشرعية المقرَّرة فقهياً، كما هو مذهب جماعة. اُنظر: الحلّي، الحسن بن يوسف، منتهى المطلب: ج2، ص974. الشهيد الثاني، زين الدين بن علي، مسالك الأفهام: ج 3، ص 83. الكركي، علي بن الحسين، جامع المقاصد: ج3، ص466. الطباطبائي، علي، رياض المسائل: ج1، ص494.

      وأمّا بناءً على الرأي القائل بأنّ خروج الإمام عليه السلام  لأجل تكليف خاص به كما ذهب إليه صاحب الجواهر فلا معنى للكلام عن المبرّرات والأدلّة حينئذ، وهذه جهة أُخرى في البحث تحتاج إلى دراسة مستقلّة. النجفي، محمّد حسن، جواهر الكلام: ج21، ص295.

[2] الذي هو في نفسه من أعظم المنكرات الواجب تغييرها.

[3] ابن نما، محمد بن جعفر، مثير الأحزان: ص14.

[4] المصدر السابق: ص31.

[5] الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الأُمم والملوك: ج4، ص34.

[6] المصدر السابق.

[7] المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج 44، ص329.

[8] المصدر السابق: ص328.

[9] النجفي، محمد حسن، جواهر الكلام: ج21، ص 368.

[10] الأعراف: آية164.

[11] الروحاني، محمد صادق، فقه الصادق: ج 13، ص 248.

[12] المصدر السابق: ص249- 250.

[13] لجنة من الفضلاء بإشراف السيّد محمود الهاشمي، موسوعة الفقه المقارن: ج3، ص249.

[14] الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الأُمم والملوك: ج 4، ص303.

[15] اُنظر: السبحاني، جعفر، سيرة الأئمة: ص204.

[16] الروحاني، محمد صادق، فقه الصادق: ج13، ص267.

[17] اُنظر: الخميني، روح الله، تحرير الوسيلة: ج1، ص473. الروحاني، محمد صادق، فقه الصادق: ج13، ص247. المنتظري، حسين علي، الأحكام الشرعية: ص 369.

[18] الخميني، روح الله، تحرير الوسيلة: ج1، ص472.

[19] ابن الجوزي، عبد الرحمن، التّبصرة: ص224.

[20] الغزالي، محمد، الإسلام والاستبداد السياسي: ص43.

[21] العلايلي، عبد الله، سمو المعاني: ص28.

[22] البقرة: آية 190.

[23] التوبة: آية 123.

[24] الأنفال: آية 61.

[25] البقرة: آية 195.

[26] البقرة: آية 190.

[27] الحلي، الحسن بن يوسف، منتهى المطلب: ج 2، ص974.

[28] اُنظر: الكركي، علي بن الحسين، جامع المقاصد: ج 3، ص466. الطباطبائي، علي، رياض المسائل: ج1، ص494.

[29] الحراني، الحسن بن علي، تحف العقول: ص505.

[30] أبو داود، سليمان، السنن: ج2، ص323، رقم 4338.

[31] ابن الأثير، علي بن أبي الكرم، الكامل في التاريخ: ج4، ص38.

[32] الزرندي، محمد بن يوسف، نظم درر السمطين: ص214.

[33] ابن العربي، محمد بن عبد الله، العواصم من القواصم: ص245.

[34] ابن رجب، عبد الرحمن، الذيل على طبقات الحنابلة: ج2، ص34.

[35] ابن حجر، أحمد بن علي، تهذيب التهذيب: ج 2، ص381.

[36] المصدر السابق: ج7، ص176.

[37] ابن حجر، أحمد بن علي، تهذيب التهذيب: ج 2، ص381.

[38] الشوكاني، محمد بن علي، نيل الأوطار: ج 7، ص147.

[39] محمد: آية 22ـ 23.

[40] الآلوسي، محمود، روح المعاني: ج26، ص73.

[41] ابن خلدون، عبد الرحمن، المقدّمة: ص217.

[42] الحنبلي، ابن مفلح، الفروع: ج3، ص548، باب قتال أهل البغي.

[43] الشوكاني، محمد بن علي، نيل الأوطار: ج7، ص147.

[44] الجاحظ، عمرو بن بحر، رسائل الجاحظ، الرسالة الحادية عشر في بني أُمية.

[45] الذهبي، محمد بن أحمد، سير أعلام النبلاء: ج4، ص38.

[46] ابن تيمية، أحمد بن عبد الحليم، المنتقى من منهاج السنّة: ص287.

[47] الخضري بك، محمد، تاريخ الأُمم الإسلامية: ج2، ص235.

[48] اُنظر: الخزرجي، صفاء الدين، الصحوة الإسلامية المعاصرة وإشكالية الخروج على الحاكم الجائر، مجلة الاجتهاد والتجديد: العدد24.

[49] ابن نما، محمد بن جعفر، مثير الأحزان: ص15.

[50] اليعقوبي، أحمد، تاريخ اليعقوبي: ج2، ص220. الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الأُمم والملوك: ج5، ص302ـ303. ابن الأثير، علي بن أبي الكرم، الكامل في التاريخ: ج3، ص505.

[51] الترمذي، محمد بن عيسى، سنن الترمذي: ج5، ص321.

[52] المصدر السابق: ص324.

[53] النجم: آية 3ـ 4.

[54] الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الأُمم والملوك: ج4، ص304.

[55] ابن تيمية، أحمد، منهاج السنّة: ج2، ص225.

[56] ابن الأثير، علي بن أبي الكرم، الكامل في التاريخ: ج4، ص140.

[57] ابن تيمية، أحمد، منهاج السنّة: ج2، ص253.

[58] المصدر السابق: ص254.

[59] اُنظر: المصدر السابق: ج4، ص243.

[60] اُنظر: المصدر السابق: ج4، ص244.

[61] اُنظر: البخاري، محمد بن إسماعيل، صحيح البخاري: ج 8، ص7 8.

[62] اُنظر: النيسابوري، مسلم، صحيح مسلم: ج6، ص20، 22.

[63] المصدر السابق: ص19-24.

[64] اُنظر: ـ لهذه الأقوال التي نقلناها بتصرّف ـ مقالاً للكاتب تحت عنوان: (الصحوة الإسلامية المعاصرة وإشكالية الخروج على الحاكم الجائر)، مجلّة الاجتهاد والتجديد: العدد 24.

[65] الباقلاني، محمد، تمهيد الأوائل: ص478.

[66] النووي، يحيى بن شرف، صحيح مسلم بشرح النووي: ج12، ص229.

[67] البخاري، محمد بن إسماعيل، صحيح البخاري: ج4، ص7، ج8، ص106.

[68] أبو داود، سليمان، السنن: ص322.

[69] هود: آية 113.

[70] القرطبي، محمد بن أحمد، الجامع لأحكام القرآن: ج9، ص108.

[71] الجصاص، أحمد بن علي، أحكام القرآن: ج 3، ص215.

[72] آل عمران: آية 105.

[73] الحديد: آية 25.

[74] ابن حزم، علي، الفصل في الملل والأهواء والنحل: ج4، ص175ـ 176.

[75] المصدر السابق: ص102.

[76] البغدادي، عبد القاهر، أُصول الدين: ص278.

[77] الماوردي، علي بن محمد، الأحكام السلطانية: ص17.

[78] المصدر السابق.

[79] الرازي، محمد، التفسير الكبير: ج10، ص145.

[80] المصدر السابق: ج 4، ص47. والآية المشار إليها هي قوله تعالى: (لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ) البقرة: آية124.

[81] الزمخشري، جار الله، الكشاف: ج1، ص 405.

[82] الطبري، محمد بن جرير، جامع البيان: ج5، ص207.

[83] البيضاوي، عبد الله بن عمر، تفسير البيضاوي: ج2، ص206.

[84] الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم، نهاية الإقدام: ص296.

[85] الغزالي، محمد، إحياء علوم الدين: ج 2، ص111.

[86] الجرجاني، علي بن محمد، شرح المواقف: ج 8، ص353.

[87] الشعراء: آية 151 ـ 152.

[88] الكهف: آية 28.

[89] هود: آية 113.

[90] الأحزاب: آية67 ـ  68.

[91] البقرة: آية166ـ 167.

[92] الأنفال: آية25.

[93] القرطبي، محمد بن أحمد، الجامع لأحكام القرآن: ج7، ص391.

[94] الممتحنة: آية 12.

[95] أبو السعود، محمد، إرشاد العقل السليم: ج8، ص240.

[96] البخاري، محمد بن مسلم، صحيح البخاري: ج4، ص126.

[97] المصدر السابق: ج 9، ص113. النووي، يحيى بن شرف، صحيح مسلم بشرح النووي: ج10، ص227.

[98] البيهقي، أحمد بن الحسين، السنن: ج3، ص122. الهيثمي، علي، مجمع الزوائد: ج5، ص226. السيوطي، جلال الدين، الجامع الصغير: ج2، ص203.

[99] أبو داود، سليمان، السنن: ص322.

[100] ابن هشام، محمد بن إسحاق، السيرة النبويّة: ج4، ص341.

[101] ابن الأثير، علي بن أبي الكرم، الكامل في التاريخ: ج3، ص20.

[102] الحائري، كاظم، الكفاح المسلّح: ص102.

[103] الحنبلي، ابن مفلح، الفروع: ج3، ص548.

[104] ابن خلدون، عبد الرحمن، المقدمة: ج1، ص216.

[105] ابن الأثير، علي بن أبي الكرم، الكامل في التاريخ: ج4، ص16.

[106] الصدوق، محمد بن علي، الأمالي: ص218.

[107] الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الأُمم والملوك: ج4، ص262.

[108] ابن الخطيب، محبّ الدين، تعليقاته على العواصم من القواصم: ص239.

[109] الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الأُمم والملوك: ج 4، ص307.

[110] الطبرسي، أحمد بن علي، الاحتجاج: ج2، ص24.

[111] الكركي، علي بن الحسين، جامع المقاصد: ج 3، ص466.

[112] ابن أعثم، أحمد، الفتوح: ج5، ص21.

[113] اُنظر: الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الأُمم والملوك: ج6، ص292.

[114] المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج44، ص364.

[115] الكركي، علي بن الحسين، جامع المقاصد: ج 3، ص 467.

[116] الترمذي، محمد بن عيسى، سنن الترمذي: ج5، ص321.

[117] المفيد، محمد بن محمد، الإرشاد: ج2، ص30.

 
 
البرمجة والتصميم بواسطة : MWD