1439 / ربیع‌الاول / 6  |  2017 / 11 / 25         الزيارات : 484125         صلاة الصبح |         صلاة الظهر والعصر |         صلاة المغرب والعشاء |

العنف والإرهاب في أصول الإسلام الوهابي (الهجوم على مدينة كربلاء أُنموذجاً)

{ الشيخ ماهر الحكاك }
العنف والإرهاب في أصول الإسلام الوهابي (الهجوم على مدينة كربلاء أُنموذجاً)

 

توطئة

 أصبحت ظاهرة الإرهاب أعقد ظاهرة سياسيّة وأمنيّة واجتماعيّة يواجهها العالم الإسلامي، وقد ترعرعت في أحضان عملاء الاستعمار في المنطقة، وزُرِعت في البيئة العربيّة والإسلاميّة؛ فوجدت المناخ المناسب لها، وسقتها بعض الفِرَق بأفكارها التي تدَّعي انتماءها إلى الدين.

ونتيجةً لتفاعل هذه الظاهرة ومساسها بحياة الناس، نتجت دراسات ومقالات وردود فكرية، تحدّثت عن جذورها التاريخيّة والسياسيّة والدينيّة.

يتمحور هنا المقال حول تطرف الحركة الوهابيّة وإرهابها وأعمال العنف التي قامت بها من خلال هجومها على كربلاء. فاقتضى ذلك أن نبدأ بتعريف العنف والإرهاب لغةً واصطلاحاً، ثمّ دلالات الآيات القرآنيّة التي وردت فيها مفردة الإرهاب بمشتقاتها، والتفريق بين الجهاد والإرهاب.

 وبما أنّ البحث يرتبط بالوهابيّة تطرّقنا إلى التعريف بنشأة الوهابيّة: الاعتقاديّة والتاريخيّة، لنصل بعد ذلك إلى تفاصيل هجوم تلك الفئة على كربلاء والعنف الذي مارسوه آنذاك.

تعريف الإرهاب

أ ـ الإرهاب لغةً

يعود المعنى اللغوي للإرهاب إلى كلمة (رَهِبَ).

وقد قام علماء اللغة ببحث عدّة معانٍ لها، وهي كالآتي:

1 ـ «رهب: الرَّهْبَة: الراء والهاء والباء أصلان، أحدهما يدل على خوفٍ، والآخر على دقة وخفَّة»[1].

2 ـ «رهب: الرَّهْبَة والرُّهْبُ مخافةٌ مع تحرّز واضطراب، قال: (لَأَنتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً)»[2].

3 ـ «رهب: رَهِبَ، يَرهَبُ رَهْبَةً ورُهباً، بالضم، ورَهَباً، بالتحريك، أي: خاف. ورَهِبَ الشيء رَهْباً ورَهَباً ورَهْبَةً: خافه. وأرهَبَهُ ورَهَّبَهُ واسترهَبَه، أخافه وفزّعه»[3].

4 ـ «الأرهاب(بالفتح) ما لا يصيد من الطير كالبغاث، والإرهاب (بالكسر) الإزعاج والإخافة»[4].

ومما تقدّم يظهر المراد من الإرهاب، وهو: الإخافة، والإفزاع، والإزعاج.

ب  ـ الإرهاب اصطلاحاً

هناك خلاف كبير في تعريف الإرهاب وتحديد معناه، ومع ذلك فقد صاغ رجال الفكر، والسياسة، والاجتماع، والقانون، وربما الشريعة، تعاريف تُبيّن ماهية الإرهاب. نورد فيما يلي بعضاً منها:

«الإرهاب: استخدام العنف غير القانوني أو التهديد به، بأشكاله المختلفة: كالاغتيالات، والتشويه والتعذيب، والتخريب والنسف، بُغية تحقيق هدف سياسي معين»[5].

2ـ «الإرهاب: هو استعمال غير مشروع للقوة، في سبيل الوصول إلى غاية ما»[6].

«الإرهاب: هو إحداث أثر سلبي يطال النفس البشرية؛ وذلك بإدخالها في حالة من الخوف والقلق، والرعب والتوتر، بما يؤدي إلى التأثير على اتجاهاتها وآرائها تجاه قضية ما»[7].

4ـ «الإرهاب: استخدام جميع الوسائل والأساليب المشروعة، في بث الرعب في قلب العدو؛ من أجل أهداف معينة»[8].

5 ـ «الإرهاب: هو كلّ استخدام، أو تهديد باستخدام عنف غير مشروع؛ لخلق حالة من الخوف والرعب؛ بقصد تحقيق التأثير، أو السيطرة على فرد، أو مجموعة من الأفراد، أو حتى المجتمع بأسره، وصولاً إلى هدف معيّن يسعى الفاعل إلى تحقيقه»[9].

التعريف المختار

إنّ التعريف الخامس من التعاريف المتقدّمة يشتمل على ما يلي:

1ـ قيّد العنف بغير المشروع لا مطلق العنف، والذي قد يكون نتيجةً وردّ فعل لمِا يُستخدم ضدّ الضحيّة.

2ـ استخدام العنف، أو التهديد به.

3ـ ذكر الحالة النفسيّة التي يخلقها الإرهاب في نفس الضحيّة من الخوف والذعر.

4ـ بيّن الجهة التي يطالها الإرهاب سواء كانت فرداً، أو مجموعة من الأفراد، أو حتى المجتمع بأسره.

5ـ أشار التعريف إلى الجهة المنفّذة، أو الفاعل للعنف والإرهاب، بغض النظر عن هويته.

6ـ لم يحصر التعريف هدف الإرهاب في جانب معيّن.

7ـ هذا الحدّ وسّع من دائرة مفهوم الإرهاب، متجاوزاً التأثير على الضحيّة إلى السيطرة عليها ودخولها تحت رحمته[10].

والتعريف الرابع كان لباحث إسلامي استنتجه من مصادره الشرعيّة التي يعتمد عليها، ويمكن أن تسجل بعض الملاحظات عليه:

1ـ الإرهاب نتيجة وليس وسيلة في دفع العدو.

2ـ لم يحدد العدو في ساحة القتال، أو في غيرها.

لمِا تقدّم نرجّح التعريف الخامس.

الاستعمال القرآني لمفردة الإرهاب

وردت مشتقات لفظة (الإرهاب) في آيات مُتعددة من سور القرآن، حيث ذكر القرآن الكريم الفعل(رَهِبَ) في سبعة مواضع يهمّنا منها موردان:

1ـ قوله تعالى: (لَأَنتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِم مِّنَ اللَّـهِ)[11]، بمعنى الخشية[12].

2ـ قوله تعالى: (وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّـهِ وَعَدُوَّكُمْ)[13].

 

ولتوضيح المقصود من الآيتين الكريمتين ينبغي الالتفات إلى عدّة أُمور:

الأوّل: إنّ الآية الثانية تأمر المؤمنين بأن يعدّوا القوة للكافرين، عند خوف خيانتهم وغدرهم، بمعنى: «وأعدوا لهؤلاء الذين كفروا بربهم، الذين بينكم وبينهم عهد، إذا خفتم خيانتهم وغدرهم أيّها المؤمنون بالله ورسوله ما استطعتم من قوة»[14].

الثاني: الأمر بإعداد القوة، هو نتيجة وليس سبباً، فهو ينشأ من خوف خيانة العدو.

وبعبارة أُخرى: «إعداد القوة إنمّا هو لغرض الدفاع عن حقوق المجتمع ومنافعه الحيوية، والتظاهر بالقوة المعدّة ينتج إرهاب العدو، وهو أيضاً من شُعب الدفع ونوع منه، فقوله تعالى: (تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّـهِ وَعَدُوَّكُمْ)... يذكر فائدة من فوائد الإعداد الراجعة إلى إفراد المجتمع»[15].

الثالث: تجدر الإشارة إلى أنّ القرآن الكريم يأمر المسلمين بإعداد القوة:( وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ). وهذا غير استخدام العنف غير المشروع، الذي يستهدف الأفراد والجماعات البشريّة، ويملأ الناس خوفاً وفزعاً، وبوسائل غير شريفة، وأهداف غير إنسانيّة، وهو ما نقصده في بحثنا هذا.

الرابع: قوله تعالى: (لَأَنتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِم مِّنَ اللَّـهِ)، فإنّ الخوف الناشئ في نفوس المنافقين يرجع إلى جهلهم بحقائق الأشياء، فهم يخافون المؤمنين أشدّ من خوفهم من الله «يخافونكم ما لا يخافون الله؛ (ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَفْقَهُونَ) الحق، ولا يعرفونه، ولا يعرفون معاني صفات الله»[16].

فسبب هذه الرهبة التي للمؤمنين في صدور يهود بني النضير والمنافقين ليس بأعمال العنف، ولا استخدام المؤمنين للقوة والإرهاب على أرض الواقع. ومن هنا نخلص إلى أنّ الاستعمال القرآني للفظة الإرهاب الواردة في القرآن يتباين في الموضوع والوسائل والغرض مع الإرهاب الذي ذكرنا بعض تعريفاته.

الجهاد ليس إرهاباً

لم يكن الغرض من تشريع الجهاد الذي جُعِلَ الإرهاب مرادفاً له في المعنى عند المتطرّفين قتل النفوس، وإراقة الدماء، وتخريب البلاد، بل إنّ الغاية من تشريعه هي تحرير البلاد من الظالمين، الذين يُصادرون حريات شعوبهم، ويقفون سداً منيعاً أمام رسل الله؛ ويعارضون إخراج المجتمع من عبادة المخلوقين إلى عبادة الله وحده، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة.

وقد سنّ الشارع قوانين وسنناً للمجاهدين؛ لكي يؤدوا وظيفتهم الرساليّة بشكل يصدّهم عن تجاوز منهج الحقّ والعدل، ويوقفهم على واجباتهم في هذا المضمار؛ حتى لا يختلط الجهاد بالإرهاب كما وقع فيه محمد بن عبد الوهاب وأتباعه.

وإذا درسنا روايات الجهاد نجدها تُظهر وظائف المجاهدين في الميدان على مستويات مختلفة:

1ـ نهيُ الإسلام عن الغدر بالعدو، فكانت من تعاليمه: «لا ينبغي للمسلمين أن يغدروا، ولا يأمروا بالغدر، ولا يقاتلوا مع الذين غدروا»[17].

فيجب على المجاهد أن لا يقاتل أحداً فضلاً عن غدره والفتك به غِيلةً عبر المتفجرات والسيارات الموقوتة حتى يبيّن له حقيقة الإسلام، ويدعوه إلى ما جاء به النبي صلى الله عليه وآله وسلم .

قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم  لعلي عليه السلام  عندما بعثه إلى اليمن: «يا علي، لا تقاتلن أحداً حتى تدعوه إلى الإسلام، وأيم الله، لأن يهدي الله (عزّ وجلّ) علي يديك رجلاً، خير لك مما طلعت عليه الشمس وغربت»[18].

2ـ إنّ الإسلام في الوقت الذي أمر فيه بالجهاد، قرنه برعاية المثُل والأخلاق، ففي فتح مكّة، قال صلى الله عليه وآله وسلم : «مَن أغلق بابه فهو آمن، ومَن ألقى سلاحه فهو آمن»[19].

وقال أمير المؤمنين عليه السلام  بعد ما فقأ عين الفتنة في البصرة، منادياً أصحابه بصوت عالٍ: «لا تسبوا لهم ذرية، ولا تجهزوا على جريح، ولا تتبعوا مدبراً، ومَن أغلق بابه وألقى سلاحه فهو آمن»[20].

ومع كلّ ما تقدّم حاول بعضٌ أن يُظهر الإسلام بهيئة الفتك، والعنف، والإرهاب، وما هو إلّا أحد اثنين: إمّا جاهل بالقيم والمثل الإسلاميّة العليا، وإمّا مغرض يُريد تشويه صورة الإسلام في أعين وأذهان الناس؛ ليصدّهم عن سبيل الله، من أجل أن يُطبّق مشروعاً استعمارياً في البلاد الإسلاميّة، الغاية منه الحدّ من الإسلام وتعاليمه بعد أن انتشر في ربوع المعمورة، وأصبح يهدد مصالح المستكبرين في العالم.

 فالأصل الأوّل في الإسلام: هو السلم ونبذ الإرهاب والعنف إلّا ما دعت إليه الضرورة، وهي تعتبر حالة استثنائية شرّع الإسلام فيها العنف إن جاز التعبير للضرورات الحتميّة التي تقتضي ذلك، مثل: الجهاد، والحدود، والتعزيرات، والقصاص، وبعض مراتب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

نشأة الفرقة الوهابيّة

تُنسب فرقة الوهابيّة إلى محمد بن عبد الوهاب بن سليمان النجدي، المولود
سنة (1111هـ).

درس مبادئ العلوم الدينيّة عند أبيه، ثمّ رحل إلى الحجاز، وبقيَ أشهراً، حضر عند بعض الشيوخ في المدينة المنورة أثناء إقامته فيها، ثمّ عاد إلى نجد، لكنّه لم يستقر فيها، فاستأنف الرحلة إلى البصرة، وحينما بدأ بنشر آرائه بين أهلها أنكروا عليه، وطردوه، فولّى هارباً، وعاد إلى نجد، وكان أبوه قد ترك العُيينة إلى بلدة (حريملة).

وفى سنة (1143هـ) حينما أظهر محمد بن عبد الوهاب الدعوة إلى مذهبه الجديد، وقف بوجهه والده ومشايخه، فأبطلوا أقواله، فلم تَلقَ رواجاً، وقد سأم أهل (العُيينة) منه وطردوه من بلدتهم، فاتجه نحو (الدرعيّة)[21]. و«في سنة (1160هـ)وصل الشيخ إلى الدرعيّة، وكان أميرها آنذاك محمد بن سعود، جدّ السعوديين، وتمّ الاتفاق بين الشيخ والأمير، على أن يهب الشيخ نجداً وعربانها لابن سعود، ووعده أن تكثر الغنائم عليه، والأسلاب الحربية، التي تفوق ما يتقاضاه من الضرائب؛ على أن يدع الأميرُ الشيخ ما يشاء من وضع الخطط لتنفيذ دعوته، وتقول الرواة: إنّ الأمير السعودي بايع محمد عبد الوهاب على القتال في سبيل الله. وبعد أن شعر محمد بن عبد الوهاب بقوته عن طريق هذا التحالف، وأنّ الأمارة السعودية أصبحت تناصره وتؤازره، جمع الشيخ أنصاره وأتباعه، وحثّهم على الجهاد، وكتب إلى البلدان المجاورة المسلمة أن تقبل دعوته، وتدخل في طاعته»[22].

عقيدة الوهابيّة

«إنّ المبدأ الأوّل للوهابيّة، وشعارهم الوحيد: إمّا الوهابيّة، وإمّا السيف. فمَن اعتنقها سَلِم، ومَن أبى أُبيح دمه، وذُبحت أطفاله، ونُهبت أمواله، ومحال أن ينظر الوهابي إلى غيره إلّا بهذه العين المكفّرة المستحلّة للأرواح والأموال. قال الشيخ سليمان عبد الوهاب، أخو محمد عبد الوهاب... مخاطباً الوهابية: فأنتم تكفّرون بأقلّ القليل من الكفر، بل تكفّرون بما تظنون أنتم أنّه كفر، بل تكفرّون بصريح الإسلام، بل تكفّرون مَن توقّف عن تكفير من كفرتموه.

و[حينما] ننظر إلى كتبهم، وما خطّوه بأيديهم، فإنّ الأمر يزداد وضوحاً... قال محمد عبد الوهاب مؤسس مذهب الوهابيّة...: ولا تنفعهم لا إله إلّا الله، ولا كثرة العبادات، ولا ادعاء الإسلام؛ لمِا ظهر منهم من مخالفة الشرع... وقال...: وإن قالوا: نحن لا نشرك بالله، بل نشهد أنّه لا يخلق، ولا يرزق، ولا ينفع، ولا يضر إلّا الله وحده لا شريك له، وأنّ محمداً رسول الله لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضرراً، ولكن الصالحين لهم جاه عند الله، وأنا أطلب من الله بهم، فجوابه: إنّ الذين قاتلهم رسول الله مُقرّون بما ذكرت، ومُقرّون بأنّ أوثانهم لا تدبّر شيئاً، وإنّما أرادوا الجاه والشفاعة.

وأيضاً قال...: وإذا قالوا: نحن نشهد أن لا إله إلّا الله، وأنّ محمداً رسول الله، ونصدّق القرآن، ونؤمن بالبعث، ونصلّي ونصوم، فكيف تجعلوننا مثل أولئك؟ فالجواب: إنّ الرجل إذا صدّق رسول الله في شيء، وكذّبه في شيء فهو كافر لم يدخل في الإسلام»[23].

والوهابيّة في واقعها ليس هدفها الدين، والدفاع عن حريمه، وإنّما ذلك غطاء لهدف آخر هو: «تمزيق المسلمين، وإثارة الفتن والحروب فيما بينهم؛ خدمة للمستعمر الغربي. وهذا هو المحور الذى دارت حوله جهود الوهابيّة منذ نشأتها وحتى اليوم. فهو الأصل الحقيقي الذى سُخِّر له الأصل المُعلن؛ من أجل إغواء البسطاء وعوام الناس... ولقد أثبت المحققون في تاريخ الوهابيّة أنّ هذه الدعوة قد أُنشئت في الأصل بأمر مباشر من وزارة المستعمرات البريطانية»[24].

هجوم الوهابيين على كربلاء

«إنّ أعظم فاجعة من بعد وقعة الطفّ مرّت على كربلاء في التاريخ، هي غزو الوهابيين لها في عام (1216) من الهجرة»[25]. فقد دخلت أوباش ابن سعود بفتوى محمد بن عبد الوهاب التكفيريّة مدينة كربلاء، وعاثوا فيها الفساد، حتى دنّسوا الحرمين الطاهرين، وقتلوا مَن فيهما فسُميّت هذه الوقعة (بالطفّ الثانية)[26]. «وقد أدمت هذه الفاجعة العيون، وأوجعت قلوب المسلمين في مختلف أقطار الأرض، وهزّت العالم الإسلامي بأسره من أدناه إلى أقصاه؛ لأنّها جددت أرزاء كربلاء كما وصفها الشاعر الحاج محمد رضا الأزري (ت1240هـ):

 

ونادى به نادي الصلاح مؤرِّخاً

 

لقد عاودتنا اليوم أرزاء كربلاء»(3).

 

 

[27] وقد وصف الغارةَ السماوي بهذه الأبيات[28]:

 

فشـدّ لا يُثنـي هـواه الثـاني

 

ومـزّق الكتـاب والمثـاني

وهــدّم الشــباك والـرواقـا

 

واسـتلب الحـُلـيّ والأعلاقـا

وقتــل النســاء والأطـفـال

 

إذ لـم يجـد في كربلاء رجالا

لأنّهـم زاروا الغـديـر قصـداً

 

فأرخـــوه بغـــدير عــــدا 

 

 

مداهمة كربلاء

قال (لونگريك) في وصف الغارة الوهابيّة المُنكرة على مدينة كربلاء: «انتشر خبر اقتراب الوهابيين من كربلاء في عشية اليوم الثاني من نيسان (1801م)، عندما كان معظم سكّان البلدة في النجف يقومون بالزيارة. فسارع مَن بقيَ في المدينة لإغلاق الأبواب، غير أنّ الوهابيين وقد قُدّروا بستمائة هجان وأربعمائة فارس نزلوا فنصبوا خيامهم وقسّموا قوتهم إلى ثلاثة أقسام. من ظل أحد الخانات هاجموا أقرب باب من أبواب البلد، فتمكّنوا من فتحه عسفاً ودخلوا، فدُهِشَ السكان، وأصبحوا يفرّون على غير هدى، بل كيفما شاء خوفهم.

أمّا الوهابيون الخُشّن، فقد شقّوا طريقهم إلى الأضرحة المقدّسة، وأخذوا يخرّبونها، فاقتُلِعت القُضُب المعدنيّة، والسياج، ثمّ المرايا الجسيمة، ونُهبت النفائس والحاجات الثمينة من هدايا الباشوات، والأُمراء، وملوك الفرس. وكذلك سُلِبت زخارف الجدران، وقُلِعَ ذهب السقوف، وأُخِذت الشمعدانات، والسجاد الفاخر، والمعلّقات الثمينة، والأبواب المرصّعة، وجميع ما وُجد من هذا الضرب، وقد سُحبت جميعها ونُقِلت الى الخارج»[29]. «وقُتِلَ زيادة عن هذه الأفاعيل قراب خمسين شخصاً بالقرب من الضريح، وخمسمائة أيضاً خارج الضريح في الصحن. وأمّا البلدة نفسها، فقد عاث الغزاة المتوحشون فيها فساداً وتخريباً، وقتلوا من دون رحمة جميع مَن صادفوه، كما سرقوا كلّ دار، ولم يرحموا الشيخ ولا الطفل، ولم يحترموا النساء ولا الرجال، فلم يَسلم الكلّ من وحشيّتهم ولا من أسرهم»[30]. «على أنّ الفاجعة الكبرى كانت على قاب قوسين أو أدنى، تلك الفاجعة التي دلّت على منتهى القسوة والهمجيّة، والطمع الأشعبي[31]، واستُعملت باسم الدين، وأنّ الجيوش الوهابيّة تحرّكت للغزو المختص بالربيع. فأرسل الكهية إلى الهنديّة إلّا أنّه ما كاد يغادر بغداد حتى وافت أخبار هجوم الوهابيين على كربلاء ونهبهم إيّاها، وهي أقدس المدن الشيعيّة وأغناها»[32].

 وجاء في كتاب تاريخ المملكة العربيّة السعوديّة ما نصّه: «في سنة (1216 هـ) سار الأمير سعود على رأس قوات كبيرة، جمعها من نجد والعشائر، والجنوب، والحجاز، وتُهامة، وغيرها، وقصد بها أهل العراق، وتمكّن جماعة من هذه القوة من الوصول إلى بلدة (كربلاء)، وحاصروها وتسوروا جدرانها، ودخلوها عنوةً، وقتلوا أكثر أهلها في الأسواق والبيوت، وخرجوا منها قرب الظهر، ومعهم أموال كثيرة، وارتحل القوم بعدها إلى الماء المعروف باسم (الأبيض)، فجمع سعود الغنائم، وعزل خُمسها، وقسّم الباقي بين جنوده، للراجل سهم، وللفارس سهمان، ثمّ عاد إلى وطنه الدرعيّة»[33].

أسباب الهجوم الوهابي على كربلاء

نستعرض فيما يلي الأسباب التي دعت آل سعود للهجوم على كربلاء، مستندين في ذلك إلى ما ورد من نصوص أرّخت لهذه الحادثة الأليمة، ومن خلال ذلك نستكشف الدافع الذي يقف وراء الهجوم الوهابي على كربلاء المقدّسة، ونمط الإرهاب الذي مارسته الوهابيّة في ذلك الهجوم الغاشم.

 1 ـ  الميول الدنيويّة، والبيئة البدو يّة المعتمدة على الغزو في عيشها                

يرصد القارئ ما كتبه أحد المستشرقين في هذا المجال، حينما يتكلّم عن الوهابيّة آنذاك: «لم تكن أعراب نجد تختلف في العقيدة والمذهب عن بقيّة المسلمين، إلى أواخر القرن الثاني عشر الهجري، حين نشر محمد بن عبد الوهاب تعاليمه الجديدة، التي جاءت موافقة لميول أُمّة بدويّة تعيش على الفطرة، معتمدة على الغزو في عيشها، ولاقت قبولاً حسناً من محمد بن سعود أميرهم»[34].

يُريد أن يُرجع سبب غزو الوهابيّة لكربلاء على حدّ تعبيره إلى البيئة التي كان تعيش فيها الوهابيّة من جهة، وإلى الرغبة في التوسع، والتحكم في البلدان، والسيطرة على ثرواتها ومقدراتها من قبل الأمير محمد بن سعود من جهة أُخرى، ومَن يُراجع تاريخه وتطلعاته لا يشكّ في ذلك.

نوافق المستشرق في أنّ الميول الدنيويّة لأميرهم، كانت وراء كلّ غزوة غزاها ابن سعود في نجد وما قاربها، ويدلّ عليه ما جاء في كتاب (تاريخ العربيّة السعوديّة بين القديم والحديث): «وكان الانشغال الوهابي في بلاد ما بين النهرين يتركّز على أخذ الغنائم من هذه الأقاليم الغنيّة»[35].

ولكن لا نوافقه على أنّ البيئة التي كان تعيش فيها الوهابيّة، هي التي ولّدت هذا النوع من القسوة، والعنف، والإرهاب، ولعلّ هذا ما ذهب إليه ابن خلدون تحت عنوان (الحتميّة الجغرافيّة)؛ حيث أرجع بعض التصرّفات إلى عامل البيئة ودورها في التأثير على تكوين شخصيّة الفرد فيها.

وهذه النظرية يمكن دحضها بسيرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم  وأصحابه، وهم من نفس البيئة، بل أشدّ منها، مما يدلّ على أنّ البيئة ليست علّة تامّة، على أنّ كثيراً من الإرهابيين الجدد ينحدرون من بلدان ذات طبيعة جميلة.

2 ـ  ضعف جبهة المواجهة لمدينة كربلاء

وهذا السبب يتألف من عدّة نقاط:

الأُولى: قلّة العدّة والعدد

 كانت الهجمة الشرسة في يوم الغدير، وهو في العادة يوم توجه الزائرين من مختلف أنحاء البلاد الإسلاميّة لزيارة أمير المؤمنين عليه السلام ، ومن ضمن هؤلاء الزوّار أهالي كربلاء المقدّسة، فلم يبقَ في المدينة إلّا القليل من الرجال، والأطفال، والشيوخ، والنساء، وبعض الزوار.

يوافينا (لونگريك) بوثيقة تُبيّن أسباب الهجوم على كربلاء المقدّسة: «انتشر خبر اقتراب الوهابيين من كربلاء في عشيّة اليوم الثاني من نيسان (1801م)، عندما كان معظم سكان البلدة من النجف يقومون بالزيارة، فيسارع مَن بقيَ في المدينة لإغلاق الأبواب، غير أنّ الوهابيين وقد قُدّروا بستمائة هجان وأربعمائة فارس نزلوا...»[36].

ويقول (لويس دوكورانسي): «انتظر عبد العزيز حلول العيد لمحاولة الاستيلاء على البلدة، وقام بتنفيذ خطّته في (2 نسيان 1801 م)، وكان ذلك يوم الحجّ إلى مقام علي، فكانت البلدة شبه مُقفرة»[37].

الثانية: ضعف التحصينات الدفاعية

 «وكان سور المدينة يعني كربلاء مركبّاً من أفلاك نخيل مرصوصة خلف حائط من طين»[38].

الثالثة: خيانة الحامية العثمانيّة وتأخّر التعزيزات العسكريّة

«ذكر السائح الهندي ميرزا أبو طالب خان وكان قد زار كربلاء بعد الواقعة أنّ الناس كانوا يتّهمون عمر آغا حاكم البلدة، بأنّه كان متواطئاً مع الوهابيين، وقام بمكاتبتهم، ولم يعمل شيئاً لحماية البلدة، والثابت أنّه هرب إلى قرية قريبة من كربلاء أوّل ما عَلِم بالخطر، فلم يدافع قطُّ، وقد قتله سليمان باشا أخيراً»[39].

وهناك وثيقة أُخرى تدلّ على هذا الأمر «لم يكد يستقرّ به [الوالي العثماني] المقام في الخالص حتى وصله نبأ شيخ المنتفق حمود الثامر، يعلمه بأنّ جيشاً وهابياً قادماً نحو العراق؛ يريد الانتقام لحادثة النجف [وقد كان وقع قتال بين الوهابيّة وأهالي النجف، وقُتل مجموعة من الوهابيّة في النجف]. لم يكن الوالي على وضع يؤهله لمواجهة خطر، فترك الأمر للكهية [وزير الباشوات العثمانيين] علي باشا، والظاهر أنّ هذا الكهية لم يكن متحمّساً للأمر، أو راغباً فيه من أعماق قلبه، فخرج من بغداد، ولكنّه توقّف في موقع الدورة، زاعماً أنّه ينتظر التحاق العشائر به، وبينما كان على وشك مواصلة السفر من هناك، جاء الخبر بالكارثة نتيجة الهجوم الوهابي على كربلاء»[40].

لا ينبغي الشكّ في أنّ بعض الدواعي والأسباب تحتلّ الصدارة في تحريض هجوم الوهابيّة، وبعضها الآخر يحصل على الرتبة الثانية أو الثالثة، وربما لا يرقى إلى أيّ نسبة من الاهتمام، وأعتقد أنّ هذه النقطة المتقدّمة التي عدّها بعضٌ من أسباب الهجوم الوهابي على كربلاء، لا ترقى لتحريك الوهابيّة نحو كربلاء، فضلاً عن كونها سبباً للهجوم، ولـمَن تابع أخبار الوهابيّة في الهجوم على كربلاء بعد هذه الوقعة الأليمة، أو هجومهم على النجف الأشرف، يجد خير دليل على انخفاض نسبة هذا السبب في تحريض الوهابيّة على الهجوم على كربلاء المقدّسة.

ومما يدلّ على ذلك ما جاء في (تراث كربلاء): «وقد صارت كربلاء بعد هذه الحادثة في حال يُرثى لها... وفي أوائل القرن التاسع عشر زار المدينة أحد ملوك الهند، فأشفق على حالها... وبنى للبلدة سوراً حصيناً؛ لصدّ هجمات الأعداء، وأقام حوله الأبراج والمعاقل، ونُصبت له آلات الدفاع على الطراز القديم، وصارت على مَن يهاجمها أمنع من ذي قبل»[41].

ومع ذلك عاودت الوهابيّة الهجوم، ولم تترك كربلاء، وقامت بحرق مزارعها، وقتل الزائرين الذين كانوا متوجّهين لزيارة الإمام الحسين عليه السلام ، إلّا أنّهم لم يتمكنوا من دخول المدينة؛ بسبب استعداد أبنائها بعد أن علموا بأنّ هؤلاء النكرة متوجّهين للهجوم على مدينتهم.

وبعد فشل حملتهم استعدوا لحملة أُخرى للهجوم، لكنّهم فشلوا أيضاً؛ بسبب تقوية أسوار المدينة، وكانت هذه الحملة عام (1220هـ)[42].

فلو كان ذلك هو السبب في الهجوم لمَا تجرّؤوا على الهجوم مرّات بعد وقعة الطفّ الثانية.

وأمّا خيانة الحامية العثمانيّة على كربلاء، وهروب حاكم المدينة، وتأخر الجيش العثماني، فهو الآخر لا يملك رصيداً من القوة؛ لوضعه تحت قائمة أسباب الهجوم على كربلاء المقدّسة.

والسبب واضح جداً كما يظهر من هذه الوثيقة التي جاءت في كتاب (لونگريك) ما نصّها: «كان ابن سعود هذا ذا قوّة عظيمة في الجزيرة، فأصبحت منذ ذلك الحين تُعرَف إمبراطورية ابن سعود النجديّة بالعقيدة الوهابيّة، وقد توسعت غزواتهم الدينيّة في جميع الجهات. وقد أصبح العراق من قبل (1205هـ) يحس بوجود جار حديث غير مستقر»[43].

فقد تكرّرت هجماتهم على حدود الدولة العثمانيّة آنذاك، ولم يأتِ الصلح المنعقد معهم في بغداد في عام (1214هـ) بنتائج نافعة للمنطقة.

علاوة على أنّ المدّ الخفي للاستعمار البريطاني الذي كان يُنازع الإمبراطورية العثمانيّة بشتى الوسائل، ومختلف الطرق، ومنها إيجاد مذهب جديد في المنطقة ينافس التوجه الديني للعثمانيين، وكلّ مَن اطّلع على تاريخ الحركة الوهابيّة تبيّن له علاقة محمد ابن عبد الوهاب مع أزلام الاستعمار البريطاني في البصرة وإصفهان، وحتى في نفس الجزيرة العربيّة، ومداومة ذلك فيما بعد من رجال جُدد، فنخلص إلى أنّ هذه النقطة ذات الشُعب الثلاث، لا تُعدّ سبباً من أسباب الهجوم الوهابي على كربلاء المقدّسة.

ولا يخفى على اللبيب أنّ التوسع الوهابي لا يتمّ إلّا بإزاحة العدو القريب منه، وهم العثمانيون، فكيف يقبل مقولة أنّ حاكم كربلاء العثماني قد تواطأ معهم في الهجوم عليه؟!

ويؤيد ذلك هذه الوثيقة: «من عبد العزيز إلى قبيلة... واجبكم يدعوكم إلى الإيمان بالكتاب الذي أُرسل لكم، لا تكونوا وثنيين كالأتراك الذين يشركون بالله»[44].

 3 ـ  قتال المشركين واستباحة أموالهم

 ليس من الغريب أن يسمع إنسان مسلم شيعي أو سني في القرن الثامن عشر، بأنّ أُناساً في بلاد المسلمين، لا يعرفون من التوحيد شيئاً، ولا يرون التوحيد الحقيقي إلّا اتّباع الحركة الوهابيّة بعد ظهورها، وعليه لا بدّ أن يُدعى المسلمون لدين جديد، هو دين محمد بن عبد الوهاب، ومناصرة دنيا ومُلك ابن سعود.

قال ابن عبد الوهاب لابن سعود: «إنّي أرجو إن أنت قمت بنصر (لا إله إلّا الله) أن يظهرك الله، وتملك نجداً وأعرابها»[45].

وكأنّه لا يرى من أهل القبلة أحداً يقول أو ينصر (لا إله إلّا الله).

وبدأ المشروع التوسعي تحت غطاء ديني، ولكنّه بلباس جديد، وأحكام من متبنيّات محمد بن عبد الوهاب؛ لأنّه تنكّر لعقائد المسلمين جميعاً حتى لمذهبه الذي كان عليه، فخالف إمامه أحمد بن حنبل.

وقد أعطى بذلك ـ لأتباعه من أجلاف وعتاة نجد ـ الحجّة لغزو كلّ مَن خالفهم باعتبارهم مشركين، تحلّ دماؤهم، وأموالهم، ونساؤهم[46].

وإليك أيّها القارئ العزيز وثيقة أُخرى من أميرهم سعود في تكفير الشيعة بالخصوص، وكان قد بعثها إلى علي باشا يطلب بها الصلح من العثمانيين، ما نصها: «من سعود العبد العزيز إلى علي، أمّا بعدُ، ما عرفنا سبب مجيئكم إلى الحسا، وعلى أيّ منوال جئتم، أمّا أهل الحسا فهم أرفاض ملاعين، ونحن جعلناهم مسلمين بالسيف
 
[ إلى أن يقول:] فالآن مأمولنا المصالحة، فهي خير لنا ولكم، والصلح سيّد الأحكام»[47].

وهل توجد صراحة أكثر من هذه الرسالة تُبيّن دين مَن خالفهم، ولم نكن نعلم قبل الوهابيّة أنّ أهل الحسا كفار أو مشركون.

وهذه وثيقة أُخرى من أقرب الناس إلى محمد بن عبد الوهاب، وهو أخوه سليمان، إذ كتب المؤرِّخ الحجازي زيني دحلان: «وقال له سليمان [لمحمد بن عبد الوهاب] يوماً: كم أركان الإسلام يا محمد بن عبد الوهاب؟ فقال: خمسة، فقال: بل أنت جعلتها ستة، السادس: مَن لم يتبعك فليس بمسلم. هذا ركن سادس عندك للإسلام»[48].

وهذا ابن سند البصري يوافيك في وصف الحركة الوهابيّة وكان معاصراً لها تقريباً بقوله: «... ولولا ما في الوهابيّة من هذه النزعة أعنى نزعة تكفير مَن عداهم تملّكوا جميع بلاد الإسلام، وأدخلوهم تحت حكمهم بطوعهم واختيارهم، ولكن بسبب هذه النزعة أبغضتهم الأُمم، وتسلّطت عليهم الدول»[49].

أمّا العثمانيون بنظر الحركة الوهابيّة، فهم وثنيون، كما يُعبّر عبد العزيز في رسالة له إلى قبيلة من القبائل، يدعوها إلى إسلام محمد بن عبد الوهاب: «من عبد العزيز إلى قبيلة... واجبكم يدعوكم إلى الإيمان بالكتاب الذي أُرسِل لكم، لا تكونوا وثنيين كالأتراك الذين يشركون بالله، إذا آمنتم نجوتم، وإلّا فنقاتلكم حتى الموت»[50].

وهذا عامل آخر للهجوم على كربلاء المقدّسة التي كانت تحت النفوذ العثماني، إضافة إلى كون قاطنيها الشيعة أرفاض ملاعين كما يدّعي.

ومن قبلُ فقد: «توافقت رغبة محمد بن عبد الوهاب، الذي ينشد الدعم العسكري، ورغبة الأمير الطموح، الذي ينشد الدعم الديني في توحيد جهودهما، وتمّ التحالف المنشود»[51].

وكانت هذه الدعوة الجديدة تحتاج إلى فرصة مؤاتية تقتضيها التحضيرات للهجوم على كربلاء، واستغلال الوقت والحال المناسب للغزو، ومما شجع الوهابيين الأنباءُ التي وردت عن دخول جيش نابليون إلى مصر في عام (1798م).

وعجز الباب العالي أمام الغازي الفرنسي. وبتتابع الأحداث وفي عام (1801م)حلّ الإنجليز محلّ الفرنسيين في مصر، والتي كانت تناكف الإمبراطوريّة العثمانيّة لبسط الهيمنة على أرجاء العالم. فغدت الجزيرة العربيّة طرفاً بعيداً عن مسرح العمليّات الحربيّة الرئيس، وهذا ما أطلق يد الوهابيين في مواصلة توسعهم خارج نجد، فاختمرت فكرة الهجوم على كربلاء؛ لنهبها وسلبها، والقضاء على مشركيها، وهدم صرح الشرك والضلال والكفر بزعم الوهابيّة[52].

وطبق النظرة العسكرية للغازي، هجمت الوهابيّة على كربلاء في ربيع (1801 أو 1802م) على اختلاف التواريخ ـ  في جيـش قوامه على أقلّ التقديرات (12) ألفاً بين فارس وهجان ـ على حين غرة من أهلها وفي يوم الغدير. وقد «انتظر عبد العزيز حلول موعد العيد؛ لمحاولة الاستيلاء على البلدة، وقام بتنفيذ خطته في (2 نسيان 1801م)، وكان ذلك يوم الحج إلى مقام علي، فكانت البلدة شبة مقفرة»[53].

وفعلوا فعلتهم التي أدانها القريب والبعيد، وسُطِّرت في كتبهم، وتداولوا الحديث عنها في أنديتهم.

كلّ ما قدّمناه من وثائق لسبب الهجوم على كربلاء كان قبل الواقعة، أمّا وثائق ما بعد الواقعة، فتؤكد أنّ السبب في الهجوم كان سببه فكرة تكفيريّة للشيعة، وأنّ كربلاء بلاد الشرك والضلال:

الوثيقة الأُولى: قول أمير الوهابيّة بعد أن خرج من كربلاء، وفعل فعلته النكراء متبجحاً: «لو لم نكن على الحق لمَا انتصرنا»[54]. وفيها دلالة واضحة على الرؤية الطائفية التي يتمتع بها هذا الرجل مع كل ما ارتكبه من قتل ونهب وتخريب في بلاد الإسلام والمسلمين.

الوثيقة الثانية: جاء في تاريخ العربيّة السعوديّة: «عندما كان الوهابيون يحتلّون واحة أو مدينة، يحطّمون الشواهد والأضرحة على قبور الأولياء والصالحين، ويحرقون كتب الفقهاء الذين يختلفون معهم»[55].

وهذا ما وقع حقيقةً بعد سيطرتهم على كربلاء؛ إذ اتجهوا نحو الضريحين المقدّسين وخرّبوهما، ونهبوا كلّ ما فيها بعد قتل كلّ أو أغلب مَن التجأ إليهما واحتمى بهما. وهل يجوز احتلال بلاد المسلمين؟! إلّا أنّ الوهابيّة يعتبرون كربلاء بلد كفر وأوثان، وهذا الأمر ليس من نسج الخيال، أو من حكايات الحكواتي، فإنّك تجد اليوم الامتداد لهذا النهج من داعش وأمثالهم.

الوثيقة الثالثة: تقسيم الغنائم حسب الحكم الشرعي، خُمسه لأميرهم، والباقي للغزاة: للفارس سهمان، وللهجان سهم.

جاء في كتاب تاريخ المملكة العربيّة السعوديّة تحت عنوان (مداهمة كربلاء): «في سنة (1216هـ)، سار الأمير سعود على رأس قوات كبيرة جمعها في نجد، والعشائر، والجنوب، والحجاز، وتُهامة، وغيرها، وقصد أهل العراق، وتمكّن جماعة من هذه القوة، من الوصول إلى بلدة (كربلاء)، وحاصروها وتسوّروا جدرانها، وخرجوا منها قرب الظهر... فجمع سعود الغنائم وعزل خمسها، وقسّم الباقي بين جنوده: للراجل سهم، وللفارس سهمان»[56].

وهل يوجد أدّل من تقسيم الغنائم على هذا النحو في غير أموال المسلمين؟

 إذاً، فالإرهاب الوهابي على كربلاء كان من نتائج الفكر الوهابي التكفيري، المبتني على عقائد محمد بن عبد الوهاب في تكفير المسلمين، وإن كان الهدف الذي يصبُّ
 في خدمة التوسع السياسي والسلطوي لا يُغفل في الهجوم على كربلاء المقدّسة.

إذاً، إرهاب الوهابيّة نمط من الإرهاب استغل اسم الإسلام، ولا زال العالم الإسلامي يعيش تبعاته إلى اليوم، وأخبار العراق والشام واليمن شاهد حي على الفكر التكفيري، الذي زُرِع في قلب الإسلام للنيل منه، وإظهاره بأبشع صورة يتنفّر منها الطبع الإنساني؛ بُغية خدمة الأغراض التي تصبُّ في صالح اليهود والاستعمار؛ لوقف التمدد الطبيعي للإسلام البديل الحتمي للأنظمة الأُخرى بعد أن عانت الشعوب في ربوع المعمورة من الظلم الاجتماعي والسياسي والاقتصادي، وفقد العدل وتحوّلت البلدان إلى غابات بصور آدميين.

 

 

 


[1] ابن فارس، أحمد، معجم مقاييس اللغة: ج2، ص447.

[2] الراغب الإصفهاني، الحسين بن محمد، مفردات ألفاظ القرآن: ص230.

[3] ابن منظور، محمد بن مکرم، لسان العرب: ج5، ص337.

[4] الزبيدي، محمد مرتضى، تاج العروس: ج1، ص281.

[5] الكيالي، عبد الوهاب، موسوعة السياسة: ج1، ص153.

[6] مصباح ذباره، مصطفى، الإرهاب مفهومه وأهم جرائمه في القانون الدولي والجنائي: ص44.

[7] الأسود، شعبان طاهر، علم الاجتماع السياسي: ص98.

[8] عبد السلام، هيثم، مفهوم الإرهاب في الشريعة الإسلاميّة: ص42.

[9] حريز، عبد الناصر، النظام السياسي الإرهابي الإسرائيلي: ص26.

[10] المصدر السابق.

[11] الحشر: آية13.

[12] الطباطبائي، محمد حسين، الميزان في تفسير القرآن: ج19، ص212.

[13] الأنفال: آية60.

[14] الطبري، محمد بن جرير، جامع البيان: ج10، ص39.

[15] الطباطبائي، محمد حسين، الميزان في تفسير القرآن: ج9، ص117.

[16] الطوسي، محمد بن الحسن، التبيان في تفسير القرآن: ج9، ص568.

[17] الحر العاملي، محمد بن الحسن، وسائل الشيعة: ج15، ص69.

[18] المصدر السابق: ص43.

[19] المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج21، ص117.

[20] الحر العاملي، محمد بن الحسن، وسائل الشيعة: ج15، ص27.

[21] اُنظر: مغنية، محمد جواد، هذه هي الوهابيّة: ص123.

[22] السبحاني، جعفر، في ظل أُصول الإسلام: ص343.

[23] مغنية، محمد جواد، هذه هي الوهابيّة: ص77 ـ  79.

[24] لجنة التأليف في مركز الغدير، الوهابيّة في صورتها الحقيقية: ص19ـ 20.

[25] الكليدار، عبد الجواد، تاريخ كربلاء وحائر الحسين عليه السلام : ص208.

[26] اُنظر: زميزم، سعيد رشيد، الهجمات على كربلاء: ص56.

[27] الكليدار، عبد الحسين، تاريخ كربلاء المعلى: ص20 22.

[28] السماوي، محمد، مجالي اللطف بأرض الطفّ: ص309  ـ 310.

[29] المصدر السابق: ص260ـ 261.

[30] المصدر السابق: ص260.

[31] وأشعب: اسم رجل كان طمّاعاً. وفي المثل: أطمع من أشعب. الجوهري، الصحاح: ج1، ص157. 

[32] ستيفن هيمسلي، لونگريك، أربعة قرون من تاريخ العراق: ص161، وص262.

[33] زميزم، سعيد رشيد، الهجمات التي تعرضت لها كربلاء عبر التاريخ: ص56، نقلاً عن كتاب تاريخ المملكة العربيّة السعوديّة: ج1،ص73.

[34] الكليدار، عبد الجواد، تاريخ كربلاء وحائر الحسين عليه السلام : ص208.

[35] الرشيد، مضاوي، تاريخ العربيّة السعوديّة بين القديم والحديث: ص28.

[36] ستيفن هيمسلي، لونگريك، أربعة قرون من تاريخ العراق: ص259.

[37] لويس دوكورانسي، الوهابيون (تاريخ ما أهمله التاريخ): ص77.

[38] الكليدار، عبد الحسين، تاريخ كربلاء المعلى: ص22.

[39] خان، أبو طالب (رحلات في آسيا وأوروبا وأفريقيا)، نقلاً عن ستيفن هيمسلي، لونگريك، حاشية ص215.

[40] الوردي، علي، لمحات اجتماعية: ص189.

[41] آل طعمة، هادي، تراث كربلاء: ص371.

[42] اُنظر: زميزم، سعيد رشيد، الهجمات التي تعرضت لها كربلاء عبر التاريخ: ص63.

[43] اُنظر: ستيفن هيمسلي، لونگريك، أربعة قرون من تاريخ العراق: ص261.

[44] لويس دوكورانسي، الوهابيون (تاريخ ما أهمله التاريخ): ص62.

[45] الآلوسي، محمود شكري، تاريخ نجد: ص106ـ  108.

[46] اُنظر: الوردي، علي، لمحات اجتماعية: ج1، ص180.

[47] المصدر السابق: ص186.

[48] اليكسي فاسيليف، تاريخ العربيّة السعوديّة: ص106. اُنظر: درويش، تاريخ السعودية: ص26 ـ27.

[49] الوردي، علي، لمحات اجتماعية: ج1، ص81 82.

[50] لوس دوكورانسي، الوهابيون (تاريخ ما أهمله التاريخ): ص62.

[51] اليكسي فاسيليف، تاريخ العربيّة السعوديّة: ص131.

[52] اُنظر: المصدر السابق: ص132.

[53] لويس دوكورانسي، الوهابيون (تاريخ ما أهمله التاريخ): ص77.

[54] البصري، عثمان، مطالع السعود بطيب أخبار الوالي داوُد: ص74. واُنظر: محب الدين الخطيب، أمين ابن حسن، خمسة وخمسون عاماً في تاريخ العراق: ص74.

[55] اليكسي فاسيليف، تاريخ العربيّة السعوديّة: ص113.

[56] زميزم، سعيد رشيد، الهجمات التي تعرضت لها كربلاء عبر التاريخ: ص56، نقلاً عن كتاب تاريخ المملكة العربيّة السعوديّة: ج1، ص73.

 
 
البرمجة والتصميم بواسطة : MWD