1439 / محرم / 1  |  2017 / 09 / 22         الزيارات : 422715         صلاة الصبح |         صلاة الظهر والعصر |         صلاة المغرب والعشاء |

نجوم في سماء الحسين عليه السلام (عبد الله بن يقطر  وقيس بن مُسهَّر الصيداوي رضی الله عنه)

{ د. السيد حاتم البخاتي }
نجوم في سماء الحسين عليه السلام  (عبد الله بن يقطر  وقيس بن مُسهَّر الصيداوي رضی الله عنه)

لم يقتصر عطاء الشهادة في النهضة الحسينية على ما قدمته من قرابين في عرصات كربلاء في اليوم العاشر من المحرم، بل كان هناك شهداء أبرار كتبوا أسماءهم في هذا السفر الخالد بمداد دمائهم الزاكية، وأبوا إلّا أن يكون لهم هذا الشرف والسؤدد الذي لا يضارعه شرف آخر، فسقطوا شهداء في سبيل نهضة الحسين علیه السلام  في الكوفة على يد عبيد الله بن زياد وجلاوزته، والحسين بأبي وأمي ما زال في طريقه إلى كربلاء.

إن الشهداء الذين استُشهدوا قبل واقعة عاشوراء الدامية باستثناء الشهيد مسلم بن عقيل وهاني بن عروة لم يأخذوا حقهم من التبجيل والتأبين والذكر الجميل، وإن كانوا في غنى عنه، بعد تبجيل الله سبحانه وتقديره لهم، وعدم تسليط الأضواء عليهم لعل مردّه إلى أن وهج عاشوراء الساطع وما حصل فيه من مآس ومآثر تُذهل كل شخص وتشغله عن غيره من الأحداث.

 ولكن الواجب يحتم علينا أن نقف إجلالاً وتقديراً لهؤلاء الأفذاذ والقمم الشامخة في البذل والعطاء؛ لسببين مهمين:

أولهما: أنّ من سمات الأُمم الحية والمتطورة هو تقديرها واحترامها لعظمائها والمضحين والباذلين أنفسهم في سبيل المبادئ التي يؤمنون بها؛ لإدامة زخم هذا العطاء عند الأجيال اللاحقة وإبقاء جذوته متّقدة.

وثانيهما: وفاءً منّا للدَّين الذي في أعناقنا لهؤلاء الشهداء الأبرار، الذين ضحوا لأجل الدين، ولولا تضحياتهم الجسام لما وصل إلينا هذا الدين نقيَّاً مصاناً من كيد الأعداء والمضلّين.

ومن بين شهداء النهضة الحسينية المباركة ـ الذين رووا شجرة التضحية بدمائهم ـ هما الشهيدان عبد الله بن يقطر الحميري، وقيس بن مُسهَّر الصيداوي.

إن الذي دعانا للحديث عن هذين الشهيدين مجتمعين هو التشابه الكبير بين قصتي استشهادهما من جانب، وحصول الخلط والتردد وعدم الجزم عند كثير من المؤرخين وأصحاب السير في أحداث قصتيهما من جانب آخر؛ فإن هناك اختلافاً كبيراً وخلطاً عجيباً بين قصتي هذين الرجلين، بل قد تجد في الكتاب الواحد قصتين مختلفتين عن أحدهما، وسوف نحاول التوفيق بين هذه الأقوال والخروج برؤية موحدة.

 التعريف بالشهيدين

1ـ عبد الله بن يقطر

لا تتوافر معلومات كافية عن نسبه وقبيلته ونشأته سوى نُتف هنا وهناك، فقد تحدث قطب الدين الراوندي عنه قائلاً: «عبد الله بن يقطر بن أبي عقب الليثي، من بني ليث بن بكر بن عبد مناف بن كنانة»[1]، وكان من موالي أهل البيت علیهم السلام ؛ فأبوه يقطر كان خادماً عند رسول الله صلى الله عليه وآله، وأُمه ميمونة تعمل في بيت أمير المؤمنين علیه السلام [2].

وأهم ما اشتهر به عبد الله هو كونه رضيع الحسين علیه السلام ، وهو ما جاء في مصادر عديدة[3]، من جهة أن أُمه ميمونة قد ولدته قبل ولادة فاطمة علیها السلام الحسين بثلاثة أيام؛ فيبدو أنها أرضعت الحسين مع ابنها[4]، كما أرضعته علیه السلام  أُم الفضل لُبابة بنت الحارث زوجة العباس بن عبد المطلب[5]، ولكن بعضاً يرفض أن يكون الحسين علیه السلام  قد رضع من ثدي امرأة أُخرى غير أُمه فاطمة علیها السلام وإبهام رسول الله صلى الله عليه وآله. وميمونة وأُم الفضل إنما تولتا حضانته وتربيته؛ فجاز أن يُعدّا ممن أرضع الحسين علیه السلام [6].

 وقد ذكره ابن حجر من الصحابة[7]، فيكون ممن رأى رسول الله صلى الله عليه وآله  وسمع حديثه، وهو أمر ليس ببعيد؛ لأنه كان قرين الإمام الحسين علیه السلام  في السن؛ ولذا يعبر عنه: لدة الحسين، واللدة مثلك في السن[8].

ويبدو أن عبد الله بن يقطر كان من حواريي الإمام الحسين علیه السلام  والمقربين لديه وموضع ثقته واعتماده؛ فقد وقع عليه اختيار الإمام لحمل رسالته إلى أخيه وابن عمه مسلم بن عقيل، كما أنه حاز على درجة سامية في الإيمان واليقين أهّلته لتحمُّل هذه المهمة المحفوفة بالمخاطر.

بقي أن نُشير إلى أن هناك خلافاً في ضبط اسم والده، فهل هو بالباء أم بالياء؟ والراجح أنه يقطر بالياء، كما ورد في أكثر المصادر[9]، وضبطه العلامة في الخلاصة، قائلاً: «عبد الله بن يقطر، بالقاف الساكنة بعد الياء المنقطة تحتها نقطتين، والطاء المهملة، والراء»[10]، ومثله النراقي في عوائد الأيام[11].

نعم، ورد في بعض المصادر أن اسمه عبد الله بن بقطر بالباء[12].

قيس بن مُسهَّر الصيداوي

وهو من خُلّص أصحاب الإمام الحسين علیه السلام  ومن رُسل أهل الكوفة الأوائل الذين وفدوا على الحسين بالكتب والرسائل التي تدعوه للقدوم إلى الكوفة؛ فإن أهل الكوفة، بعد أن أرسلوا أول كتاب لهم مع عبد الله بن مسمع الهمداني وعبد الله بن وال، وأمروهما بأن يُسرعا، فخرجا مُسرعَين حتى قدما على الحسين علیه السلام  بمكة، لعشر مضين من شهر رمضان، لبثوا يومين بعد تسريحهم بالكتاب، وأنفذوا قيس بن مُسهَّر الصيداوي، وعبد الرحمن بن عبد الله الأرحبي، وعمارة بن عبد السلولي إلى الحسين علیه السلام ، ومعهم نحو من مائة وخمسين صحيفة من الرجل والاثنين والأربعة[13].

وقيس هو ابن مُسهَّر بن خليد، بن جندب بن منقذ، بن جسر بن نكرة، بن نوفل بن الصيداء[14]، من قبائل بني أسد، والصيداوي نسبةً إلى الصيداء، وهي بطن من أسد، ويبدو من ثنايا أحداث قصته أنه كان في الذّروة العالية من درجات الإيمان والإخلاص، كما يصفه بذلك الميرزا النوري[15].

واستجابة من الحسين علیه السلام  إلى مطالب أهل الكوفة وكتبهم بعث إليهم أخاه وابن عمه وثقته من أهل بيته مسلم عقيل، وأختار معه قيس بن مسهر؛ لعلمه بشجاعته وإخلاصه وخبرته مع بعض الصحابة المخلصين، وأمره بتقوى الله وكتمان أمره واللطف، فإن رأى الناس مجتمعين مستوسقين عجَّل إليه بذلك. فأقبل مسلم حتى أتى المدينة فصلى في مسجد رسول الله وودّع مَن أحب من أهله، ثم استأجر دليلين من قيس، فأقبلا به يتنكَّبان الطريق، فضلّا وأصابهم عطش شديد؛ فعجزا عن السير، فأومآ له إلى سنن الطريق بعد أن لاح لهما ذلك، فسلك مسلم ذلك السنن ومات الدليلان عطشاً. فكتب مسلم بن عقيل من الموضع المعروف بالمضيق مع قيس بن مسهر، يُخبره بالأمر ليرى رأيه، فكتب إليه الإمام علیه السلام  يأمره بالمضي قُدماً في مهمته[16].

يتبيَّن لنا من الكلام المتقدم ـ الذي أورده الشيخ المفيد في الإرشاد، والطبري في تاريخه ـ أن قيساً هو مَن حمل رسالة مسلم إلى الإمام يُخبره بموت الدليلين، وما تعرّضوا له من أهوال، ولكن لم يخبرانا صراحة عن الشخص الذي أرسله الإمام حاملاً ردّه على كتاب مسلم، فهل هو قيس بن مُسهَّر أيضاً، مما يعني أنه قد رافق مسلماً إلى الكوفة[17]، أم أنه شخص آخر وأن الإمام علیه السلام  قد استبقى قيساً معه في مكة؟ وهذا ما سنتناوله بشيء من البحث لاحقاً إن شاء الله.

بعد أن بدأ مسلم بن عقيل رحلته من مكة إلى الكوفة سفيراً للإمام في مهمة تاريخية عظيمة، كان لابد له من التواصل مع القيادة الشرعية المتمثلة بالإمام علیه السلام ، وإطلاعه على ما يحصل له وما يُعاينه عن كثب من أُمور، ويأخذ رأيه في ذلك، كما أن الإمام علیه السلام  كان ينتظر ما يأتي من أخبار الكوفة ويحتاج إلى التواصل مع سفيره وقواعده بشكل متوال، فكان لا بد له من قناة للاتصال، وهو ما يتم عبر الرسائل والكتب التي ينقلها الأشخاص بين الطرفين، وفعلاً فقد حصلت مراسلات بين مسلم بن عقيل وبين الإمام علیه السلام ، شارك في حملها اثنان من خُلّص أصحاب الإمام والمتفانين في الدفاع عن عقيدتهم، ولا يخشون ما يصيبهم في سبيل ذلك، وإن كلفهم حياتهم.

وهذان الرسولان هما: الشهيدان عبد الله بن يقطر، وقيس بن مُسهَّر الصيداوي رضوان الله عليهما.

وقبل أن نعرف مهمة كل واحد من هذين الشهيدين، وما هي الرسالة أو الرسائل التي كُلّفا بحملها نروم التفصيل شيئاً ما في الرسائل المتبادلة بين مسلم بن عقيل والإمام الحسين علیه السلام ، وبعدها نعمل على تشخيص مهمة كل منهما.

المراسلات بين الإمام الحسين علیه السلام  ومسلم بن عقيل

بالاعتماد على ما وصل إلينا من روايات وأخبار وبعض الأقوال والنقولات يمكننا أن نتصور ستّ أو خمس رسائل متبادلة بين الإمام علیه السلام  ومسلم بن عقيل، سنتعرض إليها بغض النظر عمّن كان يحمل هذه الرسائل:

الرسالة الأُولى: وهي الرسالة التي أرسلها مسلم بن عقيل إلى الإمام الحسين علیه السلام ، وهو في الطريق إلى الكوفة، بعد أن هلك الدليلان ونجا مسلم ومَن معه، فبعث برسالة يخبره الخبر ويطلب منه أن يعفيه من المهمة، وجاء في هذا الكتاب «أما بعد، فإني أقبلت من المدينة معي دليلان لي، فجارا عن الطريق وضلّا واشتدَّ علينا العطش، فلم يلبثا أن ماتا وأقبلنا حتى انتهينا إلى الماء، فلم ننجُ إلّا بحشاشة أنفسنا، وذلك الماء بمكان يدعى المضيق من بطن الخبيت، وقد تطيّرت من وجهي هذا، فإن رأيت أعفيتني منه وبعثت غيري، والسلام»[18].

ونحن نتحفَّظ على ما جاء في مضمون هذه الرسالة، من أن مسلماً يتطيّر ويتشاءم، مع ورود روايات عديدة تنهى عن التطير والتشاؤم، ومسلم بن عقيل هو ربيب بيت الوحي والرسالة، فمن البعيد جداً أن تصدر منه مثل هذه الأُمور، كما يُستبعد أيضاً أن يطلب إعفاءه من هذه المهمة الرسالية لخوف أو شيء آخر، وهو الذي ضرب أروع الأمثلة في الشجاعة والبسالة، وهو يقاتل بمفرده قوات كبيرة في الكوفة حين تخلّى عنه أهلها وأسلموه إلى جلاوزة عبيد الله بن زياد.

الرسالة الثانية: وهي الرسالة الجوابية التي بعثها الإمام علیه السلام  ردّاً على رسالة مسلم التي ذكرناها آنفاً، وورد في هذه الرسالة الثانية: «أمّا بعد، فقد خشيت ألاّ يكون حملك على الكتاب إليَّ في الاستعفاء من الوجه الذي وجهتك له إلّا الجبن، فامض لوجهك الذي وجهتك له، والسلام عليك»[19]. ولنا ملاحظة أيضاً على مضمون هذه الرسالة التي ربما يتناقض مضمونها مع ما قاله الإمام علیه السلام  بحق مسلم بن عقيل، حين بعثه إلى أهل الكوفة قائلاً: «وأنا باعث إليكم أخي وابن عمي وثقتي من أهل بيتي»[20]، فإذا كان مسلم بن عقيل ثقة الإمام  ـ وهو كذلك ـ  فكيف تهتزّ هذه الثقة بتلك السرعة؟!

الرسالة الثالثة: وهي عبارة عن الكتاب الذي جاء من مسلم بن عقيل بعد اطّلاعه على الأوضاع في الكوفة، ورأى أن الأُمور تسير في صالح الثورة على الدولة الأُموية، كتب إلى الإمام: «إن الرائد لا يكذب أهله، وقد بايعني من أهل الكوفة ثمانية عشر ألف رجل، فأقدم؛ فإن جميع الناس معك، ولا رأي لهم في آل أبي سفيان»[21].

وفي نص ابن أعثم في الفتوح: أن عدد مَن بايعه من أهل الكوفة نيف وعشرون ألفاً[22]. وهذا الكتاب لا بد أنه قد وصل إلى الإمام الحسين علیه السلام  وهو لا زال في مكة؛ طبقاً للمصادر الكثيرة، وأن مسلماً بعثه قبل استشهاده بسبعة وعشرين يوماً[23]، واستُشهد مسلم بن عقيل لثلاث خلون من ذي الحجة[24]، فيمكن أن يكون قد بعثه في أوائل ذي القعدة. وعلى إثر هذا الكتاب بعث الإمام برسالة جواباً عنه، وهو في طريقه إلى الكوفة، بينما الذي ورد في الفتوح ومقتل الخوارزمي والمناقب[25] أن ابن زياد استطاع الحصول على هذا الكتاب قبل وصوله إلى الحسين. وهذا خلاف المشهور تاريخياً، وسيأتي مزيد من الحديث لاحقاً.

الرسالة الرابعة: وهي من أشهر الرسائل وأكثرها تداولاً في المصادر التاريخية، وهي التي عنونها الإمام الحسين علیه السلام  إلى أهل الكوفة عموماً، وليس إلى مسلم بن عقيل فقط، وذلك عندما وافاه كتاب مسلم يخبره فيه بأن أهل الكوفة قد بايعوه، وأن الناس كلهم معه، وليس مع بني أُمية، فكتب الإمام علیه السلام : «بسم الله الرحمن الرحيم، من الحسين بن علي إلى إخوانه من المؤمنين والمسلمين، سلام عليكم، فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلّا هو.

أما بعد: فإن كتاب مسلم بن عقيل جاءني يُخبر فيه بحُسن رأيكم واجتماع ملئكم على نصرنا والطلب بحقنا، فسألت الله أن يحسن لنا الصنيع، وأن يُثيبكم على ذلك أعظم الأجر، وقد شخصت إليكم من مكة يوم الثلاثاء لثمان مضين من ذي الحجة يوم التروية، فإذا قدم عليكم رسولي فانكمشوا[26] في أمركم وجدوا، فإني قادم عليكم في أيامي هذه. والسلام عليكم ورحمة الله»[27]. وكتب هذا الكتاب قبل وصول خبر مقتل مسلم إليه علیه السلام ، وذلك عندما بلغ الحاجز من بطن الرمة، وذكر ذلك في الكتاب، كما ينقل الدينوري «... وكتابي إليكم من بطن الرمة، وأنا قادم عليكم...»[28]، والحاجز من بطن الرمة منزل لأهل البصرة إذا أرادوا المدينة، بها يجتمع أهل الكوفة والبصرة[29].

الرسالة الخامسة: وهي رسالة محتملة لا توجد عليها أدلة وشواهد واضحة، وفحوى هذه الرسالة هي أن مسلم بن عقيل بعد أن رأى انقلاب الأوضاع في الكوفة، وحصول الانهيار السريع والمفاجئ في القاعدة العريضة التي التفَّت حوله، ولم يبقَ له في الكوفة من نصير، أشفق على الركب الحسيني المبارك القادم إلى الكوفة، ومسلم رضوان الله عليه يشعر أنه أحد أسباب هذا القدوم حين كتب إلى الإمام يحثُّه على الإقبال سريعاً، فهنا أراد أن يُخبره بما آلت إليه الأُمور حتى لا يعرّض نفسه وأهل بيته إلى هذا المأزق الخطير.

وقد حرص مسلم ـ بأبي وأُمي ـ أشدَّ الحرص على أن يوصل هذه الرسالة إلى عميد الأُسرة الهاشمية، وهو يجوب الفيافي قادماً إلى الكوفة، فأراد أن يثنيه عن ذلك، وقد قام الشهيد مسلم بن عقيل بمحاولتين في سبيل أيصال هذه الرسالة، كانت المحاولة الأُولى حين وقع في الأسر وتشدَّق محمد بن الأشعث بإعطائه الأمان، فردَّ عليه مسلم قائلاً: «إني أراك ـ والله ـ ستعجز عن أماني، فهل عندك خير؟ تستطيع أن تبعث من عندك رجلاً على لساني أن يبلغ حسيناً؟ فإني لا أراه إلّا قد خرج إليكم اليوم مقبلاً أو هو خارج غداً وأهل بيته، ويقول له: إن ابن عقيل بعثني إليك وهو أسير في أيدي القوم، لا يرى أنه يُمسي حتى يُقتَل، وهو يقول: ارجع فداك أبي وأُمي بأهل بيتك... فقال ابن الأشعث: والله، لأفعلن، ولأعلمن ابن زياد أني قد آمنتك»[30].

والمحاولة الثانية عندما جيء به إلى مجلس ابن زياد وتصفَّح وجوه القوم فرأى عمر بن سعد، فقال له: يا عمر، إن بيني وبينك قرابة دون هؤلاء، ولي إليك حاجة. ومما طلب منه أن يبعث إلى الحسين من يرده[31]، ولعل إحدى المحاولتين قد أفلحت في إيصال كتاب إلى الإمام علیه السلام  عند وصوله إلى زبالة، فأخرجه للناس وقرأ عليهم ما جاء فيه: «بسم الله الرحمن الرحيم. أما بعد، فإنه قد أتانا خبر فظيع قتل مسلم بن عقيل، وهانئ بن عروة، وعبد الله بن بقطر، وقد خذلتنا شيعتنا، فمَن أحب منكم الانصراف فلينصرف، ليس عليه منا ذمام. قال: فتفرَّق الناس عنه تفرقاً...»[32].

الرسالة السادسة: وهي لم تكن بين الإمام علیه السلام  ومسلم، بل كانت من الإمام إلى بعض أهل الكوفة وجعلناها تحت عنوان ما حصل بين الإمام ومسلم من مكاتبات تغليباً، فقد أورد ابن أعثم في الفتوح رسالةً أرسلها الإمام علیه السلام  إلى أشخاص بعينهم من أهل الكوفة، ممن كانوا قد بعثوا إليه الكتب يستقدمونه إلى الكوفة، وكان وقت كتابة هذه الرسالة بعد وصول ركب الإمام علیه السلام  إلى كربلاء، بعد أن ضيّق عليه الحر بن يزيد بجيشه بأمر ابن زياد، فعندما نزل الإمام في كربلاء ونزل الحر بن يزيد حذاءه في ألف فارس، دعا الحسين بداوة وبياض وكتب إلى أشراف الكوفة، ممن كان يظن أنه على رأيه: «بسم الله الرحمن الرحيم، من الحسين بن علي إلى سليمان بن صرد، والمسيب بن نجبة، ورفاعة بن شداد، وعبد الله بن وال، وجماعة المؤمنين.

 أما بعد! فقد علمتم أن رسول الله صلى الله عليه وآله قد قال في حياته: مَن رأى سلطاناً جائراً مستحلاً لحرام أو تاركاً لعهد الله ومخالفاً لسنة رسول الله صلى الله عليه وآله فعمل في عباد الله بالإثم والعدوان، ثم لم يُغير عليه بقول ولا فعل كان حقاً على الله أن يُدخله مدخله، وقد علمتم أن هؤلاء لزموا طاعة الشيطان، وتولوا عن طاعة الرحمن، وأظهروا الفساد، وعطلوا الحدود، واستأثروا بالفيء، وأحلوا حرام الله وحرموا حلاله.

 وأنا أحق من غيري بهذا الأمر؛ لقرابتي من رسول الله صلى الله عليه وآله، وقد أتتني كتبكم وقدمت علي رُسلكم ببيعتكم أنكم لا تخذلوني، فإن وفيتم لي ببيعتكم؛ فقد استوفيتم حقكم وحظكم ورشدكم، ونفسي مع أنفسكم، وأهلي ووُلدي مع أهاليكم وأولادكم، فلكم فيّ أُسوة، وإن لم تفعلوا ونقضتم عهدكم ومواثيقكم وخلعتم بيعتكم؛ فلعمري، ما هي منكم بنكر، لقد فعلتموها بأبي وأخي وابن عمي، هل المغرور إلّا مَن اغتر بكم، فإنما حقكم أخطأتم ونصيبكم ضيعتم، ومَن نكث فإنما ينكث على نفسه، وسيغني الله عنكم. والسلام»[33].

وبعض مضامين هذا الكتاب ذُكر في بعض المصادر، على أنه خطبة قالها الإمام الحسين علیه السلام  في الجمع المتكون من أصحابه وأصحاب الحر في منطقة قريبة من كربلاء، تُدعى البيضة[34].

عبد الله بن يقطر وقيس بن مُسهَّر رسولا الإمام الحسين علیه السلام

تذكر المصادر التاريخية والأخبار الكثيرة: أن عبد الله بن يقطر وقيس بن مسهر الصيداوي هما اللذان وقع اختيار الإمام الحسين علیه السلام  عليهما؛ فاختارهما لأنْ يكون لهما السهم الأوفر في القيام بمهمة السفارة بينه وبين ابن عمه وسفيره مسلم بن عقيل؛ لما يمتلكان من شجاعة وصبر، وإيمان وخبرة، ودراية في أداء مثل هذه المهام الجسام، وقد دفعا ـ وهم يؤديان هذا التكليف الإلهي ـ نفسيهما ليمضيا شهيدين سعيدين في سبيل الله تعالى، وليكونا من طلائع شهداء النهضة الحسينية المباركة، قبل أن تقع الفاجعة الكبرى في يوم عاشوراء.

ولكننا حينما نطالع مصادر التاريخ نجد التباساً كبيراً في قضية هذه المراسلات، لا سيما في تحديد شخصية الحامل لبعض تلك الرسائل التي ذكرناها آنفاً، فتارةً تُنسب هذه المهمة إلى عبد الله بن يقطر، وأُخرى إلى قيس بن مسهر، وثالثة يُتردد بينهما ولا يُقطع في المسألة؛ مما جعل الصورة غير واضحة في معرفة مهمة ودور كل من هذين الشهيدين الرسولين؛ وبالتالي لا يتسنى لنا الوقوف على معرفة كيفية نيلهما لدرجة الشهادة الرفيعة.

وقد ذكرت عدة سيناريوهات وكيفيات لتحديد مهمة كل منهما؛ ولكثرة الاختلاف في قصة الرجلين في المصادر التاريخية قد لا يجد الباحث مصدراً يستند إليه في إثبات دعواه.

نعم، هناك بعض الرسائل لم يحصل خلاف في حاملها. وسوف نستعرض الرسائل المذكورة لنتعرف من خلال تشخيص حاملها على  طبيعة التكليف المناط بكل من الشهيدين، ونحاول أن نصور سيناريوهاً معيناً لقصة كل منهما؛ استناداً إلى الدلائل المتوفرة.

قيس ابن مُسهَّر والمهمة الأُولى

اذا ما استثنينا ما قام به قيس، من حمله لرسائل أهل الكوفة إلى الإمام الحسين علیه السلام ؛ فسوف تكون مهمته الأُولى هي مرافقة مسلم بن عقيل إلى الكوفة مروراً بالمدينة، وقد تقدم الحديث عن أن مسلماً قد بعث قيساً إلى الإمام حاملاً رسالته الأُولى إليه، يخبره فيها بموت الدليلين، ويطلب منه أن يعفيه من هذه المهمة، على حدّ ما جاء في مضمون الرسالة، ويُخبره بما لاقوه من مصاعب ومعاناة في طريقهم.

ويذهب مشهور المؤرخين إلى أن قيساً هو من اختير لإبلاغ الإمام علیه السلام  برسالة مسلم، وقد جاء ذلك في أُمهات المصادر التاريخية[35]، إلّا أن الدينوري خالف في ذلك، وذكر ـ في كتابه الأخبار الطوال ـ أنّ مسلم بن عقيل استأجر دليلاً من أهل ذلك الماء؛ ليخبر الإمام علیه السلام  بخبره وخبر الدليلين[36]، غير أن هناك مَن يستبعد هذا الرأي لمخالفته لمشهور النقل أولاً، ولحساسية القضية وخطورتها؛ ما يستدعي ضرورة عدم اطلاع الغرباء عليها ثانياً؛ فيكون قيس بن مُسهَّر هو حامل هذا الكتاب وليس شخصاً آخر.

وما أن جاء كتاب مسلم إلى الإمام يحمله قيس بن مسهر، حتى ردّ الإمام برسالة جوابية مشدداً فيها على مواصلة السير مهما كانت الظروف والأسباب، وهي الرسالة الثانية في ترتيبنا المتقدم.

هل صحب قيس مسلم بن عقيل إلى الكوفة؟

من هنا تبدأ أُولى حلقات الغموض في سلسلة فصول قصة الشهيد قيس بن مُسهَّر الصيداوي، فهل استأنف قيس رحلته التي بدأها مع مسلم بن عقيل بأمر الإمام علیه السلام ، أم أنه بقي مع الإمام في مكة بعد عودته حاملاً كتاب مسلم؟ فلو اعتقدنا أنّ الشخص الذي حمل الرسالة الثانية الجوابية من الإمام علیه السلام  إلى مسلم هو قيس بن مسهر، وهو ما لم تصرح به المصادر التاريخية التي اطلعنا عليها؛ فيكون قيس حينئذ قد استكمل طريقه برفقة مسلم إلى الكوفة، وهو أمر يترتب عليه كثير من المسائل ويرسم صورة المشاهد القادمة من فصول القصة، وربما يستند مَن يرى ذلك إلى أن المتعارف في الرسائل المتبادلة أن الرسالة الجوابية المستعجلة تكون مع الرسول نفسه؛ ليضمن بذلك سرعة الوصول، ولعل ذلك كان مستند الشيخ السماوي حين يقول: « فلما وصل قيس إلى الحسين بالكتاب، أعاد الجواب لمسلم مع قيس، وسار معه إلى الكوفة»[37]. أو يكون دليله ما ذكره الدينوري، من أنّ رسول مسلم إلى الإمام علیه السلام  كان شخصاً استأجره مسلم من أهل تلك المنطقة. والله أعلم.

وأما لو بنينا على أن قيساً لم يكلفه الإمام علیه السلام  بحمل الرسالة الثانية إلى مسلم، وإنما بعث شخصاً آخر؛ فيكون قيس قد بقي مع الإمام في مكة وصحبه في مسيره إلى العراق؛ مدّخراً إيّاه لمهمات أُخر أكثر أهمية وخطورة، وهو الشخص الخبير العارف بجغرافيا العراق، وهذا ما سيتضح في المطالب اللاحقة.

مسلم بن عقيل في الكوفة  لتقييم الواقع ونقل الصورة

يصل سفير الإمام الحسين علیه السلام  مسلم بن عقيل ـ بعد رحلة شاقة ومضنية ـ إلى الكوفة المتشوقة إلى قدوم الإمام الحسين، فينزل دار المختار بن أبي عبيدة، وهي التي تُدعى دار سلام بن المسيب، فأقبلت الشيعة تختلف إليه، فكلما اجتمع إليه منهم جماعة قرأ عليهم كتاب الحسين علیه السلام  وهم يبكون، وبايعه الناس حتى بايعه ثمانية عشر ألفاً[38]؛ فرأى مسلم أن بشائر النصر قد لاحت، والأُمور تسير في صالح أهل البيت علیهم السلام ، فأراد أن ينقل هذه الصورة المتحركة أمامه إلى الإمام الحسين علیه السلام ، ويحثُّه على الإسراع إلى الكوفة لاستثمار هذه المعطيات؛ لتحقيق الهدف الإلهي في إقامة حكم الله في الأرض، وإصلاح واقع البلاد والعباد، فكتب مسلم كتاباً واضحاً ومهمّاً، نقلنا مضمونه في الرسالة الثالثة حسب ترتيبنا، وكان لا بد لهذه الرسالة من رسول كبير، يكون بحجم المهمة الكبيرة والمصيرية، فمَن هو يا تُرى؟ هل هو قيس بن مسهر، أو عبد الله بن يقطر، أو شخص ثالث؟

حصل خلاف أيضاً في تشخيص حامل هذه الرسالة. وقد ذكرت ثلاثة احتمالات في هذا الصدد:

الاحتمال الأول: أن يكون حامل الرسالة هو عبد الله بن يقطر، وهو ما أورده ابن أعثم في الفتوح[39]، والخوارزمي في مقتله[40]، وابن شهرآشوب في المناقب[41].

 ويضعف هذا الاحتمال: أن هذا الكتاب الذي يخبر فيه مسلم بحصول بيعة أهل الكوفة للإمام قد وقع في يد عبيد الله بن زياد، في حين أن أغلب المصادر التاريخية تؤكد وصول هذا الكتاب إلى الإمام الحسين علیه السلام . فربما يكون مكلفاً بحمل كتاب آخر غير هذا الكتاب.

الاحتمال الثاني: أن يكون الرسول هو عابس بن أبي شبيب الشاكري، وهو ما جاء في تاريخ الطبري من أن مسلم بن عقيل حيث تحوَّل إلى دار هانئ بن عروة وبايعه ثمانية عشر ألفاً، قدَّم كتاباً إلى الحسين علیه السلام  مع عابس بن أبي شيبب [أو ابن شبيب] الشاكري قال فيه: «أما بعد، فإن الرائد لا يكذب أهله، وقد بايعني من أهل الكوفة ثمانية عشر...»[42].

الاحتمال الثالث:  أن مسلم بن عقيل قد بعث كتابه مع عابس وقيس بن مسهر، وهو ما أورده ابن نما الحلي في مثير الأحزان؛ إذ قال: «وكتب مسلم بن عقيل إلى الحسين علیه السلام  كتاباً، أما بعد، فإن الرائد لا يكذب أهله... وحمله مع عابس بن أبي شبيب الشاكري، وقيس بن مُسهَّر الصيداوي»[43].

إن الاحتمال الأقرب من هذه الاحتمالات هو الاحتمال الثاني، وهو أن يكون عابس هو مَن أتى بالكتاب؛ اعتماداً على نقل الطبري لهذا الخبر، وإن كان الاحتمال الثالث لا يبعد أيضاً.

تفاعل الإمام الحسين علیه السلام  مع أخبار الكوفة

فيما كان الإمام الحسين علیه السلام  يترقّب أخبار الكوفة وتطورات الأحداث فيها، يوافيه كتاب مسلم بن عقيل، حاملاً أخبار الكوفة السارة، وحاثَّاً للإمام على المجيء، فيتجهز الإمام للخروج تاركاً مكة، وميمّماً وجهه صوب العراق في موكب ملائكي مهيبٍ، وهو في طريقه لا يدع فرصة إلّا استثمرها في سبيل الدعوة إلى نصرته، فالتحق به عدد من الناس، وفي هذه الأثناء لا شك في أن تصل أخباره إلى أسماع السلطة، لاسيما بعد تدهور الأوضاع في الكوفة، وانقلابها لصالح عبيد الله بن زياد فيها؛ ولهذا عندما بلغه إقبال الحسين علیه السلام  بعث الحصين بن نمير التميمي، وكان على شرطته، فأمره أن ينزل القادسية، وأن يضع المسالح، فينظم ما بين القطقطانة[44] إلى خفان[45]، «فيمنع مَن أراد النفوذ من ناحية الكوفة إلى الحجاز إلّا مَن كان حاجاً أو معتمراً، ومَن لا يُتّهم بممالاة الحسين»[46].

وعندما توسّط الإمام علیه السلام  الطريق وبلغ الحاجز من بطن الرمة[47]، قرّر أن يردّ برسالة جوابية على كتاب مسلم، ويُعطي الأوامر والتوجيهات اللازمة في هذه المرحلة الدقيقة التي تمرُّ بها المنطقة بشكل عام، والكوفة بشكل خاص، وهي الرسالة الرابعة وِفْق ما تقدم؛ فكان على الإمام علیه السلام  أن ينتدب لهذه المهمة رجلاً يكون على قدر المسؤولية، وبحجم المهمة الملقاة عليه، فهل هو الشهيد قيس بن مُسهَّر الأسدي الصيداوي، أو الشهيد عبد الله بن يقطر الحميري؟

رسالة الإمام الحسين علیه السلام  وتداخل مهمة الشهيدين

كان الخلاف بين المؤرخين والباحثين هو العلامة الفارقة في تشخيص هوية الرسول الذي أناط به الإمام علیه السلام  مهمة حمل كتابه إلى مسلم بن عقيل وأهل الكوفة، ودار الأمر بين الشهيد قيس بن مُسهَّر والشهيد عبد الله بن يقطر، وتنقسم أقوال المؤرخين والعلماء والباحثين على ثلاثة أصناف: صنف جزم بأنه قيس بن مُسهّر، وصنف رأى أنه عبد الله بن يقطر، والصنف الثالث إما تردد ولم يرجح أيَّاً منهما، أو ذكر أحد الأمرين على نحو القيل أو الاحتمال، وسنذكر نماذج لكل صنف ولا نبغي الاستقصاء، فممن ذهب إلى أن رسول الإمام الحسين علیه السلام  كان  قيس بن مُسهَّر هو: الدينوري في الأخبار الطوال[48]، وابن سعد في ترجمة الإمام الحسين من طبقاته[49]، والبلاذري في الأنساب[50]، والطبري في تاريخه[51]، وابن مسكويه في تجارب الأُمم[52]، وابن شهرآشوب في المناقب[53]، وابن نما الحلي في مثير الأحزان[54]، وابن الأثير في تاريخه[55].

بينما ذكر بعض أن الرسول هو عبد الله بن يقطر، ومنهم البلاذري في الأنساب[56]، ويظهر ذلك أيضاً مما رواه الطبري عن أبي مخنف؛ إذ قال: «كان الحسين لا يمر بأهل ماء إلّا اتبعوه، حتى انتهى إلى زبالة سقط إليه مقتل أخيه من الرضاعة مقتل عبد الله بن بقطر، وكان سرّحه إلى مسلم بن عقيل من الطريق، وهو لا يدرى أنه قد أُصيب، فتلقاه خيل الحصين بن نمير بالقادسية، فسرّح به إلى عبيد الله بن زياد، فقال: اصعد فوق القصر...»[57]، وسرد قصة شبيهةً بقصة استشهاد قيس، وهو مذهب ابن الصباغ المالكي في الفصول المهمة[58].

وذكرت كتب الرجال أن عبد الله بن يقطر هو رسول الإمام الحسين علیه السلام ، وأنه رمي به من فوق القصر، فتكسر، فقام إليه عمرو الأزدي فذبحه، ويقال: بل فعل ذلك عبد الملك بن عمير اللخمي[59]. وما يُعزز هذا الرأي أن عدداً من المؤرخين ذكروا أنه قد وصل خبر مقتل عبد الله بن يقطر وهانئ ومسلم وهو في زبالة؛ مما يعني أنه كان قد أرسله بتلك المهمة فقُبض عليه ونال الشهادة[60].

ونظراً لهذا الاختلاف نجد الصنف الثالث من العلماء إما يتردد، أو يذكر كلا الأمرين، ومن بين هؤلاء: المفيد في الإرشاد[61]، والفتال النيسابوري في روضة الواعظين[62]، والطبرسي في إعلام الورى[63].

وبعد هذا العرض السريع لآراء المؤرخين والعلماء يجد الباحث نفسه أمام مسألة شائكة ومتداخلة، يصعب معها الخروج بنتيجة واضحة، ومما يزيد الأمر إرباكاً وغموضاً أيضاً هو تصريح بعض المؤرخين وأصحاب السير: بأنّ عبد الله بن يقطر كان من شهداء الطف في يوم عاشوراء! ومن الذين ذكروا ذلك الطبري في تاريخه[64]، وابن حبان في الثقات[65]، وابن الجوزي في المنتظم[66]، وابن كثير في البداية والنهاية[67]، وغيرهم.   

وكذلك ورد اسمه في عداد شهداء عاشوراء في الزيارة الرجبية المختصة بشهداء كربلاء[68].

وعلى كل حال؛ ينبغي الركون إلى رؤية معينة تكون أقرب إلى الواقع؛ اعتماداً على بعض الشواهد والمستندات.

السيناريو المتصور في مهمّتي الشهيدين

إن هذا الخلاف العريض في المصادر التاريخية وغيرها يُعطي هامشاً كبيراً في تكثّر الآراء والأقوال في هذه المسألة؛ ولكي لا نثقل على القارئ بكثرة الاحتمالات، ولا نُبرمه بتعدد الفرضيات نذكر له كيفية واحدة ـ حسب تصورنا ـ لمهمة كل من الشهيد قيس والشهيد عبد الله بن يقطر، والتي تشمل كل ما قاما به من شرف السفارة للإمام الحسين علیه السلام .

لا ينكر أحد أن كلاً من الشهيدين كان على درجة عالية من الإيمان والإخلاص، والتقوى والشجاعة أهّلتهما أن يكونا من حواريي الإمام علیه السلام  وخُلّص أصحابه وموضع سرّه ومحلّ ثقته؛ فجعل هذه المهمة إلى أحدهما أو تلك إلى الآخر لا يعني بأي حال الحط من قيمة أحدهما ـ والعياذ بالله ـ بل إن ما نقوم به تُمليه علينا سياقات البحث العلمي وأساليبه، فحينئذ نقول:

إن الشهيد قيس بن مُسهَّر الصيداوي كان من الأوائل الذين حمّله بعض وجهاء الكوفة وأشرافها الرسائل والكتب التي يدعون فيها الإمام إلى القدوم إليهم، ثم توالت بعده الرُّسل، حتى اجتمع منها عند الإمام عدد كبير، فبادر الإمام إلى بعث ابن عمه مسلم بن عقيل إلى الكوفة، وسيّر معه قيس بن مُسهَّر في مهمته الأُولى من قبَل الإمام علیه السلام ، وفي الطريق يعود حاملاً كتاب مسلم إلى الإمام علیه السلام  يخبره بما حلّ بهم في الطريق على تفصيل مرّ ذكره.

وحينما يُجيب الإمام على رسالة مسلم يظهر بعض الغموض حول من تولَّى إيصالها إلى مسلم، فلو كان شخصاً غير قيس؛ فهذا يعنى أن قيساً لم يرافق مسلم بن عقيل إلى الكوفة، بل بقي مصاحباً الإمام في مكة، وإذا قبلنا أن قيساً هو صاحب الرسالة الثانية بترتيبنا؛ فهذا بطبيعة الحال يقضي بأنه صاحب مسلم بن عقيل وهو في طريقه إلى الكوفة، ولكنا مع هذا الفرض نعتقد أنّ قيساً عاد إلى مكة؛ إما برفقة عابس بن أبي شبيب الشاكري، حين بعثهما مسلم بالرسالة الثالثة التي يخبر فيها الإمام الحسين علیه السلام  بمبايعة أهل الكوفة له، كما ينقل ذلك الطبري كما تقدم، وإما أنه قد جاء بمفرده بالكتاب.

وعلى تقدير أنه لم يذهب مع مسلم ـ أو أنه ذهب ولكنه عاد ـ فيكون قيس بن مُسهَّر قد صحب الإمام علیه السلام  في مسيره من مكة إلى الكوفة، وهذا هو مختارنا في هذا المقطع من المهمة.

وأما في الجانب الثاني من المشهد ـ أعني قصة عبد الله بن يقطر ـ فهو بحكم أن عبد الله قد تربى مع الإمام في المدينة ومن المقربين لديه؛ فسيكون في ركب الإمام القادم من المدينة إلى مكة، ومن ثم إلى العراق.

وحين يصل الإمام علیه السلام  إلى الحاجز من بطن الرمة، ويعزم على أن يجيب عن رسالة مسلم بن عقيل، فيكتب رسالة يخبر مسلم ومَن معه من أهل الكوفة: بأنه قد شخص إليهم من مكة في اليوم الثامن من ذي الحجة، ويوصيهم بحُسن التدبير ريثما يصلهم.

وهنا تبرز المعضلة في تعيين حامل هذه الرسالة الرابعة حسب ترتيبنا؛  لكثرة ما رأيناه من الاضطراب والاختلاف في الأقوال، بيد أننا نظن أن مبعوث الإمام في هذه المهمة هو عبد الله بن يقطر، وليس قيس بن مُسهَّر الصيداوي؛ لقرينتين اثنين، مضافاً إلى عدم رجحان كفة الأقوال التي في صالح قيس:

القرينة الأُولى: إن بعض المصادر التي تذكر قصة إلقاء القبض على قيس بن مُسهَّر من قبل الحصين بن نمير في منطقة القادسية، تشير إلى أنه كان يحمل كتاباً فيه أسماء أشخاص بعينهم من أهل الكوفة، ويحرص قيس على عدم البوح بها، وإن كلفه ذلك حياته، ففي مثير الأحزان: أن قيس بن مُسهَّر الصيداوي أقبل بكتاب الإمام علیه السلام  حتى انتهى إلى القادسية، فأخذه الحصين بن نمير وبعث به إلى عبيد الله بن زياد، فأخرج الكتاب ومزقه، فلمّا حضر بين يدي عبيد الله، قال: مَن أنت؟ قال: رجل من شيعة أمير المؤمنين علیه السلام . قال: فلماذا مزقت الكتاب؟ قال: لئلا تعلم ما فيه. قال: ممن الكتاب؟ وإلى مَن؟ قال: من الحسين علیه السلام  إلى قوم من أهل الكوفة لا أعرف أسماءهم. فغضب ابن زياد...[69]، في حين أنه لا توجد أسماء في الكتاب، وإنما فيه «من الحسين بن علي إلى إخوانه من المؤمنين والمسلمين، سلام عليكم...» وقد تقدم نص الكتاب.

في حين أننا لا نشاهد هذا التفصيل في قصة اعتقال عبد الله بن يقطر على يد الحصين. وهذا نتيجة الخلط بين مهمة عبد الله بن يقطر في حمله هذا الكتاب ووظيفة قيس بن مُسهَّر في إيصال الرسالة السادسة المشار إليها سابقاً، والتي سنتحدث عنها في القرينة الثانية.

القرينة الثانية: وهي من أهم الأدلة التي اعتمدنا عليها في مختارنا، وبها ينحل التداخل والخلط بين القصتين، فقد روى ابن أعثم في الفتوح، والخوارزمي في مقتل الحسين علیه السلام ، والسيد ابن طاووس: أن الحسين علیه السلام  بعد أن التقى به الحر بن يزيد الرياحي وسايره حتى انتهى بهم المقام في أرض كربلاء، كتب علیه السلام  كتاباً إلى أشخاص من أهل الكوفة، وذكرهم بأسمائهم، وبعثها مع الشهيد قيس بن مسهر، وهي الرسالة السادسة التي نقلناها؛ مما يدلّ على أن قيساً قد بقي مع الإمام كل هذه المدة حتى وصل إلى كربلاء، وأن الذي بُعث من الحاجز من بطن الرمة هو الشهيد عبد الله بن يقطر.

ثم يتابع ابن أعثم في روايته، فيذكر: أنه بعد وصول قيس إلى مشارف الكوفة ـ وكان عبيد الله بن زياد قد وضع المراصد على الطرق ـ لقيه الحصين بن نمير السكوني، فما لبث قيس أن  أخرج الكتاب سريعاً فمزقه عن آخره، فقبضوا عليه، وأخذوا الكتاب ممزقاً، حتى أتوا به إلى عبيد الله بن زياد، فقال له عبيد الله بن زياد: مَن أنت؟ قال: أنا رجل من شيعة أمير المؤمنين الحسين بن علي، قال: فلم خرّقت الكتاب الذي كان معك؟ قال: حتى لا تعلم ما فيه! قال: وممن كان هذا الكتاب؟ وإلى مَن كان؟ فقال: كان من الحسين إلى جماعة من أهل الكوفة لا أعرف أسماءهم.

فغضب ابن زياد غضباً عظيماً. ثم قال: والله، لا تفارقني أبداً أو تدلني على هؤلاء القوم الذي كُتب إليهم هذا الكتاب، أو تصعد المنبر فتسب الحسين وأباه وأخاه، فتنجو من يدي أو لأُقطعنك.

 فقال قيس: أما هؤلاء القوم فلا أعرفهم، وأما لعنة الحسين وأبيه وأخيه فإني أفعل ـ وفي رواية ابن طاووس: فقال قيس: أما القوم، فلا أُخبرك بأسمائهم، وأما لعن الحسين علیه السلام  وأبيه وأخيه فأفعل[70] ـ فأمر به، فأُدخل المسجد الأعظم، ثم صعد المنبر، وجمع له الناس؛ ليجتمعوا ويسمعوا اللعنة، فلما علم قيس أن الناس قد اجتمعوا وثب قائماً، فحمد الله وأثنى عليه، ثم صلى على محمد وآله، وأكثر الترحم على عليّ ووُلده، ثم لعن عبيد الله بن زياد ولعن أباه، ولعن عتاة بني أُمية عن آخرهم، ثم دعا الناس إلى نصرة الحسين بن علي. فأخبروا بذلك عبيد الله بن زياد؛ فأُصعد على أعلى القصر، ثم رُمي به على رأسه؛ فمات رحمة الله عليه[71].

وفي ضوء هذه الرواية يتضح المبرر الذي دفع قيس بن مُسهَّر أن يمزق الكتاب ويتلفه؛ لئلا يطلع الأعداء عليه، بينما لا يتضح السبب في تمزيق الرسالة الرابعة التي لا يوجد فيها أسماء معينة.

ولعل الخلط بين القصتين جاءت من عدة جهات، منها: أن كلا الشهيدين هما من سفراء الإمام الحسين علیه السلام  وحملة رسائله. ومنها: أن الحصين بن نمير أو أحد من أعوانه وشرطته هو مَن تولى اعتقالهما. ومنها: أن كلا الشهيدين استُشهد بإلقائه من أعلى القصر، والله العالم.

وأما ما ورد في الفتوح ـ أيضاً ـ ومقتل الخوارزمي ومناقب ابن شهرآشوب من أنّ مالكاً أو عبد الله بن يربوع التميمي  وجد عند عبد الله بن يقطر كتاباً يخبر فيه مسلم الإمام الحسين علیه السلام  بأن أهل الكوفة قد بايعوه، وسلّم هذا الكتاب إلى عبيد الله بن زياد، مع عبد الله بن يقطر ما تسبب في استشهاده[72]، فإننا سبق وقلنا: إن عدم وصول هذا الكتاب إلى الإمام الحسين علیه السلام  مخالف للمشهور، وكون الرسول هو عبد الله بن يقطر أيضاً يعدّ خبراً شاذاً لا نعوّل عليه، فلربما بعث مسلم بن عقيل ـ أو غيره ممن أوصاهم ـ شخصاً آخر حاملاً كتاباً يطلب فيه من الإمام عدم مواصلة السير والقدوم إلى الكوفة بعد انقلاب الأوضاع، وهو مضمون الرسالة الخامسة بترتيبنا، والتي تقدم الكلام عنها.

يقين وصمود وشهادة

قد لا يستغرب المرء من مواقف الشهيدين السعيدين، حين يعلم أنهما خرّيجا مدرسة الإباء والثبات والتفاني في سبيل المبدأ، هذه المدرسة التي وضع منهجها واختط طريقها الإمام الحسين علیه السلام .

فمَن أراد أن يتعرف على بعض عطاءات النهضة الحسينية، فليأت إلى ما قدّمه لنا هذان الشهيدان من دروس وعبر عديدة، نأخذ منها درسين في غاية الأهمية:

الدرس الأول: اليقين الراسخ بالمبدأ والعقيدة

فالشهيدان ـ وبغض النظر عمّا حدث من ملابسات تاريخية في بيان مهمتيهما ـ علَّما الأجيال درساً في علاقة الإنسان المؤمن بعقيدته ومبدئه، القائمة على أساس الإيمان الراسخ، والاعتقاد الجازم غير المتزلزل، مهما داهمته الخطوب والملمات؛ فحين يُقبض على أحدهما، ويُرسَل إلى عبيد الله بن زياد، ويعاين الموت المحقق لا نراه يهتز أو يرتعد، بل يواجه الطاغية بكل جبروته وطغيانه بصلابة الإيمان، ولما يأمره بسبّ الحسين وأباه، يصعد القصر الذي صيّره منبراً لإبلاغ رسالته على أتم وجه، وبعد أن يحمد الله سبحانه ويُثني عليه، يقول: أيُّها الناس، إن هذا الحسين بن علي خير خلق الله بن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله ، وأنا رسوله إليكم؛ فأجيبوه. ثم يلعن ابن زياد وأباه، ويستغفر لعلي علیه السلام  ويصلي عليه، فيأمر به عبيد الله؛ فيرمى من فوق القصر إلى الأرض[73].

وفي نَصٍّ آخر، ورد في حق الشهيد قيس، يكشف فيه هذا الشهيد عن إيمان يُطاول الجبال الراسيات في ثباته وقوته، فلا يتردد من إجابة الطاغية الفرعوني حين يسأله عن هويته: مَن أنت؟ فيُجيبه ـ جواب الواثق المطمئن ـ: أنا رجل من شيعة أمير المؤمنين الحسين بن علي. ومن ثم يسأله عن سبب خرقه للكتاب فيجيبه قائلاً:خوفاً؛ حتى لا تعلم ما فيه. إنه جواب كالصاعقة التي  أفقدت ابن زياد توازنه.

كم نحن بحاجة ـ في زماننا وفي كل زمان ـ إلى مثل هؤلاء الأماثل الأفذاد؛ لنرتشف من أكف عطائهم معاني التمسك بالمبدأ والعقيدة.

الدرس الثاني: الصمود والثبات على المبدأ حتى النهاية

لا ريب في أن رسوخ الإيمان بالعقيدة وتجذُّره يُثمر عن ثبات لا يتغير رغم كل شيء، وهذا ما حصل فعلاً في قصة استشهاد الشهيدين قيس وعبد الله، فلم يُرهبهما وقوعهما في الأسر وما أيقنوه من نهاية حتمية؛ فلذا لم يُبال أحدهما في ردّة فعل الطغاة، بل راح يحثُّ الناس على نصرة الإمام علیه السلام ، ويُثني على أهل البيت علیهم السلام ، ويلعن ابن زياد وأباه، وهذا حال مَن يخطو إلى بلوغ درجات الشهادة العالية بكل عنفوان وشمم.

سمو الشهيدين وخسّة الأعداء

لعل هناك مقولة ـ ربما يسندها الواقع التاريخي ـ: تفيد أنه كلما علت مكانة الشهيد وسمت منزلته، كلما كان قاتله متسافلاً ومنحدراً من الجهة الأخلاقية والاجتماعية والقيمية، فالشهيدان مع ما لهما من علو المكانة وسمو الروح وسلامة الطوية وصفاء النفس، نجد قتَلَتهم وأعداءهم على درجة من الخسة والانحطاط، فعبيد الله بن زياد لا يحتاج إلى عناء الحديث عن ظلمه وجوره، وخروجه عن ربقة الإنسانية، فضلاً عن الدين والتقيّد بتعاليمه.

وأما مَن تولى ذبح أحد الشهيدين ـ بعدما رمي به من القصر وتكسرت عظامه وبقي فيه رمق ـ فهو رجل يقال له: عبد الملك بن عمير اللخمي والذي عيب عليه حينما أقدم على هذا الفعل الشنيع، قال: أردت أن أُريحه!![74].

وسِجِلُّ هذا الرجل طافح بالإجرام والانحراف عن سبيل الحق، قال عنه الشيخ المفيد: «فأما عبد الملك بن عمير، فمن أبناء الشام، وأجلاف محاربي أمير المؤمنين علیه السلام ، المشتهرين بالنصب والعداوة له ولعترته، ولم يزل يتقرّب إلى بني أُمية بتوليد الأخبار الكاذبة في أبي بكر وعمر، والطعن في أمير المؤمنين علیه السلام  حتى قلّدوه القضاء، وكان يقبل فيه الرُّشا، ويحكم بالجور والعدوان، وكان متجاهراً بالفجور والعبث بالنساء...»[75].

ولشناعة ما فعله بالشهيدين ـ أو أحدهما من الإجهاز عليه وهو لا زال حياً ـ أراد بعض أن ينفي الفعلة عنه ويلصقها بشخص آخر، فقد رأوها لا تليق بقاضي الدولة الأُموية وراوية أحاديثهم، فجاء في تاريخ الطبري عن «هشام حدثنا أبو بكر بن عياش عمن أخبره، قال: والله، ما هو عبد الملك بن عمير الذي قام إليه فذبحه، ولكنه قام إليه رجل جعد طوال يُشبه عبد الملك بن عمير»[76].

وستبقى هذه المعادلة سارية المفعول في كل زمان وفي كل جيل، فحلبة الصراع بين الحق والباطل لم يأن لها أن تتوقف بعد، حتى يرث الله الارض ومَن عليها.

تأبين الإمام الحسين علیه السلام  للشهيدين

يستطيع الباحث في سيرة هذين العلمين أن يتعرف على علو قدرهما وحُسن عاقبتهما ـ بالإضافة إلى ما سجله التاريخ من عظيم إيمانهما ورفعة منزلتهما ـ من خلال ما قاله الإمام الحسين علیه السلام  عنهما مؤبناً لهما بعبارات تدل على المكانة التي يحظيان بها عند الإمام الذي لم يكتف بإطلاق تلك الكلمات فحسب، بل مزجها بدموعه الكريمة، فلما يصله خبر استشهاد أحدهما مع ما عليه من يقين راسخ وبصيرة نافذة تترقرق عينا الحسين علیه السلام ، ولا يملك دمعه فيقول: «منهم مَن قضى نحبه، ومنهم مَن ينتظر وما بدلوا تبديلاً. اللهم اجعل لنا ولهم الجنة نُزلاً، واجمع بيننا وبينهم في مستقرٍّ من رحمتك، ورغائب مذخور ثوابك»[77].

وورد في خبر آخر أن الحسين علیه السلام  حين يبلغه نبأ استشهاد قيس بن مُسهَّر  الصيداوي يستعبر باكياً، ثم يقول: «اللهم، اجعل لنا ولشيعتك منزلاً كريماً عندك، واجمع بيننا وإياهم في مستقر رحمتك، إنك على كل شيء قدير»[78].

 فهنيئاً لهذين الشهيدين السعيدين هذا التأبين والإطراء والدعاء من إمام الأُمة وسيد شباب أهل الجنة. فسلام عليهما يوم ولِدا، ويوم استُشهدا، ويوم يُبعثان حيين مع محمد وآله الطاهرين.

 

 

 

 


[1]     الراوندي، قطب الدين، الخرائج والجرائح: ج2، ص550.

[2]     السماوي، محمد، إبصار العين في أنصار الحسين علیه السلام : ص93. السيد البراقي، تاريخ الكوفة: ص321ـ324.

[3]     الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الطبري: ج4،  ص359. ابن حبان، الثقات: ج2، ص310. الشيخ الطوسي، رجال الطوسي: ص103. ابن شهرآشوب، مناقب آل أبي طالب: ج3، ص243. ابن حجر، الإصابة: ج5، ص8. ابن طاووس، إقبال الأعمال: ج3، ص346. وغيرها من المصادر.

[4]     السيد البراقي، تاريخ الكوفة: ص321.

[5]     ابن نما الحلي، مثير الأحزان: ص 7.

[6]  السيد البراقي، تاريخ الكوفة: ص321. السماوي، محمد، إبصار العين في أنصار الحسين علیه السلام : ص 93.

[7]     ابن حجر، الإصابة في تميز الصحابة: ج5، ص8.

[8]     الخليل الفراهيدي، العين: ج8، ص71.

[9]     المفيد، الإرشاد: ج2، ص70. الطوسي، رجال الطوسي: ص103. الراوندي، قطب الدين الخرائج والجرائح: ج2، ص550. ابن شهرآشوب، مناقب آل أبي طالب: ج3، ص232. ابن طاووس، إقبال الأعمال: ج3، ص346.

[10]    العلامة الحلي، خلاصة الأقوال: ص192.

[11]    المحقق النراقي، عوائد الأيام: ص867.

[12]    ابن حبان، الثقات: ج2، ص310. الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الطبري: ج4، ص300. ابن كثير، البداية والنهاية: ج8، ص182. وغيرها من المصادر.

[13]    اُنظر: المفيد، الإرشاد: ج2، ص37.

[14]    البلاذري، أنساب الأشراف: ج11، ص 164. ابن حزم، جمهرة أنساب العرب: ص195.

[15]    النوري، ميرزا حسين، خاتمة المستدرك: ج8، ص326.

[16]    اُنظر: المفيد، الإرشاد: ج2، ص39ـ40. الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الطبري: ج4، ص263–264.

[17]    ذهب إلى هذا الرأي السماوي في كتابه إبصار العين في أنصار الحسين، ص112.

[18]    الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الطبري: ج4، ص263. المفيد، الإرشاد: ج2، ص39ـ40.

[19]    المصدر السابق.

[20]    ابن شهرآشوب، مناقب آل أبي طالب: ج3، ص242.

[21]    الدينوري، ابن قتيبة، الأخبار الطوال: ص243. الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الطبري: ج4، ص281. وقريب منه ما نقله البلاذري في الأنساب: ج3، ص167. إلا أنه لم يذكر عدد المبايعين.

[22]    الكوفي، أحمد بن أعثم، الفتوح: ج5، ص40.

[23]    المفيد، الإرشاد: ج2، ص70.

[24]    الدينوري، ابن قتيبة، الأخبار الطوال: ص242.

[25]    الكوفي، أحمد بن أعثم، الفتوح: ج5، ص45. الخوارزمي، مقتل الحسين علیه السلام : ص293ـ294. ابن شهرآشوب، مناقب آل أبي طالب: ج3، ص243.

[26]    أي: أسرعوا.

[27]    المفيد، الإرشاد: ج2، ص70. البلاذري، أنساب الأشراف: ج3، ص167. الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الطبري: ج4، ص297.

[28]    الدينوري، ابن قتيبة، الأخبار الطوال: ص245.

[29]    الأسترابادي، رضي الدين، شرح شافية ابن الحاجب: ج4، ص10.

[30]    المفيد، الإرشاد: ج2، ص59ـ60. الأصفهاني، أبو الفرج، مقاتل الطالبيين: ص66.

[31]    اُنظر: الأصفهاني، أبو الفرج، مقاتل الطالبيين: ص67.

[32]    اُنظر: الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الطبري: ج4، ص300.

[33]    الكوفي، أحمد بن أعثم، الفتوح: ج5، ص81ـ82. واُنظر: الخوارزمي، مقتل الحسين علیه السلام ، ص335ـ336، وابن طاووس، اللهوف في قتلى الطفوف: ص45–47.

[34]    الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الطبري: ج4، ص304.

[35]    الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الطبري: ج4، ص263. المفيد، الإرشاد: ج2، ص39ـ40.

[36]    اُنظر: الدينوري، ابن قتيبة، الأخبار الطوال: ص230.

[37]    السماوي، محمد، إبصار العين في أنصار الحسين علیه السلام : ص112.

[38]    الفتال النيسابوري، روضة الواعظين: ص173.

[39]    الكوفي، أحمد بن أعثم، الفتوح: ج5، ص45.

[40]    الخوارزمي، مقتل الحسين: ص293ـ294.

[41]    ابن شهرآشوب، مناقب آل أبي طالب: ج3، ص243.

[42]    الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الطبري: ج4، ص281.

[43]    الحلي، ابن نما، مثير الأحزان: ص21. الأمين، محسن، لواعج الأشجان: ص38.

[44]    مكان قريب من الكوفة.

[45]    اُنظر: الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الطبري: ج4، ص303.

[46]    الدينوري، ابن قتيبة، الأخبار الطوال: ص243.

[47]    الحاجز: اسم أرض ومنزل على الطريق من مكة إلى العراق، وملتقى طريقي الكوفة والبصرة عند المسير إلى المدينة، ومعناه: الموضع الذي يحجز فيه الماء. السيد شرف الدين، هامش كتاب المجالس الفاخرة في مصائب العترة الطاهرة: ص216. وفي معجم البلدان: بطن الرمة... واد معروف بعالية نجد، وقال ابن دريد: الرمة قاع عظيم بنجد، تنصب إليه أودية. الحموي، معجم البلدان: ج1، ص449.

[48]    الدينوري، ابن قتيبة، الأخبار الطوال: ص246.

[49]    ابن سعد، ترجمة الإمام الحسين علیه السلام  من طبقات ابن سعد: ص68.

[50]    البلاذري، أنساب الأشراف: ج3، ص166.

[51]    الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الطبري: ج4، ص297.

[52]    الرازي، أحمد بن محمد مسكويه، تجارب الأُمم: ج2، ص60.

[53]    ابن شهرآشوب، مناقب آل أبي طالب: ج3، ص245.

[54]    الحلي، ابن نما، مثير الأحزان: ص30.

[55]    ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج4، ص41.

[56]    البلاذري، أنساب الأشراف: ج3، ص168.

[57]    الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الطبري: ج4، ص300.

[58]    ابن الصباغ، الفصول المهمة في معرفة الأئمة: ج2، ص806.

[59]    اُنظر: الطوسي،  رجال الطوسي: ص103. العلامة الحلي، خلاصة الأقوال: ص192.

[60]    اُنظر: المفيد، الإرشاد: ج2، ص75. الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الطبري: ج4، ص301. البلاذري، أنساب الأشراف: ج3، ص168.

[61]    المفيد، الإرشاد: ج2، ص70.

[62]    الفتال النيسابوري، روضة الواعظين: ص177.

[63]    الطبرسي، إعلام الورى بأعلام الهدى: ج1، ص446.

[64]    الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الطبري: ج4، ص359.

[65]    ابن حبان، الثقات: ج2، ص310.

[66]    ابن الجوزي، المنتظم في تاريخ الأُمم والملوك: ج5، ص340.

[67]    ابن كثير، البداية والنهاية: ج8، ص206.

[68]    ابن طاووس، إقبال الأعمال: ج3، ص346.

[69]    اُنظر: الحلي، ابن نما، مثير الأحزان: ص30–31.

[70]    اللهوف في قتلى الطفوف، السيد ابن طاووس: ص46.

[71]    انظر: الفتوح، أحمد بن أعثم الكوفي: ج 5 ص 82 – 83.

[72]    اُنظر: الكوفي ابن أعثم، الفتوح: ج5، ص45، والخوارزمي، مقتل الحسين علیه السلام : ص293ـ 294. وابن شهرآشوب، مناقب آل أبي طالب: ج3، ص243.

[73]    المفيد، الإرشاد: ج2، ص70ـ72.

[74]    المصدر السابق: ج2، ص71.

[75]    المفيد، الإفصاح: ص220.

[76]    الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الطبري: ج4، ص300.

[77]    المصدر السابق: ج4، ص306.

[78]    الكوفي، أحمد بن أعثم، الفتوح: ج5، ص83.

 
 
البرمجة والتصميم بواسطة : MWD