1439 / ربیع‌الاول / 6  |  2017 / 11 / 25         الزيارات : 484150         صلاة الصبح |         صلاة الظهر والعصر |         صلاة المغرب والعشاء |

مقتل الحسين علیه السلام لنصر بن مزاحم المنقري الكوفي

{ الشيخ عامر الجابري }
مقتل الحسين علیه السلام لنصر بن مزاحم المنقري الكوفي

 

تقديم

من الشخصيات الكوفيّة الأخباريّة القديمة هي شخصية (نصر بن مزاحم المنقري) وقد برزت هذه الشخصية في نهايات القرن الثاني، وبدايات القرن الثالث الهجري. وهي شخصية يكتنف الغموض العديد من جوانبها، فليس لدينا حول شخصيته سوى معلومات متناثرة في بطون كتب التاريخ والسيرة والرجال، وقد حاولنا جمع تلك المعلومات وتنسيقها وإخضاعها للتحليل والاستنتاج، لأجل سدّ الثغرات والفجوات التي قد نواجهها في معرفة الكثير من أبعاد هذه الشخصية.

ولعل أشهر ما عُرف به نصر بن مزاحم هو كتابه (وقعة صِفِّين) الذي يُعدُّ أقدم وأهم أصل تاريخي يتحدَّث عن هذه الواقعة؛ ولذا كثيراً ما يُعرف به، فيُقال مثلاً: نصر بن مزاحم صاحب وقعة صفِّين.

وإلى جانب هذا الكتاب أيضاً، ألَّف المنقري عدّة كتب أُخرى، منها: الكتاب الذي نحن بصدد الكلام عنه وهو (مقتل الحسين عليه السلام)، الذي يُعدّ من أُصول المقاتل الحسينيّة، وكذلك له مصنفات أُخرى ستتم الإشارة إليها أثناء ترجمة حياته.

وهذا المقتل وإن كان مفقوداً في عصرنا، إلّا أنّ اعتماد كبار العلماء عليه، كأبي الفرج الأصفهاني، وابن قولويه، والشيخ الصدوق، قد حفظ لنا العديد من مروياته.

وهذه السطور هي ثمرة أيام وليالي من البحث والتحقيق حول شخصية المنقري، وكتابه في مقتل الحسين عليه السلام، أقدِّمُها للقرّاء الكرام، ضمن مبحثين رئيسين وخاتمة بأهم النتائج، حيث إنّ الأول سيختصّ بترجمة المنقري (اسمه، ونسبه، وكنيته، ونشأته وأولاده، ومذهبه...)، ويختصّ المبحث الثاني بالكلام حول المقتل الذي رواه لنا، وسنذكر أهم المصادر التي نقلت روايات هذا المقتل بالتفصيل ـ إن شاء الله ـ مع الاعتذار عن القصور والتقصير.

المبحث الأول: ترجمة المنقري

أولاً: اسمه ولقبه ونسبه وأولاده

اسمه: نصر بن مزاحم بن يسار([1]) أو سيار([2]) المنقري العطّار أبو الفضل([3]) أو المفضل([4]).

لقبه ونسبه: يُلقّب نصر بن مزاحم بـ(المنقري)، و(العطار).

أمّا (المنقري): بكسر الميم، وسكون النون، وفتح القاف، فنسبة إلى بني منقر، وهو منقر بن عبيد بن مقاعس بن عمرو بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم([5])، فهم بطن من تميم؛ ولذا قد يُلقَّب نصر بن مزاحم في بعض المصادر بـ(التميمي) أيضاً، وإن كان إطلاق لقب (المنقري) عليه أشهر.

وقد نُسب إلى هذا الفرع من تميم جماعةٌ من أهل العلم ممَّن التفّوا حول أئمة أهل البيت عليهم السلام، منهم: الحسين بن أحمد المنقري من أصحاب الباقر والكاظم عليهما السلام([6])، وسليمان ابن داود المنقري الذي كان يروي عن جماعة من أصحاب الإمام الصادق عليه السلام([7])، وأسلم ابن أيمن المنقري الكوفي من أصحاب الإمام الباقر عليه السلام([8])، وإسماعيل بن محمد المنقري من أصحاب الإمام الكاظم عليه السلام([9])، وخلاد، وعبد الله، ومحمد، أبناء سليم المنقري، وهم من أهل الكوفة، ومن أصحاب الإمام الصادق عليه السلام([10])، وموسى بن داود المنقري من أصحاب الجواد عليه السلام، وغيرهم ممَّن أعرضنا عن ذكرهم خوفاً من الإطالة([11]).

وأمّا (العطّار): هو بائع العطور كما في المعاجم([12]).

أولاده: ومن أولاد نصر بن مزاحم:

1ـ مزاحم بن نصر بن مزاحم، يروي عن هلقام بن جميع السدوسي([13]).

2ـ حسين أو (الحسين) بن نصر بن مزاحم، يروي عن أبيه([14])، وعن محمد بن سكين بن الرحال([15])، وعن خالد بن عيسى([16])، وروى عنه محمد بن القاسم بن زكريا الحارثي السوداني الكوفي([17])، وعلي بن العباس([18])، وعلي بن الحسن بن فضال([19])، ومحمد بن مسلم([20]).

ثانياً: ولادته ونشأته

ولادته: ذكر شيخ الطائفة أنّ (نصر بن مزاحم) في قائمة أصحاب الإمام الباقر عليه السلام([21])، وحيث إنّنا نعلم أنّ وفاة الإمام الباقر عليه السلام كانت في عام 114ﻫ، فتكون ولادة (نصر) قبل هذا التاريخ بفترة يكون معها مؤهلاً لصحبة الإمام الباقر عليه السلام.

فإذا قلنا: إنّه وُلد حوالي عام 100ﻫ، فقد قلنا بأقرب الاحتمالات؛ حيث نستبعد أن يكون قد وُلد قبل عام 100ﻫ بفترة طويلة؛ لأنّنا في هذه الحالة سنضطر إلى افتراض كونه من المعمّرين، وذلك بعد ملاحظة أنّ وفاته كانت عام 212ﻫ كما سيأتي.

هذا كلّه بناءً على صحّة عدِّ الشيخ الطوسي له في أصحاب الإمام الباقر عليه السلام، ولكن ستأتي ـ عند الحديث عن مكانته العلمية وطبقته ومصنفاته ـ مناقشةُ السيد الخوئي في صحّة ذلك.

والقدر المتيَّقن لدينا أنّ ولادته كانت قبل عام 161ﻫ، فقد ذكر ابن حبان أنّ (نصراً) قد أخذ عن سفيان الثوري([22])، وقد توفّي سفيان هذا عام 161ﻫ([23]).

نشأته: كانت ولادة المنقري ونشأته في الكوفة، وكان عطّاراً فيها كما مرّ، ثمّ ولّاه محمد بن محمد بن زيد ـ أحد أئمّة الزيديّة ـ سوقها([24]).

وبالأحرى: إنّ الذي ولّاه سوق الكوفة هو أبو السرايا الذي كان القَيِّم بأُمور الحرب لمحمد بن محمد بن زيد([25])، ثمَّ سكن بغداد([26])، ولا نعرف إذا ما استقر في بغداد إلى آخر حياته أم أنّه رجع إلى الكوفة مرّة أُخرى.

ثالثاً: مكانته العلميّة وطبقته ومؤلفاته

مكانته العلمية: يُعتبر نصر بن مزاحم من أصحاب الأخبار القدامى الذين اعتنوا بتدوين التراث الإسلامي، وقد تركّز نشاطه على جمع أخبار وروايات حربَي الجمل وصفين، وقد عده ابن أبي الحديد المعتزلي من رجالات الحديث وأصحابه([27]).

طبقته: عدَّه الشيخ في رجاله من أصحاب الباقر عليه السلام كما قلنا، ولكن السيد الخوئي قد أشكل على ذلك، ورأى أنّ ذلك غير قابل للتصديق، وذلك لعدّة أُمور:

1ـ لأنّ محمد بن علي الصيرفي (أبا سمينة) روى عنه بكتابه ـ على ما ذكره النجاشي والشيخ ـ وهو معاصر لأحمد بن محمد بن عيسى، المتوفّى حدود سنة (280ﻫ)، وقد أخرجه من قم، وكيف يمكن رواية مثل ذلك عن أصحاب الباقر عليه السلام؟!

2ـ ولأنّ حميداً روى كتاب نصر بن مزاحم بواسطة، على ما ذكره الشيخ، وحميد تُوفّي سنة (310ﻫ)، وكيف يمكن أن يروي عن أصحاب الباقر عليه السلام بواسطة واحدة؟!

3ـ ولأنّ أحمد بن محمد بن سعيد المتوفّى سنة (333ﻫ) روى كتاب نصر بن مزاحم بواسطة واحدة ـ على ما ذكره النجاشي ـ وكيف يمكن روايته عن أصحاب الباقر عليه السلام بواسطة واحدة؟!

4ـ إنّ الذهبي أرّخ وفاته في ميزان الاعتدال لسنة اثنتي عشرة ومئتين([28]).

وممَّا يدعم رأي السيد الخوئي هو عدم وجود روايات (لنصر بن مزاحم) يرويها عن الإمام الباقر عليه السلام مباشرة، وإنّما هناك روايات له يرويها عن الإمام الباقر بعضها بواسطة واحدة([29])، وبعضها بواسطتين([30])، ويروي عن الإمام الصادق عليه السلام بواسطة واحدة([31]).

وقد يُنتصر لرأي الشيخ الطوسي بعدِّ ابن النديم (لنصر) في طبقة أبي مخنف المظنون معاصرته للإمام الباقر عليه السلام، إلّا أنّ هذا القول من ابن النديم لا يصمد أمام النقد أيضاً؛ لأنّ اشتراك اثنين في طبقة واحدة يعني اشتراكهما في الأساتذة والمنابع والمآخذ، مع أنّ المنقري يروي ـ أحياناً ـ عن أبي مخنف بالواسطة كما في بعض النقول([32])، ويروي عنه ـ أحياناً ـ بلا واسطة كما في نقل آخر([33])، فهو إن لم يكن من طبقة تلامذة تلامذته، يكون من طبقة تلامذته على أقل تقدير.

مؤلفاته: من مصنفاته([34]): (كتاب الجمل، كتاب صفين، كتاب مقتل الحسين بن علي، كتاب الغارات، كتاب مقتل حجر بن عدي([35])، كتاب النهروان، كتاب أخبار محمد بن إبراهيم وأبي السرايا([36])، كتاب المناقب([37])، كتاب أخبار عين الوردة، كتاب أخبار المختار([38])).

ولم تحفظ لنا الأيام من هذه الآثار سوى (كتاب صفِّين) أو (وقعة صفِّين) كما هو معروف في طبعته المتداولة، وهذا الكتاب هو أقدم نصٌّ تأريخي محفوظ عن هذه الواقعة.

والملاحظ من خلال أسماء هذه الكتب، أنّ المنقري قد انحصر نشاطه على التأريخ الشيعي بالخصوص؛ ولذا لا نجد له حضوراً واسعاً في كتب التاريخ العام، وإن كانت هذه الكتب لم تغفل عن رواياته فيما يتّصل بـ(وقعة صفِّين)، لا سيما أبي الفرج الأصفهاني، في كتابه مقاتل الطالبيين، إذ اعتمد على مروياته، وفضلها على غيرها، وقال معللاً ذلك: «إذ كان ثَبتاً في الحديث والنقل»([39])، وابن أبي الحديد المعتزلي في شرح النهج، إذ اعتمد عليه كلّياً في قصّة التحكيم وظهور أمر الخوارج، فقال: «ونحن نذكر ما أورده نصر بن مزاحم في كتاب صفِّين في هذا المعنى، فهو ثقة ثبت صحيح النقل غير منسوب إلى هوى ولا إدغال، وهو من رجال أصحاب الحديث»([40]).

رابعاً: مذهبه ومعتقده

يوجد في مذهب نصر بن مزاحم ومعتقده ثلاثة آراء:

الرأي الأول: أنّه إمامي المذهب، كما يظهر ذلك من النجاشي؛ إذ يقول في وصفه: «مستقيم الطريقة، صالح الأمر، غير أنّه يروي عن الضعفاء. كُتبه حِسان...»([41]).

ومحل الشاهد في قوله: «مستقيم الطريقة»؛ فإنّها لا تستعمل ـ في كلمات المتقدِّمين ـ إلّا في حقِّ الإمامي الخالي من الشطحات الاعتقادية، والمقالات المنكرة، فهي أخصّ دلالةً من لفظ (الإمامي)؛ لأنّ هذا اللفظ بمفرده لا يدلّ على سلامة صاحبه من الأفكار المنحرفة والآراء الضالة، وإنّما تقتصر دلالته على كونه من المنتسبين إلى مذهب الإمامية، وهذا واضح لمَن خَبُر موارد استعمالات هذه العبارة في كلمات الرجاليين القدامى، ومن تلك الموارد:

أ) قال شيخ الطائفة في ترجمة (علي بن أحمد الكوفي): «كان إمامياً مستقيم الطريقة، وصنَّف كتباً كثيرة سديدة، منها: كتاب الوصايا، وكتاب في الفقه على ترتيب كتاب المزني، ثمَّ خلط وأظهر مذهب المخمسة وصنَّف كتباً في الغلو والتخليط، وله مقالة تُنسب إليه»([42]).

فلاحظ معي كيف قيَّد وصفه له بكونه إمامياً، بوصف آخر أخصّ منه، وهو قوله: «مستقيم الطريقة»، أي: إنّه كان على مذهب الإمامية، وكان خالياً من الاعتقادات الفاسدة والآراء المنحرفة، ويؤكِّد هذا المعنى قوله بعد ذلك: «ثمَّ خلط وأظهر مذهب المخمسة وصنّف كتباً في الغلو والتخليط، وله مقالة تُنسب إليه»، فجعل الخلط وإظهار مذهب المخمسة معنًى مقابلاً لاستقامة الطريقة؛ ممَّا يدلّ على ما قلناه من استعمالهم لهذه العبارة في المعنى الذي ذكرناه.

ب) وقال الشيخ أيضاً في ترجمة (محمد بن علي الشلمغاني): «وكان مستقيم الطريقة، ثمَّ تغيّر وظهرت منه مقالات منكرة».

فقوله لا يدلّ على إمامية الشلمغاني فحسب، بل تكشف عن تنزيهه عن الشطحات والأفكار المنحرفة أيضاً. أي: إنّه كان إمامياً خالص العقيدة قبل أن ينحرف وتتغيَّر أفكاره.

وعلى هذا الأساس؛ تكون هذه العبارة شهادة من النجاشي بإمامية المنقري، بل تكون شهادة بما هو أعلى من ذلك، وهو السلامة من الانحرافات العقائدية والشطحات الفكريّة.

الرأي الثاني: أنّه زيديّ المذهب؛ وذلك لكونه من عمّال محمد بن محمد بن زيد أحد أئمّة الزيديّة، حيث ولّاه السوق، كما نصَّ على ذلك غير واحد من المؤرِّخين؛ ومن هنا اعتبرته الزيديّة عَلَماً من أعلامها وعيناً من أعيانها.

قال صاحب الجداول الصغرى: «كان أحد شيعة الإمام محمد بن إبراهيم، وولّاه محمد بن محمد بن زيد السوق...»([43]).

وقال أحمد بن صالح بن أبي الرجال: «نصر بن مزاحم المنقري الزيدي... كان رحمه الله أحد أعلام الزيديّة... وأحد أعيان أصحاب الإمام الأعظم محمد بن إبراهيم...»([44]).

الرأي الثالث: أنّه عامّي المذهب، يظهر ذلك من أبي الفرج الأصفهاني عند حديثه (عن ذكر السبب في خروج أبي السرايا)، حيث صرّح بقلّة اعتماده على (علي بن محمد بن سليمان النوفلي) في نقله أخبار (أبي السرايا)؛ وعلل ذلك بقوله: «لأنّ علي بن محمد كان يقول: بالإمامة فيحمله التعصُّبُ لمذهبه على الحيف فيما يرويه»، ثمَّ قال: «فاعتمدت على رواية مَن كان بعيداً عن فعله في هذا، وهي رواية نصر بن مزاحم؛ إذ كان ثبتاً في الحديث والنقل»([45]).

ففي نظر أبي الفرج أنّ العلّة التي قلّلت من اعتماده على مرويات النوفلي، غير موجودة في المنقري، وهي(القول بالإمامة)؛ فيكون المنقري من غير القائلين بالإمامة حسب ما يعتقد أبو الفرج.

ويظهر القول بعامّيته أيضاً من ابن أبي الحديد؛ إذ قال فيه: «فهو ثقة ثبت صحيح النقل غير منسوب إلى هوى ولا إدغال، وهو من رجال أصحاب الحديث»([46]).

قال صاحب روضات الجنات ـ تعليقاً على قول بن أبي الحديد ـ: «وهذا يُشعر بأنّه ليس إمامياً، وفيه نظر»([47]).

المختار من هذه الآراء

إنّ الرأي الثالث هو أبعد هذه الآراء عن الصواب؛ لأنّ رجاليي العامّة تكاد تتّفق كلمتهم على مخالفة المنقري لمذهبهم، فتارة ينسبونه إلى التشيّع، وأُخرى يرمونه بالرفض، وثالثة يتّهمونه بالزيغ عن الحقّ، كما سيأتي عند الحديث عن (وثاقته وعدالته)، فهذا الرأي مخالف لما عليه أكثر علماء العامّة، بل هو مخالف لما عليه أكثر العلماء من الإمامية والزيديّة والعامّة.

وأمّا الرأي الثاني، فهو غير مستند إلى شاهد حسّي قطعي، بل هو مجرّد استنتاج، وهو مبني على كون (المنقري) أحد عمّال محمد بن محمد بن زيد أحد أئمّة الزيديّة، ومن الواضح أنّه ليس كلّ مَن ساهم مع الزيدية في ثوراتهم ـ أو كان عاملاً لأحد أئمتهم ـ لا بد أن يكون موافقاً لهم في المذهب!

فالمختار من هذه الآراء، هو الرأي الأول (رأي النجاشي)، فأنّه صاحب هذا الفنّ، وهو العارف البصير بأحوال الرجال، وقوله هو القول الفيصل في أمثال هذه الخصومات، وإذا كان قوله يُقدَّم في مثل هذا وأشباهه على قول شيخ الطائفة، فكيف نتحرَّج من تقديمه على قول غيره ممَّن ينتسبون إلى غير مذهب الإمامية؟

ولا يُقال: إنّ تقدُّم النجاشي وتفوّقه يقتصر على معرفة ما يوجب الجرح والتعديل، ولا يتعدّى إلى ما هو خارج حدود هذه الدائرة، كمعرفة مذهب الرجل ومعتقده.

فإنّنا نقول: إنّ معرفة المذهب والمعتقد لا يخرج عن حدود هذه الدائرة أيضاً؛ فإنّ معرفة هذا الجانب في شخصية الراوي لها مدخلية كبيرة في تقييم مروياته، وكان القدماء يحرصون أشدّ الحرص على معرفة هذا الجانب.

خامساً: وثاقته وعدالته

قد مرّ علينا قول النجاشي فيه: «مستقيم الطريقة، صالح الأمر، غير أنّه يروي عن الضعفاء. كتبُه حِسان...».

ولا ريب في أن عبارة (مستقيم الطريقة) لا تفيد توثيقاً ولا مدحاً، بل المقصود بها صحّة المذهب والسلامة من الشطحات الفكرية والاعتقادية كما مرّ، وإنّما غاية ما يمكن أن يُستدلّ به على توثيقه أو مدحه على أقلِّ تقدير، هو الكلام الذي يلي هذه العبارة؛ فإنّ قوله: «صالح الأمر» وإن كانت تحتمل صلاح العقيدة كما تحتمل صلاح السلوك، إلّا أنّ حملها على المعنى الأخير أوْلى، وذلك بقرينة قوله بعد ذلك: «غير أنّه يروي عن الضعفاء» فلو لم يكن قوله: «صالح الأمر» دالاً على توثيقه أو مدحه في نفسه، لما احتاج إلى الاحتراز من روايته عن الضعفاء.

وبعبارة أُخرى: بعد أن وثّقه في نفسه بقوله: «صالح الأمر»، خاف أن يسري هذا التوثيق إلى جميع مروياته، فاحترز من ذلك بقوله: «غير أنّه يروي عن الضعفاء».

وأمّا عبارة: «كتبُه حِسان»، فيمكن أن تكون متفرِّعة على قوله: «صالح الأمر»، أي: بما أنّه صالح الأمر تكون كتبُه حِسان، ولا بدّ أن يكون ذلك بنحو الموجبة الجزئية، أي: إنّها حِسان في الجملة، لكي لا يتنافى ذلك مع روايته عن الضعفاء، كما يمكن أن تكون هذه العبارة مدحاً مستقلاً غير متفرِّع على عبارة «صالح الأمر».

وفي جميع الأحوال، فإنّ أقلَّ ما يُستفاد من نصِّ النجاشي هو أنّ الرجل من الممدوحين.

بل يمكن أن نقول بتوثيقه على بعض المباني، وذلك بناءً على ورود اسمه مكرراً في كتاب كامل الزيارات([48])، ولا يخفى أنّ هناك مبنى رجالياً يرى وثاقة جميع المذكورين في هذا الكتاب([49]).

أمّا علماء رجال العامّة، فقد ترك أكثرهم روايته بسبب تشيِّعه، فقال الذهبي: «رافضي جلد، تركوه»([50]).

وقال العقيلي: «كان يذهب إلى التشيِّع، وفي حديثه اضطراب وخطأ كثير من حديثه»([51]).

وقال أبو خثيمة: «كان كذاباً»، وقال يحيى بن معين: «ليس حديثه بشيء»، وقال أبو حاتم الرازي: «واهي الحديث، متروك الحديث»، وقال الدارقطني: «ضعيف»، وقال إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني: «كان زائغاً عن الحقِّ»، وقال صالح بن محمد: «روى عن الضعفاء أحاديث مناكير»، وقال أبو الفتح الأزدي: «كان غالياً في مذهبه، غير محمود في حديثه»([52]).

وقد أنصفه ابن حبان، فذكره في الثقات([53]). كما أنصفه ابن أبي الحديد المعتزلي بقوله المارّ علينا: «فهو ثقة ثبت، صحيح النقل، غير منسوب إلى هوى ولا إدغال...». كما أنصفه أبو الفرج الأصفهاني بقوله فيه: «...إذ كان ثبتاً في الحديث والنقل»، وقد مرّ علينا أيضاً.

سادساً: وفاته

قال الخطيب البغدادي (ت463ﻫ): «أخبرنا ابن الفضل، أخبرنا جعفر بن محمد ابن نصير الخلدي، حدّثنا محمد بن عبد الله بن سليمان الحضرمي، قال: سنة اثنتي عشرة ومائتين فيها مات نصر بن مزاحم المنقري»([54]).

ويبدو لي أنّ هذا هو أقدم نصٍّ تاريخي يُحدّد لنا وفاة نصر بن مزاحم المنقري، وقد تسالم مَن جاء بعده من المؤرِّخين على ذلك، كالذهبي في تاريخ الإسلام([55])، وميزان الاعتدال([56])، وياقوت الحموي في معجم الأُدباء([57])، وإسماعيل باشا البغدادي في هدية العارفين([58])، وخير الدين الزركلي في الأعلام([59])، وعمر كحالة في معجم المؤلفين([60])، وغيرهم.

المبحث الثاني: مقتل الحسين عليه السلام للمنقري

بعد أن أنهينا الكلام في ترجمة (نصر بن مزاحم المنقري)، نأتي هنا في هذا المبحث للكلام حول مقتل الإمام الحسين عليه السلام الذي رواه المنقري، فنقول: إنّ الذي نصَّ على كتابه (مقتل الحسين عليه السلام) هو كلٌّ من: الطوسي في الفهرست([61])، وابن النديم في فهرسته أيضاً([62])، والنجاشي في رجاله([63])، وابن شهر آشوب في معالم العلماء([64])، والحموي في معجم الأُدباء([65])، وغيرهم.

وهذا المقتل غير محفوظ ـ كما أشرنا سابقاً عند التعرُّض لمصنفاته ـ إلّا أنّنا لو فتّشنا في الموروث الروائي لواقعة الطفّ، لوجدنا العديد من الروايات المتناثرة هنا وهناك، ممّا وقع في سنده نصر بن مزاحم.

ولعل أقدم مَن نقل عن هذا المقتل هو أبو الفرج الأصفهاني (ت356ﻫ)، في كتابه مقاتل الطالبيين، ثمَّ ابن قولويه (ت368ﻫ) في كامل الزيارات، ثمّ الصدوق (ت381ﻫ) في الأمالي، وعِلَل الشرائع، وثواب الأعمال، وعقاب الأعمال.

ولا يوجد قبل هؤلاء الأعلام مَن نقل شيئاً من هذا المقتل، كما أنّ مَن جاء بعدهم قد أخذ روايات المنقري عنهم، فرواياته منحصرة بكتب هؤلاء المصنِّفين الثلاثة.

وهذا أمر له دلالته؛ فإنّه يُشير إلى بقاء مقتل المنقري محبوساً على نفسه لمدّة تقارب القرن من الزمن، ولم يجرأ أحد على النقل عنه، «حتى جاء البويهيون وتسلّموا مقاليد الحكم والسلطة من عام 320 ـ 447ﻫ، فكانت لهم السلطة في العراق وبعض بلاد إيران، كفارس وكرمان وبلاد الجبل وهمدان وأصفهان والري، وقد أُقصوا عن الحكم في الأخير بهجوم الغزاونة عليه عام 420ﻫ. وقد ذكر المؤرِّخون خصوصاً ابن الأثير في الكامل وابن الجوزي في المنتظم شيئاً كثيراً من أحوالهم وخدماتهم، وإفساحهم المجال لجميع العلماء من دون أن يفرِّقوا بينهم بافتراق طوائفهم»([66]).

وفي ظل هذه الدولة كان يعيش هؤلاء العلماء فاتّصلوا برواة هذا المقتل الذين يروونه عن المنقري بواسطة أو واسطتين أو ثلاث، ممَّا يؤكِّد ما قلناه من انحصار رواية هذا المقتل بين تلامذة المنقري وتلامذة تلامذته، ولم تتوفر نسخة بين العلماء والمؤرِّخين إلّا في أيام البويهيين. وفيما يلي سنشير إلى مواضع تلك الروايات في الكتب المشار إليها لكي يتمكَّن المعنيون من ملاحقتها ومتابعتها:

الموضع الأول: (مقاتل الطالبيين) لأبي الفرج الأصفهاني

نبذة عن الكاتب والكتاب

هو علي بن الحسين بن محمد (ت356ﻫ)، صاحب كتاب الأغاني، أُموي النسب أصفهاني الأصل بغدادي المنشأ([67]) زيديّ المذهب([68]).

وكان أبو الفرج من أعيان الأُدباء وكبار العلماء، وكان خبيراً بأيام الناس والأنساب والسيرة، وكان شاعراً مُحسناً، وصنّف كتباً كثيرة منهاً: (الأغاني) و(مقاتل الطالبيين) وغيرهما([69]).

قال التنوخي: «ومن الرواة المتّسعين الذين شاهدناهم أبو الفرج علي بن الحسين الأصبهاني، فإنّه كان يحفظ من الشعر والأغاني، والأخبار والآثار، والحديث المسند والنسب ما لم أرَ قط مَن يحفظ مثله، وكان شديد الاختصاص بهذه الأشياء، ويحفظ دون ما يحفظ منها علوماً أُخر منها: اللغة، والنحو، والخرافات، والسير والمغازي، ومن آلة المنادمة شيئاً كثيراً، مثل: علم الجوارح، والبيطرة، ونُتَفاً من الطب، والنجوم والأشربة، وغير ذلك»([70]).

وقد عُرف أبو الفرج بـ(الكاتب) لأنّه كان كاتباً لدى ركن الدولة البويهي، وكان قريب المنزلة منه، عظيم المكانة لديه([71]).

وأمّا كتابه (مقاتل الطالبيين)، فهو ممَّا لا غنى عنه لكلِّ مؤرِّخ أو باحث في التاريخ الإسلامي؛ وذلك لما يحويه من مرويات الأُصول التي صنَّفها الأخباريون الأوائل، والتي ضاع معظمها، ولم يتبقَّ منها سوى ما نقله عنها كتاب مقاتل الطالبيين ونظائره.

قال آغا بزرك الطهراني: «مقاتل الطالبيين لأبي الفرج الأصفهاني، علي بن الحسين ابن محمد بن أحمد بن الهيثم بن عبد الرحمن بن مروان الأُموي الزيديّ... ذكر فيه شهدائهم إلى أواخر المقتدر الذي مات سنة320ﻫ، ابتدء فيه بجعفر الطيار أول الشهداء من آل أبي طالب، واختتم بإسحاق بن عباس([72])، المعروف بالمهلوس الشهيد بأرمن، وذكر بعده جمعاً ممَّن حُكي له قتلهم وتبرّء من خطائه، وفرغ منه في جمادي الأُولى سنة313ﻫ، ويظهر من مواضع منه أنّه شيعي زيديّ المذهب»([73]).

وقد اعتمد أبو الفرج في تأليف كتابه هذا ـ كما ألمحنا ـ على مجموعة من الأُصول التاريخيّة القديمة التي صنّفها قدامى الأخباريين، ومن بينهم: (نصر بن مزاحم المنقري) الذي عدَّه أبو الفرج من المعتمدين الأثبات ـ كما مرّ ـ فكان أحد مصادره التي استقى منها حديثه عن مقتل الحسين عليه السلام.

وتتخذ روايات أبي الفرج عن المنقري ـ فيما يتّصل بأحداث ووقائع كربلاء ـ عدّة أشكال، نبيِّنها فيما يلي:

الشكل الأول: ما أُسند إلى نصر بن مزاحم بشكل صريح وواضح: وهو ما ينطبق على الروايتين التاليتين:

1ـ وهي ترتبط بمقتل جعفر بن علي بن أبي طالب عليهم السلام، ونصّ الرواية: «وقال نصر بن مزاحم: حدَّثني عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي جعفر محمد بن علي: أنَّ خولي بن يزيد الأصبحي ـ لعنه الله ـ قتل جعفر بن علي»([74]).

2ـ والثانية تتعلق بجانب ممَّا حدث في ليلة العاشر في معسكر الحسين عليه السلام، قال أبو الفرج: «فحدَّثني عبد الله بن زيدان البجلي، قال: حدّثنا محمد بن زيد التميمي، قال: حدّثنا نصر بن مزاحم، عن أبي مخنف عن الحرث بن كعب، عن علي بن الحسين عليه السلام قال: إنّي ـ والله ـ لجالس مع أبي في تلك الليلة، وأنا عليل...»([75]).

الشكل الثاني: ما أُسند إلى المنقري بشكل مضمر: وهو ما يعبِّر عنه القدماء بطريقة (التعليق)، وتوضيح ذلك: أنّ أبا الفرج قد سلك طريقين للوصول إلى رواية أبي مخنف حول مقتل الحسين عليه السلام، وهما:

الطريق الأول: أحمد بن عيسى بن أبي موسى العجلي، عن الحسين بن نصر بن مزاحم، عن أبيه (نصر بن مزاحم)، عن عمر بن سعد، عن أبي مخنف.

الطريق الثاني: أحمد بن محمد بن شبيب المعروف بأبي بكر بن شيبة، عن أحمد بن الحرث الخزاز، عن علي بن محمد المدائني، عن أبي مخنف([76]).

ولكنه بعد ذلك كان كثيراً ما يختصر أحد هذين الطريقين بحذف بعض الوسائط على طريقة التعليق المتعارفة عند القدماء، فيقول ـ مثلاً ـ: «قال عمر بن سعد: عن أبي مخنف...»، فيطوي الوسائط الثلاث التي ذكرناها في الطريق الأول، أو يقول ـ مثلاً ـ: «فقال المدائني، عن أبي مخنف...» فيطوي الواسطتين اللتين ذكرناهما في الطريق الثاني.

وفي ضوء ذلك؛ فإنّ الروايات التي رواها أبو الفرج ـ مباشرة ـ عن عمر بن سعد عن أبي مخنف، يمكن إسنادها أيضاً إلى نصر بن مزاحم، وبالتالي يمكن القول: إنّها ممَّا كان قد أودعه في كتابه مقتل الحسين عليه السلام، وهذا ما ينطبق على الروايات الثلاث التالية:

1ـ قال عمر بن سعد: «عن أبي مخنف، فحدَّثني المصقعب بن زهير، عن أبي عثمان: أنّ ابن زياد أقبل من البصرة ومعه مسلم بن عمر الباهلي، والمنذر بن عمرو بن الجارود، وشريك بن الأعور، وحشمه وأهله...»([77]).

2ـ وقال عمر([78]): عن أبي مخنف، عن المعلى بن كليب، عن أبي الوداك، قال: «لما نزل ابن زياد القصر نودي في الناس: الصلاة جامعة. فاجتمع إليه الناس، فخرج إلينا...»([79]).

3ـ وقال عمر بن سعد: «عن أبي مخنف، قال: حدّثني الحجاج بن علي الهمداني قال: لما ضرب عبيد الله هانئاً وحبسه، خشي أن يثب الناس به...»([80]).

الشكل الثالث: ما يحتمل وقوع المنقري في طريقه، وتوضيح ذلك: إنّ هناك العديد من الروايات التي نسبها أبو الفرج إلى أبي مخنف بنحو مباشر، وبما أنّنا قد عرفنا أنّ رواية أبي الفرج عن أبي مخنف تمرّ عن أحد طريقين يقع في أحدهما نصر بن مزاحم، فنحن نحتمل أنّ جميع تلك الروايات أو بعضها قد وقعت لأبي الفرج عن طريق نصر بن مزاحم، وهذا ما يصدق على أحد عشر رواية:

1ـ وقال أبو مخنف: فحدَّثني يوسف بن يزيد، عن عبد الله بن حازم البكري، قال:

«أنا ـ والله ـ رسول ابن عقيل إلى القصر في أثر هانئ لأنظر ما صار إليه أمره...»([81]).

2ـ قال أبو مخنف: فحدَّثني سليمان بن أبي راشد، عن عبد الله بن حازم البكري، قال: «أشرف علينا الأشراف، وكان أول مَن تكلَّم كثير بن شهاب. فقال...»([82]).

3ـ قال أبو مخنف: حدَّثني المجالد بن سعيد: «أنّ المرأة كانت تأتي ابنها وأخاها فتقول: انصرف، الناس يكفونك...»([83]).

4ـ قال أبو مخنف: فحدَّثني قدامة بن سعد بن زائدة الثقفي: «أنّ ابن زياد بعث مع ابن الأشعث ستّين أو سبعين رجلاً كلّهم من قيس...»([84]).

5ـ قال أبو مخنف: فحدّثني قدامة بن سعد: «أنّ مسلم بن عقيل حين انتُهى به إلى القصر رأى قلّة مبردة موضوعة على الباب...»([85]).

6ـ قال أبو مخنف: فحدّثني أبو قدامة بن سعد: «أنّ عمرو بن حريث بعث غلاماً له يُدعى سليماً، فأتاه بماء في قلّة فسقاه...»([86]).

7ـ قال (يعني أبا مخنف)، وحدَّثني مدرك بن عمارة: «أنّ عمارة بن عقبة بعث غلاماً يُدعى نسيماً، فأتاه بماء في قلّة عليها منديل...»([87]).

8ـ قال أبو مخنف في حديثه خاصةً عن رجاله: «إنّ عبيد الله بن زياد وجّه الحرّ بن يزيد ليأخذ الطريق على الحسين عليه السلام...»([88]).

9ـ قال أبو مخنف: فحدَّثني عبد الرحمن بن جندب، عن عتبة بن سمعان الكلبي، قال: «لمّا ارتحلنا من قصر ابن مقاتل، وسرنا ساعة خفق رأس الحسين عليه السلام خفقة، ثمّ انتبه...»([89]).

10ـ وقال أبو مخنف: عن سليمان بن أبي راشد، عن حميد بن مسلم، قال: «سماع أُذني يومئذٍ الحسين عليه السلام وهو يقول: قتل الله قوماً قتلوك يا بني...»([90]).

11ـ قال أبو مخنف: فحدّثني سليمان بن أبي راشد، عن حميد بن مسلم، قال: «لمّا اشتدّ العطش على الحسين عليه السلام دعا أخاه العباس بن علي عليهما السلام، فبعثه في ثلاثين راكباً وثلاثين راجلاً...»([91]).

الشكل الرابع: ما دخلت فيه رواية المنقري في رواية غيره: وهذا ما فعله عند حديثه عن أول قتيل قُتل من وُلد أبي طالب عليه السلام مع الحسين عليه السلام، فقال: قال المدائني، عن العباس بن محمد ابن رزين، عن علي بن طلحة، وعن أبي مخنف، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن حميد بن مسلم، وقال عمر بن سعد البصري: عن أبي مخنف، عن زهير بن عبد الله الخثعمي، وحدّثنيه أحمد بن سعيد، عن يحيى بن الحسن العلوي، عن بكر بن عبد الوهاب، عن إسماعيل بن أبي إدريس، عن أبيه، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، دخل حديث بعضهم في حديث الآخرين: «إنّ أول قتيل قُتل من وُلد أبي طالب مع الحسين ابنه علي، قال: فأخذ يشد على الناس...»([92]).

وقد أشرنا سابقاً إلى أنّ رواية عمر بن سعد عن أبي مخنف، هي بعينها رواية المنقري عنه، بعد حذف الوسائط الثلاث بين أبي الفرج وعمر بن سعد اختصاراً للسند عملاً بطريقة التعليق المعروفة بين القدماء.

الموضع الثاني: كامل الزيارات (لابن قولويه ت 368هـ)

نبذة عن الكاتب والكتاب

الكاتب هو الشيخ أبو القاسم جعفر بن محمد بن جعفر بن موسى بن قولويه القمّي (ت 368ﻫ) أُستاذ الشيخ المفيد، من علمائنا المتقدِّمين المتبَّحرين في الفقه والحديث.

قال عنه النجاشي: «وكان أبو القاسم من ثقات أصحابنا وأجلّائهم في الحديث والفقه، روى عن أبيه وأخيه، عن سعد وقال: ما سمعت من سعد إلّا أربعة أحاديث، وعليه قرأ شيخنا أبو عبد الله الفقه ومنه حمل، وكلّ ما يوصف به الناس من جميل وثقة وفقه فهو فوقه...»([93]).

وقال عنه الطوسي: «جعفر بن محمد بن قولويه القمّي ـ يكنى أبا القاسم ـ ثقة، له تصانيف كثيرة على عدد أبواب الفقه...»([94]).

وأمّا كتابه (كامل الزيارات) فهو من أشهر كتب الزيارات وأكثرها اعتماداً، أخذ عنه شيخ الطائفة في التهذيب، والحرّ العاملي في الوسائل، وغيرهما، وقد فهم بعض العلماء من عبارته ـ والتي هي في مقدمة كتابه، حيث ذكر: «..وقد علمنا أنّا لا نحيط بجميع ما روي عنهم في هذا المعنى ولا في غيره، لكن ما وقع لنا من جهة الثقات من أصحابنا (رحمهم الله برحمته)، ولا أخرجت فيه حديثاً روي عن الشذاذ من الرجال»([95]) ـ توثيق كلِّ مَن ذُكر في أسانيد كتابه، وقد أصبح هذا النص فيما بعد من أهم مصاديق التوثيقات العامّة التي نالت قسطاً وافراً من البحث والتحقيق حولها في كتب الفقه والرجال، بين موافق ومعارض، وهذا موكول لمحله في علم الرجال([96]).

إنّ كتاب كامل الزيارات ـ في الأصل ـ هو عبارة عن جامع للزيارات وما ورد فيها من فضل وثواب، ولكنه قد ذكر ـ استطراداً أو تمهيداً ـ الكثير من الأبواب الخارجة عن إطار منهجية الكتاب، لا سيما فيما يرتبط بالإمام الحسين عليه السلام وقضيته المقدَّسة.

وفيما يختص بروايات المنقري، فقد نقل ابن قولويه، ستّة روايات ـ تتّصل بقضية الطفّ ـ نُشير إلى مواضعهما فيما يلي:

1ـ عن محمد بن جعفر الرزاز، عن خاله محمد بن الحسين بن أبي الخطاب، عن نصر بن مزاحم، عن عمر بن سعد، عن يزيد بن إسحاق، عن هانىء، عن علي بن حماد، عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: قال علي للحسين عليهما السلام: «يا أبا عبد الله، أُسوة أنت قُدماً. فقال: جعلت فداك ما حالي؟ قال: علمت ما جهلوا وسينتفع عالم بما علم، يا بني، اسمع وأبصر من قَبل أن يأتيك، فو الذي نفسي بيده، ليسفكنّ بنو أُمية دمك، ثمّ لا يزيلونك عن دينك، ولا يُنسونك ذكر ربِّك. فقال الحسين: والذي نفسي بيده، حسبي أقررت بما أنزل الله وأصدق قول نبي الله ولا أكذب قول أبي»([97]).

2ـ عن محمد بن جعفر الرزاز، عن خاله محمد بن الحسين، عن نصر بن مزاحم، عن عمر بن سعد، عن يزيد بن إسحاق، عن هانئ بن هانئ، عن عليٍّ عليه السلام قال: «ليُقتل الحسين عليه السلام قتلاً، وإنّي لأعرف تربة الأرض التي يُقتل عليها قريباً من النهرين»([98]).

3ـ عن محمد بن جعفر الرزاز، عن محمد بن الحسين، عن نصر بن مزاحم، عن عمر ابن سعد، عن محمد بن سلمة، عمّن حدَّثه قال: «لمّا قُتل الحسين بن علي عليهما السلام أُمطرت السماء تراباً أحمر»([99]).

4ـ عن محمد بن جعفر (والد المؤلف)، عن نصر بن مزاحم، عن عمر بن سعد، قال: حدَّثني أبو معشر، عن الزهري، قال: «لمّا قُتل الحسين عليه السلام أُمطرت السماء دماً»([100]).

5ـ عن محمد بن جعفر الرزاز، عن محمد بن الحسين بن أبي الخطاب، عن نصر بن مزاحم، عن عمر بن سعد، عن عمرو بن ثابت، عن حبيب بن أبي ثابت، عن أُمّ سلمة زوجة النبي صلى الله عليه وآله، قالت: «ما سمعت نوح الجنّ منذ قبض الله نبيه إلّا الليلة، ولا أراني إلّا وقد أُصبت بابني الحسين عليه السلام...»([101]).

6ـ عن محمد بن جعفر (والد المؤلف)، عن سعد بن عبد الله، عن محمد بن الحسين، عن نصر بن مزاحم، عن عبد الرحمان بن أبي حماد، عن أبي ليلى الواسطي، عن عبد الله ابن حسان الكناني، قال: «بكت الجنّ على الحسين بن علي بن أبي طالب عليه السلام...»([102]).

ونلاحظ على هذه الروايات ما يلي:

الأولى: إنّ هذه الروايات لا ترتبط بأحداث ووقائع المعركة، بل نلاحظ: أنّ الروايتين الأُوليين تندرجان ضمن الإخبارات الغيبيّة عن واقعة الطف، والروايات الثلاث الأخيرة تندرج ضمن الروايات التي تحدَّثت عن الظواهر الكونيّة التي حدثت بعد مقتل الحسين عليه السلام، ومع هذا فلا ينبغي التردد في اندراج هذه الروايات ضمن كتاب المقتل؛ لأنّ العادة قد جرت بين أرباب المقاتل الحسينيّة على ذكر الإخبارات الغيبيّة عن واقعة الطف كفصل من الفصول التمهيديّة قبل الدخول في تفاصيل المقتل، كما جرت العادة بينهم أيضاً على ذكر الظواهر الكونيّة بعد الفراغ من أحداث القتل.

الثانية: بملاحظة أسانيد ابن قولويه إلى نصر بن مزاحم، يمكن أن نستنتج أنّ مقتله قد وصل إليه من خلال طريقين ـ كلاهما ينتهي إلى محمد بن الحسين بن أبي الخطاب أبو جعفر الزيات الهمداني الكوفي (ت262ﻫ)، وهو بحسب النجاشي عظيم القدر، كثير الرواية، ثقة، عين، حسن التصانيف، مسكون إلى روايته([103])، والذي يبدو لنا أنّه أحد رواة هذا المقتل الأساسيين ـ:

الطريق الأول: أبو العباس محمد بن جعفر الرزاز الكوفي (ت 301ﻫ) ابن أُخت محمد بن الحسين([104]) ومن مشايخ الكليني([105]).

ولعل ابن قولويه قد أخذ عنه هذا المقتل في بغداد بعد مجيئه إليها سنة 337ﻫ([106])، ونحن وإن لم نظفر بنصٍّ صريح دالٍ على تواجد (الرزاز) في تلك الفترة ببغداد ولكن كونه من أساتذة الكليني يشير إلى تواجده فيها، وبهذا يتأكَّد ما قلناه سابقاً من وصول هذا المقتل إلى بغداد وانتشاره فيها.

الطريق الثاني: والده محمد بن جعفر، وكان يُلقب بـ(مسلمة) بفتح الميم وسكون السين([107])، وهو يرويه عن أبي خلف سعد بن عبد الله القمّي الأشعري (ت301ﻫ)، وهو كما قال النجاشي: «شيخ هذه الطائفة وفقيهها ووجيهها، كان سمع من حديث العامّة شيئاً كثيراً وسافر في طلب الحديث»([108]).

وهو صاحب كتاب بصائر الدرجات الذي اختصره الحسن بن سليمان الحلي وسماه (مختصر بصائر الدرجات) وهو غير بصائر الدرجات لشيخ القمّيين أبي جعفر محمد بن الحسن بن فروخ الصفار (ت290ﻫ) من أصحاب الإمام الحسن العسكري عليه السلام، فإنّ بصائر الدرجات للأشعري مفقود.

ولا ريب في أنّ الأشعري قد صادف في بعض أسفاره محمد بن الحسين وروى عنه مقتل المنقري، ثمّ نقله إلى قم ونشره فيها، وهذا ما تؤيده روايات الصدوق عنه، كما يأتي.

الموضع الثالث: الأمالي وعِلل الشرايع وعقاب الأعمال (للصدوق)

نبذة عن الصدوق

هو رئيس المحدِّثين، أبو جعفر محمد بن على بن الحسين بن موسى بن بابويه القمّي المعروف بـ(الصدوق) (ت381ﻫ)، أشهر من نار على عَلَم.

قال عنه النجاشي: «شيخنا وفقيهنا ووجه الطائفة بخراسان، وكان ورد بغداد سنة خمس وخمسين وثلاثمائة، وسمع منه شيوخ الطائفة وهو حدث السن...»([109]).

وقال عنه الطوسي: «كان جليلاً حافظاً للأحاديث، بصيراً بالرجال، ناقداً للأخبار، لم يُرَ في القمّيين مثله في حفظه وكثرة علمه، له نحو من ثلاثمائة مصنّف...»([110]).

وقد نقل الصدوق عن المنقري أربع روايات ترتبط بواقعة الطف، ممّا يُحتمل أنّها كانت مودعة في كتاب مقتل الحسين عليه السلام للمنقري، وهذه الروايات عثرنا عليها في (الأمالي وعلل الشرائع وعقاب الأعمال) وهي من مؤلفات الصدوق المعروفة والمتداولة، كما أنّها تُعتبر من أُصول كتب الحديث ومصادره.

وفيما يلي نُشير إلى مواضع تلك الروايات في الكتب المذكورة:

1ـ عن محمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد رحمه الله، قال: حدَّثنا محمد بن الحسن الصفار، قال: حدثنا محمد بن الحسين بن أبي الخطاب، عن نصر بن مزاحم، عن عمر بن سعد، عن عمرو بن ثابت، عن حبيب بن أبي ثابت، عن أُمّ سلمة زوجة النبي صلى الله عليه وآله، قالت: «ما سمعت نوح الجنّ منذ قُبض النبي إلّا الليلة...»([111]).

2ـ عن محمد بن علي ماجيلويه، عن عمّه محمد بن أبي القاسم، عن محمد بن علي الكوفي، عن نصر بن مزاحم، عن لوط بن يحيى، عن الحارث بن كعب، عن فاطمة بنت علي عليهما السلام: «ثمَّ إنّ يزيد (لعنه الله) أمر بنساء الحسين عليه السلام فحُبسن مع علي بن الحسين عليهما السلام في محبس لا يُكنّهم من حرٍّ ولا قرّ...»([112]).

3ـ حدَّثنا الحسين بن أحمد بن إدريس رحمه الله، قال: حدَّثنا أبي، عن محمد بن الحسين بن أبي الخطاب، عن نصر بن مزاحم، عن عمر بن سعد، عن أرطاة بن حبيب، عن فضيل الرسان، عن جبلة المكية، قالت: سمعت ميثماً التمار (قدس الله روحه) يقول: «والله، لتقتل هذه الأُمّة ابن نبيها في المحرَّم لعشر يمضين منه...»([113]).

4ـ عن محمد العطّار، عن الأشعري، عن محمد بن الحسين، عن نصر بن مزاحم، عن عمر بن سعد، عن محمد بن يحيى الحجازي، عن إسماعيل بن داود، عن أبي العباس الأسدي، عن سعيد بن الخليل، عن يعقوب بن سليمان، قال: «سمرت أنا ونفر ذات ليلة، فتذاكرنا مقتل الحسين عليه السلام...»([114]).

ونلاحظ على هذه الروايات ما يلي:

الأُولى: أنّ الرواية الأُولى من هذه الروايات هي نفس الرواية الخامسة التي نقلها ابن قولويه عن المنقري، ونقلناها سابقاً، والاختلاف بينهما ينحصر باختلاف طريقيهما إلى محمد بن الحسين بن أبي الخطاب، وفيما عدا ذلك فإنّ الروايتين تتفقان سنداً ومتناً.

الثانية: أنّ الصدوق كان ينهل من هذا المقتل من طرق شتّى ينتهي أكثرها إلى محمد ابن الحسين بن أبي الخطاب، وهذا يدلّ على شيوع رواية هذا المقتل بين مشايخ قم، ووصول نسخته إليهم ـ كما أكَّدنا عليه سابقاً ـ كما يدلّ على ما قلناه سابقاً من كون محمد ابن الحسين بن أبي الخطاب هو أحد الرواة الأساسيين لهذا المقتل.

الموضع الرابع: ما جاء في كتاب وقعة صفِّين

لعل ممّا كان في ذلك المقتل ما رواه نصر نفسه في كتابه (وقعة صفِّين) حول نزول أمير المؤمنين عليه السلام في كربلاء وإخباره بمقتل الحسين عليه السلام، وهي ثلاث روايات نذكرها بأسانيدها على التسلسل الموجود في الكتاب المذكور:

1ـ حدَّثني مصعب بن سلام، قال أبو حيان التميمي: عن أبى عبيدة، عن هرثمة ابن سليم قال: «غزونا مع علي بن أبي طالب غزوة صفين، فلمّا نزلنا بكربلا صلى بنا صلاة، فلمّا سلّم رفع إليه من تربتها فشمّها، ثمَّ قال: واهاً لكِ أيتها التربة، ليُحشرنَّ منك قوم يدخلون الجنّة بغير حساب...»([115]).

2ـ عن مصعب بن سلام، قال: حدثنا الأجلح بن عبد الله الكندي عن أبي جحيفة قال جاء عروة البارقي إلى سعيد بن وهب، فسأله وأنا أسمع، فقال: «حديث حدَّثتنيه عن علي بن أبي طالب عليه السلام. قال: نعم، بعثني مخنف بن سليم إلى علي. فأتيته بكربلاء، فوجدته يُشير بيده ويقول: ها هنا ها هنا. فقال له رجل: وما ذلك يا أمير المؤمنين؟ قال: ثقل لآل محمد ينزل ها هنا...»([116]).

3ـ عن سعيد بن حكيم العبسي عن الحسن بن كثير عن أبيه: «أنّ عليّاً أتى كربلاء فوقف بها، فقيل: يا أمير المؤمنين، هذه كربلاء، قال: ذات كرب وبلاء...»([117]).

خاتمة بأهمّ النتائج

وفيما يلي أهم النتائج الموجزة التي خرجنا بها من هذا البحث حول شخصيّة المنقري وكتابه مقتل الإمام الحسين عليه السلام، وكما يأتي:

الأُولى: إنّ نصر بن مزاحم المنقري من الشخصيات الأخبارية الكوفية القديمة التي نشطت مع نهايات القرن الثاني وبدايات القرن الثالث الهجريين، وهو صاحب كتاب (وقعة صفِّين) الذي يُعدّ أقدم وأهم أصلٍ تاريخي حول هذه الوقعة.

الثانية: اختلف القوم في تحديد مذهب المنقري ومعتقده، فيظهر من النجاشي إماميته، وقال آخرون: بزيديّته، ويُستشفّ من أبي الفرج وابن أبي الحديد عامّيته، وقد رجحنا رأي النجاشي واتّبعناه في القول بإماميته.

الثالثة: إنّ المنقري من الممدوحين في رجالنا ـ تبعاً للنجاشي ـ بل هو من الموثقين على ضوء بعض المباني، وأمّا العامّة فقد ترك أكثرهم روايته بسبب تشيّعه، وأنصفه البعض منهم كابن حبّان الذي عدّه في الثقات.

الرابعة: مقتل المنقري مفقود في هذا العصر، ولم يتبقَّ منه سوى ما نقله عنه أبو الفرج الأصفهاني في (مقاتل الطالبيين)، وابن قولويه في (كامل الزيارات)، والصدوق في (الأمالي وعلل الشرائع وعقاب الأعمال)، وإنّ ما بقي من آثار مقتل المنقري ينحصر بكتب هؤلاء العلماء، فلم يسبقهم أحدٌ في النقل عن هذا المقتل، كما أنّ مَن جاء بعدهم قد أخذ روايات مقتل المنقري عنهم.

الخامسة: وقد عرفنا أنّ السبب في انتشار هذا المقتل في عصر هؤلاء المؤرِّخين بالذات ـ رغم الفاصل الزمني الطويل بينهم وبين المنقري ـ هو كون الثلاثة من المعاصرين للدولة البويهية التي فسحت المجال أمام نشر العلم وترويجه؛ فأظهر علماء الشيعة ما كان محبوساً من تراثهم نتيجية الضغوط التي كانت تُمارَس عليهم من قِبَل الحكومات الجائرة.

السادسة: وفي ختام بحثنا حول كتاب مقتل الحسين عليه السلام للمنقري أشرنا ـ استدراكاً ـ إلى ثلاث روايات ذكرها المنقري في كتابه وقعة صفِّين تتحدَّث عن نزول أمير المؤمنين عليه السلام في كربلاء وإخباره بمقتل الحسين عليه السلام؛ إذ لعل تلك الروايات ممَّا كان قد أودعه في مقتله أيضاً.

 

 

 

 


 

1]     اُنظر: ابن النديم، الفهرست: ص122.

[2]     اُنظر: البغدادي، إسماعيل باشا، هدية العارفين: ج2، ص489. الزركلي، خير الدين، الأعلام: ج8، ص28.

[3]     هكذا جاءت كنيته. اُنظر: ابن النديم، الفهرست: ص122. الزركلي، خير الدين، الأعلام: ج8، ص28. عمر كحالة، معجم المؤلفين: ج13، ص92. الرازي، ابن أبي حاتم، الجرح والتعديل: ج8، ص468. البروجردي، علي، طرائف المقال: ج1، ص352.

[4]     كنّاه بذلك: النجاشي والعلّامة الحلي. اُنظر: النجاشي، فهرست أسماء مصنفي الشيعة (رجال النجاشي): ص427. العلّامة الحلي، الحسن بن يوسف، خلاصة الأقوال: ص285.

[5]     اُنظر: السمعاني، عبد الكريم بن محمد، الأنساب: ج5، ص369.

[6]     اُنظر: الطوسي، محمد بن الحسن، الفهرست: ص57. الطوسي، محمد بن الحسن، رجال الطوسي: ص115، ص347، النجاشي، فهرست أسماء مصنفي الشيعة (رجال النجاشي): ص53.

[7]     اُنظر: الطوسي، محمد بن الحسن، الفهرست: ص78. النجاشي، فهرست أسماء مصنفي الشيعة (رجال النجاشي): ص184.

[8]     اُنظر: الطوسي، محمد بن الحسن، رجال الطوسي: ص107.

[9]     اُنظر: المصدر السابق: ص343، البرقي، أحمد بن محمد، رجال البرقي: ص50.

[10]    اُنظر: الطوسي، محمد بن الحسن، رجال الطوسي: ص187، ص227، ص 304.

[11]    اُنظر: المصدر السابق: ص405.

[12]    اُنظر: ابن منظور، محمد بن مكرم، لسان العرب: ج4، ص2994، (مادة عطر).

ولكن يبدو لي من خلال التتبّع أنّ لهذه المفردة معنى أوسع ممَّا ذكره أصحاب المعاجم، حيث يُنقل في حقِّ أعرابي ـ حينما تزوج امرأة وذُكر له أنّها شابّة طرية، ودسّوا إليه عجوزاً ـ قوله هذا:

 

عجوز ترجى أن تكون فتية

 

 وقد نحل الجنبان واحدودب الظهرُ

 

تدسّ إلى العطّار سلعة أهلها

 

 وهل يصلح العطّار ما أفسد الدهرُ

 

تزوجتها قبل المحاق بليلة

 

 فكان محاقاً كلّه ذلك الشهرُ

 

وما غرّني إلّا خضاب بكفها

 

 وكحل بعينيها وأثوابها الصفرُ

 

 

الكامل في اللغة والأدب للمبرِّد: ج1، ص247ـ 248.

نفهم من البيت الأخير أنّ (الخضاب) و(الكحل) هما من ضمن الأشياء التي يبيعها العطّار، فتكون تجارته أوسع من تجارة بيع العطور، ويمكن أن نقول: إنّ العطّار هو بائع مواد التجميل.

وقد تُطلق مفردة (العطّار) على بائع الأدوية (الصيدلاني) قال الزبيدي: «والصيدناني: العطّار مثل الصيدلاني». الزبيدي، محمد، تاج العروس: ج18، ص334. حيث اعتبر (الصيدلاني) و(العطّار) لفظين مترادفين لمعنى واحد، وبما أنّ مفردة (الصيدلاني) لا تدلّ إلّا على بائع الأدوية والعقاقير الطبّية، يكون العطّار بهذا المعنى في هذا النصّ وأمثاله بنحو الخصوص. اُنظر: الفيومي، أحمد بن محمد، المصباح المنير: ص75. الزيات، إبراهيم مصطفى، المعجم الوسيط: ج1، ص225. وقال الفراهيدي: «الحبق دواء من أدوية الصيدلاني». الفراهيدي، الخليل بن أحمد، العين: ج3، ص52، (مادة حبق).

وفي الحقيقة نحن لا نعلم ما إذا كانت مهنة المنقري هي بيع العطور ونحوها من مواد التجميل، أم بيع الأدوية والعقاقير الطبّية، فكلاهما محتملان. وقد رجح عبد السلام محمد هارون محقق كتاب وقعة صفِّين أن يكون العطّار هو بائع العطور، حيث يقول: «ويذكر المترجمون له أنّه كان عطّاراً يبيع العطور، ولعل ذلك ممَّا أسبغ على تأليفه ذلك الذوق الحسن الذى يلمع في أثناء كتابه، ولعل ذلك أيضا ًممَّا أكسبه هذه الروح البارعة في التأليف». المنقري، نصر بن مزاحم، وقعة صفّين (مقدّمة المحقق على الطبعة الأُولى المدرجة في آخر الكتاب): ص566.

أقول: قد ذكر المترجمون لنصر بن مزاحم أنّه كان عطّاراً، أمّا كون العطّار بمعنى بائع العطور فهو من ترجيحات المحقق، وهو ترجيح بلا مرجح، وأمّا الربط بين الذوق الحسن والروح البارعة في التأليف وبين مهنة بيع العطور فهو ربط لطيف، ولكن هذا إن ثبت أنّ المنقري كان عطّاراً بهذا المعنى، وكما يقولون: (ثبِّت العرش ثمَّ انقش).

[13]    اُنظر: البخاري، محمد بن إسماعيل، التاريخ الكبير: ج8، ص258.

[14]    اُنظر: الدارقطني، علي بن عمر، المؤتلف والمختلف: ج4، ص119.

[15]    اُنظر: الخطيب البغدادي، أحمد بن علي، المتفق والمفترق: ج3، ص250.

[16]    اُنظر: ابن عساكر، علي بن الحسن، تاريخ ابن عساكر: ج50، ص307.

[17]    اُنظر: ابن حجر، أحمد بن علي، تبصير المنتبه بتحرير المشتبه: ج2، ص759.

[18]    اُنظر: العقيلي، محمد بن عمرو، ضعفاء العقيلي: ج3، ص415.

[19]    اُنظر: الخوئي، أبو القاسم، معجم رجال الحديث: ج7، ص116.

[20]    المصدر السابق.

[21]    اُنظر: الطوسي، محمد بن الحسن، رجال الطوسي: ص139.

[22]    ابن حبان، محمد بن حبان، الثقات: ج9، ص215.

[23]    ابن خلكان، أحمد بن محمد، وفيات الأعيان: ج2، ص391.

[24]    اُنظر: القاسمي، عبد الله بن الحسين، الجداول الصغرى: ص105.

[25]    اُنظر: كحالة، عمر، معجم المؤلفين: ج13، ص92.

[26]    اُنظر: الخطيب البغدادي، أحمد بن علي، تاريخ بغداد: ج13، ص284.

[27]    المعتزلي، ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة: ج2، ص206.

[28]    اُنظر: الخوئي، أبو القاسم، معجم رجال الحديث: ج20، ص158ـ 159.

[29]    اُنظر: المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج13، ص372. حيث جاء فيه: قال محمد بن مالك: «فلقيت نصر بن مزاحم المنقري، فحدَّثني عن غالب الجهني، عن أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين، عن أبيه، عن جدِّه، عن علي عليهم السلام، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لمّا أُسري بي إلى السماء...».

[30]    اُنظر: المصدر السابق: ج26، ص120، وفيه: عن نصر بن مزاحم، عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: «إنّ الله أخذ ميثاق شيعتنا...».

[31]    اُنظر: الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي: ج6، ص388، وفيه: عن نصر بن مزاحم، ودرست الواسطي، عن زرارة، وغيره، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: «شارب المسكر...».

[32]    اُنظر: المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج32، ص153، جاء فيه: عن نصر بن مزاحم عن عمر بن سعد عن أبي مخنف لوط بن يحيى.

[33]    اُنظر: الأصفهاني، أبو الفرج، مقاتل الطالبيين: ص75، وفيه: «فحدّثني عبد الله بن زيدان البجلي، قال: حدّثنا محمد بن زيد التميمي، قال: حدّثنا نصر بن مزاحم، عن أبي مخنف، عن الحرث بن كعب، عن علي بن الحسين قال: إنّي ـ والله ـ لجالس مع أبي في تلك الليلة...».

[34]    اُنظر: ابن النديم، الفهرست: ص122. النجاشي، فهرست أسماء مصنفي الشيعة (رجال النجاشي): ص327. الطوسي، محمد بن الحسن، الفهرست: ص171، ص172.

[35]    إلى هنا ينتهي ما ذكره ابن النديم من قائمة كتبه.

[36]    انفرد بذكرهما النجاشي.

[37]    ذكره النجاشي والطوسي.

[38]    انفرد بذكرهما الطوسي.

[39]    اُنظر: الأصفهاني، أبو الفرج، مقاتل الطالبيين: ص344.

[40]    المعتزلي، ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة: ج2، ص206.

[41]    النجاشي، فهرست أسماء مصنفي الشيعة (رجال النجاشي): ص427 ـ 428.

[42]    الطوسي، محمد بن الحسن، الفهرست: ص92.

[43]    القاسمي، عبد الله بن الحسين، الجداول الصغرى: ص105.

[44]    أحمد بن صالح، مطلع البدور ومجمع البحور: ص426.

[45]    الأصفهاني، أبو الفرج، مقاتل الطالبيين: ص344.

[46]    المعتزلي، ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة: ج2، ص206.

[47]    الزركلي، خير الدين، الأعلام: ج8، ص28، نقلاً عن روضات الجنات.

[48]    سنقف على الموارد التي ورد فيها ذكر المنقري في كتاب كامل الزيارات عند الحديث عن مقتله فانتظر.

[49]    اُنظر حول هذا المبنى مثلاً: العلّامة الفاني، (تقرير علي مكّي العاملي)، بحوث في فقه الرجال: ص100.

[50]    الذهبي، محمد بن أحمد، ميزان الاعتدال: ج7، ص24.

[51]    العقيلي، محمد بن عمرو، ضعفاء العقيلي: ج4، ص300.

[52]    ابن الجوزي، عبد الرحمن، الضعفاء والمتروكين: ج3، ص160.

[53]    اُنظر: ابن حبان، محمد بن حبان، الثقات: ج9، ص215.

[54]    الخطيب البغدادي، أحمد بن علي، تاريخ بغداد: ج15، ص382.

[55]    اُنظر: الذهبي، محمد بن أحمد، تاريخ الإسلام: ج15، ص427.

[56]    اُنظر: الذهبي، محمد بن أحمد، ميزان الاعتدال: ج4، ص253.

[57]    اُنظر: الحموي، ياقوت، معجم الأُدباء: ج6، ص2750.

[58]    اُنظر: البغدادي، إسماعيل باشا، هدية العارفين: ج4، ص489.

[59]    اُنظر: الزركلي، خير الدين، الأعلام: ج8، ص28.

[60]    اُنظر: عمر كحالة، معجم المؤلفين: ج13، ص92.

[61]    اُنظر: الطوسي، محمد بن الحسن، الفهرست: ص172.

[62]    اُنظر: ابن النديم، الفهرست: ص122.

[63]    اُنظر: النجاشي، فهرست أسماء مصنفي الشيعة (رجال النجاشي): ص428.

[64]    اُنظر: ابن شهر آشوب، معالم العلماء: ص161.

[65]    اُنظر: الحموي، ياقوت، معجم الأُدباء: ج6، ص2750.

[66]    السبحاني، جعفر، أضواء على عقائد الشيعة الإمامية: ص94.

[67]    اُنظر: الحرّ العاملي، محمد بن الحسن، أمل الآمل: ج2، ص181.

[68]    اُنظر: الطوسي، محمد بن الحسن، الفهرست: ص192.

[69]    اُنظر: الخطيب البغدادي، أحمد بن علي، تاريخ بغداد: ج13، ص337.

[70]    المصدر السابق: ج13، ص337.

[71]    اُنظر: الأصفهاني، أبو الفرج، مقاتل الطالبيين (مقدّمة المحقق السيّد أحمد صقر): ص6.

[72]    يظهر أن في الاسم تقديماً وتأخيراً، وهو سهو من قلمه الشريف، أو من خطأ النسّاخ، والصحيح هو العباس بن إسحاق. اُنظر: المصدر السابق: ص449.

[73]    الطهراني، آغا بزرك، الذريعة إلى تصانيف الشيعة: ج21، ص376.

[74]    الأصفهاني، أبو الفرج، مقاتل الطالبيين: ص54.

[75]    المصدر السابق: ص75.

[76]    اُنظر: المصدر السابق: ص53ـ 54.

[77]    المصدر السابق: ص63.

[78]    في المطبوعة المتداولة (عمرو) والظاهر أنّه من تصحيف النسّاخ.

[79]    الأصفهاني، أبو الفرج، مقاتل الطالبيين: ص63.

[80]    المصدر السابق: ص70.

[81]    المصدر السابق.

[82]    المصدر السابق: ص71.

[83]    المصدر السابق.

[84]    المصدر السابق: ص69.

[85]    المصدر السابق: ص66.

[86]    المصدر السابق.

[87]    المصدر السابق.

[88]    المصدر السابق: ص73.

[89]    المصدر السابق: ص74.

[90]    المصدر السابق: ص76.

[91]    المصدر السابق: ص78.

[92]    المصدر السابق: ص76.

[93]    النجاشي، فهرست أسماء مصنفي الشيعة (رجال النجاشي): ص123.

[94]    الطوسي، محمد بن الحسن، الفهرست: 42.

[95]    ابن قولويه، جعفر بن محمد، كامل الزيارات: ص20.

[96]    للتوسّع حول هذا البحث، اُنظر مثلاً: بحوث في فقه الرجال للفاني: تقرير السيد علي حسين مكي العاملي: ص100ـ 107.

[97]    ابن قولويه، جعفر بن محمد، كامل الزيارات: ص150.

[98]    المصدر السابق: ص150.

[99]    المصدر السابق: 183.

[100]   المصدر السابق: 188.

[101]   المصدر السابق: 189.

[102]   المصدر السابق: 193.

[103]   اُنظر: النجاشي، فهرست أسماء مصنفي الشيعة (رجال النجاشي): ص334.

[104]   اُنظر: ابن قولويه، جعفر بن محمد، كامل الزيارات: ص149.

[105]   اُنظر: الخوئي، أبو القاسم، معجم رجال الحديث: ج16، ص183.

[106]   الراوندي، قطب الدين، في الخرائج والجرائح: ج1، ص475 ـ 476، عن أبي القاسم جعفر بن محمد ابن قولويه، قال: «لما وصلت بغداد سنة 337ﻫ وهي السنة التي ردّ القرامطة فيها الحجر إلى مكانه من البيت...».

[107]   اُنظر: العلّامة الحلي، الحسن بن يوسف، خلاصة الأقوال: ص88.

[108]   النجاشي، فهرست أسماء مصنفي الشيعة (رجال النجاشي): ص177.

[109]   المصدر السابق: ص389.

[110]   الطوسي، محمد بن الحسن، الفهرست: ص157.

[111]   الصدوق، محمد بن علي، الأمالي: ص202 المجلس (29)، الرقم (2).

[112]   المصدر السابق: ص231 المجلس (31)، الرقم (4).

[113]   المصدر السابق: ص189 المجلس(27)، الرقم (1). الصدوق، محمد بن علي، علل الشرائع: ج1، ص217.

[114]   الصدوق، محمد بن علي، عقاب الأعمال: ص259. البحراني، عبد الله، العوالم (الإمام الحسين عليه السلام): ص226. المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج45، ص307، عن ثواب الأعمال، وهو اشتباه من صاحب البحار أو بعض النسّاخ، وذكره ابن حمزة الطوسي في الثاقب في المناقب: ص335 وحذف الوسائط بينه وبين يعقوب بن سليمان.

[115]   المنقري، ابن مزاحم، وقعة صفِّين: ص140ـ 141.

[116]   المصدر السابق: ص141.

[117]   المصدر السابق: ص142.

 
 
البرمجة والتصميم بواسطة : MWD