1439 / محرم / 1  |  2017 / 09 / 22         الزيارات : 422690         صلاة الصبح |         صلاة الظهر والعصر |         صلاة المغرب والعشاء |

مذهبة الثورة الحسينية (الأسباب والنتائج)

{ السيد محمد باقر الهاشمي }
مذهبة الثورة الحسينية (الأسباب والنتائج)

 

تمهيد

تُعدّ الثّورة الحُسينيّة محور اهتمام العديد من المفكّرين والكتّاب من شتّى بقاع الأرض وأصقاع العالم وبمختلف الأديان والمذاهب؛ وليس ذلك إلّا لعظمة النّهضة ومبانيها الإنسانية، حيث الحريّة والقدرة على إيجاد مجتمع تواصليّ تربطه القيم والمبادئ الإنسانية، والرفض للخنوع والتدخّل المعرفي الخارجي في معارفه وأفكاره، دون أن تصيب حركته أيّ نوعٍ من ضعف الإرادة أو التكاسل.

إنَّ تقادم الأيام لم يُخفِت من بريق النّهضة الحسينيّة، ولم يستطع أن يسحب البساط من تحتها ليمنع الاستزادة منها، بل يؤكّد المشهد الخارجي على قدرة كربلاء في إحياء النّفوس وبعث الحيوية الدائمة فيها، بل وقيام حركات تتخذ من عاشوراء مبدأً لها حتى بعد مرور ما يقارب الألف سنة ونيّف.

إلّا أنّ الثورة الحسينيّة ربما أُكسيت طابع المذهبة، أو الجرِّ إلى فرقة دون أُخرى مع مرور الوقت، حيث يلاحظ ابتعاد بعض فرق الأُمّة الإسلامية عن أجوائها، وعدم الأخذ من مبادئها، بل والاتّجاه إلى الطّرف النّقيض لحركة عاشوراء الحسين عليه السلام، وهو ما يخلق في ذاته تساؤلات لا بدَّ من الإجابة عنها:

1ـ ما المقصود من مذهبة الثورة؟ وهل كانت ثورة الحسين عليه السلام تستهدف في طياتها الأُمّة أم ثلّة معيّنة؟

2ـ ما هي العوامل المؤدّية إلى مثل هذا الابتعاد عن أُفق ورحاب النهضة الحسينيّة؟

3ـ ما هي النّتائج الحاصلة لابتعاد الأُمّة؟

أسئلة تُشكّل محاور المقالة، نحاول الإجابة عنها من خلال مقدّمة ومبحثين ونتائج.

وجدير بالالتفات أنّ البحث يعوزه الكثير من ذكر أمثلةٍ وأحداث تاريخية تصبُّ في صالح الموضوع، إلّا أنّ مثل هذا العرض التّاريخي ممّا يفوق السّعة المرادة في البحث، ولعلّ تداركاً يحصلُ في بحثٍ آخر من خلال قراءة للمفردات المبحوثة على حدة.

والملاحظة الأُخرى: إنّ العمل النّقدي للمرتكزات لا يعتبر شرخاً ولا قدحاً بها، بل لا بدَّ من اعتبار هذا العمل إذا ما اتّسم بالنقديّة ـ بمعناها الإيجابي ـ فإنّه سبيل إلى التركيز على عوامل القوة ودرء الضعف بعناصر قوّة أُخرى تتناسب وعظم الفكرة المبحوثة.

قراءة في المصطلح

شاعَ في القُرون الأَخيرة مُصطلحات مُتعدّدة، مثل الثّورة المؤدلَجة، وإيديولوجيا الثّورة، والثّورة القوميّة.. وغير ذلك منْ المصطلحات. ويُمكن القول: إنَّ المُراد منها اتّخاذ الثّورة بُعداً مُحدّداً تنحصر خلاله بما يُضاف إليها، فالقوميّة تحصر الثّورة في إطار القوميين، وكذلك الإيديولوجية، فإنّها تشكّل سوراً يبتعد عنها غير المُنتمي إلى أفكارها.

ولعلَّ ما نطرحه يُقارب هذا الفهم، فإنّ مذهبَة الثّورة يعني حصرَ أَبعادها والإيمان بها ضمن ثُلّةٍ مُعيّنة، وهم المُعبَّر عنهم بالمذهب، وتكون فيما بَعد فكراً يُميِّز المذَهب المُعيَّن بالثّورة القائمة أو السّالفة.

وقد يتبادر إلى الأذهان أنَّ لكلِّ مذهب مميِّزاته، فما الضّير في أنْ يكون لكلِّ مذهب ثوراته ولا يعدّ ذلك محل نظر، ولا يستدعي دراسةً معيَّنة؟

يمكن الإجابة عن هذا التّساؤل من خلال التّفريق الواضح بين أهداف الثّورات القائمة، فإنَّه ممّا لا يُنكر أنَّ بعض المذاهب قامت بثورات، وقد اتّسمت ثوراتهم بطابعها المذهبيّ، إلّا أنَّ هذه الثّورات لا يمكن أنْ يورد عليها إشكال، مفاده: إنَّ الثّورة اتّخذت طابعاً مذهبياً؛ لأنّها في الأصل قامت من رحم المذهب ولأجله، فهي تتناسب حِراكاً ونتيجةً معه.

غير أنَّ الإشكال يردُ على الثّورات التي لا تحدد مذهباً ولا مخاطَباً معيّناً، بل تسعى لنهضةٍ متكاملةٍ لجميع أفراد الأُمّة[1]، ومصطلح الأُمّة ليس ذكره اعتباطياً هنا، فهو واسع النّطاق يشمل المُنتمين إلى فكر الأُمّة وتاريخها، وما يلحق بها أيضاً، عند ذلك إذا اتّسمت الثّورة والنّهضة اللا محدودة بفئة يعدُّ نقضاً لغرضها؛ ممّا يعني حدَّ النّهضة بمُحدداتٍ لم تكن واردةً في فكر الثّائر، ولا هي الهدف من وراء نهضته.

وإذا ما أخذنا بعين الاعتبار خطاب الإصلاح الذي تقدّم به المولى أبوعبد الله عليه السلام كعنوانٍ عامٍ وشعارٍ صدّر به الثّورة، نرى أنَّ هناك عنصرين بارزين في هذا الخطاب، هما:

الأُمّة: في أُمّة جدِّي رسول الله صلى الله عليه وآله.

الإصلاح: إنّما خرجت لطلب الإصلاح.

وهذا العنصران يرتبطان ببعضهما، الأوّل هو الإصلاح، والثّاني كون هذا الإصلاح ناظراً إلى جميع أطياف الأُمّة[2]. وهو ما يعني ثورة أُمّة لا ثورة فئة معيّنة، ولا فكر محدد بطبقة أو مذهب دون غيره.

ولذا؛ فإنَّ مذهبة هذه الثّورة وحصرها في نطاق محدد ـ وإنْ كان هذا النّطاق كبيراً ـ يعدُّ مخالفاً للغرض الأساس لأهداف الثّورة الشّاملة لكلّ الأُمّة حسب الفرض.

وهناك تنبيهٌ لا بدَّ منه: هو أنَّ مذهبة أيِّ ثورةٍ أو تحميلها أيَّ آيديولوجية لا يكون سببه على الدّوام نفس المذهب المنتمي إلى تلك الثورة المحددة، بل هناك عوامل وأسباب وفرَق أُخرى تسببت في حرف مسار الثّورة من الأُمّة إلى المذهب.

وعليه؛ يمكن تصوّر العامل للتخصيص بثلاثة أشكال[3]:

1ـ عامل خارج عن الأُمّة.

2ـ طرف من أطراف الأُمّة.

3ـ أطراف من الأُمّة، ونفس المذهب الحامل لفكر الثّورة.

لكن الملاحظ ـ في أسباب مذهبة ثورة الطّف وحصرها بالشّيعة كفرقةٍ تُحيي الذّكرى وتلتزم بالمبادئ دون غيرها من الفرق ـ أنَّ العوامل الثّلاثة كانت مجتمعة في سبيل حصر الثّورة وتحديدها، وهو ما سنتناوله في المبحث الأول.

المبحث الأوّل: الأسباب الخارجيّة لمذهبة الثّورة

المقصود من الأسباب الخارجيّة تلك الأسباب التي تكوّنت خارج إطار مذهب الثّورة، على فرض أنّها تقولبت في إطارِ مذهبٍ معيّن.

ويمكن بعد استقراءٍ أوّلي إرجاع الأسباب الخارجيّة إلى عناصر أربعة:

1ـ السّلطات المتعاقبة.

2ـ ضمير الأُمّة المتردد، وخوفها المتزايد.

3ـ عُلماء السّلطة.

4ـ النّصارى واليهود.

وسنبحث بشكلٍ مقتضب عنْ كُلِّ واحد منها.

أولاً: السّلطات المتعاقبة[4]

غالباً ما اتّسمت إشكاليةُ السّلطة والثّورات القائمة بطابع الاصطدام المباشر في زمانِ الحراك، والاصطدام بالفكر المُتبقي والنّهضة الموروثة مع المتمَسّكين بالثّورة؛ وَلعلَّ السّبب في ذلك أنَّ إنهاء الثّورة كحراكٍ قائمٍ في زمنٍ معيّن لا يضمن استقرار السّلطة، فيلزم القيام بعدّة عملياتٍ تُساهم في قمع النّهضة بُغية عدم الامتداد إلى أجيال متعاقبة، أو أنْ يكون الانتشار سريّاً لا يشكّل خطورةً ولا ثقلاً على بقاء السّلطة حكماً وفكراً؛ فلكلِّ سلطةٍ فكرٌ تقوم عليه، حتى وإنْ كان فوضوياً أو ما يُعرف بـسلطة الفوضى!

كانت الثّورة الحُسينيّة على قلّة العدد من حيث القراءة العسكريّة لا تشكّل خوفاً للأُمويين، إلّا أنَّ الفكر الذي حملته يمكن القول: إنّه حمل معه أسبابَ الانهيار الأوّلي لدولة بني أُميّة المترامية الأطراف. ومع هذا لم تكن السّلطاتُ الأُمويّة لتسمح بانتشار فكر النّهضة الحسينيّة في أرجاء الأُمّة لتتواصل مع كافّة أطيافها، بل إنّ قراءةً بسيطة لتاريخ العهد الأُمويّ يمكن من خلالها تسليط الضّوء على طبيعة التّعامل مع الثّورة، فقد قُتل وحُبس الكثير، واضطر لفيفٌ آخر إلى اتّخاذ أماكن مختلفة بعيدة نائية لإيمانه بأفكار النّهضة الحُسينيّة، وهذا ما يعني الحظر على عالمية الثّورة، وإبعادها من محور الأُمّة إلى ثلةٍ بسيطة معدَمةٍ في الغالب، وبطبيعة الحال فإنَّ هذه الثّلّة لن تكون إلّا شيعة علي عليه السلام.

ولم يمضِ عصرُ الأُمويين حتّى قام العباسيون يطلبون لنفسهم الملك رافعين شعار الثّأر للرّضا من آل محمد، إلّا أنَّ نداءات الثّورة شيء، وما بعد التمكّن شيء آخر.

لقد شكّلت النّهضة الحُسينيّة عبئاً ثقيلاً على بني العباس[5]؛ كيف وهي تطالب بإعادة الشّرعية لأهلها أهل الله، وهو ما لا يتناسب مع السّعي وراء ملكٍ مسروق، فعاد الحظر على الثّورة بشكل أكبر، ونُكّل بالمُنتمين إليها أشدَّ تنكيل وقُطعت الأيدي والرؤوس في سبيل الثّورة، حتى قيل بيت الشعر الشّهير:

       تالله ما فعلت علوج أُميّةٍ فيهم           معشار ما فعلت بنو العباسِ[6]

والحكومات تترى واحدة ترثُ أُختها في سياسة البَطش مع الحسين عليه السلام وأنصاره الجُدد والهادفين إلى أُممية الثورة حتى انتهى الأمر إلى العصر العُثمانيّ، وهو العصر الذي اتّخذ الطّابع الطّائفي الواضح؛ حيث اتّخذ العثمانيون مذهباً معيّناً كدين رسمي للدولة، وهو أحد أسباب انتكاسة الدّين والمذاهب الإسلاميّة بشكلٍ عامّ، وهذا ما لا يمكن بحثه هنا.

كان زمن العُثمانيين زماناً ضُيِّق فيه الخناق بشكل كبير على المنتمين إلى الفكر الحُسينيّ، وهم الذين يمكن تسميتهم بالشّيعة ـ بالمعنى الأعم ـ وقصص التّاريخ تَضجُّ بالأحداث حول ذلك الأمر[7].

أمّا الحكومات الحديثة ـ كما يطلقون عليها تاريخياً ـ فإنّها بشكل عامّ خرجت من رَحم العثمانيّة والاحتلال العسكري الاستشراقيّ، وإنْ كانت في الظّاهر حكومات قاومت العثمانيين وغيرهم، إلّا أنَّ إزالة حكم شيء، وبقاء أفكاره ومخلّفاته شيء آخر، ومن المخلّفات الكثيرة محاربة أهداف النّهضة الحُسينيّة عليه السلام بشتّى الوسائل، فلطالما شكّل الحسين عليه السلام ونهضته عنصر خوفٍ لكلِّ جائر.

ويمكن استنتاج ما يلي:

1ـ مناهضة الفكر الحُسينيّ ومطاردة أتباعه ومناصريه ما بعد الثّورة.

2ـ البطش والقوّة في التّعامل مع المنتمين إلى الثّورة، أدّت إلى حصرها في ثلّة معيّنة وصارت الثّورة جزءاً من فكرهم، دون أنْ تتأثّر بقية الشّرائح بهم، أو لم يكن التأثّر واضحاً.

3 ـ تتابع السّلطات الحاكمة على سياسة القوّة والاتهام للنّهضة الحُسينيّة ولأتباعها.

4ـ تحمّل المؤمنين بفكر المولى أبي عبد الله عليه السلام الكثير من الآلام والمشاقّ، وهو ما حفظ الثّورة، بعد التّسليم أنّ النّهضة كانت بعين الله أولاً.

ثانياً: ضمير الأُمّة المتردّد وخوفها المتزايد

تُشكّل الأُمم غالباً عنصر ضغط على حكوماتها أو السّلطات القائمة في حال قررت المعارضة والوقوف في وجه الأنظمة الحاكمة، إلّا أنَّ حالة الخضوع والميل إلى الاستقرار مرض يصيب جسد الأُمّة؛ ممّا يجعلها لا تتفاعل مع الثّورات القائمة بالشّكل المناسب حتى وإن كانت مؤمنة إيماناً كبيراً بأفكار الثّورة وسلامة حركتها، إلّا أنّها ترجّح الكفّة الأُخرى وهي: الميل إلى الدّعة وعدم المواجهة؛ حفاظاً على النّفس والمال، أو كما يُقال: ما لنا والدّخول بين السّلاطين! ومع هذه الحال إذْ «كانت الهزيمة النّفسيّة للأُمّة هي الحالة المَرَضية العامّة التي قد تعرّضت لها الأُمّة المسلمة في عصر الحسين عليه السلام. فالحسين عليه السلام حين يريد معالجة هذا المرض المستشريّ في جسمها لا بدَّ من أن يقدّم الموقف النّظريّ والعملي معاً تجاه الوضع القائم ويضع النقاط على الحروف بنحوٍ ينتهي إلى اجتثاث جذور هذا المرض الخبيث»[8].

لقد كانت ثورة الإمام الحسين عليه السلام ثورةً ـ بما لا تقبل الشكّ ـ صحيحة المبادئ تقوم على تحرير الإنسان من عبودية الملوك لتجعله عبداً لله تعالى، وخلع بردة القداسة عن حكّام جعلت لنفسها ما ليس لها، بدعوى أنّ الله تعالى جعل لها الولاية على هذه الأُمّة، إضافة للعديد من الأهداف التي يمكن بحثها تحت مسمّى أهداف وأبعاد الثّورة الحُسينيّة.

لقد آمنت الأُمّة بمظلومية الإمام الحسين عليه السلام وعظمة أهدافه ولزوم التّمسك بها، خصوصاً مع مرور السّبايا وقيام السّيّدة الحوراء بإتمام مهمّة الثّورة بدورها التّبليغي الإعلاميّ؛ بغية كشف الحقائق، إلّا أنَّ المُلاحظ أنَّ هذا لم يخدش إلّا الشيء اليسير من شعور غالبية الأُمّة ولم يحرّك فيها الغليان لتبدّل حالها المُزريّ، إلّا اللهمَ طبقةً قررت أنْ تُنادي بالثّأر والتّمسك بمبادئ الثّورة الحُسينيّة.

هذا الانزواء وعدم الفاعليّة من كافّة أطياف الأُمّة لسبب وآخر جعل تلك الفرقة التي نهضت بأعباء الثّورة وأهدافها فرقةً منفردة، وكأنَّ النّهضة الحُسينيّة وجّهتْ لها دون غيرها، ممّا شكّل ضغطاً كثيراً عليها لاحقاً وكما تبيّن سابقاً.

ولا يمكن نكران شدّة البطش والقوّة التي استخدمتها السّلطات المتعاقبة لوأد الثّورة وعدم قيام قائمة لها في كافّة أطياف الأُمّة ووجود الكثير ممَّن لاقوا حتفهم جرّاء ذلك الانتماء، إلّا أنَّ هذا لا يُعطي المسوِّغ للأُمّة أنْ لا تنهض وأنْ لا تُعطي الدّماء، شأنها شأن المسلمين الأوائل، ومع هذا لم يكن ضمير الأُمّة ليشعرها بالتّأنيب المستمر[9]، ويساند برود الضّمير شدّة السُّلطة، هذا ما خلق فيما بعد تباعداً عن فكر الثّورة، وحساب  النّهضة الحُسينيّة على فرقةٍ ـ هي المسؤولة عنها، وهي القائم والمجاهد في سبيلها ـ  تبريرٌ خلقته الأُمّة بشتّى طبقاتها؛ لتستريح من إيعاز الضّمير الخافت، حتى تحوّل إلى اطمئنان لا يشوبه أيّ تأنيب، وإنْ كان اطمئناناً منشأه غير سليم.

ولو قامت الأُمّة جميعها أو أغلبها، لما كانت ثورة الحسين عليه السلام تخصُّ طرفاً دون آخر، بل لاستطاعت جلّ أطياف الأُمّة الاستفادة منها في ردِّ مظالمها، وإشعار السُّلطات أنَّ الأُمّة هي مبدأ القوّة، وليس للحاكم إنْ لم يكن أهلاً لقيادتها أن يستمر، ولكن ذلك لم يحصل؛ إمّا لسياسة التّرغيب والتّرهيب، أو الرّكون إلى الدّعة، وهو ما يمكن أنْ يُبحث تحت مسمّى الأُمّة وعوامل التردّد مع النّهضة الحسينيّة.

ثالثاً: علماء السُّلطة

لا تُجابه الحركات التّحرريّة ـ وخصوصاً إذا كانت نابعةً من رحم الدّين وأصالته ـ بالسّلاح والقوّة العسكريّة؛ وذلك لعدم وحدة طبقات المجتمع معرفياً ممّا لا يمكن ضبط إيقاعه بالقوّة، فلا بدَّ من ثورةٍ فكريّة مضادةٍ تُطرح كبديل للنّهضة القائمة، تسعى ما استطاعت أنْ تُثبت صحّة ما تذهب إليه السّلطة وإبطال أفكار الثّورة، ليشكّل ذلك مضافاً إلى القوّة العسكريّة قوةً فكريةً، وإنْ كانت قوّة مزلزلة.

لقد استطاعت السّلطات بجميع مراحلها أنْ تُوجد علماء لا همَّ لهم إلّا التّبرير للسّلطة والتّنظير لممارساتها بشكلٍ شرعي، خصوصاً وأنَّ هذه السّلطات تحكم باسم الإسلام، فلا بدّ أن تُأَوّلَ الآيات والأدلّة لهذا الهدف.

لقد أوجدت السّلطة علماء في مختلف التّخصصات الإسلامية آنذاك لدفع أفكار النّهضة الحسينيّة، وقد كانوا علماء متكلّمين وفقهاء ـ أي: في الأصول والفروع ـ وكلا الطّرفين يستمدُّ من الآخر؛ بغية خلق منظومةٍ متكاملة، ولا يعتقد البعض أنَّ هذه المنظومة كانت ساذجة، أو أنَّ أفكارها لم تلقَ الرواج الكبير، بل يمكن الادّعاء أنَّ مخلّفات ذلك الرّكام مستمرٌّ إلى اليوم، ليتشكّل فيما بعد عنوان بارز لإسلامٍ طرحته السّلطات وتعاقبت واحدة بعد الأُخرى للأخذ منه، وهو ما يُسمّى بـالإسلام الأُموي!

لقد أوجد علماء السّلطة المتكلِّمون أبحاثاً تؤيّد الحكّام، وأنّهم منصّبون من الله، وليس للأُمّة أنْ تقف في وجه هذا الحاكم أيّاً كان؛ لأنّه وقوف بوجه الله! فانبثقت عقيدة المجبِّرة والمرجئة[10]، مستفيدةً من عدّة آياتٍ متشابهات وظواهر لا يمكن الرّكون إليها، إن لم تردّ إلى المحكمات، والأخذ بالقرائن الصّارفة للظهور، إلّا أنَّ الممارسة الكلاميّة لم تردّ أيّاً من المتشابه إلى محكم، ولا الظّاهر إلى القرينة الصّارفة، بل تركت الأمر على عواهنه بما يخدم السّلطة، ويخدم مصالح علماء كانت لهم الحبوة والمال والقرار آنذاك، كيف لا وهم علماء ومنظرو السّلطة؟!

لقد ابتدع الأُمويون عقيدة المرجئة، وهي عقيدة تبتني على ركيزتين أساسيتين:

الأُولى: أنّه يكفي في صيرورة الإنسان مؤمناً مجرّد الاعتقاد القلبي وإنْ أعلن بلسانه الكفر، وبذلك يُتاحُ لكلِّ ظالم أنْ يكون عبد الله المؤمن، فكان يزيد ـ وأضرابه ـ عباد الله المؤمنين! وبذلك عطّلوا فريضة الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر.

الثّانية: إنَّ مرتكب الكبيرة لا يُحكم عليه في الدّنيا بأيِّ حكم، بل يؤجّل حكمه إلى الله تعالى يوم القيامة، وهذه العقيدة أتاحت لبني أُميّة، وللحكومات اللّاحقة لها، ومَن مشى على دربهم، ارتكاب الجرائم الكبرى من قتل الإمام الحسين عليه السلام، وهدم الكعبة، واستباحة أعراض وأموال ودماء المسلمين من دون رادعٍ من المسلمين.

ومنْ الواضح أنَّ مثل هذا الفكر مهّد أرضيةً كبيرة للحكومات لبسط سيطرتها من النّاحية الدّينيّة، فضلاً عن السّياسية والعسكريّة، وقد قامت الحكومات بمثل هذا الدّور حيث خلقت ثقافةً عند كافّة أبناء الأُمّة أنَّ مثل هذا الاعتقاد هو الاعتقاد النّازل من الله، وأنّه المصرّح به في الكتاب والسنّة؛ ممّا شكّل ثقافةً أو عقلاً جمعياًَ عند الأُمّة فيما بعد. وأنَّ كلَّ عقيدةٍ مخالفةٍ لمثل هذه العقيدة تعتبر ضالّةً، أو أنّها ليست بالصّحيحة، وفي أحسن الأحوال أنّها لا تمثّل عامّة المسُلمين، وبما أنَّ النّهضة الحسينيّة كانت في أفكارها تختلف كلّياً، بل وتناهض مثل هذا الفكر العقيم، فقد رُوِّج أنَّ أفكارها ليست تلك الأفكار التي يؤمن بها المسلمون؛ وعليه فإنَّ مَن يؤمن بها فهو غريب في أفكاره عن عامّة المسلمين، وبهذه الصّورة ضمنت الحكومات حصر النّهضة في فرقة محددة، واعتبار أنَّ هذه الفرقة غريبة عن الجسد الإسلاميّ فكراً ومضموناً. وهو ما يصبُّ في تقييد ومذهبة الثّورة، وحصرها في إطار ضيّق دون أنْ تعمَّ الأُمّة بكافّة أطيافها.

وقد نتج من هذه المعتقدات الكلاميّة مُنتَجٌ فقهي يُبرر ما حدث في عاشوراء من قتل لأهل بيت النّبيّ صلى الله عليه وآله، ولجميع الأحداث الجارية آنذاك، وبرزت مقولة قُتلَ الحسين بسيف جدّه، كلّ هذا وعلماء السّلطة لا يألون جهداً في سبيل تثبيت هذا الاعتقاد والفقه السلطوي القائم على حرمة الخروج والاعتقاد الجبري بحاكمية الحاكم المُستَمدّة من الله! أو ما يسمّى بالثيوقراطيا، واستمرّ عمل علماء السّلطة حتّى أزمنة متأخرة، بل إلى العصر الحالي؛ إذْ يرى البعض أنَّ الخطأ اليسير لا يُسقط فضل الصّحابة في عهد الحسين، وأنَّ الهنة الواقعة تُجبَر بفضل الصّحابة وأعمالهم وفتوحاتهم الكبيرة، ولذا فإنَّ أفكار عاشوراء وأحداثها ليست إلّا أحداثاً عادية وواقعة لا تحمل ـ كما يُقال ـ مضموناً كبيراً[11]!

والآخر يرى أنَّ الحاكم يزيد كان رجلاً حصيفاً مؤمناً، وليس كما يروَّج أنّه فاسق فاجر، وأنَّ الحسين ـ حسب القواعد عنده ـ باغٍ متعدٍ على إمام زمانه!

كلّ هذا خَلَق منهجين: الأول يرى مساندة السّلطة أينما حلّت وكيفما تصرّفت، والآخر يعتقد بمخالفة ذلك، وهم في الغالب المعتقدون بفكر وثورة الحسين عليه السلام، إلّا أنَّ السّلطة بفعل بسط سيطرتها على شتّى مرافق الدّولة وثقافتها خلقت مثل هذا الفكر في العقليّة المسُلمة؛ ممّا خلق عند الكثير اعتقاداً بأنّ النّهضة الحسينيّة لا تخصّهم، وإسناد ذلك بدلائل، وهذا ما يدعو لقراءةٍ متأنية تحت مسّمى الثّقافة السياسيّة للفكر المعادي والنّهضة الحسينيّة، تتقصّى كافّة المجالات الثّقافية التي خلقتها السّلطة الأُمويّة للوقوف في وجه الثّورة في المجال الفكريّ، وأثر هذا التّثقيف على واقع المسلمين آنذاك وإلى الآن، ليتّضح أنَّ الكثير من عناصر المجتمع الإسلامي وطبقاته زاغت عن الطّريق الإسلاميّ بفعل الثقافة السّياسيّة[12] للسّلطات.

رابعاً: اليهود والنّصارى

يعتقد البعض أنَّ الكلام عن دورٍ لليهود في أحداث الطّف يُعتبر كلاماً خيالياً، وأنّهُ ليس إلّا ردّة فعل يُعبّر عن الإرث الكمّي الكبير للعداوة التي يحملها المسلمون لليهود وبعض النّصارى المتأسرلين.

ولا بدَّ من إيضاحٍ مهم: أنَّ المسلمين لا يحملون حقداً على اليهود وبعض النّصارى إلّا بقدر كيدهم للإسلام، وإحداث المؤامرات فيه.

لقد عاش اليهود والنّصارى هاجس الخوف المستمرّ والعداء للإسلام، إلّا أنَّ الهيمنة الكبرى للمسلمين في ذلك العهد ألجأهما إلى مخطط جديد وهو الدّخول المباشر إلى عقائد المسلمين ومحاولة الدّس فيها، وليس ذلك خفياً؛ فهناك العديد من الروايات التي تُعرف عند عموم المسلمين بـالإسرائيليات.

وهنا يذكر الدّور الكبير لليهود يفوق ما قام به النّصارى، وليس التّاريخ إلّا إعادة لنفس المؤامرات التي أقامها اليهود على الدّين المسيحي لحرفه عن جادّة الحقّ فتحوّل صاموئيل اليهوديّ إلى الرّسول بولس ليبتّ في المسيحية ويثبت فيها ما يُثبت ويُلغي الدّين الحق[13]!

لقد عاشت الأفكار اليهوديّة والنصرانيّة فترة من الارتياح والاستتباب مع بدايات عهد معاوية وتغلغلت الكثير من الأفكار إلى التّعاليم الإسلاميّة، إمّا بحرف الفكر أو بإضافة بعضٍ آخر، ممّا يُعرف بفترة وضع الحديث في عهد معاوية. وعاش الكثير منهم زماناً من الاسترخاء والطّمأنينة لم يجدوا مثلها في الفترات السّابقة، وقد عملوا على توطيد هذه العلاقة بينهم وبين ولاة الشّام، وبالأخصّ معاوية من خلال سنين طوال حرصوا فيها على خلط السّم بالعسل، وإرضاء الحاكم من طرف، والعمل على تحقيق أهدافهم من طرف آخر، إلى أنْ استطاعوا أنْ يدخلوا البلاط ويكوّنوا قوّةً ضاربة في عالم السّياسة والاستشارة، بوصفهم مسلمين يحتاجهم الخليفة، وإنْ كانوا مخلصين لدينهم الأُمّ أيّما إخلاص.

ومع يزيد كان لهم الدّور نفسه، إلّا أنّهم أحسّوا بخطورة موقف الحسين عليه السلام، وما يحمله من استنهاضٍ يقلب عليهم الطّاولة، هنا انبرى دورهم في أمرين: ترويج عقائد إسلامية مزيجة بالفكر اليهوديّ، والحيلولة دون الوصول إلى فكر الثّورة الحسينيّة لكافّة شرائح المجتمع، بالإضافة إلى المشورة ليزيد بقتل الحسين إنْ لم ينزل تحت طاعته.

لقد عاش اليهود والنّصارى على طول المسيرة هاجس الثّورة الحسينيّة وقدرتها على تحريك المجتمع، فهم بهذا الإبعاد تمكّنوا من إخماد الفكر الثّوري لأمدٍ بعيد في روح الأُمّة منذ تلك الآونة وصولاً إلى هذه المرحلة، حيث يتّضح جلياً عداء اليهود وبعض النّصارى البارز للشّيعة، أو لما نسمّيهم المنتمين إلى الفكر الثوري الحُسينيّ أعمّ من كونهم شيعة أو لا.

وهنا لا ينكر الدّور الكبير لعلماء اليهود والقوّة المالية في دعم حركات تسعى إلى تشويه الفكر الحسينيّ وخلق إثارات فيه، وتصوير النّهضة المباركة بأنها حركة تمسّك بها الشّيعة وبعض اللّفيف لحلمهم بإقامة دولة تحكمها أفكار الحسين عليه السلام ونهضته، أو قيام حركات مقاومة تنبع ذاتها الدّفاعية من النّهضة الحسينيّة.

المبحث الثّاني: الأسباب الدّاخلية لمذهبة الثّورة الحُسينيّة

السبب الأوّل: أدوات إيضاح الثورة وإشكالياتها

أدوات إيضاح الثورة، وهي: الأدوات والأساليب التي تُركِّز على إيضاح الثّورة ورسم أبعادها ومبانيها، سواء أكانت منبراً أم مؤلّفات وأبحاث.

لقد تحمّل أربابّ القلم والعلماء الكثير من الجهد لكشف اللثام عن خبايا حاول كثيرٌ طمسها؛ بغية إزالة النّهضة الحسينيّة من حيز الاهتمام وإثارة الشّبهات لتحوف بها وتسقطها من دائرة الضّوء، وهذا ممّا لا يُنكر، فالرّصيد المعرفيّ سواء أكان مقروءاً أم مسموعاً يُعدّ إرثاً كبيراً إذا ما قيس ببقية المعارف الإسلاميّة، بل يمكن القول: إنَّ الفقه الإسلاميّ، والقضية الحسينيّة أخذا الحيّز الكبير من فكر علماء المسلمين الشّيعة وغيرهم ممَّن وجدوا في ثورة الحسين عليه السلام منهجاً، وهذا ممّا لا حاجة إلى البرهنة عليه، يكفي فيه استقراء للكتب والمحاضرات لإدراك هذه المسألة.

إلّا أنَّ هذا الجهد المعرفيّ التراكمي لا يمكن أنْ يكون معصوماً وخالياً من الأخطاء، وهو نتيجة طبيعية ولا يحطُّ ذلك من شأنه، ومع هذا كان له بعض الدّور في تحجيم أُفق الثّورة وحصرها بفئة معينة[14].

ونحاول أن نركّز على ثلاث مظاهر أثّرت في مسار تصدير الثّورة إلى أفقٍ أكبر[15]:

أولاً: صراع الرّوايات وإثبات القصص والحكايات

إنَّ إحدى الأسباب المباشرة الدّاخليّة المُساهمة في مذهبة الثّورة، ما حُكي من الحكايات والقصص التي لا سند لها ولا اعتبار إلّا بعض المراسيل، أو أنّها ذُكرت في الكتب المتأخرة زماناً. هذه الحكايات وإنْ أدّت في الكثير من الأحيان إلى البكاء والتّفجّع بوصفها حوادث تصوّر للسّامع والقارئ الفاجعة على المولى أبي عبد الله عليه السلام، إلّا أنّها فتحت الباب أمام الكثير للمناقشة من داخل المذهب وخارجه والصّراع في ثبوتها وعدمه، وهذا يعني بشكل أو بآخر الانشغال عن الأهداف الرّئيسة للنّهضة الحسينيّة والحوم حول حمى إثبات حكايات أو نفيها ممّا لا يؤثّر وجودها وعدمها على عالمية وقوّة الثّورة وصلاحيتها.

لقد خَلقت الكثير من الرّوايات المختلف في ثبوتها جوّاً من الابتعاد أحياناً عن أصل المبادئ والثّوابت، وصوّرت الموقف والثورة حرباً شعواء على جميع الطّوائف الإسلامية، أو إيجاد شرخٍ كبير في الأُمّة من خلال إثبات مقولات لا سند صحيح لها؛ لتجعل نظرية الاصطفاف الطّائفيّ حاضرةً في السّلوك الخارجيّ باعتبار الحسين عليه السلام شيعيّاً، وكلّ الطَّرف الآخر بمختلف تسمياته ليس معه فكر ولا عقيدة. وبالنّتيجة فهو خارج وغير حاضر في قالب النّهضة ولا معني بها، بل قد يكون عدوّاً، وهو تحجيم واقعي للثّورة.

لقد استغرق الجهد المعرفي في الأخذ والرّد بين الأصحاب والأعداء حيّزاً كبيراً في هذه المساحة، ولو قُدّر لهذا الجهد أنْ يكون في ساحة تحليل الثّورة لكان أفضل بكثير، إلّا أنَّ هذا لا يعني أنَّ الخوض في الجزئيات غير مهمّ؛ حيث يتوقف الأمر الكُلّي على جزئيات متعددة، فلا ثورة معروفة دون أنْ تُعرف دقائق أُمورها، وهذا ما بحثه المفكّرون كثيراً خدمة للمبادئ العامّة التي عُرفت بها ثورة الإمام الحسين عليه السلام.

ولكن الدخول في جزئيات لا تُسمن البحث ولا تُغنيه من جوع لم تكن إلّا وبالاً على قضية النّهضة وعواملها، بل كان الأجدر بالمفكّرين المنتمين إلى الثّورة أنْ يتركوا الخوض في هذا الجانب ويطرحوا البحث في أحاديث وقصص ضعيفة بغية استجلاب العبرة على عظم هذا الهدف، إلّا أنّه ـ وممّا لا شك فيه ـ خلق الكثير من المنفّرات من روايات تتكلَّم بشكل مغالٍ عن الثّورة، وأُخرى تنسب قصصاً لا أسانيد لها، أو أنّها مراسيل لا يُعتنى بها، وغير ذلك.

ثانياً: الزّمان والمكان وأثرهما في الخطاب

لقد شغلت بحوث الزّمان والمكان الحيّز الكبير في الآونة الأخيرة من الدّراسات الإسلاميّة؛ إذْ لاحظ الكثير من الفقهاء والمفكّرين أثر الزّمان والمكان في فهم النّصوص الشرعية والأحكام، والدّراسات الإسلاميّة في هذا الصّدد كثيرة.

لقد لاحظ العلماء أنَّ تطور الجانب المعرفي في العملية اللغوية وفهم المعاني وأساليب الطّرح يختلف من زمان إلى زمان، حيث تتطلب الفكرة عينها بياناً آخر من زمانٍ إلى زمان، وتوضيح أعمق، نتيجة التّطورات الهائلة في العقل البشريّ وأساليب الخطاب.

وليست مسألة النّهضة الحسينيّة بعيدة عن هذا المناخ المعرفيّ بوصفها مرجعاً فكرياً حيوياً في حياة الأُمّة وسلوكها العمليّ، ولكن الملاحظ ـ إلّا القليل ـ التزامَ أُسلوبٍ خطابي وكتابي واحد في قراءة النّهضة الحسينيّة، إذ يقدّمها للأجيال المتعاقبة بنفس التّقنيات المستخدمة سابقاً، وهو أمر لا يُشك في خطئه؛ فبيان الثّورة مع الرّعيل الأوّل لا يمكن أنْ يكون ذاته مع الأخير، كلّ زمان يفهم الثّورة بشكل أعمق وأوضح، وهو ما يتطلّب نضجاً معرفياً على جميع المستويات بغية التقدّم في إبانة حركية الثّورة واستمراريتها فـ«علينا أنْ نعرف كيف نستخدم أساليب العاطفة؛ لأنَّ العاطفة تتطور مع الزّمن... كما نحتاج إلى تقنية المضمون بإبعاد الخرافة عن السّيرة الحسينيّة، فالبعض يحاول دائماً أنْ يقدّم السّيرة بشكل خرافي جداً، وربمّا خارق للتّصور أو منافٍ للعقل لمجرد إثارة العاطفة... فقد أصبح المنبر الحسينيُّ يحتاج إلى ثقافةٍ من أعمق وأوسع الثّقافات... فالكثير من الخطباء مخلصون لكنّهم تعوزهم الثّقافة التي تجعلهم بمستوى مهمتهم»[16].

إنَّ الخطاب الرّتيب غير المراعي لشروط الزّمان والمكان وغير الموسّع والمعمّق خلق نوعاً من العزلة لأهداف الثّورة ومساعيها في نهضة الأُمّة، حيث بقي الخطاب داخلياً تسيطر عليه الكثير من العوامل القديمة والمعرفة غير المتطورة؛ ولذا لم يجد الكثير فيه الحيوية والقدرة على جذب المبتعدين أو الجاهلين أو حتى المعاندين أحياناً.

بطبيعة الحال فإنَّ الكلام لا يُطلق على عواهنه، فقد عرفت السّاحة الحسينيّة خطباء وكتّاب ومفكّرين أثروا السّاحة وقدّموا النّهضة بشكل أبهرت خلالها الأُمّة وجذبتها للخوض في النّهضة الحسينيّة، وهي من خارج الفكر المنتمي إليها إنْ صحَ التّعبير، ومع هذا فالأمر بحاجة إلى جهد أكبر.

ثالثاً: التّحليل التّاريخي وغياب خطاب الإصلاح

غالباً ما يفتقد بعض الخطباء والكتّاب البُعد التّحليليّ في قراءة أحداث التّاريخ ومعرفة ترابط الأحداث ببعضها البعض، وهو ما يشكّل إعاقة معرفية في تسليط الضّوء على حقيقة الأهداف والأسباب الحقيقية وراء الخروج والنّهوض، والشّهادة بهذا الشكل المفجع، ولا يخطر ببال البعض أنْ يرسم الأُمّة وأحوالها ما قبل الثورة، أو ثقافة الأُمّة أو فكرها، بل ينصبُّ الجهد في الغالب على وصف الحادثة، هذا من جهة المنبر، وأمّا الكتّاب فيعاني البعض الشّطط في التّحليلات حيث ترجيح أهدافٍ على أُخرى بدون مبرر موضوعي، أو طمس أهداف[17]، وهو ممّا لا شكّ فيه عمل معرفي، القصد من ورائه الإضاءة، ولكن تغيب النّظرة الكلية أحياناً عن المفكّرين، مع تكرار عدم خلو السّاحة من البحث الدّقيق والموضوعيّ، وقد تنبّه الكثير من الفقهاء والعلماء إلى غياب البعد التّاريخيّ التّحليلي في الجهد المعرفيّ الاستبياني لثورة الإمام الحسين عليه السلام والنّهضة المباركة، ففي الواقع: «إنّنا بحاجة إلى نمطٍ آخر من البحث، وهو ما يسمّى بالتّحليل التّاريخي، وهو تحليل يرتكز على جميع المفردات والشّواهد العديدة، وإيجاد ترابط بين الأحداث التّاريخية، واستكشاف الأهداف والخلفيات من مجموعة الأحداث عن طريق جمعها وتنظيمها في نسقٍ واحد؛ لتكون ذات دلالةٍ فاعلةٍ تستوضح الغايات المرتقبة من خلال مواقف الأئمّة عليهم السلام، وتكتشف صورة متكاملة فيها مزيج الأُسس والنّتائج والأسباب والعلل»[18].

يُضاف إلى هذا بعدٌ آخر: وهو غياب خطاب الإصلاح غالباً، والتأكيد على وحدة الأُمّة وجعل الإمام الحسين عليه السلام، ونهضته جامعاً لكلّ المذاهب وبعض الأديان.

إنَّ مثل هذا الخطاب الوحدويّ يرفع القيمة الكبيرة ويبرز الثّورة الحسينيّة بأسمى مبادئها، خصوصاً وأنّها خرجت آنذاك وهي تنظر إلى الأُمّة وإيقاظها من سبات فقد الإرادة، «فحذارِ أنْ نصوّر عاشوراء على أنّها موجّهة لفريق معيّن من المسلمين؛ لأنّ يزيد لا يمثّل المسلمين السُنّة... بل لا بدَّ من حمل عناوين عاشوراء وشعارات عاشوراء للمسلمين جميعاً»[19].

وبمثل هذا الخطاب يمكن أنْ تكون النّهضة الحسينيّة رمزاً من رموز الوحدة التي يسعى جميع المسلمين إلى الانتماء لها ومعرفتها؛ لأنّها تضمُّ في طياتها مبادئ تحتاجها جلُّ الفرق والأديان وليس فرقة محددة؛ ولذا فإنّ غياب مثل هذا الخطاب الوحدويّ ـ إلّا ما ندر ـ يشكّل نقضاً لغرض الثّورة بمبدئها العام وهو إصلاح الأُمّة ولمّ شملها.

ومع هذا، فإنَّ الشّيعة أو المنتمين إلى الثّورة الحسينيّة قد استفادوا الكثير من هذه الثّورة، ويمكن أنْ يقال بضرس قاطع: إنَّ سبب بقائهم واستماتتهم ووجود الكثير من الأعداء لهم هو التمسّك بالحسين عليه السلام ولو كان بدرجات متفاوتة، فكلّ فئة تستضيء منه عليه السلام بقدر فهمها لعمق الثّورة وأبعادها، بالإضافة إلى حقيقة وشخصية الإمام، إلّا أنَّ المراد الواقعي أنْ تستفيد الأُمّة بكافّة أطيافها من الثّورة، لا أنْ يبقى الأمر رهينَ بعض الطّبقات والمذاهب، ولو قدّر للأُمّة أنْ تتمسّك بالخطّ الثّوريّ والفكريّ للنّهضة الحسينيّة لأمكنَ الأُمّة الإسلاميّة من التوحّد في كثيرٍ من المبادئ، منها:

1ـ معرفة العدو وكونه مشتركاً مشخّصاً بملاحظة خطابات كربلاء التي حددت معالم القائد في بعض فقراتها.

2ـ لا يجب على الأُمّة أنْ تشتركَ في كلِّ اعتقاداتها، إلّا أنَّ معالم الإسلام الواضحة مسؤوليةٌ مشتركة بين الجميع، فلا بدَّ من الانتباه إلى الأفكار الدخيلة على السّاحة الإسلاميّة والتي تسوّغ وتشرّع الحرام، أو تنظِّر لمعتقداتٍ مشوبةٍ بالكثير من الفكر الدّخيل الذي لا يرتضيه الإسلام، علماً أنَّ التّغافل عن هذه الخطورة يعود بالضّرر على جميع أطياف المسلمين بلا استثناء، إمّا بشكل مباشر أو غير مباشر. وهو الملاحظ في الواقع الخارجيّ، والوقوع أدلُّ دليلٍ على الإمكان.

إنَّ نتائج الثّورة وجدت طريقها إلى الواقع وقد أثّرت في مناح عديدة، وما لا يمكن نكرانه أنَّ الثّورة اتّجهت لمسار العلويين دون أنْ يبالي طيفٌ كبير من الأُمّة بهذا الأمر؛ وذلك إما خوفاً أو حذراً أو مجانبةً للوقوع في ما لا يُحمد عقباه، يُضاف إلى ذلك سياسة التّرغيب وشراء الضّمائر.

السبب الثّاني: المراسم العاشورائيّة والثّورة الحُسينيّة إشكالية العلاقة

لا تخلو الثّورات ولا الأديان ـ مع المسامحة في القياس ـ من ممارسات عباديّة أو طقوس يلتزم بها کل مُنتمٍ إليها، تكون في الغالب تطبيقاً أو إحياءً للمبادئ والالتزامات، وهذا أمر بيِّن.

ويمكن القول: إنَّ أيّ ثورة أو نهضةٍ إذا لم تخلق في نفوس أفرادها قدرة الإحياء فإنّها زائلةٌ مع تقادم الأيام، فبقاء الثّورات يرتبط بعدّة عوامل في نجاحها حين الحِراكِ، وما بَعده أيضاً.

هذا الإحياء كما يكون إحياءً معرفياً فكرياً، فإنّه يتمثّل بطقوس ومراسم خارجية يلتزم بها المنتمون لأيّ حركة؛ بغية اتّخاذها مظهراً عامّاً في جميع مناحي الحياة من معرفة وسلوك خارجي وبُعد إيماني.

وقد تُرسَم معالم الطّقوس وتنتشر بشكل مرضيٍّ عنه داخل أسوار التّشريع، وقد يكون ثمار الاجتماع البشري بإظهار طرقٍ للاحتفاء بأيّ ذكرى معينة. والعالم الخارجي مليءٌ بالعديد من السّلوكيات والمظاهر لتعبيرات الشّعوب، إمّا عن نهضتها أو دينها، أَو أيِّ قيمة تتمسّك بها.

وليست نهضة عاشوراء بمعزلٍ عن هذا الجو العام، فقد أوجدت عبر مئات السّنين العديد من المظاهر والمراسم التي يحتفي بها المنتمون إلى الفكر الحُسينيّ على مختلف أصقاعهم؛ وذلك لإظهار عظمة ذاك المشهد التّاريخي الذي يمتلك القدرة على البقاء المستمرّ وتزويد حركات العالم والإنسانيّة بمعاني الحريّة والإباء، وقد وجدت هذه الشّعائر التّأييد من الشّارع المقدّس، وإنْ اختُلفَ في بعضها، إلّا أنَّ الأعمَّ الأغلب كان مرضياً عنه، بل وورد في بعض الشّعائر التّأكيد عليها، ومزاولتها بشكلٍ مستمرّ، ولا يُنكر فضل هذه الجَمهرة التي أثبتت قدرة الرّوح الحسينيّة وثورته عليه السلام على استجلاب العقول واستحضار نفوس جديدة في كلّ عام.

إلّا أنَّ ثمّة إشكالية لا بدَّ من بيانها: ما هي علاقة المراسم بالثّورة الحسينيّة؟

يمكن القول: إنَّ كلَّ مراسمٍ تُقام لأيِّ ثورة ولأيِّ دين ثمرتُها الكشف عن أهداف الثورة ومبادئها، وعرضها للعالم بشكل مرئي خارجي، وهي لهذا الهدف تُطلَبُ وَتُؤَيّد، وهي بهذا القدر يمكن أن تُسمّى مراسم غائية تهدف للإعلان عن لحظةٍ من تاريخ البشريّة كانت فيصلاً في حياة الأُمّة الإسلاميّة، وتستمد حركتها ودوام تجديدها من الثّورة الحسينيّة في كربلاء، فلا شكَّ في أنَّ هدفها خدمة كربلاء، وليست في ذاتها أمراً مطلوباً، ولا خلاف في ذلك.

هذه العلاقة الرّابطة بين المراسم الحُسينيّة والثّورة ذاتها يمكن أن نسلِّط الضّوء من خلالها على داء يمكن أنْ يصيب أنصار الثّورة ممّا يعود عليهم بالضّرر؛ إذْ يعتقد البعض أنَّ الثّورة الحُسينيّة مرتبطة بوجود هذه المراسم ـ مع عدم الشكِّ في ضرورتها وقدرتها على الإحياء ـ وإذا ما أُصيب أيٌّ منها بخدش أو زوال فإنَّ النَّهضة الحُسينيّة تدخل منطقة الخطر ومهددة بالزّوال حتّى في نفوس المنتمين إلى النّهضة.

يمكن اعتبار هذا الشّعور والتّخوّف ذا مناشئ إيمانية سليمة، إلّا أنّه شعور يربط بقاء الثّورة ببقاء بعض المراسم وهو ما يعني تحجيم الثّورة ببعض الطّقوس، فقد مرّت مئات السنين عبَّر خلالها كلُّ جيل عن الحزن والإحياء بطريقته، بل ولكلِّ قومية ومجتمع طريقة في التّعبير عن الحزن والإحياء لمبادئ كربلاء، ولا يصيب الثّورة أيَّ تصدُّع لهذا التنوّع؛ بل يعطيها الحيوية والقدرة على تحريك النّفوس أينما كانت، وإلّا فالمراسم والطّقوس مع ضرورتها وأهميتها وتأكيد الشّارع المقدّس عليها، إلّا أنَّ المقصود من خطاب الشّارع الإحياء والذّكرى، دون أنْ يكون هناك خصوصية لفعل دون آخر، إلّا ما نُصّ عليه طبعاً.

ومن هنا؛ فإنَّ الانشغال بمسألة المراسم يجب أنْ تكون بقدر ما تكشف هذه المراسم عن تلك الواقعة العظيمة، لا أنْ تتحوّل إلى غاية بعينها ويقع الصّراع فيها، فإنَّه حينئذٍ خروج عن أهداف النّهضة الحُسينيّة.

هذا الأمر ـ وللأسف ـ قد وجد طريقه أحياناً إلى ساحة المنتمين إلى النّهضة الحُسينيّة، وهو ما سبّب في الغالب نظرةً من الخارج أنَّ إحياءَ النّهضة الحُسينيّة مجرّد طقوس، كما للهندوس طقوس وللبوذ، وغيرهم، وهذا ما منع أحياناً من توسّع قاعدة جماهيرية النّهضة الحُسينيّة.

ومع هذا، فلا يقال بعدم ضرورة المراسم والشعائر المقدّسة، فإنَّ لها دوراً عظيماً في حياة وفكر المنتمين إلى الحسين عليه السلام، إلّا أنّه لا بدَّ من أنْ نُسلّط الضّوءَ على أنّها شعائرٌ هدفها الكشف عن الحزن وحقيقة ما وقع في كربلاء تصويراً يخدم الثّورة الحُسينيّة ومبادئها، لا أنْ تتحوّل الشّعائر إلى غاية بحدِّ ذاتها، تُقام لأنّها موروثٌ تعوّد عليه البعض، «فمجرّد أنْ يدّعي الإنسان أنّه يؤدّي هذا العمل من أجل الحسين عليه السلام ما لم يكن الشّكل يعبِّر عن أُسلوبٍ عُرفيٍّ عقلائيٍّ للتّعظيم، بل يجب أنْ يكون في الوقت نفسه مُرتبطاً بالمحتوى والمضمون الشّرعيّ لنهضة الحسين عليه السلام»[20].

النتائج المتّصلة بمذهبة الثّورة

من خلال ما تقدّم يمكن الوصول إلى عدّة نتائج، منها:

1ـ ظهور الكثير من الأفكار العقديّة الباطلة، والتي تعدُّ مظهراً سياسياً في واقعها؛ لأنّها من خلال قراءة واعية تكشف عن تبرير لما عليه الحال والسّلطة في كلّ الأزمنة، وهو ما أوضحه الإمام الحسين عليه السلام من خلال خطبه والثّوابت التي رسّخها.

2ـ ابتعاد ثلّة كبيرة من الأُمّة عن منهج الثّورة واعتبارها شأناً داخلياً، وهو ما خلق العديد من الهنات في التحرّك الإسلاميّ أيضاً والأُمّة بشكلٍ عام، والملاحظ أنَّ المنتمين إلى الثّورة الحُسينيّة استطاعوا أن يكونوا خطَّ مواجهة قوي ضدَّ كافّة العوامل المضادّة.

3ـ وجود فئات تنتمي في عقيدتها وفكرها وتحرّكها إلى المنهج المضاد للثّورة الحُسينيّة، وهو مع كونه عاملاً ضعيفاً في البنية الإسلاميّة، إلّا أنّه خلق توتّراً وطائفيةً دائمةً مصدرها العداء للأُخوَّة، بينما يتنعّم العدو المشترك واقعاً بسلامٍ أكبر مع هذه الفئات.

4ـ الخطاب المعرفيّ والمنبري الحُسينيّ الثوريّ أُصيب في بعض مراحله، بما يُسمّى بالفعل وردِّ الفعل، وهو في الواقع خروج عن أهداف الثّورة ورؤيتها الوحدويّة في لمِّ الأُمّة ورأب صدعها؛ كلّ ذلك نتيجة ظنّ البعض أنَّ الثّورة مقتصرة على فئة دون أُخرى، وبالتالي لا بدَّ من خلق شتّى الأسباب والعوامل بغيةَ التّصدي لكل قادمٍ حتّى وإنْ كان بالرّوايات الضّعيفة والقصص والغلو ممّا يعود بالنّفع على الثّورة ومنهجها الإصلاحيّ.

5ـ شيوع مقولات[21] في الغالب منشؤها حقد البعض على كافّة فرق الأُمّة، وهذه المقولات مثل يزيد السُنّي والحسين عليه السلام الشّيعيّ، أوالمنهج السّنيّ والمنهج الشّيعيّ في الثّورة الحسينيّة، أوالحسين عليه السلام عند الشّيعة وعند السّنّة... جميع هذه المقولات لا بدَّ من الالتفات إليها واعتبارها صادرةً عن عاملٍ خارجي، وإنْ صدرت من الدّاخل؛ لأن نتائجها الوخيمة لا تعود بالنّفع إلّا على الخارج المعادي. فالحُسين عليه السلام ابن بنت رَسولِ الله صلى الله عليه وآله مَثَّلَ الأُمّة، ونهضتها السّليمة، وعقلها الواعي، ليعلن أنَّ الإسلام لا تخلو ساحته من حماة يتصدّون لمبانيه، وهم يشكّلون الثّقل لكلِّ الأُمّة دون الآخر، وليست الاختلافات سبيلٌ لشقِّ الثّورة الحُسينيّة إلى أطراف متنازعة، فالفرق واضح بين القراءة المختلفة والقراءة المفرّقة.

ويمكن أن نختم البحث بعبارة ـ للشّيخ محمّد جواد مغنية ـ تعبّر عن سموّ الثّورة وأبعادها الشّاملة لكلِّ طيفٍ يؤمن بالحريّة والعدالة والقيم السّامية، فيقول: «إنَّ الحسين عليه السلام... ليس اسماً لشخص فحسب، وإنّما هو رمزٌ عميقُ الدّلالة، رمز البطولة والإنسانيّة، والأمل، وعنوان للدّين والشّريعة، والفداء، والتّضحية في سبيل الحقّ والعدالة»[22].

 

 

 

 


[1]     اُنظر: البدراويّ، عبد الرّزاق، أهداف نهضة الحسين عليه السلام في كلمات الفقهاء: ص203 ـ 207.

[2]     لا يمكن أخذ مصطلح الأُمّة هنا على نحو من المسامحة، وحصره بمذهب دون آخر، فمصطلح الأُمّة له دلالات وأبعاد كثيرة، كما حقّقه علماء الاجتماع، والاجتماع الديني بالتحديد. اُنظر: شريعتي، علي، الإمامة والأُمّة: ص20 ـ 29.

[3]     بطبيعة الحال، فإنّ هذه الأشكال الثلاثة ليست حصرية كما هو الحصر في المنطق، بل التقسيم ناظر إلى الغالب العام، كما هو الملاحظ.

[4]     لا يمكن ذكر الكثير من الأمثلة للظلامات الواقعة على الشّيعة والمنتمين إلى الثّورة الحسينيّة؛ لأنّه خارج سعة البحث، ولكن يمكن الرّجوع إلى: السبحاني، جعفر، بحوث في الملل والنحل: ج9، ص217 ـ 230.

[5]     لقد عاش بنو العباس الخذلان الدائم مع آل البيت عليهم السلام، فلم ينصروا الحسين عليه السلام، بل وخانوا الإمام الحسن من قبله. اُنظر: الصّغير، محمّد حسين، الإمام الحسين عليه السلام عملاق الفكر الثوريّ المسار والمنهج: ص331 ـ 340.

[6]     يُنسب بيت الشّعر إلى أبي فراسٍ الحمداني.

[7]     اُنظر: الشهرستانيّ، صالح، تاريخ النّياحة على الإمام الحسين عليه السلامتحقيق: نبيل علوان: ج2، ص25.

[8]     الذهبي، محمد بن أحمد، تاريخ الإسلام: ج2، ص223.

[9]     اُنظر: الصّدر، محمد باقر، أهل البيت تنوّع أدوار ووحدة هدف تحقيق: عبد الرّزاق الصّالحيّ: ص368 ـ 371.

[10]    اُنظر: التميمي، رافد، مجلة الإصلاح الحسينيّ، العدد: 4، مقالة تحت عنوان: النّهضة الحسينيّة وحفظ المبادئ والمظاهر الدّينية: ص96.

[11]    اُنظر: الخميس، عثمان، حقبة من التّاريخ من وفاة النبيّ صلى الله عليه وآله إلى مقتل الحسين بن علي  رضي الله عنهما: ص15 ـ 45.

[12]    فروّجت السّلطات في ذهن الأُمة كنوع من الثقافة السّياسية التي تستند إلى أُسسٍ دينية خاطئة، فالأُمويون يشيعون أنّه مارق عن الدّين، والعباسيون يرون أنّه ثائر شرعيّ غير أنّه أخطأ المقادير، وهذا شبه العود على الأول، والحكومات المتعاقبة نحت النّحو ذاته في هاتين الأُطروحتين التي عرّفت بالحسين عليه السلام والنّهضة. اُنظر: البدريّ، سامي، الحسين في مواجهة الضّلال الأُمويّ: ص13ـ 14.

[13]    اُنظر: الإدريسي، محمد، المسيحية بين القديس بطرس والرسول بولس: ص15ـ 27.

[14]    لا يمكن أن نبرّئ ساحة الجميع ممَّن عمل في هذا الحقل والقول: إنَّ ما صدر من أخطاء لم يكن عن قصد، فقد عرفت الأُمّة الدّس في كتبها ولم تسلم من ذلك فئة دون أُخرى، ولا يحتاج الأمر إلى تأمل كثير.

[15]    هذا التشعّب للمطالب الثّلاثة غرضٌ فنيّ، وإلّا فإنّه يمكن أنْ تكون تحت سياق متّصل مترابط.

[16]    فضل الله، محمد حسين، النّدوة، العدد 9، مجموعة محاضرات: ص603ـ 604.

[17]    اُنظر: التميميّ، قيصر، مجلة الإصلاح الحُسينيّ، العدد: 4، بحث بعنوان: الأسباب والمبررات العقدية والتّراثية للتفريط بالأهداف والمبادئ السّياسية للنّهضة الحُسينيّة: ص11.

[18]    الهاشميّ الشّاهرودي، محمود، مجلة المنهاج، العدد29، بحث بعنوان: الثّورة الحسينيّة دراسة في الأهداف والدّوافع: ص16.

[19]    فضل الله، محمد حسين، النّدوة، العدد4، مجموعة محاضرات: ص355.

[20]    الحكيم، محمّد باقر، دور أهل البيت في بناء الجماعة الصّالحة: ص161.

[21]   يمكن أن تدرس هذه المقولات تحت عنوان: القراءات المُختلفة والمُفرّقة للثورة الحُسينيّة الأبعاد والنتائج.

[22]    مغنية، محمّد جواد، الحسين عليه السلام وبطلة كربلاء: ص25.

 
 
البرمجة والتصميم بواسطة : MWD