1439 / محرم / 1  |  2017 / 09 / 22         الزيارات : 422696         صلاة الصبح |         صلاة الظهر والعصر |         صلاة المغرب والعشاء |

المعسكر الأُموي في كربلاء (غياب القيم والمبادئ)

{ الشيخ عبد الرزاق النداوي }
المعسكر الأُموي في كربلاء (غياب القيم والمبادئ)

 

مقدمة

لم يكن الصراع في كربلاء إلّا صراعاً بين القيم، صراعاً بين خطّين ومنهجين، ولكل منهما فريق يمثله، و(مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَىٰ وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ ۚ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا ۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ)[1]، وحتمية هذا الصراع تقتضي تكامل أحد الفريقين وتسافل الآخر؛ لتكون النتيجة: (فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ) [2].

المعركة التي هي سويعات من عمر الزمن ابتدأت وخُتِمَت في يوم واحد؛ أي: في العاشر من المحرّم عام (61هـ)، يومٌ لا يمكن لنا أن نقف على حقيقة ما جرى فيه فيما لو فُصِل عمّا قبله، كما لا يمكن فصله عن تداعياته وما أنتج وما جرى بعده. فما جرى هو صراع بين خطّ الأنبياء على طول التاريخ، وما واجههم من تصدٍّ وحسد وطغيان وظلم وقتل وتشريد يمتد بعمق الزمن، حتى يصل إلى أوّل جريمة وقعت على هذه البسيطة، حين صرع قابيل أخاه هابيل المنتخَب لوراثة آدم عليه السلام .

فالإمام الحسين عليه السلام  هو رمز خطّ الأنبياء الذي تجلَّت في حركته القيم التي حملها الأنبياء، فحينما نخاطبه في الزيارة: «السلام عليك يا وارث آدم صفوة الله، السلام عليك يا وارث نوح نبي الله، السلام عليك يا وارث إبراهيم خليل الله، السلام عليك يا وارث موسى كليم الله، السلام عليك يا وارث عيسى روح الله، السلام عليك يا وارث محمد صلى الله عليه وآله وسلم  حبيب الله، السلام عليك يا وارث أمير المؤمنين عليه السلام  ولي الله»[3]. فمن الواضح جداً أنّ هذه الوراثة لم تكن وراثة دينار ولا عقار ولا سلطان، بل هي وراثة القيم التي حملها ودافع عنها هؤلاء الأنبياء؛ لأنّنا حين نطالع سيرة هؤلاء الأنبياء نجدهم في طليعة الذين حاربوا الظلم والاضطهاد، وسعوا إلى ربط البشرية بخالقها لتستنشق حرّيتها وكرامتها.

فالحسين عليه السلام  ثائر انتفض من أجل التراث الذي أراد بنو أُمية حرفه عن مساره.. ثائرٌ من أجل أُمّة هُدِرَت كرامتها، وكُسِرَت إرادتها، وعقيدة مُسِخَت قيمها، وحُرِّفت أحكامها. وهذا ما صدح به عليه السلام  على رؤوس الأشهاد حين يقول: «اللّهمّ، إنّك تعلم أنّه لم يكن ما كان منّا تنافساً في سلطان، ولا التماساً من فضول الحطام، ولكن لنُرِيَ المعالم من دينك، ونُظهِرَ الإسلام في بلادك، ويأمن المظلومون من عبادك، ويُعمَل بفرائضك وسننك في بلادك»[4].

إذن؛ الصراع في كربلاء هو صراع بين القيم، هذه القيم التي تجسَّدت في هؤلاء وهؤلاء كلٌّ بحسبه؛ ولأنّ الأشياء تُعرَف بأضدادها كما يعبِّرون فإنّنا ولأجل أن نعرف القيم التي حملها الأُمويون ودافعوا عنها لا بدّ من الوقوف على القيم التي حملها الحسين عليه السلام  ودافع عنها، مستلهماً ذلك كلّه من حركة الأنبياء على مرّ التاريخ.

المحاور الأساسية لحركة الأنبياء عليهم السلام

بجولة سريعة في آيات القرآن الكريم سنجد وبشكل جلي أنّ الأنبياء على طول الخط كانوا يركِّزون على ثلاثة محاور:

المحور الأول: التوحيد

سعى الأنبياء عليهم السلام  على مرّ العصور إلى ترسيخ أصل التوحيد، ونبذ عبادة الأصنام بكل أشكالها، سواء أكانت حجرية أم بشرية أم غيرهما. والتوحيد بهذا المعنى هو: التخلّص من العبودية والانطلاق إلى آفاق الحرّية. وهذا المعنى هو أهمّ وأجلى المحاور التي ركَّز عليها ودعا إليها الأنبياء عليهم السلام  جميعاً.

قال تعالى: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّـهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ). وقال تعالى: (وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا  قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّـهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ ). وقال تعالى: (وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّـهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ). وقال تعالى: (وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّـهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ)[5].

المحور الثاني: الوعي

لقد سعى جميع الأنبياء عليهم السلام  على مرّ العصور إلى النهوض بواقع البشرية واستنقاذهم من ظلمات الجهل والدفع بهم إلى ساحات الثقافة والعلم والمعرفة، يكفي أن نلاحظ أنّ أوّل مَن علَّم البشرية الكتابة هو إدريس، فكانت هذه الخطوة قفزة في تاريخ البشرية؛ حيث إنّ الكتابة حفظت لنا الكثير من الحوادث والعلوم، ولولاها لضاع الكثير من تراث البشريّة.

وقد سجَّل القرآن الكريم هذه الإشارة حيث عبَّر عن الأنبياء عليهم السلام  بأنّهم مصلحون، وأنّهم معلِّمون كانوا يعلِّمون الأُمم كلَّ ما فيه مصلحتهم في معاشهم ومعادهم.

قال تعالى حكاية عن إبراهيم: (رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)[6]. وقال تعالى: (لَقَدْ مَنَّ اللَّـهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ )[7]. وقال تعالى: (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ)[8].

وهذه الآيات الثلاثة وإن كانت تتحدّث عن الخاتم صلى الله عليه وآله وسلم  واصفةً إيّاه بأنّه معلّم، إلّا أنّها تنطبق على الأنبياء والرسل كافة؛ ولهذا عُبّر عن كتبهم بأنّها نور؛ بمعنى العلم، والأُمم تتلقّى ذلك النّور من أُولئك الأنبياء عليهم السلام .

قال تعالى: (وَآتَيْنَاهُ الْإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ )[9]. وقال تعالى: (إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ)[10]. وقال تعالى: (الر  كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَىٰ صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ)[11]. وقال تعالى: (فَإِن كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ)[12]. وقال تعالى: (قُلْ مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَىٰ نُورًا وَهُدًى لِّلنَّاسِ)[13].

المحور الثالث: إقامة حُكم الله في الأرض

وهذه هي النتيجة الطبيعية للمحورين السابقين؛ إذ إنّ تخليص العباد من عبادة غير الله، وبثّ الوعي والمعرفة فيهم يوصلهم حتماً إلى إقامة حكم الله تعالى ليعيش الناس في أمن وأمان وعدل وقسط، تحت راية التوحيد، الأمر الذي بذل في سبيله الأنبياء والرُّسل الكثير من التضحيات، وزهقت من أجله الأنفس، وسالت الكثير من الدماء.

ومن الآيات التي تُشير إلى هذه الحقيقة، قوله تعالى: (إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ)[14].

فالنبيون هم: الرسل، والربّانيّون هم: الأوصياء، والأحبار هم: العلماء. خطّ واحد يسير باتجاه تحكيم شرع الله في الأرض.

وهكذا قوله تعالى:  ( يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّـهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّـهِ)[15]. وقوله تعالى فيما حكى من خبر سليمان:( قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّن بَعْدِي إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ)[16]. وقوله تعالى: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ)[17].

وإذا كانت الآيات المتقدّمة تتكلّم عن هذا النبي أو ذاك، فإنّ الآية الأخيرة لتؤكّد على الأهداف والمحاور العامة التي تمحورت عليها حركة الأنبياء جميعاً، حيث يقول تعالى: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا)، ولعلّها تشير إلى المحاور الثلاثة التي سبقت الإشارة إليها، فقوله تعالى: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ)، يمكن أن نفهم منها الدلالات التي توصل إلى التوحيد: (وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ)، هو العلم والنور: (لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ)، إقامة حكم الله في الأرض.

الحسين عليه السلام  وارث القيم النبويّة

المحاور المتقدّمة هي ذاتها الأهداف التي حملها الإمام الحسين عليه السلام ، ودافع عنها، وناضل في سبيل تحقيقها، موكِّداً عليها في كلماته، ومنها على سبيل المثال الخطبة التي ألقاها على الحرّ وأصحابه بعد أن اعترضه وهو في طريقه إلى الكوفة، قال عليه السلام  بعد أن حمد الله وأثنى عليه: «مَن رأى سلطاناً جائراً مُستحلاً لحُرم الله، ناكثاً لعهد الله، مخالفاً لسنّة رسول الله، يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان، فلم يغيِّر عليه بفعل ولا قول، كان حقّاً على الله أن يدخله مدخله. ألَا وإنَّ هؤلاء قد لَزِمُوا طاعة الشّيطان، وتَرَكوا طاعة الرّحمن، وأَظهروا الفساد، وعَطَّلوا الحدود، واستأثَروا بالفَيء، وأَحَلّوا حَرام الله، وحَرَّمُوا حلاله، وأنا أَحَقُّ مَن غَيَّرَ...»[18].

وبشيء من التحليل نجد أنّ هذا الخطاب يُذكِّر القوم بأنّ السلطة الظالمة قد عبدت الشيطان، وتركت عبادة الرحمن؛ أي: إنّها ضربت الأُمّة في صميم عقيدتها حينما تركتْ التوحيد، وهذا هو المحور الأول، وما يترتب على ضرب هذا المحور هو إظهار الفساد، وتعطيل الحدود، والاستئثار بالفيء، وتحليل الحرام، وتحريم الحلال.

ثمّ يدعوهم عليه السلام  إلى التغيير الذي يتحقّق به الرشد؛ أي: الوعي، وهذا هو المحور الثاني. وبتحقيق هذين المحورين، يُتاح للأُمة إقامة حكم الله في الأرض، وذلك لا يكون إلّا بإمام عادل؛ لذا نجده عليه السلام  يؤكِّد أنّه أحَقّ الناس للقيام بالتغيير، وهذا هو المحور الثالث.

وفي مناسبة سابقة يؤكِّد الحسين عليه السلام  للكوفيين على أهمية الإمامة ووظيفة الإمام حيث يقول عليه السلام  للملأ منهم برسالته التي بعثها مع مسلم عليه السلام : «... فَلَعَمْري، ما الإمامُ إلّا العامِلُ بالكتاب، والآخذُ بالقسط، والدّائنُ بالحقّ، والحابِسُ نفْسَه على ذات الله...»[19].

فالإمام عليه السلام  يؤكِّد في ذيل هذه الرسالة وفي أوّل حركة تجاه الكوفة على خصال جديرة بالتأمّل لمن يريد أن يعرف كُنه الإمامة والقيادة، وحقيقة حركته المباركة.

ولم يكن الإمام الحسين عليه السلام  في كلّ خطوة خطاها مريداً للقتال ولإراقة الدماء، وإنّما أراد دفع الظلم عن المظلومين، وهداية الضّالّين، وإرجاع المجتمع الإسلامي إلى المسار الذي تركه عليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ؛ لأنّه من مدرسة علي عليه السلام  الذي يقول يوم صفين حين كان يتمهّل في القتال ويؤخِّره ما أمكن: «أمّا قولكم: أَكُلّ ذلك كراهية الموت، فوالله، ما أُبالي، أَدخلتُ إلى الموت أو خرج الموت إليّ. وأمّا قولكم: شكّاً في أهل الشام، فوالله، ما دفعتُ الحرب يوماً إلّا وأنا أطمع أن تلحق بي طائفة فتهتدي بي وتعشو إلى ضوئي، وذلك أحبّ إليَّ من أن أقتلها على ضلالها وإن كانت تبوء بآثامها»[20].

فإن تمّ ذلك بالبيان دون السنان، فبها، وإلّا فإنّ الدفاع عن النفس والعيال، وعن الأُمّة المضطهَدة، والعقيدة المهدَّدة، والحق المسلوب... كل هذه الأُمور تستحقّ الجهاد والنضال، ولم يكن للإمام الحسين عليه السلام  من طريق لحفظ ذلك كلّه إلّا التضحية والشهادة.

هذه هي أهداف الحسين عليه السلام ، وهذه هي الوسائل والآليات التي توسّل بها للوصول إلى تلك الأهداف الحقة.

أهداف الفريق الأُموي

وعلى الضدّ ممّا تقدّم نجدُ أنّ أهداف بني أُمية هي السلطان والمال، وما خالطهما من شهوة وشهرة وسيطرة، وهذا ما لا يمكنهم الوصول إليه إلّا من خلال السيطرة على موقع القمة في الأُمّة، ومحق دينها وعقيدتها، فالأُمويون هم الحزب المعارض لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم  إلى آخر لحظة يمكن فيها المعارضة قبل الاستسلام، فلمّا كُسِرَت شوكتهم، واضمحلَّت فكرتهم، دخلوا فيما دخل فيه البعض قهراً، وبدأوا ينخرون بالإسلام من الداخل، فكان أبو سفيان ممَّن عرض على أمير المؤمنين عليه السلام  نقض البيعة التي تمّت للأول، ودعاه للانتفاضة ومسك زمام الأُمور بالقوّة، فردّه أمير المؤمنين عليه السلام  بقوله: «أيّها الناس، شُقّوا أمواج الفتن بسفن النجاة، وعرِّجوا عن طريق المُنافرة، وضعوا تيجان المفاخرة. أفلَح مَن نَهَضَ بجناح، أو استسلم فأراح. هذا ماء آجن، ولقمة يغصّ بها آكلها، ومجتني الثمرة لغير وقت إيناعها كالزارع بغير أرضه، فإن أقُل يقولوا: حَرَصَ على الملك. وإن أسكت يقولوا: جَزِعَ من الموت. هيهات بعد اللّتيا والتي، والله، لابن أبي طالب آنس بالموت من الطفل بثدي أُمّه، بل اندمجت على مكنون علم لو بُحتُ به لاضطربتم اضطراب الأرشية في الطَّويّ البعيدة»[21].

وعلى هذا النهج عمل ابنه معاوية الذي أغلق الشام للفكر الأُموي على مدى عشرين عاماً قبل استشهاد أمير المؤمنين عليه السلام ، ورفض الانصياع لولي الأمر وإمام الحقّ علي عليه السلام ، وأضرمها عليه حرباً في صفين شعواء، راح ضحيّتها سبعون ألفاً من المسلمين، ثم ما فتئ يناجز السبط الأكبر الحسن الزكي عليه السلام  حتى أمسك بزمام الأُمور، وظلّ يتمادى بغيّه عاملاً على هدم الإسلام حجراً حجراً.

ولمّا كانت الأهداف الأُموية أهدافاً خالية من أيّ قيمة، لا تسعى إلّا للسلطان والقهر والقوّة، فلا بدّ أن تكون الوسائل لتحقيق تلك الأهداف بنفس الدرجة من الخسّة والدناءة، فبعد أن أصبح معاوية هو (الخليفة)، بدأ ينفّذ مشروع الكسروية أو القيصرية الأُموية، فاتّخذ لتحقيق ذلك إجراءات عدّة:

الإجراء الأوّل: إشاعة الإرهاب

فقد قام بتصفية المعارضين بشكل لا نظير له في التاريخ، ومن مظاهر ذلك: القتل الجماعي، وتصفية القياديين من شيعة أهل البيت عليهم السلام ، حتى وصل الأمر به إلى قتل الأطفال وسبي النساء؛ ومن شواهد ذلك ما فعله (بسر بن أرطاة) من جرائم بحق المسلمين، فقد ذكر ابن عبد البرّ ما يلي: «أغار بسر بن أرطاة على همدان، وقتل وسبى نساءهم، فكنّ أوّل مسلمات سبين في الإسلام»[22]. ومنها غارته على اليمن، وقتله ابني عبيد الله بن عباس[23].

وذكر ابن أبي الحديد المعتزلي أنّ الأُمويين: «كانوا يسبون ذراري الخوارج من العرب وغيرهم، لمّا قُتِل قريب وزحاف الخارجيان، سبى زياد ذراريهما، فأعطى شقيق ابن ثور السدوسي إحدى بناتهما، وأعطى عباد بن حصين الأُخرى، وسُبيَت بنتٌ لعبيدة ابن هلال اليشكري، وبنت لقطري بن الفجاءة المازني...»[24].

الإجراء الثاني: تسخير الطاقات لمصلحة الحاكم

لهذا الإجراء مظاهر كثيرة، منها: بذل الأموال لشراء ذمم الزعماء ورؤساء القبائل ووجوه الأمصار. ومنها: شراء ضمائر بعض المحدِّثين والوعّاظ والرواة؛ ليمارسوا دور الإشادة والتلميع لرؤوس الضلال والانحراف الأُموي.

الإجراء الثالث: إثارة النزعة القبلية

لقد أثار الحكم الأُموي المظاهر الجاهلية التي حاربها الإسلام وقضى عليها، فكانوا يفضِّلون العرب على العجم، وقريشاً على سائر القبائل، ورووا في ذلك أنّ معاوية أرسل أموالاً إلى الأخطل يدعوه فيها إلى هجاء الأنصار، فكتب أبياتاً قال في ضمنها:[25]

 

خلّوا المكارمَ لستُمُ مِن أهلِها

 

وخُذُوا مساحيكم بني النجّارِ

إنّ الفوارسَ يعلمون ظهورَكُم

 

أولاد كــلِّ مـقبَّـحٍ أكّـارِ

ذهبتْ قريشُ بالمكارمِ والعُلا

 

واللؤمُ تحت عمائمِ الأنصارِ(4).

 

 

الإجراء الرابع: استغلال المنابر

استُغِلَّت مئات المنابر في طول البلاد الإسلاميّة وعرضها؛ لبثّ سياسة منحرفة تزقّ أبناء الأُمّة الإسلاميّة ثقافة ممسوخة تسير باتجاهين:

الأول: الحطّ من الخطّ الإسلامي الأصيل المتمثِّل بأهل البيت عليهم السلام ، وتغييب دورهم، وإقصاء الناس عنهم مهما أمكن.

الثاني: وضع الأحاديث واصطناع الفضائل لبعض الصحابة بما فيهم معاوية؛ للتعتيم على مكانة أهل البيت عليهم السلام ، وكان أبو هريرة وسمرة بن جندب وعروة بن الزبير في مقدمة أُولئك (الصحابة) الذين استفادت منهم السلطة الأُموية. وممّا قيل في هذا المجال، ما روي كذباً عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : «الأُمناء ثلاثة: أنا، وجبرائيل، ومعاوية»[26]. ورُوِيَ عن الزُّهري أنّه سأل سعيد بن المسيب عن أصحاب الرسول صلى الله عليه وآله وسلم  فقال له: «اسمع يا زهري، مَن مات حباً لأبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وشهد للعشرة بالجنّة، وترحَّم على معاوية، كان حقاً على الله أن لا يناقشه الحساب»[27].

وقد أكثر معاوية الوضع على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم  حتى أصبح ذلك ظاهرة في البلاد الإسلاميّة، وفي ذلك ذَكَر ابن أبي الحديد أنّ معاوية عمَّم كتاباً على عمّاله في سائر البلاد قال فيه: «اُنظروا مَن قِبَلكم من شيعة عثمان ومحبّيه وأهل ولايته، والذين يروون فضائله ومناقبه، فأدنوا مجالسهم وقرِّبوهم وأكرموهم، واكتبوا لي بكلّ ما يروي كل رجل منهم واسمه واسم أبيه وعشيرته. ففعلوا ذلك حتى أكثروا في فضائل عثمان ومناقبه؛ لمِا كان يبعثه إليهم معاوية من الصلات والكساء والحباء والقطائع، ويفيضه في العرب منهم والموالي؛ فكثر ذلك في كل مصر، وتنافسوا في المنازل والدنيا، فليس يجيء أحدٌ مردود من الناس عاملاً من عمّال معاوية فيروي في عثمان فضيلة أو منقبة إلّا كتب اسمه وقرَّبه وشفَّعه»[28].

قال ابن أبي الحديد: «ثمّ كتب إلى عمّاله: أنّ الحديث في عثمان قد كَثُر وفشا في كل مصر وفي كل وجه وناحية، فإذا جاءكم كتابي هذا فادعوا الناس إلى الرواية في فضائل الصحابة والخلفاء الأوّلين، ولا تتركوا خبراً يرويه أحدٌ من المسلمين في أبي تراب إلّا وتأتوني بمناقض له في الصحابة[29]، فإنّ هذا أحبّ إليَّ وأقرّ لعيني وأدحض لحجّة أبي تراب وشيعته، وأشدّ عليهم من مناقب عثمان وفضله. فقُرِئت كُتُبه على الناس فَرُوِيَت أخبار كثيرة في مناقب الصحابة مفتعلة لا حقيقة لها، وجدَّ الناس في رواية ما يجري هذا المجرى حتى أشادوا بذكر ذلك على المنابر، وألقى إلى معلِّمي الكتاتيب فعلَّموا صبيانهم وغلمانهم من ذلك الكثير الواسع، حتّى رووه وتعلّموه كمّا يتعلّمون القرآن، وحتى علَّموه بناتهم ونساءهم وخدمهم وحشمهم...»[30].

وهذا كلّه يشير إلى أنّ المسألة كانت ممنهجة ومبرمجة لمسخ الإسلام.

الإجراء الخامس: تحويل الخلافة إلى مملكة

وكان هذا الإجراء هو قاصمة الظهر للأُمّة الإسلاميّة، والقضاء على آخر أمل يمكن أن تعود فيه الأُمّة إلى مسارها الذي تركها عليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فالإمام الحسن عليه السلام  كان قد صالح معاوية بناءً على عدّة شروط، من بينها: عودة الخلافة إلى الحسن عليه السلام  بعد هلاك معاوية، فما كان من معاوية إلّا أن دسَّ السُّم للإمام الحسن عليه السلام [31]، والعهد بالخلافة لابنه الماجن يزيد.

الإجراء السادس: زرع بذور الطاعة للسلطان مطلقاً

من أجل تذليل رقاب العباد وتوطيد الملك في سائر البلاد؛ عمدت السلطة الأُموية إلى زرع بذور الطاعة لولي الأمر على كل حال، سواء أكان برّاً أم فاجراً، وسواء أكان عادلاً أم طاغية، وذلك من خلال عقائد وشرائع منحرفة:

أمّا العقائد، فقد استطاعت السلطة الأُموية أن تُنشئ وتُنمّي بعض التيارات الفكرية المنحرفة[32]، كالمرجئة[33]، والمجبِّرة[34]؛ بهدف تخدير الأُمّة أو تركيعها عقائدياً أمام همجية وطغيان السلطة المستبدِّة، وذلك باسم الدين، وما عليها إلّا الصبر وعدم المقاومة والدفاع؛ لأنّ ذلك يعني الاعتراض على الله وعلى إرادته. وكان من نتائج هذه الأفكار الهدّامة أن بقيت الأُمّة ترزح تحت طغيان بني أُميّة عقوداً من الزمن.

وأمّا الشرائع، فقد شرعنوا طاعة الطغاة والظلمة استناداً لآيات حُرِّفتْ عن مضامينها، كقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّـهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ)[35]، واستناداً لأحاديث مكذوبة تنصّ على طاعة وليّ الأمر وإن كان فاجراً أو ظالماً أو مستبدِّاً[36]. حتى بلغ الحال إلى المنع من الخروج على السلطان؛ لأنّه:
 «مَن خَرَجَ من السلطان شبراً مات ميتةً جاهلية»[37].

الإجراء السابع: تبنّي سياسة النّفاق

تبنّت السلطة الأُموية في عهد معاوية سياسة النفاق، تعمل في الظاهر ومن الناحية الإعلامية والاجتماعية على رعاية الدين وحمايته، وفي الباطن على هدم القيم الرسالية والمعاني النبيلة، فالخليفة المسؤول الأوّل على تطبيق الأحكام يأخذ الربا[38]، ويتاجر بالخمر[39]، بل ويشرب الخمر[40]، والأمرّ من ذلك أنّه ينصح ابنه المتجاهر بشربها بأن يشربها ويفعل كل ما يحلو له سراً، ولكن أمام الناس يجب أن يتسربل بسربال القداسة، وفي ذلك شعرٌ منقول عن معاوية يقول فيه ليزيد[41]:

انصبْ نهاراً في طلاب العُلا

 

 واصبرْ على هجرِ الحبيبِ القريب

حتّى إذا الليل أتى بالدُّجى

 

واكتحلتْ بالغمضِ عين الرقيب

فباشر الليل بما تشتهي

 

فإنّما الليل نهار الأريب

كم فاسق تحسبه ناسكاً

 

 قد باشر الليل بأمرٍ عجيب

غطّى عليه الليل أستاره

 

 فبات في أمنٍ وعيش ٍخصيب

ولـذّةُ الأحـمــقِ مكشــوفةٌ

 

يسـعى بها كـلُّ عدوٍّ مُريب(5).

 

عهد يزيد

كان عهدُ يزيد بن معاوية كالزلزال الذي وقع على رؤوس الأُمّة؛ لأنّه حَكَمَ ثلاث سنين وتسعة أشهُر ارتكب فيها أكبر ثلاث جرائم في تاريخ المسلمين، وهي قتل الحسين عليه السلام  سبط رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، واستباحة المدينة ثلاثة أيام، ومبايعة أهلها على أنّهم عبيد له، وهدم الكعبة وحرق أستارها.

فقد أطلق معاويةُ يدَ فاجرٍ خليع متجاهر بالفسق ليعبث بمقدّرات الأُمّة، بعد أن مكَّنه من رقاب المسلمين. وقد ذكر المؤرِّخون أنّ الكثير من الصحابة وأبنائهم والتابعين والصالحين اعترضوا على معاوية بعهده ليزيد، ولكن دون جدوى، فاختُطِفَت الخلافة تحت بريق السيوف[42].

لم تَغِب عن عينَي يزيد السياسة التي انتهجها أبوه للوصول إلى أهدافه الدنيئة، فكان الولد على سرِّ أبيه، لا يقف في طريقه أيّ مقدّس أو حاجز يمنعه من الوصول إلى غاياته وشهواته، وعلى رأسها المُلك والسلطان والمال واللّهو. فكان أبو عبد الله الحسين عليه السلام  هو ذلك السدّ المنيع الذي وقف أمام تيّار الفساد الأُموي الجارف، وقد ورد عنه عليه السلام  في جداله مع بعض رجالات الأُمويين في المدينة: «فعلى الإسلام السلام إذا بُلِيَت الأُمّة براعٍ مثل يزيد»[43].

فأعلنها أبو عبد الله صرخةً مدوِّية: «...وإنّ الدنيا قد تغيَّرت وتنكَّرت، وأدبر معروفها واستمرَّت حذاء، ولم تبقَ منه إلّا صبابة كصبابة الإناء، وخسيس عيش كالمرعى الوبيل، ألَا ترون إلى الحقَّ لا يُعمَل به، وإلى الباطل لا يُتناهى عنه، ليرغب المؤمن في لقاء ربّه محقّاً، فإنّي لا أرى الموت إلّا سعادة، والحياة مع الظالمين إلّا برماً»[44]. وانطلق لتغيير المعادلة وتصحيح المسار؛ فكان الثمن دمه الطاهر.

واستمرّ يزيد بغيِّه نحو أهدافه الخبيثة، والأهداف إذا كانت خبيثة فالوسائل لا بدّ أن تكون منسجمة مع تلك الأهداف، وهنا يحكم قانون (الغاية تبرّر الوسيلة)، فيأتي دور وعّاظ السّلاطين؛ فيصبح الخليفة (يزيد)، والخارجيّ هو الحسين عليه السلام ؛ إذن لا بدّ من القضاء عليه بتهمة كونه خارجيّاً!!

ولم يكن الإمام الحسين عليه السلام  ليقف مكتوف اليدين أمام هذه المعاول الأُموية الجاهلية، فبرز الإيمان كلّه إلى النّفاق كلّه، وحدثت الواقعة التي انتُهِكَت فيها كلّ المقدّسات واستُبِيحَت فيها كلّ الحُرمات، فغابت جميع القيم ولم يبقَ أيّ أثر لأيّ نُبل، وتجسَّدت القسوة بكل المقاييس، والوحشية بكل العناوين، فوقعت تفاصيل مؤلمة تُمزّق القلب، وربّما غاب منها الكثير.

إلّا أنّ كل مشهد ممّا وصل إلينا من أحداث مؤلمة يكفي لوحده لإدانة تلك السلطة الظالمة التي تُعتبر أسوأ سلطة في تاريخ الكون.

مشاهد غياب القيم في كربلاء

لقد روى المؤرِّخون الكثير ممّا وقع في كربلاء من مشاهد غابت فيها القيم الإنسانية والدينية، نعرض هنا بعضاً من تلك المشاهد المؤلمة بشكل مقتضب:

المشهد الأوّل: الهجوم على النساء

من جملة ما خاطب به الإمام الحسين عليه السلام  أعداءه في يوم عاشوراء: «يا شيعة آل أبي سفيان، إن لم يكن لكم دين، وكنتم لا تخافون المعاد، فكونوا أحراراً في دنياكم، وارجعوا إلى أحسابكم إن كنتم عُرُباً كما تزعمون». فناداه شمر: ما تقول يا بن فاطمة؟ قال: «أنا الذي أُقاتلكم، والنّساء ليس عليهنّ جناح، فامنعوا عتاتكم من التعرّض لحرمي ما دمت حيّاً»[45].

ومن هذا النص يتبيَّن أنّ الإمام الحسين عليه السلام  ينفي عن هؤلاء القوم القيم الإسلاميّة، بل وحتى القيم العربية التي كان يتمتّع بها العرب قبل الإسلام، الذين لم يكن من شيمتهم الاعتداء على النساء.

المشهد الثاني: قتل الأطفال

نذكر هنا مشهدين من تلك المشاهد الأليمة:

الأوّل: لمّا رأى الحسين عليه السلام  مصارع فتيانه وأحبّته عزم على لقاء القوم بمهجته ونادى: «هل من ذابّ يذبّ عن حرم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ؟ هل من موحِّد يخاف الله فينا؟ هل من مغيث يرجو الله بإغاثتنا؟ هل من مُعين يرجو ما عند الله في إعانتنا؟». فارتفعت أصوات النساء بالعويل، فتقدّم إلى باب الخيمة، وقال لزينب: «ناوليني وَلدي الصغير حتى أودِّعه»، فأجلسه في حجره يُقبّله وهو يقول: «بُعدَاً لهؤلاء القوم إذا كان جدّك المصطفى خصمهم». ثمّ أتى به نحو القوم يطلب الماء[46]، فرماه حرملة بن الكاهل الأسدي(لعنه الله) بسهم فوقع في نحره فذبحه، فقال لزينب: خُذيه. ثمّ تلقّى الدم بكفيه، فلمّا امتلأتا رمى بالدم نحو السماء، ثمّ قال: «هوَّن عليَّ ما نزل بي أنّه بعين الله»[47].

الثاني: لمّا أحاط العدو بأبي عبد الله الحسين عليه السلام ، خَرَجَ عبد الله بن الحسن بن علي عليهم السلام  ـ وهو غلامٌ لم يراهق ـ من عند النساء يشتد، حتى وقف إلى جنب الحسين عليه السلام ، فلحقته زينب عليها السلام  لتحبسه، فأبى وامتنع امتناعاً شديداً، فقال: «لا والله، لا أُفارق عمّي». فأهوى بحر بن كعب إلى الحسين عليه السلام  بالسيف. فقال له الغلام: «ويلك يا بن الخبيثة! أتقتل عمّي؟!». فضربه بالسيف فاتّقى الغلام بيده، فأطنَّها إلى الجلد فإذا هي معلَّقة، فنادى الغلام: «يا أُمّاه!». فأخذه الحسين عليه السلام  وضمّه إليه وقال: «اصبر يا بن أخي على ما نزل بكَ، واحتسب في ذلك الخير، فإنّ الله يُلحقك بآبائك الصالحين». فرماه حرملة بن كاهل بسهمٍ، فذبحه وهو في حجر عمّه الحسين عليه السلام [48].

المشهد الثالث: مصرع الحسين عليه السلام

 وأشد المشاهد ظلماً وقساوة ما حصل في مصرع الإمام الحسين عليه السلام ، إذ يعزّ على الباحث أو القارئ أن يخوض في الكلام حوله، إلّا أننا ملزمون ببيان المشاهد التي تُبرز لنا صور الإرهاب الأُموي في حق الإمام عليه السلام ، فقد ورد في كتب المقاتل: لمّا أُثخن الحسين عليه السلام  بالجراح، طعنه صالح بن وهب الـمُرِّي على خاصرته طعنة؛ فسقط الحسين عليه السلام  عن فرسه إلى الأرض على خدّه الأيمن وهو يقول: «بسم الله وبالله، وعلى ملّة رسول الله». وخرجت زينب عليها السلام  من باب الفسطاط وهي تنادي: «وأخاه! وا سيداه! وا أهل بيتاه! ليت السماء أطبقت على الأرض، وليت الجبال تدكدكت على السهل».

وصاح شمر بأصحابه ما تنتظرون بالرجل؟! فحملوا عليه من كل جانب، فضربه زرعة بن شريك على كتفه اليسرى، وضربه آخر على عاتقه المقدَّس بالسيف ضربة كبا عليه السلام  بها لوجهه، وكان قد أعيا وجعل ينوء ويكب، فطعنه سنان بن أنس النخعي في ترقوته، ثمّ انتزع الرمح فطعنه في بواني صدره، ثمّ رماه سنان أيضاً بسهم فوقع السهم في نحره، فسقط عليه السلام  وجلس قاعداً، فنزع السهم من نحره، وقرن كفيه جميعاً، فكلّما امتلأتا من دمائه خضَّب بهما رأسه ولحيته وهو يقول: «هكذا ألقى الله مخضَّباً بدمي مغصوباً عليَّ حقّي». فقال عمر بن سعد لرجل عن يمينه : اِنزل ويحك إلى الحسين فأرحه. فبدر إليه خولي بن يزيد الأصبحي ليَحتزَّ رأسه فأُرعد، فنزل إليه سنان بن أنس النخعي(لعنه الله) [أو شمر بن ذي الجوشن (لعنه الله)] فضربه بالسيف في حلقه الشريف وهو يقول: والله، إنّي لأحتزّ رأسك وأعلم أنّك ابن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وخير الناس أباً وأُمّاً، ثمّ احتزَّ رأسه المقدّس المعظَّم[49].

المشهد الرابع: سلب الإمام عليه السلام  بعد ذبحه

 ومن المشاهد المؤلمة في عاشوراء أن أقبَلَ القوم على سلبه عليه السلام ، فأخذ إسحاق بن حوية قميصه، وأخذ الأخنس بن مرثد بن علقمة الحضرمي عمامته، وأخذ الأسود ابن خالد نعليه، وأخذ جميع بن الخلق الأودي سيفه. وجاء بجدل فرأى الخاتم في إصبعه وعليه علق الدم، فقطع إصبعه وأخذ الخاتم، وأخذ قيس بن الأشعث قطيفته، وأخذ جعونة بن حوية الحضرمي الثوب الخلق الذي خرّقه الحسين عليه السلام  ووضعه تحت ثيابه لئلا يُسلبه[50]، وأخذ الرحيل بن خثيمة قوسه، وأراد رجل منهم أن يسلب تكة سرواله وكان لها قيمة وذلك بعد ما سلبه الناس، يقول: أردت أن أنزع التكّة، فوضع يده اليمنى عليها، فلم أقدر على رفعها، فقطعت يمينه، فوضع يده اليُسرى فقطعتها...[51].

المشهد الخامس: نهب الخيام وحرقها

لمّا قُتِلَ أبو عبد الله الحسين عليه السلام  مال الأعداء على ثقله ومتاعه وانتهبوا ما في الخيام، وأضرموا النار فيها، وتسابق القوم على سلب حرائر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، ففررن بنات الزهراء عليها السلام  حواسر مسلَّبات باكيات[52].

فهذه هي نماذج من غياب القيم في واقعة كربلاء ارتكبها معسكر ابن سعد، وهناك العشرات بل المئات من المشاهد والحوادث التي وقعت كقطع الرؤوس، وسحق الأجساد بالخيول، وترك الجثامين الزكية على وجه الصعيد، وسبي النساء والسير بهن من كربلاء إلى الكوفة ثمّ إلى الشام على الجمال وهنّ ثواكل، يقطعون بهنّ الفيافي والقفار بلا شفقة ولا رحمة، ورفع الرؤوس على الرماح والجولان بها في الأمصار.. وضرب الرأس الشريف على ثناياه من قِبَل الطاغية يزيد. بتفاصيل يندى لها جبين الإنسانية، ويستحيي اليراع أن يخطّها على القرطاس، وتضيق من هولها الصدور.. فإنّا لله وإنّا إليه راجعون، (وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ)[53].

 

 

 

 


 1 هود: آية 24.

[2] الشورى: آية 7.

[3] اُنظر: الطوسي، محمد بن الحسن، مصباح المتهجِّد: ص270.

[4] لجنة الحديث في معهد باقر العلوم عليه السلام ، موسوعة كلمات الإمام الحسين عليه السلام : ص337.

[5] الأعراف: الآيات 59، 65، 73، 85.

[6] البقرة: آية 129.

[7] آل عمران: آية 164.

[8] الجمعة: آية 2.

[9] المائدة: آية 46.

[10] المائدة: آية 44.

[11] إبراهيم: آية 1.

[12] آل عمران: آية 184.

[13] الأنعام: آية 91.

[14] المائدة: آية 44.

[15] ص: آية 26.

[16] ص: آية 35.

[17] الحديد: آية 25.

[18] اُنظر: لجنة الحديث في معهد باقر العلوم عليه السلام ، موسوعة كلمات الإمام الحسين عليه السلام : ص438.

[19] المصدر السابق: ص379.

[20] اُنظر، نهج البلاغة، تحقيق محمد عبده: ج1، ص140.

[21] اُنظر: المصدر السابق: ج1، ص41.

[22] اُنظر: القرطبي، يوسف بن عبد البر، الاستيعاب: ج1، ص161.

[23] اُنظر: الثقفي، إبراهيم بن محمد، الغارات: ج2، ص613.

[24] اُنظر: ابن أبي الحديد، عبد الحميد، شرح نهج البلاغة: ج15، ص241.

[25] اُنظر: المصدر السابق: ج15، ص75.

[26] اُنظر: العسقلاني، أحمد بن علي، لسان الميزان: ج2، ص220.

[27] ابن كثير، إسماعيل، البداية والنهاية: ج8، ص148.

[28] اُنظر: ابن أبي الحديد، عبد الحميد، شرح نهج البلاغة: ج11، ص44.

[29] ومن هنا برزت ظاهرة الأحاديث المناقضة، فسُجِّلت عشرات الموضوعات على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، من قبيل: «أبو بكر منّي بمنزلة هارون من موسى»، مناقضاً لحديث: «يا علي، أنت منّي بمنزلة هارون من موسى». ومنها: «أبو بكر وعمر سيّدا كهول أهل الجنّة»، في قبال الحديث: «الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة». ومنها: «سدّوا الأبواب إلّا باب أبي بكر»، المناقض لحديث: «سدّوا الأبواب إلّا باب علي»، وهكذا. اُنظر: الأميني، عبد الحسين، الغدير: ج5، ص297 وما بعدها.

[30] ابن أبي الحديد، عبد الحميد، شرح نهج البلاغة: ج11، ص45.

[31] اُنظر: أبو الفرج الإصفهاني، علي بن الحسين، مقاتل الطالبيين: ص31.

[32] شريعتي، علي، الشهادة: ص71.

[33] مأخوذة من قوله تعالى: (وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّـهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ  وَاللَّـهُ عَلِيمٌ ) التوبة: آية106. وفحواها أنّ المذنبين والظالمين والمجرمين أمرهم بيد الله، فقد يرحمهم يوم القيامة. وعليه؛ فلا يحقّ للشعب أن يشجب فعلهم، ولا مقاومتهم، بل المطلوب هو الصبر. وقد انتشرت هذه العقيدة في جيل التابعين الذين لم يرتووا من منهل النبوّة، وابتعدوا عن أهل بيت الوحي.

[34] وفحوى هذه العقيدة: إنّ الناس مجبورون على فعلهم، ومسيَّرون في حركتهم؛ واستدلّ القائلون بهذه العقيدة التي خدمت السلطة بعدّة نصوص، منها: (وَاللَّـهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ) الصافات: آية96. وبالتالي؛ فإنّ إرادة السلطان تُمثِّل إرادة الرب، فلا يجوز للأُمّة أن تعترض أو تواجه الحاكم الذي نصَّبه الله بالجبر، وأعمله في الأُمّة بالجبر؛ لأنّ الاعتراض على السلطان في حقيقته اعتراض على الله، خصوصاً بعد ملاحظة أنّ هذا السلطان هو خليفة الرسول؛ فصار القرآن الذي ينادي بـ (إِنَّ اللَّـهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) النحل: آية90. يُرفَع على المصاحف لتزوير المواقف، وأصبح سيف الإسلام الذي سُلَّ لمقارعة المستكبرين بيد الخليفة يحزّ به رقاب المستضعفين ورجال الأُمّة الصالحين.

[35] النساء: آية 76.

[36] واستمرّ التنظير والشرعنة حتى لقتل السبط الشهيد عليه السلام  من قِبل المتطرِّفين وإلى يوم الناس هذا، وفي ذلك يقول الأُستاذ القاسم: «وفيما يتعلّق بقتل الحسين عليه السلام ، فإنّ القاضي أبو بكر بن العربي يفتري بكل الصراحة والجرأة قائلاً: إنّ الإمام الحسين عليه السلام  قد استحقّ القتل لخروجه عن طاعة وليّ الأمر يزيد؛ لأنّ خروجه كان على رأيه تفريقاً لكلمة المسلمين! وهذا النصّ الحرفي لِمَا قال: وما خرج أحدٌ لقتال الحسين إلّا بتأويل، ولا قاتلوه إلّا بما سمعوا من جدّه المهيمن على الرسل، المُخبِر بفساد الحال، المحذِّر من دخول الفتن، وأقواله في ذلك كثيرة، منها قوله صلى الله عليه وآله وسلم : إنّه ستكون هنات وهنات، فمن أراد أن يُفرِّق أَمْر هذه الأُمّة وهي جميع فاضربوه بالسيف كائناً مَن كان.. انتهى الحديث. فما خرج الناس [يقصد القتلة] إليه إلّا بهذا الحديث وأمثاله؛ بمعنى أنّ كلّ ما فعله يزيد وزبانيته في كربلاء كان مجرّد تطبيق لحكم الشرع على ضوء أحاديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم !! ولعلّ حُسن تطبيق يزيد للشرع هو الذي جعل محبّ الدين الخطيب أن يصفه بأنّه كان شخصاً لامعاً، ومكتمل المواهب، ومستكملاً للصفات اللائقة بمهمّة المركز الذي أراده الله له وهو الخلافة!!». اُنظر: القاسم، أسعد وحيد، أزمة الخلافة والإمامة وآثارها المعاصرة، المجموعة: من مؤلَّفات المستبصرين: ص288.

[37] اُنظر: البخاري، محمد بن إسماعيل، صحيح البخاري: ص1248.

[38] اُنظر: مالك، الموطأ: ج2، ص634.

[39] ابن عساكر، علي بن الحسن، تاريخ مدينة دمشق: ج26، ص197.

[40] ابن حنبل، أحمد، مسند أحمد: ج5، ص347.

[41] اُنظر: ابن كثير، إسماعيل، البداية والنهاية: ج8، ص250.  

[42] اُنظر: ابن الأثير، علي بن أبي الكرم، الكامل في التاريخ: ج3، ص510.

[43] اُنظر: ابن طاووس، علي بن موسى، اللهوف على قتلى الطفوف: ص18.

[44] المصدر السابق: ص 48.

[45] اُنظر: المقرَّم، عبد الرزاق، مقتل الحسين عليه السلام : ص335.

[46] المصدر السابق: ص331.

[47] اُنظر: ابن طاووس، علي بن موسى، اللهوف على قتلى الطفوف: ص69.

[48] المصدر السابق: ص72.

[49] المصدر السابق: ص73.

[50] قال الإمام الحسين عليه السلام : «أبغُوا لي ثوباً لا يُرغَب فيه أجعله تحت ثيابي؛ لئلّا أُجرَّد منه». فأُتي بتبّان. فقال: «لا، ذاك لباس مَن ضُرِبَت عليه الذّلة». فأخذ ثوباً خلقاً فخرقه وجعله تحت ثيابه فلمّا قُتِلَ عليه السلام  جرَّدوه منه. المصدر السابق: ص73.

[51] اُنظر: المقرَّم، عبد الرزاق، مقتل الحسين عليه السلام : ص347.

[52] المصدر السابق: ص369.

[53] الشعراء: آية 366.

 
 
البرمجة والتصميم بواسطة : MWD