1439 / محرم / 1  |  2017 / 09 / 22         الزيارات : 422682         صلاة الصبح |         صلاة الظهر والعصر |         صلاة المغرب والعشاء |

عناصر الانتصار الحسيني وتجلّياته في المجتمع الإسلامي

{ الشیخ لیث العتابی }
عناصر الانتصار الحسيني وتجلّياته في المجتمع الإسلامي

 

المقدّمة

 لقد جسّدت نهضة الإمام الحسين علیه السلام النموذج الأسمى في التضحية والجهاد والإصرار المبدئي، فعلى الرغم من كلّ الأوضاع الصعبة المضادّة، إلّا أنّها أصبحت القدوة الرائدة، والتجربة النقيّة، والينبوع المتفجّر في الروح الثورية الأصيلة، المصرّة على الفداء والتضحية، ولقد سجّل التاريخ البشري الكثير من انعكاساتها لا على المسلمين فحسب، بل حتى غيرهم من بني البشر. فالنهضة الحسينية منار للثوار منذ ثورة التوّابين، ومروراً بغاندي، وغيرهم ممَّن تأثّر بها، وإلى يومنا الحاضر، بل حتى في المستقبل الذي تتحقّق فيه الثورة المهدوية الكبرى رافعةً شعار: يا لثارات الحسين!

ونحن في هذه المقالة سوف نتناول أهمّ ثلاث نقاط في الثورة الحسينية المباركة وهي:

الأُولى: عوامل التكافؤ المعدوم بين المعسكرين.

الثانية: عوامل النصر في النهضة الحسينية بغض النظر عن الأمور المادية.

الثالثة: مظاهر ذلك النصر وتجلياته.

النقطة الأُولى: عوامل التكافؤ المعدوم

إنّ عدم التكافؤ في العُدّة والعدد بين طرفي الحرب في ملحمة كربلاء واضح جداً؛ فجيش يزيد بن معاوية كان أُلوفاً مؤلّفة[1]، بينما كان جيش الإمام الحسين علیه السلام أفراداً من أهل بيته وأصحابه. والتكافؤ عنصر ضروري ما بين الطرفين ـ سواء كان بينهما تقارب أم تنازع ـ ويتأكّد وجوده في النزاعات أكثر من أيِّ مكان أو وقت آخر.

وقد «تعدّدت تعريفات ونظريات وتجارب الحرب غير المتكافئة، فهي حرب تتعامل مع المجهول والمفاجآت، سواء فيما يتعلّق بغاياتها أو وسائلها، أو طرق شنّها، وكلّما ازداد عدم تكافؤ الخصم، كلّما أصبح من العسير التنبؤ بأفعاله...

ومن هنا؛ يمكن القول: إنّ التصدي لخصم غير متكافئ يستلزم عقيدة عسكرية تكفل طريقة للتفكير في عدم التكافؤ، وفلسفة عمليات لا تُغفِل ذلك النوع من عدم التكافؤ، وإنّما تأخذه في الحسبان جملةً وتفصيلاً»[2].

أمّا الإمام «الحسين كان وارث الإسلام، ووارث تلك الثورة التي فجّرها جدّه، وأوصلها أبوه وأخوه، لكنّ الحسين في المقابل لم يرث جيشاً ولا سلاحاً ولا ذهباً؛ وبالتالي لم يرث أيَّ قوة جبهوية تُذكر، ولا حتى مجموعة منظّمة!! وكان هذا يعني بادئ ذي بدء أنّ القيادة الحسينية التي آمنت بالنضال وأقرّته كقاعدة أساسية لوجودها، هذه القيادة كانت ـ ككلّ قائد أو إمام يؤمن بالنضال ـ غير حرّة في اختيار طريقة هذا النضال، وإنّما كان عليها أن تخضع للظروف التي تُحيط بها، والتي تفرض عليها شكلاً معيّناً من أشكال الحرب»[3].

كان الإمام الحسين علیه السلام يعلم بعدم التكافؤ، وأنّ الأعداء يفوقونه في العُدّة والعدد، وأنّ لديه في معسكره عناصر تُزيد من عنصر الهزيمة بالمعايير العسكرية، وهي: النساء والأطفال، فهم عنصر ضعف سواء أكان راغباً في الصلح والسلم أم عازماً على الحرب، ففي السلم ـ فيما لو أراد الإمام الحسين علیه السلام المصالحة ـ فإنّهم يشكّلون عليه ورقة ضغط أمام أعدائه؛ لإجباره على الموافقة بما يُمليه العدو من شروط، وكذلك الحال فيما لو أراد الحرب، فهم عنصر ضغط أيضاً؛ إذ يضطرّ صاحب العيال إلى وضع خطّة خاصّة للحرب تتلاءم مع وجود العيال معه، خصوصاً مع رفع الخصم لشعار: اقتلوهم ولا تُبقوا لأهل هذا البيت باقية. فلا بدّ أن يفكّر بما يجري على عياله فيما لو قُتل، فمصيرهم بعد الحرب مهم جدّاً، خصوصاً مع هكذا خصم هدفه القضاء على خصمه بشكل نهائي، وبشتّى الطرق.

لذا؛ يمكن إجمال عناصر عدم التكافؤ في واقعة كربلاء، وبالخصوص في المخيم الحسيني في الأُمور التالية:

1ـ العُدة القليلة في الرجال والسلاح.

2ـ وجود النساء والأطفال.

3ـ سيطرة العدو على الماء.

4ـ محاصرة المعسكر الحسيني من قِبل العدو، وسدّ جميع الطرق ومنعه من الماء أو الطعام أو السلاح أو الرجال، أو حتى لمـَن يريد الهرب مثلاً.

5ـ عدم الأهلية العسكرية لدى بعض مقاتلي المخيم الحسيني؛ إذ فيهم مَن هو صغير في السن على القتال، بل فيهم مَن هو شيخ كبير جدّاً لا يتلاءم عمره ومحاربة جيش كبير في العُدَّة والعدد.

6ـ تضمّن المخيم الحسيني لأساس سلالة المعصومين، وحامل علم رسول الله صلى الله عليه وآله، وهو الإمام الحسين علیه السلام وجميع وُلده، فلو قُضي عليه وعلى أولاده جميعاً لانقطع النسل المحمّدي وانقطعت العصمة، ولخلت الأرض من آل الرسول وحملة العلم الإلهي، وخلفاء الله في أرضه.

وإحدى هذه الحجج كافية لأن يمتنع أيّ شخص عن مواصلة الحرب والجهاد، فكيف إن اجتمعت كلّها؟!

لكنّ الإمام الحسين علیه السلام لم يجعل من هذه الحجج مسوّغاً، وكان شعاره في ذلك: إنّ مَن يخرج لتحرير الأُمة، أو لردع الظالم، أو استرجاع حقّه وحقّ الأُمّة التي يقودها، أو إرساء العدل، أو نصرة الدين؛ فإنّ عليه أن لا يتحجّج بشيء أبداً.

 فكل ذلك غير مقبول ساعة الحقيقة، وفي ساحة الاختبار الأكبر فـ«لقد أدّى الحسين علیه السلام رسالته في أحلك الظروف؛ كي لا يبقى لأحد عذرٌ إن قست عليه الظروف»[4].

فأراد الإمام الحسين علیه السلام من خلال ملحمة الطف إعطاء درس متكامل في المبادئ، والقيم الدينية والأخلاقية والإنسانية لكلّ بني البشر؛ حتى لا يبقى لأحد من عذر يتحجّج به باسم عوامل الضغط وغيرها، فالقائد والمصلح يضحّي بكلّ ما يملك في سبيل إقامة أُسس العدل والخير، وليس شرطاً أن يبقى هذا القائد حيّاً بعد الثورة، وليس شرطاً اعتبار بقائه حيّاً في تحقّق النصر، بل ربّما يكون موته فاتحة للنصر الأكبر، كما في الثورة الحسينية التي لا عذر فيها لِـمَن يتحجّج، فليس المتحجّج بأفضل من الإمام الحسين علیه السلام، ولا عياله بأفضل من عيال الإمام علیه السلام، ولا مكانته وشأنه أفضل من شأن الإمام علیه السلام، ولا بقاؤه حياًّ أفضل من بقاء الإمام علیه السلام.

إنّ ما فعله الإمام الحسين علیه السلام يدحض النظرية القائلة: إنّه علیه السلام أراد بثورته طلب السلطان.

بل إنّ قائد الثورة يسير نحو الموت، وأنّ ثورته لن تنتصر بحسب المقاييس العسكرية، بل هي حركة فدائية تضحويّة، وهناك شواهد كثيرة نذكر بعضاً منها على سبيل المثال:

1ـ قول الإمام الحسين علیه السلام لأخيه عمر الأطرف: «حدّثني أبي أنّ رسول الله أخبره بقتله وقتلي، وإنّ تربته تكون بالقرب من تربتي، أتظنّ أنّك علمت ما لم أعلمه؟! وإنّي لا أُعطي الدنية من نفسي أبداً، ولتلقينَّ فاطمة أباها شاكية ممّا لقيت ذريّتها من أُمّته، ولا يدخل الجنة مَن آذاها في ذريتها»[5].

2ـ قول الإمام الحسين علیه السلام لأُمّ سلمة ـ بعد أن أخبرته بقتله وخبر القارورة ـ: «يا أُمّاه، وأنا أعلم أنّي مقتول مذبوح ظلماً وعدواناً، وقد شاء} أن يرى حرمي ورهطي مشرّدين، وأطفالي مذبوحين مأسورين مقيَّدين، وهم يستغيثون فلا يجدون ناصراً...»[6].

3ـ قوله علیه السلام لعبد الله بن عمر: «يا عبد الله، إنّ من هوان الدنيا على الله أنّ رأس يحيى بن زكريا يُهدى إلى بغيٍّ من بغايا بني إسرائيل، وأنّ رأسي يُهدى إلى بغيٍّ من بغايا بني أُميّة...»[7].

4ـ خطبته علیه السلام في مكة التي قال فيها: «...خُطَّ الموت على وُلد آدم مخطّ القلادة على جيد الفتاة، وما أولهني إلى أسلافي اشتياق يعقوب إلى يوسف، وخير لي مصرعٌ أنا لاقيه، كأنّي بأوصالي تقطّعها عسلان الفلاة، بين النواويس وكربلا؛ فيملأنّ منّي أكراشاً جوفاً، وأجربةً سغباً، ولا محيص عن يوم خُطّ بالقلم... ألا مَن كان فينا باذلاً مهجته، موطّناً على لقاء الله نفسه، فليرحل معنا، فإنّي راحلٌ مصبحاً إن شاء الله تعالى»[8].

5ـ قوله علیه السلام لأخيه محمد بن الحنفية ـ لما رأى عزمه على ردّه ومنعه من الخروج ـ: «..أتاني رسول الله صلى الله عليه وآله، وقال: يا حسين، اخرج، فإنّ الله تعالى شاء أن يراك قتيلاً... [ولما سأله محمد بن الحنفية عن سبب حمل العيال معه قال علیه السلام:] قد شاء الله أن يراهنَّ سبايا»[9].

6ـ قوله علیه السلام لعبد الله ابن عباس ـ لـمّا أراد منعه عن المسيرـ: «والله، لا يدعوني حتى يستخرجوا هذه العلقة من جوفي...»[10].

7ـ قوله علیه السلام في الرهيمة لأبي هرم: «... وايمُ الله، ليقتلوني، ثمّ ليُلبسنّهم الله ذلّاً شاملاً، وسيفاً قاطعاً، وليسلطنَّ عليهم مَن يذلهّم»[11]. وغير ذلك من الشواهد الكثيرة.

وجوه النصر وأنواعه

نظراً للوعد الإلهي القاطع نجد أنّ نصر الآخرة متحقِّق لا محالة وذلك في قوله تعالى: ﴿ إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ[12]، لكن كيف يكون النصر في الدنيا ونحن نقرأ عمّا لاقاه الأنبياء والرسل عليهم السلام: من قتل وتهجير وتكذيب وتعذيب واضطهاد، فكيف يكون هذا النصر الدنيوي؟

لابدّ أن نفهم أنّ لتحقّق النصر وجوهاً عديدة، أهمّها:

1ـ النصر عن طريق الغلبة المباشرة لأنبياء الله ورسله عليهم السلام وأوليائه الصالحين، كما حصل مع نبي الله داود علیه السلام على سبيل المثال، كما في قوله تعالى: ﴿ وَآتَاهُ اللَّـهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ[13]. وكذلك نبي الله سليمان علیه السلام[14]، ونبي الله موسى علیه السلام[15]، ونبيّنا الأكرم محمد صلى الله عليه وآله، فقد قال له تعالى تعبيراً عن النصر: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا [16].

2ـ النصر عن طريق إهلاك مَن كذَّب الأنبياء والرسل عليهم السلام، كما في قصة النبي نوح علیه السلام: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ * فَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُّنْهَمِرٍ * وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَىٰ أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ * وَحَمَلْنَاهُ عَلَىٰ ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ * تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِّمَن كَانَ كُفِرَ * وَلَقَد تَّرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ * فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ * وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ ﴾[17].

وقصة النبي هود علیه السلام: ﴿فَأَنجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا ۖوَمَا كَانُوا مُؤْمِنِينَ ﴾[18]، وغيرهما من الأنبياء عليهم السلام، ويمكن مراجعة قصصهم في الآيات القرآنية، والتفاسير المعتبرة؛ لمعرفة حقيقة النصر المتحقّق لهم عليهم السلام.

3ـ النصر بانتقام الله تعالى من أعداء الأنبياء والرسل عليهم السلام، كما حدث مع مَن قتل النبي يحيى علیه السلام، والنبي شعيباً علیه السلام، ومَن حاول قتل نبي الله عيسى علیه السلام.

4ـ النصر الحقيقي في الثبات على المبدأ، حيث يتحقّق النصر بالبقاء على المبدأ والإيمان به، وقوة الحجّة، وصحّة البرهان، فلا يرى عدّوه بُدّاً من قتله والتخلّص منه؛ فيؤدّي ذلك إلى فشل وخزي الطرف المقابل، وهو دليل ضعفه وسقم حجّته: قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ * فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ [19].

هذه وأشياء أُخر هي في الحقيقة وجوه للنصر، وحقائق نابعة عنه.

كربلاء والتعريف بحقيقة النصر

علَّمتنا ملحمة كربلاء أنّ الإمام الحسين علیه السلام وأصحابه لم يكونوا يرون أنّ كلّ انتصار هو انتصارٌ حقيقي، ويصحّ أطلاق كلمة النصر عليه، بل الانتصار الحقيقي هو الذي يتحقّق بالطرق المشروعة، والمنازلة الشريفة، فهذا مسلم بن عقيل عليه السلام امتنع عن قتل عبيد الله بن زياد غيلةً، مع إمكان ذلك، لكنّه لم يفعل؛ مستنداً إلى قول رسول الله صلى الله عليه وآله: «إنّ الإيمان قيد الفتك»[20]. فأين مدرسة الإمام الحسين علیه السلام من مدرسة مكيافيلي[21] صاحب شعار: الغاية تبرّر الوسيلة. وبالتالي؛ فإنّ أيّ طريق يحقّق النصر هو حلال ومسموح به، ولازمٌ اتّباعه.

إنّ مدرسة الإمام الحسين علیه السلام هي مدرسة علي بن أبي طالب علیه السلام، الذي يقول: «الغالب بالشرّ مغلوب»[22]. إذن؛ أصبح مفهوماً لدينا معنى كلمة الإمام الحسين علیه السلام: «...وأسير بسيرة جدّي، وأبي علي بن أبي طالب...»[23].

النقطة الثانية: عوامل النصر في النهضة الحسينية

إنّ النهضة الحسينية المباركة كانت تحمل في أحشائها أجنّة النصر وعوامله، التي ساعدت في تحقّقه على أرض الواقع، ومن أهمّ هذه العوامل:

1ـ الثبات الحسيني المنقطع النظير

وهو ما عبّر عنه عبد الله بن عمار بن يغوث في وصفه لحال الإمام الحسين علیه السلام في ساحة المعركة: «ما رأيت مكثوراً قط، قد قُتل وُلْده وأهل بيته وصحبه أربط جأشاً منه، ولا أمضى جناناً، ولا أجرأ مقدماً، ولقد كانت الرجال تنكشف بين يديه إذا شدّ فيها، ولم يثبت له أحد»[24].

وكما قال المؤرّخ الأمريكي واشنطن أيروينغ[25]: «كان بميسور الإمام الحسين النجاة بنفسه عبر الاستسلام لإرادة يزيد، إلّا أنّ رسالة القائد الذي كان سبباً لانبثاق الثورات في الإسلام لم تكن تسمح له الاعتراف بيزيد خليفة، بل وطّن نفسه لتحمّل كلّ الضغوط والمآسي لأجل إنقاذ الإسلام من مخالب بني أُميّة، وبقيت روح الحسين خالدة، بينما سقط جسمه على الرمضاء اللاهبة. أيّها البطل، ويا أُسوة الشجاعة، ويا أيّها الفارس يا حسين»[26].

2ـ خوف الأعداء من الإمام الحسين علیه السلام

لقد كانت ترتعد فرائصهم خوفاً وفرقاً من شجاعته وبسالته، وكانوا لا يواجهونه رجلاً لرجل، بل يفرّون من أمامه فرار المعزى إن شدّ عليها الذئب، وكان عمر بن سعد يقول لجيشه: «ويحكم، اهجموا عليه ما دام مشغولاً بنفسه وحرمه، والله، إن فرغ لكم لا تمتاز ميمنتكم عن ميسرتكم»[27].

وقول السيدة زينب عليها السلام لِـمَن قال في مجلس ابن زياد: إنّ الحسين جاء في نفر من أصحابه وعترته، فهجمنا عليهم، وكان يلوذ بعضهم بالبعض، فلم تمضِ ساعة إلّا قتلناهم عن آخرهم. فكان جواب السيدة زينب عليها السلام: «ثكلتك الثواكل أيّها الكذّاب، إنّ سيف أخي الحسين لم يترك في الكوفة بيتاً إلّا وفيه باكٍ وباكية، ونائح ونائحة»[28].

3ـ إيمان أصحاب الحسين علیه السلام وشجاعتهم

من أكبر عوامل النصر ـ النفسية والحقيقية ـ هو اليقين الثابت والإيمان الصلب الموجود في معسكر الإمام الحسين علیه السلام، الذي جعلهم يضحكون ويستبشرون بالشهادة، وهذا ما نجده حين يلاطف برير بن خضير عبد الرحمن الأنصاري، فيقول له عبد الرحمن: «ما هذه ساعة باطل؟ فقال برير: لقد علم قومي ما أحببت الباطل كهلاً ولا شابّاً، ولكنّي مستبشر بما نحن لاقون، والله، ما بيننا وبين الحور العين إلّا أن يميل علينا هؤلاء بأسيافهم، ولوددت أنّهم مالوا علينا الساعة» [29].

«وخرج حبيب بن مظاهر يضحك، فقال له يزيد بن الحصين الهمداني: ما هذه ساعة ضحك! قال حبيب: وأيّ موضع أحقّ بالسرور من هذا؟! ما هو إلّا أن يميل علينا هؤلاء بأسيافهم فنعانق الحور»[30].

ويقول الكاتب والمفكِّر والمستشرق الإنكليزي توماس كارلايل[31]: «أسمى درس نتعلَّمه من مأساة كربلاء هو أنّ الحسين وأنصاره كان لهم إيمان راسخ بالله، وقد أثبتوا فعلاً بعملهم ذاك أن التفوّق العددي لا أهمية له وقت المواجهة بين الحقّ والباطل، والذي أثار دهشتي هو انتصار الحسين رغم قلّة الفئة التي كانت معه»[32].

لقد كان أصحاب الإمام علیه السلام على قدر كبير من الشجاعة والإقدام، وقد أفصح عمرو بن الحجاج عن حقيقة شجاعتهم، وعزمهم على الموت؛ إذ يقول لأصحابه محرّضاً: «أتدرون مَن تقاتلون؟ تقاتلون فرسان المصر، وأهل البصائر، وقوماً مستميتين، لا يبرز إليهم أحدٌ منكم إلّا قتلوه على قلّتهم...»[33].

وقيل لرجل شهد الطف مع عمر بن سعد: «ويحك! أقتلتم ذريَّة الرسول؟! فقال: عضضت بالجندل، إنّك لو شهدت ما شهدنا لفعلتَ ما فعلنا، ثارت علينا عصابة أيديهم على مقابض سيوفهم كالأُسود الضارية، تحطّم الفرسان يميناً وشمالاً، تُلقي نفسها على الموت، لا تقبل الأمان ولا ترغب في المال، ولا يحول حائل بينها وبين المنيّة أو الاستيلاء على الملك، فلو كففنا عنها رويداً لأتت على نفوس العسكر بحذافيرها، فما كنّا فاعلين لا أُمّ لك؟!»[34].

ومن أدلّة النصر التي كانت للحقّ يوم كربلاء هو طلب عزرة بن قيس المدد[35]، وهو على الخيل التي كانت في جند عمر بن سعد؛ وذلك حين رأى الوهن بادياً في أصحابه، فأمدّه بالحصين بن نمير مع خمسمائة من الرماة[36].

وكان معسكر الإمام الحسين علیه السلام يطغى عليه التعبّد والتبتّل، والصلاة والتهجّد، بينما معسكر عمر بن سعد؛ معسكر واجم، مظلم، غارق بالذنوب، ويتّصف أصحابه بسواد القلوب، مع سواد الوجوه والنيِّات.

ولقد أثّر معسكر الإمام الحسين علیه السلام في أصحاب عمر بن سعد؛ فخرج بعض منهم والتحق[37] بمعسكر الحسين علیه السلام لمّا شاهد سيماء الطاعة والخضوع لله تعالى عليه. وفعلاً فقد بشّرهم الإمام الحسين علیه السلام بالجنة في يوم العاشر من محرم، فلمّا فرغ علیه السلام من صلاة الظهر من ذلك اليوم، قال لأصحابه: «يا كرام، هذه الجنة قد فتحت أبوابها، واتصلت أنهارها، وأينعت ثمارها، وزُيِّنت قصورها، وتؤلّفت ولدانها وحورها، وهذا رسول الله صلى الله عليه وآله والشهداء الذين قُتلوا معه، وأبي وأُمي، يتوقّعون قدومكم عليهم، ويتباشرون بكم، وهم مشتاقون إليكم...»[38].

وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله في كلامه مع أبي ذر الغفاري في وصف معسكر الإمام الحسين علیه السلام ومكانتهم السامية: «... واعلم يا أبا ذر، أنّ للواحد منهم سبعين بدريّاً، يا أبا ذر، واحدٌ منهم أكرم على الله من كلّ شيء خلق الله على وجه الأرض... »[39].

وقال عنهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب علیه السلام: «...لا يسبقهم مَن كان قبلهم، ولا يلحقهم مَن كان بعدهم»[40].

4ـ علنية النهضة الحسينية وعدم سرّيتها

ومن الأُمور التي أسهمت في أن تحقّق النهضة الحسينية أهدافها، وتنتصر على مناوئيها، هو أنّها كانت ثورة واضحة الأهداف، علنيّة المقاصد، وليس فيها غموض أو سرِّية، يجعلها عرضة للشك والريبة، فقد أبدى الإمام الحسين علیه السلام امتعاضه علناً من الحكم الأُموي الجائر من أيام معاوية، وتركّز هذا الامتعاض وعدم القبول عند تولّي يزيد للعرش، فأظهر معارضته العلنية لذلك، وكذلك كان خروجه علنيّاً، وهذا ما أكّده عندما لزم الطريق الأعظم، وقال لّما نصحه البعض بالتنكّب عنه: «لا والله، لا أُفارقه حتى يقضي الله ما هو قاضٍ»[41]. وهنا سؤال قد يطرح: لماذا لزم الإمام الحسين علیه السلام الطريق الأعظم؟

والجواب: هناك عدّة أسباب منها:

أ يستلزم من ذلك أنّه علیه السلام ليس طالب مُلك، ولو كان كذلك لخرج بسرّية تامّة لتحقيق ما يريده.

ب لكي يُعلِن للملأ أنّ خروجه علنيّ، فلا يتحجّج مَن يريد التحجّج من جميع المسلمين في جميع الأمصار الإسلامية ـ وبالخصوص المدينة ومكة والبصرة والكوفة والشام ـ بأنّه لا يعلم ولم يعلم بخروج الإمام، ولو علم لبادر لنصرته!

ج التحدّي الواضح والعلني للسلطة الحاكمة، وأنّ طالب الحقّ لا يخاف في الله لومة لائم.

يقول علي شريعتي: «وقبل أن يغادر الحسين المدينة أعلن أهدافه من هذا الخروج وهي: السيرة بسيرة جدّه وأبيه والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

ثمّ يطوي مسافة ستمائة كيلو متر بين مكة والمدينة بشكل علني هو وأهل بيته، وهو إذ يصل مكة يُعلِن على مسمع من جموع الحجّ المتوافدة من الربوع الإسلامية أنّه ماضٍ إلى الموت»[42]. ولكنّه الموت الذي سيؤدي إلى النصر المحقّق والأبدي.

5ـ عالمية الثورة الحسينية وإنسانيتها

من أهمّ سمات النهضة الحسينية وعوامل انتصارها هو أنّها لم تكن محدودة الأهداف أو مقتصرة على فئة معيّنة؛ فقد جاءت لتعلن انتصارها للإنسانية المسلوبة وإرجاع الحقوق الضائعة جرّاء التمييز والطبقية؛ فجيش الإمام الحسين علیه السلام رغم قلّته فقد تجسّدت فيه الإنسانية والعالمية؛ إذ نجد فيه الحبشي الأسود، والتركي، والنصراني، فهو جيش الإنسانية يحارب جيش الشياطين.

وتمثّلت عالمية الثورة الحسينية من خلال تأثّر الكثير بهذه الثورة من غير الشيعة، بل من غير المسلمين من أهل الديانات الأُخرى في العالم، والشاهد على ذلك المقالات والأقوال التي ذكرناها وسنذكرها في طيّات البحث، استشهاداً واستطراداً وتأييداً لذلك.

كما أنّ عالميتها واضحة من جانب آخر، ألا وهو عالمية الرسالة الإسلامية التي جاء بها النبي محمد صلى الله عليه وآله، وبالتالي عالمية رسالة الأئمة عليهم السلام، ومنهم الإمام الحسين علیه السلام؛ لذا فإنّ مَن يريد اختزال القضية الحسينية وحصرها بشعب معيَّن، أو طائفة معيَّنة، فهو مخطئ، يحتاج إلى إعادة النظر في كلّ منظومته المعرفية.

فالقضية الحسينية انطلقت وفق أهداف إنسانية بحتة، هدفها تحرير الإنسانية جمعاء بما تحمله من أهداف وقيم وتضحيات ونماذج مشرّفة، فهي قضية عامّة لكلّ بني الإنسان لا تختصّ بفئة معيّنة من الناس، ولا بمكان معيّن من الأرض، وهذا الأمر يتّضح عبر شعارات النهضة، وأقوال قائدها: «... ألا وإنّ الدعي ابن الدعي قد ركز بين اثنتين، بين السلّة والذلّة، وهيهات منّا الذلّة، يأبى الله لنا ذلك ورسوله والمؤمنون، وحجورٌ طابت وطهرت، وأنوفٌ حميّة، ونفوسٌ أبيّة من أن نُؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام، ألا وإنّي زاحف بهذه الأُسرة على قلّة العدد، وخذلان الناصر...»[43].

وقوله علیه السلام: «فإنّي لا أرى الموت إلّا سعادة، والحياة مع الظالمين إلّا برماً»[44].

وكذلك قوله علیه السلام: «والله، لا أُعطيكم بيدي إعطاء الذليل، ولا أُقرُّ لكم إقرار العبيد»[45].

وكلّها مبادئ وشعارات يتمسّك بها جميع الأحرار والثوار أُسوة بالإمام الحسين علیه السلام.

6ـ الدور الإعلامي لأسرى الطفّ

ومن بين العوامل المساعدة في انتصار الثورة الحسينية ووصولها إلى غاياتها، هو الدور الإعلامي الكبير لأسرى كربلاء من أهل البيت عليهم السلام في فضح الحكومة الأُموية الظالمة، فقد استفادوا من فرصة أسرهم وانتقالهم من بلدٍ إلى بلد في ذلك، فكان لهذا الدور الأثر الكبير؛ بأن اتضحت للناس شرعية الثورة الحسينية، وحقيقة الدولة الأُموية، فهذه الدولة التي قتلت ابن بنت النبي صلى الله عليه وآله وأنصاره ـ ومعهم من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله، وأصحاب الإمام علي علیه السلام ـ ومنعتْ الماء عن أهل بيت النبوّة، وقتلت الأطفال الرضّع، ومثّلت بالأجساد وسلبتها، وقطعت الرؤوس، وحملتها على الرماح، حتى رؤوس الأطفال و...، فوقف هذا الإعلام الحقيقي أمام الإعلام الكاذب والمضادّ، فكان صراع بين الحقيقة الشاخصة والادعاءات الباطلة الواهمة.

إنّ هذا الدور الإعلامي كان مكمّلاً للدور العسكري الذي قام به الإمام الحسين علیه السلام، فإن كانت الثورة الحسينية قد خُنقت وأُسكتت في ساحة المعركة، إلّا أنّ المعركة الإعلامية لا يمكن إسكاتها ولا خنقها، وأنّ شعار: لا تُبقوا لأهل هذا البيت باقية، كان هدفه القضاء عليهم عسكرياً وإعلامياً، لكنّ مشيئة الله تعالى جرت على غير ذلك.

وكان لخطبة الإمام علي بن الحسين زين العابدين علیه السلام، في مجلس يزيد في الشام، تأثيرها في تأليب الرأي العام عليه؛ ممّا اضطرّه لإخراجهم من الشام وإعادتهم خوفاً على سلطانه.

وصوت السيدة زينب عليها السلام في الكوفة كان ناطقاً بالحقّ، يقول بشر بن خزيم الأسدي[46] عن السيدة زينب ودورها وخطبتها في الكوفة، تلك الخطبة المدوّية: «ونظرتُ إلى زينب بنت علي يومئذٍ، فلم أرَ خفرة قط أنطق منها، كأنّما تنطق عن لسان أمير المؤمنين»[47].

 وقال عنها عبيد الله بن زياد ـ بعد أن أفحمته وأخزته ـ: «لعمري، إنّها لسجّاعة، ولقد كان أبوها أسجع منها»[48].

ومن كلامها في الشام مخاطبة يزيد: «...فو الله، لا تمحو ذكرنا، ولا تُميت وحينا، ولا تدرك أمدنا، ولا ترحض[49] عنك عارها، ولا تغيب منك شنارها...»[50].

وكذلك لها دورها لمّا رجعت إلى المدينة المنورة، فقد كتب عمر بن سعيد الأشدق ـ والي يزيد بن معاوية على المدينة ـ إلى يزيد، بشأن السيدة زينب عليها السلام ونشاطها ودورها في المدينة: «إنّ وجودها بين أهل المدينة مهيّج للخواطر، وإنّها فصيحة، عاقلة، لبيبة، وقد عزمت هي ومَن معها على القيام للأخذ بثأر الحسين»[51].

إنّ الإمام الحسين علیه السلام وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة، كان قلبه مطمئنّاً بأنّ أُخته زينب بنت علي بن أبي طالب علیه السلام ستُكمل الطريق، وستحمل الراية من بعده، لتنصبها في أرجاء المعمورة؛ ليكون اسم الحسين علیه السلام مناراً خفّاقاً، وشعاراً إلهياً عاماً وشاملاً، وأملاً لكلّ المستضعفين في الأرض، ولكلّ الأحرار في الدنيا.

ما تقدّم يمثّل أهم عوامل انتصار النهضة الحسينية، وفيما يأتي نعرض لأهمّ وأوضح مظاهر وتجلّيات هذا النصر على المستوى القريب والبعيد.

النقطة الثالثة: مظاهر النصر المتحقّقة للنهضة الحسينية

لقد أتت النهضة الحسينية أُكلها، وحقّقت أهدافها بالنصر المؤزَّر على كلّ ألوان الظلم والباطل، وتمظهر هذا النصر بمظاهر وأشكال متعدّدة، نذكر منها:

أولاً: حفظ الدين

إنّ حفظ الدين هو النصر الأكبر، فقد قال إبراهيم بن طلحة للإمام السجاد علیه السلام: «يا علي بن الحسين، مَن غلب؟». فقال له الإمام السجاد علیه السلام: «إذا أردت أن تعلم مَن غلب، ودخل وقت الصلاة، فأذِّن ثمّ أقِم»[52]. ويقول علي شلق[53]: «بقي الحسين بن علي يُذكر حيّاً، نَضِراً، فوّاحاً، كلّما ذُكر محمد وآل محمد، ورسالة محمد صلى الله عليه وآله، في كلّ صلاة، وفي كلّ تسليم»[54].

فقد حافظت الثورة الحسينية على الدين وعلى الصلاة التي هي عمود الدين، والتي أرادت طغمة بني أُميّة محوها، ويكفيك ما قاله أبو سفيان: «تلاقفوها يا بني أُميّة؛ فإنّه الملك، ولا جنّة ولا نار»[55]. وبالتالي؛ لا دين ولا صلاة. وما عقّب معاوية بن أبي سفيان، لمّا سمع المؤذِّن يقول: أشهد أنّ محمداً رسول الله، بقوله: إلّا دفناً دفناً[56]. أي أنّه سوف يسعى لدفن هذا الدين، بدفن الأذان ودفن الصلاة، ودفن ذكر محمد صلى الله عليه وآله، بل دفنه بدفن آل بيته عليهم السلام.

وكذلك ما فعله من سبّه ولعنه للإمام علي علیه السلام على المنابر علناً، وكما يقول الدكتور سعيد عبد الفتاح عاشور المصري[57]: «وكلّنا نعلم ماذا كان يقول زياد ابن أبيه وغير زياد من سباب، هو في حقيقة الأمر ليس موجّهاً إلى علي بقدر ما هو موجّه إلى المسلمين كافّة، وإلى نبيّ المسلمين، إلى رسول الله صلى الله عليه وآله...»[58].

فالنهضة الحسينية لها الأثر البالغ في التعريف بالدين على حقيقته، وإيضاح معالمه، ورفع الشكّ والارتياب والحيرة عنه، فنقرأ في زيارته علیه السلام: «...فأعذر في الدعاء، وبذل مهجته فيك، ليستنقذ عبادك من الضلالة والجهالة، والعمى والشك والارتياب إلى باب الهدى من الردى»[59]. ويقول الشيخ محمد عبده: «لولا الإمام الحسين لما بقي لهذا الدين من أثر»[60]. وتقول الكاتبة الإنكليزية فريا ستارك[61]: «إن كان الحسين قد حارب من أجل أهداف دنيوية، فإنّني لا أدرك لماذا اصطحب معه النساء والصبية؟ إذن؛ فالعقل يحكم أنّه ضحى فقط لأجل الإسلام»[62].

ولعلّ هذا هو الفتح الذي عبّر عنه الإمام الحسين علیه السلام في كتابه إلى بني هاشم في المدينة، الذي قال فيه: «بسم الله الرحمن الرحيم، من الحسين بن علي إلى محمد بن علي ومَن قبله من بني هاشم، أمّا بعد، فإنّ مَن لحق بي استُشهد، ومَن لم يلحق بي لم يُدرك الفتح»[63].

فهو فتح للدين وللدعوة الإسلامية التي أراد بنو أُميّة ذبحها وإنهاء وجودها، لكنّ الإمام الحسين علیه السلام فتح الدين ونشره من جديد[64]، كما فعل جدّه المصطفى صلى الله عليه وآله، فهو علیه السلام يقول في دعائه يوم عاشوراء: «اللهم، إن كنتَ حبست عنّا النصر، فاجعل ذلك لما هو خير في العاقبة، وانتقم لنا من القوم الظالمين»[65].

وقال المستشرق الفرنسي لويس ماسينيون[66]: «أخذ الحسين على عاتقه مصير الروح الإسلامية، وقُتل في سبيل العدل بكربلاء»[67].

ثانياً: بوادر النصر الأُولى للنهضة الحسينية

لقد لاحت بوادر انتصار الثورة الحسينية في وقت مبكّر جدّاً، فما أن أُسدِل الستار على الجريمة النكراء ظُهر عاشوراء، وتحرّك الركب المفجوع، حتى بدأت الأُمور تتغير وتتّجه في صالح الثورة، ومن الدلائل على ذلك تعاطف الناس الكبير مع السبايا عندما مرّوا بالكوفة، وغيرها من المدن الأُخرى، وكذلك امتناع الكثير من أهل البلدان والأماكن التي مرَّ بها الركب الحسيني عن استقبال قتلة ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وآله[68].

وأيضاً إسلام الراهب اليهودي[69] ببركة الرأس الشريف، ولربّما ذكرت المصادر أكثر من واحد من اليهود والنصارى أسلم بسبب كرامات الرأس الشريف[70].

وتسمية أكثر من مكان في طريق السبايا باسم الحسين علیه السلام وبمَن مرَّ به، وكل ذلك تبرّكاً به، والمتتبّع لذلك يجد هذه الآثار والمقامات باقيةً إلى زماننا هذا، كمسجد النقطة، ومسجد الرأس، ومقام السقط، وغيرها على طول الطريق إلى الشام[71].

ولا ننسى المصير الأسود والجزاء العادل الذي لاقاه قتلة الإمام الحسين علیه السلام، يقول ابن كثير: «وأمّا ما رُوي من الأحاديث والفتن التي أصابت من قتله فأكثرها صحيح، فإنّه قلَّ مَن نجا من أولئك الذين قتلوه من آفة أو عاهة في الدنيا، فلم يخرج منها حتى أُصيب بمرض، وأكثرهم أصابهم الجنون»[72]. كلّ ذلك شكل من أشكال النصر لهذه الثلّة المباركة.

ثالثاً: النصر الحسيني يتحقّق داخل البلاط الأُموي

لقد انتصر الإمام الحسين علیه السلام على قتلته من بني أُميّة ـ وعلى رأسهم يزيد ـ في عقر دارهم، وذلك من خلال ما واجهوه من اعتراض واستياء من قبل أعوانهم ومقرَّبيهم، ومن الأمثلة على ذلك:

أ اعتراض عبد الرحمن بن الحكم بن أبي العاص ـ الأُموي أخي مروان بن الحكم ـ عندما شاهد قافلة الأسرى ومعها رؤوس الشهداء من أهل بيت النبوّة في مجلس يزيد، فقال: «حجبتم عن محمد يوم القيامة، وإنّي لن أُجامعكم على أمرٍ أبداً»[73].

و قال أيضاً:

لهامٌ بجنــب الطــفّ أدنى قرابةً               من ابن زياد العبد ذي الحسب الوغلِ

سميّة أمسى نسلها عدد الحصـى              وبنت رسول الله أمست بلا نســلِ[74]

وروي أن يزيد نظر إلى عبد الرحمن بن الحكم، وقال: «سبحان الله! أفي هذا الموضع تقول ذلك، أما يسعك السكوت؟!»[75]. وروى أبو الفرج الأصفهاني: «إنّ يزيد صاح به: اسكت يا بن الحمقاء، ما أنت وهذا؟!»[76].

ب موقف هند بنت عبد الله بن عامر بن كريز زوجة يزيد بن معاوية، والتي حين رأت رأس الحسين علیه السلام خرجت حاسرة، فوثبت على يزيد وقالت: «أرأس ابن فاطمة مصلوب على باب داري؟!...»[77]. فقد ذكر أرباب التاريخ والسير بأنّه قد أُقيم مأتم للإمام الحسين علیه السلام في بيت يزيد، رغماً عنه ولثلاثة أيام[78].

ج موقف معاوية بن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان، فقد صرّح على منبر الشام ـ مركز الخلافة الأُموية ـ بذمّ أبيه يزيد وجدّه معاوية، وأعطى الحقّ للأمام الحسين وعلي بن أبي طالب علیهما السلام، فهو لمّا خلع نفسه صعد المنبر، وقال فيما قال: «... يا أيّها الناس، ما أنا بالراغب في الائتمار عليكم لعظيم ما أكرهه منكم، وأنّي لأعلم أنّكم تكرهوننا أيضاً... إلّا أنّ جدّي معاوية قد نازع في هذا الأمر مَن كان أولى به منه ومن غيره؛ لقرابته من رسول الله صلى الله عليه وآله، وعظم فضله وسابقته، أعظم المهاجرين قدراً، وأشجعهم قلباً، وأكثرهم علماً، وأوّلهم إيماناً، وأشرفهم منزلة، وأقدمهم صحبة، ابن عمّ رسول الله صلى الله عليه وآله، وصهره وأخوه، زوّجه صلى الله عليه وآله ابنته فاطمة... ثمّ انتقلت الخلافة إلى يزيد أبي، فتقلّد أمركم لهوًى كان أبوه فيه، ولقد كان أبي يزيد ـ بسوء فعله، وإسرافه على نفسه ـ غير خليقٍ بالخلافة على أُمّة محمد  صلى الله عليه وآله، فركب هواه، واستحسن خطاه، وأقدم على ما أقدم من جرأته على الله، وبغيه على مَن استحلّ حرمته من أولاد رسول الله صلى الله عليه وآله، فقلّت مدّته، وانقطع أثره، وضاجع عمله، وصار حليف حفرته، رهين خطيئته، وبقيت أوزاره وتبعاته...»[79].

ثمّ إنّ بني أُميّة قالوا لمؤدِّبه عمر المقصوص: «أنت علّمته هذا ولقّنته إيّاه، وصددته عن الخلافة، وزيّنت له حبّ علي وأولاده... وأخذوه ودفنوه حيّاً حتى مات»[80].

وكذلك امتدّ هذا التيار ليشمل أُسرة ابن زياد المعروفة بالفسق والفجور، والهمجية وسفك الدماء، فنجد أنّ أخا عبيد الله ـ وهو عثمان بن زياد ـ يعترض عليه ويقول: «والله، لوددت أنّه ليس من بني زياد رجل إلّا وفي أنفه خزامة إلى يوم القيامة، وإنّ حسيناً لم يُقتل»[81].

د مرجانة أُمّ عبيد الله مع خبثها وفجورها، قالت له: «يا خبيث، قتلت ابن رسول الله، لا ترى الجنة أبداً»[82]. مضافاً للاعتراضات التي صدرت على مَن اشترك بقتل الإمام الحسين علیه السلام، من أمثال؛ زوجة خولي، وزوجة كعب بن جابر، وغيرهم.

رابعاً: كشف الظاهرة الأُموية ومحاربتها

كانت الظاهرة الأُموية من أخطر الظواهر على الدين الإسلامي، والتي حذَّر منها النبي محمد صلى الله عليه وآله؛ إذ قال: «إنّ أهل بيتي سيلقون من بعدي من أُمّتي قتلاً وتشريداً، وإنّ أشدّ قومنا لنا بغضاً بنو أُميّة...»[83]. وقال صلى الله عليه وآله: «إذا بلغت بنو أُميّة أربعين رجلاً اتخذوا عباد الله خولاً، ومال الله دخلاً، وكتاب الله دغلاً»[84]. وقال صلى الله عليه وآله: «إنّ لكلّ دين آفة، وآفة هذا الدين بنو أُميّة»[85].

وأخرج ابن أبي حاتم عن يعلى بن مرّة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: «أُريت بني أُميّة على منابر الأرض وسيمتلكونهم، فيجدونهم أرباب سوء»[86]. واهتمّ رسول الله صلى الله عليه وآله لذلك، فأنزل الله: ﴿ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ﴾[87].

وقال أمير المؤمنين علیه السلام مُعرّفاً بني أُميّة ومحذّراً من الظاهرة الأُموية أيضاً: «ألا وإنّ أَخوَف الفتن عندي عليكم فتنة بني أُميّة؛ فإنّها فتنة عمياء مظلمة... وايم الله، لتجدنّ بني أُميّة لكم أرباب سوءٍ بعدي»[88]. وقال علیه السلام: «لكلّ أُمّة آفة، وآفة هذه الأُمّة بنو أُميّة»[89].

 وقال الإمام الحسن علیه السلام محذّراً من الظاهرة الأُموية: «ولو لم يبقَ لبني أُميّة إلّا عجوز درداء، لبغت دين الله عوجاً»[90].

كما أنّ الإمام الحسين علیه السلام قال محذّراً من الظاهرة الأُموية: «أيّها الناس، إنّ رسول الله صلى الله عليه وآله قال: مَن رأى سلطاناً جائراً، مستحلِّاً لحُرَم الله، ناكثاً عهده، مخالفاً لسنّة رسول الله، يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان، فلم يُغيِّر عليه بفعلٍ ولا قول، كان حقّاً على الله أن يُدخله مدخله. ألا وإنّ هؤلاء [أي بني أُميّة] قد لزموا طاعة الشيطان، وتركوا طاعة الرحمن، وأظهروا الفساد، وعطّلوا الحدود، واستأثروا بالفيء، وأحلّوا حرام الله، وحرّموا حلاله، وأنا أحقّ ممَّن غيَّر»[91].

ويقول الإمام الصادق علیه السلام: «إنّ بني أُميّة أطلقوا للناس تعليم الإيمان، ولم يطلقوا تعليم الشرك؛ لكي إذا حملوهم عليه لم يعرفوه»[92].

وقد صرَّح الكثير من الكُتّاب والمفكّرين والمؤرّخين بخطر الظاهرة الأُمويّة:

يقول المقريزي حول أفعال بني أُميّة المُشينة: «هدّموا الكعبة، وجعلوا الرسول صلى الله عليه وآله دون الخليفة، وختموا في أعناق الصحابة، وغيّروا أوقات الصلاة، ونقشوا أكفّ المسلمين، وأباحوا أعراض المسلمات في المدينة ثلاثة أيّام، وأكلوا وشربوا الخمر على منبر رسول الله صلى الله عليه وآله..[93].

ويقول المستشرق الإنكليزي المعروف نيكلسون[94]: «كان بنو أُميّة طغاةً مستبدّين، تجاهلوا أحكام الإسلام، واستهانوا بالمسلمين، ولو درسنا التاريخ لوجدنا أنّ الدين قام ضدّ الطغيان والتسلّط، وأنّ الدولة الدينية قد واجهت النظم الإمبراطورية، وعلى هذا؛ فالتاريخ يقضي بالإنصاف في أنّ دم الحسين في رقبة بني أُميّة»[95].

وبثورة الإمام الحسين علیه السلام ترسّخ للناس حقيقة أنّ طاعة بني أُميّة ليست من الدين بشيء، بل على العكس من ذلك؛ فإنّ الدين الحقيقي يدعو إلى البراءة منهم، والوقوف بوجههم، ومحاربتهم، والإطاحة بهم.

يقول الكاتب المصري عباس محمود العقاد: «ثورة الحسين واحدة من الثورات الفريدة في التاريخ، لم يظهر نظير لها حتى الآن في مجال الدعوات الدينية، أو الثورات السياسية، فلم تدم الدولة الأُموية بعدها حتى بقدر عمر الإنسان الطبيعي، ولم يمضِ من تاريخ ثورة الحسين حتى سقوطها أكثر من ستين سنة ونيف»[96].

وبالتالي؛ فشل يزيد بن معاوية ومن بعده الحكم الأُموي في تحقيق أهدافهم غير المشروعة، من القضاء على الإسلام كلّياً، بكلّ قوانينه وسننه ومعالمه وقيمه العليا، والسعي لمحو ذكر النبي محمد صلى الله عليه وآله من كلّ شيء حتى من الخطب والمجالس والكتب، بل أرادوا محوه حتى من أذان الصلاة، وقتل وتشريد أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله؛ وبالتالي كلّ مَن يتبعهم، ومحوهم من سجلّات الدولة، وعدم شمولهم بالعطاء، وعدم قبولهم في أيّ شهادة.

خامساً: اقتداء الثوار في كل زمان ومكان بالنهضة الحسينية

كانت ثورة الإمام الحسين علیه السلام ثورة الحقّ ضد الباطل، والعدل ضد الجور، وثورة الإسلام ضد الكفر، فكانت الشعار الرئيسي لكلّ الثورات التي جاءت بعدها، والمتتبّع للثورات التي حصلت بعد الثورة الحسينية يلمس ـ بما لا يقبل الشك ـ مدى التطور الثقافي الديني في أوساط الأُمّة بعد طول هجعة ورقاد، ومن هذه الثورات:

أ ثورة المدينة بقيادة عبد الله بن حنظلة غسيل الملائكة، والتي دعت لخلع يزيد وعرَّفته بكونه شارب الخمر، وملاعب القردة، وخارجاً عن الدين، فهي ثورة المظلومين ضد الظالمين، ويشير أكثر الكُتّاب إلى أنّ السبب الرئيسي والمهيّج لهذه الثورة هي زينب بنت علي علیهما السلام، ودورها المحرّض على حكم بني أُميّة، فقد كتب عمرو بن سعيد الأشدق ـ والي يزيد على المدينة ـ إلى يزيد بخصوص زينب ونشاطها، ودورها في المدينة: «إنّ وجودها بين أهل المدينة مهيّج للخواطر، وإنّها فصيحة، عاقلة، لبيبة، وقد عزمت هي ومَن معها على القيام للأخذ بثأر الحسين»[97].

ب ثورة التوّابين سنة 65هـ، بقيادة سليمان بن صرد الخزاعي[98]، وكان شعاره: الجهاد في سبيل الحقّ، والموت دون تحقيقه، وطلب الثأر من قتلة الحسين علیه السلام.

ج ثورة المختار الثقفي سنة 66هـ، تحت شعار: يالثارات الحسين.

د ثورة صالح بن مسرح التميمي سنة 76ﻫ، رافعاً شعار: محاربة الجور، وإقامة العدل.

ﻫ ثورة مطرف بن المغيرة بن شعبة[99] على الحجاج بن يوسف الثقفي، سنة 77ﻫ، داعياً إلى قتال الظلمة، وجهاد مَن حارب الحقّ واستأثر بالفيء، وحرم المسلمين منه.

و ثورة عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث سنة 81هـ، تحت شعار: الدعوة إلى كتاب الله وسنّة نبيِّه، وخلع أئمّة الجور.

ز ثورة زيد بن علي بن الحسين علیه السلام سنة 122هـ، على بني أُميّة.

ح ثورة يحيى بن زيد بن علي بن الحسين علیه السلام سنة 125هـ، على بني أُميّة.

ط ثورة الحارث بن سريج سنة 128هـ، إنكاراً للجور.

ي ثورة أبي حمزة سنة 128هـ، ضد آل مروان وظلمهم.

ك ثورة بني العباس بقيادة أبي مسلم الخراساني التي ابتدأت سنة 129ﻫ، واستمرّت حتى الإطاحة بالحكم الأُموي سنة 132ﻫ، تحت شعار: الحكم لآل البيت.

هذا في عهد بني أُميّة، أمّا في عهد بني العباس، والذين ظهرت حقيقتهم وجورهم الذي زاد على جور بني أُميّة، فقد استمرّت الثورات في عهدهم ولم تخمد أبداً، كثورة أبي السرايا، محمد بن إبراهيم بن طباطبا العلوي، وغيرها.

يقول المستشرق الفرنسي هنري ماسيه في الإمام الحسين علیه السلام: «بالرّغم من القضاء على ثورة الحسين عسكرياً، فإنّ لاستشهاده معنًى كبيراً في مثاليّته، وأثراً فعّالاً في استدرار عطف كثير من المسلمين على آل البيت»[100].

سادساً: كسر الطوق المفروض على الحديث النبوي الشريف

 تعرّض الحديث النبويّ للمنع والتزوير، وإنّ الثورة الحسينية فتحت الطريق لنشر الصحيح منه، والذي خفي عن الأُمّة بسبب سياسة الخلفاء الثلاثة، وسياسة بني أُميّة بعدهم وعلى رأسهم معاوية بن أبي سفيان، وبعد الثورة الحسينية فُتح الباب على مصراعيه ليُطرحَ أهلُ البيتِ عليهم السلام بِكونِهم الامتداد الحقيقي للرسالة النبوية، ومحور الإسلام، وملجأ الناس الصحيح بعد أن غفل عنهم وتركوهم وأنكروا حقّهم، وحاربوهم، وقد أشار الإمام الحسين علیه السلام لهذا بقوله: «...فإنّ السنَّة قد أُميتت، والبدعة قد أُحييت، فإن تسمعوا قولي أهدِكم إلى سبيل الرشاد»[101].

فلا بدّ من العلم بأنّ أخطر ما قام به معاوية بن أبي سفيان في أيّام استيلائه على السلطة هو تحريف أحاديث النبي محمد صلى الله عليه وآله، بل ووضع الأحاديث الكاذبة على رسول الله صلى الله عليه وآله، من خلال استغلال السُّذّج وأصحاب الضمائر الميتة وذوي الأطماع الدنيوية، ممَّن رأوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسمعوا حديثه وغيرهم، من خلال استغلالهم والاستفادة منهم استفادةً تخدم غايات وأهداف معاوية السلطوية.

ففي رواية علي بن محمد بن أبي سيف المدائني ت 225هـ في كتابه الأحداث، عمَّا ورد في كتاب معاوية بن أبي سفيان إلى عمّاله في كلّ الأمصار، وذلك بعد عام الجماعة: «أن برئت الذمّة ممَّن روى شيئاً من فضل أبي تراب وأهل بيته»[102]. فقامت الخطباء في كلّ كورة وعلى كلّ منبر يلعنون علياً علیه السلام، ويبرؤون منه، ويقعون فيه وفي أهل بيته، وكتب إلى عمّاله في جميع الآفاق: «ألّا يُجيزوا لأحدٍ من شيعة علي وأهل بيته شهادة». وكتب أيضاً: «اُنظروا مَن قامت عليه البيّنة أنّه يحبّ علياً وأهل بيته، فامحوه من الديوان، وأسقطوا عطاءه ورزقه». كما وأمرهم بتحريف الأحاديث الواردة بحقّ الإمام علي علیه السلام، وكتابة الفضائل الملفّقة بحقّ أبي بكر وعمر وعثمان، وبني أُميّة، فنجد ابن عرفة المعروف بـنفطويه[103] يقول: «إنّ أكثر الأحاديث الموضوعة في فضائل الصحابة افتُعلت في أيّام بني أُميّة تقرّباً إليهم، بما يظنّون أنّهم يرغمون به أُنوف بني هاشم»[104].

وكذلك بذل معاوية بن أبي سفيان أربعمائة ألف درهم لسمرة بن جندب؛ ليروي أنّ قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّـهِ  وَاللَّـهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ[105]، نزلت في عبد الرحمن بن ملجم المرادي قاتل أمير المؤمنين علیه السلام. وإنّ قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّـهَ عَلَىٰ مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾[106]، نزلت في علي بن أبي طالب[107].

ومن أبرز الذين اشترى معاوية بن أبي سفيان ضمائرهم بأمواله هم: أبو هريرة، وسمرة بن جندب؛ لذا يقول الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء: «...ولولا شهادته سلام الله عليه لكانت الشريعة أُمويّة، ولعادت الملّة الحنيفية يزيدية...»[108].

فكانت الثورة الحسينية الفتح الذي أخذ من خلاله أهل البيت مكانتهم في المجتمع؛ بكونهم قادة وأئمّة هدًى منصوصاً عليهم من قِبَل الله تعالى على لسان نبيّه الأكرم صلى الله عليه وآله.

سابعاً: النهضة الحسينية صرخة زلزلت عروش الطغاة

إنّ الجريمة الكبرى والمصيبة العظمى التي حلّت بالإسلام والمسلمين في عاشوراء أدّت إلى زلزلة عروش بني أُميّة وكلّ الطغاة، وأبقت شعلة الإسلام وقّادة وأزليّة.

وهي صرخة مدوّية هزَّت كيان الأُمّة، وأخرجتها من سباتها العميق، ونبّهتها من غفلتها، وزعزعت أُسس الظالمين، ودكّت عروشهم، وأفشلت مخططاتهم القديمة والمستقبليّة؛ وأكبر دليل على ذلك: الثورات التي تلت الفاجعة ـ كما ذكرنا ـ والتي لم تقف إلّا بإسقاط ملك بني أُميّة إلى الأبد.

بل إنّ الثورة الحسينية أصبحت شعاراً للثوار ـ المظلومين والمضطهدين ـ في كلّ دول العالم باختلاف لغاتهم وألوانهم ودياناتهم، فحتى غير المسلم يستلهم العزم من الثورة الحسينية؛ فهذا غاندي[109] يقول: «تعلّمت من الحسين كيف أكون مظلوماً فأنتصر»[110]. والزعيم الأفريقي نيلسون مانديلا[111] يقول: «تعلّمت الثبات والصمود والصبر من الحسين وعائلته وأصحابه»[112].

كما قال القائد والمناضل الصيني ماو تسي تونغ[113] في الإمام الحسين علیه السلام، حينما زاره وفد من منظّمة التحرير الفلسطينية برئاسة أحمد الشقيري ممثّل ياسر عرفات، وذلك بعد انتكاسة ـ وخيانة ـ حزيران 1967م؛ وذلك للحصول على الدعم، وللتعرّف على أساليب النضال وسبل الكفاح الثوري في التجربة الصينية، فقال ماوتسي تونغ لأحمد الشقيري: «عُد إلى وطنك، فعندكم ـ أيّها العرب ـ الثورة الحسينية، فتعلّم منها كما تعلّمنا منها!»[114].

يقول الكاتب المسيحي أنطوان بارا[115] عن تأثير الثورة الحسينية في الحسّ الثوري العالمي: «المظلومون والمضطهَدون والمقهورون والمروَّعون ـ من كلّ المذاهب والبقاع ـ يتّجهون في كلّ رغباتهم إلى جوهر ثورة الحسين، ففي اتجاههم الفطري ورود إلى منبع الكرامة والإنصاف، والعدل والأمان»[116].

وظلّت كربلاء مدرسة للأجيال، وملحمة من ملاحم التاريخ الإنساني، خلقت لدى الناس حسّ التضحية في سبيل الحقّ والعدل والإنسانية، وتجلّى فيها الاستعداد البشري للتّضحية في سبيل دين الله، والكرامة الإنسانية، وتبيّنت فيها حقيقة المواجهة مع الظلم والطغيان أيّاً كان وكيف كان، فلا حسابات عسكرية، ولا عُدّة أو عدد.

إنّ كربلاء الحسين علیه السلام أعطت درساً عملياً في عدم السكوت على الظلم ووجوب مجاهدة الظالم؛ فلو لم يقم الإمام الحسين علیه السلام بنهضته الدامية، وبقي في المدينة لا يحرّك ساكناً، لما انتفض المسلمون في مناطق الدولة الإسلامية، ولبقوا يسالمون ويهادنون الحكم الأُموي، فـ«لم يُبقِ الحسين لابن حرةٍ عذراً»[117].

ثامناً: تنامي حبّ الإمام الحسين علیه السلام واتخاذه القدوة في كلّ شيء

ولعلّ من معالم ومظاهر انتصار الحسين علیه السلام في نهضته أنّه أحدث في قلب وروح وضمير وعقل الأُمّة الإسلامية هزّة وانقلاب؛ أدّى إلى تعظيمه وتقديسه وحصوله على مكانته وموقعه في الأُمّة الإسلامية، فأخذوا يبكون عليه بكلّ ألمٍ وحسرة وتفجّع، وبدموع غضّة طريّة جديدة، في كلّ زمانٍ ومكان، وكأنّ موته يتجدّد في كلّ ساعة، وفي كلّ حين، فحزنه لا يبرد أبداً. وذلك مصداق قول الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله: «إنّ للحسين في بواطن المؤمنين معرفة مكتومة»[118]. وقوله صلى الله عليه وآله: «إنّ لقتل الحسين حرارة في قلوب المؤمنين لا تبرد أبداً»[119].

وأصبح الإمام الحسين علیه السلام قائداً ورمزاً ربّانياً وخالداً للمسلمين، وكلّ الأحرار في العالم. وبقي ذكره تتناقله كتب التاريخ.

يقول إبراهيم بيضون: «...ومن هنا تكتسب ثورة الحسين ريادتها، بل فرادتها في التاريخ، متّخذة هذا المدى الواسع في مصنّفات المؤرّخين الكبار، الذين كسروا من مناهجهم قاعدة كانت أخبار السلطة بها هي الطاغية على الدوام، فإذا بهم إزاء هذه الثورة يسهبون في التفاصيل، ولا تكاد تخفى عن عيونهم لحظة من مسيرة الحسين، وربّما جاز القول: إنّهم كانوا منضمين إليها بصورة غير مباشرة. خلافاً للنظرة العامّة للسلطة، التي كانوا يؤرّخون بوحيها الثورة ـ الفتنة...»[120].

تاسعاً: بقاء ضريح الإمام الحسين علیه السلام علماً للمؤمنين والثائرين

أضحى مشهد الإمام الحسين وضريحه مناراً للثائرين، وشوكة في عيون الظالمين والحاسدين، وهو اليوم يطاول السماء علوّاً وشموخاً، وعليه من سيماء الهيبة والجلال، وسيبقى إلى يوم القيامة، وفي المقابل لا تجد لقبور الطغاة أو قصورهم عيناً أو أثراً، وهذا ترجمة لما قالته زينب عليها السلام للإمام زين العابدين علیه السلام بعد فاجعة الطف: «...لا يجزعنّك ما ترى، فوالله، إنّ ذلك لعهد من رسول الله صلى الله عليه وآله إلى جدّك وأبيك وعمّك، لقد أخذ الله ميثاق أُناس من هذه الأُمّة، لا تعرفهم فراعنة هذه الأرض، وهم معروفون في أهل السماوات، إنّهم يجمعون هذه الأعضاء المتفرّقة فيوارونها، وهذه الجسوم المضرّجة، وينصبون لهذا الطف علماً لقبر أبيك سيّد الشهداء لا يُدرس أثره، ولا يعفو رسمه، على كرور الليالي والأيام، وليجتهدنّ أئمة الكفر وأشياع الضلالة في محوه وتطميسه، فلا يزداد أثره إلّا ظهوراً، وأمره إلّا علواً....»[121].

ويقول الشيخ محمد حسين المظفَّر: «...ولو رأيت اليوم القبور العلويّة المشيّدة في دمشق عاصمة بني أُميّة ـ مع اندراس قبور بني أُميّة ـ لعرفت كيف يعلو الحقّ، وإن اجتهد أعداؤه طول الزمن في طمسه»[122].

وأصبح هذا الضريح المقدّس مهوى المحبّين والموالين، يتهافتون على زيارته من كلّ حدب وصوب، وقد حثّ أئمة أهل البيت عليهم السلام أصحابهم وشيعتهم على زيارة الإمام الحسين علیه السلام.

فعن الإمام الصادق علیه السلام: «مَن زار قبر الحسين علیه السلام في يوم عاشوراء عارفاً بحقّه، كان كمَن زار الله في عرشه»[123].

وعنه علیه السلام: «مَن بات عند قبر الحسين علیه السلام ليلة عاشوراء، لقي الله تعالى يوم القيامة ملطّخاً بدمه، كأنّما قُتل معه في عرصة كربلاء»[124].

وعنه علیه السلام: «مَن زار الحسين علیه السلام ليلة النصف من شعبان، وليلة الفطر، وليلة عرفة في سنة واحدة، كتب الله له ألف حجّة مبرورة، وألف عمرة متقبّله، وقُضيت له ألف حاجة من حوائج الدنيا والآخرة »[125].

وعنه علیه السلام: «وكّلَ الله بقبر الحسين علیه السلام أربعة آلاف مَلك شعثاً غبراً، يبكونه إلى يوم القيامة، فمَن زاره عارفاً بحقّه، شيّعوه حتى يبلغوه مأمنه، وإن مرض عادوه غدوةً وعشية، وإن مات شهدوا جنازته، واستغفروا له إلى يوم القيامة»[126].

والكثير جداً من الروايات التي تحثّ على الزيارة والبكاء، وإحياء هذه المراسم لتكون مصداقاً لقوله تعالى: ﴿ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّـهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ[127].

ولا يخفى ما لضريح الإمام الحسين علیه السلام وتعاهده، وزيارته بهذه الهيئة من دور إعلامي كبير في إيصال مبادئ النهضة الحسينية ورسالتها إلى جميع الناس، وهذا من أكبر مظاهر النصر وأشكاله.

عاشراً: إقامة مراسم العزاء والشعائر الحسينية في كلّ عام

من النتائج والمعطيات المهمّة للنهضة الحسينية المباركة هي إقامة الشعائر، والممارسات والطقوس الحسينية، المشتملة على منابر الموعظة والإرشاد، والدعوة إلى كلّ ما يأمر به الإسلام من الاستقامة وفعل الخير، وينهى عنه من المنكر والبغي، وهذا هو التطبيق الحي لمبادئ وغايات النهضة الحسينية؛ ولذا نجد أنّ الطغاة يحاولون منع إقامة مراسم عاشوراء وما يرتبط بها؛ إمّا بالتعتيم والتكتيم والجفاء والإنكار، وإمّا بالإرهاب والمطاردة والمنع والتخويف والتقتيل؛ حتى وصل الأمر إلى تهديم القبور وقتل الزائرين، كما فعل سلاطين بني العباس[128]، والغزاة من الوهابية، وغيرهم من الطغاة.

يقول المؤرِّخ والكاتب المسيحي الأمريكي فيليب حتى 1886 ـ 1978م: «أصبح اليوم الذي قُتِل فيه الحسين بن علي يوم حداد ونوح عند المسلمين، ففي مثل هذا اليوم ـ أي: يوم عاشوراء ـ من كلّ عام تمثّل مأساة النضال الباسل والحدث المفجع الذي وقع للإمام الشهيد، وغدت كربلاء من الأماكن المقدَّسة في العالم، وأصبح يوم كربلاء وثأر الحسين صيحة الاستنفار في مناهضة الظلم»[129].

فإحياء فاجعة الطف يعدّ من الأشياء التي تثير حفيظة الظالمين، ممّا حدا بهم إلى منع ذلك والتنكيل بمَن يفعله، وما زاد ذلك الموالين والمحبّين إلّا إصراراً وعزماً على مواصلة ذلك، بل إنّ الطغاة مارسوا ـ بالإضافةِ إلى القتل والتشنيع والترويع ـ سياسة التهجير والإبعاد؛ ممّا أدى إلى انتشارِ الفكر الحسيني وفاجعة الطف في جميع دول العالم وبذلك انقلب السحر على الساحر.

يقول المستشرق الإنكليزي وليم لوفتس[130] في الإمام الحسين علیه السلام: «وهل ثمّة قلب لا يغشاه الحزن والألم حين يسمع حديثاً عن كربلاء؟! وحتى غير المسلمين لا يسعهم إنكار طهارة الروح التي وقعت هذه المعركة في ظلّها»[131].

ويقول الرئيس السابق للمؤتمر الوطني الهندي تاملاس توندون الهندوسي في الإمام الحسين علیه السلام: «هذه التضحيات الكبرى من قبيل شهادة الإمام الحسين، رفعت مستوى الفكر البشري، وخليق بهذه الذكرى أن تبقى إلى الأبد، وتُذكر على الدوام»[132].

فما ذكرناه وغيره من أوجه الانتصار ومظاهره استطاعت النهضة الحسينية تحقيقه وتفعيله في المجتمع، ولكن يبقى علينا إدامة زخم هذه الانتصارات والعمل بكلّ جدّ على إظهار الثورة الحسينية بوجهها الناصع الوضّاء.

 

 

 

 


[1]     فإنه يتراوح بين 18000ـ 70000 على ما ذُكر في التاريخ.

[2]     العقيد المتقاعد كلينتون جيه آنكر: الجيش الأمريكي، مجلّة خالد العسكرية 1/12/ 2007م.

[3]     شريعتي، علي، الشهادة: ص63.

[4]     الخامنئي، علي، الكلمات القصار: ص68.

[5]     ابن طاووس، علي بن موسى، اللهوف في قتلى الطفوف: ص20. المقرَّم، عبد الرزاق، مقتل الحسين علیه السلام: ص134.

[6]     المقرَّم، عبد الرزاق، مقتل الحسين علیه السلام: ص136.

[7]     الصدوق، محمد بن علي، الأمالي: ص93، مجلس30. المقرَّم، عبد الرزاق، مقتل الحسين علیه السلام: ص139.

[8]     المقرَّم، عبد الرزاق، مقتل الحسين علیه السلام: ص166.

[9]     المصدر السابق: ص168.

[10]    ابن الأثير، علي بن أبي الكرم، الكامل في التاريخ: ج4، ص39. المقرَّم، عبد الرزاق، مقتل الحسين علیه السلام: ص168.

[11]    الصدوق، محمد بن علي، الأمالي: ص218. المقرَّم، عبد الرزاق، مقتل الحسين علیه السلام: ص186.

[12]    غافر: آية٥١.

[13]    البقرة: آية٢٥١.

[14]    ويتّضح ذلك جليّاً من خلال قراءة سورة النمل وما دار بين النبي سليمان علیه السلام وقوم سبأ في الآية 15، وما بعدها.

[15]    حيث أغرق الله فرعون وجنوده في اليمّ. يونس: آية90.

[16]    الفتح: آية١.

[17]    القمر: آية١٠ـ 15.

[18]    الأعراف: آية٧٢.

[19]    الصافات: آية٩٧ـ  ٩٨.

[20]    الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الأُمم والملوك: ج4، ص271.

[21]    نيقولو مكيافيلي 1469ـ 1527م سياسي وأديب إيطالي، وُلد في فلورنسة بإيطاليا، من أُسرة توسكانية، انتُخب عام 1498م سكرتيراً للمستشارية الثانية لجمهورية فلورنسة التي تُشرف على الشؤون الخارجية والعسكرية، وأضحى من واصفي السياسة ومخطّطيها، وبعد أن قضى مكيافيلي ثلاثة عشر عاماً في الحكم جاء الجيش الفرنسي من جديد إلى فلورنسة، واضطر أهلها تحت ضغط الفزع والخوف إلى استدعاء آل مديتشي، وخرج مكيافيلي بدوره منفياً من مدينته، كتب خلال هذه المدّة كتاب الأمير وفق مبدأ الغاية تبرر الوسيلة، ويُعرف الفكر المكيافيلي بأنّه فكر استبدادي تسلُّطي، والمكيافيلية مذهب الدهاء والمكر السياسي والخداع.

[22]    ابن أبي الحديد، عز الدين، شرح نهج البلاغة: ج19، ص204.

[23]    المقرَّم، عبد الرزاق، مقتل الحسين علیه السلام: ص139.

[24]    الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الأُمم والملوك: ج6، ص259. المقرَّم، عبد الرزاق، مقتل الحسين علیه السلام: ص275.

[25]    واشنطن أيروينغ أو أيرفنج: مؤرخ وكاتب أمريكي له أثار عديدة منها: سيرة النبي العربي، فتح غرناطة وإسبانيا. كتب عنه الأزهر كتاباً تحت عنوان: عظمة الرسول كما يراها الكاتب الأمريكي واشنطن أرفنج صدر عام 1978م عن الأزهر في مصر.

[26]    جريدة النهار الكويتية: العدد 484.

[27]    المقرَّم، عبد الرزاق، مقتل الحسين علیه السلام: ص291.

[28]    الفاضل الدربندي، أسرار الشهادة: ص345.

[29]    الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الأُمم والملوك: ج6، ص241. المقرَّم، عبد الرزاق، مقتل الحسين علیه السلام: ص216.

[30]    الطوسي، محمد بن الحسن، اختيار معرفة الرجال رجال الكشّي: ج1، ص293. المقرَّم، عبد الرزاق، مقتل الحسين علیه السلام: ص216.

[31]    توماس كارلايل 1795 ـ 1881م. مؤرّخ وفيلسوف وناقد إنكليزي له كتاب الأبطال.

[32]    جريدة النهار الكويتية: العدد 484.

[33]    المقرَّم، عبد الرزاق، مقتل الحسين علیه السلام: ص70.

[34]    ابن أبي الحديد، عز الدين، شرح نهج البلاغة: ج3، ص263. المقرَّم، عبد الرزاق، مقتل الحسين علیه السلام: ص70.

[35]    عزرة بن قيس بن غزية الأحمسي البجلي: من قادة جيش عمر بن سعد الذين خرجوا لمحاربة الإمام الحسين علیه السلام.

[36]    اُنظر: المقرَّم، عبد الرزاق، مقتل الحسين علیه السلام: ص243.

[37]    اليعقوبي، محمد بن أبي يعقوب، تاريخ اليعقوبي: ج2، ص 217.

[38]    أبو مخنف، لوط بن يحيى، مقتل الحسين علیه السلام: ص67.

[39]    الفاضل الدربندي، أسرار الشهادة: ص274.

[40] الطريحي، فخر الدين، المنتخب: ج1، ص 87.

[41]    المفيد، محمد بن محمد، الإرشاد: ج2، ص35. المقرَّم، عبد الرزاق، مقتل الحسين علیه السلام: ص 140.

[42]    شريعتي، علي، الشهادة: ص90.

[43]    المقرَّم، عبد الرزاق، مقتل الحسين علیه السلام: ص234.

[44]    الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الأُمم والملوك: ج6، ص229. المقرَّم، عبد الرزاق، مقتل الحسين علیه السلام: ص194.

[45]    المقرَّم، عبد الرزاق، مقتل الحسين علیه السلام: ص229.

[46]    وقد اختلفوا في اسمه ما بين: بشر بن خزيم، أو حذام الأسدي، أو حذلم بن بشير، أو حذلم بن ستير، أو حذيم، أو حذيم بن شريك الأسدي، أو بشير بن حذيم الأسدي، أو بشير بن خزيم الأسدي، أو حذيم بن شريك.

[47]    ابن طيفور، أبو الفضل بن أبي طاهر، بلاغات النساء: ص25. المفيد، محمد بن محمد، الأمالي: ص321. الطبرسي، أحمد بن علي، الاحتجاج: ج2، ص29. الخوارزمي، محمد بن أحمد، مقتل الحسين علیه السلام: ج2، ص45. ابن طاووس، علي بن موسى، اللهوف في قتلى الطفوف: ص86. الطوسي، محمد بن الحسن، الأبواب رجال الطوسي: ص88.

[48]    الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الأُمم والملوك: ج3، ص337. ابن أعثم، أحمد، مقتل الحسين علیه السلام: ص150. ابن الأثير، علي بن أبي الكرم، الكامل في التاريخ: ج3، ص435.

[49]    لا تغسل.

[50]    الخوارزمي، محمد بن أحمد، مقتل الحسين علیه السلام: ص63ـ 64. ابن طيفور، أبو الفضل بن أبي طاهر، بلاغات النساء: ص21 ـ 23.

[51]    النقدي، جعفر، زينب الكبرى: ص120. شمس الدين، محمد مهدي، ثورة الحسين علیه السلام: ص204. بنت الشاطئ، بطلة كربلاء: ص206.

[52]    الطوسي، محمد بن الحسن، الأمالي: ص677.

[53]    علي محمد شلق 1915 ـ 2008م، من مواليد كفريا الكورة لبنان، عمل مديراً لثانوية طرابلس، ثمّ انتقل إلى بيروت، حيث تابع التدريس في أماكن عدّة في لبنان والعراق.

[54]    شلق، علي محمد، الحسين بن علي إمام الشاهدين: ص9.

[55]    الطبرسي، أحمد بن علي، الاحتجاج: ج1، ص75 ـ 80. ابن عبد البر، يوسف بن عبد الله، الاستيعاب: ج4، ص87. أبو الفرج الأصفهاني، علي بن الحسين، الأغاني: ج6، ص356.

[56]    اُنظر: ابن بكار، الزبير، الموفقيات: ص577. المسعودي، علي بن الحسين، مروج الذهب: ج3، ص454. التستري، محمد تقي، قاموس الرجال: ج9، ص20.

[57]    أُستاذ التاريخ في جامعة القاهرة بمصر، ثمّ بيروت، ثمّ الكويت، مختصّ في تاريخ العصور الوسطى.

[58]    العتابي، ليث عبد الحسين، السبّ واللعن بين الحقائق والادعاءات: ص214.

[59]    ابن قولويه، جعفر بن محمد، كامل الزيارات: ص401.

[60]    مجلة البناء: العدد 56. محرم 1422هـ/ 2001م.

[61]    فريا ستارك: 1893م، وُلدت في باريس، وتخرّجت من مدرسة اللغات الشرقية، عملت في سفارة بغداد 1942م وفي الولايات المتحدة وكندا 1944م، نالت العديد من الأوسمة.

[62]    فريا ستارك، كتاب صور بغدادية: ص45.

[63]    ابن قولويه، جعفر بن محمد، كامل الزيارات: ص157. الراوندي، قطب الدين، الخرائج والجرائح: ج2، ص771 ـ 772.

[64]    ولعلّ المراد بالفتح شيء آخر أسمى وأنبل من ذلك لا يمكننا إدراكه، وليس في دار الدنيا، بل في الآخرة من علو المنزلة وعظمة الشأن، ولعلّه النصر الآجل، بانتصار المبادئ التي قاتل من أجلها، وليس القياس قياساً عسكرياً فقط.

ولعلّ الفتح همّ بخلق جيل جديد صالح، يميّز الحقّ من الباطل، ويتربّى التربية الإسلامية الحسينية، يقول الكاتب والمفكّر الغربي، هربرت سبنسر1820 ـ 1903م وهو فيلسوف وعالم اجتماع انكليزي، له أُصول علم الحياة، وأُصول علم النفس، وأُصول علم الاجتماع، وأُصول علم الأخلاق، يُعتَبر فيلسوف بريطانيا بلا منازع: «إنّ أرقى ما يأمل الوصول إليه الرجال الصالحون هو المشاركة في صناعة الإنسان الآدمي، أي: الاشتراك في خلق جيل صالح، بينما مدرسة الحسين ليست فقط مدرسة تنبذ المذنبين، ولا يمكن لها أن تكون من صانعيهم، بل إنّها لا تكتفي بكونها تسعى لخلق جيل صالح، إنّها مدرسة لتخريج المصلحين». مطهري، مرتضى، الملحمة الحسينية: ج3، ص66. أو لعلّ مراد الإمام الحسين غير ذلك من المعاني، لكنّه علیه السلام أخبر بالفتح، والحقيقة أنّ كلّ ما تحقّق بعد الثورة الحسينية المباركة هو فتح، وهو انتصار، فالمكاسب التي تحقّقت عظيمة جداً، وخلاف التوقّعات البشرية المحدودة.

[65]    ابن سعد، محمد، ترجمة الإمام الحسين علیه السلام من الطبقات الكبرى: ص471.

[66]    لويس ماسينيون: 1883 ـ 1962م مستشرق فرنسي، من مؤسّسي دائرة المعارف الإسلامية في مصر، والتي كان هدفها تشويه الإسلام ونشر المسيحية، وكان ماسينيون من كبار المنصّرين والطاعنين في الإسلام والقران، وُصف بأنّه من المستشرقين الخطرين.

[67]    جريدة النهار الكويتية: العدد 484.

[68]    أبو مخنف، لوط بن يحيى، مقتل الحسين علیه السلام: ص 116.

[69]    المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج45، ص 303.

[70]    اُنظر: لبيب بيضون، موسوعة كربلاء.

[71]    المصدر السابق.

[72]    ابن كثير، إسماعيل بن عمر، البداية والنهاية: ج8، ص220.

[73]    الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الأُمم والملوك: ج4، ص 356.

[74]    ابن شهر آشوب، محمد بن علي، مناقب آل أبي طالب: ج3، ص260 ـ 261.

[75]    الخوارزمي، محمد بن أحمد، مقتل الحسين علیه السلام: ج2، ص 63.

[76]    أبو الفرج الأصفهاني، علي بن الحسين، الأغاني: ج13، ص 288 ـ 289.

[77]    الخوارزمي، محمد بن أحمد، مقتل الحسين علیه السلام: ج2، ص81. المقرَّم عبد الرزاق، مقتل الحسين علیه السلام: ص355.

[78]    سبط ابن الجوزي، يوسف شمس الدين، تذكرة الخواص: ص275. الخوارزمي، محمد بن أحمد، مقتل الحسين علیه السلام: ج2، ص74.

[79]    الدميري، كمال الدين، حياة الحيوان الكبرى: ج1، ص 94. المسعودي، علي بن الحسين، مروج الذهب: ج3، ص85. اليعقوبي، أحمد بن أبي يعقوب، تاريخ اليعقوبي: ج2، ص254.

[80]    الدميري، كمال الدين، حياة الحيوان الكبرى: ج1، ص94.

[81]    الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الأُمم والملوك: ج4، ص357.

[82]    ابن الأثير، علي بن أبي الكرم، الكامل في التاريخ: ج4، ص265.

[83]    الحاكم النيسابوري، المستدرك على الصحيحين: ج4، ص487.

[84]    المتقي الهندي، علاء الدين علي، كنز العمال: ج11، ص169.

[85]    المصدر السابق: ج14، ص87.

[86]    السيوطي، ابن أبي بكر، الدر المنثور: ج4، ص191.

[87]    الإسراء: آية60.

[88]    نهج البلاغة: خطبة91.

[89]    المتقي الهندي، علاء الدين علي، كنز العمال: ج11، ص364.

[90]    المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج44، ص43.

[91]    الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الطبري: ج4، ص304.

[92]    الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي: ج2، ص415 ـ 416.

[93]    المقريزي، أحمد بن علي، النزاع والتخاصم: ص40.

[94]    رينولد ألين نيكلسون 1868ـ 1945م: مستشرق إنكليزي وعالم بالتصوّف.

[95]    جريدة النهار الكويتية: العدد 484.

[96]    العقاد، عباس محمود، الحسين بن علي أبو الشهداء: ص32.

[97]    النقدي، جعفر، زينب الكبرى: ص120. شمس الدين، محمد مهدي، ثورة الحسين: ص204. بنت الشاطئ، بطلة كربلاء: ص206.

[98]    الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الأُمم والملوك: ج4، ص326 ـ 473.

[99]    المطرف بن المغيرة بن شعبة الثقفي، ولّاه الحجاج بن يوسف الثقفي المدائن، فاستقامت سيرته وسريرته مع الرعية، واستمرّ على ولايته حتى كان خروجه على عبد الملك بن مروان والحجاج بن يوسف الثقفي، والمعروفة بثورة المطرف، واستمرّت ثورته حتى قُتل، وحمُل رأسه إلى عبد الملك بن مروان سنة 77هـ. يُراجع لذلك: تاريخ الطبري والكامل في التاريخ، حوادث سنة 77هـ.

[100]   شبكة البرلمان العراقي.

[101]   المقرَّم، عبد الرزاق، مقتل الحسين علیه السلام: ص142. الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الأُمم والملوك: ج4، ص266.

[102]   ابن أبي الحديد، عز الدين، شرح نهج البلاغة: ج11، ص44.

[103]   أبو عبد الله إبراهيم بن محمد بن عرفة الأزدي العتكي، من أحفاد المهلّب بن صفرة، المعروف بـنفطويه، المولود في واسط سنة 244هـ، والمتوفَّى في بغداد سنة 323هـ، كان من أئمّة النحو ذوي الشهرة الكبيرة.

[104]   العلوي، محمد بن عقيل، النصائح الكافية: ص99. ابن أبي الحديد، عز الدين، شرح نهج البلاغة: ج11، ص46.

[105]   البقرة: آية٢٠٧.

[106]   البقرة: آية٢٠٤.

[107]   اُنظر: ابن أبي الحديد، عز الدين، شرح نهج البلاغة: ج4، ص73. وكذلك في الغدير للأميني، وكُتُب أُخرى.

[108]   كاشف الغطاء، محمد حسين، الآيات البيّنات في قمع البدع والضلالات: القسم الأول، ص 26.

[109]   المهاتما وأسمه موهانداس كرامشاند: 1869 ـ 1948م فيلسوف ومجاهد هندي، ولِد في بور بندر، اشتُهر بلقب المهاتما، أي: النفس السامية، دعا إلى تحرير الهند من الإنكليز بالطرق السلمية والمقاومة السلبية، بعيداً عن العنف، أدّت جهوده إلى تحرير الهند 1947م، اغتاله برهماني متعصِّب.

[110]   العتابي، ليث عبد الحسين، قالوا في الحسين علیه السلام، كتاب مخطوط.

[111]   نيلسون أو نلسون مانديلا: 1918 ـ 2013م زعيم أفريقي أسود ومناضل.

[112]   العتابي، ليث عبد الحسين، قالوا في الحسين علیه السلام، كتاب مخطوط.

[113]   ماوتسي تونغ 1893 ـ 1976م من مؤسّـسي الحزب الشيوعي الصيني، أعلن جمهورية الصين الشعبية  1949م.

[114]   العتابي، ليث عبد الحسين، قالوا في الحسين علیه السلام، كتاب مخطوط.

[115]   بارا، أنطوان بن يوسف، ولِد عام 1943م في بلدة يبرود التابعة لمحافظة ريف دمشق، كاتب وصحفي مسيحي سوري معاصر، يعمل في الصحافة منذ عام 1964م، عمل مدير تحرير مجلة شبكة الحوادث، ومقدِّم للبرامج الإخبارية والحوارية في قناة العدالة، عضو نادي كُتّاب الخيال العلمي الدولي في نيويورك، له من المؤلّفات: الأسياد رواية من أدب الخيال العلمي، الحسين في الفكر المسيحيبحث في الفكر الديني تُرجم إلى 17 لغة، زينب صرخة أكملت مسيرة، وغيرها.

[116]   بارا، أنطوان بن يوسف، الحسين علیه السلام في الفكر المسيحي: ص 71.

[117]   الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الأُمم والملوك: ج5، ص6. العلايلي، عبد الله، تاريخ الحسين: ص100.

[118]   الرواندي، قطب الدين، الخرائج والجرائح: ج2، ص842.

[119]   الطبرسي، ميرزا حسين، مستدرك الوسائل: ج10، ص318.

[120]   إبراهيم بيضون، ثورة الحسين حدثاً وإشكاليات: ص161.

[121]   المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج28، ص57.

[122]   المظفر، محمد حسين، تاريخ الشيعة: ص138.

[123]   الطوسي، محمد بن الحسن، مصباح المتهجد: ص771.

[124]   المصدر السابق.

[125]   ابن قولويه، جعفر بن محمد، كامل الزيارات: ص319.

[126]   المصدر السابق: ص349 ـ 350.

[127]   الحج: آية٣٢.

[128]   فقد أمر هارون العباسي بهدم القبر وحرثه، وأمر المتوكل العباسي بهدم القبر وكلّ ما حوله من دورٍ وغيرها، ومنع الناس من الزيارة.

[129]   فيليب حتى، مجلة الثقافة الإسلامية: العدد 50، ص 44. تموز ـ أب 1993م.

[130]   وليم كنت لوفتس 1820 ـ 1858م عالم آثار ومستشرق إنكليزي، هو الذي اكتشف مدينة أُور في العراق 1840م.

[131]   وليم لوفتس، الرحلة إلى كلدة وسوسيان.

[132]   جريدة النهار الكويتية: العدد 484. 7/1/2009م.

 
 
البرمجة والتصميم بواسطة : MWD