1439 / ربیع‌الاول / 6  |  2017 / 11 / 25         الزيارات : 484154         صلاة الصبح |         صلاة الظهر والعصر |         صلاة المغرب والعشاء |

الحركة العسكرية المسلحة ومحوريتها في البرنامج السياسي للنهضة الحسينية

{ الشيخ قيصر التميمي }
الحركة العسكرية المسلحة ومحوريتها في البرنامج السياسي للنهضة الحسينية

 

تحدّثنا في مقالات ماضية حول الأسباب الداعية لاستبعاد الأهداف السياسيّة للنهضة الحسينيّة، واستعرضنا منها العقدية والتراثيّة والتاريخيّة، ونريد أن نتحدّث في هذا المقال أيضاً بخصوص واحدة من أهم الأسباب التاريخيّة الأُخرى التي دعت بعض الباحثين للتخلّي عن الهدف السياسي للنهضة، وهو ما يُطرح عادة في إطار الحديث عن فقدان التكافؤ العسكري بين الجبهتين، جبهة الحسين عليه السلام والجبهة الأُموية الحاكمة. وتُشكّل هذه الفكرة إشكاليّة معقّدة، انجرفت بتأثيرها مجملُ البحوث والدراسات الحسينيّة باتجاه هدفيّة الموت والشهادة المحتومة، حيث يتمّ التأكيد دائماً على أن ذلك هو الهدف السياسي الوحيد للنهضة. فتعالوا معي لنقرأ فيما يلي هذه الإشكاليّة التاريخيّة في ضوء كلمات العلماء والباحثين، ثم ننتقل بعد ذلك لمناقشتها:

لم تكن معالم الانتصار العسكري تلوح في الأُفق (أسباب تاريخية)

يُعدّ هذا السبب التاريخي من الأسباب الرئيسة التي دعت جملة وافرة من العلماء والباحثين للتخلّي عن الأهداف السياسيّة للنهضة الحسينيّة المباركة بشكل واضح وصريح، وحاصل هذا السبب هو: أنّ الانتصار السياسي والعسكري لم يكن متاحاً للإمام الحسين عليه السلام آنذاك، ولا لاحت معالمه في الأُفق، ولم يكن يحتمله واقع الأُمّة والسلطة آنذاك؛ إذ لم يكن هناك أيّ تكافؤ عسكري بين جبهة الحسين عليه السلام وبين الجبهة الأُمويّة، من حين إعلانه عليه السلام الرفض لبيعة يزيد في المدينة المنورة وحتى الشهادة في كربلاء، فعلى طول الخط الزمني لمراحل النهضة كان يزيد هو الأقوى والأكفأ والأكثر سطوة وهيمنة وقدرة من الناحية السياسيّة والعسكريّة والميدانيّة، بل لا مجال أبداً للمقايسة والمقارنة بين الجانبين من هذه الناحية، فيزيد ـ وريث الحكم الأُموي ـ يُمسك الأرض، ويجلس على كرسي الخلافة الإسلاميّة، ويقود جيشاً نظاميّاً مسلّحاً منتشراً في أرجاء الولايات الإسلاميّة، وهذا ما لم يكن متوفِّراً للإمام الحسين عليه السلام، فلا تمتلك النهضة جناحاً عسكريّاً قادراً على الوقوف بوجه النظام الحاكم.

وقد كانت هذه الحقيقة الميدانيّة واضحة ومعلومة لدى الجميع، فالصحابة والتابعون وغيرهم من عقلاء القوم وذوي الخبرة منهم ـ كما سيأتي ـ كانوا يعلمون بأنّ الحركة الحسينيّة لا تمتلك مقوّمات التفوّق والنصر السياسي والعسكري، ومن قَبْلهم كان الحسين عليه السلام عالماً بذلك بدءاً وختاماً، علماً غيبيّاً، وأيضاً من خلال دراسته الميدانيّة للظرف والمرحلة؛ ولذا لم يكن ذلك هو الهدف من نهضته المباركة، وإنّما كان الهدف إسقاط شرعية الحكومة الفاسدة السوداء بمعارضة حمراء مصبوغة بدم المذبوح بكربلاء.

يقول السيد محمد باقر الصدر+ في حديثه عن دوافع النهضة الحسينيّة: «وفي هذه اللحظة الحاسمة من تاريخ الحكم الإسلاميّ دقّت ساعة السخاء في أُذني الحسين، تؤذنه بأنّها لحظة التضحية والشهادة، لا لكسب السلطة عمليّاً واستردادها من الغاصبين، فإنّ ذلك لم يكن ليؤمّل في تلك الظروف التي درسها الحسين عليه السلام جيّداً، وفهمها عن آبائه جيّداً أيضاً، بل لتُسفر دولة المعارضة بلون أحمر من الدم، ولون أسود قاتم من الظلم، فينتزع بذلك عنها الطابع الإسلاميّ الذي كانت تدّعيه، ويضع هذا الطابع على الدولة التي أرادها الإسلام للمسلمين»([1]).

ويقول السيد حسن الشيرازي& في حديثه عن الحركة الحسينيّة: «وخاض في معركة علم منذ الخطوة الأُولى أنّه سيخسرها إلى الأبد، ولكن الإسلام سيربحها حتى الأبد»([2]).

كذلك يقول سماحة الشيخ الآصفي في هذا المجال: «كانت ثورة الإمام الحسين عليه السلام وقيامه (خروجاً) على يزيد و(مقاومةً مسلّحة)، تتبعها تضحية مأساويّة فجيعة نادرة في تاريخ الإسلام، ولم تكن (حرباً نظاميّة عسكريّة) تستهدف إسقاط النظام.

ووعي هذه الحقيقة ضروري في فهم ثورة الحسين عليه السلام، فلم يكن يرى الحسين عليه السلام أنّ بإمكان أنصاره من العراق والحجاز أن يقاوموا جيش بني أُميّة، ولا أن يصفو له العراق، ولا أن يُقاوم أهل العراق إرهاب بني اُميّة وإغرائهم، فما كان ليصفو في أحسن الأحوال للإمام من العراق غير قلّة قليلة من شيعته يخرج بهم على يزيد، وكان الإمام عليه السلام يعلم بهذه الحقيقة ويفهمها جيّداً.

إذن، لم يكن الإمام يطلب فتحاً عسكرياً، وإنّما كان يطلب في خروجه تحريك ضمائر المسلمين، وإثارة الضمائر والنفوس والعواطف والعقول بفعل المأساة المفجعة، التي واجهها الحسين عليه السلام على يد جيش بني أُميّة في كربلاء»([3]).

ويقول أيضاً في موضع آخر: «ونحن لا نشكّ في أنّ الإمام لم يكن يطلب في ثورته الشهيرة، وخروجه على يزيد بن معاوية إسقاط النظام الأُموي عسكرياً، والاستيلاء على السلطة»([4]).

والذي يؤكّد هذه الحقيقة، وهي أنّ الحسين عليه السلام لم يخطِّط أبداً لانقلاب مسلّح، ولم يخرج بهدف النصر السياسي والعسكري، هو «أنّ الظروف التي أحاطت بنهضته المباركة، وخروجه من مكّة إلى العراق، كانت لا تناسب انتصاره عسكريّاً، ولا أقل من أنّها كانت تقتضي مزيداً من الاحتياط والتأنّي، ولو من أجل العائلة المخدّرة؛ كما يشهد بذلك إجماع آراء مَن نصحه، فإنهم ذكروا لتوجيه آرائهم أُموراً لا تخفى على كثير من الناس، فضلاً عنه عليه السلام. ويبدو مدى وضوح الخطر عليه في خروجه للعراق، وقوّة تصميمه عليه السلام عليه مع ذلك، من محاورة ابن عباس معه... وإنّما كان عليه السلام يُبرّر خروجه بدعوة أهل الكوفة له، وكثرة كتبهم إليه ـ بنحو قد يوحي بأنّ هدفه الانتصار العسكري ـ؛ لأنّ عامّة الناس، وكثيراً من خاصّتهم لا يستوعبون أنّ هدفه عليه السلام من الخروج هو الإصحار والإعلان عن عدم شرعيّة السلطة في موقف يحرجها ويستثيرها، وإن ترتب على ذلك التضحية بنفسه الشريفة وبمن معه، وانتهاك حرمتهم وحرمة عائلته الكريمة»([5]).

مجموعة من الشواهد والقرائن لإثبات هذه الرؤية

لقد ذُكرت في المقام مجموعة من الشواهد والقرائن للتدليل على أنّ النصر والتغيير العسكري لم يكن متيسّراً للحسين عليه السلام، وأنّه لم يُشكّل هدفاً من أهداف الحركة الحسينيّة في كلّ خطواتها ومراحلها، ونحاول فيما يلي إجمال أهمّ تلك الشواهد والقرائن ضمن العناوين التالية:

1ـ انعدام التوازن في القوى وفقدان التكافؤ العسكري

أشرنا في مُستهلّ حديثنا إلى ما قد يُدّعى في المقام، من أنّ الواقع الميداني للأُمّة والسلطة لا يدع مجالاً لاحتمال انتصار الحركة الحسينيّة عسكريّاً؛ وذلك لانعدام التكافؤ العسكري بين الجبهتين، وهذا أمرٌ واضح جدّاً؛ لأنّ يزيد بن معاوية هو الحاكم الفعلي للبلاد بعد هلاك أبيه، بيده السلطة والأرض والمال والرجال، وهو الذي تنقاد لأوامره الجيوش الإسلاميّة، ويُطيعه القادة والولاة وسائر المؤسسات والدوائر الحكومية، بالإضافة إلى الكثير من رؤساء القبائل ووجهائها.

وهذا ما لم يكن متاحاً للإمام الحسين عليه السلام، وهو ما اضطرّه للإسراع بالخروج من المدينة إلى مكة، ومنها إلى العراق. فلم يكن له عليه السلام «أعوان يعتمد عليهم في حركته وخروجه في غير العراق. فقد كانت مصر والحجاز بعيدتين كلّ البعد عن ظروف الثورة والحركة، وكانت الشام القاعدة المتينة التي ينطلق منها يزيد بن معاوية، ويحتمي بها في حماية ملكه وسلطانه.

ولم يكن هوى أهل العراق معه من غير شيعته، فقد كان الإمام يعلم جيداً أنّ  من غير الممكن الاعتماد على الكثرة من أهل العراق، فهم مع الطرف المنتصر، ومن الخير له ألّا يلتحقوا به، فإنّهم سوف ينفرطون عن جيشه كما انفرطوا عن جيش أخيه الحسن عليه السلام من قبل، أو أسرع وأيسر من ذلك، ويفتّون في عضده وعضد أصحابه وشيعته، ويتخلّون عنه في أحرج ساعات المعركة، ولا يبقى له في ساحة المعركة غير شيعته، الذين ثبتوا من قبل في جيش أخيه الحسن عليه السلام، وهم قلّة لا يكوّنون قوة عسكرية تصمد أمام جيوش الشام». بل يمكن القول بأنّ فرصة الانتصار العسكري في عصر الإمام الحسين عليه السلام أضعف بكثير منها في زمن الإمام الحسن عليه السلام، «ولم تكن تجربة الإمام الحسن عليه السلام بعيدة عن الحسين، ولم يكن الإمام الحسين عليه السلام بأقدر من أخيه في تجميع قوة عسكرية لضرب سلطان بني أُمية وإسقاط النظام، إن لم تكن ظروف الحسين عليه السلام أسوأ من ظروف أخيه الحسن. فقد استقرّ لبني أُمية السلطان، وامتدّ نفوذهم، وعمل معاوية بدهائه المعروف في تحكيم اُصول حكم بني أُمية، وامتداد نفوذهم وشراء الضمائر ونشر الرعب والإرهاب في أجواء المعارضة، واكتساح الأكثرية، التي يتحكّم فيها الإرهاب والإغراء، ويميلون دائماً إلى الجهة المنتصرة القوية في الساحة... فلم يكن يصفو ـ إذن ـ للإمام الحسين من القوة العسكرية غير ما صفا لأخيه الحسن عليه السلام من قبل، وهم الثابتون من شيعته ومواليه، ولا يمكن أن يفكّر الإمام ـ بكل تأكيد ـ أن يجازف بهذه القوة المحدودة لإسقاط النظام الأُموي الرهيب، بعد أن أخفقت محاولة أخيه الإمام الحسن عليه السلام، في ظروف أحسن من ظروفه، وبقوة عسكرية أقوى من الجيش الذي كان يعدّه له العراق بعد موت معاوية»([6]).

2ـ تصريحات الإمام الحسين عليه السلام

هناك مجموعة من الأقوال والتصريحات الثوريّة التي صدرت عن الإمام الحسين عليه السلام في عصر النهضة وحركة الإصلاح، استدلّ بها جملة من العلماء والباحثين لإثبات ما يعتقدون به، من أنّ التغيير والنصر العسكري المسلّح لم يكن متاحاً، كما لم يكن أيضاً من دوافع وأهداف الحركة الحسينيّة، وأنّ الإمام عليه السلام كان يعلم يقيناً بأنّ الشهادة والتصفية الجسديّة المأساويّة هي المصير المحتوم والنتيجة المحسومة لحركته وثورته، وكان دائماً ما يخبر الناس بمصرعه ومصرع أصحابه، وما سيجري عليه وعلى أهل بيته من المصائب والمآسي، ولا مجال أبداً للتفوّق العسكري والنصر المسلّح، فهو عليه السلام خارج لينتصر بدمه، لا بسيفه.

وقد استعرضنا في مقال سابق مجموعة من تلك النصوص والأقوال، وأجبنا عن الاستدلال بها في ضوء الإطار العام الذي نفهمه من مقامات ومراتب علم الإمام المعصوم، لكنّنا سوف نستذكر أهم تلك النصوص وأوضحها؛ ونبحثها من الزاوية التاريخيّة والميدانيّة المرتبطة بمحلّ البحث، لنرى أنّ الحسين عليه السلام هل كان يتحدّث من حين انطلاق النهضة بروح ونفس الموت والشهادة والهزيمة العسكريّة، أم لا؟

وسوف نختار من تلك النصوص ما فيه دلالة أو إلماح إلى استبعاد فكرة النصر والتغلّب العسكري، ولا نورد النصوص التي اكتفت بالتأكيد على حتميّة القتل والشهادة؛ لأنّنا قد أجبنا عن هذه الحيثيّة بشي من التفصيل في مقال سابق.

وسنحاول أيضاً أن ننتقي أهم تلك النصوص وأوضحها، ونتوخّى التسلسل الزمني التقريبي لصدورها؛ لتأثير ذلك في طبيعة الإجابة كما سيأتي، والنصوص هي:

النص الأول: ما رواه الطبري في دلائل الإمامة، عن الأعمش، قال: «قال لي أبو محمد الواقدي وزرارة بن جلح: لقينا الحسين بن علي علیهما السلام قبل أن يخرج إلى العراق بثلاث ليال، فأخبرناه بضعف الناس في الكوفة، وأن قلوبهم معه وسيوفهم عليه، فأومأ بيده نحو السماء، ففُتحت أبواب السماء ونزل من الملائكة عدد لا يحصيهم إلّا الله، وقال: لولا تقارب الأشياء وحبوط الأجر لقاتلتهم بهؤلاء، ولكن أعلم علماً أنّ من هناك مصعدي([7])، وهناك مصارع أصحابي، لا ينجو منهم إلّا ولدي علي»([8]).

يكتسب هذا النص أهميّته من جهة زمانه وظرف صدوره؛ لأنّه صدر في حياة مسلم بن عقيل، وبعد وصول تقريره الإيجابي الذي رفعه للإمام الحسين عليه السلام، يطلب منه القدوم إلى الكوفة، والنص صدر أيضاً في فترة ضعف التواجد الأُموي في العراق، ومع ذلك كلّه يصرّح الإمام الحسين عليه السلام بأنّه ليس من طلّاب النصر العسكري، وأنّه لا يعتمد في حركته ونهضته على دعم أهل الكوفة له في مواجهة طغاة الشام، ولو كان هذا هو هدفه لقاتلهم بالملائكة، فلم تكن غايته إلّا السعي لمصرعه ومصارع أصحابه، والسير إلى البقعة المقدّسة التي يرتقي منها إلى الله تعالى، وينال فيها مقاماً لا يناله إلّا بالشهادة، فلا وجود لمفردة النصر العسكري في قاموس النهضة، ولم يكن جيش الكوفة مؤهّلاً لذلك أصلاً، بل كان جيشاً ضعيفاً متهاوياً، ولاؤه العسكري لبني أُميّة، كما نصّ على ذلك الواقدي وزرارة في حديثهم هذا، والإمام عليه السلام قد أقرّهم على رؤيتهم وتشخيصهم الدقيق للموقف الكوفي، ولم يُنكر عليهم ما ذكروه في أهل الكوفة.

النص الثاني: خطبته عليه السلام المعروفة حينما عزم على الخروج إلى العراق، حيث قام خطيباً في الناس، فقال: «خُطَّ الموت على ولد آدم مخطّ القلادة على جيد الفتاة، وما أولهني إلى أسلافي اشتياق يعقوب إلى يوسف، وخير لي مصرعٌ أنا لاقيه، كأنّي بأوصالي تقطّعها ذئاب الفلوات([9]) بين النواويس وكربلاء، فيملأن منّي أكراشاً جوفاً، وأجربة سغباً، لا محيص عن يوم خط بالقلم، رضى الله رضانا أهل البيت، نصبر على بلائه ويُوفّينا أجور الصابرين... مَن كان باذلاً فينا مهجته، وموطِّناً على لقاء الله نفسه، فليرحل معنا، فإنّي راحل مصبحاً إن شاء الله»([10]).

فالحسين عليه السلام يُعلن في هذا الخطاب التاريخي «على مسمع من جموع الحج المتوافدة من الربوع الإسلاميّة، من أنّه ماضٍ إلى الموت... فهل مَن ينوي القيام بثورة مسلحة يتحدّث بهذه اللغة؟! لا؛ وإنّما يتحدّث بلغة مختلفة، ويتوجّه إلى الناس قائلاً: (سنضرب، سنقتل، سننتصر ونبيد العدو). لكن الحسين كان يتوجّه إلى الناس بقوله: إنّ الموت زينة للمرء كحلية الفتاة، ثم يُغادر مكّة إلى الموت!!»([11]).

إذن، هذا الخطاب الشريف واضح «في أنّ الإمام عليه السلام كان يُعدّ أصحابه لنهضة كبيرة، قوامها التضحية والدم والشهادة، ولا يطمح فيها إلى أيِّ نصر عاجل. فها هو يبدأ خطابه مع أصحابه بالموت الذي يطوّق ابن آدم، كما تطوِّق القلادة جيد الفتاة. ثمّ يخبر عن مستقبل هذه الحركة المأساوية، فيقول: (كأني بأوصالي تقطّعها عسلان [ذئاب] الفلوات). ثم يطلب النصرة من المسلمين، ولكن بهذه الطريقة الفريدة: (فمن كان باذلاً فينا مهجته موطّناً على لقاء الله نفسه فليرحل معنا). إنّّ الإمام لا يشير في هذه الخطبة إلى أيّ هدف عسكري بالمعنى المعروف في الأعمال العسكرية، وإنّما يُعِدّ أصحابه لتضحية مأساوية دامية، ويطلب من الذين يرافقونه في هذه الرحلة أن يُعدّوا أنفسهم للقاء الله ولبذل المهج في سبيل الله»([12]).

النص الثالث: وهو الكتاب المعروف والمشهور، الذي كتبه الإمام الحسين عليه السلام لأخيه محمد بن الحنفية وبقيّة بني هاشم في المدينة، وذلك بعد انصرافه من مكّة متوجّهاً إلى العراق مباشرة، جاء فيه: «أمّا بعد؛ فإن مَن لحق بي استُشهد، ومَن لم يلحق بي لم يُدرك الفتح، والسلام»([13]).

بعد أن اكتسب قرار الخروج إلى العراق درجته القطعيّة، وأصبح قراراً مُعلَناً، تتناقله وسائل الإعلام المكّي، بعث الإمام الحسين عليه السلام بكتابه هذا إلى بني هاشم في المدينة، يعدهم بنصر من الله وفتح قريب، ويحثّهم على الالتحاق بركب الفاتحين، ويرغّبهم بالنعيم ورفاهيّة العيش معه، ولكنّه نصرٌ بالقتل في سبيل الله، وفتحٌ إلهي في الدعوة إلى الله بحجم الفداء والتضحية، ونعيمٌ بمقامات الشهادة ودرجاتها الرفيعة عند الله تبارك وتعالى. ولم يتضمّن الكتاب أيّ إشارة أو تلميح إلى إمكانيّة النصر والفتح العسكري المسلّح.

النص الرابع: خطبته عليه السلام المشهورة، التي خطب بها أصحابه بمنزل ذي حسم([14])، جاء فيها قوله عليه السلام: «ليرغب المؤمن في لقاء الله محقاً، فإنّي لا أرى الموت إلّا شهادة([15])، ولا الحياة مع الظالمين إلّا برماً»([16]). فالركب الحسيني سائر للقاء الله بالشهادة، والخلاص من الحياة البائسة في ظلّ هيمنة الطغاة والظالمين.

النص الخامس: ما رواه الصدوق في معرض حديثه حول مسير الإمام الحسين عليه السلام إلى الكوفة، حيث قال: «ثم سار حتى نزل الرهيمة([17])، فورد عليه رجل من أهل الكوفة، يُكنّى أبا هرم، فقال: يا بن النبي، ما الذي أخرجك من المدينة؟ فقال: ويحك يا أبا هرم، شتموا عرضي فصبرت، وطلبوا مالي فصبرت، وطلبوا دمي فهربت، وأيم الله ليقتُلنّي، ثم ليلبسنّهم الله ذلاً شاملاً، وسيفاً قاطعاً، وليُسلّطن عليهم مَن يذلهم»([18]). فالحسين عليه السلام محاصر من قِبل السلطة الأُمويّة، وسوف يُقتل على كلّ حال، وقد اختار له الله تعالى القتل والشهادة في كربلاء؛ لأنّ ذلك هو الأفضل له وللأُمّة في علم الله عزوجل.

والمتحصّل من مجموع هذه النصوص والشواهد: أنّ الإمام الحسين عليه السلام كان مُقدِماً «عن علمٍ ووعي على تضحية مأساويّة نادرة، بنفسه وأهل بيته وأصحابه؛ ليهزّ ضمير الأُمّة الخامل، ويبعث في نفوسهم الحركة وروح التضحية والإقدام... ولم يكن يفكِّر في عمل عسكري على الإطلاق لمواجهة سلطان بني أُميّة»([19]).

وبعبارة أكثر تأثيراً: لقد ترك الحسين عليه السلام «مدينته وخرج من بيته نافضاً يديه من الحياة، مختاراً الموت، حيث كان لا يملك في مواجهة عدوّه سوى هذا السلاح العظيم (الموت). وبهذا السلاح واجه العدو وفضحه وهتك أقنعته، وهو إن لم يكن في مقدوره قهر العدو وهزيمته في ساحة القتال، ففي مقدوره ـ عبر الموت ـ أن يفضح هذا العدو. إنّه كإنسان أعزل وحيد وفي نفس الوقت مدرك لمسؤوليّته، لم يكن يملك إلّا سلاحه الواحد: تلك الميتة الحمراء!»([20]).

3ـ الخروج العلني ضد السلطة

لا ريب في أنّ الإمام الحسين عليه السلام قد رفض خلافة يزيد والبيعة له بصورة معلنة، وكذلك كان خروجه المناهض لسلطان بني أُميّة خروجاً علنيّاً في كل أحداثه ومراحله، ولم تكن هذه الحقيقة خافية على أحد في ذلك الحين، وفي هذا الضوء يحقّ لنا أن نتساءل: «هل كان لسياسي واعٍ يعيش في ظلِّ السلطة الأُمويّة القادرة، وتحت قبضة حكمها، وفي قلب قواعدها، أن يأخذ الموقف التالي: ينتفض بلد (الكوفة) ضدّ السلطة المركزيّة، فيوجّه دعوته إلى الحسين، طالباً منه النصرة والقيادة، ويلبّي الحسين الدعوة، مظهراً قبوله لقيادة تلك الانتفاضة، ثم يُعلن جهراً وبشكل رسمي أنّه متوجّه إلى البلد الثائر، ثمّ يصطحب نساءه وأطفاله وبني أخيه ورجاله، تضمّهم جميعاً قافلة ضخمة، تتحرك من بلد في قبضة العدو، قاطعة مئات الكيلومترات إلى مكّة، حيث تتواجد قوّة كبرى لهذا العدو... ثم يُعلن من مكّة وأمام كل هؤلاء: أنّه يريد الكوفة، ثمّ يتوجّه من غرب الجزيرة، قاطعاً القطر الشرقي للدولة، إلى العراق قاصداً الكوفة مركز الثورة والانتفاضة.. هل كان لسياسي واعٍ معارض، وقائد ثورة معادية، تتوفَّر له فرصة الخروج إلى أرض ثورته وميدانها، حيث تنتظره القواعد الثورية التي سيقاتل من مواقعها، لكي يقضي على السلطة ويُطيح بنظامها ويقوّض أركانها، هل كان يخرج بهذا الشكل العلني السافر، أم أنّه يحيط أمره بالكتمان، وهو الشيء البديهي؟ وهل كانت السلطة لتسمح له بالخروج والوصول إلى جنده ورجاله وقواعده وأسلحته، وتتركه يقطع الفيافي والصحاري علناً وتحت نظرها، فلا تقاتله أو تعتقله أو تُبيده؟! مثل هذا الرجل السياسي والقائد الثائر لا يفعل ذلك.. لكن الحسين بالعكس تماماً فعل ذلك! لقد أعلن: لن أبايع وسوف أغادر مهاجراً إلى الموت! قالها جهراً على مسمع من السلطة والناس، وخرج سافراً على مرأى من السلطة والناس، لم يتكتّم، بل لم يتخفّ»([21]).

4ـ نصائح الصحابة والتابعين والمحبّين بترك الخيار العسكري

حينما أعلن الإمام الحسين عليه السلام قرار خروجه إلى العراق؛ تلبية لنداء أهل الكوفة واستغاثتهم، اعترض طريقه مجموعة كبيرة من الناصحين والمشفقين، ونصحوه بالتريّث والتراجع عن قراره، وقد استشرفت نصائحهم مستقبل الثورة ومصير الحركة الحسينيّة، حيث اجتمعت كلمة الناصحين على أنّ الكوفة لا تصلح كقاعدة رصينة للتغيير، وأنّه لا يمكن أبداً الاعتماد على أهلها لإسقاط الحكم الأُموي عسكريّاً؛ لأنّهم أهل غدر ومكر، لا يُوفون بوعودهم وعهودهم، وأنّهم سينقلبون بسيوفهم على الحسين عليه السلام، وسينتهي الواقع السياسي والعسكري بجريمة الإبادة الجماعيّة، وهذا ما حصل بالفعل، ممّا يعني أنّ ما ترتب من نتائج مأساويّة على الحركة الحسينيّة كان أمراً واضحاً، أدركه عقلاء القوم وساستهم قبل حدوثه، واستقبلوه وعاينوه بشكل واضح، اعتماداً على رؤيتهم ومعايشتهم لأحداث الساعة آنذاك، فلم يكن هناك أيّ احتمال لطرح فرضيّة النصر العسكري الحسيني على سلطان بني أُميّة، وهذا ما لم يكن خافياً على الحسين عليه السلام؛ إذ كانت المعطيات لديه واضحة، وكان يُدرك بأنّه لا يمتلك أيّ قاعدة عسكريّة يمكن الاعتماد عليها لتحقيق الانتصار السياسي المسلّح، ما يعني أنّ ذلك لم يكن هو الهدف من القيام بوجه الطغاة، وإنّما كان الهدف هو الشهادة بصورة مأساوية؛ لفضح الأُمويين وأذنابهم، وتعريتهم أمام الرأي العام للمسلمين، وإسقاط دولتهم وحكومتهم الظالمة والفاسدة بدم الشهادة.

ولعلّ من أهمّ تلك النصائح: ما جاء في حديث عبد الله بن عبّاس، الذي عايش الواقع الكوفي في فترة خلافة أمير المؤمنين والإمام الحسن علیهما السلام، حيث خاطب الإمام الحسين عليه السلام بالقول: «قد بلغني أنّك تريد العراق، وإنّهم أهلُ غَدر، وإنّما يدعونك للحرب، فلا تعجل... إنّهم مَن خَبَرتَ وجرّبت، وهم أصحاب أبيك وأخيك، وقتلتك غداً مع أميرهم، إنّك لو قد خرجت فبلغ ابن زياد خروجك استنفرهم إليك، وكان الذين كتبوا إليك أشَدّ من عدوك»([22]).

ومن النصائح المهمّة أيضاً المرويّة في هذ المجال نصيحة أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث، ومن جملة ما جاء فيها قوله: «كان أبوك أقدم سابقة، وأحسن في الإسلام أثراً، وأشدّ بأساً، والناس له أرْجى، ومنه أسمع وعليه أجمع، فسار إلى معاوية والناس مجتمعون عليه، إلّا أهل الشام، وهو أعزّ منه، فخذلوه، وتثاقلوا عنه، حرصاً على الدنيا، وضناً بها، فجرَّعوه الغيظ وخالفوه، حتى صار إلى ما صار إليه من كرامة الله ورضوانه، ثم صنعوا بأخيك بعد أبيك ما صنعوا، وقد شهدْتَ ذلك كله ورأيته، ثم أنت تريد أن تسير إلى اللذين عَدَوا على أبيك وأخيك تقاتل بهم أهل الشام وأهل العراق ومَن هو أعدّ منك وأقوى، والناس منه أخوف، وله أرجى، فلو بلغهم مسيرك إليهم لاستطغوا الناس بالأموال، وهم عبيد الدنيا، فيقاتلك مَن وعدك أن ينصرك، ويخذلك مَن أنت أحبّ إليه ممّن ينصره، فاذكر الله في نفسك»([23]). ويمثّل هذا النص دراسة واعية ومتكاملة حول الوضع السياسي والعسكري الذي كان قائماً آنذاك، وأنه لا مجال للتغيير، وقد جازاه الإمام الحسين عليه السلام خيراً على رأيه هذا.

إذن، كانت هذه النصائح وغيرها تمثّل رؤى صائبة ودراسات واعية، خلصت إلى انعدام التكافؤ العسكري بين الجبهتين، وكان الحسين عليه السلام أعلم بذلك من ناصحيه، الذين لم يُدركوا أنّ هدف الخروج ـ وهو فضح الطغاة بدم الشهادة ـ لا يعتمد على التفوّق عسكريّاً، بل الأمر على العكس تماماً، وهو عليه السلام ما كان يريد أن يصارحهم بذلك؛ «ولذا كان عليه السلام يبدو عليه الإحراج مع كثير من ناصحيه من أهل الرأي والمعرفة، الذين يعتمدون المنطق في موازنة القوى. وأقوى ما كان يعتذر به، ممّا يصلح لأن يُقنع الناس، أنّه عليه السلام خرج من مكّة خشية أن تُهتك به حرمتها وحرمة الحرم..»([24]).

هذه هي أهمّ الشواهد والقرائن التي طُرحت في المقام، وبها أُغلق ملف التغيير الثوري المسلّح في الحركة الحسينيّة، فلم يكن الإمام عليه السلام يخطِّط لتوجيه ضربة عسكريّة لإسقاط النظام الحاكم.

الإجابة عن هذه الإشكالية

نحاول فيما يلي مناقشة الإشكالية من وجهين، فنجيب عنها أوّلاً من خلال طرح رؤيتنا المعاكسة حول الموضوع بصورة عامّة، ثم ننتقل بعد ذلك وبصورة تفصيليّة للردّ على القرائن والشواهد السابقة التي استُدلّ بها لإثبات صحّة مضمون هذه الإشكاليّة التاريخيّة، فيقع حديثنا في إطار الإجابتين التاليتين:

الإجابة الأُولى: رؤيتنا العامّة حول الحركة العسكرية المسلّحة ومحوريّتها في البرنامج

                                 السياسي للنهضة

في البداية ينبغي الاعتراف بأنّ الحديث حول هذا الموضوع لا يخلو من حساسية وخطورة معرفيّة؛ وذلك لارتباطه المباشر بالجانب العقدي؛ لأنّنا نتحدّث عن إمام معصوم بأعلى وأرفع درجات العصمة المطلقة، عالم بالغيب والشهادة، يحمل أهداف السماء ومبادئها، وارث الأنبياء والرسل والأوصياء، والصفوة من أهل البيت علیهم السلام، فكيف يقود انقلاباً عسكريّاً مسلّحاً تكون نتائجه عكسيّة ومأساويّة؟! وكيف يخرج رجل محارب وقائد عسكري إلى أعدائه بخطاب الموت والشهادة، ويحمل معه نساءه وأطفاله، وثلّة قليلة من أهل بيته، وبصورة سافرة ومُعلنة، يطوف بهم الفيافي والبلدان، ويقطع المسافات الطويلة في صعيد مكشوف، أمام هيمنة وطغيان النظام الحاكم؟! وكيف يعتمد في إسقاط حكم متجبّر، قويّ ومستقرّ، على وعود وعهود من مجتمع وجيش عُرف بالتخاذل والغدر والمكر والخيانة؟! ألا يتنافى ذلك كلّه مع علم الإمام وعصمته؟! ألا يكشف أيضاً عن سوء التخطيط وضعف التدبير العسكري والإخفاق في دراسة معطيات الواقع؟! ثمّ كيف يكون ابن عباس وأضرابه أدقّ وأصوب في قراءة المستقبل من الإمام الحسين عليه السلام؟!

هذه التساؤلات وغيرها تضعنا أمام مسؤولية تاريخيّة وعقدية كبيرة، فعلينا أن نتوخّى الدقّة والحذر إذا كنّا نعتقد بأنّ الحسين عليه السلام قد استهدف بخروجه الانقلاب المسلّح والتغيير العسكري للسلطة، في ظروف ـ كما نرى ـ كانت مُهيّأة للنصر وبناء الدولة العادلة!!

المصادرات والأُصول الموضوعة

في مقدّمة البحث وقبل الشروع في الإجابة أجد نفسي ملزماً بالتذكير ببعض الأُمور التي لا ينبغي أن نختلف فيها، أو هي أُصول موضوعة تبتني على معطيات الأبحاث الماضية:

1ـ إنّ الدوافع والأهداف لخروج الإمام الحسين عليه السلام كثيرة ومتنوّعة بتنوّع أبعاد النهضة واختلاف مراحلها؛ فهناك دوافع تكليفيّة تتطلّب محاربة الظلم والفساد عن طريق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقد كان هذا الدافع يُشكّل بُعداً ممتداً راسماً للحركة الحسينية المباركة في طول مسيرتها. كما أنّ هناك أيضاً دوافع رسالية، قد تستهدف الحفاظ على مقام الإمامة وشخص الإمام في المراحل الأُولى للنهضة، وهذا ما حصل بالخروج من المدينة كخروج موسى عليه السلام، وقد تستهدف تلك الدوافع الرساليّة أيضاً الحفاظ على مبادئ الرسالة الإلهية وجهود الأنبياء والمرسلين في الأُمّة ولو بدم الشهادة في مراحل لاحقة ومتأخّرة، وهذا ما حصل في نهاية المطاف. ومن الدوافع أيضاً ما يرتبط بالغيب، كالمقام المحمود عند الله الذي لا يناله الإمام الحسين عليه السلام إلّا بالشهادة.

هذه الأهداف وغيرها ترتبط جميعها بطبيعة التنوّع المرحلي والأبعاد المتعدّدة والآفاق الواسعة للنهضة، وليس من الموضوعية تطويقها بدائرة ضيّقة ومحدودة.

ومن الأهداف التي نؤمن بها أيضاً في بعض مراحل النهضة هي الأهداف السياسيّة، ومنها التخطيط للانقلاب العسكري، وتحريك الأُمّة باتجاه التغيير المسلّح لنظام الحكم الأُموي، وهذا ما حصل بالفعل ـ كما سنُبيّن ـ في مرحلة التواصل مع القواعد الشعبيّة والقوات المسلّحة في العراق.

2ـ إنّ النهضة في مراحلها الأخيرة قد فقدت القدرة على التفوّق العسكري وإمكانيّة التغيير المسلّح؛ وذلك بعد التقلّبات والأحداث المتسارعة في المنطقة، والتغيير المفاجئ في المواقف، وانقلاب الجيش الكوفي واصطفافه مع مرتزقة آل أبي سفيان، فوقع سيف الحسين عليه السلام بيد أعدائه، وأضحى احتمال التغيير منعدماً.

3ـ إنّ الإمام المعصوم عالم بالغيب، ومطّلع على عواقب الأُمور، ولكن ذكرنا في مقال سابق بأنّ هذا العلم قابل للتغيير والتبديل، ومحكوم بقانون البداء الإلهي العام، وموقوف على قرارات المشيئة الإلهية الفعليّة، وكذا المشيئة الذاتيّة المطلقة والحاكمة على كل شيء. فالعلم بالغيب لا يمنع المعصوم من النهوض بالأُمّة لتحقيق النصر والإصلاح، حتى وإن كانت مقادير الغيب لا تُضيء هذه الأهداف ولا تكشف عن طبيعة مكوّناتها، فيخرج المعصوم وينهض بالأُمّة لتغيير مقادير الغيب نحو الأفضل، ولو كان علم الغيب مانعاً، وكانت مقاديره محسومة النتائج، لما خرج النبي الأعظم صلى الله عليه وآله في معركة أُحد طلباً للنصر، ولما خرج أمير المؤمنين عليه السلام في معركة صفّين للقضاء على معاوية!!

إذا اتضحت هذه الأُمور المهمّة، واستحضرناها بصورة واعية، ننتقل إلى بيان المناقشة التفصيليّة لتلك الإشكاليّة التاريخيّة في إطار العنوان التالي:

القوّات المسلّحة الحسينيّة كانت هي الأقوى والأكفأ في العراق (دراسات ميدانيّة)

إنّ المعطيات التاريخيّة لعصر النهضة تكشف لنا بوضوح أبعاد ومديات التحرّك السياسي آنذاك، وتُنبئنا بأنّ التواجد الحسيني كان هو الأقوى والأكفأ في العراق، وأنّ التواجد الأُموي في هذه المنطقة بات ضعيفاً للغاية بعد هلاك معاوية، وكانت التوقّعات والدراسات الميدانيّة كلّها تشير إلى أنّ الحسين عليه السلام هو المتفوِّق عسكريّاً، وأنّه سوف ينتصر على أعدائه في الكوفة، فيما لو سارت الأُمور في سياقاتها الصحيحة والمخطِّط لها، وهذا ما صرَّح به السيّد المرتضى حينما قال في حديثه حول الحركة الحسينيّة: «إنّ أسباب الظفر بالأعداء كانت لائحة متوجّهة، وإنّ الاتفاق السيّء عكس الأمر وقلبه، حتى تمّ فيه ما تمّ» إلى أن يقول: «وهذا [أي الإمام الحسين عليه السلام] لما قوي في ظنّه النصرة ممّن كاتبه ووثق له، ورأى من أسباب قوّة أنصار الحق وضعف أنصار الباطل، ما وجب عليه الطلب والخروج»([25]).

وتمتلك هذه الرؤية التاريخيّة مجموعة كبيرة من الوثائق والحقائق الدامغة، التي لا يمكن تأويلها أو إنكارها أو التشكيك فيها، ونختار منها فيما يلي ـ للتدليل على ما ندّعي ـ ثلاث دراسات ميدانيّة، كلّها تؤكّد تلك الرؤية الإيجابيّة تجاه تفوّق الحركة الحسينيّة المسلّحة في الكوفة:

الأُولى: دراسة كبار القادة العسكريين في الجيش الإسلامي

كان المجتمع الكوفي في تواصل دائم ومستمرّ مع الحسين عليه السلام في حياة معاوية، وبعد هلاكه علم أهل الكوفة بأنّ الحسين عليه السلام قد أعلن رفضه إعطاء البيعة ليزيد بن معاوية، وأنّه خرج في إثر ذلك من المدينة واستقرّ في مكّة المكرّمة، وأنّ ذاته المقدّسة وحياته الشريفة لا زالت مهدّدة بالخطر من قبل السلطات الأُموية الجائرة، فأثارهم هذا الواقع المرير والمؤسف الذي يعيشه ريحانة رسول الله صلى الله عليه وآله، وأحسّوا من أنفسهم بأنّهم شيعته وأقرب الناس إليه وأولاهم بالنصرة وحماية إمامهم وابن بنت نبيّهم، فاجتمعوا في منزل (سليمان بن صُرد الخزاعي) يتدارسون الأمر لاتخاذ الموقف المناسب، وكان (سليمان بن صُرد) أوّل مَن افتتح الحديث في هذا الموضوع قائلاً: «إنّ معاوية قد هلك، وإنّ حسيناً قد تقبّض على القوم ببيعته، وقد خرج إلى مكّة، وأنتم شيعته وشيعة أبيه [وقد احتاج إلى نصرتكم اليوم]([26])، فإن كنتم تعلمون أنّكم ناصروه ومجاهدو عدوه فاكتبوا إليه»([27]). فأجابوه جميعهم بالإيجاب والقبول والترحيب، وأجمعوا على أنّهم الأَولى والأجدر باحتضان النهضة الحسينيّة المباركة، وأنّهم مستعدّون وقادرون على تقديم الدعم الكامل لإنجاحها وتطبيق مبادئها الإلهيّة، فقرّروا أن يرفعوا بذلك كتاباً وتقريراً مفصّلاً للإمام عليه السلام، يؤكّدون فيه جاهزيّتهم واستعدادهم للمواجهة والتضحية في سبيل النهضة وإمامها. وقد تضمّن تقريرهم هذا دراسة مفصّلة ومتكاملة، يذكرون فيها أسباب وموجبات التفوّق البشري والعسكري الذي يحظون به في المنطقة عموماً، وفي الكوفة على وجه الخصوص.

وهنا ينبغي أن نقف متأمّلين في مضمون هذه الدراسة الميدانيّة المهمّة، التي دوّنها ووضعها بين يدي الإمام الحسين عليه السلام مجموعة من كبار الشيعة المخلصين من ذوي الخبرة العالية، وخيرة القادة العسكريين في الجيش الإسلامي، الذين خاضوا الحروب والتجارب العسكريّة المتنوّعة في ميادين القتال، وخصوصاً في الحروب والمعارك العلويّة لمواجهة الجيش الأُموي في الشام.

لقد كان محتوى تلك الدراسة ومضمونها هو أنّ الكوفة مهيأة ـ من الناحية الاجتماعية والعقدية والسياسية والعسكريّة ـ لاحتضان النهضة الحسينيّة، جاء ذلك ـ كما أشرنا ـ بعد مؤتمر واجتماع موسّع لكبار الشيعة ووجهائها، حيث تمّ فيه تداول الأوضاع العامّة، وأحداث الساعة، والتحوّلات السياسيّة التي تمرّ بها البلدان الإسلاميّة، والموقف الذي ينبغي اتخاذه في الظرف الحالي؛ وبعد المداولات قرّر المؤتمرون بأنّ الكوفة قادرة على التغيير العسكري للسلطة، وأنّ خير مَن يقود هذا التغيير نحو الأفضل والأصلح هو الحسين بن علي علیهما السلام، فبعثوا له كتباً ورسائل كثيرة ومتوالية، تتضمّن دراسة دقيقة للواقع الكوفي والاستعداد التام لإنجاح النهضة، ومن جملة ما جاء فيها كما في كتاب الفتوح لابن أعثم وغيره: «إلى الحسين بن علي، من سليمان بن صرد([28])، والمسيب بن نجبة([29])، وحبيب بن مظاهر([30])، ورفاعة بن شداد([31])، وعبد الله بن وال([32])، وجماعة شيعته من المؤمنين، أمّا بعد؛ فالحمد لله الذي قصم عدوّك... نحن مقاتلون معك وباذلون أنفسنا من دونك، فأقبل إلينا فرحاً مسروراً، مأموناً مباركاً، سديداً وسيّداً، أميراً مطاعاً، إماماً خليفة علينا مهدياً، فإنّه ليس علينا إمام ولا أمير، إلّا النعمان بن بشير، وهو في قصر الإمارة وحيد طريد، ليس يُجتمع معه في جمعة، ولا يُخرج معه إلى عيد، ولا يؤدّى إليه الخراج، يدعو فلا يُجاب، ويأمر فلا يطاع، ولو بلغنا أنّك قد أقبلت إلينا أخرجناه عنّا حتى يلحق بالشام، فأَقدِمْ إلينا، فلعلّ الله عزوجل أن يجمعنا بك على الحق»([33]). ثم ألحقوه بكتاب آخر يؤكِّدون فيه بأنّ «الناس ينتظرونك، ولا رأي لهم في غيرك، فالعجل العجل»([34]).

هذا هو رأي خمسة من كبار الشيعة وقادتها، وهو أيضاً رأي عموم الشيعة، وفيهم هانئ بن عروة، وعبد الله بن سبع الهمداني، وقيس بن مسهّر الصيداوي، وعابس بن أبي شبيب الشاكري، وعبد الرحمن بن عبد الله الأرحبي، وعمارة بن عبيد السلولي، وهانئ بن هانئ السبيعي، ومسلم بن عوسجة، وسعيد بن عبد الله الحنفي، وغيرهم من وجهاء الشيعة وثقاتها، وفيهم مَن نال مقام الشهادة مع الإمام الحسين عليه السلام في كربلاء.

وقد احتوى هذا النصّ التاريخي البالغ الأهميّة على مجموعة من الحقائق الميدانيّة التي تُمثّل صمام أمان لانتصار النهضة وإصلاح الأُمّة، وهي ما يلي:

1ـ إدراك المواطنين الكوفييّن لمبادئ النهضة وإيمانهم بها، واشتياقهم لإمام زمانهم وقائد مسيرتهم الحسين عليه السلام، واستعدادهم التام للجهاد والقتال والتضحية في هذا السبيل.

2ـ إنّ الحسين عليه السلام سيكون آمناً في الكوفة على نفسه وأهله وخاصّته وذويه، وسيكون قادراً على تحقيق وتفعيل مبادئ النهضة والتغيير في الأُمّة.

3ـ إنّ وجود السلطة الحاكمة ضعيف جدّاً في الكوفة، فهي لا تملك فيها شيئاً من مقوّمات القدرة، وتفتقر للدعم البشري والمالي والعسكري، وليس لها في نفوس الناس هيبة ولا وقار ولا سُلطان.

4ـ إنّ الوجود الضعيف للسلطة الحاكمة في الكوفة، والمتمثّل بالنعمان بن بشير وجهازه الحكومي، يمكن عزله والقضاء عليه متى شاء الإمام الحسين عليه السلام ذلك.

وهذا كلّه يعني أنّ انتصار النهضة الحسينيّة في الكوفة أمرٌ مفروغ عنه بحسب المقاييس السياسيّة والعسكريّة، ومن هنا طالبوا الإمام عليه السلام بالإسراع في القدوم عليهم. هذه هي رؤية الخلّص من شيعة أهل البيت علیهم السلام بالنسبة للواقع الكوفي الذي يُعايشونه عن كثب ومتابعة جادّة ومسؤولة.

ولا شكّ أنّ هؤلاء القادة السياسيين والمجاهدين المخلصين من الشيعة هم الأكثر تماسّاً بمجتمعهم، والأقرب لمحلّ الحدث، والأعرف بمتغيّرات ومستجدّات الواقع الكوفي من غيرهم، وهؤلاء هم الذين انتصر بجهادهم وجهودهم وتضحياتهم أمير المؤمنين عليه السلام في مجمل حروبه ومعاركه، ومدحهم مراراً بهذا الشأن، وقد كان رأيهم بالإجماع أنّ الحسين عليه السلام لو جاءهم سيُحقّق أهدافه وينتصر على أعدائه، وأنّهم في الكوفة يُشكّلون قوّة بشريّة وعسكريّة مسلّحة كافية للوقوف بوجه الطغاة، وإسقاط حكومة الجور والظلم والفساد، وإقامة الحكومة الربانيّة العادلة بقيادة الإمام المعصوم.

ونحن لا نجد أيّ مبرر عقلائي لإغفال هذه الآراء المسؤولة والدراسات الميدانيّة، والمبادرة لتقديم بعض الآراء الأُخرى المخالفة لها، والمبتنية على معطيات ومعلومات سابقة وقديمة جدّاً، مُستقاة في الغالب من الموقف الكوفي المتخاذل في أواخر خلافة أمير المؤمنين عليه السلام، وفي فترة خلافة الحسن عليه السلام، أي مُنذ عشرين عاماً، كما هو الحال في رأي ابن عباس، حينما أشار على الحسين عليه السلام بعدم الخروج إلى الكوفة؛ لأنّ سكّانها أهل غدر ومكر. ابن عباس الذي ابتعد عن الواقع الكوفي أكثر من عشرين عاماً بعد الصلح مع معاوية، كيف يُقدَّم رأيه على رأي سليمان بن صرد الخزاعي وحبيب بن مظاهر ومسلم بن عوسجة وعابس الشاكري وأمثالهم، ممّن عايش أحداث الكوفة بآلامها وآمالها والمستجدّات فيها؟!

وأما كون النتيجة النهائية للنهضة جاءت متطابقة مع تكهّنات ابن عبّاس، فهذا لا يصلح أبداً لأن يكون مبرّراً لتصحيح رأيه وتخطئة آراء الآخرين، كما سننبّه على ذلك لاحقاً.

الثانية: دراسة مسلم بن عقيل

بعد مرور (ستة وثلاثين) يوماً على تواجد الحسين عليه السلام في مكّة المكرّمة، وفي العاشر من شهر رمضان بدأت كُتُب الشيعة من أهل الكوفة ورسلهم تتوالى على الإمام عليه السلام وبشكل متواصل، وكانت الرسل والوفود الكوفية تنتظر الردّ، وتتمنّى أن يكون إيجابيّاً، وبقي الإمام عليه السلام أيّاماً لا يتحدّث مع أحد في الموضوع، ويتريّث في الأمر، ويستمهلهم لدراسة الموضوع واستخارة الله تبارك وتعالى بهذا الشأن، وبعد الإلحاح والطلب الحثيث لمعرفة الجواب والقرار النهائي «قام الحسين عليه السلام فتطهّر وصلّى ركعتين بين الركن والمقام، ثم انفتل من صلاته وسأل ربَّه الخير فيما كتب إليه أهل الكوفة، ثم جمع الرسُل، فقال لهم: إنّي رأيت جدّي رسول الله صلى الله عليه وآله في منامي وقد أمرني بأمر وأنا ماضٍ لأمره، فعزم الله لي بالخير، إنّه وليُّ ذلك والقادر عليه إن شاء الله تعالى»([35]). ثم أخبرهم بأنّه سيبعث موفوداً عنه «ليعرف طاعتهم وأمرهم، ويكتب إليه بحالهم ورأيهم»([36]). وقام باستدعاء ابن عمّه مسلم بن عقيل، وكلّفه بمهمّة استطلاع ودراسة الملف الكوفي، قائلاً له: «قد رأيتُ أن تسيرَ إلى الكوفة، فتنظر ما اجتمع عليه رأي أهلها، فإن كانوا على ما أتتني به كُتُبهم، فعجّل عليّ بكتابك؛ لأُسرع القدوم عليك، وإن تكن الأُخرى، فعجّل الانصراف»([37]). وأمره كذلك «بتقوى الله وكتمان أمره واللطف»([38])، وأن يدعو الناس إلى طاعته، وخذلان آل أبي سفيان. وكتب عليه السلام إلى أهل الكوفة كتاباً مفصّلاً، ومن جملة ما جاء فيه قوله: «وإنّي باعث إليكم بأخي وابن عمّي وثقتي من أهلي (مسلم بن عقيل)؛ ليعلم لي كنه أمركم، ويكتب إليَّ بما يتبيّن له من اجتماعكم، فإن كان أمركم على ما أتتني به كتبكم، وأخبرتني به رسلكم، أسرعتُ القدوم عليكم إن شاء الله»([39]). وأمرهم أن ينهضوا بالأمر بقيادة ابن عمّه، وأن يبايعوه وينصروه إلى حين قدومه عليه السلام.

وقد باشر مبعوث الحسين عليه السلام فور وصوله الكوفة بأداء مهمّته بأحسن وجه، وقام بدراسة الأوضاع الاجتماعيّة والسياسيّة والعسكريّة من كل جوانبها وبصورة دقيقة وتفصيليّة، وعلى درجة عالية من السريّة والكتمان، كما أمره الإمام عليه السلام، وبمدّة قاربت الأربعين يوماً إلى حين اتخاذ القرار النهائي وبشكل إيجابي، وكان من أهم إنجازات هذه الفترة تشكيل قوّة عسكرية ضخمة مضحّية، يفوق عددها الثمانية عشر ألف رجل من الشيعة، كلّهم قد بايعوه على الجهاد والقتال والنصر أو الموت بين يديه.

وبموجب ذلك كلّه، وفي ضوء المعطيات الميدانيّة الوافرة التي يطول الحديث باستعراضها، كان الرأي الذي تشكّل لدى مسلم بن عقيل ـ الثقة المأمون والعالم النبه والأقرب من مكان الحدث وزمانه ـ واضحاً وصريحاً في أنّ الأجواء مهيّأة تماماً لاستلام السلطة، وأنّ الدعم البشري والعسكري كافٍ لتحقيق النصر وقيام دولة العدل والإيمان، وأنّ الحسين عليه السلام لو تحرّك نحو الكوفة فإنّه سيتولّى القيادة والحُكم فيها بيُسرٍ وعافية. وفي ضوء هذه المعطيات أبرق إليه كتاباً يقول فيه: «أمّا بعد، فإنّ الرائد لا يكذب أهله، وقد بايعني من أهل الكوفة ثمانية عشر ألفاً، فعجّل الإقبال حين يأتيك كتابي، فإن الناس كلّهم معك، ليس لهم في آل معاوية رأي ولا هوى، والسلام»([40]).

والحاصل: إنّ الحسين عليه السلام كان ينتظر التقرير الذي سيرفعه مبعوثه إلى الكوفة الثقة العالم الأمين مسلم بن عقيل، فإن كان سلبيّاً امتنع عن الخروج إليهم، وإن كان إيجابيّاً وعلى طبق مضمون كتبهم وأقوال رسلهم، خرج إليهم لإقامة حكم الله في الأرض، وهذا ما أكّده عليه السلام في كتابه لأهل الكوفة كما في تذكرة الخواص: «فإن كتب إليّ أنّه قد اجتمع رأي ملئكم وذوي الحجا منكم على مثل ما قدمت رسلكم قدمتُ عليكم، وإلّا لم أُقدم»([41]). فخروج الحسين عليه السلام إلى الكوفة لم يكن قدراً محتوماً وقضاءً ناجزاً على كل حال، بل كان قراراً موقوفاً على وجود قوّة عسكريّة كافية للقيام المسلّح بوجه الحكم الأُموي المستبدّ، وكان تحديد هذا الأمر موكولاً إلى ما يتوصّل إليه المبعوث الحسيني من خلال دراسته الميدانيّة لمجمل الأوضاع في الكوفة، وكانت النتيجة الإيجابيّة التي رُفعت إلى الحسين عليه السلام هي الباعث الأساس الذي دعاه للخروج إلى الكوفة، ولو كانت النتيجة سلبية وغير مُطمئنة تجاه الوضع الكوفي، فإنّ الحسين عليه السلام لا يخرج إلى الكوفة أبداً.

وفي هذا الضوء نفهم مضمون كلام الإمام الحسين عليه السلام حينما خاطب معسكر عمر بن سعد في كربلاء قائلاً: «تَبّاً لَكُمْ أَيَّتُهَا الجَماعَةُ وَتَرْحاً وَبُؤُساً لَكُمْ! حينَ اسْتَصْرَخْتُمُونا وَلهينَ، فَأَصْرَخْناكُمْ مُوْجِفينَ، فَشَحِذْتُمْ عَلَيْنا سَيْفاً كانَ في أَيْدينا، وَحَمَشْتُمْ عَلَيْنا ناراً أَضْرَمْناها عَلى عَدُوِّكُمْ وَعَدُوِّنا، فَأَصْبَحْتُمْ الباً عَلى أَوْلِيائِكُمْ»([42]). فإنَّ هذا النصّ الشريف صريح في أنّ الكوفة كانت منذ فترة قريبة تُشكّل قوّة عسكريّة كبيرة مؤهّلة للانقلاب العسكري، وكان أمرُ هذه القوّة بيد الإمام الحسين عليه السلام، وكانت أهدافها مواجهة الأعداء والقضاء على التواجد الأُموي في المنطقة، وإقامة حكم الله في الأرض، لكن الخذلان وسوء الاختيار الذي أدّى إلى وضع ذلك السيف الحسيني الكوفي بيد الأعداء، كان هو السبب الأساس لتغيّر الأوضاع السياسيّة، وانقلاب معادلات القوى العسكريّة.

ونستنتج من مجمل هذا العرض والدراسة الميدانيّة للواقع الكوفي الأُمور التاليّة:

1ـ إنّ الأمر النبوي الذي وُجِّه للحسين عليه السلام في المنام، هو وجوب الخروج إلى الكوفة بهدف التغيير السياسي، وتحريك عجلة المقادير الإلهية، وإسقاط الحكم الأُموي عسكريّاً، وأن يوطّن الإمام عليه السلام نفسه على كل الاحتمالات، فقد شاء الله تعالى في ضوء معطيات الواقع أن يخرج الحسين عليه السلام للإصلاح والتغيير، حتى لو أدّى خروجه إلى الشهادة والقتل بصورة مأساوية، فإمّا النصر أو الشهادة.

2ـ إنّ مسلم بن عقيل كان مأُموراً بالاستقرار في الكوفة، والتعامل مع أهلها بهدوء ولطف وتحمّل، وأن يُرسِل كتاباً للإمام عليه السلام يدعوه فيه للمجيء إلى الكوفة، فيما لو وجد الأُمور على ما يُرام، وهو مأُمور أيضاً في مرحلة لاحقة بالتبليغ المعلن للنهضة الحسينيّة، وشنّ حملة إعلاميّة مضادّة على الحكم الأُموي الفاسد، والعمل على تهيئة الظروف والأجواء للقيام المسلّح تمهيداً للنهضة إلى حين مجيء الحسين عليه السلام، كما جاء ذلك صريحاً في كتابه لأهل الكوفة: «فقوموا مع ابن عمّي وبايعوه وانصروه ولا تخذلوه»([43]).

3ـ إن مسلم بن عقيل كان مأُموراً بالانصراف سريعاً وترك الكوفة، فيما لو وجد الأُمور على غير ما يُرام، وحينها سيترك الحسين عليه السلام الخيار الكوفي، ويُسقطه من حسابات النهضة.

4ـ كانت دراسة مسلم بن عقيل لمجمل الأوضاع في الكوفة إيجابيّة وباعثة على الاطمئنان، وبذلك كتب للحسين عليه السلام، يدعوه للإسراع بالخروج والإقبال على الكوفة، وفي هذا الضوء أعلن الإمام عليه السلام قرار الخروج إلى الكوفة متوكّلاً على الله تعالى، وموطّناً نفسه على النصر أو الشهادة.

5ـ انفتحت النهضة في مراحلها الوسطى على فرضيّة النصر المسلّح وإمكانية التفوق العسكري، وكانت النهضة في هذه المرحلة سرّية للغاية، ويمكن تحديدها بثلاثة أشهر تقريباً، من حين التواصل مع أهل الكوفة (العاشر من شهر رمضان) وحتى لحظة اتخاذ قرار الخروج من مكّة المكرّمة (الثامن من شهر ذي الحجة).

وفي بدايات هذه المرحلة الحساسة كان الحسين عليه السلام لا ينفتح مع أحد بالحديث حول الشأن الكوفي، إلى أن اتخذ قرار التواصل معهم، وقد أمر مبعوثه إليهم بالتزام الكتمان والسريّة التامة، وهذا ما حصل بالفعل، فقد كان دخول مسلم بن عقيل إلى الكوفة واستقراره فيها بشكل سرّي، ولم يطلع على ذلك إلّا المقرّبون والمأمونون من الشيعة، وحتى البيعة كانت تؤخذ سرّاً وبالخفاء، ففي الأمالي الشجريّة: «كان الحسين عليه السلام قدّم مسلم بن عقيل يبايع له في السرّ إلى الكوفة»([44]). وفي هذا الضوء سارت الأُمور، ففي شرح الأخبار: «كان مسلم بن عقيل قد بايع له جماعة من أهل الكوفة في استتارهم»([45]). وفي نص ثالث: «ولم يزل مسلم بن عقيل يأخذ البيعة من أهل الكوفة، حتى بايعه منهم ثمانية عشر ألف رجل في ستر ورفق»([46]).

إذن، كانت النهضة في مرحلة الانقلاب والتغيير العسكري للسلطة مُحاطة بالتعتيم التامّ والسريّة المطلقة، ولا نستبعد أن يخفى ذلك أيضاً على الشخصيات المعروفة والبارزة في مكة والمدينة، من أمثال: عبد الله بن عباس وعبد الله بن الزبير ومحمد بن الحنفيّة وغيرهم، وهذا ما يظهر بوضوح من حديثهم مع الإمام عليه السلام لحظة إعلان قرار خروجه من مكّة إلى الكوفة في السادس أو السابع من شهر ذي الحجة، حيث فوجئوا بالقرار واعترضوا عليه بناءً على ما لديهم من معطيات قديمة جدّاً حول المجتمع الكوفي، وهذا ما استقربه أيضاً السيّد المرتضى في قوله: «لعل ابن عباس لم يقف على ما كوتب به من الكوفة، وما تردّد في ذلك من المكاتبات والمراسلات والعهود والمواثيق»([47]).

ونحن نرى بأنّ مسلم بن عقيل هو الأَحقّ والأجدر بالحديث حول أهل الكوفة؛ لأنّه كان الأعلم بالواقع الكوفي من ابن عباس وغيره، ممّن ابتعدوا كثيراً عن الأحداث والوقائع والتطورات الكوفيّة، وقد خالفهم في رؤيتهم، وقرّر بأنّ الكوفة على استعداد تامّ لاستقبال النهضة، وفي هذا الضوء قرّر الحسين عليه السلام أيضاً الخروج ونَقْل النهضة إليها، تاركاً خلفه الآراء القديمة والبالية، والتي هو أعلم بها من أصحابها.

كتاب الإمام الحسين عليه السلام إلى رؤساء البصرة وأشرافها

الذي يظهر من مجموع النصوص التاريخية الواردة في توثيق هذه المرحلة من النهضة، أنّ الإمام الحسين عليه السلام بعد أن استوثق من موقف أهل الكوفة، أرسل كتاباً عاجلاً إلى رؤساء أهل البصرة وأشرافها، «يدعوهم فيه إلى نصرته والقيام معه في حقّه»([48])، والطاعة والانقياد لأوامره، ومن جملة ما جاء في الكتاب قوله عليه السلام: «وأنا أدعوكم إلى كتاب الله وسنّة نبيّه، فإنّ السنّة قد أُميتت، وإن البدعة قد أُحييت، وإنّ تسمعوا قولي وتطيعوا أمري أهدكم سبيل الرشاد»([49]). وكان يزيد بن مسعود النهشلي ممّن أُرسل إليهم الكتاب، فعقد على إثره مؤتمراً عامّاً جمع بني تميم وبني سعد، وأخذ منهم البيعة والموافقة على نصرة الحسين عليه السلام في نهضته، وكتب بذلك كتاباً مفصلاً للإمام عليه السلام يخبره فيه باستعدادهم التام لتقديم الدعم العسكري للنهضة، ويقول فيه: «وصل كتابك، وفهمت ما ندبتني إليه ودعوتني له، من الأخذ بحظي من طاعتك والفوز بنصيبي من نصرتك... فأَقدِم سعدت بأسعد طائر، فقد ذلّلت لك أعناق بني تميم، وتركتهم أشدّ تتابعاً في طاعتك من الإبل الظماء لورود الماء يوم خمسها وكظها، وقد ذلّلت لك رقاب بني سعد». فلما قرأ الحسين عليه السلام الكتاب، قال: «آمنك الله يوم الخوف، وأعزّك وأرواك يوم العطش الأكبر»([50]).

وما نريد قوله هنا: هو أنّه سوف لا يبقى أيّ مُبرّر لإرسال هذا الكتاب لو لم يكن الإمام عليه السلام ساعياً للنصر ومُطمئناً بإمكانيّة تشكيل قوّة عسكرية قادرة على إسقاط النظام الأُموي في العراق، فأيّ معنى يبقى لهذا الكتاب لو كان الحسين عليه السلام ساعياً لأجله وقدره المحتوم، وخارجاً لنيل مقام الشهادة مظلوماً بيد أعدائه؟! ألم يكن من الأجدر لتحصيل هذا الهدف هو السكوت وترك الاستنصار كي ينال عليه السلام غايته سريعاً؟!

إذن، كان الحسين عليه السلام ـ وبموجب مكاتباته السياسيّة ـ يرى بأنّ التغيير العسكري المسلّح للسلطة أمرٌ ممكن، وكان يدعو الناس ويستنصرهم لذلك، بل إنّ مكاتباته ورسائله كلّها (للكوفة والبصرة وغيرهما) كانت تؤذن بإمكانية انتصار الثورة سياسياً وعسكريّاً.

وكان يرى الحسين عليه السلام أيضاً ـ بموجب هذا الكتاب ـ أنّ الكوفة ستكون انطلاقة أُولى لانضمام سائر الولايات والبلدان الإسلامية الأُخرى إليها، ودخولها تحت سلطة الخلافة الإلهية العادلة.

الثالثة: دراسة أزلام النظام الحاكم

لم تكن تلك القراءة الحسينيّة الإيجابية للواقع الكوفي خافية على مرتزقة يزيد وجواسيسه، حيث أحسّوا بالخطر، وعلموا يقيناً بأنّ الأوضاع لو بقيت على ما هي عليه، فإنّ الحسين عليه السلام هو المنتصر لا محالة، وأنّ مسلم بن عقيل يسير بجدّ وجدارة عالية باتجاه حسم الأُمور لصالح النهضة، فبادروا بإرسال الكتب والنصائح والنُذر إلى طاغية الشام، يخبرونه بخطورة الموقف، وأنّ الكوفة ستخرج من نطاق حكمه وسلطانه، وأنّ التواجد الحسيني أضحى هو الأقوى والأكفأ في المنطقة. ومن جملة ما دوّنوه في كتبهم قولهم: «أمّا بعد، فإنّ مسلم بن عقيل قد قدم الكوفة، وقد بايعه الشيعة للحسين بن علي، وهم خلق كثير، فإن كان لك في الكوفة حاجة، فابعث إليها رجلاً قوياً ينفذ فيها أمرك، ويعمل فيها بعملك من عدوك»([51]). وفي كتاب آخر: «فإنّ يكن لك في سلطانك حاجة، فبادر إليه مَن يقوم بأمرك»([52]).

وهكذا استشعر يزيد الخطر الكبير الذي يُهدّد مُلكه وسلطانه، وبادر إلى الاستشارة العاجلة في هذا الأمر، وكان القرار بعد المداولة الجادّة هو الإسراع في العمل على التغيير الحكومي بما يناسب خطورة المرحلة، فوقع الاختيار على السفّاح المجرم عبيد الله بن زياد ليتولّى أمر الكوفة، فبعث إليه كتاباً مفصّلاً وعاجلاً يحثّه فيه على مسك الملف الكوفي فوراً، ويخبره بأنّ مسلم بن عقيل قد نزل في الكوفة يجمع الجموع للحسين بن علي، «وقد اجتمع إليه خلق كثير من شيعة أبي تراب»([53])، ويأمره بالتوجّه مسرعاً إلى الكوفة، ويخاطبه قائلاً: «فالعجل العجل، والوحا الوحا»([54])، «إن كان لك جناحان، فطر إلى الكوفة»([55])، «وشدَّد عليه في تحصيل مسلم وقتله»([56])، وأن يبعث إليه برأسه، «وأن يتيقّظ في أمر الحسين بن علي، ويكون على استعداد له»([57])، «فأقبل عبيد الله بن زياد على الظَّهر سريعاً، حتى قدم الكوفة»([58])، وفعل ما فعل بأهلها من الجرائم ما يملأ بطون التاريخ.

ولقد بلغ بيزيد الخوف والاضطراب من التحرّك (الكوفي/الحسيني) مبلغاً عظيماً، فوجّه كتاباً مفصّلاً لابن عباس، يُخبره بذلك، ويُطالبه بإقناع الحسين عليه السلام ألّا يتواصل مع أهل الكوفة، وألّا يخرج إليهم، حيث يقول: «بلغني أنّ رجالاً من شيعته من أهل العراق يُكاتبونه ويُكاتبهم، ويُمنّونه الخلافة ويُمنّيهم الإمارة... فألقه واردده عن السعي في الفرقة، وردّ هذه الأُمّة عن الفتنة، فإن قبل منك وأناب إليك فله عندي الأمان والكرامة الواسعة»([59]). وما يلمسه القارئ بوضوح في هذا الكتاب، هو عبارات التخوّف الشديد من أبعاد الحركة الحسينيّة وارتباطها بالواقع الكوفي.

إنّ هذه الدراسة الميدانيّة لمعالم التقدّم الحسيني في الكوفة، والاضطراب والخوف الشديدين، والتحرك السريع لتدارك الموقف، والقرارات الحاسمة التعسّفية، وترقّب النتائج على حذر ويقظة تامّة، كل ذلك يكشف وبوضوح عن صحّة وواقعية الدراسة التي رفعها مسلم بن عقيل للإمام الحسين عليه السلام، وأنّ الإمام عليه السلام قد تحرّك بالاتجاه الصحيح وقرأ الواقع كما ينبغي، واتخذ القرارات المناسبة على بصيرة من أمره، ودراية تامّة بمجريات الأُمور. وهذا ما كان يجهله ابن عبّاس وغيره في مكّة والمدينة.

وأمّا انكفاء النهضة بعد ذلك، وتطابق النتائج النهائية مع آراء بعض الناصحين من أمثال ابن عباس وغيره، فلا يحمل أيّ دلالة على أنّ رؤيتهم تجاه الواقع الكوفي الفعلي كانت هي الصحيحة، وأنّ تلك النتائج كانت معلومة ومحسومة في رأي عقلاء القوم، وأنّ الحسين عليه السلام كان على يقين من ذلك، وإنّما خرج لنيل الشهادة وفضح الظلمة والمفسدين. ليس في آرائهم ونصائحهم أيّ دلالة على شيء من ذلك.

وإنّما نعتقد بأنّ الحسين عليه السلام قد خرج في ضوء معطيات صحيحة وصائبة في نظر ذوي الخبرة والقادة الميدانيين، وهي تُوصله ـ لو سارت الأُمور بمسارها الصحيح ـ إلى تحقيق النصر العسكري وإقامة الحكومة العادلة. وتبقى النتائج النهائية وعواقب الأُمور موكولة إلى الله تعالى.

ونظير ذلك ما هو مذكور مفصّلاً في كتب التاريخ حول خروج النبي صلى الله عليه وآله إلى القتال في معركة أُحد([60])، حيث خرج صلى الله عليه وآله من المدينة لمواجهة مشركي مكّة، وذلك في ضوء معطيات وتقارير ورؤى واستشارات صحيحة وموضوعيّة أدلى بها كبار الصحابة من ذوي الرأي والخبرة، وأكّدوا بأنّ الخروج من المدينة لمواجهة الأعداء هو الأسلم، وستكون نتيجته النصر على طغاة مكّة، ولكن في المقابل كان رأي عبد الله بن أُبيّ المنافق هو البقاء في المدينة، وعدم الخروج منها، والتحصّن فيها، ومقاتلة المشركين على طريقة حرب الشوارع، وأنّ الخروج سيُعرّض المسلمين للهزيمة والقتل. والنبي الأكرم صلى الله عليه وآله في نهاية المطاف أعرض عن رأي ابن أُبيّ، وأخذ برأي الحمزة وكبار الصحابة من المهاجرين والأنصار، وحرّض المسلمين على القتال، «وأمرهم بالجدّ والجهاد، وأخبرهم أنّ لهم النصر ما صبروا»([61]). ولكن كانت النتائج متطابقة مع رأي ابن أُبي، حيث خسر المسلمون المعركة، وقُتل خيرة رجالات الإسلام، وأُصيب النبي صلى الله عليه وآله بجروح بالغة. فهل هذا يعني أنّ رأي المنافق ابن أُبي كان صائباً؟! وأنّ القرار الذي اتخذه النبي صلى الله عليه وآله كان مخطئاً؟! كلا، بل كان قرار النبي صلى الله عليه وآله هو الصائب؛ لأنّه مبتنٍ على مبررات موضوعية تكون نتيجتها النصر لو التزم المسلمون بالصبر والخطط القتالية وتوجيهات القادة الميدانيين في المعركة، ولكن وقع ما وقع من تقصير المقاتلين في وظائفهم؛ ما أدّى إلى الهزيمة. ولكن يبقى قرار النبي الأكرم صلى الله عليه وآله صائباً، وإن تطابقت النتائج مع رأي ابن أُبي. وهكذا الحال بالنسبة إلى سائر المعارك التي تكون من هذا القبيل، نظير ما جرى في معركة صفّين وغيرها. والذي يُصحّح الموقف هو السير في ضوء الدراسات والمبرّرات الموضوعيّة، وتبقى المقادير النهائيّة بيد الله تبارك وتعالى.

والنتيجة: إنّ الرؤية التي نؤمن بها ونعتقد بأنّها مطابقة للمعطيات التاريخيّة والميدانيّة في ذلك الحين، هي كون التغيير السياسي للسلطة والانقلاب العسكري المسلّح لاستلام الحكم، من أهمّ دوافع وأهداف النهضة الحسينيّة المباركة، ولكنّه كان يُشكّل حقبة خاصّة من تاريخها، ومرحلة معيّنة ومصيريّة من مراحلها، ابتدأت بعد استقرار الإمام عليه السلام في مكّة المكرّمة وحينما بدأ التواصل مع المجتمع الكوفي، وانتهت حينما انقلب الناس على عهدهم وبيعتهم، وقُتل السفير مسلم بن عقيل، وحوصر الحسين عليه السلام في الأراضي العراقيّة، حينها أصبحت الشهادة كرامة الأولياء، وعزّ الأُباة والمصلحين، وفتحاً مبيناً لكل الأحرار والشرفاء، وهدفاً سامياً وحيداً أسقط الأقنعة الدينيّة المزيّفة التي احتمى بها الظلمة والطغاة والمفسدون.

الإجابة الثانيّة: الردّ التفصيلي على القرائن والشواهد لإنكار هدفيّة النصر العسكري

من مجموع ما تقدّم يتّضح الردّ على الشواهد والقرائن السابقة، التي ساقها جملة من العلماء والباحثين؛ للتدليل على أنّ الانتصار السياسي والعسكري لم يكن مُتاحاً ولا يحتمله واقع النهضة الحسينيّة في كلّ مراحلها، وكانت عبارة عن أربعة شواهد أساسيّة كما سبق:

أمّا بالنسبة إلى الشاهد الأوّل: وهو انعدام التوازن في القوى وفقدان التكافؤ العسكري، فقد تبيّن أنّ ذلك لا يُمثّل واقع النهضة بتمام مراحلها؛ لأنّ الجبهة الحسينيّة كانت هي الأقوى والأكفأ في فترة التواصل والتخطيط والتنظيم (الكوفي/الحسيني) كما تبيّن مفصّلاً. نعم، تراجعت القوّة العسكريّة لجبهة النهضة في مراحلها الأخيرة، وذلك حينما انهار الواقع الكوفي أمام التحدّيات، وأصبحت الشهادة حينذاك هدفاً وحيداً، ومقاماً إلهياً رفيعاً خالداً بخلود اسم الحسين عليه السلام.

وأمّا بالنسبة إلى الشاهد الثاني: والذي يُمثّل مجموعة من النصوص والتصريحات للإمام الحسين عليه السلام:

 فالنص الأوّل: وهو ما رواه الطبري عن الواقدي وزرارة بن جلح، فالإجابة على الاستدلال به من وجوه:

1ـ إنّ قولهما: «فأخبرناه بضعف الناس في الكوفة، وأنّ قلوبهم معه وسيوفهم عليه»، إنما يُمثّل رأيهما وقراءتهما الخاصّة عن الواقع الكوفي، بناءً على مُعطيات لا يُعلم أساسها ومستندها، وهي قراءة تتقاطع تماماً مع دراسة ورؤية مسلم بن عقيل وكبار القادة المخلصين من ذوي الخبرة والتاريخ الجهادي، حيث قرأوا الواقع الكوفي بصورة إيجابيّة ومختلفة كما تقدّم مفصّلاً، وليس من الموضوعيّة أبداً ترك هذه الرؤية الناضجة والقائمة على أُسس علميّة وميدانيّة، والاعتماد على قول ورأي شخصين لا نعلم مدى خبرتهم ولا حجم تواصلهم الميداني مع مستجدّات الواقع الكوفي، مع احتمال تأثّرهما بالأحداث والمعطيات القديمة حول المجتمع الكوفي، كما هو حال سائر الناصحين والمشفقين من أمثال عبد الله بن عباس.

2ـ إنّ قولهما في فرض موضوعيّته واستناده لمعطيات علميّة وميدانيّة، إنّما يكون ـ في أحسن الأحوال ـ عاملاً مضعّفاً للمضمون الإيجابي الذي رفعه مسلم بن عقيل للحسين عليه السلام حول الواقع الكوفي، ولا يُسقطه عن الاعتبار من رأس. فيبقى الخروج إلى الكوفة مُبتنياً على مبرّراته الموضوعيّة والعقلائيّة، ويكون خروج الحسين عليه السلام بدافع النصر العسكري أو الشهادة خروجاً على طبق الموازين العسكريّة المعتبرة في مواجهة العدو.

3ـ إنّ قول الحسين عليه السلام: «لولا تقارب الأشياء وحبوط الأجر لقاتلتهم بهؤلاء [الملائكة]، ولكن أعلم علماً أن من هناك مصعدي، وهناك مصارع أصحابي». المقصود منه ـ بحسب الظاهر ـ أنّ الإمام عليه السلام لا يبحث عن النصر العسكري المحتوم والمحسوم، ولو كان يستهدف تحقيق النصر عسكريّاً بتلك الصورة لقاتل بني أُميّة بالملائكة وحسم الموقف، ولكنه يُريد انتصاراً قائماً على إرادة الأُمّة واختيارها، وهذا النصر ليس قطعيّاً ولا محسوماً، وإنّما تتغير مقاديره وإراداته السماويّة تبعاً لواقع الأُمّة ومجريات الأُمور، وشاء الله تعالى أن يخرج الحسين عليه السلام على كل حال، فإمّا أن ينال انتصاراً عسكريّاً مؤزّراً، أو ينتصر ويفوز بدم الشهادة العظمى، وكانت وقائع هذا النصر الأخير حاضرة ومشهودة في مخزون علم الغيب الحسيني، ولكنه علم غيبيّ محكوم بالبداء والتبديل والإرادة والمشيئة الإلهيّة، كما شرحنا ذلك مفصّلاً في مقال مستقلّ.

النص الثاني: وهو الخطبة المعروفة التي خطبها الحسين عليه السلام حينما عزم على الخروج إلى العراق، والتي مطلعها: «خُطَّ الموت على ولد آدم مخطّ القلادة على جيد الفتاة...»، فإنّه لا علاقة له بالموضوع أبداً؛ لأنّ كلّ قائد ميدانيّ مُقبل على مواجهة عسكرية مع جبهة شرسة لا تؤمن بالمبادئ الإنسانيّة، فضلاً عن الإسلاميّة، لا بدّ أن يخرج هو وأنصاره وجيشه موطّنين أنفسهم على الموت والشهادة كخيار أخير، وهذه هي حال القادة والجيوش في سوح القتال، فالحسين عليه السلام لا يقول: أنا خارج كي أموت، بل هو عليه السلام خارج لينتصر عسكريّاً أو يموت، وكم فرق بين المبدأين؟! وهذا هو مغزى قوله عليه السلام: «مَن كان باذلاً فينا مهجته، وموطّناً على لقاء الله نفسه، فليرحل معنا». وكان إعلان خروجه عليه السلام إلى الكوفة هو بذاته إعلان للهدف العسكري المسلّح في مواجهة السلطة؛ ولذلك حاول الجهاز الحكومي في مكّة أن يثني الإمام عليه السلام عن قرار خروجه، لكنّهم لم يُفلحوا.

النص الثالث: وهو قوله عليه السلام لبني هاشم في المدينة: «مَن لحق بي استُشهد، ومَن لم يلحق بي لم يُدرك الفتح». فهو أيضاً كمضمون النصّ السابق، ومفاده: إنّ مَن يلتحق به عليه السلام ينبغي عليه أن يوطّن نفسه على الموت والشهادة، وإلّا فسوف لا يُدرك الفتح ولا يشهد ربيع النصر الإلهي، ولا يحظى بإحدى الحُسنيين: إمّا النصر المسلّح أو الشهادة.

النص الرابع: قوله عليه السلام: «ليرغب المؤمن في لقاء الله محقَّاً، فإنّي لا أرى الموت إلّا شهادة، ولا الحياة مع الظالمين إلّا برماً». والإجابة عن الاستدلال بهذا النصّ من وجوه:

1ـ إنّ هذا النص لو فُرض كون تاريخ ومحلّ صدوره هو فترة تواجد الركب الحسيني في منزل ذي حسم، كما ورد في تاريخ الطبري، فهذا معناه أنّ الأوضاع قد تغيّرت، وأنّ الحسين عليه السلام قد وقع في قبضة عدوّه، وهم الحرّ وجيشه، وفي هذا الظرف انتقلت النهضة إلى مرحلة هدفيّة الشهادة، ومن الطبيعي حينئذٍ أن يصدر في هذه المرحلة نصّ بهذا المضمون وبهذه اللهجة الاستشهاديّة.

2ـ إنّ أغلب المصادر المعتبرة تؤكّد على صدور هذا النص والخطاب الشريف في خصوص أرض كربلاء، وفي ليلة العاشر من المحرّم تحديداً على ما في بعض المصادر، وحينئذٍ يكون صدوره بتلك اللهجة الاستشهاديّة أمراً طبيعيّاً جداً، ولا علاقة له بمحل البحث.

3ـ بغضّ النظر عن تاريخ ومحل الصدور، فإن هذا النص لا يتقاطع مع رؤيتنا حول الموضوع، ولا يُثبت أبداً أنّ الشهادة هدفاً وحيداً للنهضة؛ لأنّه يتحدّث عن أفضيلة الشهادة بعزّ وكرامة، على العيش بالذل في ظلّ الظالمين، وهو أمرٌ مسلّمٌ لا شك فيه، ومن الطبيعي أن نجده في قاموس رجل كالحسين عليه السلام. وهذا لا ينفي الأهداف السياسية والعسكرية للنهضة أبداً، وكما يُقال: إثبات شيء لا ينفي ما عداه.

النص الخامس: قوله عليه السلام لرجل من أهل الكوفة حينما نزل الرهيمة: «وأيم الله ليقتُلنّي، ثم ليلبسنّهم الله ذلاً شاملاً، وسيفاً قاطعاً، وليُسلّطن عليهم من يذلهم». ففي مقام الإجابة عن الاستدلال به نقول: إنّ الصحيح هو كون (الرهيمة) من المنازل القريبة جدّاً من كربلاء، فالنص صادر في مرحلة هدفية الشهادة، ولا ضير في صدوره بهذه الصراحة.

وأما بالنسبة إلى الشاهد الثالث: والذي كان حاصله أنّ خروج الحسين عليه السلام لمناهضة السلطة الأُمويّة كان خروجاً علنيّاً في كل أحداثه ومراحله، وهذا لا يتناسب مع كونه عليه السلام يستهدف الإطاحة بالنظام الحاكم عسكريّاً. فقد اتضحت الإجابة عنه مفصّلاً، حيث أثبتنا بأنّ النهضة في مرحلة استهدافها للتغيير المسلّح لنظام الحكم كانت سرّية للغاية، ولم تكن علنيّة، حتى يصحّ ما يؤكّد عليه الدكتور شريعتي في مجمل حديثه حول النهضة الحسينيّة، من أنّ الخروج الحسيني المعلن لا يتناسب إلّا مع اختيار الشهادة هدفاً.

وأمّا بالنسبة إلى الشاهد الرابع: وهو مجموعة نصائح الصحابة والتابعين والمحبّين بترك الخيار العسكري، والتراجع عن قرار الخروج إلى الكوفة.. فإنّه أيضاً قد تبيّنت الإجابة عنه مفصّلاً، وتبيّن أنّها كانت نصائح مُبتنية على معطيات قديمة جدّاً، ولا يمكن اعتمادها عقلائياً في تحديد مسار النهضة، خصوصاً مع وجود رؤى حديثة ومعتبرة، وقائمة على أُسس ومعطيات ميدانيّة لأحداث الساعة، تُفيد بأنّ الخروج إلى الكوفة هو الخيار الأصلح والأصحّ، وأنّ النصر العسكري مضمون في ظلّ الظروف الحاليّة.

وبذلك كلّه يتّضح: أنّ الحسين عليه السلام قد خرج إلى الكوفة يستهدف الفوز بإحدى الحسنين: إمّا النصر العسكري أو الشهادة، في ظل ظروف وقراءات ودراسات ميدانيّة دقيقة، تُشير كلّها إلى أنّ فرصة النصر العسكري وإقامة حكم الله في الأرض كانت هي الأقرب للتحقّق والوقوع، وهي فرصة اختصّ بها الحسين عليه السلام من بين الأئمة المعصومين علیهم السلام، وقد استثمرها بما لا مزيد عليه، لكن الأُمّة أخلفت وعودها، وخانت مبادءها، وتنازلت عن كرامتها، فوقف قائدها وحيداً، وضحّى بدمه في مشهد محفور في ذاكرة التاريخ، ومخلّد في السماوات. فسلام على الحسين يوم وُلِدَ ويوم استُشهد ويوم يُبعث حيّاً.

 

 

 

 

 

[1]     الصدر، محمد باقر، مجلّة النشاط الثقافي، النجف، العدد الثامن، السنة الأُولى، 1958م: ص427.

[2]     الشيرازي، حسن، مجلّة الأخلاق والآداب، كربلاء، العدد السادس، السنة الرابعة، 1384ﻫ: ص213.

[3]     الآصفي، محمد مهدي، في رحاب عاشوراء: ج1، ص294.

[4]     المصدر السابق: ج1، ص270.

[5]     الحكيم، السيد محمد سعيد، فاجعة الطف: ص37ـ 38.

[6]     الآصفي، محمد مهدي، في رحاب عاشوراء: ج1، ص270ـ273.

[7]     في المصادر الأُخرى بلفظ (مصرعي).

[8]     الطبري، محمد بن جرير، دلائل الإمامة: ص182.

[9]     في المصادر الأُخرى: عُسلان الفلوات.

[10]    ابن طاووس، علي، الملهوف: ص126.

[11]    شريعتي، علي، الشهادة: ص86.

[12]    الآصفي، محمد مهدي، في رحاب عاشوراء: ج1، ص274.

[13]    ابن قولويه، كامل الزيارات: ص157.

[14]    ورد في أكثر المصادر وأصحّها أنّ هذه الخطبة كانت في كربلاء، وبعد نزول جيش عمر بن سعد فيها، وبعد أن أيقن الإمام عليه السلام بالموت. اُنظر: القاضي النعمان، شرح الأخبار: ج3، ص150. ابن شهر آشوب، مناقب آل أبي طالب: ج3، ص224. الطبراني، المعجم الكبير: ج3، ص114. الذهبي، تاريخ الإسلام: ج5، ص12. وغيرها من المصادر. وقد احتمل بعضهم أنّ الإمام خطب بهذه الخطبة في موضعين، وهو مستبعد جدّاً، والشواهد تؤيد كونها في كربلاء، كما يظهر ذلك أيضاً من حديث أصحابه معه بعد الخطبة.

[15]    اللفظ المشهور والوارد في المصادر الأُخرى هو (سعادة)، اُنظر المصادر السابقة.

[16]    الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الطبري: ج4، ص305.

[17]    الرهيمة: ضيعة أو عين ماء قرب الكوفة. ويظهر من الصدوق في الأمالي أنّ ذلك كان قبل خروج الحرّ الرياحي لملاقاة الحسين عليه السلام، حيث يقول: «وبلغ عبيد الله بن زياد (لعنه الله) الخبر، وأنّ الحسين عليه السلام قد نزل الرهيمة، فأسرى إليه الحر بن يزيد في ألف فارس». الصدوق، الأمالي: ص218. ولكنه خلاف التحديد الجغرافي لمنازل مسير الحسين عليه السلام في طريقه إلى الكوفة، فإنّ الرهيمة منزل متأخّر بمسافة طويلة عن الموضع الذي التقى به الحرّ بالإمام الحسين عليه السلام، وهو منزل (شراف) قبل بلوغ منزل (ذو حسم).

[18]    الصدوق، الأمالي: ص218.

[19]    الآصفي، محمد مهدي، في رحاب عاشوراء: ج1، ص276ـ277.

[20]    شريعتي، علي، الشهادة: ص112.

[21]    المصدر السابق: ص86 ـ 88.

[22]    المسعودي، مروج الذهب: ج3، ص54ـ55.

[23]    المصدر السابق: ج3، ص56.

[24]    الحكيم، السيد محمد سعيد، فاجعة الطف: ص39.

[25]    المرتضى، علي بن الحسين، تنزيه الأنبياء: ص229ـ 230.

[26]    ما بين المعقوفتين بلفظ: ابن أعثم الكوفي، أحمد: ج5، ص27.

[27]    الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الطبري: ج4، ص261.

[28]    الخزاعي: كان من صحابة رسول الله  صلى الله عليه وآله، وكان من وجوه الشيعة البارزين في الكوفة، وكان أمير الميمنة على الرجّالة يوم صفّين، وقد ولّاه أمير المؤمنين عليه السلام على منطقة الجبل، ومدح صلابته في الدين، وقاد ثورة التوابين، وقُتل شهيداً.

[29]    الفزاري: أدرك رسول الله  صلى الله عليه وآله، وشهد معركة القادسية وفتوح العراق، شارك مع الإمام علي عليه السلام في معاركه، وقُتل شهيداً مع التوّابين.

[30]    الأسدي: كان من خيار أصحاب الإمام علي عليه السلام ومن خاصّته وحملة علومه، شهد معه حروبه: الجمل وصفيّن والنهروان، ثم كان من أصحاب الإمام الحسن عليه السلام، وبقي في الكوفة بعد الصلح، وكان يحفظ القرآن ويحيي لياليه في تلاوته، وكان على ميمنة معسكر الحسين عليه السلام، واستُشهد معه يوم عاشوراء، وهدّ مقتله الحسين عليه السلام، ووقف عليه وامتدحه حينما سقط شهيداً.

[31]    البجلي: كان من خيار أصحاب الإمام علي عليه السلام، ومن الشجعان المقدّمين، شهد معه صفيّن، وهو قاضيه على الأهواز، وكان فقيهاً قارئاً شاعراً، وأميراً على بجيلة، قاتل مع التوابين، وقُتِل شهيداً مع المختار.

[32]    التيمي: كان من خيار أصحاب الإمام علي عليه السلام، وكان جليل القدر ومن كبار الشيعة في الكوفة، وكان من رؤساء التوابين وشهدائهم.

[33]    ابن أعثم الكوفي، أحمد، الفتوح: ج5، ص27ـ 28.

[34]    الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الطبري: ج4، ص262.

[35]    الكوفي، أحمد بن أعثم، الفتوح: ج5، ص30.

[36]    البلاذري، أحمد، أنساب الأشراف: ج3، ص159.

[37]    الدينوري، أحمد بن داود، الأخبار الطوال: ص230.

[38]    المفيد، محمد بن محمد، الإرشاد: ج2، ص39.

[39]    الدينوري، أحمد بن داود، الأخبار الطوال: ص230.

[40]    الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الطبري: ج4، ص281.

[41]    سبط ابن الجوزي، تذكرة الخواص: ص244.

[42]    الطبرسي، أحمد، الاحتجاج: ج2، ص24.

[43]    ابن أعثم الكوفي، أحمد، الفتوح: ج5، ص31.

[44]    الشجري، الأمالي الشجريّة: ج1، ص167.

[45]    القاضي النعمان، شرح الأخبار: ج3، ص143.

[46]    الدينوري، أحمد بن داود، الأخبار الطوال: ص235.

[47]    المرتضى، علي بن الحسين، تنزيه الأنبياء: ص230.

[48]    ابن أعثم الكوفي، أحمد، الفتوح: ج5، ص37.

[49]    الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الطبري: ج4، ص266.

[50]    ابن طاووس،  علي، اللهوف: ج4، ص28.

[51]    ابن أعثم الكوفي، أحمد، الفتوح: ج5، ص35.

[52]    الدينوري، أحمد بن داود، الأخبار الطوال: ص231.

[53]    ابن أعثم الكوفي، أحمد، الفتوح: ج5، ص36.

[54]    المصدر السابق: ج5، ص37.

[55]    الذهبي، محمد بن أحمد، سير أعلام النبلاء: ج3، ص299.

[56]    ابن طاووس، علي، اللهوف: ج4، ص28.

[57]    البلاذري، أحمد، أنساب الأشراف: ج2، ص78.

[58]    ابن سعد، محمد، ترجمة الإمام الحسين عليه السلام من الطبقات الكبرى: ص65.

[59]    سبط ابن الجوزي، تذكرة الخواص: ص237.

[60]    اُنظر على سبيل المثال: الواقدي، المغازي: ج1، ص199 وما بعدها.

[61]    المصدر السابق: ج1، ص213.

 

 
 
البرمجة والتصميم بواسطة : MWD