1439 / ربیع‌الاول / 5  |  2017 / 11 / 24         الزيارات : 483706         صلاة الصبح |         صلاة الظهر والعصر |         صلاة المغرب والعشاء |

الخصائص العباسية

{ الحاج محمّد إبراهيم الكلباسي النجفي }
الخصائص العباسية

 

الإهداء

إليك يا معلّم البرّ والخير ، والكرم والتقوى .

إليك يا مدرّس الوفاء والصفاء ، والشهامة والإباء .

إليك يا ملهم المكارم والمحاسن ، والأخلاق والآداب .

إليك يا ملقّن العزم واليقين ، والصبر والثبات .

إليك يا مَنْ علّمتنا كيف نكون في ديننا بُصراء ، وفي شريعتنا علماء حكماء ، ولا نكون من الهمج الرعاع يميلون مع كلّ ريح .

إليك يا مَنْ علّمتنا كيف نعلوا على التهديد والتنديد ، ونفوق الهوى والمغريات ، ونزهد في المناصب ومباهج الحياة .

إليك يا مَنْ ألهمتنا كيف ندافع عن الحقّ والصدق ، ونضحّي من أجل الله ودينه ، وكتاب الله وأحكامه ، و رسول الله وأهل بيته .

إليك يا مَنْ لقّنتنا كيف نكون مع الصادقين ، مع الذين اصطفاهم الله واختارهم وزادهم بسطة في العلم والجسم ، ولا نكون رؤوساً متناقرين متنافرين ، وكباشاً متناطحين متشاجرين ، وأئمة متناحرين متباغضين ، كلّ يجرّ النار إلى قرصه ، ويدعو الناس إلى نفسه ، وقد قال الله تعالى في محكم كتابه ومبرم خطابه : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ) .

وقال تعالى : ( وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُوا ) . وقال تعالى : ( وَلاَ تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ) . وقال تعالى : ( وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ ) .

إليك يا قمر بني هاشم ، و يا قمر العشيرة .


الصفحة (4)

إليك يا حامل اللواء ، ويا بطل العلقمي ، وكبش الكتيبة .

إليك يا حامي الظعينة ، ويا ساقي عطاشى كربلاء ، ويا قائد الجيش ، ويا ظهر الولاية والإمامة .

إليك يا باب الحوائج ، ويا باب الإمام الحسين (عليه السّلام) ، و يا أيها العبد الصالح .

إليك أيها الشهيد الصدّيق ، المؤثر المواسي ، الفادي الواقي ، المستجار الساعي .

إليك يا أبا الفضل العبّاس ، يابن أمير المؤمنين وابن سيّد الوصيِّين ، ألف تحية وسلام .

إليك يا سيّدي وابن سيّدي أهدي ترجمة هذا الكتاب ( الخصائص العبّاسيّة ) ، وأملي بك قبولك إيّاه ، على ما فيه من نقص أو ضياع ؛ فإنّها بضاعة مزجاة ، وأنت ممّن يقبل اليسير ، ويوفي الكيل ، ، ويجزل العطاء ، ( فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِين ) .

 

                                                                                                       المُترجم

أوّل ربيع الميلاد / 1420 هـ


الصفحة (5)

بسم الله الرحمن الرحيـم

 إجازة حديث ، وشهادة اجتهاد

لقد حصل مؤلّف هذا الكتاب الخصائص العبّاسيّة شيخ العلماء العاملين ، وسند الفقهاء الراشدين ، حاوي دقايق المعقول والمنقول ، وجامع الفروع والأصول ، حجة الإسلام ، ومرجع الخاص والعام ، آية الله في الأنام ، وحيد العصر ومجتهد الزمان الحاج محمّد إبراهيم الشهير بالكلباسي النجفي ـ نزيل الري ـ على إجازات متعددة في الفقه والحديث .

نقل باقتراح بعض المؤمنين وثلّة من رجال الدين صورة منها تخصّ إجازة رواية الحديث ، تعمّ شهادة الاجتهاد في الفقه ؛ وذلك دعماً لِما جاء في هذا الكتاب من مطاليب ، وسنداً لِما رواه فيه من روايات أهل البيت (عليهم السّلام) وأحاديثهم الشريفة التي نقلها المؤلِّف الكريم في شؤون مختلفة ، وزوايا متفرّقة من هذا الكتاب .

والصورة هي ما أجازه بها شيخ العلماء والأفاحم ، وسند الفقهاء الأعاظم ، سلمان زمانه ولقمان عصره ، حجة الإسلام آية الله الشيخ محمّد حسين النجفي الأصفهاني الفشاركي (أعلى الله مقامه) ، ووقّع عليها اُستاذ الفقهاء والمجتهدين ، وسيّد العلماء العاملين ، مصدر الصلاح ومنبع الفلاح ، محيي السنن وعلاّمة الزمن ، آية الحقّ المبين ، وحجة الإسلام والمسلمين ، السّيد أبو الحسن الأصفهاني (أعلى الله مقامه) .

وإليك صورة الإجازة :


الصفحة (6)

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي رفع قدر العلماء وفضّل مدادهم على دماء الشهداء ، وأوطأهم أجنحة ملائكة السماء ، وجعلهم ورثة الأنبياء ، وأمناء على عباده بعد الحجج الأطهار ، وصلّى الله على خازن علم الله ، ومعدن حكمة الله ، وحامل سرّ الله ، صاحب الشرع القويم ، وهادي الناس إلى صراط الله المستقيم ، المبعوث على كافة الخلائق أجمعين ، خاتم الأنبياء والمرسلين ، محمّد (صلّى الله عليه وآله) المصطفى الأمين ، وعلى آله الغرّ الميامين سيّما بقية الله في الأرضين إلى يوم ينصب فيه الموازين .

وبعد ، فلا يخفى على أولي الرشاد والسداد من العباد أنّ من أعظم مواهب الله سبحانه على الأنام في زمن غيبة الإمام (عليه السّلام) وجود العلماء الأعلام ، والفقهاء البررة الكرام ، ولولاهم لاختلّ النظام ، واضمحلّت الأحكام ؛ فإنّ بيدهم أزمّة الاُمور ، ومن ميامن أنفاسهم يسهل كلّ معسور ، وهم المرجع في الأحكام ، وبقولهم يعرف الحلال من الحرام .

فكم لهم من كتب التصنيف ، وجمع وتأليف لإحقاق الحقّ وإبطال الباطل ، وترويج الدين ، وإطفاء نار الغوائل ؛ ولذا اشتاقت النفوس إلى تحصيل العلم وطلبه على ما فيه من تعبه وكربه ، فنفروا عن جمعهم وأوطانهم ، وتغرّبوا عن مسكنهم وبلدانهم ، وجدّوا واجتهدوا في طلبه واكتسابه ، وانتقاء درره من أصداف أربابه ، حتّى تفقّهوا في الدين ، وتروّوا من عيون الفقاهة واليقين ؛ فشكر الله سعيهم الجميل بثوابه الجزيل .

وممّن قد جدّ وجد ، وكدّ وأكد في تحصيل المطلب وتكميل الطلب حتّى فاز من مراتب العلم أعلاها ، وحاز في درجات العمل أرفعها وأزكاها ، نتيجة العلماء الأعلام ، والفقهاء الكرام ، والجهابذة العظام ، والحجج بين الأعلام ، ودرّ يتيمة الفقهاء الفخام ، العامل


الصفحة (7)

الفاضل الباذل الكامل ، الناهج مناهج الفضل والرشاد ، والدارج مدارج الرشد والسداد ، والسالك مسالك التحصيل عند أرباب التحقيق والتعميق والتدقيق ، المهذّب الصفيّ والمولى الوفي ، ذو الفهم العالي ، والفكر الكافي ، البالغ بجده الأكيد ، وسعيه البليغ إلى منتهى الرشاد ودرجة الاجتهاد ، الموفّق بتوفيق خالق الخلق والعباد ، ذو المجد العلي ، ذاك أخانا الوفي الشيخ محمّد إبراهيم ـ سلّمه الله تعالى ـ ابن العالم الفاضل الكامل ، الناسك السالك ، فخر العلماء العظام ، وشيخ المشايخ الكرام ، أبي المكارم وحاوي المفاخر ، مولانا الجليل الآقا ميرزا عبد الرحيم دام ظلّه العالي .

فإنّه ـ زيد فضله العالي ـ بالغ فيما هو مراد من العلم والاجتهاد ، وفائز بأسنى مراتب الرشاد والإرشاد ، وأعلى منازل الصلاح والسداد ، وقد وهبه الله تعالى القدرة على الاستنباط وقوة الاجتهاد ، واستفادة الأحكام من الأخبار المرويّة المعتمدة ، المبنية عليها عمل العلماء الأعلام في المؤلّفات والمصنّفات ، فشكر الله سعيه الجميل ، وأعطاه الله التوفيق لصرف عمره الشريف في هذا المقام الرفيع والعزّ المنيع ، ولا زال مؤيّداً مسدّداً موفّقاً للجمع والتدوين ، وكتابة رسائل مبنية على التحقيق والتدقيق ، فأعطاه الله مزيد التوفيق ، وأعانه على ما وجب عليه من الشكر لله (جلّ جلاله) بما منحه وأولاه ، وخصّه وأولاه ، فإنّ ذلك فضل الله يؤتيه مَنْ يشاء .

ثمّ إنّه ـ زيد فضله ـ استجاز منّي لحسن ظنّه بي فأجزته ـ تبرّكاً للانتظام في سلك الرواة الأعلام ، ومبلّغي الأحكام ـ أن يروي عنّي كلّما صحّت لي روايته ، ووضحت لي درايته من كتب الأخبار التي عليها المدار في الأعصار والأمصار ، كالكافي والتهذيب والفقيه والاستبصار ، وما أرويه عن مشايخي الكرام ، وأساتيذي العظام (عليهم رضوان الله الملك العلاّم) ، ومنهم : الشيخ الجليل ، والعامل الكامل ، والمحقّق المدقّق ، والفقيه الوحيد ، والنبيه السديد ، شيخ العلماء


الصفحة (8)

والفقهاء ، مرجع الأنام في الأقطار والأمصار ، ومَنْ عليه الاعتماد في الإجازات والتصديقات ، البحر القمقام ، وعلم الأعلام ، والعابد الناسك في بقعة خامس أصحاب الكساء ، شيخنا وشيخ العلماء والمتعلّمين مولانا الشيخ زين العابدين ، المازندراني الأصل ، الحايري المسكن ، والمعبد المدرس ، والمسجَد والمرجَع (طيّب الله رمسه) ، عن شيخه الأجل صاحب جواهر الكلام الشيخ محمّد حسن ، عن اُستاذه العماد السّيد جواد ، عن بحر العلوم ، عن اُستاذه ذي الفضل الباهر الآقا محمّد باقر ، عن والده الأكمل الأفضل محمّد أكمل ، عن المجلسي ، عن والده التّقي النقي مولانا محمّد تقي ، عن بهاء الملّة والدين بإسناده المزبور في الأربعين المتّصلة بالأئمّة الطاهرين .

وأوصيته بملاحظة التقوى ، ونهي النفس عن الهوى ، ومراقبة الوقوف على الاحتياط في العمل والفتوى ، وبيان الحلال والحرام عند الشبهات ؛ فإنّه المنجي لسالكه عن ورطة الهلكات ، وأن لا ينساني من صالح الدعوات في حياتي ومماتي عند مظانّ الإجابات ، وعقيب الصلوات ، كما لا أنساه إنشاء الله تعالى .

وكتب هذه الورقة مستخيراً من الله تعالى ولي كلّ حسنة ، وذلك في الليلة الحادية عشرة من ربيع الثاني من سنة 1335 هجريّة ، وأنا العبد الجاني محمّد حسين بن محمّد جعفر الفشاركي غفر الله له ولآبائه واُمّهاته ، ولجميع المؤمنين والمؤمنات بمحمّد وآله الطاهرين .

 

بسم الله الرحمن الرحيم

قد صدر من أهله في محلّه : الأحقر أبو الحسن الموسوي الأصفهاني .

محل الخاتم الشريف

قد صدر من أهله في محلّه : الأحقر عبد الكريم الحائري .

محل الخاتم الشريف


الصفحة (9)

المدخـل

الحمد لله الذي خصّ بالبلاء عباده الأصفياء ، وشرح صدورنا بمعرفة الأولياء ، ونوّر قلوبنا بمحبّة الأزكياء ، وزكّى نفوسنا بالرقّة والرجاء ، وهذّب آماقنا بالدموع والبكاء ، والصلاة والسّلام على محمّد أشرف الأنبياء وآله النجباء النقباء ، سيّما خامس أصحاب الكساء وأنصاره المجاهدين النبلاء ، الذين لم يرضوا دونه إلاّ ببذل الأرواح والدماء ؛ خصوصاً مولانا أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) المعروف بالإيثار والوفاء ، وحامل لواء الإمام الحسين (عليه السّلام) في يوم عاشوراء ، وصاحب الشجاعة والغيرة والجود والسخاء ، ولعنة الله على أعدائهم بدوام الأرض والسماء .

الخصائص العبّاسيّة لماذا ؟

يقول غريق بحر المعاصي محمّد إبراهيم الكلباسي : لمّا رأيت آثار الشيخوخة قد ظهرت عليّ ، وعلامات الضعف والنقاهة قد بدت فيّ ، فقواي الجسمية نحو الانحطاط ، وشمس عمري تقرب من الأُفول والغروب ، ولم أرَ في ديوان عملي عملاً صالحاً مقبولاً ، ولا في ما سلف منّي أثراً خالصاً مفيداً ، فكدت آيس لولا أن تداركتني رحمة ربّي .

وإذا بي أتذكّر ما روي متواتراً عن الرسول (صلّى الله عليه وآله) : (( مثل أهل بيتي كسفينة نوح مَنْ ركبها نجا ........ )) . ولكن كيف لي الركوب في سفينتهم ؟ وأنّى لي الكون معهم (صلوات الله عليهم أجمعين) بلا وجاهة ولا لياقة منّي ، ولا وسيلة ولا واسطة من ذي وجاهة وكفاءة ؟! هذا وهم نور الله في الأرض ، وحجج الله على الخلق ، وأصحاب البسط والقبض ، ووديعة


الصفحة (10)

رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وخلفاؤه من بعده فينا ، فخطر على بالي قوله تعالى : ( وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) .

ورأيت أنّ أبا الفضل العبّاس (عليه السّلام) هو باب الإمام الحسين (عليه السّلام) ، ومَنْ أستطيع بوسيلته التمسّك بحجزة خامس أهل الكساء وريحانة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، وألج عبره إلى سفينة نجاة أهل البيت (عليهم السّلام) .

فكما إنّ الإمام عليّاً أمير المؤمنين (عليه السّلام) باب علم مدينة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، فكذلك أبو الفضل (عليه السّلام) باب عناية أخيه الإمام الحسين (عليه السّلام) .

ولذلك قرّرت مع قلّة بضاعتي وضعف بياني أن أطرق باب الإمام الحسين (عليه السّلام) وجهدي الضعيف ، فأكتب من فضائل أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) ومناقبه ، وما تيسّر لي انتقاؤه من كتب شتّى ، وما سمح لي التوفيق بجمع ما تفرّق من خصائصه الكبرى ، وأنا أعترف بقصوري وعجزي عن درك ساحل يمّه الوارف ، ونَيل قليلٍ ممّا يحويه بحر جوده الجارف ، وبلوغ وصف شيء ممّا يحمله من فضائل ومكارم .

ولكن ما لا يُدرك [ جلّه ] لا يُترك كلّه ، والميسور لا يُترك بالمعسور ؛ فرتّبته على مقدّمة وخصائص وخاتمة ، وسمّيته ( الخصائص العبّاسيّة ) ، وأهديته على وضاعته إلى كبير سماحته ، راجياً من جنابه القبول والعفو عن التقصير والقصور ، والوساطة لي عند أخيه الإمام الحسين (عليه السّلام) أوسع وأسرع ، والنجاة في زمرتهم ؛ فإنّه لا نجاة إلاّ بهم ، ولا خلاص إلاّ عن طريقهم ، ولا سعادة إلاّ باتّباع مسيرتهم وأخلاقهم ، وانتهاج نهجهم وتعاليمهم ، ورجائي منه القبول والوساطة ؛ فإنّه خير مرجوّ ومأمول للوساطة والشفاعة .


الصفحة (11)

المقدّمة

حبّ أهل البيت ومودّتهم

إنّ محبّة أهل بيت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ومودّتهم التي فرضها الله تعالى على عباده في كتابه ومحكم آياته ، وجعلها أجراً لنبوّة سيّد رسله وخاتم أنبيائه ، كما تشمل الأئمّة المعصومين (عليهم السّلام) تشمل ذراريهم الذين ساروا في طريقهم واتّبعوا نهجهم ، وخاصّة مثل أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) الذي أطاع إمامه وضحّى بنفسه من أجله ، وقدّم دمه وقاءً لدمه .

ففي مجمع البيان عن ابن عبّاس قال : أنّه لمّا نزلت هذه الآية : ( قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) , قالوا : يا رسول الله ، مَنْ هؤلاء القربى الذين أمر الله بموالاتهم ؟

قال (صلّى الله عليه وآله) : (( علي وفاطمة وَوُلدهما )) .

وفي الخصال عن علي (عليه السّلام) قال : (( قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : مَنْ لم يحبّ عترتي فهو لإحدى ثلاث : إمّا منافق ، وإمّا لزنيّة ، وإمّا حملت به اُمّه في غير طهر )) .

وقال الفخر الرازي صاحب التفسير المعروف ، في ذيل تفسير الآية المباركة ( قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) ، أقول : آل محمّد (صلّى الله عليه وآله) هم الذين يؤول أمرهم إليه ، فكلّ مَنْ كان أمرهم إليه أشدّ وأكمل كانوا هم الآل ، ولا شكّ أنّ فاطمة وعلي والحسن والحسين (عليهم السّلام) كان التعلّق بينهم وبين رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أشدّ التعلّقات ، وهذا كالمعلوم بالنقل المتواتر .


الصفحة (12)

حديث الحبّ والبغض

وأتبرّك بنقل هذا الحديث الشريف الذي نقله صاحب تفسير الكشّاف ، والفخر وغيرهما ، عن النبيّ (صلّى الله عليه وآله) أنّه قال : (( ألا ومَنْ مات على حبّ آل محمّد مات شهيداً ، ألا ومَنْ مات على حبّ آل محمّد مات مغفوراً ، ألا ومَنْ مات على حبّ آل محمّد مات تائباً ، ألا ومَنْ مات على حبّ آل محمّد مات مؤمناً مستكمل الإيمان ، ألا ومَنْ مات على حبّ آل محمّد بشّره ملك الموت بالجنّة ثمّ منكر ونكير .

ألا ومَنْ مات على حبّ آل محمّد يزفّ إلى الجنّة كما تُزفّ العروس إلى بيت زوجها ، ألا ومَنْ مات على حبّ آل محمّد فتح له في قبره بابان إلى الجنّة ، ألا ومَنْ مات على حبّ آل محمّد جعل الله قبره مزار ملائكة الرحمة ، ألا ومَنْ مات على حبّ آل محمّد مات على السنّة والجماعة .

ألا ومَنْ مات على بغض آل محمّد جاء يوم القيامة مكتوباً بين عينيه : آيس من رحمة الله ، ألا ومَنْ مات على بغض آل محمّد مات كافراً ، ألا ومَنْ مات على بغض آل محمّد لم يشمّ رائحة الجنّة )) .

وجاء في تفسير البيضاوي نقلاً عن الرسول (صلّى الله عليه وآله) أنّه قال : (( حرّمت الجنّة على مَنْ ظلم أهل بيتي وآذاني في عترتي ، ومَنْ اصطنع صنيعة إلى أحد من ولد عبد المطلب ولم يجازه فأنا اُجازيه )) .

الذرّيّة الطاهرة

هذا وقد ذكرت في كتابي ( التذكرة العظيميّة ) ستّين حديثاً ورد عن النبي (صلّى الله عليه وآله) وآله (عليهم السّلام) في فضائل الذريّة ، ومناقب السّادة من بني الزهراء


الصفحة (13)

وعلي (عليهما السلام) ، وفي فرض محبّتهم وولايتهم على الناس ، وقد طبع هذا الكتاب وانتشر عام ( 1346 ) هجريّة قمريّة ، وهنا أذكر بعض الأحاديث الأخرى تبرّكاً وتيمّناً مكتفياً ومعتبراً بها .

منها : ما جاء في كتاب مودّة القربى ، لشهاب الدين العلوي ، أحد أعظم علماء العامّة نقلاً عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أنّه قال : (( أحبّوا الله لِما أرفدكم من نعمه ، وأحبّوني لحبّ الله ، وأحبّوا أهل بيتي لحبّي )) .

ومنها : أنّه قال (صلّى الله عليه وآله) : (( أنا أوّل الناس شأناً ، ثمّ علي ، ثمّ ذرّيتي ، ثمّ مُحبّونا يدخلون الجنّة بغير حساب ، لا يسألُنّ عن ذنبهم بعد المعرفة والمحبّة )) .

ومنها : ما رواه ابن مسعود عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أنّه قال : (( حبّ آل محمّد يوم واحد خير من عبادة سنة ، ومَنْ مات على حبّهم دخل الجنّة )) .

ومنها : ما رواه أبو محمّد القمي نزيل الرّي في كتابه المسلسلات ، عن النبي (صلّى الله عليه وآله) أنّه قال : (( مَنْ آذى شعرة منّي فقد آذاني ، ومَنْ آذاني فقد آذى الله ، ومَنْ آذى الله فعليه لعنة الله ملأ الأرض والسماء )) .

ويعني (صلّى الله عليه وآله) بالشعرة : مَنْ له قرابة إليه (صلّى الله عليه وآله) تجعله من رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ولو بمنزلة شعرة من جسمه (صلّى الله عليه وآله) .

ومنها : ما جاء في كتاب الصواعق المحرقة ، عن الطبراني نقلاً عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أنّه قال : (( إنّ لله حرمات ثلاث ، فمَن حفظها حفظ الله له دينه ودنياه ، ألا وهي : حرمة الإسلام ، وحرمتي ، وحرمة رحمي وقرباي )) .

خلاصة الكلام

وحاصل الكلام : إنّ هذه الأحاديث الشريفة التي ذكرناها وغيرها ممّا لم نذكرها وما أكثرها تفيد وجوب محبّة عترة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ومودّة ذرّيته ، وهو يشمل ذراريهم الذين انتهجوا نهجهم ، وساروا بسيرتهم ، وخاصّة أولئك الذين


الصفحة (14)

أظهر الرسول (صلّى الله عليه وآله) ، أو وصيّه الإمام أمير المؤمنين علي (عليه السّلام) ، أو كريمته فاطمة الزهراء (عليها السّلام) ، أو واحد من الأئمّة الطاهرين (عليهم السّلام) علاقته به ومحبّته له ، مثل أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) .

فإنّ أبا الفضل العبّاس (عليه السّلام) هو الذي كان أبوه الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) يجلسه في حضنه ، وينثر على وجناته وخده وهامته ويده قبلاته الحارّة من الحبّ والرحمة ، ولثماته المستعرة من الحزن والأسى ممزوجة بدموعه الساخنة وعبراته السائلة ، وكأنه (عليه السّلام) ينبئ ببكائه ذلك عمّا سيجري على ولده هذا في نصرة إمامه من أعداء الإنسانية ، ويرى ما سيصيبه في سبيل الله من بني اُميّة الظالمة الغاشمة ، التي عزمت لولا إرادة الله على إبادة أهل البيت ودفن التوحيد والنبوّة .

وهو الذي كانت فاطمة الزهراء (عليها السّلام) ـ على ما روي ـ تقول في حقّ أبي الفضل العبّاس ما تقوله من المدح والثناء ، وتعتبره ولدها وتدعوه ابناً لها ، وترى في يديه المقطوعتين في سبيل الله ونصرة ولدها الإمام الحسين (عليه السّلام) كفاية لشفاعة اُمّة أبيها رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في يوم القيامة .

وهو الذي كان أخوه الإمام الحسين (عليه السّلام) يخاطبه بقوله في غير مرّة : (( بنفسي أنت يا أخي )) . ممّا يدلّ على عظيم مقام أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) عند أخيه وإمامه الإمام الحسين (عليه السّلام) .

ومن المعلوم أنّ مَنْ قد حاز على ما حازه أبو الفضل العبّاس (عليه السّلام) من محبّة المعصومين (عليهم السّلام) له ، والزلفى عندهم ، والحظوة لديهم حتّى أحبّه الرسول (صلّى الله عليه وآله) ، وأحبّه أبوه الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) ، وأحبّته حبيبة رسول الله فاطمة الزهراء (عليها السّلام) ، وأحبّته ابنتها الكبرى السيّدة زينب (عليها السّلام) ، وأحبّه الإمام الحسن المجتبى (عليه السّلام) ، والإمام الحسين الشهيد (عليه السّلام) ، وباقي الأئمّة الطاهرين (عليهم السّلام) ، فكيف لا يكون في مقامه [ ما ]


الصفحة (15)

يستدعي وجوب محبّته على سائر الناس أجمعين ؟!

وها نحن بدورنا المتواضع ، وبضاعتنا المزجاة ، نقدّم وبإخلاص ما تكنّه قلوبنا لأبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) من حبّ وولاء ، ومودّة وعُلقة ، مظهرين ذلك ما يتسنّى لنا من فضائل أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) ومناقبه ، وسرد بعض ما امتاز به (عليه السّلام) من مميّزات ، وانفرد به من خصائص ، راجين عفوه عنّا وقبوله منّا ؛ فإنّه من أهل بيت لا يخيب آملهم ، ولا يحرم راجيهم إن شاء الله تعالى ، وإليك تلكم الخصائص .


الصفحة (16)

الخصّيصة الأُولى

النّسب النــاصع

لا شكّ في أنّ الانتماء إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بالنّسب يعدّ فخراً للإنسان وشرفاً ، كيف لا ورسول الله (صلّى الله عليه وآله) هو فخر البشرية وشرفها ، وعزّ الإنسانية وسؤددها ؟ فكيف بمَنْ انتمى إليه عن قرب ، ومتّ إليه بصلة غير بعيدة ؟! وذلك مثل العبّاس بن علي (عليه السّلام) الذي ولد مباشرة وبلا فصل لنفس رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ووصيّه الأمين ، الإمام أمير المؤمنين علي أبي طالب (عليه السّلام) ، الذي قال في حقّه القرآن الحكيم : ( وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ) .

وقال في شأنه الرسول (صلّى الله عليه وآله) : (( مَنْ كنت مولاه فهذا علي مولاه )) . أي مَنْ كنت سيّده وأولى به من نفسه بنصّ القرآن الحكيم فهذا علي سيّده من بعدي ، وأولى به من نفسه بنصّ القرآن الحكيم .

وقال (صلّى الله عليه وآله) : (( ما اجتبيته ولكن الله اجتباه )) .

الرجل الذي لا يعرفه أحد

وعن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) على ما رواه الفريقان أنّه قال : (( إنّ لأخي علي بن أبي طالب (عليه السّلام) فضائل لا تحصى كثرة ، وإنّ الجنّ والإنس لا يقدرون على إحصائها )) .


الصفحة (17)

وعن كتاب ( مشارق الأنوار ) إنّ أبا ذر خرج يوماً من عند رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فمرّ به في بعض الطريق عمر بن الخطاب ، وكان عمر في طريقه إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، فسأل أبا ذر عمّن كان عند رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، فقال له أبو ذر : كان عنده (صلّى الله عليه وآله) رجل لم أعرفه .

فلمّا جاء عمر ودخل على رسول الله (صلّى الله عليه وآله) رأى عنده علي بن أبي طالب (عليه السّلام) ، فتنمّر في قلبه من أبي ذر ونقم عليه ، ثمّ التفت إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وقال ـ وهو يشكو أبا ذر ـ : يا رسول الله ، ألست القائل في حقّ أبي ذر : (( ما أظلّت الخضراء ولا أقلّت الغبراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذر )) ؟

فقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : (( نعم ، قلت ذلك في حقّه وإنّه لكذلك )) .

فقال عمر : لقد سمعت اليوم منه كذبة ؛ وذلك إنّي التقيت به وكان قد خرج لتوّه من عندك ، فسألته عمّن كان من الرجال لديكم ، فأجابني : بأنّه كان عند رسول الله (صلّى الله عليه وآله) رجل لم أعرفه ، مع أنّه يعرف علي بن أبي طالب جيداً ، فكيف يقول لم أعرفه ؟!

فقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في جواب عمر : (( لقد صدق أبو ذر ، إنّ علياً لم يعرفه أحد إلاّ الله وأنا )) . وقد ذكر هذه الرواية الفريقان أيضاً .

ليلةُ القِــربة

وعن كتاب ( ينابيع المودة ) للشيخ سليمان البلخي الحنفي ، عن سعيد بن جبير أنّه قال : قلت لابن عباس (رضي الله عنه) : أسألك عن اختلاف الناس في علي (رضي الله عنه) .

قال : يابن جبير ، تسألني عمّن كان له ثلاثة آلاف منقبة في ليلة واحدة ، وهي : ليلة القِربة في قليب بدر ؟! فقد سلّم عليه في تلك الليلة وحدها ثلاثة


الصفحة (18)

آلاف من الملائكة من عند ربّهم .

ثمّ أضاف قائلاً : تسألني عن وصيّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وصاحب حوضه ، وصاحب لوائه في المحشر ؟ والذي نفس عبد الله بن عباس بيده ، لو كانت بحار الدنيا مداداً ، وأشجارها أقلاماً ، وأهلها كتّاباً ، فكتبوا مناقب علي بن أبي طالب (عليه السّلام) وفضائله ما أحصوها .

وعن أبي ذر : إنّ علياً (عليه السّلام) قال في احتجاجه على أصحاب الشورى : (( هل فيكم مَنْ سلّم عليه في ساعة واحدة ثلاثة آلاف من الملائكة وفيهم جبرائيل وميكائيل وإسرافيل ليلة قليب بدر , لمّا جئتُ بالماء إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) غيري ؟ )) . قالوا : لا .

سقّاء بــدر

هذا وقد ذكر المحدّث الجليل ، والثقة النبيل ، صاحب التأليفات القيّمة ، والتصانيف المفيدة ، الشيخ عباس القمّي (رحمه الله) في كتابه الثمين ( مفاتيح الجنان ) هذه القصّة ، قائلاً : جاء في روايات عديدة إنّ النبي (صلّى الله عليه وآله) قال لأصحابه ليلة بدر : (( مَنْ منكم يمضي في هذه الليلة إلى البئر فيستقي لنا ؟ )) .

فصمتوا ولم يقدم منهم أحد على ذلك ، فأخذ الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السّلام) قِربة وانطلق يبغي الماء ، وكانت ليلة ظلماء باردة ذات رياح حتّى ورد البئر ، وكان عميقاً مظلماً فلم يجد دلواً يستقي به ، فنزل في البئر وملأ القربة وارتقى ، وأخذ في الرجوع فعصفت عليه عاصفة جلس على الأرض لشدّتها حتّى سكنت فنهض واستأنف المسير ، وإذا بعاصفة كالأولى تعترض طريقه فتجلسه على الأرض ، فلمّا هدأت العاصفة قام يواصل مسيره ، وإذا بعاصفة ثالثة تعصف عليه فجلس على الأرض للمرّة الثالثة ،


الصفحة (19)

فلمّا زالت عنه قام وسلك طريقه حتّى إذا بلغ النبي (صلّى الله عليه وآله) سأله قائلاً : (( يا أبا الحسن ، لماذا أبطأت ؟ )) .

فأجاب علي (عليه السّلام) : (( يا رسول الله , عصفت عليّ عواصف ثلاث زعزعتني ، فمكثت لكي تزول )) .

فقال (صلّى الله عليه وآله) : (( وهل علمت ما هي تلك العواصف يا علي ؟ )) .

فقال علي (عليه السّلام) : (( وما كانت تلك يا رسول الله ؟ )) .

فقال (صلّى الله عليه وآله) : (( كانت العاصفة الأولى جبرائيل ومعه ألف ملك سلّم عليك وسلّموا ، والثانية كانت ميكائيل ومعه ألف ملك سلّم عليك وسلّموا ، والثالثة كانت إسرافيل ومعه ألف ملك سلّم عليك وسلّموا ، وكلهم قد هبطوا مدداً لنا )) .

وإلى هذا المعنى أشار السّيد الحميري في قصيدته ، قائلاً :

أقسمُ     باللهِ     وآلائهِ      والمرءُ عمّا قالَ مسؤولُ
إنّ  عليَّ بن أبي طالبٍ      على التّقى والبرِّ مجبولُ

 

إلى أن قال :

ذاكَ  الـذي سـلّمُ في ليلةٍ      عـلـيـه ميكالُ وجبريلُ
ميكالُ في ألفٍ وجبريلُ في      ألـفٍ ويـتـلوهُمْ سَرافيلُ
لـيـلةُ  بـدرٍ مدداً أنزلوا      كـأنّـهـم طـيـرٌ أبابيلُ

 

سقّاء كربــلاء

نعم ، كما إنّ الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السّلام) استقى للرسول (صلّى الله عليه وآله) يوم بدر ، فكذلك ابنه العبّاس بن علي (عليه السّلام) استقى لأخيه الإمام الحسين (عليه السّلام) يوم كربلاء ، ولكن بفارق كبير وهو أنّ الإمام علي بن أبي طالب (عليه السّلام)


الصفحة (20)

سلّم عليه جبريل وميكائيل وإسرافيل وآلاف من الملائكة المقرّبين ، وحيّوه بتحيّات طيّبة مباركة من عند الله تبارك وتعالى ، بينما ولده العبّاس بن علي (عليه السّلام) أحاط به آلاف النبّالة الموكّلين بالمشرعة يرشقونه بالسهام والنبال ، ويمنعونه من الماء ، ويحولون بينه وبين إيصال القربة إلى الخيام ، وهم يسمعون صراخ الأطفال العطاشى ، وعويل النساء الظمأى .

هذا والفصل صيف قائظ ، والطقس حار شديد الحرارة ، والشمس وهّاجة تصهرهم بأشعتها المحرقة وترشقهم بشررها القاتل ، ومع ذلك لم يرحموا أهل بيت نبيّهم ، ولم يدعوا الماء يصل إلى خيامهم ، فقد كمنوا وراء النخيل وغدروا بالسقاء واستهدفوا القربة وأراقوا الماء ، وملائكة الرحمن تلعنهم وتلعن طاغيتهم يزيد ، وتقدّس روح السقّاء وتحيّيه بتحية الرحمن : ( سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ ) .

إذعـان واعتراف

وجاء في كتاب ( الأنوار البهيّة ) ما نصّه : حكي عن الشافعي أنّه قيل له : ما تقول في علي (عليه السّلام) ؟

قال : ما نقول في حقّ مَنْ أخفت أولياؤه فضائله ؛ خوفاً ، وأخفت أعداؤه فضائله ؛ حسداً ، وشاع من بين ذين ما ملأ الخافقين ؟!

وقال مثل ذلك ابن أبي الحديد المعتزلي في مقدّمة شرحه على النهج عند القول في نسب الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السّلام) ، وذكر لمع يسيرة من فضائله قال : فأمّا فضائله (عليه السّلام) فإنّها قد بلغت من العظم والجلالة ، والانتشار والاجتهاد ، مبلغاً يسمج معه التعرّض لذكرها ، والتصدّي لتفصيلها . . .

إلى أن قال : وما أقول في رجل أقرّ له أعداؤه وخصومه بالفضل ، ولم يمكنهم جحد مناقبه ، ولا كتمان فضائله ، فقد علمت أنّه استولى بنو اُميّة على سلطان الإسلام في شرق


الصفحة (21)

الأرض وغربها ، واجتهدوا بكلّ حيلة في إطفاء نوره والتحريض عليه ، ووضعوا المعايب والمثالب له ، ولعنوه على جميع المنابر ، وتوعّدوا مادحيه ، بل حبسوهم وقتلوهم ، ومنعوا من رواية حديث يتضمّن له فضيلة ، أو يرفع له ذكراً ، حتّى حظروا أن يسمّى أحد باسمه ، فما زاده ذلك إلاّ رفعة وسموّاً .

وكان كالمسك كلّما سُتر انتشر عَرفُه ، وكلّما كُتم تضوّع نَشرُه ، وكالشمس لا تُستر بالراح ، وكضوء النهار إن حجبت عنه عين واحدة أدركته عيون كثيرة .

ثمّ أضاف : وما أقول في رجل تُعزى إليه كلّ فضيلة ، وتنتهي إليه كلّ فرقة ، وتتجاذبه كلّ طائفة ، فهو رئيس الفضائل ، وينبوعها وأبو عُذرها ، وسابق مضمارها ومجلّي حلبتها ، كلّ مَنْ بزغ فيها بعده فمنه أخذ ، وله اقتفى ، وعلى مثاله احتذى ...

نعم ، مَنْ كان هذا والده وأبوه فحقّ له أن يرث منه الشرف والسموّ ، والرفعة والعلو ، وأن يستلهم منه الأخلاق والآداب ، والمحاسن والمكارم ، والفضائل والمناقب ، فهنيئاً لأبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) حسبه الوضّاء ، ونسبه الناصع المبارك .


الصفحة (22)

الخصّيصة الثانية

الرحــم الطاهر

قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : (( الجنّة تحت أقدام الأُمّهات )) . وقال (صلّى الله عليه وآله) : (( تزوّجوا في الحجر الصالح فإنّ العرق دسّاس )) . وقال (صلّى الله عليه وآله) : (( اختاروا لنطفكم )) . وعن أبي عبد الله الصادق (عليه السّلام) أنّه قال : (( إنما المرأة قلادة ، فانظر ما تتقلّد )) .

ومن ثمّ قال الإمام أمير المؤمنين لأخيه عقيل ، وكان نسّابة عالماً بأنساب العرب وأخبارهم : (( انظر لي امرأة قد ولدتها الفحولة من العرب لأتزوجها ، فتلد لي غلاماً فارساً )) .

وفي خبر : (( لكي أُصيب منها ولداً يكون شجاعاً وعضداً ينصر ولدي الحسين ، ويواسيه في طفِّ كربلاء )) .

فقال له عقيل : تزوّج يا أمير المؤمنين اُمّ البنين الوحيديّة الكلابيّة ؛ فإنّه ليس في العرب أشجع من آبائها . فتزوّجها علي (عليه السّلام) .

وكان اسم اُمّ البنين فاطمة الوحيديّة الكلابيّة ، واُمّها ثمامة بنت سهيل بن عامر ، وكانت ثمامة هذه أديبة أريبة ، وعاقلة لبيبة ، فأدّبت ابنتها اُمّ البنين بآداب العرب ، وعلّمتها ما ينبغي للبنت الرشيدة تعلّمها من الأخلاق والآداب الحميدة .

وأبوها أبو المحل واسمه حرام ، وفي بعض النسخ حزام بن خالد بن ربيعة بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن ، من شجعان العرب وفرسانهم ، ودُعيت اُمّ البنين بالوحيديّة والكلابيّة نسبةً إلى الوحيد بن كعب وكلاب بن ربيعة .

وكان أهلها من سادات العرب وأشرافهم ، وزعمائهم وأبطالهم المشهورين .


الصفحة (23)

لماذا التشاور مع عقيل ؟

وهنا سؤال يفرض نفسه ليقول : أليس الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) باب مدينة علم الرسول (صلّى الله عليه وآله) والعارف بأهل زمانه ، بل والأعرف بهم من كلّ أحد ، فكيف يسأل بأمر الزواج من مثل أخيه عقيل ؟

والجواب : صحيح أنّه (عليه السّلام) أعلم الناس بعد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بالاُمور ، وأعرف الناس بأنساب الناس ، ولكنه (عليه السّلام) فعل ذلك لاُمور لا تخلو عن حكمة ، ولعلّ من أهمّها ما يلي :

1 ـ أنّه (عليه السّلام) أراد أن يعلّمنا بذلك كيف نبني أمورنا ؛ صغيرها وكبيرها ، اجتماعيّها وشخصيّها ، اقتصاديّها وسياسيّها ، على التحاور والتشاور ، ونسير فيها على علم ومعرفة ، ونشارك الناس في عقولهم وتجاربهم ، فنتجنّب بذلك مفاسد الأنانية والاستبداد بالرأي ، وما يتبعها من مساوئ ومهالك ، وخاصة في مثل أمر الزواج الذي هو أهمّ لبنة في تكوين الاُسرة ، وإنجاب الذرّية والأولاد ، وبناء المجتمع الصالح .

2 ـ لعلّه أراد (عليه السّلام) بذلك التجاهر والإعلان عن هذه السنّة المباركة التي سنّها رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وهي سنّة الزواج ، حيث ورد الأمر بإعلانها والإشهاد عليها .

3 ـ لعلّه كان المرسوم في ذلك الزمان والمعتاد في تلك الأيام وهو استنابة الآخرين في أمر الزواج ، وعدم الإقدام من الزوج شخصيّاً عليه .

4 ـ لعلّه (عليه السّلام) أراد بذلك تعليم الأمّة إرجاع الاُمور إلى الخبراء من أهل الفنِّ ، وبيان أهمّية التخصّص ، ومكانة المتخصّصين في المجتمع الإسلامي .

ففي كلّ أمر يرى الإسلام الرجوع فيه إلى أهل فنّه وخبرته ؛ ففي أمر الزواج إلى العارف


الصفحة (24)

بالأنساب ، وفي العمران إلى المهندس العالم بالعمارة ، وفي التجارة إلى الخبير في أمرها ، وفي الدين إلى المرجع الديني ، وفي الحكومة والقيادة إلى مَنْ اختاره الله حاكماً وقائداً من الأئمّة الطاهرين (عليهم السّلام) زمن حضورهم ، وشورى المراجع الفقهاء زمن غيبتهم (عليهم السّلام) وهكذا .

5 ـ لعلّه أراد بذلك (عليه السّلام) إظهار شخصية عقيل ، وإثبات تخصّصه في مجال الأنساب ؛ حتّى يكون مَنْ يمدحه عقيل في نسبه ـ من أمثال حزام واُمّ البنين ـ مرفوع الرأس بين الناس ومعتمداً ، ومَنْ يذمّه عقيل في نسبه ـ من أمثال معاوية وهند ـ سنداً لخزيهم في الناس ومستنداً .

6 ـ لعلّه (عليه السّلام) أراد الإخبار عن قضية كربلاء ، والإشارة إلى فاجعة عاشوراء من شهادة الإمام الحسين (عليه السّلام) ، ومظلوميّة أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) ، وجناية بني اُميّة في حقّ أهل بيت نبيّهم ، وقتل ذرّيته وسبي حريمه ، حتّى لا يجعل مجالاً لأحد أن يدّعي بعد ذلك عدم علم الإمام الحسين (عليه السّلام) بشهادته من نهضته الإصلاحية ، وأنه خرج يطلب الحكومة والسلطان ـ والعياذ بالله ـ ليؤكّد للناس أنّه (عليه السّلام) إنما يخرج ليُحيي بشهادته الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وينقذ بذلك الإسلام والأمّة الإسلاميّة .

الاُمّ المبــاركة

نعم ، كانت اُمّ البنين كما أرادها الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) وبشهادة عقيل من أصل كريم وفرع قويم ، ومن خيرة النساء الفاضلات والمعتقدات بحقّ أهل البيت (عليهم السّلام) ، وكانت مخلصة في ولائها لهم ، ممحّضة في مودّتهم ومحبّتهم حتّى حضت عندهم بالجاه الوجيه ، والمحلّ الرفيع ، والمقام المنيع .


الصفحة (25)

ولقد زارتها السيّدة زينب الكبرى (عليها السّلام) ـ على ما نقل من مجموعة الشهيد الأوّل ـ بعد وصولها إلى المدينة ، أي عند عودتها من سفرة كربلاء المفجعة ؛ وذلك لتعزّيها بأولادها الأربعة الذين استشهدوا بين يدي إمامهم الإمام الحسين (عليه السّلام) في كربلاء ، كما كانت تزورها أيّام العيد أيضاً ، وهذا ممّا يدلّ على علوّ مقام هذه الاُمّ المباركة اُمّ البنين ، وسموّ منزلتها عند أهل البيت (عليهم السّلام) .

كيف لا وقد كانت اُمّ البنين بمنزلة الاُمّ للسّيدة زينب (عليها السّلام) وأختها اُمّ كلثوم ، وشقيقيها الإمامين الحسن والحسين (عليهما السّلام) ؛ فإنّها حينما جاءت إلى بيت الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) عاملت أبناء الزهراء (عليها السّلام) معاملة الاُمّ الحنون ، وكانت لهم كما تكون الاُمّ العطوفة لأولادها بل وأكثر .

فإنّها كانت ترى نفسها فخورة بخدمتهم (عليهم السّلام) ؛ ولذا كانت تقدّمهم على أولادها وتعتني بهم أكثر ممّا تعتني بأبنائها ، وترى القيام بشأنهم واجباً عليها وفريضة كتبها الله في ذمّتها ، فإنّهم قربى الرسول (صلّى الله عليه وآله) الذين أوجب الله تعالى على العباد مودّتهم ومحبّتهم وتبجيلهم وإكرامهم .

حتى روي أنّها لمّا زفّت إلى بيت الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) صادفت الإمامين الحسن والحسين (عليهما السّلام) مريضين فأخذت تمرضهما ، وتقوم برعايتهما وتلاطفهما في القول ، وتطيّب لهما في الكلام ، حتّى عوفيا من مرضهما ، وبرئا من علّتهما .

ثمّ إنّها ـ على ما قيل ـ طلبت من الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) أن يعهد إلى أهل بيته بأن لا يَدعوها أحد بعد ذلك باسمها فاطمة ؛ مخافة أن يتذكّر أبناء الزهراء (عليها السّلام) اُمّهم ، فيتجدّد لهم حزنهم ويعود لهم مصابهم ، ويتذكّروا غصصهم وأشجانهم ، وإنّما أرادت منه (عليه السّلام) أن يدعوها بكنيتها اُمّ البنين ، وكذلك فعل (عليه السّلام) .


الصفحة (26)

مقام اُمّ البنين عند الله

ثمّ إنّه على إثر إخلاص السيّدة اُمّ البنين في ودّها ومحبّتها بالنسبة لرسول الله (صلّى الله عليه وآله) وذرّيته الطيّبين ، وما قدّمته من عناية ورعاية لأبناء الزهراء (عليها السلام) ، وما عرفته لهم من الحقوق التي فرضها الله تعالى لهم على عباده من السمع والطاعة ، والتبجيل والتكريم ، خصّها الله تعالى بمقام شامخ ، وجعلها باباً من أبواب الحوائج ، كما خصّ ولدها العبّاس (عليه السّلام) بذلك أيضاً ، حيث جعله باباً للحوائج ، وملجأً في المهمّات والمصاعب .

فما رجاها طالب حاجة ، أو قصدها صاحب هَمّ وغَمّ ، ونذر لله تعالى أن يهدي لروحها شيئاً من الدعاء والصلاة ، والبرّ والخيرات إلاّ وقضى الله تعالى له حاجته ، وفرّج عنه همّه وغمّه ؛ كلّ ذلك إكراماً من الله تعالى للسّيدة اُمّ البنين (سلام الله عليها) ، مقابل إخلاصها ووفائها .

اُمّ البنين وإرهاصات الولادة

قيل : إنّ والد اُمّ البنين حزام بن خالد بن ربيعة كان في سفر له مع جماعة من قومه فرأى ذات ليلة في منامه أنّه جالس في أرض خصبة ، وقد انعزل في ناحية وفي يده درّة يقبّلها وهو متعجّب من صفائها وتلألئها ، وإذا بفارس قد أقبل إليه من صدر البريّة وقال له بعد السّلام والتحية ، وهو يشير إلى الدرّة : بكم تبيع هذه ؟

فقال له حزام : إنّي لم أعرف قيمتها ، ولكن أنت بكم تشتريها ؟

فقال الفارس : إنّي أيضاً لم أعرف قيمتها ، ولكن اقترح عليك أن تهديها إلى مَنْ هو جدير بأن يهدى إليه ، وحقيق بأن يتحف بها ، وأنا أضمن لك عنده شيئاً هو أغلا من الدراهم والدنانير .


الصفحة (27)

فقال له حزام : وما هو ذلك الشيء الأغلى من الدراهم والدنانير ؟

قال الفارس : أضمن لك الحظوة عنده ، والزلفى لديه ، والشرف والسؤدد أبد الآبدين .

فقال حزام : أو تضمن لي ذلك ؟

فقال الفارس وبكلِّ صلابة : نعم ، أضمن لك ذلك .

فقال حزام : وتكون أنت الواسطة والكفيل أيضاً في ذلك ؟

قال الفارس وبكلَِّ قوّة : نعم ، وأكون أنا الواسطة والكفيل لو فوّضتني أمرها وخوّلتني فيها . فأعطاه حزام إيّاها وفوّضه في أمرها .

فلمّا انتبه حزام من نومه قصّ رؤياه على مَنْ كان معه من قومه ، فقال له أحدهم : إن صدقت رؤياك فإنك ترزق بنتاً ، ويخطبها منك أحد العظماء ، وتنال عنده بسببها الشرف والسؤدد .

فلمّا رجع حزام من سفره وكانت زوجته ثمامة حاملاً بفاطمة اُمّ البنين رآها قد وضعت بها ، فبشّروه بذلك ، فتهلّل وجهه فرحاً ، وسرّ سروراً كبيراً ، وقال في نفسه : قد صدقت الرؤيا . فلمّا قيل له : ما نسمّيها ؟ أجاب : سمّوها فاطمة ، وكنّوها اُمّ البنين .

ثمّ نشأت الوليدة نشأة صالحة في أحضان اُمّها ثمامة وعلى يدي أبيها حزام ، وتأدّبت في بيت الوالدين بآداب العرب ، وأخلاق الصالحين الأبرار ، وشيم النبلاء الأحرار ، حتّى بلغت مبلغاً لائقاً تأهّلت به للزواج وتمكنت من إدارة الشؤون البيتيّة والعائلية ، وذلك بعد أن ارتفعت إلى مستوىً عالٍ من الأدب والكمال ، بحيث استطاعت عبره لأن تكون زوجة لأشرف خلق الله تعالى بعد الرسول (صلّى الله عليه وآله) ، واُمّاً لذرّية رسول الله (صلّى الله عليه وآله) .


الصفحة (28)

عقيل يخطب للإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام)

نعم ، لمّا طرح الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) على أخيه عقيل أمر الزواج ، وطلب مشورته فيه اقترح عليه عقيل أن يتزوج بفاطمة الوحيديّة الكلابيّة ، ذات الاُسرة العريقة والمنزلة الرفيعة ، والأصالة والنجابة والشجاعة والشهامة . وما أن وافق الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) على اقتراح أخيه وقَبِل منه مشورته إلاّ وأخذ عقيل يهيّئ مقدمات هذا الزواج المبارك ، ويعدّ له مستلزماته ، فقام بخطبة فاطمة الكلابيّة من أبيها حزام .

كان مسكن حزام حينئذ خارج المدينة فقصده عقيل بكل رجاء وأمل ، ونزل بكل عزّ وشرف على حزام في مضيفه هناك ، فرحّب به حزام ونحر له واستضافه بكل حفاوة ، وأكرمه غاية الإكرام ، وكانت العادة حينئذ جارية على أنهم كانوا لا يسألون الضيف عن حاجته إلاّ بعد ثلاثة أيام من استضافته ، فلمّا صار اليوم الرابع أقبل حزام وجلس إلى جانب عقيل وقال له بكل احترام وتبجيل : هل لك يا أخي من حاجة فتُقضى ، أو ملمّة فتُمضى من مال أو رجال وعدد أو عدّة ، فإنا نحن رهن إشارتكم ، ومن المؤتمرين بأوامركم ؟

فأجابه عقيل شاكراً عواطفه وشعوره الطيّب قائلاً : جئتك بالشرف الشامخ والمجد الباذخ .

فقال حزام مستفسراً : وما هو ذلك يابن عمّ الرسول (صلّى الله عليه وآله) ؟

قال عقيل : جئتك خاطباً .

فقال حزام وبكلِّ حرارة : مَنْ ولمَن ؟

فأجابه عقيل بكامل الصدق والصراحة : جئتك لأخطب ابنتك الحرّة


الصفحة (29)

فاطمة اُمّ البنين إلى يعسوب الدين وقائد الغرّ المحجّلين ، وإمام المتّقين ، وسيّد الوصيِّين الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن عبد مناف (صلوات الله عليهم أجمعين) .

عندها هشّ حزام وبشّ ، والتفت إلى عقيل وهو لا يتمالك نفسه فرحاً وسروراً وقال : على الرحب والسعة ، والإقبال والدعة ؛ فلقد جئتنا بخير الدنيا والآخرة ، وجلبت لنا الشرف الرفيع والمجد المنيع ، ونحن نتشرّف بهذه المصاهرة ونفتخر بهذه الوصلة ، فمَنْ مثل علي بن أبي طالب أمير المؤمنين ووصي رسول ربّ العالمين ، وحجّة الله على الخلق أجمعين ، إمام الإنس والجن ، قسيم النار والجنة ؟

ولكن يابن عمّ رسول الله ، أين نحن منه ؟ وأين ابنتنا من جنابه ؟ فبالإضافة إلى أننا اُناس عاديّون نحن أُناس قرويّون ، وإنّ ابنتنا من أهل القرى والبادية ، وهل تصلح قرويّة ريفيّة لإمام مكّي مدني ؟!

وما أن أتمّ حزام كلامه حتّى ابتدره عقيل قائلاً : اعلم يا أبا المحل ـ وأبو المحل كنية حزام ـ بأنّ أخي الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) يعلم كلّ ما قلته ، ولا يخفى عليه شيء ممّا بيّنته ، وأنه مع ذلك يرغب في مصاهرتكم ويحبّ أن يتزوج منكم ، وقد رضي بأن تكون ابنتكم زوجةً له ، وربّة بيته ، واُمّاً حنوناً لأولاده .

عندها قال حزام : إذاً يابن عمّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، أمهلني حتّى أستشير أُمّها في ذلك ، وأسألها عن صلاحيّة ابنتها وأهليّتها للزواج ؛ فإنّ الاُمّ أعلم بحال ابنتها من الأب ، وأعرف منه بأخلاق ابنتها وآدابها ، حتّى إذا أشارت عليّ بالقبول عرضت على ابنتي فاطمة أمر زواجها ، لأعرف موافقتها ورضاها بذلك .


الصفحة (30)

حزام يستشير ثمامة

فقال له عقيل : لك ذلك يا أخا بني هوازن .

لمّا أذن عقيل لحزام بالاستشارة قام حزام وأقبل إلى البيت ، وعندما دخله إذا به يرى ابنته فاطمة جالسة بين يدي اُمّها ثمامة لترجيل شَعْرها ، فالاُمّ تمشط رأس ابنتها وتسرح شَعْرها والبنت تحدّث اُمّها وتستأذنها بأن تقصّ عليها رؤيا كانت قد رأتها وهي تقول : أُمّاه لقد رأيت في منامي البارحة رؤيا عجيبة أُحبّ أن أقصّها عليك يا اُمّاه .

فقالت الاُمّ بحرارة وبكلِّ عطف وحنان : خيراً رأيتِ يا بنيّة ، نعم ، قصّيها عليّ .

وهنا وقف حزام في مكان لا يراه فيه أحد وأخذ يسمع رؤيا ابنته ، فسمعها تقول : يا أُمّاه ، رأيت في منامي البارحة كأنّي جالسة في روضة غنّاء ، ذات أشجار مثمرة ، وأنهار جارية ، وكان الوقت ليلاً لكن ليلة مقمرة ، حيث السماء صاحية ، والنجوم ساطعة ، والقمر تامّاً ، وقد أرسل القمر أضواءه الفضيّة على الروضة وأكسبها جمالاً فائضاً ، وبهجةً رائعة .

وكنت أنا في تلك اللحظات أُفكر في عظمة الله خالق السماء والأرض ، ومبدع الشمس والقمر ، فبينا أنا كذلك وإذا بالقمر قد انقضّ من كبد السماء وهوى نحو الأرض ووقع في حجري ، وهو يتلألأ نوراً يغشي الأبصار ويبهر العيون ، فتعجّبت من ذلك كثيراً ! ولكن زاد تعجّبي عندما رأيت ثلاث نجوم زواهر تنقضّ من السماء نحو الأرض وتسقط في حجري أيضاً ، وهي تتلألأ نوراً وتشعّ سناً وضوءاً ، وإذا بهاتف يهتف بي حينئذ ويقول :

الصفحة (31)

بـشراكِ  فـاطمةٌ بالسادةِ الغررِ       ثـلاثةِ  أنـجمٍٍ والـزاهرِ القمرِ
أبـوهم سـيّدٌ فـي الخلقِ قاطبة      بعدَ الرسولِ كذا قد جاءَ في الخبرِ

 

 

ثمّ أضافت قائلة : فما أن سمعت ذلك حتّى انتبهت من نومي وأنا فزعة . ثمّ قالت : هذه يا اُمّاه كانت رؤياي التي رأيتها البارحة في منامي ، فما هو تأويلها وتفسيرها ؟

فقالت لها اُمّها وهي تفسّر لها رؤياها : خيراً يا بنيّة ، رؤياك تنبئ عن أنّك ستصبحين زوجة لرجل له عند الله جاه عظيم ، وشأن رفيع ، وقدر كبير ، سيّد في قومه ، مطاع في عشيرته ، عظيم عند الناس ، كبير عند الله ، وترزقين منه أربعة أولاد أوّلهم أكبرهم قدراً ، وأعظمهم منزلة ، ويكون كالقمر ، ويكون الثلاثة الباقون بالنسبة إليه كالنجوم الزواهر .

وإلى هذا المعنى أشار الشاعر بقوله :

صـدقـتْ بهِ رؤيا رأتْها فاطمٌ       قبلَ القران بمَنْ بهِ عُرفَ التقى
قمراً رأتْ ينقضُّ من كبدِ السما       يهوي بأحضانِ الحصانةِ مشرقا
تـقفوهُ مـن أبهى النجومِ ثلاثةٌ      يـغدو الـزمانُ لحسنِهم متشوّقا

 

 

الرؤيا الصادقة

وهنا عندما تمّ حديث الاُمّ وبنتها ظهر عليهما حزام وحيّاهما بالسّلام ، وقال مبتسم الثغر ، مبتهج القلب : لقد تحقّقت رؤياك يا بنيّة ، فهذا ابن عمّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) عقيل بن أبي طالب (عليه السّلام) جاء يخطبك منّا .

فوجئت الاُمّ وابنتها بهذا النبأ السار الذي جاء مفسّراً للرؤيا ومطابقاً لها ، فطأطأت البنت رأسها حياءً ، وغضّت طرفها خجلاً ، بينما رفعت الاُمّ رأسها


الصفحة (32)

والتفتت إلى حزام وهي تقول : لمَن يخطبها ؟

قال حزام : لفلاّل الكتائب ، ومظهر العجائب ، فارس المشارق والمغارب ، أسد الله الغالب علي بن أبي طالب (عليه السّلام) .

فقالت الاُمّ بلهفة واشتياق : وما الذي أجبت به عقيلاً يا حزام ؟

قال حزام : استمهلته حتّى أستشيرك في الأمر ، وأرى رأيك في ذلك ، ثمّ أضاف : فما ترين يا ثمامة ؟ هل ترين ابنتنا مؤهّلة للزواج ، وكفؤ لأن تكون زوجة لوصي رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، والحجة على خلق الله الإمام أمير المؤمنين وإمام المتّقين علي بن أبي طالب (عليه السّلام) ؟

فأجابت الاُمّ وبكلِّ بهجة وإعجاب : نعم يا حزام ، إنّ ابنتنا وبحمد الله عاقلة نبيهة ، وأديبة أريبة ، لقد رأيت فيها الكفاءة منذ صغرها ، وأحسست منها التفوّق والنبوغ من أيّامها الأولى ، فأدّبتها بآداب العرب ، وربّيتها تربية الصالحين ، وأعددتها إعداداً تأهّلت عبره لأن تكون زوجة صالحة واُمّاً عطوفاً ، وربّة بيت مديرة ومدبّرة ، فأرجو الله أن تكون عند حسن ظنّنا ، وأن تبيّض بسيرتها الحسنة عند الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) وجوهنا .

عندها تهلّل وجه حزام ، وأقبل على ابنته يسألها عن رأيها ويستعلم موافقتها ورضاها بالزواج من الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) ، ثمّ بقي بعد أن عرض عليها أمر الزواج يترقّب رأيها وينتظر جوابها ، لكن ما كان جواب البنت اللبيبة عن رضاها بهذا الزواج المبارك إلاّ سكوتها ؛ فإنّ السكوت علامة الرضا .

عندها طار الأب فرحاً ، وغادر البيت مسرعاً ، واتّجه إلى المضيف ليلتقي بعقيل الذي تركه هناك ينتظره ، ويترقّب جوابه حتّى يبشّره بالموافقة والقبول .


الصفحة (33)

مهر السنّة

فلمّا دخل حزام المضيف تلقّاه عقيل متسائلاً وهو يقول : ما وراءك يا أبا المحل ؟

فأجابه حزام : يابن عمّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) , كلّ الخير إنشاء الله تعالى ، لقد رضينا أن تكون ابنتنا خادمة متواضعة في بيت النبوة والإمامة إن قبلها الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) بذلك ؟

فقال له عقيل : يا أبا المحل ، لا تقل خادمة متواضعة ولكن قل : زوجة وفيّة ، وقرينة كريمة

ثمّ واصل عقيل كلامه وقال : لا بدّ للمرأة من صداق ، فهل لكم اقتراح فيه ؟

قال حزام : لا ، إنما نفوّض ذلك يابن عمّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) إليك .

فقال عقيل وهو يشكره على ذلك : اعلم يا أبا المحل ، إنّ أهل بيت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) لا يتجاوزون في صداق بناتهم ونسائهم ما سنّه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) من الصداق لبناته ونسائه هو خمسمئة درهم .

فقال له حزام : ونحن أيضاً لا ينبغي لنا أن نتجاوز ما سنّه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) من المهر والصداق ، رضينا وسلّمنا .

ثمّ نهض حزام لإبلاغ الأمر إلى عياله ، وذلك بعد أن استأذن من عقيل واسترخصه فتوجّه نحو البيت ، فلمّا دخله التفت إلى زوجته ثمامة وابنته فاطمة وقال لهما بكل بهجة وسرور : البشارة البشارة ، لقد رضي عقيل بن أبي طالب ابنتنا فاطمة لأخيه الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) على مهر السنّة وهو خمسمئة درهم ؛ فإنّه الصداق الذي سنّه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) لأزواجه وبناته .


الصفحة (34)

فسجدت ثمامة شكراً لله تعالى وهي تقول : أحمد لله الذي شرّفنا بهذه المصاهرة ، وكرّمنا بوصلة وصي رسول الله (صلّى الله عليه وآله) .

ثمّ أقبلت على ابنتها فاطمة تقبّلها ، كما وأخذت تهنّئها بهذه الكرامة التي أكرمها الله بها ، والشرف الذي تشرّفت به ، وتوصيها بحسن الأخلاق والسيرة ، وتحثّها على خدمة زوجها وخدمة أولاده ذريّة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، وذلك بكل إخلاص وكامل الجهد والجد .

إعلان الخطبــة

ثمّ إنّ حزام خرج بعد ذلك ودعا عشيرته وقومه من بني كلاب وبني عامر ؛ ليحضروا مجلس الخطبة ، فلمّا حضروا قام فيهم عقيل خطيباً ، فحمد الله وأثنى عليه ، وصلّى على رسوله (صلّى الله عليه وآله) وأهل بيته الطاهرين (عليهم السّلام) .

ثمّ قال : أمّا بعد ، فاعلموا يا بني كلاب ، ويا بني عامر بن صعصعة ، إنّ الله قد منّ علينا إذ بعث فينا رسولاً من أنفسنا محمداً (صلّى الله عليه وآله) ، فجاءنا بدين الله القويم الذي ارتضاه الله لنا ، إذ يقول تعالى : ( إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلاَمُ )(1) . ويقول تعالى : ( ومَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنْ الْخَاسِرِينَ )(2) .

وأمرنا بنبذ البغضاء والشحناء ، وأوجب علينا التعارف وصلة الأرحام ، إذ يقول تعالى : ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ )(3) .

وحرّم علينا الزنا والسفاح ، وأحلّ لنا الزواج والنكاح ، إذ يقول تعالى : ( وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ )(4) . وقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : (( تناكحوا تناسلوا فإنّي مباهٍ بكم الاُمم )) .

وهذا وصي رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وابن عمّ نبيّكم ، الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم (عليه السّلام) ، قد أحبّ مصاهرتكم ، وخطب

ـــــــــــــــــــ

(1) سورة آل عمران / 19 .

(2) سورة آل عمران / 85 .

(3) سورة الحجرات / 13 .

(4) سورة الرّوم / 21 .


الصفحة (35)

إليكم كريمتكم فاطمة اُمّ البنين بنت حزام بن خالد بن ربيعة على كتاب الله وسنّة رسوله (صلّى الله عليه وآله) ، وقد قال الله تعالى : ( فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ )(1) . والسّلام عليكم ورحمة الله وبركاته . ثمّ جلس .

عندها قام حزام بن خالد وقال بعد الحمد والثناء على الله تعالى ، والصلاة على رسوله محمّد (صلّى الله عليه وآله) وآله الطاهرين : أمّا بعد ، فيا قوم قد سمعتم ما قاله ابن عمّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) عقيل بن أبي طالب من ذكر نبينا محمّد (صلّى الله عليه وآله) ودين الإسلام القويم .

وإنّي أُشهدكم وأُشهد الله أنّي اُدين بدين هذا النبي الكريم ، وأطيعه فيما أمر به ونهى عنه ، وقد ارتضيت وصيّه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السّلام) لابنتي فاطمة بعلاً ، وارتضيتها له سكناً ، وأنتم عشيرتي وقومي فما تقولون في هذا الأمر ؟

فقالوا في جوابه : ما تريد أن نقول في وصيّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وابن عمّ نبيّكم ؟ إنّه أكرم الناس نسباً وحسباً ، وأعظمهم شرفاً وسؤدداً ، ولنا الفخر والشرف في الانتساب إليه والوصلة معه ، فنعم ما صنعت وخير ما فعلت .

في بيت الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام)

ثمّ إنّه بعد إتمام الخطبة ، وإجراء صيغة العقد ، وإرسال الصداق والهدايا ، وتجهيز الجهاز واللوازم ، زفّت فاطمة اُمّ البنين إلى زوجها الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) ، وكان ذلك ـ طبعاً ـ بعد شهادة الصدّيقة فاطمة الزهراء (عليها السّلام) ؛ فإن السيّدة اُمّ البنين ـ على ما يراه بعض المؤرّخين ـ كانت هي أوّل مَنْ تزوّجها الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) بعد فاطمة الزهراء (عليها السّلام) ، أو أنّها كانت الثانية بعد تزوّجه (عليه السّلام) أوّلاً

ــــــــــــــــــــ

(1) سورة الشّورَى / 11‏


الصفحة (36)

باُمامة بنت زينب بنت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) على ما يراه بعض آخر من المؤرّخين .

وكيف كان ، فإنّ اُمّ البنين لمّا جاءت في بيت الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) كانت له ولأولاده (عليهم السّلام) كما رجاها أبوها حزام واُمّها ثمامة ، وكما وصفها عقيل بن أبي طالب (عليه السّلام) ، فإنّها عاشت معه (عليه السّلام) زوجة وفيّة ، وقرينة كريمة ، وربّة بيت مدبّرة ، واُمّاً حنوناً لأولاده (عليهم السّلام) ، ذرّية رسول الله (صلّى الله عليه وآله) .

ثمّ إنّها أنجبت له بنيناً أربعة ، أوّلهم وأفضلهم : قمر العشيرة أبو الفضل العبّاس (عليه السّلام) ، وثانيهم : عبد الله ، وثالثهم : جعفر ، ورابعهم : عثمان .

وتحقّق صدق كنيتها اُمّ البنين بهؤلاء الأشبال الأربعة ، بل الأُسود البواسل ، بل إنّهم وخاصةً أبو الفضل العبّاس (عليه السّلام) ، قد ورثوا الشجاعة من أبيهم الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) ، ومن اُمّهم فاطمة الوحيديّة الكلابيّة التي كانت قد ورثت الشجاعة من آبائها وأسلافها الفرسان الشجعان .

كما إنّهم ورثوا منها المحاسن والمكارم ، والفضائل والمناقب ، والصدق والوفاء ، والمحبّة والولاء ؛ فقد كانوا لأخيهم الإمام الحسين (عليه السّلام) مطيعين موالين ، وفي حبّهم له من المخلصين الصادقين ، وبإمامته من المعترفين المقرّين ، ولم يرضوا بأقلّ من أن يضحّوا بأنفسهم من أجله ، وبأرواحهم دون روحه .

وبالفعل فإنّهم رغم المغريات والتطميع بإمارة جيش بني اُميّة ، ومواثيق الأمان التي عرضت عليهم من قِبَل ابن زياد لم يتركوا أخاهم الإمام الحسين (عليه السّلام) ، ولم ينصرفوا عنه ، بل قاتلوا دونه حتّى قُتلوا فداءً له ، وتضرّجوا بدمائهم وقاءً لدمه ، وذلك كلّه بفضل وفاء اُمّهم اُمّ البنين ، وإخلاصها لرسول الله (صلّى الله عليه وآله) وذرّيته .

حيث كانت تعلّمهم كيف يضحّوا من أجل إمامهم الحسين (عليه السّلام) ، وكيف يقوه بأنفسهم ويفدوه بأرواحهم ، ويرخصوا دماءهم الغالية وقاءً لدمه الطاهر ، وذلك من حين طفولتهم ونعومة أظفارهم ، فقد دأبت في تعليمهم وتربيتهم على ذلك ، وتنشئتهم عليه .


الصفحة (37)

الزواج الأمثــل

لقد كان في طريقة زواج الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) وكيفية انتخابه لاُمّ البنين ، واختياره إيّاها زوجةً له واُمّاً لأولاده درس للمسلمين وعبرة لهم ؛ حتّى يكونوا في أمر الزواج على بصيرة ، ويقدموا على ذلك عن تحقيق ومشورة ؛ فإن الزواج هو اللبنة الأولى في بنيان الاُسرة ، والحجر الأساس لتشييد أركانها ، وبصلاح الاُسرة يصلح المجتمع والعكس بالعكس ؛ ولذلك اعتنى الإسلام بالزواج وبالزوجين ـ وخاصةً المرأة ـ ما لم يعتنِ بها وبشؤونها دين من الأديان السماوية ، ولا مبدأ من المبادئ الأرضية .

والإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) إنما جسّد بزواجه هذا ما جاء في القرآن الحكيم ، والسنّة الكريمة ، والأحاديث الشريفة من الحثّ على التحقيق والتدقيق في أمر الزواج ، وانتخاب ذوي البيوتات والشرف ، والإيمان والتقوى ، واجتناب ما خبث ولَؤم .

فقد روي أنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قام خطيباً وقال : (( أيها الناس ، إيّاكم وخضراء الدمن ! )) . قيل : يا رسول الله ، وما خضراء الدمن ؟ قال (صلّى الله عليه وآله) : (( المرأة الحسناء في منبت السوء )) .

وقال (صلّى الله عليه وآله) : (( أغلب الأعداء للمؤمن زوجة السوء )) .

وقال (صلّى الله عليه وآله) : (( ذروا الحسناء العاقر ، وعليكم بالسوداء الولود ، فإنّي مكاثر بكم الاُمم حتّى بالسقط )) .

وقال (صلّى الله عليه وآله) : (( اعلموا أنّ المرأة السوداء إذا كانت ولوداً أحبّ إليّ من الحسناء العاقر )) .

وكان النبي (صلّى الله عليه وآله) : يقول في دعائه : (( اللّهم إنّي أعوذ بك من ولد يكون عليّ ربّاً ، ومن مال يكون عليّ ضياعاً ، ومن زوجة تشيّبني قبل أوان مشيبي )) .


الصفحة (38)

الزوجة الصـالحة

قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : (( ألا أُخبركم بخير نسائكم ؟ )) . قالوا : بلى . قال : (( إنّ خير نسائكم الولود الودود ، السّتيرة العفيفة ، العزيزة في أهلها ، الذليلة مع بعلها ، المتبرّجة مع زوجها ، الحصان عن غيره ، التي تسمع قوله وتطيع أمره ، وإذا خلا بها بذلت له ما أراد منها ، ولم تتبذّل له تبذّل الرجل )) . أي لم تترك الزينة له .

وقال (صلّى الله عليه وآله) أيضاً : (( تزوّجوا للرزق ، فإنّ لهنّ البركة )) .

وقال (صلّى الله عليه وآله) أيضاً : (( ألا أُخبركم شرّ نسائكم ؟ )) . قالوا : بلا يا رسول الله أخبرنا .

قال : (( إنّ شرّ نسائكم الذليلة في أهلها العزيزة مع بعلها ، العقيم الحقود التي لا تتورّع عن قبيح ، المتبرّجة إذا غاب عنها زوجها ، الحصان معه إذا حضر ، التي لا تسمع قوله ولا تطيع أمره ، فإذا خلا بها تمنّعت تمنّع الصعبة عند ركوبها ، ولا تقبل له عذراً ولا تغفر له ذنباً )) .

وقال أمير المؤمنين (عليه السّلام) : (( تزوّج عيناء سمراء ، عجزاء مربوعة ، فإن كرهتها فعليّ الصداق )) .

وعنه (عليه السّلام) أيضاً قال : (( مَنْ أراد الباءة فليتزوّج بامرأة قريبة من الأرض ، بعيدة ما بين المنكبين سمراء اللون ، فإن لم يحظَ بها فعليّ مهرها )) .

وعنه (عليه السّلام) أيضاً قال : (( عقول النساء في جمالهنّ ، وجمال الرجال في عقولهم ، وكان رسول الله (صلّى الله عليه وآله) إذا أراد أن يتزوج امرأة بعث إليها مَنْ ينظر إليها ، وقال : شمّ ليتها ، فإن طاب ليتها طاب عرفها ، وإن درم كعبها عظم كعثبها )) .

وعنه (عليه السّلام) أيضاً قال : (( يظهر في آخر الزمان واقتراب القيامة ، وهو شرّ الأزمنة ، نسوة متبرّجات كاشفات ، عاريات من الدين ، داخلات في الفتن ،


الصفحة (39)

مائلات إلى الشهوات ، مسرعات إلى اللذات ، مستحلاّت للمحرمات في جهنم خالدات )) .

وقال علي بن الحسين (عليه السّلام) : (( إذا أراد أحدكم أن يتزوّج فليسأل عن شعرها كما يسأل عن وجهها ؛ فإن الشعر أحد الجمالين )) .

وقال (عليه السّلام) أيضاً : (( خير نسائكم الطيّبة الريح ، الطيّبة الطعام ، التي إن أنفقت أنفقت بمعروف ، وإن أمسكت أمسكت بمعروف ، فتلك من عمّال الله ، وعامل الله لا يخيب ولا يندم )) .

وقال أبو عبد الله الصادق (عليه السّلام) : (( خير نسائكم التي إن غضبت أو أغضبت قالت لزوجها يدي في يدك ، لا أكتحل بغمض حتّى ترضى عنّي )) .

وقال (عليه السّلام) أيضاً : (( من بركة المرأة قلّة مؤونتها ، وتيسير ولادتها ، ومن شؤمها شدّة مؤونتها ، وتعسير ولادتها )) .

وقال (عليه السّلام) أيضاً : (( الخيّرات الحسان من نساء أهل الدنيا هنّ أجمل من الحور العين )) .

وعنه (عليه السّلام) أيضاً قال : (( قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : أفضل نساء اُمّتي أصبحهنّ وجهاً ، وأقلهنّ مهراً )) .

وعنه (عليه السّلام) أيضاً قال : (( الحياء عشرة أجزاء ؛ تسعة في النساء وواحد في الرجال ، فإذا خفضت المرأة ذهب جزء من حيائها ، وإذا تزوّجت ذهب جزء ، وإذا افترعت ذهب جزء ، وإذا ولدت ذهب جزء وبقي لها خمسة أجزاء ، فإن فجرت ذهب حياؤها كلّه ، وإن عفّت بقي لها خمسة أجزاء )) .

وعن داود الكرخي قال : قلت لأبي عبد الله (عليه السّلام) : إنّ صاحبتي هلكت وكانت لي موافقة ، وقد هممت أن أتزوج .

فقال : (( انظر أين تضع نفسك ، ومَنْ تشركه في مالك ، وتطلعه على دينك وسرّك وأمانتك ، فإن كنت لا بدّ فاعلاً


الصفحة (40)

فبكراً تنسب إلى الخير وإلى حسن الخلق )) .

ولقد أوصت بنت الحارث ابنتها حين زفّت إلى زوجها قائلة : يا بنية ، احملي عنّي إلى بيت زوجك عشر خصال تكن لك ذخراً وذكرى :

1 ـ الصحبة بالقناعة .

2 ـ والمعاشرة بحسن السمع والطاعة .

3 ـ والتعهّد لموقع عينه ، والتفقّد لموضع أنفه ، فلا تقع عينه منك على قبيح ، ولا يشمّ منك إلاّ أطيب ريح .

4 ـ والتعهّد لوقت طعامه .

5 ـ والهدوء عنه عند منامه .

6 ـ والاحتفاظ ببيت ماله ، والإرعاء على نفسه وحشمه وعياله .

7 ـ ولا تفشي له سرّاً .

8 ـ ولا تعصي له أمراً .

9 ـ ثمّ اتّقي الفرحة أمامه إن كان ترحاً ، والاكتئاب عنده إن كان فرحاً .

10 ـ وكوني أشدّ ما تكونين له إعظاماً يكن أشدّ ما يكون لك إكراماً ، وأشدّ ما تكونين له موافقة يكن أطول ما يكون لك مرافقة .

الزوج الصالح

عن النبي (صلّى الله عليه وآله) أنّه قال : (( إنّ أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً ، وخياركم خياركم لنسائهم )) .

وقال الإمام الصادق (عليه السّلام) : (( حبّ النساء من أخلاق الأنبياء )) .

وقال (عليه السّلام) أيضاً : (( ما أظنّ رجلاً يزداد في هذا الأمر ـ أي التشيّع واتّباع


الصفحة (41)

طريقة أهل البيت (عليهم السّلام) ـ خيراً إلاّ ازداد حبّاً للنساء )) .

وعنه (عليه السّلام) أيضاً : (( العبد كلّما ازداد في النساء حبّاً ازداد في الإيمان فضلاً )) .

وقال النبي (صلّى الله عليه وآله) : (( مَنْ زوّج كريمته من فاسق فقد قطع رحمه )) .

وقال (صلّى الله عليه وآله) : (( مَنْ شرب الخمر بعدما حرّمه الله ليس بأهل لأن يُزوّج إذا خطب )) .

وعن الإمام الرضا (عليه السّلام) أنّه قال : (( إيّاك أن تُزوّج شارب الخمر ، فإن زوّجته فكأنما قدت إلى الزنا )) .

وقال أبو عبد الله (عليه السّلام) : (( لا تتزوّجوا المرأة المستعلنة بالزنا ، ولا تزوّجوا الرجل المستعلن بالزنا إلاّ أن تعرفوا منهم التوبة )) .

وعن الحسين بن بشار قال : كتبت إلى أبي الحسن (عليه السّلام) : إنّ لي ذا قرابة قد خطب إليّ وفي خلقه سوء . قال : (( لا تزوّجه إن كان سيّئ الخلق )) .

وعن الحسين بن بشار أيضاً قال : كتبت إلى أبي جعفر (عليه السّلام) في رجل خطب إليّ , فكتب (عليه السّلام) : (( مَنْ خطب إليكم فرضيتم دينه وأمانته كائناً مَنْ كان فزوّجوه إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ ))(1) .

وكتب علي بن أسباط إلى أبي جعفر في أمر بناته : أنّه لا يجد أحداً مثله . فكتب إليه أبو جعفر (عليه السّلام) : (( فهمت ما ذكرت من أمر بناتك ، وأنك لا تجد أحداً مثلك فلا تنظر في ذلك يرحمك الله ؛ فإنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قال : إذا جاءكم مَنْ ترضون خلقه فزوّجوه إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ )) .

وروي أنّه جاء رجل إلى الإمام الحسن (عليه السّلام) يستشيره في تزويج ابنته ، فقال (عليه السّلام) : (( زوّجها من رجل تقي ؛ فإنّه إن أحبّها أكرمها ، وإن أبغضها لم يظلمها )) .

ـــــــــــــــــــــ

(1) سورة الأنفال / 73 .


الصفحة (42)

المؤمن كفؤ المؤمن

قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : (( إنما أنا رجل مثلكم أتزوّج فيكم وأزوّجكم ، إلاّ فاطمة فإنّ تزويجها نزل من السماء )) .

وروي أنّه نظر رسول الله (صلّى الله عليه وآله) إلى أولاد علي وجعفر , فقال : (( بناتنا لبنينا وبنونا لبناتنا )) .

وقال أبو عبد الله الصادق (عليه السّلام) : (( المؤمنون بعضهم أكفّاء بعض )) .

وقال (عليه السّلام) أيضاً : (( الكفؤ أن يكون عفيفاً وعنده يسار )) .

وقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : (( أنكحت زيد بن حارثة زينب بنت جحش ، وأنكحت المقداد ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب ؛ ليعلموا أنّ أشرف الشرف الإسلام )) .

وعن أبي عبد الله الصادق (عليه السّلام) أنّه قال : (( إذا تزوّج الرجل المرأة لمالِها أو جمالها لم يرزق ذلك ، فإن تزوّجها لدينها رزقه الله (عزّ وجلّ) مالها وجمالها )) .

وقال علي بن الحسين (عليه السّلام) : (( مَنْ تزوّج لله (عزّ وجلّ) ولصلة الرحم توّجه الله تاج الملك )) .

وعن أبي عبد الله الصادق (عليه السّلام) قال : (( قال أمير المؤمنين (عليه السّلام) : أفضل الشفاعات أن تشفع بين اثنين في نكاح حتّى يجمع الله بينهما )) .

وعن أبي جعفر (عليه السّلام) قال : (( قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ما يمنع المؤمن أن يتّخذ أهلاً لعلّ الله أن يرزقه نسمة تثقل الأرض بلا إله إلاّ الله )) .

وعن أبي الحسن (عليه السّلام) قال : (( جاء رجل إلى أبي جعفر (عليه السّلام) فقال (عليه السّلام) له : هل لك من زوجة ؟ قال : لا . فقال أبو جعفر (عليه السّلام) : لا أحبّ أنّ لي الدنيا وما فيها وأن


الصفحة (43)

أبيت ليلة وليس لي زوجة . ثمّ قال : إنّ ركعتين يصلّيهما متزوّج أفضل من رجل عَزِبٍ يقوم ليله ويصوم نهاره )) .

وعن الإمام الرضا (عليه السّلام) : (( إنّ امرأة سألت أبا جعفر الباقر (عليه السّلام) فقالت : إنّي متبتّلة . فقال لها : وما التبتّل عندك ؟ قالت : لا اُريد التزويج أبداً . قال : ولِمَ ؟ قالت : التمس في ذلك الفضل . فقال : انصرفي ، فلو كان في ذلك فضل لكانت فاطمة (عليها السّلام) أحقّ به منك ، أنّه ليس أحد يسبقها إلى الفضل )) .

وعن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أنّه قال : (( مَنْ زوّج أخاه المؤمن امرأة يأنس بها , وتشدّ من عضده ويستريح إليها ، زوّجه الله من الحور العين )) .

وقال (صلّى الله عليه وآله) : (( ما بُني بناء في الإسلام أحبّ إلى الله من التزويج )) .

قال (صلّى الله عليه وآله) : (( مَنْ سرّه أن يلقى الله طاهراً مطهّراً ، فليلقه بزوجة صالحة )) .

وقال (صلّى الله عليه وآله) : (( تزوّجوا النساء فإنهنّ يأتين بالمال )) .

وقال (صلّى الله عليه وآله) : (( مَنْ كان له ما يتزوّج به فلم يتزوّج فليس منّا )) .

وقال (صلّى الله عليه وآله) : (( التمسوا الرزق بالنكاح )) .

وقال (صلّى الله عليه وآله) : (( أراذل موتاكم العزاب )) .

وعن أبي عبد الله الصادق (عليه السّلام) أنّه قال : (( أكثروا الخير بالنساء )) .

وعنه (عليه السّلام) أيضاً قال : (( تزوّجوا ولا تطلّقوا ؛ فإنّ الطلاق يهتزّ منه العرش )) .

الزوجان الكفؤان

عن كتاب الوافي عن أبي حمزة الثمالي ما مضمونه قال : كنت عند الإمام الباقر (عليه السّلام) إذ دخل عليه رجل فرحّب به الإمام (عليه السّلام) ، وأقبل عليه يتفقّد عن حاله ، فقال له الرجل : يابن رسول الله ، لقد خطبت من فلان ـ وهو أحد مواليكم ـ ابنته


الصفحة (44)

فردّني ، وأعرض عنّي واستحقرني ؛ نظراً لذمامتي وغربتي ، فدخلني من ذلك ما ضقت به ذرعاً حتّى أنّي تمنّيت موتي على إثره .

فقال (عليه السّلام) له : (( لا بأس عليك ، أنت رسولي إلى منجح بن رماح لتقول له : إنّ محمّد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب يقول لك : زوّجني ابنتك ولا تردّني )) .

فقام ذلك الرجل مسرعاً وتوجّه إلى بيت منجح بن رماح ليبلغه رسالة الإمام الباقر (عليه السّلام) في أمر زواجه .

فقال أبو حمزة : عندها التفت الإمام الباقر (عليه السّلام) إلينا وقال : (( جاء رجل من اليمامة واسمه جويبر إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يريد الإسلام ، فأسلم وحسن إسلامه ، وكان رجلاً قصيراً ذميماً محتاجاً عارياً ، وكان من قباح السودان ، فتكفّله رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وقام برعايته وهو ملازم للمسجد ، حتّى إذا كثر عدد المسلمين الملازمين للمسجد نزل الوحي بإخراجهم عن المسجد ، وبسدّ الأبواب المفتوحة على المسجد إلاّ باب بيت علي وفاطمة (عليهما السّلام) .

ففعل رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ما أمره الوحي بسدّ الأبواب وإخراج مَنْ كان يلازم المسجد وينام فيه ، وبنى لهم خارج المسجد صفّة يلجؤون إليها . وكان (صلّى الله عليه وآله) يقوم بنفسه برعايتهم وكفالتهم ، ويتفقّد أحوالهم كلّ صباح ومساء ، والمسلمون يقتدون به (صلّى الله عليه وآله) بالعطف عليهم .

وذات مرّة التفت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) إلى جويبر وقال له : ألا تحبّ أن تتزوّج امرأة تحصن بها فرجك ، وتكون عوناً لك على دنياك وآخرتك ؟

فقال جويبر بلهفة مشوبة بيأس : بأبي أنت واُمّي يا رسول الله ! ومَنْ ترغب فيّ ؟! فوالله ما لي من حسب ولا نسب ، ولا مال ولا جمال ، فأي امرأة ترغب في الزواج منّي ؟


الصفحة (45)

فقال (صلّى الله عليه وآله) بعطف وحزم : يا جويبر , إنّ الله قد وضع بالإسلام مَنْ كان في الجاهلية شريفاً ، ورفع بالإسلام مَنْ كان في الجاهلية وضيعاً ، وأباد نخوة الجاهلية وغرورها ، وأزال بالإسلام التفاخر بالآباء والعشائر ، قال الله تعالى : إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ .

ثمّ قال (صلّى الله عليه وآله) : فإنّ الناس اليوم كلّهم ، أبيضهم وأسودهم ، قرشيهم ونبطيّهم ، عربيّهم وعجميهم ، من آدم ، وإنّ آدم خلقه الله (عزّ وجلّ) من طين ، وإنّ أحبّ الناس إلى الله (عزّ وجلّ) يوم القيامة أطوعهم له وأتقاهم ، وإنّي يا جويبر لم أعرف أحداً من المسلمين يكون أفضل منك إلاّ مَنْ كان هو أكثر منك تقوىً وطاعة لله تعالى )) .

ثمّ قال (صلّى الله عليه وآله) : انطلق يا جويبر إلى زياد بن لبيد ؛ فإنّه من أشرف بني بياضة حسباً فيهم ، وقل له : إنّي رسول من رسول الله إليك لأُبلغك قوله إليك بتزويجي ابنتك الدلفاء .

فأقبل جويبر مسرعاً ، واستأذن من زياد في الدخول عليه ـ وكان عنده جماعة من قومه ـ فدخل وقال بعد السّلام والتحية : إنّي رسولٌ من رسول الله (صلّى الله عليه وآله) إليك في حاجة ، فهل أبوح لك بها علانية أم أسرّ بها إليك خُفية ؟

فقال زياد : بل قلها علانية ؛ فإنّها شرف لي وفخر .

فقال جويبر : إنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قال لي أن أقول لك : زوّجني ابنتك الدلفاء .

وهنا فوجئ زياد من وقع الرسالة ومضمونها ؛ وذلك لأنّها كانت على خلاف عاداتهم في الجاهلية ، فالتفت إليه وقال له متلكّئاً ومتعجباً : أحقّاً أنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بعثك إليّ بهذه الرسالة ؟!

فقال جويبر بلا تردّد ولا تأمّل : نعم ، فإنّي لا أكذب على رسول الله (صلّى الله عليه وآله) .

فقال زياد : إنّا لا نزوّج بناتنا إلاّ من الأكفاء من بين الأنصار ، فارجع حتّى


الصفحة (46)

أتشرّف عند رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وأعتذر منه على ذلك .

فرجع جويبر وهو يقول : والله ليس هذا حكم القرآن ، ولا سيرة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) .

فسمعت كلامه الدلفاء وهي في مخدعها ، فأرسلت إلى أبيها تدعوه ، فلمّا جاء قالت له : يا أبه ، ما خبر جويبر ؟ فقصّ عليها أبوها قصّته وما كان من جوابه له ، فقالت له : والله ، ما كان جويبر ليكذب على رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، فأرسل إليه مَنْ يردّه إلينا .

فأرسل زياد إلى جويبر مَنْ يردّه ، فلمّا جاء قال له : مرحباً بك ، اطمئن حتّى أعود إليك .

ثمّ أتى زياد إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وقال له بعد التحية والسّلام : بأبي أنت واُمّي يا رسول الله ! لقد جاءني جويبر برسالة لم أطمئن بها منه ، فاستمهلته حتّى أتشرّف بخدمتكم وأقول : بأنّا لا نزوّج إلاّ الأكفاء من بين الأنصار .

فقال له رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : يا زياد ، إنّ جويبر مؤمن ، والمؤمن كفؤ المؤمن ، والمسلم كفؤ المسلم ، فزوّجه يا زياد ولا ترغب عنه .

فرجع زياد وقصّ على ابنته الدلفاء ما سمعه من رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في حقّ جويبر ، ورسالته في الزواج منها ، عندها التفتت الدلفاء إلى أبيها وقالت له : يا أبه ، إيّاك وأن تخالف أمر رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فتنقلب كافراً .

فلمّا رأى زياد موقف ابنته المشرّف من أمر رسول الله (صلّى الله عليه وآله) خرج من عندها وأخذ بيد جويبر وأدخله على مَنْ كان عنده من قومه ، وزوّجه ابنته على دين الله وسنّة رسوله (صلّى الله عليه وآله) ، وضمن له المهر ، ثمّ هيّأ له جهاز العرس وأثاثه ،


الصفحة (47)

ووهب لجويبر بيتاً مؤثّثاً وملابس فاخرة ، وزفّوا العروس إلى بيته .

فلمّا وقع نظر جويبر على ما أنعم الله عليه من زوجة وبيت وأثاث اعتزلها يعبد الله إلى الصباح ثلاث ليال سوياً , ولم يمسسها ، فاطّلعت النسوة باعتزاله فأخبرن أبوها ، فشكاه إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) .

فقال جويبر : أردت أن أشكر الله تعالى على ما أنعم به عليّ ، غير أنّي سأرضيها وأرضيهم الليلة إنشاء الله تعالى . وهكذا فعل , ثمّ استشهد جويبر في إحدى حروب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) )) .

من حقِّ الزوجين

قال النبي (صلّى الله عليه وآله) : (( خيركم خيركم لأهله ، وأنا خيركم لأهلي )) .

وقال (صلّى الله عليه وآله) : (( الكاد على عياله كالمجاهد في سبيل الله )) .

وفي تفسير أبو الفتوح نقلاً عن ميمونة زوجة النبي (صلّى الله عليه وآله) ، عن النبي (صلّى الله عليه وآله) أنّه قال : (( خيار الرجال من اُمّتي خيارهم لنسائهم ، وخير النساء من اُمّتي خيرهنّ لأزواجهن )) .

وروي أنّه جاء رجل إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فقال : إنّ لي زوجة ؛ إذا دخلت تلقّتني ، وإذا خرجت شيّعتني ، وإذا رأتني مهموماً قالت : ما يهمّك ؟ إن كنت تهتمّ لرزقك فقد تكفّل به غيرك ، وإن كنت تهتمّ بأمر آخرتك فزادك الله همّاً .

فقال رسول الله (ص): (( بشّرها بالجنة ، وقل لها : إنك عاملة من عمّال الله ، ولك في كلّ يوم أجر سبعين شهيداً )) .

وعن جابر قال : قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : (( إذا صلّت المرأة خمسها ، وصامت شهرها ، وأحصنت فرجها ، وأطاعت بعلها ، فلتدخل من أي أبواب الجنّة شاءت )) .


الصفحة (48)

وقال (صلّى الله عليه وآله) : (( أيّما امرأة أعانت زوجها على الحج والجهاد ، أو طلب العلم أعطاها الله من الثواب ما يعطى امرأة أيوب (عليه السّلام) )) .

وقال (صلّى الله عليه وآله) : (( أيّما امرأة أدخلت على زوجها أمر النفقة ، وكلّفته ما لا يطيق ، لا يقبل الله منها صرفاً ولا عدلاً ، إلاّ أن تتوب وترجع ، وتطلب منه طاقته )) .

وقال (صلّى الله عليه وآله) : (( لو أنّ جميع ما في الأرض من ذهب وفضة حملته المرأة إلى بيت زوجها ، ثمّ ضربت على رأس زوجها يوماً من الأيام تقول : مَنْ أنت ؟ إنّما المال لي ، حبط عملها ولو كانت من أعبد الناس ، إلاّ أن تتوب وترجع وتعتذر إلى زوجها )) .

وعن أمير المؤمنين (عليه السّلام) قال : (( سمعت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يقول : أيّما امرأة هجرت زوجها وهي ظالمة حُشرت يوم القيامة مع فرعون وهامان وقارون في الدرك الأسفل من النار ، إلاّ أن تتوب وترجع )) .

وقال سلمان : سمعت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يقول : (( أيّما امرأة منّت على زوجها بمالها فتقول : إنّما تأكل أنت من مالي . لو أنّها تصدّقت بذلك المال في سبيل الله لا يقبل الله منها إلاّ أن يرضى عنها زوجها )) .

وعن أبي عبد الله الصادق (عليه السّلام) أنّه قال : (( مَنْ تزوّج امرأة ولم ينوِ أن يوفيها صداقها فهو عند الله زان )) .

تعاليم اُســريّة

قال النبي (صلّى الله عليه وآله) : (( مَنْ صبر على سوء خلق امرأته أعطاه الله من الأجر ما أعطى أيوب (عليه السّلام) على بلائه ، ومَنْ صبرت على سوء خلق زوجها أعطاها الله مثل ثواب آسيا بنت مزاحم )) .


الصفحة (49)

وقال النبي (صلّى الله عليه وآله) : (( أيّما امرأة آذت زوجها بلسانها لم يقبل الله منها صرفاً ولا عدلاً ، ولا حسنة من عملها حتّى ترضيه ، وإن صامت نهارها وقامت ليلها ، وأعتقت الرقاب وحملت على جياد الخيل في سبيل الله . فكانت أوّل مَنْ يرد النار ، وكذلك الرجل إذا كان لها ظالماً )) .

وقال النبي (صلّى الله عليه وآله) : (( أيّما امرأة لم ترفق بزوجها وحملته على ما لا يقدر عليه وما لا يطيق لم يقبل منها حسنة ، وتلقى الله وهو عليها غضبان )) .

وعن النبي (صلّى الله عليه وآله) قال : (( حقّ الرجل على المرأة إنارة السراج ، وإصلاح الطعام ، وأن تستقبله عند باب بيتها فترحّب به ، وأن تقدّم إليه الطشت والمنديل ، وأن توضّئه ، وأن لا تمنعه نفسها إلاّ من علّة )) .

وقال (صلّى الله عليه وآله) : (( لو أنّ المرأة وضعت إحدى ثدييها طبيخة ، والاُخرى مشويّة ما أدّت حقّ زوجها ، ولو أنّها عصت مع ذلك زوجها طرفة عين اُلقيت في الدرك الأسفل من النار ، إلاّ أن تتوب وترجع )) .

وقال (صلّى الله عليه وآله) : (( لا تؤدّي المرأة حقّ الله (عزّ وجلّ) حتّى تؤدّي حقّ زوجها )) .

وقال الإمام الصادق (عليه السّلام) : (( أيّما امرأة باتت وزوجها عليها ساخط في حقّ لم يقبل منها صلاة حتّى يرضى عنها )) .

وقال (عليه السّلام) أيضاً : (( أيّما امرأة قالت لزوجها ما رأيت منك خيراً قط فقد حبط عملها )) .

وقال الإمام أبو جعفر (عليه السّلام) : (( مَنْ احتمل من امرأته ولو كلمة واحدة أعتق الله رقبته من النار ، وأوجب له الجنّة ، وكتب له مئتي ألف حسنة ، ومحي عنه مئتي ألف سيّئة ، ورفع له مئتي ألف درجة ، وكتب الله له بكل شعرة على بدنه عبادة سنة )) .

وقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : (( ما من عبد يكسب ثمّ ينفق على عياله إلاّ أعطاه


الصفحة (50)

الله بكل درهم ينفقه على عياله سبعمئة ضعف )) .

وقال (صلّى الله عليه وآله) : (( خير الرجال من اُمّتي الذين لا يتطاولون على أهلهم ، ويحنون عليهم ولا يظلمونهم ، ثمّ قرأ : الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ )) .

حقوق زوجية متقابلة

لقد عدّ بعض علماء الأخلاق في بعض كتبهم التي كتبوها في حقوق الزوجين أنّ للزوج على زوجته سبعة عشر حقّاً ، وللزوجة على زوجها ثلاثين حقّاً ، وذلك استناداً إلى الروايات الواردة عن المعصومين (عليهم السّلام) في بيان اجتماعيات الإسلام ، والحقوق الاجتماعية المتقابلة ، بما فيها حقّ الزوجين ، فلقد قال النبي (صلّى الله عليه وآله) : (( عيال الرجل اُسراؤه ، وأحبّ العباد إلى الله (عزّ وجلّ) أحسنهم صنيعاً إلى اُسرائه )) .

وقال (صلّى الله عليه وآله) : (( المرأة لعبة ، فمَن اتّخذها فليصنها )) .

وقال (صلّى الله عليه وآله) : (( ويل لامرأة أغضبت زوجها ، وطوبى لامرأة رضي عنها زوجها )) .

وقال النبي (صلّى الله عليه وآله) : (( قول الرجل للمرأة إنّي أحبّك لا يذهب من قلبها أبداً )) .

وقال (صلّى الله عليه وآله) : (( ألا وإنّ الله ورسوله بريئان ممّنْ أضرّ بامرأة حتّى تختلع منه )) .

وقال (صلّى الله عليه وآله) : (( إنّي لأتعجّب ممّنْ يضرب امرأته وهو بالضرب أولى منها )) .

وقال (صلّى الله عليه وآله) : (( لا يخدم العيال إلاّ صديق ، أو شهيد ، أو رجل يريد الله به خير الدنيا والآخرة )) .


الصفحة (51)

وقال (صلّى الله عليه وآله) : (( جلوس المرء عند عياله أحبّ إلى الله من اعتكافٍ في مسجدي هذا )) .

وقال (صلّى الله عليه وآله) : (( إنّ الرجل ليؤجر في رفع اللقمة إلى فم امرأته )) .

وقال (صلّى الله عليه وآله) : (( مَنْ دخل السوق فاشترى تحفة فحملها إلى عياله , كان كحامل صدقة إلى قوم محاويج ، وليبدأ بالإناث قبل الذكور )) .

وقال (صلّى الله عليه وآله) : (( يا علي ، خدمة العيال كفّارة للكبائر ، وتطفئ غضب الرب ، ومهور الحور العين ، وتزيد في الحسنات والدرجات )) .

أجر النساء أكثر

وقال (صلّى الله عليه وآله) ـ كما في تفسير أبي الفتوح الرازي ـ : (( فإذا حملت المرأة كان لها في كلّ يوم وليلة أجر ألف شهيد قد قُتل في سبيل الله والحقّ ، صابراً محتسباً ، وفضّلها الله في الجنّة على الحور العين فضلاً كبيراً كفضلي على أدناكم .

وخير نساء اُمّتي مَنْ ابتغت رضا زوجها ، واستجابت له إلى ما أراد منها ما لم يكن فيه معصية إلى الله تبارك وتعالى .

وخير رجال اُمّتي مَنْ رفق بزوجته ولطف بها ، وعاش معها بعطف وحنان كما تعطف الاُمّ على ولدها وتحنّ إليه ؛ فإنّ لكلّ رجل منهم بذلك أجر مئة شهيد قد قُتل في سبيل الله والحقّ ، صابراً محتسباً )) .

فقال عمر بن الخطاب : كيف يكون يا رسول الله للرجل أجر مئة شهيد , وللمرأة أجر ألف شهيد ؟

فقال (صلّى الله عليه وآله) : (( إنّ أجر النساء أكثر من أجر الرجال ، وثوابهنّ عند الله أكبر وأتمّ ، وإنّ الله تبارك وتعالى ليرفع برضا المرأة عن زوجها وبدعائها له درجات


الصفحة (52)

الرجل في الجنّة )) .

ثمّ قال (صلّى الله عليه وآله) : (( أما علمت أنّه لم يكن هناك بعد الشرك بالله ذنب أعظم وبالاً على الإنسان من عصيان المرأة زوجها ومخالفتها له ؟ )) .

ثمّ قال : (( اتقوا الله في الضعيفين : المرأة واليتيم ؛ فإنكم مسؤولون عنهما ، وإنّ الله (عزّ وجلّ) سائلكم عنهما يوم القيامة , فمَنْ أحسن إليهما نال من الله الرحمة والرضوان ، ومَنْ أساء إليهما استوجب سخط الله تعالى .

ألا وإنّ حقّ الرجل على المرأة مثل حقّي عليكم ، ومَنْ ضيّع حقّي كان كمَن ضيّع حقّ الله ، ومَنْ ضيّع حقّ الله فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير )) .

المرأة إذا تزيّنت وتعطّرت

قال النبي (صلّى الله عليه وآله) في كلام له : (( والمرأة إذا خرجت من باب دارها متزيّنة متعطّرة ، والزوج بذلك راضٍ ، بُني لزوجها بكلِّ قدم بيت في النار )) .

وروي عنه (صلّى الله عليه وآله) أنّه نهى أن تتزيّن المرأة لغير زوجها ، فإن فعلت كان حقّاً على الله أن يحرقها بالنار .

وقال (صلّى الله عليه وآله) : (( أي امرأة تطيّبت وخرجت من بيتها فهي تُلعن حتّى ترجع إلى بيتها متى ما رجعت )) .

وقال (صلّى الله عليه وآله) : (( اشتدّ غضب الله على امرأة ذات بعل ملأت عينها من غير زوجها ، أو غير ذي محرم منها ؛ فإنّها إن فعلت ذلك أحبط الله (عزّ وجلّ) كلّ عمل عملته )) .

وقال الإمام الصادق (عليه السّلام) في كلام له : (( وأيّما امرأة تطيّبت لغير زوجها لم يقبل منها صلاة حتّى تغتسل من طيبها )) .


الصفحة (53)

الزوجة نعمة من الله تعالى

عن الإمام علي بن الحسين (عليه السّلام) أنّه قال : (( أمّا حقّ الزوجة فأن تعلم أنّ الله جعلها لك سكناً واُنساً ، فتعلم أنّ ذلك نعمة من الله عليك فتكرمها وترفق بها ، وإن كان حقّك عليها أوجب فإنّ عليك أن ترحمها )) .

وعن الإمام الباقر (عليه السّلام) قال : (( رحم الله عبداً أحسن فيما بينه وبين زوجته )) .

وعن الإمام الصادق (عليه السّلام) أنّه قال : (( مَنْ حَسُنَ برّه بأهله زاد الله في عمره )) .

وعنه (عليه السّلام) أيضاً قال : (( ملعونة ملعونة امرأة تؤذي زوجها وتغمّه ، وسعيدة سعيدة امرأة تكرم زوجها ولا تؤذيه ، وتطيعه في جميع أحواله )) .

وعنه (عليه السّلام) أيضاً قال : (( سألت اُمُّ سلمى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) عن فضل النساء في خدمة أزواجهن ، فقال : أيّما امرأة رفعت من بيت زوجها شيئاً من موضع إلى موضع تريد به صلاحاً إلاّ نظر الله إليها ، ومن نظر الله إليه لم يعذّبه )) .

وعنه (عليه السّلام) أيضاً قال : (( أيّما امرأة خدمت زوجها سبعة أيّام إلاّ أغلق الله عنها سبعة أبواب النار ، وفتح لها ثمانية أبواب الجنّة تدخل من أيّها شاءت )) .

وعنه (عليه السّلام) أيضاً قال : (( ما من امرأة تسقي زوجها شربة ماء إلاّ كان خيراً لها من عبادة سنة )) .

وعنه (عليه السّلام) أيضاً قال : (( لا غنى بالزوج عن ثلاثة أشياء فيما بينه وبين زوجته ، وهي : الموافقة ليجتلب بها موافقتها ومحبّتها وهواها ، وحسن خلقه معها واستعماله استمالة قلبها بالهيئة الحسنة في عينها ، وتوسعته عليها )) .

وعن الإمام الكاظم (عليه السّلام) : (( جهاد المرأة حسن التبعّل )) .

وعن الحسن بن الجهم قال : رأيت أبا الحسن الكاظم (عليه السّلام) اختضب ،


الصفحة (54)

فقلت : جُعلت فداك ! اختضبت ؟ فقال : (( نعم ، إنّ التهيئة ممّا يزيد في عفّة النساء ، ولقد ترك النساء العفّة بترك أزواجهنّ التهيئة )) . ثمّ قال : (( أيسرّك أن تراها على ما تراك عليه إذا كنت على غير تهيئة ؟ )) . قلتُ : لا . قال : (( هو ذاك )) .

من آداب الزواج

للزواج في الإسلام آداب كثيرة وسنن جمّة ، وقد جاءت في روايات المعصومين (عليهم السّلام) لتضمين نجاح هذا الجانب المهم من الحياة الإنسانية ، المتكفّل للسعادة الفردية والاجتماعية بنجاحه واستمراره ، ولتحصين هذا الأمر العظيم من الفشل والانهيار المتضمّن شقاء الفرد والمجتمع بفشله وانهياره ، وقد جمعت تلك الآداب والسنن في كتاب طبع عام (1348) اُشير إلى بعضها :

عن الراوندي في نوادره ، عن الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) أنّه قال : (( مَنْ أراد منكم التزويج فليصلِّ ركعتين بفاتحة الكتاب ويس ، فإذا فرغ من الصلاة فليحمد الله تعالى وليثنِ عليه , وليقل : اللهمّ ارزقني زوجةً صالحةً ، ولوداً ودوداً شكوراً ، قنوعاً غيوراً ؛ إن أحسنتُ شكرت ، وإن أسأتُ غفرت ، وإن ذكرتُ الله تعالى أعانت ، وإن نسيتُ ذكّرت ، وإن خرجتُ من عندها حفظت ، وإن دخلتُ عليها سرتني ، وإن أمرتُها أطاعتني ، وإن أقسمتُ عليها أبرّت قسمي ، وإن غضبتُ عليها أرضتني .

يا ذا الجلال والإكرام هَب لي ذلك ، فإنّما أسألكه ولا أجد إلاّ ما مننت وأعطيت )) .

ثمّ قال (عليه السّلام) : (( مَنْ فعل ذلك أعطاه الله ما سأل )) .

وروي عن أبي جعفر (عليه السّلام) أنّه سأل أبا بصير قائلاً : (( إذا تزوّج أحدكم كيف يصنع ؟ )) .

فقال : ما أدري .

قال : (( إذا همّ بذلك فليصلِّ ركعتين , وليحمد الله (عزّ وجلّ) , وليقل : اللهمّ إنّي اُريد أن أتزوّج ، اللهمّ فقدّر لي من النساء أحسنهنّ خَلقاً وخُلقاً ،


الصفحة (55)

وأعفهنّ فرجاً ، وأحفظهنّ لي في نفسها ومالي ، وأوسعهنّ رزقاً ، وأعظمهنّ بركة ، واقض لي منها ولداً طيّباً تجعله لي خَلَفاً صالحاً في حياتي وبعد موتي )) .

وروي عن أبي سعيد الخدري أنّه قال : أوصى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) علي بن أبي طالب (عليه السّلام) فقال : (( يا علي ، إذا دخلت العروس بيتك فاخلع خفّها حين تجلس ، واغسل رجليها ، وصبّ الماء من باب دارك إلى أقصى دارك ؛ فإنك إذا فعلت ذلك أخرج الله من دارك سبعين ألف لون من الفقر ، وأدخل فيها سبعين ألف لون من الغنى ، وسبعين لوناً من البركة ، وأنزل عليك سبعين رحمة ترفرف على رأس العروس حتّى تنال بركتها كلّ زاوية في بيتك ، وتأمن العروس من الجنون والجذام والبرص أن يصيبها ما دامت في تلك الدار .

وامنع العروس في اُسبوعها من الألبان والخلّ , والكزبرة والتفاح الحامض ، من هذه الأربعة ... )) . إلى آخر الرواية الشريفة ومضامينها المنيفة ، وإنها جديرة بالمطالعة والتطبيق ، فلتراجع في مظانّها .

الزفاف وآدابه

عن الإمام الصادق (عليه السّلام) أنّه قال : (( زفّوا عرائسكم ليلاً ، واطعموا ضحىً )) .

وعن النبي (صلّى الله عليه وآله) أنّه أوصى علياً (عليه السّلام) بقوله : (( يا علي ، لا وليمة إلاّ في خمس : في عرس ، أو خُرس ، أو إعذار ، أو وكار ، أو ركاز )) .

فالعرس : التزويج ، والخُرس : النفاس بالولد ، والإعذار : الختان ، والوكار : في شراء الدار ، والركاز : الرجل يقدم من مكّة .

وعن الإمام الصادق (عليه السّلام) أنّه قال لبعض أصحابه : (( إذا أُدخلت عليك أهلك فخذ بناصيتها ، واستقبل بها القبلة وقل : اللهمّ على كتابك تزوّجتها ، وبأمانتك


الصفحة (56)

أخذتها ، وبكلماتك استحللت فرجها ؛ فإن قضيت لي منها ولداً فاجعله مباركاً سوياً ، ولا تجعل للشيطان فيه شركاً ولا نصيباً )) .

ومن كتاب النجاة المروي عن الأئمّة (عليهم السّلام) : (( إذا قرب الزفاف يستحب أن تأمرها أن تصلّي ركعتين استحباباً ، وأن تكون على وضوء إذا أُدخلت عليك ، وتصلّي أنت أيضاً مثل ذلك ، وتحمد الله وتصلّي على النبي وآله , وتقول : اللهمّ ارزقني أُلفها وودّها ورضاها بي ، وارضني بها , واجمع بيننا بأحسن اجتماع ، وأيسر ائتلاف ، فإنك تحبّ الحلال وتكره الحرام )) .

وعن الإمام الباقر (عليه السّلام) أنّه قال : (( فقل إذا أردت المباشرة : اللهمّ ارزقني ولداً واجعله تقيّاً زكيّاً ، ليس في خلقه زيادة ولا نقصان ، واجعل عاقبته إلى الخير . وتسمّي الله (عزّ وجلّ) عند الجماع )) .

وهناك للمباشرة ـ من حيث الوقت والمكان والحالات النفسية ـ أثر كبير في سعادة الجنين وشقائه ، وبركة النسل وشؤمه ، وقد دلّتنا الأحاديث الشريفة عليها ؛ وقايةً من حزازتها ، وتجنّباً عن مكارهها ؛ فقد ورد مثلاً : أنّ النطفة لو انعقدت في الشمس على أثر المباشرة تحت أشعّتها عاش ذلك الإنسان ما عاش فقيراً معدوماً ، وأنه لو باشر زوجته الحامل بلا وضوء أصبح ذلك الطفل بخيلاً أعمى القلب .

وهكذا فإنّه يجدر بالإنسان مطالعتها وتطبيقها في حياته الزوجية حتّى يسعد بحياة زوجية سعيدة ، ويحظى بنسل طيّب ، وخلف صالح يخلّف للإنسان الذكر الحسن ، ويعقّب له الثناء الجميل ، كما سعد الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) في زواجه ، وحظى بأولاد صالحين ، مثل أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) .


الصفحة (57)

الخصّيصة الثالثة

الاُسرة المباركة

امتاز أبو الفضل العبّاس (عليه السّلام) على غيره بانتمائه إلى أسرة كريمة وبيت مبارك ، فلقد تولّد في أسرة رفيعة وترعرع في بيت منيع ، حتّى أنّه باعتراف التاريخ قد فاقت أسرته كلّ أسرة طهارةً وشرفاً ، وعلا بيته كلّ بيت مجداً وعزّاً .

كيف لا وهو من الاُسرة التي أصلها ثابت وفرعها في السماء ؟ ومن البيت الذي وصفه الله تعالى بقوله : ( فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ لاَ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ ) ؟

نعم ، لقد كان أبو الفضل العبّاس (عليه السّلام) من أسرة كريمة وبيت شامخ ، يتكوّن أعضاؤه الأوّلون ممّا يقرب من أربعين إلى خمسين عضواً ، كلّهم صالح مبارك ، وطيّب حميد .

لقد كان يضمّ هذا البيت بين جوانحه أشرف أهل الأرض بعد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، وأكرم خلق الله على الله (عزّ وجلّ) بعد النبي الكريم (صلّى الله عليه وآله) ، نَفْسَ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بنصّ القرآن الكريم ، وأخاه وابن عمّه وصهره ، أعني الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السّلام) .

ويضمّ أيضاً ريحانتي رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وسيّدي شباب أهل الجنّة الإمامين الهمامين الحسن والحسين (عليهما السّلام) ، فهل يا ترى هناك اُسرة أطيب وأطهر من هذه الاُسرة ، وبيت أكرم من هذا البيت المنيف ؟

ـــــــــــــــــــــ

(1) سورة النّور / 36 ـ 37 .


الصفحة (58)

لقد كان سيّد هذه الاُسرة المباركة وقمّة هذا البيت الكريم الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السّلام) ما دام كان حيّاً ، حيث كان هو الأب العطوف ، والوالد الحنون لكلّ الاُسرة .

وكانت إلى جنبه أوّلاً وقبل كلّ أحد السيّدة فاطمة الزهراء (عليها السّلام) بنت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، التي سرعان ما قضت نحبها على أيدي المبتزّين لنحلتها وبُلغة ابنيها فدكاً ، ومضت شهيدة مظلومة في الدفاع عن حقّ بعلها الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) بعد ارتحال أبيها رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، وذلك بعد أن أسقطوها جنينها الذي سمّاه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) محسناً .

ثمّ كان سيّد هذه الاُسرة بعد الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) هو سبط رسول الله (صلّى الله عليه وآله) الأكبر الإمام الحسن المجتبى (عليه السّلام) ، ثمّ من بعده الإمام الحسين (عليه السّلام) ، وكان قاعدة هذه الاُسرة المباركة وبقية أعضاء هذا البيت الكريم يتجسّد في العبّاس بن علي (عليه السّلام) وأشقّائه وإخوته الميامين ، ويتمثّل في السيّدة زينب بنت علي (عليها السّلام) وأخواتها وشقيقاتها الطاهرات .

أولاد أمير المؤمنين (عليه السّلام)

نعم ، لقد ذكر المؤرّخون لأمير المؤمنين (عليه السّلام) من الأولاد ـ ومن نساء متعدّدات ـ ما يتراوح عددهم بين سبعة وعشرين وستة وثلاثين ولداً بين ذكر واُنثى ، لمع من بينهم من البنين بعد الإمامين الهمامين سبطي رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، وريحانتيه وسيّدي شباب أهل الجنّة الإمام الحسن المجتبى والإمام الحسين الشهيد (عليهما السّلام) ، اسم قمر العشيرة ، وبطل العلقمي ، أبو الفضل العبّاس (عليه السّلام) ؛ لِما كان يحمله من أهليّة وكفاءة ، ونبل وكرم .

ومن البنات عقيلة بني هاشم التي ورثت اُمّها الزهراء (عليها السّلام) عصمةً وطهارةً ، ونبلاً وشرافة ، وبطولة وشهامة ، وفصاحة


الصفحة (59)

وبلاغة ، ومصائب وآلاماً ، أعني السيّدة زينب الكبرى (عليها السّلام) التي نزل جبرائيل حين ولادتها (عليها السّلام) على رسول الله (صلّى الله عليه وآله) من عند الله تعالى باسمها ( زينب ) ، وبخبر ما يجري عليها من سبي وأسر ، ومن رزايا ومصائب ، والتي كانت من صغر سنّها تسكن إلى أخيها الإمام الحسين (عليه السّلام) وتطمئن إليه ، ولا تفارقه ولا تنفصل عنه ، إنّما كانت معه دائماً وأبداً ، وحتّى شاركته في نهضته الإصلاحية ، وشاطرته بنفسها وأولادها .

كما وقد ذكر المؤرّخون لأبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) ما لا يقلّ عن ولد واحد ، ولا يزداد عن ستة أولاد ذكور ، استشهد بعضهم معه في كربلاء وبقي بعضهم ، وكان عقبه من الباقين منهم .

فضل الأولاد في الإسلام

ولا يخفى أنّ الإسلام قد حبّذ على التوالد والتناسل ، ودعا إلى كثرة الأولاد والأحفاد ، وحثّ الناس وحرّضهم عليه ، حتّى قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في جملة ما قال : (( الولد الصالح ريحانة من رياحين الجنّة )) .

وقال (صلّى الله عليه وآله) : (( نِعم الولد البنات المخدّرات )) .

وقال (صلّى الله عليه وآله) : (( خير أولادكم البنات )) .

وقال (صلّى الله عليه وآله) : (( إنّ الله على الإناث أرأف منه على الذكور )) .

وقال (صلّى الله عليه وآله) : (( البنات حسنات والبنون نعمة ، فالحسنات يثاب عليها والنعمة يسأل عنها )) .

وقال (صلّى الله عليه وآله) : (( نِعم الولد البنات المخدّرات ، مَنْ كانت عنده واحدة جعلها الله ستراً له من النار ، ومَنْ كانت عنده اثنتان أدخله الله بهما الجنّة ، وإن كنّ ثلاثاً أو

الصفحة (60)

مثلهنّ من الأخوات وضع الله عنه الجهاد والصدقة )) .

وقال (صلّى الله عليه وآله) : (( من سعادة الرجل الولد الصالح )) .

وقال (صلّى الله عليه وآله) : (( من سعادة الرجل أن يكون له ولد يستعين بهم )) .

وقال (صلّى الله عليه وآله) : (( أكثروا الولد اُكاثر بكم الاُمم غداً )) .

وقال (صلّى الله عليه وآله) : (( اطلبوا الولد فإنّ الله (عزّ وجلّ) يرزقهم )) .

وقد قال الإمام الصادق (عليه السّلام) : (( أولاد المسلمين موسومون عند الله شافع مشفع ، فإذا بلغوا اثنتي عشرة سنة كانت لهم الحسنات ، وإذا بلغوا الحلم كتبت عليهم السيّئات )) .

وقال (عليه السّلام) : (( إنّ الله (عزّ وجلّ) ليرحم الرجل لشدّة حبّه لولده )) .

وقال الإمام الرضا (عليه السّلام) : (( إنّ الله تبارك وتعالى إذا أراد بعبد خيراً لم يمته حتّى يريه الخلف )) .

وروي : مَنْ مات بلا خلف فكأن لم يكن في الناس ، ومَنْ مات وله خلف فكأن لم يمت .

وقال (صلّى الله عليه وآله) : (( قبّلوا أولادكم ـ وفي نسخة اُخرى : أكثروا من قبلة أولادكم ـ فإنّ لكم بكلّ قبلة درجة في الجنّة ، وما بين كلّ درجة خمسمئة عام )) .

وقال (صلّى الله عليه وآله) : (( يلزم الوالدين من عقوق الولد ما يلزم الولد لهما من العقوق )) .

وقال الإمام الصادق (عليه السّلام) : (( برّ الرجل بولده برّه بوالديه )) .

وقال (عليه السّلام) أيضاً : (( دع ابنك يلعب سبع سنين ، وأدّبه سبعاً ، والزمه نفسك سبع سنين ، فإن فلح وإلاّ فلا خير فيه )) .

وقال (عليه السّلام) أيضاً : (( أكرموا أولادكم وأحسنوا أدبهم )) .


الصفحة (61)

الخصّيصة الرابعة

مميزات ولادته (عليه السّلام)

لقد امتاز أبو الفضل العبّاس (عليه السّلام) في ولادته على سائر الناس بما يمتاز به العظماء من أولياء الله في ولادتهم ، حيث كانت ولادته محفوفة بالإرهاصات ، ومشحونة بالقرائن والمقدّمات الدالّة على عظم منزلة المولود عند الله تعالى ، ومقامه الشامخ لديه .

فهذا الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) قبل أن يولد له العبّاس (عليه السّلام) ، بل وقبل أن يتزوّج باُمّه اُمّ البنين ينبئ عن ولادته ويخبر عن مواصفاته ، ويشير إلى ما يتحلّى به من قوّة الإيمان ، وطهارة النفس ، وشجاعة القلب ، ورحابة الصدر ، ومكارم الأخلاق ، وأنه سوف يعضد أخاه الإمام الحسين (عليه السّلام) في مهمّته ، ويفديه بنفسه ويضحي بما لديه من أجله ، ويستشهد في كربلاء بين يديه .

وصرّح (عليه السّلام) بذلك كلّه عندما أفضى بأمره إلى أخيه عقيل بن أبي طالب (عليه السّلام) وهو يستشيره بقضية زواجه ، بعد استشهاد سيّدة نساء العالمين فاطمة بنت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، حيث قال له : (( انظر لي امرأة قد ولدتها الفحولة من العرب لأتزوّجها ؛ فتلد لي ولداً يكون شجاعاً وعضداً ينصر ولدي الحسين ، ويواسيه في طفّ كربلاء )) .

هذا مضافاً إلى أنّ أنباء ما سيأتي ويتحقق في المستقبل من واقعة عاشوراء ، وأخبار طفّ كربلاء ، والتي من أظهرها وأبرزها وفاء العبّاس (عليه السّلام)


الصفحة (62)

ومواساته لأخيه الإمام الحسين (عليه السّلام) ، وحراسته لخيام النساء ومَنْ فيها من بنات الرسالة وودائع النبوّة ، وسقايته لأطفال أخيه ، وتقديم يديه من أجل إيصال الماء إليهم ، وتعويض الله تعالى له عنهما بجناحين يطير بهما في الجنّة ، كلّ ذلك ممّا نزل به جبرائيل عن الله تبارك وتعالى على قلب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، وأخبر بها علياً (عليه السّلام) وبقية أهل بيته صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين ، وذلك قبل أن يولد أبو الفضل العبّاس (عليه السّلام) .

وعليه فهذه نبذة من مميزات ولادة العبّاس (عليه السّلام) ، والمقدّمات التي احتفت بولادته من جهة أبيه الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) .

وأمّا المميزات التي امتازت بها ولادة أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) من جهة اُمّ البنين (عليها السّلام) فقد مرّ سابقاً الإشارة إلى شيء منها ، حيث إنّه قبل ولادة اُمّه اُمّ البنين يرى أبوها حزام ، وهو جدّ أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) لاُمّه ، تلك الرؤيا التي تبشّره بولادة اُمّ البنين .

وبعد ولادة اُمّ البنين وترعرعها وبلوغها سنّ الرشد ومرحلة الزواج ترى هي بنفسها تلك الرؤيا المباركة المبشّرة بزواجها من رجل عظيم ، والمنبئة عن حصولها على أنجال أربعة : أوّلهم كالقمر المنير ، والثلاثة الباقون كالأنجم الزُهر ، وذلك كلّه قبل زواجها ، بل وحتّى قبل أن يخطبها عقيل من أبيها حزام للإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) .

كلّ ذلك وغيره ممّا يدلّ على امتياز أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) في ولادته المنبئ عن عظمته ، ورفيع مقامه ، ومنزلته عند الله تبارك وتعالى ، والشهداء السعداء وعباد الله الصالحون لديه (عزّ وجلّ) .


الصفحة (63)

بشـرى الولادة

هذا وقد روي أنّ قنبراً مولى الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) قال ما مضمونه : بينما كنّا ذات يوم من الأيام مع الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) في مسجد النبي (صلّى الله عليه وآله) بالمدينة وهو يعظنا ويرشدنا ويحذّرنا من النار ويرغّبنا بالجنة ، إذا بأعرابي قد أقبل نحو المسجد ، فأناخ راحلته على باب المسجد ودخل متّجهاً نحونا ، حتّى إذا وصل إلينا سلّم علينا وخصّ أمير المؤمنين (عليه السّلام) بالتحية والسّلام ، وقبّل يده الكريمة ، ووقف بين يديه وكأنه يطلب إليه حاجة ، فقال له الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) برأفة وحنان : (( يا أخا العرب ، كأنّك جئتنا في حاجة ، فما هي حاجتك ؟ فإنّها منقضية إن شاء الله تعالى )) .

فقال الأعرابي : يا أمير المؤمنين ، أنت أعلم بها منّي .

قال قنبر : عندها التفت إليّ الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) وقال : (( يا قنبر ، امض إلى المنزل وقل لمولاتك السيّدة زينب ابنة فاطمة بنت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) تناولك السّفط الفلاني في موضع كذا وكذا )) .

فقلت : سمعاً وطاعة ، وحبّاً وكرامة لله تعالى ولسيّدي ومولاي الإمام أمير المؤمنين .

قال قنبر : فقمت مسرعاً ومضيت إلى منزل أمير المؤمنين (عليه السّلام) ، وطرقت الباب مرّتين ، وفي الثالثة جاءت فضة وراء الباب وقالت : مَنْ الطارق ؟

أجبتها قائلاً : أنا قنبر مولى الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) ، وخادم أهل البيت (عليهم السّلام) .

فقالت فضة : أهلاً ومرحباً بك ، وما حاجتك يا قنبر ؟

فأخبرتها بما قال لي سيّدي ومولاي وما يريده .


الصفحة (64)

فقالت فضة : مكانك حتّى آتيك به . فوقفت بالباب انتظر مجيئها ، وإذا بي أسمع جلبة الفرح وصخب السرور يعلو من داخل المنزل ، فتعجّبت ، وانتظرت حتّى إذا رجعت إليّ فضة وأتتني بالسفط سألتها عن سبب ذلك ، فقالت فضة : لقد ولد الساعة للإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) غلام أزهر كأنّه فلقة قمر .

فقلتُ لها ، وقد امتلأت أنا الآخر فرحاً وسروراً : وممّن هذا المولود الأغر ؟

فقالت فضة : إنّه من اُمّ البنين فاطمة بنت حزام الوحيديّة الكلابيّة ، ثمّ أضافت قائلة : وقد أوصتني سيّدتي وسيّدتك السيّدة زينب ابنة فاطمة بنت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أن أقول لك : إذا رجعت إلى مولاي ومولاك الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) فبشّره بولادة هذا المولود الأغر ، واسأله عن اسمه وكنيته ولقبه .

فقلت ، وأنا لا أمتلك نفسي بهجة وفرحاً : حبّاً وكرامة ، وسمعاً وطاعة ، ثمّ هنّأتها وودّعتها . وأقبلت بالسفط مع البشارة بالمولود الجديد مسرعاً إلى سيّدي ومولاي الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) ، فلمّا سلّمته السفط وقفت بين يديه لأُبشّره بما عندي من خبر الولادة ، غير أنّي بقيت أترصّد الفرصة المناسبة لإعلان هذا الخبر وتقديم هذه البشارة السّارة ، حتّى إذا فرغ الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) من حاجة الأعرابي وأعطاه ذلك السفط التفت إليّ وقال مبادراً : (( ما وراءك يا قنبر ، فإنّي أرى أثر البهجة والسرور طافحاً على أسارير وجهك ؟ )) .

فقلت ، وقد رأيت الفرصة مناسبة : نعم يا سيّدي ومولاي ، لقد جئتك ببشارة .

فقال (عليه السّلام) : (( وما هي تلك البشارة يا قنبر ؟ بشّرك الله بالجنّة )) .

قلت : لقد وُلد لك يا سيّدي ومولاي غلام أغر .

فقال (عليه السّلام) : (( وممّنْ هذا المولود الجديد ؟ )) .


الصفحة (65)

قلت : لقد سألت عن ذلك فضّة عندما أخرجت إليّ السفط ، فقالت : إنّه من اُمّ البنين فاطمة بنت حزام الوحيديّة الكلابيّة ، كما وأنها قالت لي : بأنّ سيّدتي السيّدة زينب (عليها السّلام) أوصتني أن اُبشّرك بهذا المولود عندما أرجع إليك وأن أسألك عن اسمه وكنيته ولقبه .

فلمّا سمع الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) ذلك تهلّل وجهه فرحاً وسروراً وشكرني على هذه البشارة ، وقال : (( يا قنبر ، إنّ لهذا المولود شأناً كبيراً عند الله ومنزلة عظيمة لديه ، وأسماؤه وكناه وألقابه كثيرة ، وسأمضي أنا بنفسي إلى المنزل لإنجاز ما سنّه لنا رسول الله (صلّى الله عليه وآله) للمولود عند الولادة , وبعدها من سنن الإسلام ، فهيّا بنا إلى ذلك يا قنبر )) .

الولادة وسننــها

ثمّ إنّ الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) قام من مجلسه ذلك وودّع أصحابه ومَنْ كان معه ، ثمّ خرج من مسجد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) متّجهاً نحو البيت ، فلمّا دخل المنزل سلّم ـ على عادته ولاستحبابه ـ على مَنْ كان في المنزل من أهله واُسرته الذين كانوا بانتظار قدومه ، وحيّاهم بتحيّة الإسلام ثمّ قال : (( ائتوني بولدي )) .

فقوبل (عليه السّلام) بالتحية والبشارة ، ثمّ جيء بولده إليه ملفوفاً في خرقة بيضاء ومقمّطاً بها ، فأخذه وضمّه إلى صدره ، ونثر قبلاته الحارّة على وجهه وخدّيه ، ثمّ أذّن في أُذنه اليمنى وأقام في اليسرى ، وبعدها أخذ الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) يطيل النظر إليه .

وهنا تمطّى المولود الجديد لاُمّ البنين في قماطه حتّى قطعه ، وأخرج كلتا يديه من القماط ؛ ممّا أثار بذلك ذكريات الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) التي كانت في


الصفحة (66)

ذاكرته ممّا نزل بها جبرائيل في حقّ هذا الوليد الجديد من عند الله تبارك وتعالى على رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، وأخبره بها رسول الله (صلّى الله عليه وآله) من كيفية شهادته في نصرة الإمام الحسين (عليه السّلام) في طفّ كربلاء .

عندها اغرورقت عينا الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) بالدموع ، وتناثرت قطرات الدمع على خدّيه كالدرر ورطّبت كريمته الشريفة ، فنظرت إليه إحدى النسوة وقالت : ما يبكيك يا أبا الحسن ونحن في هذه الساعة من فرح وسرور ، وابتهاج وحبور ؟!

فالتفت إليها أمير المؤمنين (عليه السّلام) وهو يكفكف دموعه بيديه الكريمتين وقال لها ما مضمونه : (( لا تلوموني ، فإنّي لمّا نظرت إلى هاتين اليدين وتمطّيه في القماط تذكّرت تمطّيه على جواده في كربلاء ، وانفصال يديه عن جسمه يوم عاشوراء )) . ثمّ أخذ يبكي ويكثر من قوله (عليه السّلام) : (( ما لي وليزيد ؟ )) .

تاريخ ولادة أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام)

هذا ، ولا يخفى أنّ ولادة أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) ـ على المشهور وذلك حسب بعض الكتب التاريخية ـ كانت في المدينة المنورة ، وبتاريخ اليوم الرابع من شهر شعبان المعظّم سنة ست وعشرين هجرية (على هاجرها آلاف التحية والسّلام) .

وعلى هذا فإنّ أبا الفضل العبّاس (عليه السّلام) قمر بني هاشم تلا في ولادته ولادة أخيه شمس الكونين الإمام أبي عبد الله الحسين من حيث اليوم والشهر بيوم واحد وفي نفس الشهر ، ومن حيث السنين والأعوام بثلاث وعشرين سنة وكان ـ على ذلك ـ له من العمر حين استشهد أربعة وثلاثون عاماً .


الصفحة (67)

الخصّيصة الخامسة

في تسميته (عليه السّلام)

لقد سنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) سنناً ندب إليها الإسلام وحبّذها ؛ وذلك لِما فيها من زكاة ورشد للطفل ، وطهارة وبركة لروحه وجسمه ، وفائدة ومنفعة لدنياه وآخرته .

ففي حديث شريف عن أبي عبد الله الصادق (عليه السّلام) أنّه قال : (( سبع خصال في الصبي إذا ولد من السنّة :

أُولاهن : يُسمّى .

والثانية : يُحلق رأسه .

والثالثة : يُتصدّق بوزن شعره ورقاً وذهباً إن قدر عليه .

والرابعة : يُعتق عنه .

والخامسة : يُلطخ رأسه بالزعفران .

والسادسة : يُطهّر بالختان .

والسابعة : يُطعم الجيران من عقيقته )) .

وفي أحاديث مباركة اُخرى تؤكّد إجراء بعض هذه السنن الإسلاميّة المباركة في اليوم السابع من الولادة ، كالتسمية والحلق ، والختان والعقيقة والوليمة .


الصفحة (68)

كما إنّ هناك روايات كريمة اُخرى تؤكّد ـ في خصوص التسمية من بين بقية السنن ـ على تقديم الاسم على الولادة ، وتحبّذ أن يسمّى الجنين وهو حمل في بطن اُمّه .

ولم تكتفِ تلك الروايات بالتسمية في أيام الحمل فحسب وإنّما حبّذت أن يوضع للحمل حتّى الكنية واللقب أيضاً ؛ وذلك ـ على ما في الرواية ـ كي لا يسمّى الطفل فيما بعد ولا يكنّى ، وكذلك لا يلقّب بما يكرهه وما هو شين عليه ، حتّى أنّه ـ لا سمح الله ـ لو سقط ذلك الحمل قبل تمامه وكماله كان له اسم يدعى به يوم القيامة .

ولهذا كان أهل البيت (عليهم السّلام) يسمّون أولادهم في أيام الحمل ويكنّونهم ويلقّبونهم ، كما فعل رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ذلك حيث سمّى حمل ابنته فاطمة الزهراء (عليها السّلام) ـ الذي أسقطه الغاصبون للخلافة ـ محسناً (عليه السّلام) .

هذا ولا يخفى أنّه لا منافاة بين هذه الطوائف الثلاث من الأحاديث الشريفة ، إذ يوضع الاسم على الجنين وهو حمل في بطن اُمّه ، وكذلك الكنية واللقب في اليوم الأوّل من ولادة ذلك الطفل ، وفي اليوم السابع من ولادته . كما أن للأبوين إذا رأيا تغيير الاسم أو الكنية واللقب من الحسن إلى الأحسن كان لهما ذلك ، وغيّرا في اليوم الأوّل وفي اليوم السابع من ولادة طفلهما .

إذاً فالتسمية وأخويها ـ اللقب والكنية ـ تكون جميعاً على الحمل في أيام حمله ، ثمّ تجدّد نفسها للطفل ، وتبدّل إلى غيرها في اليوم الأوّل ، واليوم السابع من ولادته وذلك حسب إرادة الوالدين التثبيت والتغيير .


الصفحة (69)

تسمية الوليد الجديد

وكيف كان ، فإنّ الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) كما كان هو أوّل مَنْ آمن برسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، فكذلك كان هو أوّل مَنْ سار بسيرته واتّبع طريقته ؛ ولذلك لم يكن ليتعدّ عن نهج رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في سنن الولادة ومستحباتها ؛ فإنّه (عليه السّلام) لمّا أجرى المستحبات المأثورة على مولوده الجديد التفتت إليه ـ على ما قيل ـ ابنته عقيلة بني هاشم ، وربيبة الوحي والعصمة السيّدة زينب الكبرى (عليها السّلام) وقالت له : يا أبه ، هل اخترت لهذا المولود اسماً ، وانتخبت له كنية ولقباً ؟

فأجابها أبوها الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) بعطف وإقبال : (( نعم يا بُنيّة ، لقد اخترت له كلّ ذلك )) .

فقالت (عليها السّلام) بلهفة وتعطّش : وما هي ؟

فقال (عليه السّلام) : (( أمّا الاسم ، فاسمه العبّاس ؛ وأمّا الكنية ، فكنيته أبو الفضل ؛ وأمّا اللقب ، فلقبه قمر بني هاشم ، وقمر العشيرة ، والسقّاء )) .

فأعجب السيّدة زينب ذلك وقالت متفائلة : يا أبه ، أمّا أنّ اسمه عبّاس فعلامة البسالة والشجاعة ؛ وأمّا كنيته أبو الفضل ففيها علامة الشهامة والنبالة ؛ وأمّا لقبه قمر بني هاشم وقمر العشيرة فهو علامة الجمال والكمال والهيبة والجلال ، ولكن يا أبه ، ما معنى أنّه السقّاء ؟

فالتفت إليها الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) ، وبعد أن توسّم في الوليد الجديد شريط المستقبل ، وتصفّح في ملامح وجهه سجلّ الواقع القريب ، وقال وهو (عليه السّلام) يستعرض على ابنته بعض ما في ذلك السجلّ من أنباء وأخبار ، ويحدّثها عن بعض ما فيه من حوادث وملاحم ، وذلك بزفرات متواصلة ، ونبرات متقطّعة


الصفحة (70)

وخافتة : (( يا بُنيّة ، إنّه ساقي عطاشى كربلاء )) .

وما أن سمعت السيّدة زينب (عليها السّلام) من أبيها هذا الجواب ، ورأته مختنقاً بعبرته إلاّ وانخطف لونها , وانصدع قلبها ، وأجهشت بالبكاء ، فلقد ذكّرها أبوها الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) بما حدّثته به اُمّ أيمن عن جدّها رسول الله (صلّى الله عليه وآله) من قصة كربلاء وفاجعتها الأليمة ، فلم تتمالك نفسها .

عندها رقّ لها أبوها أمير المؤمنين (عليه السّلام) فعطف عليها ، وأخذ يسلّيها ويخفّف عنها وطأة الخبر المفجع ، ووقعة النبأ العظيم نبأ كربلاء وسقاية العطاشى ، قائلاً : (( بنية زينب ، تجلّدي واصبري ، وكفكفي دموعك ، وخذي أخاك إلى اُمّه ؛ فإنّ له معك لموقف مشرّف ، وشأن عظيم )) .

وهنا سكنت السيّدة زينب (عليها السّلام) من بكائها وهدأت من فورتها ، وكفكفت دموعها ، ثمّ تناولت أخاها الوليد من يدي أبيها الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) وأخذت تنثر على وجهه لثماتها الحارّة وقبلاتها الساخنة ، وأقبلت به إلى اُمّه اُمّ البنين التي بقيت بانتظارها .

نعم ، كانت اُمّ البنين تنتظر السيّدة زينب (عليها السّلام) بفارغ الصبر ؛ لتطّلع عبرها على اسم وليدها الجديد وكنيته ولقبه ؛ لذلك لمّا رأتها مقبلة به استقبلتها بنظراتها الحانية ، وقالت متسائلة : وهل انتخب مولاي الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) لولدنا اسماً ، واختار له كنية ولقباً ؟

فأجابتها السيّدة زينب (عليها السّلام) بانطلاق وحبور : نعم يا اُمّاه ، لقد انتخب له أحسنها وأجملها .

عندها قالت اُمّ البنين بلهفة واشتياق : تفضّلي يا سيّدتي عليّ ببيانها .

فقالت السيّدة زينب (عليها السّلام) : أمّا اسمه فهو عبّاس ؛ وأمّا كنيته فهي أبو الفضل ؛ وأمّا لقبه فهو قمر بني هاشم .


الصفحة ( 71)

وما أن سمعت اُمّ البنين بلقب وليدها الجديد قمر بني هاشم الذي لقّبه به أبوه الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) إلاّ وتذكّرت رؤياها التي رأتها قبل زواجها ؛ فتهلّل وجهها وانشرح صدرها ، وانطلق لسانها بالحمد والشكر على الله سبحانه وتعالى ، وأخذت تقول : الحمد لله الذي صدقني الرؤيا وحقّق لي وعده .

عندها سألتها السيّدة زينب (عليها السّلام) عن منامها وعن قصة رؤياها ، فقصّت عليها اُمّ البنين رؤياها التي كانت قد رأتها قبيل زواجها من الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) ، وكيف انقضّ القمر من كبد السماء في حجرها .

فقالت السيّدة زينب (عليها السّلام) وهي تلثم أخاها الرضيع وتقبّله : نعم ، لقد صدقت رؤياك ، إنّ وليدك هذا قمر بني هاشم ، وهو أجلّ من القمر وأفضل ، إنّه قمر العشيرة أبو الفضل العبّاس (عليه السّلام) .

التسمية برواية اُخرى

وجاء في بعض الكتب المعتبرة أنّ اُمّ البنين يوم وضعت حملها ، وولدت أوّل أشبالها قمّطته بقماط أبيض ، وقدّمته إلى أبيه الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) ليجري عليه سنن الولادة من التسمية وغير ذلك ، فلمّا أخذه أمير المؤمنين (عليه السّلام) قرّبه إلى فمه ومسح على عينيه وفمه بلسانه الشريف ـ ولعلّه حتّى يكون ممّن يرى الحقّ ويسمع الحقّ وينطق بالحقّ ـ ثمّ أذّن في أُذنه اليمنى وأقام في اليسرى ، ثمّ التفت إلى زوجته الوفيّة اُمّ البنين ومَنْ حولها وقال : (( ما سمّيتموه ؟ )) .

فأجابته اُمّ البنين بتأدّب واحترام قائلة : وما كنّا لنسبقك في شيء يا أمير المؤمنين .

فشكر الإمام أمير المؤمنين شعورها الطيّب ووفائها الجميل ، ثمّ قال : (( إنّي سمّيته باسم عمّي العبّاس عباساً )) . ثمّ ضمّه إلى صدره ، وأخذ بيديه الصغيرتين


الصفحة (72)

ورفعهما إلى فمه ولثمهما بقبلاته الساخنة ، واستعبر باكياً وهو يقول : (( كأنّي بيديه هاتين تقطعان يوم الطفّ عند مشرعة الفرات في نصرة أخيه الإمام الحسين (عليه السّلام) )) . فاستعبرت اُمّه ومَنْ كان معها ، وفوّضت أمره وأمرها إلى الله تعالى .

استنباط واستنتاج

لا يخفى أنّ من قصّة تقبيل الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) يدي ولده الرضيع أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) يعلم ـ بالإضافة إلى ما فيه من بيان عظمة مقام الوليد وشرف منزلته عند الله تعالى ـ أنّ تقبيل الإنسان يدي أولاده من باب المحبّة لهم والشفقة عليهم جائز ، كما كان يفعل ذلك رسول الله (صلّى الله عليه وآله) من باب المحبّة ، ومن باب التعظيم والتشريف ، وبيان المقام والمنزلة مع ابنته فاطمة الزهراء سيّدة نساء العالمين (عليها السّلام) ؛ حيث كان يقبّل يديها ، ويقوم لها من مقامه ويجلسها في مجلسه .

كما إنّه يعلم من تقبيل أمير المؤمنين (عليه السّلام) يدي ولده العبّاس (عليه السّلام) ، ومن تسميته باسم عمّه العبّاس شدّة محبّته لابنه هذا ، وكبير احترامه ، وعلقته بعمّه ذاك ، كيف لا وقد أوصى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بعمّه العبّاس خيراً ، وقال على ما روي : (( لا تؤذوني في عمّي العبّاس )) ؟

سؤال وجواب

قيل : إنّه لمّا مضت أيام على ولادة أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) جاءت السيّدة زينب (عليها السّلام) إلى أبيها الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) يوماً وهي تحمل أخاها العبّاس (عليه السّلام) ، وقد ضمّته إلى صدرها ، وقالت له : أبه يا أمير المؤمنين ، ما لي أرى قلبي متعلّقاً بهذا الوليد أشدّ التعلّق ، ونفسي منشدّة إليه أكبر الانشداد ؟


الصفحة (73)

فأجابها أبوها الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) بلطف وحنان قائلاً : (( وكيف لا تكونين يا أبه كذلك وهو كفيلك وحاميك ؟ )) .

فقالت السيّدة زينب (عليها السّلام) بتعجّب : إنّه كفيلي وحاميني ؟!

فأجابها (عليه السّلام) بعطف وشفقة : (( نعم يا بُنيّة ، ولكن ستفارقينه ويفارقك )) .

فقالت السيّدة زينب (عليها السّلام) باستغراب : يا أبتاه ، أيتركني هو أم أتركه أنا ؟

فقال الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) وهو يجيبها بلهفة ولوعة : (( بل تتركينه يا بُنيّة وهو صريع على رمضاء كربلاء ، مقطوع اليدين من الزندين ، مفضوخ الهامة بعمد الحديد ، ضامٍ إلى جنب الفرات )) .

فلم تتمالك السيّدة زينب (عليها السّلام) لمّا سمعت ذلك حتّى أعولت وصاحت : وا أخاه ! وا عبّاساه ! وإلى هذا أشار الشاعر حيث يقول :

جـاءتْ بهِ الحوراءُ تحملُه وقد       شـغـفـتْ بهِ وبهِ الفؤادُ تعلّقا
تـحـنو عـليهِ وتنثني لأبيهما       مَـنْ  كانَ كالاُمِّ الرؤومِ وأشفقا
حـلو الشّمائلِ مذ رآهُ وفيهِ من       معنى البسالةِ والجمالِ مع التّقى
ســمّـاه عـبّـاساً وقالَ ملقّباً       قـمراً فقل أسمى وأجمل رونقا


الصفحة (74)

الخصّيصة السادسة

في بعض خصائص اسمه (عليه السّلام)

واسـمهُ  العبّاسُ وهو اسمُ الأسدْ      بل هو الأشجعُ إنْ في الحربِ شدْ

 

العبّاس في اللغة

جاء في لسان العرب : العبّاس : الأسد الذي تهرب منه الأسود ، وبه سمّي الرجل عبّاساً .

وفي كتاب آخر : العبّاس والعبوس ، كثير العبس ، وهما من أسماء الأسد .

وفي منتهى الأرب : العبّاس بصيغة المبالغة يقال : للشجاع المقدام ، والشديد البأس ، وعظيم الكرّ ، وهو بمعنى الأسد أيضاً ؛ ولهذا عبّر عنه الأكثر ـ وهو يصف العبّاس في ساحة الحرب ـ بالأسد الغضبان .

قيل أيضاً العبّاس : بفتح العين وتشديد الباء يعني : الأسد ، وهو اسم عمّ النبي (صلّى الله عليه وآله) ، واسم نجل أمير المؤمنين (عليه السّلام) من زوجته الوحيديّة الكلابيّة التي تزوّجها بعد فاطمة الزهراء (عليها السّلام) ، وحيث كان العبّاس هذا شجاعاً مقداماً ، يكرّ على الأعداء في الحروب كالأسد الغضبان سمّي بالعبّاس .

وعن منتخب الطريحي : كان العبّاس بن علي (عليه السّلام) كالجبل العظيم ، وقلبه


الصفحة (75)

كالطود الجسيم ؛ لأنّه كان فارساً هماماً ، وبطلاً ضرغاماً ، وكان جسوراً على الطعن والضرب في ميدان الكفاح والحرب .

وفي مصدر آخر : وسمّاه أمير المؤمنين (عليه السّلام) بالعبّاس لعلمه بشجاعته وشهامته ، وسطوته وصولته ، فلقد كانت الأعداء ترتجف أبدانهم وترتعد فرائصهم ، وتعبس وجوههم خوفاً من العبّاس (عليه السّلام) إذا برز ، وكان في الحروب والغزوات يحارب الشجعان وينازلهم كالأسد الضاري حتّى يجدّلهم صرعى .

وفي مقاتل الطالبيِّين : كان العبّاس رجلاً وسيماً جميلاً ، يركب الفرس المطهّم ورجلاه تخطّان في الأرض خطّاً .

وفي كتاب آخر : الذين قُتلوا مع الإمام الحسين (عليه السّلام) كانوا جميعاً في أعلى درجات الشجاعة ، وأرفع مراتب الشهامة ، إلاّ أنّ العبّاس بن علي (عليه السّلام) كان له من قداحها المعلى ، ورتبته أنبل وأعلى ، يقتبس أنوارها ، ويقتطف ثمرها ونورها ، وناهيك بمَنْ كان ضلعاً من أضلاع أشجع البريّة ، ودوحة من الروضة العلويّة ، وغصناً من أغصان الشجرة المباركة الزيتونة النورانية .

أبوه الإمام أمير المؤمنين سيّد البريّة ، وأخوه الإمام الحسن والإمام الحسين (عليها السّلام) سيّدا أهل الإباء وأهل الحميّة ، ولا يقاس بشجاعته إلاّ شجاعة أبيه وأخويه ، ولقد ادّخره أبوه لينصر أخاه الإمام الحسين (عليه السّلام) بمهجته ويواسيه بنفسه .

من بركات اسم أبي الفضل (عليه السّلام)

جاء في كتاب منتخب التواريخ ما مضمونه : أنّ اسم العبّاس من حيث حساب الأبجد يساوي عدد حروف اسمه بالجُمل ما عدا الألف واللام : (133) , كما إنّ عدد حروف لقبه ( باب الحسين (عليه السّلام) ) بالجمل ما عدا الألف واللام أيضاً يساوي ( 133 ) .


الصفحة (76)

ومن الختومات المجرّبة لتسهيل الحوائج وقضائها ، وإنجاحها وإمضائها هو مخاطبة العبّاس (عليه السّلام) بعدد حروف اسمه ( 133 ) بما يلييا كاشف الكرب عن وجه أخيه الحسين (عليه السّلام) , اكشف كربي بحقّ أخيك الحسين (عليه السّلام) .

ولعلّه إلى هذا المعنى أشار الشاعر حيث يقول :

يومٌ أبو الفضلِ استجارَ بهِ الهدى      والشمسُ  من كدرِ العجاجِ لثامُها

العبّاس يجير مَنْ استجار به

وجاء في كتاب ( الكبريت الأحمر ) للعلاّمة النحرير الشيخ البيرجندي أنّه قال وهو يتحدّث عن نفسه ، ويقصّ بعض خواطره : أنّه كان قد توسّل بأبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) إلى الله تعالى في إنجاز بعض مهمّاته ، ووسّطه في حلّ شيء من مشكلاته ، ولكنه لم يرَ أثراً من الإجابة .

فرأى ذات ليلة رؤيا صادقة في منامه أنّه رأى شخصاً يقول له : كلّ مَنْ كانت له حاجة إلى الله تعالى فليقرأ هذه العبارة متوسّلاً بأبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) إلى الله ؛ فإنّ الله تعالى يقضي له حاجته بوجاهة أبي الفضل (عليه السّلام) عنده ، والعبارة هي كالتالي : عبد الله ، أبا الفضل ، دخيلك .

قال الشيخ البيرجندي : فما توسّلت إلى الله تعالى بعد ذلك بأبي الفضل (عليه السّلام) وقرأت هذه العبارة إلاّ وقضى الله تعالى حاجتي ، وكشف عنّي همّي وغمّي ، وبلغني مناي وأملي .


الصفحة (77)

إغاثة العبّاس (عليه السّلام) المستغيثين به

ونقل عن أحد المراجع العظام نقلاً عن بعض العلماء المقيمين في قم المقدّسة أنّه قال : عرضت لي مشكلة فتوسّلت بإمام العصر الحجة بن الحسن العسكري (عليه السّلام) إلى الله تعالى في حلّها ، وكنت أذهب في ذلك إلى مسجد جمكران المعروف في قم المقدّسة .

مضت على ذلك مدّة من الزمان ولم أرَ أثراً من الإجابة ، فانكسر قلبي ذات مرّة وأنا في الصلاة المستحبة التي تُصلّى في مسجد جمكران ، وأخذت أُخاطب سيّدي ومولاي الإمام الحجة (عليه السّلام) وأقول : سيّدي ومولاي ، لقد توسّلت بك إلى الله تعالى في حلّ مشكلتي وقضاء حاجتي فلم أرَ أثراً للإجابة ، فهل يسوغ لي أن أتوسّل بغيرك وأنت إمامي ، ومَنْ له حق الطاعة عليّ في عنقي ؟!

ثمّ قلت : فإنّي لا أسمح لنفسي أن أتوسّل إلى الله سبحانه وتعالى بأحد سواك حتّى لو كان وجيهاً عند الله مثل باب الحوائج أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) .

ثمّ قال : وهنا غلبني الحزن والبكاء وانكسار القلب والخاطر ، وبينما أنا كذلك إذ سمعت مَنْ يقول لي : لا بأس عليك بالتوسّل إلى الله تعالى بعمّنا أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) ، ونحن ندلّك على ما تقوله عند التوسّل إلى الله تعالى به ، فإذا كانت لك حاجة فتوسّل به إلى الله تعالى بهذه العبارة وقل : يا أبا الغوث أغثني .

التوسّل إلى الله بالعباس (عليه السّلام)

ونقل عن العلاّمة المازندراني صاحب كتاب معالي السبطين أنّه قال : مَنْ كانت له حاجة ويشكو مشكلة فليتوسّل إلى الله تعالى بأبي الفضل


الصفحة (78)

العبّاس (عليه السّلام) ، وليكرّر هذا التوسّل أياماً حتّى تُقضى حاجته ، وترتفع مشكلته ، وذلك بأن يصلّي على محمّد وآل محمّد ( 133 ) ، ثمّ يقول : يا عبّاس ( 133 ) مرّة ، ثمّ يعود فيصلّي على النبي وآله ( 133 ) مرّة ، فإنّ الله تعالى يقضي له حاجته ، ويفرّج عنه مشكلته .

وجاء في كتاب معالي السبطين أيضاً : أنّ مَنْ كان في الصحراء ، وفي مكان قفر لا ماء فيه ، وأضرّ به العطش وخاف الهلاك ، فليتوسّل إلى الله تعالى بالعباس (عليه السّلام) ولينادي : يا أبا القربة ، فإنّه يروى من العطش ، ويرفع عنه الظمأ بإذن الله تعالى .


الصفحة (79)

الخصّيصة السـابعة

في نشـأته (عليه السّلام)

ارتضع أبو الفضل العبّاس (عليه السّلام) من اُمّ وفيّة ، ووالدة كريمة منتمية إلى بيت كريم ، وأسرة نجيبة ، وذات عراقة وأصالة ، ومجد وسؤدد ، ألا وهي ـ كما عرفت ـ فاطمة بنت حزام الوحيديّة الكلابيّة المكنّاة بـ (اُمّ البنين) (عليها السّلام) ، وتربّى في أحضانها ، وتروّى من إيمانها وولائها ، وعلمها ومعرفتها ؛ حيث إنّها كانت من الفاضلات العالمات .

كما وترعرع في حجر والد كريم وسيّد عظيم ، نفس رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ووصيّه ، وخليفته من بعده ، وارث علم النبيِّين وسيّد الوصيِّين ، وقائد الغرّ المحجّلين إلى جنات النعيم ، الإمام علي بن أبي طالب أمير المؤمنين (عليه السّلام) .

لقد كان أبو الفضل العبّاس (عليه السّلام) ملازماً لأبيه الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) أيام إقامته في المدينة المنورة ، ثمّ هاجر معه (عليه السّلام) إلى العراق وأقام معه في الكوفة ، وهو في كلّ ذلك تحت عنايته الشفيقة ، ورعايته التربوية الحكيمة ، فاكتسب من هذين الأبوين الكريمين كلّ مكرمة وفضيلة ، وورث منهما بالتربية والوراثة المكارم والأخلاق الحميدة ، والعلم الجمّ والمعارف الإلهية النبيلة .


الصفحة (80)

قُل : واحـد

ففي التاريخ : أنّ أباه الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) دعاه يوماً وهو بعد في سنّ الطفولة وقد انطلق لسانه ، وتعلّم النطق ببعض الكلمات ، فأخذه وضمّه إليه ، ثمّ أجلسه في حجره وقال له : (( بُني عبّاس ، قل : واحد )) .

فقال العبّاس (عليه السّلام) : واحد .

فقال له (عليه السّلام) : (( يا ولدي ، قل : اثنين )) .

فأبى وامتنع من أن يقول اثنين ، ثمّ التفت إلى أبيه الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) وقال : إنّي يا أبه أستحي أن أقول اثنين بلسان قلت به واحداً .

وكان هذا الجواب هو الذي ينتظره الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) من ولده العبّاس (عليه السّلام) ؛ لذلك التفت إليه وقال : (( أحسنت يا ولدي ، وبارك الله فيك )) . ثمّ أخذه وضمّه إلى صدره ثانية وقبّل ما بين عينيه .

ملازمة السّبطيـن (عليهما السلام)

ثمّ إنّ أبا الفضل العبّاس (عليه السّلام) بقي بعد أبيه الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) ملازماً لأخويه السّبطين الإمامين الهمامين الحسن والحسين (عليهما السّلام) ، وهما اللذان قد أثنى عليهما وعلى ابن عمّهما عبد الله بن جعفر حتّى مثل عثمان بن عفان ؛ فإنّه قال للسائل الذي سأله فأعطاه هو خمسة دراهم فقط ، فسألهم فأغدقوا عليه المال : ومَنْ لك بمثل هؤلاء الفتية ؟ اُولئك فطموا العلم فطماً ، وحازوا الخير والحكمة .

نعم ، لقد لازم أبو الفضل العبّاس (عليه السّلام) بعد أبيه أخويه (عليهما السّلام) ، ورجع معهما إلى المدينة المنورة ، وبقي في خدمتهما مدّة إقامتهما فيها ، وتعلّم منهما أيضاً معالم


الصفحة (81)

الدين واُصوله ، وأحكام الإسلام وفروعه ، ومحاسن الأخلاق ومكارمه ، حتّى إذا استشهد السّبط الأكبر الإمام الحسن المجتبى (عليه السّلام) على يدي معاوية بالسمّ غدراً صار ملازماً لأخيه الإمام الحسين (عليه السّلام) ، وبقي معه ما دام الإمام (عليه السّلام) في المدينة المنورة ؛ يتلقّى من علومه ويتروّى من جميل أخلاقه وآدابه ، حتّى إذا خرج الإمام الحسين (عليه السّلام) إلى العراق خرج معه أبو الفضل العبّاس (عليه السّلام) ولازم ركابه حتّى قُتل بين يديه شهيداً صابراً محتسباً .

نسخة طبق الأصل

لقد امتازت نشأة أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) عن غيره من أولاد الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) بأنّه اختصّ من ينهم بصحبة والده وأخويه السّبطين ، بل وابن أخيه الإمام زين العادين (عليه السّلام) أيضاً ، وملازمته لهم والتلمذة عندهم ، والتروّي من معين علمهم ، وزاكي أخلاقهم ، ولذلك جاء نسخة طبق الأصل من حيث الفضائل والمكارم والعلم والمعارف ، حتّى قال الشاعر في حقّه وهو يصف مناقبه وفضائله :

وفي العبّاسِ من كرمِ السجايا       كثيرٌ ليس يحصرُ في مقالِ
وفاءٌ  ، نجدةٌ ، زهدٌ ، وعلمٌ       وإيثارٌ ، وصدقٌ في المقالِ
عـفافٌ  ظاهرٌ ، حلمٌ وجودٌ       وبـأسٌ صادقٌ عندَ النزالِ


الصفحة (82)

الخصّيصة الثامنة

في كُنى العبّاس (عليه السّلام)

الكنية من حيث اللغة هو : الاسم المصدّر بالأب مثل : أبو الحسن ، والاُمّ مثل : اُمّ أيمن . وقيل المصدّر بالابن أيضاً مثل : ابن الرضا ، والمصدّر بالابنة أيضاً مثل : ابنة فاطمة .

وقيل : إنّه يشترط في الكنية أن يكون مشعراً بالمدح والذم ، كما أنّهم جعلوا حكمة الكنية هو التعظيم والتحقير ، فقالوا : إنّ هناك مَنْ لا يدعونه باسمه بل بكنيته تبجيلاً وتكريماً ، كما إنّ هناك مَنْ يدعونه بكنيته توهيناً وتحقيراً .

وعلى كلّ حال ، فقد اشتهر العبّاس بن علي بن أبي طالب (عليه السّلام) بكنى متعدّدة ، وكلّها تحكي الثناء والتعظيم ، وتفصح عن المدح والتبجيل للعبّاس (عليه السّلام) ، غير أنّ الأشهر من بين الجميع هو : أبو الفضل . ويتلوه شهرة : أبو فاضل ، ثمّ أبو القاسم ، ثمّ ابن البدوية ، ثمّ أبو القربة ، وأبو الشارة ، وأبو رأس الحار ، وأبو فرجة .

كناه (عليه السّلام) مشعرة بالتعظيم

لقد سبق في تعريف الكنية ومعناها اللغوي : بأنّها الاسم المصدّر بالأب والأم والابن والابنة ، مضافاً إلى شروطها الاُخرى : من إشعار المدح والذم ،


الصفحة (83)

وحكمة التعظيم والتحقير ؛ فإنّ هذا التعريف يوقفنا على أنّ الاسم المصدّر بواحد من الأب والأم ، والابن والابنة يعدّ كنية حتّى وإن لم يكن لصاحب ذلك الاسم المصدّر بالأب والأم ابن ـ مثلاً ـ يدعى بذلك الاسم ، ولم يكن لصاحب ذلك الاسم المصدّر بالابن أو الابنة أب ـ مثلاً ـ يدعى بذلك الاسم .

أبو الفضل ، وأبو فاضل

وعليه فيكون أبو الفضل وكذا أبو فاضل وهكذا غيره من كنى العبّاس (عليه السّلام) مشعراً بالمدح والثناء ، وحاكياً عن التعظيم والتبجيل ، وليس مستلزماً لأن يكون له ابن يدعى بـ ( الفضل ) وبـ ( فاضل ) ـ مثلاً ـ حتّى وإن قيل بأنّه (عليه السّلام) كان له ابن يدعى بـ ( الفضل ) بن العبّاس (عليه السّلام) .

وكيف كان فإنّ كنى العبّاس (عليه السّلام) كلّها مشعرة بالمدح والثناء عليه ، كما إنّ الحكمة من وضعها له هي تعظيمه وتبجيله (عليه السّلام) بها ؛ ولذلك نرى الشاعر يقول في حقّه (عليه السّلام) :

أبا الفضلَ يا مَنْ أسسَ الفضلَ والإبا      أبـى الـفضلُ إلاّ أن تـكونَ لهُ أبا

وقال آخر :

فأنتَ  أخو السبطينِ في يومِ مفخرٍ      وفي يومِ بذلِ الماءِ أنتَ أبو الفضلِ

وأمّا ( أبو فاضل ) فإنّ العرب قد تعارفوا على أن يُكنّوا كلّ مَنْ كان اسمه ( عبّاس ) بكنية معروفة لديهم هي ( أبو فاضل ) ، سواء كان لديه ابن بذلك الاسم أم لا .


الصفحة (84)

أبو القاسـم

وأمّا ( أبو القاسم ) فهو كنية سيّد المرسلين ، وخاتم النبيِّين محمّد بن عبد الله (صلّى الله عليه وآله) ، وقد كُنّي العبّاس (عليه السّلام) بها تشريفاً له وحفاوة به ؛ وذلك كما ورد في زيارة الأربعين المنقولة عن جابر بن عبد الله الأنصاري ، حيث إنّه وقف على قبر أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) وقال : السّلام عليك يا أبا القاسم ، السّلام عليك يا عبّاس بن علي . . . ، وإن قيل : بأنّه كان للعبّاس (عليه السّلام) ابن يدعى باسم القاسم بن العبّاس (عليه السّلام) .

ابن البــدوية

وأمّا ( ابن البدوية ) بفتح الباء والدال ، أو سكون الدال وكسر الواو فهو إشارة إلى فروسيّة العبّاس (عليه السّلام) وشجاعته التي ورثها عن طريق اُمّه اُمّ البنين (عليها السّلام) ، التي كانت تنحدر من قبيلة بدوية معروفة بالشجاعة والفروسيّة .

كما إنّ فيها إشارة إلى حسن الطباع وكرم الأعراق ، وطيب الأخلاق والآداب التي كانت تتحلّى بها اُمّ البنين ، والتي ورّثتها لابنها العبّاس (عليه السّلام) ؛ وذلك نظراً لانتمائها إلى البادية التي تشبع روح ساكنيها بالصفاء والوفاء ، وتروي نفوسهم بالعزّة والإباء ، وتقوّي عقولهم بالرحابة والطلاقة .

أبو القربـة

وأمّا ( أبو القربة ) بكسر القاف وسكون الراء فهو ممّا جاء من ألقابه (عليه السّلام) في كتاب مسار الزائرين لابن إدريس ، ومقاتل الطالبيِّين لأبي الفرج ، والأنوار النعمانيّة ، وتاريخ الخميس وهو كناية عن تصدّيه (عليه السّلام) لمهمّة السقاية ، يعني


الصفحة (85)

سقاية الماء التي لها عند الله أجراً كبيراً وثواباً جزيلاً .

فقد كان العبّاس (عليه السّلام) المسؤول عن سقاية الماء إلى موكب الإمام الحسين (عليه السّلام) عند خروجه من المدينة المنورة إلى مكة المكرّمة ومنها إلى العراق ، وبالخصوص في كربلاء ، وخاصة بعد تحريم الماء من قِبَل يزيد بن معاوية على آل الرسول (صلّى الله عليه وآله) ومنعه عنهم .

كما إنّ فيها إشارة إلى مواساته (عليه السّلام) أخاه الإمام الحسين (عليه السّلام) في يوم عاشوراء ، حيث ورد المشرعة وملأ القربة ماءً ، ولكنه لم يذُق من الماء ولا قطرة مع شدّة عطشه وكبير ظمأه ؛ وذلك احتراماً لأخيه الإمام الحسين (عليه السّلام) وأطفال أخيه وبنات رسول الله (صلّى الله عليه وآله) العطاشى .

كما إنّ فيها إشارة أيضاً إلى طريقة شهادته (عليه السّلام) وكيفية قتله ؛ حيث إنّه حفاظاً على القربة ومائها ، وإيصالها سالمة مع الماء إلى حرم الإمام الحسين (عليه السّلام) وأطفاله عكف كلّ همّه على بلوغ هذه الأُمنية ، ممّا ترك لأجلها المبارزة مع الأعداء ومجابهتهم في ساحة الحرب ، حتّى طمع الأعداء في قتله وتجرّؤوا على الكمين له في طريقه ، وكذلك فعلوا ؛ حيث كمنوا له في طريقه من وراء النخيل وقطعوا أوّلاً يديه ، ثمّ استهدفوا القربة وأراقوا ماءها ، ثمّ أردوه قتيلاً .

أبو الشـارة

وأمّا ( أبو الشارة ) من شوَّر بالرجل فتشوّر ، أي إذا خجّله فخجل ، فهو كناية عن كونه (عليه السّلام) صاحب الكرامات المعروفة التي تحصل عنده (عليه السّلام) من مراجعة المتخاصمين الذين انسدّت عليهما طرق المصالحة والاعتراف بالحقّ ، وأعيتهما كثرة المرافعة وتداول المنازعة وتبادل الاتهامات فيما بينها ؛ حيث يلجؤون إلى


الصفحة (86)

روضته (عليه السّلام) ويطلبون منه فضح المتّهم منهما ؛ فإنّه بمجرد ما يحلف المتّهم كذباً بالعباس (عليه السّلام) ليثبت بزعمه براءته ، يشوّر العبّاس (عليه السّلام) به فيفضحه ، ويخجّله بتلجلج لسانه ، وتغيّر لونه ، وتربّد وجهه .

وكثيراً ما [ يحدث ] برفعه من الأرض وضربه بقسرٍ عليها ، وكبسه بها ، ممّا يؤدّي إلى موته أحياناً كثيرة ؛ فإنّه لكثرة وقوع هذه الكرامات في روضته المباركة عُرف عند العامّة بهذه الكنية المباركة ( أبو الشارة ) التي ترتجف من صداها فرائص الأشرار ، وترتعب من ذكراها قلوبهم القاسية ، حتّى قال فيه الشاعر :

وشاراته كالشّمسِ في الأفقِ شوهدت      لـها من بناتِ المجدِ أومت إشاراتِ

أبو رأس الحار

وأمّا ( أبو رأس الحار ) فهو كناية عن سرعة غضبه (عليه السّلام) في الله تعالى ، وخاصّة بالنسبة إلى المظلومين الذين يستجيرون به ، ويلجؤون إلى روضته المباركة ، ويطلبون منه (عليه السّلام) أن ينتقم لهم من ظالميهم ، وأن يريهم فيهم ثأرهم ومآربهم ؛ فإنّه (عليه السّلام) لا يخيّب أمل مَنْ استجار به وطلب منه ذلك ، وإنّما يأخذ له بحقّه من ظالمه سريعاً عاجلاً .

وكم على ذلك من شواهد وعلامات ، وفي ذلك من قصص عجيبة وقضايا غريبة امتلأت بذكرها الكتب المعنيّة بذكر هذه الكرامات الظاهرة من ضريحه الأنور ، في مشهده المقدّس ، وتحت قبّته المباركة ، وفي روضته المنوّرة .

أبو فُرجــه

وأمّا ( أبو فُرجه ) بضم الفاء وسكون الراء وفتح الجيم ، فهو إشارة إلى


الصفحة (87)

تفريجه (عليه السّلام) همّ مَنْ شكا إليه همّه ، وتنفيسه كرب مَنْ بثّ إليه كربته ، وكشف غمّ مَنْ أباحه ما أغمّه ، وإغاثته للمستغيثين به ، وإجارته للمستجيرين بضريحه واللائذين بقبره الشريف ، وإجابته الملهوفين الذين يلجؤون إلى روضته المباركة ويلتمسون من جنابه الوساطة إلى الله تعالى في الفرج عنهم ، والكشف عمّا بهم ؛ فإنّه (عليه السّلام) سريعاً ما يشفع لهم ، ويتوسّط في اُمورهم فيفرّج الله تعالى عنهم ، ويكشف ما بهم من كرب وضرّ ، وذلك كما قال الشاعر :

 

كـم فرّجَ اللهُ عنّا كربَ معضلةٍ      كـرامةً  منهُ للعبّاسِ شبلِ علي
ورحـمةُ  اللهِ خـصّتْنا بفضلِهمُ      عندَ الصعابِ عمّتْ فيهِ كلّ ولي

 


(88)

الخصّيصة التاسعة

في ألقاب العبّاس (عليه السّلام)

اللّقب على ما عرّفوه هو : ما يسمّى به الإنسان بعد اسمه العَلَم من لفظٍ يدلّ على المدح والذم ، وحيث إنّ أبا الفضل العبّاس بن أمير المؤمنين (عليه السّلام) كان حاوياً على جميع الخصال الحميدة ، وجامعاً لكلّ الصفات الحسنة والخلال الخيّرة ، كان كلّ ما لقّب به دالاً على المدح والثناء ، والتعظيم والتبجيل .

ولم يكن له (عليه السّلام) هنالك قطّ لقب فيه دلالة على الذم والجفاء ، والخفّة والشقاء ؛ وذلك لأنّه (عليه السّلام) لم يكن له ثغرة في حياته ، ولا منقصة في صفاته وخلاله حتّى يستطيع أحد من أعدائه ومناوئيه ـ مثلاً ـ نبزه بذلك اللّقب ، وانتقاصه بتلك الثغرة والفجوة ، كيف وهو ابن الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السّلام) ، وأخو الإمامين الهمامين ريحانتي الرسول (صلّى الله عليه وآله) وسيّدا شباب أهل الجنّة الحسن والحسين (عليها السّلام) ؟!

وهو بالإضافة إلى نسبه الشريف ربيب أهل بيت الوحي والنبوّة ، وأديب مَنْ تأدّبوا على يدي رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، علماً بأنّ الرسول (صلّى الله عليه وآله) هو أديب الله تعالى ، فقد ورد عنه (صلّى الله عليه وآله) قوله المشهور : (( أدّبني ربّي فأحسن تأديبي )) .

وعليه فقد ظهر من ذلك كلّه أنّ أبا الفضل العبّاس (عليه السّلام) هو مَنْ ورث الفضائل والمكارم من معدنه ، وتخلّق بالآداب والمحاسن من معينه ونميره ؛ ولذلك صار مجمعاً للجمال والكمال ، وأصبح منبعاً يفيض بالجود والنوال ، حتى

الصفحة (89)

قال فيه الشعراء قصائد المدح والثناء ، ونظموا فيه قوافي الخير والإطراء ، وممّا جاء منظوماً في حقّه (عليه السّلام) ما قاله الشاعر :

هو البحرُ من أيِّ النواحي أتيتهُ      فلجّتهُ  المعروفُ والجودُ ساحلُه

وقال آخــر :

هـو العبّاسُ ليثُ بني نزارِ       ومَنْ قد كانَ للاّجي عصاما
هزبرٌ أغلبُ اتّخذ اشتباكََ ال      رمـاحِ  بحومةِ الهيجا أجاما
فـمـدتْ فوقهُ العقبانُ ظِلاً       لـيقرّيها  جـسومهمُ طعاما
أبيٌّ عندَ مسِ الضيمِ يمضي       بعزمٍ يقطعُ العضبَ الحساما

العبّاس (عليه السّلام) مجمع الجمال والكمال

نعم ، إنّ أبا الفضل العبّاس (عليه السّلام) قد حوى من المكارم والمحاسن ، ومن الأخلاق والآداب ما لا يمكن قصرها في مجال ، ولا حصرها في مقال ؛ ولذلك جاءت ألقابه الدالّة على بعض من تلك المكارم والمحاسن ، والمشيرة إلى نماذج من تلك الآداب والفضائل ، عديدة وكثيرة ، ورفيعة ومنيعة ، نذكرها أوّلاً سرداً بحسب ترتيب اشتهارها لدى الناس ، ثمّ نشرح ما تيسّر لنا منها إن شاء الله تعالى فيما يأتي ، وهي كالتالي :

باب الحسين (عليه السّلام) .

باب الحوائج .

السقّاء .

ساقي عطاشى كربلاء .

قمر بني هاشم .


الصفحة (90)

قمر العشيرة .

حامل اللواء .

بطل العلقمي .

كبش الكتيبة .

حامي الظعينة .

سبع القنطرة .

الضيغم .

العبد الصالح .

العابد .

الطيار .

الشهيد .

الصدّيق .

الفادي .

المؤثر .

المواسي .

الحامي والمحامي .

ظهر الولاية .

قائد الجيش .

المستجار .

الوافي .

الساعي .

المستعجل .

المصفّي ، وغير ذلك .


الصفحة (91)

الخصّيصة العاشرة

في أنّه (عليه السّلام) باب الحسين (عليه السّلام)

أبا الفضلِ أنتَ البابُ للسبطِ مثلما      أبـوكَ  عـليٌّ كـان باباً لأحمدا

وقد كتب على مصراعي الباب الفضّي في الأيوان الذهبي من روضة أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) المباركة أبيات من قصيدة الخطيب الشهير الأُستاذ الشيخ محمّد علي اليعقوبي ، منها الأبيات التالية :

هو بابُ الحسينِ ما خابَ يوماً       وافـدٌ جـاءَ لائذاً في حماهُ
إنّـهُ بـابُ حطّةٍ ليسَ يخشى       كلَّ هولٍ مستمسكٌ في عراهُ
قـفْ  بـهِ داعياً وفيهِ توسّل       فـبـهِ المرءُ يستجابُ دعاهُ

أنت الباب للسبط

في البيت الأوّل من مطلع هذه [ القصيدة ] يشير الشاعر الموالي إلى أنّ أبا الفضل العبّاس (عليه السّلام) قد احتذى حذو أبيه الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) في إيمانه وأخلاقه ، حيث كان من شدّة إيمان الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) وكرم أخلاقه أنّ النبي (صلّى الله عليه وآله) كان يعدّه لكلّ عظيمة ، ويدعوه عند كلّ نازلة وملمّة .

وكان هو (عليه السّلام) قد وقف نفسه على خدمة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وحمايته والذبّ عنه ، حتّى اشتهر عنه قوله (عليه السّلام) : (( أنا عبدٌ من عبيد محمّد (صلّى الله عليه وآله) )) . وحتّى قال فيه تعالى وهو يصف موقفه


الصفحة (92)

ليلة المبيت حين نام على فراش رسول الله (صلّى الله عليه وآله) موقياً له بنفسه : ( وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ )(1) . وغيرها من المواقف الاُخرى حتّى قال فيه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : (( أنا مدينة العلم وعلي بابها ، فمَنْ أراد المدينة فليأت الباب )) .

فكان (عليه السّلام) باباً للنبي (صلّى الله عليه وآله) ، ومصاحباً له في حلّه وترحاله ، وحضره وسفره ، وسلمه وحربه ، وواقياً له بنفسه وروحه ، وماله وولده ، وقد عرف بذلك حتّى أنّه صار مَنْ يريد الزلفى عند رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يتقرّب بالإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) إليه .

ومَنْ يريد الحظوة لدى النبي (صلّى الله عليه وآله) يوسّط الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) لديه ، ومَنْ أراد أن يقضي الله حاجته جعله بعد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) الوسيلة إلى الله تعالى في قضاء حوائجه .

وكذلك كان ولده أبو الفضل العبّاس ابن أمير المؤمنين (عليه السّلام) باباً لأخيه الإمام الحسين (عليه السّلام) ؛ حيث كان من شدّة إيمان العبّاس (عليه السّلام) ونُبل أخلاقه أنّ الإمام الحسين (عليه السّلام) كان يعدّه لكلّ عظيمة ، ويدعوه عند كلّ نازلة وملمّة .

وكان هو (عليه السّلام) قد وقف نفسه لخدمة أخيه الإمام الحسين (عليه السّلام) ، وحمايته والدفع عنه حتّى اشتهر قوله في مخاطبته له : سيّدي ومولاي .

ولم يعرف عنه أنّه خاطبه يوماً وذات مرّة بقوله : يا أخي ، إلاّ في يومٍ واحد وذات مرّة واحدة فقط وهي في يوم عاشوراء ؛ وذلك حين هوى من على ظهر جواده إلى الأرض ، وهي ساعة حرجة يحنّ فيها الإنسان إلى أقرب ذويه وأخصّ خاصّته ، ولحظة يتلهّف الإنسان فيها إلى أن يتصفّح وجوه كلّ أقربائه وجميع حامته ؛ وذلك لأنّه يريد أن يلقي فيها بنظراته الأخيرة على وجوههم ، ويتصفّح ولآخر مرّة للوداع مُحيّاهم ، ويحبّ أن يرى في النهاية رأسه في حجرهم ، وجسمه بين جموعهم وحضورهم .

في هذه الساعة بالذات ، وفي تلك اللحظة الحسّاسة نفسها سمح أبو الفضل لنفسه أن ينادي أخاه بقوله : يا أخاه ! أدرك أخاك .

ــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة البقرة / 207 .


الصفحة (93)

موقف الإمام الحسين (عليه السّلام) من أخيه

وهنا كان الموقف الرشيد من الإمام الحسين (عليه السّلام) حيث لم يصل صوت أخيه المواسي إلى مسامعه الكريمة إلاّ ولبّى نداء أخيه ، وأسرع إليه كالصقر المنقضّ ، ونزل عنده وجعل رأسه في حجره ، وأخذ يمسح الدم والتراب من على عينيه ، ويناشده عمّا يشتكي منه ويؤلمه ، ويناجيه بتوجّع وتألّم مشاركاً له آلامه ، ومشاطراً إيّاه همومه وغمومه .

ففتح على إثر ذلك أبو الفضل العبّاس (عليه السّلام) عينه في وجه أخيه الإمام الحسين (عليه السّلام) ، وألقى بنظرته الأخيرة عليه ، وودّع أخاه وإمامه ببسمة ارتسمت على شفتيه تحكي كلّ معاني الإخلاص والمحبّة ، وتفصح عن آيات الولاء والأخوّة .

فما كان من الإمام الحسين (عليه السّلام) إلاّ أن ردّ على أخيه الوفي جواب سلامه وتحيّاته ، ولكن لا بنبرات صوته وجهير كلامه وإنّما بزفراته وعبراته ، وأنينه وحنينه ، وقطرات دموعه وحرارة آهاته ، ممّا ألهب بها مُحيّا أخيه وأبرد به فؤاده وصدره ، حتّى إذا أحسّ بها العبّاس (عليه السّلام) لفظ أنفاسه الأخيرة في حجر إمامه العظيم ، وأحضان سيّده الكريم قرير العين ثلج الفؤاد .

الأهداف من ترك العبّاس (عليه السّلام) في مكانه

وكان من دأب الإمام الحسين (عليه السّلام) وهو دأب كلّ قائد رؤوف وإمام عطوف أن يحمل جثث أنصاره ، وأجساد قتلاه الذين استشهدوا في المعركة معه إلى فسطاط أعدّه للشهداء قرب معسكره ومخيّمه ، فكان يضع بعضهم مع بعض ، وهو يقول كما عن غيبة النعماني : (( قَتْلة مثل قتلة النبيِّين وآل النبيِّين )) .


الصفحة (94)

لكن لمّا وقف الإمام الحسين (عليه السّلام) هذه المرّة على جسد أخيه الوفي أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) ورآه بتلك الحالة بكى حوله ساعة ، وانصرف ولم يحمله إلى الفسطاط ، بل ترك جسد أخيه الشهيد في مكانه ، وغادر جثّته موذّرةً ومقطّعة في محلّ شهادته ومصرعه ؛ وذلك إمّا نزولاً إلى رغبته وتلبية لطلبه (عليه السّلام) ؛ حيث إنّه ـ على ما روي ـ طلب من أخيه الإمام الحسين (عليه السّلام) مُقسماً عليه بجدّه (صلّى الله عليه وآله) أن يتركه مكانه ما دام به رمق ، وأن لا يحمله إلى فسطاط الشهداء ؛ لأنّه قد وعد سكينة بالماء وهو يستحي منها .

ولأنّه أشفق على أخيه الإمام الحسين (عليه السّلام) فأراد أن يعفيه من عناء حمله ومشقّة نقله إلى الفسطاط ؛ ولأنّه أراد بذلك الحفاظ على عواطف النساء والأطفال ، وأراد أن يخفي عنهم خبر شهادته المفزعة لهم ولو إلى لحظات ، وأن يحجب جسمه الموذّر المفجع لهم عن أنظارهم ولو بضع ساعات .

ولأنّ الأعداء كانوا قد قطعوا جسمه الشريف إرباً إرباً بحيث لم يمكن حمله ـ حسب الظاهر ـ إلى الخيام ولا نقله إلى الفسطاط ؛ ولأنّ الإمام الحسين (عليه السّلام) ترك أخاه العبّاس (عليه السّلام) في مكانه ولم يحمله إلى الفسطاط إشارة منه إلى أنّ أخاه يستحق التعظيم والتبجيل باتّخاذ مرقد منفرد له ، ونصب شبّاك مجلّل على قبره ، ورفع بنيان شامخ حول ضريحه ، وتشييد روضة مباركة أطراف مرقده ؛ وذلك تقديراً منه لوفائه ، وشكراً منه على مواقفه الرشيدة تجاه إمامه .

وليكون بعد شهادته ـ كما كان أيام حياته ـ باباً للإمام الحسين (عليه السّلام) ؛ فيقصده الزائرون ، ويؤمّه الموالون والمحبّون ، ويحجّ إليه أرباب المسائل والحوائج وأصحاب الضرّ والفاقة ، والفقر والمسكنة أوّلاً ، ويشفّعونه عند أخيه الإمام الحسين (عليه السّلام) ويوسّطونه في حوائجهم إليه ، ثمّ يقصدون روضة الإمام


الصفحة (95)

الحسين (عليه السّلام) للزيارة والاستشفاع به إلى الله تعالى في قضاء حوائجهم وبلوغ أمانيهم وآمالهم ثانياً .

مرقد منفرد وحرم خاص

ولعلّ الأمر الأخير كان هو الهدف من وراء ترك الإمام الحسين (عليه السّلام) أخاه العبّاس (عليه السّلام) في مكانه ، وعدم حمله إلى الفسطاط ، كما عليه المحقّقون من كبار العلماء والفقهاء .

ويؤيّده أنّه لمّا جاء الإمام زين العابدين (عليه السّلام) في اليوم الثالث من شهادة أبيه الإمام الحسين (عليه السّلام) إلى كربلاء ، وذلك بطريق المعجزة ، وأراد دفن الشهداء السّعداء ومواراة أجسادهم الطاهرة ، التفت إلى بني أسد بعد أن وارى بنفسه جسد أبيه الطاهر ، ووارى بمعاونة بني أسد أجساد الشهداء الأبرار وقال : (( انظروا هل بقي من أحد ؟ )) .

قالوا : نعم ، بقي بطل مطروح حول المسنّاة وهو موذّر ومقطّع إرباً إرباً ، وإنّا كلّما حملنا جانباً منه سقط الآخر !

فقال (عليه السّلام) : (( امضوا بنا إليه )) .

فمضوا جميعاً إليه ، فلمّا رآه انكبّ عليه يلثم نحره الشريف ، وهو يقول : (( على الدنيا بعدك العفا يا قمر بني هاشم ، وعليك منّي السّلام من شهيد محتسب ورحمة الله وبركاته )) . ثمّ شقّ له ضريحاً وأنزله وحده كما فعل بأبيه الإمام الحسين (عليه السّلام) ، وقال لبني أسد : (( إنّ معي مَنْ يعينني )) .

وعليه فإنّ الإمام زين العابدين (عليه السّلام) مع إمكانه ولو بطريق المعجزة ،


الصفحة (96)

وتعاون مع بني أسد أن ينقل الجسد الطاهر إلى الحائر الشريف ، لكنه (عليه السّلام) مع ذلك لم ينقل جسد عمّه أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) عن مكانه ، ولم يحمله إلى بقعة أبيه الإمام الحسين (عليه السّلام) ولا إلى روضة الشهداء من أهل بيته وأصحابه ، وإنّما حفر له حيث مرقده الآن مرقداً ، وشقّ له ضريحاً وواراه فيه ؛ ليكون قبره الشريف ومرقده المنيف محطّاً ومزاراً ، وملاذاً ومعاذاً ، وباباً للذين يفدون لزيارة الإمام الحسين (عليه السّلام) ، وبوّاباً للذين يقصدونه بحوائجهم وآمالهم .

وهكذا كان ، فإنّ الوافدين والزائرين وكذلك هيئات المعزّين والمسلّين ، ومواكب العزاء كموكب السلاسل والتّطبير ، واللطم والتشبيه وغيرهم من الآمّين إلى كربلاء المقدّسة من ذلك الزمان وحتّى يومنا هذا يقصدون أوّلاً مشهد أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) ويأمّون روضته المباركة ، ويوسّطونه لحوائجهم عند أخيه الإمام الحسين (عليه السّلام) ثمّ بعد ذلك يقصدون مشهد الإمام الحسين (عليه السّلام) ، ويتشرّفون بزيارته ويتبرّكون بحرمه وروضته ثانياً وأخيراً .

اقتداء العبّاس (عليه السّلام) بأبيه

نعم ، إنّ أبا الفضل العبّاس (عليه السّلام) اقتدى بأبيه في الكرم والجود ، فصار باباً لأخيه وسيّده الإمام الحسين (عليه السّلام) ، كما كان أبوه الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) باباً لأخيه وابن عمّه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) .

بل إنّ العبّاس (عليه السّلام) أصبح بمؤهّلاته الخلقية وكفاءاته الإنسانية العالية باباً لولاية الأئمّة من أهل البيت (عليهم السّلام) ، بحيث لا يمكن لأحد أن يرد إلى مدينة حبّهم وحصن ولايتهم إلاّ عن باب محبّة أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) وولايته ؛ وذلك كما كان أبوه الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) باباً لنبوّة ابن عمّه رسول


الصفحة (97)

الله (صلّى الله عليه وآله) ورسالته ، بحيث لا يمكن لأحد أن يدخل مدينة علم رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وحصن معارفه ، ويكون من الموقنين بنبوّته (صلّى الله عليه وآله) ومن المؤمنين برسالته إلاّ من باب ولاية الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) ، وقبول ولايته وخلافته (عليه السّلام) ؛ وذلك حسب ما اشتهر من قوله (عليه السّلام) : (( علي باب علمي ، ومبيّن لاُمّتي ما أرسلت به من بعدي )) . وقوله (صلّى الله عليه وآله) : (( علي وعاء علمي ووصيّي ، وبابي الذي اُوتى منه )) .

الباب المعنوي لا السياسي

ومن هنا علم أنّ المراد من معنى كون العبّاس (عليه السّلام) باباً لأخيه وسيّده الإمام الحسين (عليه السّلام) ، كما كان أبوه الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) باباً لأخيه وابن عمّه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) هو أنّه باب معنوي وروحي إلى مدينة المعنويات ، والمعارف والروحانيات والفضائل ، وإلى حصن الإيمان والتقوى والقرب إلى الله تعالى ، وإلى رسوله (صلّى الله عليه وآله) وإلى أوليائه (عليهم السّلام) .

وليس هو بالمعنى اللغوي المتعارف في الأوساط السياسية التي كلّ عليها الدهر وشرب من الأمس الغابر إلى اليوم الحاضر ؛ حيث قد تعارف أن يكون للملك والرئيس بوّاب وحاجب يمنع الناس من الوصول إليه والالتقاء به ، فقد كان هذا من شأن الجاهلية الأولى ، وعاد أيضاً على ما كان عليه في الجاهلية الثانية . وبين الجاهليتين جاء الرسول الحبيب (صلّى الله عليه وآله) بالإسلام الحكيم والكتاب المنير ، وحارب كلّ الطواغيت وعاداتهم ، وتوعّدهم بالعقاب ونار الجحيم .

وقد كان من عادة حكّام الجاهلية التي حاربها الإسلام بشدّة التقوقع على النفس ، والانهماك في لذّاتها وشهواتها ، والانفصال عن الناس وعن حوائجهم ومشاكلهم باتّخاذ البوّابين والحَجَبة ، ثمّ تطوّروا في ذلك فاتّخذوا لأنفسهم رؤساء الديوان الملكي ، والقصر الجمهوري ، وما أشبه ذلك


الصفحة (98)

من الأسماء الجديدة والعناوين الكاذبة والخداعة التي ما أنزل الله بها من سلطان ، ولم يقرّها إلاّ الشيطان والأهواء ، ممّا هي بعيدة غاية البعد عن ساحة أهل البيت (عليهم السّلام) ، وعن مثل أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) .

فأبو الفضل العبّاس (عليه السّلام) إذن هو الباب المعنوي للإمام الحسين (عليه السّلام) ، والبوّاب الروحي إلى مدينة المعارف والفضائل ، والمكارم والأخلاق المتجسّدة في الإمام الحسين (عليه السّلام) .


الصفحة (99)

الخصّيصة الحادية عشرة

في أنّه (عليه السّلام) باب الحوائــج

بـابَ الـحوائجِ ما دعتهُ مروعةٌ       فـي  حـاجةٍ إلاّ ويقضي حاجَها
بأبي أبا الفضلِ الذي من فضلهِ ال       سـامي تـعلّمتِ الورى منهاجَها
زجّ الـثّرى من عزمهِ فوق السما      حـتّـى عـلت في تربةٍ أبراجَها
قُـطـعتْ  يـداهُ وطالما من كفّه       ديـمُ  الـسماحةِ أمطرت ثجّاجَها

وقال آخر :

أبـا  الفضلِ إنّي جئتكَ اليوم سائلاً      لـتيسيرِ  ما أرجو فأنتَ أخو الشبلِ
فـلا  غـرو إنْ أسعفتَ مثلي بائساً      لأنّك للحاجاتِ تُدعى : (أبو الفضلِ)

الأبواب والوسائل إلى الله

إنّ كلّ المعصومين الأربعة عشر (عليهم السّلام) وهم : رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، وابنته الصدّيقة الكبرى فاطمة الزهراء (عليها السّلام) ، والأئمة الاثنا عشر من أهل البيت (عليهم السّلام) ، وكذلك بعض خاصّتهم وذويهم هم أبواب الحوائج إلى الله تعالى ، والوسائل إلى رضوانه وجنّته .

وهم الأسماء الحسنى التي أمر الله تعالى أن ندعوه بها ، ونتوجّه عبرها إليه ؛ حيث قال سبحانه : ( وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ) . وقال سبحانه : ( وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ ) .


الصفحة (100)

لكن هناك من بينهم مَنْ عُرف واشتهر بكونه باب الحوائج أكثر من البقية ، علماً بأن اُولئك الذين اشتهروا بكونهم أبواب الحوائج هم أربعة أشخاص : واحد منهم من الأئمّة المعصومين (عليهم السّلام) والثلاثة الباقون من ذويهم وخاصّتهم .

أوّل أبواب الحوائج

أمّا باب الحوائج من الأئمّة (عليهم السّلام) فهو الإمام الكاظم موسى بن جعفر (عليه السّلام) ، فإنّه عُرف لدى المسلمين باب الحوائج ، واشتهر به ؛ وذلك لكثرة ما ظهر منه (عليه السّلام) ومن مرقده الشريف من كرامات ومعجزات ، ومن كفاية المهمّات والحاجات ، حتّى اعترف بذلك كبار علماء العامّة وأئمتهم ، ناهيك عن عامة الشيعة وخاصّتهم .

فقد قال إمام الشافعيّة محمّد بن إدريس الشافعي على ما في تاريخ بغداد : مرقد الإمام موسى الكاظم (عليه السّلام) ترياق القلوب ، وشفاء الأمراض الروحية والقلبية .

وقال شيخ الحنابلة الحسن بن إبراهيم أبو علي الخلاّل كما في تاريخ بغداد أيضاً : كلّما عرضت لي حاجة ملحّة وأردت إمضاءها وإنجاحها زرت مقابر قريش ، وذهبت إلى حائط شونيزية ، ووقفت على قبر باب الحوائج موسى بن جعفر (عليه السّلام) وتوسّلت به إلى الله تعالى في قضاء حاجتي ومرحومة عبرتي .

هذا بعض اعترافات علماء العامّة ، ناهيك عن علماء الخاصة فإنّ كتبهم مليئة بذلك .


الصفحة (101)

ثاني أبواب الحوائج

وأمّا الثلاثة الباقون ممّن عُرفوا بباب الحوائج من ذوي الأئمّة المعصومين (عليهم السّلام) وخاصّتهم فهم كالتالي :

1ـ الطفل الرضيع : وهو الجندي الصغير من حيث السنّ ، والكبير من حيث القدر والمعنى ، الذي استشهد على يدي أبيه الإمام الحسين (عليه السّلام) في يوم عاشوراء ؛ وذلك حين أخذه إلى عسكر يزيد بن معاوية ليسقوه شربة من الماء الذي كانوا قد منعوه على الإمام الحسين (عليه السّلام) وأصحابه وأهل بيته .

ولكنهم بدل أن يعطفوا على هذا الرضيع ويسقوه الماء مع ما كانوا يرونه كيف يتلظّى من شدّة العطش ، ويلوك لسانه من حرارة الظمأ سقوه بكأس الموت ، ورموه بسهم المنيّة ؛ فذبحوه على يدي أبيه الإمام الحسين (عليه السّلام) من الوريد إلى الوريد ، ومن الأذن إلى الأذن ، وتركوه يرفرف كالطير المذبوح على يدي أبيه حتّى لفظ أنفاسه الأخيرة في وجه أبيه بابتسامة ارتسمت على شفتيه ؛ كناية عن رضاه بتقديم نفسه هدية صغيرة ، وفداءً متواضعاً لله تعالى ، فتقبّله الله بأحسن قبوله ، وجعله باباً من أبواب الحوائج إليه حتّى عُرف بباب الحوائج .

ثالث أبواب الحوائج

2 ـ الثاني ممّن عُرف بباب الحوائج من ذوي الأئمّة المعصومين (عليهم السّلام) وخاصّتهم اُمّ البنين (عليها السّلام) ، وهي اُمّ أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) ، يعني فاطمة بنت حزام الوحيديّة الكلابيّة ، وقد نالت هذا المقام عند الله تبارك وتعالى بحسن اعتقادها وإيمانها بالله ورسوله ، وشدّة إخلاصها وولائها لأهل بيت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ؛ فقد


الصفحة (102)

نذرت نفسها ، ووقفت طاقاتها ـ لمّا تقلّدت وسام الزوجيّة من ابن عمّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) ومن حين دخلت بيته ـ لخدمة ابني رسول الله وريحانتيه الإمامين الهمامين الحسن والحسين (عليهما السّلام) ، وقدّمتهما على نفسها وعلى أولادها وذويها ، وعلّمت أولادها ودّهما والإخلاص في ولائهم لهما ، وربّتهم على محبّتهما وعلى إيثارهما ، وتقديمهما على أنفسهم والتضحية والفداء من أجلهما بالروح والدم ، والغالي والرخيص ، وأرسلتهم مع إمامهم الحسين (عليه السّلام) في خروجه من المدينة نحو مكة والعراق ، وأمرتهم بنصرته والذبّ عنه ، وأوصتهم على أن لا يبخلوا بأنفسهم وبذل أرواحهم في حفظه والدفاع عنه .

وكذلك فعلوا حيث إنهم لم يقصّروا في نصرة إمامهم ، ولم يرغبوا بأنفسهم عن نفسه ، وإنّما قدّموها فداءً لإمامهم الحسين (عليه السّلام) ، ووقاءً له ، ونالوا بذلك شرف الدنيا وثواب الآخرة .

هذا وعندما جاء بشر بن حذلم ينعى الإمام الحسين (عليه السّلام) إلى أهل المدينة ، خرجت اُمّ البنين فيمَن خرج من الناس ، لكنها لم تسأل بشراً عن أولادها وإنّما سألته عن سيّدها الإمام الحسين (عليه السّلام) ، وكلّما كان بشر يخبرها بقتل واحدٍ من أولادها كانت تجيبه بكل رباطة جأش وسكون نفس : فداءً لسيّدنا الحسين (عليه السّلام) .

ثمّ كانت تقول له : أسألك عن سيّدنا الحسين (عليه السّلام) وتخبرني عن أولادي ؟! حتّى إذا سمعت بنعي الإمام الحسين (عليه السّلام) بكت واعولت ووقعت مغشياً عليها .

وهنا لمّا رأى الله تعالى كبير إخلاصها ، وعظيم حبّها وولائها ، وصدق قولها وفعلها أثابها على ذلك بعزّ الدنيا وشرف الآخرة ، وجعلها باباً من أبواب الحوائج إليه ، ووسيلة من وسائل رضوانه وغفرانه ، فما رجاها مؤمل حاجة ولا صاحب مشكلة ووسّطها إلى الله تعالى إلاّ وانقلب بقضاء حاجته ، ونجاح مهمّته ، وحلّ مشكلته .


الصفحة (103)

رابع أبواب الحوائج

3ـ الثالث والأخير ممّن عرف بباب الحوائج من ذوي الأئمّة المعصومين (عليهم السّلام) وخاصّتهم أبو الفضل العبّاس (عليه السّلام) ، وهو محطّ بحثنا ومحور حديثنا في هذا الكتاب ، وأنعم به باباً للحوائج ، فقد نال هذا المقام واتّسم بهذا الوسام ثواباً من عند الله تبارك وتعالى على عظيم عنائه وبلائه ، وتقديراً له على كبير مواساته وإيثاره ، حتّى جاء في زيارته المعروفة المنقولة عن الإمام الصادق (عليه السّلام) : (( أشهد لقد نصحت لله ولرسوله ولأخيك ، فنِعم الأخ المواسي . . . إلى أن يقول (عليه السّلام) : فنِعم الصابر المجاهد ، المحامي الناصر ، والأخ الدافع عن أخيه . . . )) .

نعم ، لقد واسى أبو الفضل العبّاس (عليه السّلام) أخاه الإمام الحسين (عليه السّلام) مواساة عظيمة ، وأدى ما كان عليه من حقوق الأخوّة ؛ ممّا استحقّ بها المدح من الإمام الصادق (عليه السّلام) والثناء عليه بقوله : (( فنِعم الأخ المواسي )) .

هذا وحيث كان كلّ همّ أبي الفضل (عليه السّلام) هو نصرة أخيه الإمام الحسين (عليه السّلام) والذبّ عنه ، وحمايته والدفع عنه استحقّ بسببه أيضاً إطراء الإمام الصادق (عليه السّلام) عليه والاعتزاز به بقوله : (( فنِعم الصابر المجاهد ، المحامي الناصر ، والأخ الدافع عن أخيه )) .

أجل ، لقد كان أبو الفضل العبّاس (عليه السّلام) من عظيم إيمانه بالله ورسوله وأهل بيته ، وكبير تأدّبه مع أخيه الإمام الحسين (عليه السّلام) يرى نفسه على ما كان عليه من فضل وعلم وشرف وسؤدد جندياً صفراً تجاه قائد سماوي عظيم ، وعبداً رقّاً أمام مولىً كريم .

كيف لا والإمام الحسين (عليه السّلام) حجّة الله على خلقه ، والإمام المنصوب من


الصفحة (104)

عند الله تبارك وتعالى في بريّته كما نصّ الرسول (صلّى الله عليه وآله) بذلك عليه ، وأبو الفضل (عليه السّلام) هو مَنْ يعرف حقّ الحجة ؛ ولذلك كان العبّاس (عليه السّلام) حتّى في يوم عاشوراء لا يتصرّف من عند نفسه ولا يجتهد برأيه ، بل كان يتعبّد بكل الأوامر الصادرة إليه من مولاه وإمامه ، ويطبّقها تطبيقاً حرفيّاً بلا زيادة ولا نقصان من عنده .

وقد تجلّى ذلك في موقفه عندما جاء إلى الإمام الحسين (عليه السّلام) يستأذنه في البراز ومقاتلة القوم الظالمين الذين لم يحفظوا حرمة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في ذرّيته ، ولم يرعوا شخصه الكريم بعد غيابه في أبنائه وأهل بيته ، لكن الإمام الحسين (عليه السّلام) أبى أن يأذن له وقال : (( إن كان ولا بدّ فاطلب لهؤلاء الأطفال قليلاً من الماء )) .

العبّاس (عليه السّلام) عند طلب أخيه

امتثل أبو الفضل (عليه السّلام) كلام أخيه الإمام الحسين (عليه السّلام) وانصرف عن مقاتلته الأعداء ، وأقبل نحو الخيام وأخذ منها قربةً خاوية واتّجه بها نحو العلقمي ليأتي بالماء إلى الأطفال .

أقبل العبّاس (عليه السّلام) حتّى اقتحم الفرات ، ولمّا أحسّ ببرد الماء اغترف منه غرفة بيده وقرّبه إلى فمه ، فقد كان عطشانَ شديد العطش ، ظمآن عظيم الظمأ ، لكنه عندما قرّب الماء من فمه تذكّر عطش أخيه الإمام الحسين (عليه السّلام) فأبى أن يشرب ؛ مواساةً لأخيه .

وصبّ الماء على الماء وملأ القربة ، وخرج من الفرات متّجهاً نحو مخيّم النساء والأطفال ، وكل همّه إيصال الماء إلى الأطفال العطاشى الذين بقوا بانتظار مجيئه عندما رأوه أخذ القربة واتّجه نحو الفرات .


الصفحة (105)

ترك البراز من أجل الماء

لقد ترك أبو الفضل العبّاس (عليه السّلام) مقاتلة القوم الذين قتلوا إخوته وأبناء إخوته ، ولم يشف صدره منهم ابتغاء طلب الماء وإيصاله إلى الأطفال العطاشى .

هذا وهو البطل العظيم الذي ورث الشجاعة من أبيه الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) ، والذي لو كان همّه بدل إيصال الماء مقاتلة هؤلاء الظالمين لَما ترك على وجه الأرض منهم أحداً ينجو بنفسه ، ولا شخصاً منهم يسلم على روحه ، لكنه امتثل أمر إمامه واكتفى بطلب الماء عمّا فيه شفاء صدره .

ودخل الماء ولم يذُق منه شيئاً مع شدّة أواره واستعار قلبه ؛ مواساةً لأخيه الإمام الحسين (عليه السّلام) ، كلّ ذلك وهو راضٍ بما عنده من الماء ، مؤملاً إيصاله إلى الأطفال الذين تصاعد صراخهم من ألم العطش نحو السماء ، وعلا صراخهم من شدّة الظمأ أجواء كربلاء .

وعندما عرف الأعداء انشغال العبّاس بالماء عن مقاتلتهم انتهزوا الفرصة ، وجنّدوا كلّ طاقاتهم للتخلّص من بأسه ؛ لأنهم كانوا يعلمون أنّه لو تفرّغ العبّاس لقتالهم لأتى على آخرهم .

وكانت المصيبة الكبرى والرزية العظمى حين كَمَن له أحد الأشقياء وراء نخلة وغدر به بضربة مفاجئة قطع بها يمينه ، ثمّ كَمَن له شقي آخر فقطع يساره ، وكان الخطب الأعظم والبلاء الجلل عندما أُصيبت القربة بسهم وأُريق ماؤها ، عندها تحيّر أبو الفضل العبّاس (عليه السّلام) ؛ فلا ماء عنده ليوصله إلى الأطفال العطاشى الذين ينتظرون قدومه بالماء ، ولا يدين عنده حتّى يحارب بهما .

وحيث خابت آمال أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) ، وأيس من تحقيق أمانيه وبلوغ مآربه ، جازاه الله عن ذلك لإخلاصه ، وعوّضه بها لوفائه ؛ بأن جعله باباً للحوائج إليه في الدنيا . فما أمّه أحد بحاجة إلاّ ورجع مقضياً حاجته ، مستجاباً دعاؤه ، ووهبه جناحين في الآخرة يطير بهما في الجنّة حيث يشاء ، وأعطاه مقاماً هناك يغبطه به جميع الشهداء .


الصفحة (106)

الخصّيصة الثانية عشرة

في أنّه (عليه السّلام) السقّاء

ورث العبّاس (عليه السّلام) عمل السقاية من أجداده الطاهرين وآبائه الكرام ، فقد كانت السقاية من مختصّات بني هاشم دون سائر قريش ؛ وذلك لِما كان يتّصف به بنو هاشم من النُبل والشرف ، والسخاء والكرم ، فقد كانوا هم وحدهم الأسخياء فيما يصرفونه من أموال ويبذلونه من طاقات في سبيل تأمين الماء ، وتأمين الطعام على ضيوف الرحمن وحجاج بيت الله الحرام ، وعلى غيرهم من سائر الناس ، وهذا ممّا اشتهر في الناس واعترف به حتّى أعداؤهم ؛ فقد قال معاوية بن أبي سفيان العدو اللدود لبني هاشم : إذا لم يكن الهاشمي جواداً لم يشبه أصله .

وقصي بن كلاب كما في التاريخ كان أوّل مَنْ أسّس سقاية الحاج ، وقام بإطعامهم ، ثمّ ورثها من بعده ابنه عبد مناف ، ثمّ ابنه هاشم ، وعندما أدركت هاشم الوفاة ووافته المنيّة كان ابنه عبد المطلب بن هاشم صغيراً عند أخواله ، فقام بها عمّه المطلب بن عبد مناف .

حتّى إذا كبر عبد المطلب بن هاشم سلّمها عمّه إليه ، فقام بها عبد المطلب أحسن قيام ، ثمّ أتحفه الله بإظهار زمزم له وأكرمه بها ، كما كان أكرم بها جدّه إسماعيل بن إبراهيم (عليه السّلام) من ذي قبل . ولمّا مات عبد المطلب ورثها منه أبو طالب ، ثمّ سلّمها أبو طالب لأخيه العبّاس بن عبد المطلب ؛ كرامةً أكرمه بها .


الصفحة (107)

ثمّ إنّ العبّاس بن عبد المطلب سلّمها إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يوم فتح مكة ، لكن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ردّها إليه ثانية ؛ فقد كان من دأب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ومن تعاليم دينه الحنيف ردّ كلّ مأثرة لا تتنافى مع الإسلام إلى أصحابها ، وإقرارها فيهم وفي أيديهم ؛ فإنّه (صلّى الله عليه وآله) لم يخلع أحداً من منصبه ، ولم يدفعه عن حقّه الذي كان له قبل الإسلام إذا لم يكن ممّا ينافي الإسلام ، ورضي به الناس .

استسقاء الرسول (صلّى الله عليه وآله)

نعم ، لقد سقى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) الماء من أنامله عمّه أبا طالب (عليه السّلام) ومَنْ كان معه في قافلته التجارية إلى الشام حين كانوا في الطريق ورأوا أنّ البئر التي كانوا يستسقون منها قد أُعميت وطمست .

كما وسقى (صلّى الله عليه وآله) أصحابه في مرّات عديدة حين أضرّ بهم العطش ولم يجدوا ماءً طبيعياً يشربوه ، فسقاهم رسول الله (صلّى الله عليه وآله) الماء عن طريق المعجزة وشربوا منه حتّى رووا .

وقد استسقى أبو طالب بالنبي (صلّى الله عليه وآله) حين أجدب أهل مكة وأقحطوا ، فأنزل الله تعالى عليهم الغيث وأخصب ناديهم وباديهم ، حتّى قال أبو طالب (عليه السّلام) في ذلك :

وأبيضَ يُستسقى الغمامُ بوجههِ      ثمالُ  اليتامى عصمةٌ للأراملِ

واستسقى هو (صلّى الله عليه وآله) لأهل المدينة فما استتمّ دعاءه حتّى التفّت السماء بأروقتها ، فجاء أهل البطانة يضجّون : يا رسول الله الغرق !

فقال (صلّى الله عليه وآله) : (( حوالينا لا علينا )) . فانجاب السحاب عن المدينة كالإكليل ، فتبسّم رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ضاحكاً حتّى بدت نواجذه ، وقال : (( لله درّ أبي طالب ! لو كان حيّاً لقرّت عيناه )) .


الصفحة (108)

وهنا قام رجل من كنانة وأنشد :

لكَ الحمدُ والحمدُ ممّنْ شكرْ      سُـقينا  بوجهِ النبيّ المطرْ

إلى أن قال :

وكـانَ  كـما قـالهُ عمّهُ      أبو طالبٍ أبيضُ ذو غررْ
بهِ اللهُ يسقي صوبَ الغمام      وهـذا العيانُ لذاكَ الخبرْ

الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) يسقي أهل بدر

وهكذا كان الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) فقد استسقى ليلة بدر بعد أن أحجم الجميع عنه وأتى بالماء إلى مخيّم المسلمين ، مع ما كانت عليه الليلة من ظلام قاتم وبرد شديد ، وكان معسكر المشركين قريباً من البئر بحيث يخاف الوقوع في أيديهم ، كما إنّ ماء البئر كان ممّا لا تناله اليد ، ولم يكن دلو يستقى به ، فنزل الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) في البئر وملأ القربة ماءً ، ثمّ خرج منها وتوجّه إلى معسكر رسول الله (صلّى الله عليه وآله) .

وفي الطريق مرّت به عواصف ثلاث أقعدته عن المشي ، ولمّا سكنت أقبل إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وقصّ عليه خبر العواصف ، فقال له رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : (( أمّا العاصفة الأولى فجبرائيل في ألف من الملائكة سلّموا عليك ؛ وأمّا الثانية فميكائيل في ألف من الملائكة سلّموا عليك ؛ وأمّا الثالثة فإسرافيل في ألف من الملائكة سلّموا عليك ، وكلّهم أُنزلوا مدداً لنا )) .

ومنه اشتهر قول القائل : بأن لعلي (عليه السّلام) في ليلة واحدة ثلاثة آلاف منقبة وثلاثة مناقب ، وقال في معناه السّيد الحميري قصيدة عصماء جاء فيها :

ذاكَ  الـذي سـلّمَ في ليلةٍ       عـلـيهِ ميكالُ وجبريلُ
جبريلُ في ألفٍ وميكالُ في       ألـفٍ ويـتلوهمُ سَرافيلُ
لـيـلةُ  بـدرٍ مدداً اُنزلوا       كـأنّـهـم طـيراً أبابيلُ


الصفحة (109)

السقاء يوم الحديبية

وقد استسقى الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) أيضاً يوم الحديبية حين نزل رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بأصحابه الجُحفة فلم يجد بها ماءً ، وذلك بعد أن بعث رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بالروايا سعد بن أبي وقاص ، فرجع مع السّقاة خالياً وهو يقول : يا رسول الله ، لم استطع أن أمضي وقد وقفت قدماي رعباً من القوم .

فبعث (صلّى الله عليه وآله) بالروايا رجلاً آخر ، فرجع هو الآخر مع السّقاة خالياً أيضاً ، وقال كما قال الأول : يا رسول الله ، ما استطعت أن أمضي رعباً .

فدعا رسول الله (صلّى الله عليه وآله) حينئذ الإمام أمير المؤمنين (صلّى الله عليه وآله) وأرسله بالروايا ، فخرج (عليه السّلام) بالسّقاة ـ ومعهم الروايا ـ وهم لا يشكّون في رجوعه خالياً كما رجع الذين من قَبله ، حتّى إذا ورد الحرار استقى ثمّ أقبل مع السّقاة إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، فلمّا دخل على رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بالماء ، ورآه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) والماء معه كبّر الله ودعا له بخير .

إرسال الماء إلى عثمان

كما إنّ التاريخ أثبت في صفحاته استقاء علي (عليه السّلام) الماء وإرساله مع أولاده إلى عثمان وهو في الحصار الذي أوجده بنفسه على نفسه ، وذلك بعد أن صُدّت السيّدة اُمّ حبيبة بنت أبي سفيان ومنعت ، وأُريق الماء الذي كانت تحمله إلى عثمان .

كما وسقى جيش معاوية من الفرات لمّا استولى (عليه السّلام) على الماء ، وذلك بعد أن منعهم معاوية عنه قائلاً : اقتلوهم عطشاً .


الصفحة (110)

استسقاء سبطي الرسول (صلّى الله عليه وآله)

وهكذا كان الإمام الحسن المجتبى والإمام الحسين (عليهما السّلام) ؛ فقد استسقى بهما لإبانة فضلهما أبوهما الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) حين أضرّ الجدب بأهل الكوفة ، فما أن أتمّ الإمام الحسن والإمام والحسين (عليهما السّلام) حتّى هطلت السماء على أهل الكوفة بالماء ، وأبدلت جدبهم بالخصب ، وقحطهم بالغيث والبركة .

السقاية لأهل الكوفة

هذا ولم ينسَ التاريخ سقاية الإمام الحسين (عليه السّلام) أهل العراق ، وذلك بعد مغادرة مكة والمدينة متّجهاً نحو الكوفة وفي منزل شراف ؛ حيث لمّا كان وقت السحر أمر فتيانه بأن يستقوا من الماء ويكثروا ، ففعلوا ذلك وهم لا يعلمون أنّه لماذا أمرهم (عليه السّلام) بالإكثار من الماء .

ثمّ ارتحلوا , وفي الطريق إذا بهم قد التقوا بالحُر وجيشه ، وكان قد أضرّ بهم العطش ، وأسعر قلوبهم حرّ الشمس وثقل الحديد ، وهنا عرف الفتية الهدف من إكثار الماء عندما قال لهم الإمام الحسين (عليه السّلام) : (( اسقوا القوم وارووهم من الماء ، ورشّفوا الخيل ترشيفاً )) .

فقام الفتية بسقي القوم حتّى أرووهم من الماء ، ثمّ اقبلوا يملؤون القصاع والأواني بالماء ويدنونها من الخيل ، فإذا عبّت فيها ثلاثاً وأكثر وارتوت منه صبّوا بقية الماء عليها .

وكان آخر مَنْ جاء من جيش الحُر رجل يقال له : علي بن الطحان المحاربي ، فلمّا رأى الإمام الحسين ما به وبفرسه من العطش قال له : (( أنخ الراوية )) . أي الجمل المحمل بالماء ، لكنه لم يعرف ما يفعل ، فقال له : (( يابن أخي ، أنخ الجمل )) .

فأناخه ، فقال له : (( اشرب )) . فجعل كلّما يشرب سال الماء من السقاء ، فقال له : (( أخنث السّقاء )) . أي اعطفه ، لكنه


الصفحة ( 111)

أيضاً لم يدرِ كيف يفعل ، فقام الإمام الحسين (عليه السّلام) بنفسه وخنث له السّقاء ، وقال له : (( اشرب واسق فرسك )) . فشرب وسقى فرسه أيضاً ورشّفه ترشيفاً .

سقاية العبّاس (عليه السّلام) في الظروف الصعبة

واقتدى أبو الفضل العبّاس بأجداده وآبائه الطاهرين ، وبأخويه الكريمين الإمامين الهمامين الحسن والحسين (عليهما السّلام) في السّقاية ، وانتحل لنفسه بكل اعتزاز وافتخار لقب ( السّقّاء) ، وكان يقوم بالسّقاية في كلّ مناسبة وفي كلّ فرصة تتيح له القيام بها ؛ وخاصةً في كربلاء وعلى الأخص عندما منع ابن سعد الماء عن الإمام الحسين (عليه السّلام) وأهل بيته وأصحابه ، وحرّمها عليهم بأمر من يزيد وابن زياد .

وكان ذلك في اليوم السابع من المحرم الحرام عام واحد وستين للهجرة ، واستمرّ ذلك التحريم حتّى مساء يوم عاشوراء ، هذا مع أنّ الفصل الزماني تلك السنة كان هو فصل الصيف ، وصيف المنطقة الوسطى في العراق يكون حارّاً شديد الحرارة ، وجافّاً كثير الجفاف .

وكان الذي يشدّد تلك الحرارة ويضاعف ما كان موجوداً هناك من الجفاف استعار نار الحرب وتطاير شررها ، والتهام الأسنّة والسيوف نفوس الأعزّة وأرواح الإخوة والأحباب ؛ فإنّ كلّ ذلك كان ممّا يزيد في التهاب القلوب واستعارها ، ويؤثّر في شدّة عطشها وأوارها .

ومعلوم أنّ السّقاية في هذه الظروف الصعبة والقاسية كم يكون لها من أهمية كبيرة وعظيمة ، خاصةً وأنّ السّاقي والحال هذه كم يكون له من مقام رفيع ودرجة عالية ، وقد نال الحظّ الوافر من هذه السّقاية ، وحصل على السهم الأكبر من ثوابها وأجرها أبو الفضل العبّاس (عليه السّلام) حتّى قيل كما في كتب التاريخ


الصفحة (112)

والأخبار ؛ مثل تاريخ الخميس ، وسرائر ابن إدريس : إنّ أبا الفضل العبّاس (عليه السّلام) لمّا تعهّد سقي موكب كربلاء وإغداق الماء عليهم في أيّام محرّم وعشرة عاشوراء ، وخاصةً أيام تحريم الماء عليهم ومنعه عنهم ، لُقّب باللقب الكبير ، ووسم بالوسام النبيل وسام ( السّقاء ) .

السّقاء منذ الأيام الأولى

وروي على ما في ثمرات الأعواد : أنّ الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) كان ذات يوم جالساً وحوله ابنا رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وريحانتاه الإمامان الهمامان الحسن والحسين (عليهما السّلام) ، وإلى جنبهم أبو الفضل العبّاس (عليه السّلام) ، فعطش الإمام الحسين (عليه السّلام) ، فعرف ذلك أبو الفضل العبّاس (عليه السّلام) ، فقام وهو إذ [ ذاك ] صبي صغير وأقبل إلى الدار وقال لأُمّه اُمّ البنين : يا اُمّاه ، إنّ سيّدي ومولاي الإمام الحسين (عليه السّلام) عطشان , فهل لي إلى إيصال شربة من الماء العذب إليه من سبيل ؟

فقالت له اُمّه اُمّ البنين بشغف وشفقة : نعم يا ولدي . ثمّ قامت مسرعة وأخذت معها قدحاً وملأته بالماء العذب ووضعته على رأس ولدها العبّاس ، وقالت له وبكلّ رأفة وحنان : اذهب به إلى سيّدك ومولاك الإمام الحسين (عليه السّلام) .

فأقبل العبّاس (عليه السّلام) بالماء نحو الإمام الحسين (عليه السّلام) والماء يتصبّب من القدح على كتفيه ، فوقع عليه نظر أبيه الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) ورآه قد حمل قدح الماء على رأسه والماء يتصبّب من القدح على كتفيه ، تذكّر وقعة كربلاء فرقّ له ، وقال وهو يخاطبه ودموعه تتقاطر على وجنتيه : (( ولدي عبّاس ، أنت ساقي عطاشى كربلاء )) ؛ فسمّي من ذلك ( السّقاء ) .


الصفحة (113)

الخصّيصة الثالثة عشرة

في أنّه (عليه السّلام) ساقي عطاشى كربلاء

إذا كانَ ساقي الناسِ في الحشرِ حيدرٌ      فـساقي عُطاشى كربلاءِ أبو الفضلِ
على أنّ ساقي الناسِ في الحشرِ قلبُهُ      مـريعٌ وهـذا بـالظما قـلبُهُ يغلي

وقال السّيد جعفر الحلّي في سقاية العبّاس (عليه السّلام) لعطاشى كربلاء :

وتشتكي العطشَ الفواطمُ عندهُ       وبصدرِ صعدتهِ الفراتُ المفعمُ
لو  سدّ ذو القرنين دونَ ورودهِ       نـسـفتهُ همّتهُ بما هو أعظمُ
ولو استقى نهرَ المجرّةِ لارتقى       وطـويـلُ  ذابـلهِ إليها سلّمُ

يصوّر الشاعر الموالي لأهل البيت (عليهم السّلام) السّيد جعفر الحلي في هذه الأبيات الأخيرة جدارة أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) لحمل وسام (ساقي عطاشى كربلاء) ، وتأهّله للقيام بهذه المهمّة الشريفة ، ويصفه بأنّه من عظيم همّته وكبير عزمه وشدّة غيرته لا يسمح لنفسه أن يرى واحدة من الفواطم تتلوّى عطشاً ، ويسمع منها تشتكي ظمأً ؛ فإنّه يوفّر لها الماء حتّى ولو كان بينه وبين الماء سداً منيعاً كسد ذي القرنين المعروف بالقوة والإحكام .

 فإنّ أبا الفضل العبّاس (عليه السّلام) لو استقى من نهر المجرّة ـ ناهيك عن نهر الفرات ـ لجعل رمحه الطويل سلّماً يصعد عليه ، ومدرجاً يرتقي عبره إلى السماء ليحمل منه الماء ويأتي به إليهم ، وكذلك كان أبو الفضل العبّاس (عليه السّلام) , وأنعم به شهماً غيوراً ، وبطلاً مقداماً .


الصفحة (114)

أمران مهمّان

ثمّ إنّ في البيتين الأوّليين إشارة إلى أمرين مهمّين يتطلّبان الوقوف عندهما قليلاً ، وهما كما يلي :

الأمر الأوّل : فيهما إشارة إلى مقام السّقاية وعظم مكانتها ، والمماثَلة بين ساقيين أحدهما أعظم من الآخر وأكبر درجة عند الله ، وهو الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) ، وذلك في يوم القيامة الكبرى وعلى حوض الكوثر ، والآخر هو ابن الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) أبو الفضل العبّاس (عليه السّلام) ، وذلك في يوم عاشوراء يوم القيامة الصغرى وعلى نهر الفرات .

الأمر الثاني : فيهما إشارة إلى عظمة الساقي وكبير فضله ، والمقارنة بين موقفي الساقيين أحد الموقفين أرقّ من الموقف الآخر وأشجى للقلوب ، وهو إنّ ساقي العطاشى في كربلاء أبا الفضل العبّاس (عليه السّلام) كان يغلي قلبه من شدّة العطش والظمأ ، مع أنّ الساقي يقتضي أن يكون راوياً هانياً لأنّه صاحب ماء ؛ إذ لو لم يكن له ماء فكيف يصحّ أن يكون ساقياً ؟!

وهذا ما يبعث على تساؤل السامع عن أنّه كيف يمكن أن يكون ساقياً للماء وهو في نفس الوقت عطشان ويقضي ظامياً ؟

نعم ، إنّ أبا الفضل العبّاس (عليه السّلام) كان ساقياً للماء ومع ذلك كان عطشان وقضى ظامياً ؛ مواساةً لسيّده وإمامه الإمام الحسين (عليه السّلام) .

وكفى به كرماً ونبلاً ، وعزّاً وشرفاً ، وقد نحله الإمام الصادق (عليه السّلام) على عمله الكبير هذا وساماً بقي ولا يزال إلى يوم القيامة فخراً ولآخرته ذخراً ؛ وذلك حين خاطبه في زيارته المعروفة قائلاً : (( فنِعم الأخ المواسي )) .


الصفحة (115)

السّقاية في القرآن والحديث

هذا ولا يخفى أنّ عمل السّقاية من الأعمال الشريفة ، والأفعال الحسنة الجميلة التي امتدحها الله ورسوله ، وندب إليها الإسلام والعقل ، وحبّذها القرآن والسنّة ، قال تعالى : ( وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ ) .

وقال سبحانه : ( وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتاً ) .

وقال تعالى : ( وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُوراً) .

وقال (عزّ وجلّ) في حقّ موسى لمّا ورد ماء مدين ورأى امرأتين تذودان وهما تريدان الاستقاء : ( فسقى لهما ) .

وقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : (( أفضل الأعمال إبراد الكبد الحرّى )) . يعني سقي الماء .

وقال (صلّى الله عليه وآله) أيضاً : (( أفضل الصدقة إبراد كبد حارّة ، وأفضل الصدقة صدقة الماء )) .

وقال (صلّى الله عليه وآله) أيضاً : (( مَنْ سقى عطشانَ أعطاه الله بكل قطرة يبذلها قنطاراً في الجنّة ، وسقاه من الرحيق المختوم ، وإن كان في فلاة من الأرض ورد حياض القدس مع النبيِّين )) .

وقال (صلّى الله عليه وآله) أيضاً : (( إنّ الله تعالى يحبّ إبراد الكبد الحرّاء ، ومَنْ سقى كبداً حرّاء من بهيمة وغيرها لأظلّه الله تعالى يوم لا ظلّ إلاّ ظله )) .

وقال (صلّى الله عليه وآله) أيضاً : (( ثمان خصال مَنْ عمل بها من اُمّتي حشره الله مع النبيِّين والصدّيقين والشهداء والصالحين . . . وأروى عطشانَ . . . )) .

وقال (صلّى الله عليه وآله) أيضاً : (( سبعة أسباب يكتب للعبد ثوابها بعد وفاته . . . وحفر بئراً وأجرى نهراً . . . )) .

الصفحة (116)

وقال (صلّى الله عليه وآله) أيضاً : (( خمس مَنْ أتى الله بهنّ أو بواحدة منهنّ وجبت له الجنّة : مَنْ سقى هامة صادية . . . )) .

وقال (صلّى الله عليه وآله) أيضاً لمَن سأله أن يدلّه على عمل يدخل به الجنّة : (( اشترِ سقاءً جديداً ثمّ اسقي بها حتّى تخرقها ، فإنك لا تخرقها حتّى تبلغ أعلى الجنّة )) .

وقال (صلّى الله عليه وآله) لأصحابه يوماً ، وذلك بعد أن صلّى بهم الصبح : (( معشر أصحابي ، رأيت البارحة عمّي حمزة بن عبد المطلب وأخي جعفر بن أبي طالب وبين أيديهما طبق من نبق ، فأكلا ساعة ثمّ تحوّل النبق عنباً فأكلا ساعة ، فتحوّل العنب رطباً , فدنوت منهما فقلت : بأبي أنتما ! أي الأعمال وجدتما أفضل ؟

قالا : فديناك بالآباء والاُمّهات ! وجدنا أفضل الأعمال الصلاة عليك ، وسقي الماء ، وحبّ علي بن أبي طالب )) .

وعن الإمام زين العابدين (عليه السّلام) أنّه قال : (( مَنْ أطعم مؤمناً جائعاً أطعمه الله من ثمار الجنّة ، ومَنْ سقى مؤمناً ظامئاً سقاه الله من الرحيق المختوم )) .

وعن أبي عبد الله (عليه السّلام) قال : (( قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : مَنْ سقى مؤمناً شربة ماء من حيث يقدر على الماء أعطاه الله بكل شربة سبعين ألف حسنة ، وإن سقاه من حيث لا يقدر على الماء فكأنما أعتق عشر رقاب من ولد إسماعيل )) .

وعن الإمام الصادق (عليه السّلام) قال : (( مَنْ سقى الماء في موضع يوجد فيه الماء كان كمَنْ أعتق رقبة ، ومَنْ سقى الماء في موضع لا يوجد فيه الماء كان كمَن أحيا نفساً ، ومَنْ أحياها فكأنّما أحيا الناس أجمعين )) .

وعن أبي عبد الله (عليه السّلام) قال : (( ما من مؤمن يطعم مؤمناً شبعة من طعام إلاّ أطعمه الله من طعام الجنّة ، ولا سقاه ريّه إلاّ سقاه الله من الرحيق المختوم )) .

وعن أبي عبد الله (عليه السّلام) قال : (( أربع مَنْ أتى بواحدة منهنّ دخل الجنّة : مَنْ سقى هامة ظامئة . . . )) .


الصفحة (117)

وقال الإمام الصادق (عليه السّلام) لمَنْ كان معه في طريق مكة ، وقد رأوا رجلاً قد استلقى تحت ظلال شجرة شوك الجمال : (( اذهب إليه وانظر ما به ، لا يكون قد صرعه العطش )) .

قال الراوي : فذهبت إليه وترجّلت عن مركبي ، وأخذت أفحص عنه ، فإذا هو رجل نصراني قد أضرّ به العطش ، فأقبلت إلى الإمام الصادق (عليه السّلام) وأخبرته بخبره وقلت : إنّه رجل نصراني قد صرعه العطش . فقال (عليه السّلام) : (( اذهب إليه بالماء واسقه ، فإن لكلِّ كبد حرّاء أجر )) .

وعن أبي الحسن موسى بن جعفر (عليه السّلام) ، عن آبائه ، عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : أنّه رأى ليلة المعراج في الجنّة صاحب الكلب الذي سقى الكلب ماءً وأنقذه من أن يموت عطشاً ؛ يعني الرجل الذي أدخله الله تعالى الجنّة بسبب سقيه الحيوان وإروائه من الظمأ .

وروي عنه (عليه السّلام) أيضاً : (( إنّ امرأة رأت في الصحراء كلباً ظامئاً قد أشرف على الموت من شدّة العطش ، وكان هناك بئر بعيدة القعر قليل الماء ، فدخلت البئر وملأت حذاءها ماءً وأخذته بفمها وخرجت ، وسقت به ذلك الكلب حتّى ارتوى ونجا من الموت ، فرحم الله تعالى تلك المرأة بعملها هذا ، وعفا عنها وغفر لها )) .

وروي أنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) كان يتوضّأ فمرّت به هرّة وأخذت تنظر إلى الماء ، فقال (صلّى الله عليه وآله) : (( أظنّ هذه الهرّة عطشى )) . ثمّ قرّب الماء إليها فشربت الهرّة منه ثمّ توضّأ (صلّى الله عليه وآله) بفضلتها .

العبّاس (عليه السّلام) وسقايته الأولى

نعم ، إنّ السِّقاية هي عمل الأبرار والصالحين ، ودأب ذوي المكانات والمروءات ، ولها أجر عظيم وثواب جزيل ، وقد نال شرفها وحصل على أرفع


الصفحة (118)

وسام فيها أبو الفضل العبّاس (عليه السّلام) .

ففي التاريخ : أنّه لمّا كتب ابن زياد إلى ابن سعد بأن يمنع الماء عن الإمام الحسين (عليه السّلام) ، ويحرّمه عن أهل بيته ، قلّ الماء في الخيام وعند معسكر الإمام الحسين (عليه السّلام) ، فاستدعى (عليه السّلام) أخاه العبّاس وضمّ إليه عشرين فارساً وأرسله إلى الفرات ليستقي لهم ، والظاهر أنّ هذا الاستقاء كان في مساء يوم السابع من المحرّم ، أي ليلة الثامن منه .

فأقبل العبّاس (عليه السّلام) بهم نحو الفرات ، وكان الوقت ليلاً والظلام قد طبق الكون ، وغطّى بأجنحته السوداء كلّ مكان ، وكان ما بين الفرسان العشرين هلال بن نافع البجلي ، وكان بينه وبين الموكّل على الفرات عمرو بن الحجاج قرابة وصداقة ، فتقدّم هلال الفرسان واقتحم الفرات فأحسّ به عمرو فصاح : مَنْ الوارد ؟ أجاب هلال : أنا واحد من أولاد عمّك ، جئت لأشرب الماء ، فعرفه عمر وقال له : اشرب هنيئاً مريئاً .

هنا انتهز هلال الفرصة ليقدّم نصيحته لابن عمّه عمرو ويأمره بالمعروف وينهاه عن المنكر ، ولذلك قال له : يا عمرو ، أتأذن لي بشرب الماء وتمنعه من ابن بنت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وأهل بيته وهم عطاشى ؟!

هزّ هذا الكلام كيان عمرو وأوقفه على سوء فعله وشناعة أمره ، لكنه سرعان ما غضّ عنه بصره ، وأغفل عن وقعه قلبه ، وأخذ يوجّه موقفه غير الإنساني بقوله : صحيح كلامك ، ولكن ما أفعل والأمر ليس بيدي ، وإنّما أنا مأمور وعليّ التنفيذ .

قرأ هلال عبر هذا الكلام كلّ ما يدور في نفس عمرو من تسويلات الشيطان ، وكل ما يحمل في ذهنه من مكائد النفس والهوى ؛ ولذلك أعرض عن جوابه وتوجّه نحو فرقة السِّقاية وقال : هلمّوا واملؤوا أوعيتكم من الماء .

اقتحمت فرقة السِّقاية وفي مقدّمتها أبو الفضل العبّاس (عليه السّلام) الفرات وملؤوا أوعيتهم ، وذلك بعد أن انقسموا إلى فرقتين : فرقة تقاتل الأعداء وتشغلهم بذلك ، وفرقة يملؤون أوعيتهم ، حتّى إذا فرغوا من ملء أوعيتهم واتّجهوا نحو الخيام


الصفحة (119)

تركت الفرقة الثانية القتال وأحاطوا بالفرقة الأولى وساروا معاً نحو المخيّم ، وكان حصيلة هذه المهمّة قتل عدّة من جيش العدو , وجرح عدّة آخرين من محافظي الشريعة الذين كانوا يبلغون أربعة آلاف تحت قيادة عمرو بن الحجاج ، ووصول أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) ومَنْ معه بالماء إلى المخيّم سالمين .

وعلى إثر هذه المهمّة عُرف أبو الفضل العبّاس (عليه السّلام) حيث أوصل الماء بسلامة إلى الخيام بـ (السّقاء) ، ولُقّب بساقي عطاشى كربلاء .

وكانت هذه السِّقاية التي قام بها أبو الفضل العبّاس (عليه السّلام) هي أُولى سقاياته في كربلاء بعد منع الماء عنهم وتحريمه عليهم ، ومنها عُرف بالسّقاء . ولكن لم تكن هي الأولى والأخيرة ، وإنّما كانت هناك سقايات اُخرى قام بها أبو الفضل العبّاس (عليه السّلام) في كربلاء أيام ضرب الحصار عليهم ، نذكر منها ما يلي :

السِّقاية الثانية

جاء في هامش منتهى الآمال للمحدّث القمّي ، عن كتاب المحاسن والمساوئ للبيهقي في ورود الإمام الحسين (عليه السّلام) وأهل بيته وأصحابه بكربلاء ما مضمونه : أنّه كان بين معسكر الإمام الحسين (عليه السّلام) والفرات فاصلة قريبة ، فحال الأعداء بين الإمام الحسين (عليه السّلام) ومنعوا أصحابه من الوصول إليه ، فصاح الشمر فيهم قائلاً : انظروا إلى هذا الماء كيف يجري كبطون الحيّات ، لا ندعكم تذوقون منه شيئاً حتّى تردوا الحامية .

عندها التفت أبو الفضل العبّاس (عليه السّلام) إلى أخيه الإمام الحسين (عليه السّلام) وقال : ألسنا على الحقّ ؟ فأجابه الإمام الحسين (عليه السّلام) : (( بلى والله ، نحن على الحقّ )) .

فاستلهم أبو الفضل العبّاس (عليه السّلام) من جواب أخيه الإمام الحسين (عليه السّلام) الإذن في الاستقاء ، وطلب الماء للنساء والأطفال الذين أضرّ بهم


الصفحة (120)

العطش في الخيام فحمل عندها على القوم الموكّلين بالفرات حملة أزالهم عن الماء وكشفهم عن الشريعة ، وخلّى الطريق بين معسكر الإمام الحسين (عليه السّلام) وبين الفرات حيث تسنّى للإمام الحسين (عليه السّلام) وأصحابه أن يشربوا من الماء ، ويحملوا منه معهم إلى النساء والأطفال ، وكانت هذه السِّقاية على الظاهر في اليوم التاسع من المحرّم ؛ وذلك بعد ورود الشمر في كربلاء .

السِّقاية الثالثة

ثمّ لمّا كان يوم عاشوراء وبدأ ابن سعد القتال ، وشنّ الحرب على آل رسول الله (صلى الله عليه وآله) كثر القتلى في صفوف الإمام الحسين (عليه السّلام) ، وبان الانكسار فيهم ، عندها أخذ الإمام الحسين (عليه السّلام) ينادي ؛ إتماماً للحجّة ودفعاً للعذر : (( أما من مغيث يغيثنا ! أما من ذابّ يذبّ عن حرم رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ! )) .

فلمّا سمع ذلك أبو الفضل العبّاس (عليه السّلام) أقبل إلى أخيه الإمام الحسين (عليه السّلام) ؛ فقبّل ما بين عينيه واستأذنه في البراز فلم يأذن له ، وطلب منه الاستقاء للأطفال , فودّعه ممتثلاً أمره ، وحمل القربة واتّجه نحو الفرات .

فلمّا أراد أن يقتحم الشريعة أحاطوا به ليمنعوه ، ففرّقهم وهو يقول : أنا العبّاس بن علي ، أنا ابن أُختكم الكلابيّة ، أنا عطشان وأهل بيت محمّد (صلّى الله عليه وآله) عطاشى ، وهم يذادون عن الماء وهو مباح على الخنازير والكلاب !

ثمّ دخل الفرات وملأ القربة وخرج بالماء نحو المخيّم ، فاعترضه الموكّلون بالشريعة ليمنعوه من إيصال الماء إلى المخيّم ، فقاتلهم وهو يقول :

أنا الذي اُعرفُ عند الزمجرهْ      بـابنِ عـليٍّ المسمّى حيدرهْ
 

إن  أثـبتوا اليوم لنا يا كفرهْ

 

 


الصفحة (121)

فقتل منهم كلّ مَنْ اعترضه حتّى قتل مئة فارس من فرسانهم ، وأوصل الماء بسلامة إلى المخيّم ، ففرح الأطفال بوصول الماء إليهم وتواسوا به ولم يرووا .

وكانت هذه السِّقاية ـ على ما روي ـ هي السِّقاية الثالثة لأبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) ، وقد وقعت في يوم عاشوراء .

وهناك لأبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) سقاية رابعة انجرّت إلى مصرعه ، وأدّت إلى شهادته ، وهي السِّقاية المعروفة في يوم عاشوراء .


الصفحة (122)

الخصّيصة الرابعة عشرة

في أنّه (عليه السّلام) ساقي كلّ عطشان

لقد ثبتت فضيلة السِّقاية وإرواء العطاشى لأبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) حتّى عُرف بالسّقّاء ، واشتهر أنّه ساقي عطاشى كربلاء ، بل أنّه روي أنّ الإمام الحسين (عليه السّلام) كان قد عطش يوماً وهو في مسجد جدّه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في المدينة المنورة ، فأحسّ بعطشه (عليه السّلام) أخوه أبو الفضل العبّاس (عليه السّلام) ، وكان إذ ذاك صغيراً .

فقام من مجلسه وهو ينوي سقي أخيه الإمام الحسين (عليه السّلام) ماءً ، فخرج من المسجد ولم يقُل لأحد ما يريده ، ولم يطلع أحداً على ما نواه أبداً ، وإنّما جاء مسرعاً حتّى دخل المنزل وأخذ كأساً نظيفاً وملأه ماءً ، ثمّ أقبل نحو المسجد بالماء ، فقدّمه ـ وبكلِّ احترام ـ إلى أخيه الإمام الحسين (عليه السّلام) ، فشكره الإمام على ذلك ودعا له بخير ، ولعلّ منها لُقّب العبّاس (عليه السّلام) بالسّقّاء ، وكُنّي بأبي القربة كما قيل .

دور الماء في الحياة

هذا ولا يخفى ما للماء من دور كبير في الحياة ، وأثر بالغ في استمرارها وبقائها ، وطراوتها ونظارتها ، حتّى قال تعالى في محكم كتابه ومبرم خطابه : ( وَجَعَلْنَا مِنْ الْمَاءِ كلّ شَيْءٍ حَيٍّ ) .

وقال الإمام الصادق (عليه السّلام) في جواب مَنْ سأله عن طعم الماء : (( إنّه طعم الحياة )) .

كما إن ابن عبّاس الذي استقى علمه من


الصفحة (123)

أمير المؤمنين (عليه السّلام) ، وتعلّم تفسير كتاب الله تعالى منه ، استند إلى الآية الكريمة في حلّ لغز ملك الروم الذي أرسل إلى معاوية قارورة وطلب منه أن يضع فيها من كلّ شيء ، فتحيّر معاوية واستعان بابن عبّاس في ذلك ، فقال له ابن عبّاس : لتملأ له ماء ؛ فإنّ الله تعالى يقول : ( وَجَعَلْنَا مِنْ الْمَاءِ كلّ شَيْءٍ حَيٍّ ) .

فتعجّب ملك الروم واستحسنه قائلاً : لله أبوه ما أدهاه !

الماء من أجل الإمام الحسين (عليه السّلام)

ثمّ إنّ الله تعالى خلق ماءً موّاجاً متلاطماً ، وذلك قبل أن يخلق سماءً وأرضاً ، وشمساً وقمراً . قال تعالى : ( وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ ) ، ثمّ خلق من ذلك الماء ما خلق من سماوات وأرضين ، وبثّ فيهما ما بثّ من شيء كما جاء في نهج البلاغة عن أمير المؤمنين (عليه السّلام) .

فالماء هو أساس الخلقة ، والخلقة لأجل الإمام الحسين (عليه السّلام) ، وعليه فالعالم طفيليّ وجود الإمام الحسين (عليه السّلام) ؛ وذلك إن لم يكن بالمباشرة فبالواسطة . ألا تسمع قول جدّه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فيه : (( حسين منّي وأنا من حسين )) ؟

وقد قال تعالى من قبل كما في الحديث القدسي مخاطباً رسوله الكريم محمّد بن عبد الله (صلّى الله عليه وآله) : (( لولاك لما خلقت الأفلاك )) . فيكون الإمام الحسين (عليه السّلام) لقول جدّه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فيه مشمولاً لهذا الحديث الشريف .

إذاً فالحياة كلّها والعالم كلّه خلق من ماء ، والماء خلق من أجل الإمام الحسين (عليه السّلام) ، وقد جعله جبرائيل بأمر من الله تعالى صداقاً لفاطمة الزهراء (عليها السّلام) على ما جاء في الخبر ، كما وأباحه الله تعالى لكل الناس ؛ فقد جعل الله الماء من المباحات العامة ، وجعل الناس فيه شرعاً سواء ، وجعل أوّل ما يثيب عليه من


الصفحة (124)

الأعمال الصالحة في يوم القيامة هو ثواب عمل السِّقاية وأجر السِّقاية ، وهذا كلّه يدلّ على خصوصية في الماء ليس في غيره من الأشياء ، ويشير إلى امتياز في سقايته لم يكن في عملٍ سواه .

مكانة أبي الفضل (عليه السّلام)

من هذا وغيره يعلم مكانة أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) عند الله تبارك وتعالى ؛ حيث إنّه (عليه السّلام) وقف نفسه لسقاية أخيه الإمام الحسين (عليه السّلام) وأطفاله ذرّية رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، ونسائه حرم رسول الله (صلّى الله عليه وآله) .

وجدّ واجتهد في ما أوقف نفسه له حتّى استشهد في هذا الطريق صابراً محتسباً ، فحباه الله تقديراً له وإكراماً به وسام السِّقاية ؛ سقاية كلّ شيء وليس سقاية الماء فحسب ، بل منحه الله تعالى أن يسقي بإذنه تعالى كلّ عطشان ، سواء كان عطشان ماء ، وعطشان علم ، وعطشان مال وولد ، وعطشان حجّ وعمرة ، وعطشان زيارة وتشرّف إلى تربته وروضته (عليه السّلام) ، وزيارة أحد الأئمّة المعصومين (عليهم السّلام) وغير ذلك ؛ فإنّه ما توسّل به إلى الله متعطّش إلى شيء من الاُمور الماديّة والمعنوية إلاّ وسقاه الله ممّا أراد ، ورواه بما شاء ببركة أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) .

الاقتداء بالعباس (عليه السّلام) في سقايته

وجاء في كتاب ( طروس الإنشاء ) للعلاّمة السّيد محمّد نجل آية الله السّيد مهدي القزويني (طاب ثراه) ما مضمونه : أنّ نهر الحسينيّة المعروف الذي كان يسقي كربلاء المقدّسة وضواحيها بعد انقطاع نهر العلقمي وجفافه انقطع سنة


الصفحة (125)

(1306) هجرية قمرية ، وأصبح أهل كربلاء يعانون على أثره من قلّة الماء وشحّه ، ويقاسون العطش والظمأ ؛ فأمرت الحكومة العثمانية آنذاك بحفر نهر جديد في أراضي السّيد النقيب السّيد سلمان ، فامتنع السّيد النقيب من الموافقة على ذلك ولم يسمح بحفر النهر الجديد في أراضيه .

قال السّيد محمّد القزويني : فاتّفق أن تشرّفت بزيارة أعتاب كربلاء المقدّسة والتبرّك بتربتهم وروضتهم ، فاجتمع إليّ أهالي كربلاء وطلبوا منّي أن أكتب إلى السّيد النقيب في خصوص الماء وما يعانونه من العطش والظمأ ، وأن استحثّه في سقيهم الماء بالسماح لهم في حفر نهر جديد في أراضيه يسقي كربلاء وأهلها .

فكتبت إليه استحثّه أن يقتدي بأبيه أمير المؤمنين (عليه السّلام) ساقي الكوثر ، وبعمّه العبّاس (عليه السّلام) ساقي العطاشى ، واستعطفه بذكر ما يعانونه أهل كربلاء من قلّة الماء وما يقاسونه من عطشٍ وظمأ ، البيتين التاليين :

في كربلا لكَ عصبةٌ تشكو الظّما      مـن فـيضِ كفّكَ تستمدُ رواءَها
وأراكَ  يـا ساقي عطاشى كربلا      وأبوكَ ساقي الحوض تمنع ماءَها

فلمّا وصل كتابي إلى السّيد النقيب تأثّر بما فيه ، وأجاز حفر النهر الجديد في أراضيه ، مفتخراً بوسام السِّقاية ولقب السقّاء ، وارتوى أهل كربلاء من الماء ، وانتفعوا بالنهر الجديد ببركة هذا الوسام الكبير ولقب ( السقّاء ) الشريف .

من آداب السِّقاية وشرب الماء

وجاء في كتاب كامل الزيارات مسنداً عن داود الرقي قال : كنت عند أبي عبد الله (عليه السّلام) إذ استسقى الماء ، فلمّا شربه رأيته قد استعبر واغرورقت عيناه


الصفحة (126)

بدموعه ، ثمّ قال لي : (( يا داود ، لعن الله قاتل الحسين ! فما من عبدٍ شرب الماء فذكر الحسين (عليه السّلام) ولعن قاتله إلاّ كتب الله له مئة ألف حسنة ، وحطّ عنه مئة ألف سيّئة ، ورفع له مئة ألف درجة ، وكأنّما أعتق مئة ألف نسمة ، وحشره الله يوم القيامة ثلج الفؤاد )) .

وفي الخبر أيضاً ما مضمونه : إنّ مَنْ كان في يوم عاشوراء عند مرقد الإمام الحسين (عليه السّلام) وسقى الناس العطاشى ماءً كان كمَنْ سقى أصحاب الإمام الحسين (عليه السّلام) في يوم عاشوراء ، وكان كمَنْ حضر كربلاء لنصرة الإمام الحسين (عليه السّلام) في ذلك اليوم .


الصفحة (127)

الخصّيصة الخامسة عشرة

في أنّه (عليه السّلام) قمر بني هاشم

يــا  هـاشماً إنّ الإله حباكمُ       ما ليسَ يبلغهُ اللسانُ المفصلُ
قــومٌ  لأصـلهمُ السيادةُ كلّها       قـدماً وفرعهمُ النبيُّ المرسلُ
بيضُ الوجوهِ ترى بطونَ أكفهم       تندى إذا اغبرّ الزمانُ الممحلُ

هذا ما قاله كعب الأنصاري شاعر النبي (صلّى الله عليه وآله) في بني هاشم عامة ، وقد قال الإمام الحسين (عليه السّلام) في أخيه أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) خاصة ، وذلك عندما وقف عليه يوم عاشوراء ورآه مضرّجاً بدمه :

أيابن أبي نصحتَ أخاك حتّى      سـقاكَ اللهُ كـأساً من رحيقِ
ويـا قمراً منيراً كنتَ عوني      على كلّ النوائبِ في المضيقِ

وقال السّيد جعفر الحلي في العبّاس (عليه السّلام) خاصة وهو يحكي لسان حال الإمام الحسين (عليه السّلام) عندما مشى إلى مصرعه قائلاً :

فمشى إلى مصرعهِ الحسينُ وطرفُه      بـيـن الـنـساءِ وبـينه مـتقسّمُ
ألـفاه  مـحجوبَ الـجمالِ كـأنّه      بــدرٌ بـمنحطمِ الـوشيحِ مـلثّمُ

هاشم وبنوه سادة البطحاء

نعم ، لقد كان هاشم بن عبد مناف وبنوه سادة البطحاء وقادتها ؛ وذلك لِما


الصفحة (128)

منحهم الله تعالى من حسن الخلق والسيرة ، وجمال الوجه والصورة ؛ فلقد كان هاشم في حسن الخلق والسيرة ، وكرم الأصل والأعراق بمكانة ساد بها في كلّ العرب ، فأصبح هو الأصل للسّيادة ، والسيادة فرع عليه ؛ ومنه اُطلق اسم ( السّيد ) على أولاده وبنيه ، وكُنّي السّادة بأبناء هاشم ، أو كما في عُرف الناس قد عرفوا بأبي هاشم ، كلّ ذلك نسبةً إلى هاشم جدّ النبي (صلّى الله عليه وآله) .

هذا كان من حيث الخلق والسيرة ؛ وأمّا من حيث الوجه والصورة ، فلقد كان هاشم وكذلك أبوه عبد مناف وكذلك أجداده صِباح الوجوه ، حِسان الغرر ، يحملون في وجوههم إضافة إلى جمالهم وحسنهم نور النبي الخاتم (صلّى الله عليه وآله) الذي كان في أصلابهم يتوارثونه خلفاً من سلف ، ويورّثونه سلفاً لخلف ، حتّى قيل لعبد مناف قمر مكّة , وإنه البدر ، وقيل لهاشم وإخوته أقداح النضار ـ والنضار : جمع النضر ، وهو الذهب ـ وقيل لعبد المطلب إنّه البدر ، وقيل لعبد الله والد النبي (صلّى الله عليه وآله) إنّه بدر الحرم ، وقيل لرسول الله (صلّى الله عليه وآله) إنّه أضوء من القمر .

النبي وأهل بيته أنوار الأرض

ولقد جاء في وصف النبي (صلّى الله عليه وآله) أيضاً كما في رواية عن الإمامين الهمامين الحسن والحسين (عليهما السّلام) ، عن خالهما هند بن أبي هالة التميمي ، وكان وصّافاً أنّه قال : كان رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فخماً مفخماً ، يتلألأ وجهه تلألؤ القمر ليلة البدر .

وكما عن الإمام الصادق (عليه السّلام) أنّه قال : (( إنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) إذا رُئي في الليلة الظلماء رُئي له نورٌ كأنّه شقّة قمر )) .

وكما عن لسان عمّه أبي طالب (عليه السّلام) أنّه قال :

وأبيضَ يستسقى الغمامَ بوجههِ      ثمالُ  اليتامى عصمةٌ للأراملِ


الصفحة (129)

وكما عن لسان شاعره حسان بن ثابت :

وأحسنُ منكَ لم ترَ قطُّ عيني      وأجـملُ  منكَ لم تلدِ النساءُ
خُـلقتَ  مبرّأً من كلّ عيبٍ      كـأنّكَ قـد خُلقتَ كما تشاءُ

وقيل في صفة علي أمير المؤمنين (عليه السّلام) : أزجّ العينين ، أدمج العينين ، أنجل يميل إلى الشّهلة ، كان وجهه القمر ليلة البدر حسناً .

وقيل في وصف الإمام الحسن المجتبى سبط رسول الله الأكبر : كان شبيه جدّه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) خَلقاً وخُلقاً ، وسمتاً ومنطقاً .

أشبه الخلق برسول الله (صلّى الله عليه وآله)

وقيل في صفة الإمام الحسين الشهيد سبط رسول الله (صلّى الله عليه وآله) الأصغر : كان له جمال عظيم ، ونور يتلألأ في جبينه ، وخدّه يضيء حواليه في الليلة الظلماء ، وكان أشبه الناس برسول الله (صلّى الله عليه وآله) .

وقيل في وصفه أيضاً كما كان عن لسان الغلام الذي قُتل أبوه في المعركة ، واستشهد مع مَنْ استشهد من أصحاب الحسين (عليه السّلام) ، حيث إنّه برز إلى الأعداء وهو يرتجز ويقول :

أمـيري حسينٌ ونعمَ الأميرْ       سرورُ فؤادِ البشيرِ النذيرْ
عـلـيٌّ  وفـاطـمةٌ والداه       فهل تعرفونَ لهُ من نظيرْ
لهُ طلعةٌ مثلُ شمسِ الضّحى       لـهُ غـرّةٌ مثلُ بدرٍ مُنيرْ

وقال هلال بن نافع وهو يصف الإمام الحسين (عليه السّلام) في لحظاته الأخيرة : كنت واقفاً نحو الحسين (عليه السّلام) وهو يجود بنفسه ، فوالله ما رأيت قتيلاً قطّ مضمّخاً بدمه أحسن منه وجهاً ولا أنور ، ولقد شغلني نور وجهه عن الفكرة في قتله .


الصفحة (130)

وعن مسلم الجصّاص وهو يصف رأس الإمام الحسين (عليه السّلام) محمولاً على القنا في سوق الكوفة بقوله : إذا بضجّة قد ارتفعت ، فإذا هم أتوا بالرؤوس يقدمهم رأس الحسين (عليه السّلام) وهو رأس زهري قمري ، أشبه الخلق برسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، ولحيته كسواد السّبَج قد انتصل منها الخضاب ، ووجهه دارة قمر طالع ، والريح تلعب بها يميناً وشمالاً .

ورثاه الكعبي بقوله :

ومُـجرّحٍ  مـا غـيّرت منهُ القنا      حُـسناً ومـا أخـلقنَ مـنهُ جديدا
قد كانَ بدراً فاغتدى شمس الضحى      مـذ ألـبستهُ يـدُ الـدماءِ لـبودا

وقال في صفته أعداؤه ـ والفضل ما شهدت به الأعداء ـ كما عن لسان يزيد العدو اللدود للإمام الحسين (عليه السّلام) ؛ وذلك عندما جيء بالرؤوس إليه في الشام ، فأخذ يقلّب رأس أبي عبد الله الحسين (عليه السّلام) ويقول متشمّتاً :

يا  حبذا بردكَ في اليدينِ      ولونكَ الأحمرُ في الخدّينِ
كـأنّما حـفَّ بـوردتينِ      شفيت  نفسي بدمِ الحسينِ(1)

وبرواية اُخرى قال :

يـا حُـسنهُ يـلمعُ بـاليدينْ      يـلمعُ  في طشتٍ من اللجينْ
كـأنّـما حُــفَّ بـوردتينْ      كيفَ رأيتَ الضربَ يا حسينْ

شـفيتُ  غلّي من دمِ الحسينْ

 

 

وقال أيضاً وكان جالساً في منظرة على جيرون لمّا رأى السبايا والرؤوس على أطراف الرماح تُهدى إلى الشام ، وقد أشرفوا على ثنيّة جيرون :

لـمّا بـدتْ تلكَ الرؤوسُ وأشرقتْ      تـلكَ الـشموسُ على رُبى جيرونِ
نَعِبَ الغرابُ فقلتُ صحْ أو لا تصِح      فـقد اقـتضيتُ من الرسولِ ديوني

ـــــــــــــــــــــــ
(1) يبدو أن هناك خطأً وقع فيه المؤلِّف أو مَن أخذ عنه في نسبة الرجز إلى يزيد بن معاوية ؛ حيث إن المشهور بين المؤرّخين نسبته إلى مروان بن الحكم . ( موقع معهد الإمامين الحسَنَين)

الصفحة (131)

وضاءة العبّاس (عليه السّلام) وصباحته

وجاء في وصف أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) ، كما عن أبي الفرج الأصبهاني في مقاتل الطالبيِّين : وكان العبّاس رجلاً وسيماً جميلاً ، يركب الفرس المطهّم ورجلاه تخطّان في الأرض ، وكان يقال له قمر بني هاشم .

وقيل في صفته (عليه السّلام) أيضاً : ويقال له قمر بني هاشم لوضاءته وجمال هيئته ، وإنّ أسرّة وجهه تبرق كالبدر المنير ، فكان لا يحتاج في الليلة الظلماء إلى ضياء

وجاء في فرسان الهيجاء : أنّ أبا الفضل العبّاس (عليه السّلام) إنّما دُعي قمر بني هاشم ؛ لأن نور مُحيّاه كان يُضيء كلّ ظلمة ، وجمال هيئته كان يبهر كلّ ناظر ؛ فإنّ نور وجه أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) وجمال مُحيّاه كان بدرجة من العظمة والبهاء ، بحيث أنّه لو اتّفق أن رافق في الطريق ابن أخيه علي الأكبر الذي كان أشبه الناس خَلقاً وخُلقاً بجدّه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) اصطفّ أهل المدينة في طريقهما ليتفرّجوا على جمالهما ، ويزوروا مُحيّاهما ، ويتزوّدوا من نور إيمانهما ومعنوياتهما العالية .

نعم ، ورث أبو الفضل العبّاس (عليه السّلام) من آبائه وأجداده حسن السيرة وجمال الصورة ، واجتمع فيه بعد أخويه الإمامين الهمامين الحسن والحسين (عليهما السّلام) كلّ آيات الحسن والجمال ، وعلامة الشرف والجلال ، حتّى عُرف عند الجميع بـ ( قمر بني هاشم ) .


الصفحة (132)

الخصّيصة السادسة عشرة

في أنّه (عليه السّلام) قمر العشيرة

العشيرة هي القبيلة ، وقبيلة أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) من طرف الأب لبّ قريش ومخّها ، وأشرف العرب وأكرمها ، أعني قبيلة بني هاشم والهاشميِّين .

كما إنّ قبيلة أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) من طرف الاُمّ هي قبيلة بني كلاب من آل الوحيد ، وكانوا من أبرز القبائل العربية شرفاً وأظهرهم مناقب ، وأجمعهم بالمآثر الكريمة والأخلاق النبيلة ؛ ولذلك جاء اختيار عقيل بن أبي طالب (عليه السّلام) عندما استشاره الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) في الزواج من أكرم بيوتات العرب وأشجعها على هذه القبيلة ، فاختار له منها كريمة قومها وعقيلة أسرتها فاطمة الوحيديّة الكلابيّة اُمّ البنين (عليها السّلام) .

العبّاس مفخرة بني هاشم

ومن الطبيعي لكل عشيرة وقبيلة أن تنتخب نوادر شخصياتها ونوابغ رجالها ؛ لتجعلهم قدوة تقتدي بهم ، وأُسوة حسنة لغيرهم ، وعلماً تفتخر على الآخرين بهم ، ونبراساً تستلهم من نورهم .

والعباس ابن أمير المؤمنين (عليه السّلام) هو مَنْ تفوّق بين القبيلتين في كلّ معاني الخير والجمال ، والشجاعة والشهامة ، والفصاحة والنباهة . لقد كان في حسن السيرة والأخلاق قمّة ، وفي جمال الوجه والمُحيّا روعة .


الصفحة (133)

كان وجهه كالقمر ليلة البدر ، حيث إنّه ورث الجمال من آبائه وأجداده ، وفعاله كالشمس في ضاحية النهار ، حيث إنّه قد تأدّب على يدي أبيه الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) وأخويه الإمامين الهمامين الحسن والحسين (عليها السّلام) ؛ ولذلك أسرع بنو هاشم عشيرته من ناحية الأب إلى الافتخار به والاعتزاز بشخصيته ، فأطلقوا عليه وبكلِّ كفاءة لقب ( قمر بني هاشم ) ، فاشتهر العبّاس (عليه السّلام) بهذا اللقب بين الهاشميين ، ثمّ فشا لقبه هذا وبكلِّ سرعة بين الناس .

آل الوحيد ومفخرتهم

وهنا لمّا رأى بنو كلاب من آل الوحيد ابن اُختهم العبّاس ابن أمير المؤمنين (عليه السّلام) متفوّقاً على كلّ أفراد عشيرتهم في الجمال والجلال ، متميّزاً على كلّ قبيلتهم في المكارم والكمال ، وهو بنبوغه هذا فخر لعشيرتهم وعزّ لقبيلتهم ، ولا بدّ أن يعتزّوا به ويفتخروا بانتسابه إليهم ؛ ليزدادوا بين العشائر وجهةً ، ويكتسبوا عن طريقه في الناس رفعةً ومكانة ، ولئلاّ ينفرد بالافتخار به بنو هاشم وحدهم ويعتزّوا به دونهم ؛ جاؤوا وأطلقوا على ابن اُختهم العبّاس ابن أمير المؤمنين (عليه السّلام) لقب ( قمر العشيرة ) ، فعُرف (عليه السّلام) بعد ذلك به .

وهكذا حصل أبو الفضل العبّاس (عليه السّلام) على لقب قمر بني هاشم ، ولقب قمر العشيرة ، فهو بكل جدارة قمر العشائر والقبائل كلّها ، بل هو قمر متلألئ في سماء الإنسانية وآفاق البشرية جميعها ؛ يضيء لهم الدرب ويهديهم إلى الصراط المستقيم ، صراط علي أمير المؤمنين (عليه السّلام) والأئمة المعصومين من أهل بيت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، ويحذّرهم ظلام السّبل المعوجّة والملتوية ، سبل بني اُميّة وآل أبي سفيان ومعاوية ويزيد ، وكلّ مَنْ سار على طريقهم وسلك في سبيلهم .


 الصفحة (134)

الجمال وحسن الفعال

نعم ، إنّ صباحة الوجه ووضاءته من النعم الإلهية على الإنسان ، وقد جاء في تفسير قوله تعالى : ( يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ ) هو الوجه الحسن ، والصوت الحسن ، والشعر الحسن .

وبرواية اُخرى : (( إنّ الله جميل ويحبّ الجمال )) .

وقيل : ما أحسن لو يجمع الجمال مع حسن الفعال . يعني بأن يجمع إنسان جمال السيرة وجمال الصورة .

هذا وقد كان أبو الفضل العبّاس (عليه السّلام) من اُولئك القلائل المتميّزين ، بل المنفردين في عالم الجمال وحسن الفعال معاً ، فقد حاز (عليه السّلام) جمال السيرة في أعلى مراتبه ، كما أنّه قد فاز بجمال الصورة في أرفع مراقيه أيضاً ، حتّى اشتهر في الناس بقمر بني هاشم وبقمر العشيرة .

وإلى هذا المعنى أشار المرحوم العلاّمة الشيخ محمّد حسين الأصبهاني في قصيدته المعروفة في العبّاس (عليه السّلام) حيث يقول فيها :

وقـد تجلّى بالجمالِ الباهرِ      حتّى بدا سرّ الوجودِ الزاهرِ
غـرّتُهُ  الغرّاءُ في الظهورِ       تكادُ أن تغلبَ نورَ الطورِ
رقـى سماءَ المجدِ والفخارِ       بـالحقِّ يُدعى قمرَ الأقمارِ
بـل في سماءِ عالمِ الأسماءِ       كـالقمرِ البازغِ في السماءِ
بل عالمُ التكوينِ من شعاعهِ       جـلّ جلالُ اللهِ في إبداعهِ


الصفحة (135)

الخصّيصة السابعة عشرة

في أنّه (عليه السّلام) حامل اللواء

لقد عقد الإمام الحسين (عليه السّلام) لأخيه أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) لواءً ودفعه إليه منذ خروجه من الحجاز متوجّهاً إلى العراق ، وكان اللواء الأعظم يوم عاشوراء بيده (عليه السّلام) ؛ ولذلك كلّما استأذن للبراز قال له الإمام الحسين (عليه السّلام) : (( أنت صاحب لوائي ، وإذا مضيت تفرّق عسكري )) .

وقال بعض الشعراء عن لسان حال الإمام الحسين (عليه السّلام) حين وقف على أخيه العبّاس (عليه السّلام) :

لمَنْ اللوا أعطي ومَنْ هو جامعٌ       شملي وفي ضنكِِ الزحامِ يقيني
أمـنازلُ  الأقرانِ حاملُ رايتي       ورواقُ  أخبيتي وبابُ شؤوني
لـكَ موقفٌ بالطفِّ أنسى أهلهُ       حـربُ العراقِ بملتقى صفّينِ

وجاء في المناقب لابن شهر آشوب ما مضمونه : كان العبّاس السقّاء قمر بني هاشم صاحب لواء الإمام الحسين (عليه السّلام) وأكبر إخوته .

من مواصفات حملة الألوية

ومن المعلوم أنّ اللواء لا يعقد إلاّ لمَنْ عُرف بالشجاعة والشهامة ، والنبل والشرف ؛ لأنّ حامل اللواء هو مَنْ يريد ضمّ كلّ أفراد الجيش تحت لوائه ، ودرجهم في سلكه وظلاله ، فلا بدّ أن يكون ممّنْ يقبله الجميع ، ويرتضيه الكل من


الصفحة (136)

حيث الشرف والشجاعة حتّى ينتظموا في سلكه وينضووا تحت لواءه .

هذا مع أنّ اللواء في نفسه مفخرة كبيرة ، ومكرمة عظيمة ، ووسام شريف ، وله منزلة في نفوس الناس ولدى جميع الأمم والشعوب ، وعلى مرّ الأزمنة والعصور ، كما إنّ لحامل اللواء مكانة راقية ، ودرجة رفيعة ، ومرتبة سامية ، لا من حيث شجاعة حامل اللواء وشهامته فحسب ، بل من حيث انتظام الجيش واستماتته مقابل العدو .

فإنّه ما دام اللواء قائماً والعلم مرفوعاً يكون الجيش منتظماً وشمله ملتئماً ، وأفراده مقاومين ورجاله مستميتين ؛ حيث إنّ اهتزاز اللواء ورفرفته بيد حامله يعطي الأمل للمقاتلين ، ويبعث في نفوسهم القوّة والشجاعة ، ويرفع فيهم المعنويات القتالية العالية ، ويقرّبهم من الغلبة والنصر ، بينما إذا سقط اللواء انكسر الجيش وانهزم ، وتبدّد العسكر وتفرق ، وآل أمرهم إلى الاندحار والموت ، والأسر والسّبي .

ومن أجل ذلك كله يأتي انتخاب حملة اللواء ، وانتخاب أصحاب الألوية من وسط الشجعان والأعيان ، ومن خلال ذوي البيوتات والشرف ، ومن بين المعروفين بالنبل والكرم ، والدين والتقوى . كما إنّ ذلك كله كان هو الذي يدعو حامل اللواء إلى أن يبذل ما في وسعه للحفاظ على سلامة اللواء ، والاستماتة من أجل بقاء اللواء مرفوعاً عالياً ، خفّاقاً منشوراً على رؤوس أفراد الجيش ورجاله .

ومن أجل ذلك كلّه أيضاً نرى أنّ حملة اللواء وأصحاب الألوية في الإسلام كانوا غالباً ما يقون اللواء بأنفسهم ، فلا يدعون اللواء يسقط من أيديهم ما دام في أجسادهم حياة ، وفي أبدانهم رمق ، وفي قلوبهم ضربان ، وفي شرايينهم دم ينزف ، فإذا قطعت يمناهم أخذوا اللواء بيسارهم ، وإذا قطعت يسراهم أخذوا اللواء بركبتيهم ، وهكذا كانوا يحمون اللواء بأنفسهم عن السقوط حتّى يسلّموه إلى كفؤ آخر غيرهم ، كما اشتهر ذلك في حقّ جعفر بن أبي طالب في حرب مؤتة .


الصفحة (137)

مع أصحاب الرايات

ولقد جاء في تعليمات الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) فيما يخصّ آداب الحرب والقتال ـ كما في نهج البلاغة ـ ، حيث يقول (عليه السّلام) : (( . . . ورايتكم فلا تميلوها ولا تخلوها ، ولا تجعلوها إلاّ بأيدي شجعانكم والمانعين الذمار منكم ؛ فإنّ الصابرين على نزول الحقائق هم الذين يحفّون براياتهم ، ويكتنفونها حفافَيها , ووراءها وأمامها ؛ لا يتأخّرون عنها فيسلموها , ولا يتقدّمون عنها فيفردوها . . . )) .

وما كان الإمام الحسين (عليه السّلام) ليتخطّى تعليمات أبيه الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) فيما يخصّ حامل اللواء ؛ ولذلك اختار لحمل لوائه أخاه الأكبر أبا الفضل العبّاس (عليه السّلام) ، وكان كما اختاره الإمام الحسين (عليه السّلام) كفؤاً بحمل اللواء ، وأهلاً للقيام بحقّه .

حيث إنّه (عليه السّلام) وحفاظاً على سلامة اللواء وبقائه مرفرفاً خفّاقاً بقي في آخر مَنْ بقي مع الإمام الحسين (عليه السّلام) ، مع شدّة ضيق صدره وكثرة أسفه وهمّه من فَقْد إخوته وأبناء إخوته ، وعظيم اشتياقه للقاء العدو ومنازلتهم ، وكبير تلهّفه على الانتقام منهم ومقاتلتهم ؛ فإنّه (عليه السّلام) مع كلّ ذلك لم يشفِ قلبه من الأعداء بالبراز إليهم امتثالاً لأمر أخيه الإمام الحسين (عليه السّلام) الذي كان يقول له كلّما استأذنه للبراز : (( أنت صاحب لوائي ، وإذا مضيت تفرّق عسكري )) .

كما إنّه لمّا استسقى لأطفال أخيه الإمام الحسين (عليه السّلام) الذين أضرّ بهم العطش ، وذلك في المرّة الأخيرة التي انجرّت إلى شهادته ، لم يسمح لنفسه ما دام له رمق بترك اللواء وسقوطه ، فإنّه لمّا قطعوا يديه يمينه وشماله احتفظ باللواء من السقوط بساعديه وعضديه ، وألصقه بهما إلى صدره ، وإنّما سقط اللواء بسقوطه (عليه السّلام) من على جواده ، وذلك بعد أن رشقوه بالنبل كالمطر ، وخاصةً عندما خسفوا هامته بعمدٍ من حديد ، فهوى إلى الأرض مع اللواء منادياً : يا أخي ، أدرك أخاك .


الصفحة (138)

أوّل مَنْ عقد له اللواء

نعم ، لقد كان أبو الفضل العبّاس (عليه السّلام) حامل لواء أخيه الإمام الحسين (عليه السّلام) ، كما كان أبوه الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) حامل لواء أخيه وابن عمّه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، فلقد كان لواء الحقّ بيد أنبياء الله وأوليائه ؛ حيث كان أوّل مَنْ عقد اللواء وحمله هو شيث بن آدم (عليه السّلام) على ما قيل ، ثمّ انتقل إلى خليل الرحمن النبي إبراهيم (عليه السّلام) ، ومنه إلى ابنه إسماعيل الذبيح (عليه السّلام) ، ومنه إلى ابنه نابت بن إسماعيل (عليه السّلام) ، ومنه إلى أبنائه وأحفاده أجداد النبي (صلّى الله عليه وآله) وآبائه ، حتّى انتقل إلى قصي بن كلاب , ومنه إلى عبد مناف .

ثمّ ورثه منه ابنه هاشم ، ثمّ ابنه عبد المطلب ، ثمّ ابنه أبو طالب ، ثمّ صار اللواء إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فدفعها إلى أمير المؤمنين (عليه السّلام) فأصبح هو حامل لواء الرسول (صلّى الله عليه وآله) ، وأصبح من بعده ابنه العبّاس (عليه السّلام) حامل لواء الإمام الحسين (عليه السّلام) وعُرف بذلك ، أعني عُرف بأنّه (عليه السّلام) حامل اللواء .

اللواء مع الغنائم في الشام

ولقد جاء في التاريخ : إنّ جيش بني اُميّة بقيادة ابن سعد لمّا أغاروا على مخيّم الإمام الحسين (عليه السّلام) بعد الظهر من يوم عاشوراء ونهبوا ما فيه ، وكذلك جمعوا ما في ساحة الحرب من غنائم وبعثوا بها إلى الشام كان في جملتها اللواء الذي كان يحمله العبّاس (عليه السّلام) ، فلمّا وقع عين يزيد عليه وأجال بصره فيه تعجّب هو ومَنْ كان معه ، حيث رأوا أنّ هذا اللواء لم يسلم منه مكان إلاّ محل قبضته وموضع اليد منه ، فسأل يزيد متعجّباً وهو يقول : مَنْ كان يحمل هذا اللواء في كربلاء ؟


الصفحة (139)

قالوا : العبّاس بن علي (عليه السّلام) .

فلمّا سمع يزيد بأن حامله كان هو العبّاس (عليه السّلام) قام من مكانه وجلس ثلاث مرّات ؛ تعجّباً من شجاعة العبّاس (عليه السّلام) ، واندهاشاً من شهامته وبطولته ، ثمّ التفت إلى مَنْ حضره وقال : انظروا إلى هذا العلم ، فإنّه لم يسلم من الطعن والضرب إلاّ مقبض اليد التي تحمله ! إشارة إلى أنّ سلامة المقبض دليل على شجاعة حامله وشهامته ، حيث كان يتلقّى كلّ الضربات والرشقات بصبر وصمود دون أن يترك اللواء لينتكس ويدعه ليسقط .

ثمّ قال : أبَيت اللعن يا عبّاس ! هكذا يكون وفاء الأخ لأخيه . وهذا اعتراف من العدو في حقّ العبّاس (عليه السّلام) ، والفضل ما شهدت به الأعداء .

الألوية في الشعائر الحسينيّة

ثمّ إنّ هذا اللواء ، أعني لواء الحقّ الذي كان بيد الأنبياء والأولياء ، وحمله أبو الفضل العبّاس (عليه السّلام) في كربلاء ، وهو اليوم في يد إمام العصر وبقية الله في أرضه الإمام المهدي الحجّة بن الحسن (عجّل الله تعالى فرجه) , قد أُرمز إليه بالألوية والأعلام التي تُرفع في الشعائر الحسينيّة ، وتُنصب على الحسينيات ، وتُقام بباب المجالس والمحافل الدينية ، ويُطاف بها في المواكب والمآتم الحسينيّة ؛ إحياءً لسنن الحقّ ، وإبقاءً على معالم الإسلام ولوائه عالياً خفّاقاً على رؤوس المسلمين ، حتّى يأتي يوم تتوحّد فيها الأعلام والألوية ، وتذاب معها القوميّات والتعصّبات الجاهلية ، ولا يبقى لواء إلاّ لواء الإسلام ، ولا شعب غير شعوب المسلمين .

بل يدخلون الناس كلّهم في دين الله أفواجاً برغبة وطواعية ؛ لِما يرونه في الإسلام من منطق وعدل ، واحترام وسواسية ، فإلى ذلك اليوم المأمول والأمل المنشود .


الصفحة (140)

وهنا لا بأس بذكر هذه القضية التاريخية ، فإنّه قد جاء في التاريخ : إنّ الفاطميين كانوا يهتمّون اهتماماً كبيراً بالألوية والرايات والدرق ، حتّى أنهم خصّصوا مكاناً في مصر يُقال له : خزانة البنود ، اختزنوا فيها الأعلام والرايات والأسلحة ، والسروج ، واللجم المذهّبة والمفضضة ، وكانوا ينفقون عليها في كلّ سنة ثمانين ألف دينار ، ولمّا احترق ذلك المكان بما فيه قدّرت الخسارة الناجمة عن هذا الحريق بثمانية ملايين دينار ، وكان في جملة الألوية والرايات لواء يسمّونه ( لواء الحمد ) .


الصفحة (141)

الخصّيصة الثامنة عشرة

في أنّه (عليه السّلام) بطل العلقمي

وهوى بجنبِ العلقميِّ فليتهُ      لـلشاربينَ بهِ يُدافُ العلقمُ

وقال السّيد الطحان :

جرّعتَ  أعداءَكَ يومَ الوغى      فـي  حدِّ ماضيكَ من العلقمِ
وقد بذلتَ النفسَ دونَ الحمى      مـجاهداً  يـا بطلَ العلقمي

الياء في العلقمي ياء النسبة ، والمراد به نهر علقمة ، وهو نهر كان متفرّعاً من الفرات ومنشعباً منه ، وكان يمرّ بأرض كربلاء وضواحيها ويسقيها جميعاً ، وعلى مقربة منه صرع أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) وسقط شهيداً ، وذلك حيث يكون مرقده الشريف الآن .

قيل : إنّ هذا النهر ـ أي نهر العلقمي ـ كان هو النهر الوحيد الذي يجري في كربلاء أيام نزل الإمام الحسين (عليه السّلام) وأهل بيته بها ، وقد شهد هذا النهر بطولات كثيرة من أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) ، بطولات روحية وجسمية معاً .

العلقمي وبطولات العبّاس (عليه السّلام) الجسميّة

أمّا بطولات أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) الجسمية التي شهدها العلقمي منه فحدّث ولا حرج ، فلقد كان أوكل ابن سعد عمرو بن الحجاج مع أربعة آلاف

الصفحة (142)

فارس على العلقمي يحموا ماءه ذرّية رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، ويمنعونه من الإمام الحسين (عليه السّلام) وأصحابه وأهل بيته ، فاستقى العبّاس (عليه السّلام) منه لمعسكر الإمام الحسين (عليه السّلام) مرّات عديدة ، وذلك بعد أن فرّق جموع الموكّلين به وبدّد شملهم .

ومن المعلوم أنّ تفريق أربعة آلاف فارس عن العلقمي ، مع أنّ مهمّة هؤلاء الفرسان كان هو الحيلولة بينه وبين كلّ وارد إليه من أصحاب الإمام الحسين (عليه السّلام) ، وذلك بكل ما يملكونه من أسلحة وعتاد وجزم وعزم ، هو أمر عظيم لا يقدر عليه أحد سوى أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) ، حيث كان يحمل عليهم كالليث الغضبان ، ولا يعبأ بالسهام التي كانت تقبل نحوه كالمطر ، فكان جسمه الشريف يصبح من كثرة ما يصيبه من النبل والسهام كالقنفذ وهو لا يكترث بشيء من ذلك ، بل كان كلّ همّه اقتحام العلقمي والدخول فيه وحمل الماء إلى مخيّم الإمام الحسين (عليه السّلام) ومعسكره ، وكان يفعل في كلّ مرّة ذلك وبكلِّ جدارة .

العلقمي وبطولات العبّاس (عليه السّلام) الروحية

وأمّا بطولات أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) الروحية التي شهدها العلقمي من أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) فحدّث أيضاً ولا حرج ، فإنّ مَنْ يستطيع تفريق أربعة آلاف فارس ويقدر على تبديد جمعهم ، صحيح أنّه دليل على بطولته الجسمية الجسدية .

ولكن لولا قدرته الروحية الكبيرة التي لا تهاب من الإقدام على الموت ، ولا ترهب من اقتحام لجج الحرب المدمرّة لَما كان يستطيع التقدّم نحو العدو حتّى شبراً واحداً ، ولا أن يدنو من العلقمي بمقدار أنملة ، فكيف بأن يقتحمه ويملأ الوعاء منه ؟ فما ظهور بطولته الجسمية وبروز قوته الجسدية إلاّ عن دافع الروح القوية وقدرتها المعنوية العالية .


الصفحة (143)

ألم تسمع بخبر ابن الحنفية في وقعة الجمل ، وذلك على ما اشتهر عليه ابن الحنفية من البطولة والشجاعة ؟ فإنّه لمّا أمره أبوه أمير المؤمنين (عليه السّلام) بأن يحمل على القوم تريّث وأبطأ عن مهاجمتهم ومداهمتهم ، فلمّا استفسر (عليه السّلام) منه عن سبب تثاقله ؟ أجاب : بأنّه يتريّث انقطاع رشق السهام التي تتوالى نحوه كالمطر . فدفع (عليه السّلام) في صدره وقال له : (( لقد أصابك عرق من اُمّك )) .

ممّا يظهر منه أن موقف ابن الحنفية من رشق السهام ، مع قوّته الجسدية الفائقة ، كانت قد نتجت عن ضعف الروح التي لحقته من اُمّه ، وإلاّ فأبوه أمير المؤمنين (عليه السّلام) وهو مَنْ يُضرب بقوة روحه وعلو معنوياته المثل ، بينما اُمّ أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) هي اُمّ البنين (عليها السّلام) المعروفة ببيتها العريق في الشجاعة والبطولة ، والتي قد ورثت من آبائها الفروسية والشهامة ، وورّثتهما ابنها أبا الفضل العبّاس (عليه السّلام) .

فأبو الفضل وريث شجاعة أبيه أمير المؤمنين (عليه السّلام) واُمّه اُمّ البنين (عليها السّلام) ، ولا كلام في شجاعة مثله (عليه السّلام) روحاً وجسداً .

المواساة : بطولة معنوية

أضف إلى كلّ ذلك بطولته الروحية الاُخرى التي هي أعظم كلّ البطولات الروحية ، وأكبر كلّ القدرات المعنوية التي شهدها العلقمي من أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) ، ألا وهي بطولة المواساة وقدرة التغلّب على النفس ، وزمّ جماحها إلى الماء وتلهّفها إلى شربه .

فإنّ إنساناً مثل أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) قد كابد شحّ الماء وقلّته ، وأعطى حصّته من الماء لأطفال أخيه العطاشى ، وعانى من ثقل الحديد ومطاردة الأعداء ، وعانى حرّ الشمس وحرّ الحرب حتّى أصبح فؤاده كالجمر , وقلبه كالبركان ، قد دخل العلقمي وأحسّ ببرده ، فكان من الطبيعي له وبدافع حسّ العطش الكبير والظمأ الشديد ، وعبر حركة طبيعية أن تمتدّ يداه إلى الماء


الصفحة (144)

وتغترف منه غرفة لتقرّبه من فمه ، حتّى يُطفئ بها فورة العطش ، ويُخمد عبرها أوار الظمأ ، وكانت هذه الغَرفة من الماء وتعقيبها بثانية وثالثة واستساغتها .

ولكن حاشا لمثل أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) ربيب أمير المؤمنين (عليه السّلام) والمترعرع في حجر اُمّ البنين (عليها السّلام) أن ينزل إلى ما تتطلّبه طبيعته الجسدية ، ويسف إلى مستوى غرائزه الجسمية ، وقد تعلّم من أبيه واُمّه كيف يحلّق في سماء الفضيلة ويعلو في أجواء المعنويات الروحية ، وكيف يكبح جماح نفسه ويغلب فورة هواه ؛ ولذلك عندما قرّب الماء من فمه وتذكّر عطش أخيه الإمام الحسين (عليه السّلام) صبّ الماء على الماء ، وملأ القربة ماءً وخرج من العلقمي متّجهاً نحو الخيام ، وهو يخاطب نفسه ويقول :

يا نفسُ من بعدِ الحسينِ هوني       وبـعدهُ لا كنتِ أنْ تـكوني
هـذا  الـحسينُ واردُ المنونِ       وتـشـربـينَ باردَ المعينِ
تاللهِ مـا هـذا فـعـالُ ديني       ولا فـعـالُ صـادق اليقينِ

جفاف العلقمي واندثاره

نعم ، لقد شهد العلقمي هذه البطولات الروحية والجسمية من أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) وأعجب بها كما أعجب بصاحبها الأبي وراعيها الوفي أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) ، وراح يهتزّ له سروراً ، ويموج به مرحاً ، ويتبختر اعتزازاً وافتخاراً .

لكنه لمّا شهد مصرع هذا الشهم النفل ، واغتيال هذا الطاهر المبارك على مقربة من شواطئه وسواحله ، وضفافه وحافّته وهو ظامئ عطشان ، وذلك على أيدي الغدرة الفجرة ، والخونة الكفرة ، اُصيب بخيبة أمل كبيرة ، وفجع بمَنْ كان قد اعتزّ به وافتخر ، وبقي متحيّراً لا يدري ما يفعل ، ولا يعرف كيف يتصرّف في ردّ فعل منه على هذه الاُمور الصعبة التي وقعت بجواره ، والظروف القاسية التي جرت على


الصفحة (145)

مرأى منه ومسمع . حتّى إذا وقف على ضفافه الإمام الصادق (عليه السّلام) وخاطبه قائلاً : (( إلى الآن تجري ـ يا علقمي ـ وقد حرم جدّي منك ؟! )) .

وبراوية معالي السبطين : أنّه وقف عليه الإمام زين العابدين (عليه السّلام) عند رجوعه من الشام وخاطبه بقوله : (( منعت ماءك ـ يا علقمي ـ عن أبي عبد الله (عليه السّلام) وتجري ؟! )) . فاستحيى العلقمي من ذلك وعرف من مخاطبة الإمام الصادق (عليه السّلام) ، ومخاطبة الإمام السجاد (عليه السّلام) له كيف يتعامل مع الواقع المرّ الذي شهده ، والمنظر المفجع الذي رآه ؛ فغار من حينه وجفّ الماء ، وصار العلقمي بعد ذلك أثراً تاريخياً مسطوراً في كتب التاريخ ، ومدوّناً في ذاكرة الأيام ، حيث صار العبّاس (عليه السّلام) ينسب في بطولته وشجاعته إلى هذا النهر , ويعرف من بعد ذلك ببطل العلقمي .

ولنِعم ما قيل في هذا المعنى :

يـا  مـنْ إذا ذُكرتْ لديهِ كربلا      لـطمَ  الـخدودَ ودمعهُ قد أهملا
مهما تمرُّ على الفراتِ فقل : ألا      بُـعداً  لـشطّكَ يا فراتُ فمرّ لا

تـحلو فـإنّكَ لا هنيّ ولا مري

أيُـذادُ  نسلُ الطاهرينَ أباً وجدْ      عن ورودِ ماءٍ قد أُبيحَ لمَنْ وردْ
لو كنتَ يا ماءَ الفراتِ مِنَ الشّهَدْ      أيسوغُ لي منكَ الورودُ وعنكَ قدْ

صُـدّ الإمامُ سليلُ ساقي الكوثرِ

 

 


الصفحة (146)

الخصّيصة التاسعة عشرة

في أنّه (عليه السّلام) كبش الكتيبة

عـبّاسُ  كبش كتيبتي وكنانتي      وسريّ قومي بل أعزُّ حصوني

وقال الأُزري في رثائه للعبّاس (عليه السّلام) :

اليومُ بانَ عن الكتائبِ كبشُها      اليومُ  فلَّ عن البنودِ نظامُها

الكبش يطلق على البطل الشجاع الذي يعجز عن مقاومته الأبطال والشجعان ، علماً أنّ الشجاعة هي قوّة القلب ، ورباطة الجأش ، فقد روي : أنّ كسرى أنوشيروان سأل الحكيم (بوذر جمهر) عن الشجاعة ما هي ، فأجاب : إنّها قوّة القلب .

فقال له كسرى : لم لا تقول إنّها قوّة اليد ؟

فأجاب : إنّ قوّة اليد فرع على قوّة القلب .

كما يطلق الكبش أيضاً على مقدّم الجيش أميراً كان وملكاً ، ويطلق أيضاً على سيّد القوم وقائدهم ، والكتيبة يعني الجيش .

وفي العرف : إنّ الكبش لا يطلق في الحرب على أحد إلاّ على مَنْ تكاملت فيه معاني البطولة ، واجتمعت فيه خصال الرجولة والفروسيّة ؛ ولذلك لم يطلقوا هذا اللّقب في الإسلام على أحد قبل أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) إلاّ على الأشتر مالك بن حارث النخعي صاحب الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) ، حيث كانوا يطلقون عليه لقب كبش العراق , وقد عُرف به .


الصفحة (147)

كبش الكتيبة وسام عظيم

ثمّ إنّ أبا الفضل العبّاس (عليه السّلام) هو الذي فاز بهذا اللقب الكبير ( كبش الكتيبة ) من بين أصحاب الإمام الحسين (عليه السّلام) ، وأهل بيته الذين استشهدوا معه في يوم عاشوراء ، ولقد وسمه به أخوه الإمام الحسين (عليه السّلام) ، ومنحه إيّاه تقديراً على شجاعته وبطولته ، وتبجيلاً إيّاه على شهامته ومراجله .

فلقد كان ظهراً للإمام الحسين (عليه السّلام) على أعدائه ، وأمناً لنسائه وأطفاله ، ورعباً في قلوب مناوئيه والمجتمعين على قتاله ، فإنّ جيش ابن سعد كانوا يهابونه مهابة الكلب الأجرب من الأسد الغاضب ، ويخافون منه مخالفة الثعلب الجبان من الليث الغضبان .

وما قصة عرض الأمان عليه الذي جاء به الشمر من عند ابن زياد ، ولعبة إغرائه بالمال ، وعرض إمارة جيش ابن زياد عليه إلاّ خوفاً من سيفه وصارمه ، وذعراً من صولاته وسطواته ، وتخلّصاً من شدّته وبأسه . فلقد كانوا عرفوه من صفّين وهابوه منها ؛ لِما أبدى فيها من شجاعة وشهامة ، وصلابة وبسالة فكانوا لا ينامون ولا يهدؤون خوفاً من قوّة ساعده وفتك صمصامه ، حتّى قيل فيه :

قسماً  بصارمهِ الصقيلِ وإنّني      في غيرِ صاعقةِ السما لا أقسمُ
لولا القضا لمحا الوجودَ بسيفهِ      واللهُ يـقضي ما يشاءُ ويحكمُ

مصرع كبش الكتيبة

ولذلك لمّا صرع أبو الفضل العبّاس (عليه السّلام) واستشهد صابراً مظلوماً ، اشتدّ الحال على الإمام الحسين (عليه السّلام) ، وقال حين وقف على مصرعه معبّراً عن ذلك : (( الآن انكسر ظهري ، وقلّت حيلتي ، وشمت بي عدوّي )) .

وأمّا حال المعسكرين : معسكر


الصفحة (148)

الإمام الحسين (عليه السّلام) من نساء وأطفال ، ومعسكر ابن سعد من خيّالة ورجالة ، فقد أصبح كما قال الأُزري فيهم :

اليوم نامتْ أعينٌ بكَ لمْ تنم      وتسهّدتْ اُخرى فعزَّ منامُها

يعني إنّ أعين الأعداء التي كانت قد بقيت ساهرة خوفاً من سيف أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) وصارمه ، وذعراً من سطوته وصولته , قد آمنت بعد مصرعه ، ونامت هانئة بعد مقتله .

بينما حرم رسول الله (صلّى الله عليه وآله) والأطفال والنساء الذين كانوا يعتزّون بوجود أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) ، ويفتخرون بأنّه في معسكرهم ، وينامون آمنين ؛ لأن عيني أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) ساهرة في حمايتهم ، ويرقدون مطمئنّين ؛ لأنّ قلب أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) يقظان لحراستهم ، أصبحوا بعد قتله خائفين ، وعلى إثر مصرعه وجلين ؛ قد تسهّدت عيونهم وقلقت قلوبهم ، فعزّ منامهم وسهرت جفونهم ، واستسلموا للأسر والسبي ، وتوقّعوا السلب والنهب ، وقد وقع كلّ ذلك بعد استشهاد كبش الكتيبة أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) .

إني كبش كتيبتك

ثمّ إنّه جاء في بعض كتب المقاتل : أنّه لمّا أقبل الإمام الحسين (عليه السّلام) إلى مصرع أخيه أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) ورآه بتلك الحالة ، وقال فيه ما يقوله الأخ الشقيق في فراق أخيه العزيز ، أراد أن يحمله بعدها إلى المخيّم ، فقال له العبّاس (عليه السّلام) : ما تريد أن تفعل يا أخي ؟

فقال (عليه السّلام) : (( اُريد أن أحملك إلى المخيّم )) .

فقال العبّاس (عليه السّلام) : سألتك بحقّ جدّك رسول الله (صلّى الله عليه وآله) لما تركتني في مكاني هذا .

فقال (عليه السّلام) : (( ولماذا يا أخي يا أبا الفضل ؟ )) .

فقال أبو الفضل (عليه السّلام) : إني مستحٍ من ابنتك سكينة ، فقد وعدتها بالماء ولم آتها به ، ثمّ إنّي كبش كتيبتك فإذا رآني أصحابك


الصفحة (149)

مقتولاً فلربما قلّ عزمهم ووهنت إرادتهم .

فقال له أخوه الإمام الحسين (عليه السّلام) ، وهو يشكره على موقفه الجميل وشعوره الطيّب : (( جُزيت عن أخيك خيراً ، فلقد نصرته حيّاً وميّتاً )) .

وهكذا كان أبو الفضل العبّاس (عليه السّلام) ، فلقد نصر أخاه الإمام الحسين (عليه السّلام) في حياته ولم يقصّر عن نصرته حتّى بعد مصرعه واستشهاده ، وكلامه المذكور آنفاً إن دلّ على شيء فإنّما يدلّ على كبير وفائه ، وعظيم إخلاصه ، وتأدّبه مع أخيه وسيّده أبي عبد الله الحسين (عليه السّلام) وأهل بيته .

كما إنّه يدلّ على مهارته بفنون الحرب وخبرته بتعاليم القتال والمجابهة ، ممّا يدلّ كلّ ذلك على إنّه (عليه السّلام) قد نال بجدارة وسام كبش الكتيبة ، وكبش كتيبة الإمام الحسين (عليه السّلام) .


الصفحة (150)

الخصّيصة العشرون

في أنّه (عليه السّلام) حامي الظعينة

حامي الظعينةِ أينَ منهُ ربيعةٌ       أم أيـنَ مـن عليا أبيهِ مكدّمُ
فـي كتفهِ اليسرى السقاءُ يُقلّهُ       وبكفّهِ  اليمنى الحسامُ المخذّمُ
مـثـلُ السحابةِ للفواطمِ ريّهُ       ويصيبُ حاصبهُ العدوّ فيرجمُ

الظعينة هي المرأة في الهودج ، وجمع الظعينة هو : ظعائن وظُعُن . وأبو الفضل العبّاس (عليه السّلام) هو حامي الظعينة ، وحامي الظعن ، وحامي ظعينة كربلاء ، وحامي ظعينة الإمام الحسين (عليه السّلام) ، بل حامي ظعن الرسالة والنبوّة ، كما كان أخوه الإمام أبو عبد الله الحسين حامي الشريعة وأحكامها ، وحافظ الكتاب وحدوده ، ومن أحكام الشريعة وحدود الكتاب حماية الظعن وكفالة الظعينة .

فكان الإمام الحسين (عليه السّلام) كباقي الأئمّة من أهل البيت (عليهم السّلام) هو حافظ أساس هذا الحكم الإنساني والإسلامي ، وحامي أصله وفرعه ، وقد وكّل أبا الفضل العبّاس (عليه السّلام) لهذه المهمّة الإنسانية والإسلاميّة وهي حماية الظعن ، حتّى يقوم أبو الفضل العبّاس (عليه السّلام) بحماية موكب النساء والأطفال ذراري رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وحريمه الذين اصطحبهم معه في سفره إلى العراق ، فقام بها أحسن قيام ، وأدّاها أجمل أداء حتّى عُرف منها بهذا اللقب الكريم ، ووسم بهذا الوسام العظيم حامي الظعينة .


الصفحة (151)

إنّ الغيرة الإسلاميّة والإنسانية ، والكرامة النفسية والاجتماعية تحثّ الإنسان إلى حماية نسائه وأطفاله ، وتحضّه على توفير الأمن والأمان لهم ، وتدعوه إلى حياطتهم ورعايتهم ، وذلك في كلّ مكان وزمان ، في السفر والحضر ، وفي الحلّ والترحال ، وفي النزول والركوب .

ومَنْ أولى برعاية هذا الخلق النبيل من مؤسس الأخلاق ومهذّبه ، ومعلم الإنسانية ومزكّيها ، ومبلّغ الإسلام وحاميه الرسول الكريم (صلّى الله عليه وآله) والأئمة من أهل بيته (عليهم السّلام) ؟

ولذلك كانوا (عليهم السّلام) إذا أرادوا بنسائهم وأطفالهم السفر أركبوهم في هوادج مغطّاة بأغطية ومسدلة بستور حتّى يأمنوا من نظر الأجانب ، ويحفظوا من الحرّ والبرد ، وكذلك فعل الإمام الحسين (عليه السّلام) حين خرج بنسائه وأطفاله من مدينة جدّه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) متّجهاً نحو مكّة المكرّمة ومنها إلى العراق ، وأوكل بذلك أخاه الأغر وعضيده الوفي أبا الفضل العبّاس (عليه السّلام) .

وكان موكب النساء على إثر ذلك قرير العين هادئ البال ، مطمئن النفس والقلب ، إذ على رأسه سيّده الإمام الحسين (عليه السّلام) ، وفي حمايته أبو الفضل العبّاس (عليه السّلام) وسائر أبطال بني هاشم .

مع ربيعة بن مكدم

وفي البيت الأول الذي جعلناه مطلع هذه الخصّيصة يقول ناظمها السّيد جعفر الحلّي وهو يخاطب أبا الفضل العبّاس (عليه السّلام) : لقد نال أبو الفضل العبّاس (عليه السّلام) وبكلّ جدارة لقب حامي الظعينة ، وتفوّق في تضحيته من أجل ظعائن الرسالة والإمامة على جميع أقرانه ممّنْ ضرب به المثل في هذا المجال ، كربيعة بن مكدم الكناني .

وكان ربيعة واحداً من بني فراس بن غنم ، حيث عُرف بحامي الظعن حيّاً وميّتاً ، وأثنى عليه الشعراء وتغنّوا بموقفه الشجاع فخراً واعتزازاً ، وترنّموا بكبير


الصفحة (152)

شهامته وشدّة غيرته على ظعنه في كلّ موطن وموقف .

وكان من قصته على ما حكي من مجمع الأمثال عن أبي عبيدة : إنّ نبيشة بن حبيب السلمي خرج غازياً ، فلقي ظعناً من كنانة بالكديد فأراد أن يحتويها ، فمانعه ربيعة بن مكدم في فوارس ، وكان غلاماً له ذؤابة ، فشدّ نبيشة فطعنه في عضده ، فأتى ربيعة اُمّه فقال:

شدّي عليَّ العصبَ اُمَّ سيّارْ      فـقد رُزئتُ فارساً كالدينارْ

فأجابته اُمّه قائلة :

إنّـا بنو ربيعة بنِ مالكِ      نُـزرأُ  في خيارنا كذلكِ

ما بينَ مقتولٍ وبينَ هالكِ

 

ثمّ ضمّدت له جراحه وعصّبته ، فلمّا أراد أن يذهب إلى القوم استسقاها ماءً ، فقالت له اُمّه : اذهب فقاتل القوم ، فإنّ الماء لا يفوتك .

فرجع فكرّ على القوم فكشفهم ، ورجع إلى الظعن وقال لهنّ : إنّي ميّت من هذه الطعنة ، ولكن سأحميكنّ ميّتاً كما حميتكنّ حيّاً ؛ وذلك بأن أقف بفرسي على العقبة وأتّكئ على رمحي ، فإذا فاضت نفسي كان الرمح عمادي ، فالنجاء النجاء ؛ فإنّي أردّ بعملي هذا وجوه القوم ساعة من النهار .

فقطعت الظعن العقبة ، ووقف هو بإزاء القوم على فرسه متّكئاً على رمحه ، ونزف من الدم إلى أن فاضت روحه ، ومات وهو يتمنّى أن يأتي إليه مَنْ يحمله إلى أهله ويجعله بينهم ، ولكن خاب أمله ومات وهو معتمد على رمحه كأنّه حي ، والقوم بإزائه يحجمون عن الإقدام عليه .

فلمّا طال وقوفه في مكانه ورأوه لا يزول عنه رموا فرسه , فقمص الفرس وسقط ربيعة لوجهه على الأرض فعلموا أنّه ميّت ، فتوجّه القوم عندها لطلب الظعن فلم يلحقوهنّ . ومن هذه القصّة اشتهر أنّه لم يعرف قتيل حمى الظعائن مثل ربيعة بن مكدم .


الصفحة (153)

بين ربيعة والعبّاس (عليه السّلام)

ولكن أين ربيعة بن مكدم من أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) ؟ إنّ ربيعة لو كان حيّاً لافتخر بغيرة العبّاس على ظعائنه ، ولاندهش من شدّة غيرته ، وعظيم حيطته ورعايته لظعائنه ، إنّ ربيعة لمّا طعن راح يلتجئ إلى اُمّه كي تضمّد جرحه وتعصّبه ، فتقوم اُمّه بتشجيعه وبعث الحمية فيه ، بينما العبّاس (عليه السّلام) لمّا قطعوا يمينه أخذ يرتجز ويقول ما يبعث الغيرة في نفس كلّ سامع ، والحمية في قلب كلّ إنسان حرٍّ ، إنّه كان يقول : يمناي لديني ولإمامي ـ اللذين علّماني حماية الظعن والغيرة على الأهل والعيال ، وخاصّةً على مثل ربيبات الرسالة والإمامة ـ الفداء والوقاء .

نعم ، إنّ ربيعة بن مكدم يطلب الماء من اُمّه ليروي به عطشه فتصرفه اُمّه عن شرب الماء ، وتوقفه على أنّ حماية الظعن أهمّ من انشغالك بشرب الماء وهنّ معرّضات للخطر ، بينما أبو الفضل العبّاس (عليه السّلام) يدخل العلقمي فاتحاً للماء ، ويقتحمه مستولياً عليه ، ويدني الماء من فمه ويقرّبه إلى فيه بلا أي مانع ولا رادع ، ودون أي انشغال به ، وتثبّط له على الأمر الأهم الذي هو حماية ظعائن الرسالة والإمامة .

فإنّه (عليه السّلام) مع أنّ الماء في متناوله ورحابه ، والشرب جائزاً له ومباحاً عليه ، أعرض عن شرب الماء مواساةً لأخيه وسيّده الإمام الحسين (عليه السّلام) ولظعائن النبوّة والولاية ، وصرف نفسه عن الالتذاذ بشرب الماء مع شدّة العطش وعظيم ظمأه ؛ ليشتغل بالأهم من ذلك ألا وهو حماية الظعن والسّقاية لهنّ .

إنّ ربيعة يقف بفرسه على العقبة ويتّكئ على رمحه حتّى إذا نزف دمه ومات يبقى معتمداً على رمحه ؛ إنّه أراد بذلك ردّ وجوه القوم عن الظعائن ساعة من النهار ، ثمّ لمّا رموا فرسه ، قمص الفرس ، سقط على وجهه إلى الأرض ميّتاً .


الصفحة (154)

فعل ربيعة كلّ ذلك ولكنه كان يتمنّى عند سقوطه أن يأتي إليه مَنْ يحمله إلى أهله ، ويجعله بين أسرته وينقذه من غربته ووحدته ، بينما أبو الفضل العبّاس (عليه السّلام) لمّا سقط من على ظهر جواده وأتاه أخوه الإمام الحسين (عليه السّلام) كالصقر المنقض ، وأراد أن يحمله إلى المخيّم يأبى عليه أبو الفضل العبّاس (عليه السّلام) ذلك ، ويقسمه بحقّ جدّه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أن يدعه في مكانه ؛ حتّى لا تندهش الظعائن بقتله , ولا تنذعر ربيبات الرسالة والإمامة بنبأ استشهاده ، وحتّى لا يستسبع العدو لفقده ، ولا يتجاسر على اقتحام المخيّم بعد موته ولو ساعة من النهار ، أي بمقدار ما بقي خبر شهادته مخفيّاً عليهنّ وعليهم .

الإمام الحسين (عليه السّلام) وحماية الظعائن

وهكذا فاق أبو الفضل العبّاس (عليه السّلام) كلّ أقرانه في هذه المكرمة النبيلة ، وزاد عليهم أيضاً في التضحية من أجلها ، والفداء في حمايتها حيّاً وميّتاً ، حتّى صار هو وحده الجدير بهذا اللقب الكريم حامي الظعينة .

نعم ، إنّ الإمام الحسين (عليه السّلام) هو الإمام المنصوص عليه من عند الله تبارك وتعالى ، والإمام المنصوص عليه هو إمام في كلّ المحاسن والمكارم ومنها مكرمة حماية الظعن ؛ ولذلك يكون الإمام الحسين (عليه السّلام) هو السبّاق حتّى في هذه المكرمة .

ويكفي له دليلاً موقفه (عليه السّلام) بعد سقوطه من ظهر جواده في يوم عاشوراء ؛ حيث إنّه (عليه السّلام) بقي بعدها مدّة طريح الأرض وقد أعياه نزف الدم ، والقوم يهابون الدنوّ منه والاقتراب إليه ، وقد اختلفوا بينهم في حياته وموته ، فمن قائل : إنّه قد مات ، ومن قائل : إنّه لم يمُت ، وإنّما عمل هذا مكيدة .

فقال شمر بن ذي الجوشن : اقصدوا مخيّمه ؛ فإن كان حيّاً لم تدعه غيرته الهاشمية أن يسكت عنكم


الصفحة (155)

فقصدوا الخيام فتصارخت النسوة وعلا أصواتهن ، فأراد الإمام الحسين (عليه السّلام) النهوض إليهم فلم يستطع ، فنادى بهم : (( ويحكم يا شيعة آل أبي سفيان ! إن لم يكن لكم دين وكنتم لا تخافون المعاد فكونوا أحراراً في دنياكم ، وارجعوا إلى أحسابكم إذ كنتم أعراباً )) .

فناداه شمر وقال : ما تقول يابن فاطمة ؟

قال : (( أقول : أنا الذي أُقاتلكم وتقاتلوني ، والنساء ليس عليهنّ جناح ، فامنعوا عتاتكم عن التعرّض لحرمي ما دمت حيّاً )) .

فقال شمر : لك هذا .

ثمّ صاح بالقوم : إليكم عن حرم الرجل فاقصدوه في نفسه ، فلعمري لهو كفؤ كريم . فقصده القوم وعطفوا عليه .

وإلى هذا المعنى أشار الشاعر الحسيني حيث يقول :

قالَ اقصدوني بنفسي واتركوا حرمي      قـد حـانَ حيني وقد لاحتْ لوائحهُ

فالإمام الحسين (عليه السّلام) إذاً مؤسّس هذه المكارم والمضحّي من أجلها ، وأبو الفضل العبّاس (عليه السّلام) هو خير مَنْ اقتدى بأخيه وإمامه الإمام الحسين (عليه السّلام) ، وفاز السّبق في هذه المكرمة ، ونال وسام حامي الظعينة وحامي الظعن ، وحامي ظعينة الإمام الحسين (عليه السّلام) بجدارة .


الصفحة (156)

الخصّيصة الواحدة والعشرون

في أنّه (عليه السّلام) المعروف بسبع القنطرة

السبع : يُقال للأسد ولكلّ حيوان مقدام فتّاك ، ويطلق على الرجل الشجاع البالغ في الشجاعة والإقدام .

والقنطرة : يقال للجسر ، ولكلّ ما بني على الماء من أنهار وجداول للعبور .

وسبع القنطرة يعني الرجل الشجاع الذي حمى الجسر من عبور الأعداء عليه ، وأثبت من نفسه جدارة الحراسة للجسر ، وسجّل عليه مواقف بطولية مشرّفة .

كيف عرف (عليه السّلام) بهذه الخصّيصة ؟

وإنّما عُرف أبو الفضل العبّاس (عليه السّلام) بسبع القنطرة ؛ لأنّه ـ على ما روي ـ قد أبدى من نفسه في حرب النهروان ـ والنهروان بلد من بغداد بأربعة فراسخ ـ جدارة عالية في حراسة القنطرة ، والجسر الذي كان قد أوكله أبوه أمير المؤمنين (عليه السّلام) مع مجموعة من الفرسان بحفظه يوم النهروان من الخوارج ، وسجّل عليه مواقف شجاعة وبطولات هاشمية مشرّفة .

فإنّه لم يدع بشجاعته وبسالته جيش الخوارج أن يعبروا من عليه ، ولا أن يجتازوه إلى حيث يريدون ، بل صمد أمامهم بسيفه وصارمه ، وصدّهم عمّا كانوا ينوونه بعزمه وبأسه ؛ ولذلك لمّا دخل وقت


الصفحة (157)

الصلاة وطلب الإمام أمير المؤمنين ماءً يتوضّأ به أقبل فارس والإمام (عليه السّلام) يتوضّأ ، وقال : يا أمير المؤمنين ، لقد عبر القوم ـ ويقصد بهم الخوارج ـ وإنهم عبروا القنطرة التي أوكل بها الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) ابنه العبّاس (عليه السّلام) مع مجموعة من الفرسان .

فلم يرفع الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) إليه رأسه ، ولم يلتفت إليه ؛ وذلك وثوقاً منه بشجاعة ولده المقدام أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) الذي أوكله بحفظ القنطرة من سيطرة الأعداء ، وأمره بحراستها من عبورهم عليها وتجاوزهم عنها .

هذا مضافاً إلى ما أخبره به رسول الله (صلّى الله عليه وآله) عن الله في شأن الخوارج ، وما يؤول إليه أمرهم وفتنتهم ، وما أطلعه (صلّى الله عليه وآله) على جزئيات قضيّتهم ، وكيفية مقاتلتهم له ، ومواقع نزولهم وركوبهم ، وسوء عواقبهم ومصارعهم .

على إثر ذلك كلّه أجاب الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) ذلك الفارس بقوله : (( إنّهم ما عبروا ولا يعبرونه ، ولا يفلت منهم إلاّ دون العشرة ، ويقتل منكم إلاّ دون العشرة )) . ثمّ قال (عليه السّلام) : يؤكد ذلك : (( والله ما كذبتُ ولا كُذّبت )) . فتعجّب الناس من كلام أمير المؤمنين (عليه السّلام) لذلك الفارس .

وكان هنالك مع الإمام رجل وهو في شكّ من أمره فقال : إن صحّ ما قال فلا أحتاج بعده إلى دليل غيره ، فبينما هم كذلك إذ أقبل فارس فقال : يا أمير المؤمنين ، القوم على ما ذكرت لم يعبروا القنطرة .

مع خوارج النهروان

ثمّ إنّ الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) صلّى بالناس صلاة الظهر وأمرهم بالمسير إليهم وهم دون القنطرة ، ثمّ حمل (عليه السّلام) عليهم بأصحابه حملة رجل واحد ، وذلك


الصفحة (158)

بعد أن أتمّ (عليه السّلام) الحجّة عليهم ، واستتابهم ممّا جنوه من قتل عبد الله بن خباب وبَقْر بطن زوجته وإخراج طفلها وقتله ، فرجع منهم ثمانية آلاف وبقي أربعة آلاف لم يتوبوا ، وقالوا له : لنقتلنّك كما قتلناه .

فحمل (عليه السّلام) عليهم ، واختلطوا فلم يكن إلاّ ساعة حتّى قتلوا بأجمعهم ولم يفلت منهم إلاّ تسعة أنفس ؛ فرجلان هربا إلى خراسان وإلى أرض سجستان وبهما نسلهما ، ورجلان صارا إلى بلاد الجزيرة إلى موضع يسمّى السّن ، ورجلان صارا إلى بلاد عمّان وفيها نسلهما إلى الآن ، ورجلان صارا إلى بلاد اليمن ، ورجل آخر هرب إلى البرّ ثمّ بعد ذلك دخل الكوفة وهو عبد الرحمن بن ملجم المرادي .

كما إنّه لم يقتل من أصحاب الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) إلاّ تسعة ، فكان كما أخبر به أمير المؤمنين (عليه السّلام) تماماً من دون زيادة ولا نقصان .


الصفحة (159)

الخصّيصة الثانية والعشرون

في أنّه (عليه السّلام) المعروف بالضيغم

حتّى إذا اشتبكَ النزالُ وصرّحتْ       صـيدُ الرجالِ بما تجنُّ وتكتمُ
وقـعَ  العذابُ على جيوشِ أُميّةٍ       مـن باسلٍ هو في الوقائعِ معلمُ
مــا  راعـهم إلاّ تقحّمُ ضيغمٍ       غـيـرانَ يـعجمُ لفظهُ ويدمدمُ

الضيغم هو الأسد ، ويقال : للرجل الشجاع البالغ في الشهامة والشجاعة ، والبطولة والإقدام ، وأبو الفضل العبّاس (عليه السّلام) عُرف بين الناس بالضيغم ؛ لكبير شهامته وعظيم شجاعته ، وشدّة بأسه وخفّة ساعده . فقد كان إذا قابله العدو وواجهه ضربه بضربة قاضية تأتي على حياته ، ولكن من سرعة الضربة وخفّة الساعد ، وحدّة السيف وقوّة القبضة كان لا يلتفت المضروب إلى ما جرى عليه .

فلو أنّه (عليه السّلام) كان قد ضرب رقبته بقي رأسه ثابتاً على جثّته ، فإذا فرّ لينجو بنفسه وتحرّك سبقه الرأس متقدّماً على الجثّة وسقط ومات .

وقد وصف السّيد جعفر الحلّي هذا المعنى من شجاعة أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) في قصيدته حيث يقول :

ما كرَّ ذو بأسٍ لهُ متقدّماً      إلاّ وفـرَّ ورأسهُ المتقدّمُ

مع أبي أيوب الهمداني

وجاء في كتاب صفّين لنصر بن مزاحم ، عن أبي روق الهمداني ، عن أبيه ،


الصفحة (160)

عن عمّ له يدعى بأبي أيوب قال : حمل يومئذ أبو أيوب على صفوف أهل الشام ثمّ رجع ، فوافق رجلاً صادراً قد حمل على صفوف أهل العراق ، ثمّ رجع فاختلفا بضربتين ، فنفحه أبو أيوب فأبان عنقه فثبت رأسه على جسده كما هو ، وكذب الناس أن يكون أبو أيوب قد ضربه ، وأرابهم أمره ، حتّى إذا دخل في صفوف أهل الشام وقع ميّتاً وندر رأسه ، فقال الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) : (( والله ، لأنا من ثبات رأس الرجل أشدّ تعجّباً منّي لضربته ! وإن كان إليها ينتهي وصف الضارب )) .

وغدا أبو أيوب إلى القتال ، فقال له علي (عليه السّلام) : (( أنت كما قال القائل :

وعلّمنا الضربَ آباؤنا    وسوفَ نعلّمه أيضاً بنينا ))

من مواقف العبّاس (عليه السّلام) في صفين

ولقد جاء في كتاب الكبريت الأحمر وغيره : بأن أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) قد اشترك مع أبيه أمير المؤمنين (عليه السّلام) في حرب صفّين وأبدى من نفسه مواقف بطولية مشرّفة ، أثبتت جدارته لمنازلة الأبطال ومقارعة الأقران ، ولعلّه منها ومن أمثالها عُرف عند الناس بالضيغم واشتهر لديهم به .

ومن تلك المواقف الشجاعة موقف احتلال الفرات وإزاحة جيش معاوية عن الماء ؛ فإنّ معاوية كان قد سيطر على الفرات ووكّل به آلاف المقاتلين ليمنعوه عن معسكر الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) ، حتّى أضرّ العطش بجيش الإمام (عليه السّلام) ، وعند ذلك ألقى الإمام (عليه السّلام) خطبة حماسية على أصحابه حرّضهم فيها على احتلال الفرات ، ثمّ انتدب لهذا الأمر سبط رسول الله (صلّى الله عليه وآله) الإمام الحسين (عليه السّلام) ، فحمل الإمام الحسين (عليه السّلام) مع جماعة من الفرسان ، وكان يعضده أخوه أبو الفضل العبّاس (عليه السّلام) حتّى احتلّوا الفرات ، وأزاحوا جيش معاوية عنه وارتووا من الماء .

ثمّ إنهم لم يقابلوا معاوية بالمثل وإنّما أباحوا الماء لهم ، ولم يمنعوهم عنه .


الصفحة (161)

العبّاس (عليه السّلام) بين الصّفَّين

ومن تلك المواقف الشجاعة لأبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) في صفّين خروجه مبارزاً بين الصّفَّين وعلى وجهه نقاب ، فهابه الناس وخافوا منه ، فانتدب له معاوية أبا الشعثاء ، فكبُر على أبي الشعثاء ذلك وأنف من الخروج إليه وقال : إنّ أهل الشام يعدّونني بألف فارس فلا يليق بي أن أخرج إليه ، ولكن سوف أبعث له أحد أولادي ، وكانوا سبعة .

وكلّما خرج إليه واحد منهم قتله حتّى أتى عليهم جميعاً ، فغضب أبو الشعثاء غضباً شديداً ، وامتلأ على هذا الشاب غيضاً وحنقاً وقال : لأخرجنّ إليه ولأثكلنّ بقتله والديه .

ثمّ خرج يشتدّ نحوه ، حتّى إذا اقترب منه حمل عليه فابتدره أبو الفضل العبّاس (عليه السّلام) بضربة قاضية أتت عليه وألحقته بأولاده السبعة ، عندها خافه جيش معاوية وهابوه ، ولم يجرأ أحد منهم بعد ذلك على مقارعته وقتاله ، ولا على مبارزته ومنازلته ؛ ممّا اضطرّه للرجوع إلى وحدته ومقرّه .

هذا من جهة جيش معاوية ؛ أمّا من جهة جيش الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) فقد تعجّبوا من شجاعة هذا الشاب وشهامته ، وتلهّفوا إلى معرفته والتطلّع عليه ، ولذلك عندما رجع هذا الشاب إلى مقرّه أقبل إليه الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) وهو يحبّذه ويستحسنه ، ثمّ أزال النقاب عن وجهه فإذا هو ولده قمر بني هاشم أبو الفضل العبّاس (عليه السّلام) .


الصفحة (162)

الخصّيصة الثالثة والعشرون

في أنّه (عليه السّلام) المعروف بالعبد الصالح

لعلّ أسمى المنازل وأرفع المقامات ، وأرقى الأوسمة ، وأرفع النياشين لأبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) هو وسام ونيشان العبد الصالح ، الذي وسمه به الإمام الصادق (عليه السّلام) ، وذلك في زيارته المعروفة التي نقلها عنه أبو حمزة الثمالي ، والتي جاء فيها : (( السّلام عليك أيّها العبد الصالح ، المطيع لله ولرسوله ولأمير المؤمنين والحسن والحسين صلّى الله عليهم وسلّم )) .

فإنّ تركيب كلمة العبد مع كلمة الصالح والتعبير به عن الإمام الصادق (عليه السّلام) في حقّ أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) ينبئ عن عظيم إيمان أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) بالله ، وشدّة عبوديته له ، وكبير إخلاصه وتسليمه لأمر الله ، وجميل هديه وصلاحه في نفسه إذ العبودية لله تعالى هي في نفسها منزلة المعصومين من الأنبياء والأوصياء ، وما مدح الله أنبياءه إلاّ بأنّهم عباده ، كما لم يعتزّ الأنبياء والأولياء إلاّ بكونهم عباد الله ، فإذا قرنت العبودية لله بالصلاح والهدى ازدادت نظارةً وجمالاً ، وعلواً وارتفاعاً .

عباد الله الصالحون في القرآن

قال تعالى في خصوص ( عباده الصالحين ) مبشّراً لهم من بين الناس كلّهم بوراثة الأرض والتمكين منها ، وإقامة العدل والقسط فيها : ( وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ

ـــــــــــــــــــ

(1) سورة الأنبياء / 105 .


الصفحة (163)

مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ ) .

قال الإمام أبو جعفر (عليه السّلام) كما في شرح الآيات الباهرة : (( هم آل محمّد صلوات الله عليهم )) .

وفي تفسير قوله تعالى : ( اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ ) . قال الإمام العسكري (عليه السّلام) ، عن آبائه (عليهم السّلام) : (( أي اهدنا صراط الذين أنعمت عليهم بالتوفيق لدينك وطاعتك ، وهم الذين قال الله تعالى فيهم : ومَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ النبيِّين وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ اُولئك رَفِيقاً )) .

وفي شرح الآيات الباهرة عن النبي (صلّى الله عليه وآله) أنّه قال : (( أمّا النبيّون فأنا ؛ وأمّا الصدّيقون فأخي علي ؛ وأمّا الشهداء فعمّي حمزة ؛ وأمّا الصالحون فابنتي فاطمة وأولادها الحسن والحسين )) .

استنتاج واستنباط

فعباد الله الصالحون في الآية الأولى ، كما عن الإمام أبي جعفر (عليه السّلام) : (( هم آل محمّد صلوات الله عليهم )) . وإذا كان كذلك فإعطاء الإمام الصادق (عليه السّلام) لعمّه أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) وسام ( العبد الصالح ) إدخال له (عليه السّلام) في آل محمّد (صلوات الله عليهم) .

كما إنّ عباد الله الصالحين في الآية الثانية حسب ما جاء تفسيرها عن النبيّ (صلّى الله عليه وآله) هم : ابنة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فاطمة الزهراء (عليها السّلام) وأولادها الإمامين الهمامين الحسن والحسين (عليهما السّلام) ، ومنح الإمام الصادق (عليه السّلام) عمّه أبا الفضل العبّاس (عليه السّلام) نيشان العبد الصالح حشر له (عليه السّلام) في أولاد فاطمة الزهراء (عليها السّلام) .

وليس ذلك بعجيب ، ألم يرو عن النبي (صلّى الله عليه وآله) أنّه قال : (( القريب مَنْ قرّبته المودّة )) ؟ ومَنْ أكبر مودّة من أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) لإماميه وسيّديه سبطي رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وريحانتيه الإمام الحسن والإمام الحسين (عليهما السّلام) ؟


الصفحة (164)

ألم ينقل عن فاطمة الزهراء (عليها السّلام) أنّها كانت تدعو العبّاس (عليه السّلام) ابناً لها ، وتعدّه في زمرة أولادها ؛ وذلك تقديراً لإخلاصه (عليه السّلام) ومودّته ، وشكراً له على تضحيته وحسن بلائه ؟

وممّا يذكر شاهداً على ذلك قصّة ذلك الزائر المعروف بالصلاح والسّداد ، والخير والتقوى الذي كان يزور الإمام الحسين (عليه السّلام) في كلّ يوم مرّتين وثلاث مرّات ، ولا يزور أبا الفضل العبّاس (عليه السّلام) إلاّ مرّة واحدة كلّ عشرة أيّام .

فإنّه بحسب نقل أحد العلماء الثقاة رأى ذات ليلة في المنام فاطمة الزهراء (عليها السّلام) فتقدّم إليها وسلّم عليها ، فأعرضت عنه ولم تعبأ به ، فتأثّر من ذلك وأحسّ بالتقصير من نفسه ، وأخذ يعتذر منها قائلاً : إنّي أعترف بالتقصير , ولكن اُريد يا سيّدتي أن تعرّفيني بتقصيري حتّى اجتنّبه ولا يتكرر عندي .

فقالت (عليها السّلام) : (( إنّ تقصيرك هو الإقلال من زيارة ولدي )) .

فأجاب وبكلّ انشراح قائلاً : إنّي أزوره يا سيّدتي في كلّ يوم أكثر من مرّة ، وأحياناً تصل زيارتي إلى ثلاث مرّات يومياً ، ولست تاركاً لزيارته (عليه السّلام) .

فقالت (عليها السّلام) له : (( صحيح إنّك تزور ولدي الإمام الحسين كذلك ، ولكنك لا تزور ولدي العبّاس إلاّ قليلاً )) .

نعم ، كان كلّ ذلك وليس هو ببعيد ، فقد تواتر عن النبيّ (صلّى الله عليه وآله) أنّه قال في حقّ سلمان الفارسي : (( سلمان منّا أهل البيت )) . وتواتر عنه (صلّى الله عليه وآله) النهي عن تسمية سلمان باسم ( سلمان الفارسي ) ، وأمر أن يسمّونه باسم ( سلمان المحمدي ) .

وإذا كان مثل ذلك في حقّ سلمان تقديراً لولائه ومحبّته ، وشكراً له على حسن فعاله وعظيم بلائه ، فليس هو عن أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) بغريب من عظيم بلاء أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) يوم عاشوراء ، وكبير عنائه في الله تعالى ، وجميل تضحيته من أجل سيّده وإمامه وأخيه الإمام أبي عبد الله الحسين (عليه السّلام) .


الصفحة (165)

الإمام الكاظم (عليه السّلام) ووسام العبد الصالح

وممّا يدلّ على أنّ وسام العبد الصالح لأبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) إدخال له في آل محمّد (صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين) ، وحشر له في أولاد فاطمة الزهراء (عليها السّلام) ، هو منح الله تعالى الإمام موسى بن جعفر (عليه السّلام) الذي هو من آل محمّد (صلوات الله عليهم) بنصّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، وهو أيضاً من أولاد فاطمة الزهراء (عليها السّلام) من حيث النسب وسام العبد الصالح .

كما في تلك القصة المعروفة المنقولة في المناقب عن كتاب الأنوار : وهي أنّ هارون العباسي كان يحاول بشتّى الوسائل والطرق أن ينال من شخصية الإمام موسى بن جعفر (عليه السّلام) وأن يخدش سمعته ، فكان يتذرّع بكلّ الحيل والمكائد لإلقاء التهمة على الإمام (عليه السّلام) ، ويسعى في الافتراء عليه حتّى يتمكّن من قتله والانتقام منه علانية .

وذات مرّة فكّر في حيلة جديدة وهي أن ينفذ إلى الإمام جارية له كانت ذات جمال ووضاءة بعنوان أنّها تخدمه في السجن ؛ ليتسنّى له أن يتّهمه عبرها ويفتري عليه بواسطتها . فما أن جاء بها السجّان إلى الإمام (عليه السّلام) رفض قبولها منه ، وقال له : (( قُل لهارون : ... بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ , إنّه لا حاجة لي في هذه ولا في أمثالها )) .

فلمّا رجع السجّان إلى هارون وأخبره بالخبر استطار هارون غضباً وغيظاً ، وقال : ارجع إليه وقل له : ليس برضاك حبسناك ، ولا برضاك أخذناك ، ثمّ اترك الجارية عنده وانصرف .

فعل السجّان كلّ ما أمر به هارون ، وترك الجارية في السجن عند الإمام (عليه السّلام) ورجع ،


الصفحة (166)

عندها قام هارون من مجلسه وأنفذ الخادم إليه ليتجسّس عن حالها ويستعلم أخبارها ، ولكن ما راع الخادم إلاّ أن رأى الجارية قد وقعت على الأرض ساجدة لربّها ، لا ترفع رأسها من سجدتها ، وهي في سجودها تكرّر تقديس ربّها وتنزيهه ، وتقول : قدوس قدوس ، سبحانك سبحانك ! فهرع الخادم إلى هارون ورفع إليه خبرها .

وهنا حيث رأى هارون عكس ما كان يتوقّعه من مكيدته هذه ، فإنّه كان يحاول بها النيل من الإمام (عليه السّلام) ، والتذرّع عبرها لإلصاق التهمة به والانتقام منه وقتله ، بينما قد انقلبت مكيدته إلى منقبة للإمام (عليه السّلام) ، ورفعة لشخصيته ومقامه ؛ ولذا تشبّث بكيل التهمة المتعارفة لدى فراعنة كلّ زمان وهو القذف بالسحر ، فالتفت إلى مَنْ كان عنده وقال : سحرها والله موسى بن جعفر بسحره .

تحوّل وانقلاب

ثمّ قال هارون : عليّ بالجارية . فاُتي بها وهي ترعد شاخصة ببصرها نحو السماء ، فانتهرها هارون قائلاً : ما شأنك ؟

قالت : شأني الشأن البديع ؛ إنّي كنت واقفة عند العبد الصالح وهو قائم يصلّي ليله ونهاره ، فلمّا انصرف عن صلاته التفتُ إليه وهو يسبّح الله ويقدّسه ، وقلت : يا سيّدي ، هل لك حاجة أعطيكها ؟

فقال لي متسائلاً : (( وما حاجتي إليك ؟ )) .

قلت : إنّي أُدخلت عليك لحوائجك .

فقال وقد أشار بيده إلى جانب من السجن : (( فما بال هؤلاء ؟ )) .

قالت : التفتُ إلى جانب الإشارة ونظرت فإذا روضة مزهرة غنّاء ، لا أبلغ


الصفحة (167)

آخرها من أوّلها بنظري ، ولا أوّلها من آخرها ، فيها مجالس مفروشة بالوشي والديباج , وعليها وصفاء ووصايف لم أرَ مثل وجوههم حسناً , ولا مثل لباسهم لباساً ؛ عليهم الحرير الأخضر والأكاليل والدرّ والياقوت ، وفي أيديهم الأباريق والمناديل ومن كلّ الطعام ، فخررت ساجدة لله تعالى ، خاشعة لعظمته ، مسلّمةً لأمره ، معترفة بما أنعم به على أوليائه ، وما أتحفهم به من عظيم كرامته ، وكنت في حالتي هذه حتّى أقامني هذا الخادم فرأيت نفسي حيث كنت .

فغضب هارون عندما سمع ذلك منها ، وازداد عليها غيظاً وحنقاً ، ثمّ أخذ يحاول التنويه لِما قالته والتشويه للحقائق التي أبدتها ، والتغطية على السامعين ؛ لذلك قال لها وبكلِّ غلظة : يا خبيثة ، لعلّك سجدت فنمت فرأيت ما قصصتيه علينا في منامك ، وما ذلك إلاّ أضغاث أحلام ؟!

فقالت وهي منبهرة بما رأته من الواقع ، ومتأثّرة به : لا والله ، ما رأيت كلّ ذلك إلاّ قبل سجودي ، وإنّما سجدت لمّا رأيت ما رأيت .

عندها اغتاظ هارون من كلامها بشدّة ، وقال : اقبض إليك هذه الخبيثة واحبسها حتّى لا يسمع أحد منها هذا الكلام .

قال الخادم : فأخذت الجارية وحبستها ، فأقبلت الجارية في الصلاة ، وكانت إذا سألت عن قصّتها وقيل لها في ذلك أجابت قائلة : هكذا رأيت العبد الصالح (عليه السّلام) .

قال فسألتها عن قولها : العبد الصالح .

فقالت : إنّي لمّا عاينت من الأمر ما عاينت ، ورأيت ما رأيت نادتني الجواري : يا فلانة ، ابعدي عن العبد الصالح حتّى ندخل عليه ، فنحن له دونك .

ثمّ قال : فما زالت كذلك حتّى ماتت قبل الإمام موسى بن جعفر (عليه السّلام) بأيام يسيرة .

ولا يبعد أنّ هارون أمر بدسّ السمّ إليها كما أمر بدسّ السمّ إلى الإمام الكاظم موسى بن جعفر (عليه السّلام) .


الصفحة (168)

السّلام على العبّاس في الصلاة

إذاً فكما أنّ الإمام موسى بن جعفر (عليه السّلام) الذي هو من أولاد فاطمة الزهراء (عليها السّلام) ، وهو من آل محمّد (صلوات الله عليهم) يدعى عند الله باسم العبد الصالح ، فكذلك يكون أبو الفضل العبّاس (عليه السّلام) عندما دعاه الإمام الصادق (عليه السّلام) باسم العبد الصالح ، وإذا كان كذلك شمل أبا الفضل العبّاس (عليه السّلام) التحية والسّلام المخصوص في تسليم الصلاة ؛ حيث نقول في التسليم الثاني ، أي بعد التسليم على رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بقولنا : السّلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته ، نقول بعدها : السّلام علينا وعلى عباد الله الصالحين .

فقولنا هذا في تسليم الصلاة يشمل وبكلِّ كفاءة أبا الفضل العبّاس (عليه السّلام) أيضاً ، فكلّ مصلِّ مسلم هو في الواقع يدعو لأبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) ويسلّم عليه في صلاته ، وذلك في كلّ يوم خمس مرّات على الأقل ، وهذا حظّ عظيم لا يناله إلاّ مَنْ هو أهل له كأبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) .

الصفحة (169)

الخصّيصة الرابعة والعشرين

في أنّه (عليه السّلام) المعروف بالعابد

قال الله تعالى : ( سِيَماهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِنْ أَثَرِ السّجُودِ ) .

وقال الإمام الصادق (عليه السّلام) : (( أفضل طبائع العقل العبادة )) .

وروى الصدوق في ثواب الأعمال عن أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) بأنّه كان يبصر بين عينيه أثر السجود .

وروي أيضاً خبر ورود الرؤوس ورأس أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) إلى الكوفة ، مسنداً عن القاسم ين الأصبغ بن نباته ، صاحب أمير المؤمنين (عليه السّلام) وحواريّه ، أنّه قال : قدم علينا رجل من بني دارم ممّن شهد قتل الإمام الحسين (عليه السّلام) وحضر وقعة كربلاء ، وهو مسودّ الوجه ، وكان قبل ذلك رجلاً جميلاً ، شديد البياض ، فقلت له : ما كدت أعرفك لتغيّر لونك ، فما هو السبب في ذلك ؟!

فقال بتلكّؤ وانفعال : لقد قتلت في كربلاء رجلاً من أصحاب الإمام الحسين أبيض ، بين عينيه أثر السجود ، وجئت برأسه إلى ابن زياد في الكوفة ، وهو يعني من الذي قتله أبا الفضل العبّاس (عليه السّلام) الذي كان بين عينيه من كثرة العبادة لله تعالى آثار العبادة والسجود .

قال القاسم : لقد رأيته على فرس له وقد علّق الرأس بلبانها ، وهو يصيب ركبتها ، فقلت عندها لأبي : لو أنّه رفع الرأس قليلاً حتّى لا تصيبه الفرس بيديها .

فقال لي أبي : يا بُني ، ما أُصيب به هو أشدّ ؛ لقد حدّثني قائلاً إنّه ما نام ليلة منذ أن قتل العبّاس بن علي (عليه السّلام) إلاّ وأتاه في منامه ، وأخذ بضبعه وقاده منطلقاً به إلى


الصفحة (170)

جهنّم وقذف به فيها حتّى يصبح .

قال القاسم : فسمعت امرأة بذلك الذي قاله إلى أبي ، وكانت جارة لذلك الرجل ، فقالت مؤيدة قول أبي : إنّ الرجل ما يدعنا ننام شيئاً من الليل من صياحه وصراخه .

قال القاسم : فقمت في مجموعة من شباب الحي وأتينا امرأة ذلك الرجل وسألناها عن أمر زوجها ، فقالت : إنّه قد فضح نفسه ، وأبدى سرّه ، وقد صدقكم .

سمة العابد : الحرية والتحرر

سمةُ العبيدِ من الخضوعِ عليهمُ      لـلـهِ إنْ ضـمّتهمُ الأسـحارُ
فإذا ترجّلت الضحى شهدت لهم      بـيضُ الـصوارمِ أنّهم أحرارُ

هذان البيتان من قصيدة للسيّد حيدر الحلّي يصف فيها الإمام الحسين (عليه السّلام) وأصحابه ، وفي طليعة أصحابه هو أخوه أبو الفضل العبّاس (عليه السّلام) ، كما هو واضح .

ونظم الدمستاني قصيدة أيضاً في وصف الإمام الحسين (عليه السّلام) والشهداء معه ، وفي مقدمة الشهداء أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) ، وقد جاء فيها :

ألا  تـرى أولـيـاءَ اللهِ كـيفَ قَلَتْ       طيبَ الكرى في الدياجي منهمُ المقلُ
يــدعـونَ  ربَّـهـمُ في فكِّ عنقهمُ       مـن رقِّ ذنـبـهـمُ والدمعُ ينهملُ
نُـحفُ الـجسومِ فلا يُدرى إذا ركعوا       قـسـيُّ نـبـلٍ هـمُ أمْ ركّعٌ نُبْلُ
خمصُ البطونِ طوىً ذبلُ الشفاهِ ظمىً       غـمـشُ الـعيونِ بُكاً ما عبّها كحلُ
يُـقالُ  مرضى وما بالقومِ من مرضٍ       وخـولـطـوا خبلاً حاشاهمُ الخبلُ
تـعـادلَ الـخوفُ فيهم والرجاء فلمْ       يُـفـرّط  بـهم طَمَعٌ يوماً ولا وجلُ
إنْ  يـنطقوا ذكروا أو يسكتوا شكروا       أو  يغبطوا غفروا أو يقطعوا وصلوا


الصفحة (171)

توضيـح وتبيين

نعم ، لقد أجاد السيّد حيدر الحلّي في بيتيه وأبدع ، وكذلك أبدع الدمستاني وأجاد ، غير أنّ وصف الإمام الحسين (عليه السّلام) ، وأخيه أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) ، وسائر أصحابه في قصيدة الدمستاني اقتباس من خطبة المتّقين التي خطبها الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) بالتعريف بالمتقين ، بينما وصف الإمام الحسين (عليه السّلام) ، وأخيه أبي الفضل العبّاس ، وسائر الشهداء في البيتين من قصيدة السيّد حيدر الحلّي تصوير لمعنى جميل ورد به الكتاب والنص الشريف ، وهو أنّ العبودية لله تعالى تساوي الحريّة في كلّ ما هو سوى الله تعالى .

فالعابد هو حرّ بمعنى الكلمة ؛ لأنّه بعبادته لله تعالى يستلهم الكرامة والإباء ، ويستوحي الحريّة وعزّة النفس ، والإنسان الحرّ لا يخضع لشيء من التهديد والتطميع ، ولا يركع أمام الهوى والمغريات ، ولا يكسره ما يحدق به من البلايا والرزايا وما يحيط به من المصائب والشدائد .

وأبو الفضل العبّاس (عليه السّلام) حيث كان هو العابد الناصح ، والناسك المخلص ، فإنّه كان كذلك أيضاً ؛ إذ هو إلى جنب عبوديته لله تعالى ، وظهور آثار السجود على جبهته ، وسيماء الصالحين في وجهه كان فوق التطميع والتهديد ، وأرفع من الإغراء والتسويل ؛ وموقفه المشرّف في كربلاء تجاه الإغراء من عرض الأمان ، والوعد بالجاه والمقام هو خير دليل على ذلك .

بين الرهبانيّة والماديّة

ثمّ لا يخفى أنّه ليس في الإسلام رهبانيّة صرفة كما ابتدعها النصارى ، ولا ماديّة صرفة كما اخترعها اليهود ، وإنّما الإنسان دين المعنويّات والماديّات معاً ،


الصفحة (172)

ودين الروح والجسم مجتمعين ، ودين الدنيا والآخرة مقترنين .

والنبيّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله) وأهل بيته الأطهار قد جمعوها معاً ؛ فكانوا في وقت واحد رهباناً وساسة ، وعُبّاداً وقادة ، وزهّاداً وسادة .

وكان أبو الفضل العبّاس (عليه السّلام) خير مَنْ اقتدى بهم (صلوات الله عليهم) في هذه الصفة ، وانتهج نهجهم في هذه الخصلة ؛ فكان راهباً في الليل ، يبيت لله تعالى قائماً وراكعاً وساجداً ، ويقضي ليله في عبادة ربّه حتّى بان على جبهته من شدّة عبادته لله تعالى وكثرة سجوده لربّه آثار العبادة ، وصار مصداقاً لقوله تعالى : ( سِيَماهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِنْ أَثَرِ السّجُودِ ) .

وفي نفس الوقت كان أسداً في النهار ، وقائداً في جيش أخيه الإمام الحسين (عليه السّلام) ، وحاملاً للوائه العظيم منذ بداية نهضته (عليه السّلام) وحتّى استشهاده هو في يوم عاشوراء وعلى أرض كربلاء ؛ فأبو الفضل العبّاس (عليه السّلام) هو العابد المتهجّد في الليل ، والأسد الباسل ، والمحنّك العاقل في النهار .

هذا ، وقد قال الشيخ المفيد في إرشاده في أخبار ليلة العاشر من المحرّم : إنّ الإمام الحسين (عليه السّلام) قام ليله كلّه يصلّي ويستغفر ، ويدعو ويتضرّع ، وقام أصحابه كذلك يصلّون ويدعون ويستغفرون .

ومن المعلوم أنّ أبا الفضل العبّاس (عليه السّلام) كان في طليعة أصحاب الإمام الحسين (عليه السّلام) في كلّ خير ومكرمة ؛ فإنّ أبا الفضل العبّاس (عليه السّلام) في ليلة عاشوراء مضافاً إلى قيامه بحراسة المخيّم كان في طليعة المتعبّدين لله تعالى ، والراكعين والساجدين له من بين أصحاب الإمام الحسين (عليه السّلام)

وقال السيّد ابن طاووس في كتابه المعروف ( اللهوف ) مثل ما قاله الشيخ المفيد في كتابه المزبور ( الإرشاد ) ، أنّه قال : وبات الإمام الحسين (عليه السّلام) وأصحابه تلك الليلة ولهم دويّ كدويّ النحل ، بين راكع وساجد ، وقائم وقاعد ، فعبر إليهم والتحق بهم في تلك الليلة من معسكر ابن سعد اثنان وثلاثون رجلاً على أثر ذلك ،


الصفحة (173)

وجاهدوا في يوم عاشوراء بين يدي الإمام الحسين (عليه السّلام) حتّى استشهدوا .

ومن الواضح أنّ أبا الفضل العبّاس (عليه السّلام) هو في مقدّمة الأصحاب في السبق إلى المكارم والفضائل ، وفي مقدّمة مَنْ كان مع الإمام الحسين (عليه السّلام) من أهل بيته أيضاً .

العابـد : هو المطيـع

ولقد ذكرنا فيما سبق أنّه جاء في زيارة أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) المرويّة عن الإمام الصادق (عليه السّلام) بسند معتبر ما يثبت لأبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) هذا الوسام المنيف ، ويحرز له هذا النيشان الشريف ؛ وذلك حيث يقول (عليه السّلام) : (( السلام عليك أيّها العبد الصالح )) .

فإنّ الإمام الصادق (عليه السّلام) الذي بيده موازين السماء ، ولا يمنح أحداً ما لا يستحق ، قد منح عمّه العبّاس (عليه السّلام) وسام العبوديّة لله تعالى ، مقروناً بوصف الصدق والصلاح ، وليس وساماً مجرّداً عن هذه الصفة ؛ فإنّ العبوديّة المحبوبة عند الله تعالى والممدوحة عند رسوله وأوصيائه هي العبوديّة المقرونة بالصدق والصلاح .

ثمّ يفسّر الإمام الصادق (عليه السّلام) معنى العبوديّة المقرونة بالصلاح التي أثبتها لعمّه أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) بقوله : (( المطيع لله ولرسوله ولأمير المؤمنين والحسن والحسين (صلّى الله عليهم وسلم )) ؛ فإنّ العبادة الخالصة ، والعبوديّة الصادقة هي الإطاعة لله تعالى ولرسوله (صلّى الله عليه وآله) والأئمّة الطاهرين من آل بيت الرسول (صلّى الله عليه وآله) .

وقد كان أبو الفضل العبّاس (عليه السّلام) المثل الأعلى ، والنموذج الأفضل في مضمار العبادة ، ومعنى الطاعة ، فهو إذاً بحقّ وجدارة العابد والمطيع .

الوحي ووسام العبوديّة

العبوديّة لله تعالى حيث تربط العبد بخالقه ، وتقطعه عمّن سواه ، وتفطمه عن


الصفحة (174)

العبوديّة لغير الله من الهوى والشهوات ، والطواغيت والشياطين .

هي أكبر الأوسمة ، وأعلى النياشين التي يمكن لإنسان أن ينالها منحة من السماء ، وهديّة من خالق الإنسان ؛ ولذلك نرى أنّ الله سبحانه وتعالى منح هذا الوسام ، وأهدى هذا النيشان إلى الصفوة من خلقه ، والخيرة من بريته ، ألا وهم الأنبياء (عليه السّلام) ، وعلى رأسهم الرسول الخاتم (صلّى الله عليه وآله) الذي خلق الله الكون لأجله ، وبرء الخلق في محبّته ومحبّة أهل بيته (عليهم السلام) ، فقال في محكم كتابه الكريم ومبرم خطابه العظيم ، واصفاً معراج رسوله الحبيب المصطفى (صلّى الله عليه وآله) : ( سُبْحَانَ الّذِي أَسْرَى‏ بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إلى‏ الْمَسْجِدِ الأَقْصَى‏ الّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا )(1) .

وقال تعالى واصفاً عبادة نبيّه الكريم ، واجتماع الجنّ للإسلام على يده : ( وَأَنّهُ لَمّا قَامَ عَبْدُ اللّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً )(2) .

كما وأمرنا أن نقول في تشهّد الصلاة : ( وأشهد أنّ محمداً عبدُهُ ورسولُهُ ) مقدّمين العبوديّة على الرسالة .

وقال تعالى في حقّ سائر أنبيائه : ( كَذّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ )(3) .

وقال عزّ من قائل : ( وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الأَيْدِي وَالأَبصَارِ )(4) .

وقال سبحانه وتعالى : ( وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ )(5) .

وقال سبحانه وتعالى : ( وَوَهَبْنَا لِدَاوُدَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إنّه أَوّابٌ )(6) .

وقال سبحانه وتعالى : ( وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيّوبَ إِذْ نَادَى‏ رَبّهُ أَنّي مَسّنِيَ الشّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ )(7) .

وقال تعالى على لسان عيسى بن مريم (عليه السّلام) : ( قَالَ إِنّي عَبْدُ اللّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً )(8) . وغير ذلك ممّا يدلّ على أنّ وسام العبوديّة خاصّ بالأنبياء والأوصياء ومَنْ حذا حذوهم ، كأبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) .

ـــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة الإسراء / 1 .
(2) سورة الجن / 19 .
(3) سورة القمر / 9 .
(4) سورة ص / 45 .
(5) سورة ص / 17 .
(6) سورة ص / 30 .
(7) سورة ص / 41 .
(8) سورة مريم / 30 .

الصفحة (175)

الخصّيصة الخامسة والعشرون

في أنّه (عليه السّلام) المعروف بالطيّار

الطيّار : صيغة مبالغة ، من طار يطير طيراناً ، ويصطلح اليوم على قائد الطائرة ومديرها ، فيقال لقائد الطائرة والمحترف لسياقتها في هذا الزمان : ( الطيّار ) .

ولكنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أطلق اسم الطيّار على ابن عمّه جعفر بن أبي طالب (عليه السّلام) ، كما إنّ ابنه الإمام زين العابدين (عليه السّلام) أطلق اسم الطيّار على عمّه أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) ؛ فعُرِفَ على إثرهما كلّ من جعفر بن أبي طالب (عليه السّلام) ، وأبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) بالطيّار ؛ وذلك لشبه كبير بينهما في التضحية ، وكيفية الشهادة في سبيل الله ، بحيث استحقّا بسببه النيل على وسام ( الطيّار ) .

الطيّـار الأول

أمّا جعفر بن أبي طالب (عليه السّلام) فهو ابن عمّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، وأخو الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السّلام) ، ورأس المهاجرين إلى الحبشة ، الذين استطاعوا إدخال الإسلام إليها ، وجذب النجاشي إلى الإسلام ، وقصته في التاريخ مندرجة وواضحة .

وهو الذي لمّا قدم من الحبشة كان قد تمّ فتح خيبر على يد أخيه الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) ، فالتزمه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وجعل يقبّل بين عينيه ، ويقول : (( ما أدري بأيهما أشدّ فرحاً ؟ بقدوم جعفر أم بفتح خيبر ؟ )) .


الصفحة (176)

وهو الذي بعثه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) إلى مؤتة لحرب هرقل ملك الروم ، ودفع الراية إليه ، واستعمل على الجيش معه زيد بن حارثة ، وعبد الله بن رواحة ، وقال : (( إن قُتِلَ جعفر فزيد بن حارثة على الناس ، وإن قُتِلَ زيد فعبد الله بن رواحة ، وإن أُصيب ابن رواحة فليرتضِ المسلمون أحدهم )) .

قال رجل من اليهود : إن كان محمّد نبيّاً كما يقول سيقتل هؤلاء الثلاثة ؛ لأنّه ما بعث نبي سرية وقال : إن قُتِلَ فلان فبعده فلان إلاّ وقُتِلَ . وكان كذلك ؛ فقد قُتِلَ هؤلاء الثلاثة ، ونالوا درجة الشهادة معاً .

من أنبـاء مؤتة

قال جابر : فلمّا كان اليوم الذي وقع فيه القتال صلّى النبي (صلّى الله عليه وآله) بنا الفجر ، ثمّ صعد المنبر فقال وهو يرى بأمر الله ساحة الحرب : (( قد التقى إخوانكم مع المشركين )) . فأقبل يحدّثنا بكرّات بعضهم على بعض إلى أن قال : (( لقد أخذ الراية جعفر بن أبي طالب (عليه السّلام) وتقدّم للحرب بها )) .

ثمّ بكى (صلّى الله عليه وآله) وقال : (( قُطِعَتْ يده ، وقد أخذ الراية بيده الاُخرى )) . ثمّ قال : (( قُطِعَتْ يده الاُخرى ، وقد ضمّ اللواء إلى صدره )) . إلى أن أخبر بشهادته ، فبكى عندها رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، وبكى جميع مَنْ حضر من المسلمين .

ولم يكن علي (عليه السّلام) حاضراً ، فعند ذلك دخل علي (عليه السّلام) في المسجد ، فلمّا بصر به النبيّ (صلّى الله عليه وآله) قال : (( إنّ علياً لا يطيق أن يسمع خبر أخيه فأنصتوا واسكتوا )) . فسكتوا .

فلمّا دخل علي (عليه السّلام) ونظر في وجوه الناس قال متسائلاً : (( يا رسول الله ، هل لك علم بأخي جعفر ؟ )) . فبكى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وقال : (( آجرك الله يا أبا الحسن في جعفر ، لقد قُتِلَ )) . فبكى أمير المؤمنين (عليه السّلام) وقال : (( إنّا لله وإنا إليه راجعون ، الآن انقصم ظهري )) .


الصفحة (177)

في دار جعفر

ثمّ نزل النبي (صلّى الله عليه وآله) عن المنبر وصار إلى دار جعفر ، فدعا بعبد الله بن جعفر فأجلسه في حجره ، فجعل يمسح على رأسه ، فقالت اُمّه أسماء بنت عميس : إنّك لتمسح على رأسه كأنّه يتيم ؟!

فقال (صلّى الله عليه وآله) وقد دمعت عيناه : (( لقد استشهد جعفر ، وقد قُطِعَتْ يداه قبل أن يُقتل )) . فبكت أسماء ، فقال (صلّى الله عليه وآله) لها : (( لا تبكي ؛ فإنّ جبرائيل أخبرني أنّ الله تعالى قد أبدله من يديه جناحين من زمرد أخضر ، فهو يطير بهما في الجنّة مع الملائكة كيف يشاء )) .

فهدأت أسماء لمّا سمعت ذلك وسكنت ، ثمّ قالت : يا رسول الله ، لو أعلمت الناس بذلك . فعجب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) من عقلها ، فقام ورقى المنبر والحزن يعرف عليه ، وقال : (( إنّ المرء كثير بأخيه وابن عمّه ، ألا إنّ جعفراً قد استشهد ، وجُعِلَ له جناحان يطير بهما في الجنّة )) . ثمّ نزل (صلّى الله عليه وآله) ودخل بيته ، وقال لفاطمة (عليها السلام) بعد أن أمرها أن تتّخذ طعاماً لأسماء بنت عميس ثلاثة أيام : (( يا فاطمة ، اذهبي فابكِ على ابن عمّك ، فإن لم تدعي بثكل فما قلت فقد صدقتِ )) .

فاجتمعت النسوة يساعدن أسماء بالبكاء على جعفر ، وفاطمة (عليها السلام) تقول : (( وا عمّاه ! )) . فقال (صلّى الله عليه وآله) : (( على مثل جعفر فلتبكِ الباكية )) .

وكان (صلّى الله عليه وآله) بعد ذلك إذا دخل بيته كثر بكاؤه على جعفر حتّى تقطر لحيته ، وهو يقول : (( اللّهمّ إنّ جعفراً قد قدم إليك إلى أحسن الثواب ، فاخلفه في ذرّيّته بأحسن ما خلفت أحداً من عبادك في ذرّيّته )) .

وجعفر الطيّار هذا قد أثنى عليه بعد الله تعالى ورسوله (صلّى الله عليه وآله) أمير المؤمنين (عليه السّلام) وسائر الأئمّة الطاهرين (عليه السّلام) ؛ ففي نهج البلاغة وفي كتاب للإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) إلى معاوية جاء فيه : (( إنّ قوماً قُطِعَتْ أيديهم في سبيل الله ، ولكلّ


الصفحة (178)

فضل ، حتّى إذا فُعل بواحدِنا ما فُعل بواحدهم قيل له : الطيّار في الجنّة ، وذو الجناحين )) .

الطيّار الثـاني

وأمّا العبّاس ابن أمير المؤمنين (عليه السّلام) ، فهو أخو الإمام الحسين (عليه السّلام) ، وابن والده ، وكافل أهل بيته ، وحامل لوائه ، وقائد جيشه ، وكبش كتيبته ، وحامي ظعنه ، وساقي عطاشى حرمه ، وأنفس ذخائره .

الأخ الناصح , الشقيق المدافع ، والمحامي الناصر ، والوفي المناجز ، أبو الفضل العبّاس (عليه السّلام) الذي لم يستطع صبراً على البقاء بعد أن رأى أخاه الإمام الحسين (عليه السّلام) وحيداً فريداً ، قد قُتِلَ جميع أصحابه وأهل بيته ، فأقبل أوّلاً نحو القوم فوعظهم وأرشدهم ، فلمّا لم يرَ أثراً فيهم أقبل نحو أخيه الإمام الحسين (عليه السّلام) بتواضع وتأدّب ، وطلب منه الرخصة للقتال ، قائلاً : هل من رخصة ؟

فلم يأذن له الإمام الحسين ، وقال له وهو يبكي بكاءً شديداً : (( يا أخي أنت صاحب لوائي ، والعلامة من عسكري )) .

فقال العبّاس (عليه السّلام) بالتماس وانكسار : قد ضاق صدري من هؤلاء المنافقين ، وأريد أن آخذ ثأري منهم ، فأمره الإمام الحسين (عليه السّلام) أن يطلب الماء للأطفال ، فركب العبّاس (عليه السّلام) جواده ، وأخذ القربة ، واتّجه نحو المشرعة ، فأحاط به أربعة آلاف ورموه بالنبال ، فلم يعبأ بهم ابن أمير المؤمنين ؛ أبو الفضل العبّاس (عليه السّلام) ، بل حمل عليهم وكشفهم عن المشرعة وحده ، ونزل إلى الفرات وملك الماء ، ولواء الحمد يرفّ منشوراً بيده ، ويلوح خفّاقاً على رأسه .

وروى البعض بأنّ الموكّلين بالشريعة واصلوا حملاتهم على أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) ست مرّات ، وكان في كلّ مرّة يحمل عليهم فيكشفهم حتّى أبعدهم في المرّة الأخيرة عن المشرعة كثيراً ودخل الماء .


الصفحة (179)

الفرات في تصرّف العبّاس (عليه السّلام)

استولى أبو الفضل العبّاس (عليه السّلام) استيلاءً كاملاً على الماء ، ولم يجرأ أحد من اُولئك الموكّلين بالماء بعد انكشافهم على أن يذوده عنه ويصدّه عن الشرب ، وعن أن يملأ القربة ماءً ؛ ولذلك أقبل أبو الفضل العبّاس (عليه السّلام) وبكلّ تؤدة واطمئنان ، وبدون أيّ خوف واضطراب على اغتراف غرفة من الماء ليروّي بها عطشه ، ويطفئ عبرها حرّ كبده .

لكنّه لمّا قرب الماء من فمه تذكّر عطش أخيه الإمام الحسين (عليه السّلام) ، كما وتذكّر وصيّة أبيه أمير المؤمنين (عليه السّلام) ، وقوله له : (( بُني عبّاس ، إذا كان يوم عاشوراء ودخلت المشرعة فإيّاك أن تشرب الماء وأخوك الإمام الحسين (عليه السّلام) عطشان )) ؛ لذا صبّ الماء على الماء ، وهو يقول : والله ، لا أذوق الماء وسيدي الإمام الحسين عطشان .

ثمّ خاطب نفسه :

يا نفسُ من بعدِ الحسينِ هوني       وبـعـدهُ لا كـنتِ وتكوني
هـذا  الـحسينُ واردُ المنونِ       وتـشـربـينَ باردَ المعينِ
تاللهِ مـا هـذا فـعـالُ ديني       ولا فـعـالُ صـادقِ اليقينِ

ثمّ ملأ القربة ماءً وركب جواده ، وتوجه نحو المخيّم فقطعوا عليه الطريق ، فوقع فيهم يحصد رؤوسهم ، ويختطف أرواحهم حتّى كشفهم عن الطريق ، وهو يقول :

لا  أرهـبُ الموتَ إذا الموتُ زقا      حـتّى  اُوارى في المصاليتِ لقى
نفسي لسبطِ المصطفى الطهرِ وقى      إنّـي  أنـا الـعبّاس أغدو بالسقا

ولا أخـاف الـشرَّ يـومَ الملتقى

 

 


الصفحة (180)

من أساليب العدو الجبان

عرف العدوّ عجزه ، وعدم قدرته على مقابلة العبّاس بن علي (عليه السّلام) وجهاً لوجه ، وخاف من جهة ثانية وصول الماء إلى مخيّم الإمام الحسين (عليه السّلام) ، فأخذ يفكّر في صدّه بالوسائل الجبانة ، ويتذرّع للتخلّص منه بما يتذرّع به الجبناء اللئام ، ففكّر في نصب الكمين له والإرصاد لقتله غدراً وغيلة ، وانتخب لتنفيذ هذه الخطّة الجبانة أشدّ الأعداء قساوة وأكثرهم شراسة وضراوة ألا وهو زيد بن الرقّاد الجهني ؛ فكمن له زيد من وراء نخلة ، وعاونه على ذلك حكيم بن الطفيل السنبسي فضربه على يمينه فقطعها ، فأخذ السيف بشماله ، وجعل يضرب فيهم ويقول :

واللهِ إنْ قـطعتمُ يـميني      إنّي اُحامي أبداً عن ديني
وعـن إمامٍ صادقِ اليقينِ      نجلِ النبيِّ الطاهرِ الأمينِ

ثمّ كمن له حكيم بن الطفيل من وراء نخلة فضربه على شماله فبراها ، فضمّ اللواء إلى صدره ، وهو يقول :

يا نفسُ لا تخشي من الكفّارِ      وأبـشري بـرحمةِ الجبّارِ
مـع الـنبيِّ السيّدِ المختارِ      قـد  قطعوا ببغيهم يساري

فـأصلهم  يا ربِّ حرَّ النارِ

 

 

الأعداء يمثّلون بالعباس (عليه السّلام)

عند ذلك أمِنَ الأعداء سطوة أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) وبأسه ، ولم يرهبوا بعد من سيفه ورمحه ، ولا من ضربه وطعنه .

وهل يملكُ الموتورُ قائمَ سيفهِ=ليدفعَ عنهُ الضيمَ وهو بلا كفِّ


الصفحة (181)

فتكاثروا عليه من كلّ جانب ينتقمون منه ويمثّلون به ، وأتته السهام كالمطر ، فأصاب القربة سهم وأُريق ماؤها ، وجاء سهم فأصاب صدره ، وسهم آخر أصاب عينه ، وحمل عليه رجل فقطع رجله اليمنى ، ثمّ حمل عليه آخر فقطع رجله اليسرى ، ثمّ حمل عليه ثالث فضربه بعمد من حديد على رأسه ففلق هامته ، وهوى (عليه السّلام) عندها من على ظهر جواده إلى الأرض ، وهو ينادي : يا أخاه ! أدرك أخاك .

فأتاه الإمام الحسين (عليه السّلام) ، فلمّا رآه بتلك الحالة انحنى عليه وبكى بكاءً شديداً عالياً ، وقال : (( وا أخاه ! وا عبّاساه ! الآن انكسر ظهري ، وقلّت حيلتي ، وشمت بي عدوّي )) ، ثمّ أنشأ يقول :

تـعـدّيتم  يـا شرَّ قومٍ ببغيكمْ       وخـالـفتمُ ديـنَ النبيِّ محمدِ
أما كانَ خيرُ الرسلِ أوصاكم بنا       أما نحنُ من نجلِ النبيِّ المسدّدِ
أمـا كانت الزهراء اُمّيَ دونكمْ       أمـا كان من خيرِ البريّةِ أحمدِ
لُـعنتم  وأُخـزيتم بما قد جنيتمُ       فـسوفَ تُـلاقوا حرَّ نارٍ توقدِ

وفي رواية أنّ الإمام الحسين (عليه السّلام) لمّا جاء إلى مصرع أخيه أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) ورآه بتلك الحالة جلس عنده ، وأخذ رأسه ووضعه في حجره ، وأخرج السهم من عينه ، ثمّ مسح الدم والتراب عن عينيه ، وكان (عليه السّلام) به رمق فتح عينيه في وجه أخيه الإمام الحسين (عليه السّلام) وبكى ، فقال له الإمام الحسين (عليه السّلام) بلوعة ورحمة : (( ما يبكيك يا أخي يا أبا الفضل العبّاس ؟ )) .

فقال (عليه السّلام) بصوت منقطع ضعيف : وكيف لا أبكي ، وقد جئتني ورفعت رأسي عن التراب وجعلته في حجرك ، ولكن بعد ساعة مَنْ يأتي إليك ليرفع رأسك عن التراب ويضعه في حجره ، ويمسح الدم والتراب عن وجهك ؟

وبينا هو يكلّمه وإذا به يشهق شهقة وفارقت الدنيا روحه الطيّبة ، عندها بكى الإمام الحسين (عليه السّلام) ونادى : (( وا أخاه ! وا عبّاساه ! )) .


الصفحة (182)

العبّاس (عليه السّلام) وإصابة السهم عينه

نُقِلَ عن المرحوم آية الله السيّد محمّد إبراهيم القزويني أنّه يؤم الناس في صلاة الجماعة في صحن الروضة المقدّسة لأبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) ، وكان يرق المنبر بعد انقضاء صلاة الجماعة ، الخطيب الشهير ، والواعظ المعروف آنذاك سماحة الشيخ محمّد علي الخراساني ، وفي ليلة من الليالي تعرّض سماحة الشيخ الخراساني في منبره لطريقة استشهاد أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) ، وتذكّر بالخصوص إصابة السهم عينه الكريمة ، فبكى المرحوم آية الله السيّد القزويني على إثر حكاية سماحة الشيخ الخراساني هذا المصاب بكاءً شديداً ، وتأثّر من ذلك تأثّراً كبيراً .

فلمّا نزل سماحة الشيخ الخراساني من المنبر قال له آية الله السيّد القزويني : شيخنا ، أرجو من سماحتكم أن لا تذكروا في منبركم مثل هذه المصائب العظيمة ، والرزايا المفجعة والمشجية التي يظنّ أنّه لا سند قوي لها ، ولا أصل ثابت يمدها ظاهراً .

ولكن المرحوم آية الله السيّد القزويني نفسه التقى سماحة الشيخ الخراساني في اليوم التالي وأخذ يعتذر من سماحة الشيخ ، ويطلب عفوه من اعتراضه عليه يوم أمس ، فلمّا سأله سماحة الشيخ الخراساني عن سبب الاعتذار أجاب قائلاً : لقد رأيت البارحة في منامي أبا الفضل العبّاس (عليه السّلام) فتشرّفت بخدمته ، وفزت بلقائه ، وسعدت بتنبيهه (عليه السّلام) إيّاي ؛ فإنّه (عليه السّلام) التفت إليّ مشيراً إلى ما جرى بيني وبينك بالأمس ، وقال مخاطباً إيّاي : أيّها السيّد ، كيف اعترضت على الشيخ الخراساني في ما ذكره من المصاب مع أنّك لم تكن حاضراً واقعة كربلاء ، ولم تكن شاهداً ما جرى عليَّ يوم عاشوراء ؟

اعلم أيّها السيّد إنّهم لمّا قطعوا يديّ


الصفحة (183)

غدراً وغيلة ، وظلماً وعدواناً ، رشقوني بالسهام كرشق المطر ، ورموني بالنبال رمي النار الشرر ، فأصاب عيني سهم منها ونبت في حدقتها ، فحاولت إخراجه وإزاحته من عيني ، وحيث أنّه لا يد لي حركت رأسي بشدّة ليقع السهم منها ، ولكن كلّما حركت رأسي لم يخرج السهم وإنّما وقعت العمامة من رأسي ، عندها رفعت ركبتي وقربت رأسي حتّى أخرج السهم بركبتي ، فإذا بي اُجابه بضربة عمد من حديد على رأسي أدّت بي إلى أن أهوى من على ظهر جوادي إلى الأرض .

قال السيّد : عندها بكيت واشتدّ بكائي ، وعلى إثره انتبهت من نومي نادماً حزيناً ، وعلمت أنّي كنت مشتبهاً في اعتراضي ، مخطئاً في انتقادي ، وأنا الآن استغفر الله وأتوب إليه ممّا صدر منّي .

الإمام الحسين (عليه السّلام) بعد مقتل العبّاس (عليه السّلام)

ثمّ إنّ الإمام الحسين (عليه السّلام) قام من عند مصرع أخيه أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) ، ورجع إلى المخيّم منكسراً كئيباً حزيناً باكياً ، وهو يكفكف دموعه بكمّه ، ويكتم آثار الحزن عن وجهه ؛ كي لا تراه النساء ، ولا تعرف ما اعتراه ، وقد تدافعت الرجال على مخيّمه ، فنادى بصوت عالٍ يسمعه الجميع ، ويعيه الكلّ ، قائلاً : (( أما من مغيثٍ يُغيثنا ! أما من مجيرٍ يُجيرنا ! أما من طالبِ حقٍّ يُنصرنا ! أما من خائفٍ من النارِ فيذبّ عنّا )) .

فأتته ابنته سكينه وأخذت بعنان جواده ، وقالت متسائلة : يا أبة , أين عمّي العبّاس , أراه قد أبطأ علينا بالماء ؟! فقال لها ، وقد تمالك نفسه : (( بُنيّة , استرجعي واصبري ؛ فإنّ عمّك العبّاس قد قُتِلَ )) .

فسمعته السيّدة زينب (عليه السّلام) فلم تملك نفسها حتّى صرخت ، ونادت : وا أخاه ! وا عبّاساه ! وا ضيعتنا بعدك ! فبكت النسوة ، وبكى الإمام الحسين (عليه السّلام) معهنَّ ، ونادى مواسياً لهن : (( وا ضيعتنا بعدك يا أبا الفضل ! )) .


الصفحة (184)

نـادى وقـد ملأ البواديَ صيحةً       صــمّ الـصخورِ لهولها تتألمُ
أأخـيّ  مَـنْ يحمي بناتَ محمدٍ       إذ صرنَ يسترحمنَ مَنْ لا يرحمُ
ما خلتُ بعدكَ أنْ تُشلَّ سواعدي       وتكفَّ باصرتي وظهريَ يُقصمُ
هـذا حسامُكَ مَنْ يذلُّ بهِ العِدى       ولــواكَ  هـذا مَـنْ بهِ يتقدّمُ
هـوّنتَ يابنَ أبي مصارعَ فتيتي       والـجرحُ يسكنُهُ الذي هو أألمُ
فـأكـبَّ مـنـحنيّاً عليه ودمعُهُ       صـبـغَ البسيطَ كأنّما هو عندمُ
قـد  رامَ يـلثمُهُ فلمْ يرَ موضعاً       لـمْ يُـدمِهِ عضُّ السلاحِ فيُلثمُ

 

بين الطيّارَين : العبّاس وجعفر (عليهما السلام)

نعم ، لقد شارك أبو الفضل العبّاس (عليه السّلام) في شهادته عمّه جعفر بن أبي طالب (عليه السّلام) ، وشابهه من حيث قطع يمينه وشماله قبل قتله ، ولكن زاد ابن الأخ على عمّه أن قطع العدو الحاقد رجلي أبا الفضل العبّاس (عليه السّلام) ، ورضخوا هامته بعمد من حديد ، وقطّعوه بسيوفهم إرباً إرباً ؛ ولذلك كان الإمام زين العابدين علي بن الحسين السجّاد (عليه السّلام) كلّما تذكّر عمّه العبّاس بكى وتذكّر به عمّه جعفر بن أبي طالب (عليه السّلام) وبكى عليه أيضاً .

وذات مرّة ـ كما في أمالي الصدوق عن أبي حمزة الثمالي ـ وقع نظره (عليه السّلام) على عبيد الله بن العبّاس ابن أمير المؤمنين (عليه السّلام) ، فاستعبر ثمّ قال : (( ما من يوم أشدّ على رسول الله (صلّى الله عليه وآله) من يومٍ قُتِلَ فيه عمّه حمزة بن عبد المطلب ، أسد الله وأسد رسوله ، وبعده يوم مؤتة قُتِلَ فيه ابن عمّه جعفر بن أبي طالب (عليه السّلام) .

ولا يوم كيوم الحسين ؛ ازدلف إليه ثلاثون ألف رجل يزعمون أنّهم من هذه الاُمّة ، كلّ يتقرّب إلى الله بدمه ، وهو يذكّرهم بالله فلا يتّعظون حتّى قتلوه بغياً وظلماً وعدواناً )) .

ثمّ قال : (( رحم الله عمّي العبّاس ؛ فلقد آثر وأبلى


الصفحة (185)

وفدى أخاه بنفسه حتّى قُطِعَتْ يداه , فأبدله الله بهما جناحين يطير بهما مع الملائكة في الجنّة كما جعل لجعفر بن أبي طالب (عليه السّلام) . وإنّ للعبّاس عند الله تبارك وتعالى منزلة يغبطه بها جميع الشهداء يوم القيامة )) .

ومن المعلوم إنّ كلمة ( جميع ) في قول الإمام زين العابدين (عليه السّلام) : (( يغبطه بها جميع الشهداء )) عامّة وشاملة ، فتشمل غير المعصومين عامّة حتّى مثل حمزة بن عبد المطلب وجعفر بن أبي طالب ؛ فإنّهم جميعاً يغبطون العبّاس بن علي (عليه السّلام) على منزلته ومقامه عند الله في القيامة ؛ وما ذلك إلاّ لعظيم بلائه ، وشديد محنته ، وكبير رزيته ؛ حيث إنّ جيش بني اُميّة في كربلاء نكّلوا به ، ومثّلوا بجسمه وهو حيّ ؛ وذلك حنقاً منهم عليه ، وحقداً وغيظاً منهم له ، وانتقاماً من شجاعته وشهامته .

فإنّهم من قساوتهم وضراوتهم لم يكتفوا باغتياله والغدر به بقطع يمينه ويساره ، وإنّما قطعوا رجله اليمنى ، وبتروا رجله اليسرى ، ورضخوا هامته ، وقطّعوه إرباً إرباً بعد أن رشقوه بالسهام حتّى صار جلده كالقنفذ من كثرة النبال التي نبتت في جسمه .

من أدلّة قساوة بني أميّة

ويدلّ على قساوة جيش بني اُميّة ، وأنّهم نكّلوا بالعباس (عليه السّلام) ، ومثّلوا به وهو حيّ ، وقطّعوه إرباً إرباً وهو بعد به رمق ، اُمور كثيرة نشير إلى واحدة منها ، وهي كالتالي :

جاء في التاريخ أنّ مرقد أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) أصابه ذات مرّة خسف ، واحتيج إلى التعمير والترميم ، وكان ذلك في زمان العلاّمة السيّد محمّد مهدي بحر العلوم ، المتوفّى أوائل القرن الثالث عشر الهجري القمري ، والذي كان هو واحد من


الصفحة (186)

كبار علماء الشيعة ، وكان كثيراً ما يتشرّف بزيارة الإمام المهدي صاحب العصر والزمان (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) ، وله المقام المرموق عند أهل البيت وشيعتهم ، فأخبروا العلاّمة بذلك ، فانتدب العلاّمة أحد المعماريين الماهرين لترميم المرقد الشريف ، وجاء معه إلى روضة أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) ، ونزلا معاً في السرداب الذي يقع فيه القبر الطاهر .

فلمّا وقع عين المعمار على القبر المبارك ورآه من حيث الحجم والمساحة أقل من الحجم والمساحة المتعارفة لبقيّة قبور الناس المتوسطين في الطول والقامة ، بينما يلزم أن يكون قبر العبّاس (عليه السّلام) مع ما اشتهر عن العبّاس (عليه السّلام) من طول القامة ، ورشادة الهيكل والهندام أن يكون في الحجم والمساحة أكبر وأطول من بقيّة القبور المتعارفة ، فتولّد في ذهن المعمار سؤال حول هذا الموضوع الذي أثار تعجّبه وحيرته ، فالتفت إلى العلاّمة السيّد بحر العلوم ، وقال له : أتأذن لي يا سيّدي في السؤال عن موضوع بدر إلى ذهني ، وأشغل بالي منذ رأيت قبر العبّاس بن علي (عليه السّلام) ؟

فقال له العلاّمة وبكلّ رحابة : نعم ، تفضّل واطرح سؤالك .

فقال المعمار ، والتعجّب ظاهر على ملامح وجهه ونبرات صوته : إنّ كلّ ما سمعناه وقرأناه عن أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) هو أنّه كان رشيداً ، طويل القامة ، بحيث إنّه إذا ركب الفرس المطهّم بقيت رجلاه تخطّان في الأرض خطّاً ، وهذا لا يتلائم مع صغر القبر وقصر مساحته طولاً ، وإنّما يستدعي امتداد مساحة القبر في الطول بصورة أكثر من القبور المتعارفة !

ثمّ أضاف قائلاً : فما هو ـ يا سيّدنا ـ حلّ ما سمعناه وقرأناه ، وهذا الذي نراه بأمّ أعيننا ؟!

طرح المعمار سؤاله على العلاّمة وبقي ينتظر الجواب على ذلك ، لكنّه فوجئ حيث إنّه لم يسمع من العلاّمة جواباً سوى رجعات صوت بكائه ، وزفرات حنينه وأنينه ، فندم المعمار من سؤاله ، وأخذ يعتذر من العلاّمة على إزعاجه وإبكائه ، فأجابه العلاّمة بعد بكاء طويل : إنّما سمعته وقرأته عن رشادة أبي الفضل العبّاس ، وطول قامته صحيح ، غير أنّ


الصفحة (187)

جيش بني اُميّة القساة نكّلوا بالعباس (عليه السّلام) ومثّلوا به ، وبتروا يديه ورجليه ، وقطّعوه بسيوفهم إرباً إرباً ، وسؤالك هذا عن صغر قبره ذكّرني بما جرى عليه (عليه السّلام) من المصائب والبلايا ، ونبّهني على عظيم مصاب الإمام زين العابدين (عليه السّلام) الذي جمع بيديه الشريفتين أشلاء عمّه العبّاس (عليه السّلام) ، ودفنه بنفسه الكريمة في هذا القبر الذي شقّه له بيديه ، فلم أتمالك نفسي ، وأخذتني العبرة وأجهشت بالبكاء .

مع بني أسـد

نعم ، إنّ صغر قبر أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) مع ما روي من رشادة أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) يذكّرنا بدناءة بني اُميّة وخسّتهم ؛ حيث قطّعوه بسيوفهم إرباً إرباً ، ويشير إلى عظيم محنة العبّاس (عليه السّلام) وجليل رزئه ، كما يوحى بثقل المصاب وشديد وطأته على الإمام زين العابدين (عليه السّلام) ، الذي جاء إلى دفن الأجساد الطاهرة ؛ دفن أبيه ، وأعمامه ، وإخوته ، وأهل بيته ، وأصحاب أبيه ، وذلك بعد ثلاثة أيّام من شهادتهم ، حيث إنّ جيش بني اُميّة رحلوا من كربلاء ، ولم يدفنوا أبدان الشهداء ، ولم يسمحوا لأحدٍ بدفنها .

فلمّا كان اليوم الثالث وأمِنَ الناس شرّ بني اُميّة وابن زياد أقبل بنو أسد رجالاً ونساءً ليدفنوا أجساد الشهداء ، فلم يعرفوا الأبدان لمَنْ هي ؛ لأنّ بني اُميّة كانوا قد احتزّوا الرؤوس من الأبدان وأخذوها معهم هديّة إلى الكوفة ، ومنها إلى الشام إلى الطاغية يزيد بن معاوية .

وبينا هم كذلك إذ أقبل عليهم عن طريق الإعجاز الإمام زين العابدين (عليه السّلام) ، فأخذ (عليه السّلام) يعرّفهم بالشهداء واحداً واحداً ، وقام بنو أسد يساعدونه (عليه السّلام) على دفنها ، وذلك بعد أن ارتفع صوتهم بالبكاء والعويل ، وسالت دموعهم على خدودهم كلّ مسيل ، ونشرت النسوة الأسديّات الشعور ولطمن الخدود .


الصفحة (188)

طوبى لأرض كربلاء

ثمّ مشى الإمام زين العابدين (عليه السّلام) إلى جسد أبيه فاعتنقه وبكى بكاءً عالياً ، وأتى إلى موضع القبر ورفع قليلاً من التراب , فبان قبر محفور ، وضريح مشقوق , فبسط كفيه تحت ظهره ، وقال : (( بسم الله وفي سبيل الله وعلى ملّة رسول الله ، صدق الله ورسوله ، ما شاء الله ، لا حول ولا قوّة إلاّ بالله العلي العظيم )) . وأنزله وحده ، ولم يشاركه بنو أسد فيه ، وقال لهم : (( إنّ معي مَنْ يعينني )) .

ولمّا أقرّه في لحده وضع خدّه على منحره المقدّس ، وقال : (( طوبى لأرض ضمّت جسدك الطاهر ! فإنّ الدنيا بعدك مظلمة ، والآخرة بنورك مشرقة . أمّا الليل فمسهّد ، والحزن سرمد ، ويختار الله لك دارك التي أنت بها مقيم ، وعليك السلام يابن رسول الله ورحمة الله )) .

ثمّ كتب على تراب القبر بسبابته : (( هذا قبر الحسين بن علي بن أبي طالب (عليه السّلام) الذي قتلوه عطشانَ غريباً )) .

عند جسد العبّاس

ثمّ إنّ الإمام زين العابدين (عليه السّلام) التفت إلى بني أسد ، وقال : (( انظروا هل بقي أحد ؟ )) .

فقالوا : نعم ، بقي بطل مطروح حول المسنّاة ، فإنّ هناك على مقربة من العلقمي جسداً آخر لم يُدفن بعد ، وهو جسد موذّر ، ومقطّع بالسيوف إرباً إرباً ، بحيث كلّما حملنا جانباً منه سقط الآخر .

فبكى (عليه السّلام) لمّا سمع قولهم ، وقال بأنين وزفير : (( أتعرفون يا بني أسد جسد مَنْ هذا ؟! إنّه جسد عمّي العبّاس (عليه السّلام) )) .

ثمّ مشى إليه , فلمّا وقع نظره عليه ألقى بنفسه على جسده يلثم نحره الطاهر ، وهو يقول :


الصفحة (189)

(( على الدنيا بعدك العفا يا قمر بني هاشم ، وعليك منّي السلام من شهيد محتسب ، ورحمة الله وبركاته )) . وشقّ له ضريحاً وأنزله وحده كما فعل بأبيه ، وقال لبني أسد : (( إنّ معي مَنْ يعينني )) .

المعصوم لا يلي أمره إلاّ المعصوم

لقد انتخب الإمام زين العابدين (عليه السّلام) لمواراة أجساد الشهداء اليوم الثالث من مقتل أبيه الإمام الحسين (عليه السّلام) ومَنْ معه ، وجاء بطريق المعجزة في ذلك اليوم إلى كربلاء ؛ لأنّه (عليه السّلام) كان في تلك الأيّام بحسب الظاهر مسجوناً مع بقيّة الأسرى في سجن ابن زياد في الكوفة .

وإنّما انتخب اليوم الثالث وجاء فيه إلى كربلاء لعلمه بمجيء بني أسد نساءً ورجالاً إلى مصارع الشهداء في هذا اليوم ، وهم يحاولون مواراة الأجساد الطاهرة ودفنها ، فيكونون خير أعوان له على هذه المهمّة العظيمة ، وأحسن شهود يشهدون هذا الواجب الشرعي المفروض .

وبالفعل فقد استعان الإمام زين العابدين (عليه السّلام) في دفن الشهداء الأبرار ومواراة أجسادهم الطاهرة ببني أسد ، ما عدا جسد أبيه الإمام الحسين (عليه السّلام) وجثمان عمّه أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) ؛ حيث قال (عليه السّلام) لبني أسد : (( إنّ معي مَنْ يعينني )) . وانفرد هو بتجهيزهما ، وقام وحده بمواراتهما .

وهذا من الإمام زين العابدين بالنسبة إلى أبيه الإمام الحسين (عليه السّلام) واضح لا غبار عليه ؛ وذلك لأنّ المعصوم لا يواريه إلاّ المعصوم ، فالإمام الحسين (عليه السّلام) معصوم , والإمام السجّاد (عليه السّلام) معصوم مثله فيلي أمره منفرداً ، ويقوم بتجهيزه ومواراته لوحده .

ولكن هذا بالنسبة إلى عمّه أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) ، وقيامه بتجهيزه لوحده ، وانفراده بمواراة جسده الطاهر مع أنّه ليس من المعصومين ، ينبئ عن


الصفحة (190)

عظيم مقام أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) ، وعلوّ رتبته عند الله تعالى ، ورفيع منزلته ، وعلوّ شأنه عند أهل البيت (عليهم السلام) حتّى أنّه جعله في مصاف المعصومين ، وفي مستوى أهل البيت (عليهم السلام) الطاهرين المطهرين .

وأنعم بأبي الفضل العبّاس فإنّه أهل لذلك ؛ فلقد أثبت من خلال سيرته الطيّبة ، وسلوكه الجميل ، ومواقفه الإنسانيّة المشرّفة جدارته لهذا المقام المنيف ، وأهليّته لهذه المنزلة الرفيعة ، ألا وهي ولاية الإمام المعصوم أمره ، وتولّيه تجهيزه ومواراته ، وانفراده بكلّ ذلك ، قائلاً لبني أسد : (( إنّ معي مَنْ يعينني )) .

كما إنّه يدلّ على تأهيله لذلك من ذي قبل مشاركته أخاه الإمام الحسين (عليه السّلام) في تغسيل أخيه الإمام الحسن المجتبى (عليه السّلام) ؛ فإنّ الإمام الحسن (عليه السّلام) معصوم ، ولا يغسله إلاّ معصوم وهو الإمام الحسين (عليه السّلام) ، فمشاركة أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) ، ومشاطرته أخاه في هذه المهمّة العظيمة خير دليل على مكانة أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) ، ومقامه الشامخ عند رسول الله والأئمّة الأطهار (صلوات الله عليهم أجمعين) .

ولعلّه لأجل ذلك كلّه قال مرجع عصره وفقيه دهره الشيخ محمّد طه نجف في كتابه ( الإتقان ) : العبّاس ابن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السّلام) ، أبو الفضل هو أجلّ من أن يُذكر في هذا المقام ، بل المناسب أن يُذكر عند ذكر أهل بيته المعصومين (عليه وعليهم أفضل الصلاة والسّلام) .


الصفحة (191)

الخصّيصة السادسة والعشرون

في أنّه (عليه السّلام) المعروف بالشهيد

الشهيد : هو المقتول في سبيل الله .

والشهيد : هو الحي ، أي هو عند ربّه حيّ يرزق .

وقيل : سمّي الشهيد شهيداً ؛ لأنّ الله وملائكته شهود له في الجنّة ، والشهادة تكون للأفضل فالأفضل من الاُمّة ، وأفضلهم مَنْ قُتِلَ في سبيل الله ، مُيّزوا عن الخلق بالفضل ، وبيّن الله أنّهم ( أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِه ) .

وقيل : سمّي الشهيد شهيداً ؛ لأنّه حيّ لم يمت ، كأنّه شاهد ، أي حاضر .

وقيل : لأنّ ملائكة الرحمة تشهده .

وقيل : لقيامه بشهادة الحقّ في أمر الله حتّى قُتِلَ .

وقيل : لأنّه يشهد ما أعد الله له من الكرامة بالقتل .

وقيل غير ذلك .

السماء ووسام الشهيد

وكيف كان فإنّ مَنْ عُرِفَ من قبل السماء بالشهيد ، وتزيّن بوسام سماوي رفيع المستوى باسم الشهيد ، وتوفّق لحمل نيشان الشهادة من بين الشهداء جميعاً هم اثنان :


الصفحة (192)

أحدهما : من أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) المعصومين ، وهو سيّد الشهداء وأبو الأحرار ، سبط رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وريحانته ، وسيّد شباب أهل الجنّة ، الإمام الحسين (عليه السّلام) ؛ فإنّه هو الذي عُرِفَ من بين الأئمّة الأطهار من أهل البيت (عليهم السلام) بالإمام الشهيد ، مع أنّ الأئمّة الأطهار من أهل البيت (عليهم السلام) ، بل المعصومين الأربعة عشر (عليهم السلام) ما عدا الإمام الثاني عشر الإمام المهدي المنتظر (عجّل الله تعالى ظهوره) كلّهم استشهدوا في سبيل الله تعالى ، كما في الخبر المأثور : (( ما منّا إلاّ مقتول ومسموم )) .

فكلّهم (عليهم السلام) شهداء إلاّ أنّ الذي أُطلق عليه اسم الشهيد من بينهم هو الإمام الحسين (عليه السّلام) ؛ فقد روي أنّ جدّه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قال له : (( أنت شهيد هذه الاُمّة )) .

ثانيهما : من ذوي أهل البيت (عليه السّلام) ، وخاصّة الأئمّة الأطهار ، وحامّة المعصومين الأربعة عشر (عليهم السلام) ، وتالي تلوهم ، والمحلّق في مصافهم وأجوائهم ، وهو حامل لواء الإمام الحسين (عليه السّلام) ، وكبش كتيبته ، المواسي له بنفسه ، والمضحي من أجله ، بطل العلقمي ، أبو الفضل العبّاس ابن أمير المؤمنين (عليه السّلام) .

فلقد مرّ أنّ الإمام زين العابدين (عليه السّلام) كان كلّما تذكّر عمّه أبو الفضل العبّاس (عليه السّلام) قال في حقّه : (( . . . وإنّ للعبّاس عند الله تبارك وتعالى منزلة يغبطه بها جميع الشهداء يوم القيامة )) .

ومرّ أيضاً من الإمام زين العابدين (عليه السّلام) عندما جاء لمواراة جسد عمّه الطاهر أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) بكى وألقى بنفسه عليه ، وأخذ يلثم نحره الشريف وهو يقول : (( على الدنيا بعدك العفا يا قمر بني هاشم ، وعليك منّي السّلام من شهيد محتسب ، ورحمة الله وبركاته )) .

فإطلاق ( الشهيد ) من الإمام زين العابدين (عليه السّلام) على عمّه أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) هو وسام سماوي رفيع المستوى وسم به عمّه ؛ لأنّ المعصوم (عليه السّلام) هو الذي بيده معايير السماء ، وموازين الوحي ، وقد فوّض إليه تعالى جعل الحكم على المواضيع ، وإعطاء الحقّ لذي الحقوق ، ومنح الأوسمة السماوية لمستحقيها .

وأبو الفضل العبّاس (عليه السّلام) هو مَنْ استحقّ وسام ( الشهيد ) مُنحةً

الصفحة (193)

من السماء لعظيم بلائه في الله ، وشدّة إخلاصه لله ، وكبير ولائه لأولياء الله ، فمنحه (عليه السّلام) وسام الشهيد ؛ وذلك ليس مجرّداً ، وإنّما مقروناً بكلمة ( محتسب ) ، أي الشهيد الذي نوى بشهادته وجه الله تعالى ، ورجا ثوابه وأجره ، كما إنّه ليس مجرّد الشهيد المحتسب ، بل الشهيد المحتسب الذي يغبطه على منزلته ، وعلوّ درجته يوم القيامة جميع الشهداء .

العبّاس (عليه السّلام) الشهيد المظلوم

وكذلك كان أبو الفضل العبّاس (عليه السّلام) ؛ فإنّ مواقفه المشرّفة في كربلاء ، وفي يوم عاشوراء وغيرها لهي خير دليل على ما قاله الإمام زين العابدين (عليه السّلام) في حقّ عمّه أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) ، وأجلى برهان على جدارة أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) بنيل هذا الوسام المنيف ، وسام ( الشهيد المحتسب ) .

كما وقد وسمه الإمام الصادق (عليه السّلام) بهذا الوسام العظيم أيضاً ، وذلك حين خاطبه بزيارته المعروفة بقوله : (( أشهد أنّك قُتِلْتَ مظلوماً )) .

وقد مرّ تفسير الشهيد : بأنّه المقتول في سبيل الله ، والإمام الصادق (عليه السّلام) يشهد لعمّه أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) بأنّه المقتول في سبيل الله ، فأبو الفضل العبّاس (عليه السّلام) إذن بشهادة الإمام الصادق (عليه السّلام) هو شهيد ، وليس مجرّد شهيد فحسب ، بل هو شهيد مظلوم ؛ لأنّه كما مرّ لم يأذن له أخوه الإمام الحسين (عليه السّلام) في البراز إلى الميدان ومقاتلة الأعداء ، وإنّما أذن له في الاستسقاء ، وطلب الماء للأطفال فقط .

ومعلوم إنّ الذي مهمّته طلب الماء والاستسقاء ليس كالذي يهمّه القتال ومنازلة الأبطال ؛ فإنّ مَنْ يهمّه القتال يتفرّغ له ، بينما مَنْ يهمّه الاستسقاء وطلب الماء يتفرّغ للاستسقاء دون القتال ، فلم يكن أبو الفضل العبّاس (عليه السّلام) في كربلاء مقاتلاً حتّى يشف صدره من


الصفحة (194)

الأعداء ، ويذهب غيظ قلبه بالانتقام منهم ، بل كان سقّاءً ، وقُتل من أجل الاستسقاء ، فقتل مظلوماً .

أضف إلى ذلك : أنّ الأعداء من دناءتهم وخستهم لم يبارزوه وجهاً لوجه ، وإنّما اغتالوه في كمين لهم ، فقتلوه غيلة وغدراً ، ومن قساوتهم وغلظتهم لم يكتفوا بقتله بضربة وضربتين ، وإنّما قطّعوه بسيوفهم إرباً إرباً بعد أن بتروا يديه ، وأبانوا رجليه ، وأصابوا عينيه ، وخسفوا رأسه ، وقتلوه مظلوماً ، فصدق عليه أنّه الشهيد المظلوم ، كما شهد له الإمام الصادق (عليه السّلام) بذلك .

الفارس إذا سقط من فرسه

وجاء في كتاب ( مقتل الإمام الحسين (عليه السّلام) ) للمقرّم : أنّ العالم الفاضل ، والخطيب البارع الشيخ كاظم السبتي ( رحمه الله ) قال لي ذات مرّة : أتاني بعض العلماء الثقاة وقال : إنّي رسول من قبل العبّاس (عليه السّلام) إليك , فقد رأيته (عليه السّلام) في المنام يعتب عليك ، ويقول : إنّ الشيخ كاظم السبتي لم يذكر مصيبتي ، ولم يتعرّض لها .

فقلت له : يا سيّدي ، ما زلت أسمعه يذكر مصائبك ويندبك بها !

فقال (عليه السّلام) : أعني هذه المصيبة فإنّه لم يذكرها ولم يتعرّض لها ؛ قل له يذكر هذه المصيبة للناس ، ويقول لهم : إنّ الفارس إذا سقط من فرسه يتلقّى الأرض بيديه ، فإذا كانت السهام في صدره ويداه مقطوعتان فبماذا يتلقّى الأرض ؟

وهذا أيضاً ممّا يدلّ على شدّة مظلوميّة أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) ، وكبير مصيبته وعظم رزيّته .

والمظلوم إضافة إلى وجوب نصرته وإعانته على ظالميه ، يستحب البكاء عليه وله ـ على ما في فقه الزهراء (عليه السّلام) ـ ، كما ويستحبّ مشاركة المفجوعين به في بكائهم له ؛ وذلك لتضمّنه تأييداً للمظلوم ونصرة له .


الصفحة (195)

وقد بكى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، وأنّ وحنّ لبكاء عمّته صفية على أخيها حمزة ، وأنينها له وحنينها عليه .

وفي فضل زيارة الإمام الحسين (عليه السّلام) ورد : أنّ فاطمة (عليها السلام) إذا نظرت إليهم ، ومعها ألف نبي ، وألف صدّيق ، وألف شهيد ، ومن الكرّوبيّين ألف ألف يسعدونها بالبكاء ، وإنّها تشهق شهقة فلا يبقى في السماوات ملك إلاّ بكى رحمة لصوتها . . .

مقام الشهيد وأجر الشهادة

وهنا إشارة إلى بعض ما لأبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) ، وسائر الشهداء عامّة من الفضل عند الله تبارك وتعالى ، قال تعالى : ( إِنّ اللّهَ يُحِبّ الّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ ) .

وقال سبحانه وتعالى : ( وَلاَ تَحْسَبَنّ الّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِم مِن خَلْفِهِمْ أَلاّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ * يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللّهِ وَفَضْلٍ وَأَنّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ ) .

وقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : (( أشرف الموت قتل الشهادة )) .

وعن النبي (صلّى الله عليه وآله) أنّه قال : (( فوق كلّ برٍّ برٌّ ، حتّى يُقتل الرجل في سبيل الله (عزّ وجلّ) فليس فوقه برّ )) .

وقال (صلّى الله عليه وآله) : (( إنّ أوّل مَنْ قاتل في سبيل الله إبراهيم الخليل (عليه السّلام) ، حيث أسرت الروم لوطاً (عليه السّلام) ، فنفر إبراهيم (عليه السّلام) واستنقذه من أيديهم )) .

وعنه (صلّى الله عليه وآله) أنّه قال : (( ما من قطرة أحبّ إلى الله من قطرة دم في سبيل الله ، وقطرة دمع في جوف الليل من خشية الله )) .

وعنه (صلّى الله عليه وآله) أنّه قال : (( وأجود الناس مَنْ جاد بنفسه وماله في سبيل الله )) .


الصفحة (196)

وعن علي (صلوات الله عليه) أنّه قال : (( أوّل مَنْ جاهد في سبيل الله إبراهيم (عليه السّلام) ، أغارت الروم على ناحية فيها لوط (عليه السّلام) فأسروه ، فبلغ ذلك إبراهيم (عليه السّلام) فنفر فاستنقذه من أيديهم ، وهو أوّل مَنْ عمل الرايات عليه أفضل السلام )) .

وفي تذهيب الشيخ الطوسي مسنداً عن علي بن الحسين (عليه السّلام) ، عن آبائه (عليه السّلام) قال : قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : (( للشهيد سبع خصال من الله :

الأولى : أوّل قطرة من دمه مغفور له كلّ ذنب .

الثانية : يقع رأسه في حجر زوجته من الحور العين ، وتمسحان الغبار عن وجهه وتقولان مرحباً بك ، ويقول هو مثل ذلك لهما .

الثالثة : يُكسى من كسوة الجنّة .

الرابعة : تبتدره خزنة الجنّة بكلّ ريح طيّبة أيّهم يأخذه معه .

الخامسة : أن يرى منزله .

السادسة : يُقال لروحه اسرح في الجنّة حيث شئت .

السابعة : أن ينظر إلى وجه الله ، وإنّها راحة لكلّ نبي وشهيد )) .


الصفحة (197)

الخصّيصة السابعة والعشرون

في أنّه (عليه السّلام) الصدّيـق

الصدّيق : هو الدائم التصديق ، ويكون الذي يُصدّق قوله بالعمل ، وقيل : الصدّيق هو المبالغ في الصدق ، وقيل : كلّ مَنْ صدّق بكلّ أمر الله لا يتخالجه في شيء منه شك ، وصدّق النبي (صلّى الله عليه وآله) فهو صدّيق ، وهو قول الله (عزّ وجلّ) : ( هُمُ الصّدّيقُونَ وَالشّهَدَاءُ عِندَ رَبّهِمْ ) .

هذا معنى الصدّيق من حيث اللغة وعلماء العربية .

وأمّا مَنْ هو الصدّيق من حيث الاصطلاح القرآني ، والسنّة النبويّة ، وأحاديث أهل بيت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ؟ فهو على ما يلي :

قال الله تعالى : ( وَالّذِينَ آمَنُوا بِاللّهِ وَرُسُلِهِ اُولئك هُمُ الصّدّيقُونَ وَالشّهَدَاءُ عِندَ رَبّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ ) .

وقال سبحانه : ( ومَنْ يُطِعِ اللّهَ وَالرّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِنَ النبيِّين وَالصّدّيقِينَ وَالشّهَدَاءِ وَالصّالِحِينَ وَحَسُنَ اُولئك رَفِيقاً ) .

وفي الخصال مسنداً عن النبيّ (صلّى الله عليه وآله) أنّه قال : (( الصدّيقون ثلاثة : علي بن أبي طالب (عليه السّلام) ، وحبيب النجّار ، ومؤمن آل فرعون )) .

وفي عيون الأخبار مسنداً عن النبيّ (صلّى الله عليه وآله) أنّه قال : (( لكلّ اُمّة صدّيق وفاروق ، وصدّيق هذه الاُمّة وفاروقها علي بن أبي طالب (عليه السّلام) )) .


الصفحة (198)

وفي روضة الكافي عن أمير المؤمنين (عليه السّلام) ، قال في خطبته المعروفة بخطبة الوسيلة : (( وإنّي النبأ العظيم ، والصدّيق الأكبر )) .

وفي شرح الآيات الباهرة مسنداً عن الإمام الصادق (عليه السّلام) ، عن آبائه عن أمير المؤمنين (عليه السّلام) ، أنّه قال في كلام طويل : (( والميّت من شيعتنا صدّيق شهيد ، صدّق بأمرنا ، وأحبّ فينا ، وأبغض فينا ، يريد بذلك وجه الله ؛ مؤمن بالله وبرسله ، قال الله تعالى : ( وَالّذِينَ آمَنُوا بِاللّهِ وَرُسُلِهِ اُولئك هُمُ الصّدّيقُونَ وَالشّهَدَاءُ عِندَ رَبّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ ) )) .

وفي محاسن البرقي مسنداً عن الإمام الحسين (عليه السّلام) أنّه قال : (( ما من شيعنا إلاّ صدّيق شهيد )) .

وفي مزار ابن قولويه ، في زيارة عن الإمام الصادق (عليه السّلام) بسند معتبر يعلّمنا أن نزور فيها عمّه أبا الفضل العبّاس (عليه السّلام) ، يقول فيها : (( السلام عليك أيّها الولي الصالح الناصح الصدّيق )) .

وفي زيارة اُخرى يقول : (( أشهد لك بالتسليم والتصديق )) .

العبّاس (عليه السّلام) هو الصديق لغة واصطلاحاً

فأبو الفضل العبّاس (عليه السّلام) هو الصدّيق من حيث اللغة ؛ لأنّه (عليه السّلام) كان هو الدائم التصديق لله ولرسوله ، ولإمامه الإمام الحسين (عليه السّلام) ، وهو الذي كان عمله يصدّق قوله ، وهو أيضاً كان المبالغ في الصدق ، وأنّه كان الذي لم يختلج في قلبه شك في كلّ ما أمر الله به .

وهو الصدّيق من حيث الاصطلاح أيضاً ؛ لأنّه (عليه السّلام) كان النموذج الأفضل والمصداق الأمثل بعد الأئمّة الأطهار (عليه السّلام) لمَنْ آمن بالله ورسوله ، وأطاع الله


الصفحة (199)

ورسوله ، كما كان هو (عليه السّلام) أيضاً في مقدّمة الشيعة وطليعتهم ، والسباق في متابعة أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) ومشايعتهم ؛ لأنّ الشيعي هو مَنْ شايع عليّاً (عليه السّلام) ، والأئمّة من بنيه الذين سمّاهم القرآن أهل البيت (عليهم السلام) ، والتزم متابعتهم ، والسير على هداهم .

وكيف لا يكون أبو الفضل العبّاس (عليه السّلام) كذلك وهو ابن الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) ، وأخو الإمامين الهمامين الحسن والحسين (عليهما السلام) ، وقد تلقّى تربيته الأخلاقيّة والعلميّة الراقية في أحضانهم ومدرستهم ، ونال شهادته الثقافيّة والإنسانيّة العالية على أيديهم وبتأييدهم ؟

إذاً فأبو الفضل العبّاس (عليه السّلام) هو الصدّيق بالمعنى العام الذي جاء بالصدق في اللغة والإصلاح ؛ وذلك على ما عرفت .

وهو أيضاً الصدّيق بالمعنى الخاصّ للصدّيق ، فقد شهد الإمام الصادق (عليه السّلام) ـ كما في الزيارة المأثور عنه ـ بالصدق في خصوص أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) ؛ حيث يقول مخاطباً إيّاه : (( السلام عليك أيّها الولي الصالح , الناصح الصدّيق )) .

وفي زيارته الاُخرى قال (عليه السّلام) : (( أشهد لك بالتسليم والتصديق )) ، ويقول في مكان آخر من الزيارة وهو يخاطبه أيضاً : (( السلام عليك أيّها العبد الصالح ، المطيع لله ولرسوله ولأمير المؤمنين والحسن والحسين (صلّى الله عليهم وسلّم) )) .

ففي الزيارة الأولى شهادة صريحة بكون أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) هو الصدّيق ، كما إنّ في الفقرة الأوّلى من الزيارة الثانية شهادة خاصة لأبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) بالتسليم والتصديق ، فهو الصدّيق لغة ؛ لمكان لفظ التصديق .

وفي الفقرة الثانية من الزيارة شهادة خاصّة لأبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) بالإطاعة لله ولرسوله ولأوصيائه (عليهم السلام) ، فهو الصدّيق اصطلاحاً أيضاً ؛ لأنّ الصدّيق كما مرّ في اصطلاح القرآن ، والسنّة النبويّة ، وأحاديث أهل بيت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) هو المطيع لله ولرسوله ولأوصيائه (عليه السّلام) .


الصفحة (200)

الحائزون على وسام الصدّيق

نعم ، وسام الصدّيق بالخصوص منح لشخصين من هذه الأمّة هما كالتالي :

1 ـ الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) : فقد سمّاه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بالصدّيق ، ومنحه هذا الوسام العظيم ، وذلك على ما عرف في تفسير قوله تعالى : ( وَالّذِينَ آمَنُوا بِاللّهِ وَرُسُلِهِ اُولئك هُمُ الصّدّيقُونَ ) .

وقوله سبحانه وتعالى : ( ومَنْ يُطِعِ اللّهَ وَالرّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِنَ النبيِّين وَالصّدّيقِينَ ) ، حيث قال (صلّى الله عليه وآله) : (( الصدّيقون ثلاثة : علي بن أبي طالب ، وحبيب النجار ، ومؤمن آل فرعون )) .

وقال (صلّى الله عليه وآله) : (( لكلّ اُمّة صدّيق وفاروق ، وصديق هذه الاُمّة وفاروقها علي بن أبي طالب (عليه السّلام) )) .

وقال الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) في خطبة الوسيلة : (( وإنّي النبأ العظيم والصدّيق الأكبر )) .

فالفائز الأوّل على وسام الصدّيق ، بل وسام الصدّيق الأكبر هو الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) .

2 ـ أبو الفضل العبّاس ابن أمير المؤمنين (عليه السّلام) ؛ حيث قد شهد له الإمام الصادق (عليه السّلام) على ما عرفت في زيارته (عليه السّلام) بالتسليم والتصديق ، ومنحه هذا الوسام الرفيع ، وأعطاه هذا النيشان المنيع ، أعني وسام ( الصدّيق ) ونيشانه ، فيكون على هذا أبو الفضل العبّاس (عليه السّلام) هو الفائز الثاني الذي حاز على وسام الصدّيق ونيشانه ، فهو إذاً الصدّيق حقّاً .


الصفحة (201)

الخصّيصة الثامنة والعشرون

في أنّه (عليه السّلام) الفـادي

روي عن الإمام زين العابدين (عليه السّلام) أنّه قال في حقّ عمّه أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) كلاماً جاء فيه : (( رحم الله عمّي العبّاس ؛ فلقد آثر ، وأبلى ، وفدى أخاه بنفسه )) .

والكلام هنا في تفدية العبّاس (عليه السّلام) أخاه الإمام الحسين (عليه السّلام) بنفسه ؛ حيث منه عُرف (عليه السّلام) بالفادي ، علماً بأنّ الفادي من حيث المعنى الغوي هو مَنْ يقدّم ماله ويقدّم نفسه ودمه فداءً لغيره حتّى يخلّصه به ، ويقيه عبره من الأسر والقتل ، فكأنّه يشتري بذلك حياة غيره ، ويخلّصه من الخطر المحدق به .

الفداء العظيم

قال الله تعالى في قصة إبراهيم الخليل (عليه السّلام) عندما أمره بذبح ابنه إسماعيل الذبيح (عليه السّلام) ، ثمّ عفا عن ذلك : ( وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ ) ؛ فلقد جاء في عيون الأخبار مسنداً عن الإمام الرضا (عليه السّلام) أنّه قال : (( لمّا أمر الله تعالى إبراهيم أن يذبح مكان ابنه إسماعيل الكبش الذي أنزله عليه ، تمنّى إبراهيم (عليه السّلام) أن يكون قد ذبح ابنه إسماعيل بيده ، وأنّه لم يُؤمر بذبح الكبش مكانه ؛ ليرجع إلى قلبه ما يرجع إلى قلب الوالد الذي يذبح أعزّ ولده بيده ، فيستحق بذلك أرفع درجات أهل الثواب على المصائب .


الصفحة (202)

فأوحى الله (عزّ وجلّ) إليه : يا إبراهيم ، مَنْ أحبّ خلقي إليك ؟

قال : يا ربّ ، ما خلقت خلقاً هو أحبّ إليّ من حبيبك محمّد (صلّى الله عليه وآله) .

فأوحى الله إليه : يا إبراهيم ، أفهو أحبّ إليك أو نفسك ؟

قال : بل هو أحبّ إليّ من نفسي .

قال : فولده أحبّ إليك أو ولدك ؟

قال : بل ولده .

قال : فذبحُ ولده ظلماً على أيدي أعدائه أوجع لقلبك ، أو ذبح ولدك بيدك في طاعتي ؟

قال : يا ربّ ، بل ذبحه على أيدي أعدائه أوجع لقلبي .

قال يا إبراهيم ، إنّ طائفة تزعم أنّها من اُمّة محمّد (صلّى الله عليه وآله) ستقتل الحسين (عليه السّلام) ابنه من بعده ظلماً وعدواناً كما يُذبح الكبش ، ويستوجبون بذلك سخطي .

فجزع إبراهيم لذلك وتوجّع قلبه ، وأقبل يبكي ، فأوحى الله تعالى إليه : يا إبراهيم ، قد قبلت جزعك على ولدك إسماعيل لو ذبحته بيدك بجزعك على الحسين (عليه السّلام) وقتله ، وأوجبت لك أرفع درجات الثواب على المصائب . وذلك قول الله (عزّ وجلّ) : ( وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ ) .

فالفادي هنا في هذه القصة هو إبراهيم الخليل (عليه السّلام) ، والفداء هو الكبش الذي أتى به جبرائيل (عليه السّلام) من الجنّة ، والمُفدّى هو إسماعيل الذبيح ، فكون إبراهيم الخليل (عليه السّلام) قد اشترى حياة ابنه إسماعيل الذبيح (عليه السّلام) بتفدية الكبش عنه )) .

ولكن في قصّة كربلاء كان الفادي هو أبو الفضل العبّاس (عليه السّلام) ، والفداء هو نفسه الزكيّة ، ودمه الشريف ، والمُفدّى هو الإمام الحسين (عليه السّلام) ، فيكون أبو الفضل العبّاس (عليه السّلام) قد اشترى حياة أخيه الإمام الحسين (عليه السّلام) بتفدية نفسه ، وبذل دمه عنه .


الصفحة (203)

العبّاس (عليه السّلام) يشبه أباه

ولقد أشبه أبو الفضل العبّاس (عليه السّلام) في تفدية أخاه الإمام الحسين (عليه السّلام) بنفسه أباه الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) ؛ حيث فدى الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) أخاه وابن عمّه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بنفسه ، وذلك في ليلة المبيت .

فقد روى الشيخ الطوسي في أماليه مسنداً عن الإمام زين العابدين علي بن الحسين (عليه السّلام) في قول الله (عزّ وجلّ) : ( وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللّهِ ) أنّه قال : (( نزلت في علي (عليه السّلام) حين بات على فراش رسول الله (صلّى الله عليه وآله) )) .

وفي شرح الآيات الباهرة وغيره من كتب التفسير : إنّ النبي (صلّى الله عليه وآله) لمّا أراد الهجرة خلّف عليّاً (عليه السّلام) لقضاء ديونه ، وردّ الودائع التي كانت عنده ، وأمره ليلة خروجه إلى الغار وقد أحاط المشركون في الدار أن ينام على فراشه ، قائلاً : (( أُخبرك يا عليّ ، إنّ الله يمتحن أوليائه على قدر إيمانهم ومنازلهم في دينه ، فأشدّ الناس بلاءً الأنبياء ، ثمّ الأمثل فالأمثل . وقد امتحنك يابن العمّ وامتحنني فيك بمثل ما امتحن به خليله إبراهيم (عليه السّلام) والذبيح إسماعيل (عليه السّلام) ، فصبراً صبراً ؛ فإنّ رحمة الله قريب من المحسنين )) .

ثمّ ضمّه النبيّ (صلّى الله عليه وآله) إلى صدره وبكى وجداً به ، وبكى عليّ (عليه السّلام) جشعاً لفراق رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، ثمّ أوصاه بوصاياه ، وأمره في ذلك بالصبر حتّى صلّى العشائين ، ثمّ خرج (صلّى الله عليه وآله) في فحمة العشاء الآخرة والرصد من قريش قد أطافوا بداره .

نام علي (عليه السّلام) على فراش رسول الله (صلّى الله عليه وآله) موطّناً نفسه على القتل ، فأوحى الله تعالى إلى جبرائيل وميكائيل : (( إنّي آخيت بينكما ، وجعلت عمر أحدكما أطول من عمر الآخر ، فأيّكما يؤثر صاحبه بحياته ؟ )) .

فاختار كلّ منهما الحياة ، فأوحى الله (عزّ وجلّ) إليهما : (( أفلا كنتما مثل عليّ بن أبي طالب (عليه السّلام) ؛ آخيت بينه وبين محمّد (صلّى الله عليه وآله) فبات على فراشه يفديه بنفسه ويؤثره


الصفحة (204)

بالحياة ؟ اهبطا إلى الأرض فاحفظاه من عدوّه )) .

فنزلا ، فكان جبرائيل عند رأسه ، وميكائيل عند رجيله ، وجبرائيل يقول : بخٍ بخٍ ! مَنْ مثلك يا عليّ بن أبي طالب يباهي الله بك الملائكة !

فأنزل الله (عزّ وجلّ) على رسوله (صلّى الله عليه وآله) وهو متوجّه إلى المدينة في شأن عليّ بن أبي طالب (عليه السّلام) : ( وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللّهِ ) .

الفادي بزعم المسيحيِّين

يزعم المسيحيون أنّ الفادي هو المسيح عيسى بن مريم (عليه السّلام) ، فإنّهم يقولون ( الفادي ) لقب السيّد المسيح الذي فدى البشر بدمه الكريم ، ثمّ يرتّبون على زعمهم هذا غفران كلّ ما يرتكبونه من ذنوب وخطايا ، ويبرّرون به جميع جرائمهم وجناياتهم بحجّة أنّ المسيح كفّرها عنهم ، وهذا غير تامّ من وجوه :

1 ـ إنّ المسيح (عليه السّلام) لم يصلب ولم يُقتل ، وإنّما رفعه الله تعالى إليه ، كما في القرآن الكريم : ( وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلكِن شُبّهَ لَهُمْ وَإِنّ الّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاّ اتّبَاعَ الظّنّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً * بَل رَفَعَهُ اللّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللّهُ عَزِيزاً حَكِيماً ) .

وفي تفسير مجمع البيان عن ابن عبّاس أنّه قال : لمّا مسخ الله تعالى الذين سبّوا عيسى واُمّه بدعائه ، بلغ ذلك يهوذا وهو رأس اليهود ، فخاف أن يدعو عليه , فجمع اليهود فاتّفقوا على قتله ، فبعث الله تعالى جبرائيل يمنعه منهم ويعينه عليهم ، وذلك معنى قوله تعالى : ( وَأَيّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ ) .

فاجتمع اليهود حول عيسى فجعلوا يسألونه فيقول لهم : يا معشر اليهود ، إنّ الله تعالى يبغضكم . فساروا إليه ليقتلوه ، فأدخله جبرائيل في خوخة البيت الداخل لها روزنة في سقفها ، فرفعه جبرائيل إلى السماء ، فبعث يهوذا رأس اليهود رجلاً من أصحابه


الصفحة (205)

اسمه ( طيطانوس ) ليدخل عليه الخوخة فيقتله ، فدخل فلم يره ، فأبطأ عليهم فظنوا أنّه يقاتله في الخوخة ، فألقى الله عليه شبه عيسى ، فلمّا خرج على أصحابه قتلوه وصلبوه .

وقيل : أُلقي عليه شبه وجه عيسى ولم يلقَ عليه شبه جسده ، فقال بعض القوم : إنّ الوجه وجه عيسى ، والجسد جسد طيطانوس ! وقال بعضهم : إن كان هذا طيطانوس فأين عيسى ؟! وإن كان هذا عيسى فأين طيطانوس ؟! فاشتبه الأمر عليهم .

ومع هذا الترديد والتشكيك من الذين تولّوا القتل والصلب لا يثبت كون المقتول والمصلوب هو عيسى (عليه السّلام) وإن تواتروا وأجمعوا عليه ، وهو واضح لا غبار عليه .

فالقصّة إذاً من أساسها متزلزلة ومشكوكة ، فلا يعتمد عليها ؛ إذ لا أساس رصين لها رأساً .

2 ـ إنّ المسيح (عليه السّلام) بعد إخبار الله تعالى بعدم قتله لم يكن فادياً ، وإذا كان كذلك لم يصدق عليه لقب ( الفادي ) فبطل مزاعم المسيحيّين .

3 ـ إنّ ( الفادي ) على زعم المسيحيّين بالمعنى الذي يصوّرونه للسيّد المسيح (عليه السّلام) هو إسفاف بالسيّد المسيح (عليه السّلام) ، وهبوط به من مستواه الرفيع ، ومقامه المنيع الذي هو هداية البشر إلى مستوى تكفير خطايا البشر ، الذي يكون هو خير مبرّر لارتكاب البشر كلّ ما يشتهيه من جرائم وجنايات ، وما يهواه من خطايا وذنوب والذي من جملتها ، بل ومن أكبرها وأعظمها جناية هو الإسفاف بالسيّد المسيح (عليه السّلام) إلى مستوى تكفير خطايا البشر وتبريرها .

الفادي لدى المسلمين

بينما ( الفادي ) عند المسلمين هو الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) ؛ حيث فدى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بنفسه ، ثمّ من بعده ابنه أبو الفضل العبّاس (عليه السّلام) الذي فدى أخاه


الصفحة (206)

الإمام الحسين (عليه السّلام) بنفسه .

وما كان فداء ( الفادي ) الأوّل إلاّ لخلاص رسول الله (صلّى الله عليه وآله) من الأعداء ، وبقائه سالماً قادراً على تبليغ رسالات الله , وهداية الناس إلى الله تعالى وإلى دينه الحنيف . كما إنّه لم يكن فداء ( الفادي ) الثاني إلاّ وقاءً لابن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) الذي فدى دين الله بنفسه ، وقدّم دمه لإنقاذه وإبقائه ، والحفاظ على أتعاب جدّه (صلّى الله عليه وآله) .

فأيقض به عقول البشر وضمائرهم ، وأرهف عبره شعورهم وعواطفهم ؛ ليدلّهم على الله ، ويهديهم إلى دينه القويم ، وسراطه المستقيم ، وذلك كما قال فيه الإمام الصادق (عليه السّلام) عند زيارته : (( وبذل مهجته فيك ؛ ليستنقذ عبادك من الجهالة وحَيرة الضلالة )) .

المقارنة بين الفاديين

ومن المعلوم أنّ هناك فرقاً كبيراً وواضحاً بين أن يكون ( الفادي ) مكفّراً لذنوب البشر بدمه الكريم كما يزعمه المسيحيّون بالنسبة إلى السيّد المسيح (عليه السّلام) ، وبين أن يكون ( الفادي ) مضيئاً لدرب التائهين من البشر ، وهادياً لهم إلى الطريق القويم ، ودالاً إيّاهم على الصراط المستقيم ، ومنقذاً لهم من ظلمات الجهل والجهالة إلى نور العلم والثقافة ، ومن حيرة الباطل والضلالة إلى مرفأ الحقّ والهداية .

وذلك على ما يعتقده المسلمون بالنسبة إلى الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) وابنه أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) ؛ فإنّ ( الفادي ) بالمعنى الأوّل الذي يزعمه المسيحيّون بالنسبة إلى السيّد المسيح (عليه السّلام) ، إضافة إلى أنّه إسفاف بالسيّد المسيح (عليه السّلام) من مستواه الرفيع إلى هوّة الحضيض ، هو ترويج للظلم والجرم ، والذنوب والخطايا ، وتشجيع للجناة والظالمين ، والعصاة والمذنبين ، وتبرير لأعمالهم


الصفحة (207)

السيئة وأفعالهم القبيحة .

أليس مَنْ يعلم بأنّ سيّئاته وقبائحه مكفّرة يتمادى في ظلمه وجوره ، وينغمر في السيئات والقبائح ، بينما ( الفادي ) بالمعنى الثاني الذي يعتقده المسلمون بالنسبة إلى الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) وابنه أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) ؛ فإنّه إضافة إلى إعطاء الإمام وابنه ما يستحقّانه من المقام الذي خصّهما الله تعالى به ، هو ترويج للعدل والإحسان ، والمثل والقيم ، وتشجيع للمحسنين والمقسطين ، والمؤثرين والمواسين ، وترغيب في الأعمال الصالحة والأفعال الحسنة ؟!

أليس مَنْ يرى إمامه ويرى ابن إمامه يفدي نفسه للهدى والحقّ ، ويبذل دمه لنصرة دين الله ، ويضحّي بكلّ ما لديه لأجل هداية الناس إلى نور العلم والعدل ، والخير والتقوى ، يرغب في الخير والتقوى ، ويضّحي من أجل تعميم القسط والعدل ، وتعزيز المثل والقيم ؟!


الصفحة (208)

الخصّيصة التاسعة والعشرون

في أنّه (عليه السّلام) المؤثِـر

المؤثِر : من الإيثار ، وهو تقديم الغير وتقديمه على النفس ، وفي التنزيل قال الله تعالى على لسان إخوة يوسف : ( لَقَدْ آثَرَكَ اللّهُ عَلَيْنَا ) ، أي فضّلك وقدّمك .

وآثرت فلاناً على نفسي ، أي قدّمته وفضّلته ، وآثرتك إيثاراً ، أي قدّمتك وفضّلتك تفضيلاً ، وهو مقابل الاستئثار . يُقال : استأثر بالشيء على غيره ، أي خصّ به نفسه واستبدّ به ، ورجل آثُر وآثِر ، أي يستأثر على أصحابه ويفضّل نفسه عليهم في نصيبه ، والاستئثار هو الانفراد بالشيء .

وبعبارة اُخرى : الإيثار هو تقديم الغير على النفس ، المعبّر عنه بالرؤية الاجتماعية ومحبّة الآخرين ، بينما الاستئثار هو تقديم النفس على الغير ، المعبّر عنه بالأنانية والاستبداد الفردي .

بين الأنانية وحبّ النفس

أمّا الأثر والاستئثار ، المسمّى بالأنانية : فهو من الصفات الرديئة ، والخصال الذميمة النابعة من حبّ النفس المفرط ، وعبادة الذات المذموم ، فإنّ حبّ النفس ـ بما هو هو ـ غريزة أصيلة في الإنسان ، وصفة عريقة فيه ، وقد أودعها الله تعالى فيه ؛ لأن إليها يعود نشاط العمران على ظهر المعمورة ، وإليها


الصفحة (209)

يرجع السير الحثيث ، والاتّساع المستمر في دائرة الحياة من التقدّم العلمي ، والتطوّر الصناعي ، والاختراعات والاكتشافات التي طوّرت الحياة ، كما أنّها أيضاً السبب لطلب الآخرة وإحرازها ، والزحزحة عن النار ، والفوز بالجنّة .

إذاً فغريزة حبّ النفس بما هي من لوازم سعادة الإنسان ، وتقدّم الحياة وتطوّرها ، وإنّما الخطر يكمن وراء تضخّم هذه الغريزة وتجبّرها ، وخروجها عن حدّ الاعتدال الذي أراده الله تعالى لها إلى ما حرّمه تعالى عنها من الأنانية ، وعبادة الذّات التي قد تصل أحياناً إلى ادّعاء الربوبيّة ، كفرعون الذي كان يقول : ( أَنَا رَبّكُمُ الأَعْلَى ) ، وكيزيد الذي كان ينشد : . . . فلا   خبر جاء ولا وحي نزل .

فإنّ عبادة الذّات والعيش في إفرازاتها حتّى لو كانت تلك الإفرازات حريراً ، كالتي تفرزها دودة القز ، منتهية إلى الاختناق الروحي ، ومؤدّية إلى الموت المعنوي ؛ فإنّ الأناني ميّت في الناس حتّى وإن بلغ في الدنيا قمّة الملك والسلطان ، وإنّ الأنانيّين في كلّ زمان فتنة ساحقة ، ولعنة ماحقة تحترق في سعيرها المُثُل والقِيَم ، وتذوب في جحيمها الفضائل والمكارم ، وتتبخّر في مرضاتها مصالح الآخرين أفراداً وجماعات .

وقد وصف الله تعالى الفارّين من معركة أُحد ، والتاركين رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وحده بين الأعداء وصفاً يكشف عن داء الأنانية المتغلغل في نفوسهم ، وعن مرض عبادة الذّات المتعرّق في قلوبهم ، حيث يقول تعالى : ( وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ ) .

الأنانيّون وخطرهم على الدين والمجتمع

والأنانيّون عندما يسلّطون أفكارهم الضيّقة على الدين الإسلامي الحنيف يمسخون نصوصه ، ويحرّفون اُصوله ، ويفهمونه ثواباً بلا عمل ، وثمرة بلا غرس ،


الصفحة (210)

وعقاباً على الآخرين وحدهم ، ونكالاً على الناس سواهم ، دون أن يمسهم منه لفح ويصيبهم منه أذى ؛ وذلك لأنّ الأنانيّين محصورون في حدود أنفسهم وإثرتهم ، ومقصورون على رؤية مصالحهم الفرديّة ومنافعهم الذاتيّة ، لا يفهمون من القرآن إلاّ ما يشتهون ، ومن الإسلام إلاّ ما يلبّي أهواءهم ومصالحهم .

وإنّ هذا لخطر كبير يهدّد كيان الاُمّة ، وينذر بفناء الدين والدنيا معاً ؛ ممّا يؤكّد على معالجة الإثرة منذ الطفولة المبكّرة حتّى تنبت الناشئة وهي تنظر إلى نفسها وإلى غيرها بنظرة معتدلة ، ورؤية متّزنة ، لا جنف فيها ولا قصور .

ومن هنا يظهر سرّ التأكيد الشديد في الإسلام على تعديل هذه الغريزة ، ويعلم سبب الاهتمام الكبير من أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) على تأطيرها وتحجيمها ، وتزكيتها وتهذيبها ؛ ففي نهج البلاغة يقول الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) في وصيّة له لابنه الإمام الحسن المجتبى (عليه السّلام) : (( يا بني ، اجعل نفسك ميزاناً بينك وبين غيرك ؛ فأحبب لغيرك ما تحبّ لنفسك ، واكره له ما تكره لها ، ولا تظلم كما لا تُحبّ أن تُظلم ، وأحسن كما تحبّ أن يُحسن إليك ، واستقبح من نفسك ما تستقبح من غيرك ، وارضَ من الناس بما ترضاه لهم من نفسك ، ولا تقل ما لا تعلم ، وقل ما تعلم ، ولا تقل ما لا تحبّ أن يُقال لك )) .

وجاء في ما كتبه لعامله محمّد بن أبي بكر : (( أحبّ لعامّة رعيتك ما تحبّ لنفسك وأهل بيتك ، واكره لهم ما تكره لنفسك وأهل بيتك ؛ فأنّ ذلك أوجب وأصلح للرعيّة )) .

فالإسلام يحذّر الناس من الأنانيّة ، ويدعوهم إلى الاعتدال ، بل إلى الإيثار ، وتقديم الآخرين على أنفسهم . وأبو الفضل العبّاس (عليه السّلام) هو أوّل ممتثل لما يدعو إليه الإسلام بعد الأئمّة المعصومين (عليه السّلام) في كلّ مجال ، وخاصّة في مجال الإيثار وترك الإثرة .


الصفحة (211)

الإيثار في القرآن والحديث

هذا بالنسبة إلى الاستئثار ، وأمّا بالنسبة إلى الإيثار : فهو من الصفات الحسنة ، والخصال الطيّبة ، ومن مكارم الأخلاق ، ومعالي الآداب ؛ فإنّ الإنسان قد يجود بشيء وهو غني عنه ، فهذا هو الجود الممدوح ، وقد يجود بشيء هو محتاج إليه ، وهذا أفضل من الأوّل وهو الإيثار . ولا يتحلّى بالإيثار إلاّ الأوحدي من الناس ، كما إنّه لا يتّصف به إلاّ ذو حظ عظيم .

وقد زخر الكتاب ، وكذلك فاضت السنّة النبويّة ، وأحاديث أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) بمدح الإيثار ، والتأكيد عليه ، والثناء على مَنْ تحلّى به ، واتّخذه خُلقاً له ، ووعدت على ذلك الثواب الكبير ، والأجر الجزيل . قال الله تبارك وتعالى : ( وَيُؤْثِرُونَ عَلَى‏ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ) .

نؤثر به ضيفنا

جاء في تفسير الآيات الباهرة في تفسير الآية المباركة مسنداً : أنّ رجلاً جاء إلى النبيّ (صلّى الله عليه وآله) فشكا إليه الجوع ، فبعث رسول الله (صلّى الله عليه وآله) إلى بيوت أزواجه فقلن : ما عندنا إلاّ الماء . فقال (صلّى الله عليه وآله) : (( مَنْ لهذا الرجل الليلة ؟ )) .

فقال علي بن أبي طالب (عليه السّلام) : (( أنا يا رسول الله )) . وأتى فاطمة (عليها السلام) فقال لها : (( أعندك يا بنت رسول شيء ؟ )) .

فقالت : (( ما عندنا إلاّ قوت الصبية ، ولكنّنا نؤثر به ضيفنا )) .

فقال علي (عليه السّلام) : (( يابنة محمّد ، نوّمي الصبية ، وأطفئي السراج )) .

فلمّا أصبح غدا على رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، فنزلت هذه الآية : ( وَيُؤْثِرُونَ عَلَى‏ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ) .


الصفحة (212)

جبرئيل أنبأني بذلك

وقال في شرح هذه الآيات الباهرة مسنداً أيضاً : بينا عليّ (عليه السّلام) عند فاطمة (عليها السلام) إذ قالت : (( اذهب إلى أبي فابغنا منه شيئاً )) . فقال (عليه السّلام) : (( نعم )) .

فأتى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فأعطاه ديناراً ، وقال : (( يا علي ، اذهب فابتع به لأهلك طعاماً )) .

فخرج من عنده فلقيه المقداد بن الأسود وقاما ما شاء الله أن يقوما وذكر له حاجته ، فأعطاه الدينار وانطلق إلى المسجد فوضع رأسه فنام ، فانتظره رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فلم يأتِ ، فخرج يدور في المسجد فإذا بعليٍّ (عليه السّلام) نائم في المسجد ، فحرّكه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فقعد ، فقال : (( يا علي ، ما صنعت ؟ )) .

 فقال : (( يا رسول الله ، خرجت من عندك فلقيني المقداد بن الأسود ، فذكر لي ما شاء أن يذكر فأعطيته الدينار )) .

فقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : (( أما إنّ جبرائيل قد أنبأني بذلك ، وقد أنزل الله فيك كتاباً : وَيُؤْثِرُونَ عَلَى‏ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ )) .

أنت يعسوب المؤمنين

وفي شرح الآيات الباهرة أيضاً عن أبي جعفر (عليه السّلام) مسنداً قال : (( اُوتي رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بمال وحُلل ، وأصحابه حوله جلوس فقسّمه عليهم حتّى لم يبقَ منه حلّة ولا دينار ، فلمّا فرغ منه جاء رجل من فقراء المهاجرين كان غائباً ، فلمّا رآه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قال : أيّكم يعطي هذا نفسه ويؤثره على نفسه ؟

فسمعه علي (عليه السّلام) فقال : نصيبي . فأعطاه إيّاه ، فأخذه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فأعطاه الرجل ، ثمّ قال : يا عليّ ، إنّ الله جعلك سبّاقاً للخير ، سخّاءً بنفسك عن المال ؛ أنت يعسوب المؤمنين ، والمال يعسوب الظَلَمة ، والظَلَمة هم الذين يحسدونك ويبغون عليك ، ويمنعونك حقّك بعدي )) .


الصفحة (213)

أبشر يـا علي

وفي الآيات الباهرة أيضاً مسنداً عن أبي جعفر (عليه السّلام) قال : (( إنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) لجالس ذات يوم وأصحابه جلوس حوله ، فجاء عليّ (عليه السّلام) وعليه سمل ثوب منخرق عن بعض جسده ، فجلس قريباً من رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، فنظر إليه ساعة ثمّ قرأ : ( وَيُؤْثِرُونَ عَلَى‏ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ) .

ثمّ قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) لعلي (عليه السّلام) : أما إنّك رأس الذين نزلت فيهم هذه الآية ، وسيّدهم وإمامهم .

ثمّ قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) لعليّ (عليه السّلام) : أين خلعتك التي كسوتكها يا علي ؟

فقال : يا رسول الله ، إنّ بعض أصحابك أتاني يشكو عريه وعري أهل بيته فرحمته ، وآثرته بها على نفسي ، وعرفت أنّ الله تعالى سيكسوني خيراً منها .

فقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : صدقت ، أما إنّ جبرائيل قد أتاني يحدّثني أنّ الله اتّخذ لك مكانها في الجنّة حلة خضراء من استبرق ، وضيقها من ياقوت وزبرجد ، فنعم الجواز جواز ربّك بسخاوة نفسك ، وصبرك على سملتك هذه المنخرقة ! فأبشر يا علي .

فانصرف علي (عليه السّلام) فرحاً مستبشراً بما أخبره به رسول الله (صلّى الله عليه وآله) )) .

نعم ، هناك روايات كثيرة في فضل الإيثار ، ومدح المؤثرين ، منها قول رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : (( أيّما امرئ اشتهى شهوة فردّ شهوته ، وآثر على نفسه ـ أي آثر الله على نفسه ـ غفر له )) .

وسُئل الإمام الصادق (عليه السّلام) : أيّ الصدقة أفضل ؟ فقال (عليه السّلام) : (( جُهد المُقِلّ ، أما سمعت قول الله (عزّ وجلّ) : وَيُؤْثِرُونَ عَلَى‏ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ )) .


الصفحة (214)

سيّد المؤثرين وإمامهم

فسيّد المؤثرين وإمامهم بعد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) من المعصومين هو الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) ، ثمّ إنّ سيّد المؤثرين وإمامهم بعد المعصومين (عليه السّلام) هو أبو الفضل العبّاس (عليه السّلام) ، كما قال في حقّه الإمام زين العابدين (عليه السّلام) ، وذلك في قوله المعروف : (( رحم الله عمّي العبّاس فلقد آثر )) ، أي آثر الله ، وآثر دين الله ، وآثر رسول الله (صلّى الله عليه وآله) الذي كان يمثّله الإمام الحسين (عليه السّلام) على نفسه وإخوته ، وكلّ ما يملكه من غالٍ ورخيص .

وكما قال في حقّه الإمام الصادق (عليه السّلام) ، وذلك في زيارته المأثورة عنه ، حيث جاء فيها : (( أشهد أنّك قد بالغت في النصيحة ، وأعطيت غاية المجهود )) . أي أعطى أبو الفضل العبّاس (عليه السّلام) كلّ ما في وسعه ، وغاية ما يملكه من جدّ وجهد ؛ من بذل نفسه وإخوته ، وكلّ طاقاته وإمكاناته ليشتري به صيانة دين الله ، وسلامة حياة إمامه الممثّل لرسول الله (صلّى الله عليه وآله) بين الناس في الأرض ، والامتداد الحقيقي له (صلّى الله عليه وآله) في الأنام الإمام الحسين (عليه السّلام) ، ولو كان ذلك في مقابل بقائه (عليه السّلام) حيّاً بلحظات قليلة .

نماذج من إيثار أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام)

نعم ، لقد آثر أبو الفضل العبّاس (عليه السّلام) أخاه الإمام الحسين (عليه السّلام) على نفسه منذ أيّامه الأولى ، فكان لا يجلس بين يدي أخيه الإمام الحسين (عليه السّلام) إلاّ بعد أن يأذن له (عليه السّلام) بالجلوس ، ثمّ إذا جلس بعد الإذن له جلس جلسة العبد بين يدي مولاه ، والرّق أمام سيّده .

وكان من إيثار أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) أنّه كان يدعو أخوه الإمام الحسين (عليه السّلام)


الصفحة (215)

دائماً بمثل كلمة سيّدي ، ومولاي ، ويابن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، وما أشبه ذلك . ولم يعهد منه أن يدعو أخاه بكلمة أخي وصنوي ، وما أشبه ذلك أبداً ، إلاّ في موضع واحد ، وهو حين مصرعه (عليه السّلام) .

وكان من إيثار أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) أيضاً : أنّه إذا حصل على شيء آثر به أخاه الإمام الحسين (عليه السّلام) وقدّمه على نفسه ، فقد قُدّم له ذات مرّة وهو في سنيّه الأولى عنقود من العنب الشهي , فأخذه واتّجه به نحو باب الدار مسرعاً ، فسألوه عمّا يريد ، فأجاب : اُريد أن اُقدّم هذا العنقود من العنب الشهي إلى سيّدي ومولاي الإمام الحسين (عليه السّلام) ، وكذلك فعل .

ومن إيثار أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) أيضاً : خروجه مع الإمام الحسين (عليه السّلام) من المدينة يحميه بنفسه ، ويقي أهل بيته بدمه ، ويحمل لواءه بيده ، ويذب عنه طول سفرته ، بدءاً بالمدينة المنوّرة ومروراً بمكة المكرّمة ، ومنازل الطريق بين الحجاز والعراق ، وانتهاءً بكربلاء على ما كان في السفر في ذلك الزمان من مشاقّ ومتاعب بصورة عامّة ، وما كان في تلك السفرة من تهديدات ومخاوف بصورة خاصّة ؛ فلقد كانت التحرّكات المشبوهة لبني اُميّة تغطّي المنطقة ، والرصد الاُموي بجواسيسه وعيونه يعقّب قافلة الإمام الحسين (عليه السّلام) ويراقبه من كثب .

وقد أشار الإمام الحسين (عليه السّلام) عند خروجه إلى ذلك ؛ فإنّه لمّا خرج من المدينة قرأ قوله تعالى : ( فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفاً يَتَرَقَبُ ) .

من قِمَم الإيثـار

ولقد ارتقى أبو الفضل العبّاس (عليه السّلام) قُلّة الإيثار ، وبلغ قمّته ، وذلك حينما وصل موكب الإمام الحسين (عليه السّلام) إلى كربلاء ، وخاصّة في الأيام الأخيرة التي كانت


الصفحة (216)

تقترب من يوم عاشوراء ، وبالذّات في الأيام التي منع بنو اُميّة فيها الماء ، وحرّموه على موكب الإمام الحسين (عليه السّلام) ، حيث كان أبو الفضل العبّاس (عليه السّلام) يؤثر أطفال أخيه الإمام الحسين (عليه السّلام) بحصّته من الماء .

وعلى الأخص في اليوم الذي ورد فيه كزمان إلى كربلاء ومعه أمان من عبيد الله بن زياد للعبّاس (عليه السّلام) وإخوته ، وكزمان هذا كان مولى لعبد الله بن أبي المحلّ بن حزام ، وكانت أم البنين عمّته ؛ فإنّ ابن أبي المحلّ هذا كان قد قدم إلى ابن زياد وتوسّط من نفسه إلى أبناء عمّته عنده ، وأخذ لهم منه الأمان ، وبعث به مع مولى له إليهم ، فلمّا قدم كزمان برسالة الأمان إلى كربلاء قدّمها إلى أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) ، وقال : هذا أمان من ابن زياد بعثه إليكم خالكم عبد الله .

فقالوا له : أبلغ خالنا السلام ، وقل له : لا حاجة لنا في أمان ابن زياد ؛ فإنّ أمان الله خير من أمان ابن سميّة .

وعلى الخصوص في يوم تاسوعاء ، وذلك حين ورد الشمر إلى كربلاء ومعه أيضاً أمان من ابن زياد للعبّاس (عليه السّلام) وإخوته ، وكذلك كان معه ما فيه تطميع لهم بإمارة الجيش ، وإغراء لهم برتب عسكريّة ، وأوسمة ونياشين قياديّة رفيعة المستوى ، وغير ذلك من مغريات ، فأقبل حتّى وقف على عسكر الإمام الحسين (عليه السّلام) ونادى : أين بنو أُختنا ؟ أين العبّاس وإخوته ؟

فأعرضوا عنه ولم يجيبوه ، فقال لهم الإمام الحسين (عليه السّلام) : (( أجيبوه ولو كان فاسقاً )) .

فقاموا إليه وقالوا له : وما تريد يا شمر ؟

فقال الشمر مراوغاً مكايداً لهم : يا بني اُختي ، أنتم آمنون ، لا تقتلوا أنفسكم مع الحسين ، والزموا طاعة أمير المؤمنين يزيد . ثمّ وعدهم ومنّاهم ، وطمّعهم وأغراهم .

فقال العبّاس (عليه السّلام) وبكلّ صلابة وقوّة ؛ ليقطع عليه مكره وخداعه ، ويردّ عليه كيده ونفاقه : لعنك الله ولعن أمانك ! أتؤمننا وابن رسول الله لا أمان له ، وتأمرنا أن ندخل في طاعة اللعناء وأولاد اللعناء ؟!


الصفحة (217)

فعرف الشمر فشله في مراوغته ، وخيبته في نفاقه ، فلم يتكلّم معهم بشيء ، ورجع خائباً مغضباً .

العبّاس (عليه السّلام) يؤثر إمامه على ولديه

وخصوصاً إيثار أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) في يوم عاشوراء ، وذلك في موارد عديدة ، منها : تقديم ولديه محمّد وعبد الله بين يدي الإمام الحسين (عليه السّلام) ، وإيثاره عليهما وفدائهما له ؛ فإنّ أبا الفضل العبّاس (عليه السّلام) لمّا رأى أنّه لا يملك شيئاً يؤثر به أخاه الإمام الحسين (عليه السّلام) ويقدّمه فداءً له ، سوى نفسه وولدَيه وإخوته ، حاول أوّلاً أن يؤثر بولدَيه ويقدّمهما فداء لله بين يدي أخيه الإمام الحسين (عليه السّلام) ؛ وذلك لأنّ للأولاد في قلب الإنسان من المحبّة والعلقة ما لم يكن لأحد غيرهم .

فالأولاد أعزّ شيء على قلب الإمام الحسين (عليه السّلام) ، وأغلى شيء عنده ، وفي الحديث الشريف : (( أولادنا أكبادنا )) . وفي حكمة الشعر والنظم : أولادُنا أكبادُنا تمشي على الأرضِ

ومعلوم أنّ فقد الأولاد والإصابة بهم من أعظم المصائب ، وأشد الفجائع على قلب الأب ، وكلّما كان المصاب أكبر والفجيعة أعظم ، وخاصة إذا كان في سبيل الله ونصرة الحقّ كان الأجر أكبر والثواب أعظم ؛ ولذلك قدّرت الروايات ، وعدت لفقد الأولاد والمصاب بهم من الأجر ما لم تقدّره في فقد أحد والمصاب به .

وأراد أبو الفضل العبّاس (عليه السّلام) أن ينال هذا الثواب العظيم ، ويحصل على هذا الأجر الكبير قبل أن يفوز هو بالشهادة ، فقدّم ولده وفلذة كبده محمداً على نقل بعض ، وولديه محمداً وعبد الله على نقل بعض آخر ؛ فداء بين يدي أخيه الإمام الحسين (عليه السّلام) ، وواسى في هذه المصيبة الكبرى ، والفجيعة العظمى ، وهي مصيبة فقد الأولاد أخاه الإمام الحسين (عليه السّلام) ، وأخته السيّدة زينب (عليها السلام) في كتمان هذه المصيبة ، وعدم الإعلان بها .

فإنّ السيّدة زينب (عليها السلام) لمّا قدّمت


الصفحة (218)

ولديها وفلذتي كبدها عوناً ومحمداً فداءً بين يدي أخيها الإمام الحسين (عليه السّلام) ، احتسبتهما لله ، فلم تحضر مصرعهما ، ولم تجهر بالبكاء عليهما ، ولم تذكرهما في شيء من مراثيها ، ولم تنوّه باسمهما ، ولم تتطرّق لشيء يخصهما ، ويذكّر بشهادتهما ؛ كلّ ذلك تجلّداً منها وصبراً وتفانياً ومواساة ؛ كي لا تمنّ على أخيها الإمام الحسين (عليه السّلام) بهما ، ولا يمس أخاها الضرّ من أجلهما .

وكذلك كان أبو الفضل العبّاس (عليه السّلام) بالنسبة إلى شهادة ولديه بين يدي أخيه الإمام الحسين (عليه السّلام) ؛ حيث شاطر أخته السيّدة زينب (عليها السلام) في ذلك .

إيثار العبّاس (عليه السّلام) إمامه على إخوته

ومنها : تقديم إخوته الثلاثة لاُمّه وأبيه بين يدي الإمام الحسين (عليه السّلام) وإيثاره عليهم ؛ فإنّ أبا الفضل العبّاس (عليه السّلام) لمّا رأى كثرة القتلى من أهله قال لإخوته من اُمّه وأبيه ، وهم : عبد الله ، وعثمان ، وجعفر : تقدّموا يا بني اُمّي حتّى أراكم نصحتم لله ولرسوله .

والتفت إلى عبد الله ، وكان أكبر من عثمان وجعفر ، وقال : تقدّم يا أخي حتّى أراك قتيلاً وأحتسبك . فكان أوّل مَنْ قُتِلَ من إخوته .

وفي الأخبار الطوال : أنّ أبا الفضل العبّاس (عليه السّلام) قال لإخوته : تقدّموا بنفسي أنتم ! وحاموا عن سيّدكم حتّى تموتوا دونه . فتقدّموا جميعاً وقتلوا .

وكم كان صعباً على قلب أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) العطوف ، الذي زقّ العاطفة من أبيه معدن العاطفة والحنان ، وإمام الرأفة والرحمة ، الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) أن يرى مصارع إخوته من أُمّه وأبيه ويقف على أجسادهم المضرّجة بالدماء ، وأشلائهم المقطّعة بالسيوف !

ولكن الذي كان يهوّن الخطب ويسهّل المصاب عليه ، هو أنّ أبا الفضل العبّاس (عليه السّلام) كان يرى أنّ من واجبه الديني والأخلاقي أن يؤثر أخاه الإمام الحسين (عليه السّلام) على نفسه وعلى إخوته .

وعلى كلّ ، ما كان يحوطه برعايته من غال ورخيص ، فإنّ الله تعالى قد جعل رسوله الخاتم (صلّى الله عليه وآله) أولى


الصفحة (219)

بالمؤمنين من أنفسهم ، وجعل رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بأمر من الله عليّاً (عليه السّلام) ، والأئمّة الأحد عشر بنيه (عليهم السلام) أولى بالمؤمنين من أنفسهم ، وعلى المؤمنين أن يقدّموهم على أنفسهم وأهليهم ، وأن يؤثروهم على أولادهم وإخوتهم ، وذويهم وعشيرتهم ، وكذلك فعل أبو الفضل العبّاس (عليه السّلام) ، ولا يبعد أن يكون قد أوصاه أبوه أمير المؤمنين (عليه السّلام) بذلك ، وأوكل أمر إخوته من اُمّه وأبيه إليه ليحتسبهم ؛ تحريضاً وتأكيداً .

العبّاس (عليه السّلام) والإيثار الأخير

ومنها : أنّه لمّا رأى مصارع إخوته وذويه ، ونظر إلى كثرة القتلى منهم ، ضاق صدره وسئم الحياة ، فجاء إلى أخيه الإمام الحسين (عليه السّلام) يطلب منه الإجازة ويستأذنه للبراز ، يريد منه السماح والإذن في الانتقام من الأعداء ، فلم يأذن له الإمام الحسين (عليه السّلام) ، ولم يرخّصه بذلك ، وطلب منه أن يستقي للأطفال والرضعان ماءً .

فآثر أبو الفضل العبّاس (عليه السّلام) إرادة أخيه الإمام الحسين (عليه السّلام) على إرادته ، وقدّم طلب إمامه على طلبه ، فترك النزال والقتال ، وراح يستقي للنساء والأطفال ، مستقبلاً مصاعب هذه المهمّة برحابة صدر وسعة باع .

ولولا الختل وغدر الأعداء لأنجز أبو الفضل العبّاس (عليه السّلام) مهمّته هذه بنجاح ، كما أنجز التي كانت قبلها بنجاح أيضاً ، ولما استطاع العدوّ أن يحول بينه وبين إيصال الماء إلى الخيام ؛ فإنّ العدوّ الجبان كان قد كمن له في هذه المرّة من وراء النخلة ، واغتاله جبناً ولؤماً حتّى استشهد (سلام الله عليه) دون أن يوصل الماء إلى المخيّم ، مؤثراً أخاه على نفسه ، وباذلاً دمه في نصرته ، كما قال فيه الإمام زين العابدين (عليه السّلام) : (( رحم الله عمّي العبّاس ! فلقد آثر وأبلى وفدى أخاه بنفسه )) .

الخصّيصة الثلاثون

في أنّه (عليه السّلام) المواسي

أحـقُّ الناسِ أن يُبكى عليه       فتىً أبكى الحسينَ بكربلاءِ
أخـوهُ وابـنُ والـدهِ عليٍّ       أبو الفضلِ المضرّج بالدماءِ
ومَـنْ  واساهُ لا يثنيهِ شيءٌ       وجـادَ لـهُ على ظمأ بماءِ

 

 

وقال آخر :

لـم يـذق الـفـراتَ اُسوةً به       مـيـمّماً  بـمـائِهِ نحو الخِبا
لــم يـرَ فـي الدينِ يبلّ غلّة       وصـنـوهُ فيهِ الظما قد ألهبا
والمرتضى أوصى إليه في ابنه       وصـيّة  صدّتهُ عن أن يشربا
لـذاك قـد أسـنـدهُ لـديـنهِ       وعـن يـقينٍ فيه لن يضطربا
هــذا مـن الشرعِ يرى فعلته       ومـن  صراطِ أحمدٍ ما ارتكبا
ومـثـلـهُ الحسينُ لمّا ملك ال      مـاءَ وقـيـلَ رحـله قد نُهبا
أمَّ الـخـيـام نـاقـضاً لمائهِ       إذ  عظُمَ الأمرُ بهِ واعصوصبا
فــكـانَ لـلـعبّاس فيه اُسوةٌ       إذ فاضَ شهماً غيرَ مفلول الشبا

 

 

وقال الشيخ جعفر بن نما الحلّي ، وهو يصف مواساة أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) :

حـقيقٌ  بالبكاءِ عليهِ حزناً      أبو الفضلِ الذي واسى أخاهُ
وجـاهدَ كـلّ كـفّارٍ ظلومٍ      وقـابلَ مـن ضلالهمُ هداهُ

 

الصفحة (221)

فـداهُ بـنفسهِ للهِ حتّى      تفرّقَ من شجاعتهِ عداهُ
وجادَ لهُ على ظمأ بماءٍ      وكان رضا أخيهِ مبتغاهُ

 

 

وقال آخـر :

لا  تـنـسَ للعبّاس حُسنَ مقامهِ       بـالـطفِّ عند الغارةِ العشواءِ
واســى أخـاهُ بها وجادَ بنفسهِ       فــي سـقي أطفالٍ له ونساءِ
ردَّ الاُلوفَ على الاُلوفِ معارضاً       حـدَّ الـسـيوفِ بجبهةٍ غرّاءِ

 

وقال الشيخ محسن أبو الحبّ في مواساة أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) في قصيدة يحكي بها لسان حال العلقمي ، ومصرع العبّاس (عليه السّلام) بجنبه :

جـزى اللهُ عـنّي في المواساةِ عمّهمْ       أبا الفضل خيراً لو شهدتَ أبا الفضلِ
لـقـد كـانَ سـيـفاً صاغهُ بيمينهِ       عـليٌّ  فـلمْ يحتج شباه إلى الصقلِ
إذا عُـدَّ أبـنـاءُ الـنـبـيّ مـحمدٍ       رآهُ أخـاهـم مَـنْ رآهُ بـلا فضلِ
ولـمْ أرَ ضـامٍ حـولـهُ الماءُ قبلهُ       ولـمْ يـرو منهُ وهو ذا مهجةٍ تغلي
ومـــا خـطـبهُ إلاّ الوفاء وقلّ ما       يُــرى هـكـذا خلاً وفيّاً مع الخلِّ

وسام المواسـاة

وممّا يشهد لمواساة أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) أن جاء في زيارته المعروفة المأثورة عن الإمام الصادق (عليه السّلام) : (( أشهد لقد نصحت لله ولرسوله ولأخيك ، فنعم الأخ المواسي )) . وهذا وسام ، وأكرم به من وسام ، وسم به الإمام الصادق (عليه السّلام) عمّه أبا الفضل العبّاس (عليه السّلام) .

ولم يكن الإمام الصادق (عليه السّلام) هو وحده الذي منح عمّه أبا الفضل العبّاس (عليه السّلام) هذا الوسام ، بل اقتدى الإمام الهادي (عليه السّلام) بأبيه الإمام الصادق (عليه السّلام) ووسم عمّه


الصفحة (222)

العبّاس (عليه السّلام) بهذا الوسام أيضاً ؛ وذلك في الزيارة الصادرة عن الناحية المقدّسة سنة مئتين واثنين وخمسين هجريّة ، حيث جاء فيها : (( السّلام على أبي الفضل العبّاس ، المواسي أخاه بنفسه ، الآخذ لغده من أمسه ، الواقي له ، الساعي إليه بمائه ، المقطوعة يداه )) .

ومن المعلوم أنّ حصول أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) على وسام المواساة من قبل إمامين همامين ، معصومين مسدّدين من قبل الله تبارك وتعالى ؛ لهو خير دليل على بصيرة أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) في دينه ، ومعرفته بحقّ إمامه ، وإخلاصه في مواساته له .

الوصيّة بالمواساة والوفاء بها

بل كانت مواساة أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) وفاءً لما عاهد عليه أباه أمير المؤمنين (عليه السّلام) ، وتنفيذاً لوصيّته (عليه السّلام) التي أوصاه بها ليلة الحادي والعشرين من شهر رمضان ، وذلك في اللحظات الأخيرة التي ودّع بها أمير المؤمنين (عليه السّلام) أهل بيته وذويه وأولاده وبنيه .

فلقد جاء في التاريخ ، كما عن معالي السبطين وغيره : أنّه ما كانت ليلة إحدى وعشرين من شهر رمضان عام أربعين هجرية ، أي في الليلة الأخيرة من عمر الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) ، أخذ الإمام يودّع أهل بيته ويوصيهم بوصاياه ، فالتفت إلى ولده أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) من بين أولاده ، وقرّبه من نفسه ، وضمّه إلى صدره ، وقال له : (( ولدي عبّاس ، وستقرّ عيني بك يوم القيامة . ولدي إذا كان يوم عاشوراء ودخلت الماء وملكت المشرعة ، فإيّاك أن تشرب الماء وأن تذوق منه قطرة وأخوك الحسين (عليه السّلام) عطشان )) .

ولذا عندما قرب أبو الفضل العبّاس (عليه السّلام) الماء من فمه بعد أن ملك المشرعة تذكّر عطش أخيه ، وجال في ذهنه وصيّة أبيه ، فرمى الماء على الماء ، وملأ القربة ، وخرج عطشانَ ؛ مواساة ووفاءً .


الصفحة (223)

مواساة العبّاس (عليه السّلام) للسيّدة زينب (عليها السلام)

كما أن مواساة أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) كان وفاءً منه لما عاهد عليه أباه أمير المؤمنين (عليه السّلام) في حقّ أخته المبجّلة ، عقيلة بني هاشم ، السيّدة زينب (عليها السلام) وذلك في ليلة إحدى وعشرين من شهر رمضان أيضاً ، أي في ليلة استشهاد الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) ، حيث كان الإمام قد جمع خاصته وذويه وأولاده وبنيه للوداع معهم .

فقد ورد أنّ السيّدة زينب (عليه السّلام) لمّا رأت أباها أمير المؤمنين (عليه السّلام) قد جمع أولاده وأهل بيته ساعة الاحتضار ، وأخذ يودّعهم ويوصيهم ، ويعيّن الوصيّ والإمام من بعده عليهم ، تقدّمت إليه وقالت بكلّ حزن وأسى على ما كانت تراه بأبيها ، وعلى ما أخبرها به من وقعت كربلاء : اُريد يا أبتاه وأنت بعدُ في الحياة أن تختار لي من إخوتي مَنْ يواسيني في رخائي وشدّتي ، ويكفلني في سفري وحضري .

فقال لها أمير المؤمنين (عليه السّلام) بكلّ عطف وحنان : (( هؤلاء إخوتك ورجال أهل بيتك فاختاري منهم مَنْ تريدين ، فإنّهم أكفاء لما ترومين )) .

فقالت (عليها السلام) وببصيرة كاملة : يا أبتاه ، إنّ الحسن والحسين (عليه السّلام) أئمّتي وسادتي ، وعليَّ أن أخدمهما وأقوم بحمايتهما ، وأن اُواسيهما واُؤثرهما على نفسي ، ولكنّي اُريد من إخوتي مَنْ يخدمني ويواسيني ، ويقوم بحمايتي وكفالتي .

فقال (عليه السّلام) لها وهو يرقّ على حالها ومصابها بأبيها : (( اختاري منهم مَنْ شئتِ )) .

فأجالت السيّدة زينب (عليها السلام) ببصرها على إخوتها حتّى إذا وقع نظرها على أخيها أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) لم تتجاوزه إلى غيره ، وإنّما التفتت إلى أبيها أمير المؤمنين (عليه السّلام) ، وأشارت بيدها إلى أخيها أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) ، وقالت : يا أبتاه ، اُريد أخي هذا .


الصفحة (224)

عندها التفت الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) إلى ولده أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) ، وأشار عليه بالدنو منه ، فلما دنا منه أخذ بيده ووضع يد السيّدة زينب (عليها السلام) في يده ، وقال : (( ولدي عبّاس ، عليك بأختك هذه ؛ فإنّها بقيّة اُمّها الزهراء (عليها السلام) ، فلا تقصّر في خدمتها ورعايتها ، ولا تتوان في حفظها وحمايتها )) .

فقال أبو الفضل العبّاس (عليه السّلام) ، وقد تحادرت دموعه على خدَيه : يا أبتاه ، لأنعمنَّكَ عيناً ، ولأكوننَّ عند حسن ظنّك ، فإنّي سأبذل قصارى جهدي ، وغاية جدّي ومجهودي في حفظها وحراستها ، وأرعى حرمتها وحقّها .

وهنا أخذ الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) يطيل النظر إلى ولده العبّاس (عليه السّلام) وإلى ابنته السيّدة زينب (عليه السّلام) ، ويبكي من موقفهما وموافقتهما ، وكأنّه يستعرض ما سيجري عليهما ، ويتذكّر ما سيصيبهما من الشهادة والأسر في كربلاء .

فكان أبو الفضل العبّاس نِعْمَ الأخ المواسي ليس لأخيه فحسب ، بل لاُخته أيضاً ؛ فإنّه هو الذي واسى أخاه الإمام الحسين (عليه السّلام) في عطشه ، فلم يشرب الماء مع الحصول عليه والوصول إليه ، كما إنّه واسى في نفس الوقت أخته المكرّمة عقيلة بني هاشم السيّدة زينب (عليه السّلام) عطشها وظمأها أيضاً ، إضافة إلى وفائه بالعهد لهما ، وتنفيذه وصيّة أبيه بالنسبة إليهما (صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين) .

أبو ذر يواسي الرسول (صلّى الله عليه وآله)

وجاء في تفسير علي بن إبراهيم عند تفسير التوبة في واقعة تبوك وغيره من الكتب الاُخرى أنّ أبا ذر تخلّف عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في غزوة تبوك ثلاثة أيّام ؛ وذلك لأنّ جمله كان أعجف ، وقد وقف عليه في بعض الطريق .


الصفحة (225)

فلمّا أبطأ عليه تركه ، وأخذ متاعه وثيابه فحمله على ظهره ، ولحق برسول الله (صلّى الله عليه وآله) ماشياً ، فأدركه بعد ثلاثة أيّام كاملة ، وكان رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قد نزل في بعض منازله ، فلمّا ارتفع النهار نظر المسلمون إلى شخص مقبل فقالوا : يا رسول الله ، إنّ هذا الرجل يمشي على الطريق وحده .

فقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : (( كن أبا ذر )) . فلمّا تأمّله القوم قالوا : يا رسول الله ، هو والله أبو ذر . فقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : (( أدركوه بالماء ؛ فإنّه عطشان )) . فأدركوه بالماء ، ووافى أبو ذر رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ومعه إداوة فيها ماء ، فقال له : (( يا أبا ذر ، معك ماء وعطشت ؟! )) .

فقال : نعم يا رسول الله بأبي أنت واُمّي ! انتهيت على صخرة عليها ماء السماء فذقته فإذا هو عذب بارد ، فقلت لا أشربه حتّى يشربه حبيبي رسول الله (صلّى الله عليه وآله) .

فقال له رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : (( رحمك الله يا أبا ذر ، أنت المطرود عن حرمي بعدي ؛ لمحبتك لأهل بيتي ؛ تعيش وحدك ، وتموت وحدك ، وتبعث وحدك ، وتدخل الجنّة وحدك ، يسعد بك قوم من أهل العراق يتولّون غسلك وتجهيزك والصلاة عليك ودفنك ، اُولئك رفقائي في جنّة الخلد التي وعد المتّقون )) .

الرسول (صلّى الله عليه وآله) يشكر أبا ذر

نعم ، إنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يشكر أبا ذر على مواساته ، ويدعو له بقوله رحمك الله يا أبا ذر ، ويخبره بما يجري عليه من بعده في سبيل الله ، ومحبّة رسوله وأهل بيته (صلوات الله عليهم) ، ويبشّره والذين يقومون بتجهيزه بالجنّة ؛ كلّ ذلك جزاءً له على مواساته ، وتقديراً له على إنسانيته .

ومن المعلوم أنّ شكر رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أبا ذر إنّما هو شكر الله على لسان رسوله (صلّى الله عليه وآله) ؛ فإنّ الرسول (صلّى الله عليه وآله) لا ينطق عن الهوى إن هو إلاّ وحي يوحى .


الصفحة (226)

وقد شكر الله تعالى مواساة أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) أخاه الإمام الحسين (عليه السّلام) ، ولكن لا على لسان رسول الله (صلّى الله عليه وآله) إذ لم يكن الرسول (صلّى الله عليه وآله) في الحياة ، بل على لسان وصي رسوله الإمام الصادق (عليه السّلام) ، وذلك في الزيارة المعروفة المأثورة عنه (عليه السّلام) في حقّ عمّه أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) ، حيث جاء فيها : (( السلام عليك أيّها العبد الصالح ، المطيع لله ولرسوله ولأمير المؤمنين . . .

إلى أن يقول (عليه السّلام) : أشهد وأُشهد الله أنّك مضيت على ما مضى عليه البدريون ، والمجاهدون في سبيل الله ، المناصحون له في جهاد أعدائه ، المبالغون في نصرة أوليائه ، الذّابون عن أحبائه ، فجزاك الله أفضل الجزاء ، وأكثر الجزاء ، وأوفر الجزاء ، وأوفى جزاء أحد ممّن وفى ببيعته ، واستجاب له دعوته ، وأطاع ولاة أمره )) .

وفي مكان آخر من الزيارة : (( السلام عليك يا أبا الفضل العبّاس ابن أمير المؤمنين ، إلى أن يقول : أشهد لقد نصحت لله ولرسوله ولأخيك ، فنعم الأخ المواسي )) .

وعلى لسان الإمام علي بن محمّد الهادي (عليه السّلام) ، وذلك حيث يقول (عليه السّلام) في زيارة الناحية المقدّسة على ما مرّ : (( السلام على أبي الفضل العبّاس ، المواسي أخاه بنفسه )) .

بل إنّ الله تعالى قد شكر العبّاس بن علي (عليه السّلام) على لسان رسوله (صلّى الله عليه وآله) بلا واسطة ، وذلك لمّا قد تواتر عند الفريقين من قول النبي (صلّى الله عليه وآله) في حقّ الإمام الحسين (عليه السّلام) : (( حسين منّي ، وأنا من حسين )) ، فتكون مواساة أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) لأخيه الإمام الحسين (عليه السّلام) هي مواساة للنبيّ (صلّى الله عليه وآله) .

وإذا كان النبيّ (صلّى الله عليه وآله) قد شكر ـ على ما عرفت ـ أبا ذر على مواساته فهو لمواساة أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) الذي كان أعظم من مواساة أبي ذر أكثر شكراً ، وأكبر تقديراً .


الصفحة (227)

المواساة سيّد الأعمال

هذا وقد جاء فيما أوصى به النبيّ (صلّى الله عليه وآله) عليّاً (عليه السّلام) ـ على ما في كتاب الخصال ـ أن قال له : (( يا علي ، سيّد الأعمال ثلاث خصال : إنصافك الناس إلى نفسك ، ومواساتك الأخ في الله (عزّ وجلّ) ، وذكرك الله تبارك وتعالى على كلّ حال )) .

وفي أمالي الطوسي عن الحذّاء مسندا قال : قال أبو عبد الله (عليه السّلام) : (( ألا أخبرك بأشدّ ما افترض الله على خلقه ؟ إنصافك الناس من أنفسهم ، ومواساة الإخوان في الله (عزّ وجلّ) ، وذكر الله على كلّ حالٍ ، فإن عرضت له طاعة الله عمل بها ، وإن عرضت له معصية تركها )) .

وفي الكافي عن الحسن البزّاز قال : قال لي أبو عبد الله (عليه السّلام) : (( ألا اُخبرك بأشدّ ما فرض الله تعالى على خلقه ؟ )) .

قلت : بلى .

قال (عليه السّلام) : (( إنصاف الناس من نفسك ، ومواساتك أخاك ، وذكر الله في كلّ موطن . أما إنّي لا أقول سبحان الله والحمد لله ولا إله إلاّ الله والله أكبر ، وإن كان هذا من ذاك ، ولكن ذكر الله في كلّ موطن إذا هجمت على طاعة ، وعلى معصية )) .

الوفاء من سمات المؤمنين

كما إنّ صدق الوعد ، والوفاء بالعهد هو أيضاً من الخصال الحميدة ، والصفات الكريمة التي مدحها الله تعالى في كتابه ، وجعلها من صفات المؤمنين وعلاماتهم ، ومدح الملتزمين بها , فقال : ( وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْماعِيلَ أنّه كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ ) .

وفي الخصال عن أبي مالك مسنداً قال : قلتُ لعلي بن الحسين (عليه السّلام) : أخبرني بجميع شرايع الدين .

قال (عليه السّلام) : (( قول الحقّ ، والحكم بالعدل ، والوفاء بالعهد )) .


الصفحة (228)

وفي الخصال أيضاً عن أبي عبد الله (عليه السّلام) مسنداً قال : (( ثلاثة لم يجعل الله لأحد من الناس فيهم رخصة ؛ برّ الوالدين بَرّين كانا أم فاجرين ، والوفاء بالعهد للبرّ والفاجر ، وأداء الأمانة إلى البرّ والفاجر )) .

وفي الخصال أيضاً عن الإمام الرضا ، عن أبائه (عليهم السلام) أنّه قال : (( قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : مَنْ عاملَ الناس فلم يظلمهم ، وحدّثهم فلم يكذبهم ، ووعدهم فلم يخلفهم فهو ممّن كملت مروءته ، وظهرت عدالته ، ووجبت اُخوّته ، وحرُمَتْ غيبته )) .

وفي كشف الغمّة مسنداً عن الإمام الرضا ، عن آبائه ، عن علي (عليه السّلام) ، قال : (( سمعت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يقول : عِدَة المؤمنين نذر لا كفّارة له )) .

وفي مشكاة الأنوار عن الإمام الرضا (عليه السّلام) أنّه قال : (( إنّا أهل البيت نرى ما وعدنا علينا ديناً ، كما صنع رسول الله (صلّى الله عليه وآله) )) .

وأبو الفضل العبّاس (عليه السّلام) هو فرع هذا البيت الطاهر ، الذي يرى ما وعده ديناً عليه ، ويعلم أنّ العهد حقّ للغير في ذمّته ولا بد من الوفاء به والأداء إليه .

من وفاء أبي الفضل (عليه السّلام)

ومن هنا يعلم صحة ما جاء في بعض المقاتل من أنّ الإمام الحسين (عليه السّلام) لمّا جاء ، ووقف على مصرع أخيه أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) ، وأراد أن يحمله إلى المخيّم حيث فسطاط الشهداء أقسم عليه أبو الفضل العبّاس (عليه السّلام) بحقّ جدّه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أن يتركه في مكانه ؛ معتذراً عن ذلك أنّه كان قد وعد سكينة بالماء ، وهو يستحي منها حيث لم يستطع على الوفاء لها .

ويعلم أيضاً صحة ما روي من أنّ أبا الفضل العبّاس (عليه السّلام) لم يكن ليدعو يوماً


الصفحة (229)

أخاه الإمام الحسين (عليه السّلام) بكلمة أخي ، ويا صنوي ، ويابن والدي ، وما أشبه ذلك ، وإنّما كان يدعوه دائماً وأبداً بكلمة سيّدي ومولاي ، ويابن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، وما شابه ذلك ؛ وفاءً منه لإمامه ، وتأدباً منه مع مَنْ جعله الله تعالى أولى به من نفسه ، إلاّ في مكان واحد دعا فيه أخاه بكلمة يا أخي ، وهو حين هوى من على ظهر جواده إلى الأرض .

وينقل أيضاً أنّ ملكة الهند توسّلت في حاجة لها بأبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) ، ونذرت إن قضى الله لها حاجتها أن تطلي منائر الروضة العبّاسيّة المقدّسة بالذهب ، فقضى الله لها حاجتها ببركة أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) ، وعزمت على أن تبرّ نذرها وتفي بعهدها ، فأخذت معها ذهباً كثيراً ، واصطحبت في سفرها مهندسين ماهرين بارعين ، واتّجهت نحو المشاهد المشرّفة والأعتاب المقدّسة .

حتّى إذا وصلت الملكة بموكبها إلى كربلاء المقدّسة ، وحاولت أن تبدأ عملية تطلية المنائر بالذهب ؛ إذ قد تمّ إعداد كلّ شيء ، واستعدّ المهندسون والعمّال لأن يبدؤوا عملهم في الصباح المبكّر من يوم غد ، لكن في نفس الليلة التي كان من المفروض أن يبدأ عمل التذهيب في صبيحتها رأى سادن الروضة العبّاسيّة المباركة أبا الفضل العبّاس (عليه السّلام) في منامه ، وهو يقول له ما معناه : إنّي لا أرضى بتذهيب منائر قبّتي ؛ فإنّ منائر روضة سيّدي الإمام الحسين (عليه السّلام) مذهبة ، ويلزم الاحتفاظ بالفرق بين روضة العبد وروضة سيّده .

وفي الصباح المبكّر وقبل أن يبدأ المهندسون عملهم أقبل سادن الروضة العبّاسيّة المباركة وأخبرهم بما قاله أبو الفضل العبّاس (عليه السّلام) ، وأدّى رسالته إليهم ، فكفّوا عن العمل ، وصرفوا الذهب الذي جاءت به ملكة الهند بحساب أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) في موضع آخر ، وبقي إلى يومنا هذا الفرق الذي أراده أبو الفضل العبّاس (عليه السّلام) لمنائر روضته ، فارقاً مع منائر روضة أخيه الإمام الحسين (عليه السّلام) .


الصفحة (230)

نعم ، إنّ تأدّب أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) ، ووفاءه لأخيه الإمام الحسين (عليه السّلام) لم يكن مقصوراً على أيّام حياته ، بل بقي مستمراً حتّى بعد شهادته (عليه السّلام) .

علماً بأنّ الشهداء أحياء عند ربهم يرزقون ، فكيف بشهيد يغبطه جميع الشهداء يوم القيامة مثل أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) ؟ ومعه فلا عجب إذاً من هذه القصة وأمثالها ، ممّا يدلّ على وفاء أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) ، وحسن أدبه مع أخيه الإمام الحسين (عليه السّلام) ، وكبير وفائه مع شيعته ومحبيه ، ورواده وزائريه ، والأمين له ، والوافدين عليه .


الصفحة (231)

الخصّيصة الواحدة والثلاثون

في أنّه (عليه السّلام) الحامي والمحامي

يُقال : حاميت عنه محاماةً ، أي منعته من العدوّ ، ودافعت عنه ، فالحامي والمحامي هو الذي يمنع الإنسان من عدوّه ويدافع عنه ، وأبو الفضل العبّاس (عليه السّلام) كان خير حامٍ ومحامٍ لأخيه الإمام الحسين (عليه السّلام) , حتّى إنّه جاء في زيارة أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) المأثورة عن الإمام الصادق (عليه السّلام) أجمل الثناء على أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) ، وأفضل المدح والدعاء له ؛ لحمايته عن أخيه الإمام الحسين (عليه السّلام) ونصرته له ؛ وذلك حيث يقول (عليه السّلام) : (( فنعم الصابر المجاهد ، المحامي الناصر ، والأخ الدافع عن أخيه )) .

وقال السيّد جعفر الحلّي عن لسان الإمام الحسين (عليه السّلام) ، وهو يندب أخاه أبا الفضل العبّاس (عليه السّلام) لمّا وقف على مصرعه :

أاُخـيَّ  مَـنْ يحمي بناتَ محمدٍ      إنْ صرنَ يسترحمنَ مَنْ لا يرحمُ
ما خلتُ بعدكَ أن تُشلَّ سواعدي      وتكفّ  باصرتي وظهريَ يُقصمُ

وقال آخر :

أوَلستَ تسمعُ ما تقولُ سكينةٌ      عمّاه  يوم الأسرِ مَنْ يحميني

إذاً فالعباس (عليه السّلام) هو مَنْ شهد له الإمام الصادق (عليه السّلام) والتاريخ ، وأقرّ له الشعراء والأدباء بالحماية عن أخيه الإمام الحسين (عليه السّلام) ، والدفاع عنه .


الصفحة (232)

ولا بأس بأن نذكر هنا بعض تلك المواقف التي بدت فيها حماية أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) ، ومحاماته عن أخيه الإمام الحسين (عليه السّلام) جليّة واضحة .

العبّاس (عليه السّلام) علي باب الوليد

لقد كان أبو الفضل العبّاس (عليه السّلام) بمواقفه المحمودة ، وسيرته الطيّبة قد احتلّ لنفسه في قلب أخيه الإمام الحسين (عليه السّلام) مكاناً مرموقاً ، ومنزلة رفيعة ، بحيث صار مورد اعتماده ، ومحلّ ثقته ، ومَنْ يعوّل عليه ، ويطمئنّ إلى نجدته وحمايته .

حتّى إنّه لمّا مات معاوية وكتب يزيد إلى والي المدينة الوليد بن عتبة بن أبي سفيان بأن يأخذ الإمام الحسين (عليه السّلام) بالبيعة له ، وإن أبى ضرب عنقه ، وأرسل برأسه إليه ، أنفذ الوليد إلى الإمام الحسين (عليه السّلام) في الليل واستدعاه ، فعرف الإمام الحسين (عليه السّلام) ما يريد ، فدعا ثلاثين رجلاً من أهل بتيه ومواليه ـ ولا شك أنّه كان على رأسهم أخوه الوفي أبو الفضل العبّاس (عليه السّلام) ـ وأمرهم بحمل السلاح ، وقال لهم : (( إنّ الوليد قد استدعاني في هذا الوقت ، ولست آمن من أن يكلّفني فيه أمراً لا أُجيب إليه ، وهو غير مأمون ، فكونوا معي ، فإذا دخلت إليه فاجلسوا على الباب ، فإن سمعتم صوتي قد علا فادخلوا عليه لتمنعوه عنّي )) .

وكان كما قال (عليه السّلام) ، فإنّ الوليد دعاه إلى بيعة يزيد فامتنع الإمام الحسين (عليه السّلام) من ذلك ، وقال : (( إنّا أهل بيت النبوّة ، ومعدن الرسالة ، ومختلف الملائكة ، بنا فتح الله وبنا يختم ، ويزيد رجل شارب الخمور ، وقاتل النفس المحرّمة ، ومعلن بالفسق ، ومثلي لا يبايع مثله ، ولكن نصبح وتصبحون ، وننظر وتنظرون أيّنا أحق بالخلافة )) .

وكان مروان حاضراً ، فأشار على الوليد بحبس الإمام الحسين (عليه السّلام) حتّى


الصفحة (233)

يبايع أو يضرب عنقه ، وأغلظ الوليد في كلامه له (عليه السّلام) ، فعلا صوت الإمام الحسين (عليه السّلام) مع مروان والوليد ، فهجم على الوليد قصره كلّ مَنْ كان مع الإمام الحسين (عليه السّلام) بالباب ، وقد شهروا أسلحتهم ، وأحاطوا بالإمام الحسين (عليه السّلام) يحمونه ، ويحامون عنه ، وأخرجوه إلى منزله .

ومن المعلوم أنّ الأخ الحامي ، والصنو المحامي ، أعني أبا الفضل العبّاس كان بلا شك هو قائد هؤلاء الثلاثين الذين دخلوا على الوليد لحماية الإمام الحسين (عليه السّلام) والدفاع عنه .

موقف العبّاس (عليه السّلام) ليلة عاشوراء

ثمّ إنّ الإمام الحسين (عليه السّلام) لمّا جمع أصحابه وأهل بيته ليلة العاشر من المحرّم ، وخطب فيهم خطبة أخبرهم فيها بأنّ القوم لا يطلبون سواه ، وإنّهم لو أصابوه لذهلوا عن غيره أذِنَ لهم بالانصراف عنه ، قائلاً : (( ألا وإنّي أظنّ يومنا من هؤلاء الأعداء غداً ، وإنّي قد أذِنْت لكم فانطلقوا جميعاً في حلٍّ ، ليس عليكم منّي ذمام ، وهذا الليل قد غشيكم فاتّخذوه جملاً ، وليأخذ كلّ رجلٍ منكم بيد رجلٍ من أهل بيتي ، وجزاكم الله جميعاً خيراً ، وتفرّقوا في سوادكم ومدائنكم )) .

فكان أوّل مَنْ قام وأجاب وبدأ القوم بالكلام هو أخوه أبو الفضل العبّاس (عليه السّلام) ؛ فإنّه أجاب جواب الحامي الوفي ، والمحامي الناقد البصير ، جواباً فتح على الآخرين كيف يجيبون إمامهم الإمام الحسين (عليه السّلام) ؛ حتّى يرضى الله عنهم ورسوله ، وعرّفهم كيف يقفون من إمامهم الإمام الحسين (عليه السّلام) موقف النصح والوفاء ، والنُبل والشرف ؛ لينالوا عزّ الدنيا وكرامة الآخرة .

إنّه قام فقال : لِمَ نفعل ذلك ! لنبقى بعدك ؟! لا أرانا الله ذلك اليوم .

وقام الآخرون وقالوا ما يشبه هذا الكلام ، فأجابهم الإمام الحسين (عليه السّلام) ، وهو


الصفحة (234)

يشكرهم على معرفتهم وشعورهم الطيّب ، ويثني على إيمانهم وإخلاصهم البالغ بقوله : (( إنّي لا أعلم أصحاباً أوفى ولا خيراً من أصحابي ، ولا أهل بيت أبرّ ولا أوصل من أهل بيتي ، وجزاكم الله عنّي خيراً )) .

وأبو الفضل العبّاس (عليه السّلام) هو أوّل مَنْ فاز بهذا الوسام وناله بكفاءة .

يوم عاشوراء وبطولة العبّاس (عليه السّلام)

نعم ، كان أبو الفضل العبّاس (عليه السّلام) هو الحامي الكفوء ، والمحامي الشجاع ، والمدافع الجريء الذي كان يجاهد بثبات ، ويدافع بعزم وبصيرة عن أخيه الإمام الحسين (عليه السّلام) ، وعن أهل بيته وأُسرته ، بل عن كلّ معسكر الإمام الحسين (عليه السّلام) ؛ إذ كان معسكر الإمام الحسين (عليه السّلام) آمناً بوجوده ، مطمئناً إلى قيادته وحمايته ، مفتخراً بنجدته وشهامته .

فقلد جاء في تاريخ الطبري وغيره : أنّ أصحاب الإمام الحسين (عليه السّلام) بعد الحملة الأولى التي استشهد فيها خمسون منهم كان يخرج الاثنان والثلاثة والأربعة ، وكلّ يحمي الآخر من كيد عدوّه ، فكان ممّن خرج الجابريان وقاتلا حتّى قُتلا ، والغفاريان فقاتلا معاً حتّى قُتلا ، والحرّ الرياحي ومعه زهير بن القين يحمي ظهره ، فقاتلا ساعة ، وكان كلّما شدّ أحدهما واستلحم شدّ الآخر واستنقذه حتّى قُتل الحرّ .

وكان ممّن خرج أيضاً عمر بن خالد الصيداوي وسعد مولاه ، وجابر بن الحارث السلماني ومجمع بن عبد الله العائذي ، فشدّوا جميعاً على أهل الكوفة ، فلّما أوغلوا فيهم عطف عليهم الناس من كلّ جانب وقطعوهم عن أصحابهم ، فندب إليهم الإمام الحسين (عليه السّلام) أخاه أبا الفضل العبّاس (عليه السّلام) فاستنقذهم بسيفه ، وقد جُرحوا بأجمعهم .

والشاهد هنا هو في انتداب الإمام الحسين (عليه السّلام) أخيه أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) لهذه المهمّة الصعبة ، مهمّة استنقاذ


الصفحة (235)

المنقطعين ، والأصعب منه هو قوّة أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) على إنقاذهم من بين تلك الجموع المتكدّسة والحشود الغفيرة ؛ فإنّه (عليه السّلام) أنقذهم على ما بهم من جراح ، وأثبت بذلك حمايته لأخيه ولمَنْ كان مع أخيه .

العبّاس (عليه السّلام) واللقاء بين المعسكرين

ثمّ إنّه لمّا أراد الإمام الحسين (عليه السّلام) أن يلتقي بعمر بن سعد ويتمّ الحجّة عليه ، أرسل إليه عمرو بن قرظة الأنصاري يطلب منه اللقاء به ليلاً بين المعسكرين ، ولمّا جنّ الليل وحان وقت اللقاء خرج كلّ منهما في عشرين فارساً حتّى إذا التقيا بين المعسكرين ، وكان هذا هو اللقاء الأوّل من نوعه ، أمر الإمام الحسين (عليه السّلام) مَنْ معه أن يتأخر إلاّ أخاه أبا الفضل العبّاس (عليه السّلام) وابنه عليّاً الأكبر (عليه السّلام) ، وفعل ابن سعد كذلك وبقي معه ابنه حفص وغلامه دريد .

عندها التفت الإمام الحسين (عليه السّلام) ، وقد حفّ به أخوه الحامي له والمحامي عنه أبو الفضل العبّاس (عليه السّلام) ، وابنه الكمي الوفي علي الأكبر (عليه السّلام) ، إلى ابن سعد وقال له : (( ويلك يا ابن سعد ! أما تتّقي الله الذي إليه معادك ؟ أتقاتلني وأنا ابنُ مَنْ علمت ؟! ذر هؤلاء القوم وكن معي ؛ فإنّه أقرب لك إلى الله تعالى )) .

فقال عمر بن سعد : أخاف أن تُهدم داري .

فقال الإمام الحسين (عليه السّلام) : (( أنا أبنيها لك )) .

فقال عمر : أخاف أن تُؤخذ ضيعتي .

فقال الإمام الحسين (عليه السّلام) : (( أنا أخلف عليك خيراً منها من مالي في الحجاز )) .

وفي رواية أنّه (عليه السّلام) قال له : (( أُعطيك البغيبغة )) . علماً بأنّها كانت ضيعة عظيمة فيها عين تتدفق كعنق البعير ، وبها نخل وزرع كثير ، وقد دفع معاوية فيها ألف ألف


الصفحة (236)

دينار ( أي مليون مثقال ذهب ) ليشتريها فلم يبعها (عليه السّلام) منه .

وهنا عندما انقطعت أعذار ابن سعد أبدى في جواب الإمام الحسين (عليه السّلام) مقالة أبانَ فيها عن نفاقه الباطن وكفره المكتوم ، مقالة تكشف عن سوء نيّته بالنسبة إلى نبيّه وآل نبيّه (صلوات الله عليهم) ، وتعبّر عن عدم غيرته على نبيّه ، وعلى أهل بيته وحرمه وعقائله ومخدراته .

مقالة تبدي رضاه بسبي آل الرسول (صلّى الله عليه وآله) وتخدير إمائه هو ونسائه ، مع أنّ الله تعالى جعل الرسول (صلّى الله عليه وآله) وأهل بيته (عليهم السلام) أولى بالمؤمنين من أنفسهم ، وأمرهم بأن يموتوا دونهم ، وأن يحفظوهم بأنفسهم وأموالهم ، وأهليهم وعشيرتهم .

لقد تجاهل ابن سعد كلّ أوامر الله تعالى بالنسبة إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وأهل بيت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، وهو لم يكن ممّن يجهلها ، وانبرى يقول بكلّ صلافة : إنّ لي بالكوفة عيالاً وأخاف عليهم .

وهنا لمّا رأى الإمام الحسين (عليه السّلام) شدّة جفاء ابن سعد ، وعظيم صلافته ، وتفضيل عياله على عيال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وعيالات أهل بيته (عليه السّلام) ، وهو ممّن يعلم بوجوب حقّه (عليه السّلام) وأهل بيته (عليهم السلام) عليه أيسَ منه ومن هدايته ، وانقطع رجاؤه من إنابته وأوبته إلى الحقّ ، فتركه وانصرف وهو يقول : (( ما لك ! ذبحك الله على فراشك عاجلاً ، ولا غفر لك يوم حشرك . فوالله ، إنّي لأرجو أن لا تأكل من بُرّ العراق إلاّ يسيراً )) .

فأجاب ابن سعد ، وقد شغف قلبه حبّ الدنيا ، وغطّى عقله وعود حكومة الري ، ولو كان بثمن قتل ابن بنت نبيّه (صلّى الله عليه وآله) ، وقال مستهزئاً : في الشعير كفاية عن البُرّ .

ولكنّ الاستهزاء بكلام المعصومين والناصحين ، وعدم الاكتراث بنصائحهم ومواعظهم لا يجرّ على الإنسان إلاّ الندم والحسرة ، ولا يعود عليه إلاّ بالضلال والخسران المبين ، وكذلك كان مصير ابن سعد ؛ فقد خسر الدنيا والآخرة .


الصفحة (237)

الراية في حماية العبّاس (عليه السّلام)

ولمّا كان يوم عاشوراء وعبّأ الإمام الحسين (عليه السّلام) أصحابه للقتال ، أعطى الراية أخاه أبا الفضل العبّاس (عليه السّلام) ، وخصّه بها من بين جميع أهل بيته وأصحابه ، وإنّ هذا ليدلّ على جدارة أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) بحماية الراية وحفظها ، وكفاءته في القيام بهذه المهمّة ، مهمّة الدفاع والحماية عن معسكر الإمام الحسين (عليه السّلام) ومحاماته لهم .

وبعد أن عبّأ الإمام الحسين (عليه السّلام) أصحابه ، وأعطى الراية أخاه أبا الفضل العبّاس (عليه السّلام) ، دعا براحلته فركبها ، ونادى بصوت عالٍ يسمعه جلّهم ، قائلاً : (( أيّها الناس ، اسمعوا قولي ولا تعجلوا حتّى أعظكم بما هو حقّ لكم عليَّ ، وحتّى اعتذر إليكم من مقدمي عليكم ، فإن قبلتم عذري وصدّقتم قولي ، وأعطيتموني النصف من أنفسكم كنتم بذلك أسعد ، ولم يكن لكم عليَّ سبيل .

وإن لم تقبلوا منّي العذر ، ولم تعطوا النصف من أنفسكم فاجمعوا أنفسكم وشركائكم ، ثمّ لا يكن أمركم عليكم غمّة ، ثمّ اقضوا إليّ ولا تُنظرون ، إنّ وليّي الله الذي نزّل الكتاب وهو يتولّى الصالحين )) .

فلمّا سمعن النساء هذا من الإمام الحسين (عليه السّلام) صحنَ وبكينَ ، وارتفعت أصواتهنَّ ، فأرسل الإمام الحسين (عليه السّلام) أخاه أبا الفضل العبّاس (عليه السّلام) ، وابنه علي الأكبر (عليه السّلام) ، وقال لهما : (( سكّتاهنَّ ، فلعمري ليكثر بكائهنَّ )) .

فأقبلا إليهنَّ وسكّتاهنَّ ، ولمّا سكتنَ واصل الإمام خطبته في الناس ، واستمر في موعظته لهم .

وما كان انتخاب أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) لإسكات النسوة إلاّ لجدارة أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) للقيام بهذه المهمّة ، ومكانته المرموقة عند النسوة ، وإيمانهنَّ بنجدته وحمايته ، ودفاعه وذبّه عنهنَّ ؛ ولذلك لما رأينه مقبلاً إليهنَّ سكتنَ اطميناناً


الصفحة (238)

إلى وجوده ، وركوناً إلى حمايته لهنَّ ومحاماته عنهنَّ ، فلمّا طلب منهنَّ السكوت حذار شماتة الأعداء ، وهو بشخصه حاضر بينهنَّ , أطعنه وسكتنَ وسكنَّ .

إعداد العبّاس (عليه السّلام) لكربلاء

وروي أنّ الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) كان ذات يوم جالساً في مسجد النبيّ (صلّى الله عليه وآله) بين أصحابه يحدّثهم ، ويعظهم ويبشرهم وينذرهم ، إذ جاء أعرابي وعقل راحلته على باب المسجد ، ودخل ومعه صندوق ، وأقبل نحو الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) فسلم على الإمام (عليه السّلام) ، ووضع الصندوق بين يديه (عليه السّلام) ، ثمّ قبل يدي الإمام (عليه السّلام) ، وقال : جئتك يا أمير المؤمنين بهدية .

فقال (عليه السّلام) : (( وما هي هديتك ؟ )) .

قال : هديتي في هذا الصندوق ، ثمّ فتح الصندوق ، وإذا فيه شيء ملفوف ، ففلّه فإذا هو سيف عضب من السيوف الجيّدة ، وله حمائل جميلة ، وقدّمه للإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) ، فأخذه الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) وشكره على هديته ، ثمّ أخذ يقلّب السيف بيده وينظر إليه ، وهو يقول لمَنْ كان معه من أصحابه : (( أيّكم يستطيع أن يؤدّي حقّ هذا السيف فيكون حقيقاً بأن أهديه له ؟ )) .

وبينما الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) يكلّم أصحابه إذ دخل أبو الفضل العبّاس (عليه السّلام) المسجد ـ وهو إذ ذاك لم يبلغ الحلم ـ , وأقبل نحو أبيه أمير المؤمنين (عليه السّلام) فسلّم عليه ، ووقف بين يديه متأدّباً ، وأخذ يُطيل النظر إلى السيف الذي في يد أبيه ، فأجاب الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) سلام ولده ، ثمّ أخذ ينظر إليه وهو يعيد مقالته ويقول : (( أيّكم يستطيع أن يؤدّي حقّ هذا السيف فيكون جديراً بأن أهديه له ؟ )) .

فقال أبو الفضل العبّاس (عليه السّلام) : وما حقّ هذا السيف يا أبتاه ؟


الصفحة (239)

فقال الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) : (( ولدي عبّاس ، حقّ هذا السيف هو أن تحمي به أخاك الإمام الحسين (عليه السّلام) وتحامي عنه )) .

فقال أبو الفضل العبّاس (عليه السّلام) ، وبكلّ انشراح ورحابة : أنا لذلك يا أبتاه .

فقال أمير المؤمنين (عليه السّلام) ، وقد ابتهج بشجاعة ولده العبّاس (عليه السّلام) ، وهشّ لبسالته ووفائه : (( نعم ، أنت له )) .

وقد أشار إليه بأن يدنو منه ، فلمّا دنا منه قلّده إيّاه ، فطال نجاد السيف على العبّاس (عليه السّلام) فقصّره له ، ثمّ جعل ينظر إليه ويطيل نظره ، وهو يبكي ودموعه تتحادر على خدّيه ، فقال له أصحابه : وما يبكيك يا أمير المؤمنين ؟ لا أبكى الله عينيك !

فقال (عليه السّلام) ، وقد اختنق بعبرته : (( كأنّي بولدي هذا وقد أحاطت به الأعداء من كلّ جانب ، وهو يضرب فيهم بهذا السيف يمنة ويسرة ، ويحمي به أخاه الإمام الحسين (عليه السّلام) ، ويحامي عنه حتّى تقطع يداه في نصرته ، ويقصف رأسه بعمد من الحديد في حمايته والدفاع عنه )) .

ثمّ بكى (عليه السّلام) ، وبكى مَنْ كان حاضراً عنده من أصحابه .


الصفحة (240)

الخصّيصة الثانية والثلاثون

في أنّه (عليه السّلام) ظهر الولاية

لـهـفي  لـهُ إذ رأى العبّاس منجدلاً       عـلـى الترابِ صريعاً عافرَ البدنِ
نادى بصوتٍ يُذيبُ الصخرَ يا عضُدي       ويـا مـعـيني ويا كهفي ومؤتمني
عـبّاس قد كنتَ لي عضداً أصولُ به       وكـنـتَ لـي جُنّةً من أمنعِ الجُننِ
عـبّاس هذي جيوشُ الكفرِ قد زحفت       نـحـوي بثاراتِ يومِ الدارِ تطلبني
كـسرتَ  ظـهري وقلّتْ حيلتي وبما       لاقـيتُ سُـرّتْ ذوو الأحقادِ والإحنِ
بـذلـتَ نـفسكَ دوني للعدى غرضاً      حـتّى  قـضيتَ نقيَّ الثوبِ من درنِ
بـقـيـتُ بـعـدكَ بين القومِ منفرداً       اُقـلّـبُ الـطرفَ لا حامٍ فيسعدني

 

العبّاس (عليه السّلام) عضد الإمام الحسين (عليه السّلام) وظهره

لقد كان أبو الفضل العبّاس (عليه السّلام) عضداً وظهراً لأخيه الإمام الحسين (عليه السّلام) ، كما كان أبوه الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) ، ومن قبله أبو طالب (عليه السّلام) عضداً وظهراً لرسول الله (صلّى الله عليه وآله) .

فقد جاء في التاريخ ، وباعتراف من علماء الفريقين : أنّ عمّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله) ، أعني أبا طالب (عليه السّلام) , كان ظهراً لابن أخيه في كلّ موطن وموقف وقف فيه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، وما أكثر تلك المواقف والمواطن في التاريخ .

وكان النبيّ (صلّى الله عليه وآله) وهو يرى عمّه أبا طالب (عليه السّلام) ظهراً له يواصل طريقه بكلّ جدّ ، ويستمر في تبليغ رسالات ربّه بكلّ صلابة .


الصفحة (241)

أبو طالب (عليه السّلام) ظهر النبوّة

ثمّ إنّه لمّا رأى المشركون أنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) لا يعتبهم من شيء أنكروه عليه ، ورأوا أنّ عمه أبا طالب (عليه السّلام) قد حدب عليه وقام دونه فلم يسلّمه لهم ، مشى ملأ منهم إلى أبي طالب (عليه السّلام) وقالوا له : يا أبا طالب ، إنّ ابن أخيك قد سبّ آلهتنا ، وعاب ديننا ، وسفّه أحلامنا ، وضلّل آباءنا ؛ فإمّا أن تكفّه عنّا ، وإمّا أن تخلّي بيننا وبينه .

فقال أبو طالب (عليه السّلام) في جوابهم قولاً رفيقاً ، وردّ عليهم ردّاً جميلاً ، ثمّ بعث إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) والملأ عنده ، فلمّا دخل عليه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قال له : يابن أخي ، هؤلاء مشيخة قومك وسراتهم ، وقد سألوك أن تكفّ عنهم ، وعن شتم آلهتهم ، ويدَعوك وإلهك .

فقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في جواب عمّه : (( يا عمّ ، أفلا تدعوهم إلى ما هو خير لهم ؟ )) .

فقال أبو طالب (عليه السّلام) : وإلى ما تدعوهم يابن أخي ؟

قال : (( أدعوهم يا عمّ ، إلى أن يتكلّموا بكلمة تدين لهم بها العرب ، ويملكون بها العجم )) .

فابتدر إليه أبو جهل من بين الملأ قائلاً : ما هي وأبيك لنعطيكها وعشر أمثالها ؟

وهنا أجاب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) هذا السؤال بعد أن جلب انتباه الملأ إليه ، وعطف مشاعرهم نحوه ، بقوله : (( تقولون لا إله إلا الله )) .

فنفروا عندما سمعوا ذلك ، وقالوا : سلنا غيرها .

فلمّا رأى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) نفورهم من الله تعالى ، وعكوفهم على آلهتهم التي


الصفحة (242)

لا تضرّ ولا تنفع ، ولا تسمن ولا تغني من جوع ، وأحسّ بعنادهم وتعصّبهم للباطل ، وتغاضيهم وجحودهم للحقّ ، التفت إليهم ، وقال : (( لو جئتموني بالشمس حتّى تضعوها في يدي ما سألتكم غيرها )) .

فقاموا من عنده غضاباً ، وولّوا على أدبارهم نفوراً ، ولكن قبل أن يتفرّقوا التفت أبو طالب (عليه السّلام) إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وقال على مسمع من اُولئك القوم ومرأى منهم : يابن أخي ، ادعُ كما أُمرت .

ثمّ أنشأ يقول :

واللهِ  لـن يـصلوا إليكَ بجمعهمْ      حـتّـى اُوسـدَ في الترابِ دفينا
فاصدع بأمركَ ما عليكَ غضاضةٌ       وابـشر وقـرّ بذاك منك عيونا
ودعـوتني وعلمتُ أنّكَ ناصحي       ولـقـد صدقتَ وكنتَ ثمَّ أمينا
ولـقـد  عـلمتُ بأنّ دينَ محمدٍ       مــن خـيرِ أديانِ البريّةِ دينا

وهكذا فإن المشركين لم يتمكّنوا أن يصلوا بجمعهم إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) حتّى قُبض أبو طالب (عليه السّلام) ، فلمّا قُبض نزل جبرائيل من عند الله تبارك وتعالى ليقول للنبيّ (صلّى الله عليه وآله) : لقد فقدت مَنْ كان لك ظهراً ، وعُدمت نصره ومظاهرته ، فلا مكان لك بعد في مكة .

مع أبي طالب (عليه السّلام) مرّة اُخرى

وفي مرّة اُخرى مشى الملأ من قريش إلى أبي طالب (عليه السّلام) أيضاً ، وقالوا له : يا أبا طالب ، إنّ لك سنّاً وشرفاً ومنزلة ، وإنّا قد استنهيناك من ابن أخيك فلم تنهه عنّا ، وإنا والله لا نصبر على هذا ؛ من شتم آبائنا ، وتسفيه أحلامنا ، وعيب آلهتنا حتّى تكفّه عنّا ، وننازله وإيّاك في ذلك حتّى يهلك أحد الفرقين .

وهنا لمّا سمع أبو طالب (عليه السّلام) مقالة القوم بعث إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، فلمّا أقبل


الصفحة (243)

رسول الله (صلّى الله عليه وآله) التفت إليه عمّه أبو طالب (عليه السّلام) ، وقال له : يابن أخي ، إنّ قومك جاؤوني قالوا لي : كذا وكذا ، فما تقول ؟

فقال له رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، وبكلّ عزم وحزم : (( يا عمّ ، والله لو وضعوا الشمس في يميني ، والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتّى يظهره الله أو أهلك فيه )) .

ثمّ استعبر رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فبكى ثمّ قام ، فلمّا ذهب ناداه عمّه أبو طالب (عليه السّلام) قائلاً : أقبل يابن أخي . فأقبل عليه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، فلمّا أقبل التفت إليه عمّه أبو طالب وهو يطمئنه ويحمي ظهره بقوله : قل يابن أخي ما أحببت ، فوالله لا أُسلمك لشيء أبداً .

وكان كما قاله (عليه السّلام) ، فإنّه ما دام كان في قيد الحياة لم يسلم رسول الله (صلّى الله عليه وآله) لشيء أبداً ، ولم يتجرّأ أحد من مشركي قريش ولا غيرهم على استئصاله وتصفيته ، ولا على صده عن رسالته ، وكفّه عن تبليغها إلى الناس .

الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) ظهر النبوّة والرسالة

وكان الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) يواصل خُطى أبيه أبي طالب (عليه السّلام) ، ويسير بسيرته ؛ فكان (عليه السّلام) ظهراً للنبيّ (صلّى الله عليه وآله) في كلّ موطن وموقف وقف فيه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، كما كان أبوه أبو طالب (عليه السّلام) ظهراً له .

فلقد كان هو (عليه السّلام) ربيب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قبل البعثة ، يعني كان (عليه السّلام) منذ أيّامه الأولى عند رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وفي بيته ، يتعلّم منه مكارم الأخلاق ، ومحاسن الأعمال ، كما كان تلميذ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بعد البعثة ؛ حيث إنّه (عليه السّلام) كان أوّل مَنْ آمن به وصدّقه ، وآزره ونصره .

وكان يصحبه مصاحبة الظلّ صاحبه ، ويتبعه متابعة الفصيل أثر اُمّه ، ويرى نور الوحي حين ينزل على رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، ويسمع حسيس الملائكة ، كما سمع رنّة الشيطان جزعاً من نزول الوحي ، ويشمّ ريح النبوّة ، حتّى قال له رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : (( إنّك تسمع ما أسمع

الصفحة (244)

وترى ما أرى ، إلاّ أنّك لست بنبيّ ، ولكنّك لوزير ، وإنّك لعلى خير )) .

ولقد زخر تاريخ الإسلام الناصع بمواقف الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) المشرّفة تجاه الإسلام وتجاه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ؛ حيث كان للإسلام عوناً وناصراً ، ولرسول الله (صلّى الله عليه وآله) ظهراً وحامياً ؛ فذلك موقفه المشرّف يوم الدار ويوم الإنذار ، وتلك تضحيته العظيمة ليلة المبيت وليلة الهجرة ، وذلك مقامه البطولي يوم بدر وأُحد ، ويوم الأحزاب وخيبر ، وتلك منزلته العظيمة يوم تبوك ويوم نزول سورة براءة ، ويوم المباهلة ويوم غدير خم .

وكثير غيرها من المواقف المشرّفة التي بدت منها واضحة كون الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) ظهراً للنبيّ (صلّى الله عليه وآله) ، وثبت منها للتاريخ أنّه (عليه السّلام) كان ظهراً للنبوّة والرسالة ، وأنّه لولا مواقفه العظيمة تلك لاندرس اسم النبيّ (صلّى الله عليه وآله) وسنته وسيرته ، ولانمحت معالم النبوّة وآثار الرسالة والوحي .

العبّاس (عليه السّلام) يواصل خطي أبيه (عليه السّلام)

وكما كان الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) يواصل خطى أبيه أبي طالب (عليه السّلام) ، ويسير بسيرته بالنسبة إلى حماية النبيّ (صلّى الله عليه وآله) ومظاهرته له ، فكذلك كان أبو الفضل العبّاس (عليه السّلام) يواصل خطى أبيه الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) ، ويسير بسيرته بالنسبة إلى حماية الإمام الحسين (عليه السّلام) وكونه ظهراً له .

وكيف لا يكون أبو الفضل العبّاس (عليه السّلام) ظهراً لأخيه الإمام الحسين (عليه السّلام) وقد ولد ـ على ما مرّ ـ من أجل ذلك ؟!

فإنّ أباه الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) كما عرفت كان قد اقترح على أخيه عقيل بن أبي طالب (عليه السّلام) أن يشير عليه بالزواج من امرأة ولدتها الفحولة من العرب ، أي بأن تكون من بيت معروف بالشجاعة والفروسية والنبل والكرامة حتّى تلد له ولداً غيوراً وشجاعاً يكون عضُداً وظهراً للإمام الحسين (عليه السّلام) ، فأشار عليه عقيل


الصفحة (245)

بالزواج من فاطمة بنت حزام الوحيديّة الكلابيّة ، المكناة باُمّ البنين ، فتزوّجها الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) ، فولدت له بنين أربعة ؛ أوّلهم وأكبرهم العبّاس ابن أمير المؤمنين (عليه السّلام) .

وإنّما سمّاه أبوه أمير المؤمنين (عليه السّلام) باسم العبّاس ، مع أنّ العبّاس من حيث اللغة هو الأسد الذي تهرب منه الاُسود خوفاً وذعراً ؛ ليكون حافزاً له على الشجاعة والشهامة ، ومذكّراً له بالبطولة والبسالة ، فيكون اسماً على مسمّى ، ويقوم بنصرة أخيه الإمام الحسين (عليه السّلام) في كلّ موطن وموقف ، وخاصّة في موقف كربلاء ويوم الطفِّ .

ومعلوم إنّ الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) الذي كان ـ على ما عرفت ـ يفكّر في إعداد مَنْ يكون ظهراً للإمام الحسين (عليه السّلام) ، وذلك قبل ولادة ابنه العبّاس (عليه السّلام) ، بل وقبل أن يتزوّج باُمّ العبّاس (عليه السّلام) ، اُمّ البنين (عليها السلام) .

كم كان يسعى بعد أن ولد له العبّاس (عليه السّلام) في أن يؤدّبه ويربّيه على إكبار أخيه الإمام الحسين (عليه السّلام) ، ويمهده ويعدّه ليكون للإمام الحسين (عليه السّلام) ظهراً وعضُداً ، ويعلّمه ويوصيه بأن لا تؤثّر في المغريات ، ولا تستهويه الأطماع ، وأن لا يؤثر على أخيه الإمام الحسين (عليه السّلام) شيئاً ، ولا يقدّم على حماية أخيه ونصرته أحداً .

فكان أبو الفضل العبّاس (عليه السّلام) هو خير تلميذ لأفضل أُستاذ في هذا المجال ؛ حيث إنّه (عليه السّلام) طبّق كلّ ما تعلمه من أُستاذه تطبيقاً حرفيّاً ، ونفّذ كلّ وصاياه تنفيذاً دقيقاً وصحيحاً ، ولم يتخلّف عمّا تلقّاه من تعاليم ووصايا قيد شعرة ، ولم يبتعد عنها بقدار أنمُلة .

وإنّما أدّى كلّ ما كان عليه تجاه أخيه الإمام الحسين (عليه السّلام) ، وكان له وبأحسن ما يكون ، وأفضل ما يمكن عضُداً وظهراً ، فكان بذلك ظهراً للولاية والإمامة كما كان أبوه الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) ظهراً للنبوّة والرسالة .


الصفحة (246)

حديث زهير لأبي الفضل (عليه السّلام)

لقد مرّ أنّ شمر بن ذي الجوشن قد طمع في أن يستهوي أبا الفضل العبّاس (عليه السّلام) ويغريه بالأمان الذي عرضه عليه ، والمنصب الذي جاء به من ابن زياد إليه ؛ ليدخله في ما دخل فيه هو من ظلمات الظالمين وعبوديتهم ، ظاناً بأنّ أبا الفضل العبّاس (عليه السّلام) ممّن يستبدل النور بالظلام ، والحقّ بالباطل ، والهدى بالظلال ، والآخرة بالدنيا .

ولكن ما راعه إلاّ أن رأى أبا الفضل العبّاس (عليه السّلام) حين عرض عليه الأمان ، ومنّاه بالجاه والمقام ، يزمجر في وجهه زمجرة الأسد الباسل ، ويزأر على مزاعمه وأباطيله زئير الليث الغضبان ، ويرمي شباكه وخداعه بشرر أنفاسه الغاضبة رمي البركان قواصف النيران ، وقواذف الجحيم ، ويصرخ بوجهه معلناً عن كلمته الخالدة ومقالته الشامخة : ألا لعنك الله يا شمر ولعن أمانك ! أتؤمننا وابن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) لا أمان له ؟! وتأمرنا بأن نترك مَنْ خلقنا الله لأجله ، وأن ندخل في طاعة اللعناء وأولاد اللعناء ؟!

ثمّ عرض عليه أبو الفضل العبّاس (عليه السّلام) أن ينتقل هو إلى معسكر الإمام الحسين (عليه السّلام) ، وله جائزة عند جدّه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، وأعرض الشمر بوجهه عن أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) ، وعمّا طرحه عليه ، وتضاءل ذلاً وصغاراً ، ورجع بخسّة وخفّة ، وهو يجرّ ذيول الخيبة والفشل ، والمذلّة والهوان .

ورجع أبو الفضل العبّاس (عليه السّلام) مع إخوته مرفوعي الرأس إلى معسكر الإمام الحسين (عليه السّلام) ، وأخبروا سيّدهم وإمامهم الحسين (عليه السّلام) بالخبر ، فقام عندها زهير بن القين من بين معسكر الإمام الحسين (عليه السّلام) وأقبل نحو أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) وجلس إليه ، وأخذ يحدّثه حديثاً تاريخيّاً صادقاً ، ويذكّره بقصّة حقيقيّة واقعيّة ، وهو


الصفحة (247)

يشكره ، ويمدحه على موقفه البطولي من الشمر وأمانه ، ويحضّه ويشجّعه على نصرة الإمام الحسين (عليه السّلام) والذبّ عنه ، ويقول له : ألا أُحدّثك بحديث وعيته ؟

قال له العبّاس (عليه السّلام) : بلى حدّثني به .

قال زهير : اعلم يا أبا الفضل ، إنّ أباك أمير المؤمنين (عليه السّلام) لمّا أراد أن يتزوّج بأمّك أمّ البنين طلب من أخيه عقيل بن أبي طالب (عليه السّلام) ـ وكان عارفاً بأنساب العرب وأخبارها ـ أن يختار له امرأة ولدتها الفحولة من العرب ، وذوو الشجاعة منهم ؛ ليتزوّجها فتلد له غلاماً فارساً شجاعاً ، وشهماً مقداماً ، ينصر الإمام الحسين (عليه السّلام) بطفّ كربلاء ، ويكون له عضُداً وظهراً ، وقد ادّخرك أبوك لمثل هذا اليوم ، فلا تقصّر عن نصرة أخيك وحماية أخواتك .

السيّدة زينب (عليها السلام) تلتقي أخاها العبّاس (عليه السّلام)

كان هذا ـ كما سبق ـ هو حديث زهير للعبّاس (عليه السّلام) وتشجيعه لأبي الفضل (عليه السّلام) على حمايته لأخيه الإمام الحسين (عليه السّلام) ، وحراسته أخواته عقائل بني هاشم وبنات الرسالة ، وهناك خبر يقول : إنّ السيّدة زينب (عليها السلام) التقت أخاها أبا الفضل العبّاس (عليه السّلام) بعد ذلك أيضاً ، فتقدّمت إليه تشجّعه على موقفه المشرّف من أخيه الإمام الحسين (عليه السّلام) ، وتحرّضه على الصمود في موقفه ذلك ، والثبات على نصرة إمامه والذبّ عنه .

وهي في نفس الوقت تشكره وتثني عليه وعلى وفائه ومواساته وثباته وشجاعته ، كما إنّها (عليها السلام) أخذت تذكّره بما كان من اهتمام أبيها الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) بهذا اليوم ، وبقضيّة كربلاء ، وقلقه (عليه السّلام) ممّا يجرى فيها على ولده السبط من شدائد ومصاعب ، وعلى بناته عقائل بني هاشم من رزايا ومصائب ، وتخبره أيضاً عن أنّ أباها (عليه السّلام) قد تزوّج على أثر ذلك بامرأة من أشجع


الصفحة (248)

العرب حتّى تلد له غلاماً شجاعاً ؛ يكون عضُداً لأخيه الإمام الحسين (عليه السّلام) ، وظهراً له وعوناً ، فكان هو ، يعني أبا الفضل العبّاس (عليه السّلام) ، نتيجة ذلك الزواج وثمرته ، وعليه فيكون هو الذي قد أعده أبوه الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) لهذا اليوم ، وادخّره لنصرة الإمام الحسين (عليه السّلام) وحماية عقائله .

ثمّ إنّها (عليه السّلام) عقّبت كلامها ذلك بقولها له : أخي يا أبا الفضل ، الخيام خيامك ، والنساء أخواتك ، فلا تقصّر عنّا بنصرتك .

العبّاس (عليه السّلام) يعلن مظاهرته

وهنا لمّا سمع أبو الفضل العبّاس (عليه السّلام) كلام زهير ، وما خصه به عليه ، كما في الخبر الأول ، وكذلك سمع ما قالته السيّدة زينب (عليها السلام) وحدّثته به ، كما في الخبر الثاني ، ثارت غيرته الهاشميّة ، وتفجّرت همّته العلويّة ، فتمطّى في ركابه حتّى قطعه ، ثمّ التفت إلى زهير ـ على الخبر الأول ـ وقال له وبكلّ عزم وحزم ، وشدّة وصلابة : تشجّعني يا زهير في مثل هذا اليوم ؟! فوالله لأُرينّك شيئاً ما رأيته .

كما إنّه (عليه السّلام) التفت إلى أخته عقيلة الرسالة والإمامة ، السيّدة زينب (عليها السلام) وقال لها ما يطمئنها ، ويشدّ قلبها ، ويسكن روعها وخوفها .

وهكذا كان أبو الفضل العبّاس (عليه السّلام) ، فلقد أرى زهيراً وغير زهير ما لم يروه في حياتهم ، وأتي بما لم يسمعوا به في التاريخ الغابر ، ولا التاريخ المعاصر ، بل ولا يمكن أن يسمع بمثله في المستقبل والزمان الآتي ، أنّه وقف لأخيه الإمام الحسين (عليه السّلام) مواقف بطوليّة رائعة ، أعلن فيها مظاهرته العمليّة والقوليّة لأخيه الإمام الحسين وأهل بيته (عليهم السّلام) ، حتّى أصبح معسكر الإمام الحسين (عليه السّلام) آمناً مطمئناً إلى مظاهرته وحمايته ، وأصبح معسكر يزيد خائفاً ساهراً ، وقلقاً مضطرباً من شدّة بأسه وكبير عزمه وهمّته .

إنّه كان في مجابهة الأعداء كفوءاً ، وفي كشف


الصفحة (249)

الموكّلين بالشريعة جسوراً ، وكان كلّما طلب الماء ، واستقى لأطفال أخيه وذراري رسول الله (صلّى الله عليه وآله) نفى عسكر الشريعة عن الفرات مع كونهم آلافاً مؤلفة ، حتّى قيل : إنّهم كانوا عشرة آلاف ، فكان في ذلك كما قال الشاعر في حقّه :

يـلـقى الـرماحَ بـنحرهِ فـكأنّما      فـي ظـنّه عـودٌ مـن الـريحانِ
ويرى السيوفَ وصوتَ وقعِ حديدها      عـرسـاً تـجلّيها عـليهِ غـواني

وكان في مقارعته لهم ومنازلته إيّاهم ، وذلك كلّما أراد استنقاذ أحد ، أو كشفهم عن معسكر الإمام الحسين (عليه السّلام) كما قال الآخر في حقّه :

وقــعَ  الـعـذابُ على جيوشِ أُميّةٍ       مــن بـاسـلٍ هو في الوقايعِ معلمُ
مــــا راعـهـم إلاّ تـقحّمُ ضيغمٍ       غــيـرانَ يـعـجـمُ لفظَهُ ويدمدمُ
عـبست وجوهُ القومِ خوفَ الموتِ وال      عـبّـاسُ فـيـهـم ضـاحكٌ متبسّمُ
قلبَ اليمينَ على الشمالِ وغاصَ في ال       أوسـاطِ يحصدُ في الرؤوسِ ويحطمُ
قـسـمـاً بـصـارمهِ الصقيلِ وإنّني       فــي غـيـرِ صاعقةِ السما لا أُقسمُ
لــولا الـقـضا لمحى الوجودَ بسيفهِ       واللهُ  يـقـضـي مـا يـشاءُ ويحكمُ

وعلّق على ذلك في معالي السبطين ، قائلاً : لعمر الله ، لو لم يكن ما جرى على اللوح من أن يستشهد أبو الفضل العبّاس (عليه السّلام) في يوم عاشوراء فينكسر بفقده ظهر الإمام الحسين (عليه السّلام) ، وينال درجة الشهادة ، لأفنى العبّاس (عليه السّلام) بسيفه معسكر يزيد ، ومحا بصارمه جيش بني اُميّة جميعاً .

تحريض العبّاس (عليه السّلام) الهاشميّين على المظاهرة

وجاء في معالي السبطين عن بعض الكتب حديث جميل عن مظاهرة أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) لأخيه الإمام الحسين (عليه السّلام) ، وذلك عن لسان السيّدة زينب (عليها السلام)


الصفحة (250)

فإنّها روت قائلة : لمّا كانت ليلة عاشوراء خرجت من خيمتي لأتفقّد أخي الإمام الحسين (عليه السّلام) وأنصاره ، وقد أفرد له خيمة ، فوجدته جالساً وحده وهو يناجي ربّه ، ويتلو القرآن ، فقلت في نفسي : أفي مثل هذه الليلة يُترك أخي وحده ؟! والله لأمضينَّ إلى إخوتي وبني عمومتي وأعاتبهم على ذلك .

فأتيت إلى خيمة أخي أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) فسمعت منها همهمة ودمدمة ، فوقفت على ظهرها ونظرت فيها ، فوجدت بني عمومتي وإخوتي وأولاد إخوتي مجتمعين كالحلقة ، وبينهم أخي أبو الفضل العبّاس ابن أمير المؤمنين (عليه السّلام) ، وقد جثا على ركبتيه كالأسد على فريسته ، وهو يخطب فيهم خطبة ما سمعت مثلها إلاّ من أخي الإمام الحسين (عليه السّلام) ؛ فأصغيت إليه فسمعته يقول في آخرها : يا إخوتي , ويا بني إخوتي , ويا بني عمومتي , إذا كان الصباح فما تقولون ، وما أنتم عاملون ؟

فقالوا في جوابه قولة رجل واحد : نحن رهن إشارتك ، وتحت قيادتك ، والأمر إليك فانظر ماذا ترى ؟

فقال أبو الفضل العبّاس (عليه السّلام) ، وهو يشكرهم على شعورهم ، ويثني على معرفتهم : إنّا نعدّ من أهل البيت ، وهؤلاء الأصحاب يعدّون قوماً غرباء ، والحمل الثقيل لا يقوم إلاّ بأهله ؛ فإذا كان الصباح فعلينا أن نكون أوّل مَنْ يبرز للقتال ومجابهة الأعداء ، ولا ندع الأصحاب يتقدّمون علينا في هذا المجال ، ويسبقونا في هذه المهمّة الشريفة ، وحتّى لا يقول أحد من الناس بأنّهم قدّموا أصحابهم وأنصارهم للقتل ، فلمّا قُتلوا بأجمعهم عالجوا الموت بأسيافهم ساعة بعد ساعة .

ولما وصل أبو الفضل العبّاس (عليه السّلام) في كلامه إلى هذا الموضع ، قام بنو هاشم وسلّوا سيوفهم وهزّوها في وجه أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) تأييداً له ، وهم يقولون : الرأي رأيك ، ونحن على ما أنت عليه . فشكرهم أبو الفضل العبّاس (عليه السّلام) على ذلك وأثنى عليهم .


الصفحة (251)

مع حبيب بن مظاهر

قالت السيّدة زينب (عليها السلام) فلمّا رأيت كبير اهتمامهم ، وشدّة عزمهم سكن قلبي واطمأنّت نفسي ولكن خنقتني العبرة ، فأردت أن أرجع إلى أخي الإمام الحسين (عليه السّلام) وأخبره بذلك فسمعت من خيمة حبيب بن مظاهر همهمة ودمدمة ، فاقتربت منها ووقفت بظهرها ، ونظرت فيها فوجدت الأصحاب على نحو بني هاشم مجتمعين كالحلقة ، وبينهم حبيب بن مظاهر يقول لهم : يا أصحابي ، لِمَ جئتم إلى هذا المكان ؟ تكلّموا وأوضحوا كلامكم رحمكم الله .

فقالوا بأجمعهم : جئنا لننصر ابن بنت نبيّنا غريب فاطمة (عليه السّلام) .

فقال لهم : لِمَ تركتم حلائلكم وطلقتم نساءكم ؟

فقالوا : لذلك .

فقال : فإذا كان الصباح فما أنتم فاعلون ؟

قالوا : الرأي رأيك ، والأمر إليك فانظر ماذا ترى ؟

قال : أرى أنّه إذا جاء الصبح وبدأ القتال أن نكون أوّل مَنْ يبرز بين يدي الإمام الحسين (عليه السّلام) ، ولا ندع هاشميّاً يتقدّمنا ؛ فإنّه من الصعب علينا أن نرى هاشميّاً مضرّجاً بدمه وفينا عرق يضرب ، ولئلاّ يقول الناس إنّهم قدّموا ساداتهم للقتال وبخلوا عليهم بأنفسهم وأرواحهم .

وهنا قام الأصحاب وسلّوا سيوفهم وهزّوها في وجه حبيب ، وهم يهتفون في تأييده قائلين : الرأي رأيك يا حبيب ، نحن على ما أنت عليه . فشكرهم حبيب وأثنى عليهم .

قالت السيّدة زينب (عليها السلام) : ففرحت من ثباتهم وعزمهم , ولكن خنقتني العبرة ، فانصرفت عنهم وأنا باكية ، وإذا أنا بأخي الإمام الحسين (عليه السّلام) قد اعترضني ، فسكتّ وتبسّمت ، فقال (عليه السّلام) : (( أُخيّة زينب ، )) .

فقلت : لبيك يا أخي يا أبا عبد الله .

فقال (عليه السّلام) : (( أُخيّة ، أراكِ متبسّمة مع إنّي ما رأيتك منذ خروجنا من المدينة متبسّمة ، فما هو سبب تبسّمك ؟ )) .

فقلت : يا أخي , رأيت من إخوتي وبني هاشم والأصحاب كذا وكذا ، وقصصت عليه خبرهم .

فقال (عليه السّلام) : (( اعلمي يا أُخيّة ، إنّ هؤلاء أعواني وأنصاري من عالم الذرّ ، وبهم وعدني جدّي رسول الله (صلّى الله عليه وآله) )) .


الصفحة (252)

الخصّيصة الثالثة والثلاثون

في أنّه (عليه السّلام) قائد الجيش

القائد : من القَوْد ، والقود : نقيض السَّوْق ، يُقال : قاد البعير ، أي جرّه خلفه ، وفي الحديث ـ كما عن لسان العرب ـ : قريش قادة ذادة ، أي يقودون الجيوش . وقادة : جمع قائد .

وروي أنّ قصيّاً قسّم مكارمه ؛ فأعطى قَوْد الجيوش عبد مناف ، ثمّ ورثها من بعده ابنه هاشم ، ثمّ عبد المطلب ، ثمّ أبو طالب ، ثمّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، ثمّ أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السّلام) .

هذا وقد جاء في كتاب الخصال أنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قال لعليّ (عليه السّلام) : (( يا علي ، سألت ربّي فيك خمس خصال : . . . . خامستها : أن يجعلك قائد اُمّتي إلى الجنّة فأعطاني )) .

وفي نوادر الراوندي مسنداً عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أنّه قال : (( والمجاهدون في الله تعالى قوّاد أهل الجنّة )) .

وفي كتاب الاختصاص عن الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) أنّه قال : (( وأنا قائد المؤمنين إلى الجنّة )) .

وفي خطبة فاطمة الزهراء (عليها السلام) أنّها قالت في وصف كتاب الله ، القرآن الكريم : (( قائد إلى الرضوان أتباعه )) .

وفي كتاب فقه الزهراء (عليها السلام) : (( يجب أن يكون القائد بحيث يقود أتباعه إلى الرضوان وإلى السعادة )) .


الصفحة (253)

وكذلك كان أبو الفضل العبّاس (عليه السّلام) ؛ فإنّه كان قائد جيش الإمام الحسين (عليه السّلام) ، وعميد عسكره ، وقد قاد كلّ أفراد جيشه ببصيرة ومعرفة ، وفي ظلّ إمامة أخيه الإمام الحسين (عليه السّلام) المنصوص على إمامته من جدّه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) إلى حيث رضوان الله والسعادة الأبديّة ، فأوردهم جنان الخلد ونعيم الأبد ، وأكسبهم عزّة الدارين ، وشرف الدنيا والآخرة .

العبّاس (عليه السّلام) وقيادة الجيش والقافلة

نعم ، إنّ الإمام الحسين (عليه السّلام) لمّا أصبح في يوم عاشوراء عبّأ أصحابه للقتال والمنازلة بعد أن صلّى بهم صلاة الغداة ، أعطى الراية لأخيه العبّاس ، وذلك بعد أن كان عقدها له في يوم خروجه من مدينة جدّه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، فقد جعله بها قائداً لقافلته يوم ذاك ، وجعله بها في يوم عاشوراء قائداً على جيشه ، وعميداً لعسكره .

فلمّا شبّ القتال بين الفريقين ، وألهب نيرانها قائد جيش يزيد عمر بن سعد ، الذي لم تؤثّر فيه مواعظ الإمام الحسين وأصحابه ، وباع آخرته بدنيا غيره ؛ فإنّه تقدّم ورمى بسهم نحو معسكر الإمام الحسين (عليه السّلام) وقال : اشهدوا لي عند الأمير بأنّي أوّل مَنْ رمى ، ثمّ تبعه جيشه ورموا معسكر الإمام الحسين (عليه السّلام) بالسهام كالمطر .

فإنّه لمّا نشب القتال وشبّ نيرانها , أثبت أبو الفضل العبّاس (عليه السّلام) نبوغه في فنون الحرب ، وتفوّقه في إنجاز مهمّة القائد ، وتأهّله لإدارة المعسكر والجيش واُمور القيادة .

كما وأثبت كفاءته لهذا المنصب الرفيع ، وجدارته بإدارة هذا المقام المنيع ، كيف لا وقد تدرّب في معسكر أبيه الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) ، وتعلم على يديه فنون الحرب ، وأساليب القتال والمنازلة ؟! ولذلك استطاع أن يقف بجيشه القليل أمام جيش العدوّ الكثير وقفة الأسد الباسل أمام هجمة الثعالب الجبانة .


الصفحة (254)

فقد كانت النسبة بين جيش الإمام الحسين (عليه السّلام) بقيادة أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) ، وبين جيش يزيد بقيادة ابن سعد أقل من نسبة الواحد إلى الألف حسب بعض المصادر ، ومع ذلك استطاع جيش الإمام الحسين (عليه السّلام) بقيادة أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) الرشيدة وإدارته الحكيمة ، الصمود أمام ذلك السيل الجارف ، والتصدّي لتلك الجموع الغفيرة , والتحدّي لها والاستهانة بها ، والتوطين على مقارعتها ومنازلتها بما لا نظير له في تاريخ الحروب ، ولا سابق له في ميادين النضال والكفاح .

فإنّ أبا الفضل العبّاس (عليه السّلام) منذ الصباح المبكّر من يوم عاشوراء ، وحتّى لحظة الشهادة وساعة الوداع والرحيل لم يهدأ لحظة ، ولم يسكن آناً ، وإنّما كان في سعي دائم ، وحركة دائبة ، وكفاح مستمر ، ونضال متواصل ؛ بين إنقاذ الجرحى من محاصرة الأعداء ، وبين صدّ هجوم العدوّ على مخيّم النساء ، وبين الدفاع عن معسكر الإمام الحسين (عليه السّلام) ومطاردة المهاجمين والمتسللين ، وبين الاستقاء وإيصال الماء إلى العطاشى والظمآنين ، وفي كلّ ذلك رافعاً اللواء بكفّه ، مجابهاً العدوّ ببأسه وصموده ، مروّعاً لهم بشجاعته وشهامته حتّى سلب العدوّ الأمن والأمان ، والراحة والاطمئنان .

من آثار حسن القيادة

ثمّ إنّ أبا الفضل العبّاس (عليه السّلام) ـ وعلى إثر حسن قيادته ـ لمّا رأى قلّة الأنصار ، وندرة أفراد معسكر أخيه الإمام الحسين (عليه السّلام) , قدّم إخوته من اُمّه وأبيه للشهادة بين يدي الإمام الحسين (عليه السّلام) ، واحتسبهم في الله ؛ لينال بذلك ثواب الصابرين ، وأجر الناصحين المخلصين .

ثواب الصابرين لصبره على مصابهم ، وافتجاعه بهم ،


الصفحة (255)

وأجر الناصحين لنصحه إيّاهم بالشهادة بين يدي إمامهم الإمام الحسين (عليه السّلام) ، ونيلهم ذلك الفوز في الدنيا والآخرة .

ثمّ إنّه (عليه السّلام) لمّا أراد رخصة لنفسه ، والإذن من سيّده وإمامه الإمام الحسين (عليه السّلام) للمبارزة والقتال ، لم يأذن له الإمام الحسين (عليه السّلام) ؛ معلّلاً ذلك بقوله له : (( أنت صاحب لوائي ، ومجمع عددي ، والعلامة من عسكري )) .

وهذا التصريح من الإمام الحسين (عليه السّلام) يثبت لأبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) أنّه كان قائد جيش الإمام الحسين (عليه السّلام) في يوم عاشوراء ، وعميد عسكره .

وكذلك يدلّ عليه ما جاء في بعض الروايات من أنّ الإمام الحسين (عليه السّلام) لمّا حضر عند مصرع أخيه أبا الفضل العبّاس (عليه السّلام) وأراد حمله إلى الفسطاط المعدّ للشهداء ـ وذلك بحسب الرواية ـ التفت أبو الفضل العبّاس (عليه السّلام) وهو في لحظاته الأخيرة إلى أخيه الإمام الحسين (عليه السّلام) , وأقسم عليه بحقّ جدّه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أن يتركه في مكانه ، ولا يحمله إلى المخيّم حيث فسطاط الشهداء ؛ معبراً عذره عن ذلك بصوت ضعيف ، ونبرات متقطّعة ، قائلاً : أنا كبش كتيبتك ، ومجمع عددك ، والعلامة من عسكرك .

عندها تركه الإمام الحسين (عليه السّلام) في مكانه وجزّاه خيراً ، وقال له : (( جُزيت عن أخيك خيراً ، فلقد نصرته حيّاً وميّتاً )) .

وهذا الاعتذار من أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) لعدم حمله إلى فسطاط الشهداء قد تشابه تماماً مع تعليل الإمام الحسين (عليه السّلام) في عدم الإذن له بالبراز ، ومقاتلة الأعداء .

وأقلّ ما يدلّ عليه هذا هو قيادة أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) لجيش الإمام الحسين (عليه السّلام) ، وأنعم به قائداً .

نعم ، لقد كان أبو الفضل العبّاس (عليه السّلام) قائد جيش الإمام الحسين (عليه السّلام) وعميد عسكره ، وكان من حسن قيادته العسكريّة ، وجميل فنونه الحربيّة ، أن زرع


الصفحة (256)

الخوف والذعر في قلب معسكر يزيد ، وجيش بني اُميّة ، وبعثر جمعهم ، وفرق جماعاتهم ؛ فلقد ضرب الأعناق ، وحصد الرؤوس ، وأطار الأيدي والأرجل ، وترك جيش العدوّ العنيد بأرقامه الكبيرة ، وأعداده الغفيرة ، وأفواجه الضخمة يموج بعضه في بعض ، وذلك على قلّة أفراد جيشه (عليه السّلام) ، وندرة تعداد عسكره .

كما إنّه (عليه السّلام) أبقى الراية مرفوعة ، واللواء مرفرفاً خفاقاً حتّى اللحظات الأخيرة من حياة الجيش ، وبقاء أفراده ؛ فإنّه ما دام كان هناك في معسكر الإمام الحسين (عليه السّلام) فرداً من أفراد الجيش حيّاً ، وجنديّاً من جنود المعسكر الحسيني مدافعاً ، أبقى أبو الفضل العبّاس اللواء (عليه السّلام) عالياً مرفرفاً ، والراية الشامخة خفّاقة ، تروّع الأعداء وتخوّفهم ، وتؤمّن الأحباء وتطمئنهم ؛ فإنّ الراية بحسب الأعراف العسكرية ما دامت تخفق ، واللواء ما دام يرفرف , يبقى العدوّ خائفاً مرعوباً ، ونائياً بعيداً ، لا يتجرّأ على الاقتراب والمداهمة ، والاكتساح والإبادة المتعقّبة للسلب والنهب ، ثمّ الأسر والسبي .

ومن أجل تحقيق ذلك كلّه ، أي من أجل أن لا يقترب الأعداء من معسكر الإمام الحسين (عليه السّلام) ، وأن لا يتجرؤوا على مداهمة خيام النساء والأطفال ، وأن لا يفكّروا في اكتساح معسكر الإمام الحسين (عليه السّلام) وإبادته جميعاً ؛ ليتسنّى لهم السلب والنهب ، ثمّ الأسر والسبي .

حافظ أبو الفضل العبّاس (عليه السّلام) على إبقاء الراية عالية مرفرفة ، واللواء منشوراً خفّاقاً ما كان به رمق ، وما دام قلبه ينبض بالحياة ، وهذا إن دلّ على شيء فإنّه يدلّ بالإضافة إلى قوّة إيمان أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) وشدّة إخلاصه ، يدلّ على كفاءة أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) لقيادة جيش الإمام الحسين (عليه السّلام) ، وجدارته بحمل لوائه ، والتزامه برايته (عليه السّلام) ، وكفى به فخراً وشرفاً ، وعزّة وكرامة .


الصفحة (257)

الخصّيصة الرابعة والثلاثون

في أنّه (عليه السّلام) المستجـار

أجار الرجل إجارة : خفره وأمّنه ، وأغاثه وأنقذه ، واستجار به : استغاث به ، والتجأ إليه ، واستجاره : سأله أن يجيره ، وفي التنزيل العزيز : ( وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتّى‏ يَسْمَعَ كَلاَمَ اللّهِ ثمّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ) .

قال الزجاج : المعنى إن طلب منك أحد من أهل الحرب أن تجيره من القتل إلى أن يسمع كلام الله فأجره ، أي أمّنه وعرّفه ما يجب عليه أن يعرفه من أمر الله تعالى الذي يتبيّن به الإسلام ، ثمّ أبلغه مأمنه ؛ لئلاّ يصاب بسوء قبل انتهائه إلى مأمنه .

وكيف كان ، فإنّ أبا الفضل العبّاس (عليه السّلام) قد حصل على وسام المستجار للدور الذي كان له (عليه السّلام) في معسكر الإمام الحسين (عليه السّلام) ، وخاصّة في يوم عاشوراء ، فلقد استجار به جميع أفراد الجيش الذين كانوا تحت قيادته ، ولجأ إليه كلّ مَنْ كان في معسكر أخيه الإمام الحسين (عليه السّلام) ، بل استجار به ، وبحسب الظاهر حتّى أخوه الإمام الحسين (عليه السّلام) .

العبّاس (عليه السّلام) الركن الوثيـق

ففي معالي السبطين أنّ الإمام الحسين (عليه السّلام) بكى على أخيه أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) بعد مصرعه ، وأنشأ يقول :


الصفحة (258)

أخـي  يا نورَ عيني يا شقيقي       فـلي قد كنتَ كالركنِ الوثيقِ
أيابن أبي نصحتَ أخاكَ  حتّى       سـقاكَ اللهُ كـأساً من رحيقِ
أيـا قـمراً منيراً كنتَ عوني       على كلّ النوائبِ في المضيقِ
فـبـعدكَ لا تـطيبُ لنا حياةٌ       سنجمعُ في الغداةِ على الحقيقِ
ألا لـلـهِ شـكوائي وصبري       ومـا ألـقاهُ من ظمأٍ وضيقِ

العطشان الذي جاد بالماء

وفي جلاء العيون نسب السيّد عبد الله شبّر الأبيات التالية إلى الإمام الحسين (عليه السّلام) ، وذلك عندما وقف على مصرع أخيه أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) ، فإنّه بكى ، وأنشأ يقول :

أحـقُّ الناسِ أن يُبكى عليه       فتىً  أبكى الحسينَ بكربلاءِ
أخـوهُ وابـنُ والـدهِ عليٍّ       أبو الفضلِ المضرّجِ بالدماءِ
ومَـنْ واساهُ لا يُثنيهِ شيءٌ       وجـادَ لهُ على عطشٍ بماءِ

أبو الفضل (عليه السّلام) ووسام المستجار

وفي معالي السبطين عن منتخب التواريخ : أنّ الشيخ الأُزري (رحمة الله تعالى عليه) لمّا كان ينظم في أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) قصيدته الهائيّة المعروفة ، والتي فاقت في قوّتها معلّقة لبيد ، ووصل في نضمه إلى قوله : يومٌ أبو الفضلِ استجارَ بهِ الهُدى

يعني : إنّ يوم عاشوراء يوم استجار الإمام الحسين (عليه السّلام) فيه بأخيه أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) ، توقف في ذلك ، وفكّر في نفسه أنّه لا يكون قد غالى في ذلك في حقّ أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) ، وقال بما لا يناسب مقام الإمام الحسين (عليه السّلام) .


الصفحة (259)

وعلى إثره تصوّر بأنّ هذا المصراع من البيت لعلّه لا يكون مقبولاً عند الإمام الحسين (عليه السّلام) ؛ ولذلك توقّف في نظم مصراعه الأخر ولم يكمل البيت ، محاولاً تعديله وحذفه .

فلمّا جنّه الليل ونام رأى في منامه الإمام الحسين (عليه السّلام) وهو يثنى على مصراعه الذي نظمه ، ويقول له : (( لنِعْمَ ما قلت يا أُزري ، وأحسنت وأجدت ! )) .

ثمّ أضاف (عليه السّلام) قائلاً : (( نعم ، لقد استجرت بأخي أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) يوم عاشوراء ؛ وذلك حين اشتدّ الضرّ ، وعظم البلاء )) .

ثمّ قال له : (( أفلا أكملت البيت وأتممته ، وقلت بعده : والشمسُ من كدرِ العجاجِ لثامُها )) .

يعني : إنّي استجرت به حين اغبرّت الأرض والسماء من كثرة العجاج ، وشدّة الغبار المثار من وقع الخيل ، وهجوم الأعداء حتّى صارت حجاباً للشمس ، ولثاماً لها ، واحتجبت بذلك عن الأبصار .

وبعبارة اُخرى : أراد الإمام الحسين (عليه السّلام) أن يستجير بأخيه أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) في ذلك اليوم العصيب ، يوم عاشوراء الرهيب ؛ ليمنح أخاه وسام ( المجير والمستجار ) ؛ لأنّه (عليه السّلام) رآه أهلاً لذلك ، وعرفه جديراً بهذا التقدير والامتنان .

الرسول (صلّى الله عليه وآله) ومسألة الاستجارة

وفي التاريخ أنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قد استجار بأحد شخصيات مكّة ، يدعى ( المطعم بن عدي ) ، وذلك بعد فقده عمّه أبي طالب (عليه السّلام) ؛ فإنّه لمّا مات عمّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله) أبو طالب (عليه السّلام) اشتدّ بلاء قريش على رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، فخرج إلى الطائف ومعه زيد بن حارثة مولاه ؛ رجاء أن يؤووه وينصروه على قومه ويمنعوه منهم .

فاجتمع بهم في ناديهم ودعاهم إلى الله , فلم يرَ فيهم مَنْ يجيبه ويؤويه وينصره ، ونالوه مع ذلك بأشد الأذى ، ونالوا منه ما لم ينل منه قومه ، فأقام (صلّى الله عليه وآله) بينهم عشرة أيّام لا


الصفحة (260)

يدع أحداً من أشرافهم إلاّ جاءه وكلّمه ، فما كان جوابهم إلاّ أن قالوا له : اخرج من بلادنا .

وأغروا به سفهاءهم يرمونه بالحجارة حتّى شجّوا رأسه وأدموا رجليه ، فخرج (صلّى الله عليه وآله) من الطائف متّجهاً إلى مكّة ، ونزل بالطريق بنخلة وأقام بها أيّاماً ، فقال له زيد بن حارثة : كيف تدخل مكّة وتعود إلى قريش وقد أخرجوك منها ؟!

فقال (صلّى الله عليه وآله) : (( يا زيد ، إنّ الله جاعل لما ترى فرجاً ومخرجاً ، وإنّ الله ناصر نبيّه ، ومظهر دينه )) . ثمّ انتهى (صلّى الله عليه وآله) إلى مكّة ، فأرسل رجلاً من خزاعة إلى المطعم بن عدي ليقول له : (( أدخل في جوارك ؟ )) .

فقال : نعم . ودعا بنيه وقومه ، فقال : البسوا السلاح ، وكونوا عند أركان البيت ؛ فإنّي قد أجرت محمّداً .

فدخل رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ومعه زيد بن حارثة حتّى انتهى إلى المسجد الحرام ، فقام المطعم بن عدي على راحلته فنادى : يا معشر قريش ، إنّي قد أجرت محمّداً فلا يهيجه منكم أحد .

فانتهى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) إلى الركن فاستلمه ، وصلّى ركعتين ، وانصرف إلى بيته ، والمطعم بن عدي وولده محدقون به بالسلاح حتّى دخل بيته (صلّى الله عليه وآله) .

وفي مكّة عاد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) إلى تبليغ رسالات ربّه كما كان عليه من قبل ، وهو في إجارة المطعم بن عدي وحمايته .

فإذا كان رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قد استجار بأحد شخصيات مكّة ، وهو المطعم بن عدي في هذه القصّة ، فإنّ الإمام الحسين (عليه السّلام) قد استجار بأخيه أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) ، فأنعِمْ بأبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) مجيراً ومستجاراً .

المجير لكلّ مَنْ استجار به

نعم ، لقد أصبح أبو الفضل العبّاس (عليه السّلام) بعد أن استجار به أخوه الإمام الحسين (عليه السّلام) ، ومنحه وسام المستجار ، مستجاراً لكلّ ملهوف ومكروب ، ومجيراً لكلّ ضعيف ومغلوب ، فليس هناك مَنْ استجار به في مهمّ إلاّ وتيسّر له مهمّه ، ولا


الصفحة (261)

استغاث به مستغيث في ملمّة إلاّ وانجلى عنه ملمّته ، ولا التجأ إليه خائف إلاّ وأمن ، ولا أَمَّلهُ مؤمّل حاجة إلاّ وبلغ أمله ، وقضيت له حاجته .

وتاريخ مرقد أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) ، ويوميّات روضته المباركة ، بل ساعاتها ولحظاتها مليئة بهذه الكرامات ، وحافلة بهذه العنايات والألطاف .

وقد نظم الشعراء قصائد مطوّلة وكثيرة في هذا المجال ، نشير إلى مقطع منها للسيّد صالح الحلّي ( رحمه الله ) . قال وهو يصف استشفاء أحد المؤمنين يدعى باسم ( سعيد ) به (عليه السّلام) ، وحصوله على الشفاء الكامل :

بأبي الفضلِ استجرنا       فـحبانا مـنه مِنحهْ
وطـلـبنا أن يداوي       ألـمَ القلبِ وجرحهْ
فـكـسـا اللهُ سعيداً       بعدَ سقمٍ ثوبَ صحّهْ
بـدّل الرحمنُ iمنهُ       قرحةَ القلبِ iبفرحهْ


الصفحة (262)

الخصّيصة الخامسة والثلاثون

في أنّه (عليه السّلام) الواقـي

وقاه يقيه وقاية ، أي صانه ومنعه من الأذى . وقيت الشيء أقيه : إذا صنته وسترته عن الأذى .

وفي التنزيل : ( فَوَقَاهُمُ اللّهُ شَرّ ذلِكَ الْيَوْمِ ) ، أي كفاهم الله ، ومنع منهم أهوال يوم القيامة وشدائده .

وفي الكتاب الحكيم : ( مَا لَهُم مِنَ اللّهِ مِن وَاقٍ ) , أي من دافع .

ووقاه الله أي حفظه . والتوقية : الكلاءة والحفظ .

إذاً فالواقي من حيث اللغة : هو مَنْ يقوم بعملية الحفظ والوقاية ، والمنع والصيانة ، ويشتغل بالدفع والكفاية ، والإغاثة والإعانة .

وفي ثواب الواقي روايات نذكر بعضها :

ففي الحديث الشريف عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أنّه قال : (( مَنْ أغاث أخاه المؤمن حتّى يخرجه من همّ وكربة وورطة كتب الله له عشر حسنات ، ورفع له عشر درجات ، وأعطاه ثواب عتق عشر نسمات ، ودفع عنه عشر نقمات ، وأعد له يوم القيامة عشر شفاعات )) .

وعن أبي عبد الله (عليه السّلام) قال : (( قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : عونك الضعيف من أفضل الصدقة )) .

وعن أبي عبد الله (عليه السّلام) قال : (( ما من مؤمن يعين مؤمناً مظلوماً إلاّ كان أفضل من صيام شهر ، واعتكافه في المسجد الحرام ، وما من مؤمن ينصر أخاه وهو يقدر


الصفحة (263)

على نصرته إلاّ نصره الله في الدنيا والآخرة )) .

وعن أبي عبد الله (عليه السّلام) أيضاً أنّه قال : (( نزعك القذاة عن وجه أخيك عشر حسنات ، وتبسّمك في وجهه حسنة ، وأوّل مَنْ يدخل الجنّة أهل المعروف )) .

وعن أبي عبد الله (عليه السّلام) أيضاً أنّه قال : (( مَنْ أغاث أخاه المؤمن اللهفان اللهثان عند جهده فنفّس كربته ، وأعانه على نجاح حاجته ، كانت له بذلك اثنان وسبعون رحمة لأفزاع يوم القيامة وأهواله )) .

وأبو الفضل العبّاس (عليه السّلام) قد فاز بما بشّرت به هذه الروايات من أجر وثواب ؛ إذ كان وهو الواقي بنفسه ودمه بالنسبة إلى أخيه الإمام الحسين (عليه السّلام) ، وذلك بكلّ ما لكلمة الواقي من معنى ، كما كان أبوه أمير المؤمنين (عليه السّلام) هو الواقي بكلّ ما للكلمة من معنى أيضاً بالنسبة إلى أخيه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) , حتّى إنّه نزلت في حقّه آية الذكر الحكيم ، وهي تشهد له بالوقاية عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ليلة المبيت ، وتثني عليه قائلة : ( وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللّهِ وَاللّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ ) .

( الواقي ) وسام أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام)

نعم ، لقد حصل أبو الفضل العبّاس (عليه السّلام) على أثر إخلاصه في حفظ معسكر الإمام الحسين (عليه السّلام) ، وكلاءة مخيّم النساء والأطفال ؛ بنات رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وذريته الأطيبين ، وصيانة رسول الله في ذرّيّته ودينه على وسام الواقي ، وكفى به شرفاً وعزّاً وفخراً وكرامة .

فلقد جاء في إحدى زياراته (عليه السّلام) المرويّة عن الإمام الصادق (عليه السّلام) أن قال : (( تقف عند مرقده الشريف وتقول : السّلام عليك أيّها الولي الصالح الناصح الصديق ، أشهد أنّك آمنت بالله ، ونصرت ابن رسول الله ، ودعوت إلى سبيل الله ،


الصفحة (264)

وواسيت بنفسك ، وبذلت مهجتك ، فعليك من الله السّلام التام )) .

ثمّ قال : (( تنكبّ على القبر المنيف وتقول : بأبي أنت واُمّي يا ناصر دين الله ! السّلام عليك يابن أمير المؤمنين ، السّلام عليك يا ناصر الحسين الصدّيق ، السّلام عليك يا شهيد ابن الشهيد ، السّلام عليك منّي أبداً ما بقيت ، وصلّى الله على محمّد وآله وسلم )) . فإنّه يستفاد من هذه الزيارة أنّ أبا الفضل العبّاس (عليه السّلام) قد حصل على أوسمة رفيعة ، ونياشين عالية ، وهي تتضمّن على نيشان الواقي .

ولقد جاء في الزيارة الصادرة عن الناحية المقدّسة سنة مئتين واثنين وخمسين هجريّة ، المنقولة في البحار عن كتاب الإقبال مسنداً عن الإمام الهادي (عليه السّلام) ، المشتملة على أسماء الشهداء وبعض أحوالهم ، ما يلي : (( السّلام على أبي الفضل العبّاس ابن أمير المؤمنين ، المواسي أخاه بنفسه ، الآخذ لغده من أمسه ، الفادي له الواقي )) .

وهنا كما رأيت تصريح من الناحية المقدّسة بمنح أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) وسام ( الواقي ) ، وقد ناله (عليه السّلام) بكفاءة وجدارة .

ثمّ إنّ هناك أوسمة قيّمة اُخرى نالها أبو الفضل العبّاس (عليه السّلام) بجدارة وكفاءة ، حتّى صار يُعرف بها ويُدعى إليها . مثل : الساعي ، والمستعجل ، والمصفّي ، وغير ذلك ، نشير إليها باختصار .

الســاعي

سعى يسعى سعاية : إذا عمل ومضى في مهمّة ، ومشى فيها ، وباشر إنجازها وتحصيلها ، والساعي هو مَنْ يقوم بذلك .

ولقد عُرف أبو الفضل العبّاس (عليه السّلام) بالساعي ؛ لسعيه (عليه السّلام) في إنجاز مهمّة الاستسقاء ، وطلب الماء لمعسكر الإمام الحسين (عليه السّلام) ، وخاصّة لأهل بيته وعيالاته بنات رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وذريته ، ولسعيه (عليه السّلام) في حماية أخيه الإمام الحسين (عليه السّلام) وحماية أهل بيته وذويه وأصحابه


الصفحة (265)

وأنصاره ، بل ولسعيه في حفظ دين الله وكتابه ، والذبّ عن رسول الله وذريّته ، ونصرة الحقّ ومعالمه ، حتّى وسمه الإمام الهادي علي بن محمّد (عليه السّلام) في زيارة الناحية المقدّسة المنقولة في البحار ، والمشتملة على أسماء الشهداء بوسام الساعي ، وذلك حيث يقول (عليه السّلام) فيها : (( السّلام على أبي الفضل العبّاس ابن أمير المؤمنين ، المواسي أخاه بنفسه ، الآخذ لغده من أمسه ، الفادي له الواقي الساعي )) .

وخاطبه قبل ذلك الإمام الصادق (عليه السّلام) في زيارته المعروفة ، قائلاً : (( أشهد أنّك لم تهن ، ولم تنكل ، وأنّك مضيت على بصيرة من أمرك )) ، كناية عن شدّة سعي أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) ، وعظيم وفائه بعهده مع سيّده وإمامه الإمام الحسين (عليه السّلام) ، وكبير معرفته بالله ورسوله وولاية أئمّة الحقّ ، ونفوذ بصيرته باُمور دينه ودنياه وآخرته وعقباه ، فهنيئاً لأبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) وسام ( الساعي ) ؛ فإنّه قد ناله بجدارة ، وكفاءة ولوذعيّة وألمعيّة .

أجر السـاعي وثوابه

وهناك روايات تعرّضت لبيان ثواب الساعي ، وأجر الماشي في حوائج الناس بين يدي إمامه ، والماشي في قضاء حوائجه ، وإنجاز مهمّاته ، كأبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) ن ونحن نشير إلى بعضها :

في الكافي مسنداً عن أبي عبد الله (عليه السّلام) أنّه قال : (( مَنْ سعى في حاجة أخيه المسلم طلب وجه الله ، كتب الله (عزّ وجلّ) له ألف ألف حسنة ، يغفر فيها لأقاربه وجيرانه وإخوانه ومعارفه . . . )) .

وفي الكافي أيضاً مسنداً عن أبي الحسن (عليه السّلام) أنّه قال : (( إنّ لله عباداً في


الصفحة (266)

الأرض يسعون في حوائج الناس ، هم الآمنون يوم القيامة . ومن أدخل على مؤمن سروراً فرّح الله قلبه يوم القيامة )) .

وفي الكافي أيضاً مسنداً عن أبي جعفر (عليه السّلام) أنّه قال : (( مَنْ مشى في حاجة أخيه المسلم أظله الله بخمسة وسبعين ألف ملك ، ولم يرفع قدماً إلاّ كتب الله له حسنة ، وحطّ عنه بها سيئة ، ويرفع له بها درجة ، فإذا فرغ من حاجته كتب الله (عزّ وجلّ) له بها أجر حاج ومعتمر )) .

وفي الكافي أيضاً مسنداً عن أبي عبد الله (عليه السّلام) أنّه قال : (( لأن أمشي في حاجة أخ لي مسلم أحبّ إليّ من أن أعتق ألف نسمة ، وأحمل في سبيل الله على ألف فرس مسرجة ملجمة )) .

وفي الاختصاص عن الصادق (عليه السّلام) أنّه قال : (( مشيُ المسلم في حاجة المسلم خير من سبعين طوافاً بالبيت الحرام )) .

وفي الكافي مسنداً عن أبي عبد الله (عليه السّلام) قال : (( ما من مؤمن يمشي لأخيه المسلم في حاجة إلاّ كتب الله (عزّ وجلّ) له بكلّ خطوة حسنة ، وحطّ بها عنه سيئة ، ورفع له بها درجة ، وزيد بعد ذلك عشر حسنات ، وشفّع في عشر حاجات )) .

المستعجـل

العجل والعجلة : السرعة خلاف البطء ، وفي التنزيل العزيز : ( وَلَوْ يُعَجّلُ اللّهُ لِلنّاسِ الشّرّ اسْتِعْجَالَهُم بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ ) , أي لو عجّل الله للناس الشرّ إذا دعوا به على أنفسهم عند الغضب وعلى أهليهم وأولادهم ، واستعجلوا به كما يستعجلون بالخير فيسألونه الخير والرحمة لقضي إليهم أجلهم ، أي ماتوا وهلكوا ، ولكن الله تعالى لا يعجل لهم الهلاك ، بل يمهلهم حتّى يتوبوا .

وقد دعي أبو الفضل العبّاس (عليه السّلام) بالمستعجل ، وعرف به ؛ لأنّه (عليه السّلام) يسرع في إغاثة الملهوف ، وإعانة


الصفحة (267)

الضعيف ، وإسعاف المحتاجين والزمنى ؛ فإنّه ما توسّل به إلى الله تعالى أحد ، ولا استشفع به مستشفع ، ولا أمله مؤمل إلاّ ورجع بقضاء حاجته وقبول شفاعته ، وتحقيق آماله وأمانيه ، حتّى دُعي (عليه السّلام) على إثر ذلك باسم المستعجل وعرف به .

المصـفي

صفا يصفو صفاءً : إذا أخلص من الكدر ، ونقي ممّا لا خير فيه . واستصفيت الشيء إذا استخلصته ، وأصفى الشاعر إذا انقطع شعره ونفد ، واستصفى ماله إذا أخذه كلّه .

وكيف كان ، فإنّ ( المصفّي ) الذي هو اسم فاعل من صفّى ، يصفّي ، تصفية ، يُقال لمَنْ يقوم بعملية التصفية والتنقية ، والقطع والحسم ، والاستخلاص والأخذ ؛ وحيث إنّ أبا الفضل العبّاس (عليه السّلام) عُرف باستخلاص قضيّة المتنازعين عند مراجعتهما إليه من الكدر ، وإنقاء نزاعهما من الشبهة ، وأخذ الظالم الجاحد للحقّ من المتنازعين أخذاً شديداً يقطع به مادة النزاع ، دُعي باسم ( المصفّي ) .

نعم ، إنّه اشتهر في الناس وخاصّة عند أهل القرى والأرياف القانطين في العراق بأنّ أبا الفضل العبّاس (عليه السّلام) هو خير مَنْ يقطع مادة النزاع ويحسمها من أصلها ؛ وذلك بأخذ الظالم ، والانتقام من الجاحد للحقّ والمنكر له من المتنازعين .

ولذلك إذا حدث لهم نزاع وتشاجر ، ولم يرضخ الظالم من المتنازعين للحقّ ، ولم يعترف به أو يخضع له ، جاؤوا بالقضيّة إلى أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) ، فيأتون إلى روضته المباركة ، ويدخلون حرمه الشريف ، ويطلبون من المتهم في القضيّة الذي يصرّ على الجحود والإنكار أن يحلف بأبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) على براءته .

فالمتّهم حينئذ يرى نفسه أمام الواقع الصريح الذي لا مفرّ منه ، والحقّ الواضح الذي لا غبار عليه ، فهو إمّا بريء في نفسه ، أو ظالم منكر


الصفحة (268)

للحقّ ، وبكلّ صورة سوف ينقطع النزاع وينحسم ؛ وذلك لأنّه إن كان بريئاً حلف ولم يمسه سوء فيُعلم أنّه كان بريئاً ممّا اتُّهم به ، وإن كان واقعاً غير بريء فهو إمّا يحلف أو لا يحلف ؛ فإن تعقّل واشترى خزي الدنيا عن عذاب الآخرة لم يحلف ؛ خوفاً من أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) ، فيعترف بالحقّ ويرضخ له .

وإن جازف بنفسه وباعها بخزي الدنيا وعذاب الآخرة حلف ، فيؤخذ بذنبه ، ويعاقب على جنايته ، ويُنتقم منه ، وأحياناً كثيرة يقضى عليه من طريق الغيب ؛ لكرامة أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) على الله ، ومنزلته عنده ، انتصافاً للمظلوم المُعتدى عليه ، وانتقاماً من الظالم الجاحد للحقّ .

هذا إن كان ( المصفّي ) على وزن اسم الفاعل ، وإن كان على وزن اسم المفعول ( المصفّى ) فإنّ معناه الخالِص والمخلِّص والمستخلَص ، أي إنّ الله تبارك وتعالى قد استخلص أبا الفضل العبّاس (عليه السّلام) واتّخذه خالِصاً له ، وجعله من عباده المخلصين ، وهو مقام رفيع ، ووسام عظيم ، لا يناله إلاّ ذو حظ عظيم ، كأبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) .


الصفحة (269)

الخصّيصة السادسة والثلاثون

في أنّه (عليه السّلام) سفير أخيه الإمام الحسين (عليه السّلام)

السفير : هو الرسول المصلح الذي يمثّل أحد طرفي القضيّة الدائرة بين فئتين ، ويقوم بينهما بعمليّة السفارة والوساطة ، والتنسيق والوفاق .

ومعلوم أنّه كلّما كانت القضيّة الدائرة بين الطرفين أكثر أهميّة وحساسيّة ، وأعظم دوراً وفاعليّة ، كما لو كانت حيويّة ومصيريّة ، كانت السفارة فيها أصعب وأعقد ، وكان السفير فيها أكبر مسؤوليّة وأعظم عبئاً وحملاً ، فيلزم أن يكون السفير بمستوى القضيّة ، بل فوق مستواها .

إذاً فالقضايا المصيريّة المهمّة تتطّلب سفيراً أميناً كريماً ، وعالماً حازماً ، وشجاعاً شهماً ، وأبيّاً وفيّاً . وأبو الفضل العبّاس (عليه السّلام) هو مَنْ قد تجمّعت فيه كلّ خصال السفير الناجح ، والرسول الصالح ، ولم يكن هناك في كربلاء أحد أجدر منه وأفضل ؛ ولذلك اختاره أخوه الإمام الحسين (عليه السّلام) لمهمّة السفارة بينه وبين جيش بني اُميّة عندما زحف الجيش بقيادة ابن سعد نحو مخيّم الإمام الحسين (عليه السّلام) ، مساء يوم التاسع من محرّم الحرام سنة إحدى وستّين للهجرة .

تاسوعاء وأهم واقعة فيها

لقد سجّل التاريخ في صفحاته ، ودوّنت كتب المقاتل في طيّاتها وقائع

الصفحة (270)

مهمّة وقعت في اليوم التاسع من محرّم الحرام ، ذلك اليوم العصيب المسمّى بيوم تاسوعاء ، وسمّي تاسوعاء ؛ لأنّه ـ على ما قيل ـ اسم لليوم التاسع من السنة ، إذ شهر محرّم الحرام أوّل شهور السنة ، وتاسعه تاسع أيّام السنة ، ويُقال لليوم التاسع منها : تاسوعاء ، ولليوم العاشر منها : عاشوراء .

وعليه ، فلعلّ الواقعة التالية من بين وقائع يوم تاسوعاء ، التي سوف نتعرّض لذكرها قريباً إن شاء الله تعالى ، تكون من أهم تلك الوقائع وقعاً ، وأعظم تلك القضايا عِضة ودرساً ، وعبرة وحكمة ؛ وذلك لأنّها كشفت عن علوّ مقام أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) عند الله ورسوله ، وعن كبير منزلته ومكانته لدى أخيه وإمامه الإمام الحسين (عليه السّلام) ؛ وذلك عندما زحف الجيش الأموي نحو المخيّم الحسيني ، حيث خاطبه الإمام الحسين (عليه السّلام) بقوله : (( يا عبّاس ، اركب بنفسي أنت يا أخي حتّى تلقاهم وتقول لهم : ما لكم ؟ وما بدا لكم ؟ وتسألهم عمّا جاء بهم )) .

كما إنّ هذه الواقعة كشفت عن تولّي أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) منصب السفير ، وأداء مهمّة السفارة عن أخيه الإمام الحسين (عليه السّلام) ، وإحراز كفاءته لها وجدارته بها ؛ فقد أثبت كونه سفيراً ناجحاً ، ورسولاً موفّقاً ، استطاع عبر سفارته تقديم ما قام بالسفارة من أجله ، وتمكّن بواسطته إنجاز ما توسّط له من مهامّه .

كما إنّ هذه الواقعة كشفت أيضاً عن اهتمام رسول الله (صلّى الله عليه وآله) والأئمّة من أهل بيته (عليهم السّلام) بالقرآن وتلاوته ، والصلاة وإقامتها ، والدعاء وإكثاره ، والاستغفار وملازمته ، واللّجاء إلى الله تعالى والإنابة إليه ، وتبليغ رسالات الله إلى الناس والاستمرار فيه ، والتوجيه إلى المعنويّات والدار الآخرة والإصرار عليها ، والتضحية من أجل الله ودينه والاستقامة فيها ، وإلى غير ذلك من الدروس والعظات ، والعِبَر والحِكَم الكامنة في طيّات هذه الواقعة المهمّة التي اتّفقت للإمام الحسين (عليه السّلام) في كربلاء ، وفي يوم تاسوعاء من سنة إحدى وستين هجريّة


الصفحة (271)

على هاجرها آلاف التحيّة والسّلام . والواقعة هي على ما جاءت في معالي السبطين كالتالي :

إطلالة تاسـوعاء

أطلّ يوم تاسوعاء بوقائعه المؤلمة ، وحوادثه المفجعة على الإمام الحسين (عليه السّلام) ، ونشرت الشمس اشعّتها الباهتة والكئيبة من شدّة الرزايا والمصائب على ربوع كربلاء ؛ فقد حوصر هذا اليوم كما عن الإمام الصادق (عليه السّلام) الإمام الحسين (عليه السّلام) وأصحابه (رضي الله عنهم) بكربلاء ، واجتمع عليه خيل أهل الشام ، وناخوا عليه ، وفرح ابن مرجانة وعمر بن سعد بتوافر الخيل وكثرتها ، واستضعفوا فيه الإمام الحسين (عليه السّلام) وأصحابه ، واستيقنوا أنّه لا يأتي الإمام الحسين (عليه السّلام) ناصر ، ولا يمدّه أهل العراق بعدّة وعدد ، ثمّ بكى الإمام الصادق (عليه السّلام) وقال : (( بأبي المستضعف الغريب )) .

نعم ، في هذا اليوم اجتمعت عدّة أهل الشام ، وكثر جمعهم ، وتوافرت كثرتهم ، ونزل شمر بن ذي الجوشن على ما روى الصدوق (عليه الرحمة) في أربعة آلاف ، ومعه كتاب من عبيد الله بن زياد .

وفي القمقام : قال سعد بن عبيدة : كنّا في حرّ شديد في ذلك اليوم ، وقد دخلنا الماء مع عمر بن سعد للنزهة والتبريد ، وبينا نحن كذلك إذ جاء إلى ابن سعد رجل وأسرّ إليه ما نغّص علينا نزهتنا واستجمامنا ، أنّه همز في أُذنه قائلاً : إنّ ابن زياد قد بعث إليك شمر بن ذي الجوشن ليرى ما أنت صانعه مع الإمام الحسين ؛ فإن رآك متوقّفاً في قتاله ومنازلته ضرب عنقك ، وتصدّى هو بنفسه لقيادة الجيش وإمارة العسكر ، فانظر في أمرك ، وأعدّ له عدّتك .


الصفحة (272)

وما أن علم ابن سعد بالخبر حتّى خرج من الماء وتعجّل في حرب الإمام الحسين (عليه السّلام) ، فركب في ساعته ونادى في معسكره بأعلى صوته مراوغاً ومخادعاً بقوله : يا خيل الله اركبي ، وبالجنّة أبشري ، معلناً في ذلك عن بدء القتال ، وانطلاق الحرب والمناوشة .

وزحف الجيش نحو معسكر الإمام الحسين (عليه السّلام) ومخيّمه ، فركبوا وزحفوا نحوه (عليه السّلام) ، وكان الوقت بعد العصر من يوم تاسوعاء .

زحف الجيش الاُموي

اقترب الجيش الأموي الزاحف إلى معسكر جيش بني هاشم الرابض ، وذلك في حين كان سيّد المعسكر الإمام الحسين (عليه السّلام) جالساً أمام خيمته ، محتبياً بسيفه ، خافقاً برأسه على ركبتيه ، فسمعت السيّدة زينب (عليها السلام) الصيحة والهيجة ، فأسرعت نحو أخيها الإمام الحسين (عليه السّلام) ؛ لتعلمه بالخطر الذي أصبح يهدّدهم ، فلمّا رأت أخاها بتلك الحالة بعيداً عن الخطر المحدق به ، دنت منه وقالت : أخي يا أبا عبد الله ، أخي يا أخي , أما تسمع هذه الأصوات قد اقتربت منّا ؟

عندها رفع الإمام الحسين (عليه السّلام) رأسه واستوى جالساً ، وقال : (( أُخيّه زينب ، كنت قد غفوت الساعة فرأيت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في غفوتي ونومي وهو يقول لي : إنّك تروح إلينا )) .

وفي اللهوف : قال (عليه السّلام) : (( إنّي رأيت الساعة جدّي محمداً (صلّى الله عليه وآله) ، وأبي عليّاً (عليه السّلام) ، واُمّي فاطمة (عليها السّلام) ، وأخي الحسن (عليه السّلام) وهم يقولون لي : يا حسين ، إنّك رائح إلينا عن قريب )) ، وفي بعض الروايات (( إنّك رائح إلينا غداً )) .

وما أن سمعت السيّدة زينب (عليها السلام) رؤيا أخيها الإمام الحسين (عليه السّلام) حتّى بكت وأعولت ، ولطمت وجهها وخدها ، وصرخت وصاحت وا ويلاه !

فقال لها الإمام الحسين (عليه السّلام) بشفقة ورحمة ، وهو يسكتها ويسكّنها : (( ليس


الصفحة (273)

الويل لك يا أُخيّه بل لأعدائك ، اسكتي رحمك الله ؛ كي لا يشمت القوم بنا )) . فسكتت (عليها السلام) وسكنت .

السفارة بين الجيشين

وهنا تقدّم أبو الفضل العبّاس (عليه السّلام) إلى أخيه الإمام الحسين (عليه السّلام) وأخبره بأن الجيش الاُموي قد زحف نحوهم قائلاً : يا أخي ، قد أتانا القوم وزحفوا نحونا .

فنهض الإمام الحسين (عليه السّلام) ، ثمّ قال : (( يا عبّاس , اركب بنفسي أنت يا أخي حتّى تلقاهم ، وتقول لهم ما لكم ؟ وما بدا لكم ؟ وتسألهم عمّا جاء بهم ؟ )) .

فركب أبو الفضل العبّاس (عليه السّلام) وأتى القوم في نحو عشرين فارساً ؛ فيهم زهير بن القين ، وحبيب بن مظاهر ، فجاء حتّى إذا وقف عليهم قال : ما بدا لكم ؟ وما تريدون ؟

فأجابوه بقولهم : قد جاءنا أمر الأمير بأن نعرض عليكم أن تنزلوا على حكمه أو نناجزكم .

فقال لهم أبو الفضل العبّاس (عليه السّلام) : إذاً مكانكم لا تعجلوا حتّى أرجع إلى أبي عبد الله الحسين (عليه السّلام) فأعرض عليه ما ذكرتم ، وأخبره بما قلتم .

كان لكلام أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) هذا وقعاً شديداً على قلوب القوم ، وتأثيراً كبيراً في إرعاب نفوسهم ؛ حيث إنّهم لم يجرؤوا بعد هذا على مواصلة زحفهم نحو معسكر الإمام الحسين (عليه السّلام) ، وإنّما أحجموا ووقفوا ، وهم يقولون : نعم ، ألقه واعلمه بالخبر ، ثمّ القنا بما يقول لك واعلمنا به .

فرجع أبو الفضل العبّاس (عليه السّلام) إلى أخيه الإمام الحسين (عليه السّلام) يخبره الخبر ، ووقف أصحابه يخاطبون القوم ويكلّمونهم .


الصفحة (274)

حبيب وزهير يعظان القوم

ثمّ التفت حبيب بن مظاهر إلى زهير بن القين وقال له : يا زهير ، كلّم القوم إن شئت ، وإن شئت كلّمتهم أنا .

قال زهير : يا حبيب ، أنت بدأت بهذا ، فكن أنت الذي تكلّمهم .

فتقدّم حبيب بن مظاهر وخاطب القوم بقوله : أما والله ، لبئس القوم عند الله غداً قوم يقدمون عليه وقد قتلوا ذريّة نبيّه وعترته وأهل بيته ، وعبّاد أهل هذا المصر ، المتهجّدين بالأسحار ، الذاكرين الله كثيراً !

فقاطعه عزرة بن قيس قائلاً : إنّك يا حبيب لتزكّي نفسك ما استطعت .

فأجابه زهير بقوله : يا عزرة , إنّ الله قد زكّاها وهداها ، فاتّق الله يا عزرة وخفه ، فإنّي لك من الناصحين . أُنشد الله يا عزرة أن تكون ممّن يعين الضُلاّل على قتل النفوس الزكيّة .

فقال له عزرة ، شامتاً به وطاعناً فيه : يا زهير , ما كنت عندنا من شيعة أهل هذا البيت ، إنّما كنت أنت عثمانيّاً .

فأجابه زهير قائلاً : أفلست تستدلّ بموقفي هذا على أنّي منهم ؟ ثمّ أضاف : أما والله ، ما كتبت كتاباً قط ، ولكن الطريق جمع بيني وبينه ، فلمّا رأيته ذكرت به رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ومكانه منه ، وعرفت ما يقدم عليه من عدوّه وحزبكم ، فرأيت أن أنصره ، وأن أكون في حزبه ، وأن أجعل نفسي دون نفسه ؛ حفظاً لما ضيّعتم من حقّ الله وحقّ رسوله (صلّى الله عليه وآله) .


الصفحة (275)

السفير الناجح والسفارة الموفّقة

وبينما كان زهير يناقش عزرة ، وحبيب ينصح القوم ويعظهم ، ويأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ، إذ وصل أبو الفضل العبّاس (عليه السّلام) إلى أخيه الإمام الحسين (عليه السّلام) وأخبره بما قاله القوم ، فقال له الإمام الحسين (عليه السّلام) : (( ارجع يا أخي إليهم ، فإن استطعت أن تؤخّرهم إلى غد ، وتدفعهم عنّا العشية ؛ لعلّنا نصلّي لربّنا الليلة ، وندعوه ونستغفره ، فهو يعلم أنّي قد كنت أحبّ الصلاة ، وتلاوة كتابه ، وكثرة الدعاء والاستغفار )) .

فمضى أبو الفضل العبّاس (عليه السّلام) إلى القوم واستمهلهم تلك الليلة ، وكانت ليلة جمعة ، فتوقّف عمر بن سعد في ذلك .

وفي المنتخب : إنّه التفت إلى شمر بن ذي الجوشن وقال له : ما تقول يابن ذي الجوشن ؟

فقال شمر بن ذي الجوشن : أمّا أنا فلو كان الأمر لي وكنت أنا الأمير ما كنت أمهلهم ، ولا أنظرهم ساعة , فكيف بليلة ؟

فقاطعهم عمر بن الحجاج الزبيدي قائلاً : ويلكم ! والله لو أنّهم كانوا من الترك والديلم وسألونا مثل ذلك لأجبناهم ، فكيف وهم آل محمّد ؟!

وهنا التفت ابن الأشعث قيس إليه وقال له : لا تجبهم إلى ما سألوك ، فلعمري ليصبحُنّك بالقتال غدوة .

فردّ على قيس مجيباً له بقوله : والله ، لو أعلم أن يفعلوا ما أخّرتهم العشية .

ثمّ استقر رأيهم أخيراً على أن يمهلوهم تلك الليلة ، فرجع أبو الفضل العبّاس من عند القوم ومعه رسول من عند عمر بن سعد ، حتّى إذا وصلا إلى الإمام الحسين (عليه السّلام) قام ذلك الرسول حيث يسمع الصوت ، ونادى قائلاً : إنّا قد


الصفحة (276)

أجّلناكم إلى غد ، فإن استسلمتم سرّحنا بكم إلى ابن زياد ، وإن أبيتم فإنّا لسنا بتاركيكم ، ثمّ انصرف .

وفي أمالي الصدوق : إنّ ابن سعد أمر مناديه أن ينادي في الناس : إنّا قد أجّلنا حسيناً وأصحابه يومهم وليلتهم ، فرجع على أثره كلّ من الجيشين إلى معسكرهم ومخيّمهم .

وهكذا استطاع أبو الفضل العبّاس (عليه السّلام) أن يؤدّي سفارته بأحسن وجه ، وأن يقوم بوساطته خير قيام ؛ حيث إنّه لم يجد القوم بعد عرضه (عليه السّلام) عليهم إمهال ليلة إلاّ النزول إلى عرضه ، والسماح بإمهالهم ، والقبول لإنظارهم ، وتركهم وشأنهم في تلك الليلة التاريخيّة الحاسمة ، ليلة عاشوراء المصيريّة الصارمة .

من أحداث ليلة عاشوراء

غربت شمس تاسوعاء ، ولملمة ذيولها الباهتة في الأُفق ، وغابت في المجهول ، ولاح سواد ليلة عاشوراء على أُفق كربلاء ، وأخذ الظلام يغزو كلّ ثغر ومكان ، حتّى أصبح الكون مظلماً وكأنّه قد طبّق بأجنحة حالكة سوداء ، وستور قاتمة دكناء ، ولاذ كلّ إلى وكره ومأمنه ، ومأواه ومستراحه ، غير ابن بنت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وأهل بيته وأصحابه ، وعقائل بني هاشم وذراري رسول الله (صلّى الله عليه وآله) , فإنّهم قد جنّ عليهم الليل ، وغطّاهم سواده وظلامه ، ولا وكر لهم ولا مأمن ولا مستراح ولا مأوى .

نعم ، في هذه الليلة التاريخيّة الصعبة ، والظروف القاسية المرّة ، لم يرتبك الإمام الحسين (عليه السّلام) ، وينشغل عمّا يهمّ أمر دينه ودنياه ، وحاشاه أن يرتبك وينشغل ؛ فإنّه (عليه السّلام) إمام معصوم ، قد أذهب الله عنه الرجس وطهّره تطهيراً ، بل أنّه كما كان


الصفحة (277)

يفكّر في أمر آخرته ، كان يفكّر في أمر دنياه أيضاً ، وهذا هو ما أكّد عليه الإسلام ، وطبّقه الإمام الحسين (عليه السّلام) في أصعب ظروفه تعليماً لنا وحجّة علينا .

ولذلك فإنّه (عليه السّلام) قسّم ليلته تلك ، ليلة عاشوراء الرهيبة ، إلى ثلاثة أقسام :

القسم الأول : الاجتماع بالأصحاب

1 ـ خصّص الإمام الحسين (عليه السّلام) قسماً من ليلة عاشوراء للاجتماع بأصحابه واختبارهم ، ورفع البيعة عنهم ، وإتمام الحجّة عليهم ، بقوله لهم : (( يا قوم ، اعلموا أنّكم خرجتم معي لعلمكم أنّي أقدم على قوم بايعوني بألسنتهم وقلوبهم ، وقد انعكس الأمر ؛ لأنّه استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله ، والآن ليس لهم قصد سوى قتلي ، وقتل مَنْ يجاهد بين يدي ، وسبي حرمي بعد سلبهم ، وأخشى أنّكم ما تعلمون ، وتعلمون وتستحيون ، والخِدَع عندنا أهل البيت محرّمة .

فمَنْ كره منكم ذلك فلينصرف ؛ فإنّ الليل ستير ، والسبيل غير خطير ، والوقت ليس بهجير ، ومَنْ واسانا بنفسه كان معنا في الجنان , نجياً من غضب الرحمن ، وقد قال جدّي رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : ولدي الحسين يُقتل بطفّ كربلاء غريباً وحيداً ، عطشانَ فريداً ، فمَنْ نصره فقد نصرني ونصر ولده الحجّة (عجّل الله تعالى فرجه) ، ولو نصرنا بلسانه فهو في حزبنا يوم القيامة )) .

وما أن أتمّ الإمام الحسين (عليه السّلام) كلامه إلاّ وتفرّق كثير ممّن كان قد جاء مع الإمام الحسين (عليه السّلام) لطلب الدنيا ، ولم يبقَ معه إلاّ نيف وسبعون رجلاً ممّن صحبه (عليه السّلام) لطلب الآخرة ، إضافة إلى مَنْ كان معه (عليه السّلام) من أهل بيته وإخوته ، وشبّان بني هاشم .

وفي رواية اُخرى : إنّ الإمام الحسين (عليه السّلام) خطب ليلة عاشوراء في أهل بيته


الصفحة (278)

وفيمَنْ بقي معه من أصحابه ، وقال بعد أن حمد الله وأثنى عليه ، وصلّى على رسوله وأهل بيته الطاهرين : (( أمّا بعد ، فإنّي لا أعلم أصحاباً أوفى ولا خيراً من أصحابي ، ولا أهل بيت أبرّ وأوصل من أهل بيتي ، فجزاكم الله عنّي خيراً . ألا وإنّي لا أظنّ يوماً لنا من هؤلاء ، ألا وإنّي قد أذنت لكم فانطلقوا جميعاً في حلّ ، ليس عليكم منّي حرج ولا ذمام ؛ هذا الليل قد غشيكم فاتّخذوه جملاً )) .

وهنا لمّا أتم الإمام الحسين (عليه السّلام) كلامه قام إليه بنو هاشم ، وعلى رأسهم الناطق عنهم أبو الفضل العبّاس (عليه السّلام) ، وقال : لِمَ نفعل ذلك يابن رسول الله ؟! لنبقى بعدك ! لا أرانا الله ذلك أبداً .

ثمّ قام الأصحاب وقال كلّ منهم كلاماً أظهر فيه وفاءه بعهده ، وافتخاره بالشهادة بين يديه (عليه السّلام) , فجزّاهم الإمام الحسين (عليه السّلام) خيراً ، وانصرف إلى مضربه وخيمته .

وكان من نتائج هذا الاجتماع والاختبار : أنّ الإمام الحسين (عليه السّلام) لمّا التقى بأخته عقيلة بني هاشم السيّدة زينب (عليها السلام) وسألته عن وفاء أصحابه له قائلة : أخي يا أبا عبد الله , هل استعلمت من أصحابك نيّاتهم ؟ فإنّي أخشى أن يسلموك عند الوثبة واصطكاك الأسنّة .

فأجابها الإمام الحسين (عليه السّلام) مطمئناً لها ، ومشفقاً عليها ، وهو يبكي ، ويقول : (( أما والله , لقد لهزتهم وبلوتهم ، وليس فيهم إلاّ الأشوس الأقعس ، يستأنسون بالمنيّة دوني استيناس الطفل بلبن اُمّه )) .

القسم الثاني : التخطيط العسكري

2ـ وخصّص الإمام الحسين (عليه السّلام) قسماً ثانياً من ليلة عاشوراء للتخطيط العسكري ، وترسيم سُبل الذبّ والدفاع عن النفس ، وصدّ هجوم القوم إذا بدؤوا الحرب في الصباح عليهم ، وتنظيم جبهة واحدة للمقابلة والمواجهة ، وتهيئة


الصفحة (279)

معدّاتهم وإصلاحها وصقلها . فقد دعا الإمام الحسين (عليه السّلام) أصحابه ، وأمرهم بأن يقرّبوا بيوتهم بعضها من بعض ، وأن يدخلوا أطناب الخيام بعضها في بعض حتّى يحتوي معسكره على أقل مساحة ممكنة من الأرض .

ثمّ أمرهم بأن يحفروا خندقاً حول الخيام ، وفي كلّ أطراف المعسكر ، ما عدا طرف واحد وهو طرف المواجهة ، ثمّ أمر أن يملؤوه بالقصب والحطب حتّى يكون جاهزاً عند الصباح لإضرام النار فيه ، فيكون بذلك خطّاً دفاعيّاً لهم ، يقيهم من هجوم الأعداء من كلّ الجوانب ، ويحفظهم من محاصرة القوم لهم من كلّ الأطراف ، وليكون دفاعهم عن أنفسهم على جبهة واحدة ، ومن طرف واحد .

وقد كانت هذه الخطّة خطّة عسكريّة ناجحة ، تحكي عن نبوغ مخطّطها وحكمة طرّاحها ، وتفصح عن حنكة مؤسّسها ، وتجربته العسكريّة العاليّة ، ومعرفته الفائقة بفنون الحرب والقتال ؛ فإنّ العدو لمّا بدأ القتال صباح يوم عاشوراء دار حول الخيام ، وفكّر في محاصرة معسكر الإمام الحسين (عليه السّلام) في أوّل لحظات الحرب ، والقضاء على معسكر الإمام الحسين (عليه السّلام) في الجولة الأولى من بدء القتال ، لكنّهم لمّا واجهوا الخندق المضطرم بالنار حول الخيام فشلوا ورجعوا خائبين ، وخسروا وعادوا أذلّة صاغرين .

نعم ، هكذا خطّط الإمام الحسين (عليه السّلام) لحفظ معسكره ، وصيانة مخيّمه ؛ وذلك بعد أن سلّم حراسة المخيّم ومحافظة المعسكر كلّه إلى عضده وظهره ، وأخيه وصنوه ، قمر العشيرة ، وكبش الكتيبة الذي كانت ترتعد فرائص الأعداء من اسمه ، وترتجف قلوبهم من رسمه ، أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) .

فكان (عليه السّلام) من أكبر مهامّه في تلك الليلة العصيبة هو حفظ المعسكر ، وحراسة مخيّم النساء . ولعلّ لقاء السيّدة زينب (عليها السلام) به ، وإيقافه على أنّه الذي ادّخره أبوه الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) لهذه الليلة ولهذه الأيّام ، وتشجيعه على نصرة أخيه الإمام الحسين (عليه السّلام) ، وحماية


الصفحة (280)

أخواتها عقائل بني هاشم ، وحراستهم من الأعداء ، كان قد اتّفق في هذه الليلة بالذات ، كما إنّ الإمام الحسين (عليه السّلام) ، وكذلك الأصحاب دخلوا بعد ذلك خيامهم ، وأخذوا يعدّون سيوفهم ويصلحونها ، ويهيّئون عتادهم ويصقلونها ، وكان الإمام الحسين (عليه السّلام) يصلح سيفه ويعالجه ، وهو ينعى نفسه ويقول :

يـا دهرُ أفٍّ لكَ من خليلِ       كم لكَ بالإشراقِ والأصيلِ
مـن صاحبٍ وطالبٍ قتيلِ       والـدهرُ  لا يقنعُ بالبديلِ
وإنّـما الأمـرُ إلى الجليلِ       وكـلّ حـيّ سالكٌ سبيلي

القسم الثالث : الاشتغال بالعبادة والتلاوة

3ـ وخصّص الإمام الحسين (عليه السّلام) قسماً ثالثاً وأخيراً من ليلة عاشوراء للعبادة والتوجّه إلى الله تعالى ، وذلك بالصلاة ، وبتلاوة القرآن ، وبالدعاء والاستغفار ، واقتدى به كلّ أصحابه وأهل بيته . وفي طليعة أصحابه وأهل بيته أخوه العبد الصالح المطيع لله ولرسوله أبو الفضل العبّاس (عليه السّلام) ؛ فإنّه إلى جانب حراسته كان قد شارك الأصحاب في ابتهالهم ولجئهم إلى الله تعالى ، فقاموا يصلّون ، ويتلون القرآن ، ويدعون ويستغفرون حتّى كان لهم على أثر ذلك دويّ كدويّ النحل .

فقد روى السيّد ابن طاووس في لهوفه قائلاً : وبات الإمام الحسين (عليه السّلام) وأصحابه في تلك الليلة ولهم دويّ كدويّ النحل ، ما بين راكع وساجد ، وقائم وقاعد ، فعبر إليهم في تلك الليلة من معسكر عمر بن سعد اثنان وثلاثون رجلاً . يعني : التحقوا بهم ، وفازوا بالشهادة والجنّة مع الإمام الحسين (عليه السّلام) وأصحابه ، وذلك على إثر عبادتهم وصلاتهم التي كانوا يصلّونها لله تعالى ، وإخلاصهم فيها ، وتوديعهم لها ، لإيقانهم بالشهادة والسعادة غداً في يوم عاشوراء .


الصفحة (281)

الخصّيصة السابعة والثلاثون

في أنّه (عليه السّلام) صاحب العصمة الصغرى

العصمة في كلام العرب : المنع . وعِصمة الله عبده : أن يعصمه ويمنعه ممّا يوبقه ويهلكه . وعصمه يعصمه عصماً : منعه ووقاه . وفي التنزيل العزيز : ( لاَ عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللّهِ إِلاّ مَنْ رَحِمَ ) , أي لا مانع . واعتصم فلان بالله إذا امتنع به . والعصمة : الحفظ ، يُقال : عصمته فانعصم ، واعتصمت بالله : إذا امتنعت بلطفه من المعصية .

إذاً فالعصمة من حيث اللغة هي : الحفظ والوقاية ، والصون والمنع ، ومن حيث الاصطلاح هي : قوّة معنويّة ، وملكة روحيّة يهبها الله لمَنْ يشاء من عباده ، يحفظه بها من العيوب والذنوب ، ومن الخطأ والزلل ، ويقيه عبرها من السهو والنسيان ، ومن العثرات والهفوات ، لكن لا على وجه يسلب منه الاختيار ، بل على وجه يبقى له حقّ الاختيار محفوظاً ؛ وذلك لأنّ الاختيار هو من لوازم التكليف ، فإذا سلب منه الاختيار كان معناه سلب التكليف عنه ، والحال أنّ المعصومين (عليهم السلام) مكلّفون بالتكاليف الشرعية كسائر الناس ، فتكليفهم دليل على أنّ العصمة التي جعلها الله تعالى فيهم غير سالبة لاختيارهم .

إذا عرفنا معنى العصمة ، فلا بدّ لنا أن نعرف بعدها أنّ العصمة على قسمين : ذاتية واجبة ، وعرضية مكتسبة .


الصفحة (282)

العصمة الكبرى وأصحابها

أمّا القسم الأوّل من العصمة ، وهي العصمة الذاتيّة الواجبة : فهي العصمة الكبرى ، التي جعلها الله تعالى في ذات الأنبياء وأوصيائهم ، وأوجبها لهم ، وجلبها عليهم ، وخصّهم بها ، حتّى قال تعالى ، وهو أصدق القائلين ، وأعدل المخبرين في محكم كتابه ومبرم خطابه ، وهو يخبر عن نبيّه الكريم ورسوله المصطفى ، خاتم أنبيائه وسيّد رسله محمّد بن عبد الله (صلّى الله عليه وآله) ، وعن ابنة نبيّه الصدّيقة الكبرى فاطمة الزهراء (عليه السّلام) ، وعن أوصياء نبيّه الطيّبين الطاهرين ؛ أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السّلام) والأئمّة الأحد عشر من ذريّته ، بدءاً بالإمام المجتبى ، وختماً بالإمام المهدي (عليه السّلام) ، ويصفهم بالعصمة في هذه الآية الكريمة من سورة الأحزاب القائلة : ( إنّما يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيراً ) .

وإنّما جعل الله تعالى العصمة في ذات أنبيائه وأوصيائه ، وجبلهم عليها ، وأوجبها لهم ، وزيّنهم بها ، وخصّ من بينهم المعصومين الأربعة عشر (عليهم السلام) بأعلى درجاتها وأرقى مراقيها ؛ لأنّ الله تعالى خوّل نبيّه الكريم وأهل بيته الطاهرين حقّه وشريعته ، وفوّض إليهم ولايته ودينه ، وجعلهم أولى بالمؤمنين من أنفسهم ، وأمر الناس بطاعتهم والانقياد لهم .

فإذا لم يكونوا مع ذلك كلّه معصومين من الزلل والخطل ، والسهو والنسيان ، كان معناه إيقاع الناس في الخطأ والاشتباه ، وسوقهم إلى الضلال والفساد ، وحاشا لله أن يفعل ذلك ؛ فإنّ الله تعالى حكيم ، ولا يفعل الحكيم ما يخالف الحكمة .

هذا مضافاً إلى أنّ الله تبارك وتعالى جعل مهمّة النبيّ (صلّى الله عليه وآله) أداء الرسالة وتبليغها ، وجعل مهمّة أوصيائه والأئمّة (عليهم السلام) من بعده حفظ تلك الرسالة


الصفحة (283)

وحراستها ، فإذا لم يسلّح الله تعالى نبيّه الكريم ، وكذلك أوصيائه والأئمّة الطاهرين من بعده بالعصمة لم يكن أحد منهم مصوناً من الاشتباه والنسيان ، والزيادة والنقصان ، وإذا احتمل في حقّهم ذلك لعدم عصمتهم انعدمت الثقة بهم وممّا جاؤوا به ، وسلب الاطمينان إليهم وبما قالوا ، وبذلك تبطل الشرايع والأديان ، وتنسخ الإمامة والوصاية والنبوّات .

ونسخ الإمامة والنبوّات ، وبطلان الشرايع والأديان خلاف حكمة الله تعالى ، ونقضاً لغرض الله الحكيم ، فلا بدّ إذاً من كون النبيّ (صلّى الله عليه وآله) وأوصيائه ، والأئمّة من أهل بيته (عليهم السلام) من بعده معصومين ، وفي أرقى مراقي العصمة ، وأرفع درجاتها وأعلى قممها .

الصورة التي لن تراها

ولقد أجاد الشيخ كاظم الأُزري في قصيدته التي يصف فيها عصمة النبيّ (صلّى الله عليه وآله) وأهل بيته (عليهم السلام) حيث يقول :

مـعقلُ الخائفينَ من كلّ خوفِ       أوفــرُ الـعربِ ذمّةً أوفاها
مـصدرُ  الـعلمِ ليسَ إلاّ لديه       خـبرُ  الـكائناتِ من مبتداها
فـاضَ لـلخلقِ منهُ علمٌ وحلمٌ       أخـذتْ مـنهما العقولُ نُهاها
نوّهتْ باسمهِ السماواتُ والأر       ضُ  كما نوّهتْ بصبحٍ ذُكاها
وغـدت تـنشرُ الفضائلَ عنه       كـلّ  قومٍ على اختلافِ لُغاها
طربت لاسمهِ الثرى فاستطالت       فـوقَ  عُـلويّةِ السما سفلاها
تـلـكَ نـفسٌ أعزّها اللهُ قدراً       فـارتضاها  لنفسهِ وارتضاها
حـازَ من جوهرِ التقدّسِ ذاتاً       تـاهت  الأنـبياءُ في معناها
لا  تُجِل في صفاتِ أحمدَ فكراً       فـهي الصورةُ التي لن تراها


الصفحة (284)

أيّ خـلـقٍ لـلـهِ أعـظـمُ مـنهُ      وهــو  الـغايةُ الـتي استقصاها
قــلّـبَ الـخـافقينِ ظهراً لبطنٍ       فـرأى ذاتَ أحـمـد فـاجـتباها
لـسـتُ أنـسـى له منازلَ قدسٍ       قــد  بـنـاها التقى فأعلى بناها
ورجـــالاً  أعـزّةً فـي بـيوتٍ       أذِنَ اللهُ أن يــعـزَّ حـمـاهـا
ســـادةٌ لا تـريـدُ إلاّ رضا الل       ه كـمـا لا يـريـدُ إلاّ رضـاها
خـصّـهـا عـن كـمالهِ بالمعاني       وبـأعـلـى  أسـمـائـه سمّاها
لـم يـكـونـوا للعرشِ إلاّ كنوزاً       خـافـيـاتٍ سـبـحانَ مَنْ أبداها
كـــم لـهـم ألسنٌ عن اللهِ تُنبي       هـي أقـلامُ حـكـمـةٍ قد براها
وهـمُ الأعـيـنُ الصحيحاتُ تهدي       كـــلّ عـيـنٍ مـكفوفةٍ عيناها
عــلــمـاءٌ أئـمـةٌ حـكـماءُ       يـهـتـدي الـنـجمُ باتّباعِ هداها
قـادةٌ عـلـمُـهـم ورأيّ حجاهم       مـسـمـعـاً كلّ حكمةٍ منظراها
ما أُبالي ولو أُهيلت على الأرضِ ال      سـمـاواتُ بـعـد نَـيْـلِ ولاها

العصمة الصغرى وأربابها

وأمّا القسم الثاني من العصمة ، وهي العصمة العرضية المكتسبة : فهي العصمة التي نالها أولياء الله المخلصون بجدهم وجهدهم ، وحصل عليها عباد الله الصالحون بتعبهم وعنائهم ، وهم اُولئك الذين عرفوا الله تعالى حقّ معرفته ، وأيقنوا به عين اليقين ، فأحسّوه بكلّ وجودهم وكيانهم ، ولمسوه بكلّ قلوبهم وأرواحهم ، فآمنوا به أخلص الإيمان ، وأذعنوا له غاية الإذعان ، وسلموا إليه منتهى التسليم ، وتوكّلوا عليه أصدق التوكّل .

إنّهم علموا بأنّه تعالى مطّلع عليهم فاستحيوا من أن يعصوه ، وأيقنوا بأنّه


الصفحة (285)

قادر عليهم فهابوا من أن يخالفوه ، إنّهم اطمأنّوا إلى أنّه تعالى سيحاسبهم على ما عملوه فأحجموا إلاّ عن البرّ والإحسان ، وعرفوا بأنّه سيؤاخذهم على ما قالوه فسكتوا إلاّ عن المعروف والخير ، وحسبوا بأنّه سيجازيهم على كلّ صغيرة وكبيرة فعملوا بما أمر الله به حتّى المستحبّات ، فكيف بالواجبات والفرائض ؟ واجتنبوا عمّا نهى الله عنه حتّى المكروهات ، فكيف بالمعاصي والمحرّمات ؟

إنّهم لم يفكّروا في شيء إلاّ في عظمة الله وكبريائه ، وعزّته وقدرته ، وعلمه حكمته ، وحلمه وغضبه ، ورأفته ورحمته ، وآثاره وصنعه ، وآلائه ونعمه ، فرأوه أهلاً للعبادة فعبدوه ، وأهلاً للشكر فشكروه ، وأهلاً للتعظيم والتقديس فعظّموه وقدّسوه .

إنّهم عرفوا أنّ الدنيا والهوى ، والنفس والشيطان ، عدوّاً لهم فاتّخذوهم عدوّاً ، فرغبوا عن الدنيا ، وخالفوا أهواءهم ، وروّضوا أنفسهم على التقوى ، وعصوا الشيطان ، وأطاعوا الرحمن ، ونفعوا عباد الله ، وخدموا خلق الله ، وأرضوا بذلك الرحمن ، وأرغموا أنف الشيطان .

إنّهم اطمأنّوا إلى أنّه تعالى طبيبهم فاتّبعوا وصفته ، وحكيمهم فانتهجوا حكمته ، وربّهم وخالقهم فعملوا برضاه واجتنبوا سخطه وغضبه ، ورازقهم وهاديهم فأحبّوه وأخلصوا له في حبّه ، وأحبّوا مَنْ أمر الله تعالى بحبّهم ومودّتهم ، وأبغضوا مَنْ أوجب الله تعالى بغضهم وعداوتهم ، وأطاعوا مَنْ فرض الله تعالى طاعتهم ، وخالفوا مَنْ أمر الله تعالى بمخالفتهم ، ونصروا الله ودينه ، وكانوا مع رسوله وأهل بيته ، فقدّموهم على أنفسهم ، وبذلوا أرواحهم وقاءً لهم ، واستشهدوا بين أيديهم .


الصفحة (286)

العبّاس (عليه السّلام) ووسام العصمة

وليس هذه المواصفات التي ذكرناها كلّها إلاّ معنى العصمة ، وقد نالها أبو الفضل العبّاس بجدارة وكفاءة ، واكتسبها لنفسه بهمّة واجتهاد ، واتّصف بها بكلّ قوّة وصلابة .

أليس هو الذي أطاع الله ، وكان مع الصادقين مع ريحانة رسول الله ، وسبطه الإمام الحسين (عليه السّلام) ، وعصى الهوى والشيطان لمّا عرض عليه الإمارة والأمان ، فلعن أمانه وخداعه ، وفخه ومكره ؟

وأليس هو الذي رغب عن الدنيا ، وروّض نفسه على التقوى ، وواسى أخاه العطشان ، فلم يشرب من الماء وهو على الماء ، مع عظيم عطشه وشدّة ظمئه ، فنال بذلك وسام ( المواسي ) كما جاء في زيارته (عليه السّلام) : (( فنعم الأخ المواسي )) ؟

وأليس هو الذي قدّم دمه وبذل نفسه في نصرة الله وكتابه ، وحماية رسول الله وذريّته ، وطاعة إمامه ووليّه ، ومضى شهيداً محتسباً ، حميداً طيّباً حتّى قال في حقّه الإمام الصادق (عليه السّلام) , كما في الزيارة المأثورة عنه ، وهو يلعن قاتليه : (( فلعن الله اُمّة قتلتك ، ولعن الله اُمّة ظلمتك ، ولعن الله اُمّة استحلّت منك المحارم ، وانتهكت حرمة الإسلام )) ؟

وهل يُنتهك بقتل كلّ أحد حرمة الإسلام ؟ طبعاً لا ، إلاّ مَنْ نال وسام العصمة بكفاءة ، وحصل عليها بجدّ وجهد ، كأبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) ، فإنّه بقتله ، وهكذا بقتل الإمام المعصوم الذي جعل الله العصمة في ذاته ، وأوجبها له في جبلته ، كالإمام الحسين (عليه السّلام) يتمّ انتهاك حرمة الإسلام .

فهذه الفقرة من الزيارة إذن تشير إشارة ضمنيّة واضحة إلى أنّ أبا الفضل العبّاس (عليه السّلام) هو من أصحاب العصمة الصغرى ، وأنّه قد نال بجدارة العصمة من القسم الثاني ، فهنيئاً لأبي الفضل


الصفحة (287)

العبّاس (عليه السّلام) وسام العصمة الصغرى .

ولقد أجاد الشيخ محمّد رضا الأُزري ، وهو يصف عصمة أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) وشجاعته ومواساته في قصيدته ، ويقول :

يـومٌ أبو الفضلِ استجارَ بهِ الهُدى       والـشمسُ من كدرِ العجاجِ لثامُها
والبيضُ فوقَ البيضِ تحسبُ وقعها       زجـلَ الرعودِ إذا اكفهرّ غمامُها
فـحـمـى عـرينتهُ ودمدمَ دونها       ويذبَّ من دونِ الشّرى ضرغامُها
مــن  بـاسلٍ يلقى الكتيبةَ باسماً       والـشوسُ يـرشحُ بالمنيّةِ هامُها
وأشـمُ لا يـحـتـلّ دارَ هضيمةٍ       و  يـسـتقلّ عن النجومِ رغامُها
أو  لـم تـكـن تدري قريشٌ أنّه       طـلاّعُ كـلّ ثـنـيّـةٍ مقدامُها
بـطلٌ  أطـلَّ على العراقِ مجلّياً       فـاعصوصبتْ فرقاً تمورُ شئامُها
وشـأى الـكرامَ فلا ترى من اُمّةٍ       لـلـفخرِ إلاّ ابن الوصيِّ إمامُها
هـو  ذاكَ مـوئلها يرى وزعيمُها       لــو جـلَّ حادثُها ولدَّ خصامُها
وأشـدّهـا  بـأساً وأرجحها حِجاً       لـو نـاصَ موكبُها وزاغَ قوامُها
مـن  مُـقدمٍ ضربَ الجبالَ بمثلِها       مــن عـزمهِ فتزلزلتْ أعلامُها
ولـكـم  لـهُ من غضبةٍ مُضريّةٍ       قـد  كادَ يلحقُ بالسحابِ ضرامُها
ثـمّ انـبـرى نحو الفراتِ ودونَهُ       حـلـبـاتُ عاديةٍ يصلُّ لجامُها
فـهـنالِكمْ  مـلكَ الشريعةَ واتّكى       مـن فـوقِ قـائمِ سيفهِ قمقامُها
فـأبـتْ نـقـيـبتُهُ الزكيّةُ ريَّها       وحشى ابنِ فاطمةٍ يشبُّ ضرامُها


الصفحة (288)

الخصّيصة الثامنة والثلاثون

في أنّه (عليه السّلام) عالماً فاضلاً ، وفقيهاً كاملاً

لقد ورد في الخبر : (( إنّ العبّاس بن علي (عليه السّلام) زق العلم زقاً )) . واشتهر أيضاً قولهم : (( إنّه كان من فقهاء أولاد الأئمّة (عليهم السلام) )) . وهذا يدلّ على أنّ من خصائص أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) وامتيازه على معاصريه من سائر بني هاشم وغيرهم هو تفوّقه في العلم والمعرفة ، والفضل والكمال ؛ وذلك لملازمته (عليه السّلام) لثلاثة من الأئمّة المعصومين (عليهم السلام) ، وتتلمذه على يدهم ، وطلب العلم لديهم .

وكان أوّل هؤلاء المعصومين الذين لازمهم أبو الفضل العبّاس (عليه السّلام) ، وتتلمذ على يدهم هو أبوه الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) ، وهو الذي روي عنه أنّه قال : (( يُرخى الصبي سبعاً ، ويؤدّب سبعاً ، ويستخدم سبعاً ، وينتهي طوله في ثلاث وعشرين ، وعقله في خمس وثلاثين ، وما كان بعد ذلك فبالتجارب )) .

وقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قبل ذلك : (( الولد سيّد سبع سنين ، وعبد سبع سنين ، ووزير سبع سنين ، فإن رضيت أخلاقه لأحدى وعشرين وإلاّ فاضرب على جنبه ؛ فقد أعذرت إلى الله تعالى )) .

وفسّر ذلك حفيده الإمام الصادق (عليه السّلام) المروي عنه قوله : (( دع ابنك يلعب سبع سنين ، ويؤدّب سبعاً ، وألزمه سبع سنين ، فإن فلح وإلاّ فلا خير فيه )) .

وفي رواية اُخرى أنّه (عليه السّلام) قال : (( احمل صبيّك حتّى يأتي عليه ست سنين ، ثمّ أدّبه في الكتاب ست سنين ، ثمّ ضمّه إليك سبع سنين فأدّبه بأدبك ، فإن قبل وصلح وإلاّ فخلّ سبيله )) .

وجاء في الخبر : (( العلم في ـ وفي نسخة : من ـ الصغر كالنقش في الحجر )) .


الصفحة(289)

بخلاف العلم في الكبر فإنّه ليس كذلك .

فالإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) نظراً إلى أنّه هو إمام علم النفس والاجتماع ، والتربية والتعليم ، والأخلاق والآداب ، وقد أدرك عنده نجله أبو الفضل العبّاس (عليه السّلام) أربعة عشر عاماً من عمره ، فعلى فرض أنّه تركه يلعب سبعاً فقد أدّبه سبعاً ، وعلّمه من علومه ما يجب أن يعلّمه فيها ، وثقّفه بثقافته ما يلزم تثقيفه بها ، وذلك في هذه السنوات السبع المهمّة من عمر أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) .

السنوات السبع الثانية من عمر الإنسان

وعليه ، فإنّ السبع الثانية من عمر كلّ إنسان جعلها الله تعالى حسب الأحاديث الشريفة الآنفة أفضل مقطع من عمر الإنسان لتحصيل العلم والمعارف ، وأنسب حصّة من حياته لنيل التهذيب والتثقيف ، كما وأعطى الله سبحانه وتعالى بحسب الروايات المباركة المزبورة نفسها هذه السنوات السبع أهميّة كبرى ، ودوراً مصيريّاً في حياة الإنسان ؛ حيث إنّها تكون قاعدة رصينة لتحليق الإنسان منها إلى سماء الفضيلة والسعادة إن اغتنمت هذه السنوات السبع في التعليم الصحيح والتثقيف المطلوب ، وإلاّ كانت قاعدة صلبة لقذف الإنسان في هاوية الرذيلة والشقاء .

وذلك لأنّ الله سبحانه وتعالى يمنّ على الإنسان في هذه السنوات السبع ، وخاصة في السنة الثانية عشرة إلى الخامسة عشرة من عمر الإنسان بإيقاض غريزة حبّ التحقيق والتحري ، وحبّ الاطّلاع على الحقائق ومعرفة الواقعيات ، وحبّ التوصّل إلى المعنويات والروحانيات ، وحبّ الحصول على العقائد والإلهيات ، وحبّ العبادة والتديّن ، كلّ ذلك استعداداً للسفر إلى السنوات السبع الثالثة من عمر الإنسان ، والرحيل إلى سنّ المراهقة المشحون بالرهق والتعب من حياة الإنسان .


الصفحة (290)

مبادرة ناشئتنا بالتربية والتعليم

وقد نبّه على حساسيّة هذه السنوات السبع من عمر الإنسان ، وأهميّة دورها في مستقبل حياة الإنسان نبيّنا الحبيب (صلّى الله عليه وآله) والأئمّة من أهل بيته الطاهرين (عليهم السلام) ، حيث أوقفونا على أهميّة هذا المقطع الحساس من عمر الإنسان ، وعلّمونا كيف ننتهز هذه الفرصة الذهبيّة من حياة أجيالنا المهيّأة لتلقّي التربية والتعليم ، والمستعدة لمعرفة المذهب والدين ؛ وذلك بتقديم ما يلزم من التعليم والتثقيف ، وعرض ما يجب من تهذيب وتزكية .

وأمرونا بالاهتمام في ذلك ، والإسراع في تعليم أحداثنا وناشئتنا أحاديثهم الشريفة ، وكلماتهم الثمينة بعد تعليمهم القرآن الحكيم وتثقيفهم فيه ، وحذّرونا من التسامح والتساهل في ذلك ؛ لئلاّ يسبقنا المرجئة ( وهم أصحاب الباطل ، وجميع أنواع المنحرفين ) إلى تعليم أحداثنا زخارفهم ، وتثقيفهم بأباطيلهم .

وقد قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : (( أيّما ناشئ ينشأ في العلم والعبادة حتّى يكبر أعطاه الله يوم القيامة ثواب اثنين وسبعين صدّيقاً )) .

وقال الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) ، كما في نهج البلاغة في وصيّته لابنه الإمام الحسن (عليه السّلام) : (( إنّما قلب الحدث كالأرض الخالية ، ما أُلقي فيها من شيء قبلته ، فبادرتك بالأدب قبل أن يقسوا قلبك ، ويشغل لبّك )) .

وعليه ، فإنّ الإنسان إذا لم يُثقّف ثقافة النبيّ (صلّى الله عليه وآله) والأئمّة من أهل بيته (عليهم السلام) ، وهي الثقافة الصحيحة المنشودة من أوّل شبابه ، ولم يهذب بتعاليم الإنسانيّة الراقية في هذه السنوات السبع المهمّة من عمره تلاقفته الثقافات الاُخرى ، وقسا قلبه عن قبول الحقّ والإذعان له ، واشتغل لبّه بما يصرفه عن التوجّه للحقّ والاشتغال بتعلمه وقبوله ، وهذا هو ما يعانيه مجتمعنا الإسلامي ،

الصفحة (291)

وتئن منه اُمّتنا الإسلاميّة في هذا اليوم ، حيث تلاقفت شبابنا الثقافات الاُخرى , وخدعتهم تعاليمهم البراقة ، وجرّتهم إلى الرذيلة والشقاء ، ثمّ قست قلوبهم على الباطل ، واشتغلت ألبابهم عن معرفة الحقّ إلاّ مَنْ عصم الله .

السنوات السبع الثالثة في حياة الإنسان

فالتعليم والتربية في هذه السنوات السبع الثانية إضافة إلى فوائدها الجمّة هي تحصين للأجيال من الانزلاق في المبادئ الباطلة ، كما إنّها هي تحصين لهم أيضاً من الانزلاق في هاوية الجنس والاعتياد وغير ذلك ؛ لأنّ الإنسان عندما يدخل في السنوات السبع الثالثة من عمره تستيقظ عنده غريزة الجنس وتوابعها ، وينمو في الجانب الجسدي والمادي .

فإذا كان قد تثقّف بالثقافة الصحيحة ، وأشبع روحه وفكره بالتعاليم الإنسانيّة العالية استطاع أن يواكب النمو الروحي والمعنوي فيه ، مع النمو الجسدي والمادي فيه ، وأن يكون في توازن معقول وانسجام مقبول بين الجانب الروحي والجانب الجسمي ، وأن يعيش على أثر ذلك التوازن والانسجام في سنّ المراهقة بسلام وأمان .

بينما لو لم يتدارك الإنسان بواسطة والديه والمسؤولين السنوات السبع الثانية من عمره ، وأهمل تثقيفها بالثقافة الصحيحة ، وتساهل في إشباعها بتعاليم أهل البيت (عليهم السّلام) الأخلاقيّة العالية , طغى نمو الجانب الجسدي والمادي في الإنسان على حساب هزال الجانب الروحي والمعنوي ، وهو أمر خطير جدّاً ، وخاصّة عندما يدخل الإنسان في السنوات السبع الثالثة ، وهي سنّ المراهقة من عمر الإنسان ، فإن الجانب الجسمي والمادي ينمو فيه آنذاك نموّاً كبيراً وسريعاً ، ومعه لا بدّ أن يواكب الجانب الروحي والمعنوي أيضاً ، بينما قد بقي الجانب الروحي


الصفحة (292)

والمعنوي فيه هزيلاً وضعيفاً ؛ فيفقد التوازن المطلوب والانسجام اللازم بين الجانب الروحي والجانب الجسمي ، فيعيش على أثره سنّ المراهقة بقلق واضطراب ؛ وذلك لأنّ الجسم قد تضخّم ، وهو يطالبه بإشباع رغباتها من الجنس ، وما أشبه ولو عن طريق الاعتداء على شرف مجتمعه ، وسؤدد أمّته ، والروح قد بقي هزيلاً لا يستطيع من زمّ الجسم وتأطير رغباته بالمشروع من الجنس وغير ذلك .

ومعلوم أنّ تضخّم الجسم ينتصر بتحقيق رغباته ولو بالطرق غير المشروعة ، ومعنى انتصار الجسم في تحقيق رغباته بأيّ طريق كان هو شقاء الإنسان والمجتمع ، وسقوطه في هاوية الرذيلة والفساد ، وابتلاؤه بالأمراض الروحيّة من معاناة القلق والأرق ، والتوتّر والاضطراب ، وإلى غير ذلك ، إلى جانب الأمراض الجسديّة الفتّاكة أيضاً .

تصحيح المناهج الدراسية

هذا وقد عرف الاستعمار والمستعمرين ، وخاصّة منهم الذين يحقدون لأجل مصالحهم الفرديّة ، ومنافعهم الشخصيّة على الإسلام الحكيم والمسلمين الأبرياء ، ويتجاهلون نعمة الإسلام ورحمته ، وأحكامه وقوانينه ، وسماحته وسلمه ، وحبّه لكلّ الناس ، وإسعافهم بكلّ خير مهما كانت قومياتهم ولغاتهم ، وحرصه على منافع كلّ الناس ومصالحهم الخاصّة والعامة مهما كانت مواقعهم وطبقاتهم .

فإنّ الاستعمار المتجاهل لنعمة الإسلام ورحمته ، والمتناسي لخدمة المسلمين وفضلهم ، قد خطّط تخطيطاً دقيقاً ، ونسّق تنسيقاً مدروساً ، ودسّ في مناهجنا الدراسيّة مناهج فارغة من الدين ، جوفاء من حيث التعاليم الأخلاقيّة


الصفحة (293)

والإنسانيّة ، وخاصّة في هذه السنوات السبع من حيث ناشئتنا ، وعمر أجيالنا ، فأعدموهم على أثر تلك المناهج النمو الروحي والمعنوي ، وجعلوهم مغلوبين أمام نموّ الجانب الجسدي والمادي ، ومقهورين تجاه رغباتهم ومتطلباتهم ، فأدخلوهم بذلك في معترك شاق بين الروح والجسد ، وأنزلوهم إلى بؤر القلق والاضطراب ، ودرك الرذيلة والفساد ، وسلّموهم إلى هاوية التذمّر والشقاء ، ودوّامة الفضيحة والهلاك .

أجل ، إنّ الاستعمار خطّط ونفّذ فأفرغ مناهجنا الدراسيّة في بلادنا الإسلاميّة عبر أياديه عن التعاليم الأخلاقيّة العالية ، والمفاهيم الدينيّة الراقية ، مع غنى الإسلام بكلّ العلوم الراقية ، واحتوائه على جميع المفاهيم العالية ، والاجتماعيّات المطلوبة ، والآداب المحبوبة ، بينما هو ملأ مناهجه الدراسيّة في بلاده ، وجعل على ما قيل ستين بالمئة منها فيما يسمّونه بالتعاليم الليبراليّة ، وسمّوه بذلك ؛ لأنّ دينهم ليس فيه تعاليم اجتماعيّة دينيّة شاملة ، وأربعين بالمئة منها في بقيّة العلوم الطبيعية من رياضيات وغيرها .

بينما مناهجنا الدراسيّة نحن خاويّة عبر عوالمهم من الموادّ المعنويّة والروحيّة ، مصفرة عبر أياديهم من الدروس الأخلاقيّة والدينيّة ، حيث النسبة المعنويّة والدينيّة ، وكذلك القرآنيّة والحديثيّة فيها لا تصل العشرة بالمئة إلى جانب تسعين بالمئة من المواد الاُخرى التي لا تسمن ولا تغني من جوع .

ومعلوم أنّ هذه النسبة الضئيلة لا تشبع حاجات الروح ، ولا تسدّ جوعته المعنويّة أمام طغيان الجسم ، وشدّة رغباته الجنسيّة ؛ فينشأ جيلنا الإسلامي الناشئ خاوياً فارغاً ، متواتراً متناقضاً ، تتلاعب به وبأفكاره الشياطين ، ودعاة الثقافات الاُخرى ، وتتقاذف به وبمقدّراته أصحاب الأطماع والأغراض ، وأهل البدع والضلال ، وعلينا إذا أردنا انتشال شبابنا من مهاوي السقوط ، وتدارك


الصفحة (294)

مستقبلنا ومستقبل ناشئتنا من المخاطر والمهالك أن نضع مناهجنا الدراسيّة بأيدينا ، وكما أراد الله تعالى ورسوله (صلّى الله عليه وآله) لنا ، وأمر أئمّتنا الطاهرين (عليهم السّلام) به ، بتغطية كلّ المواد الدراسيّة بالمواد القرآنيّة والحديثيّة ، والدينيّة والأخلاقيّة المرويّة عن الرسول الحبيب (صلّى الله عليه وآله) والأئمة الطاهرين من أهل بيته , حتّى نتدارك ما فاتنا ، ونتلافى ما ضيّعوه عنّا وأخذوه منّا إن شاء الله تعالى ، فإلى هذا الأمل المنشود ، والهدف المحمود بإذن الله وتوفيقه .

العبّاس (عليه السّلام) وتلمّذه عند الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام)

وكيف كان ، فإنّ الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) الذي أمرنا بأن نبادر ناشئينا وشابنا بالتعليم والتثقيف ، وننتهز الفرص الذهبيّة من أعمارهم ، ولا ندعها تذهب أدراج الرياح سُدى بلا تزود ولا استفادة كاملة منها ، والذي قال : (( الأدب لقاح العقل ، وذكاء القلب ، وعنوان الفضل )) . قد بادر نجله الأغر قمر بني هاشم أبا الفضل العبّاس (عليه السّلام) بالتهذيب والتزكيّة ، والتربيّة والتعليم .

ومعلوم أنّ مَنْ يتأدّب على يد والد شفيق ، وأب عطوف ، واُستاذ أديب ، ومعلّم أريب كالإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) الذي هو أديب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، ورسول الله (صلّى الله عليه وآله) هو أديب الله تعالى كما قال هو (صلّى الله عليه وآله) : (( أدّبني ربّي فأحسن تأديبي )) , كم يكون مؤدّباً ومهذّباً ؟!

وكيف لا يكون كذلك والحال أنّ أبا الفضل العبّاس (عليه السّلام) الذي هو أديب أبيه الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) ، والإمام أمير المؤمنين هو أديب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، ورسول الله (صلّى الله عليه وآله) هو أديب الله ، فأبا الفضل العبّاس (عليه السّلام) يكون حينئذ هو الآخر أديب الله أيضاً ؛ فإنّ أديب أديب الله هو أديب الله أيضاً ؟

فأبو الفضل العبّاس (عليه السّلام) هو أديب الله ، وكفاه فخراً .


الصفحة (295)

ملازمة العابس (عليه السّلام) لأخيه الإمام المجتبى (عليه السّلام)

هذا وأبو الفضل العبّاس (عليه السّلام) قد أكمل السنوات السبع الثانية من عمره ، وقضى تلك الفترة الذهبيّة من عمره في التأدّب على يدي أبيه الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) ، الذي هو أديب أديب الله تعالى ، أعني أنّه (عليه السّلام) أديب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، حيث قضى الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) شهيداً ومضى حميداً سعيداً ، وذلك عندما أكمل أبو الفضل العبّاس (عليه السّلام) السنة الرابعة عشرة من عمره .

ثمّ لازم أبو الفضل العبّاس (عليه السّلام) أخاه الإمام الحسن المجتبى (عليه السّلام) في السنوات السبع الثالثة من عمره ، وهو سنّ المراهقة التي أمرتنا روايات أهل البيت (عليهم السّلام) بملازمة الوالد لولده ، والأخ الأكبر أخاه الأصغر ـ مثلاً ـ الذي هو في سنّ المراهقة ، وضمّه إلى نفسه ، واصطحابه معه ؛ ليكون من جهة رقيباً عليه ، وحسيباً لتصرفاته وأعماله .

ومن جهة اُخرى شريكاً له في اُموره ، ووزيراً ومشاوراً له في قبضه وبسطه وحلّه وترحاله ، حتّى يُلبس ما تعلّمه من نظريّات في السنوات السبع الثانية ثوب العمل والتجسيد الخارجي في السنوات السبع الثالثة ، ويقرن النظريات العلميّة بالتجارب الخارجيّة .

فإنّ أبا الفضل العبّاس (عليه السّلام) قد لازم في هذه السنوات السبع الثالثة أخاه المجتبى سبط رسول الله (صلّى الله عليه وآله) الأكبر ، وريحانته من الدنيا ، والإمام المجتبى (عليه السّلام) ، الذي هو من أهل البيت (عليهم السّلام) الذين علّمونا اُسلوب تربية الناشئة وطريقتها ، وأمرونا بملازمة الذين وصلوا سنّ المراهقة واصطحابهم ، قد التزم بأبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) وضمّه إليه ، واهتمّ به وأشرف عليه ؛ ليكمل دورته العلميّة النظريّة ، وينضجها عبر مرورها بمرحلة التطبيق والعمل الخارجي ، وليكون مشرفاً على


الصفحة (296)

تصرّفاته وتقلّباته في الاُمور ، ومرشداً له ومسدّداً إيّاه فيها .

ومعلوم أنّ مَنْ يكون ملتزمه وموجّهه سبط رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وريحانته من الدنيا ، وذلك في أهم مقطع من عمره ، وأغلى فرصة ذهبيّة في حياته ، كم يكون موفّقاً ومتفوّقاً ، وحميداً وسعيداً ؟ وكم يصبح أديباً أريباً ، وعالماً نحريراً ، وفاضلاً قديراً ؟

الإمام الحسين (عليه السّلام) والتزامه أخاه العبّاس (عليه السّلام)

ثمّ إنّ أبا الفضل العبّاس (عليه السّلام) بعد أن قضى من عمره أربعة وعشرين عاماً ، والتي كان في الأعوام العشرة الأخيرة منها في ملازمة أخيه الإمام الحسن المجتبى (عليه السّلام) والتلمّذ عليه والتفقّه لديه ، فارقه على إثر استشهاده (عليه السّلام) مظلوماً مسموماً ، وذلك بالسم القاتل الذي دسّه إليه معاوية بن أبي سفيان ، ثمّ لازم بعد ذلك أخاه الإمام الحسين (عليه السّلام) ؛ ليواصل تلمّذه عليه ، والاستمرار في تفقّهه لديه .

وكان الإمام الحسين (عليه السّلام) هو الآخر بعد أبيه الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) ، وأخيه الإمام الحسن المجتبى (عليه السّلام) ، الذي التزم بأبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) وضمّه إليه ، وأشرف على تكميل رحلته العلميّة والثقافيّة ، واعتنى بمواصلة دورته التهذيبيّة والأخلاقيّة حتّى تخرّج أبو الفضل العبّاس (عليه السّلام) على يدي ثلاثة من الأئمّة المعصومين (عليه السّلام) ، ومن معهد علوم وثقافة أهل البيت (عليه السّلام) , عالماً فاضلاً ، وأديباً بارعاً ، وزكيًّا مهذّباً ، وإنساناً كاملاً ، وجامعاً للفضائل والمناقب ، والمكارم والمحاسن ، والأخلاق والآداب ، والعلم والحلم ، والمعقول والمنقول ، والتفسير والتأويل ، والفصاحة والبلاغة ، وما إلى ذلك من كمال وجمال ، فهنيئاً له على توفيقه وسعادته ، ومباركاً عليه وسام العالم الفاضل ، والفقيه الكامل الذي ناله بجدارة ، وحصل عليه بكفاءة ، ووصله بوسام الشهادة في سبيل الله ، واختتم به حياته العلميّة ، وصدّق


الصفحة (297)

بها دورته الثقافية ؛ حيث أمضاها بدمائه الحمراء ، ووقع عليها بيديه المقطوعتين في سبيل الله ونصرة دينه ، والذب عن إمامه .

من فصاحة أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) وبلاغته

عرف أبو الفضل العبّاس (عليه السّلام) كبقيّة بني هاشم بالفصاحة والبلاغة ، والسلامة وحسن التعبير ، حتّى قيل عنه (عليه السّلام) أنّه كان بليغاً في كلامه ، وفصيحاً في نطقه وأدائه .

وقد ذكر الفاضل الدربندي في أسراره بأنّ بعض مَنْ يدّعي الشجاعة والبسالة برز في يوم عاشوراء وأخذ يهدّد أبا الفضل العبّاس ، ويندّد به ، ويريد منه الاستسلام له ، وإلقاء السلاح أمامه ، ويحذره شدّة بأسه وطعنه ، وقوّة مراسه وضربه .

فسخر منه أبو الفضل العبّاس (عليه السّلام) ومن كلامه ، ولم يعبأ به وبشجاعته ، ولم يكترث بتهديده وتنديده ، وإنّما أجابه بكلّ قوّة وصلابة ، ورباطة جأش ومناعة طبع ، قائلاً : إنّي أرى كلامك هذا كالسراب الذي يلوح ، فإذا قصد صار أرضاً بواراً ، والذي أملته منّي بأن أستسلم لك فذلك بعيد الحصول على صعب الوصول ، وإنّي يا عدوّ الله ورسوله معوّد للقاء الأبطال ، والصبر على النزال ، ومكافحة الفرسان ، وبالله المستعان .

ثمّ أضاف قائلاً : ومَنْ كملت هذه الصفات فيه فليس يخاف مَنْ برز إليه ، ولا يهاب منازلته ومقارعته . ويلك ! أليس لي اتّصال برسول الله (صلّى الله عليه وآله) ؟! فأنا غصن متّصل بشجرته ، وزهرة من نور ثمرته ، ومَنْ كان من هذه الشجرة فلا يدخل تحت الذمام ، ولا يخاف ضرب الحسام ، وأنا ابن علي بن أبي طالب , لا أعجز عن مبارزة الأقران ، ولا أملّ من الضرب والطعان ، وما أشركت بالله لمحة بصر ، ولا


الصفحة (298)

خالفت رسول الله فيما أمر ، وأنا منه كالورقة من الشجرة ، وعلى الاُصول تنبت الفروع ، فاصرف عنّا ما أمّلت ، واقطع منّا ما رجوت ، فما أنا ممّن يأسى على الحياة ، ويجزع من الوفاة ، فخذ في الجدّ ، واصرف عنك الهزل .

ثمّ أنشأ يقول :

صبراً على جورِ الزمانِ القاطعِ       ومـنـيّةٍ مـا إن لها من دافعِ
لا تـجـزعنَّ فكلّ شيءٍ هالكٌ       حـاشى لمثلي أن يكونَ بجازعِ
فـلـئن رمانا الدهرُ منه بأسهمٍ       وتـفرّقٍ  مـن بعدِ شملٌ جامعِ
فـلـكم لنا من وقعةٍ شابت لها       قممُ الأصاغرِ من ضرابٍ قاطعِ

ثمّ تصاولا ، واختلفا بضربات ، وكان النصر أخيراً لأبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) ، والموت والهلاك لذلك المغرور الخاسر .

هل ضوء الشمس ضحىً يُنكر ؟

قد تبيّن ممّا مضى أنّ أبا الفضل العبّاس (عليه السّلام) في الفضل هو ذاك كالشمس في الضحى ، يُنير علماً وحلماً ، ويضيء فقهاً وحكمة ؛ إذ هو مَنْ حصل في الفضل والعلم على أكبر شهادة عالميّة يمكن تحصيلها لأحد في أحدث الجامعات العلميّة الغابرة والمعاصرة والمستقبليّة .

كيف لا وهو خريج جامعة رسول الله الحبيب (صلّى الله عليه وآله) ، وطالب معهد الأئمّة الطاهرين من أهل بيت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، ومتلمّذ على يد ثلاثة من أئمّة أهل البيت المعصومين (عليه السّلام) ؟ وهذا واضح ولا غبار عليه .

ولكن قد يتّفق أن يشكّ الجاهل بمقامات أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) العلميّة في مراتب علميّة أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) ، ويتردّد في درجات كماله وفضله ؛ فإنّ مَنْ لا معرفة له بشهادة أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) العلميّة ، ومداركه الثقافيّة العالية ، قد يشكّ في مقاماته تلك ، كما يشكّ في بقيّة الأشياء التي يجهلها الإنسان ، ويعدم معرفتها .


الصفحة (299)

كما إنّه قد يشكّ في ذلك من اغترّ بعلمه ، وأعجب بفضله ، وتصوّر في نفسه اغتراراً وجهلاً بأنّه فوق الجميع علماً وفضلاً ، فإنّ مثل هذا قد يشكّ أيضاً في مدارج علميّة أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) ، ويرتاب في مدارك فضله ، ويتردّد في تفوّق مقاماته العلميّة ، وكمالاته الروحيّة والجسديّة .

ولذلك ينقل عن بعض العلماء أنّه شاهد في كربلاء المقدّسة وحوزاتها العلميّة المشرّفة رجلاً من الأفاضل قد اغترّ بعلمه ، وأعجب بفضله ، وأبعد في غلوائه ودعواه ، شاهده وقد كان في منتدى من أصحابه ، وجمعاً من أترابه ، حيث جرى بينهم ذكر أبي الفضل العبّاس وما كان يحمله من المعارف الإلهيّة ، والثقافة الدينيّة التي امتاز بها أبو الفضل العبّاس (عليه السّلام) في هذا المجال ، وصارحهم بأفضليّته هو بالنسبة إليه ، وأعلميّته منه .

وما إن صرّح هذا الرجل المغرور بذلك حتّى قوبل بإنكار من جماعته وأصحابه ، واستغراب من جرأته واغتراره ؛ فأخذوا يصبّون اللوم عليه وعلى ادّعائه ، ويحذّرونه من غروره وغلوائه ، ولكن بدل أن يتنبّه الرجل المغرور ، ويرجع من غلوائه ودعواه قام يبرهن على ادّعائه ذلك بتعداد مآثره ومناقبه ، وذكر علومه وفضائله ، وتفصيل تهجّده وتنفّله ، وتشريح عبادته وزهادته ، قائلاً : إن كان أبو الفضل العبّاس (عليه السّلام) يُفضّل عليه في مثل هذه الاُمور فإنّ عنده مثلها ، وإن كان يُفضّل بالشهادة قال : فإنّ الشهادة لا تعادل ما يحمله هو ـ ذلك المغرور ـ من العلوم الدينيّة ، والاُصول الإسلاميّة وعقائدها .

وهنا انفضّ المجلس ، وقام الجماعة من عنده منكرين عليه ، ومعرّضين به ، بينما هو بقي متغطرساً في كبريائه ، ومصرّاً على غروره وغلوائه ، غير نادم على ما صدر منه ، ولا متهيّب ممّا قاله .


الصفحة (300)

مع الرجـل المغرور

تفرّق الجمع وذهب كلّ واحد من الجماعة والمغرور إلى منزله ومأمنه ، وفي الصباح المبكّر أسرع كلّ واحد من الجماعة الذي أسهر ليلتهم همّ هذا الرجل المغرور ، وأقلق فكرهم كبير ما ادّعاه ذلك الرجل المعجب بنفسه ، والمنبهر بعلمه وفضله إلى داره ، وقصدوا منزله ليروا هل هداه الله تعالى ورجع من غيّه ؛ لأنّهم قد دعوا الله تعالى ليلتهم وسألوه هدايته ، أم لم تشمله عناية الله وبقي على غيّه ؟

فلمّا طرقوا عليه الباب قيل لهم : إنّ الرجل قد بكّر في زيارة أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) , وهو الآن في روضته المباركة ، فأقبلوا مسرعين إلى روضة أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) ليعرفوا خبره ، فلمّا دخلوا الروضة المباركة وإذا بالرجل قد ربط نفسه بالضريح المقدّس عبر حبلٍ قد شدّ طرفاً منه في عنقه ، والطرف الآخر في الضريح وهو تائب من تكبّره وغلوائه ، ونادم على ما سلف منه وفرّط فيه ، فأحاطوا به عند ذلك وسألوه عن أمره .

فأجاب قائلاً : لمّا تركتكم بالأمس وذهبت إلى منزلي أخذت مضجعي في فراشي ونمت وأنا على ما فارقتكم عليه ، فرأيت في المنام كأنّي في مجلس حافل قد ضمّ جمعاً من أهل العلم والفضل بين جوانحه ، وبينما أنا كذلك إذ دخل علينا رجل ، وقال : تهيّؤوا واستعدوا لاستقبال أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) فها هو قادم إليكم ووافد عليكم ، فأخذ ذكره من القلوب مأخذاً عظيماً حتّى دخل (عليه السّلام) والنور الإلهي يسطع من وجهه ، والجمال العلوي يزهو في محيّاه ، فاستقبلناه بحفاوة حتّى جلس (عليه السّلام) على كرسي كان قد أُعدّ له في صدر المجلس ، عندها جلس


الصفحة (301)

الحاضرون وكأنّهم على رؤوسهم الطير ؛ إجلالاً له وهيبة منه ، وقد أخذني من بين الجميع قزق كبير ، ورهب شديد ؛ لما سلف منّي في حقّه (عليه السّلام) .

إرشاد وتنبيـه

ثمّ إنّ أبا الفضل العبّاس (عليه السّلام) بدأ يحيّي أهل المجالس واحداً واحداً حتّى إذا وصل إليّ قال لي : ماذا تقول أنت يا فلان ؟

فكاد أن يرتجّ عليَّ القول عندما واجهني بسؤاله هذا لولا أن تداركتني رحمة ربّي ، فعزمت على أن أبوح بكلّ ما قلته بحقّه دون زيادة ولا نقيصة ، وأن اُصارحه بما تصوّرته وتخيّلته بالنسبة إليَّ وإليه ، فقصصت عليه ما جرى بيني وبينكم من حوار في حقّه ، وذكرت له من الحديث والاستدلال حسب ما مضى معكم ، وأنا في كلّ ذلك مستحي منه ، طالب عفوه وإعذاره .

عندها التفت (عليه السّلام) إليَّ مبتسماً ، وقال معذراً : لا بأس عليك إن ندمت وتبت تاب الله عليك ، ولكن كن على علم بأنّي لست كما تصوّرته وتخيّلته أنت ؛ وذلك لأنّي قد تلقّيت العلم من معينه ونميره ، وأخذت الفضل من أصله ومعدنه ؛ فقد تلمّذت على نفس رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وأديبه ، أعني أبي ووالدي الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) ، وتفقّهت لديه ، ثمّ تلمّذت من بعده وتفقّهت على يد أخوي الإمامين الهمامين سيّدي شباب أهل الجنّة وريحانتي رسول الله (صلّى الله عليه وآله) الحسن والحسين (عليهما السّلام) ، وأنا على أثر ما تلقّيته من أئمّتي وسادتي (عليهم السّلام) من المعارف الإلهية والتعاليم الإسلاميّة كنت على يقين من ديني ، وبصيرة من أمري .

بينما أنت بعكس ذلك كلّه ؛ فقد أخذت أنت ممّن لا يقين له ، وصرت أنت الآخر على أثره أيضاً لا يقين لك ؛ تعوّل على الاُصول والقواعد المعدّة للجاهل


الصفحة (302)

بالأحكام ، وتعمل بها عندما يعوزك الوصول إلى الواقع ، وأنا في غنى من ذلك كلّه ؛ لمعرفتي بواقع الأحكام من مصدر الوحي ومعدن النبوّة والإمامة .

أضف إلى ذلك إنّي تأدّبت وتهذّبت على يدي أدباء الله ، ومَنْ زكّاهم الله وهذّبهم ، وطهّرهم من الرجس تطهيراً ، فصرت منهم مهذّباً ومؤدّباً ، أحمل بين جوانبي من المحاسن والمكارم ما لو قسمته على جميعكم ما أمكنكم حمل شيء منها ، ولا القيام بعبئها ، بينما أنت بعكس ذلك كلّه إذ أنّك تحمل بين جوانبك من الصفات الرذيلة ما يبغضك الله تعالى عليها ، ومن غرور ورياء ، وجدال ومراء وغير ذلك ، ثمّ ضرب (عليه السّلام) بيده الشريفة على فم الرجل ، وقال مؤكّداً : قم وتب إلى الله تعالى ، وحاول أن تطهّر نفسك ممّا يبغضه الله تعالى ، ويمقتك عليه .

قال الرجل : فانتبهت عندها من نومي فزعاً مرعوباً ، نادماً تائباً ، معترفاً مذعناً ، وأسرعت إلى روضة أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) ولذت بضريحه ، متوسّلاً به إلى الله تعالى ليغفر لي ، ومشفّعه إلى الله تعالى فيّ ليعفو عنّي ويرضى عليّ ؛ فإنّي لما قلت من النادمين ، وعلى ما صدر منّي من التائبين المنيبين .

أيّهما أكثر علماً وفضلاً

وهنا قصّة ثانية تشبه القصّة الآنفة وتضاهيها ، وهي : أنّه دار في مجلس فيه جماعة من أهل الفضل والعلم بحث حول أنّه أيّهما أكثر فضلاً وعلماً ، هل هو أبو الفضل العبّاس (عليه السّلام) , أو سلمان الفارسي الذي قال فيه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : (( سلمان منّا أهل البيت )) ؟

فأجاب أحدهم : الظاهر أنّ أكثرهما علماً وفضلاً هو سلمان الفارسي ، ثمّ قال : وذلك لأنّ الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) لمّا قيل له حدّثنا سلمان الفارسي ،


الصفحة (303)

أجابهم قائلاً : (( أدرك سلمان العلم الأوّل والآخر ، وهو بحر لا ينزح ، وهو منّا أهل البيت )) .

لكن سرعان ما رجع هذا القائل عن رأيه ؛ حيث إنّه لم تمضِ عليه إلاّ مدّة قليلة حتّى عدل من كلامه وقوله ذلك ، فلمّا سألوه عن سبب عدوله ورجوعه قال : بعدما أبديت رأيي في أفضلية سلمان الفارسي وأعلميّته رأيت في منامي في تلك الليلة بأنّي أحضر مجلساً ضخماً حافلاً بأهله ، وغاصّاً بروّاده ، ونظرت وإذا بي أرى أبا الفضل العبّاس (عليه السّلام) في غاية الجلال والبهاء جالساً في صدر المجلس ، ورأيت سلمان الفارسي قائماً بين يديه يخدمه ، ويأتمر بأوامره ، فلمّا وقع نظري عليه تذكّرت ما جرى من الحديث حوله في اليقظة ، وما أبديته من رأيي فيه .

وبينا أنا اُفكر في ذلك إذ بدرني سلمان الفارسي ، وهو يشير بيديه إليّ ، ويقول : يا هذا ، لقد اشتبه الأمر عليك ، إنّي بحر لا ينزح بالنسبة إلى أترابي وأقراني ، مثل أبي ذر وحذيفة وعمّار وابن مسعود ، وأمّا بالنسبة إلى شبل الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) قمر بني هاشم أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) فإنّي أفتخر بأن أكون خادماً له ، وتلميذاً صغيراً عنده ؛ لكي أرتشف من علمه ، وأتزوّد من فضله وكماله .


الصفحة (304)

الخصّيصة التاسعة والثلاثون

في أنّه (عليه السّلام) كان عاملاً بعلمه

إنّ العلم الذي عُدّ في الروايات المرويّة عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، وعن أهل بيته الطاهرين (عليهم السّلام) أنّه فريضة على كلّ مسلم ومسلمة ، وأنّه يجب على كلّ فرد من المسلمين بنحو الواجب العيني كالصلاة والصيام أن يتفرّغ لطلبه ، ويتصدّى لتحصيله ، وأنّه مَنْ أهمل معرفة هذا العلم كان كمَنْ ترك الصلاة والصيام .

هو على ما يستفاد من الروايات الشريفة والأحاديث الكريمة ، مثل قول رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : (( إنّما العلم ثلاثة : آية محكمة ، وفريضة عادلة ، وسنّة قائمة ، وما خلاهنَّ فهو فضل )) .

ومثل قول الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) : (( ثلاث بهنَّ يكمل المسلم : التفقّه في الدين ، والتقدير في المعيشة ، والصبر على النوائب )) .

ومثل قول الإمام الصادق (عليه السّلام) : (( وجدت علوم الناس كلّها في أربع : أوّلها أن تعرف ربّك ، والثانية أن تعرف ما صنع بك ، والثالثة أن تعرف ما أراد منك ، والرابعة أن تعرف ما يخرجك من دينك )) .

ومثل قوله (عليه السّلام) أيضاً : (( العلم أصل كلّ حال سنيّ ، ومنتهى كلّ منزلة رفيعة ؛ لذلك قال النبيّ (صلّى الله عليه وآله) : طلب العلم فريضة على كلّ مسلم ومسلمة )) .

أي علم التقوى واليقين هو العلم بثلاثة أشياء :


الصفحة (305)

الأوّل ممّا يجب العلم به

1 ـ العلم باُصول الدين ، فإنّه يجب على كلّ مسلم ومسلمة الاعتقاد بأصول الدين الخمسة عن دليل وبرهان ، وذلك بأن يعلم بأنّ الله واحد لا شريك له ، وأنّه عالم قادر مريد ، مدرك حي قيوم ، غني متكلّم صادق سرمدي ، لا تأخذه سنة ولا نوم ، وأنّه عادل لا يظلم أحداً مثقال ذرّة ، وأنّه أرسل الرسل لهداية البشر ، وأنزل معهم الكتاب لإرشاد الناس إلى الحقّ ؛ أوّلهم آدم (عليه السّلام) وآخرهم النبيّ الخاتم (صلّى الله عليه وآله) .

وأنّه تعالى جعل لهم أوصياء معصومين ، وأنّ أوصياء نبيّنا اثنا عشر وصيّاً ؛ أوّلهم الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السّلام) وآخرهم المهدي المنتظر ، الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعد أن ملأت ظلماً وجوراً ، وأنّهم جميعاً مع السيّدة فاطمة الزهراء (عليه السّلام) معصومون ، قد أنزل الله تعالى فيهم : ( إنّما يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيراً ) ، فيكون عدد المعصومين في اُمّتنا المرحومة أربعة عشر معصوماً .

وأنّ الله أعدّ للحساب ومجازاة الناس يوم القيامة في الآخرة ؛ ليجزي المحسنين بالجنّة والمسيئين بالنار ، وذلك كما قال تعالى : ( كلّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وإنّما تُوَفّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمََنْ زُحْزِحَ عِنِ النّارِ وَأُدْخِلَ الجنّة فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدّنْيَا إِلاّ مَتَاعُ الْغُرُورِ ) .

هذا ، ولا يخفى أنّ هذه الاُصول الخمسة من التوحيد والعدل والنبوّة والإمامة والمعاد في يوم القيامة من الاُصول الاعتقاديّة التي لا تقبل التقليد ، بل يجب فيها الاجتهاد ، وتحصيلها عن دليل وبرهان وعلم ويقين .


الصفحة (306)

الثاني ممّا يجب به العلم

2 ـ العلم بفروع الدين ، فإنّه يجب على كلّ مسلم ومسلمة العلم بأحكام فروع الدين العشرة من : الصلاة والصيام ، والخمس والزكاة ، والحج والجهاد ، والأمر بالمعرف والنهي عن المنكر ، والتولّي لأولياء الله والتبرّي من أعداء الله ، بل معرفة أحكام الدين في كلّ ما يحتاجه الإنسان في حياته من صغيرة وكبيرة ، وكلّية وجزئيّة ، ما عدا اُصول الدين الخمسة ؛ فإنّ كلّ ما عدا الاُصول الخمسة تعدّ فروعاً للدين ، وعلى كلّ مسلم ومسلمة معرفة ما يبتلى بها من مسائل شرعية ، ويحتاج إليها من أحكام دينيّة بالنسب إلى الفروع .

هذا ، ولا يخفى بأنّ الفروع يجوز التقليد فيها ، أي يجوز الرجوع فيها إلى مرجع جامع للشرائط ، وأخذ المسائل والأحكام منه ، ولا يجب الاجتهاد فيها وتحصيلها عن دليل وبرهان وعلم ويقين ، كما كان يجب ذلك في اُصول الدين ، وهذا هو نوع تسامح من الله تبارك وتعالى للإنسان ؛ لأنّ فروع الدين كثيرة وتحصيلها عن اجتهاد يستغرق كلّ وقت الإنسان ، ولذلك أجاز فيه التقليد من مرجع جامع للشرائط .

الثالث ممّا يجب العلم به

3 ـ العلم بالأخلاق والآداب الفرديّة والاجتماعيّة ، فإنّه يجب على كلّ مسلم ومسلمة العلم بالاُمور التالية :

أوّلاً : العلم بكيفيّة تنسيق رابطته مع الله تعالى ، وكتابه ودينه ورسله وأوليائه .


الصفحة (307)

ثانياً : العلم بكيفيّة تنسيق رابطته مع نفسه وروحه ، وفكره وعقله ، وعواطفه وغرائزه ، وجوارحه وأعضائه ، وسائر شؤونه الفرديّة .

ثالثاً : العلم بكيفيّة معاشرته مع والديه وذويه ، وإخوته وأخواته ، وزوجته وأولاده ، وأصدقائه وشركائه ، وأقربائه وأرحامه ، ومعلمه وأستاذه ، وحاكمه وسلطانه ، وسائر أفراد المجتمع ؛ سواء المجتمع الصغير ، وهو محيط الاُسرة والعائلة , أم المجتمع الكبير ، وهو محيط المحلّة والبلدة ، والدولة والعالم .

رابعاً : العلم بكيفيّة تعامله مع الآخرين في بيعه وشرائه ، وحرفته ومهنته ، وقبضه وبسطه ، وحلّه وترحاله ، وسفره وحضره ، وإلى غير ذلك من الاُمور التي يجمعها رابط العلاقات والروابط الفرديّة والاجتماعيّة ، ويعمّها عامل العشرة والمعاشرات الخصوصيّة والعموميّة .

هذا ، ولا يخفى أنّ هناك في مجال الأخلاق والآداب الفرديّة والاجتماعيّة روايات وأحاديث كثيرة تدّلنا على مكارم الأخلاق ومحاسن الآداب ما فيها لنا غنى عن غيرها ، ولعلّ من أجمعها وأشملها هي ( رسالة الحقوق ) المرويّة عن الإمام زين العابدين (عليه السّلام) ، فإنّه يجب على كلّ مسلم ، بل على كلّ إنسان حرّ مطالعة هذه الرسالة بدقّة ، ومدارستها بهمّة وعلقة ، ثمّ تطبيق ما جاء فيها تطبيقاً حرفيّاً في كلّ شؤونه الفرديّة والاجتماعيّة ، وروابطه ومعاشراته الخصوصيّة والعموميّة .

علماً بأنّ تطبيقها ضامن لسعادة الفرد والمجتمع ، ومتكفّل للتقدّم في الحياة الخاصّة والعامّة ، وعلينا أن نؤسس دورات تعليميّة ، وحلقات تمرينيّة نعلّم فيها ناشئتنا وشبابنا كيف يمارسون تعاليم هذه الرسالة المباركة ( رسالة الحقوق ) ، وندرّبهم فيها على أنّه كيف يطبّقونها في حياتهم العمليّة تطبيقاً حرفيّاً ، وذلك إن أردنا أن نستعيد عزّنا وسعادتنا ، ونسترجع كياننا وسؤددنا إن شاء الله تعالى .


الصفحة (308)

أبو الفضل (عليه السّلام) وهذه العلوم الثلاثة

سبق أن قلنا إنّ أبا الفضل العبّاس (عليه السّلام) قد تخرّج وهو متقن لهذه العلوم الثلاثة : أصول الدين ، وفروع الدين ، والأخلاق والآداب ، وغيرها من العلوم الإسلاميّة والإنسانيّة الاُخرى من معهد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، وجامعة الأئمّة من أهل بيته الطاهرين (عليهم السّلام) ، وعلى يدي أبيه الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) ، وأخويه الإمامين الهمامين الحسن والحسين (عليهما السّلام) .

فهو إذاً عالم كامل ، وفقيه فاضل ، واُستاذ بارع ، وعالم متضلّع باُمّهات العلوم الإسلاميّة واُصولها ، وجذور الأخلاق الإنسانيّة وفروعها .

هذا من جهة العلم والفضل ، وأمّا من جهة العمل والتطبيق الخارجي ، فقد كان أبو الفضل العبّاس (عليه السّلام) من خصوصيّاته وامتيازاته أنّه كان يعمل بما يعلمه ويفقهه ، ويطبّق في حياته الفرديّة والاجتماعيّة معارفه وثقافاته تطبيقاً حرفيّاً دقيقاً بلا زيادة ولا نقصان .

العلم مقرون بالعمل

وإنّما كان أبو الفضل العبّاس (عليه السّلام) عاملاً بعلمه ، مطبّقاً لمعارفه في الخارج ؛ لأنّه كان قد تعلّم أيضاً من أساتذته الميامين وأئمّته المعصومين (عليهم السّلام) أنّ : (( العلم مقرون إلى العمل ؛ مَنْ علم عمل ، ومَنْ عمل علم ، والعلم يهتف بالعمل فإن أجابه وإلاّ ارتحل عنه )) .

وتعلّم أيضاً أنّ : (( العالم بلا عمل كالشجرة بلا ثمر )) .

وتعلّم أيضاً : (( إنّ العلم يهتف بالعمل ، فإن أجابه وإلا ارتحل عنه )) .


الصفحة (309)

وتعلّم أيضاً أنّه : (( مكتوب في الإنجيل : لا تطلبوا علم ما لا تعلمون ولمّا تعملوا بما علمتم ؛ فإنّ العلم إذا لم يُعمل به لم يزدد صاحبه إلاّ كفراً ، ولم يزدد من الله إلاّ بعداً )) .

وتعلّم أيضاً أنّ : (( العلماء رجلان : رجل عالم أخذ بعلمه فهذا ناجٍ ، وعالم تارك لعلمه فهذا هالك ، وإنّ أهل النار ليتأذّون من ريح العالم التارك لعلمه ، وإنّ أشدّ أهل النار ندامة وحسرة رجل دعا عبداً إلى الله فاستجاب له وقبل منه فأطاع الله فأدخله الله الجنّة ، وأدخل الداعي النار بتركه علمه واتّباعه الهوى وطول الأمل ؛ أمّا اتّباع الهوى فيصدّ عن الحقّ ، وطول الأمل ينسي الآخرة )) .

وسمع أيضاً أباه الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) وهو يخطب في الناس على منبر الكوفة ، ويقول : (( أيّها الناس , إذا علمتم فاعملوا بما علمتم لعلكم تهتدون ؛ إنّ العالم بغيره كالجاهل الحائر الذي لا يستفيق عن جهله ، بل قد رأيت أنّ الحجّة عليه أعظم ، والحسرة أدوم على هذا المنسلخ من علمه منها على هذا الجاهل المتحيّر في جهله ، وكلاهما حائر بائر ، لا ترتابوا فتشكّوا ، ولا تشكّوا فتكفروا ، ولا ترخّصوا لأنفسكم فتدهنوا ، ولا تدهنوا في الحقّ فتخسروا .

وإنّ من الحقّ أن تفقّهوا ، ومن الفقه أن لا تغترّوا ، وإنّ أنصحكم لنفسه أطوعكم لربّه ، وأغشّكم لنفسه أعصاكم لربّه ، ومَنْ يطع الله يأمن ويستبشر ، ومن يعص الله يخب ويندم )) .

وعرف أيضاً أنّه : (( لا يقبل الله عملاً إلاّ بمعرفة ، ولا معرفة إلاّ بعمل ، فمَنْ عرف دلّته المعرفة على العمل ، ومَنْ لم يعمل فلا معرفة له ، ألا إنّ الإيمان بعضه من بعض )) .

وعرف أيضاً أنّه : (( مَنْ عمل بما علم كُفي ما لم يعلم )) .

وعرف أيضاً ما [ أُخبر عن ] عيسى (عليه السّلام) حيث قال : (( رأيت حجراً مكتوباً عليه قلّبني فقلّبته ، فإذا على باطنه : مَنْ لا يعمل بما يعلم مشومٌ عليه طلب ما لا يعلم ،


الصفحة (310)

ومردود عليه ما علم )) .

وعرف أيضاً ما قاله (عليه السّلام) : (( مَنْ علم وعمل فذاك يدعى عظيماً في ملكوت السماء )) .

وعلم ما أوحى الله تبارك وتعالى إلى داود (عليه السّلام) ، حيث قال له : (( إنّ أهون ما أنا صانع بعالم غير عامل بعلمه أشدّ من سبعين عقوبة ؛ أن أخرج من قلبه حلاوة ذكري . . . والعامل حقّاً هو الذي ينطق عنه أعماله الصالحة ، وأوراده الزاكية ، وصدقه وتقواه ، لا لسانه وتصاوله ودعواه . . . )) .

وعلم أيضاً أنّ : (( العلم وديعة الله في أرضه ، والعلماء أمناؤه عليه ، فمَنْ عمل بعلمه أدّى أمانته ، ومَنْ لم يعمل بعلمه كتب في ديوان الخائنين )) .

وتعلّم أيضاً ما أوصى به أبوه الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) من قوله : (( لا تجعلوا علمكم جهلاً ويقينكم شكّاً ، وإذا علمتم فاعملوا ، وإذا تيقّنتم فأقدموا )) .

وعلم أيضاً بأنّ : (( أشدّ الناس عذاباً عالم لا ينتفع من علمه بشيء )) .

وعلم أيضاً بأنّ : (( العلم الذي لا يُعمل به كالكنز الذي لا يُنفق منه ؛ أتعب صاحبه نفسه في جمعه ولم يصل إلى نفعه )) .

وعلم أيضاً بأنّ : (( مثل الذي يعلم الخير ولا يعمل به مثل السراج يضيء للناس ويحرق نفسه )) .

وعرف أيضاً أنّه : (( ما ازداد العبد علماً فازداد في الدنيا رغبة إلاّ ازداد من الله بُعداً )) .

وعرف أيضاً أنّ : (( كلّ علم وبال على صاحبه إلاّ مَنْ عمل به )) .

وعرف أيضاً أنّ : (( أشقى الناس مَنْ هو معروف عند الناس بعلمه ، مجهول بعمله )) .


الصفحة (311)

العبّاس (عليه السّلام) السباق في ميدان العمل والتطبيق

وعليه ، فأبو الفضل العبّاس (عليه السّلام) كان من حسن تعلّمه ، وجميل تفقّهه ، وفضل تأدّبه ، ومن إلمامه بالروايات الكريمة ، ومعرفته بالأحاديث الشريفة ، هو السبّاق في ميدان العمل بما تعلّمه ، والمقدام في ساحة التطبيق الخارجي لما تفقّه فيه .

وأدلّ دليل على ذلك : كونه (عليه السّلام) مع الصادقين ، الذين أمر الله تعالى بالكون معهم ، فكان (عليه السّلام) ما عرفت مع أبيه الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) ، ثمّ مع أخيه الإمام الحسن المجتبى (عليه السّلام) ، ثمّ مع أخيه الإمام الحسين (عليه السّلام) ، وبقاؤه معه حتّى آخر لحظة من حياته ، متحدّياً كلّ الوعود والمغريات من عرض الأمان ، وتقديم الإمارات والمناصب وغير ذلك ، والوقوف إلى جانبه حتّى آخر قطرة من دمه ، معلناً عن نصرته له ، والحماية عنه حتّى أريق دمه في سبيل الله ، ونصرة دينه وكتابه ، وحماية [ ابن ] رسوله (صلّى الله عليه وآله) وإمامه (عليه السّلام) ، وسقط شهيداً مظلوماً بين يدي أخيه وإمامه ، الإمام الحسين (عليه السّلام) ، ونال بذلك شرف الدنيا ، وفاز بسعادة الآخرة والجنّة .

هذا مع أنّ أبا الفضل العبّاس (عليه السّلام) كان يحمل بين جوانبه كلّ مؤهّلات الرئاسة ، وكان يضمّ بين جوانحه جميع معدّات الزعامّة والقيادة ، من جمال وكمال ، وعلم وحلم ، وحسب ونسب ، وعزّ وشرف ، وفصاحة وبلاغة ، وجود وكرم ، وشجاعة وشهامة ، وبالتالي كان فيه كلّ مستلزمات القائد الحكيم ، والزعيم المجرّب ، والرئيس المحبوب المقدام .

فكان باستطاعته أن يطرح نفسه رأساً ، ويدعوا الناس إلى ذلك ، ويكون رئيساً وزعيماً في قومه ، كما فعل مَنْ هو أقلّ منه بكثير ، بل مَنْ هو بالنسبة إليه كالقطرة مقابل البحر ، والرشفة أمام اليمّ ، والذرّة لدى المجرّة ، والهباءة عند الكون العظيم ، أعني به عبد الله بن الزبير ، الذي نصب نفسه علماً ، ودعا الناس إلى نفسه ، وكان من أمره ما كان .


الصفحة (312)

نموذج من التطبيق العملي لأبي الفضل العبّاس (عليه السّلام)

نعم ، كان باستطاعة أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) لولا التزامه بأن يعمل بما علمه ، ويطبق ما عرفه تطبيقاً حرفيّاً دقيقاً أن يطرح نفسه رأساً ، ويدعو الناس إلى نفسه كما فعل ابن الزبير ، وكان حينئذ نسبة موفقيّته في ذلك بالنسبة إلى موفقيّة ابن الزبير أكثر بكثير ، وهو واضح لا غبار عليه . ولكنّه (عليه السّلام) لم يفعل ذلك ، ولم ينصب نفسه علماً للناس ، ولم يدعُ الناس إلى نفسه .

كما إنّه لم يتّخذ موقف الحياد من إمامه الإمام الحسين (عليه السّلام) ، ولم ينعزل عن الساحة وعن مجتمعه ، ولم يترك الأمر على عواهنه دون أن يقوم بما يجب عليه (عليه السّلام) تجاه ربّه ودينه ، وقبال كتاب الله ورسوله (عليه السّلام) ، وإزاء أخيه وإمامه الإمام الحسين (عليه السّلام) .

بل إنّه (عليه السّلام) حدّد موقفه في الحياة حسب ما أملاه عليه دينه وعقيدته ، وما أوجبه عليه علمه ومعرفته ، وقام بما يجب عليه بكلّ إخلاص وتسليم ، وأدّى ما فرض عليه بأمانة ونصيحة ، فعاضد أخاه الإمام الحسين (عليه السّلام) في كلّ موقف ومشهد ، ودافع عنه بكلّ قوّة وقدرة ، وكان معه ناصراً ومعيناً ، وله وليّاً وحميماً ، وعليه حدباً وحانياً ، وبه شفيقاً ورفيقاً حتّى نال وسام الشهادة بين يديه (عليه السّلام) ، وفاز بسعادة الدنيا والآخرة .

وبذلك علّمنا (عليه السّلام) كيف نكون مع الصادقين ، وكيف نضمّ أصواتنا إلى أصواتهم ، وهممنا إلى هممهم حتّى ينتصر الحقّ ويندحر الباطل ، ويعلو الإسلام والمذهب الحقّ ، مذهب أهل البيت (عليهم السّلام) ، على ما سواه ، ويغطّي ربوع الأرض


الصفحة (313)

بظِلاله ، ويسعد الناس بأحكامه وتعاليمه .

علماً بأنّ الصادقين على ما في مجمع البيان ، عن جابر الأنصاري ، عن أبي جعفر (عليه السّلام) هم آل محمّد (صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين) ؛ فآل محمّد (صلّى الله عليه وآله) ، والذين عيّنهم آل محمّد في حياتهم ومن بعدهم مرجعاً يرجع الناس إليهم في دينهم ودنياهم ، وهم اليوم الفقهاء والمراجع .

هم الذين أمرنا الله تعالى بأن نكون معهم ، ولا نتفرّق عنهم ، حقّ يتحقّق ، الإسلام يعلو ولا يُعلا عليه ؛ وذلك لأنّ يد الله مع الجماعة ، وأنّ نصر الله معقود على نواصي الذين أخلصوا لله ، واتّحدوا في الله ، ونصحوا لعباد الله ، لا على نواصي الذين تفرّقوا وتشتّتوا ، وتخاذلوا وتحاقدوا ، ونصبوا أنفسهم علماً ورأساً ، ودعوا الناس إلى أنفسهم ، وصاروا بذلك رؤوساً كمزرعة البصل ، كلّها رؤوس يقتلعها الزرّاع في الدنيا بسهولة ، ويدّخرها الملائكة في الآخرة لشجرة الزقوم التي طلعها كأنّه رؤوس الشياطين بمرونة ؛ فإنّهم بذلك لم ينالوا ما أمّلوا ، ولم يبلغوا ما راموا ، وسوف يحاسبهم التاريخ في المستقبل حساباً عسيراً مخزياً ، ويعاقبهم الله في القيامة عقاباً شديداً مهيناً .

أوسمة أبي الفضل (عليه السّلام) على عمله بعلمه

أجل ، لقد امتاز أبو الفضل العبّاس (عليه السّلام) من بين أقرانه وأصحابه في مجال العمل بعلمه ، وميدان التطبيق الحرفي لمعارفه بالسبق عليهم جميعاً ، والتقدم من بينهم قاطبة حتّى فاز عند الله بأعلى الدرجات ، وحصل من رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، وابنته فاطمة الزهراء (عليها السلام) ، والأئمّة من أهل بيته (عليهم السّلام) على أرفع الأوسمة ، وأعظم النياشين .

ونحن نشير إلى ما تيسّر لنا منها باختصار إن شاء الله تعالى حتّى يكون


الصفحة (314)

نبراساً لنا نستضيء بنوره ، وقدوة لنا نتعلّم من هديه ؛ كيف نكون مثله (عليه السّلام) عاملين بعلمنا ، مطبّقين لمعتقداتنا ، محقّقين في الخارج لمعارفنا وثقافاتنا .

علماً بأنّ أبا الفضل العبّاس (عليه السّلام) لم يكن نبيّاً ولا وصيّاً ، ومع ذلك نراه قد جاز على أرقى مدارج العلم المقرون بالعمل ، عملاً عينيّاً خارجيّاً لِما علِمه ، وفاز على أعلى مراقي المعرفة المحفوفة بالتطبيق العملي ، تطبيقاً حرفيّاً دقيقاً لِما اعتقده وعرفه ، ونال سبب ذلك المقام الرفيع عند الله تبارك وتعالى ، والمنزلة السامية لدى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، وابنته الصدّيقة فاطمة الزهراء (عليها السلام) ، والأئمّة من أهل بيته الطاهرين (عليهم السّلام) .

وعليه فيكون أبو الفضل العبّاس (عليه السّلام) بذلك حجّة بالغة علينا ، لا نستطيع أن نقول بعدها كيف لنا الحصول على المقام الرفيع ، والمنزلة السامية عند الله ورسوله (صلّى الله عليه وآله) مع إنّا لسنا بأنبياء ولا بأوصياء أنبياء ؟

فإنّ أبا الفضل العبّاس (عليه السّلام) مع أنّه لم يكن نبيّنا ولا بوصيّ نبيّ قد نال ما ناله من العظمة والزلفى عند الله ورسوله ، وعند أهل بيت رسوله (صلّى الله عليه وآله) بسبب عمله بعلمه عملاً دقيقاً من غير زيادة ولا نقصان ، ولا اجتهاد منه مقابل النصّ ، ولا تحوير وتحريف للواقعيّات العقائديّة ، وتمويه وتشويه للحقائق العلميّة ، كما فعل ذلك عمر بن سعد وأمثاله حيث حرّف كلّ الحقائق ، وشكّك فيها ؛ للوصول إلى ولاية الري ، ولم يصل إليها ، ولم يتهنّأ بها ؛ بل عمل بها أبو الفضل العبّاس (عليه السّلام) بكلّ أمانة وصداقة ، وإذعان وتسليم .

وإليك بعض تلك الأوسمة والنياشين ، والمقامات الرفيعة ، والمنازل السامية له (عليه السّلام) عند الله ورسوله وأهل بيته (عليهم السّلام) في الخصّيصة الأخيرة من هذا الكتاب ، وهي الخصّيصة الأربعون من خصائص أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) إن شاء الله تعالى .


الصفحة (315)

الخصّيصة الأربعون

في أنّه (عليه السّلام) الوجيه عند الله ورسوله والأئمّة الطاهرين

لقد استطاع أبو الفضل العبّاس (عليه السّلام) عبر إيمانه الراسخ ، وعقيدته الصلبة ، ونفسيّته الطيّبة ، وأخلاقه الكريمة ، وبتطبيق معارفه الربّانيّة في الخارج تطبيقاً حرفيّاً دقيقاً ، وتحقيق ثقافته الإسلاميّة في حياته العلميّة تحقيقاً وافياً واضحاً ، أن يحلّق في مقام القرب والوجاهة إلى الله تعالى ، ويعلو في درجات الفضل والجلال عند رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، وابنته فاطمة الزهراء (عليها السلام) والأئمة الطاهرين من أهل بيت رسول الله (صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين) ، وذلك بما لم يستطع أحد ليس هو بنبيّ ولا بوصيّ نبيّ أن يصل إلى ما وصل إليه أبو الفضل العبّاس (عليه السّلام) من الوجاهة عند الله تبارك وتعالى وعند رسوله الحبيب وابنته الوفيّة وأهل بيته الطاهرين .

ونحن نذكر شيئاً منها ، ونستعرض نماذج عليها بعون الله تعالى وقوّته وحوله وطوله .

العبّاس (عليه السّلام) ومنزلته عند الله

قال الله تعالى : ( وَلَوْ أَنّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ واخْرُجُوا مِن دِيَارِكُم مَا فَعَلُوهُ إِلاّ قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَشَدّ تَثْبِيتاً * وَإِذاً لآتَيْنَاهُم مِن لَدُنّا أَجْراً عَظِيماً * وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطاً مُسْتَقِيماً * ومَنْ يُطِعِ اللّهَ وَالرّسُولَ


الصفحة (316)

فَأُولئِكَ مَعَ الّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِنَ النبيِّين وَالصّدّيقِينَ وَالشّهَدَاءِ وَالصّالِحِينَ وَحَسُنَ اُولئك رَفِيقاً * ذلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللّهِ وَكَفَى‏ بِاللّهِ عَلِيماً )(1) .

ومن أجلى مصاديق هذه الآيات الكريمة هو سبط رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، الشهيد بكربلاء الإمام الحسين (عليه السّلام) وأخوه أبو الفضل العبّاس (عليه السّلام) ؛ فلقد كتب الله تعالى على سبط رسوله الحبيب ، ووصيّ وصيّه الكريم الإمام الحسين (عليه السّلام) الهجرة والقتال ، والخروج على يزيد عدوّ الله وعدوّ رسوله ، وأبلغ ما كتبه عليه عبر أمين وحيه جبرائيل ، وبواسطة حبيبه الرسول المصطفى (صلّى الله عليه وآله) إليه ، فامتثل الإمام الحسين (عليه السّلام) أمر ربّه وخرج ، فلم يخرج معه ولم يقاتل بين يديه (عليه السّلام) إلاّ القليل ، وكان في مقدّمة هذا القليل أبو الفضل العبّاس (عليه السّلام) .

وحيث إنّه (عليه السّلام) فعل ما وُعِظ به ، وعمل بما علِم ، كان خيراً له وأشدّ تثبيتاً ، ونال من الله أجراً عظيماً ، وهُدي صراطاً مستقيماً ، وحُشر كما في زيارته (عليه السّلام) أيضاً المأثورة عن الإمام الصادق (عليه السّلام) على أثر طاعته لله ولرسوله ولإمامه مع الذين أنعم الله عليهم من النبيِّين والصدّيقين ، والشهداء والصالحين ، وحسن اُولئك رفيقاً ، فصدق في حقّه (عليه السّلام) ، وتحقّق عليه قوله تعالى : ( ذلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللّهِ وَكَفَى‏ بِاللّهِ عَلِيماً ) .

فطوبى لأبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) مقامه الرفيع عند الله تبارك وتعالى ، وهنيئاً له على منزلته السامية لديه !

مشاهد العبّاس (عليه السّلام) الأربعة

كان هذا شيئاً قليلاً من جزاء الله (عزّ وجلّ) لأبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) ، ونزراً يسيراً من ثواب الله تبارك وتعالى له في الآخرة .

وأمّا جزاؤه تعالى له وأجره إيّاه في الدنيا فحدّث ولا حرج ؛ فتلك روضته المباركة ، وقبّته السامية ملاذاً للاّئذين ، وأمنا للاّجئين ، ومقصداّ للزّائرين ، ومحطّاً للوافدين ، وتلك كراماته الباهرة وعناياته الخاصة ظاهرة منها للناس أجمعين .

ـــــــــــــــــــــ

(1) سورة النساء / 66 ـ 70 .


الصفحة (317)

أضف إلى ذلك مزاراته الثلاثة ، ومشاهده المباركة الاُخرى ، فإنّها أيضاً كروضته المباركة مقصداً ومزاراً للناس ، وملاذاً ومعاذاً لهم .

علماً بأنّ تلك المزارات الثلاثة والمشاهد المباركة الاُخرى هي عبارة عمّا يلي :

المشـهد الأول

1 ـ مشهد الرأس الشريف : جاء في كتب المقاتل أنّ عمر بن سعد أمر جيشه بعد أن قتلوا ابن بنت رسولهم (صلّى الله عليه وآله) ومَنْ كان معه من أهل بيته وأصحابه (عليهم السّلام) بأن يحتزّوا رؤوسهم ، ويحملوها مع السبايا إلى ابن زياد ومنها إلى يزيد بن معاوية .

وكذلك فعلوا ، فكانت للرؤوس الطاهرة في كلّ مكان وخاصة في الشام معجزات باهرة ، وكرامات ظاهرة ، افتضح على أثرها الأمويّون ، وخُزي من جرائها يزيد وابن زياد ؛ ممّا أدّى بيزيد أن يسلّم الرؤوس الشريفة كلّها إلى الإمام زين العابدين (عليه السّلام) حتّى يلحقها بالأبدان الطاهرة ويدفنها معها ، وهذا هو المعروف والمشهور .

فإنّ الإمام السجّاد (عليه السّلام) ردّ الرؤوس الكريمة كلّها إلى كربلاء ، وألحقها بالأبدان الطاهرة ، ودفنها معها ، غير أنّ هناك بدمشق الشام ، وفي المقبرة المعروفة باسم ( مقبرة باب الصغير ) مشهد كان قد وضع على بابه ـ وذلك أوائل القرن الرابع عشر الهجري ـ صخرة منحوت عليها ( هذا مدفن رأس العبّاس بن علي (عليه السّلام) . . . ) ، وفي أواسط القرن الرابع عشر الهجري انهدم هذا المشهد فأُعيد بناؤه ، وأُزيلت تلك الصخرة من على بابه ، وبُني ضريح داخل المشهد ، ونقش عليه أسماء كثيرة لشهداء كربلاء .

هذا ما جاء في التاريخ ، وتعرّض له كتاب ( أعيان الشيعة ) ، إلاّ أنّ الظاهر القوي ، والقريب غير البعيد هو : أنّ هذا المشهد محلّ صلب تلك الرؤوس الكريمة لا محل دفنها .

الصفحة (340)

ومن أجل ذلك كان العلماء الأعلام والمراجع العظام إذا قصدوا أبا الفضل العبّاس (عليه السّلام) ، وتشرّفوا بزيارته في روضته المباركة ، قبّلوا عتبته الشريفة ولثموها عند دخولهم إليه ، كما يلثمون عتبة الإمام الحسين (عليه السّلام) ويقبلونها عند الدخول إليه والتشرّف بزيارته (عليه السّلام) .

وينقل عن صاحب كتاب [ أسرار الشهادة ] العلاّمة الدربندي أنّه قال يوماً للشيخ الأنصاري ، وذلك في أيّام مرجعية الشيخ : إنّ الشيعة يرجعون إليكم ويقتدون بكم ويقتفون آثاركم ، فلو كنتم عند تشرّفكم إلى زيارة الإمام الحسين (عليه السّلام) تقبّلون عتبته المقدّسة حين دخولكم في روضته المباركة ، اقتدى الشيعة بكم في ذلك ، وفعلوا كما تفعلون ، فتشتركون في ثوابهم ، وتؤجرون بأجرهم .

فأجابه الشيخ الأنصاري قائلاً : إنّي اُقبّل عتبة أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) المقدّسة وألثمها ، ناهيك عن أعتاب الأئمّة الطاهرين من أئمّة أهل بيت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) كالإمام الحسين (عليه السّلام) .

ثمّ أضاف قائلاً : إنّي إنّما أقبّل عتبة أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) وألثمها ؛ لأنّها موطئ أقدام زواره الكرام ، ناهيك عن أنّها عتبة باب الحوائج وباب الإمام الحسين (عليه السّلام) أبي الفضل العبّاس ابن الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) .

هذا بعض ما لأبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) من الجاه العظيم ، والمقام الرفيع عند الله ورسوله (صلّى الله عليه وآله) ، وعند ابنته فاطمة الزهراء (عليها السّلام) وعند الأئمّة الطاهرين (عليهم السّلام) من أهل بيت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، وعند أمّه اُمّ البنين (عليها السّلام) وعند أخته السيّدة زينب (عليها السّلام) ، وعند شيعته ومحبّيه .

وأمّا حقيقة مقام أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) ، وواقع منزلته فممّا لا يعلمها إلاّ الله تبارك وتعالى . رزقنا الله زيارته ، وحشرنا معه في الدنيا والآخرة ، آمين ربّ العالمين .


الصفحة (341)

الخــاتمة

في خصائص حواريّ الإمام الحسين (عليه السّلام)

ولـيسَ لـديه نـاصرٌ غـيرُ نيفٍ      وسـبعينَ  لـيثاً مـا هـناكَ مزيدُ
سـطتْ  وأنـابيبُ الـرماحِ كأنّها      أجـامٌ  وهـم تـحتَ الرماحِ أسودُ
تـرى لـهمُ عـندَ الـقراعِ تباشراً      كـأنّ لـهم يـومَ الـكريهةِ عـيدُ
وما برحوا عن نصرةِ الدين والهدى      إلـى  أن تـفانى جـمعُهمْ واُبيدوا

ولنذكر بتوفيق من الله تعالى في خاتمة كتابنا هذا ( الخصائص العبّاسيّة ) بعض خصائص حواريّ الإمام الحسين (عليه السّلام) من أصحابه وأهل بيته ، الذين استشهدوا معه في كربلاء ، وشيئاً ممّا امتازوا به على سائر حواريّ الأنبياء ، وأوصيائهم من موسى وعيسى وهارون ويوشع إلى نبيّنا الحبيب ، خاتم الأنبياء والمرسلين ، وأشرف خلق الله أجمعين محمّد بن عبد الله (صلّى الله عليه وآله) , ووصيّه الكريم ، سيّد الأوصياء ، وإمام المتّقين ، الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السّلام) .

هذا ، ولا يخفى أنّ أبا الفضل العبّاس (عليه السّلام) على ما سبق هو إمام حواريّ أخيه الإمام الحسين (عليه السّلام) وسيّدهم ، وأفضلهم وأشرفهم ، وإذا كان كذلك فإنّه إذا تكلّمنا عن خصائص حواريّ الإمام الحسين (عليه السّلام) وامتيازاتهم ، فقد تكلّمنا في الواقع عن خصائص أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) وامتيازاته أيضاً ، علماً بأنّ أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) ليس هو إمام حواريّ أخيه الإمام الحسين (عليه السّلام) فحسب ، بل هو إمام كلّ


الصفحة (342)

الحواريّين ؛ وذلك لأنّه (عليه السّلام) هو إمام حواريّ أخيه الإمام الحسين (عليه السّلام) ، وحواريّو الإمام الحسين (عليه السّلام) هم أفضل كلّ الحواريّين من الأوّلين والآخرين ، فيكون أبو الفضل العبّاس (عليه السّلام) إذن هو إمام كلّ الحواريّين وأفضلهم من الأوّلين والآخرين ، ويكون الحديث عنهم هو حديث عنه أيضاً .

وحيث اتّضح ذلك ، فلنبدأ الآن بما تيسّر لنا ذكره من تلك الخصائص والامتيازات الواردة في حقّهم بإذن الله تعالى وتأييده :

الامتياز الأوّل :

1 ـ إنّهم كانوا بعد المعصومين الأربعة عشر (عليهم السّلام) في مقدّمة الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه ؛ وذلك على ما جاء في ثواب الأعمال عن الإمام الصادق (عليه السّلام) من أنّه أوصى بقراءة سورة ( الفجر ) في الصلوات الفريضة والنافلة , وقال : (( إنّها سورة الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهم السّلام) , مَنْ قرأها كان مع الإمام الحسين (عليه السّلام) يوم القيامة في درجته في الجنّة )) .

وفي شرح الآيات الباهرة ، مسندا عن الإمام الصادق (عليه السّلام) في حديث جاء فيه : ( يَا أَيّتُهَا النّفْسُ الْمُطْمَئِنّةُ . . . ) ، (( إنّما يعني بها الحسين بن علي (عليه السّلام) ؛ فهو ذو النفس المطمئنة ، الراضية المرضيّة ، وأصحابه من آل محمّد (عليهم السّلام) الراضون عن الله يوم القيامة وهو راضٍ عنهم . وهذه السورة نزلت في الحسين بن علي (عليه السّلام) وشيعته ، وشيعة آل محمّد خاصّة ... )) .

الامتياز الثاني :

2 ـ إنّهم كانوا أبرّ وأوفى جميع مَنْ صحب الأنبياء والأوصياء قاطبة ؛ وذلك لأنّ الإمام الحسين (عليه السّلام) برواية الإرشاد للمفيد ، مسندا عن الإمام زين العابدين (عليه السّلام)


الصفحة (343)

جمعهم غروب يوم التاسع من المحرّم ، أي في أوّل الليل من ليلة عاشوراء ، ورفع عنهم بيعته ، وأذن لهم بالانصراف فلم يرضوا إلاّ ببذل أرواحهم دونه ، وكان أوّل مَنْ بدأهم هو أبو الفضل العبّاس (عليه السّلام) ، عندها قال لهم الإمام الحسين (عليه السّلام) : (( أمّا بعد ، فإنّي لا أعلم أصحاباً أوفى ولا خيراً من أصحابي ، ولا أهل بيت أبرّ ولا أوصل من أهل بيتي ، فجزاكم الله خيراً )) .

الامتياز الثالث :

3 ـ إنّهم كانوا خير مَنْ نصر الله ، ونصر دين الله ، ونصر أنبياءه وأوصياءهم من الأوّلين والآخرين ، وذلك كما في الزيارة الصادرة عن الناحية المقدّسة ، حيث جاء فيها : (( السّلام عليكم يا خير أنصار ، السّلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار )) .

ولعلّ تفوّق هؤلاء على الجميع يكون لأجل شدّة إيمانهم وإخلاصهم لإمامهم الإمام الحسين (عليه السّلام) ، ولأجل أنّ نسبتهم إلى نسبة العدوّ كانت حسب بعض الروايات التاريخية نسبة الواحد إلى الألف ، بل أكثر ، ومعه قد حصل لهم العلم بأنّهم سوف يُقتلون عن آخرهم ، ويُقتل معهم الإمام الحسين (عليه السّلام) أيضاً ، وعلموا أيضاً أنّه لا ظفر ظاهري لهم على العدوّ .

كما إنّهم أيقنوا بأنّهم لو تركوا نصرة إمامهم ، وانسحبوا عن ساحة القتال ، وغادروا كربلاء لم يُقتلوا ، ومع ذلك نصروه وأرخصوا دماءهم ، وبذلوا أرواحهم في نصرته . بينما لم تجتمع هذه الاُمور في غيرهم ، لا من حيث شدّة الإخلاص ، ولا من حيث قلّة العدد وكثرة العدوّ ، ولا من حيث اليقين بالقتل ؛ فإنّ غيرهم كانوا على الأقل يأملون بقاء مَنْ ينصرونه .


الصفحة (344)

الامتياز الرابع :

4 ـ إنّهم كانوا قد أُثبتوا بأسمائهم وأشخاصهم ، وعددهم وعدّتهم في اللوح المحفوظ ، بحيث إنّهم لم ينقصوا ولم يزدادوا ، ولم يتغيّروا ولم يتبدّلوا ، ولذلك لمّا عُنّف ابن عب