1439 / جمادی‌الآخرة / 4  |  2018 / 02 / 21         الزيارات : 570428         صلاة الصبح |         صلاة الظهر والعصر |         صلاة المغرب والعشاء |

دور المرجعية الدينية في إصلاح الواقع العراقي.. السيّد السيستاني أُنموذجاً

{ د. الشيخ أحمد علي عبود الخفاجي }
دور المرجعية الدينية في إصلاح الواقع العراقي.. السيّد السيستاني أُنموذجاً

 

المقدّمة[1]

تعدّ المرجعية الدينية الامتداد الحقيقي اللازم للإمامة، التي تشكّل بدورها الامتداد الطبيعي للنبوّة في أبعادها المختلفة، وخاصّة في بُعديها العقائدي والسياسي، وقد رسم هذا الامتداد للمرجعية الطريقة التي تنتهجها وتسلكها للتعامل مع جميع الظروف والأوضاع، بما فيها الأوضاع والظروف السياسية، وحسب الشروط والخطوط التي وضعها أهل بيت عليهم السلام، فقد مرَّ أهلُ البيت عليهم السلام بمراحل وأدوار ذات ظروف وعوامل مختلفة، جعلتهم يتصرّفون مع تلك الظروف بما يتلاءم مع شروط كلّ مرحلة ودور.

وبما أنّ المرجعية الدينية هي الامتداد الطبيعي للإمامة؛ فإنّ عملها يجب أن يكون في ظلّ ما قام به أئمّة أهل البيت عليهم السلام من أدوار ومواقف مختلفة.

لقد تقلّدت المرجعية الدينية وظائف وواجبات عديدة جعلتها تحمل أمانة الرسالة المحمدية، ومارست الأدوار والمواقف والمراحل ضدّ حركة الانحراف والتدهور مثلما مارسها أئمّة أهل البيت عليهم السلام.

لقد راعى السيد السيستانيK الحكومات المتعاقبة على السلطة من يوم سقوط النظام البائد في العراق ولحد وقتنا الحاضر بالتوجيه والنصيحة والإرشاد، والملاحظات القيّمة التي تصبّ في مصلحة الأُمّة والوطن، وبما ينفع المسار السياسي في هذه اللحظات السياسية الحاسمة التي تمرّ على البلاد، بما فيها من مآسٍ وأحزان، وخاصّة فيما يتعلّق بتردي الوضع الأمني، فقد كان وما زال بحق صمّام الأمان في عدم انجرار البلاد إلى حرب طائفية مؤلمة تحرق الأخضر واليابس، رغم الاعتداءات الصارخة التي انصبت على العراقيين وباستمرار من التكفيريين والظلاميين أتباع أزلام صدام، وترويع الأهالي على اختلاف الصُعُد، من قتلٍ وذبحٍ وسلبٍ ونهبٍ، وتهجيرٍ بالقسر، وتدمير للمساجد، ولمراقد الأئمّة والعلماء والصالحين والأولياء، بما يندى له الجبين، وكان من الممكن أن يُردّ على هذه الأفعال الظالمة بما يعادلها أو أكثر، لولا إصرار مراجعنا العظام وخصوصاً سماحة السيد السيستانيK.

وممّا ينبغي ذكره أنّه نجـح بهـذه السـياسة الحكيمة؛ إذ أفشلت مخططات المنحرفين الذين يعملون في الليل والنهار على إثارة النعرات الهدّامة، والتكفير الظالم، والمروق عن الأخلاق الحميدة.

مبحث تمهيدي: السيرة الذاتية والملامح الفكرية للسيد السيستانيK

قد تختلف الناس على نوعية السلطة ومصادر مشروعيتها، أو على كفاءتها وصلاح حالها ورجالها، لكن ضرورتها للأمن والنظام العام هو أمر لا جدال فيه، «فإنّه متى غابت السلطة قلّ الصلاح، وكثُر الهرج والمرج، وفسُدت المعايش، بل إنّ المعلوم أنّه مع وجود الرؤساء وانقباض أيديهم وضعف سلطانهم، يكثُر الفساد ويقلّ الصلاح»[2].

ويمكن القول: إنّ هنالك حاجة ماسّة جدّاً لسلطة عُليا تقوم على إدارة شؤون المجتمع وتسيير أُموره العامّة؛ وذلك لتحقيق التناسق بين الاحتياجات الاجتماعية المتفاوتة، وأساليب إشباع هذه الاحتياجات، وتجميع القوى الفعّالة وتوجيهها الوجه التي تؤهلها لخدمة المجتمع على النحو الأكمل، كما أنّ هذه السلطة ضرورية لإشاعة العدل بوجه الظلم والاعتداء على الآخرين وحقوقهم، وبالتالي يحتاج المجتمع إلى الموقف فيها رأياً موحداً يمتلك القاطعية والواقعية، والقدرة على التنفيذ[3].

فإنّ السلطة التي تجمع بين المحافظة على السلم الأهلي والعدل بين السكان هي الأمثل بطبيعة الحال؛ لأنّه الغرض الأوّل لهذه السلطة السياسية، والتي تكون هي الواسطة في إيجاد الحكم الصالح[4].

إنّ ضرورة حفظ النظام العام في الدولة ككيان تجتمع فيه الأفراد والجماعات، والذي من خلاله يتمّ إرساء مبادئ العدل والسلام، وأحقّية العيش الكريم، ضرورة تتفق عليها كلّ الآراء والأفكار الإسلامية من حيث النتيجة وإن اختلفت في شكل النظام السياسي السائد، وحدود الممارسة السياسية، والمعالجة الميدانية للحوادث في هذا البلد أو ذاك[5].

كما أنّ الاختلاف في شكل النظام السياسي وطبيعته وجدت على مستوى الاتجاه الفكري (المذهبي) الواحد، فالشيعة كفرقة إسلامية اختلف علماؤها في هذه المسألة، ولكلّ حججه وأدلته في ذلك، مع اتفاقهم في النتيجة والغاية، وهي إفشاء العدل والسلام[6].

في ضوء ما تقدّم يمكن القول: إنّ حركة علماء الدين والمراجع على المستويين الفكري والميداني تهدف إلى الهدف ذاته، فهم يسعون جاهدين إلى الحفاظ على حياة الناس أوّلاً (القيم العظمى)، فهو هدف كلّ المصلحين، وأوّل أولوياتهم على اختلاف توجهاتهم، وإذا كان الهدف والغاية من كلّ دين أو نظرية إنسانية هي حياة الإنسان، فمعنى ذلك أنّ كلّ ما يوفر للإنسان والإنسانية السلام والحياة الحرّة الكريمة، هو هدف العلماء والفلاسفة والأديان والأفكار[7].

ومن العلماء الذين برز دورهم وبشكلٍ واضح على مسرح الأحداث في العراق بعد سقوط (نظام البعث الدموي) هو السيد السيستاني، وهو من كبار العلماء المجتهدين، وُلد السيد في مدينة مشهد المقدّسة في (7) ربيع الأوّل (1349هـ)، أي: في عام (1928م)، وبها نشأ وأكمل قراءة المقدّمات والسطوح والعلوم العقلية والمعارف الإلهية لدى جملة من أعلامها حتى أتقنها، ثمّ هاجر بعد ذلك إلى مدينة قم المقدّسة سنة (1368هـ)، فلازم بحث العلمين السيد حسين البروجردي فقهاً وأُصولاً، والسيد محمد الكوهكمري فقهاً، إلى أن هاجر سنة (1371هـ) الموافق عام (1950م) إلى مدينة النجف الأشرف، فحضر فيها دروس جملة من أعلامها، منهم: آيات الله العظام: السيد محسن الحكيم، والشيخ حسين الحلي، والسيد أبو القاسم الخوئي (قدّس الله أسرارهم)، وبلغ السيد السيستاني مرتبة الاجتهاد سنة (1380هـ) الموافق (1959م)، ثمّ بدأ بإلقاء الدرس الخارج سنة (1381هـ) وإلى الآن مستمر في ذلك[8].

وقد آلت إليه المرجعية بعد وفاة السيد أبو القاسم الخوئي، وكانت الزعامة مقسومة بينه وبين السيد عبد الأعلى السبزواري، وبعد سنة واحدة فقط توفّي السيد السبزواري، فأصبح السيد السيستاني المرجع الأعلى في العراق عام (1993م)[9].

عُرِف السيد برجاحة عقله، ولديه اهتمام كبير واطّلاع واسع على الفلسفة والآراء والنظريات المعاصرة، فهو يعرف الشيوعية والرأسمالية بدقائقها، وكذلك يعرف الوجودية بدقائقها، وكما أنّ لديه ولعاً خاصاً بالحكمة والفلسفة، فقد درسهما دراسة مجدية حتى عُدّ أحد الأركان لعلم الفلسفة في القرن العشرين، كذلك عُرف سماحته بنفاذ البصيرة، وخاصّة فيما يتصل بالشأن السياسي، وحظي باحترام جميع الأطراف لا سيّما سلطات الاحتلال الأمريكية، ومجلس الحكم الانتقالي، رغم تضارب مصالحهم؛ ما جعل سلطات الاحتلال والأُمم المتحدة تأخذ بملاحظاته، وتتجنب إثارة حفيظته، فقد تراجعت عن بعض خططها بعد إصدار سماحته لفتاوى ضدّ القرارات المتّخذة من قِبل هذه السلطات.

 وتُعدّ مرجعيته اليوم مرجعية شاملة من حيث كثرة مُقلديه فيما يضطلع بأعبائها على شتى الصُّعُد الاجتماعية، من حيث إدارة الحوزة النجفية من إنفاق ومشاريع وغيرها[10]. تعرّض السيد السيستاني إلى مضايقات كثيرة ومحاولات اغتيال والتي كُتب لها الفشل، وكان لجهاز المخابرات مقر دائم أمام منزل السيد؛ إذ دفع النظام البائد بمجموعة من الأشخاص داخل الوسط الحوزوي؛ لأجل اختراق النظام الحوزوي من الداخل، وفرض رقابة صارمة على تحرّك المرجعيات الشيعية، استمر هذا الوضع حتى سقوط النظام الصدامي في (9/4/2003م)، والذي شكّل حدثاً سياسياً ودولياً عظيماً وهاماً، وأحدث دوياً هائلاً في كلّ مكان في العالم، وأهمية هذا الحدث نابعة من أهمية الأزمة التي خلقها النظام السابق بين العراق والدول العربية والإسلامية وباقي دول العالم، من خلال حروبه ونزاعاته، كالحرب ضدّ إيران والكويت، واستخدام الأسلحة المحرّمة ضدّ أبناء الشعب العراقي من الأكراد، وكذلك الإبادة الجماعية التي تعرّض لها شيعة العراق في الجنوب.

 كان سقوط النظام الدكتاتوري إيذاناً ببداية مرحلة سياسية جديدة، تقوم على أساس المساواة في شتى مجالات الحياة الاجتماعية والسياسية وغيرها، لكن هذا التغيير السياسي في العراق رافقه احتلال عسكري، حاول هذا الاحتلال تجيير المرحلة لصالحه؛ بُغية الحصول على مكاسب، وفرض قوانين وتشريعات وآليات حكم تنسجم مع آيديولوجيته وتضمّن بقاء وجوده على أرض العراق بشكل أو آخر[11].

المبحث الأوّل: موقف السيد السيستاني من الاحتلال والأزمات الداخلية

لقد كان للسيد السيستاني موقفاً واضحاً في رفضه سياسة الاحتلال، وقد بيّن ذلك في مواقف عدّة، منها: رفضه استقبال الحاكم المدني بول برايمر لمرّات عدّة؛ لعدم وجود ما يستدعي هذا اللقاء[12]؛ إذ أُشير لهذا الأمر في ردّ على أحد أسئلة صحيفة اسهاي اليابانية ونصُّ السؤال هو: ما هي العلاقة بين الحكومة المؤقتة وبينكم؟ هل تتلقون الدعم منهم؟ أم ماذا؟ وكان جواب مكتب السيد ما يلي: «لا علاقة بيننا وبين السلطة المؤقتة، وأمّا الحكومة المؤقتة، فلم تتشكل بعدُ»[13].

وبعد سقوط النظام وانهيار مقومات الدولة وركائزها، أصبح العراق يعيش في فراغ سياسي كبير، لا سيّما أنّ جميع قوى المعارضة تعيش خارج حدود العراق؛ جرّاء البطش والظلم الذي تعرّضوا له إبان حكم النظام القمعي السابق، في ظلّ هذه الأوضاع توجّه الناس إلى المرجعية الدينية التي عاشت المعاناة كسائر أبناء العراق، وصمدت بوجه الظلم والحرمان مع جميع أبناء الشعب، فما كان من المرجعية وبفعل دورها في رعاية مصالح الأُمّة إلّا أن تبدي رأيها في الأوضاع القائمة آنذاك، إذ أوضح السيد السيستاني أنّ تغيير النظام كان يُفترض أن لا يكون عن طريق الاحتلال العسكري الذي ولّد مآسي كثيرة، منها: انهيار ركائز الدولة، والعيش في حالة من انعدام الأمن والاستقرار[14].

 لقد أكّد السيد على أبناء العراق الذين يمتلكون الكفاءة والمؤهلات أن يتصدّوا لإدارة البلاد، وليس عليهم أن يفعلوا ذلك تحت أيّ سلطةٍ أجنبيةٍ، ورفض السيستاني كلّ أشكال التدخل في الشأن العراقي، ووجوب نيل العراق لاستقلاله بصورة كاملة غير منقوصة[15].

كما بيّن أنّه إنْ كان هنالك حاجة إلى قوات الاحتلال؛ لأجل إعادة بناء الدولة وتوفير وضع أمني مستقر، فيجب أن يكون هذا الوجود تحت إشراف الأُمم المتّحدة لا قوات الاحتلال العسكري.

يأتي هذا الموقف من السيد السيستاني تجاه الاحتلال كما هو معلوم بعد انهيار النظام القمعي السابق، إذ شهد الوضع الأمني تدهوراً بصورةٍ دراماتيكية، ممّا جعل السيد يساهم في ضبط الشارع العراقي عمّا يمكن أن تؤول إليه الأوضاع الأمنية من تدهور خطير، إذ أصدر في (27/4/2003م) فتوى تحرّم نهب ممتلكات الدولة والوزارات، وجميع الدوائر الحكومية، ودعا إلى المحافظة على هذه الممتلكات، بوصفها ملكاً عاماً لجميع أفراد الشعب العراقي، ورفض قيام العوائل وإن كانت في عوز أن تستخدم هذه الممتلكات الحكومية[16]، من جهة أُخرى منع السيد أن تقوم حالة من الانتقام والاحتراب الداخلي، وسفك الدماء بحق رجالات النظام البائد ممّن كان لهم يد في قتل الأبرياء، إذ أوجب أن تحال هذه القضايا إلى المحاكم المختصّة في الدولة بعد قيام حكومة مستقلة ومنتخبة تدير شؤون البلاد.

وبهذه الطريقة الحكيمة من المعالجة للواقع العراقي بكلّ تفاصيله، أصبحت المرجعية متمثّلة بشخص السيد السيستاني ملاذاً للقوى السياسية الوطنية الباحثة عن استقلال العراق، باعتبار أنّ مرجعية السيد السيستاني قاعدة فكرية وسياسية تنظم الفعل السياسي الوطني، وتوفق بين الفرقاء، وتُعيد إنتاج الحياة السياسية على أساس المشاركة والتعايش وقبول الآخر مهما كان هذا الآخر، إذ إنّ مرجعية السيد السيستاني لا تريد تأسيس نظام سياسي واجتماعي واقتصادي وثقافي في البلاد يكون قائماً على حاكمية الفرد المطلقة، هذه الحاكمية التي كلّفت العراق أكثر من ثلاثة عقود من الحروب والأزمات، وقتل وتعذيب واعتقال المواطنين[17]، فمرجعية السيد السيستاني لا تريد عودة هذه الدكتاتورية تحت غطاء الديمقراطية؛ لذلك أكّدت المرجعية على أهمية كتابة الدستور بأيدي أبناء العراق، وليس عن طرق آليات توضع من قِبل المحتل وبعض رجالات السياسة من العراقيين، الذين لا تهمهم هموم ومطالب أبناء الشعب العراقي، إذ أكّدت المرجعية على هذا الأمر من خلال العديد من البيانات التي تؤكّد عدم وجود أيّ جهة مخولة لكتابة الدستور ما لم يتم انتخابها من أبناء الشعب، عن طريق آلية الانتخابات الديمقراطية[18]، ولقد كان للسيد السيستاني دور بارز في حَدَثين هامين عصفا بالعراق:

الأوّل: قام سماحته بإيقاف سيل الدماء والحفاظ على أرواح الأبرياء من المدنيين في مدينة النجف الأشرف في آب (2004م)، حين دخلت إحدى الجهات المسلّحة حالة من المواجهة والصراع والاشتباك المسلّح مع قوات الاحتلال، وقد اتخذت من حرم الإمام علي عليه السلام مقراً لها، وأرادت قوات الحكومة العراقية الدخول إلى المدينة المقدّسة بمساندة القوات الأمريكية؛ ممّا يعني حدوث مذبحة كبيرة، ناهيك عن انتهاك حرمة المدينة المقدّسة وما لها من مكانة في نفوس المسلمين عموماً والعراقيين بوجه خاص، بادر السيد إلى حلّ النزاع بعد لقاءات متعددة بين الأطراف المتنازعة قام بها ممثلون عن سماحته، وقد أثمرت جهوده المباركة بحل الأزمة بعد أن عجز عن حلّها كثيرون من أهل العلم والجاه والساسة[19].

الثاني: مساهمة السيد في إخماد فتنة كادت أن تُدخل العراق في خضم حرب أهلية تعود على العراق وأبنائه بالخراب والدمار؛ وذلك بسبب قيام حفنة من الإرهابيين بتفجير قبّة الإمامين العسكريين عليهما السلام في مدينة سامراء المقدّسة، إذ تُعدّ العتبة العسكرية من المزارات المقدّسة عند أبناء الطائفة الشيعية بصورة خاصّة، وعند أغلب المسلمين بصورة عامّة، وعلى أثر هذا الاعتداء الإجرامي، أصدر السيد السيستاني فتواه الشهيرة بحرمة دم العراقي بكلّ طوائفه، وحرمة الدم السنّي بالخصوص، بل قال: إنّ من واجب الشيعي أن يحمي أخاه السنّي، كما دعا السيد وأكّد على جميع العراقيين بجميع أطيافهم إلى التصدي لعدوّهم الأوّل (الإرهاب) الذي يهدد وحدة العراق، مؤكّداً أهميّة بناء جسور الثقة لتعزيز الوحدة الوطنية والسِّلم الأهلي، فاستطاع السيد بحكمته ورجاحة عقله أن يُبعد شبح الحرب الأهلية التي كادت أن تدخل العراق في بحر من الدماء؛ الأمر الذي يُظهر بوضوح ثقل ودور المرجع السيد السيستاني باعتباره صمّام أمان للعراق والعراقيين[20].

 يُعدّ تطويق واحتواء أزمة النجف من الإنجازات الكبيرة والهامة؛ إذ تعرّضت المدينة إلى دمار كبير جرّاء العمليات العسكرية في (2004م)، فقد عاد الاستقرار والأمن للمدينة المقدّسة، واستطاع السيد بحكمته الحفاظ على أرواح المواطنين الساكنين، بل والمقاتلين أيضاً، وإيصالهم إلى أماكن سكانهم بعيداً عن اعتقال وملاحقة القوات الأمريكية، بهذه الروح الأبوية ومن موقع الإحساس بالمسؤولية الشرعية والأخلاقية استطاع إنقاذ المدينة وأهلها، وعلى الدوام كانت تصريحاته وبياناته تحثّ على السلم والوحدة ورصّ الصفوف ضدّ العدو المشترك وهو (الإرهاب)[21].

المبحث الثاني: موقف السيد السيستاني من دستور جمهورية العراق لسنة(2005م)

إنّ البحث في دور المرجعية الدينية العليا في النجف الأشرف[22] في كتابة الدستور، يقودنا بالضرورة إلى أن نسبق ذلك بالآراء السياسية لفقهاء الشيعة ونظريات الدولة في فقههم.

لقد كانت مباحث الحكومة والدولة تُطرح غالباً في قالب الأحكام ووظائف الحاكم، والسؤال: مَن يكون الحاكم؟ لا أنّه كيف تجب ممارسة الحكم؟ وما هي أحكام ووظائف الدولة بعنوان كونها مؤسسة وشخصية حقوقية؟ وغالباً ما تعلل قلّة العناية هذه بأنّ الفقه الشيعي لم يجد حاجة للولوج في قضية الدولة، بواسطة الفهم الخاص بغيبة الإمام المهدي# ومسألة الإمامة وارتباطها بالدولة، وتصور أنّ العصمة شرط للحاكم؛ ما أدى إلى توقف الفكر السياسي الشيعي وقبول الفقهاء بالابتعاد عن ميدان الحكومة، إلّا أنّه ومع تولي الصفويين العرش في إيران وإعلان التشيّع مذهباً رسمياً فيها، تمتع الفقهاء بسلطة نسبية وبشكلٍ تقليدي، تحت عنوان (ولاية الفقيه)، لكنّها لم تكن على الإطلاق بمعنى نظرية دولة؛ إذ اقتصرت على القضاء ولوازمه، بينما أوجدت أُولى علامات نظرية الدولة لدى المحقق الكركي الذي عَدّ الفقيه نائباً عامّاً للإمام المهدي# واتفق الأردبيلي معه في ذلك، وفسح المجال بذلك أمام الفقهاء بشكلٍ كبيرٍ، وكان التحوّل في آثار الشيخ جعفر كاشف الغطاء والميرزا القمي، فيما كان أوّل مَن بحث ولاية الفقيه تفصيلاً وكمسألة مستقلة الملا أحمد النراقي، وقال: إنّ جميع وظائف السلطان في رعيته هي للفقهاء. وكانت تلك أُولى طلائع الفكر السياسي الشيعي، فيما نقده تلميذه الشيخ مرتضى الأنصاري، وتتابع بحث المسألة حتى كتب النائيني (تنبيه الأُمّة وتنزيه الملة)[23].

وكان الشيخ محمد حسين النائيني قد طرق فكرة الدولة الدستورية القائمة على تحقيق مبدأ التوازن بين الحاكم والمحكوم، وتقليص صلاحيات الحكومة وسلطاتها ومَن يقف على قمّة هرمها، وتوزيع هذه السلطات؛ منعاً للتفرد والاستبداد، وكانت أُطروحته مشاركة مهمّة وخطيرة للمرجعية الدينية الشيعية في الفكر السياسي، وتُجسّد أُطروحته شكل الدولة العصرية مع تأصيلها إسلامياً من خلال النصّ القرآني والأحاديث النبوية وأحاديث الأئمة عليهم السلام[24].

وفي الفترة التي توصّل فيها الفقه السياسي الشيعي من النظرية إلى التطبيق في ظلّ حكومة ولاية الفقيه في إيران، والتي نَظّرَ لها وطبّقها السيد الخميني ازدهر الفقه الشيعي فيما يتعلّق بالسياسة ومسألة الدولة، وقد قدّم الفقهاء الشيعة نظريات مختلفة عن نظرية السيد الخميني، وهي تبتني على المشروعية الإلهية الشعبية، وتنكر على الفقهاء أيّ امتياز سياسي ـ بسبب فقاهتهم ـ عن بقيّة الشعب، كما تُنكر عليهم أيّ ولاية شرعية في تدبير الأُمور السياسية التي جُعلت ـ وفقاً لنظرياتهم ـ في غيبة الإمام المعصوم في عهدة الشعب[25].

ومن الجدير بالذكر أنّ المرجع السيد السيستاني يحظى بتأييد واسع النطاق من قِبل جميع الفرقاء على الساحة الدينية والوطنية في العراق، كما يحظى السيد السيستاني بتأييد جماهيري كبير، وتحظى فتاواه ومواقفه السياسية من التطورات في العراق على اختلاف المستويات (سياسية، واجتماعية، واقتصادية) قبولاً وتقديراً من جميع الأطراف على المستوى الداخلي والخارجي لما يمتاز به خطابه من واقعية تحليلية ورؤية مفعمة بالنظر بالعقلانية[26].

والأهم من ذلك: تغليب مصلحة الشعب العراقي بكلّ أطيافه ورعاية حقوقه وصيانة كرامته، والحفاظ على استقلال أراضيه فوق كلّ المصالح الأُخرى، ويتضح موقف سماحته في قضية مهمّة وحيوية، وهي مهمّة كتابة الدستور العراقي الجديد[27].

وفي (13/7/2003م) أُعلن عن تأسيس مجلس الحكم الانتقالي، والذي وُلد في ظروف غير اعتيادية على جميع الصُّعُد، أمنياً، سياسياً، اقتصادياً، واجتماعياً، إذ تمّ تشكيله من أحزاب المعارضة التي كانت في خارج العراق، وهي كلّ من (المؤتمر الوطني العراقي، حركة الوفاق الوطني، حزب الدعوة الإسلامية، المجلس الأعلى للثورة الإسلامية) إضافة إلى (الحزب الوطني الكردستاني، والاتحاد الوطني الكردستاني)، لتنضمّ إليه فيما بعد أربعة أحزاب عراقية أُخرى، وهي: (تجمع الديمقراطيين المستقلين، الحزب الوطني الديمقراطي، الحزب الإسلامي العراقي، الاتحاد الإسلامي الكردستاني)[28].

لقد أكّد سماحة السيد على أهمية الدستور في معرض جواب سؤال وجّه من قِبل (جمع من المؤمنين) إلى مكتب سماحته في النجف، وكان السؤال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أعلنت سلطات الاحتلال في العراق أنّها قررت تشكيل مجلس لكتابة الدستور العراقي القادم، وأنّها ستُعيّن أعضاء هذا المجلس بالمشاورة مع الجهات السياسية والاجتماعية في البلد، ثمّ تطرح الدستور الذي يقرّه المجلس للتصويت عليه في استفتاء شعبي عام. نرجو التفضل ببيان الموقف الشرعي من هذا المشروع، وما يجب على المؤمنين أن يقوموا به في قضية إعداد الدستور العراقي.

 وكان جواب السيد السيستاني بخصوص هذا الأمر ما نصّه: «إنّ تلك السلطات لا تتمتع بأيّة صلاحية في تعيين أعضاء مجلس كتابة الدستور، كما لا ضمان أن يضع هذا المجلس دستوراً يطابق المصالح العليا للشعب العراقي، ويعبّر عن هويته الوطنية والتي من ركائزها الأساسية الدين الإسلامي الحنيف والقيم الاجتماعية النبيلة، فالمشروع المذكور غير مقبول من أساسه، ولا بدّ أوّلاً من إجراء انتخابات عامّة؛ لكي يختار كلّ عراقي مؤهل للانتخاب مَن يمثّله في مجلس تأسيسي لكتابة الدستور، ثمّ يجري التصويت العام على الدستور الذي يقرّه هذا المجلس، وعلى المؤمنين كافّة المطالبة بتحقيق هذا الأمر المهم، والمساهمة في إنجازه على أحسن وجه، أخذ الله تبارك و تعالى بأيدي الجميع إلى ما فيه الخير والصلاح، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته»[29].

وبلغ الجدال أُوجه في أروقة مجلس الحكم، ولم يتوقع بول برايمر أنّ المسألة سوف تصل إلى ما وصلت إليه؛ ممّا استدعى سفره إلى واشنطن بصحبة الرئيس العراقي ورئيس مجلس الحكم في تلك الفترة (جلال الطالباني)، مطلعاً القيادة الأمريكية على التطورات الحاصلة، ليعود وبجعبته خطّة لحلّ هذا الوضع؛ إذ طرح آلية لوضع الدستور، والتي تُعرف بآلية كوكس (التجمعات الانتخابية) كحالة وسط بين التعيين والانتخاب لأعضاء مجلس كتابة الدستور، هذا الاقتراح جاء في محاولة من سلطات الاحتلال لتخفيف الضغط المرجعي واحتوائه، لكن السيد رفض هذا الاقتراح، وقال: إنّ الانتخابات يمكن أن تجرى من خلال آلية حقيقية وهي الانتخابات، ليكون المجلس منبثقاً من إرادة العراقيين ويمثّلهم بصورة عادلة[30].

وهنا يُثار التساؤل عن النظرية التي تبنتها مرجعية النجف الأشرف العليا المتجسّدة بسماحة السيد السيستاني، وهو ما لا يمكننا الإجابة عليه من دون البحث في جذور علاقة المرجعيات الدينية في النجف بأُمور السياسة.

وجدير بالإشارة إلى أنّ كتاب (تنبيه الأُمّة وتنزيه الملة) يُعدّ أوّل عمل في الفكر السياسي المعاصر للمرجعية الدينية في النجف الأشرف، وتمثيلاً لها في نهجها المتمثّل بالدولة الدستورية التي تفك الارتباط بين رجال الدين والسلطة السياسية، فكما يرى النائيني أنّ الاستبداد الديني أسوأ من الاستبداد السياسي، وهو إن وُجد ظهيراً قوياً وداعماً لا يقاوم للمستبد السياسي الطاغية، إلّا أنّ ذلك لم يمنع مرجعية النجف من التدخل في الشأن السياسي وإصدارهم الفتاوى المناوئة والمحرّمة لانتخابات المجلس التأسيسي لعام (1922م)؛ ما عرّض علماء الدين إلى النفي والإبعاد من قِبل الحكومة، وبرغم ذلك ومنذ عام (1921م) كان الغالب هو سيادة الاحترام والحوار في العلاقة بين الطرفين، وتمكنت المرجعية الدينية بمكانتها وهيبتها من التأثير في الحكومة وقراراتها، كما تمتعت المؤسسة الدينية باستقلالها المالي والمعنوي، وحريتها في ممارسة أنشطتها الدينية والتعليمية والإرشادية، إلّا أنّ نهاية عقد الستينيات من القرن العشرين شهد توتراً في العلاقة، وساء الأمر إلى حدّ ملاحقة ابن المرجع السيد محسن الحكيم بتهمة التآمر على النظام، ثمّ تمّ الاعتداء على بيت المرجع الأعلى حينها في بغداد، والتضييق على حركة وكلائه وطلبة الحوزة، وكان ذلك جزءاً من سياسة النظام البعثي بإخضاع الجميع له.

 وبعد وفاة المرجع الحكيم جاءت سياسة الحذر من قِبل المرجع السيد أبو القاسم الخوئي بابتعاده الواضح عن التدخل في الشؤون السياسية وانشغاله بالجانب الديني، إذ كان البعثيون قد نصبوا العداء للمرجعية الدينية في النجف الأشرف، وشنّوا حملات اعتقالات وتسفيرات لطلبة الحوزة العلمية، فأصبحت مهمّة الحفاظ على المرجعية الدينية وحوزتها من الأولويات، ولما كان السيد السيستاني من المقرّبين من السيد أبو القاسم الخوئي وخلفه من بعد السيد عبد الأعلى السبزواري، إذ تصدّر عام (1994م) زعامة المرجعية الدينية العليا، فقد استمد من أُستاذه التحفظ من التدخل بالشأن السياسي في كنف سلطة مستبدّة وغاشمة لم تتورع عن محاولة اغتياله في عام (1997م)، ثمّ فرضِ حصار على مكتبه وسائر المراجع الآخرين[31].

وبعد عام (2003م) وسقوط النظام السابق دخلت المرجعية الدينية في النجف مرحلة جديدة، فبغياب القيادات لم يكن أمام الناس إلّا العودة للقيادة الدينية المتمثّلة بالمرجعية التي أصبحت ملجأً وراعياً للشأن العام، وبدأت المؤشرات واضحة بالأهمية التي يحظى بها السيد السيستاني، وما ينتظره من دور في صياغة مستقبل العراق وتأثيراته القوية في الرأي العام، ولم يكن بمقدور أحد تجاوز الاعتبار المبني على شرعية شعبية واسعة؛ إذ يعُد اللجوء إلى المرجعية الدينية في النجف الأشرف في أوقات الأزمات إرثاً وجدانياً، وهكذا وجد الجميع في السيد السيستاني الخيمة التي تجتمع قوى الدولة تحت أعمدتها ولا مفرّ من أخذ رأيه والاستئناس بتوجيهاته ووصاياه وأقواله ورؤيته الفقهية والسياسية[32].

وفي تلك الأثناء وعقب تشكيل مجلس الحكم في العراق في تموز (2003م)، كان المجلس قد شكّل لجنة دستورية تحضيرية في (11/8/2003م) تتألف من (25) عضواً، وكانت مهمّة اللجنة استطلاعية عن طريق اتصالها بالقوى الفاعلة بالمجتمع والاطلاع على آرائها، ثمّ رفع توصية إلى مجلس الحكم لبيان الآلية التي ينبغي من خلالها صياغة دستور جديد للبلاد، إلّا أنّ المشاورات العامّة التي كانت اللجنة قد بدأتها أسفرت عن قوى متصارعة، حول أُسس اختيار لجنة كتابة الدستور أكثر من التركيز على مبادئ الدستور المقبل، وقد تركت تلك اللجنة القرارات الصعبة لكلّ من مجلس الحكم وسلطة الائتلاف، واللذين كانا بدورهما يحرصان على معرفة موقف السيد السيستاني من طريقة تشكيل لجنة كتابة الدستور[33]. وكان الموقف الأوّل الواضح الذي صدر من المرجعية الدينية العليا في النجف الأشرف أن رفضت بشدّة إلغاء دور الشعب، وتعطيل إرادته الحرّة في اختيار دستور لبلاده عبر ممثلين، تضمّهم جمعية وطنية تختصّ بكتابة دستور جديد دائم للبلاد[34].

وفي حين كانت رؤية السفير (بول برايمر) تقضي بتشكيل لجنة لكتابة الدستور عبر التعيين، فإنّه وجد نفسه في موقف صعب للغاية، وشبّه رأي السيد السيستاني بالمشكلة؛ لأنّه كان يرى أنّ الانتخابات يمكن أن تستغرق سنة، وبعد ذلك يحتاج العراقيون إلى كتابة دستورهم، ليُطرح بدوره على الاستفتاء العام لإقراره، واتباع هذه العملية يعني تأخير نقل السيادة حتى وقت متأخر من سنة (2005م)، إلّا أنّه وبعد تفكير قرر أن يطرح فكرة الدستور المؤقت بدلاً من الدستور الدائم، وبناءً على قرار الأُمم المتحدة رقم (1511) في (16/10/2003م) أُلزم مجلس الحكم بوضع جدول زمني، وبرنامج لوضع مسودة الدستور المؤقت وإجراء الانتخابات، ولمّا فشل المجلس في ذلك تمّ الاتفاق بينه وبين سلطة الائتلاف على وضع قانون إدارة الدولة للفترة الانتقالية؛ إذ تحوّل المجلس الرئاسي لمجلس الحكم والمكون من (9) أعضاء إلى لجنة لكتابة الدستور المؤقت بمشاركة سلطة الائتلاف، وتولّت مجموعة مصُغرة من خبراء، وحقوقيين، وقضاة، وضع مسودة قانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية لسنة (2004م)[35].

وقد رأى السيد السيستاني في هذا القانون بأنّه سيُكبّل الجمعية الوطنية بقيود كثيرة لا تسمح لها باتخاذ ما تراه مطابقاً لمصلحة الشعب العراقي، وكان يتوقع أن تتم الانتخابات بإشراف الأُمم المتحدة، وهكذا يترك للجمعية الوطنية المنتخبة حرية إدارة البلاد في المرحلة الانتقالية، وكتابة الدستور الدائم، والاستفتاء عليه وفق الآلية التي يقررها المندوبون من الأُمم المتحدة[36].

ولما كان قانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية هو خارطة الطريق لكتابة الدستور الدائم، فإنّ الجمعية الوطنية شرعت بعد انتخابها باعتماد تلك الخارطة؛ ليكون الدستور هو المحدد لحركة سير الدولة ومؤسساتها وأفرادها، وهي في ذلك تعتمد لإقرار مضمون الدستور على إدارة الشعب، وهو الرأي الذي أشار إليه السيد السيستاني حينما سُئل عن شكل الحكومة التي يريدها، فكانت الإجابة: «شكل نظام الحكم في العراق يحدده الشعب العراقي، وآلية ذلك أن تجري انتخابات عامّة؛ لكي يختار كلّ عراقي مَن يمثّله في مجلس تأسيسي لكتابة الدستور، ثمّ يُطرح الدستور الذي يقرّه هذا المجلس على الشعب للتصويت عليه، والمرجعية لا تمارس دوراً في السلطة والحكم»[37].

ثمّ يعود السيد السيستاني ليؤكّد أنّ شكل العراق من حيث هويته إن كانت قومية عربية أو هوية إسلامية، يُحددها الشعب العراقي بجميع قومياته ومذاهبه، من خلال جمعية وطنية منتخبة تكتب الدستور مع عدم تدخل المرجعية الدينية في ممارسة دور في السلطة والحكم، والنأي بالحوزة العلمية عن التصدي لممارسة العمل السياسي، وترى أنّه على علماء الدين النأي بأنفسهم عن تسلّم المناصب الحكومية.

 وفي سؤال وجّه له حول مدى إمكانية تطبيق فكرة (ولاية الفقيه في إيران)، يُجيب بأنّ تشكيل حكومة دينية غير وارد على أساس فكرة ولاية الفقيه المطلقة، ولكن يفترض بالحكم الجديد والحكومة الجديدة أن تحترم الدين الإسلامي، وهو دين أغلبية الشعب العراقي التي انبثقت عنه، وأن تأخذ بقيمه ولا تقرّ ما يخالف تعليماته، فلا بدّ من أن تكون الثوابت الدينية والمبادئ الأخلاقية والقيم الاجتماعية للشعب العراقي من الركائز الأساسية للدستور[38].

والواضح لدينا أنّ الشرعية الشعبية التي يمتلكها السيد السيستاني إضافة إلى رؤاه الوقّادة، قد أرغمت سلطة الائتلاف المؤقتة والقوى السياسية على النزول إلى آرائه، وإنفاذ كثير منها في آلية كتابة الدستور وفي مضمونه، لا سيّما أنّ هذه الشرعية لا يكتسبها سماحة السيد من الطائفة الشيعية فحسب، بل تتعدى إلى كلّ ألوان الطيف العراقي.

ولما كان عام (2005م) مليئاً بالنشاطات السياسية والفكرية التي تمحورت حول قضية الدستور، وما يجب أن يتضمّن من فقرات ومواد، وما يترتب فيه من شكل الدولة ونظامها السياسي، فازداد الجدل المتعدد الاتجاهات بين مختلف النخب السياسية والفكرية، فما كان إلّا أن شهدت المدن العراقية ـ وخاصّة العاصمة بغداد ـ مسيرات كبرى مطالبة بضرورة الاستجابة لمطالب المرجعية الدينية، منها: القانونية حول الدستور الجديد الذي سيحل محل القانون الذي وضعته سلطة الائتلاف المؤقتة، وهكذا عُهدت مهمّة كتابة الدستور إلى الجمعية الوطنية بعد انتخابها، وكان الأمر بوضوح استجابة لإرادة السيد السيستاني بكتابة دستور جديد للبلاد يحظى بموافقة شعبية، ويعبّر عن تطلعات وآمال النسيج الاجتماعي العراقي بكلّ تفاصيله القومية والسياسية[39].

وهكذا ترتكز الدولة في فهم السيد السيستاني على مطلب الحرية، ففي يقين مرجع عاش تحولات السياسة لعقود طويلة من موقع المراقب والمجتهد العارف بأحوال الناس، تُعتبر الدولة حاضنة للحريات، والقوانين محددات إجرائية؛ لذلك يولي المرجع أهمية كبيرة لأهداف وتطلعات الإنسان في العراق، ويعمل ما أمكن الجهد لأن تكون الدولة بخدمة المجتمع لا العكس، وهو بذلك يدعو إلى سيادة الدولة ونفوذ القانون ومحاربة الأفكار المسيئة لمكونات المجتمع العراقي. وهو يتعامل بذلك مع نمط الدولة الوطنية التي لم يؤسس لها الاجتهاد الفقهي، بل جاءت هي إليه تستدعيه لأجل الدعم والإشراف الأخلاقي. فالدولة العراقية بعد (2003م) أفسحت المجال أمام فقيه النجف لبلورة السياسات والاعتماد عليه في دعم مسيرة السياسة، كون الدولة في هذه المرحلة لا تتعارض مع النجف ولا تختلف مع الفقيه العارف بأنّ الزمن السياسي العراقي هو زمن الوطنية، والسيد السيستاني في ذلك إنّما يحمي التجربة العراقية وصيانة حقوق الشعب العراقي دون انغلاق على الحكم إن لم يعلن الإسلام كياناً للدولة، وأنّ الأسباب التي تدعوا المرجعية لدعم هذه التجربة، هي أنّ السلطة أصبحت شرعية بصندوق الاقتراع وليست قهرية، كما أنّها تعمل وفقاً لدستور ارتضاه الشعب[40].

ولقد كان للسيد السيستاني رؤية فكرية للبناء المؤسساتي والقانوني للدولة العراقية، بعد أن أصبحت المرجعية الدينية في النجف العامل الأكثر تأثيراً في الحالة السياسية الجديدة، والتي تتطلع الأنظار إليها لمعرفة رأيها وموقفها من كلّ ما يجري، فانطلقت المرجعية من أسبابها الشرعية والوطنية والأخلاقية لتقدم أفكارها من موقع حيادي، وتعبّر من خلالها عن رؤية عصرية في بناء دولة مدنية حديثة، تستند إلى أساس المقومات المؤسساتية الشرعية الخاضعة لقانون عام ينظمها وينظم حركتها وعلاقاتها ودورها الاجتماعي، وكان السيد السيستاني قد اكتسب تلك الرؤى نتيجة اطلاعه الواسع على شتى العلوم والمعارف من التاريخ والآداب، والفلسفة، والفكر السياسي، إضافة إلى العلوم الدينية[41].

وهكذا كان السيد السيستاني حريصاً على إيجاد هوية وطنية واحدة، وبناء دولة المواطنة من خلال نظام سياسي مقبول من كلّ المكونات المتنوعة للشعب العراقي يقرّه دستور يرتضيه الشعب، فالدولة الدستورية المنظمة للعلاقات بين الحاكم والمحكوم بتوازن دقيق والتي طرحها النائيني مسبقاً كان قد تمّ استيعابها في العقل السياسي للمرجعية الدينية في النجف، وأصبحت جزءاً من تراثها في الفقه السياسي، وما حالت دونه الحكومات السابقة سنحت به الأحداث السياسية بعد (2003م)، والنظرية التي كانت حبيسة العقول وغير قابلة للطرح وجدت صداها في التطبيق من خلال آراء ورؤى السيد السيستاني، ومع أنّنا لا نجد رؤية مفصلة بعنوان الدولة للسيد السيستاني، إلّا أنّه يمكن ملاحظتها في هذه الآراء والرؤى وتظهر جلية بعد البحث والتمحيص فيها، ويمكن إجمالها في تمكين الشعب من ممارسة حقّه في اختيار دستوره ونوّابه في إطار انتخابات عامّة وضمان مشاركة أوسع القطاعات من الشعب، والتأكيد على المشتركات الجامعة للإسلام الموحد لمجموع المسلمين وحماية الأقليات الدينية، وضمان حقّها في ممارسة شعائرها بحرية وتأكيد حقوق المرأة واحترام المواثيق والهيئات الدولية[42]، وهي مقومات الدولة المدنية الدستورية الوطنية التي أسبغها السيد ما أمكنه في دستور جمهورية العراق لسنة (2005م).

المبحث الثالث: موقف السيد السيستاني من الانتخابات البرلمانية الأُولى في(30/1/2005م)

عدّ السيد السيستاني وجود القوات المحتلة في العراق غير شرعي، وهذا الموقف لا غبار عليه عند القاصي والداني في العراق وخارجه، ولكن السيد يرى أنّ المعركة من أجل استقلال العراق بحاجة إلى العقلانية، وإلى مرجعية سياسية وطنية ومرجعية دينية، تتضافر جهودهم مع كلّ أطياف الشعب واتجاهاته السياسية والاجتماعية، ومن خلال استخدام الأساليب المتحضرة والديمقراطية والمدنية سبيلاً لتجنيب العراق المزيد من الدماء، وطريقاً لنيل الاستقلال الكامل لكلّ أرض العراق، إذ يرى السيد وجوب أن يعمل كلّ المعنيين بالمسألة الاستقلالية وحركتها الوطنية بكلّ السبل والإمكانات، من أجل إخراج الاحتلال بأقل الخسائر البشرية والسياسية من العراق، وأن يبقى السيد على مسافة واحدة متساوية من جميع الفرقاء والقادة والاتجاهات في الساحة العراقية، على أنّ الهمّ الوطني الأساسي تبقى المرجعية هي التي تحمل أوزارهم وتعيش استحقاقاته، لأنّ هذه الاستحقاقات والعمل من أجل تحقيق كامل شروطها وأجوائها، والخروج بنتائج تُعيد الأمن والاستقرار للبلاد تعتبره مرجعية السيد السيستاني مسؤولية شرعية، وأداؤها من الواجبات الملقاة على عاتق حملة الدين وقادة ألوية المسلمين، وعلى رأسهم المراجع العظام، إذ نلاحظ هذا الدور من خلال اهتمام السيد السيستاني بصورة كبيرة وملحوظة بموضوع الانتخابات البرلمانية وتشكيل الجمعية الوطنية، وذلك الاهتمام نابع من كون المجلس يمثّل المؤسسة الأقوى في الدولة، وهو الممثّل الشرعي للشعب العراقي[43].

ولأنّ الجمعية الوطنية مسؤولة عن العديد من القضايا المهمّة، وعلى رأسها مهمّة تدوين دستور دائم للعراق، وهذه المسؤولية هي مسؤولية تاريخية، وشرعية، وقانونية، وسياسية كبيرة، ولا بدّ أن يتحملها الأكفاء من الناس، ومن المهام الأُخرى ذات الأهمية التي ستقرّها الجمعية، مهمّة وضع قانون الانتخابات الذي سوف يحدد آلية الانتخاب مستقبلاً، ومهمّة تشكيل حكومة انتقالية تدير البلاد في المرحلة الانتقالية، أي: مدّة عام واحد، وغيرها من المهام الجسام التي تقع على عاتق هذه الجمعية[44].

ومن هنا كان السيد من أشدّ المناصرين لإجراء الانتخابات؛ وذلك لما للجمعية من أهمية في رسم ملامح المستقبل السياسي للعراق الجديد، إذ سعى السيد السيستاني بكلّ ثقله لإنجاح الانتخابات رغم المعارضة السنّية الواسعة[45].

ولقد استقبل سماحته وفوداً من مختلف الفئات الاجتماعية وممثلي الأحزاب والطوائف الدينية والمذهبية في العراق؛ ليحثهم على المشاركة في الانتخابات، ودعا العراقيين أن يسارعوا للتحقق من إدراج أسمائهم في سجلات الناخبين بصورة صحيحة، بعد قيام المفوضية العليا للانتخابات بفتح مراكز لتسجيل الناخبين في جميع أنحاء العراق ولمدّة ستة أسابيع، اعتباراً من (1/11/2004م)، وفي أثناء عملية التسجيل وقُبيل انتهاء المدّة المخصّصة لتسجيل الناخبين، أكّد السيد على المواطنين، ممّن لم يسجل اسمه في السجلات الانتخابية أن يراجع اللجنة الانتخابية في منطقته، كما دعا السيد السيستاني إلى تشكيل لجان شعبية، يشرف عليها وكلاء ومعتمدو المرجعية في المناطق والمدن العراقية؛ لغرض مساعدة المواطنين على التأكد من وجود أسمائهم في سجلات الناخبين[46].

إنّ المرجعيات الشيعية المعاصرة تختلف فيما بينها في فقه الدولة، كما تقتضيه الحالة الطبيعية للاجتهاد، ومع وجود هذا الاختلاف ظهرت مرجعيات شيعية كان لها دور فعّال في الأحداث السياسية في التاريخ المعاصر، فالشيخ النائيني، والسيد الخميني، وغيرهما بينوا مذاهبهم وآراءهم في فقه الدولة وطبيعة النظام السياسي (أُسس الحكومة الإسلامية في زمن الغيبة)، أمّا السيد السيستاني لم يبيّن رؤاه في هذا الخصوص، غير أنّ سماحته قام بإصدار العديد من البيانات ذات طابع سياسي يمكن من خلالها معرفة مذهبه السياسي، فالسيد يدعو إلى العمل السلمي كما يدعو إلى الحرية من موقع الفعل السياسي لا الصِّدامي، وهو ما دلّت عليه مواقفه من العملية السياسية في العراق بعد عام (2003م)؛ إذ إنّ المرحلة التي يمرّ بها الإسلام في العراق، والمنطقة العربية والإسلامية، والتطورات السياسية المتسارعة والاستثنائية في البلاد فرضت على السيد أن ينتهج نهجاً جديداً من التعامل، انفتح فيه على الأُمّة ومصلحتها وقواها السياسية وأهدافها الإنسانية، آخذاً بنظر الاعتبار كلّ المؤثرات والقوى ومراكز النفوذ وتفاوت البرامج والرؤى، من دون أن يؤثر هذا كلّه على الهدف الأسمى المتمثّل بإنجاز وعد الاستقلال، وعودة العراق إلى دائرته العربية والإسلامية، ليلعب دوراً مؤثراً ومهماً في التطورات على الصعيد الإقليمي والدولي، إذ نلاحظه يمارس دوراً من نوع خاص، هدفه بناء دولة مدنية، تعددية، ديمقراطية، دستورية عصرية، تستجيب لتحديات القرن الحالي وتعمل على استحصال الحقوق الاجتماعية، والسياسية، والاقتصادية، وتأصيل الحريات العامّة والخاصّة لأكثرية الشعب العراقي.

 مع أنّ الدور الذي يمارسه السيد السيستاني يختلف عن أُطروحة (ولاية الفقيه)، التي تعطي للمرجع في زمن الغيبة صلاحيات سياسية واسعة جداً، إذ أوضح السيد موقفه من ولاية الفقيه بقوله: «أمّا الولاية فيما هو أوسع منها في الأُمور العامّة التي يتوقف عليها نظام المجتمع الإسلامي، فلمَن تثبت له من الفقهاء، ولظروف أعمالها شروط إضافية، ومنها: أن يكون للفقيه مقبولية عامة لدى المؤمنين»[47]. وهذا يبيّن أنّ السيد السيستاني يذهب إلى نفس ما ذهب إليه كبار العلماء كالشيخ (النائيني)، والسيد (محمد باقر الصدر)، وهو مبدأ حاكمية الأُمّة.

كما أنّ طبيعة التنوع الاجتماعي واختلاف المذاهب ليس أمراً هيّناً؛ إذ إن تشكيل حكومة إسلامية على غرار نماذج أُخرى قد يواجَه باعتراضات كبيرة من قِبل الأطراف غير الشيعية في العراق، ويعرقل عملية بناء الدولة، ويخلق حالة من عدم الاستقرار[48].

خـاتمة

وفي ختام هذا البحث نود أن نذكر أهمّ النتائج التي تمّ التوصل إليها، وهي كالآتي:

مثّلت المرجعية الدينية في النجف الأشرف صمام أمان لعموم فئات الشعب منذُ ثورة العشرين إلى ما بعد (2003م)؛ إذ قامت بحثّ الناس على الجهاد والقتال ضدّ الاحتلال في عشرينيات القرن الماضي، كما أنّها كانت بالمرصاد ضدّ الممارسات الطائفية التي انتهجها بعض الساسة، بل إنّها منعت الفتنة الطائفية، وذلك ما لمسناه واضحاً في بيانات السيد السيستانيK.

أنّ المرجعية الدينية وعلى طول مسيرتها وتاريخها بقيت مستقلة عن الدولة وسياستها تماماً، فهي تسعى للاحتفاظ بالطابع الإسلامي للعراق، خاصّة في الوقوف بوجه الاحتلال والمدّ التكفيري؛ ولذا لم توافق على الوجود الأميركي لوقت طويل، كما أنّ القيادات السياسية كانت تحاول كسب رضا المرجعية الدينية ومباركتها لخطواتها وقراراتها، كما حدث في الانتخابات السابقة لاكتساب الشرعية، كذلك رفضت أغلب هذه القيادات السياسية تواجد الاحتلال في العراق ودعت لإخراجه.

تتمتع المرجعية الدينية في العراق بالتأييد الشعبي الواسع ومن مختلف شرائح ومكونات المجتمع؛ وذلك لمواقفها الوطنية التي لم تفرّق بين مكون وآخر، وتصديها لدعم القيادات السياسية في العراق تحقيقاً لتوازن سياسي، وتحقيقاً لسلم اجتماعي لعدم وقوع حرب طائفية أو أهلية، وصولاً إلى استقرار المجتمع العراقي داخلياً، فقد دعت للتهدئة في العديد من الأحداث، ومنها: تفجير الإمامين العسكريين عليهما السلام، فكان لهذا التأييد الشعبي الواسع لها بمثابة دعوة شعبية لتدخل المرجعية الدينية في الشؤون العامّة للبلاد، وعُدّت الملجأ الأوّل والأخير للعراقيين للوقوف بوجه السياسة الإدارية غير الفعالة في العراق.

ترى المرجعية أنّ دورها يعني الإشراف على شؤون المؤمنين الروحية والعبادية والاجتماعية، وهي تكليف وليس تشريف، وهي قبل كلّ شيء مقام ديني اجتماعي وليست مركزاً سياسياً؛ لذا فإنّ الانتخابات في نظر المرجعية ليس شأناً سياسياً فقط، بل هي شأن اجتماعي، والشأن الاجتماعي يدخل في دائرة اهتمامات المرجعية. وبحكم تصدي السيد السيستاني لمقام المرجعية الدينية، فإنّه يرى نفسه ملزماً بالتعاطي في قضية الانتخابات، والتي يعتقد أنّها الأساس المتين للعملية السياسية وللحياة الاجتماعية في أيّ مجتمعٍ أو بلدٍ، ومن خلال التأمل في تجارب الأُمم التي تتمتع بنظم سياسية مستقرة وبحياة هادئة، فسلامة الحياة السياسية يكون بوجود انتخابات حرّة نزيهة تعبّر عن رأي الأُمّة وإرادتها.

أنّ تدخل المرجعية في الحياة السياسية نابع من مواقفها وحرصها الشديد على أن ينال كلّ العراقيين حقوقهم، وأن لا يكون هنالك تمييز لشريحة معينة على حساب بقيّة شرائح الأُمّة، وتأتي أيضاً من تفهّم المرجعية الرشيدة لأهمية الدستور في حياة أيّ أُمّة، وهي ترى أهميتها في حياة الأُمم المتحضرة، وهو يتماشى مع ما تدعو إليه المرجعية من إحلال السلم والعدالة الاجتماعية لكافة مكونات الشعب العراقي، وأن لا يكون لفئةٍ ما امتياز على بقيّة الفئات، وهذا هو موقف أبوي تجاه شرائح المجتمع العراقي، وليس موقفاً سياسياً إلزامياً.

لقد كان السيد علي السيستاني يرى أنّ الأُمور ستتحسن عند إجراء الانتخابات؛ إذ سيأخذ كلّ ذي حقّ حقّه، إلّا أنّ ظهور تقصير واضح من قِبل الذين تصدّوا للعمل السياسي في العراق من مختلف المكونات، من خلال ظهور التقسيم الطائفي ـ المحاصصة الطائفية ـ للحكم في العراق، وليس على أساس الكفاءة والمؤهلات، كذلك استشرى الفساد المالي والإداري في كلّ مفاصل الدولة، وعلى مختلف المستويات الذي لم يشهده العراق خلال تاريخه السياسي، وأخيراً أدّى هذا التناحر بين الكتل السياسية والفساد المالي إلى سوء الخدمات، وتزايد مستويات الفقر وسرقة المال العام، ودخول المجموعات الإرهابية من خلال تنظيم داعش الإرهابي، والاستيلاء على مساحات واسعة من العراق، وعلى الرغم من التحذير المستمر للمرجعية الدينية للسياسيين من خطورة هذه الأُمور على مستقبل العراق، ودعواتها المستمرة إلى الالتزام بحرية الشعب وتوفير العيش السليم له، والحفاظ على المال العام، ومطالبتها المواطنين ـ وفي بداية أيّ انتخابات على مستوى النواب أو المحافظات ـ إلى الاختيار على أساس الكفاءة والنزاهة لتولي المناصب العليا في البلاد، وذلك في محاولة لتغيير الوضع القائم، وإنهاء حالة الانقسام والفساد المستشري بالطرق الديمقراطية عن طريق الانتخابات، إلّا أنّ الوضع بقي على حاله ولم يتغيّر، بل زاد من سوء الأُمور إلى الأزمة الاقتصادية لانخفاض أسعار النفط، كلّ هذا قاد المرجعية إلى تصاعد دورها في الأُمور السياسية للبلاد، وعدم ترك الأُمور بيد السياسيين الحاليين.

بعد وصول التنظيمات الإرهابية إلى المناطق المقدّسة والآهلة بالسكان، وقتلها الآلاف من العراقيين في الموصل وصلاح الدين على أساس طائفي، وعدم وجود قوات عسكرية نظامية من الجيش والشرطة قادرة على وقف تقدّم الإرهاب، أدركت المرجعية الدينية خطورة الوضع الأمني الحالي، واحتمال انجرار البلاد للحرب الأهلية الشاملة؛ لذا جاءت دعوة المرجعية الدينية لكلّ العراقيين إلى الجهاد الكفائي للدفاع عن الوطن والمقدّسات، وتشكيلها لقوات الحشد الشعبي ودعمهم بالمال والسلاح؛ إذ إنّ تخاذل السياسيين والانقسام بين الكتل والأحزاب السياسية، دفعها لأن تأخذ زمام المبادرة في الدفاع عن الوطن والمقدّسات والشعب.

 

فهرست المصـادر

  1. إشكالية الصياغة التشريعية في النصّ الدستوري (دراسة عن دستور جمهورية العراق لسنة 2005)، تغريد عبد القادر علي، مجلة الحقوق (الصادرة عن كلية القانون الجامعة المستنصرية) المجلد(4)، العدد(18)، السنة(6)، 2012م.
  2. الاقتصاد فيما يتعلّق بالاعتقاد، محمد بن الحسن الطوسي، ط2، 1986م، دار الأضواء.
  3. أساطين المرجعية العليا في النجف الأشرف، محمد حسين علي الصغير، مؤسسة البلاغ، 2003م، بيروت.
  4. بول بريمر، عام قضيته في العراق، ترجمة: عمر الأيوبي، بيروت، دار الكتاب العربي، 2006م.
  5. حقوق الإنسان في الإسلام، خديجة النبراوي، ط1، 2006م، دار السلام للطباعة والنشر، القاهرة.
  6. الدور السياسي للمرجعية الدينية في العراق الحديث، عباس جعفر محمد الإمامي، دار العلم للنابهين، 2011م، بيروت.
  7. رجل السياسة دليل الحكم الصالح، توفيق السيف، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، 2011م، بيروت.
  8. الرحلة العلاجية لسماحة السيد السيستاني وأزمة النجف عام 1425هـ/2004م، حامد الخفاف، ط1، 2012م، دار المؤرخ العربي، بيروت.
  9. سلطة النصّ الديني وبناء الدولة، السيد السيستاني أُنموذجاً، د. حيدر نزار السيد سلمان، ط1، 2015م، دار المعارف للمطبوعات، بيروت.
  10. سنوات الجمر، مسيرة الحركة الإسلامية في العراق، علي المؤمن، ط3، 2003م، المركز الإسلامي المعاصر، بيروت.
  11. العلاقات الأثنية والدينية، فالح عبد الجبار، ترجمة: سعيد عبد المسيح شحاتة، بحث منشور على شبكة المعلومات العالمية (الإنترنت) على الموقع:
  12. https://minorityrights.org.
  13. فكرة الديمقراطية عند المرجعية الدينية في النجف الأشرف، د. حيدر نزار السيد سلمان، بحث منشور في كتاب إشكاليات التحوّل الديمقراطي في العراق، تقديم جابر حبيب جابر، دار الضياء للطباعة والتصميم، 2009م، النجف الأشرف.
  14. لا وصاية على السيستاني، بحث منشور في كتاب أُمة في رجل، محمد حسين الصغير، مؤسسة البلاغ للطباعة، 2011م، بيروت.
  15.  المرجعية الدينية العليا عند الشيعة الإمامية (دراسة في التطور السياسي والعلماء)، د. جودت القزويني، ط1، 2005م، دار الرافدين للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت.
  16. المرجعية الدينية في النجف الأشرف ومواقفها من العملية السياسية الجارية في العراق، حامد الخفاف، دار المؤرخ العربي، 2006م، بيروت.
  17.  موسوعة الأحزاب العراقية، د. حسن لطيف الزبيدي، مؤسسة المعارف للمطبوعات، 2007م، بيروت.
  18. المشجّر الوافي في السلسلة الموسوية، حسين أبو سعيدة الموسوي، مطبعة الجاحظ، 1994م، بغداد.
  19. المرجعية الدينية في النجف الأشرف ومواقفها السياسية في العراق 1958م ـ 1968م، د. حيدر نزار السيد سلمان، دار إحياء التراث العربي، 2010م، بيروت.
  20. المرجعية والمواقف الصريحة، السيد السيستاني أُنموذجاً، صالح الظالمي، بحث منشور في مجلة آفاق نجفية، العدد الثاني، 2006م.
  21. المرجعية الدينية في العراق والانتخابات البرلمانية وتعزيز الوحدة الوطنية، صلاح عبد الرزاق، منتدى المعارف، 2010م، بيروت.
  22. مبادئ الدولة والقيادة لدى مراجع الحوزة العلمية (مقاربة في رؤى الخميني ـ النائيني ـ الصدر ـ السيستاني)، عمار البغدادي، مركز الهدى للدراسات الحوزية، 2008م.
  23. المرجعية والقيادة، كاظم الحائري، ط2، 2012م، مكتبة الكلمة الطيبة، بغداد.
  24. النصوص الصادرة عن سماحة السيد السيستاني في المسألة العراقية، حامد الخفاف، دار المؤرخ العربي، 2007م، بيروت.
  25. نظريات الدولة في الفقه الشيعي، محسن كديور، ترجمة: د. محمد شقير، ط1، 2004م، دار الهادي، بيروت.

 

 

 


[1] كلّية الدراسات الإنسانية الجامعة/ النجف الأشرف.

[2] الطوسي، محمد بن الحسن، الاقتصاد فيما يتعلّق بالاعتقاد: ص297.

[3] اُنظر: الحائري، كاظم، المرجعية والقيادة: ص31.

[4] اُنظر: السيف، توفيق، رجل السياسة دليل الحكم الصالح: ص25.

[5]اُنظر: النبراوي، خديجة، حقوق الإنسان في الإسلام: ص298.

[6] اُنظر: المؤمن، علي، سنوات الجمر (مسيرة الحركة الإسلامية في العراق): ص497.

[7] اُنظر: الصغير، محمد حسين، أساطين المرجعية العليا في النجف الأشرف: ص173.

[8] اُنظر: الموسوي، حسين أبو سعيدة، المشجّر الوافي في السلسلة الموسوية: ج3، ص122.

[9] اُنظر: الزبيدي، حسن لطيف، موسوعة الأحزاب العراقية: ص418.

[10] اُنظر: الصغير، محمد حسين، لا وصاية على السيستاني، بحث منشور في كتاب أُمّة في رجل: ص429.

[11] اُنظر: الظالمي، صـالح، المرجعية والمواقف الصريحة، السـيد السـيستاني أُنموذجاً، بحث منشور في مجلة آفاق نجفية، العدد الثاني، 2006م: ص13ـ14.

[12] المصدر السابق: ص14.

[13] الخفاف، حامد، النصوص الصادرة عن سماحة السيد السيستاني في المسألة العراقية: ص44.

[14] اُنظر: المصدر السابق، ص96.

[15] اُنظر: مقابلة مع السيد محمد رضا السيستاني نجل المرجع علي السيستاني، جريدة الحياة: العدد (14634)، 18/4/2003م.

[16] اُنظر: الخفاف، حامد، النصوص الصادرة عن سماحة السيد السيستاني في المسألة العراقية: ص357ـ358.

 

[17] اُنظر: عبد الرزاق، صلاح، المرجعية الدينية في العراق والانتخابات البرلمانية وتعزيز الوحدة الوطنية: ص53.

[18] اُنظر: الخفاف، حامد، النصوص الصادرة عن سماحة السيد السيستاني في المسألة العراقية: ص325.

[19] اُنظر: المصدر السابق: ص76.

[20] اُنظر: الظالمي، صالح، المرجعية والمواقف الصريحة السيد السيستاني أُنموذجاً، بحث منشور في مجلة آفاق نجفية، العدد الثاني، 2006م: ص78.

[21] اُنظر: الخفاف، حامد، الرحلة العلاجية لسماحة السيد السيستاني وأزمة النجف: ص94.

[22] المرجعية الدينية العليا: مصطلح مستحدث عند الشيعة يُطلق على مَن بلغ رتبة الاجتهاد والأعلمية من الفقهاء. اُنظر: القزويني، جودت، المرجعية الدينية العليا عند الشيعة الإمامية (دراسة في التطور السياسي والعلماء): ص8.

[23] اُنظر: كديور، محسن، نظريات الدولة في الفقه الشيعي: ص15ـ26.

[24] اُنظر: السيد سلمان، حيدر نزار، سلطة النصّ الديني وبناء الدولة السيد السيستاني أُنموذجاً: ص38ـ41.

[25] اُنظر: كديور، محسن، نظريات الدولة في الفقه الشيعي: ص26ـ27، وص184ـ201.

[26] اُنظر: الإمامي، محمد عباس جعفر، الدور السياسي للمرجعية الدينية في العراق الحديث: ص265.

[27] اُنظر: الخفاف، حامد، النصوص الصادرة عن سماحة السيد السيستاني في المسألة العراقية: ص45.

[28] اُنظر: المصدر السابق: ص46.

[29] المصدر السابق: ص225.

[30] اُنظر: بريمر، بول، عام قضيته في العراق: ص125.

[31] اُنظر: السيد سلمان، حيدر نزار، سلطة النصّ الديني وبناء الدولة السيد السيستاني أُنموذجاً: ص26ـ29، وص38ـ42. البغدادي، عمار، مبادئ الدولة والقيادة لدى مراجع الحوزة العلمية مقاربة في رؤى الخميني ـ النائيني ـ الصدر ـ السيستاني: ص91ـ93.

[32] اُنظر: السيد سلمان، حيدر نزار، سلطة النصّ الديني وبناء الدولة السيد السيستاني أُنموذجاً: ص33، وص43ـ44. البغدادي، عمار، مبادئ الدولة والقيادة لدى مراجع الحوزة العلمية مقاربة في رؤى الخميني ـ النائيني ـ الصدر ـ السيستاني: ص94.

[33] اُنظر: علي، تغريد عبد القادر، إشكالية الصياغة التشريعية في النصّ الدستوري (دراسة عن دستور جمهورية العراق لسنة 2005م)، مجلة الحقوق (الصادرة عن كلية القانون الجامعة المستنصرية)، المجلد (4): العدد (18)، السنة (6)، 2012م: ص183.

[34] اُنظر: السيد سلمان، حيدر نزار، سلطة النصّ الديني وبناء الدولة السيد السيستاني أُنموذجاً: ص44.

[35] اُنظر: علي، تغريد عبد القادر، إشكالية الصياغة التشريعية في النصّ الدستوري (دراسة عن دستور جمهورية العراق لسنة 2005م)، مجلة الحقوق (الصادرة عن كلية القانون الجامعة المستنصرية)، المجلد(4): العدد(18)، السنة(6)، 2012م: ص183. واُنظر: عبد الجبار، فالح، العلاقات الأثنية والدينية، الموقع: https://minorityrights.org.

[36] جاء ذلك في رسالة جوابية من مكتب السيد السيستاني إلى السيد الأخضر الإبراهيمي، تتضمّن الموقف من قانون إدارة الدورة العراقية الانتقالية. اُنظر: الخفاف، حامد، النصوص الصادرة عن سماحة السيد السيستاني في المسألة العراقية: ص107ـ 109.

[37] المصدر السابق: ص192، وص224ـ230.

[38] اُنظر: المصدر السابق: ص192، وص224ـ230.

[39] اُنظر: السيد سلمان، حيدر نزار، سلطة النصّ الديني وبناء الدولة السيد السيستاني أُنموذجاً: ص46ـ47.

[40] اُنظر: البغدادي، عمار، مبادئ الدولة والقيادة لدى مراجع الحوزة العلمية مقاربة في رؤى الخميني ـ النائيني ـ الصدر ـ السيستاني: ص97ـ113.

[41] اُنظر: السيد سلمان، حيدر نزار، سلطة النصّ الديني وبناء الدولة، السيد السيستاني أُنموذجاً: ص8، وص36.

[42] اُنظر: المصدر السابق: ص38ـ56. والبغدادي، عمار، مبادئ الدولة والقيادة لدى مراجع الحوزة العلمية مقاربة في رؤى الخميني ـ النائيني ـ الصدر ـ السيستاني: ص85ـ95.

[43] اُنظر: السيد سلمان، حيدر نزار، فكرة الديمقراطية عند المرجعية الدينية في النجف الأشرف، بحث منشور في كتاب إشكاليات التحوّل الديمقراطي في العراق: ص97.

[44] اُنظر: الإمامي، محمد عباس جعفر، الدور السياسي للمرجعية الدينية في العراق الحديث: ص254.

[45] اُنظر: عبد الرزاق، صلاح، المرجعية الدينية في العراق والانتخابات البرلمانية وتعزيز الوحدة الوطنية: ص75.

[46] اُنظر: الخفاف، حامد، النصوص الصادرة عن سماحة السيد السيستاني في المسألة العراقية: ص127.

[47] موقع مكتب سماحة المرجع الديني الأعلى السيد علي الحسيني السيستاني، الاستفتاءات، ولاية الفقيه.

http://www.sistani.org/arabic/qa.

[48] اُنظر: الإمامي، محمد عباس جعفر، الدور السياسي للمرجعية الدينية في العراق الحديث: ص244ـ247.

 
 
البرمجة والتصميم بواسطة : MWD