1439 / جمادی‌الآخرة / 4  |  2018 / 02 / 21         الزيارات : 570434         صلاة الصبح |         صلاة الظهر والعصر |         صلاة المغرب والعشاء |

المؤسسة الجامعية وأهميتها في غرس القيم التربوية والأخلاقية المستوحاة من النهضة الحسينية

{ م. د. ميثم عبد الكاظم هاشم الساعدي }
المؤسسة الجامعية وأهميتها في غرس القيم التربوية والأخلاقية المستوحاة من النهضة الحسينية

المقدّمة

تُعدّ القيم الدينية، وما ينبثق عنها من قيم تربوية في النظام التعليمي، ضرورية ولازمة لنجاح سير العملية التعليمية وتوجيهها نحو تحقيق أهدافها النبيلة، وهي بناء الإنسان وتعديل سلوكه وفقاً للنهج الديني الإسلامي، فالقيم مصدر رئيس في بناء شخصية الفرد وتأكيد لهويته، «ومن هنا؛ فعلى التربية أن تجد القيم اللازمة لتوجيه أفرادها نحو التعليم الصحيح»[1].

 ويعيش المجتمع الإسلامي في الوقت الحاضر مرحلة من الغزو الفكري الموجّه وبشكلٍ مدروس من قِبل أعداء الإسلام، وفي كافة المجالات الإعلامية والتعليمية والاجتماعية والسياسية؛ من أجل إضعافه وإفساده، ونشر الرذيلة بين أفراده عن طريق وسائل التقنية الحديثة، كالإعلام المرئي والسمعي الموجّه عبر الفضائيات، ووسائل الاتصال الحديثة التي غزت كافة المؤسسات التعليمية النظامية وغير النظامية حتى المنازل، والتي تنشر الفاحشة بين كافة المستويات الاجتماعية وبشكلٍ رخيصٍ وسهلٍ.

يتداخل مفهوم القيم لدى العديد من المجالات والعلوم، كالفلسفة، والاقتصاد، والاجتماع، وعلم النفس، والتربية، وينظر أصحاب كلّ مجال إلى القيم بمفهوم يختلف فيما بينهم في المعنى، ولكنّا سنركز على القيم التربوية والأخلاقية، وهو محور هذه الدراسة.

إنّ القيم التربوية هي المصدر الرئيس لاشتقاق الأهداف، ووضع الفلسفة والسياسات التربوية في أيّ نظام تربوي، والتي في ضوئها يتحدد السلوك المرغوب من الأفراد والجماعات حسب تلك الفلسفة، «وتقوم نظرة علماء التربية للقيم على أساس أنّ التربية في جوهرها عملية قيمية، ما دام هدفها تنمية الفرد والجماعة نحو الأفضل، والمؤسسات التربوية بحكم ماضيها وحاضرها، ووظائفها وعلاقاتها بالإطار الثقافي الذي نعيش به، تسعى إلى بناء القيم في كلّ المجالات الخُلقية والنفسية، والاجتماعية والفكرية والسلوكية»[2].

ومن هنا؛ نرى أنّ فقدان التربية لقيمها يعني فقدان الشخصية لروحها وأهميتها المميّزة لها، وقد أكّد البعض أنّ (التربية في جوهرها عملية قيمية) سواء عبّرت عن نفسها في صورة واضحة أو ضمنية، فالمؤسسة التعليمية بحكم ماضيها وحاضرها، ووظائفها وعلاقاتها بالإطار الثقافي الذي تعيشه، مؤسسة تسعى إلى بناء القيم في كلّ مجالاتها النفسية، والاجتماعية، والخُلقية، والفكرية، والسلوكية[3].

«وقد حظي موضوع القيم التربوية اهتماماً كبيراً من قِبل المتخصّصين في عدّة ميادين، مثل: الفلسفة، وعلم الاجتماع، والتربية؛ إذ تُعدّ القيم من أهداف التربية؛ وذلك لأنّ من أهم وظائف التربية هو الحفاظ على التراث الثقافي ونقله من جيل لآخر، فالمعرفة الثقافية والاجتماعية والاقتصادية ينبغي أن يتعلّمها الجيل الجديد في المجتمع؛ لضمان استمراره في الحياة. فالتراث هو الذي يحمل عناصر الأصالة، وهو الذي يمنح الثقافة التواصل مع الماضي، والقدرة على المعاصرة والتطور في المستقبل، وهو الذي يمنح الإنسان أُسلوب الحياة، وأنماط السلوك والقيم، والعادات والتقاليد»[4].

«وتعني التربية: الحفاظ على المثُل العليا للمجتمع، الأخلاقية والإنسانية النابعة من تاريخ الأُمّة، ومن حضارتها وثقافتها، ومن خبراتها الماضية، ومن دينها، وعن طريق تعاملها وعلاقتها بالأُمم الأُخرى، وعلاقات الأفراد فيها، وغيرها»[5].

«والتربية تعوّد الطفل على التفكير الصحيح والحياة الصحيحة، بما تزوده من معارف وتجارب تنفع عقله، وتغذي وجدانه، وتنمّي ميوله ومواهبه، وتعوّده العادات الحسنة، وتجنبه العادات السيئة، فينشأ قوي الجسم، حسن الخُلق، سليم العقل، متزن الشخصية، قادراً على أداء رسالته في الحياة»[6].

إنّ هذه الاهتمامات التي تجتمع حول التربية تصاحبها في كلّ مكان وزمان، وفي كلّ مرحلة من مراحل التحوّل الاجتماعي والاقتصادي والسياسي؛ فهي وثيقة الصلة بالفلسفات والاتجاهات الكبرى التي عرفتها الإنسانية عبر العصور، وهي تسعى دوماً إلى تحقيق غاياتها ومبادئها في ضوء المجتمع الذي تنتمي إليه، بحيث تُعتبر المصدر الأساسي الذي يعتمد عليه التغيّر الاجتماعي إلى حياة أفضل، «والتربية بمعناها الكامل: هي وسيلة الاستمرار الاجتماعي للحياة، وهي السبيل كذلك لتجديد الحياة بمستوياتها الاجتماعية والخلقية، وعن طريقها يكتسب الفرد المهارات والاتجاهات التي تساعدها على مواكبة متطلبات الحياة»[7].

ويستهدف البحث الحالي التعرّف على مفهوم القيم ومفهوم التربية والتربية في الإسلام، وما هي القيم التربوية في النهضة الحسينية، ودور الجامعات في غرس قيم النهضة الحسينية لدى الطلبة، وتحقيقاً لذلك تم استخدام المنهج الوصفي القائم على التحليل والتفسير، إذ إنّ لكلّ ظاهرة وصفاً وتفسيراً، إذ يعمل هذا المنهج على وصف ظواهر أو أحداث أو أشياء معينة، وجمع الحقائق والمعلومات والملاحظات عنها، ووصف الظروف الخاصّة بها، وتقرير حالتها كما توجد عليه في الواقع[8].

ويشتمل البحث مجموعة من المباحث، وهي كالآتي:

المبحث الأوّل: مفهوم القيم.

المبحث الثاني: مفهوم التربية.

المبحث الثالث: التربية ومهمتها في الإسلام.

المبحث الرابع: القيم التربوية في النهضة الحسينية.

المبحث الخامس: دور الجامعات في غرس قيم النهضة الحسينية لدى الطلبة.

المبحث الأوّل: مفهوم القيم

تعدّ القيم من المفاهيم الأساسية في ميادين الحياة جميعها، وهي تمسّ العلاقات الإنسانية بكافة صورها؛ إذ إنّها ضرورة اجتماعية، وهي معايير وأهداف لا بدّ أن نجدها في كلّ مجتمع منظم، سواء كان متأخراً أو متقدّماً، فهي تتغلغل في نفوس الأفراد على شكل اتجاهات ودوافع وتطلعات، وتظهر في السلوك الظاهري الشعوري واللاشعوري، وفي المواقف التي تتطلب ارتباط هؤلاء الأفراد، ولا يمكن أن نفرضها على الأفراد، وإنّما تكتسب من خلال تأثير المنزل والمدرسة والمسجد، ومن خلال الأصدقاء والأقران والقادة خارج المنزل[9].

تحتل القيم التربوية الأخلاقية مكانة ومنزلة عظيمة في الدين الإسلامي، فهي غاية الإسلام وهدفه، تسعى إلى بناء الشخصية السوية للإنسان المسلم، من خلال التعاليم والمبادئ الإسلامية التي تؤكّد على الالتزام بالفضائل والأخلاق النبيلة، والابتعاد عن الرذيلة والفحشاء، وتزكية النفس وطهارتها، والابتعاد عن الشهوات والهفوات، والفسوق والرفث والجدال. وتقوى الله، ورَبَطَ الله تعالى درجة الإيمان بمدى الالتزام بالأخلاق الفاضلة؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وآله: «أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً».

ويقول رسولنا الكريم صلى الله عليه وآله: «إنّما بُعثت لأُتمم مكارم الأخلاق». ويقول الله في حقّه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾[10].

ومن خلال ما تقدّم يتضح أنّ القيم لها أهمية بالغة بالنسبة للأفراد والجماعات والمجتمع على حدّ سواء؛ لأنّها تتصل اتصالاً مباشراً بالأهداف التي يسعى المجتمع إلى تحقيقها عن طريق التربية، إذ ترتبط القيم بالتربية، وذلك من خلال أهمية القيم في صياغة الأهداف التربوية المبنية على فلسفة التربية، والتي تنبثق أصلاً عن فلسفة المجتمع، وتأتي أهمية القيم في تعبيرها عن فلسفة مجتمعٍ ما وإطار حياته، وتوجيهه للتربية وفلسفتها وأهدافها التي تعتمد في بلورتها وصياغتها على وضوح القيم؛ لاختيار نوع المعارف والمهارات، وتعيين الأنماط السلوكية المرغوبة[11].

وبذلك يمكن القول: إنّ لكلّ مجتمع تربيته الخاصّة، والتي تعكس فلسفته وأهدافه وظروف حياته، وألوان نشاطه، وقيمه ومعتقداته، أي: تعكس عموماً آيديولوجيته في الحياة، لتجعل الصغار يشبّون على هذه الآيديولوجية، فينضمّون إلى حملتها من الكبار[12].

وللقيم تعريفات عديدة منها:

«مجموعة من الأحكام المعيارية المتصلة بمضامين واقعية، يتشربها الفرد من خلال تفاعله مع المواقف والخبرات المختلفة، بشرط أن تلقى هذه الأحكام قبولاً من جماعة اجتماعية معينة؛ حتى تتجسّد في سياقات الفرد السلوكية، أو اللفظية، أو اتجاهاته، أو اهتماماته»[13].

وتعرّف بأنّها: «مجموعة من المعايير والأحكام التي تتكون لدى الفرد، من خلال تفاعله مع المواقف والخبرات الفردية والاجتماعية؛ بحيث تمكّنه من اختيار أهداف وتوجهات حياته»[14].

وتعرّف أيضاً بأنّها: «مجموعة من المبادئ والقواعد والمُثل العليا، التي يؤمن بها الناس ويتفقون عليها فيما بينهم، ويتخذون منها ميزاناً يزنون به أعمالهم ويحكمون بها على تصرفاتهم المادية والمعنوية»[15].

خصائص القيم التربوية

من خلال ما أمكن عرضه، نستطيع أن نتبيّن أنّ هناك بعض السمات المشتركة لمفهوم القيمة، وهذه السمات يمكن الإشارة إليها على النحو الآتي:

1ـ مكتسبة من خلال التنشئة الاجتماعية وتفاعل الفرد مع البيئة.

2ـ إنسانية، لارتباطها بالإنسان دون غيره من الكائنات الحيّة، والإنسان هو الذي يعطي القيمة للأشياء.

3ـ غير خاضعة للقياس الدقيق أو المحدد؛ لأنّها وجدانية تعتمد على الشعور، والذوق، والمزاج، والانفعال، وبالتالي فهي مسألة شخصية.

4ـ تترتب فيما بينها هرمياً، فهي تتطلب الاختيار والتفضيل من خلال وضعها في مراتب ودرجات معينة حسب أهميتها، ومن ثَمّ تبني القيم التي تحقق رغباته وحاجاته.

5ـ أنّ النسق أو السلّم القيمي ليس جامداً، فهي ترتفع وتنخفض وتعلو وتهبط وتتقدّم وتتأخر فيما بينها؛ بسبب ظروف الفرد وأحواله واهتماماته، أو حسب نموّه ونضجه العقلي، والجسمي، والاجتماعي، والانفعالي.

6ـ نسبية وثابتة في آنٍ واحدٍ، فهي تتصف بالثبات النسبي نظراً للتغيّرات والتطورات في المجتمع.

7ـ تهتم القيم بالأهداف البعيدة التي يضعها الإنسان لنفسه، لا بالأهداف الفرعية[16].

المبحث الثاني: مفهوم التربية

التربية: هي عملية تكيّف ما بين الفرد وبيئته الاجتماعية والطبيعيـة، باعتبار أنّ الإنسان مثل غيره من الكائنات الحيّة، يسعى دوماً إلى المحافظة على بقائه، والبحث على الوسيلة التي تساعده على تعديل سلوكه، وتنمية قدراته، وتكوين عادات ومهارات تفيده في حياته، فالوظيفة الأساسية للتربية هنا أنّ الإنسان يصبح قادراً بواسطتها على ملاءمة حاجاته مع الظروف المحيطة به، وإمكانية تسخيرها بما يستجيب لدوافعـه ومتطلباته؛ ليحقق له النمو المتوازن، كما أنّ التربية هي عملية نمو، أيّ: إنّها تكفل للطفل نمواً منسجماً في جوانب مختلفة من شخصيته الجسمية والعقلية، والنفسية والاجتماعية، من خلال ما توفره الأُسـرة، والمؤسسات التربوية من إمكانيات مادية ومعنوية من شأنها أن تضمن له الارتقاء النفسي والاجتماعي الضروريين[17].

 1 ـ التربية لغةً

جاء في لسان العرب: «ربا الشيء: زاد ونما، وربيته: نمّيته»[18].

وفي القرآن الكريم: ﴿وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾[19]، أي: يزيدها. وربوتَ في بني فلان: نشأت فيهم.

وفي المعجم الوسيط: «تربى: تنشأ وتغذى وتثقّف. وربّاه: نمّى قواه الجسمية، والعقلية، والخلقية»[20].

وهكذا؛ فإن المعنى القاموسي في لغتنا العربية لكلمة تربية، يتضمّن العناصر الآتية: النمو، التغذية، التنشئة، والتثقيف.

2 ـ التربية اصطلاحاً

لقد حاول كثير من المرّبين، قديماً وحديثاً أن يعرّفوا التربية تعريفاً جامعاً، لكنّهم اختلفوا في ذلك اختلافات كبيرة؛ لاختلافهم في تحديد الغرض من التربية وأهدافها في المجتمع. ومن بين التعاريف التي يمكن اقتراحها في هذا الصدد:

ـ أفلاطون(348 ـ427ق م)، ومن آرائه: «إعطاء الجسم كلّ جمال وكمال ممكن، ودور المعلّم لا يقوم على فرض العلوم، إنّما بتوجيه التلميذ بالمناقشة والأسئلة».

ـ أرسطو(322 ـ384 ق م)، ومن آرائه: «التربية: إعداد العقل للكسب، كما تُعِد الأرض للنبات والزرع»[21].

ـ إمانويل كانت(1724ـ 1804 )، ومن آرائه: «الغرض من التربية الوصول بالإنسان إلى الكمال الممكن، ومهمّة التربية أن تحترم حرية الفرد الطبيعية، وتساعده على تحقيق إنسانيته».

ـ جون جاك روسو(1778ـ 1812)، ومن آرائه: «الغاية من التربية، ألّا نحشو رأس الطفل بالمعلومات، إنّما نهذّب قواه العقلية، ونجعله قادراً على تثقيف نفسه بنفسه».

ـ بيستالوتزي(1746ـ 1827 )، ومن آرائه: «التربية: هي تنمية كلّ قوى الطفل تنمية كاملة ومتكاملة». وهو يذهب مذهب روسو: أنّ التربية الناجحة تلك التي تحترم مؤهلات الطفل.

ـ جون ستيوارت ميل(1806ـ 1873)، ومن آرائه: «إنّ التربية هي انتقال تأثير شخص إلى شخص آخر، وأنّ هذا التأثير هو دائماً متجه من عقل إلى عقل، أو من طبع إلى طبـع، وبصفة عامّة من شخصية إلى أُخرى»[22].

المبحث الثالث: التربية ومهمّتها في الإسلام

معنى التربية، كما ورد في القرآن هي: إنشاء الـشيء حالاً فحالاً إلى التمام، والتربية في الإسلام منهج يستهدف صياغة كيان الإنسان في كليته: عقلاً وروحاً، جسداً ونفساً. والإنسان ليس جديراً بهذه التسمية إلّا بالتربية، وليست التربية في الإسلام إلّا اتّباع الأُصول التي جاء بها الأنبياء والمرسلون من الأحكام والحِكم والتعاليم، وهي المبادئ الحقيقية التي تأخذ بيد الإنسان إلى أعلى مراتب القيم الحميدة وحسن الأخلاق[23].

وجاء الإسلام بقيم ومبادئ تربوية هادئة تقصد إلى الخير والإحسان، تحيي الضمائر وتنير العقول وتبني حس المسؤولية في الإنسان، فصارت من أُصول الإسلام كون الدين هو الموجّه لحركة المجتمع، ومصدر كلّ نظمه العاملة التي منها التربية بوسائلها المختلفة، ومن هذا الوجه يتبيّن أنّ الدين هو روح حركة الحياة في الإسلام، وروح العلوم والمعارف كلّها، وروح المجتمع[24].

إنّ قيم التربية في الإسلام نظرياً وعملياً لا تجد مرجعيتها إلّا في الدين، ومفهوم العلوم ليس مقصوراً على علوم الدين، بل يشمل كلّ المعارف التي كشف الله عنها للبشر، وسريان روح الدين في كلّ شعاب الحياة، والمعارف في المنظور الإسلامي هو المفهوم الصحيح للتربية، كما فهمه الأقدمون من علماء الأُمّة قبل نشأة بدعة تفريق العلوم إلى ديني ودنيوي[25].

وتمثّل التربية وقيمها في الإسلام منهجاً متكاملاً يُعنى بالجسم والروح والعقل، ومن أجل تكامل النظرة الإسلامية إلى الحياة والوجود والمجتمع، جمعت التربية الإسلامية بين تأديب النفس وتصفية الروح، وتثقيف العقل وتقوية الجسم، فهي تُعنى بالتربية الخلقية والصحية والعقلية دون إعلاء لأيّ منها على حساب الآخر؛ ولذلك ينشأ المسلم سوياً قوي الصلة بالله، محققاً لرسالته في الحياة، أمّا غاية القيم التربوية، فهي بناء الإنسان وصياغته بالصورة التي يتمكّن من حمل رسالة الاستخلاف في الأرض بالعبادة والتعمير[26].

ومع التقدّم والحداثة تزداد الحياة تعقيداً، وكأنّ هذا التلازم بين التقدّم والتعقيد في الحياة قاعدة عامّة، هي من طبيعة هذه الحياة المعاصرة، ولعلّها كبرى مشكلاتها، ومع تعقيدات الحياة المعاصرة تزداد العملية التربوية تعقيداً، إذ تنعكس هذه التعقيدات على التربية، فتجعل منها عملية متشعبة المشارب والمجالات لا ينحصر همها في التعليم والمعلّمين، وإنّما تتعداهم إلى جميع قطاعات العمل، حتى لا يبقى قطاع من قطاعات المجتمع إلّا ويقوم بدور تربوي، كبر شأنه أو صغر؛ لذلك يتحدّث المربّون اليوم عن دور الإعلام، والنادي، والسوق، والمصنع، والمتجر، فضلاً عن الأُسرة والمؤسسات التربوية، والدعوية، والمسجد، في العملية التربوية، كما يتحدّثون عن (المجتمع المتربي) أي: المجتمع الذي يشارك فيه جميع الناس في العملية التربوية[27].

إنّ التربية في الإسلام لها منافذ متعددة، منها: الأُسرة، والمسجد، والحسينيات، والمجالس الحسينية، والمجتمع، إلى جانب المؤسسات التربوية النظامية من المدارس، والجامعات، والنظر إلى واقع الحياة العصرية يبيّن لنا أنّ هذه المنافذ التربوية تتعرّض الآن لرياح العولمة وتحدياتها، فالإعلام الملوث بالأفكار المسمومة تغشى البيت والمدرسة، بل باتت معاني الأُسرة في خطر عظيم[28].

إنّ التربية في الإسلام ليس نظاماً قائماً بذاته، وإنّما هي نظام ذو علاقة وثيقة بالأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية في المجتمع الذي تخدمه التربية، ومهمّة التربية في الإسلام عملية اجتماعية شاملة تضمّ كلّ شرائح المجتمع وطبقاته، ابتداء بالنشء في الأُسرة، مروراً بالعوام وأرباب المهن، وانتهاءً بالنخب والمثقفين، فقوام الأُمّة وأساسها هي التربية الخلقية التي يصفها القرآن بـ(التزكية) ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾[29] ؛ ولذلك فتطهير النفس وتزكيتها من أفضل الأعمال والخصال، وتربيتها على الفضائل إنمّا هو شرط جوهري لإحداث التغيير الاجتماعي المنوط به نهضة الأُمّة ﴿إِنَّ الله لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾[30] [31].

والتربية بهذا المعنى إنمّا هي غرس للمبادئ والقيم وأخلاق الفطرة السوية، من عدلٍ ومساواةٍ، وصدقٍ وإخلاصٍ، في صميم قلب الإنسان، والنشء خاصّة، لتُسقَى بماء التعارف والتواصل والتراحم بين الناس، فتؤتي أُكلها وثمارها سلاماً ووئاماً وتعاوناً في المجتمع الإنساني: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ الله لِنْتَ لَهمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْر﴾[32]. ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنْ المسْجِدِ الحرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا الله إِنَّ الله شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾[33]، فالناس في كلّ الأُمم أكفاء فيما بينهم لا يتمايزون إلّا من جهة العقول ونوعية الأخلاق، وهي لا تكتمل إلّا بالتربية[34].

الإمام الحسين عليه السلام هو الحل لتأصيل قيمنا التربوية الإسلامية

ففي تراثنا التربوي نظام شامل للتربية والإعداد للحياة، وتوجيه الشباب التوجيه التربوي الصحيح، وتقويم سلوكهم الذي يرتكز على أُسس تعليمية وتربوية سليمة نابعة من تعاليم الدين الإسلامي الحنيف، والذي جاء وافياً بمطالب الحياة كلّها، وإنّه لحري بكلّ مربًّ مخلص أن يستبصر بجوانب الفكر التربوي الإسلامي، وإبراز إيجابياته، وما يزخر به من آداب وفضائل.

وذلك من خلال العودة إلى تراثنا وتأصيل قيمنا التربوية لدى أبنائنا، من خلال القدوة الحسنة والمتمثلة برجالات الإسلام الفذّة، والذين يمثلون قيمها بأعلى مستوياتها من خلال ربطهم النظرية بالتطبيق الفعلي، وعلى رأس تلك الرجالات الحسين عليه السلام، والذي يُعدّ في دنيا الإسلام قمّة من قمم الرجال الذين صنعوا العظمة في تاريخ الإسلام والإنسانية، وسكبوا النور في دروب البشرية، من خلال عطائه الفكري الفذّ والمتمثل بالمئات من الوصايا والحِكَم، والخُطب والأشعار، والأدعية، والتي ملأت كتب التاريخ فضلاً عن الرسائل والخطب والوصايا والمحاورات الصادرة عنه عليه السلام، نجد السلوك والممارسة العملية في حياته الشخصية التي توضح لنا جانباً من الفكر والتشريع وتجسّد الصيغة التطبيقية، والتي من خلالها يمكن أن نبني منهجاً تربوياً إسلامياً يحفظ لنا هويتنا العربية الإسلامية، ويرسخ قيمنا التربوية الخاصّة بنا[35].

المبحث الرابع: القيم التربوية في النهضة الحسينية

تجسيد الإمام الحسين عليه السلام للمفاهيم والقيم الأخلاقية الصالحة

وقد واصل الأوصياء والأئمّة من أهل البيت عليهم السلام هذه المهمّة لتترجم في الواقع في أعمال وممارسات وعلاقات، ولهذا كانت القيم الأخلاقية هي المحور الأساس في حركاتهم، وقد جسّد الإمام عليه السلام في نهضته المباركة المفاهيم والقيم الأخلاقية الصالحة، وضرب لنا وأصحابه وأهل بيته أروع الأمثلة في درجات التكامل الخلقي والتربوي.

والإسلام ثورة فكرية وأخلاقية، ثورة قيمية أبرزت حقائق وأقرّت تعاليم، وهو ثورة إنسانية إذا ما قيست بهمجية الحياة العربية الغابرة، وضيق الآيديولوجيات الدينية السابقة، مثل: الوثنية، واليهودية. وهذه الثورة الإسلامية الإنسانية تتميّز بأنّها ثورة مستمرة ومستجدة، آية ذلك إقرارها قيماً إنسانية تضع الإنسان في أسمى منزلة على الأرض، وتحلّه مرتبة منفردة لا يضاهيها سواها لدى سائر الكائنات الحيّة[36].

إنّ الثورات والحركات المقدّسة، قد ابتدأت في الحقيقة بالأنبياء العظام، وقد ورد ذكر تلك الثورات، والحركات المقدّسة، وجهاد الأنبياء المقدّس في سورة الشعراء؛ إذ يذكر القرآن الكريم قصص موسى، وإبراهيم، ونوح، وهود، ولوط، وصالح، وشعيب، وخاتم الأنبياء محمد (صلوات الله عليهم جميعاً)، بأنّهم قاموا في سبيل مكافحة عبادة الأصنام والنضال ضدّ الظلم والاستبداد، والجهل والتعصب، والإسراف والتبذير، والإفساد في الأرض، والفحشاء، والامتيازات الاجتماعية الوهمية.

وقد سلك الإمام الحسين عليه السلام الطريق نفسه الذي سلكه الأنبياء، لكنّه بالطبع واجه ظروفاً غير تلك التي واجهت الأنبياء، والسبب في سيره على خط الأنبياء والصالحين الذي دعا إليه الله سبحانه وتعالى ونبيّه الكريم محمد صلى الله عليه وآله، وقدّم نفسه الطاهرة قرباناً، هو الانحراف الذي حدث في ذلك الوقت على يد الحكام، والعزوف عن اتباع الحق، والأقوال الواردة في تاريخ عاشوراء خير دليل على ذلك؛ إذ قال عليه السلام وهو يخاطب الجموع من حوله ناصحاً لهم باتباع الحق والرجوع عن الباطل: «أَلا ترون أنّ الحق لا يُعمل به، وأنّ الباطل لا يُتناهى عنه...»[37]، وأمثالها الكثير، والتي تدعو إلى ضرورة التمسّك بالقيم الإسلامية والعمل بها.

لقد أراد الإمام عليه السلام أن يسجّل اعتراضه وعدم رضاه، ومطالبته بالعدالة والحق ـ وبالتالي نشر راية الإسلام ـ بواسطة سيل من الدماء التي تدفقت من بدنه وأبدان أهله وأصحابه، والتاريخ يُثبت لنا أنّ الخطب والأقوال التي تسجَّل بالدم لا يمكن أن تُمحى من الوجود أبداً؛ ذلك أنّها تعبّر عن خلوص نيّة، وعمق إرادة، وكمال إخلاص، وصفاء فكر[38].

وإنّنا في هذا الزمان ـ كما كان الناس قَبْلَنا ـ بحاجة إلى فكر نوراني ملهب ورشيد في آنٍ واحدٍ كفكر الإمام الحسين عليه السلام، وإلى الانفتاح الإنساني الواسع على شخصيته عسى أنْ نستفيد من مخزونه الروحي والقيمي والثقافي، واستثماره في معالجة قضايانا الكؤود، وحلّ إشكاليات الإنسان العميقة في هذا العصر خاصّة في مجال التربية والتعليم.

فلم يَعُد الحسين عليه السلام مجرد ثورة وحركة جهادية، بل هو مشعل نور متوهّج ومتألق في كلّ شيء.

وإذا كان الناس قد أفرطوا في حبّ الحسين عليه السلام والتأثر بمواقفه السياسية والجهادية، فإنّنا نطالبهم بالإفراط في اتخاذه قدوة لهم في المعرفة والأخلاق، والإصلاح الاجتماعي، والأدب والتربية، والجهاد والانتصار على شهوات الذات، والمبالغة في الارتباط بكلّ جانب من جوانب حياته المضيئة، فالإنسان المؤمن وغير المؤمن بحاجة إلى معرفة الحسين الثائر، والحسين المصلح الاجتماعي، وبحاجة لروح الحسين العرفاني، والحسين الأديب، والحسين المربي، والحسين المرشد الأخلاقي، والحسين السياسي المتمكن، والحسين المجاهد المقاتل الذي لا يأبه الموت ولا يخافه[39].

وبذلك يمكن أنْ يتحوّل المنبر الحسيني في توظيف وتوضيح النهضة الحسينية إلى منظومة ثقافية واسعة، وحركة عقلانية منظمة تطلّ على شخصية الإمام عليه السلام من جوانبها جميعها دون تركيز على (الجانب المأساوي) وحده، نعتز به ميراثاً إنسانياً لا فعلاً يختصر شخصية الحسين عليه السلام ويهمش فعّاليتها، بل ينبغي تفحّص تراث الإمام الحسين عليه السلام في الفكر والعلم، والتربية والأخلاق، والقيم، والأدب والشعر، والعرفان الروحي، والإصلاح الاجتماعي، والنشاط السياسي، وأنْ تعقد حواراً بين هذا التراث والواقع الإنساني، فتستنطقه الأُمّة في قضاياها الإنسانية المعاصرة، وتستمد منه معرفة مستنيرة قادرة على مواجهة إشكاليات العصر.

أخلاق الإمام الحسين عليه السلام مع نفسه ومع أصحابه

وقد تمثّلت أخلاق الإمام الحسين عليه السلام مع نفسه، التي كان حريصاً عليها؛ لأنّها أمانة الله عنده، من خلال حرصه على أن لا يعرضها للذل والهوان، وكان قوله الخالد في كربلاء: «أَلا إنّ الدّعي ابن الدعي قد ركز بين اثنتين، بين السلّة والذّلة، وهيهات منّا الذّلة، يأبى الله لنا ذلك ورسوله والمؤمنون». وقال عليه السلام:«والله، لا أُعطيكم بيدي إعطاء الذليل، ولا أقرّ لكم إقرار العبيد»[40].

فقد كان حريصاً على أن يؤكّد سمو نفسه وعظمتها، حيث رفض أن يبيعها بثمن بخس أو بسيط، وإنّما بالثمن الأغلى الذي تستحقه وهو الجنّة، وقال عليه السلام: «إنّي لا أرى الموت إلّا سعادة، والحياة مع الظالمين إلّا برماً»[41]. وهذا ما تعلّمه من والده أمير المؤمنين الإمام علي عليه السلام، الذي قال: «ليس لأنفسكم ثمن إلّا الجنّة فلا تبيعوها إلّا بها»[42].

كما تبرز لنا صورة القيم التربوية والأخلاقية للإمام الحسين عليه السلام في علاقته مع أصحابه، الذين وصفهم بقوله: «فإنّي لا أعلم أصحاباً أوفى ولا خيراً من أصحابي، ولا أهل بيت أبرّ ولا أوصل من أهل بيتي»[43].

ولذلك كان حريصاً على حياتهم، وقد خاطب أصحابه في ليلة العاشر من محرّم: «إنّ هذا الليل قد غشيكم فاتخذوه جملاً، وليأخذ كلّ واحدٍ منكم بيد رجل من أهل بيتي، فإنّ القوم لا يريدون غيري»[44]، كما أنّه في تعامله مع أصحابه لم يفرّق بين جون العبد الأسود مولى أبي ذر الغفاري، وبين أصحابه من الكبار في مواقعهم وعشائرهم، وكذلك لم يفرّق بين أصحابه وأهل بيته، بحيث كان يأتي إلى مصارعهم ويخفف عنهم ويتحدّث إليهم، ويبشرهم بما يردون عليه.

من خلال ذلك؛ قدّم الإمام الصورة الحقيقية للقائد الذي لا تزيده رفعة موقعه وعظمته إلّا تواضعاً وحبّاً، وإخلاصاً وحرصاً على أصحابه، وهذا ما نلاحظه في دعاء الإمام زين العابدين عليه السلام: «اللهمّ لا ترفعني في الناس درجة إلّا حططتني عند نفسـي بقدرها، ولا تُحدث لي عزّاً ظاهراً إلّا أحدثت لي عند نفسي ذلّة باطنة بقدرها»[45]. وقد كان الإمام الحسين عليه السلام حريصاً على أن يستشير أصحابه فيما يريد الإقدام عليه، وكان واضحاً في إبراز أهدافه وخطّة حركته، فخاطبهم قائلاً: «إنّه قد نزل من الأمر ما قد ترون، وإنّ الدنيا قد تغيّرت وتنكرت وأدبر معروفها، فلم يبقَ منها إلّا صُبابة كصبابة الإناء، أَلا ترون إلى الحقّ لا يُعمل به وإلى الباطل لا يُتناهى عنه، ليرغب المؤمن في لقاء ربّه محقاً، فإنّي لا أرى الموت إلّا سعادة والحياة مع الظالمين إلّا برماً»[46].

أخلاقه مع أعدائه

وكما تجلّت أخلاق الإمام الحسين عليه السلام في علاقته مع أعدائه، من خلال تعامله الإيجابي معهم عند قدومه إلى كربلاء، حيث بادر إلى تأمين الماء لهم حين قدموا لمحاصرته وهم عطاشى، فقدّمه إليهم رغم قدرته على منعهم عنه، كما فعلوا بعد ذلك، كما تمثّلت رفعة أخلاقه في حزنه وأساه على ما سيُصيب أعداءه من خلال إغضابهم لله أثر ما سيقدمون عليه من قتله، وقد فتح الإمام عليه السلام كلّ قلبه وعقله للحديث معهم ووعظهم وهدايتهم للرجوع عن غيّهم، وحذّرهم من غضب الله إن هم قاتلوه، وكان كلامه ناضحاً بالإشفاق عليهم.

ولم يصدّه عن أُسلوبه الأخلاقي ما كانوا عليه من غلظة وفظاظة وسوء، حتى أنّه طلب منهم أن يتركوه يواصل طريقه أو يعود من حيث أتى، لكنّهم رفضوا ذلك، وانطلق الإمام عليه السلام يواجه تحدي هؤلاء وغطرستهم وظلمهم مع ثُلّة من أصحابه الأوفياء، حيث كان على استعداد لأن يضحّي بكلّ شيء من أجل الرسالة.

وتمثّلت النهضة الحسينية بقيم تربوية وأخلاقية يمكن الإشارة إلى بعضها بالنقاط الآتية:

 ١ ـ الإيثار

وهو من أبرز المفاهيم والدروس المستقاة من واقعة الطفّ، والإيثار يعني الفداء وتقديم شخص آخر على النفس، وبذل المال والنفس والنفيس فداءً لـمَن هو أفضل من ذاته، وفي كربلاء شُوهد بذل النفس في سبيل الدين، والفداء في سبيل الإمام الحسين عليه السلام، والموت عطشاً لأجل الحسين عليه السلام، فأصحابه ما داموا على قيد الحياة لم يدعوا أحداً من بني هاشم يبرز إلى ميدان القتال، إيثاراً منهم على أنفسهم، وفي ليلة عاشوراء لمّا رفع الإمام عليه السلام عنهم التكليف لينجوا بأنفسهم، قاموا ـ الواحد تلو الآخر ـ وأعلنوا عن استعدادهم للبذل والتضحية... يروي الشيخ المفيد رحمه الله: «أنّ الحسين عليه السلام قال لأتباعه: أَلا وإنّي لأظنّ أنّه آخر يوم لنا من هؤلاء... أَلا وإنّي قد أذنت لكم فانطلقوا جميعاً في حلٍّ، ليس عليكم منّي ذمام، هذا الليل قد غشيكم فاتّخذوه جملاً. فقال له إخوته وأبناؤه وبنو أخيه وأبناء عبد الله بن جعفر: لِمَ نفعل ذلك؟! لنبقى بعدك؟! لا أرانا الله ذلك أبداً. بدأهم بهذا القول العباس بن علي (رضوان الله عليه)، واتّبعته الجماعة عليه، فتكلّموا بمثله ونحوه، فقال الحسين عليه السلام:يا بني عقيل، حسبكم من القتل بمسلم، فاذهبوا أنتم فقد أذنت لكم.

قالوا: سبحان الله، فما يقول الناس؟! يقولون: إنّا تركنا شيخنا وسيّدنا وبني عمومتنا ـ خير الأعمام ـ ولم نرمِ معهم بسهم، ولم نطعن معهم برمح، ولم نضرب معهم بسيف، ولا ندري ما صنعوا!! لا والله، ما نفعل ذلك، ولكن نفديك أنفسنا وأموالنا وأهلينا، ونقاتل معك حتى نرد موردك، فقبّح الله العيش بعدك.

وقام إليه مسلم بن عوسجة، فقال: أنخلّي عنك ولمّا نعذر إلى الله سبحانه في أداء حقّك؟ أَما والله حتى أطعن في صدورهم برمحي، وأضربهم بسيفي ما ثبت قائمه في يدي، ولو لم يكن معي سلاح أقاتلهم به لقذفتهم بالحجارة، والله لا نخلّيك حتى يعلم الله أن قد حفظنا غيبة رسول الله صلى الله عليه وآله فيك، والله لو علمت أنّي أُقتل، ثمّ أُحيى، ثمّ أُحرق، ثمّ أُحيى، ثمّ أُذرى، يُفعل ذلك بي سبعين مرّة ما فارقتك حتى ألقى حمامي»[47].

ووقف بعض أصحاب الإمام الحسين عليه السلام ظهيرة يوم عاشوراء عندما وقف لصلاة الظهر يقونه سهام العدو بصدورهم، وخاض العباس نهر الفرات بشفاه عطشى، ولما أراد تناول الماء تذكّر عطش الحسين والأطفال فلم يشرب منه، وقال:

يا نفس من بعد الحسين هوني

 

 وبعده لا كنت أن تكوني

هذا الحسين وارد المنون

 

 وتشربين بارد المعين

تـالله ما هــذا فعـال ديـني

ورمت زينب عليها السلام بنفسها في الخيمة المشتعلة بالنار؛ لإنقاذ الإمام زين العابدين منها، وحينما صدر الأمر في مجلس يزيد بقتل الإمام السجّاد عليه السلام، فدته زينب عليها السلام بنفسها.

وهناك أيضاً عشرات المشاهد الأُخرى التي يُعدّ كلّ واحد منها أروع من الآخر، وكلّ موقف منها يُعطي درساً من دروس الإيثار للأحرار، فإذا كان المرء على استعداد للتضحية بنفسه في سبيل شخص آخر، أو في سبيل العقيدة، فهذا دليل على عمق إيمانه بالآخرة والجنّة وبالثواب الإلهي. قال الإمام الحسين عليه السلام في بداية مسيره إلى كربلاء: «مَن كان باذلاً فينا مهجته، وموطِّناً على لقاء الله نفسه، فليرحل معنا، فإنّي راحل مصبحاً إن شاء الله تعالى»[48].

كما أشارت زيارة عاشوراء إلى صفة (الإيثار) التي يتحلّى بها أصحاب الحسين، فوصفتهم بالقول: «الّذين بذلوا مُهجهم دون الحسين عليه السلام»[49].

 ٢ ـ الشجاعة

 وهي الإقدام عند منازلة الخصوم وعدم تهيّب المخاطر، واقتحام الخطوب، وتُعدّ الشجاعة من الصفات المهمّة التي تميّزت بها شخصية الإمام الحسين عليه السلام وأصحابه وأهل بيته؛ إذ نقرأ عن الاندفاع والحماس المنقطع النظير، الذي جُسّد في سوح الوغى، والتسابق على بذل الأرواح رخيصةً؛ فداءً للدين والمبادئ، ورسمت ملحمة كربلاء ـ منذ انطلاقها وحتى مراحلها الأخيرة ـ مشاهد تتجسّد فيها معالم الشجاعة بشتى صورها، والأمثلة على ذلك كثيرة، فالتصميم الذي أبداه الإمام الحسين عليه السلام في معارضة يزيد ورفض البيعة له، وعزمه الراسخ على المسير نحو الكوفة والتصدّي لأنصار يزيد من أمثال ابن زياد، وعدم انهيار معنوياته لسماع الأخبار والأوضاع التي كانت تجري في الكوفة، وإعلانه على الملأ عن الاستعداد لبذل دمه والتضحية بنفسه في سبيل إحياء الدين، وعدم الخوف من كثرة الجيش المعادي رغم كثرة عدده وعدّته، ومحاصرة هذا الجيش له في كربلاء مع عدم استسلامه، والقتال العنيف الذي خاضه بعد ذلك مع جنوده وأهل بيته، وصور البطولة الفردية التي أبداها أخوه العباس، وابنه علي الأكبر، وابن أخيه القاسم، وعامّة أبناء علي وأبناء عقيل، والخطب التي ألقاها الإمام السجاد وزينب عليهما السلام في الكوفة والشام، وغيرها من المواقف والمشاهد البطولية تعكس بأجمعها عنصـر الشجاعة، الذي يُعدّ من أوّليات ثقافة عاشوراء.

وعلى وجه العموم كان آل الرسول أمثلة خالدة في الشجاعة والإقدام وثبات الجنان، وكانت قلوبهم خالية من الخوف من مواجهة الموت، وكانت ساحات القتال في زمن الرسول صلى الله عليه وآله وحروب علي عليه السلام في الجمل، وصفّين، والنهروان شاهداً يعكس شجاعة آل البيت عليهم السلام.

وقد عدّ الإمام السجاد عليه السلام الشجاعة من جملة الخصال البارزة التي منَّ الله بها على هذه الأُسرة الكريمة، وذلك لما قال في خطبته في قصـر الطاغية يزيد: «فُضّلنا أهل البيت بستّ خصال: فُضلنا بالعلم، والحلم، والشجاعة، والسماحة، والمحبّة، والمحبّة في قلوب المؤمنين، وآتانا ما لم يؤتَ أحداً من العالمين من قبلنا، فينا مختلف الملائكة، وتنزيل الكتب»[50].

وكان لهذه الشجاعة موارد مختلفة، فهي في مجال القول واللسان، وكذلك في تحمّل أهوال المنازلة ومقاتلة العدو، والإغارة الفردية على صفوف جيشه، وكذلك في تحمّل المصائب والشدائد، وعدم الانهيار والقبول بالدنيّة؛ بدليل أنّه لما اشتدّ القتال، قال: «أَما والله لا أُجيبهم إلى شيء ممّا يريدون حتى ألقى الله تعالى وأنا مخضّب بدمي...»[51]، حتى أنّ العدو والصديق قد أثنى على شجاعة الحسين عليه السلام وصحبه وأهل بيته، ألم يخاطب عمرُ بن سعد قومه بالقول: «الويل لكم! أتدرون مَن تبارزون؟! هذا ابن الأنزع البطين، هذا ابن قتّال العرب، فاحملوا عليه من كلّ جانب»[52].

وما أمر المجرم عمر بن سعد بالهجوم الشامل على أفراد جيش الإمام ورميهم بالحجارة، إلّا دليل على تلك الشجاعة الفريدة. وكنتيجة لما يتحلّى الحسين عليه السلام وأسرته من شجاعة حصلوا على أكبر عدد من أوسمة الشهادة، يقول عباس محمود العقاد: «فليس في العالم أُسرة أنجبت من الشهداء مَن أنجبتهم أُسرة الحسين عدّةً وقدرةً، وحسبه أنّه وحده في تاريخ هذه الدنيا الشهيد ابن الشهيد أبو الشهداء في مئات السنين»[53].

ومع أنّ الأرقام التي تذكرها المقاتل عن عدد قتلى العدو نتيجة لهجوم أصحاب الإمام عليهم قد تكون مبالغاً فيها، إلّا أنّ الأمر الثابت الذي لا يمكن إنكاره هو الشجاعة المثيرة لهذه الثلّة المؤمنة، التي بذلت نفسها في سبيل الله، ولم تطاوعها نفسها بترك قائدها في الميدان وحده.

٣ ـ الشهامة والمروءة

تُعدّ من المعالم الأخلاقية والنفسية البارزة لدى الحسين عليه السلام وأنصاره، والتي تجسّدت في ملحمة عاشوراء، وهذه النفسية التي تجعل الإنسان يشمئز من الطغاة، ويرفض الانصياع لسلطان الظلم، ويحب الحرية والفضيلة، ويتجنّب الغدر، ونقض العهد، وظلم الضعفاء، ويدافع عنهم، ولا يتعرّض للأبرياء، ويقبل العذر، ويُقيل العثرة، ويعترف بالحق الإنساني للآخرين... هذه الأُمور كلّها تُعدّ من معالم (الشهامة، والمروءة) التي تجسّدت على أرض الطفّ.

لقد رفض سيد الشهداء عليه السلام عار البيعة ليزيد، ولما واجه جيش الكوفة في طريق كربلاء، رفض اقتراح زهير بن القين الذي أشار عليه بمحاربة هذه الفئة من قَبل أن يجتمع إليهم سائر الجيش، وقال عليه السلام: «وما كنت لأبدأهم بالقتال»[54]، وهذا نموذج رائع من شهامة الحسين عليه السلام.

ولمّا لقي جيش الحر وقد أضرّ بهم العطش، أمر بسقيهم الماء هم وخيلهم، رغم أنّهم جاءوا لمجابهته وإغلاق الطريق عليه، وكان من بينهم علي بن الطعان المحاربي الذي ما كان قادراً على شرب الماء من فرط عطشه، ويروي لنا القضية بنفسه، قال: «كنت مع الحر يومئذٍ، فجئت في آخر مَن جاء من أصحابه، فلمّا رأى الحسين ما بي وبفرسي من العطش، قال: أنخ الراوية. ثمّ قال: يا بن أخي، أنخ الجمل. فأنخته. فقال: اشرب. فجعلت كلّما شربت سال الماء من السقاء. فقال الحسين عليه السلام: اخنث السقاء (أي: اعطفه). فلم أدرِ كيف أفعل، فقام فخنثه، فشـربت، وسقيت فرسي»[55]. وهذا مثال آخر على مروءته عليه السلام.

ولمّا عزم الحر الرياحي على مفارقة جيش عمر بن سعد والانضمام إلى معسكر الحسين عليه السلام وقف الحر بين يدي الحسين عليه السلام منكسراً مُعلناً توبته واستعداده للتضحية بنفسه قائلاً: «هل لي من توبة؟ فقال له أبو عبد الله عليه السلام: نعم، يتوب الله عليك، فانزل»[56]، وهذا نموذج آخر على مروءة الحسين عليه السلام، فهو يقبل عذر المعتذر، ولا يغلق باب التوبة في وجهه.

وفي قيظ يوم عاشوراء واشتداد حر الرمضاء، لما رأى الحسين عليه السلام هجوم الجيش على خيام عياله صاح بهم يعنّفهم: «ويلكم! إنْ لم يكن لكم دين، وكنتم لا تخافون المعاد، فكونوا في أمر دنياكم أحراراً ذوي أحساب، امنعوا رحلي وأهلي من طغامكم وجهّالكم»[57]. وهذا أيضاً شاهد آخر على مروءته وشهامته، فهو ما دام حيّاً لم يكن قادراً على رؤية العدو وهو يهجم على عياله، وقد شوهدت هذه الغيرة والحمية من الإمام الحسين عليه السلام وأنصاره في ساحة القتال يوم العاشر من المحرّم.

وهذه السجية قد استقاها من أبيه أمير المؤمنين عليه السلام الذي غلب جيش الشام في صفّين، وانتزع منه شريعة الفرات، ثمّ قال لجنده: «خلّوا بينهم وبينه»[58]، ولكن لؤم معاوية الذي ورّثه يزيد دعاه إلى منع الماء عن جيش الحسين بن علي عليهما السلام.

روى الشيخ الصدوق+ أنّ عبيد الله بن زياد كتب إلى عمر بن سعد: «إذا أتاك كتابي هذا، فلا تمهلنّ الحسين بن علي، وخذ بكظمه، وحل بين الماء وبينه»[59]. فالحسين عليه السلام قد ورث الشهامة عن علي عليه السلام، ويزيد ورث الخسّة عن معاوية.

٤ ـ العزّة ورفض الذّل

هي من أهم الدروس التربوية والأخلاقية التي ميّزت نهضة كربلاء، ومن أوّليات ثقافة عاشوراء... قال الحسين عليه السلام: «موت في عزّ خيرٌ من حياة في ذلّ»[60].

وقال عليه السلام لمّا عرضوا عليه الاستسلام والبيعة: «لا والله، لا أُعطيكم بيدي إعطاء الذليل، ولا أفرّ فرار العبيد». وفي كربلاء حينما خيّروه بين البيعة أو القتال، قال:
«أَلا وإنّ الدعي ابن الدعي قد ركز بين اثنتين، بين السلّة والذلّة، وهيهات منّا الذلّة، يأبى الله ذلك لنا ورسوله والمؤمنون، وحجور طابت وطهرت، وأُنوف حمية، ونفوس أبية، من أن نُؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام»[61]. وعند اندلاع معركة الطفّ كان يكرّ على صفوف العدو مرتجلاً:

القتل أوْلى من ركوب العار

 

 والعار أوْلى من دخول النار

 

 

لقد كانت نهضة كربلاء درساً عملياً من دروس العزّة والكرامة ورفض الذلّ، واستلهم الثوّار منها روح المقاومة والتحرّر.

دور المؤسسات التربوية الجامعية في غرس القيم لدى الشباب الجامعي

وتلعب المؤسسات التعليمية (الجامعة) دوراً مهماً في عملية غرس القيم لدى الفرد، ودورها لا يقل أهمية عن دور الأُسرة، حيث تمتاز المؤسسات التعليمية عن غيرها في عملية التنمية الأخلاقية، في أنّها بيئة تربوية مبسطة للمواد العلمية والثقافية، وتقوم بتعليم النشء بشكلٍ مباشر من خلال الخبرات الشخصية وخبرات الآخرين، وهي موحدة لميول واتجاهات الطلاب، وتصهرهم في ثقافة واحدة، ممّا ييـسر عملية التعاون والتفاهم بينهم[62].

والجامعة هي: «المؤسسة الاجتماعية التربوية العلمية الثقافية، التي أوجدها المجتمع من أجل تحقيق أهدافه وغاياته، من خلال إيجاد وسط منظم يساعد على تنمية شخصية الفرد من جميع جوانبها الجسمية، والعقلية، والانفعالية، والروحية، بشكل متكامل ومتوازن، وتمكّنه من اكتساب القيم والاتجاهات، والمعارف، والأنماط السلوكية التي تجعله فرداً سوياً، تحميه من الانحراف والفساد، والخلل القيمي، التي أوجدته عوامل الهدم في المجتمع»[63].

فالجامعة هي جزء من المجتمع، بل هي عنصـر هام وعامل من أكبر العوامل في التأثير الاجتماعي، خاصّة في هذه المرحلة العمرية من الشباب، والهمة المندفعة، ويمكن أن نعتبر الجامعة امتداداً للأُسرة والمدرسة، وهي بمثابة المؤسسة التي أُنشئت لتوجيه نمو الشباب، ونمو مهاراتهم المعرفية، وقدراتهم على اختراق سوق العمل، وذلك عن طريق نمو الدوافع والميول والاتجاهات، والقيم والمهارات الاجتماعية، بالإضافة إلى تقدير الشاب لذاته.

وقد تميّزت الجامعة عن باقي الحواضن التربوية الأُخرى بمجموعة من المميّزات، منها على سبيل المثال: اتساع البيئة المعرفية، كما أنّها تقوم على أساس تنقية وغربلة الثقافة، ممّا قد يتخلّلها من فساد وانحرافات، وأيضاً تميّزها بالانضباط والتنظيم[64].

ومع ذلك لا بدّ من الإشارة إلى أمرٍ هام، وهو أنّ الجامعة لا تستطيع لوحدها أن تصوغ حياة المجتمع صياغة خُلقية قائمة على أُسس وقواعد قيمية توجّه المجتمع وتدعم قواعده؛ إذ إنّ هذا العمل هو عبارة عن شراكة بين جميع مجالات الحياة وميادينها[65].

وتحتاج المؤسسات التعليمية بما فيها الجامعات للقيام بدورها الريادي في تنمية القيم الأخلاقية إلى مراعاة ما يلي:

مراعاة القائمين على تخطيط المناهج لأهمية وأهداف القيم التربوية والإسلامية التي تجسّدت في النهضة الحسينية.

ربط الأهداف التعليمية بالأهداف الأخلاقية التي جاءت بها النهضة الحسينية؛ حتى يكون التعليم وسيلة للترقية الأخلاقية التي تغرس قيم المثل العليا والفضائل، والتمييز بين الخير والشرّ والحق والباطل، والتي تساهم في الحفاظ على كيان المجتمع من التفكك والانحلال.

توفير الجو الاجتماعي المناسب الذي يلائم عملية اكتساب القيم، عن طريق توفير العلاقة الحميمة مع جميع العاملين في المؤسسة التعليمية ومؤسسات المجتمع المحلي.

توفير القدوة الحسنة والصالحة الممثلة في المعلّم أو الأُستاذ الجامعي القادر على تنمية القيم؛ لذلك يجب على المعلم أن يكون ملتزماً بتلك القيم ومراعياً لوظيفته، ومتمكناً من تخصصه العلمي والتربوي، وبأساليب التدريس المناسبة[66].

امتلاك المعلمين وأساتذة الجامعات المواقف العلمية لممارسة القيم الأخلاقية والتربوية، المستوحاة من قيم النهضة الحسينية، وأن لا تتم العملية عن طريق الوعظ والإرشاد أو التلقين، فلا بدّ من إتاحة الفرصة للمتعلمين للمشاركة وتحمل المسؤولية إزاء القيم المطلوبة، وهذا يحتاج إلى الاهتمام بالأنشطة التعليمية المتنوعة.

أن تُبنى المناهج والمقررات الجامعية في كليات التربية، على مجموعة من القيم الإسلامية الصحيحة النابعة من فكر آل محمد صلى الله عليه وآله، سيّما القيم التي عبّر عنها آل البيت عليهم السلام في النهضة الحسينية من أجل إكساب الطلبة المعلَّمين لهذه القيم، وبالتالي نقلها إلى المدارس ليكونوا قدوة صالحة للطلبة في الممارسات والسلوك التعليمي.

أن ترتكز المقررات التربوية في الجامعات علي تنمية وتعزيز القيم الإسلامية لطلبتها بشكلٍ عملي، والتي من خلاله يستطيع الطالب مواجهة التأثيرات والغزو الفكري للدين الإسلامي[67].

تطوير المقررات الجامعية حسب المتغيّرات الحديثة؛ حتى تستطيع أن تواكب وتواجه التحديات العالمية، منها: التحديات الأخلاقية، والقيمية، والتربوية، التي يتعرّض لها الشباب عبر وسائل الاتصالات الفضائية الحديثة المرئية والمسموعة، ومواجهتها من خلال تحصينهم بأفكار وقيم الإسلام الصحيح، ومنهج أهل البيت عليهم السلام، وقيم النهضة الحسينية المشرّفة.

الاستنتاجات

أنّ بذر القيم التربوية التي هي قوام منهج الإسلام الشامل في نفوس الأفراد، هي الضمان لتحقيق أهداف التربية الإسلامية، ومن هنا؛ فتحديـد الأهـداف لا بـدّ أن يراعي صفة الشمول التي تكتسبها تلك القيم، بحيث تتكامل في كلّ نواحيها العقدية والروحية والأخلاقية، وتتمثل فيها كلّ العلاقات من حيث علاقة الإنسان بربـّه ونفـسه وغيره.

أنّ القيم التربوية ترتبط ارتباطاً صميمياً بثقافة الأُمـّة؛ لـذا فـإنّ فـصل القـيم التربوية الإسلامية عن إطارهـا الثقـافي الـسليم، ودمجهـا فـي منـاخ مـن الازدواجيـة الثقافية، أو تركها تحت طائلة الغزو الثقافي من خلال التأثر بـالقيم الغربيـة، يعرضـها للذوبان وينزع منهـا الفعاليـة فـي صـياغة الشخـصية الإسـلامية القويـة، وصـنع الواقـع الحضاري السليم، فثورة الحسين عليه السلام عنوان كبير لأخلاقٍ إسلاميةٍ ونبويةٍ ساميةٍ، وهي المنطلق لبزوغ فجر الأُمّة؛ لأنّها منذ انطلقت في التاريخ لا تزال تبعث الحياة في نفوس المظلومين والمستضعفين على امتداد الزمن.

أنّ المصدر الذي استقى منه الحسين عليه السلام قيمه، هـو القـرآن الكـريم والسنّة النبوية المطهّرة، والتي قام عليها النظـام التربـوي الإسـلامي، بينما العقـل لوحـده الذي تستند إليه المذاهب المادية الوضعية في ذلك، وهو ليس مبرَّأً من الهوى، فضلاً عن كونه محدود الآفاق في علمه بحقيقة الإنسان والحياة.

أنّ الهدف من ثورة الحسين عليه السلام لم يكن هدفاً عادياً، إنّما كان هدفاً كبيراً يتجاوز بتأثيراته العـصر الذي حدثت فيه، ذلك الهدف هو (الإصلاح)، فقد كان الإصلاح هدفاً سامياً من أهداف نهضته المباركة، وترجع فائدته للإنسان والمجتمع ككلّ، فإنّ الإصلاح ضدّ الفساد، وكما نعلم أنّ الأُمّة التي يُصيب مؤسساتها الفساد والظلم أُمّة ضعيفة أو مستضعفة، وعلى كلا التقديرين فإنّ مناداة الإمام السبط عليه السلام بهذا المفهوم السامي لم يكن إلّا لأجل الإنسانية ورفع الظلم عنهم.

ما كان للحسين عليه السلام أن ينطلق لطلب الإصلاح في أُمّة جدّه رسول الله صلى الله عليه وآله، إلّا من خلال تثبيت دعائم الأخلاق الإسلامية، التي برزت بشكلٍ جليٍّ وواضح في كلّ مفاصل ثورته، من خلال عمق علاقته مع الله ومع أصحابه، وفي تعامله مع أعدائه ومع الناس من حوله.

أنّ سلوك سيد الشهداء عليه السلام وسيرته الأخلاقية، تعكس سمو نفسه وتربيته في حجر جدّه محمد صلى الله عليه وآله وأبيه علي عليه السلام، وتجسيده للقرآن الكريم في عمله وأخلاقه.

أنّ النهضة الحسينية ألغت الفوارق بين الناس في تلك الواقعة، فقاتل بين يديه الشباب والشيوخ، والأبيض والأسود، والحر والعبد، فهي الواقعة التي أعطت لكلّ شخص إنسانيته، وردّت لكلّ واحد منهم قيمته كإنسان، فصار الجميع على رتبة واحدة وهي الشهادة.

التوصيات

في ضوء ما توصّل إليه الباحث من استنتاجات يورد التوصيات الآتية:

قيام الجامعات العراقية وخاصّة كليات التربيـة، بتضمين مادة فلـسفة التربيـة التـصنيف الـذي توصّـل إليـه البحـث، كتعريـف للطلبة بجانب مهم من تراثهم الفكري التربوي.

تبنـّي وزارتـَي التربيـة والتعلـيم العـالي والبحـث العلمـي المنظومـة القيميـة فـي النهضة الحسينية؛ لأجـل ترسـيخها فـي نفـوس الطلبـة مـن خـلال رسـمها للأهداف التربوية في كلا الوزارتين.

تبنّي واضعي المناهج الدراسية وخاصّة تلك المتعلّقة بترسيخ القيم، مثل مادة التربية الإسلامية المنظومة القيمية للثورة الحسينية، ومحاولـة تثبيتهـا فـي نفوس الطلبة من خلال طرح الموضوعات التي تؤكدها، ومـن المستحـسن اقتبـاس بعض النصوص التي قالها الإمام الحسين عليه السلام ووضعها شـعارات داخـل هـذه المناهج، أو تضمينها محتوى في بعض الكتب، مثل: المطالعـة والنـصوص، والأدب، فـي المراحل الدراسية المختلفة.

على الباحثين الاهتمام بإحياء نفائس التراث التربوية الإسلامية، التـي تغيـب عن أذهان الكثيرين في هذا العصر، فالاهتمام بهذا الجانب مسؤولية كلّ مربٍّ؛ لإبراز دور تراثنا وفضله على المدنية.

الدعوة لعقد النـدوات والمـؤتمرات والحلقـات النقاشـية، التـي يـسهم فيهـا الأساتذة والطلبة لمناقشة القيم الإسلامية بشكلٍ عام، ودور الثورة الحسينية بشكلٍ خاصّ، والمناداة لإعلاء هذه القيم بشكلٍ فعلي.

المقترحات

يقترح الباحث الآتي:

القيام بدراسة مماثلة، وذلك بالاعتماد علـى المنهج الحـالي، ولشخـصيات إسلامية أُخرى مثل الإمـام علـي عليه السلام، والإمـام جعفـر الـصادق عليه السلام، ومقارنة نتائجها بالدراسة الحالية.

إجراء دراسة مقارنة للقـيم التربويـة فـي فكـر الإمـام الحـسين عليه السلام، وبعض قادة الفكر في العصر الحاضر مثل غانـدي علـى سـبيل المثـال؛ للكـشف عـن مضامين القيم في الفكر التربوي المعاصر.

إجراء دراسات أُخرى تتناول الأبعاد المختلفة في شخصية الإمـام الحـسين عليه السلام.

 

فهرست المصادر

 القرآن الكريم.

  1. أدب الحكمة في عصر صدر الإسلام، محمد سعيد مرعي الجبوري، رسالة ماجستير (غير منشورة)، كلية التربية ـ ابن الرشد، جامعة بغداد.
  2. أُسس التربية الإسلامية في السنّة النبوية، عبد الحميد الصيد الزنتاني، ط2، الدار العربية للكتاب، طرابلس.
  3. الأُصول الثقافية للتربية، محمد الهادي عفيفي، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة.
  4. الأُصول الفلسفية للتربية، سعيد إسماعيل علي، دار الفكر العربي للطباعة والنشر القاهرة ـ مصر.
  5. الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد، أبو عبد الله محمد بن محمد بن النعمان، مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث.
  6. بحوث ودراسات في التربية، محمد أحمد كريم، دار المعرفة للنشر والتوزيع، بيروت ـ لبنان.
  7. بحار الأنوار، محمد باقر المجلسي، دار إحياء التراث العربي، بيروت ـ لبنان.
  8. التربية العامّة، توفيق حداد، دار حلب للنشر والتوزيع، بيروت، لبنان.
  9. سير أعلام النبلاء، محمد بن أحمد الذهبي، تحقيق وتخريج: شعيب الأرنؤوط، حسين الأسد، ط9، 1413هـ/1993م، مؤسسة الرسالة، بيروت ـ لبنان.
  10. علم النفس الاجتماعي، نبيل حافظ، مكتبة زهراء الشرق، القاهرة.
  11. في الفكر التربوي، محمد لبيب النجيحي، ط2، دار النهضة العربية، بيروت.
  12. فلسفة التربية في الإسلام، أحمد رجب الأسمر، دار الفرقان للطباعة والنشر، عمان ـ الأردن.
  13. فلسفة التربية الإسلامية في الحديث الشريف، عبد الجواد السيد بكر، ط1، دار الفكر العربي، القاهرة ـ مصر.
  14. الفكر العربي في معركة النهضة، أنور عبد الملك، ط8، دار الآداب للنشر والتوزيع، بيروت.
  15. القيم والتربية، لطفي بركات أحمد، الرياض، دار المريخ للنشر والطباعة.
  16. القيم الإسلامية والتربية، أبو العينين علي خليل، مكتبة إبراهيم الحلبي، المدينة المنورة، السعودية.
  17. القيم في العملية التربوية، ضياء زاهر، مركز الكتاب للنشر والطباعة، مصر الجديدة، القاهرة.
  18. القيم التربوية في القصص القرآني، سيد أحمد طهطاوي، دار الفكر العربي القاهرة.
  19.  كشف الغمّة في معرفة الأئمّة، أبو الحسن علي بن عيسى الإربلي، مكتبة بني هاشم، سوق المسجد الجامع، تبريز.
  20. الكافي، محمد يعقوب الكليني، تصحيح وتعليق: علي أكبر غفاري، ط5، 1363ش، مطبعة حيدري، دار الكتب الإسلامية، طهران.
  21. لسان العرب، محمد بن مكرم (ابن منظور)، نشر أدب الحوزة، 1405هـ.
  22. لواعج الأشجان، محسن الأمين، مطبعة العرفان، صيدا، منشورات مكتبة بصيرتي، 1331، قم.
  23. موسوعة مقدّمات العلوم والمناهج، أنور الجندي، دار الأنصار للطباعة والنشر، القاهرة ـ مصر.
  24. مبادئ القياس والتقويم في التربية، عزيز سمارة، دار الفكر لنشر والتوزيع، عمان ـ الأردن.
  25. معالم التربية، فاخر عاقل، دراسات في التربية العامّة والتربية العربية، بيروت.
  26. المؤتمر الفكري التربوي الإسلامي، الأصول والمبادئ، عادل العواد، المنظمة العربية للتربية والثقافة، تونس.
  27. مستدرك الوسائل، الميرزا النوري، مؤسسة أهل البيت عليهم السلام لإحياء التراث، بيروت ـ لبنان.
  28. منهج التربية أساسياته ومكوّناته، علي أحمد مدكور، الدار الفنية، القاهرة ـ مصر.
  29. مجمع اللغة العربية، المعجم الوسيط، القاهرة ـ مصر.
  30. الملحمة الحسينية، مرتضى مطهري، ط1، الدار الإسلامية، بيروت.
  31. نحو فلسفة عربية للتربية، عبد الغني عبود النوري، دار الفكر العربي، ط1، القاهرة.
  32. نحو فلسفة تربوية عربية، عبد الله عبد الدائم، مركز دراسات الوحدة العربية، ط1، بيروت.
  33. نحو رؤية موضوعية للتراث الإسلامي، محمود قمبر، دار المعرفة للنشر والتوزيع، بيروت ـ لبنان.

 

 


[1] الجامعة المستنصرية/كلّية التربية الأساسية/قسم الإرشاد النفسي والتوجيه التربوي. النجيحي، محمد لبيب، في الفكر التربوي: ص116.

[2] بركات، أحمد لطفي، القيم والتربية: ص32.

[3] اُنظر: عبد الملك، أنور، الفكر العربي في معركة النهضة: ص32.

[4] بركات، أحمد لطفي، القيم والتربية: ص32.

[5] عاقل، فاخر، معالم التربية: ص14.

[6] مدكـور، علي أحمـد، منهـج التربية أساسياته ومكوّناته: ص120ـ135.

[7] عفيفي، محمد الهادي، الأُصول الثقافية للتربية: ص5.

[8] اُنظر: سمارة، عزيز، مبادئ القياس والتقويم في التربية: ص138.

[9] اُنظر: بكر، عبد الجواد السيد، فلسفة التربية الإسلامية في الحديث الشريف: ص81.

[10] القلم: آية4.

[11] اُنظر: أبو العينين، علي خليل، القيم الإسلامية والتربية: ص36.

[12] اُنظر: النوري، عبد الغني عبود، نحو فلسفة عربية للتربية: ص23.

[13] زاهر، ضياء، القيم في العملية التربوية: ص24.

[14] أبو العينين، علي خليل، القيم الإسلامية والتربية: ص34.

[15] طهطاوي، سيد أحمد، القيم التربوية في القصص القرآني: ص42.

[16] اُنظر: حافظ، نبيل، علم النفس الاجتماعي: ص236ـ239.

[17] اُنظر: حداد، توفيق، التربية العامّة: ص63ـ65.

[18] ابن منظور، محمد بن مكرم، لسان العرب: ج14، ص304.

[19] البقرة: آية 276.

[20] مجمع اللغة العربية بالقاهرة، المعجم الوسيط: ج1، ص326.

[21] حداد، توفيق، التربية العامّة: ص18.

[22] عبد الدائم، عبد الله، نحو فلسفة تربوية عربية: ص23.

[23] اُنظر: علي، سعيد إسماعيل، الأُصول الفلسفية للتربية: ص22.

[24] اُنظر: الأسمر، أحمد رجب، فلسفة التربية في الإسلام: ص45.

[25] اُنظر: قمبر، محمود، نحو رؤية موضوعية للتراث الإسلامي: ص99.

[26] اُنظر: الجندي، أنور، موسوعة مقدّمات العلوم والمناهج: ص397.

[27] اُنظر: الأسمر، أحمد رجب، فلسفة التربية في الإسلام: ص47.

[28] اُنظر: قمبر، محمود، نحو رؤية موضوعية للتراث الإسلامي: ص115.

[29] الشمس: آية 9ـ10.

[30] الرعد: آية 11.

[31] اُنظر: كريم، محمد أحمد، بحوث ودراسات في التربية: ص112.

[32] آل عمران: آية 159.

[33] المائدة: آية 2.

[34] اُنظر: الأسمر، أحمد رجب، فلسفة التربية في الإسلام: ص134.

[35] اُنظر: الجبوري، محمد سعيد، أدب الحكمة في عصر صدر الإسلام: ص105.

[36] اُنظر: العواد، عادل، المؤتمر الفكري التربوي الإسلامي(الأُصول والمبادئ): ص229.

[37] المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج75، ص117.

[38] اُنظر: مطهري، مرتضى، الملحمة الحسينية: ص333.

[39] اُنظر: العواد، عادل، المؤتمر الفكري التربوي الإسلامي( الأُصول والمبادئ): ص28.

[40] المفيد، محمد بن محمد، الإرشاد: ج2، ص98.

[41] الذهبي، محمد بن أحمد، سير أعلام النبلاء: ج3، ص310.

[42] المجلسي، محد باقر، بحار الأنوار: ج70، ص133.

[43] المفيد، محمد بن محمد، الإرشاد: ج2، ص90.

[44] المصدر السابق: ص91.

[45] الإمام زين العابدين، الصحيفة السجادية: ص92.

[46] الذهبي، محمد بن أحمد، سير أعلام النبلاء: ج3، ص310.

[47] المفيد، محمد بن محمد، الإرشاد: ص91ـ92.

[48] الإربلي، علي بن أبي الفتح، كشف الغمّة: ص22.

[49] ابن قولويه، جعفر بن محمد، كامل الزيارات:332.

[50] المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج45، ص175.

[51] المصدر السابق: ج45، ص12.

[52] الجبوري، محمد سعيد، أدب الحكمة في عصر صدر الإسلام: ص108ـص110.

[53] البياتي، جعفر، الأخلاق الحسينية: ص328.

[54] المفيد، محمد بن محمد، الإرشاد: ج2، ص84.

[55] المفيد، محمد بن محمد، الإرشاد: ج2، ص78ـ84.

[56] الأمين، محسن، لواعج الأشجان: ص135.

[57] مطهري، مرتضى، الملحمة الحسينية: ص32.

[58] المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج32، ص443.

[59] الإربلي، علي بن أبي الفتح، كشف الغمّة: ص35.

[60] الجبوري، محمد سعيد، أدب الحكمة في عصر صدر الإسلام: ص118ـ120.

[61] المصدر السابق.

[62] اُنظر: أبو العينين، علي خليل، القيم الإسلامية والتربية: ص173.

[63] بركات، أحمد لطفي، القيم والتربية: ص121.

[64] اُنظر: حداد، توفيق، التربية العامّة: ص90.

[65] اُنظر: عفيفي، محمد الهادي، الأُصول الثقافية للتربية: ص320ـ321.

[66] اُنظر: حافظ، نبيل، علم النفس الاجتماع: ص76ـ77.

[67] الزنتاني، عبد الحميد الصيد، أُسس التربية الإسلامية في السنّة النبوية: ص663.

 
 
البرمجة والتصميم بواسطة : MWD