1439 / جمادی‌الاولى / 1  |  2018 / 01 / 18         الزيارات : 528891         صلاة الصبح |         صلاة الظهر والعصر |         صلاة المغرب والعشاء |

لقد شيعني الحسين (عليه السلام)

{ أدريس الحسيني }
لقد شيعني الحسين (عليه السلام)

مُقدّمة النّاشر

رحلة الزمن التي بدأت منذ الخلق الأوّل لأبينا آدم (عليه السّلام) , مرّت بالعديد من الانعطافات التاريخيّة التي كان لها الأثر الأكبر في صياغة الإنسان الراشد ، حتّى توصله بالنّهاية إلى دخول جنان الله عزّ وجل .

وكان أبطال هذه الرّحلة المضنية هُم الأنبياء والأولياء (عليهم السّلام) ، والصالحون والشّهداء وحسُنَ اُولئك رفيقاً ، الذين حملوا لواء الهداية والتحرير ، هداية الإنسان إلى خالقه , ومن لا يعزب عن علمه مثقال ذرّة في الأرض أو السّماء ، وتحرير الإنسان من الصنم بشكليه المادّي والاصطناعي ، وتحريره من الثقافة الجامدة التي تربط عقل الإنسان بأغلال المجتمع , وضغوط الذّات وقوّة السّلطان ، وبريق المال والثروة ، حتّى يصاغ بعد ذلك بصياغة الإيمان ، وينطبع بطابع العبودية التي يقول عنها عزّ وجل : ( وَمَنْ أَحْسَنُ مِنْ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ )(1) .

إذاً من هُنا بدأت الرحلة ، وإلى هنا انتهت ، ولكن السؤال : كيف نقرأ المضامين الشّاملة لهذه الرحلة ؟

إنّ قراءتنا لهذه المضامين الحقيقية خلال هذه الرحلة الطويلة ، بالطبع قراءتنا لتاريخ البشريّة الماضي الذي يشكّل دعائم لهذه المضامين ، لا بدّ أنْ تكون قراءة باحث يبحث عن الحقيقة ، هدفه الأسمى رؤية باصرة ونظرة ثاقبة لما جرى خلال

ــــــــــــــ

(1) سورة البقرة / 138 .


الصفحة 8

هذه الرحلة ، يفهم بها الماضي وينظر إلى الحاضر بمنظارها ويبني المستقبل على ضوئها .

ولهذا الأمر دعا القرآن ونادى العقل بضرورة قراءة التاريخ ؛ لأنّ الدراسة الواعية للتاريخ تكشف السّياق الزمني الذي يسير على ضوئه الحاضر (الغائب) عن الأبصار ، وعلى أساسها أيضاً تتشكّل المحددات الاُولى لصياغة المستقبل .

من هنا كان لزاما على المُنصفين أنْ يفهموا التاريخ بملاحظة هذه المعاني ؛ لأنّ قراءته من دون هذه المعاني تعني أنْ تكون هذه الدراسة مطيّة للأهواء المذمومة ، ومطبعة للأفكار المسمومة ، وسوقاً يتشابه على المشتري فيه الصالح والفاسد ؛ وحينها تقع الكارثة ، حيث ينقطع الإنسان عن تاريخه ، والمنقطع عن التاريخ كمَن لا أصل له ، ولا يخفى أنّ الأصل يمدّه بالتجربة ويُصحح له المسيرة ويوحي إليه بصحّة المعتقد .

ولا تسأل عزيزي القارئ : ماذا يحصل بعدئذ لهذا الإنسان ؟ إنّ دواعي المصلحة تعمي عينيه ، فيقرأ التاريخ قراءة مغلوطة ، يخطئ الصحيح ويصحح الخطأ ، ويسود على طبق ذلك آلاف الأوراق ليثبت مدّعاه ، لا سيّما وأنّ المال يدعمه ، وصقل الأوراق يجمله ، وحسن الأغلفة يبرزه ، فيغتّر بذلك كلّ مَن يقرأ تاريخه اعتباطاً بلا تحليل وبلا مقارنة ، حتّى يقع بشعور أو لا شعور في الجمع بين أحداث متناقضة تاريخياً لا يجتمع أحدها بالآخر على الإطلاق .

وهذا ما حاول كاتب هذه الدراسة الوصول إليه , واحسبه وُفّق كثيراً إلى


الصفحة 9

ذلك ؛ حيث إنّه درس التاريخ دراسة تحليلية موضوعية منصفة ، أعمد فيها العقل وآمن بالنقل ، وفهم مطلوب الواقع المعاصر ، فأيقن أنّ المنهج الأفضل هو منهج أهل البيت صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين .

وأخيراً لا بدّ أنْ نشير إلى أنّ الكاتب الذي ينتمي في النّسب إلى سلالة أهل البيت (_عليهم السّلام) , عاش واقعاً فيه عوامل البُعد عن الدين ؛ حيث رأى سيطرة الأجنبي الواضحة في كلّ شيء ، حتّى في لباس المسلمين ولسانهم . . . الخ ، لكنّه مع ذلك بقوّة عزمه ونفاذ بصيرته انتمى إلى مؤسسة دينية ومعهد علمي كان له أثر واضح على صعيد وطننا الإسلامي الكبير ، فتربّى في كنفها ، أخذ من العقيدة ما يبصره ويغنيه ، ومن الفهم الديني المتجدد ما يجعله ينظر إلى ما يجري بروح عصريّة لا تتجاوز الثوابت ، ومن الثقافة الشّرعيّة والدينيّة ما يجعله ينطلق في رحاب الواقع .

إنّ هذا كلّه جعل هذا الكتاب الذي بين يديك , رحلة سافر عبرها كاتبها من التاريخ والواقع إلى مذهب أهل البيت (عليهم السّلام) ، وهذا هو الذي يدعونا إلى أنْ تجد مثل هذه الكتابات آذاناً صاغية وقلوباً واعية تبحث عن الحقيقة ، ولا شيء غير الحقيقة .


الصفحة 10


الصفحة 11

الإهداء :

أهدي كتابي هذا إلى والدتي العزيزة الوحيدة في هذا العالم الجهنّمي ، القادرة على سكب الحنان عليّ ، في عالم لن يدع لي الحقّ فيه قلباً عطوفاً .

وإلى كلّ ضمير يتّسع بعقل وحنان لصرخة حائر في دروب الحقائق المضنية ، يبحث عن حبل نور يتعلّق به . . .

إنّها زفرة باحث عن الحقيقة في زمن الحضارة , إنّها الرحلة والمنعطف في ذلك الرحاب الوسيع ، رحاب التصوّر والمعتقد .


الصفحة 12


الصفحة 13

المُقدّمة :

مَن المخاطِب ، ومَن المخاطَب ؟

أودّ أنْ أشير في بادئ ذي بدء إلى حقيقة ، اُريد ألاّ تغيب عن القارئ وهو يذهب لقراءة هذا الكتاب , هي : إنّني لست مذهبيّاً في المسلك ، وإنّ قناعاتي مهما كانت فإنّها لا تجازف بي بعيداً . أنا مسلم وانطلق من صميم الحبّ للدين ، وليس من صميم الحقد والتآمر . إنّني لم ولن أشأ أنْ أجعله برميل بارود لتفجير المعرفة التاريخيّة من جديد ، كما لا اُريد به تعميق الفجوة المذهبيّة بين المذاهب ، ولكن ما أردته فقط الدفاع عن الحقيقة المرّة والضائعة بسبب التراخي في كشف الحقّ والمزايدة عليه .

إنّني لم أطلب الانتقام من سنوات التجهيل الذي مارسه في حقّنا علماؤنا من العامّة ، إنّني أودّ فقط أنْ أمدّ يد المساعدة لمن أراد أنْ يتحرّر من سلطة الفكر الجاهز من الأسر الموروث ، اُريد أنْ أسجّل تجربتي حتّى لا يبقى بعدي مغفّل . ليكن ما يكون ولكنْ لا يبقى مغفّل .

إنّني أسمى نفساً من أنْ أنتقم من أشخاص معيّنين ، ولكنني لا أجد حرجاً في التعرّض لأفكارهم .


الصفحة 14

في تجربتي هذه ، ليس هامّاً أنْ اُعرّف النّاس بشخصيتي ، فقيمة الموضوع الذي يتبنّاه هذا الكتاب أهمّ بكثير .

هذه تجربتي في خطّ العقيدة وأنا مسؤول عنها ؛ لذلك أتوخّى لها أنْ تكون حرّة طليقة بلا قيود . فيها أفكار قد تؤذي البعض واُخرى تستهوي آخرين , ولكن هدفي ليس هؤلاء ولا اُولئك , ولكنّها (الحقيقة) .

أكتب تجربتي هذه ؛ لأسجّل حلقة من الانتصار الشّيعي في دائرة الفكر والاعتقاد . كما لا اُريد لهذه التجربة أنْ تكون نسخة لما سطّره السّابقون , لا اُريد الحبك على نفس المنوال الذي لا يتعدّى مجال السّجال المحدود في زوايا ضيّقة من الخلافات , أي معارك : تقول وأقول ، أو على نمط الزمخشريات : إنْ قُلتَ قُلتُ ؛ اُريدها أنْ تكون إشارات واسعة لقضايا متشعّبة في التاريخ والعقيدة .

لا اُريد أنْ أحجب القارئ عن هذه الحقيقة التي لا تقلّ أهمية عن القضية المصيرية للاُمّة , فيما يتّصل بكيانها الحضاري ككل . أنا لست غبيّاً حتّى اُكفّر أحداً من كان , وإنْ كان السنّي الوهابي يُكفّر(1) من جرّاء الاُفق المعرفي الضيّق والإفلاس العقائدي الكبير .

سأحاول أنْ أكون متحرّراً ليس تحرّر (موضة) , وإنّما تحرر ساكن في نفسي وروحي ضد زمان . منطلقي هو التحرّر من كلّ سلطة في نقد الأفكار ؛ لأنّ أجيالاً من القمع لم تنتج إلاّ أفكاراً بائسة واتجاهات رثّة .

شعاري : امنحني حرّية ، أمنحك فكراً راقياً . إذاً لنتحرر ونحرّر الكلمة .

سأقول للتاريخ , بأنّني أهتمّ بالقضية الدينيّة التاريخيّة بتفتّح عقلي ، هو ذات التفتّح الذي قادني إلى ينابيع العقيدة نفسها والالتزام بتكاليفها حسب المستطاع . سأقول للتاريخ ـ حتّى لا اُتّهم بالتقليد والرّجعيّة ـ : إنّني كنتُ متحرّراً من كلّ وضع عقيدي في بيئتي , ولم تكن لدي أزمة في الحرّية , إنّني لم أرث شيئاً من ذلك على الإطلاق .

ــــــــــــــــــــ

(1) أقصد تكفير الوهابيّة للشيعة وبعض المُسلمين .


الصفحة 15

ولا أنكر من أنّ أبي قد ربّاني على حكايات الإفرنج , ومنه تعرّفت على الثورة الفرنسية ولويس 14 ونابليون , قبل أنْ أعرف عن هجرت مُحمّد (صلّى الله عليه وآله) إلى المدينة ، وكلّ ما ربحت من هذا الوسيط هو الحرّية , أي ، دعه يمر ، دعه يعمل . لذلك ما كانوا ليراقبوني وأنا أمرّ في أنفاق المعتقد . ولكن ماذا ؟

أنا على كلّ حال أحمد الله تعالى , إنّني لم أنشأ في أسرة تضرب أبناءها إطلاقاً ؛ لأنّ المغاربة لا يعرفون كيف يضربون أبناءهم ، هم اليوم أبعد النّاس عن العقيدة الصحيحة . هذه الحرّية العقديّة في بيتي , ساعدتني على أنْ أدخل في معترك الاختيارات الفكريّة دون مسبقات .

اُريد أنْ أؤكد مرّة ثانية على أنّ شخصيّتي لا تحتاج إلى ترجمة دقيقة ؛ لأنّها لا تنسجم مع مقاصد الكتاب , ولكن كلّ ما يمكن قوله بهذا الصدد هو : إنّني إنسان مسلم مهتمّ بالقضيّة الدينيّة ، وباحث في الفكر الإنساني عموماً والفكر الإسلامي على وجه الخصوص . وهذا هو الطموح الذي ظلّ يراودني منذ الصبا ، وتجاوزت كلّ العقبات من أجل تحقيقه .

اُصولي إسماعيليّة ، تنحدر من إسماعيل بن جعفر الصادق (عليه السّلام) , لدينا قرابة مع الأدارسة , فهم أبناء عمّنا ؛ لأنّهم حسنيّون بينما نحن حُسينيّون . حظيت بولادة ميمونة بمدينة (مولاي إدريس) , وهي مدينة صغيرة تقع قرب (وليلي) ـ مدينة رومانية قديمة ـ , واسم المدينة على ( إدريس ) , وهو بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب (عليه السّلام) ، حيث جاءها لاجئاً بعد انفلاته من قبضة العباسيين على أثر معركة فخ ، ولم يكن المغاربة ليزهدوا في واحد يحمل شرف بيت النّبوة ، إذ سرعان ما تنازلوا له عن الحكم فصار حاكماً للمغرب , وله الآن فيها ضريح مثل ما لابنه ضريح في مدينة (فاس) , تشدّ إليه الرحال وينظم حوله (البربر) خلال كلّ سنة موسماً ملأه الأهازيج والأفراح .

ومنذ ذلك العهد لم يكن المغرب يحمل نصباً لتراث آل البيت (عليهم السّلام) .


الصفحة 16

إنّ الشّمة العلوية إن وجدت فيه مع الدولة الإدريسية ومع نفوذ الفاطميين وحتّى الموحدين .

نعم ، كان المذهب المالكي هو المذهب الرّسمي للبلاد منذ فترة غير قصيرة ولا يزال ، غير أنّ المذهب المالكي لم يتناقض رغم ذلك مع تقاليد المغاربة في ولائهم للبيت النّبوي ، ولم تدخل الوهابيّة المغرب إلاّ في عهود متأخّرة جدّاً . هذا كلّ ما يمكن قوله ؛ حيث لا يظنّ البعض أنّني مجهول مدسوس .

إنّني على يقين من أنّ رفاقي من أهل السّنّّة والجماعة اُولئك الذين قضينا معهم فترة إيمانية مخلصون ، ولكنّي مدرك أنّ (اللوثة) الوهابيّة تمكّنت من بعضهم ؛ لما انتهى بها الحال إلى تهديدنا من خلال نشر التهم والإشاعات الهدّامة .

وكأنّهم لا يزالون في عقليّة الظلام الاُموي , حيث الاعتقاد بمذهب آل البيت (عليهم السّلام) سيتحوّل إلى جريمة يعاقب عليها القانون , وكنت دائماً أودّ لو أنبههم ، بأنّ القانون لم يوجد في المجتمع المدني والدولة الحديثة , ليعيق حركة الفكر وحرّية الاعتقاد , وإنّني لا أظنّ أنّني في مجتمع يوجهه (شريح) القاضي الذي أفتى بقتل الإمام الحسين (عليه السّلام) , ولا في مجتمع معاوية بن أبي سفيان الذي قال عن أصحاب آل البيت (عليهم السّلام) : اقتلوهم بالضّنة والشّبهة , وأنا أعرف إنّهم متجاهلون ، وإن كانوا في أغلب الأحوال مغفّلين ، ولكن هذا سوف لا يمنعني من أنْ أقول كلمتي .

أنْ أكون من شيعة الإمام عليّ (عليه السّلام) وأختار لنفسي طريق النّبوّة في مسلك آل البيت (عليهم السّلام) ليس عيباً , إنّما العيب كلّ العيب في ألاّ أكون كذلك بعد أنْ حصل لي العلم بوجوب هذا .

ففي اللحظات التي ظهرت لي الأحداث على حقيقتها ، قامت فوراً حرب بين عقلي ونفسي ، فالنّفس عزّ عليها اقتلاع ضرس العقيدة السّابقة ، والعقل عزّ عليه أنْ يتغاضى عن الحقائق الواضحة القطعيّة ، فإمّا أنْ أتّبع طريقاً موروثاً بعقلية الفولكلور ، أو أنْ أسلك سبيل القناعة ونور العقل .

كان هذا أخطر قرار اتخذت في حياتي ؛ لكي انتقل بعدها إلى رحاب


الصفحة 17

التحديات الفكريّة والاجتماعيّة . وهذا الكتاب سيكون شمعة مهداة لكلّ من أراد اختراق الأنفاق المظلمة .

لقد تجنّبت إغراقه بالمفاهيم التقنية المعقّدة ؛ توخّياً للتبسيط ؛ لأنّ هدفي هو اُولئك المغفّلين الذين يعانون ما عانيته يوماً من بؤس الجواب . لقد تجنّبت قدر الإمكان كلّ هذا ؛ حتّى لا أكون نخبوياً في هذا المقام ؛ لأنّني توصلت إلى قناعتي هذه بطريق غير نخبوي , ولدي من النّخبة فرصة خاصّة في المستقبل إنشاء الباري .

والكتاب سيكون جولة سريعة في تجربة تلامس كلّ محطّات الاُمّة الرئيسة ، والغاية منه يمكن حصرها في جملة من النّقاط :

1 ـ إنّ المسؤوليّة تقتضي نصرة الحقّ مهما كلّف الثمن , وإنّ السّاكت عن الحقّ شيطان أخرس .

2 ـ لا بدّ من مبادرة شجاعة لكسر حاجب الانغلاق ؛ لأنّ هذا الأخير غير مرغوب فيه دينيّاً ، وإنّ الإسلام جاء ليفتح لنا آفاق السّماوات والأرض لا ليركسنا في زاوية الانغلاق .

3 ـ لكي لا يتوهّم إخواننا من العامّة إنّهم هُم وحدهم الموجودون ، ومن أجل معرفة الآخر معرفة تنسخ ما علق به من شبهات دعائية ، ومن ثمّ الاعتراف به كواقع له جذوره الرّاسخة في عمق التاريخ الإسلامي .

4 ـ إنّنا ونحن ننشد الوحدة ، يجب أنْ نكشف الغطاء عن بعضنا البعض ؛ حتّى نتكافأ في معرفة بعضنا البعض ، وحتى نتكافأ في السّلب والإيجاب ، وهذا يمنحنا دفعاً عمليّاً للتوحّد سياسيّاً وحضاريّاً ، وهو المانع الوحيد ضد التآكل المذهبي .

وأخيراً وليس آخراً ، لأنّني عرفت كيف كنت وأيّ مسير اخترت ، وأدركت مدى قيمة الحقيقة في حسبان الباحثين عنها ، وأدركت مدى الجهد الذي بذلته لخلع جبّة التقليد عنّي ، واختراق جدار سميك سميك من الضلالات


الصفحة 18

والأعراف والتقاليد و . . .

ولكي أذوق طعم تجربتي ، يجب أنْ أقدّم هذه المعونة الإنسانية لمن أراد أنْ يذّكر .

من أجل الحقّ . الحقّ وحده .
وما توفيقي إلاّ بالله .

إدريس الحسيني


الصفحة 19

لماذا الرجوع إلى التاريخ ؟

ليس ثمّة شيء في ديننا إلاّ وله علاقة بالتاريخ ، وما نملكه اليوم من عقائد وأحكام وثقافات إسلامية ، كلّها جاءتنا عن طريق الرواية ، فحريّ بنا أنْ يكون التاريخ عندنا هو أحّد المصادر العلميّة المهمّة . بعضهم بلغ من الحكمة شأواً بعيداً ، فيقول : لا داعي للبحث عن هذه القضايا القديمة في التاريخ ؛ لأنّها باعثة على الفتنة .

لقد تحوّل البحث عن الحقيقة فتنة في قاموس هذا الصنف من النّاس ، وكأنّّهم يرون البقاء على التمزّق الباطني حيث تتشوّش الحقيقة وتغيب ، أفضل من الإفصاح عن الحقّ الذي من أجله اُنزل الوحي ، وتحرّكت قافلة الرّسل والأنبياء ، وكأنّ مهمّة الدين هو أنْ يأتي بالغموض ، وكأنّ الله عزّ وجل أراد أنْ يبلبل الحقائق ويقمعها بحكمة : لا تبحث في التاريخ . مثلما بلبل لغة الإنسان في اُسطورة بابل .

إنّني أدركت منذ البداية أيضاً أنّ الحقيقة أغلى وأنفس من الرجال دون استثناء ، وأنّه لا بدّ لي أنْ اُوطّن نفسي واُهيّئها للطوارئ في معترك التنقيب عن الحقائق الضائعة والفضائح الغابرة . كنت واضعاً نصب عيني احتمال الفراق مع مجموعة شخصيات كانوا يجرون منّي مجرى الدم ، وكنت واعياً منذ البداية ومدركاً لأهداف الرّسالة


الصفحة 20

الإسلاميّة ، التي جاءت لتعلّم النّاس قيم السّماء لا قيم الأرض .

فماذا تكون قيمة أبي هريرة مثلاً في ميزان الدين ، حتّى نعطّل البحث ـ بسبب التقديس ـ عن الحقيقة التاريخيّة , وفي سبيل التغطية على فضائحها ، نلجأ لتزوير الحقائق كلّها ؟ وهل أبو هريرة أصل من اُصول العقيدة ، حتّى يحرم عليّ محاسبته تأريخياً والاعتراف بأفعاله القباح ؟ أوليس من الإفك أنْ نسكت من فضائحه فتختلط بحقائق الدين ، ليكون الإسلام ضحية كلّ تلك المفاسد ؟!

إنّ أبا هريرة مثلاً , ليس شخصية قديمة نستغني عن كشف حقيقتها ؛ لأنّه حاضر فينا وهو (كمبيوتر) معاوية الخاص بالرّواية ، مع أنّه آخر من أسلم ولم يعش مع الرّسول (صلّى الله عليه وآله) طويلاً . فمن هو هذا الذي وضع نفسه أو وضعوه هم ، راوية لسنّة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في زمن الإمام عليّ (عليه السّلام) ؟

وإنّ اُمّة تميل إلى أبي هريرة وتقوّي مروياته وتترك الإمام عليّ (عليه السّلام) وتضعّف أحاديثه ، هي في حقّ التاريخ وحقّ الإنسانية ، أقبح اُمّة يمكن الانتساب إليها , أليس هذا هو واقعنا ؟ إنّنا لم نعد نجد الإمام عليّ (عليه السّلام) إلاّ في الكتابات المسيحيّة(1) والاستشراقيّة ، وقلّ أنْ تجد من الاُمّة مَن أنصف هذا العملاق المجهول , وعندنا كتب النّسائي ـ وهو أحد شيوخ الحديث المشهورين لدى السّنّّة ـ كتاباً أسماه : خصائص الإمام عليّ . تلقّى بذلك عقاباً شديداًَ واُخضع للسياط ، واتهمه بعد ذلك ابن تيمية بالتشيّع ، وصنّفه هو وابن عبد البر في الذين تشيّعوا بالحديث .

إنّ التعامل مع التاريخ هو تعامل مع مشروع ماضوي منتظم في نظريّة قائمة , والنّظريّة هذه ومع امتداد الزمن اكتسبت أنياباً حادّة ، تمارس بها تهويلاً على الباحث , وبهذه الأنياب بقي التاريخ لغزاً إلى أنْ كسب قدسيته المُطلقة .

ــــــــــــــــــــ

(1) أقصد ما كتبه نصري سلهب في خطى علي / 40 , وجورج جورداق / الإمام علي صوت العدالة الإنسانية .


الصفحة 21

والنّظرية التاريخيّة المتوفّرة في كتاباتنا ، تحتاج إلى عقليّة مسؤولة وجبّارة . مسؤولة حتّى لا تزيغ في منعرجات الأحداث وتقف بعيداً عن الحقيقة , وجبّارة ؛ لأنّها تحتاج إلى آليات الحفر والتفكير التاريخي . ولكي نكسر أنياب النّظريّة التاريخيّة القائمة ، نحتاج إلى معاول هدم علميّة .

لقد تحوّل التاريخ الإسلامي في اللاشعور الفكري إلى قطعة معصومة من التاريخ ، علماً أنّ هذه النّظرة مستحيلة في منطق التاريخ ومنطق الدين نفسه .

والسّياسة التي استطاعت أنْ توظّف الثقافة القشريّة للدين ؛ في سبيل التغطية الايديولوجية للأحداث التاريخيّة , ظلّت مكشوفة تاريخيّاً بحكم أنّ المؤرّخين لها لم يملكوا قدرة مطلقة على تجيير حقائق التاريخ كلّها لصالح السّياسات المتواترة في تاريخ السّلطة الإسلاميّة .

وكان لهذا التاريخ ـ المؤدلج بمفاهيم التيّار الاُموي ـ قدرة على التحكّم في مسار الفكر والثقافة الإسلاميّة أيضاً , وتوظيف الأرقام الكبرى والأسماء المرموقة في الدين الإسلامي ، كان تكتيكاً اُمويّاً لستر التوجّه الهدّام للبلاط الاُموي , والذي يرى فيه بعض المؤرّخين ، إنّه حكم وفق المنطق الاُموي البحت . هذا التّيار كان لا يجد بدّاً من أنْ يتصرّف في الجهاز الديني لأغراض خاصّة ؛ وذلك انسجاماً مع الواقع الإسلامي يومها الذي كان الدين أحد مكوناته الاجتماعيّة والحضاريّة .

هذه بعض الخفايا التي يوصلنا إليها التاريخ , وبدونها لا نستطيع معرفة سوى ما يقدّم إلينا على طبق الأيديولوجيا .

إنّ طرح سؤال من قبيل : لماذا نبحث في التاريخ ؟ هو عين التخلّف الفكري ؛ لأنّه لم يعد يوجد من يشكّ في أهمّيّة التاريخ ، ومن القرآن تعلّمت الاُمّة قيمة النّظر في التاريخ ، وللتاريخ سننه وقوانينه التي تجري على كلّ البشر(1) .

ــــــــــــــــــــ

(1) يقول السّيد محمد تقي المدرسي : إنّ فهم التاريخ ضرورة لفهم الشّريعة . التاريخ الإسلامي دروس وعبر / 13 , دار الجيل ـ بيروت .


الصفحة 22

يقول تعالى : ( كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا )(1) . وإذا كان القرآن الكريم مصدراً لتعريف النّاس بماضي الاُمم ، فمَن يا ترى يعرّفنا بتأريخ اُمّتنا نحن ؟ أليس هو القرآن والتاريخ المحرّرين من كلّ قمع أيديولوجي وكلّ استبداد سياسي ؟

ــــــــــــــــــــ

(1) سورة طه / 99 .


الصفحة 23

لماذا الحديث عن الشّيعة والسّنة ؟

الحديث عن الشّيعة والسّنة هو حديث عن الإسلام في محرقة التاريخ ، فالذين لم يفهموا الشّيعة وأغلقوا نوافذ الجهل على أنفسهم وأجيالهم واكتفوا بمذاهبهم ، لا يمكنهم إدراك قيمة الحسم الاعتقادي , وإنّ التغيّب والتجهيل المستمرين ، هما اللذان يولّدان الفرقة , والوحدة لا يمكنها أنْ تأتي من دون فهم وإدراك للآخر .

إنّ المسلك المذهبي الذي سيطر على وعي الاُمّة ، هو الذي سلبها قابلية التوحّد والتعايش , وهو مسلك نرفضه إطلاقاً ، وكنت أظنّ أنّ الشّيعة هُم أيضاً يحجبون عامّتهم عن أفكار واعتقادات أهل السّنّّة والجماعة ، ولكنني وجدت عكس ما كنت أتصوّر .

وفي مكتبات الشّيعة وحوزاتهم كتب لأهل السّنّّة والجماعة ومراجعهم وكتب استدلالاتهم ، بل حتّى تلك الكتابات الدعائية السّخيفة والتشهيرية الوهابيّة في متناول أصغر طالب في حوزاتهم ، ولكنني لم أعرف مؤسسة سنّية احتوت على كتاب من كتب الشّيعة ، وهذا مسلك غير متكافئ في التعاطي مع المذاهب الاُخرى .

والصورة التي نقلها الشّيخ محمد حسين آل كاشف الغطاء النّجفي في ( أصل الشّيعة واُصولها) عن التشهيرات الغبيّة ضد الشّيعة ليست باطلة . فأنا السّنّي المنشأ ، لم أكن أجد في بيئتنا ما يعرّف بالشّيعة تعريفاً حقيقاً ، وكلّ مذهب من


الصفحة 24

مذاهب الدنيا نستطيع الإحاطة به في بيئتنا , سوى الشّيعة فإنّ حصار الوهابيّة عليهم أقوى من جدار برلين .

نعم ، قد كنّا نعلم أنّ الشّيعة أصحاب طريقة غريبة عن كلّ البشر ، وأنّ أشكالهم ربما لها أيضاً بعض الخصوصيات ، وأن يكون تصوّر النّاس للشيعة على أنّهم أصحاب أذناب البقر ، كما أشار آل كاشف الغطاء ليس مبالغة منه ، وحال الاُمّة كذلك ، لقد تعجّب الشّامي وهو يسمع إنّ عليّ (عليه السّلام) قُتل في المحراب ، فقال : أو عليّ يصلي ؟!

وقد ذكر صاحب العقد الفريد في باب كتاب الياقوتة في العلم والأدب : قال أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ : أخبرني رجل من رؤساء التجار قال : كان معنا في السّفينة شيخ شرس الأخلاق طويل الاطراق ، وكان إذا ذكر له الشّيعة , غضب وأربد وجهه وروى من حاجبيه ، فقلت له يوماً : يرحمك الله ، ما الذي تكرهه من الشّيعة ، فإنّي رأيتك إذا ذكروا غضبت وقبضت ؟ قال : ما أكره منهم إلاّ هذه الشّين في أوّل اسمهم ، فإنّي لم أجدها قط إلاّ في كلّ ؛ شرّ وشؤم وشيطان وشعب وشقاء وشنار وشرر , وشين وشوك وشكوى وشهوة وشتم وشحّ .

قال أبو عثمان : فما ثبت لشيعي بعدها قائمة .

هكذا كان يفهم أعداء الشّيعة الشّيعة ؛ وذلك لأنّهم يجهلون حقيقتهم . وقديماً قال الإمام علي (عليه السّلام) : (( الإنسان عدو ما جهل )) .

وإذا كرّسنا واقع التجهيل والتغييب ، فلربما ـ لا سمح الله ـ ورد من يرى في (السّين) السّنية : سوء ، وسمّ ، وسؤر ، وسحاق ، وسقم ، وسخط ، وسبّ ، وسقط ، وسخب ، وسرقة ، و . . . و . . وهذا التجهيل امتدّ اليوم ليأخذ أشكالاً مختلفة ، كلّها تنظر إلى المسألة الشّيعية بمنظار أسود .

أقول : إنّ الحديث عن السّنّّة والشّيعة ضرورة ؛ لأنّ فيه تفويت للفرصة على تجّار الفرقة والطائفيّة ؛ ليعرف بعضنا بعضاً بكلّ وضوح وجلاء .

لقد رأيت باُمّ عيني حركة التشهير والتجهيل التي تبعد النّاس عن الوعي


الصفحة 25

الصحيح .

ومن المضحكات التي لم أكن أعهدها على علماء الأديان السّماوية , أنْ يقوم ( تقي الدين الهلالي ) في آخر أيّامه بإعادة توزيع منشوره القديم ( مناظرة . . . ) , وأعطاه للاُمّيين الذين يحيطون به كحواريي المسيح (عليه السّلام) , لقد جاء لي البعض بهذا المنشور السّاذج وهم يتوخّون هدايتي , كانوا يتصوّرون بأنّني مفتون أو قد حلّ بي جنون , وما أنْ اطّلعت عليه حتّى مزّقت حجب الصمت ، ورحت أفضح حقائق الكاتب والكتاب .

كان أحد من الشّيوخ ممّن تخرّج على يد ( تقي الدين الهلالي ) ، وربما يروى عنه الحديث , سألته عن مصلحة الإسلام وراء نشر مثل هذه المنشورات ، فأجاب : إنّها خدمة الإسلام . قُلت له : شيخنا ، ألا ترى إنّ هذا منكر ؟ قال : أعوذ بالله ، اتقِ الله ، إنّه تقي الدين الهلالي وما أدراك !

كنت أعلم أنّ هذا الشّيخ أكثر اُميّة من جدّتي ، ولكنني حاولت إقناعه بأنْ يجد له صناعة اُخرى غير الفتنة . نعم ، إنّ تقي الهلالي جاء فتّاناً ولم يأتِ ليوحّد الصفوف ، وهو أكبر مروّج للوهابيّة في المغرب , وكان واجهة سعوديّة في البلد ، ومَن انحاز إلى صفّه من الشّباب ، أعطاه تزكية وبعثه إلى جِدّة .

في يوم من الأيّام قُبيل موته رحت أزوره ، وكان قد خرج من المستشفى للتو ، وكان في مرضه الأخير ، وبينما أنا واقف قدّام الباب ، إذا بصديق لي يخرج من البيت وبدت على وجهه حمرة , ولمّا سألته عن السبب ، قال لي : لقد ندمت على هذه الزيارة ، إنّ الشيخ لا يزال مستمراً في تكفيره للعلماء المسلمين ، لقد كفّر مجموعة علماء وخطباء ، وكان من بين اُولئك الذين أصابتهم شرارة التكفير الشّيخ عبد الحميد كشك ؛ لأنّه يكثر من مناداة الرّسول (صلّى الله عليه وآله) في خطاباته ، والرّسول (صلّى الله عليه وآله) ميّت ، وهذا شرك صريح(1) .

ــــــــــــــــ

(1) أعتقد أنّ الفهم الوهابي التوحيد ، ليس إلاّ قصوراً نجدياً بدوياً ، وبهذا التصور جعلوا من الإسلام ديناً راكداً جامداً لا يتعدى المسواك والمسك ، واللحي والتقصير و . . .


الصفحة 26

وفي نفس المناسبة قام بتوزيع منشوراته الفتّانة .

كان الحوار والمناظرة التي أجراها الشيخ تقي الدين الهلالي مع بعض خطباء الشّيعة من نوع خاص , وإنّني لم أعرف مَن هؤلاء الشّيعة الذين ناظرهم ، ولم أكن أدري ما السّبب الذي جعل تقي الدين الهلالي يستنكف عن مناظرة رجال الشّيعة الكبار ، مثل ؛ السّيد الحكيم والسّيد الخوئي والسّيد الصدر والسّيد محمد الشّيرازي ، وعشرات العلماء والمراجع المعاصرين له في العراق ولبنان وقم . . . وعجبت كيف راح يبحث في القرى عن الأميين ، وهؤلاء موجودون طوع البنان .

وكيف لا يستحيي من الله ولا من التاريخ أنْ يقول : إنّهم من كبار علماء الشّيعة في زمن المراجع الكبار , أليس هذا هو التجهيل ؟ إنّهم يكتبون للاُميّين والمغفّلين ؛ لذلك تراهم لا يتورّعون عن التلفيق .

لقد أهدوني هذه المناظرة بين عالم يخدم آل سعود ، وشيعيَّين مجهولين لا يعرفهما أحد ، وأهديتهم كتاب المراجعات الأضخم حجماً والأضبط مضموناً ، وهو حوار موضوعي متكافئ وهادئ بين عالمين معروفين للجميع , الأوّل شيعي عاملي خرّيج النّجف الأشرف ، والآخر شيخ للأزهر . وشتّان شتّان(*) ؛ لهذا كان الحديث عن الشّيعة والسّنة ضرورة تقتضيها الفتنة والجهل .

لقد انجلت تلك الصورة التي ورثتها عن الشّيعة , وحلّ محلّها المفهوم الموضوعي الذي يتأسس على العمق العلمي المتوفّر في الكتابات التاريخيّة . والذين لم يتحرروا من أصدقائي من هذه النّظرة ، هم اُولئك الذين اكتفوا بالموروث ، وسحقاً للموروث . بل وإنّهم اليوم لهاربون من السّؤال ويتجاهلون الموضوع حتّى لا يتحملوا مسؤولية البحث ونتائجه .

ــــــــــــــــ

(*) الأوّل هو السّيد شرف الدين الموسوي العاملي , والثاني هو الشّيخ سليم البشري .


الصفحة 27

ويجب أنْ يجرى الحديث البنّاء حول هذه المسألة لأسباب اُخرى لا تُحصى .

فبعد أحداث مكّة المكرّمة التي راح ضحيتها مسلمون كثر ، اهتزّ الإعلام العربي الرسمي وغير الرسمي , وتحوّل إلى موجة موحّدة ذات إيقاع واحد ، موضوعها الرئيسي الشّيعة والتشيع , ويومها كانت (الجدبة) في المغرب غير بسيطة .

قام المستر مصطفى العلوي بحملة مسعورة ومدفوعة الثمن أيضاً ، واتّهم الشّيعة فيها بألوان من التهم التقليدية ، لم أجد لها مصدقات في واقع التراث الشّيعي , وكنت على علم راسخ بأنّ مصطفى العلوي هذا لم يمسك كتاباً واحداً من اُمّهات الكتب الشّيعية , ولم تمض السّنوات حتّى يعلن العلوي المدغري ـ وزير الأوقاف في الدروس الرمضانية ـ عن الحقيقة ، ويكذّب مَن اتهموا الشّيعة بذلك , وخسئ مصطفى العلوي .

وفي هذه الأثناء جاء فخامة أبو بكر الجزائري زائراً للمغرب ، يحمل في حقيبته أوراقاً وهابيّة جديدة , كان كما بدا لنا مبعوثاً رسمياً من جهة هو ساكنها . وتواجد في تلك الأثناء في أحد بيوت الأصدقاء , وكانت كلمته تتمة لما سبق من ( هرج ومرج ) حول ( الشّيعة والتشيّع ) , ومحاولاً رسم صورة كاذبة وتشهيرية ضد الشّيعة ، مستغلاً بذلك جهل النّاس بحقيقة التاريخ , ولكنّه ضلّ الطريق هذه المرّة ، فقام أحد الأصدقاء وقال له : عفواً ، هلا حدّثتنا عن ( الماسونية ) ونشاطها في العالم الإسلامي(1) ؟

لهذا التجهيل ولهذا التشهير كان (الحديث عن الشّيعة والسّنة) ضرورة لتفويت الفرصة على الصيّادين في الماء العكرة ؛ وبذلك يمكننا أنْ نمنح التقاعد لمثل تلك الشخصيات التي دأبت على طلب الرزق ، بوظيفة التفريق والتشتيت .

ــــــــــــــــــ

(1) وكان هذا الشّاب للأسف من أهل السّنّّة والجماعة مما أحرج أبا بكر الجزائري .


الصفحة 28


الصفحة 29

مدخل :

مَن هُم الشّيعة ، ومَن هُم السنّة ؟

إنّ التسمية التي اُطلقت على الفريقين ليست وافيّة للحقيقة , وهي أسماء سمّوها من عند أنفسهم , نزّاعة للتشويه والتضليل أكثر من حرصها على الموضوعية . واستخدام الاسمين في الأبعاد التضليليّة كان من دأب التيّار الاُموي .

فالنقطة الحسّاسة التي توحي بها المفارقة بين الاسمين ، هو أنّ (سنّة) الرّسول (صلّى الله عليه وآله) لها شمتها في عنوان (السنّة والجماعة) ، في الوقت الذي لا رائحة لها في عنوان (مذهب الشّيعة) , هذا يعني إنّ مذهب الشّيعة يقف مقابلاً لمذهب (السنّة والجماعة) , بما هي الممثّل الوحيد لسنّة الرّسول (صلّى الله عليه وآله) . وهذا التشويه والتضليل قد أوتي اُكله على امتداد الأيّام التي أردفت عصور المحنة , فلقد أصبح (الشّيعة) يفتقدون للمسوّغات النّفسيّة والإعلامية في ذهن الجمهور .

والسّؤال الصميمي هنا : مَن هُم الشّيعة ، ومَن هُم السّنّّة ؟

السنّة في اللغة تعني : الطريقة والمنهاج . وسنّة الرّسول (صلّى الله عليه وآله) معناها : طريقته . وفي لسان العرب لابن منظور ، السّنّّة والتسنن تعني : الطريقة المحمودة المستقيمة ؛ ولذلك قيل : فلان من أهل السّنّّة ، بمعنى : إنّه من أهل الطريقة المستقيمة المحمودة ، وهي مأخوذة من السّنن ، وهو الطريقة . ويقال للخط الأسود


الصفحة 30

على متن الحمار سنة .

وهي اصطلاحاً تعني : كلّ ما صدر عن الرّسول (صلّى الله عليه وآله) من قول وفعل وتقرير . ويسمّي السّنّّة مذهبهم (أهل السّنّّة والجماعة) , ويقصدون بذلك : أنّهم أصحاب الطريقة المحمودة(1) ، وأتباع الرّسول (صلّى الله عليه وآله) والجماعة ـ وغيرهم لا يسلك طريق النّبي (صلّى الله عليه وآله) ـ وهي الجماعة التي قال عنها الرّسول (صلّى الله عليه وآله) : (( يد اللهِ مع الجماعة )) .

الشّيعة :

والشّيعة لغة هم : الأتباع والأنصار . وفي لسان العرب : هم القوم الذين يجتمعون على الأمر , وكلّ قوم اجتمعوا على أمر فهم شيعة , وكلّ قوم أمرهم واحد يتبع بعضهم رأي بعض فهم شيع . وفي القرآن الكريم : ( وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ )(1) . وشايع تأتي بمعنى : والاه ، من التولي .

يقول الكميت :

وما لي إلاّ آل أحمدَ شيعةً        وما لي إلاّ مذهب الحقِّ مذهبُ

و(الشّيعة) اصطلاحاً يراد بهم : أتباع وأنصار آل البيت (عليهم السّلام) ، وهم الذين ناصروهم في كلّ محنهم ، وسلكوا سبيلهم ووالوهم .

يقول ابن خلدون(2) : اعلم أنّ الشّيعة لغة هم : الصحب والأتباع ، ويطلق في عرف الفقهاء والمتكلّمين من الخلف والسّلف على أتباع عليّ وبنيه (رضي الله عنهم)

ـــــــــــــــــ

(1) هذا المعنى في الواقع جديد على هذا العنوان ؛ لأنّه تاريخياً كان له هدف معيّن ومعنى آخر ، كما سنوضح .

(2) سورة الصّافات / 83 .

(3) تاريخ ابن خلدون ـ الفصل السّابع والعشرون : في مذهب الشّيعة في حكم الإمامة / 348 .


الصفحة 31

والشّيعة حسب تعريف علمائهم , هم الذين يسلكون سنّة الرّسول (صلّى الله عليه وآله) مأخوذة من عترته الطاهرة .

بيد أنّ الملابسات السّياسية والإيديولوجية التي رافقت حركت الفرقتين , أضفت على القضية مجموعة من الشّبهات لا تُحصى ولا تُعد , وبالتالي يكون من الضروري التعرّض إلى المصطلحين بشكل أعمق ، يستمدّ مرتكزاته من عمق التاريخ الإسلامي ذاته ؛ وذلك لأنّ أعداء الشّيعة طالما تحاملوا على الشّيعة ، ملتمسين كلّ سلبية غريبة وإلصاقها بهم , وفي ذلك يقول طه حسين(1) : وما أكثر ما شنّع خصوم الشّيعة على الشّيعة .

ـــــــــــــــ

(1) إسلاميات ـ طه حسين .


الصفحة 32


الصفحة 33

ثمّ ماذا ؟

إنّني ما زلت أتتبع تاريخ المذاهب الإسلاميّة ، حتّى انتهيت إلى أنّ مذهب آل البيت (عليهم السّلام) هو أوّل مذهب في الإسلام , وهذا لا يعني إنّهم انفردوا عن غيرهم بطريقة ابتدعوها ، ولكنّهم احتفظوا بموقعهم الأصيل الذي عرفوا به ، هذا في الوقت الذي شردت فيه جميع الملل والنّحل وتفرّقت ؛ تبتغي الحقّ عند غير أهله .

يقول السّيد محسن الأمين في الأعيان(1) : فما يظهر من فهرست ابن النّديم من أنّ تسمية أتباع عليّ (عليه السّلام) باسم الشّيعة كان ابتداؤه من يوم الجمل , ليس بصواب ، بل تسميتهم بذلك من زمن الرّسول (صلّى الله عليه وآله) , قال ابن النّديم في الفهرست ما لفظه : ذكر السّبب في تسمية الشّيعة بهذا الاسم . قال محمد بن إسحاق , لمّا خالف طلحة والزبير على عليّ وأبيا إلاّ الطلب بدم عثمان بن عفان , وقصدهما عليّ (عليه السّلام) ليقاتلهما حتّى يفيئا إلى أمر الله جلّ اسمه ، فسمّى من اتبعه على ذلك الشّيعة , فكان يقول : (( شيعتي )) .

فالتشيّع ليس بدعة في تاريخ الإسلام , ولطالما حاول البعض إلصاقه بالعهود المتأخّرة , بل لقد بلغت القسوة ببعضهم فربطه (بالفرس) . وكان لهذه الدعايات أثر عليّ في البداية ، مع أنّني لم أستسلم لها بسهولة ، فلم

ــــــــــــــــ

(1) أعيان الشّيعة ، السّيد محسن الأمين 1 / 19 .


الصفحة 34

أكن سلساً لتقبّل كلّ فكرة بدون اختبار ، واستقرّت قناعتي في النّهاية بعد أنْ تأكدت من تلك الحبكات الخرافية .

ففي (فجر الإسلام) لأحمد أمين ـ وهو من أكبر المناصبين للشيعة ـ يقول : كانت البذرة الأولى للشيعة ، الجماعة الذين رأوا بعد وفاة النّبي (صلّى الله عليه وآله) أنّ أهل بيته أولى النّاس أنْ يخلفوه(1) . وفي دحض فكرة فارسية التشيّع ، قال : والذي أرى ـ كما يدلّنا التاريخ ـ إنّ التشيّع لعليّ بدأ قبل دخول الفُرس في الإسلام ، ولكن بمعنى ساذج ، وهو أنّ عليّاً أولى من غيره من وجهتين ، كفايته الشّخصية وقرابته للنبي(2) .

فالذين لا يعلمون من إخواننا السّنّّة يجب أنْ يدركوا ـ كما أدركت منذ فتحت قلبي للحقيقة ـ أنّ أغلب علمائهم من (فارس) .

إنّني ما زلت أقتفي آثار علماء السّنّّة الكبار في البلاغة والنّحو والفقه والحديث والتصوّف . . . , فأجد الأغلبية الغالبة منهم فرساً , ومنهم : البخاري والترمذي والنّسائي وابن ماجة القزويني والإمام الرازي , والقاضي البيضاوي وأبو زرعه الرازي والفيروز آبادي (صاحب القاموس المحيط) , والزمخشري والإمام فخر الدين الرازي والكازروني وأبو القاسم البلخي , والقفال المروزي والتفتازاني والراغب الأصفهاني والبيهقي والتبريزي الخطيب ، والجرجاني وأبو حامد الغزالي . . . وغيرهم ممّا يعجز عن عدّهم اللسان ويضيق عنهم المقام .

فأعلام السنّة والجماعة الفطاحل وعلماؤهم النّحارير ومحدثوهم النّقاريس ، كانوا من بلاد فارس . والتشيّع اُدخل إلى فارس من بلاد العرب ، وساهم في نشر التشيّع في بلاد فارس , علماء من العراق وجبل عامل والإحساء والمدينة المنورة .

ـــــــــــــــ

(1) فجر الإسلام ـ أحمد أمين / 366 .

(2) نفس المصدر / 277 .


الصفحة 35

ليست التسمية إذاً هي موضوع الإشكال ، وإنّما الواقع الفعلي للمذهبين هو موضوع النّقاش , إذ إنّنا ونحن ننظر في سنّة الرّسول (صلّى الله عليه وآله) القولية والفعلية والتقريرية , سوف نتبيّن أي الفريقين أقرب إليها .

إنّ الشّيعة لم يكونوا يوماً مبتدعة ، بل إنّ مذهبهم قائم في الأساس على (النّص) , وإذا أتيت , إنّ الإسلام الحقيقي بعد الرّسول (صلّى الله عليه وآله) تمثّل في عليّ (عليه السّلام) , فإنّ التشيّع لعليّ (عليه السّلام) هو التعبير المرحلي عن التشيّع لمحمد (صلّى الله عليه وآله) , بالثّبات على تعاليمه وتوصياته في حقّ عليّ (عليه السّلام) والذي هو الإسلام .

فاسم (السّنّة) أتى كاستراق للفرصة لمحاصرة (الشّيعة) اصطلاحيّاً ؛ لأنّ التيّار السّائد يومها لم يكن له من الحجّة سوى اللعب على وتر المفاهيم القشريّة , وكان اليوم الذي تحوّلت فيه الخلافة إلى ملك عضوض ، هو عام الجماعة ، ومنها جاء (السّنّة والجماعة) .

كان همّي أنْ أبحث عن الإسلام الحقّ ، فأنا لم أكن أبحث عن التمذهب ، وما إنْ دخلت في لجج التاريخ حتّى تبيّن لي أنّ الباحث عن اللمذهبيّة كالباحث عن السّراب .

إنّ الإسلام تفرّق أهله إلى فرق لا تُحصى ، وما بقي من إسلام حقّ أبدا للمتمذهبين مذهباً , فأيّ المذاهب إذاً تمثّل الإسلام الصحيح , أو حتّى ما يقارب 95 في المئة من الإسلام الصحيح ؟ ومَن يضمن لي يومهاً إنّ هذه الفرقة أو تلك هي الأقرب إلى (الحقيقة) , وأنا في خضم المعترك أبحث عن خشبة نجاة , ولكنّني لم أشكّ في القرآن الكريم . ففيه عثرت على مقوّمات البحث عن الحقيقة , تعلّمت أنّ من شروط البحث عن الحقيقة ، عدم الاستماع إلى القول الواحد وإلى الفرقة الواحدة , ولكن : ( الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ )(1) . كما رأيت إنّ الله يمدح القلّة ويذّم الكثرة حسب معايير الحقّ والباطل ، حيث يقول : ( وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ )(2) . كما يقول ذامّاً الكثرة الجاهلة : ( بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ )(3) .

إنّ قلبي بدأ ينفتح شيئاً فشيئاً على التاريخ والشّيعة , الآن أصبحوا جزءاً من الإسلام ، وهذا ما توصّلت إليه حتّى تلك اللحظات . لقد كان

ــــــــــــــــــ

(1) سورة الزمر / 18 .

(2) سورة سبأ / 13 .

(3) سورة العنكبوت / 63 .


الصفحة 36

الرسول (صلّى الله عليه وآله) أوّل مَن تكلّم في الشّيعة ووصفهم للصحابة , وأوّل من ربط التشيّع بالإمام عليّ (عليه السّلام) ؛ وهو يريد بذلك إثارة المستقبل في ذهن الصحابة ، ويلفت المسلمين إلى قيمة عليّ (عليه السّلام) في الآن وفي المستقبل ؛ ليكونوا في أجوائه حين يقع ما يقع , وإلا ماذا يعني أنْ يقول : (( عليّ مع الحقّ , والحقّ مع عليّ )) .

أخرج ابن عساكر عن جابر بن عبد الله , قال : كنّا عند النّبي (صلّى الله عليه وآله) , فأقبل عليّ (عليه السّلام) , فقال النّبي (صلّى الله عليه وآله) : (( والذي نفسي بيده ، إنّ هذا وشيعته لهم الفائزون يوم القيامة )) . ونزلت : ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ(1)(2) .

وأخرج ابن مردويه عن عليّ (عليه السّلام) , قال : (( قال لي رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : ألم تسمع قول الله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ؟ هُم أنت وشيعتك , وموعدي وموعدكم الحوض ، إذا جاءت الاُمم للحساب تدعون غرّاً محجّلين ))(3) .

وروى ابن حجر في الصواعق المحرقة ـ وهو من أكبر النّاقمين على الشّيعة ـ عن ابن عباس , أنّه قال : لمّا أنزل الله تعالى : ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ) . قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) لعلي (عليه السّلام) : (( هُم أنت وشيعتك ، تأتي أنت وشيعتك يوم القيامة راضين مرضيين ، ويأتي عدوّك غضاباً مقمحين )) . قال (عليه السّلام) : (( من عدوي ؟ )) . قال (صلّى الله عليه وآله) : (( مَن تبرأ منك ولعنك )) .

وروى الحمويني الشّافعي في فرائد السّمطين : إنّ الآية الكريمة : ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ) . نزلت في عليّ (عليه السّلام) , فكان أصحاب مُحمّد (صلّى الله عليه وآله) إذا أقبل عليّ (عليه السّلام) قالوا : قد جاء خير البرية .

وروى ابن المغازلي المالكي في مناقبه عن ابن عباس ، قال : سألت رسول

ـــــــــــــــــ

(1) سورة البينة / 7 .

(2) الدر المنثور للسّيوطي .

(3) نفس المصدر السّابق .


الصفحة 37

الله (صلّى الله عليه وآله) عن قوله تعالى : ( وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ )(1) . فقال (صلّى الله عليه وآله) : (( قال لي جبريل : ذلك عليّ وشيعته هُم السّابقون إلى الجنّة ، المقرّبون من الله لكرامته )) .

ولمّا كانت الأحاديث التي ربطت الآية بعليّ (عليه السّلام) وشيعته ، وبعد أنْ تواترت واستعصى تكذيبها ، لمّا كان رواتها من فطاحل أهل السّنّّة والجماعة ، حاول ابن حجر ـ في صواعقه المحرقة ـ أنْ يفلسفها ويخنقها بترهاته المعهودة قائلاً عن علي (عليه السّلام) , فقال ، قال (عليه السّلام) : (( إنّ خليلي رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قال : يا عليّ , إنّك ستقدم على الله وشيعتك راضين مرضيين , ويقدم عليه عدوّك غضاباً مقمعين )) . ثمّ جمع عليّ يديه إلى عنقه يريهم الإقحام . قال ابن حجر : وشيعته هُم أهل السّنّّة , ولا تتوّهم الرافضة والشّيعة قبّحهم الله .

ولا أحد يشكّ في هذا التهافت الباطل ؛ إذ كيف يستقيم كلام هذا المخرف ، وهل يظنّ أنّه يكتب للأرانب ؟! إذا كان شيعة عليّ (عليه السّلام) هُم أهل السّنّة ، فأعداؤه مَن ؟ هل هُم شيعته الذين قاتلوا إلى جنبه الطاغوت الاُموي ؟ ونحن إلى الآن لن نجد تراث بني اُميّة سوى عند أهل السّنّة ، ولم نجده عند الشّيعة قط .

ومن المؤسف بالنّسبة لي أنْ بدأت أخسر بعض أصدقائي المقرّبين الذين ما ألفنا منهم سوى العمق في الدراسة والتحليل , إنّه عزيز عليّ أنْ أرى صاحب (التاريخ الإسلامي) محمود شاكر ، يقول : بل لم تكن كلمة الشّيعة تحمل أكثر من معنى التأييد والمناصرة، ولكنّها غدت مع الزمن فكراً خاصّاً وعقيدة خاصّة، ونُسب إلى الأوائل أقوال لم يقولوها وأخبار لم يعرفوها ، وأفكار لم تخطر على بالهم أبداً(2) .

وكان على اُستاذنا الجليل أنْ يبحث أكثر من ذلك , فمع أنّه لم ينكر إنْ

ــــــــــــــــــ

(1) سورة الواقعة / 11 .

(2) محمود شاكر ـ التاريخ الإسلامي ـ الخلفاء الراشدون والعهد الاُموي ـ الطبعة الرابعة / 1405هـ ـ  ‍ 1985م ـ المكتب الإسلامي .

 

الصفحة السابقة

الصفحة 38

(كلمة) الشّيعة كانت في البداية ، إلاّ أنّه لم يحفر في الخلفيات التاريخيّة التي أظهرت التشيّع كحالة مذهبيّة انفردت بأفكار وعقائد خاصّة ؛ فاستاذنا لم يحدّثنا عن الآخرين ، وهل ثبتت أفكارهم وعقائدهم ؟

لقد ابتعد المسلمون عن الأفكار والعقائد في صفائها الإسلامي الأوّل ، حتّى بدت لهم عقائد أهل البيت (عليهم السّلام) وكأنّها هي المتحرّكة ؛ فهم أشبه بمن يعتقد بحركة الجبال والأشجار من رواء نافذة القطار . ثمّ هل خصوصية هذه الأفكار والعقائد دليل على أخطائها ؟

كنت متأكّداً من أنّ هؤلاء يجتهدون في دائرة أخطائهم ، ويتألّقون في فلسفة الباطل ؛ فالشّيعة لغة واصطلاحاً ، هُم اُولئك الذين تمحوروا حول الرّسول (صلّى الله عليه وآله) ومن بعده على آل البيت (عليهم السّلام) ؛ استجابة للنصوص الواردة .


الصفحة 39

الفصل الأوّل :

كيف كان تصوري للتاريخ الإسلامي ؟


الصفحة 40


الصفحة 41

لم يكن وعي التاريخي يختلف عن وعي أهل السّنّة والجماعة , فمنذ البداية كانوا قد زرقوني بهذا التاريخ وبمزاج خاص حول التاريخ الإسلامي ، وهذا الوعي الذي تلقّيته مثل ما أتلقّى القرآن عند الكتاب , لم يكن يختلف هو الآخر عن وعي جدّتي بالتاريخ , إنّه دزينة ضمن الحكايات المفبركة على نمط القصّاصيّن بـ (جامع الفنا)(1) ، إنّه تاريخ (كان يا ما كان) و (كان في قديم الزمان) . وتحوّل التاريخ عندنا فجأة إلى ملجأ لكلّ من ضاقت به الحياة ليتفسّح في فجاجه لاهياً .

لقد تلقّينا دروساً ديماغوجية خاصّة لفهم التاريخ الإسلامي , وأنْ (نترضّى) بعد ذكر كلّ اسم ينتمي إلى جوقة القديم , وإذا رأينا الدّم والفسق والكفر ، ليس لنا الحقّ سوى أن نغمض الأعين ونكفّ الألسن ؛ خوفاً من الغيبة التاريخيّة , ثمّ نقول : ( تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ )(2) . عملية لجم مبرمجة وقيود توضع على عقل الإنسان قبل أن يدخل إلى محراب التاريخ المقدّس .

لقد علّمونا أن نرفض عقولنا ؛ لنكون كائنات (روبوت) توجهنا كمبيوترات مجهولة .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ساحة كبيرة بمدينة مراكش المغرب يكثر فيها السّياح , وحيث يكثر القصّاصون الذين يسردون حكايات عن النّبي (صلّى الله عليه وآله) والصحابة وبعض الرجال القدماء .

(2) سورة البقرة / 134 .


الصفحة 42

وغلبت السّياسة على التاريخ ، وحوّلته إلى بؤس حقيقي .

وخفنا من عقولنا ومن التاريخ ومن الموروث والفولكلور , بل وعاش كلّ واحد منّا هارباً من عقله . . . ومن التاريخ إلى الأوهام , فكان تصوّري في تلك الأثناء تصوّراً سطحي .


الصفحة 43

الخلافة الراشدة :

من الدروس الديماغوجية التي حقنوا بها وعينا , هو أنّ ما كان في التاريخ الإسلامي هو الصواب المطلق , ولم يكن في الإمكان أبدع مما كان . . . وإنّ الإيمان كلّ الإيمان هو التصديق بما وقع , والخلافة الرّشيدة حبكة جميلة جدّاً ، بل وإنّها تكاد تطفح إبداعاً .

 وما زلت أضحك على نفسي لتقبّلها بسذاجة الأمويين , لقد تلقّيت منهم واقع الخلافة الراشدة دون مناقشة , وإذا راودتني نفسي بتساؤلات قمعتها ؛ لتستقيم على التزام التجاهل . وأذكر أن الشّك بهذه الحبكة طرأ عليّ وأنا ابن خمسة عشر عام , غير أنّني طويت الصفحة عن ذلك الشّك وتعمّدت نسيانه .

لقد مات رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وهو راض عن أصحابه من الشّرق إلى الغرب , وأنّه خلّف وراءه (تركيبة) ثوريّة حضاريّة ، قياديّة رباعيّة , اسمها : أبو بكر ، عمر ، عثمان ، عليّ . وكنت أحياناً أتسأل حول ما إذا كان التسلسل التلقائي للخلافة الراشدة كان أمراً متوقّعاً منذ البداية . فلقد قرأت الكثير من الروايات ، كلّها تتحدّث عن فضائل الأربعة بهذا الترتيب الرّباعي . فكيف مات الرّسول (صلّى الله عليه وآله) , وكيف خلّفه هؤلاء الأربعة بالتوالي ؟

أهل السّنّة والجماعة علّمونا ، أنّ محمداً (صلّى الله عليه وآله) مات وهو راضٍ عن الجميع , وأنّه قال لأبي


الصفحة 44

بكر : (( صلِّ بالنّاس )) . ومن هذا استنبط عمر بعقله المستنير ، أنّ أبا بكر هو الجدير بالخلافة ، فبايعه ، ثمّ لمّا كان عمر هو فاروق هذه الاُمّة ، استطاع أنْ يصرف النّاس إلى مبايعة أبي بكر ، فبايعوه رغبة ولم يتخلّف عنه أحداً أبداً .

وبأنّ الشّورى التي جرت في السّقيفة , كانت عمليّة إسلاميّة متأصّلة في الشّريعة ، وحتى عليّ (عليه السّلام) لم يتمرّد عن المبايعة , وذلك بنصّ ما أخرجه أحمد والبيهقي , بسند حسن عن عليّ (عليه السّلام) ، أنّه قال لمّا ظهر يوم الجمل : أيّها النّاس ، إنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) لم يعهد إلينا في هذه الإمارة شيء ، حتّى رأينا من الرّأي أن نستخلف أبا بكر , فأقام واستقام حتّى مضى لسبيله ، ثمّ إنّ أبا بكر رأى من الرّأي أن يستخلف عمر , فأقام واستقام ، ثمّ ضرب الدين بجرانه , ثمّ إنّ أقواماً طلبوا الدنيا فكانت أمور يقضي الله فيها .

وإنّه لم يحدث أن تمرّد واحد من المسلمين الصحابة على أبي بكر ؛ لأنّه كان غاية في الجدارة ، وأقرب النّاس في وعي الصحابة إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) , وإنّ الإمام عليّ (عليه السّلام) كان مطيعاً له معترفاً به , وفي ذلك تحدّثنا الرّواية عن الدار قطني وابن عساكر والذهبي وغيرهم : إنّ عليّاً أقام بالبصرة حين بايعه النّاس , فقام إليه رجلان فقالا له : أخبرنا عن مسيرك هذا الذي سرت فيه لتستولي على الأمر وعلى الاُمّة , تضرب بعضها ببعض , أعهد من رسول الله (صلّى الله عليه وآله) عهد إليك ؟ فحدّثنا فأنت الموثوق به والمأمون على ما سمعت . فقال : إمّا أن يكون عندي عهد من رسول الله في ذلك , فلا والله ؛ لأنّي كنت أوّل من صدّق به فلا أكون أوّل مَن كذّب عليه , ولو كان عندي منه عهد في ذلك , ما تركت أخا بني تيم بن مرّة وعمر بن الخطّاب يثبان على منبره ، ولقاتلتهما بيدي ولو لم أجد إلاّ بردي هذه ، ولكن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) لم يُقتل قتل ولم يمت فجأة ، ومكث في مرضه أيّاماً وليالي يأتيه المؤذّن فيؤذّنه للصلاة ، فيأمر أبا بكر فيصلّي بالنّاس وهو يرى مكاني . . . الخ .

وهكذا استمر الحكم الرّاشدي بتآخي مطلق وانسجام دقيق , والتحق سيدنا أبو بكر بالرّفيق الأعلى وخلفه عمر بن الخطّاب , وكان ذلك اجتهاداً منه


الصفحة 45

يقتضي الطاعة من باقي المسلمين ؛ لأنّ في رأيه السّداد المُطلق ، ولأنّه توخّى مصلحة الإسلام من وراء اختياره هذه ، ولأنّ أمره سنّة تقتضي الطاعة الشّرعيّة طبقا للحديث : عليكم بسنّتي وسنّة الخلفاء الرّاشدين من بعدي .

وجاء عمر وبقي خليفة عادلاً ضرب أروع مثال عن الزهد والشّهامة والعدل , ثمّ استشهد من قبل ( أبو لؤلؤة ) المجوسي وترك الأمر في ستة أشخاص ، منهم عثمان وعليّ بن أبي طالب . وكان أن سُلّمت الخلافة لعثمان بن عفان بعد أن رفض عليّ (عليه السّلام) الأخذ بسنّة الشّيخين , أي سنّة أبي بكر وعمر واقتصر على القول : (( بسنّة الله ورسوله )) .

وبقي عثمان ذو النّورين سائراً على طريق الإيمان والعدالة , وفي عهده كثرت الخيرات , وما قيل عنه واُثير من دعايات مغرضة ، كان مصدره دسّ المنافقين , والغاية منه الإساءة إلى صحابي جليل كانت تستحي منه الملائكة , وإنّ ما فعله من تقريب (طريد الرّسول صلى الله عليه وآله) (الحكم ابن العاص) ونفيه لأبي ذر الغفاري (رض) كان اجتهاداً .

نعم يجب الثورة على الطغاة الذين لا يعدلون , أمّا عثمان , فإنّه صحابي يحرم التعرّض لسياسته بالنّقد . وفي النّهاية مُني هذا الأخير بأعداء من الخوارج ، اقتحموا عليه الدار وقتلوه , وبعد ذلك بويع عليّ بن أبي طالب ، ومن ثمّ بدأت الفتنة . وكلّ ما وقع بعد ذلك كان له مبرّرات يحرم علينا التفصيل فيها والإمعان في الاستفسار عنها , وخير النّاس عندها ـ يومئذ ـ من التزم الصمت , أو قال : تلك فتنة طهّرنا الله منها ، فلنطهّر منها ألسنتنا(1) .

تمرّ هذه الفتنة التي كُشف فيها الغطاء عن أشياء ساءت المسلمين ؛ لأنّ فيها

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) إنّ إخواننا المُسلمين لا يتورّعون عن الحديث في سلوك السّياسيين السّوفيات قبل سقوط المعسكر الاشتراكي ، وينعون على الاشتراكيين أنْ يعرضوا عن سيرة زعمائهم في معرض طرح أفكارهم . ما هذا التناقض ؟


الصفحة 46

تظهر حقيقة معاوية بن أبي سفيان ، وعمرو بن العاص ، وعائشة بنت أبي بكر ، وطلحة والزبير . . . وكلّ هؤلاء قاموا بأشياء تناقض الصورة التي نُقلت لنا عنهم ، ونحن نقرأ في تراجمهم : وتسير السّفينة حتّى كربلاء . حيث يجب أن تغلق المنافذ أو تكتم الأنفاس وتعمي الأبصار ، لتجاوز هذا النّفق المظلم ؛ لأنّ الذي قتل الحسين بن علي (عليهما السّلام) وسبى نساءه ، هو (أمير المؤمنين) يزيد بن معاوية ، وفي زمن لا يزال فيه آثار متبقية للصحابة .

نغمض أعيننا ونفتحها على تاريخ إيديولوجي جاهز كتبته أقلام التزلّف على دف القيان ورقصات جواري البلاط , حيث تغدوا عندنا الدولة الأمويّة دولة الإسلام المقبولة ، بغض النّظر عن الدماء التي سُفكت والأعراض التي هُتكت والمفاهيم التي نُسخت ؛ فمعاوية بن أبي سفيان (أمير المؤمنين) يروى له التاريخ عندنا أروع المناقب وأسمى الفضائل(1) .

لقد وقع ما وقع بين عليّ (عليه السّلام) ومعاوية بن أبي سفيان , وكلّ ذلك كان اجتهادا , وكانت فتنة سقط فيها عليّ (عليه السّلام) ومعاوية معاًً , وكلاهما مسؤول عن الذي وقع , وإنّ الصراع كان على الخلافة والسّلطة , وإنّ الفئة الصائبة يومها هي تلك التي اعتزلت الفتنة وغلقت عليها أبواب المساجد ولبثت في البيوت , وليعطي لها ألقاب نظير (حمامة المسجد) ؛ لأنّها انزوت فيه في وقت كانت مصلحة الدين تقتضي تقديم التضحية والدخول في الجهاد .

جاءني يوماً أحد أصدقائي الطلبة يسألني عن معاوية وقتاله لعليّ (عليه السّلام) في صفّين ، وقبل أن اُباشر في الجواب ، نطق أحد الحاضرين قائلاً : اللعنة عليه . فخزرت فيه ، ثمّ قلت : أعوذ بالله ، لماذا تلعنه ؟ قال : لأنّه قاتل عليّاً . قلت له : ومع ذلك ، فإنّ الرّسول (صلّى الله عليه وآله) يقول : (( لا تسبّوا أصحابي )) .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) أقول : ولعل الدليل الواقعي الملموس على أنّ أهل السّنّة والجماعة نزعوا منذ البداية منزعاً ضد آل البيت (عليهم السّلام) ومع خط الأمويين . إنّ واقع الثقافة السنّيّة يؤكد ذلك . فالسّنّي على امتداد العالم الإسلامي ، لا يعرف عن أئمة آل البيت (عليهم السّلام) أكثر مما يعرف عن مناقب أعدائهم . لنكن إذاً صرحاء .


الصفحة 47

وبهذه الكلمة البائسة الغبيّة المصحوبة بتماوج (كاريكاتوري) يختزل وقاراً مصطنع , استطعت أنْ أسكّت صديقناً . فمعاوية رجل مؤمن كان شديد البكاء في دين الله وكريماً يعطي بلا حساب .

يقول محمد بن عبد الوهاب(1) : وبالجملة , فلم يكن ملك من ملوك الإسلام خير من معاوية , ولا كان النّاس في زمن ملك من ملوك المسلمين خيراً منهم في زمن معاوية , إذا نسبت أيّامه إلى أيّام بعده . بل وإنّ الإمام علي (عليه السّلام) لم يكن يتحرّك بدافع الشرع في حربه مع معاوية ، ولم يكن واجب قتال أهل الشّام , وأنّه لم يكن يعرف أنّه سيقع في هذا المأزق ، ولودّ لو يتجنبه بكلّ ثمن .

وفي ذلك يقول محمد عبد الوهاب : قال العلماء رحمة الله عليهم(2) : إنّ قتال أهل الشّام ليس بواجب قد أوجبه الله ورسوله , ولو كان واجباً , لم يمدح النّبي (صلّى الله عليه وآله) الحسن بتركه(3) , فدلّ الحديث على أنّ ما فعله الحسن بن عليّ مما يحبّه الله ورسوله , وتواترت الأخبار عن عليّ (رض) بكراهة هذا القتال في آخر الأمر , لمّا رأى اختلاف النّاس واختلاف شيعته عليه وتفرّقهم , وكثرة الشّر الذي أوجب إنّه لو استقبل من أمره ما استدبر ما فعل ما فعل . والإمام عليّ كان لا يرى في معاوية رجلاً فاسق , بل إنّه رآه خير الرجال الذين يمكنهم ردّ الفتنة .

يقول ابن عبد الوهاب(4) : من ذلك ما أخرجه غير واحد من أهل العلم(5) :

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) عقائد الإسلام ـ محمد عبد الوهاب / 220 .

(2) نفس المصدر . أقول : هذه العبارة : قال العلماء . مََن هم هؤلاء العلماء . هل هم علماء السّنّة ، أم علماء الحنابلة أم الوهابيِّين ؟ أفصح عنها وحررها من ظلاميتها يا عبد الوهاب .

(3) ولو كان عبد الوهاب يحمل شيئاً ما من الذكاء ، لتذكّر إنّ الرّسول (صلّى الله عليه وآله) مدح شيعة عليّ (عليه السّلام) لنصرتهم إيّاه .

(4) نفس المصدر السّابق .

(5) ما زلت أناقش عبد الوهاب في هذا التلبيس ، من هم هؤلاء الذين ذكروا هذا الحديث , ولماذا يخفي أسماءهم ؟ وما أدرانا لعلهم عنده أهل علم وعندنا ليسوا كذلك .


الصفحة 48

إنّ عليّاً (رض) قال : لا تكرهوا إمارة معاوية ، فإنّكم لو فقدتموه لرأيتم الرؤوس تنذر على كواهلها(1) . بل إنّ معاوية كان يُشهد بعلمه وفقهه , وثبت في صحيح البخاري عن ابن عبّاس (رض) أنّ رجلاً قال له : هل لك في أمير المؤمنين معاوية إنّه أوتر بركعة ؟ فقال : أصاب إنّه فقيه . فهذه شهادة ابن عبّاس وهو من أكابر علماء الإسلام(2) .

أمّا الحسن فلم يكن فتّانا مثل الآخرين , إنّه رجل مؤمن كباقي المسلمين , ليست له ميزة دونهم إلاّ أنّه بن فاطمة بنت رسول الله , بل فيه عيب ، إنّه كان مزواجاً مطلاق , ولكنّه حسناً صنع لمّا تخلّى عن الخلافة لصالح معاوية ؛ ابتغاء حقن الدماء , وهو بذلك يكون أفضل من أبيه .

 قول بن عبد الوهاب : ومن ذلك انسلاخ الحسن (رض) عن الخلافة لمعاوية , قال أبو عمر بن عبد البر في الاستيعاب في ترجمة الحسن بن عليّ (رض) : كان رحمه الله حليماً ورع ، دعاه ورعه ـ الذي لم يوجد ربما في أبيه ـ وفضله إلى أن ترك الملك والدنيا ؛ رغبة فيما عند الله . وقال : والله ما أحبّ منذ عرفت ما ينفعني وما يضرّني أن آتي أمر اُمّة محمد (صلّى الله عليه وآله) على أن يهراق في ذلك محجة دم . وكان من المبادرين إلى نصرة عثمان (رض) والذابّين عنه , ولمّا قُتل أبوه عليّ (رض) , بايعه أكثر من أربعين ألفاً كلّهم قد بايعوا أباه عليّاً قبل موته على الموت , وكانوا أطوع للحسن وأحبّ فيه منهم في أبيه(3) , فبقي نحو سبعة أشهر خليفة في العراق وما وراءها من خراسان , ثمّ سار إلى معاوية وسار معاوية إليه . ولعلّ بذلك كان هذا العام هو عام الجماعة ؛ حيث سكت الضمير وبقي

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) أقول ، ولذلك ما ترك عليّ (عليه السّلام) جهداً إلاّ واستخدمه في قتال معاوية .

(2) ولما كان معاوية كثير العلم والفقه والفضل ، سئل الإمام النسائي عن سبب عزوفه عن تخريج كتاب حول معاوية نظير (الخصائص) فقال : ماذا أقول فيه ؟ (( لا أشبع الله بطنك )) إنّه الشّيء الوحيد الذي حصل عليه من فضل من قبل الرّسول (صلّى الله عليه وآله) .

(3) إنّها النزعة النّاصبية التي لم تفارق الوهابيّة منذ نشوئها وإلى اليوم .


الصفحة 49

حكم الاُمّة بين أصابع أحفاد بني عبد الدّار .

أمّا الذين ناصروا معاوية وأجّجوا الفتنة ، مثل عمرو بن العاص وأبي هريرة وأشباههم ، فقد كانوا مؤمنين بالنّص(1) . قال آدم : عن حماد بن سلمة عن محمد بن عمر , وعن أبي سلمة عن أبي هريرة (رض) , قال : قال النّبي (صلّى الله عليه وآله) : أبناء العاص مؤمنان عمرو وهشام . وأمّا معاوية ، فقد ورد عنه أنّه من أهل الجنة . ولم يكن الحجّاج سوى تلك الشّخصيّة المؤمنة في التاريخ الإسلامي , الذي تنتقل عنه الحكم والعبر والمواعظ .

وذات مرّة قلت لأحد المشايخ الكبار : عجباً ! لست أدري كيف يقبل المسلمون بأمثال الحجّاج بن يوسف الثقفي ؟! ذلك السّفاح ، ما وقرّ عالماً ولا عاميّاً ! فقال شيخنا الموقّر : أعوذ بالله ، نحن أهل السنّة والجماعة نعتقد في إيمانه وإسلامه ، وقد قال فيه العلماء خيراً ، رغم كلّ ذلك فهو من الصالحين ؛ لأنّه شكّل القرآن(2) .

كذلك سارت الاُمور وسقط ملك بني اُميّة ، وجاء بنو العباس ، وكان الرشيد ، وكان المأمون . . . ( وكان يا ما كان ) ، وكان الإيمان بعد الإيمان , وكان ربّك غفوراً رحيماً .

والخلافة كما عرفتها لم تكن ذات مفهوم خاص , ولكنّني تجوّزاً اعتبرتها (شورى) , ودليلي على ذلك السّقيفة , لا كما هي في التاريخ , بل كما تخيلتها

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) أقول : من الغريب المضحك أنْ يكون الإيمان ـ وهو حالة مع الله تكتسب بالجهد والرياضة والتربية ـ تثبت بالنّصّ للواحد دون الآخر ، فتلك روائع العدل الإلهي عند الوهابيِّين .

(2) إنّ الحجّاج هذا قتل العلماء والمسلمين عامّة وسفك دمائهم ، ويعزّ على أهل السنّة تكفيره , أمّا ورعهم عن تكفير الشّيعة , فزهيد ؛ لأنّهم يسبّون الصحابة . وهذا هو الجهل المبين .


الصفحة 50

ورسمتها في ذهني بالشّكل الذي تتناغم فيه مع الشّخصيات التي أقدّسها في ذهني جهلاً . وما فعله أبو بكر تجاه عمر بن الخطّاب ، هو مجرّد استثناء ؛ لأنّه ما وجد البديل الكفء .

والخلافة ـ كما تعلّمتها من السّنّة ـ ليست منصباً إلهي , وإنّما هي شأن من شؤون الدنيا تتمّ بالاتفاق . وأنّ الاتفاق الذي جرى في السّقيفة صحيح وتام . وأن يفرض عمر بن الخطّاب رأيه أمر طبيعي ؛ لأنّ الحقّ نزل على لسان عمر كما في الروايات , وأنّ الرّسول قد أخطأ وأصاب عمر أكثر من مرّة , وأنّ محمداً (صلّى الله عليه وآله) يقول : كلّما تأخّر عنّي الوحي ، كلّما ظننت أنّه نزل عليك يا عمر .

فليس عيباً أن يفرض عمر بن الخطّاب رأيه في السّقيفة ؛ لأنّه أكثر شدّة في دين الله ومهاب الجناب , يفرّ منه الشّيطان . أمّا عن أئمة أهل البيت (عليهم السّلام) , فإنّهم مجاهيل لا نعرفهم ، وإذا اتفق أن سمعنا بواحد منهم ، فليس له خاصّية تميّزه عن الآخرين .

لا أقول إنّ الإمام عليّ وفاطمة الزهراء والحسن والحُسين (عليهم السّلام) كانوا صغاراً في أعيننا . . . كلاّ ؛ والسّبب في ذلك , إنّ هؤلاء كانوا عظماء في نفوسنا منذ البداية , لقد ورثنا حبّهم وتفضيلهم(1) , وما زالوا كذلك حتّى ورد علينا التّيّار السّلفي وسمومه النّجدية التي لم تفلح في اقتحام مجتمع أصيل في حبّه للبيت النّبوي .

ولا أقول عنّي شخصيّاً أنّني يوماً ما كنت أفضّل أحداً على آل البيت (عليهم السّلام) , لقد أدركت منذ البداية أنّ العقيدة الوهابيّة (أخشن) من أن (تحتضن) روحي وقلبي , ولعلّي تصوّفت يوماً ما , وما كان لي أبداً أن أنفتح على عالم الحضرة ، أو أجد شمّة الأنفاس الرحمانيّة في عقيدة بدويّة جافة ، لا يتجاوز فيها القلب

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) أقصد الإسلام في بلاد المغرب لم يكن يتّفق مع التراث النّاصبي , لقد تأصّل حبّ البيت النّبوي في عقيدة المغاربة منذ تأسيس الدولة الإسلاميّة في المغرب .


الصفحة 51

والروح حدود اللحية ، أو عود الأراك أو المسك . ولم أكن أجد عمر في التصرّف إلاّ تجمّلاً من بعض المتصوّفة العليلين(1) .

ومن هذه النّافذة ، استطعت اكتشاف التراث الرّوحي لآل البيت النّبوي (عليهم السّلام) , الذي لم يستطع(2) ـ رغم شفافيته الخارقة ـ احتضانهم . وحالات الأئمّة من آل البيت (عليهم السّلام) مع الله ، ممّا لا يبلغه أهل المقامات العُليا في العرفان الإلهي . . . ولقد خرّ المتصوّفة أمام الإمام زين العابدين ـ علي بن الحسين (عليه السّلام) ـ عاجزين ، وأعلنوا إنّه من أهل الأسرار .

لقد جاء التيّار السّلفي ليوقف عليّاً ومعاوية على قدم المساواة ، ويكون اُولئك الرّموز من العترة الطاهرة ، مجرّد أفراد من المسلمين ليس إلاّ ، أمّا باقي الأئمّة من آل البيت (عليهم السّلام) , فليسوا شيئاً ، ولم نعرف عنهم ما يميّزهم .

وإنّنا لنعرف سفيان الثوري ، والعسيب ، والزهري ، وسعيد بن جبير ، وأبا يزيد البسطامي و . . و . . , ولا نعرف شيئاً عن الإمام الصادق ، والباقر أو الهادي . . . وقليل منّا مَن يعرف أسماءهم , ولا أحد يعرف عن تفاصيل سيرتهم . ليس ذلك لخلو آثارهم ؛ وإنّما بسبب التعتيم المفروض على فضائلهم منذ بداية الأئمّة , وإلاّ فإنّها راسخة في عمق التاريخ . وكانت الفضائل المزيّفة لرجالات العامّة بلغت من المبالغة جهداً , تحجب فيه بضبابها الكثيف عظمة آل البيت (عليهم السّلام) ؛ فعمر بن الخطّاب كان في كلّ فضائله على قدر من الكمال , لا يسمح لشخصيّة مثل الإمام عليّ (عليه السّلام) بالظهور في ثقافة السّنّة والجماعة , فهو الذي يحقّ يوم يخطئ النّبي (صلّى الله عليه وآله) , وهو الذي لو تدخل الاُمّة جميعهاً إلى النّار لنجى منه , وإنّ الله نصر الإسلام به(3) , وإنّه هو الذي

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) أو أحياناً يجدون في سيرة عمر ما يدعمون به آراءه الشّاذة ، واعتماداً على مرويّات غير صحيحة , وفي كلّ الأحوال لم تكن شفافيّة التصوّف تنسجم مع ما وصلنا من سيرة عمر .

(2) يعني : التصوّف .

(3) إنّ الجهل والعمى هو الذي يجعل الإنسان يصدّق هذه الحكايات الجوفاء , وأتحدّى من الشّرق إلى الغرب كلّ العالم السّنّي ، أن يثبت لي دور عمر بن الخطّاب في معركتين مصيريتن للاُمّة , هما : (بدر) و (اُحد) , هذا دون أن أضيف (الخندق) والباقي الكثير .


الصفحة 52

نفرت منه الشّياطين , وهو في عبقرية العقّاد ، أعظم من الواقع بكثير , بحيث من عبقرياته التي أحصاها عليه العقّاد , أنّّه كان يحلّق شعره عند أحد الحلاقين , فحنحن عمر ، وإذا بالحلاق يسقط مغميّاً عليه من الفزع , وتتحوّل (الدرّة) العمرية إلى إحدى مكونات عبقريته عند العقّاد ، وهلمّ جر .

أمّا أبو بكر من قبله , فهو كلّ شيء , فلقد وضع إيمان الاُمّة في كفّة ووضع إيمان أبي بكر في كفّة ، فرجحت كفّة أبي بكر ، وأنّه الصدّيق الأكبر , وإنّ الله بعث جبريل إلى محمد (صلّى الله عليه وآله) ليبلّغه السّلام ، ويبلّغ أبا بكر من ربّه السّلام ، ويقول له : إنّ الله راض عنك فهل أنت راض عنه . ويكفي هذا , يكفي أن يكون ربّ السّماوات والأرض يلتمس من أبي بكر الرضى .

وأمّا عثمان ، فهو ذو النّورين الذي تستحيي منه الملائكة ولا تستحي من الآخرين , وأنّه الرجل الذي صرف كلّ أمواله في نصرة الإسلام , وأنّه من المهاجرين السّابقين للإيمان ؛ وأمّا عائشة بنت أبي بكر ، فهي كلّ شيء ، وكأنّ الرّسول (صلّى الله عليه وآله) ترك النّبوة لديها ؛ فهي اُمّ المؤمنين الوحيدة دون غيرها التي يجب أخذ نصف الدين عنها . وهكذا ظلّت صورتهم في ذهني , وسأتطرق إلى ما ورد فيهم من فضائل ، حملتها روايات أهل الحديث ؛ لنعالج بعد ذلك مدى صدقها ونقف عند أهدافها .

وكنت بين الفينة والاُخرى أسمع أنّ الشّيعة غنوص وسبئيّون ، ولم أكنْ أعرف القصّة بالضبط , لكنّ بعد ذلك قرأت في كتب السنّة : إنّ بعض الغُلاة قد ألّهوا عليّاً وهم السّبئيّون , وهم الذين شكّلوا مصدراً فكرياً للشيعة بعده .

والسّبئيّون نسبة إلى عبد الله بن سبأ ، أحد اليهود المندسين ، يقول محمد رشيد رضا(1) : وكان مبتدع اُصوله اليهودية اسمه : عبد الله بن سبأ . أظهر الإسلام خداعاً ودعا إلى الغلو في عليّ (كرم الله وجهه) ؛ لأجل تحريف هذه الاُمّة وإفساد

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) السّنّة والشّيعة / 4 ـ 6 .


الصفحة 53

دينها ودنياها عليها .

وحتّى ذلك الوقت ، لم أكن أعرف كيف استطاع (عبد الله بن سبأ) أن يمرّر هذا التراث الشّيعي الهائل إلى أصحاب عليّ (عليه السّلام) , ولست أعرف من هو هذا الشّخص الذي أنعم الله عليه بهذه المقدرة على الإبداع , وهذه الخبرة في قلب المعادلات التاريخيّة من دون أن تضبطه عدسة المؤرّخين ، وأن يتمكّن من خلط الأوراق ، وكأنّه قفز أكثر من ألف سنة إلى الأمام ؛ ليتلقّى فنون التسلل والدعاية في مراكز (المخابرات الأمريكية والسّوفياتية) .

مَن هو ابن سبأ ؟ مَن هُم الغنوص ؟

هذا ما بقيت أتساءل عن معرفته ، ولم أجد له جواباً عند علماء السّنّة سوى تكرار لتلك الروايات المغرضة , وفجأة رأيت نفسي أتمثّل كوجيطو ـ ديكارتي جديد ـ منهجاً شكياً ؛ ابتغاء الحقّ , فكانت الأزمة يومه أزمة يقين ، وما أثقلها من أزمة على طلاب الحقيقة , ولكن كيف يتسنّى لي الخروج من هذا المأزق الاعتقادي ؟


الصفحة 54


الصفحة 55

الفصل الثاني :

مرحلة التحوّل والانتقال :


الصفحة 56


الصفحة 57

دوّت المدافع في آفاق الخليج ، وحمي الوطيس ، واهتزّت الأوضاع الأرضية والسّياسية في المنطقة , انتشر الغضب الشّيعي في كلّ مكان من الدنيا , وفي كلّ الأصقاع سجلت عمليات كفاحية , تبعث بأريج الدم الحسيني , خلّدت وراءها الدمار والكوارث السّياسية والاجتماعية .

التاريخ الآن يضحك بقوّة ويرفع صوته عالياً ؛ ليهوى به على الهامات الذليلة , فيدع عليها الأخاديد الحمراء عاراً ظلّ يرفس في رحاب الجبروت ؛ ليعلن حقّه في عصر الكفاح . اختلف النّاس مشارب عديدة إزاء ما جرى في هذه المنطقة , البعض ضاقت في عينيه الرؤية فأوّلها بمحدودية ذهنية , والبعض الآخر رأى فيها ناراً على علم الرّذيلة قد اشتعل , وكشفاً مباغتاً عن وضع بات منوماً حيناً من الدهر لم يكن فيه للحقّ سلطاناً .

أعادت النّهضة الشّيعية شرف قضيتها ، وأبرزت على العالم كلّ العالم ، سؤالاً كنّا نظنّ أنّه انتهى واُقبر مع الغابرين , وأنّ العصر لا يتسع لمثل هذا من التساؤلات (الظلاميّة) المسبوكة بخيوط العنكبوت العتيقة . قالوا : إنّه صراع قديم . قلنا : وهل حسمتموه حتّى ننهيه ؟! قالوا : تلك فتنة طهّرنا الله منها , وليس لنا مصلحة في استحضارها والخوض فيها .


الصفحة 58

قلنا : حسناً , وهلاّ أنصفتم التاريخ ؟ وهلاّ تبرّأتم من الظالمين ؟ وهلاّ اخترتم طريقاً غير طريق الأقدمين الفتّانين حتّى لا تروا في أنفسكم الحاجة إلى الرجوع ؟

ثمّ كيف طهّرنا الله منها وهي ما زالت حاضرة فينا بعيوبها ومسوخاتها , وتسأل النّاس وتساءلنا معهم , وانتصر السّؤال الحقيقي مع انتصار النّهضة الشّيعيّة الكبرى , مع بروز عاشوراء بكلّ مراسيمها الدّامية , تطرح قضيتنا من جديد وبلغة البكاء , على عالم يدّعي أنّه أستدرك أخطاء الماضين وشرّع القانون , عادت القضيّة يوم عادت (الدّمعة الشّيعيّة الرقيقة) , يوم تداخل السياسي بالاعتقادي في محراب النّضال المقدّس , وقالت السّماء يومها كلمتها ، وتحقّقت النّبوءات الرسوليّة : (( لو كان الإسلام في الثري ، لناله رجال من فارس )) .

في هذه الأجواء المتوتّرة وعلى بساط الأحداث السياسيّة وحفيف الفتن العاصفة , طرحت سؤال على نفسي : لماذا هؤلاء شيعة ونحن سنّة ؟ تحوّل هذا السؤال في ذهني إلى شبح يطاردني في كلّ مكان , يسلبني في كلّ اللحظات مصداقيته , نعم , فلا حقّ لي أن أزوّد فكري بالجديد ؛ حتّى أحسم مسلّماتي الموروثة واُسسي الاعتقادية الجاهزة . وما قيمة أفكار تتراكم على ذهني من دون أن يكون لها أساس اعتقادي متين .

تجاهلت الأمر ـ في البداية ـ وتناسيته حتّى اُخفّف عن نفسي مضاضة البحث ، بيد أنّ ثقل البحث كان أخفّ عليّ من ثقل (السّؤال) , وأقلّ ضغطاً من ضمة الحيرة والشّك المريب .

وقع بين يدي كتابان يتحدّثان عن فاجعة كربلاء وسيرة أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السّلام) , الأمر هنا أشدّ مرارة من ذي قبل ؛ إنّني ولأوّل مرّة أجد كتاباً يحمل لهجة من نوع خاص , مناقضة تماماً لتلك الكتب التي عكفت على قراءتها , لم أكن أعرف أنّ صاحب الكتاب رجل شيعيّاً ؛ لأنّني ما كنت أتصوّر أنّ الشّيعة مُسلمون , فكانت تختلط عندي المسألة الشّيعيّة بالمسألة البوذيّة أو السيخيّة , والوضع (السّنّي) لا يجد حرجاً في أن يملي علينا ذلك , ولا يستحي من الله ولا


الصفحة 59

من التاريخ ليغذّي نزعة التجهيل والتمويه , إنّه كان يكرّس هذه النّظرة لدى الأفراد ولا يصحّح مغالطاتهم , وفجأة وجدت نفسي مخدوع , لماذا هؤلاء لا يكشفون الحقائق للناس كما هي في الواقع ؟ لماذا يتعمّدون إبقاءنا على وعينا السّخيف تجاه أكبر وأخطر مسألة وجدت في تاريخ المسلمين ؟ ثمّ لماذا لا يتأثّرون بفاجعة الطّفّ العظمى ، تلك التي ماجت في دمي الحار بالأنصاف والتوق إلى العدالة ؟ فتدفقت بالحسرة والرّفض والمطالبة بالحقّ الضائع في منعطفات التاريخ الإسلامي .

وطبعي الذي لا أنكره ولن أنكره ، إنّني لا أحبّ الخادعين والجاهلين ، ثمّ وإنّي لناقم على هؤلاء وأرافعهم إلى الله والتاريخ . كنت في تلك الفترة صاحب بساطة عقائدية كباقي النّاس , وببساطتي هذه كنت أبدو أوعاهم عقيدة , وكنت ذا ثقافة أحادية ، هي ثقافة أهل السّنّة والجماعة . فالجو الذي أحاط بي ، هو جو الصحوة البتراء النّائمة التي انحرفت بوعيي إلى مواقع تافهة , وفجأة وجدتني ملتزماً بخطّ لا أعرف له أساساً تاريخياً .

وصرت واحداً من (الإخوان) المناضلين الذين ضاقوا بظلم الواقع ، وأرادوا أن يعيدوا سيناريو العذاب الذي جرت وقائعها في السّجن الحربي (وليمان طرة) في مصر . كانت خيالاتي قليلة الخصوبة لا تتجاوز (المذابح) و(لماذا أعدموني) , كنت أهوى التمثيل والمسرح ، لذلك انطلقت كالسّهم إلى مغامرات سخيفة .

في تلك اللحظة ، غمرتني أدبيات الحركة الإسلاميّة , وأخذت منّي مأخذها وتملكني فكر (المحنة) لدى سيّد قطب ، بكلماته المشعّة أدباً ، والتي حملت في أحشائها تلك الظلال الوارفة بياناً وبديعاً , فأبيت إلاّ أن أغزو الظلم قبل أن يغزوني , ولعلّي تعثّرت كثيراً بسبب الأدبيات التي عبثت بوعيي الصغير يومئذ . ولا أنكر أنّني كنت من أنصار (الهجرة والتكفير) , وإنّني ما أزال أحفظ عن ظهر قلب تراتيل الفريضة الغائبة .

وفي لحظة من عمري ذهبية , طرحت على نفسي سؤالاً : ترى ، ما هو هذا الظلم الذي ما زلت كلّ حياتي أشكتي منه , وأفرض من


الصفحة 60

خلاله كلّ الأوهام على نفسي ؟

لم أجد جواباً شافياً في ذهني , سوى ما ركز في نفسي من أدبيات حركية استلهمتها من كتابات معيّنة , وكلمات جميلة لم أجد لها في ثقافتي الجمهورية(1) بديلاً . سارت هذه الكلمات الفضفاضة الفارغة من مضامينها العلميّة والواقعيّة ، تدق الطبول في ذهني حتّى صرت كالمهووس لا قرار لي .

فاجعة الطّفّ :

هذه وحدها الحدث الذي أعاد رسم الخريطة الفكريّة والنّقيّة في ذهني .

إنّ هذا الظلم الذي أشكو منه اليوم , ليس جديداً على الاُمّة , فلقد سبقه ظلم أكبر , وعلى أساس هذا الظلم القديم , قالت لي أفكاري : إنّ هؤلاء الظالمين اليوم يسلكون طريقاً أسّسه رجالات كانوا يشكّلون حجر عثرة أمام مسيرة الأئمّة من آل البيت (عليهم السّلام) , حتّى إذا ورد جيل المحنة حالياً , فأراد أن ينظّم مشروعاً لمعارضة الظلم السياسي في الاُمّة , على قاعدة الظلم نفسه الذي كان سبباً في التمكين لهؤلاء الظلمة .

 سؤال غريب ، لكنه واقعي(2) . ترى تناقضاً رهيباً بين تنزيه ظلمة الماضي وتثوير المجتمع على ظلمة الحاضر , فما الفرق بين الماضي والحاضر ؟ ثمّ قالوا : إنّ هذا ليس دورنا الآني , فيكفي أن نحارب الاستعمار والاستكبار الخارجي وما فات مات .

قلت : هذا جميل , ولكن اعترفوا بي إذاً وصحّحوا رؤيتكم تجاهي ، ثمّ نتوحّد في الثورة والكفاح .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) نسبة إلى الجمهور .

(2) كنت أتسأل : لماذا أحارب هذا الظلم وفي فقه الجماعة ما يدعمه , وقد قال سعيد حوى في إجاباته : لا نمضي بعيداً عن احتجاجات العصرة , من لم يدخل في بيعة الإمام الظالم , فالأمر في حقّه واسع ـ أي : يجوز الخروج وعكسه أيضاً ـ لكن الأفضل له الدخول والطاعة .


الصفحة 61

إنّني أكتب هذا الكلام بعد أن حاولت جهدي أن أهمّش التاريخ للتوّحد في المسؤولية , لقد أفسدوا عليّ غير مرّة أمري , حتّى ذلك الأمر الذي لم نكن نريد به سوى مقاومة ظلم الواقع .

كنت كلّما طرحت سؤالاً على نفسي ، رأيت شيطاناً يعتريني ويقول لي : دع عنك هذا السؤال , فهل أنت أعظم من ملايين المسلمين الذين وجدوا قبلك ؟ وهل أنت أعلم من هؤلاء الموجودين حتّى تحسم في هذه المسألة ؟

كنت أعلم أنّ هؤلاء الملايين لم يطرحوا هذا السؤال على أنفسهم بهذه القوّة والإلحاح , وكنت أعتقد رغم ذلك , أنّ المسألة لا تحتاج إلى شهادة أزهرية حتّى نحسم فيها , إنّها مسألة ظلم بواح عرفه القاصي والداني من العالم , وهل معرفة الظلم تحتاج إلى عقليّة أفلاطونيّة رفيعة ؟

ثمّ لماذا تقولون : ملايين المسلمين ؟ أنا اُريد أن تقولوا : ملايين (من) المسلمين هم أصحاب مذهب السّنّة والجماعة ؛ لأنّ الخطّاب الأوّل إذا قيل بهذا اللفظ , فهو ينطوي إذاً على مزاجية خاصّة , هي مزاجية الإلغاء لملايين المسلمين غير أهل السّنّة والجماعة ، وهُم من الشّيعة الإماميّة والزيديّة . . . في هذا العالم .

قالوا : لا , مع ذلك فأنت صغير ولا يجوز على أيّ حال شقّ الصف ومخالفة الجماعة ؛ لأنّ الرّسول (صلّى الله عليه وآله) يقول : (( يدُ الله مع الجماعة ، وإنّ اُمّتي لا تجتمع على ضلالة )) .

وعلى كلّ حال ، فلم تكن هذه الاعتراضات الوسواسية بالتي تردّني عن اندفاعي إلى كشف الحجاب عن الحقيقة المخبوءة , لكن شيئاً حزّ في نفسي , وهو هذه الكثرة الغالبة , لقد كبرت في عيني وصعب عليّ مخالفتها لولا أن هداني الله , بيد أنّ شيئاً واحداً جعلني أنتصر عليها ولا أبالي , وهي عندما وجدتها جاهلة واستحضرت (جدّيّتي) التي ورثتها من فكر (الهجرة والتكفير) , فهذا الأخير على علاته علّمني كيف أخالف المجتمع الجاهلي , فهذا احتياط جليل مكّنني من الصمود أمام الأمواج البشريّة المتدفّقة , والتي ليس لها منطق في عالم الحقائق سوى كثرتها .


الصفحة 62

كنت أطرح دائماً على أصدقائي قضية الحسين المظلوم وآل البيت (عليهم السّلام) , لم أكن أطرح شيئاً آخر . فأنا ضمآن إلى تفسير شاف لهذه المآسي ؛ لأنّني ـ وبالفطرة التي أكسبنيها كلام الله جلّ وعلا ـ لم أكن أتصوّر وأنا مسلم القرن العشرين ، كيف يستطيع هؤلاء السّلف (الصالح) أن يقتلوا آل البيت (عليهم السّلام) تقتيلاً .

 لكنّ أصحابي ضاقوا منّي وعزّ عليهم أن يروا فكري يسير حيث لا تشتهي سفينة الجماعة , وعزّ عليهم أن يتّهموني في نواياي ، وهم قد أدركوني منذ سنين البراءة وفي تدرّجي في سبيل الدعوة إلى الله , قالوا بعد ذلك كلاماً جاهلياً ؛ لشدّ ما هي قاسية قلوبهم تجاه آل البيت (عليهم السّلام) (1) .

ومن هُنا بدأت القصّة ، وجدت نفسي أمام موجة عارمة من التساؤلات التي جعلتني حتماً أقف على قاعدة اعتقادية صلبة , إنّني لست من اُولئك الذين يحبّون أن يخدعوا أو ينوّموا . لا أبداً ، لا أرتاح حتّى أجدّد منطلقاتي وأعالج مسلّماتي , فلتقف حركتي في المواقف ما دامت حركتي في الفكر صائبة .

هنا لا أتكلّم عن الأوضاع الاُخرى التي ضيّقت عليّ السبيل , وإعلان البعض ـ غفر الله لهم ـ عن مواقفهم الشّاذة تجاه قضية كهذه لا تحتاج إلى أكثر من الحوار . إنّ هذه الفكرة التي انقدحت في ذهني باللطف الإلهي , جعلتني أدفع أكبر ثمن في حياتي , وكلّفتني الفقر والهجرة والأذى , وما زادني في ذلك إلاّ إيماناً وإصراراً . وتذكّرت قولة شهيرة للإمام عليّ (عليه السّلام) لمّا قال له أحد شيعته : إنّي أحبّك يا أمير المؤمنين . فأجابه : (( إذاً فأعد للفقر جلباباً )) .

إنّ هذا الطريق طريقٌ وعرة , فيه تتجلّى أقوى معاني التضحية , وفيه يكون الاستقرار والهناء بدعاً ؛ فأئمّة هذا الطريق ما ارتاح لهم بال ولا قرّ لهم جنان , لقد يُتّموا وذُبّحوا ، وحُوربوا عبر الأجيال .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) وإنّ الواحد منهم يكفّر كلّ حكومات مصر ، لمّا يُذكر مقتل حسن البنا وسيّد قطب , وهم يعلمون أنّ الذين قتلوا الحسين (عليه السّلام) وآل البيت (عليهم السّلام) هُم أشدّ كفراً ونفاقاً ، لكنّهم يتأدّبون معهم .


الصفحة 63

إنّ قصّتي مع الواقع الأمني والاجتماعي لا موقع لها في هذا الكتاب , ولكنّ التركيز هنا ، سيكون على المسألة الشّيعيّة وما دار حولها من مطارحات وسجالات . لم تكن عندي يومها المراجع الكافية لاستقصاء المذهب الشّيعي , لكنّني أسندت ذلك القليل الذي أملكه من كتب الشّيعة , بدراساتي النّقدية والمعمّقة ، لكتب أهل السّنّة والجماعة .

قال لي أحد المقرّبين يوماً : مَن الذي شيّعك ؟ وأيّ الكتب اعتمدته ؟ قلت له : أمّا بالنّسبة لمَن شيّعني ، فإنّه جدّي الحسين (عليه السّلام) ومأساته الأليمة ؛ أمّا عن الكتب ، فقد شيّعني صحيح البخاري والصحاح الاُخرى . قال : كيف ذلك ؟ قلت له : اقرأها ولا تدع تناقضاً إلاّ أحصيته ، ولا (رطانة) إلاّ وقفت عندها ملّياً . . . إذ ذاك ستجد بغيتك .

 كان لدي أخ أصغر منّي يسألني باستمرار عن التشيّع , وكنت أقول له : أنت تعرف تقرأ ، فعليك بالبحث الشّخصي ، وإذا أوقفك شيء ساعدتك . فأنا أضجر من أن أورث للآخرين أفكاراً جاهزة , ولعلّه اليوم وصل . ويعلم الله أنّني رسّخت قناعاتي الشّيعيّة من خلال مستندات أهل السّنّة والجماعة أنفسهم , ومن خلال ما رزحت به من متناقضات , وكان الكتاب أحياناً يتعرّض بالشّتم والسّباب للشيعة , وإذا بي ازداد بصيرة ببراءتهم . كما لا أخفي واقع روحي التي تمزّقت ، وهي تلهث خلف المخرج من هذه التناقضات . ويشهد الخالق وهو حسبي ، أنني كنت أسهر الليالي وأنا أقرأ وأدعو الله أن يجد لي مخرج ، وكان دعائي الذي يلازمني : اللّهمّ , أرني الحقّ حقّاً وارزقني اتّباعه ، وأرني الباطل باطلاً وارزقني اجتنابه .

في يوم من الأيّام لم يبق لي سوى أن أخلع جبّة أهل السّنّة والجماعة , فلم يبق أمامي دليل واحد يسند مصداقية مذهبهم , غير أنّ العادة ـ قبّحها الله ـ حالت دوني وبين التغيّر ، وما أصعب المرء وهو يتحوّل من مذهب لآخر ، وما أشدّ برزخ


الصفحة 64

الانتقال الاعتقادي . لا بدّ لي إذاً من محفّز روحي يشجّعني على هذا الانتقال . لا بدّ من شمّة رحمانيّة ؛ تكشف لي الغطاء عن الاختيار الرّشيد .

كانت ليلة غنية بطلب الرّحمان والإلحاح عليه ؛ لكشف هذه الغمّة عنيّ . فلقد أوصلني عقلي إلى هذه النقطة ، ولم يبق لي إلاّ التوسّل بالخالق الجليل . في تلك الليلة ، رأيت رؤية أودعت في قلبي طمأنينة رائعة , رأيت أنّي قصدت بيت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وكانت عائشة هي مَن فتح عليّ الباب ، وسألتها عن الرّسول (صلّى الله عليه وآله) , فأشارت إلى أنّه هناك في الغرفة , دخلت عليه (صلّى الله عليه وآله) وهو ملقى على فراشه يتأمّل السّماء , اقتربت منه , وإذا به ينتبه إليّ , فأخذ مكانه جالساً وسلّمت عليه وعيني من الرّهب دامعة , وكان الطعام الذي وضعه إليّ (صلّى الله عليه وآله) من جنس طعام العرب ، لكنّه خال من اللحم , كنت منشغلاً بطرح السّؤال ؛ فأخشى أن تفوتني هذه الفرصة , فسألته عن الشّيعة(1) ومآسيهم وأنّ هذا حتماً يؤلمه , فطأطأ رأسه وقال لي : (( نعم يا بُني ، نعم )) . ثمّ دعاني إلى الطعام . . . فأكلت والدموع لمّا تجفّ من عيني .

إنّ الاُمّة التي قتلت الحسين (عليه السّلام) وسبت أهله الطاهرين لا يمكنني الثقة بها مطلقاً , ولا يمكنني أن أأوّل هذه الأحداث لصالح الفكر الفاسد , مثلما لا أستطيع تأويل الدم الطاهر بالماء الطبيعي , إنّ هذه الدماء التي سالت ليست مياه نهريّة , إنّما هي دماء أشرف من أوصى بهم النّبي (صلّى الله عليه وآله) في هذه الاُمّة ، أفقدتني الاُمّة الثقة في نفسها , ومهما قالوا فإنّهم لن يقنعوني بأنّ دم الحسين (عليه السّلام) لم يرق بيد مسلمين حكموا الاُمّة الإسلاميّة , وكان تعامل أئمة السّنّة والجماعة معهم تعاملاً حسناً .

الاُمّة التي لم ترع أبناء الرّسول (صلّى الله عليه وآله) بعده ، لا يمكن أن ترع سنّة بعده , قل ما شئت , قل : إنّ المسلمين في العهد الأوّل اجتهدوا في قتل آل البيت (عليهم السّلام) .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) كانت يومها الحرب العراقية الإيرانية على أشدّها ، وقد بدأ العالم جميعه يلتفت إلى إيران على أساس إنّها العدو الأوّل , وسألته يومئذ عن الإمام الخميني (قدّس سرّه) وعندها أقرني ، مطأطأ رأسه .


الصفحة 65

وقل : إنّ هذه الأفكار التي وردت في كتب الشّيعة دخيلة ولا حقيقة لها في التاريخ الإسلامي , لكن هل يستطيع واحد من المسلمين من المحيط إلى المحيط أن يدّعي أنّ الحسين (عليه السّلام) لم يمت شهيداً مظلوماً بأمر من أمير المؤمنين (يزيد بن معاوية) , وبفتوى رسمية من (شريح القاضي) وسيوف الجيش الاُموي الحاقد .

في بيئة ترعرع فيها فكر العامّة وعلى أثر حدث فريد من نوعه في تاريخ الإسلام , هو حدث تحويل الخلافة إلى ملك عضوض(1) ، حيث يُنصّب (يزيد بن معاوية) غصباً على المسلمين , وإنّ العام الذي اضطرّ الحسن (عليه السّلام) أن يتنازل عن الخلافة لمعاوية حقناً للدماء , سُمّي عام الجماعة . كلاّ وألف كلاّ , فلا أحد يستطيع ذلك ؛ لأنّ التاريخ أبى إلاّ أن يبقى أميناً لقضايا المستضعفين ولو كره المفسدون .

كنت وقتذاك أبحث عن شيء واحد ، هو أن أتأكّد من حقيقة العلاقة والتلازم بين الفكر الشّيعي والأئمّة من آل البيت (عليهم السّلام) , وهل هُم فعلاً مصدر هذه الأفكار ؟ أو أنّ الفكر جديد كلّ الجدّة ، ولم يكونوا قد تداولوه في عصر الأئمّة ؟

إنّني أدركت بعد ذلك , أنّ الأئمّة كانوا أكبر من أن يتبعوا غيرهم , وما ثبت في التاريخ الإسلامي أن تعلّم إمام من أئمّة أهل البيت (عليهم السّلام) على يد عامية , بل هُم في الأغلب كانوا أساتذة لأئمّة أهل السّنّة والجماعة ، الذين ما لبثوا أن مالوا واستكانوا لرغبة الاُمراء والخلفاء ، وسكتوا عن أشياء وضمّموا اُخرى , وأخضعوا فكر الاُمّة لغريزة (البلاط) .

والسؤال : هل ما عليه الشّيعة اليوم من عقيدة وعبادات , كان جارياً في عصر الأئمّة(عليهم السّلام) ؟ بينما أنا أتصفّح تفسير (ابن كثير) , إذا بي أعثر على تفسير الآية الكريمة : ( وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ )(2) . حيث أورد وجهات النّظر الفقهية المختلفة بين القائلين بالغسل والقائلين بالمسح , استحضر خطاباً للحجاج بن يوسف الثقفي

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) أي من خلافة مغتصبة إلى ملك عضوض أنكى وأمر .

(2) سورة المائدة / 6 .


الصفحة 66

يقول فيه بالغسل , وكان هو الخطّاب الحاسم في تفسير ابن كثير للآية الكريمة .

وأورد قصّة عن أصحاب زيد بن عليّ (رض) , قال ابن أبي حاتم : حدّثنا أبي حدّثنا إسماعيل بن موسى , أخبرنا شريك عن يحيى بن الحرث التيمي ـ يعني الخابر ـ قال : نظرت في قتلى أصحاب زيد , فوجدت الكعب فوق ظهر القدم , وهده عقوبة عوقب بها الشّيعة بعد قتلهم ؛ تنكيلاً بهم في مخالفتهم الحقّ وإصرارهم عليه (1) , وهكذا قتلوا في المعركة ومسخت جثتهم ، حيث انقلبت أكعابهم إلى ظهر الرجل .

الله أكبر! وشهد شاهد من أهلها , إنّ هذه الممارسة الفقهيّة والعباديّة لم تأت من الأهواء اللاحقة , بل كانت متداولة في عصر الأئمّة ، وتحت سمع واحد من قيادات بني هاشم والمقرّبين إلى الأئمّة ، وهو زيد بن عليّ بن الحسين (رض) . فإذا كان زيد بن عليّ (رض) وأصحابه مُسخوا في تفسير ابن كثير ، فيا تاريخ سجّل أنّني أوّل الممسوخين .

 إنّ هذا ليس هو أوّل لغم في تراث أهل الجماعة يفجّر غضبي ، ففي مقدّمة ابن خلدون حقيقة اُخرى يجب الوقوف على وقاحته , إذ قال : وش أهل البيت في مذاهب ابتدعوها وفقه انفردوا به ؟ إنّ هذا يعني , أنّ المتهم الأوّل هُم آل البيت (عليهم السّلام) الذين قال فيهم الرّبّ سبحانه : ( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا )(2) . هذان المثالان طمأناني على مدى تمازج (الشّيعة) بآل البيت (عليهم السّلام) , وكأنّ أهل البيت (عليهم السّلام) أيضاً موضع اتهام مع أشياعهم .

خرجت إلى السّاحة بقوّة , بعد أن تشبّعت بكلّ المقوّمات السّجاليّة الكلاميّة , وبعد أن وقفت على آخر تذرّعات (العامّة) , وحصلت لي سجالات كثيرة وحوارات طوال مع مختلف طباقاتهم . ويعلم الله أنّهم كانوا في كلّ

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة المائدة , آية / 28 , ذكر الأحاديث الواردة في غسل الرجلين , وإنّه لا بدّ منه ، (تفسير القرآن العظيم الجزء الثاني لابن كثير) دار بيروت لبنان .

(2) سورة الأحزاب / 33 .


الصفحة 67

الأحوال ضعيفي الحجّة سقيميها , هزيلي المنطق عليليها , لا يصمدون أمام أبسط مقولة عقلية في الحوار .

كيف يراد لي أن أسلك مذهباً يقوم على الصنميّة التاريخيّة ! إنّني أدركت منذ البداية , إنّني لست على (الإسلام) كما كانوا يدّعون , وإنّما على مذهب من الإسلام اسمه (مذهب أهل السّنّة والجماعة) , كيف يعقل أن تُلغى المذاهب الاُخرى ويبقى مذهب واحد مستبدّ بعقول النّاس , ولم تكن له قدرة على الاستمرارية ؛ إلاّ لأنّه بقي مذهباً رسميّ لكلّ الدول التي تعاقبت الخلافة في ما بعد .

 

الصفحة السابقة

الصفحة 68


الصفحة 69

الفصل الثالث :

وسقطت ورقة التوت :


الصفحة 70


الصفحة 71

كلمة البدء :

سنحاول ضبط النّفس في معركة (إعادة تحليل التاريخ) لنخبة القراءات ذات البُعد الاستعراضي وذات التطلّع الايديولوجي , نريد أن نحلّل فقط ونركّب في عمق الحدث لا خارجه , أي لا نركّب من أجل نتيجة خارجة عن إطار الحدث ؛ لنجعل صورتها الحقيقية واضحة للعيان . أنا هُنا أتناول المسألة (الشّيعيّة) من وجهة نظر تاريخيّة وليس من وجهة نظر مذهبيّة ، أي : ما هي المسألة وما خلفيات نشوئها من خلال الحدث وصورتها الحقيقية . والتحليل والتركيب ، وهما عمليتان مزدوجتان ، ليستا سوى إجراء منهجي للكشف عن الحدث ، مجرّداً عن الأوهام التي تعلّقت به .

إذاً , نحن لا نقوم بعملية تركيبيّة على التاريخ الإسلامي ، وهي العمليّة التي تطغى على أغلب مؤرّخي هذا التاريخ ، وإنّما نريد أن نحلّل . والعملية التحليلية ، ليس سوى تفكيك للمركّب التاريخي الموضوعي ؛ من أجل الوصول إلى أجزائه البسيطة التي ساهمت في تكوينه ؛ ولهذا سنبدأ بشبهة الأطروحة (السّبئيّة) المفتراة على (الشّيعة) وعلى تهمة الأصل الغنوصي والثنوي الفارسي للتشيّع , كما ذهب غفير من المؤرّخين القدماء , ونقل عنهم بعض المعاصرين من ذوي النّظر الموروث .

هل أصل الشّيعة سبئية وغنوص وزرادشتية إيرانية ؟

أظنّ أنّ الذين قالوا بذلك ، كانوا (بهلوانيين) أكثر مما هُم مؤرّخون ؛ ففي عصر استخدام العقل والمعايير العلميّة ، الطرحات الغنوصيّة والسبئيّة , تدّل على


الصفحة 72

ركاكة عقل وفجاجة فكر , وربما جهل أغلبهم (التاريخ) مستقلاً عن (المذهبية) أو مستقلاً عن المدرسة الأموية ، ولعلّه جهل الغنوص والزرادشتية معاً .

يحاول الكثير من المؤرّخين إبراز (السّبئيّة) كمفتاح لفهم الظاهرة (الشّيعيّة) , وذلك ؛ لأنّها أقرب المفاهيم إلى المؤرّخ (البهلواني) , حيث لا تكلّفه عناء البحث , فيكتفي بالقشور ويستنكف عن الغوص في الأعماق .

وقصّة السّبئيّة : إنّ رجلاً يهودياً من صنعاء باليمن ، اُمّه حبشية ؛ لذلك سمّي بابن السّوداء , كان قد أظهر إسلامه في عهد عثمان , وخاض عملية نشر الأفكار الهدّامة مستعيناً بمفاهيم يهوديّة , وكان أحد مصادر القلاقل والفرقة في زمن عثمان , وعلى هذا المنوال ، حبك مؤرّخون كثر أساطيرهم .

 يقول الجابري(1) : وإنّ جميع من له إلمام بأحداث القرن الهجري الأوّل , يعرف كيف أنّ مصادرنا التاريخيّة أو بعضها على الأقلّ المصادر السّنيّة عموماً , تجعل (الفتنة) زمن عثمان من تدبير شخص اسمه (عبد الله بن سبأ) . ثمّ قال أيضا : وقد أطلقت مصادرنا التاريخيّة على حركة المعارضة لمعاوية اسم (السّبئيّة) ؛ نسبة إلى عبد الله بن سبأ .

هذا(2) ويبدو أنّ الجابري الذي دخل التراث من (خشمه) , لم يستطع التحرّر من التقليد الموروث , فهو لم يجتهد من وراء تلك الموروثات التاريخيّة الجاهزة , مع أنّه في مقدّمة العقل السّياسي العربي حاول جهده ليقنع القارئ ، بأنّه سيعتمد أرقى ما أنتجت العلوم الإنسانية من مناهج في سبر المعرفة , بل وأين هي علمويته واركيولوجيته التي اعتمدهما لقراءة التراث , وهل (ميشل فوكو) على (اورباويته) , وماركس على (ماديته) , وباشلار على (قطائعه) , يستطيع أن يقرأ التاريخ من زاوية (السّنّة) فقط .

كذلك تلّتقي النّظرة التقليديّة بالنّظرة

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) العقل السّياسي العربي / 207 .

(2) نفس المصدر / 207 . أقول : وعلى هذا يكون عليّ (عليه السّلام) وأبو ذر (رض) السّبئيّة الأوّل .


الصفحة 73

(الحداثويّة) في الموقف ضد الشّيعة في التاريخ .

والجابري يعبّر عن هذا التقليد الموروث بـ (مصادرنا المصادر السّنيّة عموماً) . والإلمام الذي عرضه كمقدّمة لطرحته (البهلوانية) , هو الإلمام المبتور عن جميع مَن له إلمام بأحداث القرن الهجري الأوّل , فهذا الإلمام الذي يتحدّث عنه (الجابري) , هو لالمام واحدي يناقض مفهوم (الإلمام) الموضوعي .

نقول للجابري : إنّك تدعونا إلى الإلمام ولن يحصل هذا إلاّ ضمن المصادر السّنيّة ، أي : المصادر المعادية للشيعة . وهذا انحراف موضوعي يكشف عن النزوة المذهبيّة الجامحة ؛ ولذلك لا يستحي أن يتقدم بتساؤل تحليلي : كيف نفسّر الطابع الغنوصي الهرمسي الذي طغى على (التشيّع مند وقت مبكّر)(1) ؟

فهو يفسّر حقائق جاهزة ويبحث لها عن المسوّغات العلمويّة الايديولوجيّة , من دون التفكير في طرح السؤال خلف هذه الحقائق ومناقشتها في ذاتها وإلى أيّ حدّ هي موضوعيّة . فالبناء منذ البداية مذهبي خلافاً لما ادّعاه من حياد , وهذا هو البؤس التاريخي كما يحترفه (حداثيو) السّنّة(2) . ولم أكن أعلم أنّ الجابري إلى هذا المستوى من البساطة في تقبّل الحقائق التاريخيّة , هل هو فعلاً مخلص في طرحته ؟ أم أنّه يستغلّ الفراغ المعرفي في بيئة يحدّد المذهب وعيها التاريخي ؟

 يقول : بأنّ السّبئيّة هُم أوّل من أطلق على علي بن أبي طالب لقب (الوصي) . سوف نبيّن للجابري , أنّه يرمي الكلام على عواهنه ، وبأنّه لا يحسن قراءة التاريخ , فهو لم يأت بجديد بقدر ما ارتبط بمصادر أهل السّنّة والجماعة , مع أنّه تفلسف في أكثر من قضية في التاريخ الإسلامي . فهذا إن دلّ على شيء , فإنّما يدلّ

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) نفس المصدر / 213 .

(2) مشكلة التراث وأزمة المنهج ، د . الجابري , نموذجاً : هاني إدريس (البصائر ، العدد / 8) صيف (1413 هـ , ‍ ـ 1992 م) .


الصفحة 74

على العجز والكسل في التماس الحقيقة التاريخيّة عن طريق الجهد والجهاد (العلمي) . والذين استلهم منهم الجابري وغيره من المعاصرين (قذيفة) السّبئيّة هُم مؤرّخو السّنّة فقط .

ذكر ابن كثير في البداية والنّهاية : ( وذكر سيف بن عمر : أنّ سبب تألّب الأحزاب على عثمان , إنّ رجلاً يُقال له عبد الله بن سبأ , كان يهودياً فأظهر الإسلام وصار إلى مصر , فأوحى إلى طائفة من النّاس كلاماً اخترعه من عند نفسه)(1) .

إنّني لا أزال أتتبّع حقيقة السبئية حتّى وجدتها أبأس (تلفيقة) في تاريخ الإسلام , بحيث سرعان ما تلاشى تماسكها وتداعى صرحها التلفيقي , لينتهي إلى مصدر مجهول كمجهوليّة ابن سبأ نفسه . والذين ربطوا بين التشيّع والسّبئيّة ليسوا إلاّ مستهلكين لبضاعة اُمويّة عتيقة .

يقول د . إبراهيم بيضون : والسّبئيّة أسطورة كانت أم حقيقة ، فهي على هامش التشيّع ومتناقضة في الصميم مع الفكر الشّيعي بخلفيته السّياسيّة البحتة(2) .

لقد أجاد المؤرّخون السّنّة تقنية التصوير التاريخي التركيبي حينما جعلوا من (عبد الله بن سبأ) صورة تبلغ حدّ الأسطورة , بحيث جعلوا منه شخصية قادرة على النّفوذ في اللاشعور الإسلامي ؛ لإعادة تشكيله , وجعلوا منه مرجعاً لأفكار كانت هي المرتكز الأساسي للمعارضة التي تزعّمها كبار الصحابة ضد عثمان , ولمّا كانت معارضة عثمان ذات مسلك جماهيري تقدمه رجال من كبار الصحابة ، حاول المؤرّخون السّنّة التلفيق على عادتهم والتهجّم على أحد أكابر الصحابة ، وهو أبو ذرّ الغفاري , واعتبروا عبد الله بن سبأ هو ملهم أفكار أبي ذرّ (رض) , وهو الذي حرّضه على معاوية بالشّام وبالتالي على خلافة عثمان .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) البداية والنّهاية ابن كثير 7 / 167 .

(2) الدولة الاُمويّة والمعارضة / الطبعة الثانية / 1405 هـ , ‍ 1985 م , بيروت الحمراء / 45 .


الصفحة 75

وهم يردون بذلك القول , بأنّ أبا ذر (رض) لم يكن على بيّنه من دينه , وكان يحتاج إلى رجل يهودي حديث الإسلام ؛ ليعلّمه أحكام الدين وليلقّنه شعارات قرآنية , كقوله تعالى : ( وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ )(1) .

وأبو ذر (رض) المعروف بتشدّده في الدين إلى درجة الرفض المُطلق لآراء الخلفاء ، لم يكن كما صوّره اُولئك الذين كانوا يريدون تبرير كلّ الأحداث التي وقعت في عصر عثمان , واختزالها بنوع من التعسّف في حركة موسادية لعبد الله بن سبأ .

يقول د . طه حسين : ومن أغرب ما يروى من أمر عبد الله بن سبأ هذا , أنّه هو الذي لقّن أبا ذر نقد معاوية فيما كان يقول : من أنّ المال هو مال الله . وعلّمه أنّ الصواب أن يقول : إنّه مال المسلمين . ومن هذا التلقين إلى أن يقال أنّه الذي لقّن أبا ذر مذهبه كلّه في نقد الاُمراء والأغنياء , وتبشير الكانزين للذهب والفضة بمكاو من نار . وما أعرف إسراف يشبه هذا الإسراف(2) .

ثمّ يستطرد قائلاً : فما كان أبو ذر في حاجة إلى طارئ محدث في الإسلام ليعلّمه أن للفقراء على الأغنياء حقوقاً , وأنّ الله يبشّر الذين يكنزون الذهب والفضّة ولا ينفقونها في سبيل الله بعذاب أليم ، لم يكن أبو ذرّ بحاجة إلى هذا الطارئ ؛ ليعلّمه هذه الحقائق الأوّلية من حقائق الإسلام , وأبو ذرّ سبق الأنصار جميعاً وسبق كثيراً جدّاً من المهاجرين إلى الإسلام , وهو قد صحب النّبي فأطال صحبته ، وحفظ القرآن فأحسن حفظه ، وروى السّنّة فأتقن روايتها , وعرف من الحلال والحرام ما عرف غيره من أصحاب النّبي الذين لزموه فأحسنوا لزومه(3) .

ولكي يتبيّن لنا ما إذا كان أبو ذرّ الغفاري (رض) في حاجة إلى من يعلّمه

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة التوبة / 34 .

(2) إسلاميات طه حسين / 761 , الطبعة الأولى / شباط (فبراير) 1967 م , منشورات دار الأدب بيروت .

(3) نفس المصدر / 791 .


الصفحة 76

الدين من أهل الكتاب المندسيّن .

 ما جاء في الرواية : إنّ أبا ذر قال ذات يوم لعثمان بعد رجوعه من الشّام إلى المدينة : لا ينبغي لمن أدّى الزكاة أن يكتفي بذلك حتّى يعطي السّائل ، ويُطعم الجائع ، وينفق من حاله في سبيل الله . وكان كعب الأحبار حاضراً هذا الحديث ، فقال : من أدّى الفريضة فحسبه . فغضب أبو ذر وقال لكعب : يابن اليهوديّة , ما أنت وهذا , أتعلّمنا ديننا ! ثمّ وجأه بمحجنة(1) .

يقول د . طه حسين معلّقاً على هذه الرواية : فأعجب لرجل من أصحاب النّبي ينكر على كعب أن يجادل في الدين ، ثمّ يتلقّى الدين نفسه عن عبد الله بن سبأ(2) . ثمّ قال : وما أكثر ما شنّع خصوم الشّيعة على الشّيعة(3) . وهكذا تقتضي السّياسة أن يتحوّل أبو ذر الغفاري (رض) إلى رجل مراهق مشاغب يتحرّك بالوشاية .

يقول الطبري : إنّ ابن السّوداء لقي أبا ذر فأوعز إليه بذلك ، وإنّ ابن السّوداء هذا أتى أبا الدّرداء وعبادة بن الصامت , فلم يسمعا لقوله ، وأخذه عبادة إلى معاوية وقال له : هذا والله الذي بعث إليك أبا ذر .

وقد ذكرت روايات ابن سبأ في غير مكان من تراث أهل السّنّة والجماعة , فقد ذكره ابن خلدون في مقدمته ، وابن الأثير في تأريخه , وأبو الفداء في مختصره .

إنّنا لم نعثر على تفاصيل شافية في هذا الباب تخلو من التناقض أو نقص في الإسناد , إذ أنّ خبر (ابن سبأ) لم يجر في كتب التاريخ الكبرى مجرى المتواترات , بل وإنّ كثيراً من كتب التاريخ المهمّة التي ذكرت أحداث هذه الحقبة لم تشر إليه .

يقول طه حسين(4) .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) راجع مروج الذهب للمسعودي .

(2 ـ 3) نفس المصدر .

(4) نفس المصدر / 760 .


الصفحة 77

ويخيّل إليّ إنّ الذين يكبّرون من أمر ابن سبأ إلى هذا الحد , يسرفون على أنفسهم وعلى التاريخ إسرافاً شديداً , وأوّل ما نلاحظه , إنّا لا نجد لابن سبأ ذكراً في المصادر المهمّة التي قصّت أمر الخلاف على عثمان ، فلم يذكره ابن سعد حين قصّ ما كان من خلافة عثمان وانتقاض النّاس عليه , ولم يذكره البلاذري في (الأنساب) , وهو فيما أرى أهمّ المصادر لهذه القصّة وأكثرها تفصيلاً , وذكره الطبري عن سيف بن عمر ، وعنه أخذ المؤرّخون الذين جاءوا بعده فيما يظهر .

إنّ خبر (عبد الله بن سبأ) تقلّص في تسلسله النّهائي ليستقرّ في مصدر واحد ، هو (سيف بن عمر) , وبأنّ كلّ مَن قال بهذا الرأي , إنّما رجع إليه من دون استشكال , فابن الأثير وهو واحد من الذين قالوا بفكرة (السّبئيّة) , أخذها من أبي جعفر الطبري , يقول ابن الأثير : فابتدأت بالتاريخ الكبير الذي صنّفه الإمام أبو جعفر الطبري ، إذ هو الكتاب المعوّل عند الكافّة عليه والمرجوع عند الاختلاف إليه ، فأخذت ما فيه من جميع تراجمه , لم أخل بترجمة واحدة منها(1) .

أمّا ابن خلدون , فقد أخذها هو أيضاً من أبي جعفر الطبري , حيث قال (في التاريخ) : هذا أمر الجمل ملخّصاً في كتاب أبي جعفر الطبري , اعتمدناه للوثوق به ولسلامته من الأهواء الموجودة في كتب ابن قتيبة وغيره من المؤرّخين , وابن كثير يرجع في ذلك الطبري نفسه . هذا ملخص ما ذكره أبو جعفر بن جرير (رحمه الله) .

 وكلّ الرواة الذين أخبروا عن (عبد الله بن سبأ) أخذوها من الطبري أو ابن عساكر أو الذهبي , سواء المتقدمين منهم كابن كثير وأبي الفداء وابن الأثير وابن خلدون , أو المتأخّرين من أمثال رشيد رضا وحسن إبراهيم وأحمد أمين .

وكلّ اُولئك الذين أخبروا عن عبد الله بن سبأ من الطبري(2) وابن عساكر(3)

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) تاريخ ابن الأثير / 5 , الطبعة المصرية / سنة 1348 ه‍ـ .

(2) الطبري في سنده يرد القصّة في تاريخ الأمم والملوك , قائلاً : ( كتب بها غلي السّري يذكر أنّ شعيباً حدّثه سيف عن عطية عن يزيد الفقعسي , قال : لمّا ورد ابن السّوداء الشّام لقي أبا ذر ، فقال : يا أبا ذر , ألا تعجب لمعاوية ؟

(3) ابن عساكر يذكر القصّة في تاريخه بهذا السّند : أخبرنا أبو القاسم السّمرقندي , نا أبو الحسين النّقور , نا أبو طاهر المخلص , نا أبو بكر بن سيف ، نا السّري بن يحيى ، نا شعيب بن إبراهيم ، نا سيف بن عمر .


الصفحة 78

والذهبي(1) ، فإنّهم رجعوا في ذلك إلى مصدر آحاد ، هو (سيف بن عمر التميمي) الذي توفّي بعد (170 ه‍) .

وبعد أن تبيّن للقارئ , أنّ ساداتنا المؤرّخين اجتمعوا كلّهم في نهاية المطاف عند مستقر (سيف بن عمر التميمي) , جاء الوقت لكي نقف وقفة مع ترجمته . فمَن هو (سيف بن عمر) ؟ ما قصّته ؟ وكيف أنفرد بخبر (عبد الله بن سبأ) دون غيره من المؤرّخين وأهل الأخبار ؟

الظاهر هو : أنّ (سيف بن عمر) هذا الذي عرف بالنّوادر القباح في رواياته , ليس رجلاً مقبول الرواية , وقد عرّفه الطبري بأنّه سيف بن عمر التميمي الأسيدي . قيل كان كوفيّاً حسب ما ورد في تهذيب التهذيب , وكانت وفاته بعد السّبعين والمئة ببغداد في أيّام الرشيد , وله مؤلفات كالفتوح الكبير والرّدة ، و (الجمل ومسيرة عائشة وعلي) .

وترفض منه الرواية من قبل جمهور من المحدثين , ولا أعلم له ـ فيما أعلم ـ من وثّق روايته , ومن هؤلاء النّسائي الذي ضعّفه ، وقال : متروك الحديث ليس بثقة ولا مأمون . وتركه الحاكم وقال : متروك اُتهم بالزندقة . وكذّبه أبو داود : ليس بشئ كذّاب .

وقال عنه ابن حجر : فيه حديث ورد سيف في سنده ضعفاً أشدّهم سيف . وقال فيه ابن عبد البر : سيف متروك وإنّما ذكرنا حديثه للمعرفة . وقال ابن حبان : يروي الموضوعات عن الأثبات ، اُتهم بالزندقة . وقال : قالوا : كان يضع الحديث(2) .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) أمّا الذهبي , فسنده في القصّة : وقال سيف بن عمر عن عطية عن يزيد الفقعسي ، لمّا خرج ابن السّوداء إلى مصر .

(2) راجع : عبد الله بن سبأ وأساطير اُخرى : السّيّد مرتضى العسكري / دار الزهراء للطباعة والنّشر والتوزيع / بيروت لبنان .


الصفحة 79

وممّا اُوخذ على سيف بن عمر ، أنّه صاحب الغرائب في الأخبار ، وهو صاحب مسلسلة من الروايات الشاذّة عن منطق العقل والشّرع , ومن بين تلك الروايات ، ما ذكره عن عمر وتجويزه لزوجه (اُمّ كلثوم) الجلوس أمام الرّجل الأجنبي , وهو صاحب رواية (فتح سوسة) التي فتحها المسلمون بفضل الدجّال (ابن صياد) , وحديث (إلى الجبل ياسرية) عن عمر بن الخطّاب , إذ ذكر أنّه خاطب الجيوش من خلف مسافات طويلة , وما شابه ذلك من الأساطير التي ضعّفها المحدّثون .

وابن سبأ هذا الذي انفرد سيف بن عمر بخبره ، كان مجهول الأثر ، ولم يُعرف عنه في (الأنساب) أصل . وكلّ ما قيل حوله إنّه يهودي من صنعاء , بينما أسمه مبهم ، إذ هناك عشرات من عبد الله ينتسبون إلى (سبأ) , يمكن أن نطلق عليهم هذا الاسم , ولا نعلم هل اُريد به (عبد الله السبائي) الذي كان في عهد الإمام علي (عليه السّلام) , وهذا لم يكن شيعياً , بل كان رأس الخوارج الذين قاتلوا عليّاً (عليه السّلام) وحاربوه . بل معاً ورد أيضاً ، إنّ السبئية لم تكن تعني في ألقاب القدماء سوى (القبلية) المنسوبة إلى سبأ بن يشجب , ولم تتحوّل إلى عنوان مذهبي سوى في العهود المتأخّرة ، وبالأقلام التحريفيّة .

وهكذا يتحوّل في الكتابة التاريخيّة عبد الله السبائي الخارجي إلى عبد الله بن سبأ الأسطوري , الذي غالباً ما كان يطلق على أحد الصحابة الأجلاء كما سنرى .

والغريب في الأمر إنّهم نسبوا فكرة (الوصيّة) و(العصمة) إلى عبد الله بن سبأ ، وقالوا بأنّه أوّل من قال بها , وأنّه استلهمها من الفكر اليهودي . ولست أدري متى كان اليهود يعترفون بالعصمة لأنبيائهم ، وبالأحرى لأوصيائهم , واليهود أكثر الملل تقتيلاً لأنبيائها , وليس في الكتاب (المقدّس) لهم سوى التهوين والتقليل من قداسة الأنبياء , وفي سفر التكوين (الإصحاح 19) , نرى كيف إنّ النّبي لوط لمّا صعد من صوغر وسكن في الجبل وابنتاه معه , وأنّه بات ليلتين في جماع مع ابنته بعد أن سقي خمراً , وإنّ البنت البكر ولدت منه ابناً اسمه موآب ، وهو أبو الموآبيين إلى اليوم , وولدت الصغرى من أبيها ولداً ، وسمّته (ابن عمّي) , وهو أبو بني عمون إلى اليوم , وهذه وقصص اُخرى مثل قصّة ثامار مع


الصفحة 80

حميها يهوذا التي وردت في سفر التكوين إصحاح 38 ، التي تبيّن إنّ كلّ من موسى وهارون ينحدران من الحرام , (وثمار) هذه التي انوجدت في شجرة يسوع واعتبرت من اُصوله التي انحدر منها , وهي (زانية) خدّاعة , كما في جينيالوجيا اليسوع لدى (متى) وغيره(1) .

فهذه هي العصمة المعروفة عند اليهود بخصوص أنبيائهم وأوصيائهم وامتدت إلى المسيحية نفسها . ولست أعلم أيّ غباء وجهل يجعل البعض يصدّق أنّ عصمة الأوصياء هي من وحي العقيدة اليهوديّة المزعومة لعبد الله بن سبأ .

إنّني ما زلت أبحث عن هذا الشّخص الأسطوري الهارب بين فجاج التاريخ (المفبرك) , وأضرب الرّأي هنا بالرّأي هناك ؛ عسى أن أحصل على صواب يشفي غليلي من الجهل ونهمي إلى اليقين من هذه الاُمّيّة التاريخيّة , ويجعلني أعبد الله على يقين من أمري .

مَن هو عبد الله بن سبأ الأسطورة ؟ مَن هو الشّخص الذي تحوّل بفعل التحريف والتصحيف إلى ابن سبأ الغامض ؟

أقول وللصراحة : إنّ أسطوريّة ابن سبأ لم تشف غليلي أيضاً , ولا بدّ من البحث في ملفّها بآليات حفر دقيقة ؛ لأنّها لم تأت من فراغ , إنّها مادة إعلاميّة تشهيريّة ووراءها أجهزة تاريخيّة إيديولوجيّة , فمَن وراءها ؟ ولماذا تثبّت الروايات ؟

إنّ عبد الله بن سبأ كان معروفاً لدى السّلطة في عهد عثمان وبالضبط لدى معاوية , بشهادة الرّواية التي تؤكّد على وجوده ومعرفة معاوية به كما تقدّم , فقد أورد الطبري : إنّ ابن السّوداء لقي أبا ذر فأوعز إليه بذلك , وأنّ ابن السّوداء هذا أتى أبا الدرداء وعبادة بن الصامت , فلم يسمعا لقوله ، وأخذه عبادة إلى معاوية وقال له : هذا والله الذي بعث إليك أبا ذر .

وعلى الرّغم من اكتشافهم له , لم ينالوا منه , ولا ذكر التاريخ إنّه تعرّض

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) أي : جعل ثمار ضمن (الشّجرة) المنسوبة لعيسى ، دون أن يلتفت إلى أنّ عيسى ليس له أب حتّى يحصل له نسب ، وهذه أيضاً من تأثير العقيدة اليهوديّة على النّصرانية .


الصفحة 81

للعقوبة في زمن عثمان ومعاوية , بل ما أكّدته أخبارهم أنّه قُتل في عهد عليّ .

وما زلت أتسأل فيما إذا كان هذا زهداً في الجهاز الاُموي تجاه أخطر شخصيّة وهميّة تهدّد مواقع الاُمويّين وخلافة عثمان .

لم أقو على استساغة أنّ (شبق) السّلطة ـ الذي أعماهم إلى درجة النّيل من كبار الصحابة وقتل آل البيت النّبوي ـ كيف زهدهم في النّيل من شخصية مثل ابن سبأ لا وزن له في الوجدان الإسلامي يومئذ , أو إذا رفضنا هذا التصوّر ، يمكن افتراض إنّ الجهاز الاُموي كان مقرّاً بهذه المؤامرة التي يتزعّمها هذا اليهودي ، أو ربما كانت لهم يد فيها .

وعلى أيّ حال , فإنّ الوقائع التاريخيّة تؤكّد بأنّ العنصر (الفتان) الذي أطلقوا عليه اسم عبد الله بن سبأ , لم يكن إلاّ معارضاً قويّاً له وزنه في المجتمع الإسلامي , وما دام عبد الله بن سبأ الشّخص الأسطوري لم نعثر عليه ضمن لائحة المحكوم عليهم بالعقوبة والتعزير في زمن عثمان , كان من المنطق الذي يدخل في الاعتبار عامل (اللعبة السّياسية) الاُمويّة ، أن نبحث عنه حقيقة بين أشخاص المعارضة الرئيسيين الذين طالتهم يد عثمان بالانتقام , فمن هُم هؤلاء الذين شكّلوا جبهة معارضة في زمن عثمان ونالوا حقّهم من القمع الاُموي ؟

لقد ثبت عند المؤرّخين , إنّ الذين تزعّموا حركة المعارضة في عهد عثمان هم رجال الصحابة ، ومنهم ؛ أبو ذر الغفاري وعمّار بن ياسر ومحمّد بن أبي بكر وابن مسعود . . . , وعدد آخر من الصحابة سنتطرّق إليهم أثناء الحديث عن خلافة عثمان . وكان عمّار بن ياسر (رض) رجلاً نشيطاً ومزعجاً للاُمويّين وعثمان . . . , مما حدى بهم إلى وضعه في منطقة الضوء والتفكير في التخلّص منه , وكان المانع لهم من قتله جهاراً أو فرض العقوبة عليه ؛ هو كونه غدا مقياساً في وجدان المسلمين للهدى والضلالة ، منذ رسخ في ذلك الوجدان أنّ ابن سميّة تقتله الفئة الباغية , وأنّه ليس من مصلحة الطغمة الاُمويّة يومئذ , أن تتخذ ضدّه الإجراءات الحاسمة وتدخل معه في نزاع مباشر ، إذاً لسقطت إعلامياً وخسرت باقي الجولات , وكان مما حفظه المسلمون يومها من الرّسول (صلّى الله عليه وآله) : (( ابن سميّة عمّار تقتله الفئة الباغية )) . ويدلّنا على هذه (المعياريّة) ما ذكره ابن الأثير في (اُسد


الصفحة 82

الغابة)(1) عن عمارة بن خزيمة بن ثابت , قال :

شهد خزيمة بن ثابت الجمل وهو لا يسلّ سيفاً , وشهد صفّين ولم يُقاتل ، وقال : لا أقاتل حتّى يُقتل عمّار ، فانظر مَن يقتله , فإنّي سمعت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يقول : (( تقتله الفئة الباغية )) . فلمّا قُتل عمّار , قال خزيمة : ( ظهرت لي الضلالة ) . ثمّ تقدّم حتّى قُتل .

وكان الجهاز الاُموي السّرّي يدرك مدى الخطورة التي ستواجهه فيما لو اتّخذ تدابير قمعيّة مباشرة ضدّ عمّار بن ياسر (رض) , والحديث الذي اشتهر عندهم ، كان أحد رواته (أبو هريرة) , وهو أحد أنصارهم , لذلك سيحاولون عدم الوقوع في التناقض فيما إذا أقدموا على مواجهة عمّار . وعمّار بن ياسر (رض) كان أكثر استفزازاً لعثمان وحاشيته , ومؤلّباً عليه لا يفتر عن كشف مساوئه للناس .

وفي سنة خمس وثلاثين ـ على حدّ تعبير المسعودي ـ كثر الطعن على عثمان (رضي الله عنه) , وظهر عليه النّكير لأشياء ذكروها من (فعله) . ثمّ ومن ذلك ذكر المسعودي(2) ما نال عمّار بن ياسر من الفتن والضرب ، وانحراف بني مخزوم عن عثمان من أجله .

واستمرّت تحرّكات عمّار بن ياسر في صفوف النّاس ، لا تثنيه عن مسؤوليته هيبة الاُمويّين ولا صولجان سلطانهم , وقد تلقّى غير مرّة تهديداً مباشراً من قبلهم , فما منعه ذلك من مواصلة نشاطاته المعارضة لعثمان ومن حوله من أزلام اُمويّة .

لقد قدم معاوية بن أبي سفيان من الشّام بعد أن أحسّ بمَن يعارض عثمان , فأتى مجلساً فيه عليّ بن أبي طالب ، وطلحة بن عبد الله والزبير بن العوام ، وسعد بن أبي وقاص وعبد الرحمن بن عوف ، وعمّار بن ياسر ، فقال لهم : يا معشر الصحابة , اُوصيكم بشيخي هذا خيراً (عثمان) ، فوالله ، لئن قُتل بين أظهركم لأملأنّها عليكم خيلاً ورجالاً . ثمّ أقبل على عمّار بن ياسر ـ وهذا التخصيص له أسبابه التي ذكرناها سابقاً ـ فقال : يا عمّار ، إنّ بالشّام مئة ألف

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) اُسد الغابة في معرفة الصحابة ، عزّ الدين بن الأثير أبي الحسن علي بن محمّد الجزري (555 563) 3 / 632 / دار الفكر .

(2) مروج الذهب ومعادن الجوهر 2 / 347 , دار المعرفة / بيروت لبنان .


الصفحة 83

فارس كلّ يأخذ العطاء ، مع مثلهم من أبنائهم وعبدانهم ، لا يعرفون عليّاً ولا قرابته ، ولا عمّاراً ولا سابقته ، ولا الزبير ولا صحابته , فإيّاك يا عمّار أن تقعد غداً في فتنة تنجلي , فيقال هذا قاتل عثمان وهذا قاتل عليّ(1) .

وهذا التحذير لم يجد من تحرّك عمّار في الكشف عن عورات الجهاز الاُموي في خلافة عثمان , لقد جاء معاوية ووجّه خطابه لجماعة من الصحابة , ثمّ خصّ عمّاراً بخطاب تقريعي ، يحذّره فيه من مغبّة الاستمرار على (تحريضه) : ( فإيّاك يا عمّار أن تقعد غداً في فتنة تنجلي ) . وكان على معاوية أن يركّز على رأس الحربة ـ عبد الله بن سبأ ـ فيما لو كان هو المحرّض الحقيقي ضدّ عثمان , غير أنّه ركّز على عمّار . . . وفي ذلك لغز واضح .

ومن ذلك ما ذكر ابن قتيبة ( في الإمامة والسّياسة ) : ثمّ تعاهد القوم ليدفعن الكتاب في يد عثمان ، وكان ممّن حضر الكتاب عمّار بن ياسر والمقداد بن الأسود وكانوا عشرة , فلمّا خرجوا بالكتاب ليدفعوه إلى عثمان والكتاب في يد عمّار , جعلوا يتسللون عن عمّار حتّى بقي وحده ، فمضى حتّى جاء دار عثمان فاستأذن عليه ، فأذن له في يوم شات ، فدخل عليه وعنده مروان بن الحكم وأهله من بني اُميّة ، فدفع إليه الكتاب فقرأه , فقال له : أنت كتبت هذا الكتاب ؟

قال : نعم . قال : ومَن كان معك ؟ قال : كان معي نفر تفرّقوا فرقاً منك . قال : مَن هم ؟ قال : لا أخبرك بهم . قال : فلم اجترأت عليّ من بينهم ؟ فقال مروان : يا أمير المؤمنين , إنّ هذا العبد الأسود ـ يعني عمّار ـ قد جرّأ عليك النّاس , وإنّك إن قتلته , نكّلت به من وراءه . قال عثمان : اضربوه . فضربوه وضربه عثمان معهم حتّى فتقوا بطنه ، فغشي عليه ، فجرّوه حتّى طرحوه على باب الدار ، فأمرت به اُمّ سلمة زوج النّبي (صلّى الله عليه وآله) فاُدخل منزلها ، وغضب فيه بنو المغيرة وكان حليفهم ، فلمّا خرج عثمان لصلاة الظهر ، عرض له هشام بن الوليد بن المغيرة ، فقال : أما والله , لئن مات عمّار من ضربة هذا , لأقتلنّ به رجلاً عظيماً من بني اُميّة .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) تاريخ الخلفاء (لابن قتيبة) : 21 / 38 , مؤسسة الوفاء / بيروت لبنان .


الصفحة 84

فقال عثمان : لست هناك(1) .

وكان هذا إشارة إلى ما قام به عمّار من تشويش على الجهاز الاُموي , كما كشف عن الجرأة التي كان يمارسها عمّار تجاه أقطاب السلطة في عصر عثمان , وبقي عمّار مناوئاً للاُمويّين لا يخشى في الحقّ لومتهم .

وكان عثمان قد أمر بجمع القرآن وحرقه والإبقاء على مصحف رسمي موحّد , وكانت في مصاحف الصحابة حواش تتخللها هي بعض ما تلقّوه من تأويل عن الرّسول (صلّى الله عليه وآله) , من اُولئك ابن مسعود الذي اشتهر بمصحفه , وأبى ابن مسعود أن يسلّم مصحفه إلى عبد الله بن عامر وكان بالكوفة .

وفي تاريخ اليعقوبي : فدخل ابن مسعود ، وعثمان يخطب , فقال عثمان : إنّه قد قدمت عليكم دابّة سوداء . فكلّمه ابن مسعود بكلام غليظ , فأمر به عثمان ، فجرّ برجله حتّى كسر له ضلعان , فتكلّمت عائشة وقالت قولاً كثيراً . . . الخ(2) .

وظلّ ابن مسعود مستاء من سياسة عثمان حتّى وافته المنية , وفي ذلك يورد اليعقوبي : فأقام بن مسعود مغاضباً لعثمان حتّى توفّي وصلّى عليه عمّار بن ياسر , وكان عثمان غائباً فسُتر أمره , فلمّا انصرف رأى عثمان القبر ، فقال : قبر من هذا ؟ فقيل : قبر عبد الله بن مسعود . قال : فكيف دفن قبل أن أعلم ؟ فقالوا : ولي أمره عمّار بن ياسر ، وذكر أنّه أوصى ألا يخبر به ، ولم يلبث إلاّ يسيراً حتّى مات المقداد , فصلّى عليه عمّار وكان أوصى إليه ، ولم يؤذن عثمان به ، فاشتدّ غضب عثمان على عمّار ، وقال : ويلي على ابن السّوداء ! أما لقد كنت به عليّاً(3) .

فهذا الازعاج المستمر للسياسة الأموية ، وهذا التحدّي الدائب الذي كان

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الإمامة والسّياسة (بن قتيبة) .

(2) تاريخ اليعقوبي 2 / 170 , دار صادر بيروت .

(3) نفس المصدر السّابق .


الصفحة 85

يسجّله (عمار) , كان لا بدّ له من حلّ على أن يكون حلاً سياسياً ، يجنّب الأزلام الاُمويّة مخاطر التصفية الجسديّة , وكان عثمان أوّل من استخدم في سبابه لعمار لقب بن السّوداء , وهذا التعبير أوقع الخليفة في مطبّات جسام , فأوّلاً : هذا اللمز لاُمّ عمّار وهي أوّل شهيدة في الإسلام . ثانياً : إطلاقه هذا الاسم كانت له امتدادات سيّئة ، بحيث أضحى هذا اللقب اسماً رسميّاً لعمار تتداوله العناصر الاُمويّة , وكان أن تطوّرت الحالة إلى أن تمّ تصحيف (ابن السوداء) عمّار إلى (ابن السوداء) السبئي الأسطورة , الذي صاغوا له قصصاً في نوادرهم الغريبة .

فابن سبأ هذا الذي يُقال أنّه أوّل محرّض ضد عثمان ، لم يثبته التاريخ ، والظاهر من السير والتواريخ ، إنّ المعارض الأوّل و(المشاغب) والمحرّض السياسي الرّئيسي ضد خلافة عثمان ، كان هو عمّار بن ياسر , وهو البادي للناس سوءات الحكم والذي تلقّى التهديدات ؛ لأنّه من الصعوبة أن يتعرّضوا له بالقتل المباشر للأسباب التي ذكرناها , وهو المكنّى عند عثمان وحاشيته الاُمويّة بابن السوداء ، وهو الذي كانت له رابطة خاصّة بالإمام عليّ (عليه السّلام) وآل البيت (عليهم السّلام) , وعلى هذا الأساس , تنقشع غيوم (البؤس) التاريخي المتلبّس بأيديولوجيا البلاط الاُموي , وهكذا تنكمش (تلفيقة) السبئيّة ، لتلقي على كاهل محرّف وضاع مرفوض الرّواية ، وهو سيف بن عمر , (وتتوضّح بعدها الأسباب التاريخيّة لنشوء (فكرة السبئية) , وتنقشع الغيوم ولا تنقشع على الذين ما زالوا ممسكين بالعظام التاريخيّة .

لقد تبيّن لي أنّ في تاريخنا مبدعين لا يعجزون عن حبك الأساطير في أرقى خيالاتها , لقد كان للساسة في تاريخنا خيال ، يظلّلها من الشّموس الكاشفة . وليس هذه أوّل خرافة تلقى بهذا الشكل (التهريجي على التشيّع) , بل اُخريات من تلكم الشّبهات المحبوكة بالأصابع المأجورة , والمسيئة بالترغيب والترهيب الاُموي ، لا بدّ من الوقوف على هزالها .


الصفحة 86


الصفحة 87

الزرادشتية الإيرانية والتشيّع :

لم يكتف خصوم الشّيعة بشبهة السّبئيّة فحسب , بل أوردوا شبهات اُخرى دعموا بها مسلّمتهم الايديولوجية , ومن تلك الشّبهات الكثيرة والمتناقضة تهمة التأثير الفارسي في التشيّع .

يقولون بأنّ الفرس ما زالوا يحتفظون بالعداوة للعرب ، ولذلك تبنّوا نظريّة المعارضة , وجهدوا من أجل بلورتها وإعادة صيوغها , فكان أن أدخلوا في التشيّع أفكاراً زرادشتية ، كتلك التي تضفي على الأئمّة طابعاً خاصّاً كالعصمة والوصيّة .

وقالوا بأنّ ذلك منسجم مع ديانتهم التي تعتبر (الملوك) ذوي خصائص تفوق عامّة النّاس , وكان تمسّكهم بخطّ أهل البيت (عليهم السّلام) وميلهم إليهم ؛ يعود إلى القرابة التي تجسّدت في تزاوج الأئمّة بالفرس , (كشهر بانويه) الفارسية السّاسانيّة ، بنت الملك (يازدجرد) ـ آخر ملوك الساسانيين ـ , والتي أنجب منها الإمام الحسين (عليه السّلام) الإمام زين العابدين (عليه السّلام) , وهذه الشّبهة كشبهة (السّبئيّة) , يمكن أن تؤثّر على عقول مفلسة في المعرفة التاريخيّة , وليس ثمّة عاقل يستطيع ادعاء هذه (الشّبهة) من دون (رطانة) .

فلا بدّ أن يفتّشوا لنا في التشيّع عن مواطن تجلّي الفكر (الثنوي) الفارسي .


الصفحة 88

وأين مقولتا النّور والظلمة اللتان تعتبران ركناً في العقيدة الثنويّة الفارسية ، وأساساً للمذهب الزرادشتي ؟! وربما قالوا : إنّ هذا الفكر تسرّب بفعل التأثير الغنوصي على التشيّع .

والذين لفّقوا فكرة (الغنوصية) والقوها على (التشيّع) , هُم بلا شك قوم سطحيّون أو كسالى لا يتعبون أنفسهم لإقناع أتباعهم ؛ ولعلّ وجود بعض نقاط التشابه والتجانس في بعض مفردات الأديان والفلسفات ، تجعل بعض قصار النّظر يتّهمون التشيّع بالغنوصية أو الزرادشتية .

والظاهر أنّ الذين نسبوا التشيّع إلى الحركة الغنوصية , هُم الذين اطّلعوا على الجانب (العرفاني) من التشيّع ، كما تجلّى في أسفار صدر المتألّهين وكذلك عند السّهروردي , وليست الغنوصية في اصطلاحها الأوّل سوى جنوسيس العرفان ، وهو الاسم الذي أطلقه الغنوص على أنفسهم في القرن الثاني للميلاد , وهو مذهب منتقى من كثير من الاتجاهات الفلسفية والدينيّة ؛ كالزرادشتيّة والأفلاطونيّة المحدثة والفيثاغوريّة , ووجود أشكال من الاعتقادات كوحدة الوجود ، وهي أساس الاعتقاد الثنوي الزرادشتي ، وهذا لا يعني أنّ التشيّع هو صنيعة لهكذا مذاهب ؛ إذ أنّ العرفان الشّيعي كالتصوّف السنّي ، لا يمثّل أساس المذهبين ، وأنّ العرفان الشّيعي لا يختلف عن التصوّف السنّي ، فهذا الأخير منه تأثّر العرفانيون الشّيعة , وابن عربي المالكي السنّي ، أكثر الذين قالوا بوحدة الوجود ، وكذا بن سبعين .

أمّا باقي الأفكار الغنوصية كالهلانيّة والفيثاغوريّة , فليس لها أثر على التشيّع إطلاقاً بقدر ما توجد بعض مفرداتها في المذاهب الاُخرى ، ولم أكن أتصوّر كيف ربط بعض (مهرّجي) التاريخ بين التيّار الفارسي والشّيعي ، معتبرين الأوّل أساساً وروحاً للثاني , ولم نفهم بعد ذلك أين كان الفرس يوم

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ذلك لأنّهم استبعدوا أن يوجد إله واحد خالق للخير والشر معاً , فابتدعوا إلهاً للخير (النّور) , وآخر للشر (آله الظلمة) , ومنهما يفيض باقي الخيرات أو الشّرور . ومن ثمّ يرى البعض , أنّ وحدة الصدور أو الخلف لها أثارها في الفكر الثنوي . راجع (العدل الإلهي) لمرتضى المطهري .


الصفحة 89

(الجمل) وصفّين والنّهروان وكربلاء , وهي حروب إسلاميّة بين الشّيعة ومعارضيهم من العرب ؟ 

ويرى أصحاب هذه الرؤية ، إنّ سبب ذلك راجع لضعف الفرس أمام العرب ، وعجزهم عن الاستقلال الذاتي , فكانوا يعملون على دعم تيّار أهل البيت (عليهم السّلام) من أجل القضاء على دولة الخلافة ، كتمهيد لاستقلالهم , بينما التاريخ يثبت أنّ الفرس استطاعوا بعد مئة سنة من فتح (فارس) بناء قوّة عسكرية , هذه القوّة هي التي أسقطت الدولة الاُمويّة وسلّمتها للعباسيين , وكانوا حريين بأن يستبدّوا بها ، أو لا أقل ، يلتمسوا من خلالها استقلالهم الذاتي .

ولم يكن الفرس يخططون للاستقلال عن الخلافة إلاّ في العصور المتأخّرة ، حيث بات وضع الخلافة نزاعاً إلى العروبة أكثر من التزامه الإسلامي , وبعد ما واجهه الأعاجم من مضايقات وانتهاكات لحقوقهم في ظلّ الخلافة العثمانية المتأخّرة .

وبقي أغلبيّة المجوس على دينهم طوال الخلافة حتّى إذا استقلّوا دخل أغلبهم إلى الإسلام وحسن إيمانهم . . . فقد بدأ الاستقلال السياسي منذ أوائل القرن الثالث الهجري ، وكان كثير من الفرس باقين إلى ذلك الحين على ما لهم من دين من المجوسيّة والمسيحيّة والصابئيّة وحتّى البوذيّة(1) ، بينما إيران في زمن استقلالها ـ وبالضبط في العهد الصفوي ـ دخل أغلبها الإسلام(2) .

وبقي الفرس المسلمون متشدّدين ضد الأفكار الثنويّة والمجوسيّة إلى أن أسقطوا آخر قلاع الإمبراطورية الإيرانية ؛ ليعيدوا للإسلام مجده ويحرروا (اللغة) و(التاريخ) العربيين من الأسر (الشّاهنشاهي) , ولم تكن لدى الفرس مواقف غير متوازية في تعاطفهم مع الأئمّة واُمهاتهم , ولم تكن (شهربانويّه) بأفضل من (نرجس الرّوميّة) اُمّ الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) في التصوّر الفارسي الإسلامي(3) .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) إيران والإسلام ـ مرتضى المطهري / 93 .

(2) الذين اعتمد عليهم الاُمويّون في قتل آل البيت (عليهم السّلام) كانوا عناصر أعجمية , ومنها بعض الفارسيّين , وشمر بن ذي الجوشن الذي قطع رأس الحسين (عليه السّلام) كان فارسيّاً .

(3) المصدر السّابق .


الصفحة 90

لقد بدأ الانحراف يبدّد التصوّر الاُموي والعبّاسي للعنصر الأعجمي , وظنّا أنّهما ملكا الشّعوب والأعراف الاُخرى بعروبتهما وإسلامهما , فراحا يكبّران أمر العروبة ؛ فارضين أعرافهما على الشّعوب الاُخرى . والعنصر الفارسي العريق في الحضارة والتمدّن ، لم يكن ليسمح للعربي بأن يستذلّه ويستعبده ؛ لذلك اشرأبّت الفتنة بعنقها وطلّت , فانبعث الصراع بين النّزوع الاُموي وبعده العثماني القومي , وبين النّزوع الفارسي الذي كان مستاء من الانحراف في الخلافة منحازاً بذلك إلى محور آل البيت (عليهم السّلام) .

 يقول الاُستاذ مرتضى المطهري : وإنّ أكثر أهالي طبرستان وشمال إيران كانوا لم يتعرّفوا على الإسلام إلى ما بعد القرن الثالث , ولذلك فهم كانوا يحاربون عساكر الخلفاء , وبقي أكثر أهالي كرمان إلى ما بعد عهد الاُمويّين على المجوسيّة , وكان أكثر أهل فارس وشيراز على عهد الاصطفري (صاحب كتاب المسالك والممالك ) من المجوس(1) .

ولم يكن التشيّع من إبداع الفرس إلاّ عند مهرّجي التاريخ ، والعرب سباقون إلى التشيّع وهم الذين ادخلوه إلى فارس , والدليل على ذلك : إنّ معظم عُلماء السّنّة الكبار في التفسير والحديث والأدب واللغة هُم من فارس , وبقيت إيران على السّنّة الاُمويّة في سب عليّ (عليه السّلام) ولعنه في المساجد وعلى المنابر , بل إنّ بعض المدن الإيرانية رفضت أن تحيد عن لعن الإمام علي (عليه السّلام) في عهد عمر بن عبد العزيز , وأبت الاستجابة لقراره كأصفهان , وارتبط الفرس بعدها بالأئمّة ، وقدّموا كلّ من ينتسب إليهم من (السّادة) العرب , وأحيوا اللغة العربيّة أكثر من العرب , ومنهم روّادها الكبار مثل ؛ سيبويه النّحوي ، وصاحب القاموس المحيط الفيروز آبادي ، والزمخشري رائد البلاغة , وخصّتهم النّبوءة الرسوليّة بمديح خاص , وربطت مصير الإسلام بهم , وممّا ورد فيهم من القرآن ، أنّهم القوم الذين قال فيهم الله تعالى : ( وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الإسلام وإيران 1 / 92 , ترجمة محمّد هادي اليوسفي الغروي / قسم العلاقات الدولية / منظمة الإعلام الإسلامي .


الصفحة 91

قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ )(1) . ذكر الزمخشري في تفسيره : أنّه سُئل رسول الله (صلّى الله عليه وآله) عن القوم ، وكان سلمان الفارسي إلى جنبه ، فضرب على فخذه وقال : (( هذا وقومُهُ ـ والذي نفسي بيده ـ لو كان الإيمان منوطاً بالثّريّا لتناوله رجالٌ من فارس ))(2) .

وذكر الرّازي في تفسيره ، روي أنّ الرّسول (صلّى الله عليه وآله) سُئل عمّن يستبدل بهم إن تولّوا ـ وسلمان إلى جنبه ـ فقال (صلّى الله عليه وآله) : (( هذا وقومه )) . ثمّ قال : (( لو كان الإيمان منوطاً بالثّريّا لناله رجالٌ من فارس ))(3) .

ومثل ذلك ذكر ابن كثير في تفسيره : إذ قال ابن أبي حاتم وابن جرير ، حدّثنا يونس بن عبد الأعلى ، حدّثنا ابن وهب ، أخبرني مسلم بن خالد , عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه , عن أبي هريرة , قال : إنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) تلا هذه الآية : ( وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ ) . قال : يا رسول الله , مَن هؤلاء ؟ قال : فضرب بيده على كتف سلمان الفارسي (رض) , ثمّ قال : (( هذا وقومُهُ ، ولو كان الدين عند الثّريّا لتناوله رجالٌ من الفرس ))(4) .

وذكر صاحب التبيان : وقيل مثل سلمان وأشباهه من أبناء فارس ، ولم يجز الزجاج أن يستبدل الملائكة ؛ لأنّه لا يعبّر بالقوم عن الملائكة ، لا يكونون أمثالكم ؛ لأنّهم يكونون مؤمنين مطيعين وأنتم كفّار عاصون(5) . وكذلك أخرجه الترمذي والحاكم والطبري وابن حبان .

وإخلاص الفرس للإسلام ما زلنا نراه في وضح النّهار في إيران وأفغانستان , وسبق الفرس العرب اليوم في تشكيل دولتهم الإسلاميّة , وفكّروا في تصدير الثورة

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة محمّد / 38 .

(2) الزمخشري ـ تفسير الكشّاف 4 / 330 , (تفسير سورة محمّد / 36 ـ 38) / النّاشر : دار الكتاب العربي / بيروت .

(3) التفسير الكبير ـ الرازي 28 / 76 , النّاشر : دار الكتب العلمية / طهران .

(4) تفسير ابن كثير / 4 , ( سورة محمّد ) دار القلم / بيروت .

(5) التبيان الطوسي 9 / 311 , دار إحياء التراث العربي .


الصفحة 92

والوعي الإسلامي إلى باقي الشّعوب العربيّة ، وهذا هو عين الإعجاز في نبوءة القرآن .

وبالنتيجة ، تتلاشى النّظرة التعسفيّة للتاريخ الإسلامي ، تلك التي تصوّر الفرس على أساس إنّهم هُم الذين اختلقوا (التشيّع) ؛ بحكم عدائهم للإسلام والعرب , وهاهم دون الرّجوع إلى التاريخ بإمكانهم الرّجوع إلى مجوسيتهم وهم في موقع قوّة , ولو فعلوا ذلك ، لأراحوا أطرافاً عربية ، ولكنّهم لا يفعلون .

فالتشيّع في النّهاية هو الصّيغة التي احتوت المسلمين الطلائع المعارضين للخلافة المنحرفة , وهو وليد (المدينة) والمناطق العربيّة ، ولم يدخل إلى إيران سوى في العهود المتأخّرة , ولم يزدهر التشيّع في إيران سوى مع تكوين الدولة الصفويّة (1502 م) . وسوف يتبيّن لنا أنّ التشيّع له جذوره في عمق الرّسالة الإسلاميّة المحمّديّة , وإنّ ما أورده الخصوم ، إن هي إلاّ أساطير الأوّلين ، أعادوا لوكها على ألسنتهم ، والله متمّ نوره ولو كره الحاقدون .


الصفحة 93

وآثرت السّؤال :

إنّني ما زلت أنزع الأشواك من أقدام التاريخ الإسلامي لأكوّن لنفسي رؤية موضوعيّة حوله , ولست ببعيد عمّا عاناه ابن الهيثم في إحدى أطوار تجربته , وقد رأى أنّ ابن اليهودي يصير يهودياً ، وابن النصراني يصير نصرانياً , وبأنّه سمع حديثاً يقول : (( كلّ مولود يولد على الفطرة ، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه )) . ثمّ إنّ الاُمّة الإسلاميّة هي نفسها انشطرت إلى مذاهب شتّى وطرائق قددا .

وقد جاء في الحديث النّبوي الشّريف : (( افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة ، وافترقت النّصارى على اثنين وسبعين فرقة , وتفترق اُمّتي على ثلاث وسبعين فرقة ))(1) . والغريب أنّ النّاجية واحدة والباقي في النّار . ثمّ رحت أطرح على نفسي السؤال تلو السؤال : ما أدراني أنّني على حقّ ؟ ترى لو أنّني ولدت في إيران أو العراق أو لبنان , ماذا سأكون يا ترى ؟ ما ذنبي إنْ كنت أجهل الفئة النّاجية ؟ ما ذنبي ، ما ذنبي ؟

وكنت مقتنعاً أنّ الله منح الإنسان (العقل) حتّى يستنير بنوره , وأنّ العقل رسول باطن يرشد إلى أسلم السّبل وأهداها .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) أبو هريرة , رواه ابن ماجة ورواه بن مالك عن عوف بصيغة اُخرى .


الصفحة 94

وليكن ما يكون ولكن لا بدّ لي أن أفكّر وأمارس كينونتي في الوجود ؛ لا برئ ذمتي ، طلباً للحقّ والتماساً للنجاة ، وبعدها أطلب العذر على تقصيري . المهم هو الوصول إلى (القطع) الذي تثبت به المعذّريّة , وهذا القطع لا بدّ أن يحصل بالاجتهاد والبحث الحثيث .

كان أثقل شيء عليّ يومئذ أن أقرأ تاريخ (الفتنة الكبرى) , والغريب أنّني أقرأ صفحة ثمّ أتوقّف متعوّذاً بالله ، وكأنّني أنا المسؤول عن كلّ ما وقع . أقرأ التاريخ خلسة وخفية وكأنّني أمارس الفحشاء والمنكر , وما زلت أتذكّر الأصحاب وقد بدأوا يوجّهون لي النّقد ؛ لأنّني بدأت أخرج عن الإيمان وأهتمّ بالفتن , إنّني كنت أدرك إنّهم لا يقولون إلاّ ما لقّنوه , وبرمجوا عليه في تعاملهم مع (الفتنة الكبرى) , حيث البؤرة الوحيدة التي تعكس حقيقة الانحراف الذي طرأ على نفوس الكثير من الذين أكبرهم التاريخ في أذهاننا إكباراً زائداً .

كان همّي أن أعرف قدر الإمكان الفئة النّاجية , ولم أكن أتصوّر أنّ الرّسول (صلّى الله عليه وآله) يتحدّث عن خلاف الاُمّة ثمّ لا يعطيها مفتاح النّجاة ، إذن لما كان نبيّاً هادياً , فما ذنب مسلمي القرون اللاحقة إن كانت ستأتي بعد وجود الخلاف ، فترثه إرثاً . ثمّ عدت للحديث لأرى هل في أحشائه ما يرشدني إلى الهدى ويجنّبني الضلال , وما أثارني هو تعامل مختلف الفرق لهذا الحديث , إذ كلّ فرقة تتبناه لصالحها .

فقد قرأت مرّة لسعيد حوى كلاماً قال فيه بأنّه إجماع الجمهور ، إنّ الفئة النّاجية هي أهل السنّة والجماعة . وتساءلت يومئذ عن الحلّ في هذه الكلمات : هل الجمهور يتّفق على نفسه ؟ وليس هو أوّل من قالها ، بل كثرت في كتابات المتقدّمين أيضاً , لقد روي عن معاوية بن أبي سفيان . . . فقال : ألا إنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قام فينا فقال : ألا إنّ من قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على اثنتين وسبعين ملّة ، وإنّ هذه الملّة ستفترق على ثلاث وسبعين , اثنتان وسبعون في النّار وواحدة في الجنّة ، وهي الجماعة(1) .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سنن أبي داوود 4 / 198 , كتاب السّنّة .

 

الصفحة السابقة

الصفحة 95

والجماعة التي وطّد أركانها معاوية ، كانت تعني العداء المُطلق لآل البيت (عليهم السّلام) , الجماعة التي بقيت وفية لمعاوية ، حيث تجتمع جميعها على سبّ ولعن عليّ (عليه السّلام) من على المنابر .

وروى عبد الله بن عمر عن الرّسول (صلّى الله عليه وآله) : (( ليأتينَّ على اُمّتي ما أتى على بني إسرائيل حذو النّعل بالنّعل , حتّى إنْ كان منهم مَن أتى اُمّة علانيّة لكان في اُمّتي مَن يصنع ذلك ، وأنّ بني إسرائيل تفرّقت ثنتين وسبعين ملّة ، وتفترق اُمّتي على ثلاث وسبعين ملّة , كلّهم في النّار إلاّ ملّة واحدة )) . قالوا : ومن هي يا رسول الله ؟ قال (صلّى الله عليه وآله) : (( ما أنا عليه وأصحابي ))(1) .

وعلى كلّ حال ، فإنّني لم أفهم من كلمة (الجماعة) حلاّ يشفي غليل عقلي , علماً أنّ الجماعة التي تحدّث عنها معاوية ، هي الجماعة التي استجابت له في حكم الجاهلية , وبها قاتل الإسلام في شخص عليّ (عليه السّلام) , وبمثله قتل ابنه (يزيد) الإمام الحسين (عليه السّلام) وباقي عترته الطاهرة (عليهم السّلام) .

والحقّ ـ كما أفهمه ـ ليس مسألة كمّية عدديّة ، والجماعة : هي أن تكون على حقّ ولو كنت وحدك , كما قالها ابن مسعود . وليتني أعرف أيّ الصحابة الذين ذكرهم حديث ابن عمر الجديرين بالإتّباع , وأيّهم اتبع وقد تفرّقوا فرقاً ونحلاً وسمعتهم مرّة يقولون : أصحابي كالنّجوم بأيّهم اقتديتم اهديتم . ولست أعلم أنّ هذا الحديث المشكوك فيه عند أهل الرواية(2) , هل يحتوي على أقلّ قدر من المنطق , وكيف اهتدي سواء اتّبعت عليّاً أو معاوية ، أبا ذر أو عثمان . أبا هريرة أو عمّار . ولعمري كيف يجتمع النقيضان ؟!

وهبني سلّمت بهذا الحديث على علّته ، أفلست على السّنّة والهداية إذا سلكت طريق علي (عليه السّلام) ؟ أوليس هو على الأقل من الصحابة ؟ وإذا قالوا إنّه برئ ونزيه وأنّه لم يخالف الجماعة ، قلنا عن بعض الأصحاب لماذا قتلوا حسيناً ؟ لماذا

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سنن الترمذي 5 / 26 , كتاب الإيمان , الحديث / 2641 .

(2) طعن فيه ابن حزم وابن حنبل ، بل واعتبره الأوّل موضوعاً .


الصفحة 96

نفوا أبا ذر ؟ لماذا قتلوا عمّاراً ؟ لماذا مثّلوا بمحمّد بن أبي بكر ؟ و . . . و . . . ؟ وإذا قالوا : إنّها السّياسة . قلنا : ولماذا لم يتّقوا الله في السّياسة ؟(1) .

إنّني ورثت مجموعة تقديسات متناقضة ، تجرّعتها على حين غفلة من نضجي ووعي التاريخي , ورثت حبّ أبي ذر وعثمان ، عليّ (عليه السّلام) ومعاوية ، وخالد بن الوليد وفاطمة الزهراء (عليها السّلام) . . . سواء بسواء , لا ميزات ولا درجات . ولكن التاريخ علّمني ألاّ أكون مناقضاً للحقيقة , وإلاّ كيف يتّسع القلب لحب الشيء ونقيضه ؟!

كيف أحبّ أبا ذر (رض) وعثمان الذي نفاه إلى (الرّبذة) حتّى يُرضي بني عشيرته ، وواحداً من الطلقاء (معاوية) إذ كان من المؤلّفة قلوبهم ؟! وكيف أجمع بين حبّ معاوية ويزيد السّفّاكين ، وبين حبّ عليّ وبنيه تركة النّبوة ومشكاة النّور الإسلامي ؟! لم تتمكّن منّي مراوغات التاريخ وحيل (القصّاصين) .

والسؤال الذي يجب أن يطرحه كلّ مسلم على نفسه : لماذا أنا مع هذه الفرقة ولست مع تلك ؟ هل الوراثة هي السّبب أم الاجتهاد والقناعة ؟ إذا كانت القناعة ـ كما يدّعي البعض ـ فهي تعني الانسحاب من المذهب والبدء في مسيرة البحث محايدة ومتكافأة , أو قراءة التاريخ من أجل البحث عن الصواب ، والاستعداد النّفسي لخسران الكثير من المسلّمات , والقراءة عن هذه الفرقة وكأنّها فرقة القارئ , ثمّ تحكيم العقل والقرآن والوجدان .

وجدير بنا القول آنئذ : (( اللهمّ , ما عرّفتنا من الحقّ فحمّلناه , وما قصرنا عنه فبلّغناه ))(2) .

أمّا أنّ نصمّ الآذان ونعمي الأبصار بحجّة الإيمان والتقوى , هو خداع

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) إنّني أحكي ما دار بيني ونفسي في مسيرة البحث عن الحل العقيدي , وأنا لا أهدف أن أحوّل الكتاب ـ كما سبق ذكره ـ إلى معركة : ( إن قالوا قلنا ) .

(2) دعاء الإمام زين العابدين (عليه السّلام) ـ الصحيفة السّجادية .


الصفحة 97

نفسي وهروب من ضغوط الحقّ ودفن للرأس في الرمال .

كان قصدي هو بلوغ الحقيقة والوصول إلى القافلة النّاجية . . . , ولذلك كان من الضروري أن أخرج نفسي من ضيق التهذيب والفرقية ؛ لأنظر من بعيد متحرراً من ذلك الضباب الكثيف الذي يمكن أن يحجب عنّي الرؤية , كان شكّي منهجياً في البحث عن المعرفة التاريخيّة ، فانطلقت وبأدوات محايدة وبعقلية مشتاقة إلى سبر أغوار الحقيقة .


الصفحة 98


الصفحة 99

الفصل الرابع :

من بؤس التاريخ إلى تاريخ البؤس :

( حقائق جديدة = رؤية جديدة )

(( اضرب بعض الرأي ببعض
يتولّد منه الصواب , وافحص الرأي
فحص السّقاء )) .
 أمير المؤمنين عليّ (عليه السّلام)


الصفحة 100


الصفحة 101

رحلة جديدة مع التاريخ :

اُريد هنا أن أوقف التاريخ الإسلامي على قدميه ـ بعد أن ظلّ في أذهاننا منقلباً على وجهه ـ وخطوة واحدة جديرة بإيقافه على رجليه ، هي أن نفتح أعيننا مباشرة على كلّ ما وقع ، ونحكّم الوجدان ليس إلاّ . وتاريخ الفتنة الكبرى أو مقتل عثمان ليس بداية ، بل نتيجة لمقدمات اختصرت بفعل التزامن والاستمرارية لتنتج ما حصل . وبذور الأزمة يمكن ضبطها في عصر النّبيِّ (صلّى الله عليه وآله) .

 ولا أنكر أنّني سوف أتوصّل بمجموعة من المعطيات العلميّة ؛ الاجتماعيّة والسياسيّة والنفسيّة . فالظاهرة التاريخيّة هي من صنع الإنسان , فهو حرّ في اختياراته مريد في مسالكه , وأحياناً تجده محاصراً ضمن محددات جغرافيّة وبيئيّة , لكن هذه الأخيرة لا تلغي (تحرّره) على المستوى السّياسي والاجتماعي والنّفسي . ثمّ لا ننسى (العامل الاقتصادي) كأحد المحددات الأساسيّة لفهم الظاهرة الاجتماعيّة التاريخيّة , وذلك يمكن رصده من خلال التحوّلات الاجتماعيّة والسياسيّة والعقديّة في ظلّ التطوّر الاقتصادي في المجتمع الإسلامي , إنّنا نتعامل مع بشر ذوي أبعاد مختلفة يعتريهم الضعف والقوّة حسب التحوّلات التي تطرأ على تلك الأبعاد .

سوف نحفز في كلّ الاتجاهات وفي كلّ الأبعاد ؛ من أجل الوقوف على حقيقة الظاهرة التاريخيّة مجرّدة عن أوهامها ، وبذلك يمكن للتاريخ الإسلامي أن يتمثّل واقفاً على رجليه .


الصفحة 102


الصفحة 103

سيرة الرسول : المنطلق والمسيرة

نحن إذ نتحدّث عن الرّسول (صلّى الله عليه وآله) لا نريد أن نرسم له سيرة تفصيليّة كما هي عادة (السّير) , فهذا العمل لا يتناسب مع مقاصد الكتاب , ولكنّنا سنحاول قراءتها ضمن معطياتنا المنهجية ، مركّزين على المحطّاة الحسّاسة التي تعتبر مفتاحاً لفهم الظاهرات التي شهدها التاريخ الإسلامي فيما بعد . مع ذلك وحين نمسك (سفراً) عن السّيرة , عادة لا نتجاوز بعض الأبعاد التي يذكره في البداية , وهي الأوضاع ؛ السياسيّة والاجتماعيّة والاقتصادية والنفسية للمجتمع الذي ظهرت فيه البعثة .

لقد جاء الرّسول (صلّى الله عليه وآله) مبشّراً وهادياً إلى قومه ، ومعارضاً لكلّ ما رزح به المجتمع العربي من أمراض ؛ اجتماعيّة وسياسيّة وأخلاقيّة . وأثناء ممارسته (صلّى الله عليه وآله) للدعوة في المجتمع الجاهلي ، كان يتعرّض لنمط من الأذى ، تقف وراءه نفوس هي خلاصة ما أنتجه مجتمع الجزيرة العربيّة ، وبكل المحددات التي تولدها البيئة الجاهلية . والإنسان العربي قبل الإسلام ، كان يعاني انهياراً حضاريّاً يؤشّر بالموت النّهائي للمجتمع الجاهلي .

فسياسياً , كانت أطراف الجزيرة العربيّة خاضعة للنفوذ الاستعماري من قبل قوّتين عظيمتين ، تمارسان توازنهما الحربي والسّياسي , في حين أنّ الوسط بقي منفلتاً عن هاتين السّلطتين ويعيش فراغاً سياسيّاً قاتلاً , وكانت تلكما القوّتان هما : (فارس) و (الرّوم) .


الصفحة 104

وبينما استولى الفرس على الشّرق(1) ، كان النّفوذ الروماني في الشّمال من الجزيرة العربيّة , وضمن هذا التمزق بين إمبراطوريتين عظيمتين , كانت هنالك تشكيلة لاهوتية تتحرّك في الداخل , وتؤسّس لها كيانها الخاص في مجتمع الجزيرة ، وتطمح إلى بناء مستقبلها البعيد بنفس هادئ ومخطط بعيد المدى ، وكانت تلك هي المجموعة اليهوديّة التي انتشرت في ربوع الجزيرة العربيّة ، وسيطرت على جزء من الاقتصاد فيها , ممّا خوّلها القدرة على السّيطرة على القرار السّياسي أحياناً . هذه الفئة بعكس النّصارى(2) ؛ لم تكن لها جهة تسندها ، ولا قوّة تدعمها سوى الاعتماد على قدراتها الذاتيّة ، وبالتالي استطاعت الفئة اليهوديّة كسب نفوذها في قلب الجزيرة من خلال ممارستها لسلطتين :

الأولى : سلطة لاهوتيّة ، بحيث احتكر اليهود ـ وخصوصاً في المدينة ـ الخطّاب الديني المغلق .

ثانياً : سلطة اقتصادية من خلال السّيطرة اليهوديّة على الإنتاج الزراعي .

هاتان السّلطتان منحتا فرصة لليهود للسيطرة على جزء من المجتمع العربي ، وأحياناً توجيهه ، مستغلة بذلك وضع (التجزئة) العربيّة والتفكّك القبلي السّائد . وكان من سلوكهم المزدوج تجاه القضايا العربيّة يومها ، ما تعرض له القرآن : ( ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاَء تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَ فَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ )(3) . وملخّص الحالة , إنّ اليهود في المدينة كانوا ثلاث فرق هم ؛ بنو قريضة ، بنو

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) عندما جاء الإسلام , كان المنذر بن ساوى العبدي والياً على منطقة البحرين في شرق الجزيرة ـ من أبناء المنطقة ـ من قبل الفرس ، وفي فترة قبل ذلك حكم الفرس اليمن ، غير أنّهم خرجوا منها بعد مجئ الأحباش المدعومين من الرومان , ثمّ ما لبثت المنطقة إن استقلّت بعد ثورة (سيف بن ذي يزن) .

(2) كان ذراع النّصارى في الجزيرة العربيّة هم الرومان .

(3) سورة البقرة / 85 .


الصفحة 105

النّضير ، وبنو قينقاع . وحيث إنّ الوضع التجزيئي الغالب على المجتمع العربي يومها ، اقتضى أن ينقسم إلى جبهتين متصارعتين على مدى السّنين ؛ هما الأوس والخزرج .

كانت هذه الفرق اليهوديّة تتمركز تكتيكياً ضمن الجبهتين , فبنو قينقاع وبنو النّضير حلفاء الخزرج ، وبنو قريظة حلفاء الأوس , وعندما يقع القتال بين الفريقين ، تجد كلّ فرقة من هؤلاء تقاتل إلى جنب حليفتها , وبالنّتيجة يتمّ قتل اليهودي من قبل اليهودي , وكان قتل اليهودي لليهودي مُحرّماً في ميثاقهم , ثمّ لمّا تنتهي الحرب وتهدأ حدّتها ، ينظر اليهودي من كلّ الفرق إلى أخيه اليهودي الأسير في معسكره ، فيلجأ إلى فديه ، وذلك استجابة لنداء التوراة ولهذا عقّب القرآن : ( أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ )(1) .

ولقد أغرق اليهود العرب بالأساطير والخرافات , فنتج عن ذلك واقع مجتمعي مستلب يعيش على سبيل الكهانة والسّحر والخرافة ؛ حيث انشلّت إمكانياته على الترقّي , فراح نحو الأقوال واقترب من الغناء . وكان اليهود يمعنون في واقع التجزئة ويكرّسون حالة التمزّق القبلي ؛ لأنّهم بذلك يحقّقون فرصتهم للبقاء والسّيادة , وغالبا ما كانوا يصنعون الحروب الطوال بين القبيلة والاُخرى ، فيما لو أحسّوا بخطر هذه القبيلة أو تلك .

وكان للعاملين القبلي والتجاري دورهما في توجيه المجتمع العربي , وبقي هذا هو السّبب المانع لهم من السّماع إلى دعوة الرّسول بمكّة , فمن جهة رفضوا ميزة (النّبوة) في محمّد (صلّى الله عليه وآله) , لا لأنّه الشّخص المحترم والأمين و . . . ولكن ؛ لأنّه ينتسب إلى عشيرة بني هاشم العريقة بنبالتها ومقامها في أرض الجريرة العربيّة , فأبوا عليها أن تجتمع لها كلّ الامتيازات التي ترفعها درجات ، حيث يتعسّر على القبائل الاُخرى أن تكون الرفادة والسّقاية ثمّ النّبوة في بني هاشم ، لذلك كانوا يبرزون وجهة نظرهم القبلية مجدّدين بها (طبيعة) النّبوّة .

ويدلّنا على ذلك ما عاناه الرّسول (صلّى الله عليه وآله) في دعوته , فيروي بن هشام في السّيرة ، أنّ النّبي (صلّى الله عليه وآله) عرض نفسه على بني عامر بن صعصعة وشرح لهم دعوته ، وأجابه رجل منهم قائلاً : أرأيت إن نحن بايعناك على أمرك , ثمّ أظهرك الله على من خالفك ، أيكون

ــــــــــــــ

(1) سورة البقرة / 85 .


الصفحة 106

لنا الأمر من بعدك ؟ قال (صلّى الله عليه وآله) : (( الأمر لله يضعه حيث يشاء )) . فقال له : أفنهدي نحورنا للعرب دونك ، فإذا أظهرك الله كان الأمر لغيرنا ؟! لا حاجة لنا بأمرك . فأبوا عليه , وكان العامل القبلي حاجزاً ضد إسلامهم , كما كان دافعاً لهم للكيد بالإسلام .

لقد ورد عن ابن الأثير : إنّ اُبي بن شريف التقى مع أبي جهل , فقال له : أترى محمّداً يكذب ؟ فقال أبو جهل : كيف يكذب على الله وقد كنّا نسمّيه الأمين ؛ لأنّه ما كذب قط , ولكن إذا اجتمعت في بني عبد مناف السقاية والرفادة والمشورة ثمّ تكون فيهم النّبوة , فأي شيء يبقى لنا .

وكان أبو سفيان يقول : كنّا وبني هاشم كفرسي رهان ، كلّما جاؤوا بشيء جئنا بشيء مقابل ، حتّى جاء منهم من يدّعي بخبر السّماء ، فأنّا نأتيهم بذلك . إنّه المنطق الذي يحكم حياة العرب قبل الإسلام ، وبقي مسيطراً على أغلبيّة النّفوس بعد الرّسول (صلّى الله عليه وآله) , ولمّا عرض دعوته على بني عامر بن صعصعة ، قال رجل منهم : والله ، لو أنّني أخذت هذا الفتى من قريش ، لأكلت به العرب(1) .

وشيئاً فشيئاً بدأ عمود الدين يقوى وباتت شوكة الكفر تضعف , وقامت الحروب الضارية بين المسلمين والمشركين . وحيث إنّ الأغلبيّة السّاحقة في النّهاية لم تدخل طوعاً في الدين ولا اعتقاداً به , وإنّما كرهاً وغلبة فإنّها انطوت على النّفاق وبيّتت الشّر لبني هاشم , لمحمّد (صلّى الله عليه وآله) الذي جاءهم بالإسلام , ولعليّ (عليه السّلام) الذي قتل آباءهم وأجدادهم . والفترة التي فصلت بين (الفتح) ووفاة النّبي (صلّى الله عليه وآله) لم تكن كافية لنزع الطبائع القبلية من هؤلاء الوافدين على الدين .

ونلاحظ أنّ المؤامرة على الرّسول (صلّى الله عليه وآله) قد بدأت بعد الفتح ؛ حيث حاول المنافقون الذين كانوا يشكّلون جزءاً من المجتمع الإسلامي , أن يغتالوا الرّسول (صلّى الله عليه وآله) في اللحظات التي توفّرت لديهم فيها الفرصة . وقد ذكر أبو بكر

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ابن هشام السّيرة النّبوية .


الصفحة 107

البيهقي في (دلائل النّبوّة) عن عدوة , قال : لمّا رجع رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قافلاً من تبوك إلى المدينة ، حتّى إذا كان ببعض الطريق , مكر به ناسٌ من أصحابه , فتآمروا أن يطرحوه في عقبة في الطريق , وأرادوا أن يسلكوها معه ، فأخبر رسول الله (صلّى الله عليه وآله) خبرهم , فقال : (( مَن شاء منكم أنْ يأخذ بطن الوادي ؛ فإنّه أوسع لكم )) .

فأخذ النّبي (صلّى الله عليه وآله) العقبة وأخذ النّاس بطن الوادي , إلاّ النّفر أرادوا المكر به استعدّوا وتلثّموا , وأمر رسول الله (صلّى الله عليه وآله) حُذيفة بن اليمان وعمّار بن ياسر فمشيا , وأمر عمّاراً أنْ يأخذ بزمام النّاقة وأمر حُذيفة بسوقها . فبينما هُم يسيرون , إذ سمعوا وكزة القوم من ورائهم قد غشوه ، فغضب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وأمر حُذيفة أنْ يراهم ، فرجع ومعه محجن , فاستقبل وجوه رواحلهم وضربها ضرباً بالمجن , وأبصر القوم وهم مُتلثّمون , فأرعبهم الله حين أبصروا حُذيفة وظنّوا أنّ مكرهم قد ظهر , فأسرعوا حتّى خالطوا النّاس , وأقبل حُذيفة حتّى أدرك رسول الله (صلّى الله عليه وآله) , فقال : (( اضرب الراحلة يا حُذيفة , وامشِ أنت يا عمّار )) . فأسرعوا وخرجوا من العقبة ينتظرون النّاس , فقال النّبي (صلّى الله عليه وآله) : (( يا حُذيفة , هل عرفتَ مِن هؤلاء الرّهط أحداً ؟ )) . فقال حُذيفة : عرفت راحلة فلان وفلان . وكانت ظلمة الليل قد غشيتهم وهم مُتلثّمون ، فقال (صلّى الله عليه وآله) : (( هل علمتم شأنَ الرّكبِ وما أرادوا ؟ )) . قالوا : لا يا رسول الله . قال (صلّى الله عليه وآله) : (( فإنّهم مكروا ليسيروا معي ، حتّى إذا اظلمّت لي العقبة , طرحوني منها )) . قالوا : أفلا تأمر بهم يا رسول الله إذا جاءك النّاس تضرب أعناقهم ؟ قال (صلّى الله عليه وآله) : (( أكره أنْ تتحدّث النّاس وتقول : إنّ محمداً قد وضع يده في أصحابه )) . فسمّاهم لهما , ثمّ قال : (( اكتماهم )) .

هكذا إذاً كان واقع المجتمع الإسلامي بُعيد الفتح , حيث تبنّت طبقة المشركين خيار (النّفاق) والعمل في الظلّ , وتأسيس كيانها القوي داخل مجتمع الرّسول (صلّى الله عليه وآله) , والتخطيط للمستقبل على المدى البعيد . وكان بنو اُميّة بزعامة (أبي سفيان) , هُم المناوئين الأوائل لحركة (النّبوّة) , وعند الفتح كانوا من الذين عفى عنهم الرّسول (صلّى الله عليه وآله) , فسمّوا بالطلقاء , حيث ذكر اليعقوبي : ( ثمّ قال (صلّى الله عليه وآله) : (( ما تظنون وما أنتم قائلون ؟ )) . قال سهيل : نظنّ خيراً ونقول خيراً ، أخ كريم وابن أخ كريم وقد ظفرت . قال (صلّى الله عليه وآله) : (( فإنّي أقول لكم كما قال أخي يوسف : لا تثريبَ عليكم اليوم )) . ثمّ قال (صلّى الله عليه وآله) : (( ألا لبئس جيران كنتم ! فاذهبوا فاذهبوا فأنتم


الصفحة 108

الطلقاء ))(1) .

وعبارة (أنتم الطلقاء) تفيد معنى آخر يناقض مفهوم الإيمان والإسلام .

فهم دخلوا الإسلام كرهاً وخوفاً من زحف الرّسول (صلّى الله عليه وآله) , وما زال الاُمويّون يضمرون حقدهم وانتقامهم وتربّصهم بمحمّد (صلّى الله عليه وآله) ؛ ولذا أذاقوا آل البيت النّبوي كؤوس المنايا . وحالة الانتقام بقيت ساكنة تتطوّر مع تطوّر الزمن ، لتخرج إلى دنيا الإفصاح فتصنع أبشع جرائم التاريخ .

لقد جاء اليوم الذي تسلّم فيه (يزيد بن معاوية) مسؤولية اُمّة محمّد (صلّى الله عليه وآله) , وكان حتّى كان رأس ابن بنت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وحفيده الأكرم الإمام الحسين (عليه السّلام) بين يديه ينكث ثناياه بقضيب .

روى ابن أعثم والخوارزمي وابن كثير وآخرون : أنّ يزيد بن معاوية تمثّل يومها بهذه الأبيات :

لـيـت أشياخي ببدرٍ شهدوا      جزعَ الخزرجِ من وقع الأسلْ
لأهـلّـوا واسـتـهلوا فرحاً      ثـم قـالـوا يا يزيد لا تشلْ
قـد قـتلنا القرمَ من ساداتهمْ      وعـدلـنـا ميلَ بدرٍ فاعتدلْ
لـستُ  من عقبة إنْ لم أنتقمْ      مـن بـني أحمدَ ما كان فعلْ
لـعـبت  هـاشمُ بالمُلك فلا      خـبرٌ  جـاء ولا وحيٌ نزلْ

وستبدأ تجلّيات الروح القبليّة والانتقاميّة ، تظهر فور رحيل النّبي (صلّى الله عليه وآله) لتتحرك النّفوس صوب المطامع والمنافسة الخسيسة ؛ وبذلك تسهل على الفئة المنافقة فرصة لتقوية نفوذها ، وقد وقع ذلك وبدأ من السّقيفة .

ولا بدّ ونحن ندرس (السّقيفة) كحدث , يجب أنْ ندرك الجذور التاريخيّة التي تربطها بسيرة الرّسول (صلّى الله عليه وآله) , وأنّ لها ـ أي : السّقيفة ـ أبعادها فينا إلى الآن وستبقى , ودون أنْ ننسى استحضار تلك المحطّات التي أوجزناها سريعاً ـ أي :

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) تاريخ اليعقوبي 2 / 60 , دار صادر .


الصفحة 109

عن واقع الجزيرة العربيّة القبليّة واليهود والمنافقين وغيرهما ممّا أشرنا إليه من محطّات ـ .

وفي تلك الأثناء لم تغب قضية الوصيّة والخلافة , وهي أمر يدرك بالوجدان في مجتمع يهتمّ بالقيادة وبخلافتها المرشحة , ذلك ؛ لأنّ المشروع الرّسالي في عصر النّبي (صلّى الله عليه وآله) يقتضي الاهتمام ولفت الأنظار إلى لذلك الامتداد القيادي لرّسالة الإسلام ؛ حتّى لا يطرأ على التصوّر المناوئ : أنّ المشروع النّبوي مشروع وقتي ينتهي بانتهاء صاحبه , ولم يكن من منطق الرّسالات السّابقة ـ كما هو ليس من دأب نظم الحكم والقيادة في المجتمع النّبيل , الذي يملك نظريّة أخلاقيّة حول الحاكم ـ أن تغيب هذه المسألة المتّصلة بواقع الرّسالة الإسلاميّة ومستقبلها المصيري .

 ومن خلال (المسعودي)(1) نثبت أنّ فكرة الوصيّة من القضايا التي شهدتها كلّ رسالات السّماء , بل إنّ الرّسالة التي أتت إلى قوم مُعيّنين ، وفي إطار زمني محدود ، لم تغب فيها قضية الوصيّة ، فكيف يمكن تصوّر (إلغائها) بخصوص رسالة عالميّة وفي إطار زمني ممتد ، وساحة الإنسان أينما كان وحيث حل , فأجدر بهكذا رسالة أن تحدّد قضية الخلافة(2) , وحيث إنّ الخلاف حول الخلافة نشأ فور وفاة الرّسول (صلّى الله عليه وآله) , فهذا يعني أنّ المسألة ليست بذلك المستوى من (التفاهة) , حتّى لا يوفرّ لها الرّسول (صلّى الله عليه وآله) صيغة شرعيّة تحول دون مضاعفاتها , أو لعلّه لم يحط بذلك علماً ، وبما سيحدث بعده من خلاف بسبب الصراع على أمر الخلافة ، وهذا ينافي عصمته وعصمة الوحي الذي كان يوجّه الرّسول (صلّى الله عليه وآله) .

ثمّ إنّ الأصل في القيادة هي الوصيّة , ولم تكن الشّورى سوى تبرير تاريخي لما وقع في (سقيفة) بني ساعدة , إذ إنّ التاريخ يفضح حقيقة الشّورى التي اعتمدوها في السّقيفة , بل إنّها ـ أي : الشّورى ـ أثبتت (بؤسها) في انتخاب

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المسعودي في إثبات الوصيّة .

(2) إذا كان البعض يرى أنّ الخلافة في أمر الدنيا هي المقصود ، فنحن نتحدّث عن الخلافة في الدين ,

والخلافة في الدين هي نفسها الخلافة في أمور الدنيا ؛ لأنّ هذه الأخيرة مرتبطة بالتشريع الإلهي .


الصفحة 110

صيغة الحكم , وفي خلق الممانعة الشّرعيّة والمطامع النّفسيّة والقبليّة التي كانت سائدة يومها , وليس من السّهولة التغاضي عمّا وقع حول الخلافة من خلاف وتضارب , ( وما استلّ سيف في الإسلام ، مثل ما استلّ على الإمامة ) كما يؤكد المؤرّخون(1) .

إنّ الأخذ بشرعية الإمامة كمسألة خاضعة لأمر الشّارع ، ستسقطنا في مأزق اتهام الكثير ممّن حسبوا على الصحابة في تاريخ الإسلام , سيكون الخارج عنها يشكّل الأغلبية , ولن يبقى إلاّ آل البيت وكبار الصحابة , غير أنّنا لو سمعنا بشرعيّة الخلافة كمسألة اختياريّة خاضعة لاختيار أهل الحل والعقد , أولاً ككل يلزم التقيّد والالتزام بهذه الصيغة ؛ لأنّها تشكّل في حد ذاتها (أمراً شرعيّاً) ـ أي : أنّ الخارج عن قرار السّقيفة ، سيكون مخالفاً لتكليف شرعي ـ وهنا أيضاً سنسقط في نفس المأزق ، هو مأزق اتهام الأغلبيّة السّاحقة التي رفضت الشّورى وقُيّدت إليها بالعنف ، ولن يبقى أمامنا من الملتزمين بالشّرع إلاّ أبو بكر وعمر من الصحابة , وهذا مخالف للواقع ؛ إذ إنّ التاريخ أحصى لهذين الرجلين مخالفات كثيرة لأمر النّبي (صلّى الله عليه وآله) ، ممّا لا ينطبق على سيرة عليّ (عليه السّلام) والصحابة الذين تعسكروا في بيته كسلمان الفارسي وعمّار وأبي ذر والمقداد .

وإذا كان عليّ (عليه السّلام) والذين معه لم يسجّل عليهم التاريخ تلك المخالفات المفضوحة ، فكيف يخالفون الرّسول (صلّى الله عليه وآله) بعد موته , وكيف لا يُخالف الرّسول (صلّى الله عليه وآله) بعد موته اُولئك الذين كفروا بالإمامة ، إذا كانوا ممّن تعوّد على مخالفة النّبي (صلّى الله عليه وآله) في حياته ، بل ومجادلته بسوء الأدب . إنّنا سواء أخذنا (بالوصية) أو (الشّورى) نضطرّ إلى اتّهام قافلة ممّن سمّوا بالصحابة بمخالفة الشرع ، فتأمّل .

إنّ هذه الأهمّية التي تلابس (قضية الإمامة) ـ كما تؤكد ذلك النّتائج والوقائع التي أسفر عنها غياب الرّسول (صلّى الله عليه وآله) ـ تبيّن مدى أهميتها في عهد الرّسول (صلّى الله عليه وآله) والقرآن الذي فيه تبيان لكلّ شيء والرّسالة الإسلاميّة بشكل عام ؛ حيث فيها كلّ حلول المجتمع بما فيها سفاسف الاُمور , فلا بدّ أن يكون فيها حلّ لقضية الخلافة

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الشّهرستاني في الملل والنّحل .


الصفحة 111

التي هي أعظم قضية في التصوّر الإسلامي .

إنّ الأمر لو كان شورى ـ مع افتراض أنّها (شورى) ـ لما كان من المنطقي عقلاً وشرعاً أنْ يتمرّد عليها جيل من السّابقين في الإسلام ، ما كانوا يريدونها لأنفسهم بقدر ما أرادوها للإمام عليّ (عليه السّلام) . الانقسام يدلّنا على أنّ القضية فيها إمّا (غصب) أو (ادعاء) , فإمّا أن يكون عليّ (عليه السّلام) ومن معه (يدّعون) أمراً ليس لهم ، أو أنّ الآخرين (اغتصبوا) حقّاً ليسوا من أهله . ومن هنا سننطلق في معالجة المشكلة في نطاقها التاريخي الحقيقي .

قلت : بأنّ إثبات الوصيّة لازم حياة الرّسول (صلّى الله عليه وآله) , فكان يحمل همّها ضمن همّه النّبوي الأوّل , إذ فرض نفسه مع الإمام عليّ (عليه السّلام) بشكل ملفت للنظر , فرض نفسه كنبيّ رسول , ونصّب الإمام عليّ كوصي وخليفة , وهذا منطق لا يمجّه طبع له إدراك بفلسفة الحكم وتاريخه البشري , بل حتّى في طبيعة الحكم الديمقراطي الرّاقي , لم يكن الإنسان يستغرب إذا أعلن عن رئيس أمريكي ومعه نائبه , ومنذ ترشيح (ريغان) عرف نائبه (بوش) , وكذا (كلينتون) كان نائبه معه (غور) قبل أن يستلم الرئاسة من (بوش) , إنّها تقاليد في الحكم الديمقراطي لا ترفضها روح القوانين , وكما لا تناقض أنماط السّلطة والحكم الوضعي ، فهي أيضاً لا تناقض مسار النّبوّة والرّسالة(1) إذا سلّمنا بأنّ موسى (عليه السّلام) نبيّ الله وهارون (عليه السّلام) خليفته عاشا معاً , وقضى كلاهما في مجتمع بني إسرائيل من دون أن يكون ذلك معرباً عن تناقض .

فرض الرّسول (صلّى الله عليه وآله) نفسه كواسطة رسالية لنقل الوحي من الله سبحانه إلى النّاس ، وأقام عليّاً (عليه السّلام) كمؤازر ووزير ووصي . ولست أدري هل في سنن الأوّلين والآخرين أن يعهد بالأمر إلى غير الوزير والوصي , علماً أنّ اختيارات الرّسول (صلّى الله عليه وآله) كلّها حكيمة ومعصوم بوساطة الوحي , وليس شيء

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) وهنا يثبت المسعودي في إثبات الوصيّة وصايا الأنبياء من آدم إلى محمّد (صلّى الله عليه وآله) ، وعدّ أوصياءهم جميعاً ؛ حيث جعل لآدم شيثاً ، ولإبراهيم إسماعيل ، وليعقوب يوسف ، ولموسى يوشع بن نون ، ولعيسى شمعون , ولمحمّد عليّاً والأحد عشر من ولده (عليهم السّلام) .


الصفحة 112

يستوجب مدخليّة (الوصي) كمسألة (مصير الاُمّة) .

كيف أوجد الرّسول (صلّى الله عليه وآله) خلافة عليّ (عليه السّلام) في بداية الدّعوة ؟ ثمّ كيف نستطيع رصد تميّزات الدور (الإمامي) أو (الوصائي) في زمن الرّسول (صلّى الله عليه وآله) , والخصوصيات الرّساليّة التي انفرد بها الإمام عليّ (عليه السّلام) في زمن الرّسالة ؟ سنحاول استنطاق التاريخ والكشف عن أعماقه ؛ ليتبيّن لنا ما إذا كان الأمر كذلك .

ذكر المؤرّخون(1) إنّه لمّا نزلت الآية : ( وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ )(2) . قام الرّسول (صلّى الله عليه وآله) يدعو أقرباءه وفيهم عمّه أبو لهب , فقال (صلّى الله عليه وآله) : (( يا بني عبد المطلّب ، إنّي والله ، ما أعلمُ شابّاً في العرب جاء قومَهُ بأفضل ممّا جئتكم به ؛ إنّي قد جئتكُمْ بخير الدُّنيا والآخرة , وقد أمرني الله عزّ وجل أنْ أدعوكم إليه ، فأيّكم يؤمن بي ويؤازرني على هذا الأمر , على أنْ يكونَ أخي ووصيّ وخليفتي فيكم ؟ )) .

فسكت القوم ولم يجيبوا إلاّ عليّ (عليه السّلام) قال : (( أنا يا رسول الله , أكونُ وزيرَكَ على ما بعثك اللهُ )) . وبعد أن كرّر الرّسول (صلّى الله عليه وآله) دعوته لقومه ثلاث مرّات ، التفت إليهم وقال : (( إنّ هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم ـ أو عليكم ـ فاسمعوا له وأطيعوا )) . فقام القوم يضحكون ويقولون لأبي طالب : قد أمرك أن تسمع لابنك وتطيع , وجعله عليك أميراً .

أوّلاً : وفي رؤيتنا للحديث ، لا بدّ أن نعلم بأنّه بلغ قدراً من التواتر واعتبر صحيحاً لدى جميع المفسّرين (3) , إلى درجة جعلت الطبري ـ وهو أحد رواته ـ

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) تاريخ الطبري ، مسند أحمد بن أبي الحديد في شرح النّهج ، تاريخ الكامل .

(2) سورة الشّعراء / 214 .

(3) إلاّ واحد أراد أن يخالف الجمهور ؛ لينقص من فضائل الإمام عليّ (عليه السّلام) كما هي عادته القبيحة في النّصب وهو ابن تيمية .


الصفحة 113

يتصرّف في صيغة الحديث فيروي بهذا الشّكل : (( فأيّكم يؤمن بي ويؤازرني على هذا الأمر ، على أن يكون كذا وكذا )) . وبعدها قال للإمام عليّ (عليه السّلام) : (( إنّ هذا أخي وكذا وكذا ))(1) . إنّ هذه الـ (كذا وكذا) هي قمّة التمويه والتلبيس (المبتذل) ؛ لأنّها دليل في حدّ ذاتها على أهمّيّة ما تخفيه عبارة الـ (كذا وكذا) .

وكيف أنّ الطبري الذي لم ينس صغيرة ولا كبيرة إلاّ أحصاها في تاريخه , كيف ينسى كلمتين فقط ظهرتا في نصوص الرّاوين الآخرين ؟! هناك بلا شكّ منطق يحكم فكر المؤرّخ , هو منطق التضليل والتعتيم اللذين يقلبان التاريخ على وجهه . ومثل ذلك , اضطرب ابن كثير في تفسيره للآية الواردة في سورة (الشّعراء) , إذ أتى مرّة برواية صيغتها : (( فأيّكم يبايعني على أنْ يكون أخي وصاحبي )) . وأورد رواية اُخرى بصيغة : (( أيّكم يقضي عنّي ديني ويكون خليفتي في أهلي ))(2) .

وفي الرّواية الثانية يبدو الخلط والتشويه معاً , إذ إنّ موضوع إنذار العشيرة لا ينسجم مع ( من يقضي عني ديني ويكون خليفتي في أهلي ) والتي في الظاهر ـ إن صحّت ـ تبقى منسجمة مع ظروف الهجرة . ولولا هذا التلبيس ، لما اضطرّ (الطبري) إلى إخفائه بـ (كذا وكذا) .

وقبل الشّروع في تشريح الحديث ، يجب أن نقضي على هذه (الشّطحة) الرّوائية التي أحاطت بحديث (الدار) , فالطبري في تفسيره تعمّد اُسلوب التمويه والتضليل ؛ والدليل على ذلك : إنّ الحديث وجدت صيغته (الواضحة) والصّريحة في أماكن اُخرى .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) تفسير الطبري 19 / 74 .

(2) تفسير بن كثير 3 / 301 ـ 302 , دار القلم / بيروت .


الصفحة 114

ثانياً : لأنّه أورده في تاريخه بصيغته الحقيقية , بعبارة : حدّثنا بن حميد حدّثنا سلمة حدّثنا محمّد بن إسحاق , عن عبد الغفار بن القاسم عن المنهال بن عمرو , عن عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطّلب , عن عبد الله بن عبّاس عن عليّ بن أبي طالب (عليه السّلام) , قال : . . . الحديث .

والغريب أنّه أورده في (تفسيره) بنفس الصيغة والمتن غير ذلك التحوير في كلمة : (( أخي ووصي وخليفتي))(1) . حيث استبدلها بما هو أبلغ وأبين (كذا وكذا) , إذ تبيّن لنا مدى حقيقة التزوير التاريخي الذي احتكرته نخبة من رجال التحريف ، والذي انقلب عليهم (سحرهم) ؛ ليكون تضليلهم وثيقة ضدّهم لا لهم .

لقد أورد الطبري في تفسيره الحديث بهذا السّند والمتن(2) : حدّثنا سلمة قال : حدّثنا محمّد بن إسحاق عن عبد الغفار بن القاسم ، عن المنهال بن عمرو عن عبد الله بن عباس , عن عليّ بن أبي طالب : (( لمّا نزلت هذه الآية ( إلى أن قال : ) فأيّكم يؤازرني على هذا الأمر على أن يكون أخي وكذا وكذا ؟ )) . قال : (( فأحجم القوم عنها جميعاً , وقلتُ ـ وإنّي لأحدثهم سنّاً وأرمصهم عيناً ، وأعظمهم بطناً وأخمشهم ساقاً ـ : أنا يا نبي الله أكون وزيرك . فأخذ برقبتي , ثمّ وقال . . . )) الحديث .

وبنفس الطريقة رواه في تاريخه ، حيث قال : حدّثنا ابن حميد , قال : حدّثنا سلمة , قال : حدّثني محمّد بن إسحاق , عن عبد الغفار بن القاسم , عن المنهال بن عمرو , عن عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب , عن عبد الله بن عبّاس , عن عليّ بن أبي طالب : (( لمّا نزلت هذه الآية : وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ(3) . (إلى أن قال) :

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) إنّ نفس الحديث رواه مشاهير السنّة أنفسهم بمتنه الواضح ، ومنهم النّسائي في الخصائص ، والثعلبي في تفسيره , والحلبي في سيرته .

(2) (جامع البيان عن تأويل آي القرآن) أبي جعفر بن جرير الطبري 19 / 121 ـ 122 , الأجزاء / 19 ـ20 ـ 21 , دار الفكر .

(3) سورة الشّعراء / 214 .


الصفحة 115

فأيّكُمْ يوازرني على هذا الأمر على أنْ يكون أخي ووصيي وخليفتي فيكم ؟ )) . قال : (( فأحجم القوم عنها جميعاً , وقلت : ـ وإنّي لأحدثهم سنّاً وأرمصهم عيناً . . . )) الحديث . إذاً تبيّن مدى التلبيس والتدليس .

 آن لنا إذ ذاك شرح الحديث ، لنقف على الحقيقة التي يفيض بها متنه .

هناك أربع كلمات يمكن الوقوف عندها بتدبّر وإمعان عميق :

1 ـ أخي

2 ـ وصيي

3 ـ خليفتي

4 ـ المؤازرة .

وكلّ هذه الخصال تحقّقت في حياة عليّ (عليه السّلام) , إلاّ واحدة لم تتحقّق وهي عبارة (وصيي) ؛ ذلك لأنّ الوصيّة تشير إلى حالة الاستخلاف بعد الموت , وكلمة (وصية) تفيد هذا المعنى(1) , ولو كان يريد بها خلافته في الحياة , لما قرنها بعبارة (وخليفتي) ؛ لأنّنا لو سلّمنا بأنّها تفيد الخلافة في الحياة أثناء غياب الرّسول (صلّى الله عليه وآله) ـ كما ذهب البعض ـ , إذاً لكانت عبارة (خليفة) لغواً , وهذا لا يجوز على مَن أوتي جوامع الكلم , ووجود عبارة (وصي) إلى جانب (خليفة) تعني أنّ المعنيين مختلفان .

ونعود إلى أغوار السّيرة لنرى أنّ كلّ الخصال تحقّقت باستثناء (الوصية) في نظر البعض , وبعدم تحقّقها كان ما كان في تاريخ ما بعد السّقيفة ، وكان المنعطف الكبير في حياة الاُمّة .

1 ـ المؤاخاة :

كان (التآخي) في الإسلام منهجاً لرصّ صفوف المسلمين ، ونظّم الرّسول بنفسه عملية (التآخي) فيما بين المهاجرين والأنصار , وكان (صلّى الله عليه وآله) يراعي كلّ متطلبات التآخي ؛ فأنّ التقريب بين شخصين لم يكن ليجري اعتباطاً بقدر ما كانت تراعي فيه شروط الانسجام النّفسي والروحي .

 وفي الوقت الذي آخى

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ومن رأى أنّها تعني الخلافة في حياته أثناء غيبته بمعنى (الوكالة) , فإنّه يحتاج إلى عودة لقراءة اللغة العربيّة .


الصفحة 116

الرسول (صلّى الله عليه وآله) بين المسلمين ، اختار له الإمام عليّاً (عليه السّلام) أخاً , وفي ذلك أورد أهل السّيرة أخباراً كثيرة ، كما جاء في السّيرة الحلبية : إنّ الرّسول (صلّى الله عليه وآله) آخى بعد الهجرة بين أبي بكر وخارجة بن زيد , وبين عمر وعتبان بن مالك , وبين أبي رويم الخشعي وبلال ، وبين أسيد بن خضير وزيد بن حارثة .

قال : ثمّ أخذ (صلّى الله عليه وآله) بيد عليّ بن أبي طالب وقال : (( هذا أخي )) . فكان رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وعليّ أخوين .

ولم يكن الرّسول (صلّى الله عليه وآله) اعتباطيّاً في هذا الاختيار حاشاه , وإنّما هي عصمة الوحي السّديد الذي كان الرّسول (صلّى الله عليه وآله) يتحرّك في خطّه لا يحيد : ( وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى )(1) .

2 ـ الخلافة :

والمراد بها هنا : الاستخلاف . وهي جامعة لمعنيين : الاستخلاف في الغيبة ، والاستخلاف بعد الموت . ووجودها في نفس المقام مع (الوصاية) يجعلها تأخذ ( المعنى الأوّل : ) وهو القيام بأعمال بالوكالة عن الرّسول (صلّى الله عليه وآله) . وهذا النّوع من الاستخلاف كان واضحاً في سيرة الرّسول (صلّى الله عليه وآله), لمّا كان يختار الإمام عليّ (عليه السّلام) لخلافته في اُمور جسام , ويتجسّد ذلك في :

1 ـ استخلاف الرّسول (صلّى الله عليه وآله) إيّاه في مكّة لقضاء ديونه عند الهجرة , حيث أدّى عنه الديون ورعى آل البيت (عليهم السّلام) بعده (صلّى الله عليه وآله) .

2 ـ وفي تبوك حيث لم يكن من عادة الرّسول (صلّى الله عليه وآله) أن يستخلف عليّاً (عليه السّلام) وراءه لمّا تقوم الغزوات , وهو أنفع للإسلام في المعركة يومها منه في حراسة المدينة , وهو بهذا الجهاد أقام أركان الدين ، وقد قال فيه الرّسول (صلّى الله عليه وآله) : (( لولا سيفُ عليٍّ ومالُ خديجة ، لما قام للإسلام قائمة )) . غير أنّ غزوة (تبوك) على أثر اتساع الرقعة الإسلاميّة المجتمعية , فقد دخل في الإسلام الغثّ والسّمين , واندسّ المنافقون وكثروا , وأغلبهم كان من المؤلّفة قلوبهم الذين أسلموا مقابل جعل مالي مخصّص لتأليف قلوبهم .

وخروج الرّسول (صلّى الله عليه وآله) في هكذا ظروف ، حيث تحيط بالمدينة جموع من المنافقين الذين يخشى انقلابهم على أهله ، استغلالاً للظروف . فكان يومها

ـــــــــــــــ

(1) سورة النّجم / 4 .


الصفحة 117

عليّ (عليه السّلام) أصلح للبقاء في المدينة , والأجواء المحيطة بها تتطلب خلافة محكمة ؛ فكان الرّسول (صلّى الله عليه وآله) يخلّف وراءه الإمام عليّاً (عليه السّلام) ؛ لأنّه الأكفأ لخلافته .

ولست أدري كيف يظنّ البعض أنّ هذا مجرّد اختيار اعتباطي ؟! كيف يمكن للرسول (صلّى الله عليه وآله) أنْ يزهد في حضور الإمام عليّ (عليه السّلام) المعركة وهو مفتاح النّصر في كلّ معارك الرّسول (صلّى الله عليه وآله) ؟! اللهمّ [ إلاّ ] إذا كان ثمّة سرّ موضوعي يقتضي أن تكون الخلافة لعليّ (عليه السّلام) على أهله في المدينة أيّام تبوك , وفي ذلك يروي الطبري عن ابن إسحاق : خلّف رسول الله عليّ بن أبي طالب على أهله وأمره بالإقامة فيهم .

وذكر ابن هشام : استعمل (صلّى الله عليه وآله) على المدينة محمّد بن مسلمة الأنصاري , وخلّف عليّ بن أبي طالب على أهله وأمره بالإقامة فيهم , فأرجف به المنافقون وقالوا : ما خلّفه إلاّ استثقالاً له وتخففاً منه . فلمّا قالوا ذلك , أخذ عليّ سلاحه ثمّ خرج حتّى أتى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وهو نازل في الجرف , فقال : (( يا نبيَّ الله , زعم المنافقون أنّك إنّما خلّفتني ؛ لأنّك استثقلتني وتخفّفت منّي )) . فقال (صلّى الله عليه وآله) : (( كذبوا , ولكن خلّفتك لما تركت ورائي , فارجع فأخلفني في أهلي وأهلك ؛ أفلا ترضى أنْ تكون منّي بمنزلة هارون من موسى , إلاّ أنّه لا نبي بعدي ؟ )) . فرجع عليّ (عليه السّلام) إلى المدينة .

3 ـ وبخصوص (سورة براءة) , يروي النّسائي في خصائصه عن سعد , قال : بعث رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أبا بكر ببراءة , حتّى إذا كان ببعض الطريق , أرسل عليّاً (عليه السّلام) فأخذها منه ثمّ سار بها , فوجد أبو بكر في نفسه , فقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : (( لا يؤدّي عنّي إلاّ أنا أو رجل منّي ))(1) .

وهذه الرواية التي أجمع على صحّتها نقلة الأخبار من كلا المذهبين ، تشير إلى واقع تحقّق (الخلافة) للإمام عليّ (عليه السّلام) في زمن الوحي , وهذه لفتة تاريخية كافية كدليل على الخصوصيّة التي تميّز بها الإمام عليّ (عليه السّلام) , وإذا كان الإمام عليّ (عليه السّلام) بالتبليغ الإلهي أهلاً أن يبلّغ عن الرّسول (صلّى الله عليه وآله) , فكيف لا يكون أهلاً لخلافة الاُمّة من بعده ؟!

 وهناك أكثر من مثال في السّيرة على هذه الميزات التي

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) روى الحديث بأسانيد مختلفة عن النّسائي في الخصائص ، وكذلك روى الحديث الطبري في تفسيره والحاكم في مستدركه .


الصفحة 118

اختصّ بها الإمام عليّ (عليه السّلام) دون غيره فيما يرتبط بخاصيّة الخلافة .

3 ـ المؤازرة :

وثبتت مؤازرته للنبيّ (صلّى الله عليه وآله) , ولم يأل جهداً إلاّ وأنفقه في سبيل مؤازرة النّبي (صلّى الله عليه وآله) ونصرته , والإمام عليّ (عليه السّلام) هو من وقف مع الرّسول (صلّى الله عليه وآله) يوم لم يقف معه النّاس , ونصره يوم خذلوه , والأمثلة على ذلك في السّيرة لا تكاد تُحصى ، ويمكن إيراد بعض منها على سبيل المثال لا الحصر .

أ ـ ليلة المبيت , أوّل ليلة فداء :

لولا ما تمّ ليلة المبيت , لما ترتّبت هجرة الرّسول (صلّى الله عليه وآله) على تلك الشّاكلة . لقد عزم المشركون على قتل النّبي (صلّى الله عليه وآله) وأعدّوا لذلك خطّة , وتوجّب ساعتئذ عليه (صلّى الله عليه وآله) أن يهاجر علانية ؛ إذ أنّ القوم وزّعوا عيونهم وهم يتربّصون به , ولكي يموّه عليهم الرّسول (صلّى الله عليه وآله) , رتّب أمر مبيت عليّ (عليه السّلام) في فراشه . وذلك المبيت يعكس خطورة الموقف , فلو كان الرّسول (صلّى الله عليه وآله) في خيار ، لما ضحّى بالإمام عليّ (عليه السّلام) , وليس إلاّ عليّ يقدر على هذه التضحية .

نام الإمام عليّ (عليه السّلام) في فراش الرّسول (صلّى الله عليه وآله) وهو ينتظر الحراب كي تتوالى عليه ليستقبلها بروح استشهاديّة إيمانيّة , غير أنّ الخالق لم يرد بذلك سوى الاختيار , وتغذية التاريخ بالمُثل العليا في التضحية والفداء , فنجا الإمام عليّ (عليه السّلام) , ويومها نزل قوله تعالى(1) : ( وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ )(2) .

ب ـ في اُحد :

واجه الإسلام مصيراً مأساوياً يوم اُحد , وزاد من تلك الخطورة , أن تفرّق المسلمون وشردوا من سيوف الكفّار , ولم يبقى في المعركة سوى الرّسول (صلّى الله عليه وآله) وعليّ (عليه السّلام) , وبقية قليلة من الصحابة الذين قرّ الإيمان في صدورهم , وكان أبو بكر

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) أجمع على ذلك المفسرون .

(2) سورة البقرة / 207 .


الصفحة 119

وعمر من اُولئك الفارّين في المعركة , وتمسّك عمر بمقتل الرّسول (صلّى الله عليه وآله) كورقة لتبرير فراره من الزحف , في هذه الأثناء كان سيف عليّ (عليه السّلام) يمخر الأعناق ببسالة أسطوريّة .

ذكر الطبري : ( لمّا قتل عليّ بن أبي طالب أصحاب الألوية , أبصر رسول الله (صلّى الله عليه وآله) جماعة من المشركين , فقال (صلّى الله عليه وآله) لعليّ (عليه السّلام) : (( احمل عليهم )) . فحمل عليهم ، ففرّق جمعهم وقتل عمر بن عبد الله الجمصي ( . . . ) فقال جبريل : يا رسول الله , إنّ هذه للمواساة . فقال رسول الله : (( إنّه منّي وأنا منه )) . فقال جبرائيل : وأنا منكما . فسمعوا صوتاً : لا فتى إلاّ عليْ ، ولا سيف إلاّ ذو الفقار(1) .

ج ـ في وقعة الخندق :

كانت هذه المعركة ـ التي لم يشترك فيها المسلمون , وجهاً لوجه مع الكفّار ـ إحدى المعارك الاستراتيجيّة في تاريخ الإسلام , وخفّف عن ذلك ما اقترحه سلمان الفارسي (رض) من حفر الخندق لغاية الدفاع , غير أن تجرّأ عمرو بن ود العامري واقتحامه الخندق طلباً للمبارزة ، قد أوقع الإسلام كلّه أمام تهديد مصيري , وفيها كان عمرو بن ود يطلب المبارزة ويقول :

ولـقد بححتُ من النداءِ      بجمعكمْ  هل منْ مُبارزْ
 ووقفتُ إذ جبن الشجاعُ      مـوقفَ الـعزِّ المُناجزْ

ولم يستجب أحد لهذا الصوت ، وفي الصحابة أبو بكر وعمر . . . , لم يستجب إلاّ عليّ بن أبي طالب ، فلقد كان يقف ويطلب من الرّسول (صلّى الله عليه وآله) الخروج إليه ، حتّى أذن ودعا له , وبعد أن نصر الله المسلمين في الأحزاب بعليّ (عليه السّلام), قال الرّسول (صلّى الله عليه وآله) كلمته الشّهيرة: (( لَمبارزة عليّ بن أبي طالب لِعمرو بن عبد ود , أفضل من عمل اُمّتي إلى يوم القيامة ))(2) .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ذكره الطبري 2 / 514 .

(2) لقد كبر هذا الحديث على بعض النّواصب من أمثال ابن تيمية , محاولاً النّيل منه ؛ لأنّ فيه فضيلة لعليّ (عليه السّلام) لا يشاركه فيها غيره , وابن تيمية يجهل المأزق الذي انوجد فيه الإسلام يوم الخندق , وكان على ابن تيمية أن يبحث في تبرير لأبي بكر وعمر , وعدم استجابتهما لدعوى المبارزة , ودعوى الرّسول (صلّى الله عليه وآله) . . . , إنّه اللهو بالحقائق وسوف يلقون غيّا .


الصفحة 120

د ـ يوم خيبر :

كانت هذه المعركة ضد يهود خيبر , وكانت حصونهم مانعتهم من المحاربين , وكان الرّسول (صلّى الله عليه وآله) قد أعطى الرّاية لرجلين : الأوّل أبي بكر والثاني عمر ، فالأوّل : انهزم وولّى منكسراً إلى الرّسول (صلّى الله عليه وآله) وبلا نتيجة , والثاني : انهزم أيضاً ورجع يجبّن الذين معه ويجبّنونه , وساعتئذ قال (صلّى الله عليه وآله) : (( لأعطينّ الرّاية رجلاً يُحبّه الله ورسوله ويُحبّ اللهَ ورسولَهُ )) . فاشرأبّت أعناق النّاس إليها , وفي الغد دعا عليّاً (عليه السّلام) وكان به رمد , فمسح على عينيه فبرئ , وحمل الرّاية وفتح حصن خيبر , وسجّل فيها أروع نماذج البطولة وقتل بطل الأبطال (مرحب) .

أن يوصي الرّسول (صلّى الله عليه وآله) بمَن يخلفه في اُمّته , فذلك هو الأقرب إلى منطق العقل والشّريعة ؛ إذ كيف يعقل أن يترك الرّسول (صلّى الله عليه وآله) أمر الاُمّة للشورى في الوقت الذي لا يزال المجتمع فيه غارقاً في البداوة والجهل ! فإذا لم يكن من الضروري ـ افتراضاً ـ أن يوصي بالخلافة في الحكم الدنيوي , فهل يعني هذا أنّه ليس من من الضروري أن يوصي بمن يخلفه في مسؤولية (الدعوة والتوجيه) , علماً أنّ شعوباً اُخرى مات الرّسول (صلّى الله عليه وآله) وهي لم تفتح بعد ، ولها مشاكل تختلف عن تلك التي واجهها عرب الجزيرة العربيّة في تعقّدها وعمقها , وكانوا يحتاجون لفتوى من الشّريعة !

وهذا الفراغ الذي ظهر فيما بعد ، كان سببه تغييب دور الأئمّة (عليهم السّلام) ؛ ولذلك اضطرّ المناوئون إلى خلق نمط من التفكير لفهم الأحكام وتأصيلها , استلهموا روحه من الفكر الإغريقي ، كما هو شأن (القياس) والمفهوم بالمخالفة ، وما أشبه .

وفي زمن الخلفاء تبيّن هذا الفراغ , وكان الإمام عليّ (عليه السّلام) هو الوحيد بعد الرّسول الله (صلّى الله عليه وآله) الذي قال : (( اسألوني قبل أنْ تفقدوني )) . والوحيد الذي لم يستفت الآخرين في القضايا التي تواجهه , ورجوع

 

 

الصفحة 121

الخلفاء إليه في الأحكام , دليل على أنّهم هُم أيضاً في حاجة إلى توجيهه وإرشاده .

وكلّ ما تتطلبه مسؤولية الخلافة كان متوفّراً في شخص الإمام عليّ (عليه السّلام) , فالفقه والقضاء اللذان شكّلا روح الدولة الإسلاميّة , كانتا ميزتين للإمام عليّ (عليه السّلام) , وبعد ذلك لم يكن هناك قطاع أهمّ في مجتمع الإسلام من القطاع العسكري ، والإمام عليّ (عليه السّلام) لا شكّ كان أكبر وأعلى رجل عسكري في دولة الإسلام . ولم يثبت التاريخ أنّ أحداً من الصحابة أو غيرهم كان أشجع منه وأقوى , ولا يمكن قياس أبي بكر أو عمر أو عثمان أو أيّ كان بالقدرة العسكرية للإمام عليّ (عليه السّلام) .

لقد اكتملت كلّ مؤهّلات الخلافة لدى الإمام عليّ (عليه السّلام) , والذين يحرصون على نجاح مشروع الاُمّة ، هم اُولئك الذين اختاروا لها عليّاً (عليه السّلام) ؛ لأنّه الوحيد الذي يستطيع تطوير هذا المشروع والذهاب به بعيداً في خطّ التقدّم , ولكن لا بدّ أن نتذكّر العوامل الاُخرى التي يمكنها أن تعرقل مشروع الإمامة , وهي ذاتها التي كانت عقبة في وجه مشروع النّبوّة , إنّه العامل (القبلي) , الذي بقي راسخاً في نفوس الأغلبيّة السّاحقة , فرفضت على عليّ (عليه السّلام) (الإمامة) مثلما رفضت على محمّد (صلّى الله عليه وآله) النّبوّة ، لا لشيء إلاّ لأنّهما من (بني هاشم) , وكلّ ذلك رؤية قبليّة محضة لقضايا إسلامية مجرّدة ؛ وبذلك يكون الرّسول (صلّى الله عليه وآله) قد أثبت للإمام عليّ (عليه السّلام) الوصيّة , فمن كان راضياً بولاية الرّسول (صلّى الله عليه وآله) , وجب عليه القبول بولاية الإمام عليّ (عليه السّلام) ، وأكمل الله دينه يوم تمّت الرسالة واكتملت بالولاية , وهي آخر ما نزل من القرآن .

وظلّ النّفاق يختمر في النّفوس ينتظر الفرصة كي تسنح ؛ ليقلب للرسالة المجن , فتولّي نفوس أدبارها باتجاه الضلالة من جديد , ويفتح الملف المثقل بكلّ الحسابات القديمة , فاليوم يوم الحساب وآن لبني هاشم أن يدفعوا ثمن الانتصار المحمدي , ولترفع ثياب المشركين المقتولين بسيف عليّ (عليه السّلام) في نفوس المنافقين ، فيتربّصوا الدوائر بعترة محمّد الطاهرة (عليه السّلام) .


الصفحة 122

ستأتي الرّزية ويبدأ المنعطف ويبدأ أوّل مؤتمر في تاريخ (البدو) , حيث يزاح الإسلام وتطرح قشوره ؛ بحثاً عن المنافع الشّخصيّة , وسيبدأ التاريخ المفضوح من جدول أعمال السّقيفة ، ليكون ما بعدها أتراماً وأتراماً على آل البيت النّبوي .

ولذلك تتبلور الصفة المتميّزة للإمام عليّ (عليه السّلام) أيّام النّبي (صلّى الله عليه وآله) , ويدلّ هذا أيضاً على أنّ الإمام عليّ (عليه السّلام) اختير لمؤازرة الوحي ، بينما غيره كان موضوعاً للرسالة والوحي , أي أنّ الوحي كان ينقل بواسطة محمّد (صلّى الله عليه وآله) وبمؤازرة عليّ (عليه السّلام) , لينتهي إلى العامّة من النّاس الذين من بينهم عناصر معيّنة اختصّت بصحبة النّبي(1) .

وصحبته ليست سوى حالة من التمحور حول الرّسول (صلّى الله عليه وآله) وتلقّي الوحي عنه , من دون أن تكون ملزمة لعصمتهم , بمعنى عدم تبدّلهم وتراجعهم عنه , ولم تكن الصحبة تعني بالضرورة (الخلافة) أو فيها ما يؤشّر إلى ذلك , بعكس ما يبعث به مفهوما (الوصيّة) و(الوزارة) اللذان أختصّ بهما الإمام عليّ (عليه السّلام) , وبذلك تكون كلّ الخصال متحقّقة في شخص عليّ (عليه السّلام) سوى (الوصيّة) , وفعلاً , لقد أوصى (صلّى الله عليه وآله) بالإمامة لعليّ من بعده , بحيث بلغ حدّ التواتر ، وحضره جمع غفير من الصحابة وسمعوه ووعوه وعلّقوا عليه بـ (بخ بخ لك) أو ما شابهها من العبارات . وكان هذا الحديث هو ورقة المعارضة منذ أن اُحيلت الخلافة إلى (الرأي) .

لم يغادر الرّسول (صلّى الله عليه وآله) الحياة حتّى وقف تلك الوقفة التاريخيّة الكبرى بحجّة الوداع ، ليعلن بصريح النّصّ إنّ عليّاً ولي للمؤمنين بعده , وقصّة الخبر كالتالي(2) :

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ولهذا يجب أن نميّز عليّاً (عليه السّلام) عن الصحبة , فهو ليس صحابيّاً فحسب ؛ إذ له ألف وألف رابطة ووظيفة في هذا الدين ، وكلّها كانت تجري بعين الوحي .

(2) استطاع عبد الحسين الأميني النّجفي في كتابه العملاق : الغدير . إحصاء رواة الحديث من الصحابة والتابعين والعلماء ، فكان أن أثبت بالأسانيد الموثقة أنّ عدد رواة الحديث من الصحابة (110) ، وعدد رواته من التابعين (84) ، وعدد رواته من العلماء (359) .


الصفحة 123

كان يوم الثامن عشر من ذي الحجة في سنة عشرة من الهجرة ، حيث وصل الرّسول (صلّى الله عليه وآله) من حجّة الوداع , وكان اسم المكان (غدير خم) , يقع على مقربة من الجحفة بناحية رابغ بين مكّة والمدينة .

وذكر اليعقوبي في تاريخه : إنّه (صلّى الله عليه وآله) قام خطيباً (بغدير خم) , وأخذ بيد عليّ بن أبي طالب فقال : (( ألستُ أولى بالمؤمنين من أنفسهم ؟ )) . قالوا : بلى يا رسول الله . قال (صلّى الله عليه وآله) : (( فمَن كنتُ مولاه فعليٌّ مولاه , اللهمّ والِ مَن والاه وعادِ مَن عاداه )) . ثمّ قال : (( أيّها النّاس , إنّي فرطكم وأنتم واردي على الحوض ، وإنّي سائلكم حين تردون عليّ عن الثقلين , فانظروا كيف تخلفوني فيهما )) . وقالوا : وما الثقلان يا رسول الله ؟ قال (صلّى الله عليه وآله) : (( الثقل الأكبر كتاب الله ، سببٌ طرفه بيد الله وطرفٌ بأيديكم ، فاستمسكوا به ولا تضلّوا ولا تبدّلوا ، وعترتي أهل بيتي ))(1) .

وذكر ابن كثير في تاريخه : قال الحافظ أبو يعلى الموصلي والحسن بن سفيان بن هدبة بن حماد بن سلمة , عن عليّ بن زيد وأبي هارون , عن عدي بن ثابت , عن البراء , قال : كنّا مع رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في حجّة الوداع , فلمّا أتينا على غدير خم , فسح لرسول الله (صلّى الله عليه وآله) تحت شجرتين , ونودي في النّاس الصلاة جامعة , ودعا رسول الله (صلّى الله عليه وآله) عليّاً وأخذ بيده فأقامه عن يمينه , فقال (صلّى الله عليه وآله) : (( ألستُ أولى بكلّ امرئ من نفسه ؟ )) . قالوا : بلى . قال : (( هذا مولى مَن أنا مولاه , اللهمّ والِ مَن والاه وعادِ مَن عاداه )) . فلقيه عمر بن الخطّاب , فقال : هنيئاً لك , أصبحت وأمسيت مولى كلّ مؤمن ومؤمنة .

وذكره النّسائي في خصائصه(2) , حيث قال : أخبرنا محمّد بن المثنى , قال : حدّثنا يحيى بن حماد , قال : أخبرنا أبو عوانة عن سليمان (الأعشر) , قال : حدّثنا

ــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) تاريخ اليعقوبي 2 / 109 , دار صادر .

(2) الخصائص ـ النّسائي / 150 , تحقيق وتعليق : الشّيخ محمّد باقر المحمودي ـ الطبعة الأولى / 1403 هـ ، 1983 م .


الصفحة 124

حبيب بن أبي ثابت ، عن أبي الطفيل (عامر بن وائلة) , عن زيد بن أرقم , قال : لمّا رجع النّبي (صلّى الله عليه وآله) من حجّة الوداع ونزل (غدير خم) , أمر بدوحات فقصمن , ثمّ قال (صلّى الله عليه وآله) : (( كأنّي دعيتُ فأجبت , وإنّي تارك فيكم الثقلين أحدهما أكبر من الآخر : كتاب الله وعترتي أهل بيتي , فانظروا كيف تخلّفوني فيهما ؛ فإنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض )) . ثمّ قال : (( إنّ الله مولاي وأنا وليّ كلِّ مؤمن )) . ثمّ إنّه أخذ بيد عليّ (رض) فقال : (( مَن كنتُ وليَّه فهذا وليّه ، اللهمّ والِ مَن والاه وعادِ مَن عاداه ))(1) .

ولم يجد خصوم (الولاية) دليلاً قوي العود ليسندوا به خصومتهم , وبعضهم ممّن عرف بنقص الحياء , لجأ إلى التحايل على النّصّ و(الشّطح) في تأويله بما يعرقب أطرافه , ظانين أنّهم أمام أمّيين لا يعلمون الكتاب , فذكر ابن حجر الهيثمي في الصواعق المحرقة : ( لا نسلّم أنّ معنى الولي ما ذكروه ، بل معناه النّاصر ؛ لأنّه مشترك بين معان كالمعتق والعتيق ، والمتصرّف في الأمر ، والنّاصر والمحبوب ، وهو حقيقة في كلّ منها ، وتعيين بعض معاني المشترك من غير دليل , يقتضيه تحكّم لا يعتدّ به ، وتعميمه في مفاهيم كلّها لا يسوغ)(2) .

وقد تلقّف هذه بعض المهرّجين ( ورددوها من دون استحياء , ولم أكن لأتصوّر كيف أنّ الرّسول (صلّى الله عليه وآله) يوقف المسلمين بغدير خم ، ويقول لهم : (( ألستُ أولى بكم من أنفسكم ؟ )) . ثمّ يقول ما قال ، فتنزل الآية : ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ )(3) . كلّ هذا فقط ليقول للمسلمين : إنّ عليّاً قريبكم ، أو غيرها من المعاني التي نعتوها .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) نفس الحديث رواه النّسائي بأسانيد وطرق مختلفة ، وكذلك رواه جمع غفير من المحدّثين , كابن حنبل في المسند , والحاكم في المستدرك ، والحافظ بن حجر في تهذيب التهذيب , والطبري في مؤلفه الخاص ، والطبراني في المعجم الأوسط , والسّيوطي في الدرّ المنثور , وغيرها من كتب الحديث . ورجاله رجال الصحاح على شرط البخاري ومسلم على حد قول (الحاكم) , وغيرها من الموثقات التي يضيق بها المقام .

(2) مثل هذه (الجهالات) استنسخها صاحب الرد على أباطيل المراجعات بجهل أوسع ونصب كثير .

(3) سورة المائدة / 3 .


الصفحة 125

السّقيفة :

كنّا قد عرفنا إنّ الرّسول (صلّى الله عليه وآله) لم يكن ـ حاشاه ـ غافلاً عن قيمة الخلافة والاستخلاف , وكانت خطبة الوداع برنامجاً لهم ، يقيهم عثرات المستقبل .

وأكّد فيها على آل بيته (عليه السّلام) , وولّى فيها الإمام عليّ (عليه السّلام) بقوله : (( ألا مَن كنتُ مولاه فهذا عليّ مولاه )) . كرّرها ثلاث مرات(1) ، وحذّرهم من مغبّة التجاوز للنصّ ابتغاء الرأي والباطل , كما حذّرهم من مغبّة التضليل والافتتان والرّدة والافتان .

ذكر اليعقوبي في تاريخه : (( لا ترجعوا بعدي كفّاراً مضلّلين يملك بعضكم رقاب بعض , إنّي خلّفت فيكم الثقلين ما أنْ تمسكتم به لن تضلّوا ؛ كتاب الله وعترتي أهل بيتي )) . ثمّ أمر النّاس بالالتزام بما أعلنه وأودعه فيهم قائلا : (( إنّكم مسؤولون فليبلّغ الشّاهد الغائبَ ))(2) .

وكان الإمام عليّ (عليه السّلام) هو المرشّح لولاية المسلمين بعد وفاة الرّسول (صلّى الله عليه وآله) , وبعد أن تبيّن أمر الولاية , نزلت الآية الكريمة : ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلاَمَ دِينًا )(3) . وحيث أنّ الوضع يومئذ لا يسمح بالمعارضة , فإنّ المجموعة المنافقة لم تعلّق باستثناء بعض الحالات , واستمرّت في صمتها تترقّب الفرصة , وفي وفاة النّبي (صلّى الله عليه وآله) بدأت المؤامرة تتبلور وتنعكس على أرض الواقع الإسلامي .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) وفي لفظ أحمد بن حنبل ( كرّرها أربع مرات ) .

(2) تاريخ اليعقوبي / 903 ـ 93 .

(3) سورة المائدة / 3 . وذكر السّيوطي في الدرّ المنثور والخطيب البغدادي في التاريخ ، نزولها في الغدير .


الصفحة 126


الصفحة 127

الوفاة وملابساتها :

هناك أمران أساسيان في تناولنا لوفاة النّبي (صلّى الله عليه وآله) , والأجواء التي أحاطت بهذا النّبأ التاريخي العظيم .

الأوّل : إنّ محمداً (صلّى الله عليه وآله) الذات البشري ، الذي يأكل الطعام ويمشي في الأسواق . . . (شيء) .

الثاني : إنّ محمداً (صلّى الله عليه وآله) بما هو همزة الوصل بين السّماء والأرض , وبما هو الرّسول المرسل . . . (شيء آخر) .

والنّبي (صلّى الله عليه وآله) كذات كبشر , ترك أثراً بالغاً في نفوس الكثير من النّاس إثر موت قريب بشري . وهؤلاء هم الذين ارتبطوا بشخصية الرّسول (صلّى الله عليه وآله) كبطل وكعبقري , فتشكّل وجدانهم على غرار هذا الاعجاب بالرسول (صلّى الله عليه وآله) , وعليه ، فإنّهم لا يرون الأهمّية الجوهريّة التي كانت تميّز شخصية الرّسول (صلّى الله عليه وآله) , وكان (صلّى الله عليه وآله) هو لها وليست هي له , لذلك تراهم سرعان ما فكّروا في مستقبل حياتهم وطرق التكيّف مع الأوضاع الجديدة , حيث غاب الرّسول (صلّى الله عليه وآله) وبالتالي غاب معه الوحي .

وفي نفس الأثناء ، كانت هناك فئة تؤمن بمحمّد (صلّى الله عليه وآله) النّبي بما هو رسول الوحي , وبما هو الرّسالة . فهل ذهاب محمّد (صلّى الله عليه وآله) الذات ، يعني بالضرورة


الصفحة 128

ذهاب الرّسالة ؟ فهؤلاء هُم الذين والوا عليّاً (عليه السّلام) , امتداد طبيعي في شخصيّة الإمام (عليه السّلام) بما هو الشّخص المرشّح لمواصلة المسيرة ؛ بحكم ما يملكه من مؤهّلات الإمامة ، وما أورثه إيّاه الرّسول (صلّى الله عليه وآله) من علم ضروري للقيام بهذه المهمّة الرّساليّة .

وقد ردّ الله سبحانه في القرآن عن اُولئك الذين يحيدون عن أوامر الرّسالة فور اعتقادهم بوفاة النّبي (صلّى الله عليه وآله) , فقال : ( وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا )(1) . وقد حدث ذلك في معركة (اُحد) , حيث فرّ جميع الصحابة باستثناء عليّ (عليه السّلام) وأفراد معدودين , ووضع الفارّون سيوفهم في الأغماد لمّا سمعوا إنّ محمداً (صلّى الله عليه وآله) قد مات , حتّى نزل عليهم التوبيخ الإلهي .

هذان التصوّران كانا سائدين في زمن الرّسول (صلّى الله عليه وآله) وبعده , وقد تجلّت صورتهما لمّا رفع عمر بن الخطّاب سيفه ، يهدّد مَن قال بموت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) , ورأى أنّه حيّ وسوف (يرجع) كما رجع موسى (عليه السّلام) , وأعتقد به الكثير منهم . وذلك دليل على أنّ هذا التصوّر موجود عند البعض ، حتّى ورد من قال : إنّ محمداً قد مات .

هذان التصوّران هما أساس الاختلاف في زمن الوفاة ، ووقائعها كالتالي : بعد قدومه إلى المدينة بأيّام قلائل , جهّز الرّسول (صلّى الله عليه وآله) جيشاً لفتح تخوم البلقاء والداروم من أرض فلسطين ، على حدّ تعبير ابن الأثير . وعقد في ذلك لاُسامة بن زيد على هذا الجيش الذي اجتمع فيه المهاجرون والأنصار , وكان فيهم أبو بكر وعمر ـ كما ذكر اليعقوبي ـ وكان قد ابتدأ الرّسول (صلّى الله عليه وآله) المرض في أواخر صفر(2) , وكان اُسامة يوم اشتكى الرّسول (صلّى الله عليه وآله) مرضه (بالجرف) فتأخّر ؛ ممّا أغضب الرّسول (صلّى الله عليه وآله) وجعله يحثّ على المسيرة(3) .

لقد توفّي الرّسول (صلّى الله عليه وآله)

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة آل عمران / 144 .

(2) التاريخ الكامل لابن الأثير 2 / 317 .

(3) لنا مع اُسامة وجيشه جولة خاصة .


الصفحة 129

يوم الاثنين 12 من ربيع الأوّل(1) ودفن من الغد نصف النّهار(2) .

وذكر اليعقوبي : إنّ وفاته (صلّى الله عليه وآله) كان طالع سنتها الجدي ثماني عشر درجة(3) .

وفي أثناء مرضه واحتضاره (صلّى الله عليه وآله) ـ كما بعد وفاته ـ جرت أحداث خلّفت وراءها محناً سياسية واجتماعية رهيبة . ولكي نفهم مشكلة الخلافة وملابساتها ، لا بدّ من استحضار هذه المشاهد , واستنطاق الفواصل الحسّاسة فيها ؛ من أجل الخروج بمخطط فكري وسياسي ، يمكننا فهم الحالة الإسلاميّة بعد الرّسول (صلّى الله عليه وآله) .

لقد ابتدأ على الرّسول (صلّى الله عليه وآله) المرض وهو قد جهّز جيش اُسامة بن زيد ، وكان من المنطقي ـ حسب النّظرة التي نحملها نحن الآن عن الصحابة الكبار وميزاتهم ؛ كأبي بكر وعمر وعثمان ـ أن يعقد الرّسول (صلّى الله عليه وآله) لأحد كبار الصحابة ، لكنّه عقد لاُسامة وهو يومها فتى صغيراً , وكثر الطعن في ذلك ، وتكلّم بعض الصحابة في إمارة اُسامة ، وقالوا كلاماً يمجّه منطق الصحبة والإيمان .

ذكر ابن سعد في الطّبقات : أنّ سرية اُسامة بن زيد بن حارثة إلى أهل (ابني) ـ وهي أرض السرات ناحية البلقاء ـ , وقال : فلمّا كان يوم الأربعاء , بدأ برسول الله (صلّى الله عليه وآله) المرض ، فحمّ وصدع , فلمّا أصبح يوم الخميس , عقد لاُسامة لواء بيده , ثمّ قال (صلّى الله عليه وآله) : (( اغزُ بسم الله في سبيل الله , فقاتل مَن كفر بالله )) . فخرج وعسكر بالجرف , فلم يبقَ أحد من وجوه المهاجرين الأوّلين والأنصار انتدب في تلك الغزوة , فيهم : أبو بكر وعمر بن الخطّاب , وأبو عبيدة بن الجراح وسعد بن أبي وقاص , وسعيد بن زيد وغيرهم ، فتكلّم قوم وقالوا : يستعمل هذا الغلام على المهاجرين الأوّلين ! فغضب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) غضباً شديداً , فخرج وقد عصب على رأسه عصابة , فصعد على المنبر فحمد الله وأثنى عليه ، ثمّ قال : (( أمّا بعد ، أيّها النّاس ، فما مقالة بلغني عن بعضِكم في إمارة اُسامة ؟ ولئن طعنتم في إمارة اُسامة لقد طعنتم

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1و2) ابن الأثير / 323 , وحسب التقويم الإسلامي الشّيعي : إنّ الرّسول (صلّى الله عليه وآله) توفّي في 28 من صفر .

(3) اليعقوبي ـ التاريخ 3 / 113 .


الصفحة 130

في إمارة أبيه من قبله , وأيم الله , إنّه كان للإمارة خليق وإنّ ابنه من بعده لخليق للإمارة )) . ثمّ نزل فدخل بيته وذلك يوم السّبت لعشرة خلون من ربيع الأوّل , وثقل رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فجعل يقول : (( انفذوا بعث اُسامة )) . وفي الملل والنّحل : (( جهّزوا جيش اُسامة ، لعن الله مَن تخلّف عنه ))(1) .

وعلى الرّغم من أنّ الرّسول (صلّى الله عليه وآله) حرص على تجهيز الجيش , وتبيّن من خلال إصراره (صلّى الله عليه وآله) على بعثه , فإنّ الصحابة لم يطيعوا ورجعوا بعد أن وصلوا إلى الجرف .

وهناك لفتة يجب الوقوف على أطلالها : نحن في البداية نختار لأنفسنا منهجاً برهانيّاً علميّاً , لنجعله برهاناً غير مباشر . سنفترض أنّ الخلافة لعليّ (عليه السّلام) , ونحلّل على أساس هذا الغرض , فإذا أوقفنا تناقض أوقفنا (الدور) وكان افتراضنا خاطئ , واختيارنا لهذا البرهان لا يعني إنّه لا برهان له بطرق اُخرى دائماً ؛ لأنّ هذا النّمط من الاستدلال هو أقرب إلى الوجدان ، وأكثر انسجاماً مع العقل العلمي .

لقد سبق أن قلنا : إنّ وجود الخلاف بعد الرّسول (صلّى الله عليه وآله) حول (الخلافة) , يقتضي أن يكون أحد الفريقين على خطأ . أو بتعبير أدق : أن يكون أحد الفريقين (مدّعياً) حقّاً ليس له , أو أنّ الفريق الآخر (مغتصباً) لحقّ ليس له أيضاً .

لنفترض ـ طبقاً لاُسلوبنا البرهاني المتقدّم ـ إنّ الإمامة ثبتت ، وأنّ المسألة محض اغتصاب(2) , وعلى هذا الأساس ننطلق إلى الأجواء التي أحاطت بالصحابة والمسلمين عند وفاة الرّسول (صلّى الله عليه وآله) , كانت تتخلّلها بعض نقاط الاستفهام , تشكّل لغزاً فيما لو ربطناها بما جرى بعد ذلك من أحداث .

فالرسول (صلّى الله عليه وآله) قد علم منذ حجّة الوداع , أنّه سيستقبل الآخرة , وهو يعلم بذلك كما تثبت الروايات الصحيحة . فكيف يجهّز جيش اُسامة , وبتلك الطريقة

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المقدمة الرابعة (من الملل والنحل) الشّهرستاني .

(2) اقترحت هذه الطريقة من البرهان , وإلا فلو افترضت (الادّعاء) , فليس بيني وبين النّتيجة السّلبيّة سوى نصّ أو نصّين صريحين ينهيان المسألة من الأساس .


الصفحة 131

التي استنكرها عليه بعض الصحابة , في الوقت الذي احتفظ فيه بالإمام عليّ (عليه السّلام) وهو رمز الجيش الإسلامي ؟ إنّ للتاريخ ثغرات يمكن أن تتسلل منها الفضائح وتنكشف .

لقد علم عمر بن الخطّاب أنّ الرّسول (صلّى الله عليه وآله) سيموت لا محالة(1) , وبأنّه كان مصرّاً على الحضور بعيد وفاته ؛ ليعرف كيف وإلى أين ستؤول الأوضاع , إنّه سمع من الرّسول (صلّى الله عليه وآله) في حجّة الوداع وبغدير خم : إنّ ولي المسلمين هو (علي بن أبي طالب) . وكان قد تقدّم إليه بالتهنئة قائلاً : ( بخ بخ لك يا أمير المؤمنين ) ، ولكنّه أصرّ أن لا تؤول إليه , وأنّ ذلك رهين بحضوره المستمر ؛ ولهذا أبى أن يجهّز جيش اُسامة إن تردد عمر بن الخطّاب وتقنعه بالروح .

وكان لإمارة الرّسول (صلّى الله عليه وآله) وعقده لاُسامة , درس للصحابة ؛ كي يعلموا أنّ الإمارة بالنّصّ لا بالرأي , وبأنّ تشددهم برأيهم لم يقنع الرّسول (صلّى الله عليه وآله) بتغيير وجهة نظره , وفي ذلك ردع لكلّ من يتطلّع لخلافة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وإحباط معنوي كي لا تطمع نفوس بها ؛ ولذلك حرصت هذه النّفوس على الحفاظ على معنوياتها وأفشلت مسيرة جيش اُسامة وتقوّلت فيه .

وهنالك رأي كسير يحتاج إلى جواب يجبره , هو أنّ بعض (مبرّرة) الخيانات التاريخيّة ، رأوا في ذلك دليلاً على تعلّق عمر بن الخطّاب وأبي بكر بالنّبي (صلّى الله عليه وآله) , وأنّهما فضّلا البقاء إلى جوار الرّسول (صلّى الله عليه وآله) وعلى مقربة منه ؛ ليطمئنّوا عليه .

وكسر هذا التبرير يمكن جبره بثلاث مسائل :

أولاً : لقد سبق أن ذكرنا الطريقتين اللتين كان يتعامل بهما الصحابة مع الرّسول (صلّى الله عليه وآله) , ولعلّ هؤلاء من الصنف الأوّل الذين اهتمّوا بشخص الرّسول (صلّى الله عليه وآله) ولم يهتمّوا برسالته . ولولا ذلك , لكان عليهم الاستجابة لداعي الجهاد , خصوصاً وأنّ الرّسول (صلّى الله عليه وآله) لعن مَن تخلّف عن جيش اُسامة .

ثمّ إنّ

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الرّوايات السنّيّة تثبت أنّ عمر وغيره من الصحابة بكوا في حجّة الوداع وعيانهم بقرب وفاته .


الصفحة 132

هؤلاء كانوا قد طعنوا ابتداء في إمارة اُسامة , وليس حبّاً في الرّسول (صلّى الله عليه وآله) .

ثانياً : إنّ عمر بن الخطّاب رفض تجهيز جيش اُسامة على وجه الإطلاق , وإنّه رفض أن يكون اُسامة على رأس الجيش , ليس ذلك في عهد النّبي (صلّى الله عليه وآله) بل حتّى بعده . وقد ذكر ابن جرير الطبري في تاريخه(1) : أنّ عمر بن الخطّاب طلب من أبي بكر عزل اُسامة بن زيد في خلافته ، فوثب بلحية عمر قائلاً : ثكلتك اُمّك وعدمتك يابن الخطّاب ! استعمله رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وتأمرني أن أنزعه ؟! فعمر بن الخطّاب كان له موقف ثابت من إمارة اُسامة , وبقي ثابتاً على هذا الموقف حتّى بعد الرّسول (صلّى الله عليه وآله) .

ثالثاً : إنّ تعامل الرجلين مع الرّسول (صلّى الله عليه وآله) في مرضه ، لا يدلّ على تعلّقهما الشديد به , بل الواضح إنّهما كانا مصدر إزعاج له في مرضه ، ونهى الرّسول (صلّى الله عليه وآله) عمر أكثر من مرّة , ففي تخلّفه وتقوّله في جيش اُسامة ، خرج الرّسول (صلّى الله عليه وآله) معصب الرأس غاضباً : (( لعن الله مَن تخلّف عن جيش اُسامة )) . ثمّ إنّ أبا بكر لم يكن حاضراً عند وفاة الرّسول (صلّى الله عليه وآله) . ذكر ابن الأثير في تاريخه : ولمّا توفّي (صلّى الله عليه وآله) , كان أبو بكر بمنزله بالسّنح(2) .

أمّا عمر بن الخطّاب ، فقد وقف موقفاً قمعيّاً ، إذ حال بين الرّسول (صلّى الله عليه وآله) في مرضه والكتابة . وهي أكبر لغز في تاريخ الإسلام ، ما تزال (المبرّرة) تغضّ الطرف عنه ، ولا تمعن فيه النّظر , وهو ما سمّي : برزية يوم الخميس . حيث أخرج مسلم في كتابه الوصيّة من الصحيح , قال : عن سعيد بن جبير , من طريق آخر عن ابن عبّاس ، قال : يوم الخميس وما يوم الخميس . ثمّ جعل تسيل دموعه حتّى رؤيت على خدّيه كأنّها نظام اللؤلؤ , قال : قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : (( ائتوني بالكتف والدواة ـ أو اللوح والدواة ـ أكتب لكم كتاباً لن تضلّوا بعده أبداً )) .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) وكذلك الدحلاني في السّيرة , والحلبي وغيرهما .

(2) التاريخ الكامل لابن الأثير 2 / 323 .


الصفحة 133

فقالوا : إنّ رسول الله يهجر(1) .

وأخرجه الطبراني في الأوسط بهذا اللفظ : لمّا مرض النّبي (صلّى الله عليه وآله) وقال : (( ائتوني بصحيفة ودواة أكتب لكم كتاباً لن تضلّوا بعده أبداً )) . فقال النّسوة من وراء السّتر : ألا تسمعون ما يقول رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ؟ قال : قال عمر : فقلت إنّكن صويحبات يوسف(2) , إذا مرض رسول الله عصرتن أعينكن ، وإذا صح ركبتن عنقه . قال : فقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : (( دعوهنّ فإنّهن خير منكم ))(3) .

و (يهجر) هذه التي استخدمها عمر ، ليست أدباً يليق بمقام النّبوّة , وعمر يعلم أنّ من راحة النّبي (صلّى الله عليه وآله) أن يقدّم له ما يطلب , ولم يؤذن لعمر بن الخطّاب أن يفتي في حضرة الرّسول (صلّى الله عليه وآله) , وبأنّه : ( حسابنا كتاب الله ) . والأحاديث تؤكّد بأنّ الرّسول (صلّى الله عليه وآله) غضب لذلك غضباً شديداً , وهو ما يفيد قولنا ، بأنّ حضور عمر بن الخطّاب كان له هدف مرسوم وغاية محدّدة . ولو كان أطاع

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ذكره أحمد بهذا اللفظ ومسلم في صحيحه 3 / 75 , دار المعرفة / بيروت .

(2) ترى مَن هنّ صويحبات يوسف ؟ هل هي (زليخة) التي عشقت فتى غير زوجها وراودته عن نفسه ؟ أم زائراتها اللائي قطعن أيديهن وسلّمن (لزليخة) في رغبتها في (يوسف) ؟ أهكذا (عمر) شبّه نساء النّبي (صلّى الله عليه وآله) ؟! فهل سلمان رشدي أتى بجديد ؟

(3) لا اُريد الإطالة في عرض الحديث وأسانيده وطرقه المختلفة التي اكتضّت بها كتب الصحاح السّتة وتواريخهم , ومن بين اُولئك البخاري في صحيحه في باب مرض الرّسول وفي كتاب العلم , كما أخرجه مسلم في باب الوصيّة ، وأحمد والطبراني في الأوسط وكنز العمال الجزء الثالث ، ومن المؤرّخين ذكره الطبري في التاريخ ، وسعد في الطبقات بسنده عن سعيد بن جبير عن بن عبّاس .

 وذكر البخاري في باب جواز الوفد , من كتاب الجهاد والسّيرة من صحيحه : حدّثنا بن عينية عن سلمان الأحول , عن سعيد بن جبير عن ابن عبّاس , أنّه قال : يوم الخميس وما يوم الخميس ! إلى أن قال : فقالوا : هجر رسول الله . قال (صلّى الله عليه وآله) : (( دعوني , فالذي أنا فيه خيرٌ ممّا تدعونني إليه )) . وأوصى عند موته بثلاث : اخرجوا المشركين من جزيرة العرب ، وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم . . . . قال : ونسيت الثالثة .

قلت : وليس هذه : ( نسيت الثالثة ) . سوى الرديف الطبيعي ل‍ـ(كذا وكذا) التي سبق أن رأيناها عند الطبري في بحث حديث (الدار) , وكأنّ المؤرّخين والمحدّثين فطروا على نسيان (الرّزايا) التي تعتبر بؤرة لفهم ما حصل , ولماذا وحديث (الدواة) أشهر من نار على علم لدى كلّ المحدّثين , وهو بحقّ أعظم رزيّة على حد قول ابن عبّاس .


الصفحة 134

النّبي (صلّى الله عليه وآله) في السّير مع جيش اُسامة لكان خيراً له وأقرب للتقوى , كما يجب أن يتحلّى بها صحابة الرّسول (صلّى الله عليه وآله) وحماة العقيدة , وأفضل له من قذف الرّسول (صلّى الله عليه وآله) بالهجران(1) .

أولاً : لأنّه تخلّف عن جيش اُسامة ولم يجب أمر الرّسول .

وثانياً : لأنّ الرّسول (صلّى الله عليه وآله) لمّا رآه حاضراً طلب فوراً الدوات والقرطاس ؛ لأنّه يعلم أنّ وجود عمر في المقام يهدف كسب الخلافة لصالح مخططه , والدليل على ذلك ؛ أنّه هو نفسه الذي عارض طلب الرّسول (صلّى الله عليه وآله) , بحجّة أنّ الرّسول (صلّى الله عليه وآله) يهجر ـ بمعنى يهذي ـ أي : أنّ النّبي (صلّى الله عليه وآله) فقد صلاحيّة النّبوّة في تلك اللحظة ، وهو لا يزال بين أظهرهم . وأعطى منذ ذلك الوقت ـ عمر بن الخطّاب ـ نفسه صلاحية الاجتهاد والتقدير . وعمر هذا , كان يدرك ماذا يمكن أن يكتب الرّسول (صلّى الله عليه وآله) في ذلك القرطاس ، ولم يكن ابن عبّاس ولا الآخرين يجهلون حقيقة الموقف لمّا قال : الرّزية كلّ الرّزية لما حيل بين الرّسول والكتابة . فهي رزيّة ؛ لأنّ دليلها تجلّى في أحداث السّقيفة وما بعدها .

ويورد ابن أبي الحديد في شرح النّهج عن ابن عبّاس , قال : خرجت مع عمر إلى الشّام في إحدى خرجاته , فانفرد يوماً يسير على بعيره , فقال لي : يابن عبّاس , أشكو إليك ابن عمّك ـ أي الإمام عليّ (عليه السّلام) ـ سألته أن يخرج معي فلم يفعل , ولا أزال أراه واجداً ، فما تظنّ موجدته ؟ قلت : يا أمير المؤمنين , إنّك لتعلم . قال : أظنّه لا يزال كئيباً لفوت الخلافة . قلت : هو ذلك ، إنّه يزعم أنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أراد الأمر له . قال : يابن عبّاس , وأراد رسول الله الأمر فكان ماذا إذا لم يرد الله تعالى ذلك , إنّ رسول الله أراد أمراً وأراد الله غيره , فنفذ

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) (الهجر) في اللغة : هو القول السيِّئ . وفي لسان العرب لابن منظور : الهجر برفع الهاء : القبيح من الكلام . والهجر أيضاً بمعنى الهذيان . والهجر بالضم : الاسم من الاهجاء وهو الإفحاش . وكذلك إذا كثر الكلام فيما لا ينبغي . وهجر في مرضه ، بمعنى هذى . وكان هذا ما أراده عمر بن الخطّاب من كلمته , مما زاد الرّسول (صلّى الله عليه وآله) ألماً ووجعاً . . . وأمرنا لله .


الصفحة 135

أمر الله ولم ينفذ مراد رسول الله , أو كلّما أراد رسول الله كان أراده الله !

وهذه الكلمة التي أقلّ (قسوة) من (يهجر) , تدلّ على مدى معرفة عمر بن الخطّاب بمجريات الاُمور ومدركاً لكلّ الأبعاد , وأبى إلاّ أن يوقف الرّسول (صلّى الله عليه وآله) وعنده حده , ويقوم بقمع آل البيت حتّى لا يحضروا له الدواة .

إنّ الحؤول دون (نصّ) جديد في تأكيد المسألة ، هو ما دفع عمر بن الخطّاب لمنع الإتيان بالدواة والقلم . ولقد ألف عمر بن الخطّاب مخالفة الرّسول (صلّى الله عليه وآله) في حياته وخلّف له متاعب كثيرة ، كتلك التي في صلح الحديبية ، وكرفضه إمارة اُسامة . ولقد مات الرّسول (صلّى الله عليه وآله) غاضباً , وهو يعلم أنّ القوم حريصون على (إمارة) المسلمين ، وعلم بكلّ ما سيقع , فكان همّه أن يسرّ إلى عليّ (عليه السّلام) بما ينبغي أن يقوم به في الأحوال التي سيواجهها في المستقبل , وبقي معه حتّى فاضت روحه الطاهرة وهو يتوسّد صدر الإمام عليّ (عليه السّلام)(1) . وما أن فاضت روحه الطاهرة حتّى تفرّقت الصفوف من حول الرّسول (صلّى الله عليه وآله) ولم يبقَ حوله إلاّ عليّ (عليه السّلام) وآل بيته (عليهم السّلام) .

لم يروِ التاريخ عن أنّ عمر بن الخطّاب ـ هذا الذي أبى السّير مع اُسامة ـ حبّاً

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) من المفارقات العجيبة التي تروى لدى العامة ، أنّ الرّسول (صلّى الله عليه وآله) مات مستنداً إلى عائشة . وهذا تلفيق تاريخي اصطنعوه , فالظّاهر من التاريخ : إنّ الذي اهتم بمرضه ودفنه هو الإمام عليّ (عليه السّلام) , وأورد بن سعد في الطبقات أكثر من رواية , تقول بأنّه توفّي في حجر عليّ بن أبي طالب (عليه السّلام) .

وروى الحاكم في المستدرك عن أحمد بن حنبل , بسنده عن اُمّ سلمة قالت : والذي أحلف به , إنْ كان عليّ لأقرب النّاس عهداً برسول الله (صلّى الله عليه وآله) . إلى أن قالت : فأكبّ عليه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وجعل يساره ويناجيه ، ثمّ قبض رسول الله (صلّى الله عليه وآله) من يومه ذلك , فكان عليّ أقرب النّاس عهداً به . وذكر من ذلك بن سعد ، وكذلك صاحب الكنز , أنّه قيل لابن عبّاس : أرأيت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) توفّي ورأسه في حجر أحد ؟ قال : نعم , توفّي وإنّه لمستند إلى صدر علي . فقيل له : إنّ عروة يحدّث عن عائشة أنّها قالت : توفّي بين سحري ونحري . فأنكر بن عبّاس ذلك قائلاً للسائل : أتعقل ؟ والله لتوفّي رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وإنّه لمستند إلى صدر عليّ وهو الذي غسّله . . . . وذكر ذلك الحاكم في مستدركه وعلّق على سنده قائلاً : هذا حديث صحيح الإسناد ، ولم يخرجاه (أي : البخاري ومسلم) ، وصحّحه الذهبي .


الصفحة 136

وتعلّقاً بالرسول (صلّى الله عليه وآله) لم يرو عنه إنّه اهتمّ بجنازة الرّسول (صلّى الله عليه وآله) , وكلّ ما في الأمر أنّه بدأ يقول كلاماً غريباً عن منطق العقل لا سند له من الكتاب ، مفاده أنّ الرّسول (صلّى الله عليه وآله) لم يمت . وبقي الرّسول (صلّى الله عليه وآله) جثّة هامدة بين يدي آل البيت يغسّلونه ، في الوقت الذي راح الآخرون يتطاحنون على حقّ محسوم بالنّصّ واستغلالاً للظرف , وركوباً لفرصة (غياب) الإمام عليّ وآل البيت (عليهم السّلام) .

وإنّني ما زلت إلى اليوم أتسأل , لا عن زهد عمر وأبي بكر وغيرهم في جنازة الرّسول (صلّى الله عليه وآله) ؛ بسبب التسابق إلى السّقيفة , بل أتسأل عن اُولئك الذين لا يزالون يبرّرون التاريخ المفضوح ، كيف لا يفهمون (اللعبة) التاريخيّة وحال دونهم والحقيقة ، أنّهم أعيد تركيبهم تاريخياً ؛ ليصبحوا أكثر أهمّية من الرّسول (صلّى الله عليه وآله) والاُمّة .

ذكر ابن سعد في الطبقات : إنّه غسّل الرّسول (صلّى الله عليه وآله) عليّ بن أبي طالب ، والفضل بن العبّاس ، واُسامة بن زيد .

وفي رواية ابن الأثير في التاريخ الكامل : ولمّا توفّي (صلّى الله عليه وآله) , كان أبو بكر بمنزله بالسّنخ وعمر حاضر ، فلمّا توفّي قام عمر فقال : إنّ رجالاً من المنافقين يزعمون أنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) توفّي , وإنّه والله ما مات ولكنّه ذهب إلى ربّه كما ذهب موسى بن عمران ، والله ليرجعن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم زعموا أنّه مات . وأقبل أبو بكر وعمر يكلّم النّاس . (إلى أن قال) : فأقبل أبو بكر على النّاس ، فلمّا سمع النّاس كلامه , أقبلوا عليه وتركوا عمر . . . الحديث .

وهذا الحديث وثيقة قابلة للنقد ، والسؤال الذي يجب توجيهه لهذه الوثيقة : لماذا وبأي دليل يكون الرّسول (صلّى الله عليه وآله) ليس ميّتاً في ذهن عمر ؟ وما هو الانسجام في قياس النّبي (صلّى الله عليه وآله) بموسى بن عمران (عليه السّلام) , إذ أنّ الثاني ذهب بروحه وجسده , بينما الرّسول (صلّى الله عليه وآله) بقيت جثّته هامدة أمامهم ؟!ثمّ كيف تتحوّل وجهة النّظر هذه إلى قمع وإرهاب واتهام بالنّفاق , وتهديد بالقتل الذي حرّمه الله إلاّ بالحقّ ؟ ولماذا نجد عمر , الذي فقد وعيه وبدأ يقول الغرائب ولم يستطع أحد الاقتراب


الصفحة 137

منه ، كيف يهدأ ويسلس ويحضر له الضمير والعقل لمّا جاء أبو بكر وقال ما قال ؟!

هذا لغز تاريخي يجب إخضاعه للحفر المنهجي ، وإزالة الملابسات التبريرية عنه ، لإظهار وجه الحقيقة من خلاله ، فلا عمر بن الخطّاب كان يجهل (وفاة) الرّسول (صلّى الله عليه وآله) , كيف ذلك وهو من أتهمه (بالهجران) واعترف بأنّه افتقد الوعي ، وحسابنا كتاب الله ! ولم يكن عمر يجهل الآية التي تلاها عليه أبو بكر : ( وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ )(1) . فلقد كان يعرفها وهو الذي سمع الرّسول (صلّى الله عليه وآله) ينعى نفسه إليهم , وإنّما أمر آخر كان يشغل بال عمر , هو أن يصرف النّاس عن التفكير فيما بعد (الوفاة) ؛ حتّى يربح الوقت لكي يأتي أبو بكر وتتم العمليّة . وما أن جاء أبو بكر حتّى سمعوا بأمر الأنصار واجتماعهم في السّقيفة ، فالتحقوا بهم مسرعين ، وانتهى محمّد (صلّى الله عليه وآله) ولم يبقى إلاّ أمر السّقيفة , حيث يدخلها عمر بن الخطّاب بكلّ قوّة وتحضير من دون أن تتخلّله رقّة من أثر وفاة الرّسول (صلّى الله عليه وآله) .

دخل عمر السّقيفة ليطرح رأيه ويلغي رأي الجميع , متذرّعاً بأنّ أبا بكر هو الوحيد الذي يصلح للاُمّة ، وكأنّ محمّد (صلّى الله عليه وآله) لم يتمكّن خلال هذه السّنين الطوال أن يصنع من هذا أصلح للاُمّة سوى أبي بكر . وبدأ أبو بكر مضطرباً يريد الخلافة ولا يريدها , وكان عمر بن الخطّاب يتشدّد في تشجيع أبي بكر . لقد تركوا الرّسول (صلّى الله عليه وآله) طريح فراشه وانشغلوا بأمر الخلافة .

يقول ابن كثير : توفّي (صلّى الله عليه وآله) يوم الاثنين وذلك ضحى , فاشتغل النّاس ببيعة أبي بكر الصديق في سقيفة بني ساعدة , ثمّ في المسجد البيعة العامّة في بقية يوم الاثنين وصبيحة الثلاثاء , كما تقدّم ذلك بطوله , ثمّ أخذوا في غسل رسول (صلّى الله عليه وآله) وتكفينه والصلاة عليه (صلّى الله عليه وآله) تسليماً بقية يوم الثلاثاء , ودفنوه ليلة الأربعاء(2) .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة آل عمران / 144 .

(2) البداية والنّهاية لابن كثير 6 / 305 5 , دار الكتب العلمية / بيروت .


الصفحة 138

وكان عمر وأبو بكر قد سمعا باجتماع الأنصار في سقيفة بني ساعدة , فلحقوا بهم ـ حتّى لا يفوّتا عليهما الفرصة ـ ومال جماعة من الأنصار إلى سعد بن عبادة زعيم الخزرج وكان مريضاً .

وفي تاريخ اليعقوبي(1) : وبلغ أبا بكر وعمر وأبا عبيدة بن الجراح الخبر , فقالوا : يا معشر الأنصار ، منّا رسول الله (صلّى الله عليه وآله) . وفي (الإمامة والسّياسية)(2) : فأجابوا جميعاً ـ أي أجاب الأنصار سعد بن عبادة ـ أن قد وفقت في الرأي وأصبت في القول , ولن نعدو ما رأيت توليانك هذا الأمر , فأنت مقنع ولصالح المؤمنين رضا . قال : فأتى الخبر إلى أبي بكر ففزع أشدّ الفزع , فقام معه عمر فخرجا مسرعين إلى سقيفة بني ساعدة .

لقد فزع أبا بكر لمّا رأى الأنصار مجتمعين في السّقيفة , وما فزع لوفاة الرّسول (صلّى الله عليه وآله) , ولم يحزن كما حزن آل البيت (عليهم السّلام) المنشغلون بتجهيز الرّسول (صلّى الله عليه وآله) . لقد توفّي الرّسول (صلّى الله عليه وآله) وأبو بكر في منزله بالسّنخ مع أهله .

لقد ذكر ابن هشام في السّيرة عن ابن إسحاق : لمّا كان يوم الاثنين , خرج رسول الله (صلّى الله عليه وآله) عاصباً رأسه ( إلى أن قال : ) قال : فلمّا فرغ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) من كلامه , قال أبو بكر : يا نبي الله , إنّي أراك قد أصبحت أبنعمة من الله وفضل كما تحب ، واليوم يوم ابنة خارجة ، أفأتيها ؟ قال : نعم . ثمّ دخل رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وخرج أبو بكر إلى أهله بالسّنخ)(3) (أخرجه الطبري) . ولم يفزعه أمر (الوفاة) مثل ما أفزعه أمر (السّقيفة) .

وما أن رأى الأنصار أبا بكر وعمر ، وعلموا مدى حرصهما على الفوز بالخلافة , حتّى قالوا : منّا أمير ومنكم أمير . ولم يستطع أبا بكر إقناعهم , فتقدّم عمر بن الخطّاب وقال : خشيت أن يقصر أبو بكر عن بعض الكلام . فلمّا تيسر عمر للكلام ، تجهّز أبو بكر وقال له : على رسلك فستكفى الكلام . فتشهّد أبو بكر وانتصب له

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) تاريخ اليعقوبي 2 / 123 , دار صادر .

(2) تاريخ الخلفاء أو الإمامة والسّياسة (ابن قتيبة) : (1 ـ 2 ص 5) , مؤسسة الوفاء / بيروت لبنان .

(3) سيرة بن هاشم 4 / 305 , دار الكتاب العربي . أقول : وأولى له أن يسير مع جيش اُسامة بدل الذهاب إلى (بنت خارجة) .


الصفحة 139

النّاس ، ( إلى أن قال : ) والله ما زلتم مؤثرين إخوانكم من المهاجرين وأنتم أحقّ النّاس , ألاّ يكون هذا الأمر واختلافه على أيديكم ، وأبعد أن لا تحسدوا إخوانكم على خير ساقه الله تعالى إليهم , وإنّما أدعوكم إلى أبي عبيدة أو عمر , وكلاهما قد رضيت لكم ولهذا الأمر , وكلاهما له أهل . فقال عمر وأبو عبيدة : ما ينبغي لأحد من النّاس أن يكون فوقك يا أبا بكر(1) .

كان المخطط الذي رسمه أبو بكر وعمر وأبو عبيدة ـ وهم في طريقهم إلى السّقيفة ـ متكاملاً , ولم يفصّل لنا التاريخ فيما قيل بين الثلاثة وهم في طريقهم إلى الأنصار , وليس من المنطق أن يسيروا كلّ هذه المسافة دون أن يتحدّثوا في موضوع السّقيفة . المخطط هو أن تكون الخلافة لهؤلاء الثلاثة على أن يؤازر بعضهم بعضاً ويثني بعضهم على الآخر , وما دام أبو بكر هو المقرّب في الحلف قدموه على أن تكون الخلافة دولة بينهم ، فأقبل أبو بكر وعمر وأبو عبيدة , فقالوا : يا معشر الأنصار , منّا رسول الله فنحن أحقّ بمقامه . وقالت الأنصار : منّا أمير ومنكم أمير . فقال أبو بكر : منّا الأمراء وأنتم الوزراء .

فقام ثابت بن قيس بن شماس ـ وهو خطيب الأنصار ـ فتكلّم وذكر فضلهم . فقال أبو بكر : ما ندفعهم عن الفضل ، وما ذكرتم من الفضل فأنتم له أهل , ولكن قريشاً أولى بمحمّد منكم , وهذا عمر بن الخطّاب الذي قال رسول الله : اللهمّ أعزّ الدين به , وهذا أبو عبيدة الذي قال رسول الله فيه : أمير هذه الاُمّة ، فبايعوا أيّهما شئتم . فأبيا عليه وقالا : والله ما كنّا لنتقدّمك وأنت صاحب رسول الله وثاني اثنين . فضرب أبو عبيدة على يد أبي بكر وثنى عمر , ثمّ بايع مَن كان معه من قريش)(2) .

ولم يقتنع أغلبية الحاضرين بهذه (اللعبة) المكشوفة , فقد قام الحباب بن المنذر وقال : يا معشر الأنصار , املكوا على أيديكم ولا تسمعوا مقالة هذا

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ابن قتيبة ـ الإمامة والسياسة / 5 ـ 6 , مؤسسة الوفاء / بيروت .

(2) تاريخ اليعقوبي .


الصفحة 140

وأصحابه , فيذهبوا أبنصيبكم من هذا الأمر(1) .

والذين بايعوا أبا بكر جرياً على رأي عمر بن الخطّاب من الأوس ، إنّما فعلوا ذلك ؛ لأنّ حدّة الصراع التاريخي بين الأوس والخزرج لا تزال حيّة في كثير من النّفوس , وإنّهم بايعوا أبا بكر فقط ؛ ليمنعوا الخزرج من هذا الامتياز .

ذكر ابن الأثير : ولمّا رأت الأوس ما صنع بشير وما تطلب الخزرج من تأمير سعد , قال بعضهم لبعض ، وفيهم أسيد بن حضير وكان نقيباً : والله , لئن وليتها الخزرج مرّة , لا زالت لهم عليكم بذلك الفضيلة ولا جعلوا لكم فيها نصيباً أبداً , فقوموا فبايعوا أبا بكر . فبايعوه , فانكسر على سعد والخزرج ما أجمعوا عليه ، وأقبل النّاس يبايعون أبا بكر من كلّ جانب . غير أنّ سعد بن عبادة لم ينكسر أمام هيمنة أبي بكر وعمر وأبى أن يبايع , وأدرك بعض الأنصار طبيعة اللعبة وأحاطوا بأطرافها , وعلموا أنّها بداية لمسيرة طويلة ، وأنّها ستحوّل إلى دولة بين أبي بكر وعمر , وفي تلك اللحظة قال أبو بكر للحباب : أمنّا تخاف يا حباب ؟ قال : ليس منك أخاف ، ولكن ممّن يجئ بعدك . قال أبو بكر : فإذا كان ذلك كذلك ، فالأمر إليك وإلى أصحابك , ليس لنا عليكم طاعة . قال الحباب : هيهات يا أبا بكر ، إذا ذهبت أنا وأنت جاءنا بعدك من يسومنا الضيم(2) .

إنّ معارضة سعد بن عبادة (رض) لبيعة أبي بكر ، تركت تحدّياً كبيراً لتيّار الرّأي , وتشدّده في الرّفض لم يكن حبّاً في الإمارة , بقدر ما هو رفض لأبي بكر وعمر بن الخطّاب , وللطريقة التي ركبوها في إلغاء رأي الآخرين وتثبيت أنفسهم , فقال يومها سعد بن عبادة : أما والله , لو أنّ لي ما أقدر به على النّهوض ، لسمعتم منّي في أقطارها زئيراً يخرجك أنت وأصحابك ، ولألحقنّك بقوم كنت فيهم تابعاً غير متبوع خاملاً غير عزيز . فبايعه النّاس جميعاً حتّى

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ابن الأثير , التاريخ الكامل / 330 .

(2) الإمامة والسّياسة , ابن قتيبة / 9 , مؤسسة الوفاء / بيروت .


الصفحة 141

كادوا يطؤون سعداً . فقال سعد : قتلتموني . فقيل : وفي رواية اُخرى قال عمر(1) : اقتلوه قتله الله . فقال سعد : احملوني من هذا المكان . فحملوه [ إلى ] داره وتُرك أيّاماً ، ثمّ بعث إليه أبو بكر : أن أقبل فبايع ، فقد بايع النّاس وقومك . فقال : أما والله حتّى أرميكم بكلّ سهم في كنانتي , وأخصب منكم سناني ورمحي ، وأضربكم بسيفي ما ملكته يدي ، وأقاتلكم بمن معي من أهلي وعشيرتي ، ولا والله , لو أنّ الجنّ اجتمعت مع الإنس ما بايعتكم حتّى أعرض على ربّي وأعلم حسابي(2) .

وكان من المفترض أن يُقتل سعد بن عبادة لتوها ، لولا أنّ عوامل كثيرة حالت دونه وعمر , والثابت في التاريخ والظاهر من الأحداث ، أنّ عمر بن الخطّاب هو الذي دبّر عملية اغتيال سعد , وبتنفيذ هذه العملية , يكون عمر بن الخطّاب , أوّل مشرّع للاغتيال السياسي واُسلوب تصفية المعارضة جسديّاً في الإسلام .

لقد كان رأي عمر بن الخطّاب يرمي إلى إجبار سعد بن عبادة بالقوّة إلى مبايعة أبي بكر , غير أنّ الأمر قد يسبب له خطورة . قال عمر لأبي بكر : لا تدعه حتّى يبايعك . فقال لهم بشير بن سعد : إنّه قد أبى ولجّ وليس يبايعك حتّى يُقتل ، وليس بمقتول حتّى يُقتل ولده معه وأهل بيته وعشيرته ، ولن تقتلوهم حتّى تُقتل الخزرج ، ولن تُقتل الخزرج حتّى تُقتل الأوس ، فلا تفسدوا على أنفسكم أمراً قد استقام لكم ، فاتركوه فليس تركه بضاركم ، وإنّما هو رجل واحد . فتركوه وقبلوا مشورة بشير بن سعد .

وكان سعد لا يصلّي بصلاتهم ولا يجتمع بجمعتهم ولا يفيض بإفاضتهم , ولو يجد عليهم أعواناً لصال بهم ، ولو يبايعه أحد على قتالهم لقاتلهم , فلم يزل كذلك حتّى توفّي أبا بكر وولي عمر ، فخرج إلى الشّام ، فمات بها ولم يبايع لأحد(3) .

ويذكر التاريخ : أنّ سعد بن عبادة مات مقتولاً , وأثناء ذهابه إلى حوران وبينما هو خارج ليلاً ، إذا بسم يطلق على ظهره فقتله . وثبت لدى المؤرّخين , أنّ

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) كاليعقوبي مثلاً .

(2) الإمامة والسّياسة , ابن قتيبة .

(3) الإمامة والسّياسة , ابن قتيبة .


الصفحة 142

المغيرة بن شعبة هو الذي قتله .

ونحن نتسأل ، لماذا يُقتل سعد بن عبادة ، وما الفائدة أن يقتله إنسان مجهول ؟ لقد جاء غسّالوا صحون البلاطات ليثبتوا حقيقة فكاهية مفادها , أنّ سعد بن عبادة قتله الجنّ(1) , ذلك ؛ لأنّه بال في الماء الرّاكد . وقد أوردوا أبياتاً كان قد قالها الجنّي الذي رماه بالسّيف :

قد  قتلنا سيدَ الخزْ      رجِ سعدَ بنَ عبادهْ
ورمـيناه بسهمَي      نِ فلن تخطِ فؤادهْ

ويبدو لي أنّ الذي قتل سعداً كان من الجنّ السّياسين ؛ لأنّه يفتخر بقتل سعد بن عبادة سيد الخزرج , ولأوّل مرّة تفيض عبقرة الجان السّياسي في أرض العرب , والظاهر أنّ الجنّي هو عميل عمر بن الخطّاب , وهو جنب بلا شكّ ما دام أنّه متلبّساً ومختفياً في جنح الظلام . ولست أدري , لماذا يُقتل سعد بن عبادة ؛ لأنّه رفض البيعة , إذا كان أمر البيعة في منطق السّقيفة شورى ؟!

ولم تكن هذه هي الثغرة الوحيدة في أحداث السّقيفة وما بعدها , فلقد عارض لعبة السّقيفة غفير من رموز الصحابة الكبار , الذين أشغلهم الخطب بوفاة الرّسول (صلّى الله عليه وآله) , وعلى قمّة المعارضين الإمام عليّ (عليه السّلام) .

لقد ذكر المؤرّخون : أنّ عليّاً (عليه السّلام) وبني هاشم وجماعة من الصحابة ، امتنعوا عن البيعة واعتصموا في بيت فاطمة (عليها السّلام) ، وتخلّف قوم غفير عن بيعة أبي بكر قوم من المهاجرين والأنصار ومالوا مع عليّ بن أبي طالب , منهم : العبّاس بن عبد المطلب والفضل بن العبّاس ، والزبير بن العوام بن العاص وخالد بن سعيد ، والمقداد بن عمرو وسلمان الفارسي ، وأبو ذر الغفاري وعمّار بن ياسر ، والبراء بن عازب واُبي بن كعب . فأرسل أبو بكر إلى عمر بن الخطّاب وأبي عبيدة والمغيرة بن شعبة

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) إحياء علوم الدين , الغزالي أبو حامد .


الصفحة 143

فقال : . . الخ . وذكر ابن الأثير : قال الزهري : بقي عليّ وبنو هاشم والزبير ستة أشهر لم يبايعوا أبا بكر , حتّى ماتت فاطمة (رض) فبايعوه .

لم يكن عمر ليستريح وهو يرى عليّاً (عليه السّلام) وبني هاشم وجماعة الصحابة معتصمين ببيت فاطمة (عليها السّلام) , فأنطلق عمر وجماعة معه , وحثّهم على الخروج , فأبوا أن يذعنوا . ويذكر ابن قتيبة : فجاء فناداهم وهُم في دار عليّ ، فأبوا أن يخرجوا , فدعا بالحطب وقال : والذي نفس عمر بيده , لتخرجن أو لأحرقنّها على من فيها ؟ فقيل له : يا أبا حفص , إنّ فيها فاطمة . فقال : وإن . فخرجوا فبايعوا إلاّ عليّاً ؛ فإنّه زعم أنّه قال : (( حلفتُ أنْ لا أخرج ولا أضع ثوبي على عاتقي حتّى أجمع القرآن )) . فوقفت فاطمة (رض) على بابها ، فقالت : (( لا عهد لي بقومٍ حضروا أسوأ محضرٍ منكم ؛ تركتم رسولَ الله (صلّى الله عليه وآله) جنازة في أيدينا ، وقطعتمْ أمركم بينكمْ لم تستأمرونا ، ولم تردّوا لنا حقّاً . . . الخ ))(1) .

وكان لهذا الموقف الذي وقفه عمر بن الخطّاب ، أثر على بني هاشم وعلى أتباعهم , وخصوصاً ذلك الموقف الذي وقفه عمر بن الخطّاب يوم أراد أن يحرق على فاطمة الزهراء (عليه السّلام) دارها ، حيث يتمثّله شاعر النّيل حافظ إبراهيم في قصيدته الشّهيرة :

وقــولـةٍ  لـعـليٍّ قالها عمرُ      أكـرم بـسـامِعها أعظم بمُلقيها
حـرّقتُ دارك لا اُبقي عليك بها      إنْ لم تُبايع وبنتُ المصطفى فيها
مـا كان غيرُ أبي حفص بقائلها      أمـامَ فـارسِ عـدنانٍ وحاميها

وبقي عليّ (عليه السّلام) رافضاً لمبايعتهم رغم كلّ المحاولات .

 في رواية للطبري : تخلّف عليّ والزبير واخترط الزبير سيفه وقال : لا أغمده حتّى يبايع عليّ . فقال عمر : خذوا سيف الزبير فاضربوا به الحجر . فانطلق عليهم عمر فجاء بهما تعباً , وقال : لتبايعان وأنتما طائعان , أو لتبايعان وأنتما كارهان ؟ فبايعا .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ابن قتيبة الإمامة والسياسة / 12 . وحديث حرق دار فاطمة ، مجمع على وقوعه ، ومن رواته بن عبد ربّه في العقد الفريد ، والإمامة والسّياسة .

 

 

الصفحة 144

وذكر ابن الأثير في تاريخه : الصحيح أنّ أمير المؤمنين لم يبايع إلاّ بعد ستة أشهر . وقيل للزهري حسب رواية الطبري : أفلم يبايع عليّ ستة أشهر ؟ قال : لا , ولا أحد من بني هاشم حتّى بايعه عليّ .

إنّنا نريد أن نخرج من هذا الضباب الكثيف من المرويّات ؛ لنمسك بنتيجة شافية , فمأساة الإمام عليّ (عليه السّلام) في المبايعة كانت من أشهر المآسي في تاريخ الإسلام , ولم يستضعف الإمام عليّ (عليه السّلام) في جزيرة العرب يوماً ، مثلما استضعف بعد السّقيفة على يد من زعموا لأنفسهم مقامات كبيرة , وكان بإمكان الإمام أن يحوّلها إلى فتنة ضاربة ؛ ولكنّه خاف على العقول الصغيرة والقلوب المشوّهة ، أن يشدّها الكفر إليه مرّة اُخرى ، وتستكين إلى الرّدة بعد أن أسلمت تحت وقع الحراب .

إنّه بقي صامتاً وترك التاريخ يتحدّث عنه بالوكالة , وهو (عليه السّلام) لم يكن إلى هذه الدرجة حتّى يستطيع رجل مثل عمر بن الخطّاب ـ فرار اُحد وجبان خيبر ـ أن يقف أمام أبي الحسن (عليه السّلام) , أسد الحروب وعملاقها . ولكنّه اختبأ في مجموعة من ضعاف الإيمان والطلقاء , من أمثال (قنفذ) الذي اخترق الباب على حريم البيت الهاشمي ؛ ليرهب بضعة الرّسول (صلّى الله عليه وآله) فاطمة الزهراء (عليها السّلام) , فيفوز برضى برابرة السّقيفة .

نحن هنا نتسأل عن هذا المفهوم ( الشّورى ) الذي كان شعاراً لفريق الرأي .

إنّ الشّورى كما فهمها الاجتماع البشري منذ النّشوء الأوّل للاجتماع : إنّها استخلاص حرّ للآراء والقرارات من قبل المجتمع . وإنّ هذه الشّورى جاءت لتحلّ معضلة الاستبداد الذي أرهق الاجتماع البشري ، إنّ مفهوم الشّورى يعني : معرفة رأي الآخر واحترامه . وليس الشّورى إلاّ تعبيراً آخر عن احترام الآخر ورأيه في إطار الحرّيّة . ليست الشّورى طريقة إرهابية لاستطلاع الرأي ثمّ الحكم على صاحبه بالإعدام ـ كما الحال بالنّسبة إلى سعد بن عبادة الخزرجي (رض) , فهذه صورة اُخرى للاستبداد ـ كما أنّ الشّورى لا تعني إرهاب الآخر وإكراهه على الاعتراف بالرّأي المقابل بالقوّة والعنف . فحتّى الديمقراطيون الذين مارسوا لفظاً من الشّورى في بعدها الوضعي ، كانوا يحترمون الرّأي الآخر . وحتّى لو كان ذلك الرّأي ضدّهم ، فهم يحاولون منع هذا عن تطبيق رأيه فقط .

 إنّ عمر لمّا جاء إلى بيت فاطمة (عليها السّلام) وشرع في التحضير لحرقها ، لم ينسجم مع روح الشّورى لا


الصفحة 145

في مفهومها الديني ولا الوضعي , بقدر ما هي همجية قبليّة بدويّة ؛ من أجل إكراه مَن في بيت فاطمة على المبايعة لأمر ما ناقشوه ، ولا أتيحت لهم الفرصة لمناقشته . وقف عمر بن الخطّاب كصاحب قرار يجب على الإمام عليّ (عليه السّلام) الإذعان له , من دون أن يعطي دليلاً عمّن خوّله صلاحية إصدار القرارات , وأراد من الإمام عليّ (عليه السّلام) أن يكون منفّذاً لا مسائلاً على الأقل . فعمر بن الخطّاب فرض رأياً في السّقيفة ومارس استبداده على الآخرين , وطلب من الإمام عليّ الخضوع لهذا القرار الاستبدادي ، ومَن يا ترى الإمام (عليه السّلام) ؟ :

أوّلاً : هو أساس قيام الاُمّة الإسلاميّة بمؤازرته وبلائه و . . .

ثانياً : هو الأعلم والأحكم والأقضى .

ثالثاً : هو الأتقى والأحرص على وحدة الصّف . والرّوايات المستفيضة بل المتواترة عن رسول الإنسانية الخالد , دلّت على ذلك بصريح العبارات , وتكفي قولة الرّسول (صلّى الله عليه وآله) : (( عليّ مع الحقّ , والحقّ مع عليّ )) .

لا بدّ من الاعتراف إنّ عمر بن الخطّاب قد أخطأ ، وإنّ خطأه كان أساساً لكلّ المفاسد التي قامت فيما بعد , والحلقة الأساسية في سلسلة الانحراف الذي شهدته الاُمّة , والذي يتحدّث هنا عن الخطأ هو هو عمر نفسه لمّا قال : إنّ بيعة أبا بكر يوم السّقيفة فلتة وقانا الله شرّها ، فمن عاد إليها فاقتلوه(1) .

إنّ الذي يجعل عمر بن الخطّاب يرى عقوبة (القتل) لمَن سلك طريقة السّقيفة , هو نفس التعليل الذي يمكن أن ينطبق عليه , وهو حكم على نفسه إنّه أخطأ خطاً يوجب القتل , ولكنّه عاد إليه في نهاية عمره ليقتدي بأبي بكر في الوصيّة , مع أنّ أبا بكر في حدّ ذاته هو صنيعة الوضع المنفلت في السّقيفة .

كان أبو بكر وعمر بن الخطّاب مخطئين ومتجاوزين للنصّ ، والملابسات

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الطبري عن ابن عباس .


الصفحة 146

التي رافقت أحداث السّقيفة , ومرض النّبي (صلّى الله عليه وآله) تدلّ على ذلك , وكان عمر بن الخطّاب أكثر صلافة وقسوة , وموقفه سيء من أهل البيت وتاريخه خير شاهد على هذا . ويعترف (مسلم) في صحيحه : إنّ عليّاً (عليه السّلام) بعد وفاة فاطمة الزهراء (عليها السّلام) ، وبعد أن فكّر في تحصين نفسه ومَن معه من جبروت طلاب الخلافة , دعا أبا بكر إلى بيته على أن يكون منفرداً . وأشار (مسلم) إلى ذلك إشارة لعدم حضور عمر بن الخطّاب ؛ للكراهيّة التي كانت تفصله عن البيت المحمّدي .

كان أبو بكر رجلاً ضعيفاً لم يغلب نفسه أمام طمع الخلافة والوجاهة , إنّها نفس الأطماع التي دفعته إلى عصيان الائتمار باُسامة بن زيد في حياة الرّسول (صلّى الله عليه وآله) , أمّا عمر بن الخطّاب وللنفسيّة الحادّة التي كان يتحلّى بها ، كان ينزع إلى التطرّف والانحراف عن النّصّ , وقد بيّن ذلك المؤرّخون . وبصلافته هذه كاد يفتن المسلمين عن الرّسول (صلّى الله عليه وآله) في صلح الحديبية . أبو بكر بهذا الضعف وعمر بتلك الحدّة ، ارتكبا الخطيئة التي تسلّل من وراءها الجهاز الاُموي , إنّهما أعطيا الاُمويّين مبرر السّطو على الخلافة ومحاربة آل البيت (عليهم السّلام) في شأنها ، متعلّلين بمثال أبي بكر وعمر .

ومعاوية كان داهية لمّا ردّ على محمّد بن أبي بكر وهو من شيعة عليّ (عليه السّلام) , حين كتب إلى (معاوية) يذكّره بفضل الإمام عليّ (عليه السّلام) , فقال معاوية رادّاً عليه : قد كنّا وأبوك فينا نعرف فضل ابن أبي طالب وحقّه لازماً لنا مبروراً علينا ، ثمّ كان أبوك وعمر أوّل من ابتزّه حقّه وخالفه على أمره , فإن يك ما نحن عليه صواباً ، فأبوك استبدّ به ونحن شركاؤه ، ولولا ما فعل أبوك من قبل ما خالفنا ابن أبي طالب ولسلّمنا إليه , وكنّا رأينا أباك فعل ذلك به من قبلنا فأخذنا بمثله , فعب أباك بما بدا لك أو دع ذلك ، والسّلام على من أناب(1) . كان هذا مستمسكاً لبني اُميّة كي يعبثوا بمصير اُمّة مسؤولة بين الاُمّم .

ولست هنا أقول إنّ أبا بكر وعمر بن الخطّاب كانا على علاقة بالخطّ الاُموي ؛ فإنّ ذلك ما كان وما كان ينبغي أن يكون . فالمشروع الثلاثي في السّقيفة كان ذا

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المسعودي مروج الذهب , وبنات النّبي (صلّى الله عليه وآله) لبنت الشّاطئ .


الصفحة 147

أهداف شخصية(1) , لقد أرادوا فقط الخلافة ، وهم استصغروا عليّاً وادّعوا خوفهم عليه من حداثة سنّه . ولا يزال مع ذلك أبو بكر يشيد بمقام عليّ (عليه السّلام) , ولا يزال عمر بن الخطّاب يرى : لا أبقاني الله لمعضلة ليس لها أبو الحسن . ولكن خطأهما لم تشفع لهما فيه فاطمة الزهراء (عليها السّلام) ؛ لما أغضباها وأخذ منها حقّها في فدك , فماتت وهي غاضبة عليهما .

إنّ خطأ أبي بكر وعمر كان خطأ ذا بُعد شخصي ، وهو الجمع بين الخلافة , إذ عزّ عليهما أم يسلكها غيرهما ، كما ثقل عليهما أن يكونا ضمن الرّعية بعد الرّسول (صلّى الله عليه وآله) , بيد أنّ التيّار الاُموي كانت له أهداف بعيدة يطمح إليها ويجهد ليل نهار من أجل تحقيقها , فلو لم يعارض آل البيت (عليهم السّلام) ولم ينقدوا خلافة أبي بكر وعمر ، إذن لكان لهم عندهما شأن عظيم , ولكن الآخرين ـ بني اُميّة ـ كانوا يطمحون محو البيت الهاشمي ؛ انتقاماً للماضي وكفراً صريحاً بوحي السّماء , وهو ما أكدته أشعارهم المشهورة :

لعبتْ هاشمُ بالملكِ فلا        خبرٌ جاء ولا وحيٌ نزلْ

قلت : إنّ الإمامة ليست كفراً حتّى ولو لم تثبت في التاريخ والنّصوص ؛ لأنّها ليست سوى الحل المنسجم مع مصلحة الرّسالة , إنّ الغريب القريب أن يغيب الرّسول (صلّى الله عليه وآله) ولا يحدّثهم عن أمر الخلافة .

نعود مرّة اُخرى لنؤكّد على أنّ السّقيفة مشروع فاشل في الاُمّة وحدث وقع خارج النصّ ؛ ذلك لأنّه لو أطاع المسلمون السّير في جيش اُسامة , لما حدث شيء اسمه السّقيفة في ذلك الزمان وفي ذلك المكان , والمبنى على الخطيئة (خطيئة) . ثمّ إنّ عمر بن الخطّاب نفسه يعترف على أنّ تلك البيعة كانت فلتة ، وأنّه من عاد إليها فاقتلوه .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) هذا وإن حصلت مساومات غير مباشرة بينهما والاُمويّين ، كما أسفر عن تولية معاوية ويزيد بن أبي سفيان ؛ لإسكات أبي سفيان .


الصفحة 148


الصفحة 149

عصر ما بعد السّقيفة :

كعادتنا وانسجاماً مع طبيعة البحث ومقاصد الكتاب ، لا ننزع إلى التاريخ السردي لهذه المرحلة في ترتّبها وتطوراتها التفصيلية , فهذا متوفّر في مكتباتنا التراثية , ولكن ما نطمح إليه هنا هو التركيز على المحطّات المهمّة ، ومحاولة استنطاقها بوسائل السّبر التاريخي . وبعد السّقيفة ولمّا استتبّ الأمر لأبي بكر ، اعترضت أبا بكر متاعب كثيرة ومشاكل معقّدة أفرزها واقع السّقيفة :

الأولى : لمّا منع فاطمة الزهراء (عليها السّلام) من ميراث أبيها بفدك ، أثار غضبها وبقيت حزينة إلى أن توفّيت (عليها السّلام) , وبحرمان آل البيت (عليهم السّلام) ميراثهم (1) خسر كلّ أوراقه .

ثانياً : دخوله في معركة مع المسلمين واتهامهم بأهل الرّدة , ذلك ؛ لأنّهم منعوه الزكاة , والتاريخ لا يحدّثنا عن كلّ الملابسات التي أحاطت بحادث ما سمّي بالرّدة , كيف بدأ الحدث ، وكيف انتهى ؟

ذكر المؤرّخون : أنّ قبائل كثيرة من العرب ارتدّت بعد وفاة الرّسول (صلّى الله عليه وآله) , وبعضها لم يكفر وأنّما امتنع عن الزكاة لشبهة ما , فبعث لهم أبو بكر جيشاً بإمارة

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) كان أبو بكر وخوفاً من أن ينقلب عليه الهاشميون ، حاول أن يجرّدهم من عناصر القوّة ، فأخذ حقّهم في الميراث بحجج (طوباوية) لا تنسجم مع منطق القرآن كما سنبين .


الصفحة 150

خالد بن الوليد ليقاتلهم على الزكاة , وكانت قبائل كأسد وغطفان ممّن قد ارتدّ أهلها ، فبعث لهم أبو بكر سرايا للقتال فقضوا عليهم .

ولكن التاريخ الرّسمي ، لم يروِ لنا إلاّ ما يريده مؤرّخة البلاط , إذ كيف نتصوّر ذلك ؟ كيف إنّ هؤلاء الذين أسلموا في عهد الرّسول (صلّى الله عليه وآله) لم يتمكّن منهم الرّسول (صلّى الله عليه وآله) في الهداية , ثمّ ارتدّوا جميعاً من دون أن يبقى واحد منهم على إسلامه ؟!

 لقد امتنع هؤلاء عن تقديم الزكاة لشبهة معيّنة ولم يمتنعوا عن الإسلام , وامتناعهم عن تقديم الزكاة لأبي بكر , نابع عن عدم الاعتراف به كخليفة بعد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) , ولقد اعترض عمر بن الخطّاب نفسه على قتالهم , لكنّه فشل في كسر أبي بكر عن رأيه . وتلك سياسة عرفت في حكومة أبي بكر وعمر , فهما دائماً يشكّلان سياسة مزدوجة تتفق والأهداف التي يتوخيان تحقيقها . والصورة التي رسمها العقّاد لهما في عبقرياته ، لم تكن بتلك البراءة التي يريدها لهما أديب هم خلع الخيال على الشّخصيات التي يترجم لها ، ذلك لمّا ذكر : أنّ أبا بكر لمّا يغضب فإنّ عمر يكون ليّناً ، ولمّا يلين الأوّل يتصلّب الثاني . هذا التوازن له مقاصده السياسيّة ؛ ليتركوا فجوة في سياستهما ضدّ أيّ موقف محتمل , وحتّى إذا قيل إنّ أبا بكر يقاتل المسلمين , يقال لهم : إنّ عمر بن الخطّاب ممّن عارضه ، ومع ذلك لم يتخلّ عن خلافته .

 وكشفت تلك الحروب عن حقائق في رجالات أبي بكر وعمر , كفضيحة خالد بن الوليد , الذي قتل مالك بن نويرة وهو مسلم واستأثر بزوجته , لقد ثبت أنّ مالك بن نويرة لم يكن عازماً على قتال جيش خالد بن الوليد . فقد ذكر ابن الأثير في الكامل : وكانت سجاح تريد غزو أبي بكر ، فأرسلت إلى مالك بن نويرة تطلب الموادعة ، فأجابها وردّها عن غزوها وحملها على أحياء من بني تميم ، فأجبته وقالت : أنا امرأة من بني يربوع ، فإن كان ملك فهو لكم . وهرب منها عطارد بن حاجب وسادة بني مالك وحنظلة إلى بني العنبر .

هناك نقطة لم يشر إليها المؤرّخون ، أو بالأحرى المُحقّقون في الأخبار , فسجاح لم تكن كما يصوّرها التاريخ المقلوب إنّها خارجة أو مرتدّة , ورأيي , إنّها لم تكن كذلك إلاّ أنّ السّياسة اقتضت حبكها على تلك الصورة ، لا لشيء


الصفحة 151

سوى لأنّها لا تملك أن تكتب التاريخ ، بينما أعداؤها يملكون كتابته .

بعض المؤرّخين يريدون تزييف الحقائق وإعادة ترميمها , فيفسدونها ويوقعون أنفسهم في مآزق . لقد فشل الرّسول (صلّى الله عليه وآله) في أن يربّي أصحابه فقط على الإيمان والإسلام , ثمّ إنّ أبا بكر ورجالاته لم يستطيعوا إقناع سجاح بالعودة إلى الإسلام , حتّى يأتي معاوية بن أبي سفيان فيقنعها بذلك .

عندما وقعت المعاهدة بين الحسن (عليه السّلام) ومعاوية بن أبي سفيان , فلم تزل سجاح في تغلب حتّى نقلهم معاوية عام الجماعة , وجاءت معهم وحسن إسلامهم وإسلامها , وانتقلت إلى البصرة وماتت بها وصلّى عليها سمرة بن جندب ، وهو على البصرة لمعاوية قبل قدوم عبيد الله بن زياد من خراسان وولاية البصرة(1) .

وكان مالك بن نويرة قد أذعن وأقرّ بقبوله لتقديم الزكاة , غير أنّ خالد بن الوليد الذي انتهى من قتال ؛ فزارة وغطفان وأسد وطئ , يريد البطاح ، وبها مالك بن نويرة قد تردّد عليه أمره(2) , فتمرّد الأنصار عن خالد بن الوليد وقالوا : إنّ هذا ليس بعد الخليفة إلينا . إلاّ أنّ خالداً أصرّ على المسير . ووصل خالد بن الوليد إلى البطاح وأهلها متفرّقون ليسوا عازمين على التمرّد , وكان مالك بن نويرة قد أقنعهم بذلك فأجابوا , وجاء مالك بن نويرة يناظرهم(3) ، غير أنّ خالد بن الوليد لم يأبه بالرجل ولا إسلامه .

 قال اليعقوبي : فأتاه مالك بن نويرة يناظره واتبعته امرأته , فلمّا رآها خالد أعجبته , فقال : والله , لا نلت في مثابتك حتّى أقتلك ، فنظر مالكاً فضرب عنقه وتزوّج امرأته , فلحق أبو قتادة بأبي بكر فأخبره الخبر ، وحلف ألاّ يسير تحت لواء خالد ؛ لأنّه قتل مالكاً مسلماً ، فقال عمر بن الخطّاب لأبي بكر : يا خليفة رسول الله , إنّ خالداً قتل رجلاً مسلماً وتزوّج امرأته من يومها . فكتب أبو بكر إلى خالد , فاشخصه , فقال : يا خليفة رسول الله , إنّي تأوّلت وأصبت وأخطأت.

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ابن الأثير في الكامل 2 / 357 .

(2) نفس المصدر .

(3) اليعقوبي 2 / 131 .


الصفحة 152

وفي الكامل لابن الأثير : قال عمر لأبي بكر : إنّ سيف خالد فيه رهق . وأكثر عليه في ذلك , فقال : يا عمر , تأوّل فأخطأ ، فارفع لسانك عن خالد ؛ فإنّي لا أشيم سيف سلّه الله على الكافرين .

كان قتل مالك بن نويرة (رحمة الله عليه) بعد أن أمّنوه , ولم يسمع خالد بن الوليد لكلامه وأبى إلاّ أن يقتله ؛ ليسطو على زوجه تلك التي كانت فارهة الجمال , وهي : ليلى بنت المنهال اُمّ تميم . وكانت على حدّ تعبير العقّاد : من أشهر نساء العرب بالجمال ، ولا سيّما جمال العينين والسّاقين , قال : يُقال أنّه لم ير أجمل من عينيها ولا ساقيها(1) . هذا ممّا أفقد خالد بن الوليد توازنه , فقتل مالك بن نويرة صبراً وجعل رأسه أثفية لقدر , حسب وفيات الأعيان لابن خلكان , وبني بزوجته في تلك الليلة على أنّ المرأة لم تكن سبيّة , وبناءه بها ـ حتّى مع افتراض سبيتها ـ يبقى أمراً حراماً إذا لم يتم استبراؤها ؛ وهذا ما جعل كثيراً من الصحابة وحتّى عمر بن الخطّاب يقدمون على اتهامه . فأين أنتم يا فقهاء ! ويا مَن نادوا بالاحتياط في الدماء والفروج ! ها هو خالد العبقري جمع بين الاثنين !

ومالك هذا لم يكن رجلاً عادياً , فلقد كان من المسلمين الذين ولاهم الرّسول (صلّى الله عليه وآله) في حياته على صدقات أقوامهم , لقد كان مالك بن نويرة(2) ممّن أسلم طواعية في عهد الرّسول (صلّى الله عليه وآله) , وأسلم مع قومه بنو يربوع , وما كان رحمه الله يريد سوى التريّث بالزكاة الشّرعيّة حتّى ينجلّي أمر الخلافة , وذلك ؛ شكّاً منه في مصداقية خلافة أبي بكر , لذلك ما كان ينوي محاربة خالد بن الوليد , ولقد قتله هذا الأخير وهو لم يرفع في وجهه سيفاً . ورثاه أخوه متمم بن نويرة ، لمّا قال على مرآى ومسمع من أبي بكر بعد أن فرغ من الصلاة :

نعمَ القتيلُ إذا الرياح تناوحت       خلفَ البيوت قتلتَ يابنَ الأزورِ

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) عبقرية خالد للعقاد .

(2) هو مالك بن نويرة بن حمزة بن عبد بن ثعلبة بن يربوع التميمي , من أشراف بني تميم .


الصفحة 153

أدعوته باللهِ ثم غدرتَهُ       لو هُوْ دعاكَ بذمّة لم يغدرِ(1)

إنّ قتل مالك بن نويرة غيث وصمت عار وخطيئة على خلافة أبي بكر ، وإن كان الخطأ قد ارتكبه سيف الإسلام المسموم , إلاّ أنّ إمضاء أبي بكر وقوله لعمر دفاعاً عن خالد : تأوّل فأخطأ فارفع لسانك عن خالد , فإنّي لا أشيم سيف سلّه الله على الكافرين . إنّما يدلّ هذا على صحّة ما قاله عمر في خلافة أبي بكر : فلتة وقى الله منها المسلمين .

ثالثاً : إنّ أعظم رزية هي لمّا خلف وراءه عمر بن الخطّاب رغماً عن المسلمين , وتحدّياً لحرياتهم , وتسفيهاً لمقاماتهم الكبرى . لقد بقي أبو بكر سنتين وبضعة أشهر في الخلافة ، فمرض بعدها مرضاً شديداً أدّى به إلى الموت . وحسب العقّاد في العبقرية : إنّه مات بمرض الملاريا(2) . وفي تلك الأثناء , دعا عثمان بن عفان وقال له : اكتب عهدي . فكتب عثمان وأملى عليه : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، هذا ما عهد به أبو بكر بن أبي قحافة , آخر عهده في الدنيا نازحا عنها وأوّل عهده بالآخرة داخلاً فيها : إنّي استخلفت عليكم عمر بن الخطّاب ، فإن تروه عدل فيكم ، فذلك ظنّي به ورجائي فيه ، وإن بدّل وغيّر فالخير أردت ، ولا أعلم الغيب : وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ(3)(4) .

إنّ هذه ليست سوى تتمة المشهد السّقيفي , وهي في نفس الوقت ثاني خطيئة كبرى في التعاطي مع النّصّ والإمامة , وبينما كان الحسّ الشّوري هو الغطاء المهلهل لصفة السّقيفة ؛ فإنّ الإثبات والتنصيب كان هو لغة الخطّاب وسياسة المرحلة في أيّام أبي بكر , وفي الوقت الذي استهجنوا الرّأي

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) تاريخ اليعقوبي .

(2) وقيل : حس المستنقعات . وهناك شكوك في ذلك , هل هي الملاريا أم هل هي سم زعاف .

(3) سورة الشّعراء / 227 .

(4) تاريخ الخلفاء , ابن قتيبة / 19 ـ 201 , مؤسسة الوفاء / بيروت .


الصفحة 154

الذي يقول : إنّ الإمامة تثبت بالنّصّ لعليّ (عليه السّلام) . ها نحن نجدهم يقلبونها برحابة صدر على امتداد التاريخ ، بنفوس صنعت على الإيمان الطيّب البسيط ، تقبل بالأمر الواقع .

 وحريّ بالرسول (صلّى الله عليه وآله) ـ وهو أعلم بمصلحة الاُمّة ـ أن يعيّن بعده مَن يصلح للاُمة , وهل أبو بكر ـ وهو يبرّر استخلاف عمر بن الخطّاب ـ هل كان أحرص من الرّسول (صلّى الله عليه وآله) بمصلحة الاُمّة ؟ وهل هذا المنطق الذي سلكه أبو بكر وسوّغه أتباع الرّأي ، إلاّ ما تعتقده الشّيعة في الإمامة والتنصيب ؟ وكيف يكون استخلاف الرّسول (صلّى الله عليه وآله) لعليّ (عليه السّلام) غلوّاً ، والذي فعله أبو بكر حصافة ورأي سديد ؟!

كان على أبي بكر أن يقول في وصيته : فإن بدّل وغيّر فاعزلوه . غير أنّه قال : فالخير أردت ولا أعلم الغيب . وكنت أنتظر من أبي بكر أو عمر نفسه أن يقول : لا وصية وكتاب الله معنا . أو أن يقول عمر : إنّ أبا بكر يهجر . فلا يقبل وصيته .

لقد اعترض الصحابة على خلافة عمر بن الخطّاب وخافوه على أنفسهم , وتوسّلوا لأبي بكر بأن يبعده عن إمارتهم , وفي ذلك كبار الصحابة , ولكن أبا بكر أبى إلاّ أن يكمل الصفقة مع عمر على سبيل الوفاء بالعهود المشهورة في سنن العرب .

يقول صاحب الإمامة والسياسة : فدخل عليه المهاجرون والأنصار حين بلغهم أنّه استخلف عمر ، فقالوا : نراك استخلفت علينا عمر وقد عرفته وعلمت بوائقه فينا وأنت بين أظهرنا ، فكيف إذا ولّيته عنّا وأنت لاق الله عز وجل فسألك ، فما أنت قائل ؟ فقال أبو بكر : لئن سألني الله لأقولنّ استخلفت عليهم خيرهم في نفسي .

وهكذا تغيب المشورة في رأي شخصي , هو نفسه لم يتم له الأمر إلاّ بعد أن خاضها عمياء لا تبقي ولا تذر , وهو يملك أن يحاجج الله سبحانه ولا يبالي . وكأن الله عزّ وجل يرضى لما يرضى أبو بكر ؛ لأنّ هذا الأخير هو منشئ السّماوات والأرض .


الصفحة 155

يقول أبو بكر : لأقولنّ استخلفت عليهم خيرهم في نفسي . وإفصاحه عن الواقع بعبارة : في نفسي . هو مفتاح السرّ لإدراك اللعبة , فهو يراه خيراً في نفسه لا حسب نفوس المسلمين أصحاب السّابقية والمجد . وكيف لا يكون خيراً في نفسه وهو لولاه لما تمّت خلافة المسلمين .

لقد عرف أبو بكر أنّ وجدان المجتمع قد تشكّل على أيديولوجيا الشّورى التي لم تكن إلاّ غطاء لصرف الإمامة عن النّصّ , وعليه , فإنّ أبا بكر وهو عازم على تثبيت عمر بن الخطّاب ، يحتاج إلى تعديل في التشكيلة الوجدانية للمسلمين , التعديل الذي لا يسرف فيه حتّى يحفّز النّاس إلى الخلافة الكبرى التي أرستها شريعة الإسلام لعليّ (عليه السّلام) , ولا يفتر فيه حتّى يرفضوا مشروع خلافة عمر بن الخطّاب , حاول أبو بكر أن يزرع في هذا الوجدان مفهوماً جديداً للخلافة ، وهو الخلافة بالتنصيب , وأعاد المنطق الذي كان مطروحاً على صعيد الحلم الإسلامي إبّان وفاة الرّسول (صلّى الله عليه وآله) , هو النّصّ على الخلافة .

قال أبو بكر(1) :  وأمّا اللاتي كنت أودّ أنّي سألت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) عنهنّ ، فليتني سألته لمن هذا الأمر من بعده , فلا ينازعه فيه أحد . وليتني كنت سألته هل للأنصار فيها من حقّ . وليتني كنت سألته عن ميراث بنت الأخ والعمّة ؛ فإنّ في نفسي من ذاك شيئاً . أجل لقد بقي في نفس أبي بكر شيء من كلّ ذلك ، حتّى من ظلامة عليّ وأهل بيته (عليهم السّلام) , وهو القائل : فأمّا اللاتي ، فعلتهن وليتني لم أفعلهن ، فليتني تركت بيت عليّ وإن أعلن عليّ الحرب(2) .

إنّه يشهد أنّ خلافته ليست مؤكّدة , أوّلاً : ليس متأكّداً من شرعيتها ، ويشهد أنّه ارتكب خطيئة يوم أعلن الحرب على عليّ (عليه السّلام) , ولكنّه بعد ذلك كلّه يأبى إلاّ أن يدفع ثمن الصفقة ـ السّقيفية ـ ؛ استجابة للعهد المعهود .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ابن قتيبة , الإمامة والسّياسة ( 19 ـ 201 ) , دار الوفاء / بيروت .

(2) نفس المصدر .


الصفحة 156

والنّاظر في سيرة عمر بن الخطّاب وشخصيته بعين المتفحّص والمقلّب والسّابر , سيجد عمر بن الخطّاب رجلاً لا يصلح لإمارة رعاع الاُمّة فضلاً عن الصحابة , وهو لا يقربهم علماً ولا شجاعة ولا سابقية . إنّهما يريدان لعليّ (عليه السّلام) الخلافة , فلو كانت له وحده إذن لصبرا عليها , ولكن يعلمان أنّها لن تصلهما إذا استقرّت في البيت النّبوي ما دامت هي نصّاً ؛ لذلك أرادوها لأنفسهما .

إنّنا نعتقد إنّهما كانا يستهدفان الخلافة وزهدا في كلّ شيء دونها , واعترف أبو بكر باللآئي ودّ لو لم يفعلهن , ليس مجاملة كما يحاول البعض تلفيقها , وإنّما هو الواقع المرّ الذي خلّفه وراءه ، والشّرخة الكبرى التي على سيرة أبي بكر , وكأنّ كلّ مَن أراد أن يركب سنام الخلافة ، لا بدّ له أن يدرس مقام آل البيت (عليهم السّلام) وإلحاق الضربة بهم .

وإنّ تاريخ أبي بكر وعمر حتّى لو فرض بأنّه تاريخ زهد , فأنّهما لن يزهدا في الخلافة ، وفي سبيل ذلك , شرّعا للنيل من آل البيت (عليهم السّلام) وقدّما أوّل نموذج لذلك , ممّا شجّع الباقين على اقتفاء آثارهم في السّطو على تركة الرّسول (صلّى الله عليه وآله) , بحجّة التمسك بسنّة الشّيخين ، التي لم تكن إلاّ تغييباً أيديولوجياً لسنّة الرّسول (صلّى الله عليه وآله) , وهكذا بايع النّاس عمر بن الخطّاب ؛ خوفاً ورهبة ، ولو وجدوا ما يقوّي شوكتهم إذاً لقاتلوه , ولكن هيهات ؛ فالأمر ثابت مستقر ، وسيف ديموقليس فوق رأس كلّ معارض , وأنّه على غرار صاحبه لم يكن متأكّداً من صلاحيته , وما زال عمر بن الخطّاب يسأل حُذيفة بن اليمان ـ أمين سرّ الرّسول (صلّى الله عليه وآله) ـ فيما لو كان عمر أحد الذين ورد اسمهم في صحيفة حُذيفة , وهي ما كان يعلمه من المنافقين .

ولست أدري كيف يخاف عمر بن الخطّاب على نفسه من النّفاق , واُخرى من كذّاب الآخرة ؟ اللهمّ إلاّ لشيء فعله في حياته لا ينسجم مع حكم الشّريعة . وأجزم هنا إنّ من تلك الأفعال ، اغتصابه الخلافة الشّرعيّة من أهلها الموكلين بها , وقد يخاف المرء من عذاب الله يوم القيامة ، ولكنّه لا يشكّ فيما إذا كان منافقاً , أو ورد فيه كلام أبداً من الرّسول (صلّى الله عليه وآله) .

كان منهج عمر بن الخطّاب في الرّعية ، منهجاً قمعيّاً وسطحيّاً , فهو يقمع


الصفحة 157

الغثّ والسّمين ، وينال من الأخضر واليابس على حدّ سواء ، ويضرب المصلّي إذا صلّى خاشعاً ؛ بتهمة النّفاق ، ويضرب المخطئ ضرباً مبرحاً ، لا أن يحلّ مشكلة الخطأ من الأساس .

واشتهر عمر بن الخطّاب بالدرّة ، وهي : آلته في ضرب النّاس ، والإنزال من معنوياتهم . ولم يسلم من درّته كبار الصحابة , حتّى وصل به الأمر أن يقول : أصبحت أضرب بالدرّة كلّ النّاس ليس فوقي إلاّ الله(1) وعدّها العقّاد من عبقرياته . وتمثّل هذا القمع منذ البداية ، وقد هاب أمره النّاس لحدّة طبعه وتشنّج مزاجه . ولكن أبا بكر ـ كما سبق ذكره ـ كان يريد دفع الثمن لعمر على الرّغم من أنّه تظاهر بالزّهد فيها ، وودّ لو كان في أمر المسلمين خلواً ، وهو صاحب : أقيلوني فلست بخيركم .

ونتسأل من خلال التاريخ : كيف يعترف أبو بكر بأنّه ليس بخير من النّاس ، ينازع فيها عليّاً (عليه السّلام) ويقول لطلحة بن عبيد الله : أبالله تخوفني ! إذا لقيت ربّي فسألني ، قلت : استخلفت عليهم خير أهلك . فقال طلحة : أعمر خير النّاس يا خليفة رسول الله ؟! فاشتدّ غضبه وقال : إي والله ، هو خيرهم وأنت شرّهم(2) .

لقد كان تنصيباً بالاستبداد الذي لا يسمح أن يُقال أو يُسأل : هل عمر هو خير النّاس فعلاً ؟ وهذا التناقض في التظاهر بالزهد في الخلافة ، والاستبداد بها في النّهاية ، وتوريثها لعمر بن الخطّاب , هو ما أشار إليه الإمام عليّ (عليه السّلام) في خطبته الشّهيرة في النّهج : (( فَيَا عَجَباً بَيْنَا هُوَ يَسْتَقِيلُهَا فِي حَيَاتِهِ إِذْ عَقَدَهَا لِآخَرَ بَعْدَ وَفَاتِهِ ! لَشَدَّ مَا تَشَطَّرَا ضَرْعَيْهَا , فَصَيَّرَهَا فِي حَوْزَةٍ خَشْنَاءَ يَغْلُظُ كَلْمُهَا وَ يَخْشُنُ مَسُّهَا , وَ يَكْثُرُ الْعِثَارُ فِيهَا وَ الِاعْتِذَارُ مِنْهَا , فَصَاحِبُهَا كَرَاكِبِ الصَّعْبَةِ إِنْ أَشْنَقَ لَهَا خَرَمَ وَ إِنْ أَسْلَسَ لَهَا تَقَحَّمَ , فَمُنِيَ النَّاسُ لَعَمْرُ اللَّهِ بِخَبْطٍ وَ شِمَاسٍ وَ تَلَوُّنٍ وَ اعْتِرَاضٍ , فَصَبَرْتُ عَلَى طُولِ الْمُدَّةِ وَ شِدَّةِ الْمِحْنَةِ )) .

والواقع هو ما اعترف به ابن الحديد المعتزلي في شرحه ، مع شيء من التزييف :

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الغدير في الكتاب والسّنّة والأدب , الأميني .

(2) ابن أبي الحديد في شرح النّهج ( 164 ـ 165 ـ 103 ) , منشورات مكتبة آية الله العظمى المرعشي النّجفي , قم , إيران / 1406 هـ ‍ . ق .


الصفحة 158

إنّما قال : أقيلوني ، ليثور ـ أي ليبحث ـ ما في نفوس ـ قلوب ـ النّاس من بيعته ، ويخبر ما عندهم من ولايته ، فيعلم مريدهم وكارههم ومحبّهم ومبغضهم ، فلمّا رأى النّفوس إليه ساكنة والقلوب لبيعته مذعنة , استمرّ على إمارته وحكم حكم الخلفاء في رعيته ، ولم يكن منكراً منه أن يعهد إلى من استصلحه لخلافته(1).

والواقع إنّ ثمّة ثغرة لم يكشف عنها بن أبي الحديد ، هو أنّ سكوت النّاس لا يعني سكونهم , وربّ حكومات تحرّكت جنودها للجم الكلمة من النّاس ، تمهيداً لخطبة يلقيها الحاكم ، فيظهرون على حال السّكينة , بينما هُم مسلوبوا الكلام .

لقد حاول البعض أن يقيس على منهج إبليس في القياس بين موقف أبي بكر حين قال : أقيلوني فلست بخيركم . وعليّ بن أبي طالب (عليه السّلام) يوم قال للناس بعد أن بايعوه : دعوني والتمسوا غيري ، فأنا لكم وزيراً خير منّي لكم أميراً . والإمام عليّ (عليه السّلام) لم يقل إنّه ليس بخير من النّاس ، ولم يقل أنّه واجد في نفسه ؛ لإصراره على حقّ قال إنّه حقّه ، وما تلزمه كلمة حقّ من معنى الشّرعيّة , وهو رفض الخلافة بعد أن أتت إليه فاسدة , وقد وصل الخراب إلى آخر مواقع المجتمع الإسلامي , قالها بعد أن لعب بالخلافة من ليس لها أهل , ولكنّه لمّا وليها , عهد بها إلى ابنه الحسن (عليه السّلام) ؛ لأنّه جدير بها , ولأنّه فعلها استجابة للنصّ لا للرأي , ولو لم تكن المسألة نصّاً لكان عليّ (عليه السّلام) أجدر أدباً أن يبعد عنها ابنه ، ولو كانت المسألة مسألة تظاهر بالعدل والزهد ، لكان عليّ (عليه السّلام) أحقّ بهذا الزهد .

لقد أمسك أبو بكر وعمر الخلافة ومارسها بارتياب وتعثّر ؛ بسبب عدم جدارتهما , وفي ذلك يقول الإمام عليّ (عليه السّلام) : (( ويكثر العثار فيها والاعتذار )) . وذلك بسبب الاعتذار التي رافقت سياسة الخليفتين ، وبسبب أخطائهما القتالية وعثارهما في سياستهما . وكان عمر بن الخطّاب متحمّساً للخلافة بعد أبي بكر ، فلمّا كتب العهد , أمر به أن يقرأ على النّاس ، فجمعهم وأرسل الكتاب مع مولى له

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) شرح النّهج ( 169 ـ 1 ـ 2 ) .


الصفحة 159

ومعه عمر , فكان عمر يقول للناس : انصتوا واسمعوا لخليفة رسول الله ؛ فأنّه لم يسألكم نصحاً . فسكن النّاس ، فلمّا قرئ عليهم الكتاب , سمعوا وأطاعوا ، وكان أبو بكر أشرف على النّاس وقال : أترضون بمن استخلفت عليكم ؟ فإنّي ما استخلفت عليكم ذا قرابة , وإنّي قد استخلفت عليكم عمر , فاسمعوا وأطيعوا ، فإنّي والله ما ألوت من جهد الرّأي(1) .

لقد هيّأ عمر الطريق لأبي بكر حتّى ينصّبه على النّاس ، قال لهم : اسمعوا وأطيعوا لخليفتكم الذي يسألكم نصحاً . ليقول أبو بكر للناس : إنّي استخلفت عليكم عمر , فاسمعوا وأطيعوا . والرؤية التي كان يحملها عمر بن الخطّاب للخلافة وإدارتها ، ليست في مستوى الإسلام وإنسانيته , لقد كانت تتأسس على موروث فطري عربي ممزوج ببعض ما فهمه عمر من الإسلام , كان يرى الخلافة بمعنى التابع والمتبوع , وإنّ الخليفة هو القائد الذي تسير خلفه قطعان من الخرفان لا حقّ لها في المشاركة .

وقف عمر بن الخطّاب بعد وفاة أبي بكر ، فقال : إنّما مثل العرب مثل جمل آنف أتبع قائده , فلينتظر قائده حيث يقوده , وأمّا أنا فوربّ الكعبة , لأحملنّكم على الطريق(2) . إنّه يقسم بربّ الكعبة إنّه سيحملهم على الطريق , تلك التي كما يراها هو, وكثيراً ما رأى الحقّ فكان باطلاً, وما وسعه إلاّ أن يقول كلمات نظير : كلّ النّاس أفقه منك يا عمر . أو : لولا عليّ لهلك عمر . وما أشبه ذلك من أمثلة .

وفي تاريخ الخلفاء ، ذكر ابن قتيبة : فخرج عمر بالكتاب وأعلمهم , فقالوا : سمعاً وطاعة . فقال له رجل : ما في الكتاب يا أبا جعفر ؟ قال : لا أدري ، ولكنّي أوّل من سمع وأطاع . قال : لكنّي والله أدري ما فيه , أمّرته عام أوّل وأمّرك العام(3) .

وهكذا كانت الوقائع التي أكّدها التاريخ تثبت بالبراهين المحرقة ، إنّ عمر بن الخطّاب فرض على المسلمين بالاستبداد , ولو خيّروا يومهاً لاجتمعت

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ابن الأثير 2 / 426 , دار صادر , بيروت .

(2) تاريخ ابن الأثير 2 / 427 .

(3) تاريخ الخلفاء / 20 .


الصفحة 160

كلمتهم على عزله ، ولكن عهد أبي بكر ودرّة عمر لم يسمحا للكلمة النّاقدة والمعارضة أن تستمر , غير أنّ المسلمين رأوا أن يصبروا عليه وينافقوه ؛ خوفاً من عنجهيته .


الصفحة 161

عمر بن الخطّاب مع الرعية :

الكلُّ يحاول أن يرسم عمر بن الحطاب في صورة اُسطورية كما شاءها له مناوئوا بني هاشم ؛ حتّى يغطّوا بدخانها الكثيف فضائل البيت العلوي , بينما الواقع إنّ عمر بن الخطّاب لم تكن له مؤهلات الخلافة النّفسيّة والاجتماعيّة , وإنّ أدنى تمحيص لسلوكه وشخصيته يثبت ذلك .

يقول ابن أبي الحديد في شرح النّهج : وكان عمر بن الخطّاب صعباً عظيم الهيبة شديد السّياسة ، لا يحابي أحداً ولا يراقب شريفاً ولا مشروفاً , وكان أكابر الصحابة يتحامون ويتفادون من لقائه . وهو لولا هذه النّرفزة , لما استطاع أبو بكر أن يحصل على شيء من السّقيفة ، وعمر هو الذي شدّ بيعة أبي بكر ووقم المخالفين فيها , فكسر سيف الزبير لمّا جرّده ، ودفع في صدر المقداد , ووطئ في السّقيفة سعد بن عبادة وقال : اقتلوا سعداً قتل الله سعداً . وحطّم أنف الحباب بن المنذر الذي قال يوم السّقيفة : أنا جذيلها المحكّك وعذيقها المرجّب . وتوعّد عمر مَن لجأ إلى دار فاطمة (عليها السّلام) من الهاشميين وأخرجهم منها ، ولولاه لم يثبت لأبي بكر أمر ولا قامت له قائمة(1) .

وبلغ حقد النّاس وكرههم به مبلغاً كبيراً ، فقد ذكروا أنّه وبينما هو جالس في المسجد بُعيد وفاة أبي بكر ، إذا برجل أتاه فقال : يا أمير المؤمنين ، أدنوا منك فإنّ لي حاجة ؟ قال عمر : لا . قال الرجل : إذا أذهب فيغنيني الله

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ابن أبي الحديد , شرح النّهج 1 / 174 .


الصفحة 162

عنك . فولّى ذاهباً ، فأتبعه عمر ببصره ، ثمّ قام فأخذه بثوبه ، فقال له : ما حاجتك ؟ فقال الرجل : بغضك النّاس وكرهك النّاس . قال عمر : ولِمَ ويحك ؟! فقال الرجل : للسانك وعصاك(1) .

وحيث بلغ القمع وحرّ الدرّة ، بأن أتته امرأة حامل يوماً بعد أن استدعاها لأمرها ، فأسقطت ما في بطنها من شدّة الهيبة(2) . وإذا علمنا أنّ النّاس لم يكونوا يجثون على ركبهم ، ولا كانت النّساء تسقط أجنّتها لمّا تلقى عليّاً (عليه السّلام) , وهو مَن هو في التنمّر والشّجاعة و . . . , لعلمنا إذن , إنّ ذلك كلّه كان بسبب خشونة زائدة لا تميّز ظالماً ولا مظلوماً , تلك الخشونة التي سمّاها التاريخ البدوي عدالة , إنّها درّته التي لا توقر امرأة ولا شريفاً , ولا حتّى فاطمة إذ أزمع على حرق دارها .

والذي لا ينكر لعمر بن الخطّاب إنّه لم يحاب الأهل ؛ إذ لم يكن له أهل يذكرون , وكان يهتمّ في أن يظهر للناس عظيماً ومتقشفاً . ولكن السؤال القرآني هو : لماذا أخذ حقّ غيره , ومن خوّله حقّ ممارسة السّلطة حتّى وإن كان عدلاً ؟

إنّ الخلافة لا تعطى للناس لبساطتهم , إنّها قرار إلهي , وخلافة عمر كانت فيها ميزات خفيفات ، أتلفتها هنات جسيمة , فمن ميزاتها تلك ، أنّه خلع خالد بن الوليد ، وهو بذلك أعطى للتاريخ دليلاً ، على أنّ صاحبه أبا بكر كان مخطئاً لمّا تجاوز عن خالد وغفر له , كما تقدّم .

ثانياً : إنّه أعاد فدك لآل البيت (عليهم السّلام) تزلّفا إليهم , مع أنّه كان محرّضاً لأبي بكر أن يسلبهم ذلك الحقّ . والظاهر : أنّ أبا بكر وعمر منعا آل البيت ذلك الحقّ حتّى لا يقووا به نفوذهم , ولكن ما أن استتبّ الأمر حتّى جاءت بها نفسه على أهلها , ولو كان مقتنعاً أنّها لله ، لما حابى بها آل البيت (عليهم السّلام) إذاً , لما

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) تاريخ الخلفاء , ابن قتيبة / 20 .

(2) ابن أبي الحديد , شرح النّهج / 174 .


الصفحة 163

كان شديداً في الحقّ كما تصفه الرّوايات المزيّفة .

بيد أنّ سلبيات عمر التاريخيّة ، ونوادره في السلوك السّياسي والاجتماعي والفقهي لم ينسها التاريخ ، ومن تلك النّوادر :

* ـ سطحية سياسية ، العنف معتمدها .

* ـ القمع الاجتماعي .

* ـ الشّذوذ الفقهي .

1 ـ سطحية سياسية :

كان عمر بن الخطّاب ـ كما تقدّم ـ يرهب الشّريف والمنافق معاً , فكان يحاسب الاُمويّين حساباً عسيراً ، لكنّه في نفس الوقت يؤمّرهم على أصقاع وسيعة , وفي ذلك تكمن سطحيته سياسية ؛ لأنّ بني اُميّة لم يكونوا مكتّفي الأيادي بعد أن كانوا طويليها في زمن البعثة , وليس بني اُميّة عناصر ساذجة , وإنّما هُم جهاز وحالة قابلة للنشوء في كلّ لحظة , فتأميرهم لا يعني سوى صبّ مزيد من النّفوذ في جعبتهم , ولقد قووا في زمن عمر بن الخطّاب وهو لم يكن يريد تقويتهم إنّما رأي رآه , ولكن الاُمّة دفعة ثمنه , ولم يكن مثل الإمام عليّ (عليه السّلام) حيث أوّل ما قام به هو عزل معاوية من دون رجعة في الموقف ؛ لأنّه يدرك أنّ الإمارة تقوّي , وبأنّ بني اُميّة ليسوا فئة عادية , فهو لا يزال يفوّت عليهم هذه الفرص حتّى وهم يعرضون عليه البيعة .

لقد جاء أبو سفيان بعد وفاة الرّسول (صلّى الله عليه وآله) إلى عليّ والعباس , فنادى من وراء الباب :

بني هاشمٍ لا تطمعوا الناسَ فيكُمُ      ولا سـيما تيم بنَ مرّة أو عَدي
فـما  الأمـرُ إلاّ فـيكُمُ وإليكُمُ      ولـيس لها إلاّ أبـو حسنٍ علي
أبـا حسنٍ فاشدُد بها كفَّ حازمٍ      فـإنّك بالأمرِ الذي تبتغي ملي

بصوت عال : يا بني هاشم ، يا بني عبد مُناف , أرضيتم أن يلي أبو فيصل ؟ أما والله ، لو شئتم لأملأنّها عليهم خيلاً ورجالاً . فناداه أمير المؤمنين عليّ (عليه السّلام) :


الصفحة 164

(( ارجع يا أبا سفيان , فوالله , ما تريد الله بما تقول , ولا زلتَ تكيد للإسلام وأهله ونحن مشاغيل برسول الله (صلّى الله عليه وآله) )) .

وورد أيضاً في تاريخ الطبري بسنده : إنّه لمّا استخلف أبو بكر , قال أبو سفيان : ما لنا ولأبي فيصل ، إنّما هي بنو عبد مُناف . فقيل له : إنّه قد ولى ابنك . قال : وصلته رحم . وكذلك فعل عمر بن الخطّاب بعد أن ولى على الشّام يزيد بن أبي سفيان ، ومعاوية بن أبي سفيان بعده ، ثمّ عثمان بن عفان ، إعراباً عن هذه المودّة بينه وبين بني اُميّة .

هذا الوعي السّياسي العميق كان يملكه الإمام عليّ (عليه السّلام) , وقد تجلّى في رفضه لشخص أبي سفيان الطليق , في حين افتقد هذا الوعي الخليفتان وبرز في عهد عمر ؛ لأنّه الأطول عهداً بالخلافة . إنّه (عليه السّلام) أدرك أن لا مرونة مع تيّار قوّي يبني نفسه في الخفاء ؛ ليعيد مكانته في الجزيرة العربيّة , ويسعى إلى تدمير بني هاشم والانتقام للأجداد . ولكن عمر قد دفع ثمن سطحيته السياسيّة , لقد استفاد الاُمويّون من مودته لهم , وصبروا على لذعه وتشدّده السّطحي , فقوّوا شوكتهم , وحقّقوا قدراً من التراكم والنّفوذ , مكّنهم من السّيطرة على أسباب القوّة في الجزيرة العربيّة , وبعد ذلك , وجدوا أنّ المرحلة قد نضجت لإزاحة عمر بن الخطّاب عن الخلافة , ذلك ؛ لأنّ عمر هذا طالت خلافته كثيراً , ثمّ لأنّه بدأ يتّجه في غير مجرى مصالحهم , ولأنّ مصلحتهم المرحلية في طوّر متقدّم لا يصلح لها عمر .

فعمر بن الخطّاب ليس جديراً بالخلافة بالمقياس القبلي للاُمويّين ، وهو ليس في شرف بني عبد الدار , ثمّ لأنّه بدا لهم , إنّ عثمان قريبهم بدا يشيخ ولم ينلها ، وهو المرشّح بعد عمر لقربه كيف لا ، وعثمان هو الذي كتب الكتاب لأبي بكر خلافة عمر , وهو الوحيد الذي لم يقف ضدّ عمر ، بل تحمّس لذلك حتّى قال له أبو بكر : جزاك الله عن الإسلام خيراً . فهم أدركوا وبترتيباتهم الخاصّة ، أنّ الأمر لعثمان لا مناص , وحيث إنّ الشّام تحوّلت إلى منطقة نفوذ للاُمويّين , وقد كانوا يكرهون عمر بن الخطّاب نفسه ، بقول ابن قتيبة :


الصفحة 165

وكان أهل الشّام قد بلغهم مرض أبي بكر واستبطأوا الخبر ، فقالوا : إنّا لنخاف أن يكون خليفة رسول الله قد مات وولي بعده عمر ، فإن كان عمر هو الوالي فليس لنا بصاحب ، وإنّا نرى خلعه(1) .

وهكذا لم يكن عمر ليرضي أهل الشّام الذين شرّبوا في قلوبهم حبّ بني اُميّة منذ تولّوهم , ولذلك لا بدّ من التفكير في مخطط تصفية لعمر ؛ حتّى ينزاح عن الطريق , وكان عمر بن الخطّاب يواجه معارضتين :

الاُولى : بنو هاشم الذين فضّلوا السّكوت ؛ حفاظاً على وحدة الاُمّة واستقرارها .

الثانية : بنو اُميّة الذين كانوا يتحرّكون ضمن مشاريعهم وأهدافهم الخاصّة .

ولما قُتل عمر ، وظنّ أنّ الذي قتله قد يكون من طريق آل البيت (عليهم السّلام) , أو من جهة اُخرى مسلمة من الذين رأوا فيه خطراً على مصالحهم , وكان عمر رجلاً شديداً قد ضيّق على قريش أنفاسها(2) . ولمّا طُعن , قال لابن عباس : أخرج فناد في النّاس : أعن ملأ ورضى منهم كان هذا ؟ فخرج فنادى ، فقالوا : معاذ الله ، ما علمنا ولا اطلعنا . ودخل عليّ بن أبي طالب (عليه السّلام) , فقال : يا علي ، أعن ملأ منكم ورضى كان هذا ؟ فقال علي (عليه السّلام) : (( ما كان عن ملأ منّا ولا رضىً )) . حتّى قال : الحمد لله الذي لم يقتلني رجل يحاجّني بلا إله إلاّ الله يوم القيامة(3) .

كان الذي قتله هو أبو لؤلؤة ، قيل فارسي , إلاّ أنّه لم يكن قتله لعمر بن الخطّاب انتقاماً من القادسية , كما يزعم بعض البهلوانيين , إنّما شاع عند العرب أن يتّهموا الفرس بالمجوسيّة والحقد على العرب ، حتّى في عصرنا هذا . وكان الاُمويّون يعتمدون على العنصر الموالي في دعم نفوذهم عن طريق العطايا والشّراء . لماذا قتل عمر ؟

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الإمامة والسّياسة , ابن قتيبة / 20 .

(2) نفس المصدر السّابق / 27 .

(3) نفس المصدر السّابق / 22 .


الصفحة 166

هناك من رأى أنّ أبا لؤلؤة قاتل عمر ، كان قد حملته روح الانتقام إلى تنفيذ هذه العملية . وكان أبو لؤلؤة عبداً للمغيرة بن شعبة ، وهو نصراني حسب بعض الرّوايات ومجوسي حسب اُخرى . وجاء في اُسد الغابة : إنّ المغيرة كان يستغلّه ـ أي : أبي لؤلؤة ـ كلّ يوم أربعة دراهم ، فلقي أبو لؤلؤة عمر , فقال : يا أمير المؤمنين , إنّ المغيرة قد أثقل على غلّتي ، فكلّمه يخفّف عنّي . فقال له عمر : اتق الله ، وأحسن إلى مولاك ـ إلى أن قال : ـ فاصطنع له خنجراً له رأسان(1) ، وهذه الرّواية ، إنْ صحّت فإنّها تُظهر مدى الانسحاق الذي عانت منه الفئات الضعيفة ، وهذا واحد من الذين امتلكوا الشّجاعة لقتله .

لكنني أرى عكس ذلك , فأبو لؤلؤة قد يكون منفّذاً لهذه المؤامرة التي خطّتها وهندستها عقول كثيرة , ولا أدل على ذلك من مقتل الهرمزان وسكوت عثمان على ذلك ، وعدم إقامة الحدّ على عبيد الله بن عمر ، الذي راح ينتقم لأبيه من مجموعة أشخاص , ممّا اضطر عثمان إلى غلق هذا الملف وعدم إشاعة الأمر .

لقد سبق أن أكّدنا على النّفوذ الذي بقي في حوزة الاُمويّين , والدليل على ذلك : إنّ أبا سفيان لمّا عرض الخلافة على عليّ (عليه السّلام) , قال له : لو شئت لأملأنّها عليك خيلاً ورجالاً . فهذا دليل على النّفوذ والقوّة التي كانت لا تزال تحتفظ بها الكتلة الاُمويّة , وبقي أبو سفيان حاقداً على عمر وأبي بكر ، لولا أنّهما رتّبا أمر إمارة ابنيه في الشّام(2) .

كانت علاقة المغيرة بن شعبة مع الاُمويّين متينة على الكوفة , والمغيرة هذا هو سيّد أبي لؤلؤة فيه نظر في السّيرة , كان عمر قد عزله بعد أن ولاه على البصرة ؛ وذلك بعد أن شهد عليه بالزنا(3) . بيد أنّ عمر ـ كما سبق أن قلنا ، وللسطحية السياسيّة التي كان يتحلّى بها ـ ولاّه مرّة اُخرى على الكوفة , مع أنّ في الصحابة من هو أكثر انضباطاً واستقامة ,

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) اُسد الغابة في معرفة الصحابة لعزّ الدين بن الأثير الجزري 3 / 674 ـ 675 , دار الفكر .

(2) يزيد ومعاوية ابنا أبي سفيان .

(3) اُسد الغابة 4 / 472 .


الصفحة 167

ويعرف عنه الدهاء(1) .

قال الشّعبي نقلاً عن ابن الأثير الجزري : دهاة العرب أربعة : معاوية بن أبي سفيان ، وعمرو بن العاص ، والمغيرة بن شعبة , وزياد . وذكروا أنّه تزوّج ثلاثمئة امرأة في الإسلام ، وقيل ألفاً . وإذا ما جمعنا بين الدهاء الذي يعني عند الأربعة : تجاوز المسطرة التشريعية إلى حدّ الدهاء في قتل الأبرياء . وبين الأزمة السياسيّة التي كانت بين المغيرة بن شعبة وعمر بن الخطّاب , لما كان عزله عن البصرة ، وما يمكن أن يؤدّي إليه ذلك بالنّسبة إلى داهية عربي كبير , ثمّ بنو اُميّة الذين كانوا يشترون العملاء بالمال والوعود , إنّنا نتمكّن من الوصول إلى نتيجة , وهي : إنّ قتل عمر لم يكن بتلك البساطة والتلقائية ، وإنّما كان عملاً منظّماً .

كيف نهتدي لذلك ؟ لقد سبق أن تحدّثنا عن واقع الجزيرة العربيّة قبل وبعد البعثة , والرّوح القبلية التي كانت أساس الاجتماع العربي , ثمّ العنصر اليهودي الذي كان لا يرى مانعاً من التحالف مع القبائل الوثنية ؛ لمحاصرة الرّسالة في بدايتها , ولمّا طُرد اليهود من الجزيرة العربيّة , بقي بعض المندسّين الذين قبلوا الإسلام ؛ كتكتيك ضروري للبقاء , وكتكتيك توارثي لهدم معالم الإسلام , وكان من اُولئك كعب الأحبار الذي كان مصدراً لكثير من الإسرائيليات في الأحاديث النّبوية(2) . وكان هذا الأخير من المقرّبين إلى عمر بن الخطّاب , كان كعب يعلم أنّ عمر بن الخطّاب معرّض للموت , وأنّه أكّد له غير مرّة أنّه سيموت شهيداً , وبهذه الكلمة , سوف يغطّي عن أشياء تُدار خلف النّور , فهي إشعاع غيبي ، يغيب السؤال والاستفسار في تعجّب عمر واندهاشه .

نحن نسأل ثانية : من أين له هذا ؟ وهل يعلم الغيب ؟ ومتى علمه رجال الصحابة الكبار حتّى يعلمه يهودي تأسلم ؟

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) نفس المصدر .

(2) ذكروا أنّ كعب هو الذي توسّط مع عمر بن الخطّاب لإدخال أبي لؤلؤة إلى المدينة ؛ بحجّة إنّها خلت من الصنّاع والحدّادين .

 

 

الصفحة 168

الواقع : إنّ عمر بن الخطّاب كان يطوف يوماً في السّوق ، وإذا به يلقى أبا لؤلؤة , فقال : يا أمير المؤمنين ، أعدني على المغيرة بن شعبة ، فإنّ عليّ خراجاً كثيراً . قال : وكم خراجك ؟ قال : درهمان كلّ يوم . قال : وأيش صناعتك ؟ قال : نجّار نقّاش حدّاد . قال : فما أرى خراجك كثير على ما تصنع من الأعمال ، قد بلغني أنّك تقول : لو أردت أن أصنع رحى تطحن بالرّيح لفعلت ؟ قال : نعم . قال : فاعمل لي رحى . قال : لئن سلمت لأعملنّ لك رحى يتحدث بها من بالشّرق والمغرب . ثمّ انصرف عنه ، فقال عمر : لقد أوعدني العبد الآن(1) .

هذا الوجه الأوّل للمشهد التآمري , أمّا الوجه الثاني ، قال ابن الأثير : ثمّ انصرف عمر إلى منزله ، فلمّا كان الغد , جاءه كعب الأحبار فقال له : يا أمير المؤمنين ، أعهد فإنّك ميّت في ثلاث ليال . قال : وما يدريك ؟ قال : أجده في كتاب التوراة . قال عمر : الله ! إنّك لتجد عمر بن الخطّاب في التوراة ؟ قال : اللّهمّ لا , ولكنّي أجد حليتك وصفتك وأنّك قد فني أجلك . قال : وعمر لا يحسّ وجعاً . فلمّا كان الغد , جاءه كعب فقال : بقي يومان . فلمّا كان الغد , جاء كعب فقال : مضى يومان وبقي يوم . فلمّا أصبح , خرج عمر إلى الصلاة وكان يوكل بالصفوف رجالاً , فإذا استوى كبّر ودخل أبو لؤلؤة في النّاس . . . الخ(2) .

إنّ الذي ورث غباء الأوّلين والآخرين ، لا يمكن أن تجتاز عليه هذه الحيلة ، فهل هذا يجري بالاتفاق ؟ كيف يقول أبو لؤلؤة ذلك ، فيجد كعب الأحبار ينتظر عمر ليقول له ما قال ؟! لماذا لم يأته قبل ذلك بأشهر أو عشرة أيّام أو خمس , حتّى يقول له قد بقي لك كذا وكذا , إذا كانت أوصاف عمر ـ كما رآها في التوراة ـ ثابتة وقديمة ، كما قرأها قبل البعثة وبعدها ؟ الظّاهر أنّ كعباً هذا كان يرقص على الحبال ، لذلك أراد أن يثبّت نفسه في المجتمع ، بأنّه من أهل الأسرار وصاحب الكشوف ؛

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ابن الأثير , الكامل 2 / 49 .

(2) نفس المصدر / 50 .


الصفحة 169

ليلتف حوله المسلمون , وإلا , فأين يوجد عمر بن الخطّاب في التوراة ، وفي أيّ سفر من أسفاره تقرأه الآن ؟ وكيف يتسنّى للتوراة ـ التي أنزلها له ـ أن تحوي أخباراً عن عمر , والقرآن المهيمن على الكتب والنّاس والدهور ، لم يفهم منه كبار الصحابة , إنّ عمر سيقتل بعد ثلاث أيام ؟ إنّها اللعبة .

 ولمّا طعن عمر بن الخطّاب ، دخل عليه كعب الأحبار , فلمّا رآه عمر , قال : ـ

 تـوعـدّني  كـعبٌ ثـلاثاً أعـدها      ولا شكَّ أنّ القولَ ما قال لي كعبُ(1)
ومـا بـي حـذارُ الموتِ إنّي لَميتٌ      ولـكنْ  حـذارَ الـذنبِ يتبعه الذنبُ

كان ذلك الاتفاق والصدفة كما فهم عمر بن الخطّاب ؛ لأنّه تولّى منصباً لا تسنده فيه حنكة ولا عصمة . ولم يكن مثل عليّ (عليه السّلام) الذي كان يعلم بموته ـ كما ورد في الأثير ـ من دون أن يحتاج إلى راهب من أهل الكتاب يعلّمه بذلك(2) . وكذلك اقتضت سنّة التاريخ أن يكون عمر بن الخطّاب ضحية خفته ، وتسمّنه حقّاً ليس له ؛ إذ لم يعرف من يصلح للاُمّة ومَن لم يصلح لها , ثمّ مات بالقوّة التي مهّد لها بجهله بخفايا الاُمور , إنّه لا يعلم حتّى إنّ الرسول ( صلّى الله عليه وآله) قد مات , فكيف يعرف عن مسائل السّماء ، كما أدرك ذلك يعسوب المؤمنين .

 ولو راجعنا الملفّات التاريخيّة طرّاً ، لاستطعنا إدراك مدى الحرص الذي بداه زعماء الانتهازية , الذين مهّدوا لحكم عثمان وكانوا معروفين لدى الملأ . لقد كان عمرو بن العاص أحد دواهي العرب من المساهمين في المؤامرة , وكذلك المغيرة بن شعبة ـ كما سبق ذكره ـ وتورّطهم في العملية كانت له أسبابه الخفية ، والتي اكتشفت فيما بعد ، وهو التخطيط الاُموي لقلب معادلة الخلافة واستمالتها إليهم .

ذكر أبو عليّ مسكويه في تجارب الاُمم(3) : وقد كان

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ابن الأثير , الكامل .

(2) ولست أدري لماذا لم يخبر كعب الإمام عليّ (عليه السّلام) عن موته ويكشف له عن الغيب ؟ اللّهمّ إلاّ أنّه يعلم أنّ عليّاً (عليه السّلام) أعلم بالسّتورات منه .

(3) تجارب الاُمم , أبو عليّ مسكويه الرازي (320 ـ 421) 1 / 264 , دار سروش للطباعة والنّشر , طهران / 1322 ش 1987 م .


الصفحة 170

جاء عمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة والقوم في البيت يتشاورون ـ أي : بخصوص الخلافة بعد مقتل عمر ـ فجلسا بالباب ، فحصبهما(1) سعد وأقامهما . فتحصبهما لم يكن اعتباطياً وفلتة تلقائيّة , فالرّجلان من أدهى العرب ـ كما تقدّم ـ ومن عملاء الاُمويّين , ثمّ إنّ رمي سعد لهما بالحصباء دليل على أنّ أمرهما ليس عاديّاً .

وهكذا كانت قصّة التبييت لمقتل عمر بن الخطّاب ، الذي بالغ في مودّته للفئات الاُمويّة وصفات الإيمان(2) , رغم ما كانوا يلقونه منه من قسوة عابرة , حيث كان عمّاله من أمثال ؛ سمرة بن جندب ، وعاصم بن قيس ، والحجّاج بن عتيك , ونافع بن الحرث ، وأبو هريرة ، ومعاوية ، وابن العاص ، والمغيرة بن شعبة ، ويزيد بن أبي سفيان . وكان قد توصّل إلى أنّهم نهبوا الأموال ، وكدّسوها بعد أن كانوا فقراء ، مثل أبي هريرة ، لمّا قال له عمر : علمت أنّي استعملتك على البحرين وأنت بلا نعلين ، ثمّ بلغني أنّك ابتعت أفراساً بألف وستمئة دينار(3) .

ومع ذلك لم يقم عليه الحكم الشّرعي ، بل اكتفى بمقاسمتهم الأموال , وكان من الواجب أن يحاكمهم على هذا الاختلاس ويعزلهم ، ولكنّه لم يفعل ذلك ، والتاريخ يروي عكس هذا , ظلّ أمثال ؛ أبي هريرة ومعاوية وابن العاص وغيرهم من الطلقاء ، أمراء إلى آخر أعمارهم , ولعلّ هذا هو السّرّ ؛ فعمر بن الخطّاب سواء أكان سطحيّاً في اختياراته أو ذكيّاً فيها , فإنّه كان قاصداً في الإبقاء عليهم في هذه الإجارات .

وذكر بن أبي الحديد في شرح النّهج : أنّه قيل لعمر : إنّك استعملت يزيد بن أبي سفيان ، وسعد بن العاص ، وفلانا وفلاناً من المؤلّفة قلوبهم من الطلقاء وأبناء الطلقاء , وتركت أن تستعمل عليّاً والعبّاس والزبير وطلحة ؟! فقال : أمّا عليّ فأنبه من

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) حصبهما : رماهما بالحصباء .

(2) رأيي : إنّ الاُمويّين كانوا أذكياء ومخططين بارعين , لقد أدركوا مدى ضعف عمر بن الخطّاب لمّا لجأ على مودّتهم وتأليفهم دون الآخرين .

(3) أقول : لعلّه ربح في (اللوطو) ما يكفيه غناء في حياته بعد الفقر والحاجة .


الصفحة 171

ذلك ؛ وأمّا هؤلاء النّفر من قريش , فإنّي أخاف أن ينتشروا في البلاد فيكثروا فيها الفساد .

والواقع هو : أنّ عمر بن الخطّاب كان حريصاً على أن يراهم على مقربة منه ، وحتّى لا يذيع أمرهم في الأصقاع الاُخرى ، وإلا كيف يجعلهم ضمن السّتّة المرشّحين للخلافة بعده , أليس ممكن أن يؤدّي ذلك إلى فساد عريض ؟!

لقد وفّق التيّار الاُموي في تحقيق جزء من مخططه الهدّام , ونجح في توقّعاته لمّا أثبت عثمان خليفة . وكان المغيرة بن شعبة قد قام خطيباً لمّا انصرف عثمان إلى بيت فاطمة بنت قيس , فقال : يا أبا محمّد ، الحمد لله الذي وفّقك ، ما كان لنا غير عثمان . وعليّ جالس(1) .

فملخّص القضية : إنّ عمر راح ضحية قشريته السياسيّة ، إذ ركّز على عليّ (عليه السّلام) وشيعته ، وأرخى اللجام للزمرة الاُمويّة ومكّن لها , فكان أن تطوّر نفوذهم , بحيث اقتضى أن يعزل عمر عن الخلافة لصالح مرشّحهم عثمان , وتدبير العملية كان بواسطة مجموعة عناصر مشبوهة ، منهم المغيرة بن شعبة قاتل سعد بن عبادة ، وهو بذلك اكتسب خبرة في التصفية الجسدية للسياسيين المعارضين ، إذ يُعتبر أوّل منفّذ لعملية الاغتيال السّياسي تلك , وعمر بن الخطّاب قُتل بخنجر أبي لؤلؤة مولى المغيرة بن شعبة .

وملفّ المغيرة هذا فيه بعض الفواصل المشبوهة , بدأت وانتهت كالتالي :

1 ـ عزله عمر عن البصرة بعد أن شهد عليه بالزنا .

2 ـ كان على علاقة وثيقة بالاُمويّين .

3 ـ أبو لؤلؤة مولاه .

4 ـ هو قاتل سعد بن عبادة , حسب بعض الرّوايات .

5 ـ هو الذي أتى يتلصّص على المرشّحين بعد مقتل عمر , كما تقدم .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) أبو عليّ مسكويه , تجارب الاُمم 1 / 288 .


الصفحة 172

6 ـ هو صاحب الخطبة أعلاها .

7 ـ تولّى الإمارة في زمن معاوية , وكان عميلاً له على الكوفة .

8 ـ رجل زان بشهادة عمر ، ومسرف يحبّ المال , فقد كان أوّل من رشى في الإسلام ، ومن إسرافه أن تزوّج أكثر من ألف امرأة مع التطليق , حسب صاحب اُسد الغابة .

9 ـ إنّه أحد دهاة العرب الأربعة .

ثمّ ماذا بعد ؟

إنّ عبيد الله بن عمر راح ينتقم لأبيه , وقتل أبا لؤلؤة وقتل معه اُناساً براء , مثل جفينة ـ رجل نصراني ـ كان من أهل الحيرة وظهيراً لسعد بن مالك , ثمّ قتل الهرمزان , فضربه بالسّيف , وقال الهرمزان : لا إله إلاّ الله . ثمّ أخذه سعد بن أبي وقّاص وحبسه في بيته وأخذ سيفه ، ثمّ أحضره عند عثمان(1) فاستشار عثمان من كان حوله , وقال : أشيروا عليّ في هذا الرجل الذي فتق في الإسلام ما فتق . فقال علي (عليه السّلام) : (( أرى أنْ تقتله )) . وقال عمرو بن العاص : إنّ الله قد أعفاك أن يكون هذا الحدث ، ولك على المسلمين سلطان . فقال عثمان : أنا وليّه وقد جعلتها ديّة وأحتملها في مالي(2) .

والملاحظ , إنّ عثمان كان في أجواء الحدث , ورأى أن يطوي هذا الملف ، لاغياً كلّ الأحكام الإسلاميّة , وهو يعلم أنّ أقضى النّاس وأعلمهم بشرع الله عليّ (عليه السّلام) قد قضى بقتله . ولقد أراد الإمام عليّ (عليه السّلام) أن يقيم عليه الحد أثناء خلافته , ففرّ عبيد الله بن عمر إلى معاوية بالشّام , وذلك دليلاً على أنّ عثمان كان متجاوزاً لحكم شرعي خطر تجاه عبيد الله .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) التاريخ الكامل لابن الأثير 2 / 75 .

(2) ذكر اليعقوبي : إنّ عبيد الله قتل أبا لؤلؤة وابنته وامرأته . وروى بعضهم عنه أنّه قال : يغفر الله لحفصة ؛ فإنّها شجّعت عبيد الله على قتلهم . وذكر : أنّ عثمان قال له : يا عدو الله , قتلت رجلاً مسلماً وصبية طفاة ، وامرأة لا ذنب لها ؟! قتلني الله إن لم أقتلك . فلمّا ولي ردّه إلى عمرو بن العاص .


الصفحة 173

وبذلك تتوضّح الرؤية أكثر من خلال حضور عمرو بن العاص كشفيع لعبيد الله ، وإقناع عثمان بالعفو عنه , بعد أن تبيّن الحكم الحقيقي فيه في قضاء الإمام عليّ (عليه السّلام) .

فالتدبير لقتل عمر بن الخطّاب لم يكن بذلك البساطة التي رواها التاريخ المطرّز , وإنّما هي نتيجة لمخطط مدروس ، يمكن رمقه من خلال التحوّلات التي جرت فيما بعد ذلك .

2 ـ القمع الاجتماعي :

من العوامل التي سهّلت على التيّار الاُموي القيام بعملية الاغتيال هذه ، هو العزلة الشّعوريّة التي كانت تفصله عن عامّة المجتمع , الذي كان يبحث عن المواقع التي تبعده عن عمر بن الخطّاب ، ذلك أنّ ما قام بن عمر كان يختلف كثيراً كثيراً عمّا كان يقوم به النّبي ( صلّى الله عليه وآله) , والطبع العمري كان مرفوضاً من كلّ فئات المجتمع .

لقد كان المجتمع العربي ذا خصوصيات في الطبع والمزاج , وإنّ الطبيعة القاسية والغاضبة التي صنعتها إيّاه بيئة الصحراء , جعلته منه مجتمعاً عصبيّاً متمرّداً , ولهذا قال الله سبحانه لنبيّه مُحمّد ( صلّى الله عليه وآله) في القرآن : ( وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ )(1) . وبهذا المنهاج سار النّبي ( صلّى الله عليه وآله) في خطّ الدعوة والإرشاد , بيد أنّ عمر بن الخطّاب لم يسر كذلك , ولعلّ مرجع هذا لفراغه من الاستحقاق الذي يشدّ إليه الرعية ، ولخلوّه من الخصائص التي تحمدها عليه العرب ، فلجأ إلى القمع ، كتعويض عن ذلك الاستحقاق المفقود , ولعلّ مردّه أيضاً إلى طبيعته التي جبل عليها ، إذ أنّ صورته الجسدية تحتوي على كلّ سمات الغلظة والفضاضة .

في شخصية عمر علامات يمكن إرجاعها إلى عاملين أساسين , يمكننا من خلالها رسم الحالة النّفسية لعمر بن الخطّاب , بالشّكل الذي قد لا يتفق مع ما ذهب إليه العقّاد في عبقريته ؟

الأوّل : العامل الجسدي .

الثاني : عامل العقدة النّفسيّة .

ـــــــــــــــ

(1) سورة آل عمران / 159 .


الصفحة 174

أوّلاً : المظهر الجسدي .

للصفات الجسدية دور في معرفة السلوك النّفسي للأشخاص , وعمر بن الخطّاب له ميزاته الجسدية التي تنسجم مع سلوكه الاجتماعي , لقد كان عمر طويلاً جسيماً , أصلع أشعر شديد الحمرة , كثير السّبلة في أطرافها صهوبة وفي عارضيه خفّة , وكان رجلاً أعسر أصلع آدم قد فرع النّاس كأنّه دابة , حسب يعقوب بن سفيان في تاريخه(1) . وكان إذا مشى تدانت عقباه , نضيف إلى ذلك , إلى أنّه كان جهوري الصوت , ومدمناً على الخمرة في الجاهلية وحتّى قُبيل التحريم . ويروى أنّه آخر من بقي متعلّقاً بها ويقول : اللّهمّ بيّن لنا بياناً شافياً في الخمر(2) .

إنّ عمر بن الخطّاب قد دخل الإسلام بعاطفة تلقائية كما ورد في السّيرة , وهو وإن كان أصله كذلك ، فإنّ الإسلام لا يؤاخذ من حسن إسلامه على ظروفه السّابقة : ( وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ اُخْرَى )(3) . غير أنّ رواسب التربية وعوالق الطفولة تستمرّ مع الأنساب حتّى الشّيخوخة ، ويبقى محتفظاً بقسط كبير منها .

إنّ المظهر الجسدي الذي كان يتميّز به عمر , لم يكن بعكس النّفسيّة المتوازية , وخصوصاً فإنّ الإنسان الأعسر هو في حدّ ذاته إنسان مضطرب وعصبي , ولذا كم حاول العقّاد أنْ يتحايل لصنع صورة خيالية عن عمر في العبقرية , ولكنه ـ رحمه الله ـ لم يكن سوى مغالط ؛ إذ أنّ الشّكل الفيزيائي لعمر لم يكن شكل العباقرة في كلّ مدارس السّلوك والأشخاص , من سرّ الأسرار لأرسطو طالس إلى آخر مدارس السّلوك في أوربا , ورغم أنّ الخمر كان من عادة العرب ، إلاّ أنّ التواريخ والسّير تثبت , إنّ من بين العرب من كان يتورّع عنها , ويؤكّد التاريخ أيضاً , إنّ عمر بن الخطّاب كان من المدمنين الكبار ، وإنّه لم ينقطع عن الخمر إلاّ بعد أن حرمت تحريماً شديداً ، وبعد أن أعيي الرسول ( صلّى الله عليه وآله) بالسّؤال الشّافي .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الإصابة في تميّز الصحابة لابن حجر العسقلاني 2 / 518 , دار صادر .

(2) ابن كثير التغير .

(3) سورة الأنعام / 164 .


الصفحة 175

ويعرف المدمن على المسكرات عادة بعدم القدرة على السّيطرة على نزواته وأعصابه . فهو معروف بفجاجة الشّخصية ؛ خصوصاً إذ انقطع عن تناول الخمر الذي أمسى من ضرورياته الجسدية . وعادة ما كان العربي يندفع إلى الادمان بأحد السّببين , إمّا أن يلتمس من خلاله النّشوة والطرب . . . , وذلك كان من دأب سادات العرب وكبراءها , وإمّا بدافع الانسحاق ؛ طلباً للهروب والتعويض بالخيال .

هذه العوامل اجتمعت كاملة لتصنع من عمر بن الخطّاب الرّجل المُهاب , الذي يخشى من قسوته وخشونته .

ثانياً : عامل العقدة .

لكي نتمكّن من الحفر النّفسي في شخصيّة عمر بن الخطّاب , يجب أن ندرك بعض المسائل الضرورية , وهي : إنّ عمر إنسان , وهو بذلك يكسب الطبيعة المشتركة مع باقي البشر , ضمن النّماذج الطبيعية التي يتقاسمها البشر . وكونه إنساناً معناه : أنّه خاضع للمؤثّرات البيئية والتربوية ، وبالتالي تجرى عليه سنن الحياة ومحدّداتها النّفسية والاجتماعيّة . وعمر بن الخطّاب الذي قضى أغلبية عمره في أحطّ بيئة جاهلية ، لا يمكننا تصوّر تحرّره الكامل من رواسبها , خصوصاً أنّه حافظ على مجموعة من هذه السّمات في ظلّ إسلامه ، والتي منها ؛ حدّة الطبع والفضاضة وعدم احترام كرام القوم .

ما يقوم به عمر في فترة خلافته من ضرب النّاس دون مبرّرات وقمعهم دون هوادة ؛ ليس إلاّ حالة من التعويض النّفسي ، يحاول من خلالها الدفاع عن حالة نفسيّة كامنة تعتريه ، وهي دون شكّ جعلته يتطلّع بذلك الشّكل العنيف إلى الخلافة حتّى وهو يعلم أنّها ليست حقّاً له , وحالة من التعويض النّفسي لصغار يجده في نفسه منذ زمان ، هذا الصغار الذي كوّن عنده مركّباً للنقص ، يوجّه سلوكه باستمرار ، وهو لا يجد توازنه النّفسي إلاّ بالانتقام من الآخرين أو زجرهم بالعنف حتّى لا يظهروا عليه , ولذلك نجده يبدأ دائماً بقمع النّاس وإذلالهم ، حتّى إذا ذلّوا نجده يرجع ويقوم بعملية معاكسة ـ بعد تحقيق رغبة الانتقام ـ ، وبروز عقدة الأثمية , لذا يبرّر من خلالها


الصفحة 176

تواضعه , وما كان عمر بن الخطّاب يبدأ في معاملاته بالتواضع ؛ وذلك لأنّه وقع بين مجموعة قوى نفسيّة تتجاذب طبعه باستمرار . عمر بن الخطّاب لم يكن رجلاً مذكوراً عند العرب , ولم يكن له وزن قبلي يثبته , ولا سند له من الأنساب يسنده , لذلك كان يحاول الانتقام من خلال الخلافة , ليس من أجل كسب ما ضاع منه ، وإنّما من أجل الانتقام من الأمراء وأصحاب الرّفعة والشّرف .

وكان هذا من بين الأسباب التي جعلت المجموعة الاُمويّة تنقم عليه , فلمّا علم أنّ عمرو بن العاص ـ أحد عمّاله على مصر ـ قد جمع في حوزته مالاً كثيراً ، بعث إليه بمحمّد بن مسلمة ؛ ليأخذ قسماً من أمواله , فلمّا رأى عمرو بن العاص ذلك منه , قال : لعن الله زماناً صرت فيه عاملاً لعمر ، والله , لقد رأيت عمر وأباه على كلّ واحد منهما عبائة قطوانية لا تجاوز مأبض ركبتيه , وعلى عنقه حزمة حطب ، والعاص بن وائل في مزرّرات الديباج(1) .

 كما أنّ سعد بن عبادة لمّا حدثت له المناوشة مع عمر بن الخطّاب في السّقيفة ، نال منه واستحضر ماضيه وذكّره بأصله ، لألحقنّك بقوم كنت فيهم تابعاً غير متبوع . وإذا ما استنطقنا الأنساب الذي يعتبر أرقى فنّ أهتمّ به العرب ، سنجد عمر بن الخطّاب محدود النّسب وضيعاً , مما ترك في نفسه عقدة لا يدركها إلاّ مَن أدرك مقدار وقيمة النّسب في جزيرة العرب .

يروي محمّد بن السّائب الكلبي النّسّابة , وأبو مخنف لوط بن يحيي الأزدي النّسّابة في كتاب الصلابة في معرفة الصحابة , وكتاب التنقيح في النّسب الصريح , بإسنادهم إلى ابن سيابة عبد الله , في نسب عمر بن الخطّاب , قال(2) :

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ابن أبي الحديد في الشّرح / 175 .

(2) الكشكول , الشّيخ يوسف البراني 3 / 212 ـ 213 , دار مكتبة الهلال , بيروت .


الصفحة 177

كان عمر بن الخطّاب متولّداً من نجيبين متضادّين نفيل وهو من نجباء الحبشة . ثمّ قال ذاكراً نسبه إليهما بعد أن قال : إنّ نكاح الشّبهة من أبواب الحلال وإنّ المتولد منه ومن الزنا يكون أنجب من الولد للفراش ـ إلى أن قال : ـ ثمّ قال : وأمّا تفصيل نسبه وبيانه وهو إنّ نفيل كان عبداً لكلب بن لؤي بن غالب القرشي , فمات عنه ثمّ وليه عبد المُطّلب ، وكانت صهاك قد بُعثت لعبد المُطّلب من الحبشة ، فكان نفيل يرعى جمال عبد المُطّلب وصهاك ترعى غنمه , وكان يفرّق بينهما في المرعى , فاتفق يوماً اجتماعهما في مراح واحد , فهواها وعشقها نفيل ، وكان قد ألبسها عبد المُطّلب سروالاً من الأديم , وجعل عليه قفلاً وجعل مفتاحه معه لمنزلتها منه ، فلمّا راودها , قالت : ما لي إلى ما تقول سبيل وقد ألبست هذا الأديم ووضع عليه قفل . فقال : أنا أحتال عليه . فأخذ سمناً من مخيض الغنم ودهن به الأديم وما حوله من بدنها حتّى استلّه إلى فخذيها وواقعها , فحملت منه بالخطّاب ، فلمّا ولدته , ألقته على بعض المزابل بالليل خيفة من عبد المُطّلب , فالتقطت الخطّاب امرأة يهودية جنازة وربّته ، فلمّا كبر كان يقطع الحطب , فسمّي الخطب لذلك بالحاء المهملة فصحّف بالمعجمة .

وكانت صهاك ترتاده في الخفية , فرآها ذات يوم وقد تطأطأت عجيزتها ولم يدر مَن هي , فوقع عليها فحملت منه بحنتمة ، فلمّا وضعتها ألقتها على مزابل مكّة خارجها , فالتقطها هشام بن المغيرة بن وليد وربّاها فنُسبت إليه ، فلمّا كبرت وكان الخطّاب يتردد على هشام , فرأى حنتمة فأعجبته , فخطبها إلى هشام فزوّجه إيّاها فولدت عمر ، وكان الخطّاب والد عمر ؛ لأنّه أولد حنتمة إيّاه ثمّ تزوجها وحده ؛ لأنّه سافح صهاك قبل فأولدها حنتمة والخطّاب من اُمّ واحدة وهي صهاك . هذا ملخّص كلام الكلبي .

وبقيت حنتمة مجهولة النّسب ، إذ اختلف في أمرها نسابة العرب , فمنهم من حاول أن ينسبها إلى هشام بن مغيرة على أساس إنّها ابنته , بينما هي متبنّات , واختلفوا فيها إذا كانت هي بنت هاشم بن مغيرة اُمّ هشام بن مغيرة , ولو كان كما قالوا ، لما امتعض العرب من خلافته ، ولاحترم مقاماتهم كما هو منهج النّبوة(1) .

كان وضع عمر في طفولته ينوء بالبؤس والمعاناة , فهو

ـــــــــــــــــــــ

(1) اُسد الغابة . أقول والكلبي هو واحد من النّسّابين الكبار ، حيث لا يرقى إليه من انتحلها من المؤرّخين والمحدّثين , وهو من أقواهم فيما لو راجعنا بن خليكان في وفيات الأعيان .


الصفحة 178

الصغير الذي وجد نفسه مقطوع النّسب لا يجد ما يفاخر به أبناء جيله ، والنّسب عند العرب يشكّل عقدة للكبار فكيف بالصغار .

والواقع هو أنّ الحالة النّفسية عند عمر تشكّلت ضمن هذه العوامل الاجتماعيّة ، ممّا كوّن عنده عقدة النّقص ، وما تولّد عنها من روح عدوانيّة ونزعة تعويضية هازلة . هكذا ، وخلافاً لما وصفه به العقّاد وغيره ، يمكننا اكتشاف الأسباب التي جعلت عمر بن الخطّاب يكون على ذلك الطبع من الفظاظة والحدّة , فلم ينجح أحد من درّته أصلاً , وأوّل ما ضرب عمر بدرّته اُمّ فروة بنت أبي قحافة , لمّا توفّي أبو بكر وبكت على أخيها ومعها مجموعة نساء ، فأخرج عمر درّته وعلا بها اُمّ فروة فهربت الأخريات . وقيل : درّة عمر أهيب من سيف الحجاج(1) .

يقول ابن أبي الحديد المعتزلي : وكان في أخلاق عمر وألفاظه جفاء وعنجهية ظاهرة , ويروى : أنّ عمر هو الذي أغلظ على جبلة بن الأيهم , حتّى اضطرّه إلى مفارقة دار الهجرة وارتدّ إلى نصرانيته ؛ وذلك بسبب لطمة لطمها . ويروى : أنّه قال بعد أن ندم على ارتداده :

تنصّرتْ  الأشرافُ من أجلِ لطمةٍ      وما كانَ فيها لو صبرتَ لها ضررُ
فـيا  لـيتَ اُمّي لمْ تلدني وليتَني      رجعتُ  إلى القولِ الذي قاله عُمَرُ

هذه الفظاظة والعنجهيّة والقمع الاجتماعي الذي ميّز خلافة عمر ، أثار عليه جبهتين :

الأولى : قوم شرفاء ساءهم أن يكون عمر أميراً عليهم , مسفّهاً لهم لا يوقر كبيراً ولا صغيراً(2) .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ابن أبي الحديد , شرح النّهج .

(2) يروى أنّه رأى شيخاً يسير الهوينا , فقال : مَن هذا ؟ قالوا : رجل متنسّك . فضربه بالدرّة قائلاً : لا تمت علينا ديننا أماتك الله . هل ضرب هكذا رجل ظلماً حقّاً في نظر منهج النّبوة ؟


الصفحة 179

الثانية :  قوم أرادوا تجميع الأموال ك : ابن العاص ، وأبي هريرة , والمغيرة بن شعبة , ومعاوية , و . . . , فساءهم استفزاز عمر لهم وإن كان محتفظاً بإمارتهم .

3 ـ الشّذوذ الفقهي .

يؤخذ على عمر بن الخطّاب أنّه ـ خلافاً لما يدّعي مؤرّخوا البلاط ـ رجل عديم الملكة الفقهية , وليس هذا فحسب , بل متجرّئ على الفتوى , فكان يأتي بالنّوادر ، متجاوزاً كلّ النّصوص .

يقول ابن أبي الحديد : وكان عمر يفتي كثيراً بالحكم ثمّ ينقضه ، ويفتي بضدّه وخلافه ، قضى في الجدّ مع الإخوة قضايا كثيرة مختلفة ، ثمّ خاف من الحكم في هذه المسألة , فقال : مَن أراد أن يتقحّم جراثيم جهنّم , فليقل في الجدّ رأيه(1) . واعترف غير مرّة بقصوره الفقهي أمام جمهور المسلمين ، وشاع عنه قوله : كلّ النّاس أفقه من عمر .

وفي إحدى المناسبات قال : لا يبلغني أن امرأة تجاوز صداقها صداق نساء النّبي إلاّ ارتجعت ذلك منها . فقالت له امرأة : ما جعل الله ذلك , أنّه تعالى قال : ( وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنّ قِنطَاراً فَلاَ تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً )(2) . فقال عمر : كلّ النّاس أفقه من عمر حتّى ربّات الحجال .

ويمكننا تلخيص بعض ما ورد عن شذوذه الفقهي الذي رفضه الصحابة ، ورأوه مخالفة للقرآن وسنّة النّبي ( صلّى الله عليه وآله) , ما يلي :

1 ـ حكم عمر بالقضاء على مجنونة قد زنت . (الحاكم والبيهقي وأبو داود) .

2 ـ حكم عمر على المضطرّة بالحد . (البيهقي ، ابن الجوزيّة) .

3 ـ حكم عمر بحرمة المتعتين ـ الحج والزّواج ـ . (الصحاح) .

4 ـ حكم عمر بإلغاء حيّ على خير العمل في الأذان بعد أن كانت مشروعة في عهد الرّسول (صلّى الله عليه وآله) .

ــــــــــــــــــ

(1) شرح النّهج 3 / 181 .

(2) سورة النّساء / 20 .


الصفحة 180

5 ـ عمر يزيد في الآذان : الصّلاة خير من النّوم .

لقد كان عمر مندفعاً إلى العمل بالرّأي حتّى في زمن الرسول ( صلّى الله عليه وآله) , وكثيراً ما أثار متاعب للنبي( صلى الله عليه وآله) , ولقد خالف الرسول ( صلّى الله عليه وآله) في كثير من المواطن , فكيف به إذا استتبّ له الأمر ولم يجد له سلطاناً رادعاً ؟! وهكذا كانت سيرة عمر ، وتلك هي بعض ما أخذ عليه .

أمّا قمّة الرّزيّة ، فهي عندما قُتل ولُعب مرّة اُخرى بالخلافة ومنعها عن الإمام عليّ (عليه السّلام) .


الصفحة 181

الخلافة بعد وفاة عمر :

دخلت الخلافة في المشهد الثالث من لعبتها ، لتفضي ويفضي معها الاختيار الأرعن إلى أسوأ وضع عرفته الاُمّة , وإلى أوّل اهتزاز سياسي شهده المجتمع الإسلامي .

لقد طُعن عمر في يوم الأربعاء ومات يوم الخميس ـ حسب صاحب اُسد الغابة ـ وبعد ذلك ترك الخلافة في ستّة أشخاص . إنّني ما زلت أرى أنّ عمر بن الخطّاب أبداً لا يزهد في الخلافة , وعديم الدهاء إلاّ في استخلافه الستّة , وإذا ما أمعنّا النّظر في ملابسات الخلافة بعد مقتل عمر , سوف يتبيّن لنا أمرها كالشّمس في رائعة النّهار , والحكاية كالتالي :

لمّا قُتل ابن الخطّاب ، قيل له على أثر طعنه(1) : استخلف . فقال : عليكم هؤلاء الرّهط الذين توفّي رسول الله وهو عنهم راض ؛ عليّ , وعثمان بن عفان ، وعبد الرّحمن , وسعد خال رسول الله , والزبير بن العوام بن عمّته ، وطلحة , فليختاروا رجلاً منهم ويشاوروا ثلاثة أيّام , وليصلّ بالنّاس صهيب ، ولا يأتين اليوم الثالث إلاّ وعليكم أمير منكم ، ويحضر عبد الله بن عمر مشيراً ولا شيء له من الأمر , وطلحة شريككم في الأمر , فإن قدم في الأيّام الثلاثة , فاحضروه أمركم ، وإن مضت الأيّام الثلاثة قبل قدومه , فاقضوا أمركم .

ثمّ قال

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الطبري وآخرون بألفاظ شبه مختلفة ، كابن قتيبة ، وابن أبي الحديد في الشّرح , وآخرين .


الصفحة 182

لأبي طلحة الأنصاري : إنّ الله تعالى طالما أعزّ الإسلام بكم ، فاختر خمسين رجلاً من الأنصار ، فاستحث هؤلاء الرّهط حتّى يختاروا رجلاً .

وقال لصهيب : صلِّ بالنّاس ثلاثة أيّام ، وأدخل عليّاً وعثمان ، والزبير وسعداً ، وعبد الرّحمن بن عوف وطلحة , وأحضر عبد الله بن عمر ولا شيء له من الأمر ، وقم على رؤوسهم ؛ فإن اجتمع خمسة ورضوا واحداً منهم وأبى واحد , فاشرخ رأسه واضرب رأسه بالسّيف ، وإن اتّفق أربعة فرضوا واحداً وأبى اثنان , فاضرب رؤوسهما ، وإن رضي ثلاثة منهم رجلاً واحداً منهم وثلاثة رجلاً منهم , فحكّموا عبد الله بن عمر ، فأيّ الفريقين حكم فليختاروا رجلاً منهم ؛ فإن لم يرضوا بحكم عبد الله بن عمر ، فكونوا مع الذين فيهم عبد الرّحمن بن عوف , واقتلوا الباقين إن رغبوا عمّا اجتمع عليه النّاس .

لقد جرى الجمهور على تقبّل هذا الحديث دون إكمال العقل والنّظر فيه , وكأنّ عمر ينطق بالوحي ، لذلك سوف نتبيّن ـ ونحن نتأمّل بثاقب النّظر ونافذ الرّأي ـ إنّ العملية محسوبة سلفاً ، ودقّة الترتيب تفيد أنّ الأمر كان مخطّطاً في ذهن عمر منذ زمان ، والمسألة تبدو حسابية ، ولم نعهد على العرب هذه البديهية في الحساب ، غير أنّ بديهية الإمام عليّ (عليه السّلام) كانت أسرع ، ففهم مقاصد اللعبة ، فقال للعبّاس فور انتهاء عمر من كلامه : (( عدلت عنّا )) . قال له العبّاس : وما علمك ؟ قال الإمام عليّ (عليه السّلام) : (( قرنَ بي عثمان وقال : كونوا مع الأكثر ؛ فإن رضي رجلان رجلاً ورجلان رجلاً ، فكونوا مع الذين فيهم عبد الرّحمن بن عوف ، فسعد لا يخالف ابن عمّه عبد الرّحمن ، وعبد الرّحمن صهر عثمان لا يختلفون , فيولّيها عثمان أو يولّيها عثمان عبد الرّحمن ، فلو كان الآخران معي لم ينفعاني ، بله إنّي لا أرجو إلاّ أحدهما )) .

فخلع عبد الرّحمن نفسه ، ورضوا أن يكون هو الذي يختار للمسلمين . وفي اليوم الرّابع ، صعد عبد الرّحمن المنبر في الموضع الذي كان يجلس فيه رسول الله ( صلى الله عليه وآله) , ثمّ قال : أيّها النّاس ، إنّي قد سألتكم سرّاً وجهراً عن إمامكم ، فلم أجدكم تعدلون بأحد الرّجلين ؛ إمّا عليّ وإمّا عثمان , فقم إليّ يا علي(1) . فوقف

 ـــــــــــــــــــــ

(1) ابن الأثير , الكامل في التاريخ .


الصفحة 183

تحت المنبر ، وأخذ عبد الرّحمن بيده ، فقال : هل أنت مبايعي على كتاب الله وسنّة نبيّه وفعل أبي بكر ؟(1) . قال : اللّهمّ لا ، ولكن على كتاب الله وسنّة نبيّه ، وعلى جهدي وطاقتي .

قال : فأرسل يده ، ثمّ نادى : قُم يا عثمان . فأخذ بيده وهو في موقف عليّ الذي كان فيه , فقال : هل أنت مبايعي على كتاب الله وسنّة نبيّه وفعل أبي بكر؟ قال : اللّهمّ نعم . فرفع رأسه إلى سقف المسجد ويده في يد عثمان ، ثمّ قال : اللّهمّ اسمع واشهد ، اللّهمّ اسمع واشهد ، إنّي جعلت ما في رقبتي من ذاك في رقبة عثمان .

فجعل النّاس يبايعون وتلكّأ عليّ (عليه السّلام) , فقال عبد الرّحمن : ( فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا )(2) . فرجع عليّ يشقّ النّاس حتّى بايع عثمان وهو يقول : (( خدعة وأيما خدعة ))(3) .

وروى القطب الرّاوندي : إنّ عمر لمّا قال : كونوا مع الثلاثة التي عبد الرّحمن فيها . قال ابن عبّاس لعليّ (عليه السّلام) : ذهب الأمر منّا .

ماذا سنستفيد يا ترى من هذه اللعبة التاريخيّة المتقونة ؟ وكيف نقف على حقيقتها ؟ ولكن قبل أن نشقّ خضمها ، يجب أن نوجّه إليها في البدء مجموعة من الأسئلة :

1 ـ من أين ، ولِم ، وكيف جاءت هذه النّظرية السياسيّة ذات التركيب السّداسي ؟!

2 ـ لماذا السّتّة بالضّبط ؟

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) وعند ابن الأثير وغيره : وسيرة الشّيخين .

(2) سورة الفتح / 10 .

(3) ابن مسكويه في تجاربه 1 / 265 .


الصفحة 184

3 ـ وكيف يكون ابن عمر شاهداً ومبشّراً في اللحظة الحرجة ، ولماذا صهيب يصلّي بالنّاس وأبو طلحة يتولّى قطع الرقاب ؟ إنّ هذه الأسئلة وعشرات اُخرى مثلها ، جدير بنا طرحها على هذا النّصّ ؛ لنقف على علاّته وهناته .

يبدأ عمر بفرض رؤيته للخلافة من بعده ، وطرحها على أساس أن تُقبل ولا تحور , فهي نصّ منصوص لا رأي بعده , وكيف بالتاريخ يغفل هذا الموقف ولا يعيد طرح السؤال . فعمر بن الخطّاب هو الذي حال دون الرسول ( صلّى الله عليه وآله) وكتابة الكتاب الذي لا يضلّ النّاس بعده ، هو الذي رأى أنّ الأمر متروك للمسلمين ينظرون فيه , كيف يقول في وفاة الرسول ( صلى الله عليه وآله) : إنّ الرّسول يهجر ، حسبنا كتاب الله . ولم يترك للناس حرّية النّظر في شؤون الاُمّة ، وحسبهم كتاب الله أيضاً ، ثمّ لماذا يلزم المرشّحين السّتّة بمخطّطه ، ويقضي بقتل مَن خالف ؟!

ثمّ لماذا لا يكون القتل بالسّوية ، حتّى في الثلاثة الذين فيهم عبد الرّحمن بن عوف ؟ ولماذا يقضي بالقتل على ستّة ، توفّي الرسول (صلّى الله عليه وآله) وهو عنهم راض ، كما شهد بذلك ، ثمّ مَن أعطاه الحقّ في ذلك ، وما مبرّر ذلك من النّصّ ؟!

ولست أدري ، هل استلهم عمر فكرته هذه من شريعة حمورابي أو من حلم رآه ؟ أيّ نصّ قرآني ، وأيّ سنّة نبويّة اعتمدها في هذا المخطّط الذي جعل فيه الدم وإزهاق الأرواح وارداً ؟!

 كان عمر يهدف من خلال مخطّطه إلى مجموعة أغراض :

أوّلاً : كان يهدف إلى إذلال كبراء المسلمين من جهة ، والإمام عليّ (عليه السّلام) من جهة خاصّة ؛ فمن جهة الآخرين ، جعل عليهم عبداً يصلّي بهم خلال الفترة الانتقالية , وهو صهيب , ثم جعل السّلطة التنفيذية في يده وأبي طلحة ؛ كي ينفّذا عقوبة القتل لكلّ متمرّد من المرّشحين السّتّة ، مع احتمال وقوع القتل على الإمام


الصفحة 185

عليّ (عليه السّلام) , وكذلك إذلالهم من خلال سلبهم حقّ المشاركة في الاختيار السّياسي .

أمّا من جهة الإمام عليّ (عليه السّلام) , فإنّه وضعه في مصاف مَن هُم دونه بلا شكّ ؛ حتّى يجرّده من امتيازه , ويربّي العامّة على عدم تعظيم قدره (عليه السّلام) . والملاحظ في ذلك أنّ طلحة والزبير ظلاّ يريا الخلافة لعليّ (عليه السّلام) منذ وفاة الرسول ( صلّى الله عليه وآله) , وواجها أبا بكر وعمر وتمرّدا على البيعة , وكانا ضمن المعتصمين في بيت فاطمة (عليها السّلام) , وحدثت لهما مناوشة وصدام مع عمر بن الخطّاب ، إلاّ أنّ سياسة عمر بن الخطّاب في إنزالهما منزل عليّ (عليه السّلام) في الخلافة ، جعلهما يطمعان ولا يريان في عليّ ميزة عنهما بعد هذا الانحطاط الذي منيت به العصبة الهاشمية ، ولذلك راحا ينازعان الإمام عليّ (عليه السّلام) يوم الجمل .

إنّ عمر بن الخطّاب لم يكن وحده صاحب المخطّط ، وإذا كان هو صاحبه فلأنّه فكّر فيه مليّاً , ولم يكن مخطّطاّ تلقائياّ كما سطّرته كتب التاريخ ؛ لأنّه عنصري الدّقّة والترتيب الحاضرين فيه يستبعدان صدوره عن تلقائيّة ، فمنذ البداية كان عمر بن الخطّاب يمهّد لخلافة عثمان ، ولكن الحرص على إحضار السّتّة له أسبابه التكتيكيّة , لقد حاول عمر من خلال هذا الترتيب أن يظهر للناس من بعده ، أنّ عليّاّ (عليه السّلام) على الرّغم من حضوره ، فإنّه لم يستطع الفوز بها ؛ لعدم جدارته ورفض النّاس له , وبهذا سيسلب منه ورقة الخلافة ويسقطه سياسيّاً ، كما أنّه أراد أن يسقط معه مناوئيه القدامى وهما طلحة والزبير . وما وجود سعد بن أبي وقّاص وعبد الرّحمن بن عوف سوى لتحقيق التوازن في المخطّط ؛ ليفضي الأمر في نهاية الجولة إلى عثمان بن عفان .

يجب أوّلاً : أنّ نمحّص هذه الشّخصيات السّت ؛ لنرى خلفية اختيارهم ليس هؤلاء السّتّة ـ كما زعم ـ هُم الوحيدين الذين توفّي الرسول ( صلّى الله عليه وآله) وهو راض عنهم ، فهناك عمّار وأبو ذر وسلمان والمقداد , هُم من أهل الإيمان والعلم والقضاء ، ولهم سابقية لا يرقى إليها الكثير ممّن اختارهم عمر ، ولهم من العلم ما لا يوازيه علمهم ، بل وأنّه اختار من بينهم مَن ليس فيه ما ادعاه عمر .

 لقد أقبل


الصفحة 186

على طلحة ، وهو له من المبغضين منذ رفض استخلاف أبو بكر إيّاه , فقال له : أقول أم أسكت ؟ قال : قُل ؛ فإنّك لا تقول من الخير شيئاً . قال : أمّا إنّي أعرفك منذ اُصيبت إصبعك يوم اُحد والبأو الذي حدث لك ، ولقد مات رسول الله ( صلى الله عليه وآله) ساخطاً عليك بالكلمة التي قلتها يوم اُنزلت آية الحجاب(1) .

رتّب عمر الأمر على هذه المعطيات التالي :

ـ عبد الرّحمن بن عوف صهر عثمان ، زوج أخته اُمّ كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط .

ـ سعد ابن عمّ عبد الرّحمن , وكلاهما من زهرة .

ـ طلحة تيمي ابن عمّ أبي بكر ، صاحب ضغن تجاه بني هاشم .

ـ الزبير بن عمّة عليّ (عليه السّلام) صفيّة بنت عبد المُطلب .

ـ عثمان من بني أبي معيط .

ـ عليّ (عليه السّلام) من بني هاشم .

إنّ التركيز على الانتماء القبلي ضرورة لفهم ديناميكية الخلافة والاستخلاف بعد وفاة الرسول ( صلّى الله عليه وآله) واستضعاف النّصّ . هناك أربعة من هؤلاء يعلم عمر ويعلمون هُم أيضاً أنّهم غير مرغوب فيهم من قبل المسلمين ، وأنّ الأمر سيبقى بين اثنين لا ثالث لهما ؛ عليّ (عليه السّلام) وعثمان .

أمّا الباقون ، فإنّهم سيسلّمونها تلقائيّاً لعثمان ، باستثناء الزبير وطلحة مع

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) قال أبو عثمان الجاحظ في السّفيانيّة : إنّ الكلمة المذكورة هي : أنّ طلحة لمّا اُنزلت آية الحجاب , قال بمحضر ممن نقل عنه إلى رسول الله ( صلّى الله عليه وآله) : ما الذي يغنيه حجابهنّ اليوم وسيموت غداً فننكحهن . فقال أبو عثمان : لو قال لعمر قائل : أنت قُلت : إنّ رسول الله ( صلّى الله عليه وآله) مات وهو راض عن السّتّة ، فكيف الآن لطلحة إنّه مات عليه السّلام ساخطاً عليك للكلمة التي قلتها ! لكان قد رحاه بمشاقصه , ولكن من الذي كان يجسر على عمر أن يقول له ما دون هذا ، فكيف هذا ؟!


الصفحة 187

بعض الشّكوك .

ولعلّ الإمام عليّ (عليه السّلام) قد فطن لتلك اللعبة لمّا قال للعبّاس ـ كما سبق ـ : (( فلو كان الآخران معي ـ يقصد طلحة والزبير ـ لم ينفعاني ، بله أنّي لا أرجو إلاّ أحدهما )) . وفعلاً فإنّ طلحة لم يسلّمها للإمام عليّ (عليه السّلام) , وما بقي معه (عليه السّلام) سوى الزبير , فعبد الرّحمن بن عوف سيسلّمها لصهره عثمان ، فإذا فعل فإنّ سعداً ابن عمّه لن يخالفه ، وطلحة من المفترض أن يمنعها عن عليّ (عليه السّلام) ؛ لتلك الضغينة التي ذكرها المؤرّخون بين تيم وبني هاشم , وهو ابن عمّ أبي بكر ، ولكن كان من المحتمل أن يخالف بها رأي عمر وعثمان لكراهيته لهما ، وأمّا الزبير فلقد رأى أن يسلّمها إلى ابن عمّه عليّ (عليه السّلام) بعد أن رآها لن تتمّ له ، وبعد أن تحرّكت فيه الحمية تجاه قريبه لمّا رأى الآخرين مالوا إلى أبناء عشيرتهم , كما لأنّ الزبير وقتئذ من شيعة عليّ (عليه السّلام) .

ثمّ كان عمر بن الخطّاب قد ضيّق الأنفاس على السّتّة ، ورسم لهم مخطّطاً يعكس مدى حرصه على تفويت الخلافة على عليّ (عليه السّلام) , فقال آمراً أبا طلحة : أنّه إذا أبى واحد ورضي خمسة ، فاشلخ رأس الواحد . ومن البديهي أنّ الواحد المفترض معارضته للجميع ، هو عليّ بن أبي طالب (عليه السّلام) , ثمّ بقتل الاثنين ، واللذين لا يمكن أن يكونا سوى عليّ والزبير في أسوأ الاحتمالات ، وإذا ما انضاف طلحة ، وكان هذا احتمال وارد بسبب الكراهية التي لا يزال يحملها طلحة لعمر ؛ فإنّ عمر قضى برفض هذا الثلاثي من خلال قوله : فكونوا مع الثلاثة التي فيهنّ عبد الرّحمن بن عوف . علماً أنّ عبد الرّحمن لا يمكن أن يكون إلاّ مع عثمان ، وسعد لا يمكن أن يخالف الاثنين :

أوّلاً : للعمومة التي تربطه بعبد الرّحمن , ولأنّه من زهرة .

ثانياً : بأنّه لا يزال يجد في نفسه من عليّ وهو الذي قتل الكثير من عشيرته , وقتل أباه ببدر .


الصفحة 188

فالثلاثة الذين فيهم عبد الرّحمن لن يكونوا منذ البداية سوى عبد الرّحمن , وبالتالي سعد وعثمان ؛ ولهذا قال الإمام عليّ (عليه السّلام) : (( قرن بي عثمان وقال : كونوا مع الأكثر ؛ فإن رضي رجلان رجلاً ورجلان رجلاً ، فكونوا مع الذين فيهم عبد الرّحمن بن عوف . فسعد لا يخالف ابن عمّه عبد الرّحمن ، وعبد الرّحمن صهر عثمان لا يختلفون , فيولّيها عثمان أو يوليها عثمان عبد الرّحمن ، فلو كان الآخران معي لم ينفعان , بله إنّي لا أرجو إلاّ أحدهما )) .

وذكر الرّاوندي : أنّ عمر لمّا قال : كونوا مع الثلاثة التي عبد الرّحمن فيها ، قال ابن عبّاس لعليّ (عليه السّلام) : ذهب الأمر منّا ، الرّجل يريد أن يكون الأمر في عثمان .

ونحن نتسأل ، ما هي الحكمة التي تجعل عمر يقضي بالقتل في الثلاثة التي ليس فيها عبد الرّحمن بن عوف ؟ ولماذا لا يقول بالعكس ما دام أنّه قال : إنّ هؤلاء توفّي الرّسول (صلّى الله عليه وآله) وهو عنهم راضٍ ؟ ثمّ لنفرض : إنّ الأمر كما أراد , إذن لكان من المفترض لو عصت مجموعة عليّ (عليه السّلام) , أن يُقتل هو والزبير ! وعلى الرّغم من أنّ عمر رفض أن يكون ابنه خليفة بعده ، وعجبت كيف خوّله للاختيار ؟!

ولو تساوت المعادلة : إنّ عمر رأى ابنه لا يستحقّ الخلافة ، وهو القائل : ويحك ! كيف أستخلف رجلاً عجز عن طلاق امرأته ؟! مع ذلك جعله حكماً بين السّتّة فيما لو اختلفوا ثلاثاً ثلاثاً , حتّى إذا رفضوا مشورته ـ والتي في الغالب يفسّرها الإجراء الاستثنائي , قتل أبو طلحة(1) والخمسون الذين معه ـ الثلاثة الذين فيهم عبد الرّحمن بن عوف .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) بعد أن استتبّ الأمر لعثمان ، قال عليّ (عليه السّلام) : (( أما لئن بقي عثمان لأذكرته ما أتى ، ولئن مات لتداولنها بينهم ، ولئن فعلوا لتجدني حيث يكرهون )) . ثمّ قال :

حلفتُ بربِّ الراقصاتِ عشيةً      عدونَ خفافاً فابتدرنَ المُحصّبا
لَيختلينْ رهطَ ابنِ يعمر قارناً      نجيعاً بنو الشدّاخ ورداً مُصلّبا

والتفت فرأى أبا طلحة فكره مكانه , فقال أبو طلحة : لن تراع أبا الحسن . ابن الأثير الكامل .


الصفحة 189

ذكروا أنّ عمر قال : لو كان أبو عبيدة لاستخلفته(1) . وهو بذلك يكون قد وفي بالعهد ولو بإثباته بالكلام ، ضمن الصفقة الثلاثية التي جرت في سقيفة بني ساعدة ، غير أنّ موته أفسد المخطط ، فأعدّ عمر بن الخطّاب هذه الهندسة السياسيّة الحاقدة .

أمّا مجريات الاُمور بين المستخلفين السّتّة ، فإنّها تتحفنا بحقائق اُخرى ؛ فعبد الرّحمن بن عوف كان عرّاب المشروع العمري ، وهو الذي طرح نفسه كشاهد بعد أن تنازل عنها ، وفجأة أصبح وكأنّه هو المنصّب الرّئيس لمّا تسلّم مجلس الرّسول (صلّى الله عليه وآله) ، ولمّا بقي الأمر كلّه بيده ، دعا عليّاً (عليه السّلام) قبل عثمان . وكانت هذه عملية تمويهية ، فهو يدرك أنّ عليّاً سوف يرفض سلفاً اقتراحه وشروطه , حتّى أنّه كان سبب عزل عليّ (عليه السّلام) وتنصيب عثمان ، اتّباع سيرة الشّيخين ، وكان عليّ (عليه السّلام) ذا موقف حادّ من هذا الشّرط ؛ ذلك أنّه شرط لا مغزى له بعد شرطَي كتاب الله ، وسنّة رسوله ، وهذا كان يعني واحداً من أمرين :

ـ إمّا أنّ سيرة الشّيخين تمثّل الكتاب والسّنّة ، وبالتالي فإيرادها هُنا سيكون لغواً زائداً .

ـ أو أنّها شيء جديد ، فلا يلزم عليّ (عليه السّلام) باتّباعها ؛ والدليل على أنّه شيء جديد ، إنّ عليّاً (عليه السّلام) تمسّك بالكتاب والسّنّة , فعُزل بسبب عدم قبوله بسيرة الشّيخين .

ولفتة اُخرى وهي الأهم : إنّ الإمام عليّ (عليه السّلام) كان ينظر إلى الخلافة كحقّ مقدّس ومسؤولية ربّانية , وهو لهذا تمسّك برأيه ، ولم يكن بينه وبينها ـ لو كان فعلاً همّه الخلافة ـ سوى الاعتراف ـ ولو علناً ـ بسيرة الشّيخين .

دعنا نر سيرة الشّيخين في سياسة عثمان ، وإلى أيّ وضع أدّى المخطّط السّداسي العمري .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) انظر الطبري وابن الأثير .


الصفحة 190


الصفحة 191

عثمان أو الفتنة الكبرى :

الخليفة الثالث عثمان صنيعة وضع هو في حدّ ذاته مسلسل لواقع التآمر التاريخي على عصبة بني هاشم ، وهُنا يمكننا القول : إنّ منطق القبيلة وارد في هذا الاختيار . وأيّاً كانت خلفيات هذا الاختيار ، فإنّ عثمان لم يكن حلاًّ للمجتمع العربي في تلك الفترة ، بقدر ما كان نتيجة حتميّة لسنوات طويلة من التقوية للجناح الاُموي , الذي كان عثمان يشكّل واجهته الإسلاميّة . فشخصية عثمان ـ كما عرف عنها على أقلّ التقادير المجمع عليها ـ ضعيف الإرادة كسيرها ، لا يقوى على اتخاذ القرار ولا على الصمود في العدل بين العامّة والأقرباء .

لقد استفزّ عثمان بسياسته المسلمين جميعاً ، وبعضهم حاول أن يجد المبرّرات لعثمان ، فراح يلفّق ويركّب ؛ لخلق واقع تاريخي مزيّف , لا يعكس حقيقة وواقع العهد العثماني . لقد أدرك هذا المأزق بعض المفكّرين المتأخّرين ، ورأوا أنّ عثمان لم يكن يمثّل اتجاهاً إسلامياً في سياساته ، يقول سيد قطب : وإنّه لمِن الصعب أن نفهم روح الإسلام في نفس عثمان ، ولكن من الصعب كذلك أن نعفيه من الخطأ ، الذي نلتمس أسبابه في ولاية مروان الوزارة في كبرة عثمان (1) .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) العدالة الاجتماعيّة في الإسلام / 160 , دار الشّروق .


الصفحة 192

إنّ المسألة ليست بهذه البساطة ، فعثمان منذ البداية سلك نمطاً من الخلافة العشائرية ، حيث حمل بني اُميّة على رقاب النّاس ، وهو إنذار سبق أن قاله عمر بن الخطّاب عند مقتله ، وقد مُني عثمان بمعارضة قويّة أكثر من أيّ خليفة آخر ؛ والسّبب في ذلك ، هو أنّ عثمان بلغ مستوى أكثر تعسّفاً في تقريب عشيرته ، وإعطائها المناصب الحسّاسة في الدولة الإسلاميّة .

ولو أخذنا بعين الاعتبار عامل العشيرة في تشكيل الكيان المعارض لعثمان ، سوف ندرك أنّ عثمان لم يتعرّض للقتل لأنّه خالف الالتزام الديني فحسب ؛ وإنّما لأنّه رفع من عشيرته ، ومكّن لها وسلّمها مقاليد الخلافة . كيف ـ إذاً ـ بدأت خلافة عثمان ، وكيف انتهت ؟

لقد تعهّد عثمان منذ تسلّمه مقاليد الخلافة ، بأنّه سيتمسّك بسيرة الشّيخين أبي بكر وعمر , وعثمان بن عفان رجل يعي كلامه ، وهو واحد المقرّبين إلى الشّيخين ، ومدرك لكلّ مسالكها في الداخل والخارج , وهو الذي عاش مع الرسول ( صلّى الله عليه وآله) وشهد غدير خُم ، فهو يدرك أنّ الشّيخين هُما أوّل مغامرين في الإسلام ، وعرف أيضاً ، أنّه إذا سلك مسيرة الشّيخين , فإنّه سينطلق من نفس منطلقاتها ، وهي التعاطي السّلبي مع آل البيت (عليهم السّلام) والصحابة الكبار .

 لقد بدأ بدعم الطلقاء وأبنائهم خلافته ، بتعطيل حكم الإسلام في قضية عبيد الله بن عمر قاتل ؛ الهرمزان وجفينة وبنت أبي لؤلؤة ؛ انتقاماً لأبيه ـ كما تقدّم ـ , وقد استفتى الصحابة وقضى عليّ (عليه السّلام) بقتله , وعثمان أقسم إنّه سيقيم عليه الحد ، إلاّ أنّه تجاوز عنه بعد أن تدخّل عمرو بن العاص ، وكان ذلك بمثابة أوّل شرخ في جهاز القضاء في عهد عثمان .

 كان منذ البداية قد أسفر عن الوجه الحقيقي لتوجهه السّياسي , وهو العمل على بناء عشيرته وتقويتها , بعد أن كانت حركة الإسلام قد أضعفتها وكسرت شوكتها , كما كان جهازه الاستشاري مؤلّفاً من الذين أدخلهم الخوف إلى الإسلام , واستبعد كبار الصحابة . فلمّا وصل الخبر بما يروّج حوله من نعي وانتقاد , أرسل إلى ؛ معاوية وعبد الله بن سعد بن أبي سرح ، وإلى سعيد بن العاص ، وإلى عمرو بن العاص ، وآخرين مثلهم ، فجمعهم يشاورهم ويخبرهم بما بلغ منه ، فلمّا اجتمعوا عنده قال : إنّ لكلّ امرئ وزراء نصحاء ، وإنّكم

 

 

الصفحة 193

وزرائي ونصحائي وأهل عمّالي , وأن أرجع عن جميع ما يكرهون إلى ما تحبّون ، فاجتهدوا لي رأيكم ثمّ أشيروا عليّ . كانت هذه في التشكيلة الاستشارية التي اعتمدها عثمان في إدارة الدولة وقمع الجماهير المسلمة .

إنّ الواقع الاجتماعي الذي تشكّل في عهد عثمان ، أدّى إلى انفجار ثوري لم يخفّف منه النّفوذ العشائري لعثمان , وأسفر الوضع عن وجود ثلاث فئات مهيّئة للتمرّد , الفئة الأولى : وهي الفئة التي تمرّدت انطلاقاً من الخلفيّة الاقتصاديّة ، ففي الوقت الذي تراكمت فيه الثّروة لدى الجانب الاُموي ، وغيرهم من الذين ساروا في خطّهم وأعانوهم على تعميق نفوذهم , نجد أنّ قطّاعاً واسعاً من الجماهير المسلمة ، استمرّت تعاني الفقر في أسوأ حالاته , الفقر الذي يجعل المجتمع مهيأ للدخول في صراع طبقي طالباً للمساواة الاجتماعيّة .

كان خطّ الأغنياء وخطّ الفقراء يتّجهان بشكل معاكس , الغني ازداد اتّساعاً إلى درجة الفحش , وازداد ـ تبعاً لذلك ـ الفقر عمقاً إلى درجة الانسحاق ؛ وبذلك اتّسعت الهوة بين فئتين : إحداهما مسكت بأسباب الثّراء فبلغت مستوى تكسير قطع الذهب بالفؤوس , وفئة اُخرى قلب لها الواقع ظهر المجن ، فراحت تفكّر في قطع القد ، وغالباً ما باتت تغالب الطوى .

لقد كان عثمان يملك خمسين ومئة ألف دينار وألف ألف درهم ، وقيمة ضياعه بوادي القرى وحنين وغيرهما مئة ألف دينار ، وخلّف إبلاً وخيلاً كثيرة . وبلغ الثّمن الواحد من متروك الزبير بعد وفاته , خمسين ألف دينار ، وخلّف ألف فرس وألف أمة . وكانت غلّة طلحة من العراق ألف دينار كلّ يوم ، ومن ناحية السّراة أكثر من ذلك . وكان على مربط عبد الرّحمن بن عوف ألف فرس ، وله ألف بعير ، وعشرة آلاف من الغنم ، وبلغ من متروكه بعد وفاته أربعة وثمانين ألفاً . وخلّف زيد بن ثابت من الذهب والفضّة ما كان يكسر بالفؤوس , غير ما خلّف


الصفحة 194

من الأموال والضياع .

وبنى الزبير داره بالبصرة ، وبنى أيضاً بمصر والكوفة والإسكندرية . وكذلك بنى طلحة داراً بالكوفة وشيّد داره بالمدينة وبناها بالجصّ والآجر والسّاج . وبنى سعد بن أبي وقّاص داره بالعقيق ، ورفع سمكها وأوسع فضاءها وجعل على أعلاها شرفات . وبنى المقداد داره بالمدينة وجعلها مجصّصة الظاهر والباطن . وخلّف يعلى بن جنبه خمسين ألف دينار وعقار ، وغير ذلك ما قيمته ثلاثمئة ألف درهم ، وتحوّل بيت مال المسلمين في عهده إلى بيت مال لبني اُميّة , ولم يراع عثمان مشاعر المسلمين ولا أحكام الشّريعة في نهبه أموال المسلمين ، وصبّها مدرارة في خزائن أهل بيته .

ويذكر اليعقوبي في تاريخه : حدّث أبو إسحاق عن عبد الرّحمن بن يسار , قال (1) : رأيت عامل صدقات المسلمين على سوق المدينة , إذا أمسى أتاها عثمان ، فقال له : ادفعها إلى الحكم بن أبي العاص . وكان عثمان إذا أجاز أحداً من أهل بيته بجائزة , جعلها فرضاً من بيت المال ، فجعل يدافعه ويقول له : يكون فنعطيك إن شاء الله . فألحّ عليه , فقال : إنّما أنت خازن لنا ، فإذا أعطيناك فخذ ، وإذا سكتنا عنك فاسكت . فقال : كذبت والله , ما أنا لك بخازن ولا لأهل بيتك ، إنّما أنا خازن المسلمين . وجاء بالمفتاح يوم الجمعة وعثمان يخطب , فقال : أيّها النّاس ، زعم عثمان أنّي خازن له ولأهل بيته ، وإنّما كنت خازناً للمسلمين , وهذه مفاتيح بيت مالكم . ورمى بها ، فأخذها عثمان ودفعها إلى زيد بن ثابت . كان بذلك عثمان يرى أنّ الدولة الإسلاميّة ملكاً لعشيرته ؛ وكان مبرّره في ذلك , أنّه تأوّل ـ حسب ما ذكر الواقدي ـ في مال المسلمين ، صلة رحمه .

كما ويذكر الواقدي أيضاً بإسناده : قدمت إبل من إبل الصدقة على عثمان , فوهبها للحارث بن الحكم بن أبي العاص . كما روي الكلبي عن أبيه مخنف بن مروان : ابتاع خمس إفريقية بمئتي درهم ومئتي ألف دينار , وكلّم عثمان فوهبها له ، فأنكر النّاس ذلك على عثمان .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المسعودي , مروج الذهب .


الصفحة 195

ويذكر ابن أبي الحديد : إنّه قد أتاه ـ أي عثمان ـ أبو موسى من العراق بأموال جليلة ، فقسّمها كلّها في بني اُميّة ، وأنكح الحارث بن الحكم ابنته عائشة , فأعطاه مئة ألف من بيت المال أيضاً , بعد صرفه زيد بن أرقم عن خزنه .

وكذلك سار عثمان في رعيّته يوسّع لأقربائه في العطايا والإمارات ، ولا أدلّ من ذلك معاوية بن أبي سفيان ، الذي منحه كامل الصلاحية في إدارة الشّام ، فكان أطول الأمراء إمارة . وحيث كثر الغنى الفاحش ، وتسابق الغزاة على الأمصار ؛ لكسب المزيد من الغنى , واضطرّت الطبقة الثرية أن تستورد الرقيق من الأمصار لاستغلالهم في استثماراتهم , واستولى بني اُميّة على بعض مزارع الكوفة وهجروا أهلها . وبقيت طبقة هنالك من الفقراء العرب ناقمين على الفئة الثريّة ، وكذلك اُولئك الذين فتحوا البلدان ولم تتح لهم الفرصة ـ كما أتيحت لغيرهم من بني اُميّة ـ للإقامة في الأمصار والاستحواذ على ممتلكاتها .

كان هذا الواقع الطبقي الذي تشكّل بفعل السّياسة المنفلته لعثمان ، سبباً في تشكّل حالة من الرّفض والتمرّد ، تمثّلها الفئات المحرومة في المجتمع ، وهُم غالباً اُولئك الذين ضاقوا من الاحتكار الاُموي في عهد عثمان ، وتمرّدوا تلقائياً لمّا ثقل عليهم أمرهم ، وكانوا هُم القاعدة التي استجابت لفكرة التحدّي والثورة على عثمان , تلك الحالة التي يصوّرها أبو ذر (رض) قائلاً : عجبت لمن لا يجد قوت يومه , كيف لا يخرج إلى النّاس شاهراً سيفه ! فهذا دليل على وجود فئة مسحوقة ومغلوب على أمرها ، لا تسطيع الافصاح عن واقعها ، مقموعة بعمّال عثمان وعناصر عشيرته ذات النّفوذ الوسيع في كلّ الأصقاع .

الفئة الثانية :

فئة تحرّكت من الخلفيّة العشائريّة ، حيث ضاقت بالنّهج العشائري في سياسة عثمان ، وتعامله اللامتكافئ مع العشائر الاُخرى , فهناك طائفة من المسلمين ثاروا على عثمان , لمّا رأوه متحيّزاً إلى أقربائه بشكل يفسد عليه سياسته . والحسّ القبلي لمّا ينته يومها في نفوس الغالبية السّاحقة ممّن دخل في الإسلام ، والجانب القبلي ـ كما


الصفحة 196

سبق أن ذكرنا ـ يشكّل إحدى مكوّنات الاجتماع العربي حتّى مع وجود الإسلام ، والبنية المجتمعيّة للعرب ، كانت ولا تزال تنتج ـ باستمرار ـ نزوعاً قبليّاً ضمن أنماط شتّى في السّلوك السّياسي والاجتماعي . . . , ومن اُولئك الذين ثاروا عليه ، رجال كانوا غير متضرّرين اقتصادياً .

ويذكر التاريخ : أنّ عبد الرّحمن بن عوف الذي أثبته في الخلافة ، كان قد أنكر عليه إذ رآه ينهج هذا النّهج ، وعبد الرّحمن رغم أنّه بلغ غناه مداه في عهد عثمان ، ورغم مصاهرته لعثمان ، ورغم تجاوزه للحقّ الشّرعي في خلع عليّ (عليه السّلام)(1) عن الخلافة وتثبيت عثمان . . . فإنّه يأبى أن ينهج عثمان نهجاً يقوّي فيه عشيرته , ومثل ذلك طلحة , فلم يكن هو الآخر متضرّراً من الحالة الاقتصادية ، بل لقد كانت غلّته يومذاك من العراق تعد بألف دينار كلّ يوم , مثل عبد الرّحمن بن عوف الذي كان على مربطه ألف فرس ، وألف بعير ، وعشرة آلاف من الغنم . . . ولكن القضية لها خلفيات اُخرى ، فلا زهرة من عبد الرّحمن ، ولا تيم من طلحة براضية بهذا الوضع الذي آل إليه الاُمويّون بمؤازرة عثمان ؛ حيث حملهم على رقاب النّاس .

لقد سلب عثمان إرث آل البيت (عليهم السّلام) وهو فدك ، وأقطعها واحداً من عشيرته وهو مروان ، وفي ذلك مهانة لبني هاشم , لها أن تقرع الوجدان العربي . وكذلك لمّا رأوا عثمان يستقبل الحكم طريد الرّسول (صلّى الله عليه وآله) في المدينة ؛ ليقضي بطرد أحد سادة العرب والمسلمين أبي ذر إلى الرّبذة .

لقد رأوا العرب من مختلف القبائل ، إنّ هذا هو عثمان ، وإنّ عشيرة بني اُميّة راحت تطأ كلّ العشائر , وحيث إنّ عثمان أظهر توجهه العشائري للمسلمين ، وأفصح عن وجهة نظره الخاصّة تجاه أقربائه ، واعترف لهم أنّه يعمل بمقتضى الاجتهاد ؛ لذلك أحيا فيهم النّخوة العربيّة ، والنّزعة القبليّة مجدّداً ، فراحوا يفكّرون في الثّورة والتغيير .

الفئة الثالثة :

انطلقت هذه الفئة من الخلفيّة الاصلاحيّة ، متجاوزة كلّ الخلفيات الاُخرى ،

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) أقول : إنّ الإمام عليّ (عليه السّلام) أنزله الدهر حتّى أضحى يشرط عليه سفالة العرب شروط خلافة الاُمّة .


الصفحة 197

فهي الفئة الحضاريّة الوحيدة التي تميّزت منطلقاتها في الرّفض ، وهي الفئة المعارضة في زمن الخليفتين أيضاً , وتتشكّل من آل البيت (عليهم السّلام) بقيادة الإمام عليّ (عليه السّلام) , وقوم لهم سابقة في الإسلام وممّن أخلص الصحبة , منطلقهم هو الاصلاح عبر تحقيق الإمامة , ويشهد التاريخ بأنّهم ظلّوا مخلصين لهذا التوجّه ، ومات كثير منهم في هذا الخطر . وكان عمّار بن ياسر منذ البداية مع الإمام عليّ (عليه السّلام) ، ومن الذين رفضوا بيعة أبي بكر , واستمرّ رافضاً بيعة عمر إلاّ قهراً , ورفض بيعة عثمان ، وما زال ضدّه حتّى قُتل ، واستمرّ كذلك حتّى استشهد في صفّين ، حيث يقاتل في جيش الإمام عليّ (عليه السّلام) (1) .

هؤلاء كانوا هُم روّاد الاصلاح في المجتمع الإسلامي , فكانوا ينطلقون من هذه الخلفيّة , بيد أنّ ذلك لا يمنعهم من توظيف الحالة الاجتماعيّة في خطّ التحريض على الانقلاب . وكان هؤلاء يتحرّكون على صعيدين ، الأوّل : توفير عوامل الهدم من خلال زرع قناعات سلبيّة تجاه حكومة عثمان . الثاني : توفير عوامل البناء من خلال الطرح الإيجابي , وهو الدعوة إلى خطّ آل البيت (عليهم السّلام) .

ذكر ابن أبي الحديد : أنّه تكلّم بنو هاشم وبنو اُميّة أثناء مشاورات السّتّة بعد مقتل عمر , وقام عمّار فقال : أيّها النّاس ، إنّ الله أكرمكم بنبيّه وأعزّكم بدينه ، فإلى متى تصرفون هذا الأمر عن أهل بيت نبيّكم ؟! فقال رجال من بني مخزوم : لقد عدوت طورك يابن سميّة ، وما أنت وتأمير قريش لأنفسها . وذكر : أنّ المقداد قال في نفس المقام : تالله , ما رأيت مثل ما أوتي إلى أهل هذا البيت بعد نبيّهم ، واعجباً لقريش ! لقد تركت رجلاً ما أقول ولا أعلم أن أحد أقضى بالعدل ولا أعلم ولا أتقى منه ! أما والله ، لو أجد أعواناً . فقال عبد الرّحمن : اتّقِ الله يا مقداد ؛ فإنّي خائف عليك الفتنة .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ونحن نتسأل ، ما السّر وراء هذا الالتزام بخطّ عليّ (عليه السّلام) من قبل صحابي كبير , وابن أوّل شهيدين في الإسلام ؟ فهل هناك قرابة تشدّهما أو مصالح دنيئة تجمع بينهما؟


الصفحة 198

لقد كان هؤلاء وأمثالهم يمارسون نمطاً من التحرّك ، يجمع بين نقد الواقع وتحريض النّاس ، وبين الدعوة إلى خطّ آل البيت (عليهم السّلام) . فآخذت هذه الفئة عثمان على قضايا كثيرة تتجاوز في أهمّيتها واقع التّفاوت الطبقي والعشائري ؛ لتحاكمه على قضايا دينية وعقيدية محضة , ومن جملة ما أحصته عليه :

(1) عدم إقامته الحدّ على قاتل الهرمزان وأبي لؤلؤة وامرأته وطفلة صغيرة , ولم يستجب للقضاء الشّرعي الذي صدر يومها عن الإمام عليّ (عليه السّلام) ، وهو الحكم الوحّيد الذي ينسجم مع الشّريعة الإسلاميّة .

(2) استرجاع الحَكم بن أبي العاص إلى المدينة ، وقد كان الرّسول (صلّى الله عليه وآله) قد نفاه ورفض عليه البقاء فيها , كما أثبت المؤرّخون . وقد ذكر الواقدي : أنّ الرّسول (صلّى الله عليه وآله) قال له : (( لا تساكنّي في بلد أبداً )) . فجاء عثمان فكلّمه فأبى (صلّى الله عليه وآله) ، ثمّ كان من أبي بكر مثل ذلك , ثمّ كان من عمر مثل ذلك .

(3) ضربه عمّار بن ياسر ، وكذلك بن مسعود حتّى كسر ضلعه بعد أن عزله وقطع عليه العطاء .

(4) نفيه أبا ذر الغفاري إلى الرّبذة .

(5) مصادرته فدك من بني فاطمة الزهراء (عليها السّلام) وإقطاعها مروان .

(6) جعله الإمارة دولة بين أقربائه , وعزله الصحابة الكبار عنها .

(7) حرقه للمصاحف(1) .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الغريب في الأمر , أنّ البعض أوّلها تجنباً للفتن وتعدّد القراءات وما أشبه ؛ بيد أنّ التاريخ يؤكّد أنّ عثمان ركّز مثلاً على مصحف ابن مسعود , وهذا صحابي من حفّاظ القرآن وقرأته ، فكيف يكون مصفحه فتنة ؟ اللّهمّ إلاّ أنّ عثمان يخشى أن يكون في مصحف بن مسعود تأويلات من جنس ما لا يتّفق مع مصلحته .


الصفحة 199

(8) تأميره الطلقاء على المسلمين واستشارتهم , وإهمال مشورة الصحابة الكبار .

كانت هذه باختصار هي الفئات الرّئيسة للتمرّد . والدّليل على ذلك أنّها تفرّقت وجهاتها بعد مقتل عثمان ، فمنهم من أكمل الدّرب على نهج الاصلاح منضوياً تحت راية الإمام عليّ (عليه السّلام) , ومنهم من راح يلتمس له أسباب الغنى , وآخرون اكتفوا بمقتل عثمان كانتقام للحالة العشائريّة , وكان الصنف الذي يبحث عن المال ، قد رجع وانخرط في جيش معاوية فيما بعد فنال بذلك ثمن الرّدة والنّفاق من عطاء أهل الشّام .

كانت خلافة عثمان منذ البداية مهندسة على هذا الشّكل ، وهو أن يستفيد القدر الممكن من الخلافة ، ثمّ يسلّمها على غرار سابقيه إلى صهره عبد الرّحمن بن عوف لتبقى دولة بين عصابة من زهرة وابن أبي معيط وبني اُميّة , والإمام عليّ (عليه السّلام) سرعان ما أدرك اللعبة وهو يقول ـ بعد أن انزاحت الخلافة عنه ـ : (( ليس هذا أوّل يوم تظاهرتم فيه علينا ، فصبرٌ جميلٌ واللهُ المستعان على ما تصفون . والله , ما ولّيتَ عثمان إلاّ ليردّ الأمر إليك ))(1) .

بقي عثمان حريصاً على مخطّطه ، كيف لا وعبد الرّحمن بن عوف هو الذي سلّمها إيّاه , ولم يكن ليسلّمها له لولا أنّه عرف نفسه غير مرغوب فيه . ويبدو أن عثمان أراد أن يستجيب للوعد ولكنّه خاف على نفسه ، ولم يستطع الوفاء بوعده لعبد الرّحمن ، فربما تغيرت وجهة نظره ، فرأى أن يسلّمها لواحد من أقربائه .

كتب له حمران ـ مولاه ـ فأنكر عليه شيئاً ، فنفاه إلى البصرة ، فلم يزل بها حتّى قُتل عثمان . ويذكر مسكويه في تجاربه ، سبب سقوط هذا الكاتب من عين عثمان وسبب نفيه إيّاه , فقال : إنّ عثمان اشتكى شكاة ، فقال له : أكتب العهد بعدي لعبد الرّحمن بن عوف . فانطلق حمران إلى عبد الرّحمن بن عوف , فقال له : البشرى .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) تاريخ ابن الأثير 3 / 71 .


الصفحة 200

فقال : لك البشرى ، فماذا ؟ فأخبره الخبر ، فصار عبد الرّحمن إلى عثمان ، فأخبره بما قال حمران ، فقلق عثمان وخاف أن يشيع ، فنفاه لذلك . ربما غيّر وعده ولذلك لا بدّ لعبد الرّحمن بن عوف أن ينتقم ، ولكن تحت غطاء آخر .

يذكر التاريخ : أنّ عبد الرّحمن انقلب بعد ذلك على عثمان , لمّا رآه أخلف الوعد وانحاز إلى عشيرته . وليس هذا الوعد بسيرة الشّيخين , فعبد الرّحمن منذ البداية يعرف أنّ تقريب عثمان لعشيرته أمر وارد وحقيقي , وعمر بن الخطّاب نفسه قال ذلك أمامهم ، يروى عن ابن عباس أنّه قال : فقلت : عثمان بن عفان ؟ قال ـ يعني عمر ـ : إن ولي , حمل ابن أبي معيط وبني اُميّة على رقاب النّاس وأعطاهم مال الله ، ولن ولي ليفعلن والله ، ولئن فعل لتسيرنّ العرب إليه حتّى تقتله في بيته . ثمّ سكت(1) .

وحتّى نستطيع فهم طبيعة الخلاف بين عثمان وعبد الرّحمن بن عوف ، لا بدّ أن نفرض سؤالاً : كيف تتحوّل المودّة بين عشيّة وضحاها إلى عداوة قاتمة ؟ لعلّ السّبب هو هذا العهد , لقد روي أنّ عثمان اعتلّ علّة اشتدّت به , فدعا حمران بن أبان وكتب عهداً لمن بعده ، وترك موضع الاسم ، ثمّ كتب بيده : عبد الرّحمن بن عوف . وربطه , وبعث به إلى اُمّ حبيبة بنت أبي سفيان ، فقرأه حمران في الطريق , فأتى عبد الرّحمن فأخبره ، فقال عبد الرّحمن وغضب غضباً شديداً : استعمله علانية ويستعملني سرّاً . ونما الخبر وانتشر بذلك في المدينة , وغضب بنو اُميّة ، فدعا عثمان بحمران ـ مولاه ـ فضربه مئة سوط وسيّره إلى البصرة . فكان سبب العداوة بينه وبين عبد الرّحمن بن عوف(2) .

نعم ، لقد استعمله علانية ، وبذلك استطاع أن يثبته في الخلافة , غير أنّ عثمان

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) تاريخ اليعقوبي 2 / 158 .

(2) اليعقوبي 2 / 169 , دار صادر .


الصفحة 201

فعل ذلك سراً , وعلم عبد الرّحمن إنّ العهد سرّاً بالخلافة لا يمكنه من ركوبها , إنّه يريد منه علانية على غرار عمر وأبي بكر , فلمّا أحسّ بذلك , علم أنّ عهده قد نكث ، فعاداه هذه العداوة التي ستنتهي إلى التفكير في الانتقام , كيف لا ، وعبد الرّحمن بن عوف قد زهد في كلّ شيء وغامر بكلّ مكتسباته ليثّبت عثمان ؟! لقد أفسد علاقته مع عليّ (عليه السّلام) وشيعته , وسقط من أعين الصحابة الكبار ؛ لذلك سيحاول عبد الرّحمن استدراك الخطيئة ليتقرّب إلى عليّ (عليه السّلام) من جهة ، ويسقط عثمان من جهة اُخرى ، وقد تحيّن الفرص كلّها من أجل إسقاط عثمان , حتّى إذا كان وفاة أبي ذر في الرّبذة ، استغلّها كورقة سياسيّة ودينيّة في نعي عثمان .

يروي الواقدي : لمّا توفّي أبو ذر بالرّبذة ، تذاكر عليّ وعبد الرّحمن فعل عثمان , فقال عليّ (عليه السّلام) له : (( هذا عملك )) . فقال عبد الرّحمن : فإذا شئت فخذ سيفك وآخذ سيفي ، إن خالف ما أعطاني . وهذه : أعطاني . تدلّ على أنّ عبد الرّحمن صادق وذكيّ لمّا قالها في صيغة المجهول , فأعطاني ، أي : وعد الخلافة .

أمام هذا الواقع المتموّج بالرّفض والتمرّد , كان لا بدّ لعثمان أن يسلك نهجاً سياسياً يقيه من ضربات المعارضة ويجنّبه خطر السّقوط , فما هي الإجراءات التكتيكية التي اتّخذها عثمان لتطويق حالة الرفض الاجتماعي ؟ لسنا طبعاً مثل طه حسين لمّا حرص على إيجاد المبرّرات التاريخيّة للفتنة الكبرى , قال : إنّهم معذورون ؛ لأنّهم لم يعرفوا حتّى ذلك الزمان معنى الدستور .

أقول : إنّ السّيطرة على الظلم في مجتمع بسيط , هو أسهل بكثير منه في مجتمع مدني معقّد , وممارسة العدالة كانت منذ غابر العصور فضيلة تذكر في الاُمم , بل إنّ العدل كان يمارس كفضيلة أخلاقيّة إلى جانب كونه قيمة حقوقية . ومن جهة اُخرى , فإنّ السّياسة حتّى في زمن عثمان ، لم تكن تمارس بسليقة اجتماعية ـ كما يتصوّر البعض ـ , إنّما كانت تمارس بتخطيط مُحكم , والمستشارون الذين اعتمدهم عثمان ، كانوا من دهاة العرب , والسّترجة العثمانية في تحجيم دائرة الرفض وتوفير التهدئة الضروريّة ، كانت تتجسّد في ثلاثة مسالك :


الصفحة 202

المسلك الأوّل :

تحقيق نوع من الإفراط والتّضخيم في النّشاط البرّاني للمجتمع الإسلامي ؛ إذ أنّ سياسة تصدير الأزمات ، وبالتالي الاهتمامات إلى الخارج ، ليس وليد السّياسة المعاصرة ؛ بل هي قديمة قدم الاجتماع البشري ، ومنذ نشوء السّلطة في المجتمع الإنساني , وهي السّياسة التي تفوّت الاهتمام بالداخل إلى قضايا الخارج ، وتوجيه الهمّ المجتمعي إلى أزمات الخارج ، ومن ذلك الحروب التي تخلقها بعض الدول لتصرف أنظار المجتمع إلى الجبهات , وبالتّالي تتجنّب الاضطرابات في الداخل .

وكان عثمان بن عفان حريصاً على خلق واقع من النّشاطات البرّانية ؛ ليبعد الأنظار عن سياسته ومفاسده الداخلية , فشجّع الفتوحات وألهى بها المسلمين . والتاريخ يثبت أنّ الفتوحات التي كانت تجري في هذا العصر وما بعده , لم تكن ذات هدف ديني خالص ، بقدر ما كان العامل التجاري والاقتصادي حاضراً فيها , فكانت الفتوحات تفيض عليهم بالغنائم النّفيسة , ولم تكن الأمصار محطّ اهتمام ديني بقدر ما كانت مستوطنات لبني اُميّة ، يشيّدون فيها قصورهم ، ويكرّسون فيها مظاهر الفساد . إنّ عمليّة إلهاء الجماهير الإسلاميّة وإشغالها بالحروب ، يلغي الخلفيّة الإسلاميّة السّلميّة لحركة الفتح .

لقد اشتدّت حدّة التمرّد وعمّ الاضطراب في الداخل والخارج ، وتداول المسلمون قضايا المفاسد وتناقلوها فيما بينهم ، وبدأت سلطة عثمان تدخل شيئاً فشيئاً نفق الانهيار , في تلك الأثناء ، جمع هيئته الاستشارية من الطلقاء وضعاف الإيمان ؛ ليتباحث معهم شؤون الدولة وأوضاع المجتمع ، والكيفيّة التي يتخلّص بها من المعارضة ، جمعت الهيئة كلاّ من : معاوية بن أبي سفيان ، وعبد الله بن سعد بن أبي سرح ، وسعيد بن العاص ، وعمرو بن العاص , وغيرهم .

فقال عثمان : إنّ لكلّ امرئ وزراء نصحاء ، وإنّكم وزرائي ونصحائي وأهل ثقتي ، وقد صنع النّاس ما رأيتم , وطلبوا إليّ أن أعزل عمّالي وأن أرجع عن جميع ما يكرهون إلى ما يحبّون , فاجتهدوا لي رأيكم ثمّ أشيروا عليّ .


الصفحة 203

فقال عبد الله بن عامر : رأيي لك يا أمير المؤمنين : أن تأمرهم بجهاد يشغلهم عنك ، وأن تجمرهم في المغازي حتّى يذلّوا لك ، فلا تكون همّة أحدهم , إلاّ نفسه وما هو فيه من دبر دابته وقمل فروته(1) .

وعليه فإنّ حركة الفتوح لم تعد هدفاً رساليّاً مقدّساً كما كانت على عهد الرّسول (صلّى الله عليه وآله) , بل تحوّلت إلى أسهم في بورصة الجهاد ؛ إذ لمّا كان عثمان قد ولّى عبد الله بن عامر البصرة ، وولّى سعيد بن العاص الكوفة ، كتب إليهما : أيّكما سبق إلى خراسان فهو أمير عليها . فخرج عبد الله بن عامر وسعيد بن العاص ، فأتى دهقان من دهاقنة خراسان إلى عبد الله بن عامر , فقال : ما تجعل لي إن سبقت بك ؟ قال : لك خراجك وخراج أهل بيتك إلى يوم القيامة . فأخذ به على طريق مختصر إلى قومس ، وعبد الله بن حازم السّلمي على مقدّمته . . . الخ(2) .

وقد كثرت الفتوح التي قادها ضعاف الإيمان ، فُتحت هراة ومرو الرّوذ ، ثمّ الطالقان والغارياب وطخارستان , وأرمينية وجرزان . . . وكان عثمان قد بعث بجيش وجعل معاوية أميراً لهم على الصائفة في سنة ( 32 هـ ) ، فبلغوا إلى مضيق القسطنطينية وفتحوا فتوحاً كثيرة(3) .

لم تكن حكومة عثمان تهيّء برنامجاً تثقيفيّاً للبلدان المفتوحة , بل كانت جيوشه تكتفي بإخضاع البلدان إلى الاستسلام ، ثمّ نهب ثرواتها ثمّ الافساد فيها . والتواريخ تطفح بالأخبار عن عمّال عثمان ولهوهم وعبثهم في الإمارات(4) ،

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) تجارب الاُمم , مسكويه 8 / 273 .

(2) تاريخ اليعقوبي 2 / 116 ـ 167 .

(3) نفس المصدر .

(4) حتّى يذكر أنّ الوليد أصبح وهو سكران وصلّى بالنّاس الفجر أربع ركعات .


الصفحة 204

غير أنّ الخطّة التي دبّرها عثمان لتحجيم المعارضة لم تنجح ؛ لأنّ فئات التمرّد لم تكن واحدة , بل هي مختلفة تماماً ، ولكلّ واحدة خلفياتها في التحرّك ، فهناك إلى جانب تلك الفئات ، فئة تتحرّك في ضوء هدف ثابت ، هو إسقاط عثمان والخلافة ، وإعادة الأمر إلى أهله من آل البيت (عليهم السّلام) , وهؤلاء لم تلههم الفتوحات ؛ لأنّهم لم ينشغلوا بغنائمها ، وعليه فإنّ عثمان كان هو نفسه مضطراً إلى سلوك أكثر من خطّة في القمع السّياسي , فكان حتماً أن يسلك مسلكاً آخر .

المسلك الثاني :

اُسلوب القمع والتصفية المنهجية للمعارضة . وكان هذا ثاني اُسلوب لجأ إليه عثمان بعد أن أفلس اُسلوبه الأول ، ولم يحقق إلاّ نتائج وقتية , وهذا المسلك يقضي بتتبع آثار المعارضة والقبض على رموزها ، واتخاذ الإجراءات العنيفة ضدّهم , وبكسر شوكة قيادات التمرّد تنكسر عصا التمرّد كلّه , وكانت هذه الخطّة في بداية المشاورات من وحي سعيد بن العاص , إذ لمّا جمعهم عثمان والتمس آراءهم حول مسألة التمرّد قال له سعيد : يا أمير المؤمنين ، إن كنت تريد رأينا فاحسم عنّا الداء ، واقطع ما تخاف من الأصل واعمل برأيي . قال : وما هو ؟ قال : إنّ لكلّ قوم قادة , متى تهلك , تفرّقوا ولا يجتمع لهم أمر . قال عثمان : إنّ هذا الرّأي لولا ما فيه(1) .

كانت هذه الخطّة أقرب إلى الحسم من الخطّة الأولى ، غير أنّها مكلفة ؛ لأنّ فيها مواجهة مباشرة بين عثمان وعصابة بني اُميّة وكبار الصحابة المتمرّدين . وأدرك عثمان أنّه من الصعب أن يتّخذ إجراءات حاسمة ومباشرة ضدّ هؤلاء المهاجرين , إلاّ أنّه يفقد أحياناً توازنه فيسلك فيهم مسلكاً قمعياً ، فتزيد شقّة التمرّد اتّساعاً .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) تجارب الاُمم لمسكويه 1 / 272 .


الصفحة 205

وكان من مصلحة عثمان أن يلجأ إلى قتل عليّ وطلحة والزبير فيما لو أطاع معاوية(1) ، لكنّه رأى أنّ ذلك سيؤجّج الوضع أكثر ممّا يخمده ، فكان عثمان يبعث بالمعارضين وينفيهم إلى الشّام ؛ حيث معاوية يذلّهم ويربّيهم على الالتزام والصمت(2) .

كانت المعارضة تشتمل ـ كما سبق أن ذكرنا ـ مجموعة فئات ، والفئة المركزية كانت تتألّف من عليّ (عليه السّلام) وكبار الصحابة , وحيث إنّ عثمان لم يستطع تطبيق عقوباته على اُولئك الكبار بمركزيّتهم الدينيّة والعشائريّة في المجتمع ، فإنّه لجأ إلى تفريغ جام غضبه على فقرائهم وضعافهم .

لقد عجز عثمان عن معاقبة الإمام عليّ (عليه السّلام) ؛ لأنّه يدرك إنّ ذلك قد يثير عليه المشاكل ويدخله في المآزق ؛ لأنّ الإمام عليّ (عليه السّلام) لم يسكت يومها لضعف فيه أو لعجز اعتراه , وإنّما حفاظاً على تماسك المجتمع , أما وإنّهم ليعلمون أنّه أسد في عرينه , لذلك اكتفى عثمان بشكايته إلى عمّه العبّاس ـ حسب البلاذري بإسناده عن ابن عباس ـ : إنّ عثمان شكا عليّاً إلى العبّاس ، فقال له : يا خال , إنّ عليّاً قطع رحمي وألّب النّاس ابنك . ومثل ذلك كان موقفه من محمّد بن أبي بكر لمكانته من أبيه واُخته , وكذلك محمّد بن أبي حُذيفة لمكانته من قريش ، رغم ما أثاروه عليه في مصر ومضايقتهم عامله فيها عبد الله بن سعد .

إلاّ أنّ عثمان لم يسلك نفس الطريق مع ضعاف المعارضة الذين ليست لهم قرابة تأويهم ولا عشيرة قويّة تظلّلهم ، وبعد أن ضاق بمعارضتهم المستمرّة بدأ عثمان ينهج اُسلوبه القمعي ، فالظروف لم تعد تسمح له بتوقير الصحابة ، فبدأ إجراءاته بابن مسعود .

كان هذا الأخير والياً على الكوفة منذ عمر(3) ،

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) راجع ابن قتيبة في تاريخ الخلفاء .

(2) كما فعلوا بمن تمرّد من أهل السّواد على سعيد بن العاص , الذي [ أراد ] أن يسلبهم أرضهم .

(3) وكان في البداية وليّه على الشّام , ثمّ نقله إلى الكوفة وأوصى النّاس أن يتبعوه .


الصفحة 206

وتولّى في عهد عثمان بيت المال في الكوفة في إمارة سعد بن أبي وقّاص , وبدأت الأزمة مع عثمان لمّا ولي الوليد بن عقبة ، حيث استقرض من بيت المال ، فلمّا جاء الأجل ، رجع إليه ابن مسعود ، فراح يتهرّب من الأداء ، فأصرّ عليه ابن مسعود ، فشكاه الوليد إلى عثمان ، وكتب عثمان إلى ابن مسعود : إنّما أنت خازن لنا ، فلا تعرض الوليد فيما أخذ من بيت المال . فغضب ابن مسعود واعتزل ، وكانت تلك بداية الخلاف بين الرجلين .

وحيث إنّ ابن مسعود اعتزل إلى التعليم والتدريس وكان له مصحفه الخاص , فإنّ عثمان كان قد طلب منه مصحفه ليحرقه , وقد رفض ابن مسعود بدعة عثمان في حرق المصاحف ككل واعتماد مصحفه الوحيد , وابن مسعود كان يرى نفسه أحفظ لكتاب الله وأعلم به من عثمان وعصابته ، والسّيرة تشهد له بذلك , فأبى أن يسلّم مصحفه ، ونعى ذلك على عثمان . ولمّا كتب الوليد إلى عثمان بخصوص ابن مسعود وطعنه فيه ، طلب منه إحضاره إلى المدينة , فلمّا رآه عثمان وكان يخطب من على المنبر ، قال : ألا إنّه قد قدمت عليكم دويبة سوء , مَن يمشي على طعامه يقئ ويسلح .

فقال ابن مسعود : لست كذلك ، ولكنّي صاحب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يوم بدر ويوم بيعة الرضوان . ونادت عائشة : أي عثمان , أتقول هذا لصاحب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) . ثمّ أمر عثمان به , فاُخرج من المسجد عنيفاً ، وضرب به الأرض فدّقت ضلعه , فلامه عليّ (عليه السّلام) على ذلك ، وقال له : (( تفعل هذا بصاحب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) عن قول الوليد ؟! )) . فقال عثمان : ما من قول الوليد فعلت هذا ، ولكنّي أرسلت زبير بن كثير فسمعه يحلّ دمي . قال عليّ (عليه السّلام) : (( زبير غير ثقة )) .

بقي ابن مسعود غاضباً على عثمان حتّى مات , وأمر أن لا يصلّي عليه ، فدفن سرّاً ، وقام بجنازته عمّار بن ياسر ـ كما سبق أن ذكرنا ـ .

 وكان عثمان قد قطع العطاء عن ابن مسعود , حتّى لمّا مرّ بابن مسعود أحسّ عثمان بالذنب ، أتاه يطلبه ، قال : ما تشتهي ؟ قال له ابن مسعود : رحمة ربّي . قال عثمان : هل أحضر لك طبيباً ؟ قال ابن مسعود: الطبيب أمرضني. فقال له عثمان: أردّ عليك عطاءك؟ فقال: حبسته عنّي حين احتجت إليه ، وتردّه إليّ حين لا حاجة لي به ؟! فقال عثمان : يكون لأهلك . فقال ابن مسعود : رزقهم على الله . قال


الصفحة 207

عثمان : فاستغفر لي يا أبا عبد الرّحمن . قال ابن مسعود : أسأل الله أن يأخذ لي منك بحقّي .

 ولم يكن ابن مسعود هو أوّل وآخر من سلك فيهم عثمان سياسة القمع , فهناك عمّار بن ياسر الذي طالما تمرّد وتمرّد على عثمان وزمرته . وكان عمّار رغم ضعف عشيرته ذا مركز اجتماعي كبير ، منحته إيّاه سابقيته وبلاؤه مع الرّسول (صلّى الله عليه وآله) , وكان ـ كما سبق القول ـ ميزاناً للحقّ والباطل(1) . وكذلك حرص عثمان أن لا يمارس عليه القمع مثل ما فعل بالآخرين ، غير أنّ التصعيد الثوري فرض عليه خيار القمع المضاد للتمرّد .

ويذكر البلاذري في أنساب الأشراف : أنّ عثمان أخذ جواهر من بيت المال , فحلّى به بعضاً من أهله , فغضب النّاس , فخطب فقال : لنأخذنّ حاجتنا من هذا الفئ , وآن رغمت أنوف أقوام . فقال له علي (عليه السّلام) : (( إذن , تمنع من ذلك ويحال بينك وبينه )) . وقال عمّار : أشهد الله أن أنفي أوّل راغم من ذلك . فقال عثمان : أعليّ يابن المتكاء تجترئ ؟! خذوه . فاُخذ ، ودخل عثمان فدعا به فضربه حتّى غشي عليه . وما زال عمّار في مناوئته لعثمان ومعارضته لسياسته حتّى قُتل .

كما استمر عثمان في ملاحقة المعارضة ورموزها , وفي تلك الأثناء كان بالشّام أحد كبار الصحابة وطلائع الرسالة ، وهو أبو ذر الغفاري (رض) , وقد كان رجلاً ثوريّاً لم تثنه لومة ولا ثناء عن نصرة الرّسالة , وقد قال عنه الرّسول (صلّى الله عليه وآله) : (( ما أقلّت الغبراء ولا أظلّت الخضراء رجلاً أصدق ذي لهجة من أبي ذر ))(2) . ولذلك لمّا رأى عثمان بالمدينة يقرّب أبناء عشيرته ويكثر لهم في العطاء من بيت مال المسلمين ، رفع صوته عالياً : ( وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ )(3) . فضاق عمّال عثمان وأقرباؤه بهذا الشّعار ، فشكاه مروان بن الحكم إلى عثمان ، فأرسل إليه عثمان ، فردّ عليهم أبو ذر : أينهاني عثمان عن قراءة كتاب الله , وعيب مَن ترك أمر الله ؟! لأن اُرضي الله بسخط عثمان , أحبّ إليّ من أن أرضي عثمان بسخط الله .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ورد في الحديث ابن سمية ، تقتله الفئة الباغية .

(2) وفي حديث : يبعث أبو ذر اُمّة وحده .

(3) سورة التوبة / 34 .


الصفحة 208

وعندما احتد الصراع بين أبي ذر وعثمان وحدّت لهجته أمام كعب ، أمره عثمان بالالتحاق بالشّام , وتلك كانت جزءاً من الخطّة التي اعتمدها عثمان في نفي الصحابة إلى الشّام ؛ ليذّلهم بمعاوية بعيداً عن الأنظار .

غير أنّ أبا ذر أصدق لهجة من أن تحتويه (ديماغوجية) معاوية بن أبي سفيان ؛ لذلك أفشل مخطّط عثمان ، فكاد يفجّر الأوضاع على معاوية في الشّام ؛ حيث استمر على ذات الشّعار , وانتقد معاوية انتقاداً جذرياً ، إذ قال له ـ بعد استنكاره بناء الخضراء ـ : إنّه إن كنت بنيتها بمال المسلمين ، فقد خنتهم ، وإن كان ذلك من مالك , فهو إسراف . وفي كلتا الحالتين يكون سلوك معاوية منحرفاً عن خطّ السّياسة الإسلاميّة , فكان يجتمع حوله النّاس ويصغون , وعزّ على معاوية أن يفقد مكتسبات سنوات من التربية الاُمويّة للشام , فكتب إلى عثمان يستنجده من أبي ذر , فطلب منه عثمان أن يشخصه إليه في أغلظ مركب وأوعره , فلمّا حضر المدينة ، لم ينته عن أن يصدع بالحقّ في وجوه الفئات الأرستقراطيّة الاُمويّة , واستمر في مهمّة التحريض , وكان من مصلحة عثمان والاُمويّين أن لا يبقى أبو ذر في المدينة ولا في الشّام ، ولا في أيّ أرض يكثر فيها النّاس , فنفاه إلى الرّبذة ، حيث لبث فيها إلى أن مات . وتذكر التواريخ : أنّه لم يجد إلاّ عابري سبيل دفنوه , بعد أن عجزت زوجته عن ذلك .

هذا هو النّهج القمعي الذي مارسه عثمان مع أقرب رجالات الصحابة إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) , ولم يرع فيهم شهادة الرّسول (صلّى الله عليه وآله) ولا مودّته لهم ، بل جنّ جنوناً لم يعد يعترف إلاّ بمصلحته وأقربائه .

وفي نفس الوقت الذي فعل ذلك بالصحابة الكبار الذين تمسّكوا بخطّ الرّسول وآل بيته , كان يغدق في العطاء للطلقاء من أقربائه , فلقد طرد أبا ذر إلى الرّبذة ـ أحد حواري الرّسول (صلّى الله عليه وآله) ـ وأعاد من المنفى خصم رسول الله الحكم بن العاص , وقطع العطاء على ابن مسعود ووسع في الإمارة لمعاوية بن أبي سفيان , واغتصب فدكاً من ولد فاطمة الزهراء (عليها السّلام) وأقطعها مروان , ورفض قضاء عليّ (عليه السّلام) بخصوص عبيد الله بن عمر وقبل قضاء عمرو بن العاص فيه .

وكان عمّار بن ياسر قد حزن لمّا سمع بموت أبي ذر ، وأفصح عن عواطفه تجاهه , فلمّا رأى منه عثمان ذلك ، ظن أنّه يوجّه إليه


الصفحة 209

اللوم , فغضب عليه عثمان وأمره بالذهاب إلى الرّبذة , فغضب بني مخزوم وكذا الإمام عليّ (عليه السّلام) ولاموا عثمان , فقال هذا الأخير لعليّ (عليه السّلام) : ما أنت بأفضل من عمّار ، وما أنت أقلّ استحقاقاً للنفي منه . غير أنّ عليّاً (عليه السّلام) لم يكن إلى هذا المستوى من الضعف ، ولعلّ عثمان اغترّ بنفوذ حكمه العشائري ، غير أنّ عليّاً (عليه السّلام) ردّ عليه : (( رم ذلك إن شئت )) . وتوسّط المهاجرون إلى عثمان ولاموه جميعاً ، فلم يتّخذ إجراءاته في حقّ عمّار ولا عليّ (عليه السّلام) .

وهذا النّهج الذي سلكه عثمان في كبت الرّأي ، واستضعاف الكلمة الرّساليّة , وإسقاط مركزيّة الصحابة , ورفع وتوسيع نفوذ بني اُميّة , لم يكن ليقضي على شعلة الإسلام في نفوس الفئة الاصلاحيّة , ولم يكن القمع يخيف قوماً قام على أكتافهم الإسلام ، وخاضوا أشرس الحروب وأضراها ، وقدّموا مهجهم في سبيل نصرة الرّسالة , لم تكن هذه الأساليب الطاغوتيّة ، لترد فئة بايعت الرّسول (صلّى الله عليه وآله) في بيعة الرّضوان على أن لا تفرّ الزّحف ، وعلى بذل الغالي والنّفيس في رفع راية الإسلام , ولذلك ازداد التمرّد وازداد النّاس بصيرة في عثمان وأهله , وكان عثمان يقاتلهم قتال من يحرص على ملكه , لا مَن يهدف خلافة الرّسول في مسؤولية الاُمّة . لكن عثمان رغم ذلك , لم ييأس في محاولاته لمحاصرة المدّ الثوري , فراح يطبّق خططه الاُخرى مع خططه الأولى , ومن ذلك :

المسلك الثالث

 كان هذا المسلك هو التخفيض من الاتجاه الأيديولوجي الإسلامي للمجتمع ، بحيث لا تبقى روح الإسلام تغزو كلّ قلب ، ممّا يجعل النّاس يشعرون بالمسؤولية تجاه مفاسد السّلطة ؛ لأنّ تعاظم الأيديولوجية الإسلاميّة في نفوس المجتمع ، هي التي تخلق حالة من اليقظة والرقابة فيه .

وحاول أن يسلك طريق التمييع للمجتمع عبر وسيلتي التفقير والإغناء , التفقير للعناصر المتمرّدة عشائرياً , والإغناء للفئات المتمرّدة دينياً واقتصادياً ، الأولى بمقتضى : جوّع كلبك يتبعك . والثانية بمقتضى : اشتر صمت عدوّك بالمال ؛


الصفحة 210

لذلك لجأ إلى إغراق المجتمع في الحاجة والتطلّب المادي .

كان رأي عثمان أن يشرك الفئة المتمرّدة من كبار الصحابة في العطايا . كما استوحى فكرة الانحراف بالمال ، على الفئة المتمرّدة اقتصادياً ، من عميله عبد الله بن سعد ، حيث لمّا استشاره من بين مستشاريه , قال : يا أمير المؤمنين ، النّاس أهل طمع ، فأعطهم من هذا المال تعطف عليك قلوبهم(1) .

ويذكر مسكويه في تجاربه : إنّه تمّ فعلاً تطبيق هذه الخطّة بأشملها , فردّ عثمان عمّاله على أعمالهم ، وأمرهم بالتضييق على من قبلهم ، وأمرهم بتجمير النّاس في البعوث , وعزم على تحريم أعطياتهم ليطيعوه ويحتاجّوا إليه , وردّ سعيد بن العاص أميراً على الكوفة(2) .

وكان أوّل ما منع عثمان عطاء ابن مسعود ـ كما تقدّم ـ ومكّن للزبير وطلحة وعبد الرّحمن بن عوف . . . , فكانوا من أثرياء العرب يومها , وحاول ذلك مع اُناس كثير فرفضوا إغراءه . وكان محمّد بن أبي حُذيفة ممّن ألّب عليه بمصر , وأرسل عثمان على أثر ذلك بمال وكسوة ، فرفض الفتى ذلك في المسجد , وقال : انظروا يا معشر المسلمين إلى عثمان , يريد أن يخدعني عن ديني بالرّشوة . وقد سبق لعثمان أن عزل عبد الله بن الأرقم ، أو بالأحرى هو استقال لمّا ادّعى عثمان إنّه خازن لبيت أهله , وأعطى المفاتيح بعده لزيد بن ثابت .

ويروي الواقدي : أنّ عثمان أمر زيد بن ثابت أن يحمل من بيت مال المسلمين إلى عبد الله بن الأرقم في عقيب هذا الفعل ثلاثمئة ألف درهم , فلمّا أدخل بها عليه ، قال له : يا أبا محمّد , إنّ الأمير عثمان أرسل إليك يقول : إنّا قد شغلناك عن التجارة ، ولك رحم أهل حاجة ، ففرّق هذا المال فيهم ، واستعن به على عيالك .

فقال عبد الله بن الأرقم : ما لي إليه حاجة , وما عملت لأن يثيبني عثمان , والله ,

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) مسكويه في التجارب 1 / 272 .

(2) نفس المصدر , وكذلك ذكره الطبري .


الصفحة 211

إن كان هذا المال من بيت مال المسلمين , ما قدر عملي أن اُعطى ثلاثمئة ألف ، ولئن كان من مال عثمان , ما أحبّ أن أرزأه من ماله شيئاً . وما في هذه الاُمور أوضح من أن يشار إليه وينبّه عليه . هذه باختصار هي السّياسة الماليّة غير المتوازية التي كان يسلكها عثمان , ففئة يرى تفقيرها بمنع العطاء عنها ، وفئة اُخرى يرى إغراءها بالأموال , أمّا أقرباؤه , فقد أثبت ملكهم بأن وسّع عليهم توسيعاًَ .

كانت هذه السّياسة في مجملها كالسّحر إذ ينقلب على السّاحر , وكان على بني اُميّة أن ينقضّوا على الحكم كلّه , فعثمان رجل مهما كان فهو أضعف في رأي الاُمويّين من معاوية , وسياسة معاوية تقضي بتقتيل المعارضة ، وهذا ما رفضه عثمان لأسباب معيّنة .

كان موقف معاوية أن يقتل المعارضين ، فأبى عثمان ذلك ؛ خوفاً من استفحال الأزمة , وطلب منه معاوية أن يصطحبه إلى الشّام ، حيث يدافع عنه برجاله , فأبى عثمان . قال معاوية لعثمان غداة ودّعه : يا أمير المؤمنين ، انطلق معي إلى الشّام قبل أن يهجم عليك من لا قبل لك به ، فإنّ أهل الشّام على الأمر لم يزولوا . فرفض عثمان , فطلب منه أن يبعث إليه جنداً منهم يقيمون بين ظهراني أهل المدينة لنائبة إن نابت . فرفض عثمان , قال له معاوية : والله يا أمير المؤمنين , لتقاتلنّ ولتغزين . فقال معاوية : يا أيسار الجزور ، وأين أيسار الجزور ؟ ثمّ خرج(1) .

عرف معاوية أنّ الأمر يسير هذه الوجهة , فعليه أن يقوّي جيشه ليستعدّ

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) تجارب الاُمم وكذا الطبري , وفي لفظ هذا الأخير : لتغتالنّ ولتغزينّ .


الصفحة 212

للمستقبل القريب .

لقد عزّ عليه أن يرى ابن قرابته تتوزّعه سيوف القوم , غير أنّ الملك عقيم وهو أغلى , وحيث إنّ الأمر لا محالة كذلك ، فإنّ معاوية سيجمع بين الأمرين إن يترك الأمر إلى ما بعد قتل عثمان ؛ ليضرب العصفورين بحجر ؛ ليركب الانتقام لعثمان من أجل الاستيلاء على الحكم .


الصفحة 213

مقتل عثمان . . . الأسباب والملابسات

ما يحاول أن يكرّسه مؤرّخة البلاط ، هو أنّ عثمان قُتل من قبل خوارج الاُمّة , وأنّ عصابة من السّبائيّة كاتبت أهل الأمصار للمجئ إلى المدينة حتّى ينظروا في ما يريدون . فماذا عسانا أنْ نقول ؟ أبعد كلّ ما جرى يكون عثمان مظلوماً ؟ وهل إذا لم يكن التوزيع الطبقي والعشائري لمال المسلمين ، حمل بني اُميّة على رقاب المسلمين ظلماً ؟ فكيف ترى يكون الظلم ؟ كيف ؟! كيف ؟!

الواقع إنّ عثمان قُتل في ثورة شعبيّة عارمة ؛ سببها الفساد الذي بدأ يتهدّد المجتمع ووصل في فترة عثمان إلى قمّة هرمه ، والذين شاركوا في قتل عثمان ليسوا على كلّ حالة زنادقة , ولم يكونوا مجهولين حتّى يُقال عنهم مجوسيّون أو خارجيّون , بل كانوا كثيرين إلى درجة يستحيل فيها تجاهلهم . ومن بين اُولئك الذين أقاموا الحدّ الثّوري على عثمان ابن أبي بكر ، الذي تحوّل فيما بعد إلى أقرب النّاس للإمام عليّ (عليه السّلام) , وفيهم طلحة والزبير , وفيهم محمّد بن أبي حُذيفة , وغيرهم من الصحابة .

إنّه ليس في وسع الباحث إلاّ أن يعترف بهذه الحقيقة من دون التواء , وقد اعترف بها جميعهم , يقول سيّد قطب : وأخيراً ثارت الثائرة على عثمان ، واختلط فيها الحقّ بالباطل والخير


الصفحة 214

بالشّر ، ولكن لا بدّ لمن ينظر إلى الاُمور بعين الإسلام ، ويستشعر الاُمور بروح الإسلام ، أن يقرّر أنّ تلك الثورة في عمومها كانت فورة من روح الإسلام , وذلك دون إغفال لما كان وراءها من كيد اليهودي ابن سبأ عليه لعنة الله(1) .

الله الله يا سيّد ! ما عهدنا عليه هذه السّذاجة ؛ إنّه مع اعترافه بحقيقة الأوضاع , لا يزال متشبّثاً بأيديولوجية عبد الله بن سبأ ، وكيف لا يتشبّث بها وهو يأخذ كلّ مسلّمات التاريخ الإسلامي المصطنع . إنّه يعترف أنّ الثورة كانت فورة من روح الإسلام , إنّه اعترف أيضاً رحمه الله : مضى عثمان إلى رحمة ربّه ، وقد خلّف الدّولة الاُمويّة قائمة بالفعل بفضل ما مكّن لها في الأرض ، وبخاصّة في الشّام ، وبفضل ما مكّن للمبادئ الاُمويّة المجافية لروح الإسلام ، من إقامة المُلك الوراثي والاستئثار بالمغانم والأموال والمنافع , ممّا أحدث خلخة في الرّوح الإسلامي العام . لا بدّ إذاً من استحضار مجريات الثّورة وملابسات المقتل ، ومن قتل ؟ وكيف ؟ ولماذا ؟

إنّ استحضار المشهد بكلّيّته حريّ بأن يعطينا فكرة واضحة عن حقيقة الحدث ، ذلك الحدث الذي ظلّ يعرض علينا مجرّداً من ملابساته ، وتحت غمام كثيف من التلفيق والبكاء الأيديولوجي المصحوب بتزييفات ومبرّرات مشؤومة . ولكي نكون شجعاناً في قراءة التاريخ والإخلاص للحقّ والمعرفة , لا بدّ أن ندخل الحدث من باب التاريخ لا من باب الترجمات الأسطوريّة .

كان أصل الثّورة وجوهرها تغييريّاً إصلاحياً , بيد أنّ ركوب الفئات المشبوهة موجة الغضب الجماهيري في الانتقام لمشاريعها الخاصّة , كان موجوداً وسنبدأ بهذه الفئات المشبوهة . كان عمرو بن العاص رائد الاتجاه الانتهازي الذي يتحدّد ولاءه بالمصلحة . عمرو بن العاص ليس من الذين أسلموا طوعاً , وقد كان حريصاً

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سيّد قطب , العدالة الاجتماعيّة في الإسلام / 161 , دار الشّروق ، الطبعة الثامنة .


الصفحة 215

على محو أثر الإسلام , غير أنّه لم يوفّق , وهو واحد من الذين ساروا إلى النّجاشي بالحبشة ؛ لتأليبه على المهاجرين بقيادة جعفر بن أبي طالب (رض) .

ظلّ عمرو حليفاً لبني اُميّة ، بينهما مصالح قوّضوا في سبيلها روح الإسلام , وفي زمن عثمان كان عمرو يمارس دهاءه بشكل دقيق , كان في نهاية الأمر يدرك أنّ عثمان مهزوز السّلطان وأن الثّورة ستنشب لا محالة , فكان في كلّ مرّة يظهر للناس مواقفه الخادعة ليموّه عليهم ، ثمّ يبرّر ذلك لعثمان ليحافظ على مكانته عنده . قال مرّة لعثمان : اتّق الله يا عثمان ؛ فإنّك قد ركبت نهابير وركبناها معك ، فتب إلى الله نتب معك . فناداه عثمان : وإنّك هناك يابن النّابغة ! قملت جبّتك منذ عزلتك عن العمل . فنودي من ناحية اُخرى : أظهر التوبة يا عثمان يكفّ النّاس عنك . ونودي من ناحية اُخرى بمثل ذلك(1) .

غير أنّ عمرو بن العاص كان حريصاً على علاقته بعثمان , ولمّا تفرّق القوم , قال له : لا والله يا أمير المؤمنين ، لأنت أعزّ عليّ من ذلك ، ولكن قد علمت أنّ النّاس قد علموا أنّك جمعتنا لتستشيرنا ، وسيبلغهم قول كلّ رجل منّا , فأردت أن يبلغهم قولي فيثقوا بي لأقود إليك خيراً وأدفع عنك شرّاً(2) . وبهذه الازدواجية بقي حتّى مقتل عثمان حين جاء يتوسّط لعثمان مع الثّوار ، فنهروه واتّهموه فوّل خائباً .

وعندما قُتل عثمان ، ولم تعد المصلحة لعمرو بن العاص في أن يتمسّك بشرعيّة عثمان , خرج إلى منزله بفلسطين ، وكان يقول : والله , إنّي كنت لألقى الرّاعي فأحرّضه على عثمان . . . ولمّا مرّ به راكب من المدينة ـ وهو مع ابنيه محمّد وعبد الله وسلامة بن روح الجذامي ـ فسأله عمرو عن

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) مسكويه , تجارب الأمم 8 / 384 .

(2) نفس المصدر .

 

 

الصفحة 216

عثمان . فقال : هو محصور . قال عمرو : أنا أبو عبد الله ، قد يضرط العير والمكواة في النّار(1) .

كذلك كان عمرو بن العاص تحرّكه المصلحة وتملي عليه في الاختيارات الانتهازية , تحرّك ضدّ عثمان لمّا عزله ، ولم يوسع عليه في الإمارة مثل ما فعل بمعاوية . وهو لا يهمّه أن تتقوّى عشيرة بني عبد مناف , فهو أصلاً لم يحص له التاريخ نسباً يفتخر به ، وقد عرف بابن النّابغة ؛ لأنّه وليد نمط معيّن من الزنا كان معروفاً لدى الجاهليين(2) ، فهو ليس ابن الفراش ؛ لذا فإنّ ظروفه النّفسيّة والاجتماعيّة مهيّأة لسلوك هذا النّوع من الاختيارات المزدوجة , فكان الدافع الاقتصادي والعشائري ، إحدى محفّزاته ضدّ عثمان .

 وكان بإمكان معاوية أن يذود عن عثمان ويمنع عنه الثّوار ولو بالقمع , وكانت أمامه مندوحة للتعجيل بالقدوم ؛ لنصرة عثمان بجيش الشّام , غير أنّ معاوية أبى إلاّ أن يمارس دهاءه البطيء والهادئ , إنّه لا يريد لعثمان أن يُقتل ولكنّه في سبيل المُلك قد يفعل . وكان قد كتب إليه عثمان أن يعجّل في المجئ إليه ، فتوجّه إليه في اثني عشر ألفاً ، ثمّ قال : كونوا بمكانكم في أوائل الشّام حتّى آتي أمير المؤمنين لأعرف صحّة أمره . فأتى عثمان ، فسأله عن المدّة ، فقال : قد قدمت لأعرف رأيك وأعود إليهم فأجيئك بهم . قال : لا والله ، ولكنّك أردت أن اُقتل فتقول : أنا وليّ الثأر . ارجع فجئني بالنّاس . فرجع ، فلم يعد إليه حتّى قُتل(3) .

كانت هناك شريحة في داخل جهاز السّلطة العثماني ، تريد أن تركب موجة التغيير ؛ لتغيّر مجراها إلى قضيتها , ورموز هذا التّيّار هُما : معاوية بن أبي سفيان و عمرو بن العاص ؛ ذلك إنّ معاوية وبحكم النّفوذ الواسع الذي اكتسبه في بلاد الشّام ، حيث أصبح واسع الإمارة لمّا انضافت إليه إمارة فلسطين

ـــــــــــــــــــــــــــ

(1) التاريخ الكامل لابن الأثير 3 / 163 .

(2) هو أن يدخل مجموعة من الرجال على امرأة يطؤونها ، فإذا حملت تختار واحداً منهم وتشير إليه ، فيلحق به الولد .

(3) تاريخ اليعقوبي 3 / 175 .


الصفحة 217

وحمّص . أجل ، كان معاوية يطمع في المُلك بعد عثمان وحريصاً على هذا الأمر .

يذكر ابن الأثير في الكامل : أنّه لمّا نفر عثمان وشخص معاوية والأمراء معه واستقلّ على الطريق , رجز به الحادي فقال :

قد علمتْ ضوامرُ المطيْ      وضـمرات عُوجِ القسيْ
أنّ  الأمـيرَ بـعده عليْ      وفي الزُّبيرِ خلفٌ رضيْ
وطلحة الحامي لها وليْ

وكان كعب على عادته في الّنبوءات السياسيّة يكذّبه ويقول : كذبت , بل يلي بعده صاحب البغلة الشّهباء ، يعني معاوية ، فطمع فيها من يومئذ .

والحقيقة إنّ معاوية يطمع فيها منذ ولاّها الخليفتان , وهو رمز الاُمويّين بعد أبيه أبي سفيان , وهو مخطّط قديم يمدّ جذوره إلى البعثة ـ كما تقدّم ـ , فالقوم لا ناقة لهم ولا جمل في قضية الإسلام الرّساليّة ، بقدر ما لهم مصلحة في ملك العالم الإسلامي , إنّهم قد يملكون العرب لو أظهروا نعرتهم القوميّة ، ولكن كيف يتسنّى لهم حكم الأمصار , وما كان لأبناء اُميّة أن يحكموا عالماً بهذه السّعة لولا شوكة الإسلام ؟! فالمخطّط أدقّ ممّا تصوّر القشريّون .

استطاع الصحابة أن يتّصلوا بأهل الأمصار ليخبروهم بما يجري من مفاسد الداخل ، واستفحل أمر عثمان وذاعت أخبارهم في البلدان , وفي مصر كان محمّد بن أبي بكر وكذا محمّد بن أبي حُذيفة ، يقومان بتحريض النّاس على عثمان .

 ويذكر ابن الأثير : إنّ عثمان بعث إلى الأمصار برجال من عنده ؛ ليهدئوا الأوضاع ، فبعث إلى الكوفة محمّد بن مسلمة ، وإلى البصرة اُسامة بن زيد , وابن عمر إلى الشّام , وعماراً إلى مصر . فرجع الجميع إلاّ عمّار , فظنّوا أنّه قد قُتل حتّى وصل كتاب عبد الله بن أبي سرح , يخبرهم إنّ عمّاراً قد استماله قوم وانقطعوا إليه ، منهم : عبد الله بن السّوداء ، وخالد بن ملجم ، وسودان بن حمران ، وكنافة بن بشر .

والواقع أنّ محمّد بن أبي بكر ومحمّد بن أبي حُذيفة هما اللذان أجّجا الأوضاع , وانضمّ إليهما عمّار بن ياسر , الذي كان من قبل أحد المتمرّدين على خطّ الرّأي , ثمّ اجتمعت كلمة المسلمين في الداخل والخارج ، واجتمع رأي الأمصار على إرسال


الصفحة 218

الوفود تحت غطاء الحج , وكانت الوفود تتألّف من ثلاث أمصار :

1 ـ الوفد المصري , يتألّف من خمسمئة إلى ألف(1) , يتزعمهم محمّد بن أبي بكر (رض) ، وفيهم عبد الرّحمن بن عديس البلوي ، وكنانة بن بشر الليثي , وسودان بن حمران السّكوني , وقتيرة بن فلان السّكوني . وكان محمّد بن أبي بكر قد خرج وبقي محمّد بن أبي حُذيفة في مصر , وغلب عليها لمّا ذهب عنها عبد الله بن سعد .

2 ـ الوفد الكوفي , يتألّف من عدد أهل مصر على رأسهم مالك الأشتر (رض) , وفيهم : زيد بن صوحان العبدي , والأشتر النّخعي , وزياد بن النّضر الحارثي , وعبد الله بن الأصم العامري .

3 ـ الوفد البصري , ويتألّف من نفس عدد أهل مصر , عليهم : حكيم بن جبله العبدي ، وذريع بن عباد , وبشر بن شريح القيسي , وابن المحترش . ويذكر ابن الأثير ، أنّ أميرهم كان هو حوقوص بن زهير السّعدي . وكان خروجهم بشوّال جميعاً .

ورفع الوفد المصري مذكّرته لعثمان , حيث جاء فيها : أمّا بعد ، فاعلم أنّ الله لا يغيّر ما بقوم حتّى يغيّروا ما بأنفسهم ، فالله الله ! ثم الله الله ! فإنّك على دنيا فاستقم معها آخرة ، ولا تنسَ نصيبك من الآخرة ، فلا تسوّغ لك الدنيا ، واعلم إنّا لله ولله نغضب ، وفي الله نرضى ، وإنّا لن نضع سيوفنا عن عواتقنا حتّى تأتينا منك توبة مصرحة ، أو ضلالة مجلحة مبلجة , فهذه مقالتنا لك ، وقضيّتنا إليك , والله عذيرنا منك , والسّلام(2) .

وكان عمرو بن العاص أراد أن يكلّم القوم ـ لمّا دعاه إلى ذلك عثمان ـ فصاح القوم في

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ابن الأثير , التاريخ الكامل 3 / 158 .

(2) تاريخ الطبري 5 / 111 ـ 112 .


الصفحة 219

وجهه : ارجع يا عدو الله , ارجع يابن النّابغة ، لست عندنا بأمين ولا مأمون .

ولمّا رأى عثمان أنّه محاصر ومطلوب لا محالة ، عاهدهم على تنفيذ كتاب الله وسنّة نبيّه ، وأن يعدل بين المسلمين ، ويغيّر عمّاله ويعزلهم ، وبأن يردّ المنفي ولا يجمر في البعوث , وأنّ عليّ بن أبي طالب ضمين للمؤمنين والمُسلمين , وحيث إنّ جماعة من المهاجرين والأنصار تبلغ ثلاثين رجلاً تحت قيادة عليّ (عليه السّلام) , راحوا إلى المصريين يتوسّطون ويطلبون من المصريين الرّجوع .

ويذكر ابن الأثير : إنّ عثمان جاء قبل ذلك إلى عليّ يطلبه النّصرة , وبأن يردّ القوم عنه ، فقال له الإمام عليّ (عليه السّلام) : (( على أيّ شيء أردّهم عنك ؟ )) . قال : على أن يصير إلى ما أشرت إليه ورأيته لي . فقال عليّ : (( إنّي قد كلّمتك مرّة بعد اُخرى , فكلّ ذلك نخرج ونقول , ثمّ ترجع عنه ، وهذا من فعل مروان وابن عامر ، ومعاوية وعبد الله بن سعد ؛ فإنّك أطعتهم وعصيتني )) . قال عثمان : فأنا أعصيهم وأطيعك . وفعلاً تمّ ردّ المصريين ؛ استجابة لطلب الإمام عليّ (عليه السّلام) فرجعوا .

إنّ الإمامة أو الخلافة قانون يحكم مجتمع الإسلام , ومهما ضعف عثمان عن تحمّل هذا العبء , فإنّه لن يُعذر أمام القانون ؛ لأنّه كم قد يفسد المجتمع لو أنّنا أعذرنا من يضعف أو يجهل القانون . وما كان عثمان سوى واجهة ومطيّة للزمرة المشبوهة من بني اُميّة يركبونها وهو مرتاح لذلك ، ويعزّ عليه أن يرضي الاُمّة بالعدل على إغضاب أقربائه على الباطل .

كان ممّا اتّفق عليه بين عثمان والمصريين هو عزل والي مصر ، وجعل محمّد بن أبي بكر , فأقرّهم على ذلك ، فرجعوا , وما أن ساروا قليلاً ، إذا براكب جمل أرابهم أمره ، ففتّشوه فإذا به يحمل صحيفة من عثمان إلى خليفته عبد الله بن سعد : إذا قدم عليك النّفر ، فاقطع أيديهم وأرجلهم . . . وبأن يقتل محمّد بن أبي


الصفحة 220

بكر . فرجع الوفد إلى المدينة مجدّداً(1) .

وما أن رجع أهل مصر إلى عثمان وحاصروه ، حتّى تمخّض القوم مرّة اُخرى على عثمان ، واستنكف الجميع عن التوسّط له عند الثّوار لمّا رأوا ما رأوا , إلاّ أقرباؤه وحاشيته .

وذهب مروان إلى عائشة ، فقال : يا اُمّ المؤمنين ! لو قمت فأصلحت بين هذا الرّجل وبين النّاس . قالت : قد فرغت من جهازي وأنا اُريد الحج . قال : فيدفع إليك بكلّ درهم أنفقته درهمين . قالت : لعلّك ترى أنّي في شكّ من صاحبك ؟ أما والله لو وددت أنّه مقطّع بغرارة من غرائري ، وأنّي أطيق حمله فأطرحه في البحر(2) . والمعروف عن عائشة إنّها كانت أكثر تحريضاً على عثمان , وهي صاحبة كلمة : اقتلوا نعثلاً فقد كفر .

وثقل على الإمام عليّ (عليه السّلام) أن يستمرّ في التوسّط إليه مع القوم ؛ ذلك لأنّ الإمام عليّ (عليه السّلام) يدرك أنّ عثمان هو المسؤول عن مقتله ؛ بسبب عصيانه مشورة كبار الصحابة واقتصاره على الطلقاء . كان (عليه السّلام) يدرك أنّ الجماهير المسلمة غاضبة في الله ، وتطلب تحكيم شرعه في قضية الحكم .

وأقبل عليّ (عليه السّلام) على عبد الرّحمن بن الأسود بن عبد يغوث , فقال : (( أحَضرتَ خطبة عثمان ؟ )) . قال : نعم . [ قال (عليه السّلام) ] : (( أفحضرتَ مقالة مروان للناس ؟ )) . قال : نعم . فقال عليّ (عليه السّلام) : (( أي عباد الله ! يا للمسلمين ! إنّي إن قعدت في بيتي قال لي : تركتني وقرابتي وحقّي ، وإنّي إن تكلّمت , فجاء ما يريد يلعب به مروان , فصار سيفه له يسوقه حيث يشاء بعد كبر السّنّ وصحبة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) )) .

وقام مغضباً حتّى دخل على عثمان , فقال له : (( أما رضيت من مروان ولا رضي منك إلاّ بتحرّفك عن دينك وعن عقلك , مثل جمل الضعينة يقاد حيث يسار به ؟! والله , ما مروان بذي رأي في دينه ولا نفسه . واسم الله , إنّي لأراه يوردك ولا يصدرك , وما أنا عائد بعد

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) اليعقوبي وابن الأثير في تاريخهما .

(2) نفس المصدر .


الصفحة 221

مقامي هذا لمعاتبتك ، أذهبت شرفك وغلبت على رأيك ))(1) .

ودخلت عليه زوجه نائلة بعد ذلك ، تحذّره من مروان وتحثّه على طاعة الإمام عليّ (عليه السّلام) , وكانت قد أمرته بأن يرسل إلى عليّ (عليه السّلام) ؛ ليستصلحه لما له من قرابة وسمعة , فأرسل عثمان إلى عليّ (عليه السّلام) , فلم يأته وقال (عليه السّلام) : (( قد أعلمته إنّي غير عائد )) . فلمّا سمع مروان ما قالته نائلة ، قال لها : يابنة الفرافصة . فقال عثمان : لا تذكرنها بحرف فاسود وجهك ؛ فهي والله أنصح لي . فكفّ مروان(2) .

لم يرجع الإمام عليّ (عليه السّلام) إلى عثمان ولم يشأ أن يقف إلى جانب رجل ، إنّما ثار عليه النّاس طلباً للعدالة والإصلاح ، فأبى عليهم ذلك والتوى عليهم , وما بقي للإمام عليّ (عليه السّلام) إلاّ أن يقوم بدوره الإنساني ، وهو أن يبعث بابنيه لحراسة الباب حتّى لا يهجم عليه النّاس فيقطّعونه بالشّكل الذي لا ينطبق مع حكم الشّريعة وينافي حقوق الإنسان , كما يدركها المعصوم تماماً , كما لم يشأ أن يمثّل بقتيله ـ هو عبد الله بن ملجم ـ وأوصى بالإحسان إليه ما لم يمت , فإن مات فيقم عليه الحدّ الشّرعي بلا زيادة ولا نقصان .

هذا الانضباط الشّرعي وإنسانيّة الإمام عليّ (عليه السّلام) , هي التي جعلته يرسل ابنيه إلى باب عثمان من دون أن يدخلوا في صراع مع ثوّار الغضب ، الذين أصرّوا على إسقاط عثمان أو تصفيته ؟ وحيث إنّ عثمان نقض الوثيقة وخان العهد مع الوفود ، ولم يرد أيضاً أن ينزل عن السّلطة لصالح مَن هو أولى بها , قرّر الثّوار أن يقتحموا عليه الدّار , ولمّا كان الحسن (عليه السّلام) عند الباب ، وحتّى لا يصيبه أذى من الجماهير , رأى الثّوار بقيادة محمّد بن أبي بكر أن يتسلّقوا عليه الدار ؛ لينفّذوا فيه الحدّ الثّوري . فاقتحموا الدار من دار عمرو بن حزم , وسرعان ما تدفّق عليه النّاس ، واكتضّت الدار بالثّوار ، وانتدبوا مَن يقتله ، وجرت محاورات بين الثّوار وعثمان قبل قتله , كلّهم يطلبه لترك الخلافة وهو يأبى ذلك .

وأيّ شجاعة هذه التي يملكها عثمان في الإصرار على الخلافة , هلاّ كان إصراره أيضاً في العدل بين أقربائه والمسلمين !

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ابن الأثير في التاريخ .

(2) نفس المصدر .


الصفحة 222

وكان محمّد بن أبي بكر قد دخل على عثمان وأخذ بلحيته , وقال : قد أخزاك الله يا نعثل . فقال : لست بنعثل , ولكنّي عثمان وأمير المؤمنين . وقال له : ما أغني عنك معاوية وفلان وفلان ؟ وقال له عثمان : يابن أخي , فما كان أبوك ليقبض عليها . قال محمّد : والذي اُريد بك أشدّ من قبضتي عليها . فطعنه في جبينه بمشقص كان في يده , فضربه الغافقي بحديدة ، ثمّ جاء سودان ليضربه ، فأكبّت عليه زوجته تتقي السّيف بيدها , فنفح أصابعها , فأطنّ أصابع يدها وولّت , ووثب عليه كنانة بن بشر التجيبي فقتله .

وهكذا شارك الثّوار في قتله ومثّلوا به ، ومنعوا دفنه في قبور المسلمين , وبقي ثلاثة أيّام في مزبلة , وانطلق به جماعة من النّاس خفية , معهم عائشة بنت عثمان ومعها مصباح ، حتّى وصلوا به حشد كوكب ، فحفروا له حفرة ، فلمّا رأته ابنته صاحت ، فقال ابن الزُّبير : والله , لئن لم تسكتي لأضربنّ الذي فيه عيناك . فدفنوه ولم يلحدوه بلبن ، وحثوا عليه التراب حثواً(1) .

لم يكن الثّوار من الفئة الواحدة , فمنهم المؤمنون حقّاً , ومنهم من تضرّر بالفقر والظلم العثماني , ومنهم من جمع بين الإيمان والضرر الاجتماعي , فكانت ثورة .

ويذكر ابن الأثير : إنّ من بين القوم من ثار فأخذ ما وجد ، وتنادوا : أدركوا بيت المال ولا تسبقوا إليه . وأتوا بيت المال فانتهبوه , وماج النّاس ، وكان هؤلاء هُم المتضرّرون اقتصاديّاً من سياسة عثمان الماليّة . وقد وثب عليه عمرو بن الحمق , وكان ولا يزال به رمق ، فطعنه تسع طعنات . قال : فأمّا ثلاث منها فإنّي طعنتهن إيّاه لله تعالى , وأمّا ستّ فلما كان في صدري عليه . وأقبل عليه عمير بن صامي , ووثب عليه وكسر ضلعاً من أضلاعه , وقال : سجنت أبي حتّى مات في السّجن(2) . وكان قتله في الثامن عشر من ذي الحجة سنة 35 هـ‍ في يوم الجمعة ,

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ابن قتيبة , تاريخ الخلفاء .

(2) ابن الأثير .


الصفحة 223

وكان عمره يومئذ ستّاً وثمانين سنة .

وكتبت نائلة بنت الفرافصة إلى معاوية تصوّر له المشهد الذي تمّ خلاله قتل عثمان ، وأرسلت له قميص عثمان مضرّجاً بالدّم وممزّقاً , وبالخصلة التي نتفها محمّد بن أبي بكر من لحيته ، فعقدت الشّعر في زرّ القميص ، وبعثته إلى معاوية مع النّعمان بن بشير الأنصاري(1) . وكان الذين قاموا باقتحام داره وقتله : محمّد بن أبي بكر ، محمّد بن أبي حُذيفة ، ابن حزم ، كنانة بن بشر التجيبي ، عمرو بن الحمق الخزاعي ، عبد الرّحمن بن عديس البلوي ، وسودان بن حمران(2) .

لقد كانت حقّاً ثورة من أجل تثبيت العدالة الاجتماعيّة من جديد ، ثورة شاركت فيها كلّ فصائل المعارضة في المجتمع ، بكلّ همومها وأهدافها ، فكلّ النّاس قتل عثمان ، وما من صغير وكبير إلاّ ونقم عليه , وفرضت عليه عزلة اجتماعيّة ، ووقف منه النّاس موقف الاعتراض والمداهنة والخوف ، وفي كلّ الأحوال ، كانوا يتربّصون الفرصة التي سنحت لهم ؛ ليزيحوه عن الخلافة ، ليزيحوا معه طغمته الطليقة . لكن هل استطاعوا ارجاع الاُمور إلى نصابها ؟ هل قضوا فعلاً على النّفوذ الاُموي ؟

إنّهم لم يفعلوا سوى أن صنعوا المنعطف الآخر ؛ ليدخل التاريخ الإسلامي إلى حقبة الاضطرابات الكبرى , فنفوذ بني اُميّة أوسع وأعمق وأقوى من أن تزيحه ثورة فقراء ، وسنين من الخلافة مضت , كان فيها بنو اُميّة على يقظة في بناء قدراتهم . إنّ قتل عثمان قوّاهم بدلاً من أن يضعفهم . وما أن قُتل عثمان حتّى اكفهرّ التاريخ عن وجوه ذميمة طالما بيّتت النّفاق . مقتل عثمان كان مدخلاً لفهم حقيقة التاريخ الإسلامي .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ابن قتيبة .

(2) اليعقوبي .


الصفحة 224


الصفحة 225

بيعة الإمام عليّ (عليه السّلام) :

لقد اصطدمت المؤامرة ضدّ الإمام عليّ (عليه السّلام) مع التاريخ , ولم يبقى أمام النّاس سوى الرّجوع إليه , وكان لا بدّ أن يكون للمؤامرة سقف تقف عنده , هذا السّقف هو يقظة الجماهير المسلمة على أثر مقتل عثمان .

لقد ثار هذا القطّاع الواسع من الفقراء والمنبوذين والمؤمنين ، على كلّ أشكال القهر السّياسي والاقتصادي والاجتماعي الاُموي في عهد عثمان , آن لهم أن يوقفوا زحف المؤامرة , فهم يتطلّعون إلى من يسلك فيهم عدل محمّد (صلّى الله عليه وآله) , ويسوّي بينهم في التوزيع , ويرشف قلوبهم عقيدة وتقوى . ليس أمامهم إلاّ عليّ , عليّ فقط ، ولكن حاول بعض الخنافيس من البدو المقملين والطلقاء ، أن يطرحوا بديلاً آخر للخلافة غير عليّ بن أبي طالب (عليه السّلام) , لقد لجأ البعض جهلاً أو عمداً إلى أمثال ابن عمر وغيره .

أفابن عمر هو أيضاً ممّن منح التقدّم على رمز الاُمّة الإسلاميّة , أيّها المجرمون ، ما لكم كيف تحكمون ؟! ها هو ذا التاريخ يضع الاُمّة أمام الاختيار الصعب , أمام العدل كلّ العدل ، وأمام الجور كلّ الجور . فكانت يومها بيعت عليّ بن أبي طالب ، أتته تحبوا بعد أن عذرها التاريخ , وأتته ؛ رثّة خلقة عليلة ؛ ليتحمّل الإمام عليّ (عليه السّلام) مسؤوليّة سنوات من التخلّف مضت ، وليعيد هندسة الاجتماع الإسلامي وفق المبدأ ، وبمقتضى الإسلام كانت مسؤوليته يومئذ ، مسؤولية تاريخية , كيف يعيد إلى الخطّ المستقيم امبراطورية واسعة الأطراف


الصفحة 226

تضمّ أكثر من ( 40 ) دولة , كلّها لم ترَ ولم تعلم من الإسلام سوى رتوش قشرية ، ليقول (عليه السّلام) : (( ولبس الإسلام لبسَ الفرو مقلوباً )) .  وكيف يُقنع الأمصار بأنّ الإسلام قد جاء اليوم بعد أن اُغتيل مع محمّد (صلّى الله عليه وآله) ؟ هاهو قد جاء ليتمثّل في مَن خوّله الشّرع والتاريخ مسؤولية الجهاد في سبيل التأويل , مثلما خوّل مُحمّداً (صلّى الله عليه وآله) مسؤولية الجهاد من أجل التنزيل . اتّجه التاريخ بالاُمّة صوب عليّ (عليه السّلام) لتركع أمام الحقّ معترفة بخطيئتها ؛ ليتحمّل الكلّ مسؤوليته ، فلا غموض بعد اليوم , فإمّا حقّ بيّن وإمّا باطل مبلج .

كان اليوم جُمُعة لخمس بقين من ذي الحجّة يوم بويع الإمام عليّ (عليه السّلام) من قبل المهاجرين والأنصار , وكان فيهم طلحة والزُّبير , ورفض الإمام عليّ (عليه السّلام) البيعة ، وقال لهم : (( التمسوا غيري )) ؛ إمعاناً منه في تسجيل الموقف المسبق , فلقد أدرك أنّ القوم سيحاربونه لا محالة ، وبأنّ الكثير ممّن بايعه سينقلبون ، وبأنّ المسؤولية جسيمة ، ورأي عليّ (عليه السّلام) فيها حاسم .

ومتى قبلت الاُمّة الحسم بعد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) , إنّه يسجّل عليهم موقفاً تاريخياً , وإنّ الإمام عليّ (عليه السّلام) قد قال للزبير : (( إن شئتَ بايعني وإن شئتَ اُبايعك )) . فبايع الزُّبير , وقد علم الزُّبير أنّ عليّاً (عليه السّلام) يروم اختباره من خلال هذا العرض ، واعترف بذلك . لقد قالها الزُّبير وطلحة : إنّما فعلنا ذلك خشية على نفوسنا ، وعرفنا أنّه لا يبايعنا , وهرب إلى مكّة بعد قتل عثمان بأربعة أشهر(1) .

كان طلحة يومها أوّل من بايع ؛ ذلك أنّ الأشتر أتاه فقال له : بايع . فقال : أمهلني أنظر . فجرّد الأشتر سيفه وقال : لتبايعنّ أو لأضعنّه بين عينيك . فقال طلحة : وأين المذهب عن أبي الحسن ؟ ثمّ صعد المنبر فبايعه , فقال رجل من بني أسد :

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) تاريخ ابن الأثير 3 / 191 .


الصفحة 227

إنّا لله وإنّا إليه راجعون ، أوّل يد بايعت أمير المؤمنين يد شلاّء ، لا يتمّ هذا الأمر أبداً(1) . وبايع الزُّبير أيضاً .

كان الإمام عليّ (عليه السّلام) يدرك أنّ الاُمور آلت إلى واقع مريض ، ولا يقوم به إلاّ رجل يطاع ، وهو يعلم أنّ النّاس ليسوا على قلب واحد ، فقال (عليه السّلام) : (( دعوني والتمسوا غيري ، فإنّا مستقبلون أمراً له وجوه , لا تقوم له القلوب ولا تثبت عليه العقول ))(2) . وكان لا بدّ أيضاً للزبير وطلحة أن يبايعا ، وقالوا : إن دخل طلحة والزُّبير فقد استقامت . لذلك بعث المصريّون ببصري إلى الزُّبير في نفر ، وكان ذلك حكيم بن جبلة , وكذا بعثوا إلى طلحة كوفيّاً مع نفر ، وقالوا لكلّ واحد منهما : احذر لا تحابه . فراحوا إليهما يحدونهما بالسّيف ؛ والسبب هو أنّ الزُّبير وطلحة طمعا في الخلافة ، وقد كان هوى البصريين على الزُّبير وهوى الكوفيين على طلحة ـ كما ذكر المؤرّخون ـ ، فيما كان هوى المصريين على عليّ (عليه السّلام) ، واُولئك هُم مجموع الوفود التي جاءت للثورة على عثمان .

ويذكر ابن الأثير : أنّ الأنصار بايعت إلاّ نفراً يسيراً منهم ؛ حسان بن ثابت وكعب بن مالك ، ومسلمة بن مخلد وأبو سعيد الخدري ، ومحمّد بن مسلمة والنّعمان بن بشير ، وزيد بن ثابت ورافع بن خديج ، وفضالة بن عبيد وكعب بن عجرة , وكانوا عثمانيّة . كان سبب عدم بيعتهم هو الخوف من عدالة الإمام عليّ (عليه السّلام) ؛ فهم الذين عاشوا كالفيروس الاجتماعي ، ينخر ثروة الاُمّة ويعيش على سبيل النّهب .

كان حسان بن ثابت ـ كما ذكر ابن الأثير ـ شاعراً لا يبالي ما يصنع , وأمّا زيد بن ثابت فولاّه عثمان الديوان وبيت المال ، فلمّا حضر عثمان قال : يا معشر الأنصار , كونوا أنصاراً لله مرّتين . فقال له أبو أيوب : ما تنصره إلاّ لأنّه أكثر لك من العبدان . فماذا بالله تنتظر من هكذا رجل ؟! خصوصاً وأنّ الإمام

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) مسكويه في تجاربه , ابن الأثير واليعقوبي في تاريخيهما .

(2) مسكويه في تجارب الاُمم .


الصفحة 228

عليّ (عليه السّلام) قد باشر في خلع عمّال عثمان المتملّقين .

وأمّا كعب بن مالك , فاستعمله على صدقة مزينة وترك له ما أخذ منها(1) , وكذلك فعل عبد الله بن سلام والمغيرة بن شعبة , فهذا الأخير ما فتيء يلعب على الحبال .

تسلّم الإمام عليّ (عليه السّلام) مقاليد الخلافة وألقى خطبته الشّهيرة ، فحمد الله وأثنى عليه ثمّ قال : (( إِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ أَنْزَلَ كِتَاباً هَادِياً بَيَّنَ فِيهِ الْخَيْرَ وَالشَّرَّ , فَخُذُوا نَهْجَ الْخَيْرِ تَهْتَدُوا , وَاصْدِفُوا عَنْ سَمْتِ الشَّرِّ تَقْصِدُوا , الْفَرَائِضَ الْفَرَائِضَ أَدُّوهَا إِلَى اللَّهِ تُؤَدِّكُمْ إِلَى الْجَنَّةِ , إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ حَرَاماً غَيْرَ مَجْهُولٍ وَأَحَلَّ حَلَالًا غَيْرَ مَدْخُولٍ , وَفَضَّلَ حُرْمَةَ الْمُسْلِمِ عَلَى الْحُرَمِ كُلِّهَا , وَشَدَّ بِالإِخلاصِ وَالتَّوْحِيدِ حُقُوقَ الْمُسْلِمِينَ فِي مَعَاقِدِهَا , فَالْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَ يَدِهِ إلاّ بِالْحَقِّ , وَلا يَحِلُّ أَذَى الْمُسْلِمِ إلاّ بِمَا يَجِبُ , بَادِرُوا أَمْرَ الْعَامَّةِ وَخَاصَّةَ أَحَدِكُمْ وَهُوَ الْمَوْتُ ؛ فَإِنَّ النَّاسَ أَمَامَكُمْ وَإِنَّ السَّاعَةَ تَحْدُوكُمْ مِنْ خَلْفِكُمْ , تَخَفَّفُوا تَلْحَقُوا فَإِنَّمَا يُنْتَظَرُ بِأَوَّلِكُمْ آخِرُكُمْ , اتَّقُوا اللَّهَ فِي عِبَادِهِ وَبِلَادِهِ فَإِنَّكُمْ مَسْؤولُونَ حَتَّى عَنِ الْبِقَاعِ وَالْبَهَائِمِ , أَطِيعُوا اللَّهَ وَلا تَعْصُوهُ , وَإِذَا رَأَيْتُمُ الْخَيْرَ فَخُذُوا بِهِ , وَإِذَا رَأَيْتُمُ الشَّرَّ فَأَعْرِضُوا عَنْهُ , واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض )) .

كانت تلك صرخة روحية في مجتمع أنشدّ إلى طينة الأرض ونتانتها , كلمة رساليّة مسؤولة في قوم غدا أكثرهم متداعي العزيمة , وييأس عليّ (عليه السّلام) صدمة نفسية لمجتمع لانت عقيدته من فرط الاستغناء الفاحش بعد الفاقة المدقعة , وبعد سنوات من النّهب والأرستقراطية يأتي الإمام عليّ (عليه السّلام) ليقول : (( أيّها النّاس ، إنّما أنا رجل منكم لي ما لكم وعليّ ما عليكم ، وإنّي حاملكم على منهج نبيّكم ومنفّذ فيكم ما اُمرت به . ألا إنّ كلّ قطيعة أقطعها عثمان وكلّ مال أعطاه من مال الله ، فهو مردود في بيت المال ؛ فإنّ الحقّ لا يبطله شيء , ولو وجدته قد تزوّج به النّساء وملك الإماء وفرّق في البلدان لرددته ؛ فإنّ في

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ابن الأثير .


الصفحة 229

العدل سعة , ومَن ضاق عليه الحقّ فالجور عليه أضيق .

أيّها النّاس , ألا لا يقولون رجال منكم غداً قد غمرتهم الدُّنيا فامتلكوا العقار وفجّروا الأنهار ، وركبوا الخيل واتخذوا الوصائف المرقّقة ، إذا ما منعتهم ما كانوا يخوضون فيه ، وأصرتهم إلى حقوقهم التي يعلمون : حرمنا ابن أبي طالب حقوقنا . ألا وأيّما رجل من المهاجرين والأنصار من أصحاب رسول الله , يرى أنّ الفضل له على سواه بصحبته ؛ فإنّ الفضل غداً عند الله ، وثوابه وأجره على الله . ألا وأيما رجل استجاب لله ولرسوله ، فصدّق ملّتنا ودخل ديننا واستقبل قبلتنا , فقد استوجب حقوق الإسلام وحدوده ، فأنتم عباد الله والمال مال الله ، يقسّم بينكم بالسّوية ، ولا فضل فيه لأحد على أحد ، وللمتقين عند الله أحسن الجزاء )) .

هذا هو عليّ (عليه السّلام) وتلك هي البيئة التي وجد فيها , بيئة الثراء والاستغلال والامتيازات الطبقية . أيّ النّاس مستعدّ يومها لتسليم ما تراكم لديه خلال سنين الغفلة والنّهب وصراع الامتيازات ؟ أيّ إيمان تركه الجشع الاُموي في المجتمع ، والتفقير المقابل في صفوف الطبقات الصغرى ؟ وأيّ حرّية تبقى بعد كلّ هذا القمع الذي أجراه الخلفاء على المجتمع ؟

فعليّ (عليه السّلام) جاء ليرفع صخوراً ثقال إلى سماء الرّوح ؛ وليعطي للجميع حقّه ، إنّه شطب بالأحمر على إيديولوجية الجبر التي تقول : ( أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ )(1) . جاء ليعلّمهم إنّ الفقير يعيش أعلى مستوى من الحاجة في مجتمع الإسلام , وإنّ كثيراً من الفقراء إنّما وجدوا بسبب سوء التوزيع , كيف وهو القائل : (( ما رأيت نعمة موفورة إلاّ وبجانبها حقّ مضيّع )) . هذه الرّوح السّامية وهذه الاجتماعيّة الإسلاميّة , هي منهج الإمام عليّ (عليه السّلام) في مجتمع إقطاعي ، إنّها النّقلة البعيدة والطفرة العليا والمبادرة النّقيضة ، ولذلك لم يرضوا عنه ، يقول سيّد قطب : ولقد كان من الطبيعي ألاّ يرضى المستنفعون عن

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة يس / 47 .


الصفحة 230

عليّ ، وأن يقنع بشرعة المساواة مَن اعتاد التفضيل ، ومَن مردوا على الاستئثار ، فانحاز هؤلاء في النّهاية إلى المعسكر الآخر , معسكر اُميّة ؛ حيث يجدون فيه تحقيقاً لأطماعهم على حساب العدل والحقّ , الذين يصرّ عليهما عليّ رضي الله عنه هذا الإصرار(1) ؛ ولذلك دخل الإمام عليّ (عليه السّلام) في معركة تاريخية مع فئتين : إحداهما إقطاعية والاُخرى فقيرة انتهازية , وهو صراع بين الحقّ والباطل ، بين الإسلام والجاهليّة .

كان هناك ثلاثة نفر من قريش لم يبايعوا بعد ، وهم : مروان بن الحكم ، وسعيد بن العاص , [والوليد بن عقبة](2) , فقال أحدهم : يا هذا , إنّك قد وترتنا جميعاً ؛ أمّا أنّا فقتلت أبي صبراً يوم بدر ؛ وأمّا سعيد فقتلت أباه يوم بدر , وكان أبوه من نور قريش ؛ وأمّا مروان فشتمت أباه وعبت على عثمان حين ضمّه إليه(3) . ثمّ اشترطوا عليه في البيعة أن يضع عنهم ما أصابوا ويعفي لهم عمّا في أيديهم ، ثمّ يقتل قتلة عثمان .

وردّ الإمام (عليه السّلام) ـ عند ذلك ـ غاضباً : (( أمّا ما ذكرت من وتري إيّاكم , فالحقّ وتركم ؛ وأمّا وضعي عنكم ما أصبتم ، فليس لي أن أضع حقّ الله تعالى ؛ وأمّا إعفائي عمّا في أيديكم , فما كان لله وللمسلمين فالعدل يسعكم ؛ وأمّا قتلي قتلة عثمان ، فلو لزمني قتلهم اليوم لزمني قتالهم غداً ، ولكن لكم أنْ أحملكم على كتاب الله وسنّة نبيّه ، فمَن ضاق عليه الحقّ ، فالباطل عليه أضيق ، وإن شئتم فالحقوا بملاحقكم )) . فقال مروان : بل نبايعك ونقيم معك ، فترى ونرى . وكان القوم يدبّرون عملية الهرب إلى الشّام ونقض البيعة .

كانت كلمة الأشتر على مقتضى التصوّر الشّيعي لأئمّة أهل البيت (عليهم السّلام) ؛ حيث قال : أيّها النّاس ، هذا وصي الأوصياء ووارث علم الأنبياء ، العظيم البلاء الحسن

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) العدالة الاجتماعيّة في الإسلام / 163 .

(2) كما ورد في تاريخ اليعقوبي 2 / 178 , وغيره . (موقع معهد الإمامين الحسنَين) .
(3) اليعقوبي .


الصفحة 231

الغناء ، الذي شهد له كتاب الله بالإيمان ورسوله بجنّة الرّضوان , مَن كملت فيه الفضائل ، ولم يشك في سابقته وعلمه وفضله الأواخر ولا الأوائل(1) .

ثمّ قام الإمام بعدها بعزل عمّال عثمان عن البلدان ؛ لقطع دابر الاستغلال . فهو لم يأت في سياق خلفائي رسمي ليبقي على أزلام العهد البائد , إنّها ثورة وتغيير للوضع من الجذور . . . ؛ ولهذا سيلجأ إلى عزل الجميع سوى موسى الأشعري ؛ لما أشار الأشتر على عليّ (عليه السّلام) بالإبقاء عليه , واستبدلهم جميعاً برموز الثّورة ؛ فولّى قثم بن العبّاس مكّة ، وعبد الله بن العبّاس اليمن ، وقيس بن سعد بن عبادة مصر ، وعثمان بن حنيف الأنصاري البصرة .

وتزلّف كلّ من طلحة والزُّبير وطلبا من الإمام عليّ (عليه السّلام) إشراكهما في الأمر , فهما رجلان يلهثان وراء الدُّنيا , غير أنّ الإمام عليّ (عليه السّلام) لم يأت إلى الخلافة ليعبث , أراد أن يعطيهما نموذجاً للحقّ والالتزام ؛ ليتركها صورة للأجيال حول سلوك الإمام ومدى اختلافها عن سلوك المغتصبين , وماذا يا ترى سيجدون من جواب عند الإمام عليّ (عليه السّلام) , الذي اختلطت زينة الحياة عنده وتدنّت حتّى لم يعد يفرز بين نعمة واُخرى , ويقول عن الذّهب والفضّة كلاهما عندي حجر ، كان جواب الإمام عليّ (عليه السّلام) : (( أنتما شريكاي في القوّة والاستقامة ، وعوناي على العجز والأود ))(2) .

وما كان لطلحة ولا الزُّبير وقد فاضت عليهما الدُّنيا في زمن عثمان , ما كان لهما أن يشركا عليّاً (عليه السّلام) في الزهد والتّقشّف , وأن ليندى الجبين ؛ لأنّهما قد تمرّغا في رغدهما ، وهو يكسر الكسر اليابسة بركبته ويقول للحسن ابنه (عليهما السّلام) : (( أمشوي الكراكر عند عليّ بن أبي طالب ! . . . لا والله )) . ولمَن يتركون الذّهب في مخازنهم يكسر بالفؤوس , فأعلنا عند ذلك الرفض ، بيد أنّهما مشدودان إلى الواقع

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) نفس المصدر .

(2) نفس المصدر .


الصفحة 232

الذي فرضته الوفود , فالتمسا من عليّ (عليه السّلام) أن يأذن لهما في الذهاب إلى الحجِّ ، وهو يعلم أنّهما لا يريدانه ؛ وإنّما يريدان اللحاق بعائشة . لقد انفتح الإمام عليّ (عليه السّلام) عليهما ، وتعامل معهما على أساس المسؤولية والإيمان , ولكن أين أبو الحسن من واقع الرّجلين , إنّه ولّى طلحة اليمن والزُّبير اليمامة والبحرين ، فلمّا دفع إليهما عهديهما , قالا له : وصلتك رحم .

وهذه هي الفلتة النّفسية التي أظهرها الواقع وعلى ألسنتهما ، فالمسألة أصبحت تتحرّك ضمن قوالب الأرحام , لم تعد القوانين والشّرائع تجري وفق موازين العدل والانضباط , إنّهما تعلّما من الحقبة العثمانية : إنّ المسؤولية صلة رحم يشكر عليها . فهي عطاء وليست إدارة مسؤولية .

 ولم يكن الإمام عليّ (عليه السّلام) ليضعف أمام نعرة , إنّما ابتلى بها الله ضعاف العقول وضيّقي الآفاق , أعطاهما درساً تاريخياً تنتصر فيه العقيدة على القرابة ، وتنتصر فيه المسؤولية على الرّحم , وتتكسّر وشائج الدّم والعرق على صخرة القانون , قال (عليه السّلام) : (( وإنّما وصلتكما بولاية اُمور المسلمين )) . واستردّ العهد منهم ، فعتبا من ذلك وقالا : آثرت علينا ؟ فقال لهما : (( لولا ما ظهر من حرصكما , لقد كان لي فيكما رأي ))(1) .

كان من المفروض وفق النّظرية السياسيّة الدّاعية للتمسّك بالممكن ، وأنصاف الحلول ( والماكس ـ مين ) و . . . وأن يسكت عنهم الإمام عليّ (عليه السّلام) , أن يترك للزبير اليمامة والبحرين ، ثمّ لطلحة اليمن ولمعاوية الشّام , فالقوم أصحاب دُنيا فليشغلهم بها , لقد كان هذا هو الصواب ، هو السّياسة . غير أنّ الواقع يختلف والموضوع يتناقض مع مفهوم الممكن وأنصاف الحلول , فهذه غلطة وقع ضحيتها الكثير ، والسّبب في ذلك ؛ إنّهم لم يعيشوا شخصية الإمام عليّ (عليه السّلام) بفضائها الأوسع ، وإنّما اقتصروا على البُعد الضيّق منها , وكذلك حال العباقرة والعظماء , وحتّى استطاع الرّعاع فهم العبقرية في كمالها .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) نفس المصدر .


الصفحة 233

إنّ الإمام عليّ (عليه السّلام) لم يكن إماماً لزمانه ، لجيله ، لأرضه . . . للمستوى الذي يهيمن على ذلك الجيل وتلك الأرض ؛ إنّ الإمام عليّ (عليه السّلام) إمام للإنسان ، ويخاطب النّضج البشري في مختلف مراحله , يخاطب من وراء جيل من الرّعاع ، وزمن غابر بسيط ، أجيالاً متمدّنة ، وأزماناً معقّدة , لذلك لم يفهموه كما يفهمه الشّيعي الذي عرف عليّاً من خلال النصّ ومن خلال العقل .

هنا اتّفق بكلّ قوّة مع الجابري في : أنّ منطق القبيلة والغنيمة والعقيدة ، كان هو المحدّد الرئيسي للعقل السّياسي العربي ، ولكنّني لا اتّفق معه في كثير من القضايا التي ترتبط بتلك المحدّدات ؛ فالإمام عليّ (عليه السّلام) بقي مرفوضاً ؛ لأنّه حكم منطق العقيدة , ولكنّه لم يراع المتطلّب القبلي والغنيمي ؛ لذلك رفض من قبل قطّاع كبير من النّاس ـ كما تقدّم ـ اُولئك الذين تربّوا في ترف الحقبة العثمانية .

إلاّ أنّ الشيء الذي غاب عن الكثير ممّن استحمرتهم وأبهرت وعيهم لعبة الشّعرة , التي أرسى قواعدها معاوية بن أبي سفيان ؛ ليصبح بذلك الرّجل القويّ في المعارك السياسيّة ضدّ الإمام عليّ (عليه السّلام) , الذي بدا في عين الآخرين كأنّه عديم الخبرة ؛ هو أنّهم لم يفهموا الواقع الذي جاءت فيه الخلافة لعليّ (عليه السّلام) , وشخصيّة عليّ (عليه السّلام) كذلك . فالخلافة جاءت لعليّ (عليه السّلام) والاُمّة كلّها تحت الهيمنة الاُمويّة , ولأن كان عثمان قد قُتل ، فإنّ معاوية ومَن حوله من الاُمويّين لا يزال مهيمناً على الشّام , ثابت الأركان ، ذا نفوذ لا يُطال , وأهل الشّام لا يعرفون عن عليّ (عليه السّلام) ولا غيره شيئاً .

وجاءت الخلافة لعليّ (عليه السّلام) والنّاس أشبه ما يكونون بالرّجل المريض ، لا يسمعون ولا يُطيعون , وضاقوا من شدّة عليّ (عليه السّلام) وتنمّره , فراحوا إلى السّكون ، والتمسوا السّلام على كلّ المفاسد التي لا تزال تهدّد صرح الاُمّة الإسلاميّة , إنّه في قوم قال عنهم : (( لقد أفسدتم عليّ رأيي بالعصيان )) . وهو الذي ودّ لو يُبدّل أصحابه يومها ويصرف العدد الكبير منهم بواحد من أصحاب معاوية(1) .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) : (( لوددتُ لو أصرفكم بأصحاب معاوية صرف الدينار بالدرهم )) .


الصفحة 234

اُولئك الذين كانوا يطيعون معاوية طاعة عمياء .

هذا العامل الأوّل الذي أربك كفتي الصراع بين عليّ ومعاوية , ولهذا لم يكن دهاء معاوية بالذي يجتاز على الإمام عليّ (عليه السّلام) , دهاء يصدر عن نفس دنيئة خربة , مقابل بصيرة تصدر عن ذات تنظر بعين الله , وهمزات شيطانية لزنيم لفظته رمال الصّحراء ، مقابل شفافية ولّي نظرته السّماء لهذه المهمّة الإنسانيّة الكبرى , شتّان ، شتّان ؛ ولذلك يعلنها الإمام عليّ (عليه السّلام) درساً للأجيال يقرع به منافذ الألباب : (( والله , ما معاوية بأدهى منّي , وأنّه يغدر ويفجر ؛ ولولا كراهية الغدر لكنتُ أدهى النّاس )) . فالمسألة في جوهرها ليست مسألة سياسيّة تقتضي التواء وتحايلاً ؛ للقبض على أسباب النّفوذ , إنّها مسألة اُمّة كتب لها أن تقوم على الحقّ وبالحقّ ليس إلاّ .

والإمام عليّ (عليه السّلام) كان رجل عقيدة , يريد أن يؤدلج المجتمع بعقيدة الإسلام ؛ لذلك لم يهتمّ بالفتوحات التي كانت مصدراً للغنيمة ، ولا بالتقرّب إلى القبائل والأقرباء ، بتنصيب رموزها في الإمارات على هشاشتهم ؛ تزلّفاً ومرونة . . . وفي ذلك مكسب سياسي مصدره عامل القبيلة , وهو يدرك نتائج هذه الإجراءات تجاوز المكسب السّياسي من أجل الانجاز الحضاري الكبير . كيف ؟ الإمام عليّ (عليه السّلام) كان رجل أيديولوجيا عقيدة وليس سياسيّاً مخادعاً , له رسالة حضارية يؤدّيها ، ويمارس دوره بوعي خاص ونظرة معيّنة , له معاييره في الحقيقة وليس في اللعبة السياسيّة , أي إنّه تجاوز السّياسي من أجل الأيديولوجي من أجل التوجّه الحضاري .

خسران دولة بالنّسبة للإمام عليّ (عليه السّلام) , شأنّه كباقي العقائديين لا يعني شيئاً ؛ لأنّ دولة سياسيّة غير قادرة وغير قابلة لممارسة المهمّة العقائدية ، تساوي اللاشيء ؛ لذلك أراد أن يوقف المسيرة , يوقف التاريخ التآمري معها لتنضبط الاُمور أو لا تنضبط ؛ لكي يسير التاريخ في الوجهة المفضوحة الفصيحة , لا في خطّ التضليل والتلبيس . الإمام عليّ (عليه السّلام) بهذا المعنى كان استرايجياً ولم يكن سياسيّاً تكتيكيّاً .


الصفحة 235

إنّنا عندما نريد العودة إلى الذّات , نبحث في تجربة الإمام عليّ (عليه السّلام) ؛ لأنّها تجسّد مظاهر ثقافتنا وحضارتنا , وعندما يريد ضعافنا الحداثيون البحث عن النّفاق السّياسي للتعامل مع الأطراف الدولية , يبحثون في تجربة النّفاق الاُموي لمعاوية . يبحث الثّائر النّاهض الغاضب في تراث عليّ (عليه السّلام) , ويبحث البورجوازي النّفعي التبعي في تراث معاوية , وفي تراث الإمام عليّ (عليه السّلام) السّياسي ، تجربة يجب التفتيش عنها في فضائه الوسيع . . . ومع كلّ ذلك ، فإنّ عليّاً شيء ومعاوية شيء آخر , ونحن ننعى الدهر كما نعاه الإمام نفسه لمّا قال : (( أنزلني الدّهر حتّى قيل عليّ ومعاوية )) .

أجل , لقد جاء من يفهم الحكم والسّياسة على هذا الأساس , وكان المغيرة بن شعبة ومَن نصح عليّاً (عليه السّلام) بهذا الأمر , غير أنّ الإمام عليّ (عليه السّلام) أبى إلاّ أن يمارس منهجه وموقفه الاستراتيجي , طلب منه ابن عباس أن يهادن معاوية ويعطيه إمارة الشّام , فطلب الإمام من ابن عباس ، أن يطيعه فقط وأن ليس لمعاوية إلاّ السّيف . خرج الزُّبير وطلحة إلى العمرة , لكن عليّاً (عليه السّلام) أدرك أمرهما , وما همّه ذلك ؛ لأنّه يسلك مخطّطاً أبعد ممّا يتصوّران , وقال لبعض أصحابه : (( والله ما أرادا العمرة ، ولكنّهما أرادا الغدرة ))(1) . لحقا بعائشة في مكّة وحرّضاها على الخروج .

وعائشة مَن ؟ ولماذا ؟!

كانت عائشة من النّاقمين الأول على عثمان , ومراراً صاحت : اقتلوا نعثلاً فقد كفر . وهي أوّل من أطلق عليه ذلك الاسم(2) . ولم تجب طلب مروان لها لنصرة عثمان والتوسط له مع القوم يوم الحصار وهي تتأهب للعمرة , وسارت تؤلّب عليه النّاس جميعاً ، واعتبرت من أشدّ النّاس عليه في ذلك الوقت , وعندما وقف عثمان مرّة فخطب ، دلت عائشة قميص رسول الله ونادت :

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) اليعقوبي وغيره .

(2) ابن الأثير في التاريخ وابن أبي الحديد في الشّرح .


الصفحة 236

يا معشر المسلمين , هذا جلباب رسول الله لن يبل وقد أبلى عثمان سنّته . فقال عثمان : ربّ اصرف عنّي كيدهن , إنّ كيدهنّ عظيم(1) . وعندما سمعت بخبر مقتله ، قالت : بُعداً لنعثل وسحقاً(2) .

ومن الجانب الآخر كان طلحة والزُّبير يتحينان الفرصة لمغادرة المدينة , فهما يهدفان إلى أكثر من إسقاط عثمان , يريدان الخلافة أو أقلّ أن يفضّلهما عليّ (عليه السّلام) على باقي المسلمين في العطايا , غير أنّهما لم يفلحا في استدراج عليّ (عليه السّلام) للمساومة ، فقال طلحة ـ معرباً عن حالة الفشل هذه ـ : ما لنا من هذا الأمر إلاّ كلحسة الكلب أنفه(3) . وخرج بعد ذلك كلّ من طلحة والزُّبير يبغيان الإفلات من يد عليّ (عليه السّلام) ليلتحقا بعائشة , وما أن التحقا بها حتّى أقنعاها بالخروج معهما لقتال عليّ (عليه السّلام) , والتحق بهم كلّ من الاُمويّين وولاة عثمان الذين عزلهم الإمام عليّ (عليه السّلام) .

 لم تكن عائشة تظنّ أن الأمر بعد عثمان سيؤول إلى عليّ (عليه السّلام) , كانت تتصوّر أنّ جذوة الهاشميين قد انطفأت منذ أن أخذ منهم حقّهم أبوها وفاروقه , ورغم ما قامت به من تحريض على عثمان , فهي ترى أنّ الأمر سيؤول لا محالة لابن عمّها طلحة . وعندما لم يتوفّق في ذلك ، غيّرت عائشة وجهة نظرها ، وتبنّت خطّاً نقيضاً ، وهو المطالبة بدم عثمان , فعندما بلغها خبر المقتل وكانت بمكّة ، قالت : أبعده الله ، ذلك بما قدّمت يداه وما الله بظلام للعبيد . وكانت تقول : أبعده الله ، قتله ذنبه وأقاده الله بعمله . يا معشر قريش , لا يسومنّكم قتل عثمان كما سام أحمر ثمود قومه ، إنّ أحقّ النّاس بهذا الأمر ذو الإصبع ـ تقصد طلحة ـ .

ثمّ أقبلت مسرعة إلى المدينة وهي لا تشكّ في أنّ طلحة هو صاحب الأمر ، وكانت تقول : بُعداً لنعثل وسحقاً ! إيه ذا الإصبع ! إيه أبا شبل ! إيه ابن عم ، لله أبوك ! أما إنّهم وجدوا طلحة لها كفؤاً ، لكأنّي أنظر إلى إصبعه وهو يبايع ، حثوا الإبل

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) اليعقوبي في التاريخ .

(2) ابن أبي الحديد في الشّرح .

(3) الطبري في التاريخ .


الصفحة 237

ودعدعوها . ولمّا انتهت إلى (سرف) قرب مكّة في الطّريق إلى المدينة ، لقيها عبيد بن اُمّ كلاب(1) ، فأخبرها بمقتل عثمان وبإجماع على بيعة عليّ (عليه السّلام) ، فقالت ـ بعد ذلك , وهي تولول ـ : ليت هذه انطبقت على هذه إن تمّ الأمر لصاحبك ، ويحك انظر ما تقول ؟! ثمّ قال لها : ما شأنك يا اُمّ المؤمنين ! والله لا أعرف بين لابتيها أحد أولى بها منه ولا أحقّ , ولا أرى له نظيراً في جميع حالاته , فلماذا تكرهين ولايته ؟

فراحت تقول : ردّوني , ردّوني . فانصرفت إلى مكّة وهي تقول : قُتل والله عثمان مظلوماً ، والله لأطلبنّ بدمه . فقال لها ابن اُمّ كلاب : فوالله , إنّ أوّل من أمال حرفه لأنتِ ؛ فلقد كنتِ تقولين : اقتلوا نعثلاً فقد كفر . قالت : إنّهم استتابوه ثمّ قتلوه ، وقد قلتُ وقالوا ، وقولي الأخير خيرٌ من قولي الأوّل . فقال لها ابن اُمّ كلاب :

فـمنكِ  الـبداءُ ومنك الغِيَرْ      ومـنكِ  الرِّياحُ ومنكِ المطرْ
وأنـتِ  أمـرتِ بقتلِ الإمامِ      وقـلـتِ  لـنـا إنّه قدْ كفرْ
فـهـبْـنـا أطعناكِ في قتلهِ      وقـاتـلُـهُ عـندنا مَن أمرْ
ولـمْ يسقطِ السقفُ من فوقنا      ولـمْ  تنكسفْ شمسُنا والقمرْ
وقـد بـايـعَ النّاسُ ذا تُدْرَإٍ      يُـزيـل الشَّبا ويقيمُ الصّعرْ
ويـلـبسُ  لـلحرب أثوابَها      وما مَن وفى مثلُ مَن قد غدرْ

ويذكر البلاذري في أنسابه : أنّها راحت إلى مكّة ونزلت على باب المسجد , فقصدت الحجر فتستّرت واجتمع النّاس إليها ، فقالت : يا أيّها النّاس , إنّ عثمان قُتل مظلوماً , والله لأطلبنّ بدمه . وكانت تقول : يا معشر قُريش , إنّ عثمان قد قُتل ، قتله عليّ بن أبي طالب ، والله ، لأنملة ـ أو قالت ـ لليلة من

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) انظر الطبري وابن سعد .


الصفحة 238

عثمان خير من عليّ الدهر كلّه .

لحق طلحة والزُّبير ـ بعد أن خسرا امتيازاتهما مع عليّ بن أبي طالب (عليه السّلام) ـ فانتهيا إلى مكّة حيث عائشة تقوم بالشّغب , فكانت فرصة لها ؛ ليجتمعا على مخطّط يواجهون به عليّ (عليه السّلام) , والغريب ، إنّهما لم يكونا يفعلان هذا مع أبي بكر وعمر ؛ إنّهم يعلمان أنّ عليّاً (عليه السّلام) رجل له أعداء في كلّ مكان ، وأنّ بلاءه في الإسلام لم يترك له حليفاً , وهو القائل : (( ما ترك لي الحقّ من صديق )) . استغلا الفرصة للتأليب على أمير المؤمنين (عليه السّلام) وزرع الفتنة في الاُمّة , وكان إلى جانب ذلك من العمّال المعزولين مَن ليس له مصلحة في خلافة عليّ (عليه السّلام) , مثل ؛ ابن عامر ويعلي بن اُميّة وما أشبه , وكانا لا يزالان يملكان الثّروة الفاحشة , فاستثمرا قسطاً كبيراً منها في المعركة ضدّ عليّ (عليه السّلام) .

ويذكر الطبري : أنّ يعلى بن اُميّة ـ وكان عليّ (عليه السّلام) قد عزله عن اليمن ـ ساهم بأربعمئة ألف أعطاها الزُّبير ، وحمل عائشة على جمل عسكر اشتراه بثمانين ديناراً , كما ساهم ابن عامر بمال وفير وأربعمئة بعير . واجتمعوا في بيت عائشة ؛ يخطّطون للخروج , فكانت النتيجة أن يتّجهوا بادئ ذي بدء إلى الكوفة ؛ حيث للزبير شيعة وأتباع ، وإلى البصرة ؛ حيث يوجد شيعة لطلحة , وساروا إلى المدينة بجيش يتألّف من أهل المدينة والكوفة ، يتّسع لثلاثة آلاف رجل . ولمّا قدموا على البصرة , منعهم عامل الإمام عليّ (عليه السّلام) عليها ـ عثمان بن حنيف ـ , فغدروا به ووثبوا عليه وهمّوا بقتله لولا أن خافوا غضب الأنصار ، فنتفوا شعر رأسه ولحيته وحاجبيه ، وضربوه وحبسوه(1) , وبقي كذلك رهينة بين أيديهم ينتظرون قدوم الإمام عليّ (عليه السّلام) .

ولمّا علم حكيم بن جبلة بما صنعوا بعثمان بن حنيف , جاءهم في جماعة من عبد القيس وسار نحو دار الرّزق , وقال : لست أخاف الله إن لم أنصره . وحدث بينه

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ابن الأثير 3 / 316 .

 

 

الصفحة 239

والقوم قتالاً شديداً , وقُتل هو وابنه شرّ قتلة ، فهمّوا بقتل عثمان بن حنيف , فقال لهم : أما إنّ سهلاً بالمدينة , فإن قتلتموني انتصر . فخلّوا سبيله ، فقصد عليّاً(1) .

وكان عليّ (عليه السّلام) في تلك الأثناء قد تجهّز إلى الشّام , فلمّا سمع الخبر ، دعا القوم إلى الجهاد , فتثاقل البعض وتحمّس جماعة من الأنصار , ومن بينهم أبو قتادة الأنصاري ، حيث قال لعليّ (عليه السّلام) : يا أمير المؤمنين , إنّ رسول الله قلّدني هذا السّيف , وقد أغمدته زماناً , وقد حان تجريده على هؤلاء القوم الظالمين , الذين لا يألون الاُمّة غشّاً ، وقد أحببت أن تقدّمني فقدّمني . وقالت اُمّ سلمة زوجة الرّسول (صلّى الله عليه وآله) : يا أمير المؤمنين , لولا أن أعصي الله وأنّك لا تقبله منّي , لخرجت معك ، وهذا ابن عمّي ، وهو والله أعزّ عليّ من نفسي ، يخرج معك ويشهد مشاهدك . فخرج معه وهو لم يزل معه(2) .

كان ضمن معسكر الإمام عليّ (عليه السّلام) اثنان من أقرب من عائشة ، وهُما اُمّ سلمة زوج النّبي (صلّى الله عليه وآله) , التي التزمت شرع الله وناصرت عليّاً (عليه السّلام) , وأخو عائشة محمّد بن أبي بكر , الذي قاتل معسكر أخته ولم تأخذه في نصرة عليّ (عليه السّلام) قرابته لأخته .

وجاء في الخبر أيضاً : أنّ حفصة بنت عمر قد تهيّأت للحاق بهم ـ أي بعائشة ـ لولا أنْ نهاها أخوها في الطريق عبد الله بن عمر . فخرج الإمام عليّ (عليه السّلام) في جيشه حتّى انتهى إلى الرّبذة ، وكان الإمام عليّ (عليه السّلام) يريد الاصلاح ويتجنّب القتال ، حتّى أرغموه عليه , وعندما سمع بخبر القوم , بعث إلى الكوفة محمّد بن أبي بكر ومحمّد بن جعفر , وكتب إليهم : (( إنّي اخترتكم على الأمصار وفزعت إليكم لما حدث ، فكونوا لدين الله أعواناً وأنصاراً ، وانهضوا إلينا ؛ فالإصلاح نريد لتعود هذه الاُمّة إخواناً )) .

وعند وصوله إلى ذي قار , أتاه عثمان بن حنيف وليس في وجهه شعرة , فقال : يا أمير المؤمنين , بعثتني ذا لحية وقد جئتك أمرد . فقال : (( أصبتَ أجراً وخيراً )) .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) نفس المصدر .

(2) نفس المصدر .


الصفحة 240

ورجع كلّ من محمّد بن أبي بكر وابن جعفر بعد أن لم يوفّقا في إقناع القوم ، فبعث لهم الإمام عليّ (عليه السّلام) أشخاصاً كثيرين ؛ كالأشتر وأبي موسى ، ثمّ الحسن (عليه السّلام) وعمّار , وبعد ما وقع من مشادّات كلامية , كان لا بدّ للمعركة أن تشتعل .

وكان الإمام عليّ (عليه السّلام) قد ذكّر الزُّبير بالله ، فحاول الرّجوع لولا أن اعترضه ابنه , وخرج طلحة وخرج إليهما عليّ حتّى اختلفت أعناق دوابهم ، فقال عليّ : (( لعمري , لقد أعددتما سلاحاً وخيلاً ورجالاً إن كنتما أعددتما عند الله عذراً , فاتّقيا الله ولا تكونا كالتي نقضت غزلها من بعد قوّة أنكاثاً , ألم أكُن أخاكما في دينكما تحرّمان دمي وأحرّم دمكما ، فهل من حدث أحلّ لكما دمي ؟ )) . قال طلحة : الّبت على عثمان . قال عليّ : (( يومئذ يوفيكم الله دينهم الحقّ . يا طلحة ، تطلب بدم عثمان , فلعن الله قتلة عثمان . يا طلحة ، أجئت بعرس رسول الله (صلّى الله عليه وآله) تقاتل بها وخبّأت عرسك في البيت ؟! أما بايعتني ؟ )) . قال : بايعتك والسّيف على عنقي .

فقال عليّ (عليه السّلام) للزبير : (( يا زبير ما أخرجك ؟ )) . قال : أنت ، ولا أراك لهذا الأمر أهلاً ولا أولى به منّا(1) . ثمّ قال (عليه السّلام) له : (( تذكر يوم مررت مع الرّسول الله (صلّى الله عليه وآله) في بني غنم , فنظر إليّ فضحك وضحكت إليه , فقلت له : لا يدع ابن أبي طالب زهوه . فقال لك رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : ليس به زهو ، لتقاتلنّه وأنت له ظالم )) . قال : اللّهمّ نعم ، ولو ذكرت ما سرت مسيري هذا ، والله لا اُقاتلك أبداً . وكان ابنه عبد الله قد اعترضه وقال له : لكنّك خشيت رايات ابن أبي طالب , وعلمت أنّها تحملها فتية أنجاد , وأنّ تحتها الموت الأحمر فجبنت . وقال : إنّي حلفت أن لا اُقاتله . قال : كفّر عن يمينك وقاتله . فأعتق غلامه مكحولاً , وقيل سرجس .

وذكروا أنّ الزُّبير عاد عن القتال لمّا سمع أنّ عمّار بن ياسر في جيش عليّ (عليه السّلام) , فخاف أن يُقتل عمّار . وكانا قد تشابكا ولم يقتتلا ، فاعتزل الزُّبير القتال إلى عسكر الأحنف بن قيس ، فلحقه عمرو بن جرموز وقتله .

أمّا طلحة , فقد قتله واحد من الاُمويّين الذين جاؤوا في جيش عائشة ، وهو

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ابن الأثير .


الصفحة 241

مروان بن الحكم .

كان الزُّبير رجلاً مفتوناً سرعان ما ولّى لولا أن ابنه عبد الله قد ورد عليه ، وفي ذلك يقول أمير المؤمنين : (( لا زال الزُّبير منّا حتّى ورد ابنه عبد الله )) . هذا الأخير كان فتّاناً . لقد غرّت الدُّنيا الزُّبير وانتصرت عليه ، فركب الفتنة وهو لمّا يفقد كلّ إيمانه ؛ وذلك ما دفع الإمام إلى البكاء عليه حسرة .

أمّا عائشة فإنّها لم تذكر شيئاً من الذكر الحكيم لترجع عن هذه الغوغاء , ولم يرجعها إلاّ الهزيمة يوم انتصر جيش عليّ (عليه السّلام) , وقتل جملها وسقطت من الهودج . تصدّى محمّد بن أبي بكر ـ أخو عائشة ـ هو وعمّار فاحتملا الهودج فنحّياه , وأدخل محمّد يده فيه ، فقالت : مَن هذا ؟ فقال : أخوك البرّ . قالت : عقق . قال : يا اُخيّة , هل أصابك شيء ؟ قالت : وما أنت وذاك ؟ قال : فمَن إذاً الضلاّل ؟ قالت : بل الهداة . وقال لها عمّار : كيف رأيتي ضرب بنيك اليوم يا اُمّاه ؟ قالت : لست لك باُمّ . فأبرزوا هودجها فوضعوها ليس قربها أحد(1) . ثمّ كان أن اختار الإمام عليّ (عليه السّلام) أربعين امرأة من نساء البصرة ليخرجن معها بزيّ الرجال(2) .

مات طلحة ابن عمّها ، وأخوها محمّد هو من أخلص شيعة عليّ (عليه السّلام) ، وأنصارها الآخرون كلّهم قد مات ، وما تبقّى كان من العثمانيّة ، وهُم إلى معاوية أميل , فبقيت عائشة معزولة ، وودّت لو تتاح لها الفرصة للخروج عليه , وعندما قُتل امتلأت أساريرها بابتسامة تخفي سنوات من الحقد والضغينة(3) .

وعلى كلّ حال فإنّ معركة الجمل لم تكن سوى حدث في الطريق ، ولا يزال الدّهر يتحف أبا الحسن بصنوف الشّدائد والنّوائب .

ــــــــــــــــــــــــ

(1) نفس المصدر .

(2) إنّ تفاصيل معركة الجمل يضيق بها المقام ، وهي من التفاصيل الفاضحات .

(3) لنا مع عائشة ـ لا حقاً ـ وقفة .


الصفحة 242


الصفحة 243

صفين مأزق المآزق :

كانت حرب الجمل حرباً تلقائية تخطّط لها عقول ارتجالية ، وتقودهم امرأة ضعيفة العقل ؛ ولذلك سرعان ما افترق جيش عائشة إلى قسمين بعد خطبتها ، فالبرنامج البديل كانت تكسوه ضبابية , وكثيراً ما وقع التصارع بين القوم حول من يخلف , هل الزُّبير أم طلحة ؟ أمّا معاوية في الشّام ، فإنّه أدهى من هؤلاء جميعاً ، وجمع إلى دهائه دهاء عمرو بن العاص ؛ ليهندسا أخطر الخطط لتدمير الإسلام .

 كان الاُمويّون منذ البداية يدركون أهدافهم , ومنذ أن قرعت عليهم طبول الفتح ، كانوا يعرفون أنّه لا بدّ من مخطّط بعيد المدى يواجهون به نفوذ محمّد (صلّى الله عليه وآله) . كان موقف الإمام عليّ (عليه السّلام) من معاوية واضحاً , هو أن يعزله مهما كانت مضاعفات هذا الإجراء , وحاول بعض المتسيسة أن يتوسّطوا في الأمر ، ويقنعوا عليّاً (عليه السّلام) بأن يعدل عن رأيه هذا ، وليزداد مرونة في سياسته , فأبى عليّ (عليه السّلام) فلسفتهم السياسيّة ، وشدّ بالخمسة على قبضة الحسام , وأعلن الحرب على العصابة الاُمويّة .

ولم يكن معاوية عاملاً بسيطاً في الشّام ، فهو قلبها وروحها بحكم بقائه الطويل في إمارتها . فهو صاحب قرار مسموع وجيش عرمرم ، وعشيرة اكتسبت شوكة ومالاً في عصر الخلفاء .


الصفحة 244

انحاز إلى معسكر معاوية كلّ من أراد الأموال والضياع , وبقي مع عليّ (عليه السّلام) عصبة ما زالت على دين محمّد (صلّى الله عليه وآله) وملّته , واعتزل الحرب قوم تضببت الرؤية في أعينهم ، واستعصى عليهم اتخاذ المواقف الحاسمة وفضّلوا الرّاحة ، ومثل هذا الواقع أحدهم قائلاً : الأكل مع معاوية أدسم ، والصلاة مع عليّ أتمّ ، والوقوف على التلّ أسلم . هذه الفئة كانت متذبذبة خاذلة للحقّ , ولعلّ معاوية كان أوعى ديناً من هؤلاء ؛ إذ لمّا جاء إلى سعد بن أبي وقّاص ، فقال له : ما منعك أن تقاتل معنا ؟ حاول أن يلتوي عليه ، مبرّراً ذلك بأنّه يأبى الدخول في قتال بين المؤمنين , فردّ عليه معاوية , بأن ليس إلاّ فئة مؤمنة واُخرى جائرة ، وبأنّ الواجب الإسلامي يقتضي الوقوف مع احداهما(1) . هذه العدمية كانت مرادفة للنفاق والخذلان في مجتمع عقائدي متمذهب بالإسلام .

باشر معاوية بإرسال الكتب إلى عمّال عليّ (عليه السّلام) في الأمصار ؛ يروم استمالتهم , فكتب إلى قيس بن سعد والي عليّ (عليه السّلام) على مصر كتاباً يقول فيه : سلام عليك ، أمّا بعد , فإنّكم نقمتم على عثمان ضربة بسوط أو شتيمة رجل أو تسيير آخر واستعمال فتى ، وقد علمتم أنّ دمه لا يصل لكم ، فقد ركبتم عظيماً وجئتم أمراً إدّاً ، فتب إلى الله يا قيس ؛ فإنّك من المجلبين على عثمان ، فأمّا صاحبك فإنّا استيقنّا أنّه الذي أغرى النّاس وحملهم حتّى قتلوه ، وأنّه لم يسلم من دمه , عظّم قومك ، فإن استطعت يا قيس أن تكون ممّن يطالب بدم عثمان فافعل , وتابعنا على أمرنا ولك سلطان العراقين إذا ظهرت ما بقيت , ولمَن أحببت من أهلك سلطان الحجاز ما دام لي سلطان ، وسلني ما شئت فإنّي أعطيك , واكتب إليّ

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) اُنظر خصائص الإمام النّسائي ، وقول سعد : قال (صلّى الله عليه وآله) : في عليّ ثلاث , لو كانت لي إحداهن , خير لي من حمر النّعم .


الصفحة 245

برأيك(1) .

حاول معاوية التقرّب من قيس واستدراجه إلى صفّه , غير أنّ قيس اعتصم ورفض اللعبة وفوّت الفرصة عليه , وكان قيس قد ردّ عليه في كتاب ، لم يفصح فيه عن نيته في عملية تبادل الخطّاب جرى بينهما ـ حسب ما فصّل فيه ابن الأثير وأمثاله ـ , وكان معاوية يريد موقفاً صريحاً من قيس ، فهو من هو في الدهاء حتّى يخضع للمخادع ؟ وهو من هو في النّفوذ حتّى يستسلم للخدعة ؟ وقد قال له : وليس مثلي يصانع المخادع وينخدع للمكايد ومعه عدد الرّجال وبيده أعنّة الخيل(2) . غير أنّ قيساً لم يجد مندوحة في الردّ عليه ، فأعرب عن مواقفه ، وأبا على معاوية مكيدته .

ومعاوية لم يكن رجل دين حتّى يقاتل بلا خدعة , فهو من أخسّ الطلقاء ودينه الدهاء ، وكانت له حيل سياسيّة ، فلذلك لجأ إلى زرع البلبلة في صفوف الإمام عليّ (عليه السّلام) , ويصطنع أدواراً مسرحية ؛ لتضليل الرّأي العام سواء في الشّام أم في المدينة , ومن ذلك أنّه على الرّغم ممّا ظهر له من قيس ، كان حريصاً على كتمان ذلك ، وادّعى أنّه يتواصل معه في الظل ، وأنّ قيساً ممّن تاب وأنكر قتل عثمان ، وأحياناً كان يفتعل كتاباً وهميّاً , يدّعي أنّه إليه من قيس ، يذكر فيه فيأه إليه , أو يظهر رسولاً مفتعلاً ، يزعم أنّه من قيس ؛ للرفع من معنويات أهل الشّام .

وكان لأمير المؤمنين (عليه السّلام) ـ كشأن كلّ قائد مسؤول ـ جواسيسه وعيونه في البلدان , ونقلوا له الخبر عمّا يجري هُنا وهُناك , فسمع أصحاب عليّ (عليه السّلام) الخبر ، فاقترحوا على الإمام (عليه السّلام) أن يعزله ويولّي مكانه محمّد بن أبي بكر ، وكان هذا الأخير من شيعة عليّ (عليه السّلام) ورجالاته الاستراتيجيين , فعزل قيساً وثبّت مكانه محمّد بن أبي بكر(3) .

كانت خطّة عليّ (عليه السّلام) أن لا يهادن بني اُميّة وجنودهم , وهو يحتاج إلى مَن

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ابن الأثير الكامل 3 / 27 .

(2) نفس المصدر .

(3) مسكويه , التجارب .


الصفحة 246

يشاركه في تلك المواقف , يريد عمّالاً على قلبه في التنمّر والشّدة , لقد أدرك من أمر قيس ما أدرك ، وعرف إنّه كان يداري مكاره كثار ومكايد عظام , غير أنّ عليّاً (عليه السّلام) لم يكن في حاجة إلى مدارات ، والظرف ظرف مواجهة وتحدّي ، وهو يحتاج إلى مَن يجنّد جماهير الأمصار ويهيئهم للمواجهة ، لا مَن يسلس للمكايد ويداري على الحقّ , لذلك اضطرّ عليّ (عليه السّلام) أن يعزله ويضع مكانه رجلاً على نهجه في الكفاح .

ولم يقف معاوية عند هذا الحدّ ، بل استمرّ في الكتابة إلى أهل الأمصار الاُخرى ، وحتّى إلى المدينة ومكّة نفسها , كان يريد معاوية أن ينبّه المغفّلين ويشكّك البسطاء ويحرّضهم على الميل إليه في مطلبه ؛ للانتقام من قتلة عثمان , غير أنّ أهلها ردّوا عليه على لسان واحدهم(1) : أمّا بعد ، فإنّك أخطأت خطأ عظيماً ، وأخذت مواضع النّصرة وتناولتها من مكان بعيد ، وما أنت والخلافة يا معاوية ، وأنت طليق وأبوك من الأحزاب ، فكفّ عنّا ، فليس لك قبلنا وليّ ولا نصير .

وكاتب معاوية عليّاً (عليه السّلام) وتبادلا الخطّاب ، غير أنّ معاوية كان أكثر تشبّثاً برأي مستحيل . احتاج معاوية إلى عقل يضاربه في الدهاء , فكتب إلى عمرو بن العاص ؛ يستميله إليه ، ويطلب منه المشاركة في القتال ضدّ عليّ (عليه السّلام) , ولم يكن عمرو بن العاص يعاني أزمة في الدهاء ، حتّى تتمكّن منه مكيدة معاوية , فهذا الذي لا ناقة له ولا جمل إلاّ في الدُّنيا ما لها وبنينها ، لم يكن ليستجيب مجّاناً لطلب معاوية, ولم يكن عمرو بن العاص يعاني جهلاً في معرفة مجريات الاُمور ، وما يريده الدين وما لا يريده ، حتّى ينقاد ساذجاً إلى معاوية يقاتل إلى جنبه ؛ يتوخّى نصرة حقّ مزيّف .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ذكر ابن الأثير إنّه هو : المسور بن مخزمة . في حين ذكر ابن أبي الحديد في الشّرح إنّه هو : عبد الله بن عمر .


الصفحة 247

لقد كان عمرو بن العاص أحد دهاتها الكبار , كما كان على بيّنة من المتطلّب الديني ، وحيث إنّ الدُّنيا هي من يتصدّر قائمة الأولويات في اهتمام عمرو ، وحيث أنّه لم يكن له إيمان يمنعه من الوقوف في وجه الحقّ والشّرع ، فإنّه حوّل المسألة منذ البداية إلى صفقة تجارية , ومعاوية يدرك ـ بحكم الدهاء والمكيدة ـ أنّ عمرو من تلك الطينة , ويدرك أنّه ما هرب بنفسه عن عثمان وخذلانه إيّاه ؛ إلاّ اعتصاماً بمصلحة الذّات ورغباتها , وما أشدّ معرفة الداهية بالداهية .

وكان وردان غلاماً لعمرو لا يقلّ دهاء , قال له يوم عزم على اللحاق بمعاوية : أما وإنّك إن شئت نبّأتك بما في نفسك ؟ فقال عمرو : هات يا وردان ؟ فقال : اعتركت الدُّنيا والآخرة على قلبك . فقلت : مع عليّ الآخرة بلا دُنيا ، ومع معاوية دُنيا بغير آخرة . فأنت واقف بينهما . فقال عمرو : ما أخطأت ما في نفسي(1) .

هناك كثير ممّا يمكن أن يستفيده عمرو من معاوية ، فهو أهل دُنيا والتفاوض مع أهل الدُّنيا سهل ، بل وهو أمر مؤكّد بالنّسبة لرجل مثل عمرو لا يأبه برجالاتها , بخلاف ما يمكن أن يحصل لو أنّ الأمر في يد رجل مثل عليّ (عليه السّلام) ، لا يرى باباً أمام أهل الأهواء إلاّ غلقه ولا باباً ينزوون خلفه إلاّ فتحه . وهناك ـ كذلك ـ الكثير ممّا يمكن أن يستفيده معاوية من عمرو ؛ فالرّجل داهية إذا انضمّ إليه نفعه ، وإذا صار ضدّه ضرّه ، وهو ذو سابقية في محاربة الإسلام ، وما حكّ دبرة إلاّ أدماها ، وهو رجل لا نسب له يطمعه في الرّفعة ، ولا دين يمنعه من المكيدة .

ويذكر صاحب العقد الفريد(2) : علم معاوية ـ والله ـ إن لم يبايعه

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ابن قتيبة , الإمامة والسّياسة / 96 .

(2) ابن عبد ربه ، عن سفيان بن عينة ـ في العقد الفريد ـ يقول : أخبرني أبو موسى الأشعري , قال : أخبرني الحسن ، قال علم معاوية . . .


الصفحة 248

عمرو لم يتم له أمر , فقال لعمرو : اتبعني . قال : ولماذا ؟ الآخرة فوالله ، ما معك آخرة ، أم الدُّنيا فوالله , لا كان حتّى أكون شريكك فيها . قال : أنت شريكي فيها . قال : فاكتب لي مصر وكورها . فكتب له [ مصر ] وكورها .

وكان عمرو يقول :

 معاوية لا اُعطيكَ دينِي ولمْ أنلْ      .   .   .   .   .   .   .  .  .
ومـا  الدينُ والدُّنيا سواءٌ وإنّني      لآخـذُ مـا تُعطي ورأسي مقنّعُ
فإنْ تُعطني مصراً فأربحْ بصفقةٍ      أخـدتَ بـها شيخاً يضرُّ وينفعُ

كانت الفئة النّفعية في هذا المجتمع ، قد ركبت متن الصراع وتاجرت فيه ، فكانوا تجّار حرب ، ولكنّها حرب عادلة بين حقّ يقف على الإيمان ، وباطل له سند في هوى الطلقاء , وأعمت الدُّنيا قلوبهم ، فهم في غمراتها مستنكفون عن الاستجابة لداعي الحقّ , وافتقدوا كلّ مبرراتهم , وعجباً إذ يحاربون الإمام ، وهم يعرفون أنّه على حقّ ، وأنّ معاوية رجل دنيا وطمع , لكنّهم كانوا يمسكون بورقة الجبر , فهم مسيّرون لا مخيّرون , مسيّرون في كلّ شيء حتّى في طلب الإمارة .

 قال أريب يوماً لعمرو ـ وهو عمّه من بني سهم ـ : ألا تخبرني يا عمرو بأيّ رأي تعيش في قريش , أعطيت دينك وتمنّيت دنيا غيرك ؟ أترى أهل مصر ـ وهم قتلة عثمان ـ يدفعونها إلى معاوية ، وعليّ حيّ ؟! وأتراها إن صارت لمعاوية لا يأخذها بالحرف الذي قدّمه في الكتاب ؟ فقال عمرو : يابن أخي ، إنّ الأمر لله دون عليّ ومعاوية . فقال الفتى :

ألا يـا هندُ اُختَ بني زيادِ      دُهـي عمرٌو بداهيةِ البلادِ
رُمي عمرٌو بأعور عبشميٍّ      بـعيدِ  القعرِ مخشيِّ الكيادِ


الصفحة 249

لـه خُـدعٌ يحارُ العقلُ منها      مـزخرفةٌ صـوائدُ لـلفؤادِ
فشرَّطَ في الكتابِ عليه حرفاً      يُـناديهِ بخُدعته المُنادي(1)

لم يكن عمرو ـ وهو يتدرّج بالجبر ـ يؤمن بأنّ هذا الواقع منسوب لله فعلاً ، إنّما هو الدهاء ، هو الاختباء وراء أستار مهلهلة من الفكر الهزيل , حيث له من يصدّقه من رعاع العرب , وما كان لعمرو إلاّ أن يرحل من فلسطين إلى معاوية ليرتّب معه الصفقة , وكان عليّ (عليه السّلام) محيطاً بملابسة الاُمور , وعزّ عليه السّخاء باُمّة محمّد لصالح الطلقاء , وفضّل أن يموت وتموت معه الاُمّة الصالحة ؛ ليبقى معاوية على اُمّة غير هذه ، كيف يقبل أبو الحسن (عليه السّلام) وهو الذي ما وقف سيفه في المعترك وبه قام الإسلام ! ولقد حرص أولو النّظر المحدود وأصحاب الحلول الوسط , على إقناع عليّ (عليه السّلام) بإثبات معاوية في ولاية الشّام , غير أنّه أبى .

فالقضية ليست سياسيّة حتّى تخضع لهذا المفهوم ، وما كان أبو الحسن (عليه السّلام) غافلاً عن هكذا مفاهيم صغيرة ، وهو مَن حلّ كلّ معضلة طرحت في حضرته , إنّها قضية إسلام أو جاهلية جديدة ، قضية موت أو حياة بالنّسبة له , ولم يكن يهتمّ إن كان أبو بكر وعمر وعثمان قد أثبتوا معاوية على الشّام .

إنّ عليّاً (عليه السّلام) أزيح عن الخلافة بعد عمر ؛ لأنّه رفض السير على سيرة الشّيخين ، وما كان يحتاج إلى سنّة الشّيخين , فيكفيه سنّة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) , لقد أبى إلاّ أن يحكم شرع الله فيهم مجرّدا عن شوائب اللعبة والتوازنات . . . ولذلك قال (عليه السّلام) : (( والله لا أعطيه ـ معاوية ـ إلاّ السّيف )) . وقال :

وَما ميتَةٌ إِن مِتُّها غَيرَ عاجِزٍ      بِعارٍ إِذا ما غالَتِ النَّفس غولُها

وكيف يخاف عليّ (عليه السّلام) شوكتهم ؟! وكيف يردّه عجرهم وبجرهم ، فما أحصى التاريخ عن عليّ (عليه السّلام) هذه الهناة ؟!

بعث (عليه السّلام) إلى معاوية جريراً يطلب منه البيعة ، وكان الأشتر قد اعترض

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ابن أبي الحديد , الشرح 2 / 68 ـ 69 .


الصفحة 250

على ذلك ، ورأى أنّ هوى الرجل من هواهم ، غير أنّ عليّاً (عليه السّلام) لم يكن يحتاج إلى من يقنعهم أكثر ، فهو يدرك ببصير الإسلام إنّ هؤلاء يدركون الحقّ والضلال معاً ، غير أنّهم اختاروا الضلال , ولا بدّ فقط من إثبات الحجّة للخروج إليهم وقطع دابرهم إلى الأبد .

كان عليّ (عليه السّلام) يملك ورقة الحقّ , بينما غطّى معاوية وعمرو باطلهما بدهائهما ، فعزفا على وترين :

1 ـ الرشاوى الماليّة .

2 ـ التضليل الإعلامي .

كانت الرشوة للذين تاجروا في هذه الحرب متجاوزين إيمانهم بالحقّ الذي مع عليّ (عليه السّلام) ؛ حيث قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : (( عليّ مع الحقّ , والحقّ مع عليّ يدور معه أينما دار )) . هؤلاء باعوا دينهم لمعاوية فلا بدّ لهم من مقابل , ومثال على ذلك عمرو بن العاص ، وأبو هريرة ومن لفّ لفّهم من الخونة المندسّين , والتضليل لاُولئك القشريين الذين اكتفوا بمعرفة سطوح الدين ، ولبسوا الإسلام لبس الفرو مقلوباً ، فتضليلهم يمرّ بطريقين :

1ـ تحريف الحقائق وتزييف الواقع في أذهانهم ، والضرب على وتر عواطفهم وأحاسيسهم البسيطة , وذلك كأن يرفع معاوية وعمرو بين الفينة والاُخرى قميص عثمان ، ويستثيروا الروح العشائرية والانتقامية من جهة ، ثمّ تصوير عليّ (عليه السّلام) وجنوده كالمجرمين , مثل ما فعل عمرو حين خطب في جمهور الشّامين : إنّ أهل العراق قد فرّقوا جمعهم ، وأوهنوا شوكتهم , وقطعوا حدّهم , ثمّ إنّ أهل البصرة مخالفون لعلي , وقد قتلهم ووترهم وتفانت صناديدهم يوم الجمل ، وإنّما سار عليّ في شرذمة قليلة منهم مَن قتل خليفتكم ، فالله في حقّكم أن تضيّعوه وفي مدمكم أن تبطلوه(1) .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) مسكويه , تجارب الاُمم / 335 .


الصفحة 251

ومثل ذلك أعطى معاوية من بيت المال أربع مئة ألف درهم , على أن يخطب سمرة بن جندب في أهل الشّام بأنّ قوله تعالى : ( وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنيا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الْفَسَادَ )(1) . إنّها نزلت في عليّ بن أبي طالب (عليه السّلام) ، بعد ذلك قال سمرة : لعن الله معاوية , والله لو أطعت الله كما أطعت معاوية ما عذّبني أبداً(2) .

2 ـ تهيئة النّفوس للقبول بالأمر الواقع من خلال نشر الفكر الجبري ، الذي يؤمن بالوقائع على أساس إنّها قدر مقدوراً . وهو ما سبق أن قاله عمرو بن العاص جبراً قد انحاز إلى معاوية ، وما أكثر النّفوس التي آمنت بفكرة الجبر ، وخاضت حرباً باطلة بوعي جبري , فقد روى عن الأسود ، قُلت لعائشة : ألا تعجبين لرجل من الطلقاء ينازع أصحاب محمّد الخلافة ! قالت : وما يعجب , هو سلطان الله يؤتيه البرّ والفاجر , قد ملّك فرعون مصر(3) .

وكذلك سار معاوية في أنصاره يعطي عمراً مصر ، ويضخّ الذهب والضياع في جيد المغيرة وسمرة ، وأبي هريرة وما شابه . هيّأ معاوية نفسه ومَن معه للطوارئ ، فهذا عليّ (عليه السّلام) لا ينثني ولم ينثنِ يوماً في طلب الحقّ ، وهذا معاوية لا يرى البيعة لعليّ (عليه السّلام) في صالح بني اُميّة ؛ لأنّ في عليّ (عليه السّلام) لوثة محمّد (صلّى الله عليه وآله) , هذه التي طالما تطيّر منها ابن العاص وبنو اُميّة وأشباههم .

 كان حتماً وضرورياً أن تشتعل المعركة ، وقد اُخبر الإمام عليّ (عليه السّلام) : إنّ معاوية لا يريد البيعة ويستنفر النّاس للخروج . فسار إليه الإمام عليّ (عليه السّلام) في جيش من المسلمين فيهم سبعون رجلاً من البدريين ، وسبع مئة رجل بايعوا تحت شجرة الرضوان ، وأربع مئة من بين سائر المهاجرين والأنصار(4) , في حين لم

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة البقرة / 204 ـ 205 .

(2) ماذا في التاريخ , الشيخ محمّد حسن القبيسي العادلي 4 / 456 ، دار التعارف للمطبوعات ، بيروت , لبنان .

(3) من سيرة أعلام النبلاء للذهبي ، انظر / 183 , من كتاب : شيخ المغيرة ، أبو هريرة ، محمود أبو رية .

(4) اليعقوبي .


الصفحة 252

يشمل جيش معاوية سوى رعاع العرب وأعرابها والطلقاء(1) .

وكان بودّ أتباع معاوية أن تردهم الحرب ، وهم يرون الصحابة قد اجتمعوا جميعاً في جيش عليّ (عليه السّلام) , لكن لا حياة لمن تنادي والقوم كلّهم من رعاع الشّام لا يعرفون عليّاً ولا عمّاراً ، بل لا يعرفون النّاقة من الجمل , بينما نخبة الجيش الاُموي المدركون للحقيقة ، قد تمكّنت الدُّنيا من أنفسهم فتجرّدوا لها .

وانتهت المناوشات ، لكي يقف الفريقان بصفين ، حيث يجهز جيش عليّ (عليه السّلام) على أهل الشّام ، اجهازاً فرّق فيه شملهم واذهب به ريحهم ، وكان من المفروض أن ينتهي أمرهم ، غير أنّ الدهاة لا ينتهون ، فقد اقترح عمرو على معاوية رفع المصاحف كخدعة ، كان معاوية قد دعا بفرسه لينجو عليه ، وكيف لا يهرب وهو أدرى ببلاء عليّ (عليه السّلام) وبأسه ، وما دخل هؤلاء الطلقاء سوى خوف ورهبة من هذا الحسام المهنّد ، الذي أرغم أنوف العرب ، لتدخل راكعة منقادة في الإسلام , لقد نادى عليّ (عليه السّلام) معاوية : (( يا معاوية ، لِمَ تقتتل النّاس بيننا ؟ هلمّ اُحاكمك إلى الله ، فأينا قتل صاحبه استقامت له الاُمور )) . فقال عمرو : ما يجمل بك إلاّ مبارزته . قال معاوية : طمعت فيها بعدي(2) ؟!

وهذا لا يشكّ فيه أحد ، فلقد وتر عليّ (عليه السّلام) العرب حين قتل أجدادها ، ولكنّهم لم يروا في قتل عليّ (عليه السّلام) إيّاهم عيباً ونقيصة ، حيث لا تزال النّفوس تتردّد في أصدائها : (( لا فتى إلاّ عليّ ، ولا سيف إلاّ ذو الفقار )) . وليس عيباً عند داهية عربي كعمرو بن العاص , أن يكشف أمام عليّ (عليه السّلام) عورته لينجو من ضربة حسام

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) النّعمان بن بشير ومسلمة بن مخلد , هما الرّجلان الوحيدان من الأنصار اللذان كانا مع معاوية .

(2) مسكويه وغيره .


الصفحة 253

انشقّت تحتها بيضات فرسان العرب ، ليس هذا ولا ذاك عيباً ، إنّما العيب أن يقاتلوا الحقيقة عند عليّ (عليه السّلام) .

كان معاوية قد دعا بفرسه ، فاعترضه عمرو : إلى أين ؟ قال : قد نزل ما ترى ، فما عندك ؟ قال : لم يبقَ إلاّ حيلة واحدة ؛ أن ترفع المصاحف ، فتدعوهم إلى ما فيها ، فتسكّنهم وتكسر من حدّهم ، وتفتّ في أعضائهم . قال معاوية : فشأنك . فرفعوا المصاحف ودعوا إلى التحكّم بما فيها , وقالوا : ندعوكم إلى كتاب الله(1) .

كانت تلك بحقّ أخطر مكيدة في تاريخ العرب والمسلمين ، وبها سار خبر عمرو بن العاص وذاع أمره , إنّها المكيدة التي انتصرت لباطلهم ، وفرّقت شمل جيش عليّ (عليه السّلام) , غير أنّ عليّاً (عليه السّلام) لم يكن غبيّاً ـ حاشاه ـ حتّى تجتاز عليه حيل الطلقاء ومكايدهم ، لقد أدرك منذ البداية إنّها لعبة ، وبأنّ رفع المصاحف هو تكتيك حربي وليس إيماناً ، ولكن اللعبة تمكّنت من الذهنية البسيطة السّطحية في الاُمّة ، ثمّ إنّ معاوية وعمرو بن العاص ، معروفا التوجّه ، ومتى دعيا إلى الدين وحكما بالقرآن ؟ وهل هناك قرآن في تبلّجه وتشخّصه كالإمام عليّ (عليه السّلام) ومئات الصحابة الكبار من خلفه يقاتلون ؟ وهل القشريون الذين كانوا في جيش عليّ (عليه السّلام) واستسلموا للخدعة ، ألا يدركون إنّ الإمام عليّ (عليه السّلام) هو أكثرهم تمسّكاً وعلماً بالقرآن ؟ ومتى احتاج أن يعلّموه التحاكم إلى شرع الله ؟

هؤلاء في الواقع كانوا يحاربون مع الإمام وهم يجهلون قدره ، فلم يترك الواقع الفاسد فرصة لفضائله (عليه السّلام) لتأخذ مكانها في عقول النّاس ، وهذه هي نتيجة الاغتصاب . لقد كان هنالك في صفّ الإمام (عليه السّلام) رجل اسمه الأشعث بن قيس الكندي ، اعترض على مقاتلة القوم ؛ لأنّهم رفعوا المصاحف ، أنّه رجل هوائي لا يستقر على أمر ، وتحكي عنه التواريخ : أنّه قد أسلم وارتدّ ثمّ أسلم في عهد الرّسول (صلّى الله عليه وآله)

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) اليعقوبي ومسكويه وابن الأثير والطبري .


الصفحة 254

ولذلك كان مؤهّلاً للانحراف في هذه المكيدة .

وانتشرت الغوغاء في جيش الإمام (عليه السّلام) بما يشبه حالة انشطار ، فما كان له (عليه السّلام) إلاّ أن يصبر ، فلا رأي له ؛ إذ لا رأي لمَن لا يُطاع . وكان لا بدّ للفريقين أن ينتدبوا ممثّلين عنهم ليديروا عملية التحكيم ، كان عمرو بن العاص هو الرّجل المنتدب في جيش معاوية ، وكان المختار في جيش عليّ (عليه السّلام) هو عبد الله بن عبّاس ، فرفضوه لقرابته منه وانحيازه إليه ، واختاروا مكانه أبا موسى الأشعري , ورفض الإمام (عليه السّلام) هذا الاختيار ؛ فأبو موسى كان قد خذّل النّاس عن عليّ (عليه السّلام) بالكوفة ، وهو يدرك أنّه لا يوازن دهاء عمرو بن العاص .

هل إنّ ابن عبّاس منحاز إلى عليّ (عليه السّلام) ؟ وكيف يقبل العقل ذلك وعمرو بن العاص هو الرجل الثاني في جيش معاوية ، هذه أكبر نكسة وقعت في جيش الإمام عليّ (عليه السّلام) من قبل اُناس بسطاء سذّج لا يفقهون في الدين ، إنّهم متورّعون ؛ لذلك طلبوا من الإمام عليّ (عليه السّلام) أن يعزل ابن عبّاس ، وبهذا التورّع الزائد وبهذه الأخلاقية البائسة خسروا التحكيم ، وخسروا الحقّ الذي من أجله جاؤوا إلى صفّين ، وانتهوا خوارج مارقين .

ثمّ انبرى للتحكيم كلّ من عمرو بن العاص وأبو موسى الأشعري , بعد أن تمرّدت طائفة من القشريين في جيش عليّ (عليه السّلام) , منهم مسعر بن فدكي ، وزيد بن حصن ، والسنبسي ومجموعة اُخرى ، مطالبين عليّاً (عليه السّلام) بالخضوع للتحكيم , وطلب الأشتر بالتوقّف ، وما كان من الإمام عليّ (عليه السّلام) إلاّ أن يقول : (( فاصنعوا ما بدا لكم )) . فراحوا يكتبون : هذا ما تقاضى عليه أمير المؤمنين . قال عمرو : اكتبوا اسمه واسم أبيه ، هو أميركم ، فأمّا أميرنا فلا .

كان الأحنف قد رفض أن يمحوا اسم أمارة أمير المؤمنين ، وقد تمثّل نفس الدور الذي قام به عليّ (عليه السّلام) وهو يكتب وثيقة صلح الحديبية ، وكأنّ التاريخ يعيد


الصفحة 255

نفسه ، لكن الأشعث بن قيس قال : امحُ هذا الاسم ، أمحاه الله . فعصي , فقال عليّ (عليه السّلام) : (( الله أكبر ! سنّة بسنّة ومثل بمثل . والله ، إنّي لكاتب رسول الله يوم الحديبية ، إذ قالوا : لا نشهد لك أنّك رسول الله ، فامحُ هذا واكتب اسمك واسم أبيك . فكتبه )) . فقال عمرو بن العاص : نشبّه بالكفّار ونحن مؤمنون ؟! فقال له عليّ (عليه السّلام) : (( يابن النّابغة ، ومتى لم تكن للفاسقين وليّاً وللمسلمين عدوّاً ، وهل تشبه إلاّ اُمّاً دفعت بك )) . فقام وقال : لا يجمع بيني وبينك مجلس أبداً بعد هذا اليوم . فقال عليّ (عليه السّلام) : (( وإنّي لأرجو أن يطهّر الله مجلسي منك ومن أشباهك ))(1) .

خرج الأشعث على النّاس يقرأ عليهم الكتاب ، فرآه عروة بن أذيه ـ أخو أبي بلال ـ فقال : تحكّمون في أمر الله الرّجال ! لا حكم إلاّ لله . غير أنّ أصحاب قيس اتصلوا به فأقنعوه . لم يعد الإمام يدرك الطريقة التي يتعامل بها مع جيش منشطر ، ومع أغلبية من الرعاع الذين عرفوا حقّه لكنّهم لم يقدّروا شخصيته ، وكانت له خطبة عند ذلك قالها لأصحابه :

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الطبري ومسكويه .


الصفحة 256

(( لقد فعلتم فعلة ضعضعت قوّة وأسقطت منّة وأورثت وهناً وذلّة ، ولمّا كنتم الأعلين وخاب عدوّكم ورأى الاجتياح واستحرّ بهم القتل ووجدوا ألم الجراح ، رفعوا المصاحف ودعوكم إلى ما فيها ليفتؤوكم عنها ، ويقطعوا الحرب في ما بينكم وبينهم ، ويتربّصوا ريب المنون خديعة ومكيدة ، فأعطيتموهم ما سألكموه ، وأبيتم إلاّ أن توهنوا وتجوروا . وأيم الله ، ما أظنّكم بعدما توافقون رشداً ولا تصيبون باب حزم ))(1) .

اجتمع الحكمان ببلدة تقع خارج الشّام يقال لها أذرح ـ قي مدينة تبوك ، ودومة الجندل قديماً ـ , وحضرت التحكيم جماعة من أصحاب عليّ واُخرى من أصحاب معاوية . ولمّا اجتمع عمرو وأبو موسى ، قال عمرو : يا أبا موسى , أرأيت أوّل ما تقضي به من الحقّ , أن تقضي لأهل الوفاء بوفائهم ، وعلى أهل الغدر بغدرهم . قال أبو موسى : وما ذاك ؟ قال عمرو : ألست تعلم أنّ معاوية وفيّ ، وقدّم للموعد الذي واعدناه ؟ قال : نعم . قال : اكتبها . فكتبها أبو موسى .

ثمّ قال له : يا أبا موسى , ألست تعلم أنّ عثمان قُتل مظلوماً ؟ قال : أشهد . قال : ألست تعلم أنّ معاوية وآل معاوية أولياؤه ؟ قال : بلى . قال : فما يمنعك

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) مسكويه وابن الأثير .


الصفحة 257

منه وبيته في قريش كما قد علمت ؟ فإن خفت أن يقول النّاس : ليست له سابقة . فقل : وجدته وليّ عثمان الخليفة المظلوم , والطالب بدمه الحسن السّياسة والتدبير , وهو أخو اُمّ حبيبة زوج رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وكاتبه , وقد صحبه وعوّض له بسلطان .

فقال أبو موسى : يا عمرو اتق الله ! فأمّا ما ذكرت من شرف معاوية , فإنّ هذا ليس على الشّرف تولاّه أهله ، ولو كان على الشّرف , لكان لآل أبرهة بن الصباح ، إنّما هو لأهل الدين والفضل ، مع أنّي لو كنت معطيه أفضل قريش شرفاً , أعطيته عليّ بن أبي طالب . وأمّا قولك : إنّ معاوية وليّ دم عثمان فولّه هذا الأمر ، فلم أكن لأولّيه وأدع المهاجرين الأوّلين . وأمّا تعويضك لي بالسّلطان ، فوالله لو خرج معاوية لي من سلطانه كلّه , لما وليته وما كنت لأرتشي في حكم الله .

قال عمرو : فما يمنعك من ابني , وأنت تعلم فضله وصلاحه ؟ قال : إنّ ابنك رجل صدق , ولكنّك قد غمسته في هذه الفتنة . فقال عمرو : إنّ هذا الأمر لا يصلح إلاّ لرجل يأكل ويطعم ، وكانت في ابن عمر غفلة ، فقال له ابن الزُّبير : افطن فانتبه . فقال : والله , لا أرشوا عليها شيئاً أبداً . وقال : يابن العاص ، إنّ العرب قد أسندت إليك أمرها بعدما تقارعوا بالسّيوف , فلا تردّنهم في فتنة .

ويذكر المؤرّخون : أنّ عمراً قد عوّد تقديم أبي موسى في الكلام ، بقوله : أنت صاحب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وأسن منّي فتكلّم ، وتعوّد ذلك أبو موسى . وكان أبو موسى يريد أيضاً خلع الاثنين واثبات ابن عمر ، فأبى عليه ذلك عمرو وقال له : خبّرني ما رأيك ؟ قال : أرى أن نخلع هذين الرجلين ونجعل الأمر شورى , فيختار المسلمون لأنفسهم مَن أحبّوا . وقال عمرو : الرّأي ما رأيت . وقال له : يا أبا موسى , أعلمهم أنّ رأينا قد اتّفق . فقال أبو موسى : إنّ رأينا قد اتّفق على أمر نرجو أن يصلح الله به أمر هذه الاُمّة .


الصفحة 258

فقال عمرو : صدق وبرّ ، تقدّم يا أبا موسى نتكلّم .

تقدّم أبو موسى وقال : أيّها النّاس , إنّا قد نظرنا في أمر هذه الاُمّة , فلم نر أصلح لأمرها ولا ألمّ لشعثها من أمر قد أجمع رأيي ورأي عمرو عليه ، وهو أن نخلع عليّاً ومعاوية ، ويولّي النّاس أمرهم مَن أحبّوا ، وإنّي قد خلعت عليّاً ومعاوية , فاستقبلوا أمركم وولّوا عليكم مَن رأيتموه أهلاً . ثمّ تنحّى(1) . فقام عمرو فقال : لكنّي خلعت صاحبه عليّاً كما خلع ، وأثبتّ معاوية .

يقول الطبري(2) : إنّهما لم يبرحا مجلسهما حتّى استبّا ، ثمّ خرجا إلى النّاس ، فقال أبو موسى : إنّي وجدت مثل عمرو مثل الذين قال الله عزّ وجل : ( وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنْ الْغَاوِينَ )(3) .

فقال عمرو : أيّها النّاس , إنّي وجدت مثل أبو موسى كمثل الذين قال الله عز وجل : ( مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا )(4) .

كانت القضية من بدايتها خاطئة ؛ لأنّها قائمة على مكيدة التحكيم , والإمام عليّ (عليه السّلام) لم يكن فقط يملك ورعاً وتقوى يحول دونه والمكيدة , بل أيضاً كان يتوفّر على قدر لا يوزن من البصيرة ، أدرك من خلاله طبيعة اللعبة ، فرفض التحكيم واستشرف مأزقه ، غير أنّ الكثير ممّن كان معه ، كان يملك إيماناً مقلوباً ، ورتوشاً أخلاقويّة زائدة على المبدأ والسّلوك .

 لم يكن عمرو بن العاص يجهل قدر عليّ (عليه السّلام) , ولكنّه سلك اختياراً لعوامل شتّى , يقتضي تفويت الخلافة إلى معاوية ، أمّا أبو موسى الأشعري ، فقد كان رجلاً من اُولئك الأخلاقويين الفاقدين

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ابن الأثير في التاريخ 3 / 231 ـ 232 .

(2) وكذا ورد في ابن الأثير ومسكويه و . . .

(3) سورة الأعراف / 175 .

(4) سورة الجمعة / 5 .


الصفحة 259

للبصيرة ، ذلك أنّه طرح عزل عليّ (عليه السّلام) وهو يرى في عزل الحقّ حقّاً ، وليس ذلك إلاّ تنازلاً للباطل , ولذلك اقترح ابن عمر ، ولم يكن هذا الأخير ، بمن يستحقّ طرحه في سياق الاستخلاف ، غير أنّ السّذاجة غلبت على مواقف النّاس ، وما رأيت رجلاً خذل الحقّ في الإسلام مثل ابن عمر ، الذي كان يدرك كلّ شيء ولا يتكلّم ، ويخشى أن يقول الحقّ ؛ خوفاً من الفتنة ، والفتنة ليست سوى تغييب الحقّ والسّكوت عنه .

يذكر ابن الأثير : إنّ معاوية حصر الحكمين , وإنّه قام عشيّة في النّاس , فقال : أمّا بعد , مَن كان متكلّماً في هذا الأمر فليطلع لنا قرنه . قال ابن عمر : فاطلعت جبوتي فأردت أن أقول : يتكلّم فيه رجال قاتلوك وأباك على الإسلام . فخشيت أن أقول كلمة تفرّق الجماعة ويسفك فيها دم ، وكان ما وعد الله فيه الجنان أحبّ إليّ من ذلك ، فلمّا انصرفت إلى المنزل , جاءني حبيب بن مسلم فقال : ما منعك أن تتكلّم حين سمعت هذا الرجل يتكلّم ؟ قلت : أردت ذلك ثمّ خشيت . فقال حبيب : وفّقت وعصمت ، وهذا أصح . ترك هؤلاء للباطل فرصة للظهور ، ولم يقفوا مع الحقّ وهو في حاجة إلى مَن يسنده .

وقف الإمام عليّ (عليه السّلام) وحيداً ، ليس معه سوى عصبة من المؤمنين الذين لا تهزّهم الأطماع ولا الحطام ، الفئة التي نذرت حياتها للحقّ دون سواه ، والباقون كانوا إمّا قاسطين أو مارقين أو ناكثين . خرجت من جيش عليّ (عليه السّلام) يومذاك فرقة من الخوارج زعموا أن الحكم لله ، شعاراً ساذجاً يخفي داخله الضباب والاُميّة الإسلاميّة ، ولذلك كبّر الإمام عليّ (عليه السّلام) قائلاً : (( الله أكبر ، كلمة حقّ يُراد بها باطل )) .

لم يشأ (عليه السّلام) أن يقتلهم يوم النّهروان إلاّ بعد أن اضطرّوه إلى ذلك ، ولطالما حاورهم ورفع الرّاية البيضاء يستتيبهم ، خرج بعضهم وبقي شرارهم معتصمين لجهلهم فحاربهم , وبقيت بعد ذلك حفنة من الخوارج تائهة في فلوات الجزيرة ، تبشّر بجهلها وتبيّت لعليّ (عليه السّلام) , وانتشرت في البلدان وانتشر معها الغباء .


الصفحة 260

لا اُريد هُنا أن أفصّل في الخوارج كنشأة وتطوّر ، فهذا ليس من وظيفة الكتاب ؛ لأنّ الخوارج ليسوا سوى فرقة غبيّة ، طلبت الحقّ بسذاجة فلم تجده ، فرجع منها المخلصون إلى الحقّ ، وبقي الأشقياء يردون موارد الفتن , ولكنّني اُريد الإشارة إلى المنعطفات , ومن تلك المنعطفات ، ما تلي صفّين من أحداث .

 كان الصحابي الجليل عمّار قد قُتل بصفّين ؛ وبذلك قد أرسى ميزانه لتقييم الحدث , وقد فزع من جيش معاوية لمّا رأوه ميّتاً ؛ لأنّهم سمعوا إنّ : (( ابن سمية تقتله الفئة الباغية )) . غير أنّ الإعلام الأيديولوجي حرّف القضية ، واستصغرها في ذهن القوم ، فقال عمرو : لقد قتله الذين جاؤوا به . وكان كما أشار معاوية ، يعتبر أنّ عمّار يمين الإمام عليّ (عليه السّلام) فيما الأشتر يسراه .

لم تكن مصر حتّى ذلك اليوم قد خلت لمعاوية , وما كان هذا الأخير غافلاً عنها ، فهي سلّة جديدة تنضاف إلى إمارته الواسعة ، وهي ثمن الانتصار الذي جلبه له عمرو بن العاص , وحيث أنّ في مصر مَن هُم على هوى عليّ (عليه السّلام) , أراد معاوية أن يستخدم دهاءه في استمالتها قبل الإجهاز عليها . كانت مصر قد فسدت على محمّد بن أبي بكر ، فبعث إلى مصر الأشتر , وبلغ الخبر إلى معاوية ، فخشي على مصر من الأشتر وتشدّده , فعقد معاوية صفقة مع المقدم على أهل الخراج بالقلزم , وقال له : إنّ الأشتر قد ولي مصر ، فإن كفيتنيه لم آخذ منك خراجاً ما بقيت وبقيت . وعندما انتهى الأشتر إلى القلزم وهو في طريقه من العراق إلى مصر ، استقبله الرّجل وأتاه بطعام دسّ فيه سمّاً فسقاه إيّاه , فلمّا شربه مات(1) .

وحدث أيضاً : إنّ قتل محمّد بن أبي بكر في الدفاع عن مصر من قبل جيش معاوية بقيادة عمرو بن العاص , الحرب التي تركت وراءها أمواتاً كثيرين , وكان محمّد بن أبي بكر قد دخل حربه واشتدّ عليه العطش ، فلحقوا به وقتلوه

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) تاريخ ابن الأثير .


الصفحة 261

شرّ قتلة .

ويذكر صاحب اُسد الغابة : إنّه قُتل بعد أن اُحرق في جوف حمار ، كان الذي تولى قتله معاوية بن حديج ، طلب منه محمّد بن أبي بكر ماء ، فأبى عليه ، وقال له : لأقتلنّك حتّى يسقيك الله من الحميم والغساق . فقال له محمّد : يابن اليهوديّة النّسّاجة , ليس ذلك إليك إنّما ذلك إلى الله ، يسقي أولياءه ويظمئ أعداءه أنت وأمثالك ، أما والله لو كان سيفي بيدي ما بلغتم منّي هذا . ثمّ قال له : أتدري ما أصنع بك ؟ أدخلك جوف حمار ثمّ أحرقه عليك بالنّار . قال محمّد : إن فعلت بي ذلك , فلطالما فعلتم ذلك بأولياء الله ، وإنّي لأرجو أن يجعلها عليك وعلى أوليائك ومعاوية وعمرو ناراً تلظّى , كلّما خبت زادها الله سعيرا . فغضب منه وقتله , ثمّ ألقاه في جيفة حمار ثمّ أحرقه بالنّار(1) .

وكانت عائشة قد جزعت عليه بشدّة ودعت في قنوتها على معاوية وعمرو , وضمّت إليها عيال محمّد ، ويقال : إنّها لم تأكل من ذلك شواء حتّى ماتت .

كان أخوه عبد الرّحمن قد اعترض على عمرو بن العاص وكان في جنده في تلك الأثناء . حزن الإمام عليّ (عليه السّلام) على محمّد بن أبي بكر حزناً شديداً ، وتمنّى لو يفرّق الله بينه وبين قومه الذين لا يطيعونه في رأي ويسمعون له كلمة ، ولم يكن أمامه (عليه السّلام) سوى الكلمة التي يفجّر بها أحزانه ، ويوجّه فيها عتابه لأتباعه المتهالكين ، وودّ سلام الله عليه لو يجهز على معاوية بمصر ، فيردّه عنها ردّاً عزيزاً , بل ولودّ أن لن يبقى في أرض الإسلام لوثة أموية على الإطلاق فيما لو أطاعه قومه , وكانت خطبته الشّهيرة يومها : (( ألا إنّ مصر قد افتتحها الفجرة أولو الجور والظلمة , الذين صدّوا عن سبيل الله وبغوا الإسلام عوجاً ، ألا وإنّ محمّد بن أبي بكر استشهد , فعند الله نحتسبه , أما والله , إن كان كما علمت , لممّن ينتظر القضاء ويعمل للجزاء ويبغض شكل الفاجر ويحبّ هدى المؤمن ، إنّي والله ما ألوم نفسي على تقصير ، وإنّي لمقاساة الحروب

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ابن الأثير , التاريخ .


الصفحة 262

لجدير خبير ، وإنّي لأتقدّم على الأمر وأعرف وجه الحزم , وأقوم فيكم بالرّأي المصيب , واستصرخكم معلناً وأناديكم نداء المستغيث , فلا تسمعون لي قولاً ولا تطيعون لي أمراً , حتّى تصير بي الاُمور إلى عواقب المساءة ، فأنتم القوم لا يدرك بكم الثأر ولا تنقض بكم الأوتار ، دعوتكم إلى غياث إخوانكم منذ بضع وخمسين ليلة , فتجرجرتم جرجرة الجمل الأشدق ، وتثاقلتم إلى الأرض تثاقل مَن ليست له نيّة في جهاد العدو ولا اكتساب الأجر ، ثمّ خرج إليّ منكم جنيد متذانب , كأنّما يساقون إلى الموت وهُم ينظرون ، فأفّ لكم )) . ثمّ نزل(1) .

هذه الخطبة تلخّص الظرف الذي عاناه أمير المؤمنين (عليه السّلام) ، إنّه أسد الله الذي ابتلاه الله بأغلبية أجبن من بنات آوى ، ومدينة العلم التي سكنها الجهلة الرّعاع ، وذلك هو السّقوط ، وتلك هي معاناة أبي الحسن (عليه السّلام) . بقي الأمر كذلك , عليّ بالعراق ومعاوية بالشّام ، حكومة منشطرة واُمّة تحكمها المتناقضات ، معاوية منعته شدّة عليّ (عليه السّلام) وبأسه في الحروب ، وعليّ (عليه السّلام) منعه من الخروج تثاقل أصحابه وعصيانهم له .

في تلك الأجواء من التهدئة النّسبية ، اجتمع فريق من الخوارج ؛ ينعون قتلاهم بالنّهروان ، وتبادلوا وجهات النّظر فيما بينهم , وأسفر الاجتماع على مخطّط للاغتيال ، بزعامة ثلاثة من الخوارج ؛ عبد الرّحمن بن ملجم ، والبرك بن عبد الله , وعمرو بن بكر التميمي . وقضى المخطّط أن يتولّى ابن ملجم قتل عليّ (عليه السّلام) , والبرك بن عبد الله معاوية , فيما قال عمرو بن بكر : أنا أكفيكم عمرو بن العاص(2) . غير أنّ برك وعمرو بن بكر لم يتوفّقا في قتل معاوية وعمرو ؛ فأمّا الأوّل فقد قعد لمعاوية ، فلمّا خرج إلى الصلاة , ضربه بالسّيف فلم يصب إلاّ أليته ، فأخذه معاوية فأمر فضرب عنقه .

أمّا الثاني فقد قعد لعمرو , غير

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) نفس المصدر .

(2) تجارب الأمم .

 

 

الصفحة 263

أنّ هذا الأخير كان قد اشتكى بطنه , فأمر خارجة بن أبي حبيبة ليصلّي بالنّاس ، فخرج فوثب عليه ابن بكر ـ ظاناّّ أنّه عمرو ـ فضربه فقتله ، فأخذه النّاس إلى عمرو فأمر بقتله .

أمّا ابن ملجم فإنّه اتجه صوب الكوفة ، وكان قد التقى بامرأة اسمها قطام وأحبّها ، وكان عليّ (عليه السّلام) قتل أباها وأخاها يوم النّهروان ، وافتقد بجمالها ابن ملجم توازنه فخطبها ، فرفضت ذلك إلاّ بشرط قتل عليّ (عليه السّلام) . وقيل : اشترطت عليه ثلاثة آلاف وعبد وقينة وقتل عليّ (عليه السّلام) . فقال لها : هو لك , ووالله ، ما وردت إلاّ لقتل عليّ .

فذهب وجلس مقابل الشّدّة التي يخرج منها عليّ للصلاة ، وتمّت العملية , وقتل ابن ملجم عليّاً , وتصايح النّاس ، فقبض عليه وجيئ به إلى عليّ (عليه السّلام) فقال له : (( أي عدو الله ، ألم أحسن إليك ؟ )) . قال : بلى . قال : (( فما حملك على هذا ؟ )) . قال : شحذته أربعين صباحاً ، فسألت الله أن يقتل به شرّ خلقه . فقال عليّ (عليه السّلام) : (( لا أرك إلاّ مقتولاً به ، ولا أراك إلاّ شر خلق الله )) .

ومات عليّ (عليه السّلام) في جوّ دراماتيكي معكسه تفاصيل المشهد ، مات سلام الله عليه بشهر رمضان سنة أربعين . واُقيم الحدّ على ابن ملجم طبقاً لوصية الإمام عليّ (عليه السّلام) , الذي منع أن يُقتل إلاّ إذا مات ؛ خضوعاً لحكم الشّريعة في القتل . مات (عليه السّلام) فارتاحت القلوب الحاقدة ، ويومها وصل الخبر إلى عائشة(1) فقالت :

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) مسكويه , تجارب الأمم 1 / 383 .


الصفحة 264

فألقتْ عصاها واستقرّتْ بها النَّوى       كـما قرَّ عيناً بالإياب المسافرُ

وسألت عمّن قتله , فقيل : رجل من مراد . قالت :

فإنْ يكُ نائياً فلقد نعاه       نعاة ليس في فيها التُّرابُ

وشاء القدر أن يموت يعسوب المؤمنين وقائد الغرّ المحجّلين بتلك الطريقة النّكراء ؛ لينجو منها الأنذال وتمنح لهم الحياة . شاء الله أن يبقى عليّ (عليه السّلام) علماً بشهادته ، ويبقى مناوئوه خبراً في التاريخ غيّبته الأحداث , بقيت النّجف الأشرف تستمدّ نورها من جثمانه الطاهر على مدى الأجيال ، وبقي قبر معاوية كوخاً وضيعاً أشبه بمزبلة في أحد أزقّة دمشق ، والتاريخ يأبى الاحتفال بالأنذال ، ولا يبخس العظماء حقّهم وإن كره المؤرّخون . وبموت عليّ (عليه السّلام) سوف تنسلّ تلك البنة الأساس في بناء الاُمّة ، ستدفع هذه الأخيرة الثمن غالياً ؛ لأنّها تهاونت في الحفاظ عليها .

كان عليٌّ (عليه السّلام) قد اشتاقت إليه السّماء فأهل الأرض ضاقوا به , والملأ الأعلى ينظر إلى هذه المعارك التي قدّر لعليّ (عليه السّلام) أن يخوضها ، ولعلّ ذلك يعزّ عليهم ، لكنّ الله قضى أن يضحّي عليّ (عليه السّلام) بنفسه ليعلم الله المؤمنين من الكافرين ، وليمحّص به أمر الاُمّة : ( وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّه )(1)(2) . وعليّ هو أمير هذه الآية وموضوعها , ولكن عليّاً (عليه السّلام) لم يشأ أن يبرح الدُّنيا حتّى يطمئنّ على اُمّة محمّد (صلّى الله عليه وآله) , فأرسى بعده ابنه الحسن (عليه السّلام) , وهذا لم يكن سنّة بسنّة الخلفاء ، ولا رأياً تلقائياً له مبرّراته في هوى جامح ورأي خداج , إنّه الرّأي الحصيف والنّصّ المحكم البواح .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة البقرة / 207 .

(2) ذكر المفسّرون أنّها نزلت في عليّ (عليه السّلام) يوم نام في فراش الرّسول (صلّى الله عليه وآله) عندما عزم على الهجرة ؛ تمويها على المشركين .


الصفحة 265

وبويع الحسن (عليه السّلام) بالخلافة في سنة أربعين , حسب الطبري وابن الأثير ، وبايعه قيس بن سعد , وهو مقدمة أهل العراق في جمع مؤلّف من أربعين ألفاً ، كان قد بايعوا عليّاً على الموت .

هذا هو المنعطف الآخر ، الذي ينفتح فيه التاريخ على أخطر المآسي ؛ ليكسب بذلك آل البيت النّبوي (عليه السّلام) دُنيا العذابات الدامية الشّنيعة .


الصفحة 266


الصفحة 267

ما حدث في خلافة الحسن (عليه السّلام) :

ذكر المسعودي في إثبات الوصيّة : أنّ الإمام عليّ (عليه السّلام) لم يبرح حتّى قال : (( أخلوني وأهل بيتي أعهد إليهم )) . فقام النّاس إلاّ اليسير ، فجمع أهل بيته ـ وهُم اثنا عشر ذكراً ـ وبقي قوم من شيعته ، حتّى قال : (( واُوصي إلى ابني الحسن ))(1) . وبذلك تسلّم الإمام الحسن (عليه السّلام) مسؤولية الخلافة في شوطها الأخطر , لقد كان عليه أن يضطلع بأمر كان سبباً في قتل أبيه , وأيّ إنسان يتصوّر ذلك !

فهذا ابن الأنبياء وورعه يحول دونه وتلذّذ الملك , كيف يلهث وراء خلافة أبيه والخطب خطر والمصاب جلل ؟! لقد انشغل بدفن جدّه وهو صغير ، ورأى أنّ القوم قد تسابقوا إلى السّقيفة يتناهشون الخلافة , وشهد المؤامرة منذ نشأتها ، ورأى بيت اُمّه يهدّد بالحرق ، واستضعفوا حتّى كادت الجبال تندكّ لهول المأساة ، ورأى اُمّه وهي تموت بالآلام التي تركتها التحرّشات ، وهي تبكي أباها ، وتتلقّى التهديد من ابن الخطّاب ، وتحرم إرث أبيها ، وتندكّ أضلاعها من خلف الباب ، يوم اقتحموا عليها البيت وهي حبلى بمحسن , لقد شاهد كلّ هذا .

شاهد أباه وهو يعاني الأمرّين من عصيان أصحابه , ورأى كلّ ذلك فقبل ـ رغم اليأس ـ بخلافة أبيه ؛ لأنّها المسؤولية ، فالإسلام يواجه خطر الاُمويّة ، وهي

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المسعودي , إثبات الوصيّة للإمام علي بن أبي طالب / 164 ـ 165 , الطبعة الثانية , دار الأضواء , بيروت .


الصفحة 268

ما تبقّى من تراث الشّرك .

كان من الطبيعي للإمام الحسن (عليه السّلام) ـ فيما لو كان كباقي الرّعية ـ أن يستكين للراحة ويخلد لها ، فمثله يحتاج للاستقرار النّفسي والسّكينة والسّكن .

فيكفي بنو هاشم ما تجرّعته من خطوب ومحن , ويكفي بنو هاشم ما نالته من الطغمة الاُمويّة على مرّ السّنين , ولكنّ الإمام الحسن (عليه السّلام) هو إمام وليس رجلاً كباقي الرّجال , إنّه روح الاُمّة التي ستتولّى مسيرة التصحيح , وسواء اُزيح عن الخلافة الإدارية أم لا ، فأنّ إمامته لا تنفيها المصادرة والاغتصاب ؛ فالحسن والحسين إمامان بشهادة الرّسول (صلّى الله عليه وآله) قاما أو قعدا , مارسا الخلافة أو لم يمارساها ، فهما إماما هذه الاُمّة ؛ لذلك استجاب للوصية نزولا عند النّصّ(1) , وكان من أوائل المبايعين قيس بن سعد .

كان المشكل الأوّل الذي واجهه الإمام الحسن (عليه السّلام) هو الطاعة , إذ علم أن لا رأي لمن لا يطاع , وأيّ سماء كان سيرفعهم إليها الإمام عليّ (عليه السّلام) من قبل لو أنّهم أطاعوه , ولكن بعصيانهم عفّروا وجوههم تحت جيوش الطلقاء ، فكانت بيعته واضحة ومشروطة بإشارة إلى الطاعة : (( تبايعون لي على السّمع والطاعة ، وتحاربون مَن حاربت وتسالمون مَن سالمت ))(2) .

كان الإمام (عليه السّلام) يدرك أنّ الواقع يعجّ بالمتناقضات ، وأنّ جيشه ليس

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) هناك من العامّة مَن رفض أن يكون عليّ (عليه السّلام) قد أوصى إلى الحسن (عليه السّلام) , وما هي إلاّ بلبلات اُمويّة , والمعروف عن عليّ (عليه السّلام) تاريخياً أنّه أوصى . واعتمد بعضهم حديث شعيب بن ميمون الواسطي : إنّ عليّاً قيل له : ألا تتخاوف ؟ فقال : إن يرد الله بالاُمّة خيراً يجمعهم على خيرهم .

أقول : إنّ هذه الرّواية فضلاً عن أنّها من الموضوعات , فهي تحتوي على نزعة جبرية تخالف منطق الإسلام . وذكر ابن حجر في تهذيب التهذيب : إنّ من مناكير عن حصين عن الشّعبي عن أبي وائل قال : قيل لعلي ألا تستخلف . . . الحديث . وشعيب هذا قال عنه البخاري : فيه نظر . وذكر ابن حيان : أنّه يروي المناكير . أمّا أبو حاتم فقال عنه : مجهول .

(2) ابن قتيبة .


الصفحة 269

منسجماً , ففيه من المندسين ما قد يبرز في الربع الأخير ، ليمنى القوم هزيمة ـ كما وقع ـ , وأمامه تجربة أبيه وجدّه من قبله ، وله ما عهد به عليّ (عليه السّلام) له سرّاً .

كانت وظيفة الإمام الحسن (عليه السّلام) أن ينتشل الاُمّة من مواتها ، ويردّها بكاريزمية إلى الطريق السّليم إلى الوجهة المباركة ، لكن الأمر اليوم يحتاج إلى تحقيق القدر الضروري من مصالح الإسلام والمسلمين ، وتجنّب الدمار الشامل لمكتسبات سنين من الكفاح الرّسالي , ولمّا سمع القوم منه ذلك ، أحجموا عن البيعة وراحوا إلى أخيه الحسين (عليه السّلام) قائلين له : ابسط يدك نبايعك على ما بايعنا عليه أباك ، وعلى حرب المحلّين الضالين أهل الشّام . فردّهم الحسين (عليه السّلام) قائلا : (( معاذ الله أن اُبايعكم ما كان الحسن حيّاً )) . ولمّا أبى الحسين عادوا إلى الحسن ، فبايعوه وهم مكرهون(1) .

وكانت وراء هذا الحدث أسباب جديرة باستلفات النّظر ؛ فالحسين (عليه السّلام) لا يقبل الخلافة ما دام أخوه الحسن إمامه ؛ ذلك أنّ الوصيّة الشّرعية لأخيه من قبله , وكان من المفروض أن يستجيب الإمام الحسين (عليه السّلام) للبيعة , فيما لو لم يكن حائل شرعي . ولمّا عادوا للإمام الحسن (عليه السّلام) , كان من الضروري أن يستجيب لاكتمال النّصرة . بايعهم الإمام الحسن (عليه السّلام) وقلبه زاهد فيهم ، لولا حرصه على مستقبل الاُمّة .

كان أصحابه مصرّين على قتال أهل الشّام , فهم يريدون إماماً يسير على هواهم , وهذا ما جعل الإمام الحسن (عليه السّلام) لا يغامر بعيداً , والجيش العراقي الذي كان يتّكئ عليه الإمام الحسن (عليه السّلام) , لم يكن منسجماً

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) نفس المصدر .


الصفحة 270

كما قلنا ، ولا خالصاً من المندسّين والانتهازيّين .

فهناك قسم من الخوارج لا يزال يتربّص بمعاوية ، ليس له هدف غير ذلك بعد أن قُتل الإمام علي (عليه السّلام) , وهنالك الرّعاع الذين فهموا الإسلام بوعي الصحراء , وهناك القلّة القليلة من الصحابة الشّيعة , الذين عانوا مع الإمام الحسن (عليه السّلام) نفس الأزمات .

وما أن شرع الإمام الحسن (عليه السّلام) في ممارسة دوره كإمام حتّى بدأت تحرّشات الاُمويّين تتحرّك ضدّه من كلّ الأطراف , وقام معاوية بتطويق الخلافة الحسنية بسلوك أنماط من الأساليب الديماغوجية وكذا الدعائية ؛ فبثّوا عيونهم بالبصرة والكوفة وباقي البلدان التي انقادت لإمامة الحسن , ونشروا عناصرهم وعمّالهم الجواسيس ؛ لنشر البلبلة وخلط الأوراق وتجميع المعلومات , وكان الرّجلان اللذان بعثهما معاوية هُما ؛ رجل من حمير بعثه إلى الكوفة ، والآخر من بني القين بعثه إلى البصرة ، وما أن وصلا إلى البلدين حتّى انتشر أمرهما وألقي القبض عليهما , وقُدّم الحميري إلى الإمام الحسن فقضى بقتله , وقُدّم القيني إلى عبد الله بن عبّاس ـ وكان عاملاً للإمام على البصرة ـ فقتله .

 كانت هنالك إذاً تحرّشات بين الحسن ومعاوية ، ومناوشات قد تسفر عن معركة حقيقة ؛ ولذلك كتب الإمام الحسن إلى معاوية كتاباً ، يحذّره فيه من مغبّة مغامراته وينذره من خطر المواجهة , قائلاً : (( أمّا بعد , فإنّك دسست إليّ الرجال كأنّك تحبّ اللقاء ، لا شكّ في ذلك فتوقّعه إن شاء الله ، وبلغني إنّك شمتّ بما لم يشمت به ذوو الحجى , وإنّما مثلك في ذلك كما قال الأوّل :

فـإنّا ومَـن قـد مات منّا لكالذي      يروحُ  فيمسي في المبيتِ ليغتدي
فقل للذي يبغي خلافَ الذي مضى      تـجهّز  لاُخرى مثلَها فكأن قدِ ))

وحاول معاوية أن يجيبه بنفس منضبطة تصنّع فيها الهدوء وسعة الصدر ؛ يريد من خلالها استمالة الإمام الحسن ، فهو لا يزال يضرب له حساباً ؛ لأنّه بقية أبيه ووارث بصيرته وشجاعته فقال له : أمّا بعد , فقد وصل كتابك وفهمت ما ذكرت فيه ، ولقد علمت بما حدث ، فلم أفرح ولم أحزن , ولم أشمت ولم آسَ , وإنّ عليّاً أباك لكما قال أعشى بني


الصفحة 271

قيس بن ثعلبة :

فَـأَنتَ الـجَوادُ وَأَنـتَ الَّذي      إِذا مـا الُُّفوسُ مَلأنَ الصُّدورا
جَـديرٌ  بِـطَعنَةِ يَـومِ الـلِقا      ءِ تَضرِبُ مِنها النِّساءُ النُّحورا
وَمـا مُـزبِدٌ مِـن خَليجِ البحا      رِ يَغشى الإِكامَ وَيَعلو الجُسورا
بِـأَجـوَدَ  مِـنهُ بِـما عِـندَهُ      فَيُعطي الاُلوف وَيُعطي البُدورا

ثمّ يذكر صاحب الأغاني وشرح النّهج : إنّ ابن عباس بعث بكتاب إلى معاوية ، يحذّره من الأعمال التي يقوم بها وبثّ الجواسيس في البصرة : أمّا بعد , فإنّك ودسّك أخا بني القين إلى البصرة تلتمس من غفلات قريش بمثل ما ظفرت به من يماينتك , لكما قال اُميّة بن أبي الصّلت :

لَعمرُكَ  إنِّي والخزاعيُّ طارقاً      كـنـعجةِ غادتْ حتفَها تتحفَّرُ
أثـارتْ  عليها شفرةٌ بكراعِها      فظلّتْ بها من آخرِ الليلِ تنحرُ
شمت بقومٍ هم صديقك أهلكوا      أصابهُمُ  يومٌ من الدَّهرِ أعسرُ

غير أنّ معاوية كان يروم إلى بثّ الانكسار والتهدئة في صفوف الإمام الحسن , فراح يسبك أجوبته بشكل منسجم , قائلاً في ردّه على رسالة ابن عباس : أمّا بعد , فإنّ الحسن كتب إلينا بنحو الذي كتبت به ، أنّبني بما لم يحقّق سوء ظنّ ورأي فيّ ، وإنّك لم تصب مثلي ومثلكم ، وإنّما مثلنا كما قال طارق الخزاعي يجيب اُميّة :

واللهِ مـا أدري وإنِّي لصادقٌ      إلـى  أيِّ مَن يتظنَّني أتعذرُ
اُعنفُ إنْ كانتْ زبينةَُ أهلكتْ      ونال  بني لحيانَ شرفاً نفَّروا

أدرك ابن عباس أنّ معاوية صاحب خدعة ومكيدة , وأنّ الحرب عليه


الصفحة 272

ضرورة تقتضيها طبيعة المرحلة , وكان الإمام الحسن (عليه السّلام) مصمّماً على منازلته ، وموطّناً عزيمته على استكمال مسيرة التطهير , تطهير الاُمّة من الجرثومة الاُمويّة , غير أنّه كان يضرب حسابات الواقع , إذ ليس معه الجيش الحقيقي القادر على تنفيذ هذا الهدف إلى آخر أشواط الكفاح , فالجيش متضارب العزائم ومتباين الأهواء ومنكسر في الداخل .

فبعث له ابن عباس رسالة جاء فيها : أمّا بعد , فإنّ المسلمين ولّوك أمرهم بعد عليّ (عليه السّلام) , فشمّر للحرب وجاهد عدوّك وقارب أصحابك ، واشنر من الظنين دينه بما لا يثلم لك دنياه , ولا تخرجن من حقّ أنت أولى به حتّى يحول الموت دون ذلك , والسّلام(1) .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ابن أبي الحديد , شرح النّهج ، رسائل جمهرة العرب .


الصفحة 273

الإمام الحسن (عليه السّلام) والواقع الصعب :

نحن نريد فهم الأحداث في مجملها ، لا القعود في سرد تفاصيلها الدقيقة بما ينافي فلسفة التاريخ . ولكي نفهم الأسباب التي فرضت الصلح على الإمام الحسن ، لا بدّ من إجراء جرد وتحقيق في الشّروط التاريخيّة التي توافرت للإمام الحسن (عليه السّلام) , هذا الإمام الذي أظهره التاريخ الفولكلوري كرجل مسالم يهوى الرّاحة ويتّقي الشّدائد .

لقد رأينا كيف أنّ الإمام الحسن (عليه السّلام) كان توّاقاً لردم الواقع على بني اُميّة لو توفّرت له الشروط الضرورية , غير أنّ محترفي التاريخ السّطحي يرون عكس ذلك , يقول (روايت م رونلدس) : فإنّ الأخبار تدلّ على أنّ الحسن كانت تنقصه القوّة المعنوية والقابلية العقلية لقيادة شعبه بنجاح(1) . ويذكر (فيليب حتى) في تاريخ العرب : أنّ الحسن كان أميل إلى البذخ والترف منه إلى الحكم والإدارة . ولعلّ هذا التصوّر السّاذج المبني على الوعي بالقشور ، ونقل الأخبار من دون الحفر فيها , هو الذي يترك كثيراً من المؤرّخين عرباً ومستشرقين يقعون في مثل هذه المآزق .

ولشدّ ما ظلم هذا الإمام , فلا أبوه امتدحوه لمّا قام بقتل رؤرس النّفاق , ولا ابنه عذروه لمّا قبل الصلح وهو له كاره .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) عقيدة الشّيعة .


الصفحة 274

ولكي نبيّن (لروايت) وأمثاله من المستشرقين بأنّهم ليسوا سوى نقله ميكانيكين للمعلومات التاريخيّة الرّسمية , وبأنّ (فيليب حتى) هو أقلّ من (حتى) في تقدير الإمام الحسن (عليه السّلام) , لا بدّ أن نقف على خلفيات الصلح وملابساته .

كيف يتوقّع أهل الغباء التاريخي أن يقوم الإمام الحسن (عليه السّلام) ويغامر بالحرب بجيش منهار , فالحرب مع معاوية هي حرب مع نفوذ أوسع من نفوذ الحسن (عليه السّلام) , وهي حرب مع الدُّنيا كلّ الدُّنيا بأيديولوجيتها القبلية والاقتصادية , لقد دخل الدين المحض مع الدُّنيا المحضة في صراع الاستحقاق .

الجيش العراقي ـ كما سبق ذكره ـ كان يعاني الأزمات الآتية :

1 ـ حدث اغتيال الإمام ترك آثاره السّلبية في نفوس الأغلبيّة ؛ لأنّ ذلك الحدث قد تحوّل بفعل التشكيك الاُموي إلى هزيمة في جيش العراق , أي بمثابة انهيار نفسي مقابل معنويات الشّاميين , فكان الإمام الحسن حائراً بين قلّة معدودة من المتحمّسين ، وهنالك مَن كان على غير يقين في اختياره , مثل عبيد الله بن عبّاس .

2 ـ وجود اليأس في صفوف الجيش العراقي ، مضافاً إليه التكثيف المضاعف للإعلام المضلّل الاُموي ، أوجد حالة التدابر والانشطار في المواقف ، كما استطاع الإعلام أن يستميل بعض عناصر هذا الجيش إلى الصفّ الاُموي .

كان الإمام الحسن (عليه السّلام) قد جعل عبيد الله بن عبّاس على رأس الجيش الذي جهّزه لقتال معاوية وأهل الشّام , وعندما انطلق معاوية بجيش إلى جسر منبج , انتشر الذعر في العراقيين ووصلت قلوبهم الحناجر ، فكان لا بدّ للإمام الحسن (عليه السّلام) أن يزرع الأمل في نفوسهم ، ويعيد إليهم العزيمة في القتال , فقال : (( أمّا بعد , فإنّ الله كتب الجهاد على خلقه وسمّاه كرهاً ، ثمّ قال لأهل الجهاد : اصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ(1) . فلستم أيّها النّاس نائلين ما تحبّون إلاّ بالصبر على ما تكرهون ، إنّه بلغني أنّ معاوية بلغه أن كنّا أزمعنا على المسير إليه فتحرّك لذلك ، اخرجوا رحمكم الله إلى معسكركم في النخيل حتّى ننظر وتنظرون ، ونرى وترون ))(2) .

ولم يجد

ــــــــــــــــ

(1) سورة الأنفال / 46 .

(2) شرح النّهج لابن أبي الحديد .


الصفحة 275

الإمام الحسن (عليه السّلام) بعد إتمامه خطبته استجابة جماهيرية من العراقيين , لقد ظهر منهم الفزع واليأس , الحالة التي يصوّرها عدي بن حاتم ـ وكان من رموز الجيش الحسني ـ قائلاً : أنا عدي بن حاتم ، سبحان الله ! ما أقبح هذا المقام ! ألا تجيبون إمامكم وابن بنت نبيّكم ؟ أين خطباء المصر الذين ألسنتهم كالمخاريق في الدعة ، فإذا جدّ الجدّ راوغوا كالثعالب ، أما تخافون مقت الله , ولاعيبها وعارها . ثمّ دعا القوم : وهذا وجهي إلى معسكرنا ، فمَن أحبّ أن يوافي فليواف . فركب دابّته وانطلق وحيداً وعسكر في النّخيل(1) .

ولمّا رأى ذلك قيس بن سعد بن عبادة ، وزياد بن صعصعه التميمي , ومعقل بن قيس الرياحي ـ وكان ممّن أدرك النّبي (صلّى الله عليه وآله) ـ , قاموا يلومون أصحابهم على عدم استجابتهم لأمر الجهاد ، وعلى تخاذلهم في نصرة الإمام الحسن (عليه السّلام) , فأثنى عليهم . فانطلق الإمام بجيشه يريد القتال ، وكان قد أعطى القيادة العامة لعبيد الله بن العبّاس , ورشّح للقيادة من بعد عبيد الله كلّ من قيس بن سعد وسعيد بن قيس , وكان عدد الجيش أربعين ألفاً حسب الطبري , وذكر ابن أبي الحديد : إنّه اثنى عشر الفاً(2) . وعلى أيّة حال ، فإنّ هذه الإحصائيات تدلّ على أنّ جيش الإمام جرّاراً عرمرماً , بيد أنّه ضعيف البنيان متهالك الرّوح متضارب الأهواء , ينصرك اليوم ويخذلك غداً ، ليس له قرار .

وذكر ابن الأثير : إنّ أربعين ألفاً من جيش العراق كان قد بايع الإمام الحسن (عليه السّلام) على الموت ؛ وهذا ما دعا الإمام أن ينطلق من الكوفة لردّ العدوان الاُموي .

والملاحظ من خلال الاستعدادات التي أبداها الحسن (عليه السّلام) للحرب ، والتدابير التي اتخذها لسحق

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) نفس المصدر .

(2) اختلفوا في تحديد جيش الحسن (عليه السّلام) , ذكر ابن قتيبة : مئة ألف . واليعقوبي : تسعين ألف . أمّا في البداية والنّهاية : فسبعون ألف .


الصفحة 276

الجيش الاُموي ، والإصرار على تجهيز الجيش , لم يكن يختلف عن سيرة أبيه .

فالقضية واحدة والرّوح العلوية واحدة ، ولكنّ الظروف تغيّرت ، وبتغيّرها تختلف المواقف , فقد كان الإمام الحُسين (عليه السّلام) الذي فجّر أكبر ثورة في التاريخ ، سامعاً مطيعاً في عهد أخيه ، ولم ينبس ببنت شفة , لقد علم أنّ الظرف ليس ظرف قتال , هذا الجيش بهذه المواصفات لم يكن مؤهّلاً للقيام بالدور الرّسالي الحقيقي , ومهيَّأ للانهيار في كلّ لحظة , وأدرك معاوية نقطة الضعف هذه في جيش الإمام الحسن (عليه السّلام) واستغلها لصالح نفوذه , فراح يبثّ الإشاعات في صفوف الجيش , ويبعث لهم الرّسائل الميئسة ويغري بعضهم البعض الآخر , ولم يستخدم طريقة واحدة في التعامل مع عناصر الجيش العراقي ، بل سلك كلّ تلكم السبل ؛ لأنّه يعرف مدى التنوّع في أهواء ذلك الجيش , فطوراً بالترهيب وطوراً بالترغيب , وبثّ داخل الجيش مجموعة دعايات ، مثل : إنّ الحسن يكاتب معاوية على الصلح , فلِمَ تقتلون أنفسكم ؟(1) .

وبعث إلى عبيد الله بن عبّاس رسالة استطاع استمالته بها : إنّ الحسن قد راسلني في الصلح ، وهو مسلّم الأمر إليّ , فإن دخلت في طاعتي الآن , كنت متبوعاً , وإلاّ دخلت وأنت تابع ، ولك إن أجبتني الآن أن أعطيك ألف ألف درهم ، أعجّل لك في هذا الوقت نصفها ، وإذا دخلت الكوفة النّصف الآخر(2) . واستطاع معاوية أن يضمّ إليه عبيد الله بن عبّاس بهذه الكلمة , وخان هذا الأخير إمامه الحسن , وكان هو المحرّض الأوّل لقتال معاوية . فهي حالة كان يدركها الإمام الحسن وأدركها معاوية ، لذلك عزف له على وتر الاغراء والرّشا .

ورأينا كيف أنّ الجيش العراقي لم يعزم على الخروج إلاّ للوم هؤلاء

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ابن أبي الحديد .

(2) ابن أبي الحديد .


الصفحة 277

القوم , فهو مستعدّ للتراجع حيثما ظهر له مبرّر ذلك , وأيّ مبرّر أعظم من انكسار القيادة العليا للجيش , فعبيد الله بن عبّاس الذي خان الإمام الحسن (عليه السّلام) ، كان يملك قابلية الرّشوة والإغراء , فحرب مع الحسن قد تطول ، وأفضل له من ذلك دنيا قريبة واستكانة مضمونة , فراح يدبّر عملية خيانة داخل الجيش ، فاستجاب له قطيع من الرعاع فانطلقوا إلى معاوية .

ويذكر اليعقوبي : إنّ عبيد الله بن عبّاس , تسلّل في غلس الليل ومعه ثمانية آلاف من الجيش ، وكانوا كلّهم من أهل الأطماع ، فترك هذا الحدث أثراً سلبيّاً في باقي الجيش ، وكلّ عارف بقضايا الحروب ، وكلّ عالم بطبيعة الجيوش ، يدرك مدى ما يمكن أن تخلّفه عملية انشقاق مثل تلك ، أو خيانة قيادة عليا ، خصوصاً أنّ القيادة العليا لم تكن اعتباطية ، فعبيد الله وال على اليمن ، وواحد من أتباع الإمام عليّ (عليه السّلام) وقد قتل بسر بن أرطأة ولديه , فتراجع هكذا رجال جدير أن يترك أثره على جيش منهار ومختلف الطباع والأهواء ، فانتشر الاضطراب في هذا الجيش وكادت عراه أن تنكسر ، لولا أن بادر إلى إحكامها واحد من خلّص شيعة الإمام الحسن ، وهو قيس بن سعد ، ابن واحد من أكبر رموز المعارضة في السّقيفة , فقد عرف أنّ سبب اضطراب الجيش كان بسبب ما تركته خيانة عبيد الله بن عبّاس ، فقام خطيباً فيهم ؛ يكشف لهم عن حقيقة الأوصاف التي يعرفونها عنه ، حيث تبيّن أمره وأميط اللثام عن حقيقته ، فقال :

إنّ هذا وأباه وأخاه لم يأتوا بيوم خير قط ، إنّ أباه عمّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) خرج يقاتله ببدر , فأسره أبو اليسر كعب بن عمرو الأنصاري , فآتى به رسول الله (صلّى الله عليه وآله) , فأخذ فداءه فقسّمه بين المسلمين , وإنّ أخاه ولاّه عليّ على البصرة , فسرق ماله ومال المسلمين , فاشترى به الجواري وزعم أنّ ذلك له حلال ، وأنّ هذا ولاّه عليّ على اليمن , فهرب من بسر بن أبي أرطأة وترك ولده حتّى قُتلوا ، وصنع الآن هذا الذي صنع(1) .

وسرعان ما أعادت هذه الكلمة التوازن إلى الجيش ، وأدركوا أنّ الخيانة كان طبيعية من عبيد الله بن العبّاس ، وما برحوا أن

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) مقاتل الطالبين .


الصفحة 278

قالوا : الحمد لله الذي أخرجه من بيننا(1) .

وتولّى بعد ذلك قيس مهمّة القيادة في جيش الحسن (عليه السّلام) , وبعث برسالة إليه (عليه السّلام) يخبره بما وقع من أمر عبيد الله بن عبّاس , وكان ذلك بمثابة دليل ملموس على مدى اهتزاز جيشه , فازداد يقيناً وخفّ اعتماده على هذا الجيش .

أمّا معاوية فدامت عملياته الدعائية داخل الجيش ؛ بحثاً عن العناصر الاُخرى ذات الأطماع الرّخيصة , فزاد في نشر العيون وإشاعة البلبلة , خصوصاً لمّا رأى مخطّطه قد نجح ، وكان ممّا أذاعه في المدائن : إنّ قيس بن سعد قد صالح معاوية ودخل صفّه ، كما أذاع ـ حسب اليعقوبي ـ خبر مقتل قيس بن سعد . وسار على ذلك النّهج ، ينشر الرّعب والذّعر في العراقيين ، ويغريهم بالمال والمناصب أحياناً , وكانت كلّ إشاعة تُنشر تجد لها من يصدّقها ، فليس مستحيلاً أن يغدر قيس جيشه ويخونه ، ما دام عبيد الله قد فعلها وهو مَن هو في ولائه وقربه من الإمام الحسن (عليه السّلام) , بل وقد صدّق بعضهم إشاعة : أنّ الحسن قد صالح معاوية . فكلّ شيء وارد ، لقد اختلطت الأوراق ، والكلّ بات متّهماً حتّى تثبت له البراءة .

 وقد عانى الإمام الحسن (عليه السّلام) الأمرّين من جيشه أكثر من معاوية ، فماذا يفعل الإمام الحسن (عليه السّلام) بجيش مريض , لقد أغدق معاوية أمواله ورشاويه ، ولم يغرّهم الإمام الحسن (عليه السّلام) إلاّ بالجهاد والجنّة ، فكان إن هرب عبيد الله مع ثمانية آلاف إلى معاوية ، وهرب الكندي إليه مع مائتي رجل بعد أن أغراه معاوية بخمسمئة ألف درهم ، وكان الإمام الحسن قد وجّهه قائداً على أربعة آلاف ليعسكر بالأنبار(2) .

وعمّت السّرقة في صفوف الجيش ، فراح ينهب بعضهم بعضاً لمّا سمعوا أنّ

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) نفس المصدر السابق .

(2) البداية والنّهاية .


الصفحة 279

قيساً قد قُتل ، ولمّا أذاع ؛ المغيرة بن شعبة وعبيد الله بن عامر وعبد الرّحمن بن الحكم : إنّ الحسن (عليه السّلام) قبِل الصلح . ويذكر الطبري : أنّهم نهبوا بعضهم بعضاً , حتّى انتهبوا سرادق الحسن ، واستلبوا منه رداءه(1) . وراح بعضهم يكفّره على غرار ما فعل الخوارج بأبيه . فقال بعضهم وأراه من الخوارج المندسين : أشركت يا حسن , كما أشرك أبوك من قبل .

وتعرّض الإمام الحسن (عليه السّلام) إلى عمليات اغتيال من قبل عناصر جيشه ، فجاءه مرّة واحد من بني أسد ـ الحراح بن سنان ـ وأخذ بلجام بغلته ، وطعن الإمام في فخذه , فاعتنقه الإمام وخرّا إلى الأرض , حتّى انبرى له عبد الله بن حنظل الطائي ، فأخذ منه المغول وطعنه به . وطُعن مرّة اُخرى في أثناء الصلاة(2) .

ماذا يفعل الإمام بعد كلّ هذا ؟ إنّه رغم الإشاعات وما فعلته في جيش الإمام ، رأى أن ينبّه جيشه إلى مضاعفات السّلام مع معاوية لعلّهم يفهمون . إنّ معاوية يواجه الإمام الحسن (عليه السّلام) بنفوذ قويّ ، له عناصره داخل جيشه نفسه ، فلا بدّ من قبول الصلح ؛ حفاظاً على الحدّ الأدنى من مصلحة الاُمّة ، التي كانت يومها في حقن الدماء . وما دام إنّ الإمام الحسن (عليه السّلام) يرى أنّ معاوية بلغ من العمر ما يكفيه ، فإنّه فضّل الانتظار ، بأن تكون الخلافة لبني هاشم من بعد معاوية .

فبدأ يهيء أصحابه للقبول بالصلح ، قائلاً : (( إنّي خشيت أن يُجتثّ المسلمون عن وجه الأرض , فأردت أن يكون للدين ناع )) . ثمّ قال : (( أيّها النّاس : إنّ الأمر الذي اختلفت فيه أنا ومعاوية , إنّما هو حقّ أتركه لإصلاح أمر الاُمّة ، وحقن دمائها ))(3) .

عرف إنّ قتال معاوية قد يؤدّي إلى سفك الدماء ، ومحو الصلحاء وإذلال

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) اليعقوبي .

(2) ينابيع المودة .

(3) الأعيان للسيد الأمين .


الصفحة 280

المؤمنين : (( والله , لو قاتلت معاوية لأخذوا بعنقي حتّى يدفعوني إليه سلماً ، والله لئن أسالمه وأنا عزيز ، أحبّ إليّ من أن يقتلني وأنا أسيراً , أو يمنّ عليّ فتكون سبّة على بني هاشم إلى آخر الدهر , ولمعاوية لا يزال يمنّ بها هو وعقبه على الحيّ منّا والميت ))(1) .

لقد تمثّل الإمام مشهد الحديبية ، يوم قبِل الرّسول (صلّى الله عليه وآله) بالصلح مع المشركين ، فرأى أنّ ذلك أمر ضروري أيضاً مع أبنائهم اليوم ؛ لأنّ ميزان القوى غير متكافيء ، وما كان للإمام الحسن أن يرضخ للصلح إلاّ بعد أن نادى به معاوية ونشر في النّاس من يشيعه . وكان معاوية قد بعث إلى الحسن سرّاً ليصالحه , فأبى الحسن (عليه السّلام) حتّى أجابه بعد ذلك(2) .

ألفى الإمام (عليه السّلام) نفسه لدى معضلة تستلزم شجاعة في الاختيار والقرار ؛ فإمّا أن ينازع معاوية في السّلطان ليكون له ، أو يتركه على أن يكون له من بعده ، فالإمام الحسن (عليه السّلام) لم يكن يعدو خلف الملك والحطام ، ولا أحد من أئمة أهل البيت (عليهم السّلام) كان كذلك ، ولو كان الأمر كذلك ، لنازع معاوية الملك وزجّ بالجيش في معركة شاملة ، أو طلب اللجوء إلى معاوية ، ليولّيه على أحد البلدان أو ينظر في أمره .

إنّ الأمر كان يختلف تماماً تماماً ؛ فهو نظر إلى المستقبل , فليربح القدر القليل من مصلحة المسلمين ، ويعود الأمر إلى أهله , فلو دخل في حرب مع معاوية ، فربما سيبقى الأمر كذلك ، وربما خلف معاوية مَن يسير أكثر منه في طلب الملك والفتنة في اُمّة الإسلام ، فما كان له (عليه السّلام) إلاّ أن يستجيب للصلح وهو يدرك أهداف الاُمويّين مثلما

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الإمام الحسن بن علي , باقر شريف القرشي 2 / 133 , مؤسسة الوفاء ، بيروت , لبنان .

(2) تذكرة الخواصّ , سبط بن الجوزية .


الصفحة 281

استجاب جدّه للصلح مع المشركين وهو يعلم نفوسهم .

وذكر ابن عبد البر في الإستيعاب : بأنّ وثيقة الإمام في الصلح كانت تتضمّن شروطاً معيّنة ، قال : إنّ الإمام كتب إلى معاوية يخبره , أنّه يصير الأمر إليه على أن يشترط عليه أن لا يطلب أحداً من أهل المدينة والحجاز , ولا أهل العراق بشئ كان في أيّام أبيه . فأجابه معاوية وكاد يطير فرحاً , إلاّ أنّه قال : أمّا عشرة أنفس فلا أؤمنهم . فراجعه الحسن فيهم , فكتب إليه يقول : إنّي قد آليت متى ظفرت بقيس بن سعد أن أقطع لسانه ويده . فراجعه الحسن (عليه السّلام) : (( إنّي لا اُبايعك أبداً وأنت تطلب قيساً أو غيره بتبعة ؛ قلّت أو كثرت )) . فبعث إليه معاوية حينئذ برقّاً أبيض , وقال : اكتب ما شئت فيه وأنا ألتزمه . فاصطلحا على ذلك ، واشترط عليه الحسن أن يكون له الأمر من بعده ، فالتزم ذلك كلّه معاوية .

ويذكر أبو الفداء في تاريخه : إنّ الإمام الحسن اشترط على معاوية هذه الشّروط : وكتب الحسن إلى معاوية واشترط عليه شروطاً , وقال : (( إن أجبت إليها , فأنا سامع مطيع )) . فأجاب معاوية إليها ، وكان الذي طلبه الحسن : أن يعطيه ما في بيت مال الكوفة ، وخراج دار ابجرد من فارس ، وأن لا يسبّ عليّاً . فلم يجبه إلى الكفّ عن سبّ عليّ , فطلب الحسن أن لا يشتم عليّاً وهو يسمع , فأجابه إلى ذلك ، ثمّ لم يف له به .

ويؤكّد على ذلك أيضاً كلّ من ابن الأثير والطبري ، إذ قال الحسن (عليه السّلام) : (( وأنا قد اشترطت حين جاء كتابك وأعطيتني العهد على الوفاء بما فيه )) . فاختلفا في ذلك ، فلم ينفّّذ للحسن من الشّروط شيئاً .

ثمّ كان الشيء المركزي في شروط الصلح : أن ترجع الخلافة بعده للحسن(1) ، فإذا لم يكن الحسن ترجع إلى الحسين (عليه السّلام) .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) تهذيب التهذيب ، الإمامة والسّياسة ، الإصابة ، الطبقات الكبرى ، الشّعراني .


الصفحة 282

هناك منطقان كانا يواجهان الإمام الحسن (عليه السّلام) , الأوّل : منطق الثورة . والثاني منطق الإصلاح . وعندما يفشل في الثورة على الواقع الاُموي , فإنّه لا يفرّط في منطق الإصلاح ، ووثيقة الصلح تضمّنت ذلك ، فهناك من قُتل أبوه مع عليّ (عليه السّلام) في الجمل وصفّين ، ويدرك الحسن أنّ معاوية آخذهم لا محالة بالانتقام ، بأن يمنع عنهم العطاء ؛ لذلك طلب ضمن المعاهدة بأن يوزّع عليهم ألف ألف درهم ، ويجعلها من خراج دار ابجرد . فلم يكن طلبه لخراج دارابجرد ـ كما أورد أبو الفداء ـ سابقاً بطمع في الحطام من قبل الحسن ؛ وإنّما من أجل ضمان مورد مادّي ليتامى شهداء صفّين والجمل ، الذين قد يواجهون حالة البؤس في حكومة معاوية .

كما أنّ الحسن (عليه السّلام) يعرف أنّ أصحابه وشيعته المقرّبين قد تطالهم يد معاوية ؛ للانتقام ، فكان لا بدّ أن يشترط عدم إلحاق أي أذى بهم . واشترط عدم سبّ الإمام عليّ (عليه السّلام) ؛ لأنّ ذلك يحرّف فضائل الصالحين ورموز الاُمّة في عين النّاس ؛ ولأنّ ذلك مخالف للإسلام ، وكيف لا يخالفه والإمام عليّ (عليه السّلام) أحد الأركان الذين قام الإسلام على أكتافهم .

هذه باختصار هي خلفيات الصلح التي يمكن تلخيصها في الآتي :

1 ـ تماسك كامل في جيش معاوية ، يقابله انشطار في جيش الإمام الحسن (عليه السّلام) .

2 ـ دعم مالي قويّ وهائل لعناصر الجيش الاُموي ، مقابل الفقر والحاجة في صفوف الجيش العراقي .

3 ـ جهل مطبق في جيش الشّام ، يقابله وعي أعرج ومبتور في أغلبية الجيش العراقي ، الجهل الشّامي الذي يؤدّي إلى التمحور المضاعف حول معاوية ، والوعي المبتور الذي يؤدّي إلى هروب الجيش العراقي وعدم استجابته للإمام الحسن (عليه السّلام) (1) .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الإمامة والسّياسة ، تاريخ ابن عساكر .


الصفحة 283

طاعة مطلقة في جيش الشّام ، تقابلها انشقاقات وتجزّئات داخل جيش العراق ؛ كلّ هذا وأكثر منه جعل معنويات الجيش العراقي تنهار وتلتمس الاستقرار وحطام الدُّنيا .

أدرك معاوية أنّ الإمام الحسن (عليه السّلام) بقي وحده في الميدان ، وأنّ جيشه لا يعدو كونه نمور من ورق ، يعشعش الرّعب والتمزّق في أعماقها , وأدرك أنّ صلح الحسن إنّما كان لأنّ هذا الأخير لم يجد عليه عوناً(1) ، فهو صلح من موقف ضعف ، ضعف في الاُمّة , لذلك مزّق معاوية الوثيقة ونقض العهد وتلاعب بالأوراق .

استمرّ معاوية في سبّ الإمام عليّ (عليه السّلام) ولعنه على المنابر ، وصارت سنّة لأهل الشّام يردّدونها بعد كلّ صلاة ، وكأنّ الصلاة لا تُقبل إلاّ بسبّ عليّ (عليه السّلام) , هذا الذي قام الإسلام به ، وبه كان الصحابة يميّزون بين منافق مبغض له ومؤمن محبّ له ، حتّى قال الشّاعر :

أعلى المنابرِ تُعلنونَ بسبّهِ       وبسيفِهِ نُصبتْ لكُمْ أعوادُها

وذكر صاحب العقد الفريد(2) : أنّ أبا عبد الله الجدلي قال : دخلت على اُمّ سلمة ـ زوجة الرّسول (صلّى الله عليه وآله) ـ فقالت لي : أيُسبّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فيكم ؟! فقلتُ : معاذ الله ، أو سبحان الله ، أو كلمة نحوها .  فقالت : سمعت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يقول : (( مَن سبّ عليّاً فقد سبّني )) . وقال يومها مروان بن الحكم : لا يستقيم لنا الأمر إلاّ بذلك . أي بسبّ عليّ (عليه السّلام)(3) .

ثمّ رفض معاوية أن يسلّم للحسن خراج دار ابجرد لدعم الفقراء من

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) يذكر ابن مسكويه في تجاربه : أنّ الإمام الحسن قال : يا أهل العراق ، إنّه سخي بنفسي عنكم ثلاث : قتلتم أبي ، وطعنكم إياي ، وانتهابكم متاعي .

(2) كما في مستدرك الصحيحين , عن أبي عبد الله الجدلي .

(3) الصواعق المحرقة / 33 .


الصفحة 284

شيعته ، ونقض هذا الشّرط أيضاً , حسب ابن الأثير والطبري وأبي الفداء . وبدلاً من ذلك , عمد معاوية إلى محو آثار الشّيعة وسحقهم عن آخرهم ، وجعل عليهم عمّالاً بطّاشين جبابرة ، عاثوا فيها فساداً وشرّدوهم وقتّلوهم ، وخطب فيهم معاوية : انظروا إلى مَن قامت عليه البيّنة أنّه يحبّ عليّاً وأهل بيته , فامحوه من الديوان وأسقطوا عطاءه ورزقه . وكان من الذين سقطوا ضحايا على مذبح العقيدة والولاء الهاشمي ، الصحابي الجليل حجر بن عدي ، ذلك الذي ما زال سيفه ذابّاً عن الإسلام وتحت راية الرّسول (صلّى الله عليه وآله) , وما قتلوه إلاّ لأنّه رفض عليهم سبّ الإمام عليّ (عليه السّلام) ولعنه من على المنابر وفي الصلوات .

وضاقت به الطغمة الاُمويّة , ونظرت في أمره بعد أن أصبح له أنصار يرومون التصحيح والنّهي عن المنكر ، فما كان إلاّ أن عزموا على معاقبته ، فراح زياد يطلبه , وقد التفّ حجر بجماعة من أنصاره الكوفيين التي دهش منها زياد , فقال ـ موجّهاً خطابه لأهل الكوفة ـ : يا أهل الكوفة ، أتشجّون بيد وتأسون باُخرى ، أبدانكم عليّ وأهواءكم مع حجر الهجهاجة الأحمق المذبوب ، أنتم معي وإخوانكم وأبناؤكم وعشائركم مع حجر ، هذا والله من دحسكم ـ أي : افسادكم ـ وغشّكم , والله , لتظهرن لي براءتكم أو لأتينّكم بقوم أقيم بهم أودكم وصعركم(1) . ثمّ ما فتئ أن سلّمه الكوفيّون إلى الشّرطة الاُمويّة لينفّذوا فيه جريمة الإعدام .

ولم يكن دافع حجر سوى إيمانه ، ومَن هو حجر (عليه السّلام) حتّى لا يخونه أهل الكوفة ، ولا يقتله معاوية صبراً ! لقد خان الكوفيون الإمام عليّ (عليه السّلام) وبنيه ، وقتل الاُمويّون خيرة آل البيت (عليهم السّلام) , فدعا ربّه : اللّهمّ إنا نستعديك على اُمّتنا ! فإنّ أهل الكوفة شهدوا علينا , وإنّ أهل الشّام يقتلوننا . أما والله لئن قتلتموني بها , فإنّي لأوّل فارس من المسلمين هلك في واديها ,

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الإمام الحسن , باقر شريف القريشي .


الصفحة 285

وأوّل رجل من المسلمين نبحته كلابها .

ثمّ قال : لا تطلقوا عنّي حديداً ولا تغسلوا عنّي دماً ؛ فإنّي ملاق معاوية على الجادّة(1) . وكان من المنكرين لذلك عائشة ؛ إذ قالت لمعاوية : أما خشيت الله في قتل حجر وأصحابه ؟!(2) . وقالت : سمعت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يقول : سيقتل بعذراء اُناس يغضب الله لهم وأهل السّماء(3) .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الإستيعاب 1 / 256 .

(2) الطبري .

(3) مروج الذهب . أقول : إنّ قاتلة الحسن أغراها ترف الاُمويّين ، فلو صدق (حي) فيما ذهب إليه , من : أنّ الحسن كان يميل إلى الترف والبذخ . إذن لما اضطروا (جعدة) إلى قتله لقاء مئة ألف درهم .


الصفحة 286


الصفحة 287

قتل الحسن (عليه السّلام) . . المؤامرة الكبرى :

لقد قويت شوكة الاُمويّين وركعت الجزيرة تحت أقدامهم ، فأرهبوا أهلها وقتلوا خيرتها ، فما قام لهم قائم يردّهم ولا ممانع يزجرهم , ونظروا في وثيقة الصلح , فوجدوها مثقلة بشروط لا تتفق ومشروعهم التخريبي , وأيّ دين وأيّ ضمير يمنعهم من مخالفة العهد ونقض الميثاق ، وقد قتلوا خيرة المسلمين وأفسدوا في الأرض فساداً عريضاً ؟ إلاّ أنّ معاوية أدهى من أن يتسرّع في اتخاذ القرار , وفضّل أن يتخلّص من الحسن ؛ لأنّ في التخلّص منه تخلّص من الوثيقة .

ولكن يجب أن يتم القتل في ظروف غامضة ، فنظر إلى أقرب النّاس إلى الإمام الحسن (عليه السّلام) وأكثرهم عداء له ، فوقع نظره على جعدة بنت الأشعث ـ إحدى أزواج الحسن (عليه السّلام) ـ وكان لهذا الاختيار أسبابه التي أدركها معاوية بدهائه البشع ، وهي :

1 ـ إنّ أباها ـ الأشعث بن القيس ـ وهو الذي فرض على الإمام عليّ (عليه السّلام) التحكيم ، ورفض عليه انتداب ابن عبّاس والأشتر .

2 ـ كانت تعاني عقدة النّقص ؛ لأنّها لم تنجب من الحسن أبناء بخلاف نسائه الاُخريات .

3 ـ هي من عائلة مهيّأة للتآمر على آل البيت ، فقد كان أبوها قد شرك في دم الإمام عليّ (عليه السّلام) , وابنه شرك في دم الحسين ـ فيما بعد ـ .


الصفحة 288

فأغراها معاوية بالمال وبمستقبل زاهر , حيث بشّرها بالزواج من ابنه يزيد ومئة ألف درهم . ولماذا لا تختار يزيد , فأبوها وأخوها لم يصمدا أمام دُنيا معاوية وبنيه ، وما ردّهم الضمير عن إلحاق الأذى بالعترة الطاهرة ؟ ولماذا لا تختاره والدُّنيا كلّها معه , وليس لها من الحسن إلاّ الشّرف والدين والورع ؟ فهي في حاجة إلى زوج يلاعب القرود مثل يزيد ، ويشرب الخمر فيمرح ، ويدع الصلاة فيلهو ، فأولى لها ذلك من الحسن الذي يضيّق على متعتها بالصلاة والقيام والزهد , إنّه يزيد القصور والدُّنيا , فهل المرأة من هذا النّوع الذي يسمو على الدُّنيا .

راح الإمام الحسن ضحية زهده وورعه ، فليس له من الدُّنيا إلاّ التهجد والعبادة وإحقاق الحقّ , وهذا زاد لا يستهوي النّساء ، فقبلت الصفقة ، وكان مروان بن الحكم ، هو عرّاب المخطّط بينها ومعاوية . وفيما كان الإمام الحسن (عليه السّلام) صائماً ، إذا بها تقدّم له إفطاراً وقد دسّت فيه السّم , الذي أرسله إليها معاوية عبر مروان بن الحكم ، فتناوله (عليه السّلام) , فتقطّعت أمعاؤه واشتدّ عليه الألم واستبشر بالجنّة ولقاء الأحبّة , ونظر إليها وقال : (( يا عدوة الله , قتلتيني قتلك الله . والله لا تصيبين منّي خَلفاً ، ولقد غرّك معاوية وسخر منك , يُخزيك الله ويخزيه ))(1) .

ونُفّذت الخطّة وانتهى أمر الحسن ، وكان على مسمّمة الأزواج(2) أن تلتمس الأجر , وخسرت زوجها ، ورفض معاوية تزويجها بيزيد ؛ إذ كيف يزوّج مَن قد خانت أشرف زوج تمنته النّساء , ومعاوية يدرك كلّ ذلك , فهو يعرف إنّ النّاس إنّما انقادوا له لماله وسلطانه , فقال لها : إنّا نحبّ حياة يزيد ، ولولا ذلك لوفّينا لك بتزويجه(3) .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) تحف العقول .

(2) هذا هو الاسم الذي كان يطلق عليها , أعيان الشّيعة .

(3) مروج الذهب .


الصفحة 289

وذكر بعض المؤرّخين ـ مثل أبي الفداء ـ : إنّ يزيد هو الذي سمّه وليس أباه . بل وعارض بعض المؤرّخين ـ الكاريكاتوريون ـ أن يكون معاوية قد سمّ الحسن ، وعلى رأسهم ابن خلدون ومَن رجع إليه ، من أمثال د . فيليب حتى وعبد المنعم في التأريخ السّياسي , وحجّتهم في ذلك التي عارضوا بها المؤرّخين الموثّقين ؛ إنّ ذلك لا يمكن صدوره عن معاوية . فهي وجهة نظر قائمة وصادرة عن موقف نفسي معيّن ، يقول ابن خلدون : وما يُنقل من أنّ معاوية قد دسّ السّم إلى الإمام الحسن على يد زوجته جعدة بنت الأشعث , فهو من أحاديث الشّيعة ، وحاشا لمعاوية ذلك(1) .

ابن خلدون كغيره كان يؤرّخ لعصبيته وللبلاط ، وإلاّ كيف يرفض حدثاً وهو الذي أخذ فكرة السّبئيّة على علّتها من تاريخ الطبري ؟ أمّا عن أنّ الشّيعة هُم الذين وضعوا الرّواية ، فإنّ الرّواية تثبت عند أهل السّنّة ، وذُكرت في تذكرة الخواص والاستيعاب , وتأريخ أبي الفداء والنّصائح الكافية , ومروج الذهب وابن أبي الحديد .

وكيف يستبعد ابن خلدون أن يأتي معاوية بذلك ، وهذا التاريخ يعلن الأخبار مجلجلة حول جرائم معاوية ؟ وماذا يمنع معاوية من الحسن وقد رام قتل أبيه وخيرة الصحابة ! لقد دافع ابن خلدون عن طواغيت التاريخ ، وحرّف الكثير من الحقائق تزلّفاً للبلاط .

 ثمّ ما أن التحق الإمام الحسن (عليه السّلام) بالرّفيق الأعلى حتّى جاء الخبر إلى معاوية ، ففرح وسرّ ، ثمّ سجد وسجد مَن كان معه(2) . ورفض بنو اُميّة أن يُدفن الإمام الحسن بجوار النّبي (صلّى الله عليه وآله) ، واتصل كلّ من مروان بن الحكم ، وسعيد بن العاص بعائشة وحرّضاها على ذلك ، فمنعت أن يُدفن بجوار جدّه , وقالت : لا تدخلوا بيتي مَن لا اُحبّ ، إنّ دفن الحسن في بيتي

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) تاريخ ابن خلدون .

(2) ابن قتيبة , التاريخ / 175 .

 

 

الصفحة 290

لتجزّ هذه . وأومأت إلى ناصيتها .

 وذكر كلّ من ابن أبي الحديد والسّبط الجوزي , واليعقوبي وأبو الفداء ، منع عائشة لدفن الحسن (عليه السّلام) بجوار جدّه ؛ بل وذكر ابن عساكر : أنّه حدث بين لواء مروان ولواء الحُسين رمي بالسّهام بخصوص مسألة الدّفن .

 وشاع خبر الفاجعة ، وبكت الحسن البلدان ، وكانت تلك بمثابة محطّة ، أعاد فيها النّاس نظرهم وصوبوه في قضية البيت الهاشمي ، فرقّت قلوبهم وأرهفت مشاعرهم تجاه المأتم .


الصفحة 291

واشرأبّ الملكُ بنفسه :

كان موت وثيقة الصلح بالنّسبة لمعاوية أمراً ضروريّاً ؛ لذلك كان قتل الحسن , وأهمّ شرط ظلّ معاوية يدرس إمكانية نقضه ، هو إرجاء الخلافة إلى الحسن أو إلى الحُسين في حالة موت الحسن . لقد انتهى الحسن وانتهت معه الوثيقة ، فدبّر معاوية أمر المستقبل , فرأى أن يأخذ البيعة لابنه يزيد ؛ ليتحوّل أمر الخلافة إلى ملك عضوض ، ولتبدأ رحلة المسخ في الاُمّة .

 وسار معاوية يفرض على كلّ البلاد البيعة لابنه يزيد ، ويأمر عمّاله بممارسة القمع والبطش ؛ لإرغام المسلمين على قبول بيعة يزيد , وكان أهل المدينة ممّن رفض ، وكان عليها سعيد بن العاص(1) , وكانت بنو هاشم في مقدّمة الرّافضين للبيعة . أبعد هذا كلّه ، كيف يأتي مؤرّخة البلاط ليجدوا الأعذار لمعاوية بن أبي سفيان ؟! وأيّ عذر بعد قتله للمسلمين وتحريفه لمسيرة الحكم في الإسلام ؟!

لقد وجدوا الأعذار لمعاوية في إراقة دماء آل البيت (عليهم السّلام) , وفي تخريب الاُمّة وتفريغ الإسلام من محتواه ، ولم يجدوا عذراً واحداً للمختار الثّقفي ؛ إذ يخرج على بني اُميّة طلباً للتغيير .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) مروج الذهب .


الصفحة 292

وقف معاوية متحدّياً جماهير الإسلام ، ووجّه كلمته القارصة إلى أهل الكوفة :  يا أهل الكوفة , أتراني قاتلتكم على الصلاة والزكاة والحج ، وقد علمت أنّكم تصلّون وتزكّون وتحجّون , ولكنّني قاتلتكم لأتأمّر عليكم وعلى رقابكم , وقد أتاني الله ذلك وأنتم كارهون ، ألا إنّ كلّ مال أو دم أصيب في هذه الفتنة فمطلول ، وكلّ شرط شرطته فتحت قدمَي هاتين(1) .

ثمّ بايع ليزيد بالشّام عقب وفاة الحسن (عليه السّلام) , وبعث لعمّاله يطلب منهم تهيئة النّاس لبيعة يزيد ، فتمرّدت الأغلبية ، غير أنّ قوّة السّلطان قد أجبرتهم على الإذعان , فما بقي إلاّ مجموعة من المتمرّدين اعتصموا بالحُسين (عليه السّلام)(2) . فقام معاوية خطيباً في النّاس بخطبته الشّهيرة : . . . فإنّي قد أحببت أن أتقدّم إليكم , إنّه قد اُعذر مَن أنذر ، إنّي كنت أخطب فيكم فيقوم إليّ القائم منكم فيكذّبني على رؤوس النّاس ، فأحمل ذلك وأصفح , وإنّي قائم بمقالة , فأقسم بالله , لئن ردّ عليّ أحدكم في مقامي هذا , لا ترجع إليه كلمة غيرها حتّى يسبقها السّيف إلى رأسه , فلا يبقين رجل إلاّ على نفسه(3) .

ودعا صاحب حرسه بحضرتهم , فقال له : أقم على رأس كلّ رجل من هؤلاء رجلين , ومع كلّ واحد سيفه ؛ فإن ذهب رجل منهم يردّ عليّ كلمة بتصديق أو تكذيب , فليضرباه بسيفهما . ثمّ خرج وخرجوا معه حتّى رقي المنبر , فحمد الله وأثنى عليه , وقال : إنّ هؤلاء الرّهط سادة المسلمين وخيارهم , لا يبرم أمر دونهم ولا يقضي إلاّ عن مشورتهم , وإنّهم قد رضوا وبايعوا ليزيد , فبايعوا على اسم الله .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المصدر نفسه , انظر أيضاً : العدالة الاجتماعيّة , سيّد قطب .

(2) ابن قتيبة .

(3) ابن الأثير .


الصفحة 293

بايع النّاس تحت ظروف القمع والبطش الشّديدين ، وبقي الإمام الحُسين وجماعة لم تبايع .

واتّفق أن أخذت المنيّة معاوية بعد أن وغل في السّبعين , وبعد أن ترك مقاليد السّلطة لمجموعة من الغلمان على رأسهم ابنه الفاسق يزيد ، حيث أذلّت بيعته المؤمنين .


الصفحة 294


الصفحة 295

وملك يزيد :

دخل يزيد معمعة السّلطة في بداية رجب من سنة 60 حسب اليعقوبي ، وكان لا بدّ أن يرسي عرشه على كلّ الرؤوس ؛ لتذلّ له ، حتّى لو كانت رؤوساً هاشمية ، فبادر بالكتابة إلى عامله بالمدينة الوليد بن عتبة بن أبي سفيان , وقال له : إذا أتاك كتابي هذا ، فاحضر الحُسين بن علي وعبد الله بن الزُّبير ، فخذهما بالبيعة لي ، فإن امتنعا فاضرب أعناقهما وابعث لي برؤسهما ، وخذ النّاس بالبيعة ، فمَن امتنع فانفذ فيه الحكم ، وفي الحُسين وعبد الله بن الزُّبير ، والسّلام(1) .

لقد اقتصر يزيد الطريق منذ البداية ، إذ رام قتل الحُسين (عليه السّلام) بمجرّد الامتناع عن البيعة , كان القدر حليف القضية الحُسينية ، لم يدعها تُغتال في جنح الظلام ، بل أراد أن يهيّئ لها أسباب الانفجار الفاضح ، كان بودّ الوليد أن يقتله إذ جاءه وابن الزُّبير ، فقالا : نصبح ونأتيك مع النّاس ، وأشار مروان على الوليد بعدم السّماح لهما بالخروج ، غير أنّ الأقدار أعمت بصيرة الوليد فتركهما يخرجان ، فخرج بذلك الحُسين (عليه السّلام) إلى مكّة ، فلبث فيها بضعة أيّام وكاتب منها أهل العراق ، فكان ردّهم بزعامة ابن أبي هانئ وسعيد بن عبد الله :

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) نفس المصدر .


الصفحة 296

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، للحُسين بن عليّ من شيعته المؤمنين المسلمين : أمّا بعد , فحي هلاّ فإنّ النّاس ينتظرونك ، لا إمام لهم غيرك ، فالعجل ثمّ العجل , والسّلام .

وبعث إليهم بعد ذلك رسوله مسلم بن عقيل , فأخذ منهم البيعة للإمام الحُسين (عليه السّلام) ، فكان ذلك الخيار الصعب والوحيد للحُسين ، لينطلق إلى العراق , إلاّ أنّ عيون يزيد قد أخبرته بمسير الحُسين (عليه السّلام) إلى العراق ، فوكّل به عبيد الله بن زياد لقتاله .

كان عبيد الله بن زياد قد قتل مسلم بن عقيل ، رسول الإمام الحُسين إلى أهل الكوفة ، ووصل الخبر إلى الحُسين (عليه السّلام) وقد بلغ إلى القطقطانه ، فبعث عبيد الله بن زياد بالحرّ بن يزيد الرّياحي في مجموعة لمنع الحُسين (عليه السّلام) من أن يعدل ، فبعث بعمر بن سعد في جيش جرّار ؛ يهدفون إلى قتل الإمام الحُسين (عليه السّلام) , فكان ميدان القتال بكربلاء , حيث كان الإمام الحُسين (عليه السّلام) في مقدّمة اثنين وسبعين رجلاً من أهل بيته وشيعته الخلّص , بينما جيش يزيد بلغ أربعة آلاف جندي .

حاول يزيد منذ البداية قتل الحُسين (عليه السّلام) إذا استعصى عن مبايعته ، وما كان الإمام الحُسين يرى أن يبايع رجلاً من أكبر فسّاق بني اُميّة ، فكان الخيار الوحيد أمام الإمام الحُسين أن يستقبل الموت مع آل بيته (عليهم السّلام) الذين أبوا إلاّ الخروج معه ، إنّه التاريخ يعود من جديد ليشهد معركة الحقّ كلّه ضدّ الباطل كلّه ؛ إذ ليس الآن أمام جيش بني اُميّة سوى الحُسين (عليه السّلام) وآل البيت وشيعته القلائل ، وهُم بقية الرّسول (صلّى الله عليه وآله) .


الصفحة 297

ملحمة كربلاء :

إنّني أتجنّب أن أكون أديباً في قضايا التاريخ إلاّ في هذا الموقف ؛ إنّها الجدبة التي لا أتمالك فيها أحاسيسي مهما كان الأمر ؛ لأنّ الحدث بلغ من الدراماتيكية ما يفقد الإنسان تقنياته المعرفية . إنّه إمام الاُمّة ، وإنّه جدّي ، وإنّه الإنسان , كلّ هذا لا يسمح لي أن أقوم بمجرّد سرد وإحصاءات وفبركات في مثل هذا المشهد , فلا يلومنّني القارئ إذا أخذت بي هذه الجدبة التي لا أملك فيها نفسي أمام مذبحة أبي عبد الله الحُسين (عليه السّلام) .

لكم التاريخ ، ولكم الوثائق ، ولكم كلّ شيء ، ولي أن أبكي وأحزن و(اُشقشق) , فمن هُنا دخلت حرم آل البيت (عليهم السّلام) وفيه ولدت من جديد . ما زلت أذكر اليوم الذي عشت فيه مأساة كربلاء بتفاصيلها ، حيث ما تزال ظلالها الحزينة ترافق ظلّي إلى اليوم , وتفاصيلها لا يتّسع لها هذا الكتاب ، فهي تُطلب في غيره ، والآثار النّفسية التي تركتها في أعماقي وما زلت أجرعها كالسّموم ، ولا أملك أن أنقلها كما أحسّها وأستشعرها في كياني ، لقد وجدت نفسي فجأة في هيئة اُخرى ، وفي شرياني جرى دم هو مثل تلك الدماء التي اُريقت على رمال الطفوف ، ولا عجب من ذلك ؛ فأنا الحُسيني وجدّي هو الحُسين (عليه السّلام) وأنّ العرق دساس ، ومنذ ذلك اليوم كان كلّ يوم عندي


الصفحة 298

عاشوراء وكلّ أرض كربلاء .

كان الإمام الحُسين (عليه السّلام) يريد أن ينتشل الاُمّة من جمودها ، يحرّكها للثورة ضدّ الكيان الاُموي الجاثم على السّلطة , ولا بدّ له من تضحية ، ولا بدّ من دم شريف يُراق ؛ ليحدث الانقلاب في نفوس القوم الذين خذلوا قضيته وما زالوا يخذلون . لقد سمع الرّسول (صلّى الله عليه وآله) يقول لاُمّ سلمة ، بعد أن أعطاها تربة في قارورة : (( إذا أصبح هذا التراب أحمر , فاعلمي أنّ ابني الحُسين قد مات ))(1) .

كان يعلم منذ البداية ـ كما أبيه ـ أنّه سيموت لا محالة مقتولاً ، لذلك , لمّا وصل إلى كربلاء وسأل عنها القوم ، قال : (( هذا كرب وبلا )) . لقد حاصره الجنود في هذه المنطقة النائية حتّى ينفّذوا فيه الجريمة . فالقضية قبل كلّ شيء قضية إنسانية ؛ إذ أنّ أهله معه وأبناءه ، ولا بدّ أن يراعي الأعداء حقّه في حماية هؤلاء ، نزلوا يلتمسون ماء فمنعهم القوم , منعوهم وهُم لا يأبهون . ولعمري , أيّ ملّة وأيّ دين كان يجيز لهم منع الماء عن الأطفال والنّساء ؟! وهب إنّنا عذرناهم في منع الحُسين (عليه السّلام) , فما بال الاُمّهات ورضّعهن ، قال شهر بن حوشب ـ وكان من عُملاء يزيد ـ : لا تشربوا منه حتّى تشربوا من الحميم .

طرح عليهم الإمام الحُسين (عليه السّلام) خيارات كثيرة ، فإمّا يدعوه يرجع وأمّا يدعوه يلتقي بيزيد ، غير أنّ القوم المجرمين علموا أنّ وجود الحُسين (عليه السّلام) أمام يزيد قد يقلب المعادلة , وقد يثير عليهم لوم النّاس وأحقادهم ، فأبوا إلاّ أن يقتلوه في هذه الصحراء النائيّة ، وليمتصّ رمل الصحراء دمه ولا يعلم به أحد ؛ فالنّاس ليس أمامهم رقابة تمنعهم , أجل ، ليس أمامهم إلاّ الله , وكانوا به لا يأبهون .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ابن الأثير , راجع عقيلة بني هاشم لبنت الشّاطئ .


الصفحة 299

لقد قُدّر للإمام الحُسين (عليه السّلام) أن يدفع الثّمن كلّه , ثمن أخيه وأبيه وجدّه ( صلوات الله عليهم أجمعين ) . طرح عليهم اختياراته , فأبوا إلاّ أن ينزل على حكم ابن زياد , فقال لهم الحُسين (عليه السّلام) : (( أنزل على حكم ابن زانية ؟! لا والله لا أفعل ، الموت دون ذلك أحلى )) .

لقد خرج الحُسين في مهمّة رسالية فرضتها عليه ظروف المرحلة ، مرحلة السّيطرة الكاملة والسّافرة للمجرمين وأعداء الشّعوب على اُمّة ، إنّما وجدت لتخاطب البشرية بالفضيلة والسّلام والحرّية , وكلّ المعاني التي اندكّت في عهد بني اُميّة ، كان هذا منهج الإمام الحُسين (عليه السّلام) وهو خارج إلى الكوفة , حيث قال : (( إنّي لم أخرج أشراً ولا بطراً ، ولا مفسداً ولا ظالماً ، وإنّما خرجت لطلب الإصلاح في اُمّة جدّي ؛ اُريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر ، فمَن قبلني بقبول الحقّ , فالله أولى بالحقّ ، ومَن ردّ عليّ هذا ، أصبر حتّى يقضي الله بيني وبين القوم , وهو خير الحاكمين ))(1) . ثمّ راح (عليه السّلام) يطوف بالبيت ، وسعى بين الصفا والمروة ، وأنهى عمرته(2) .

لقد حاولوا تجبين الإمام (عليه السّلام) وهو في الطريق إلى الكوفة ، غير أنّه لم ينتبه إليهم , مضى في طريقه إلى الموت وهو يهتف :

سأمضي وما بالموتِ عارٌ على الفتى         إذا مـا نـوى حقّاً وجاهدَ مُسلما

فهو لم ينهض من بعد أخيه ، إلاّ لمّا نقض معاوية الوثيقة ونصّب ابنه على الاُمّة , وكيف يسكت الإمام الحُسين (عليه السّلام) على هذا الأمر , فلا بدّ لصوت أن ينطلق ، ولا بدّ لضمير أن يهتزّ : (( إنّا أهل بيت النّبوة ، بنا فتح الله وبنا يختم ، ويزيد شارب الخمور وراكب الفجور ، وقاتل النّفس المحترمة ، ومثلي لا يُبايع مثله )) .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) تاريخ الخلفاء , ابن قتيبة .

(2) تاريخ الطبري .


الصفحة 300

وربما قد نعذره (عليه السّلام) لو أنّه استسلم ، وربما امتدحه القوم وأعلوا منصبه .

غير أنّ الحُسين (عليه السّلام) هو أمين الله في الأرض ، لا يحيد عن مصلحة الاُمّة ولو أدّى به الأمر إلى خسران حياته ؛ إذ لا قيمة للحياة في ظلّ ذلّ وفساد ، ولا قيمة لحياة لا تُستثمر في إقامة أركان الدّين ونصرة الإسلام , لقد قالها للتاريخ ، واستلهمتها منه الأجيال في مسيرات كفاحها :

إنْ كان دينُ محمّدٍ لم يستقم         إلاّ بقتلي يا سيوفُ خُذيني

لقد صمّم الإمام (عليه السّلام) على مغادرة مكّة ليتّجه إلى الكوفة ؛ حيث الأنصار الذين يميلون بين نصرته وخذلانه ، وقد اعترضه الفرزدق وقال له : إنّ القوم قلوبهم معك وسيوفهم عليك . غير أنّ الإمام كان يرسم خريطة مرسومة سلفاً في اللوح المحفوظ ، كان يعلم بما سيجري له ولآل بيته , وقام خطيباً : (( الحمد لله وما شاء الله ، ولا قوّة إلاّ بالله ، وصلى الله على رسوله , خُطّ الموت على ولد آدم مخطّ القلادة على جيد الفتاة ، وما أولهني إلى أسلافي اشتياق يعقوب إلى يوسف ، وخير لي مصرع أنا لاقيه ، كأنّي بأوصالي تقطّعها عسلان الفلوات بين النّواويس وكربلاء , فيملأن منّي أكراشاً جوفا ، وأجربة سغبا ، لا محيص عن يوم خُطّ بالقلم ، رضا الله رضانا أهل البيت ، نصبر على بلائه ويوفّينا اُجور الصابرين ، لن تشذّ عن رسول الله لحمته ، بل هي مجموعة له في حظيرة القدس ، تقرُّ بهم عينُهُ ، وينجز بهم وعده . ألا ومَن كان فينا باذلاً مهجته ، موطّناً على لقاء الله نفسه فليرحل معنا ؛ فإنّي راحل مصبحاً إن شاء الله تعالى )) .

لقد تآمرت الاُمّة كلّها على الحُسين (عليه السّلام) وآل البيت بعضهم بالتقتيل والآخرون بالخذلان , لم يكن الإمام يريد شقّ الصفوف وتفريق الشّعث , لكن حركة الإجرام كانت تتّجه صوب قمع كلّ صوت ، وهدم كلّ فضيلة . فالاُمّة ابتُليت بخليفة يشرب الخمور ، ولا يرتاح من اللهو , ولا يفهم معاني الورع ، كان لاهياً عابثاً في الصحراء لمّا فرض أبوه بيعته على المسلمين , وجاء متأخّراً يلهو


الصفحة 301

بالقرود , وكان يريد أن يأخذ البيعة غصباً من الحُسين (عليه السّلام) .

وليتهم تركوه ، إذن لما قاتلهم والظروف لا تسمح ، لكنّهم أرادوا أن يذلّوه ببيعة يزيد ، فما كان إلاّ أن قال (عليه السّلام) : (( هيهات منّا الذلة )) .

حاول أن يقنع الجيش ، غير أنّهم منعوه من الماء وأبوا إلاّ قتله ، فدخل إلى الخيمة التي كانت بها أخته زينب (عليه السّلام) ؛ حيث كان عليّ بن الحُسين مريضاً ، وهو يقول :

يـا دهـرُ اُفٍّ لك من خليلِ      كمْ لكَ في الاشراقِ والأصيلِ
مـن طـالبٍ وصاحبٍ قتيلِ      والـدَّهـرُ لا يـقنعُ بالبديلِ
وإنَّـمـا الأمـرُ إلى الجليلِ      وكـلُّ حـيٍّ سـالكٌ سبيلي

وفي يوم الغد ، حاول مع القوم أن يخلّوا سبيله للرجوع أو ملاقاة يزيد ، أو يفتحوا له الطريق إلى إحدى ثغور الاُمّة ؛ ليقاتل كباقي المجاهدين ، فأبوا إلاّ قتله . فرجع إلى قومه يكلّمهم : (( إنّ القوم ليسوا يقصدون غيري ، وقد قضيتم ما عليكم , فانصرفوا فأنتم في حلّ )) . فقالوا : لا والله يابن رسول الله حتّى تكون أنفسنا قبل نفسك .

ثمّ يذكر اليعقوبي : أنّ زهير بن القين خرج على فرس له فنادى : يا أهل الكوفة ! نذار لكم من عذاب الله ! نذار عباد الله ! ولد فاطمة أحقّ بالودّ والنّصر من ولد سميّة ، فإن لم تنصروهم ، فلا تقاتلوهم . أيّها النّاس ! إنّه ما أصبح على ظهر الأرض ابن بنت نبّي إلاّ الحُسين ، فلا يعين أحد على قتله ولو بكلمة إلاّ نغّصه الله الدُنياً ، وعذّبه أشدّ عذاب الآخرة .

وانطلق الرّعاع يحرقون خيام الإمام الحُسين (عليه السّلام) ، وقتلوا كلّ مَن كان معه ، وتشرّد حريم الحُسين ، وتفرّق الصبية هاربين من الهجمة البربرية . لقد عرفوا أنّهم يقتلون ابن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ؛ فلقد عرّفهم بمنزلته من


الصفحة 302

الرّسول (صلّى الله عليه وآله) وبفضله وبالآخرة , إلاّ أنّ الدُّنيا كانت قد حجبت عنهم كلّ حقيقة , قال لهم (عليه السّلام) كلمة يسترجعهم فيها إلى الاستقامة : (( أيّها النّاس , انسبوني مَن أنا , ثمّ ارجعوا إلى أنفسكم وعاتبوها , وانظروا هل يحلّ لكم قتلي وانتهاك حرمتي ؟ ألست ابن بنت نبيّكم وابن وصيه وابن عمّه , وأوّل المؤمنين بالله والمصدّق لرسوله بما جاء من عند ربّه ؟ أو ليس حمزة سيّد الشّهداء عمّ أبي ؟ أو ليس جعفر الطيار عمّي ؟ أولم يبلغكم قول رسول الله لي ولأخي : هذان سيّدا شباب أهل الجنّة ؟ فإن صدقتموني بما أقوله ، وهو الحقّ , والله , ما تعمّدت الكذب منذ علمت أنّ الله يمقت عليه أهله ويضرب من اختلقه ، وإن كذبتموني , فإنّ فيكم مَن إن سألتموه عن ذلك أخبركم ؛ سلوا جابر بن عبد الله الأنصاري , وأبا سعيد الخدري , وسهل بن سعد السّاعدي , وزيد بن أرقم , وأنس بن مالك , يخبروكم عن سفك دمي )) .

فقال شمر بن ذي الجوشن : هو يعبد الله على حرف إن كان يدري ما يقول . فقال ابن مظاهر : والله , إنّي أراك تعبد الله على سبعين حرفاً ، وأنا أشهد أنّك صادق ما تدري ما يقول ، قد طبع الله على قلبك .

قال الحسين (عليه السّلام) : (( فإن كنتم في شكّ من هذا القول , أفتشكّون أنّي ابن بنت نبيّكم ؟ فوالله , ما بين المشرق والمغرب ابن بنت نبيّ غيري فيكم ولا في غيركم . ويحكم ! أتطلبوني بقتيل منكم قتلته , أو مال لكم استهلكته , أو بقصاص جرامة ؟! )) . ثم نادى (عليه السّلام) : (( يا شبث بن ربعي ، ويا حجّار بن أبجر , ويا قيس بن الأشعث ، ويا يزيد بن الحارث , ألم تكتبوا إليّ أن أقدم قد أينعت الثّمار واخضرّ الجناب , وإنّما تقدم على جند لك مجنّدة ؟ )) .

فقالوا : لم نفعل .


الصفحة 303

قال : (( سبحان الله ! بلى والله لقد فعلتم )) . فقال : (( أيّها النّاس , إذا كرهتموني فدعوني أنصرف عنكم إلى مأمن من الأرض ؟ )) . فقال له قيس بن الأشعث : أولا تنزل على حكم بني عمّك ؛ فإنّهم لن يروك إلاّ ما تحبّ , ولن يصل إليك منهم مكروه ؟ فقال الحسين (عليه السّلام) : (( أنت أخو أخيك , أتريد أن يطلبك بنو هاشم بأكثر من دم مسلم بن عقيل ؟ لا والله , لا اُعطيهم بيدي إعطاء الذليل , ولا أفرّ فرار العبيد )) .

كان الإمام الحُسين (عليه السّلام) يحرص على كرامة الاُمّة ومصلحتها , ويحول دون يزيد وإذلالها : (( ألا وإنّ الدعي ابن الدعي قد ركز بين اثنتين ؛ بين السّلّة والذّلّة , وهيهات منّا الذّلّة ، يأبى الله لنا ذلك ورسوله والمؤمنون , وحجور طابت وطهرت , وأنوف حمية ونفوس أبية من أن نؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام )) .

لقد خُذل الحُسين (عليه السّلام) وهو في أمسّ الحاجة إلى من ينصره , فما كان إلاّ أن يتوكّل على الله , ودعا على القوم : (( اللّهمّ ، احبس عنهم قطر السّماء ، وابعث عليهم سنين كسني يوسف ، وسلّط عليهم غلام ثقيف يسقيهم كأساً مصبّره ؛ فإنّهم كذّبونا وخذلونا , وأنت ربّنا عليك توكّلنا وإليك المصير )) . كانت لكلمة الإمام الحُسين (عليه السّلام) صدى أدركت معناها قلوب القوم ، غير أنّها لم تستجب ؛ فدنيا يزيد أنفس لديهم من ظلم الحُسين (عليه السّلام) , فهي الفرصة التي لا يضيّعها لئيم , غير أنّ الكلمة كان لها وقع ثقيل ولطيف على رجل من كبار الفرسان ، وهو الذي دفع بالإمام الحُسين (عليه السّلام) إلى كربلاء ومنعه عن دخول الكوفة , سمع الكلمة فوعاها , وكان هنالك خلّف لكلّ إغراءات يزيد ، رقّة إيمان تسكن قلب الحرّ , فأقبل إلى عمر بن سعد وقال له : أمقاتل أنت هذا الرجل ؟

قال : إي والله , قتالاً أيسره أن تسقط فيه الرّؤس وتطيح الأيدي . قال : ما لكم فيما عرضه عليكم من الخصال ؟


الصفحة 304

فقال : لو كان الأمر إليّ لقبلت , ولكنّ أميرك أبى ذلك . فتركه وقال لقرّة بن قيس : هل سقيت فرسك اليوم ؟ قال : لا . قال : فهل تريد أن تسقيه ؟ فظنّ قرّة من ذاك أنّه يريد الاعتزال , فأخذ الحرّ يدنو من الحُسين , فقال له المهاجر بن أوس : أتريد أن تحمل ؟ فسكت ، فارتاب المهاجر من هذا الحال ، وقال له : لو قيل لي مَن أشجع أهل الكوفة لما عدوتك ، فما هذا الذي أراه منك ؟ فقال الحرّ : إنّي أخيّر نفسي بين الجنّة والنّار ، ووالله ، لا أختار على الجنّة شيئاً ولو اُحرقت .

ثمّ اتجه نحو الحُسين (عليه السّلام) منكسراً معتذراً يلتمس الغفران ، فقال للإمام (عليه السّلام) : اللّهمّ ، إليك أنيب فتب عليّ ، أرعبت قلوب أوليائك وأولاد نبيّك , يا أبا عبد الله ، إنّي تائب فهل لي من توبة ؟ قال له أبو عبد الله : (( نعم يتوب الله عليك )) .

فأستأذن الحُسين في أن يخاطب القوم , ثم قال : يا أهل الكوفة , لأمكم الهبل والعبر ، أدعوتم هذا العبد الصالح ، حتّى إذا جاءكم أسلمتموه وزعمتم أنّكم قاتلو أنفسكم دونه ، ثمّ عدوتم عليه لتقتلوه , وأمسكتم بنفسه وأخذتم بكظمه وأحطتم به من كلّ جانب , فمنعتموه التوجّه إلى بلاد الله العريضة ؛ حتّى يأمن وأهل بيته ، وأصبح كالأسير في أيديكم , لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضرّاً ، وحلأتموه ونساءه وصبيته وصحبه عن ماء الفرات الجاري , الذي يشربه اليهود والنّصارى والمجوس ، وتمرغ فيه خنازير السّواد وكلابه , وهاهم قد صرعهم العطش , بئسما خلفتم مُحمّداً في ذرّيّته ! لا سقاكم الله يوم الظمأ !

انطلق الحرّ معرباً عن ورعه وإخلاصه لقضية الحُسين ، وهو يقول :

إنِّـي  أنا الحرُّ ومأوى الضيفِ      أضـربُ فـي أعناقكُمْ بالسيفِ
عن خيرِ مَن حلَّ بأرضِ الخيفِ      أضـربكُمْ ولا أرى مـن حَيفِ

ثمّ راح يقاتل ببسالة يقلّ لها نظير حتّى قُتل , وكانت تلك شهادة على توبته


الصفحة 305

وفيئه إلى الحقّ ، ثمّ جاء إليه الحُسين (عليه السّلام) ، وهو ممدّد ، فقال :

لـنعمَ الحرُّ حر بني رياحِ      صبورٌ عند مشتَبكِ الرماحِ
ونعمَ  الحرُّ إذ نادى حُسيناً      وجاد  بنفسهِ عند الصباحِ

وقال : (( والله ، ما أخطأت اُمّك لمّا سمّتك حرّاً ، فأنت الحرّ في الدُّنيا والآخرة )) .

كان شعار الإمام الحُسين (عليه السّلام) بكربلاء الحرّية , ولذلك معنى عميق يدرك باستيعاب الحدث وفلسفته . انطلق الإمام (عليه السّلام) وهو ينادي القوم : (( إن كنتم لا تؤمنون بالله ولا تخافون الميعاد ، فكونوا أحراراً في دنياكم إن كنتم عرباً كما تزعمون )) .

وقضية الحُسين (عليه السّلام) هي ـ بالإضافة إلى كونها قضية إسلام وجاهلية ـ تبقى قضيته حرّية ؛ إذ أنّ الذين طلبوه ثمّ خذلوه ، كانوا يفتقدون للحس التحريري . التحرّر من كلّ ما يفقد الضمير يقظته ، ويعكّر المعاني والقيم في النّفوس . لقد فقدوا حرّيتهم أمام دُنيا يزيد واستعبدهم بطشه , فافتقدوا الإرادة وافتقدوا معها الحرّية , ولم تكن هذه المعركة تعبّر حتّى عن الذهنية العربيّة , فمعارك العرب أسمى من أن تجمع بين جيش جرّار وفئة قليلة من النّاس , وهي أسمى من أن تجمع بين لقطاء وبين عصبة تنتمي لبيت الشّرف .

 وقد كان الحسّ القبلي طاغياً على الحسّ الغنيمي عند العرب ، والفضيلة غالبة على كلّ الاعتبارات الاُخرى , فهذا القدر من الحرّية افتقده جيش يزيد ، وبالتالي كانوا يحتاجون إلى أكثر من قفزة للوصول إلى مستوى الخطّاب الإسلامي ؛ فهم في حاجة إلى حرّية ولو في صبغتها العربيّة . كان الحرّ بن يزيد هو ذلك النموذج الذي أثّرت عليه كلمات الحُسين (عليه السّلام) , والإحساس بالتحرّر كان لا يزال حيّاً في أعماقه . وكلّ مَن كان هُناك كان يعرف إنّه مسلوب الحرّية باختيار منه ليس إلاّ . فالحرّ بن يزيد أدرك أنّه أكثر تحرّراً من أن يمنعه القوم المجرمون عن نصرة الحُسين (عليه السّلام) , ومهما بطش يزيد وتجبّر ، فإنّه لا يملك أن يسلب الحرّية ممّن وطّن نفسه على الكفاح واستقبل الموت بصدر وسيع .

كان يزيد أقلّ قدراً وأخسّ من أن يجبر مسلماً على الخضوع لو أنّ المسلمين استجابوا للجهاد , فما ترك قوم الجهاد إلاّ ذلّوا , وكان نموذج أهل الكوفة نموذج القوم الذين افتقدوا حسّ التحرّر , وتلك هي أهمّ القضايا التي واجهها الحُسين (عليه السّلام) .


الصفحة 306

والقوم الذين ضاع حسّهم التحرّري في منعرجات النّزوع الدّنيوي ، لم يكونوا في حاجة إلى ضمير ثوري ، يزعجهم ويضعهم أمام المسؤولية وفي مواجهة الخيار الصّعب , فكان ضرورياّ أن يهاجموا معسكر الأحرار ، ويدكّوا بفرسانهم جسد الحُسين (عليه السّلام) ؛ انتقاماً من صلابته التي تعتبّر انتصاراً على مستوياتهم النّفسية .

لقد ظهرت لهم نفوسهم أخسّ وأخسّ مئات المرّات من جون , ذلك العبد الذي تنّفس حرّيته , ووجد في معسكر الحُسين ميداناً واسعاً للتعبير عن تحرّره المكبوت خلال سنين مديده . إنّهم يرون في تحرّر الحُسين وشيعته قبح وجوههم وذمامتها وخسّة نفوسهم وانحطاطها , فلذلك ازداد انتقامهم وتضاعف , فراحوا يتنافسون على تدمير معسكر الإمام الحُسين (عليه السّلام) .

اشتدّ القتال وشيعة الحُسين (عليه السّلام) يتساقطون كأوراق الخريف الواحد تلو الآخر ، وكلّهم يقدّم أروع أدوار البطولة والفداء , حتّى لم يبق إلاّ الحُسين وأهل بيته ليس معهم إلاّ الله . كان عليّ بن الحُسين (عليه السّلام) مريضاً , وقد شاءت الأقدار أن يكون كذلك للدور التاريخي المنوط به بعد الحُسين (عليه السّلام) , غير أنّ عليّاً الأكبر ـ وهو أخوه ـ كان في تمام الاستعداد لالتماس الشّهادة ؛ ليكتب بها وثيقة عار في تاريخ الجريمة التي شهدها آل البيت المُحمّدي , انطلق يطلب القوم نصرة أبيه وللحقّ الذي جاء من أجله , ونشد في القوم :

أنـا  عليُّ بنُ الحُسينِ بنِ علي      نـحنُ وربِّ البيتِ أولى بالنَّبي
تاللهِ لا يـحكُمُ فـينا ابنُ الدَّعي      أضربُ بالسيفِ اُحامي عنْ أبي

ضربَ غُلامٍ هاشميٍ قَرشي

كان المشهد يدور بعين الحُسين (عليه السّلام) يرى ببصيرة المعصوم انحطاط النّفوس وتشّوه القلوب , يرى كيف صار الأمر في اُمّة طالما ربّى فيها جدّه وأبوه النّفوس التعبى .


الصفحة 307

ثمّ أطلقها صرخة ، والدّموع تنساب من عينيه ، وقد أحسّ بالاستضعاف : (( ما لكَ ؟! ـ يقصد عمر بن سعد ـ قطع الله رحمك كما قطعت رحمي , ولم تحفظ قرابتي من رسول الله (صلّى الله عليه وآله) , وسلّط عليك مَن يذبحك على فراشك )) . ثمّ رفع يديه الكريمتين نحو السّماء ، وتمثّل قائلاً : (( اللّهمّ ، اشهد على هؤلاء القوم , فقد برز إليهم أشبه النّاس برسولك مُحمّدٍ خلقاً وخُلقاً ومنطقاً , وكنّا إذا اشتقنا إلى رؤية نبيّك نظرنا إليه . اللّهمّ ، فامنعهم بركات الأرض ، وفرّقهم تفريقاً ومزّقهم تمزيقاً ، واجعلهم طرائق قدداً , ولا تُرضي الولاة عنهم أبداً ؛ فإنّهم دعونا لينصرونا ثمّ عدوا علينا يقاتلونا )) .

قاتل عليّ الأكبر القوم وأبوه يرى بلاءه فيهم , واشتدّ العطش عليه ، فعاد إلى أبيه يستسقيه ؛ ليستجمع قواه ويكرّ من جديد على جيش الأعداء , غير أنّ الحُسين (عليه السّلام) أدرك أنّه ليس بينه وبين مفارقة الحياة إلاّ فترة قصيرة , ففضّل أن يبقى على عطشه حتّى يلقى الله تعالى , فأعطى بذلك لابنه روحاً جديدة ، فقال له : (( ما أسرع الملتقى بجدّك , فيسقيك بكأسه شربة لا تظمأ بعدها أبداً )) . ثمّ راح يقاتل الأعداء ، فحملوا عليه وطعنوه بالرّماح وضربوه بالسّيف على رأسه ، وقطّعوه بالسّيوف قطعاً , وفارقت نفسه الحياة ، وجاء أبوه يودّعه فما وجده إلاّ جثّة هامدة مضرّجة بدماء العزّة والإيمان , فقال : (( على الدُّنيا بعدك العفا , ما أجرأهم على الرّحمن وعلى انتهاك حرمة الرّسول ! يعزّ على جدّك وأبيك أن تدعوهم فلا يُجيبونك , وتستغيث بهم فلا يغيثونك )) . إنّهم يدركون أنّ نسل الرّسول (صلّى الله عليه وآله) مهدّد بالانقراض , وهم يمعنون في ذلك , فبنو اُميّة أنفع لهم من بني هاشم التي أخذتهم بالعزائم ونغّصت عليهم حياتهم بالورع والفضيلة .

كان معسكر الحُسين (عليه السّلام) مكتضّاً بالأطفال والنّساء , اشتدّ عليهم العطش ، ولا يزال الحُسين (عليه السّلام) وآل بيته يستسقون القوم فلم يجيبوهم , كان العبّاس حاضراً ذلك المشهد ، وضاق صدره وطلب من الحُسين (عليه السّلام) أن يخرج إلى القوم الظّالمين , فنادى في القوم :


الصفحة 308

 يا عمر بن سعد , هذا الحُسين ابن بنت رسول الله قد قتلتم أصحابه وأهل بيته , وهؤلاء عياله وأولاده عطاشى ، فاسقوهم من الماء قد أحرق الظمأ قلوبهم . فصاح الشّمر : يابن أبي تراب ـ يقصد الإمام عليّ (عليه السّلام) ـ , لو كان وجه الأرض كلّه ماء وهو تحت أيدينا , لا سقيناكم منه قطرة ، إلاّ أن تدخلوا في بيعة يزيد .

لقد جعلوها شرطاً لحياتهم وحياة عيالهم , والحُسين (عليه السّلام) ليس مجنون حرب حتّى يضحّي بأهله وعياله في سبيل موت هو عنه في خيار , إلاّ أنّ المسألة تخضع لمعايير الإسلام , والإسلام مهدّد فيما لو بايع الحُسين (عليه السّلام) .

رجع العبّاس والأطفال يبكون من شدّة الظّمأ , فرقّ قلب العبّاس واستنفر عزيمته وانطلق في القوم يقاوم يميناً وشمالاً , حتّى أتى الفرات واغترف منه ماء ، ورجع يقاوم جيش النّفاق ، فنصبوا له كميناً ، وضربه بعضهم فقطع يمينه , واستمرّ في مسيره قاصداً الحُسين يريد إيصال قربة الماء ؛ لسقي عطاشى آل البيت وهو يقول :

واللهِ إنْ قـطعتُمُ يـميني      إنّي اُحامي أبداً عن ديني
وعـن إمامٍ صادقِ اليقينِ      نجلِ النَّبيِّ الطاهرِ الأمينِ

وانطلق بعيداً حتّى باغته حكيم بن الطفيل من وراء نخلة فضربه على شماله ، وقطع يده الاُخرى , وانهالت عليه السّهام من كلّ جانب وأصابت صدره , وضُرب رأسه فانفلق ، وسقط صريعاً وهو يقول : عليك منّي السّلام أبا عبد الله .

رآه الإمام الحُسين (عليه السّلام) فأيّ عبره تعكس حقيقة المأساة ؟ وأيّ كلمة تعكس حقيقة الحزن الذي اعترى سيّد الشّهداء ؟ لقد رؤي وهو يكفكف الدّمع ويقول : (( أما من مغيث يغيثنا ؟ أما من مجير يجيرنا ؟ أما من طالب حقّ ينصرنا ؟ أما من خائف من النّار فيذّب عنّا ؟ )) .

واعتلّ الصياح في الخيام واشتدّ النّواح ، واختلطت أصوات النّساء بأصوات الأطفال في مشهد تراجيدي تخرس عن وصفه ألسن الشّعراء .


الصفحة 309

لقد استنفذ معسكر الحُسين (عليه السّلام) كلّ عناصره , ولم يبق إلى جانب الحُسين سوى عياله , وكان ذلك الطفل الرّضيع ـ ولده ـ فتح عينيه في معترك المأساة , فرفعه أمام القوم يريد استعطافهم ليسمحوا بإعطاءه ماء , غير أنّ الرّوح الدّموية التي ما رآها التاريخ ولا شهدتها ملاحم البشر ، كانت توجد في هذا المعسكر المشؤوم ، فرفع حرملة بن كاهل الأسدي سهمه ورمى به الطّفل , فسال دم البراءة على كفّ الحُسين ، وأخذ يرمي به نحو السّماء وهو يقول (عليه السّلام) : (( اللّهمّ ، تقبّل منّا قربان آل محمّد )) . وقال (عليه السّلام) : (( هوّن ما نزل بي إنّه بعين الله تعالى . اللّهمّ ، لا يكون أهون عليك من فصيل ناقة صالح . إلهي إن كنت حبست عنّا النّصر فاجعله لما هو خير منه وانتقم لنا من الظّالمين ، واجعل ما حلّ بنا في العاجل ذخيرة لنا في الآجل . اللّهمّ ، أنت الشّاهد على قوم قتلوا أشبه النّاس برسولك )) . ثمّ نزل عليه السّلام عن فرسه ودفن طفله الرّضيع وصلّى عليه .

فكان الإمام هو آخر من يتقدّم للميدان ، انطلق إلى القوم مصلتاً سيفه ، فقاتلهم قتالاً شديداً وهو يقول :

الموتُ أولى من ركوبِ العارِ       والعارُ أولى من دخولِ النَّارِ

هنالك صاح عمر بن سعد : هذا ابن الأنزع البطين ـ يقصدون الإمام عليّ (عليه السّلام) ـ هذا ابن قتّال العرب , احملوا عليه من كلّ جانب . فصاح فيهم الحُسين (عليه السّلام) يردّهم بكلامه النّافذ في أعماق الضّمير ، غير أنّ القوم لا ضير لهم، فقال شمر بن ذي الجوشن : ما تقول يابن فاطمة ؟ قال : (( أنا الذي اُقاتلكم ، والنّساء ليس عليهنّ جناح , فامنعوا عتاتكم عن التّعرض لحرمي ما دمت حيّاً )) .

واستمرّ القتال بين جيش عمر بن سعد والإمام الحُسين (عليه السّلام) ، وقد بدأت الدماء تغطّي جسده وهو يقول : (( هكذا أكون حتّى ألقى الله وجدّي رسول الله (صلّى الله عليه وآله) , وأنا مخضّب بدمي وأقول : يا جدّي قتلني فلان وفلان )) . لقد أصابته السّهام في جسده ورأسه فسقط ، ولم يبقى قادراً على الحرّاك .


الصفحة 310

 يقول صاحب اُسد الغابة : أمر عمر بن سعد نفراً فركبوا خيولهم وأوطؤوها الحُسين .

لا تزال الحياة تدبّ في جسده الشّريف ، ولا يزال به رمق , فلا بدّ أن يتقدّم إليه القوم ليحتزّوا رأسه ، فبادر زرعة بن شريك بضرب كتفه الأيسر ، ثمّ رماه الحصين في حلقه , وطعنه سنان بن أنس في ترقوته ورماه بسهم في نحره , وطعنه آخرون على عاتقه وجنبه , وارتفعت الأصوات ، ونادت اُمّ كلثوم واُخته زينب : وا مُحمّداه ! وا أبتاه ! وا عليّاه ! وا جعفراه ! وا حمزتاه ! هذا الحُسين بالعراء صريع بكربلاء ! ثمّ نادت زينب : ليت السّماء أطبقت على الأرض , وليت الجبال تدكدكت على السّهل .

ولا يزال الصياح يهزّ الميدان والنّوح تولول على الحُسين (عليه السّلام) والدُّنيا قد اظلمت ، فالحُسين صريع , ويقف عمر بن سعد : انزلوا إليه وأريحوه . فانطلق شمر فضربه برجله وأمسكه من لحيته وما زال يضربه بالسّيف , ثمّ احتزّ رأسه .

يقول اليعقوبي : وانتهبوا مضاربه ، وابتزّوا حرمه ، وحملوهنّ إلى الكوفة .

لقد أطمعهم في الحُسين (عليه السّلام) سيفه وملابسه , فراح كلّ واحد يلتمس له قطعة من لباسه ينهبها ، فأخذ الأسود بن حنظلة سيفه ، والأسود بن خالد نعليه , وإسحاق بن حوية قميصه , وقطعوا إصبعه الذي به الخاتم لمّا رأوا الدم قد تجمّد والتصق به .

يقول صاحب اُسد الغابة : إنّ سنان بن أنس لمّا قتله , قال له النّاس : قتلت الحُسين بن عليّ وهو ابن فاطمة بنت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أعظم العرب خطراً ، أراد أن يزيل ملك هؤلاء ، فلو أعطوك بيوت أموالهم لكان قليلاً . فأقبل على فرسه ـ وكان شجاعاً به لوثة ـ فوقف على باب فسطاط عمر بن سعد ، وأنشده الأبيات :


الصفحة 311

أوقرْ ركابي فضَّةً أو ذهبا      فـقد قتلتُ السَّيدَ المُحجَّبا
قتلتُ خيرَ النَّاسِ اُمّاً وأبا      وخيرَهُمْ  إذ يُنسبون نسبا

قال اليعقوبي : واُخرج عيال الحُسين وولده إلى الشّام ، ونصب رأسه على رمح ، وكان مقتله لعشر ليال خلون من المحرّم سنة 61 للهجرة .

ثمّ جاؤوا بالرّأس ووضعوه بين يدي يزيد لعنه الله ، فأخذ ينكثه بقضيب وهو ينشد :

لـيتَ أشـياخي ببدرٍ شهدوا      جزعَ الخزرجِ من وقعِ الأسلْ
لأهـلّـو واسـتهلوا فـرحاً      ثـم قالوا يا يزيد لا تُشلْ(1)

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) القصّة مذكورة بصيغ مختلفة في كتب التاريخ الشّهيرة : تاريخ الطبري ، ابن الأثير ، مروج الذهب , الإمامة والسّياسة ، مقاتل الطالبيين ، اُسد الغابة ، البداية والنّهاية ، الأغاني ، اُنظر عقيلة بني هاشم لبنت الشّاطئ ، عليّ وبنوه لطه حسين ، وغيرهم .


الصفحة 312


الصفحة 313

لقد شيَّعني الحُسينُ (عليه السّلام)

هذه مجرّد عموميات مختصرة حول المشهد الدراماتيكي لملحمة كربلاء كما اتّفقت عليها تواريخ المسلمين . ولعمري ، إنّه المشهد الذي لا يزال صداه يتحرّك في أقدس قداساتي ، يمنيني بالأحزان في كلّ حركة أتحرّكها .

ما إن خلصت من قراءة مذبحة كربلاء بتفاصيلها المأساوية حتّى قامت كربلاء في نفسي وفكري , ومن هُنا بدأت نقطة الثّورة ، الثّورة على كلّ مفاهيمي ومسلّماتي الموروثة ، ثورة الحُسين داخل روحي وعقلي . أجل ، ليس من وظيفة هذا الكتاب التعرّض لتلك التفاصيل ، وإنّما نريد أن نعطي مجرّد إشعاعات متفرّقة عن تلك المذبحة ؛ لفضح التاريخ الرّسمي الملفّق . الأوراق كلّ الأوراق مع هذا التاريخ الجريح ، القابع خلف اللاشعور التاريخي المكتوب بريشة أهل الزلفى المقرّبين .

لقد جاء أهل الشّام والكوفة بالسّيف وجاء الحُسين بالدم ، وانتصر الدم على السّيف ، بل وانتصر على التاريخ البلاطوي , فكان الحُسين نوراً لم تغطّه ظلم التحريف . ونحن ننعى هذه المأساة ، ونعلم أنّ الإمام الحُسين (عليه السّلام) قد مضى على الحقّ , وأنّ قطرة من نعيمه قد أنستهم كلّ معاناته , إلاّ أننا نبكي اُولئك المغفّلين الذين


الصفحة 314

اتّخذوا من قاتلي الحُسين وأنصارهم وخاذليه ، قدوّة لهم وأسوة ونماذج من الورع يقتدى بها .

وما أكثر الطبول التي قرعت والمزامير التي عزفت ؛ مدحاً لشخصيات تاريخية , كانت من بين اُولئك الذين اشتركوا في احتزاز رأس الحُسين ونهب متاعه بخسّة , الذين قتلوا الحُسين (عليه السّلام) وهم يعلمون أنّه خير من أميرهم وسيّد العرب والمسلمين ، وما قتلوه إلاّ طمعاً في الحطام الذي أمناهم به يزيد ، أليسوا قادرين على تحريف الإسلام واختلاق الأحاديث بحثاً عن نفس الحطام ؟

لقد شيعني الحُسين (عليه السّلام) من خلال المأساة التي شاهدها هو وأهل البيت (عليهم السّلام) , شيعني بدمائه العبيطة وهي تنساب على الرمل الأصفر بأرض الطفوف ، وبصراخ الأطفال ونواح النّساء , يومها ناديت وقد انسكبت من عيني دمعة حزينة ، حزينة ورقيقة ، قلت والقلب تتمزّقه الأحزان :

ويُـرثي ربابك دنيا الشجونِ      ودمـعُ الـنواح وفيضُ الدِّما
فرمسٌ عداك كجحرِ الصقورِ      وسـرُّ هُـداك مخور الدُّجى
عـظمتَ  فأنت عظيمُ المقامِ      عـظـيمٌ فأبشرْ بنصرِ السَّما
ويُرسي الزَّمانُ حراكَ النّسورِ      وسيرَ  الذئاب بخبء السّرى
فـدمعكَ  سالٍ بتلك الطفوفِ      وسـالٍ  وسـالَ بكلِّ الثَّرى
فـصار  رواءً بـكُلِّ الدهورِ      ورطـبـاً  جـنيّاً لكُلِّ الدّنى
فيا  أرضُ لا تقنطي بالقروحِ      ويا قومُ لا تُبطئوا في الخُطى
فـحتماً  يـعود لهدمِ الشرورِ      ويُـرسي المراحُ بردمِ القذى
فــذاك  الـزكيُّ بكُلِّ فخارٍ      ونـجلٌ قـضمٌّ وليثُ الوغى
رجوتُ الصلاحَ بأرضِ العدا      بـسبطِ الأمين وطابَ الثرى

وأيّ شيء صنع الأعداء بموته سوى أن حفروا قبورهم ، ودقّوا نعوشهم بالمسامير ؛ ليدخلوا مقبرة التاريخ صاغرين ، وما زلت أراه ـ أبا عبد الله ـ كبيراً في


الصفحة 315

عين التأريخ ، لقد نوّر الحياة بدمه الزّكي العطر :

سطعتَ بريقاً كومضِ الشُّموسِ      وشـاعَ سـنـاكَ كبرقِ السَّما
رُفـعـتَ فكُنتَ تعالي النُّجومَ      وعــمَّ  جـبـينُكَ لمعَ السَّنا
سموتَ  عزيزاً تجوبُ السنينَ      تـدكُّ جـبـالَ العُلى والرُّبى
فـدمـعُكَ  كـان كقطرِ النَّدى      كـطـلِّ الصباحِ يرشُّ المُنى
عـلوتَ  فصرتَ باُفقِ الجلالِ      عظُمتَ  فخافتْ جسورُ الوغى
هُـديـتَ فكُنتَ كنجمِ السَّماءِ      أنـبـع الصفاءِ ورؤيا الكرى

وما أن أقرأ عن تفاصيل كربلاء حتّى تأخذني الجذبة بعيداً ، ثمّ تعود أنفاسي إلى أنفاسي ، والحُسين ألفاه لديها قد تربّع بدمائه الطاهرة ، فيا ليتني كنت معه فأفوز فوزاً عظيماً .

وفي تلك الجذبة هناك مَن يفهمني ، وقد لا يفهمني مَن لا يرى للجريمة التاريخيّة وقعاً في نفسه وفي مجريات الأحداث التي تلحقها . فكربلاء مدخلي إلى التاريخ ، إلى الحقيقة ، إلى الإسلام ، فكيف لا أجذب إليها جدبة صوفي رقيق القلب ، أو جدبة أديب مرهف الشّعور ، وتلك هي المحطّة التي أردت أن أنهي بها كلامي عن مجمل معاناة آل البيت (عليهم السّلام) , وظروف الجريمة التاريخيّة ضدّ نسل النّبي (صلّى الله عليه وآله) .

والسّؤال الذي يفرض نفسه هُنا ، هو مَن قتل الحسين ؟ أو بتعبير أدق ، مَن قتل مَن ؟

نحن لا نشكّ في أنّ مقتل الحُسين هو نتيجة وضع يمتدّ بجذوره إلى السّقيفة ، إلى أخطر قرار صدر بعد وفاة الرّسول (صلّى الله عليه وآله) وكان ضحيته الأوّلى آل البيت (عليهم السّلام) , ونلاحظ من خلال حركة التاريخ الإسلامي ، إنّ محاولة تهميش آل البيت وقمع رموزهم بدأ منذ السّقيفة . ورأيي لو جازف الإمام عليّ (عليه السّلام) وفاطمة الزهراء (عليها السّلام) , لكان فعلاً أحرقوا عليهم الدار ، ولكان شيء أشبه بعاشوراء وكربلاء الحُسين . وأنّ بداية النّشوء أو بالأحرى إعادة النّشوء لحزب بني اُميّة ، كان منذ الخلافة الأولى ؛ ذلك أنّ معاوية وأخاه يزيد كانا عاملين على


الصفحة 316

الشّام ، وتقوّى نفوذهما منذ ذلك العهد , وكلّ المسلمين في ذلك العصر كانوا يدركون مدى القوّة التي يمكن أن تمنحها الإمارة لرجال مثل معاوية ويزيد .

المعادلة المقلوبة ، وميزان القوى اللامتكافئ بين الحزب الاُموي وبني هاشم بدأ منذ وفاة الرّسول (صلّى الله عليه وآله) , وما ضُرب ولا قُمع واستضعف بعد الرّسول (صلّى الله عليه وآله) رجل أو عشيرة مثل ما ظُلم آل البيت (عليهم السّلام) . لقد دخل بنو اُميّة الإسلام وهم صاغرون , وكان الرّسول (صلّى الله عليه وآله) قد أراد قتلهم ولو تعلّقوا بأستار الكعبة ، غير أنّه عفا عنهم ، وقال : (( اذهبوا فأنتم الطُلقاء )) . وطُلقاء لا تعني الإسلام ، ثمّ ما برح (صلّى الله عليه وآله) يحذّر من خطرهم الذي كان يدركه من خلال طبيعة الصراع الذي دار بين الإسلام وبني اُميّة ؛ ويدرك بمنظار النّبوة مخترقاً بذلك حجب المستقبل ، ليحدّثنا عن مصير الاُمّة على يد بني اُميّة .

روى الإمام أحمد عن عفان وعبد الصمد , عن حماد بن سلمة , عن عليّ بن يزيد(1) : حدّثني مَن سمع أبا هريرة يقول : سمعت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يقول : (( لينعقن ـ وفي رواية ليزعقن ـ جبّار من جبابرة بني اُميّة على منبري هذا )) . زاد عبد الصمد : (( حتّى يسيل رعافه )) . ثمّ قال : فحدّثني مَن رأى عمرو بن سعيد بن العاص : يرعف على منبر النّبي (صلّى الله عليه وآله) حتّى سال رعافه .

وذكر ابن كثير قال : قال يعقوب بن سفيان : ثنا أحمد بن محمّد أبو محمّد الزرقي ، ثنا الزنجي ـ يعني مسلم بن خالد ـ , عن العلاء بن عبد الرّحمن , عن أبيه , عن أبي هريرة : إنّ الرّسول (صلّى الله عليه وآله) قال : (( رؤي في المنام بني الحكم ـ أو بني أبي العاص ـ ينزون على منبري كما تنزو القردة )) . قال : فما رآني رسول الله (صلّى الله عليه وآله) مستجمعاً ضاحكاً حتّى توفّي . ثمّ قال ابن كثير : وقال الثّوري عن عليّ بن زيد بن جدعان , عن سعيد بن المسيب , قال : رأى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بني اُميّة على منبره , فساءه ذلك ، فأوحى إليه : (( إنّما هي دُنيا اُعطوها )) . فقرّت به عينه .

صاحب اُسد الغابة

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ماذا في التاريخ .


الصفحة 317

عن عمر بن محمّد بن المعمر البغدادي , وغيره ( . . . ) إلى نافع بن جبير بن مطعم ، عن أبيه ، قال : كنّا مع النّبي (صلّى الله عليه وآله) , فمرّ الحكم بن أبي العاص ، فقال النّبي (صلّى الله عليه وآله) : (( ويل لاُمّتي مما في صلب هذا ! )) . وهو طريد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) , نفاه من المدينة إلى الطائف .

وقال الحسن البصري : أربع خصال في معاوية , لو لم يكن فيه إلاّ واحدة منها لكانت موبقة : انتزاؤه على هذه الاُمّة بالسّيف حتّى أخذ الأمر من غير مشورة , وفيهم بقايا الصحابة وذوو الفضيلة , واستخلافه بعده سكّيراً وخمّيراً يلبس الحرير ويضرب بالطنابير . هؤلاء الذين لم يحص لهم التاريخ فضيلة ـ اللّهمّ إلاّ في مصنّفات البلاطيون ـ فهم الذين وطؤوا بأقدامهم آل البيت المُحمّدي , هؤلاء بهذه الصفة قتلوا أئمّة أهل البيت (عليهم السّلام) وهُم في غنى عن التعريف .

لقد قتل يزيد الحُسينَ (عليه السّلام) , وهذا الأخير لم يحصِ له التاريخ سوى الفضائل العظام ، ولقد علم الرّسول (صلّى الله عليه وآله) أنّ ابنه هذا سوف يُقتل مظلوماً ، وحديث التربة تواتر في التواريخ الإسلاميّة .

ذكر ابن الأثير في اُسد الغابة : أخبرنا إبراهيم بن محمّد الفقيه وغير واحد ، قالوا بإسنادهم إلى الترمذي ، قال : حدّثنا أبو خالد الأحمر , قال : حدّثنا رزين ، حدّثني سلمى , قال : دخلت على اُمّ سلمة وهي تبكي ، فقلت : ما يبكيك ؟ قالت : رأيت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في المنام وعلى رأسه ولحيته التراب ، فقلتُ : ما لك يا رسول الله ؟! قال : (( شهدتُ قتل الحُسين آنفاً )) .

وذُكر أيضاً عن حماد بن سلمة , عن عمّار بن أبي عمّار ، عن ابن عبّاس ، قال : رأيت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فيما يرى النّائم نصف النّهار ، وهو قائم أشعث أغبر بيده قارورة فيها دم ، فقلتُ :

 

 

الصفحة 318

بأبي أنتَ واُمّي يا رسول الله ! ما هذا الدم ؟ قال : (( هذا دم الحُسين , لم أزل التقطه منذ اليوم )) . فوجد قد قُتل في ذلك اليوم .

وفي البداية والنّهاية لابن كثير , قال الإمام أحمد : حدّثنا عبد الصمد بن حسان ، حدّثنا عمارة عن ثابت عن أنس , قال : استأذن ملك المطر أن يأتي النّبي (صلّى الله عليه وآله) , فأذن له ، فقال لاُمّ سلمة : (( احفظي علينا الباب , لا يدخل علينا أحد )) . فجاء الحُسين بن عليّ (عليهما السّلام) فوثب حتّى دخل ، فجعل يصعد على منكب النّبي (صلّى الله عليه وآله) , فقال له الملك : أتحبّه ؟ فقال النّبي (صلّى الله عليه وآله) : (( نعم )) . قال : فإنّ اُمّتك تقتله ، وإن شئت أريتك المكان الذي يُقتل فيه . قال : فضرب بيده فأراه تراباً أحمر ، فأخذت اُمّ سلمة ذلك التراب فصرّته في طرف ثوبها . قال : فكنّا نسمع يقتل بكربلاء .

وذكر البيهقي عن الحاكم . . . إلى أن قال : عن عبد الله بن وهب بن زمعة ، أخبرتني اُمّ سلمة : أنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) اضطجع ذات يوم , فاستيقظ وهو حائر ، ثمّ اضطجع فرقد ، ثمّ استيقظ وهو حائر دون ما رأيت منه في المرّة الأولى , ثمّ اضطجع واستيقظ وفي يده تربة حمراء وهو يقلّبها ، فقلت : ما هذه التربة يا رسول الله ؟ فقال : (( أخبرني جبريل أنّ هذا مقتل بأرض العراق للحسين . قُلت له : يا جبريل , أرني تربة الأرض التي يُقتل بها ، فهذه تربتها )) . وقال (صلّى الله عليه وآله) : (( الحسن والحُسين ريحانتي )) .

وغيرهما ممّا أحصته الكتب الصحاح عن مناقبهم وفضائلهم بما لا يترك ريباً , ثمّ يأتي التاريخ فيوقف الفضيلة كلّها أمام الرّذيلة كلّها , بل ويجعلون الرّذيلة تسطو وتبطش بالفضيلة , مع كلّ ذلك يأتي المؤرّخة فيرون في كلّ ذلك اجتهاداً ، وفي نظر بن خلدون يكون عليّ (عليه السّلام) مثل معاوية , والحُسين كيزيد , كلّهم عدول مؤمنون ومرضيّون .

 وإنّني لم أجد ما أعبّر به عن ابن خلدون , إلاّ ما قاله عنه (هاملتون جيب) , بأنّه : لا يعدو أن يكون فقيهاً مالكياً


الصفحة 319

يرمي إلى تبرير واقع الخلافة , كما فعل قبله الماوردي والباقلاني والغزالي .

أنا هُنا لا اُريد أن أحطّ من قدر هؤلاء ، ولست أقول إنّهم ساذجون وأغبياء , بل أقول إنّ السّياسة والبلاط قد أفقدهم الرّؤية السّليمة , والجو النّفسي العام كان أقوى من إراداتهم . كأنّ ميزان العدل الإلهي اختلّ ـ سبحانه وعلا ـ حتّى يكون أغيلمة بني اُميّة على طرف المساواة مع أئمّة أهل البيت (عليهم السّلام) .

وأذكر مرّة كنت أتحدّث لدى العلاّمة السّيد هادي المدرّسي ، فقلت له : من الطريف أنّ بعض العلماء من العامّة يروون حديثاً هو رؤيا للإمام الحسن (عليه السّلام) , مثل الغزالي في الإحياء وكذلك زاد المعاد : إنّه رأى وكأنّ عليّاً ومعاوية اُوتي بهما ، ثمّ اُدخلا في بيت , فما كان أسرع من عليّ إذ خرج يقول : قضي لي وربّ الكعبة ، ثمّ ما برح أن تبعه معاوية يقول : غُفر لي وربّ الكعبة .

قال السّيد المدرّسي : هذه الرّواية متناقضة من الأساس ؛ إذ كيف يكون من العدل أن يُقضى لعليّ ويُغفر في نفس الوقت لمعاوية ، فمن أيّ جهة قضى لعليّ (عليه السّلام) إذاً ؟! إذا كان يزيد والاُمويّون جميعاً قتلوا الحُسين وآل البيت (عليهم السّلام) ، وشربوا الخمور وحكموا بالباطل وهُم مؤمنون ، فلماذا تقوم قائمة المسلمين اليوم ، فيكفّرون المجتمعات وينتقدون السّلطات ؟! ولست أقلّ ثورية من اُولئك المتشدّدة عندما أقول : إنّ يزيد بن معاوية وأباه وبني اُميّة جميعاً أنكى وأمرّ طغياناً من أيّ سلطة معاصرة ، إنّ القمع والديكتاتورية في عالمنا العربي والإسلامي لها أرضيتها في تاريخنا .

لماذا نحدث القطيعة فنبرئ طغاة الماضي والرّجوع إلى نموذج السّلف ؟ هي دعوة متعسّفة على هذا الافتراض . وإذا كان الأمر كذلك ، يلزم أن نتّهم كلّ من تعامل معهم ومكّن لهم , فبنو اُميّة لم تكن لتعود إليهم القوّة لولا ما قدّمه الخلفاء لهم من إمارات .

كنت أظنّ أنّ الإسلام قد أعطانا روحاً قويّة لطلب العدالة ، ولم أكن أظنّ أنّ بعضنا سوف لا تدفعه مذبحة كربلاء إلى معرفة القضية من أساسها ، ومحاكمة


الصفحة 320

أشخاصها على مستوى الفكر الذي لا يزال يؤسّس وعينا بالماضي والحاضر , غير أنّني رأيتهم مكبّلين بألف قيد مثلما كنت مقيّداً , وإن كنت قد استطعت كسر الأغلال عنّي ، فإنّ غيري ضعف عن ذلك وبقي أسير الظلام . ثمّ أدركت أنّ الإسلام أعظم من أن يكبّل اُناساً لطلب العدالة في التاريخ وفي كلّ المستويات . أدركت أنّ شيئاً جديداً على روح الإسلام لوّث صفاءه الروحي .

أدركت أنّه المذهب , وفي ذلك الوقت عرفت أنّني لا يمكنني أن أتعامل بتحرّر وموضوعيّة مباشرة مع القرآن والنّبي (صلّى الله عليه وآله) , فكان ضرورياً أن أرفع القيود عنّي وأبدأ مسيرة جديدة في البحث عن الحقيقة , جئت مرّات ومرّات عند أهل الخبرة من أهل السّنّة والجماعة ، وكلّما حدّثتهم عن ذلك ، امتعضوا وارتسم في وجوههم غضب ، يسمّونه الغضب لله , كانت وجهات نظرهم تنقسم إلى قسمين :

1 ـ بعضهم ردّ عليّ : ليس الحُسين هو أوّل أو آخر من مات شهيداً مقتولاً ، فأنبياء الله قُتلوا وصُلبوا ، فلماذا هذا التّركيز والمبالغة في قتل الحُسين ؟

2 ـ بعضهم قال : إنّنا إذا دخلنا في هذا الصراع سوف ندخل في الفتنة ، ونحن أمامنا مسؤوليّات يجب أن نؤدّيها في واقعنا المعاصر ، فلماذا أنتّ ترجع بنا إلى العهود القديمة ؟

وكنت أرى في كلا التبريرين روحاً سطحية ، وتخلّفاً حقيقياً في التعامل مع الإسلام والتاريخ ؛ أمّا بالنّسبة للأوّلين ، فكنت أردّهم ردّاً عزيزاً ، ذلك أنّ مقتل الحُسين (عليه السّلام) له خصوصياته التي لا ينكرها أحد ، وهي مأساة لم يشهد لها تاريخ الأنبياء مثيلاً ؛ لأنّ الذين قتلوا الحُسين وأهل بيته (عليهم السّلام) ، وقطعوا رأسه وسبوا نساءه , كانوا ممّن يدّعي تمثيل الاُمّة ويمثّل الجماعة .

ثمّ إنّنا عندما نتحدّث عن مقتل هؤلاء الأنبياء , نجزم أتوماتيكياً بأنّ الذين قتلوهم ظالمون ظالمون ، كفّار ملعونون , بينما عندما نتحدّث عن الإمام الحُسين (عليه السّلام) لا نرى بينه وقاتليه فرقاً يُذكر ، فنقول : إنّه اجتهد . وقبّح الله اجتهاداً يوجّه لسفك دماء أبناء النّبي (صلّى الله عليه وآله)


الصفحة 321

أمّا الفئة الثانية ، وهي الفئة التي تحمل وعياً متهالكاً وثوريّة الأرانب ، تقول : لماذا ترجعون بنا إلى الخلف ؟ ومن دون أن نبرّر أهمّيّة التاريخ التي أصبحت ضرورة علميّة وثوريّة ، دون أن نحرجهم بسؤال عن أيّ ثورة في التاريخ لم تقم انطلاقاً من التاريخ ؟ دون كلّ ذلك ، نريد أن نقول لهم : ماذا فعلتم وأنتم تسيرون إلى الأمام دون التفات إلى الوراء ؟

أوّلاً : ليس لكم في ماضيكم سوى الفضائح والصّور الملفّقة , فأيّ تاريخ يمكن أن يساعدكم في تحقيق مشروع النّهضة في الحاضر والمستقبل ، فأنتم تنطلقون من الفراغ أو من النّصر المشوّه بالأيديولوجية التضليلية من دون تجربة تاريخية .

ثانياً : إنّ الذين انطلقوا من ثورة الحُسين ، هُم اليوم أكثر الفئات ثوريّة ونهوضاً في العالم الإسلامي . ومن مذبحة الحُسين (عليه السّلام) صنعوا حاضرهم الإسلامي ، وخطّطوا المستقبل , وهذا تحدّ تاريخي يعمي ضوؤه الأبصار .

وكان الإمام الحُسين (عليه السّلام) ضميراً ناهضاً وجرس إنذار للاُمّة لاتخاذ المواقف الضرورية ؛ لوقف الزحف التحريفي ؛ ولذلك كانت مرحلة ما بعد الحُسين (عليه السّلام) مرحلة انقلابات وثورات مختلفة ، بدءاً بثورة التوابين لسليمان بن صرد الخزاعي بالكوفة ، وثورة المُختار الثقفي وزيد بن عليّ . أمّا ما عرفه التاريخ من حكم بني اُميّة وبني العبّاس ، فذلك لا يتطلّب منّا كبير جهد , وهو في متناول كلّ القرّاء في مراجع التاريخ الشّهيرة , وتلك نتائج لا تهمّنا في التاريخ الإسلامي ، بقدر ما تهمّنا الأسباب الأولى التي شكّلت أرضية لكلّ فساد شهدته الاُمّة في تاريخها اللاحق .


الصفحة 322


الصفحة 323

الفصل الخامس

مفاهيم كشف عنها الغطاء


الصفحة 324


الصفحة 325

مفهوم الصحابي :

كان هدفي من هذه الاستراحة التاريخيّة ، الكشف عن السّلوك السّياسي والأخلاقي للجماعة التي سُمّيت بالصّحابة ؛ ذلك إنّنا في مقام الحديث عن قيمة أئمّة أهل البيت ، تعترضنا إشكالية الصّحابة وموقعهم من الإسلام . ولعلّ الفرق الأصيل بين الشّيعة والسّنّة ، هو هذا : إنّ السّنّة يرون اتّباع سنّة الرّسول (صلّى الله عليه وآله) وأخذها من أيّ وعاء خرجت ، ويكفيهم في ذلك الصحبة ، والصحبة عندهم تتحدّد بمشاهدة الرّسول (صلّى الله عليه وآله) ومعايشته ، بينما الشّيعة لا يرون للصحابة سوى قيمة أدبيّة ، أمّا السّنّة والتشريع فإنّهم يتلقّونه عن النّبي (صلّى الله عليه وآله) عن طريق آل البيت (عليهم السّلام) المحدّدين في مذهبهم .

 ويتساءل الإنسان من العامّة حول الأسباب التي جعلت الشّيعة يرفضون أخذ السّنّة من الصحابي واقتصارهم على آل البيت (عليهم السّلام) , فيما يتسأل الإنسان من الشّيعة حول الأسباب التي تجعل العامّة يأخذون السّنّة من كلّ مَن رأى الرّسول (صلّى الله عليه وآله) , من دون أن يحدّدوا شرطاً قويّاً لذلك .

أوّلاً : مَن هو الصحابي ؟

ثانياً : وهل يجوز أخذ السّنّة عنه ؟

مفهوم الصحابي عند السّنّة : كلّ مَن رأى الرّسول (صلّى الله عليه وآله) من المسلمين فهو صحابي . وحسب ابن تيمية


الصفحة 326

ومن لفّ لفّه كلّهم عدول , وعلى هذا يكون الأخذ من عليّ (عليه السّلام) وأبي هريرة سيّان , ولهم مرويات غريبة تقول : أصحابي كالنّجوم ، بأيّهم اقتديتم اهتديتم . ومن هُنا فإنّ الصحابة رغم ما وقع بينهم من فتن ، يبقوا عدولاً يُهتدى بهم ؛ ولذلك كان معاوية صحابياً يؤخذ منه رغم قتاله عليّاً (عليه السّلام) , وكذلك عمرو بن العاص ، وسمرة بن جندب , وأبي هريرة .

والعقل يخطّئ هذا الإطلاق ؛ إذ كيف تؤخذ السّنّة ممّن خالفها في حياته ؟ لقد روى السّنّة في صحاحهم , أنّ الرّسول (صلّى الله عليه وآله) قال : (( مَن مات وليس في عنقه بيعة لإمام زمانه ، مات ميتة جاهلية )) . وعلى هذا الحكم تكون عائشة جاهلية ؛ لأنّها خرجت عن إمام زمانها وهو عليّ (عليه السّلام) , فكيف يعقل أن تؤخذ منها السّنّة النّبويّة وهي تخالفها . ولمّا ثبت أنّ معاوية قاتل عليّاً (عليه السّلام) ، والسّنّة يقولون إنّهم كلّهم عدول على الرّغم من ذلك ، فكيف يجور عقلاً الأخذ بسنّة صحابيّين ـ حسب رأي السّنّة ـ على طرفي نقيض ؟!

والسّؤال : هل يجب أخذ السّنّة من الصحابي ؟ في البدء ليس ثمّة دليل على وجوب أخذ سنّة الرّسول (صلّى الله عليه وآله) من الصحابي . والسّنّة وهم يعتبرون إنّ كلّ مَن رأى الرّسول (صلّى الله عليه وآله) فهو صحابي ، فمن يكون الرّسول (صلّى الله عليه وآله) قد أوصى باتّباع الصحابة ؟ فهل يُعقل أن يأمر الصحابي باتباع الصحابي إذا جاز أنّهم كلّهم صحابة ؟! ثمّ إنّ هؤلاء الصحابة كلّهم اقتتلوا بعد الرّسول (صلّى الله عليه وآله) , فكيف يعقل أن يكون كلّهم عدول وكلّهم نجوم ؟!

أمّا الصحابي ـ كما يعرفه الشّيعة وكما يستوعبه العقل ـ هو ذلك الذي عاش مع الرّسول (صلّى الله عليه وآله) , وآمن به والتزم نهجه وأطاعه في حياته , وجاهد معه بماله وروحه ,


الصفحة 327

وبقي على سنّته من بعده ولم يغير بعده شيئاً وما بدّل تبديلاً , وسمّاه الرّسول صاحباً أو ما يفيد معناه .

وأن يحترم الصحابي شيء وأن يلزم أخذ السّنّة عنه شيء آخر ؛ إذ إنّ الأمر الثاني ليس من الاختصاصات التي وكّل بها الصحابي , وليس ثمّة دليل من العقل أو النّقل يوجب على المسلم أخذ السّنّة من الصحابي , بخلاف ما ثبت عقلاً ونقلاً في حقّ آل البيت (عليهم السّلام) ؛ ذلك لأنّ سنّة الرّسول (صلّى الله عليه وآله) لم تُترك عبثاً , بل لا بدّ لها من مؤهّلين ومختصّين في استيعابها وحفظها لتبليغها بعد الرّسول (صلّى الله عليه وآله) , ولتثبت بها الحجّة على النّاس . وغير آل البيت (عليهم السّلام) لم يكن مؤهّلاً ولا مختصّاً ، ولم يدّع وراثة الرّسول (صلّى الله عليه وآله) في العلم والإمامة سوى آل بيته , وإذا كان أبو بكر قد منع فاطمة الزهراء (عليها السّلام) من إرثها بمبرر : إنّ الأنبياء لا يورّثون إلاّ علماً ، كان عليه ـ إذ ذاك ـ الانقياد واتّباع آل البيت (عليهم السّلام) في إرث العلم !

وخلاصة القول : إنّ الصحابي مفهوم مطلق عند أهل السّنّة والجماعة ، بينما هو مفهوم محدّد ومضبوط عند الشّيعة(1) .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) حاول مرتضى العسكري أن يحقّق في بعض مَن أطلق عليهم اسم صحابي ، فوجد ( 150 ) منهم لا وجود لهم في حيّز الصحبة , فكان كتابه القيم : مئة وخمسون صحابياً مختلقاً .


الصفحة 328


الصفحة 329

نماذج وباقات :

عندما أتحدّث عن الشّخصيات التي انكشفت لي في التاريخ الإسلامي , فإنّني لا اُريد التحامل عليها , فهذا قد يفهمه مَن لا تهمّه الحقيقة التاريخيّة ، ويقنع نفسه ببضع سطور في التراجم ؛ حيث يتحوّل الشّخص التراثي إلى جزء من العقيدة في ذهن العامّي . وقد يهتمّ البعض ـ منهم الشّيعة ـ لما يجدهم يعرضون حقيقة شخصيات تاريخية في صورتها الحقيقة , بينما لا يهمّني أن ينعق هذا البعض وأنا أتعرّض لسيرة بعضهم ؛ ذلك أنّني عامّي النشأة ، وكنت من الذين يسبّحون بكرة وأصيلاً بهذه الشّخصيات .

لقد كانت عندي شخصية عمر بن الخطّاب أحسن شخصية على الاطلاق بعد الرّسول (صلّى الله عليه وآله) , وأبو بكر يأتي بعده في المرتبة , وهذا خلافاً لمذهب الجماعة ، بل وغلوّاً في التسنّن . ولم أكن أجهل شيئاً في مذهب العامّة , وربما قصرت عن احتواء الكثير الكثير من مذهب الشّيعة , بينما لم يكن مذهب العامّة يصعب استيعابه بحذافيره ؛ ولذلك وأنا أعرف نفسية العامّي تجاه هذه الشّخصيات ؛ لأنّها نفسيتي التي كنتها فيما مضى , أعرف أنّه سيمتعض من ذلك , غير أنّ التاريخ لا اُمّ له . ثمّ اُريد أن أؤكد ، أنّ ما قيل في أسفار العامّة حول أبي بكر وعمر وغيرهما لا يعدو أن يكون تلفيقات , وكثيرة هي الأوصاف التي أوردوها حولهم كانت أضعف وأوهن من بيت العنكبوت .


الصفحة 330

فأبو بكر وعمر ـ كما ذكرهما التاريخ السّنّي بتلك الأوصاف ـ هُما بلا جدال أفضل ما رأت البشرية ، وهؤلاء جدير أن يرضى الله عنهما ، ولكنّني أدرك أنّ عمر وأبا بكر ـ كما هُما في التاريخ الحقيقي ـ هُما شيء آخر ، وأنا أهتمّ بهما كما هُما في الواقع التاريخي .

كيف كانت تلك الشّخصيات إذاً ؟ وما مقدار صحّة ما حيك حولها من مناقب وفضائل مرويّة ؟


الصفحة 331

أبو بكر :

أنا هُنا لا أتحدّث عن أبي بكر ذلك الذي انزرع في وجداني من خلال التطعيم التاريخي المزيّف , أنا هُنا أتحدّث عن أبي بكر الحقيقي غير ذلك الذي لا يزال في أذهان النّاس , وسأركّز على أمرين :

الأوّل : على مدى سلوكه المخالف للشرع .

الثاني : على التحقيق واختبار ما نُسج حوله من روايات مزيّفة ، صنعت منه أسطورة التاريخ الإسلامي كغيرة من الصحابة المختلقين .

أوّلاً : خالف أبو بكر النّصّ في أكثر من موقف : لقد عمد أبو بكر على حرمان فاطمة الزهراء إرث أبيها , ظُلماً وعدواناً وخلافاً للشرع(1) . ويذكر ابن كثير في تاريخه(2) : إنّ أبا بكر بعد أن اُوتي بالفجاءة ، أوقد له ناراً في مصلّى المدينة , وجُمعت يداه إلى قفاه واُلقي في النّار فحرقه وهو مقموط , مع أنّ الفجاءة مسلم ولا يزال يدّعي ذلك . وأبى أبو بكر أن يقيم الحدّ على خالد في شأن مالك بن نويرة ، وقد سبق أنّ عمر بنفسه أمره بذلك , فأبى عليه أبو بكر .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سنفرد لذلك باباً إنشاء الله .

(2) وكذلك الطبري وابن الأثير وفي الإصابة .


الصفحة 332

هذا كلّه , بالإضافة إلى قبوله بالخلافة , علماً أنّ البيعة في السّقيفة كانت قائمة على الغصب والإجبار كما ثبت في الأثر .

ويذكر الطبري وابن الأثير وابن قتيبة وابن عبد ربّه : إنّ أبا بكر في نهاية عمره قال : أجل , إنّي لا آسي على شيء من الدُّنيا إلاّ على ثلاث فعلتهن ووددت أنّي تركتهن , وثلاث تركتهن ووددت أنّي فعلتهن , وثلاث وددت أنّي سألت عنهن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ؛ فأمّا الثلاث اللاتي وددت أن تركتهن : فوددت أنّي لم أكشف بيت فاطمة عن شيء وإن كانوا قد أغلقوه على الحرب ، ووددت أنّي لم أكن حرقت الفجاءة السّلمي , وأنّي كنت قتلته سريحاً أو خلّيته نجيحاً ، ووددت أنّي يوم سقيفة بني ساعدة كنت قذفت الأمر في عنق أحد الرجلين , فكان أحدهما أميراً وكنت وزيراً .

وأمّا اللاتي تركتهن : فوددت أنّي يوم أتيت بالأشعث بن قيس أسيراً كنت ضربت عنقه ، فإنّه تخيّل إليّ أنّه لا يرى شرّاً إلاّ أعان عليه ، ووددت أنّي حين سيّرت خالد بن الوليد إلى أهل الرّدة , كنت أقمت بذي القصة , فإن ظفر المسلمون ظفروا ، وإن هُزموا كنت بصدّ لقاء أو مدد ، ووددت أنّي إذ وجّهت خالد بن الوليد إلى الشّام , كنت وجّهت عمر بن الخطّاب إلى العراق ، فكنت قد بسطت يدي كلتيهما في سبيل الله . ومدّ يديه .

لقد ثبت في صحاح السّنّة أنّ الرّسول (صلّى الله عليه وآله) قال : (( فاطمة بضعة منّي , يريبني ما أرابها ، ويغضبني ما أغضبها )) . وكان أبو بكر قد أغضبها وماتت وهي غاضبة عليه , ولو كان الرّسول (صلّى الله عليه وآله) يعرف إنّ فاطمة قد تدّعي ما ليس بحقّها ، فلا يطلق كلمة أغضبها , ولقاء أغضبها في حقّ . فيترتب على ذلك : إنّ أبا بكر أغضبها في شيء يغضب رسول الله ، ودلّ على ذلك ندم أبي بكر قُبيل وفاته ، غير أنّ النّدم في ظُلم النّاس يحتاج إلى مغفرتهم لا إلى دموع الظالم .

وقد أكثرت العامّة في مدح أبي بكر ، واختلقت فيه أقوالاً هي أقرب إلى


الصفحة 333

الأساطير منها إلى الحقيقة ، وهي ـ وإن كثرت ـ سنذكر بعضاً منها ونرى مدى صحّتها وثبوتها .

لقد ذكروا أنّ قيمة أبي بكر تنبع من الإشادة الإلهية بموقفه في الهجرة , إذ يقول تعالى : ( ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا )(1) . واعتبروا ذلك فضيلة لا يرقى إليها أحد آخر من صحابة الرّسول (صلّى الله عليه وآله) .

أقول : إنّ متن الآية يدلّ على أنّ القرآن عرض حقيقة واقعية لا يبدو منها إشادة فعلية ، بل كلّ ما في الأمر ، أنّ القرآن يتعرّض للحالة التي عاشها الرّسول (صلّى الله عليه وآله) لمّا كان في طريقه إلى المدينة وكان ثاني اثنين , وكان أبو بكر قد حزن لولا أنّ قال له النّبي : ( لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ) . وهذا توجيه وتربية تعكس عدم قدرة أبو بكر على الصبر والصمود ، وروحه إلى اليأس والحزن أميل منها إلى رباطة الجأش وتحمّل الصعاب . هذا في الوقت الذي بقي فيه الإمام عليّ (عليه السّلام) في فراش النّبي (صلّى الله عليه وآله) صامداً ، ينتظر مقتله بإيمان لا يأس فيه ولا حزن , من دون أن يكون معه النّبي (صلّى الله عليه وآله) ليوجّهه ويعلمه أنّ الله معه , ثمّ يهاجر بعد ذلك لوحده .

وهاجر المسلمون بقيادة جعفر إلى الحبشة ، وما حزنوا وما كان معهم الرّسول (صلّى الله عليه وآله) يوجههم فصبروا , فهم بذلك أولى بالفضيلة ممّن كان وجود الرّسول (صلّى الله عليه وآله) إلى جانبه لا يصرفه عن الحزن وعدم الثّقة في الله . أمّا قوله : ( إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ ) . فالصاحب لا تعني بالضرورة شيئاً استثنائيّاً كما يرى البعض(2) , فالصاحب تطلقها العرب على رفيق السّفر حتّى لو كان غريباً , بل الصحبة لا تعني بالضرورة الانسجام الرّوحي والنّفسي ووحدة الاتجاه .

لقد جاء في القرآن : ( قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة التوبة / 40 .

(2) والملفت للنظر , إنّ الله لمّا تحدّث في القرآن عن السّكينة , لم يقل : وأنزل عليهما السّكينة . بل تحدّث بالمفرد ، وأفرد رسوله بإنزال السّكينة , وفي ذلك لفتة تستحق التأمّل .


الصفحة 334

 ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً * لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلاَ أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا )(1) .

وإذا ما دقّقنا النّظر وأمعناه في الآية ، سنجدها لا تحتوي ما يمكن حسبانه فضيلة وميزة تذكر ، بقدر ما هي عرض لواقعة تاريخية ؛ قد نفهم منها إنّ الذي صاحب الرّسول (صلّى الله عليه وآله) في السّفر , لم يكن على قدر كاف من الطمأنينة والثّقة في الله .

هذا بالإضافة إلى ما حكوه حوله من أساطير ، كأن قالوا : إنّ الله استحيا من أبي بكر . وفي مورد آخر : طلب منه الرّضا , وأنّ جبريل يسجد له مهابة ، وأنّه خير مَن في السّماوات والأرض . وغيرها من الأحاديث التي لا نُريد أن نطيل فيها . ومَن أراد ضبطها فليراجع كتاب الغدير ؛ ليحيط بكلّ ما قالته السّنّة في أبي بكر ، والوقوف أيضاً على زيف هذه الرّوايات سنداً ومتناً ، كما يطلّع في ذلك على الأخطاء الفقهية التي كان يقوم بها أبو بكر ، والمذكورة في مرويات السّنّة ، فليراجع مَن شاء .

ولو كان ما روي عن أبي بكر صحيحاً كلّه ، إذن لكان أولى بعمر بن الخطّاب أن يذكره في السّقيفة ، علماً بأنّهم لم يجدوا فضيلة اُخرى غير الآية المشار إليها في الأعلى ، والحال لو كان الصحابة يدركون كلّ هذه الفضائل , لذكروها في السّقيفة وما تمرّدوا عليه بعد ذلك .

ثمّ كان من أكبر الأخطاء التي تجاوز بها أبو بكر حدود الشّرع ، لمّا حرم فاطمة الزهراء (عليها السّلام) إرث أبيها فدكاً , وفدك هذه كانت منطقة بخيبر ، ملكاً للرسول (صلّى الله عليه وآله) ممّا لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب ، وكان الرّسول (صلّى الله عليه وآله) ينفق منها على أهل بيته (عليه السّلام) , فلمّا توفّي ، ردّها أبو بكر إلى بيت المال , ولمّا تقدّم إليه عليّ وفاطمة ادّعى أنّ الرّسول (صلّى الله عليه وآله) قال : الأنبياء لا يورّثون ما تركوه صدقة . وفي رواية : لا يورّثون إلاّ علماً . وفي تحقيق الحديث ، بما لا يتّسع له المقام هُنا ، نرى أنّه آحاد انفرد به أبو بكر وحده ولم يروه غيره . وهب أنّنا صدّقناه إنّ المال لا يورث من الأنبياء , فهلاّ اعترفوا بإرث العلم وما يترتّب عليه من إمامة ؟!

 كنّا كما سبق أن قلنا : ندرك أنّ أبا بكر كان يريد إضعاف آل البيت اقتصادياً حتّى لا تقوى شوكتهم ضدّ الخلافة الغاصبة ،

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة الكهف / 38 .


الصفحة 335

وإلاّ ، فلماذا يردّ عمر بن الخطّاب فدك إلى أبناء فاطمة الزهراء ، علماً أنّه كان مدافعاً عن رأي أبي بكر ؟! إذاً كان الأمر ورد فيه نصّ .

وهل أبو بكر أعلم من عليّ وفاطمة حتّى يقنعهم بحرمة إرث الرّسول (صلّى الله عليه وآله) , وكان أولى بالرّسول (صلّى الله عليه وآله) أن يخبر بهذا الحديث أهله حتّى لا يطمعوا في إرثه ، بينما التاريخ يثبت أنّ أبا بكر هو المنفرد بهذه الرّواية .

 وقد قامت فاطمة الزّهراء بتلقينه درساً في الشّريعة ، تردّ عليه في خطبتها الشّهيرة , حيث قالت عليها السّلام : (( . . . ثمّ أنتم تزعمون أن لا إرث لنا , أفحكم الجاهليّة تبغون ؟! ومَن أحسن من الله حكماً لقوم يوقنون ، ومن يبتغِ غير الإسلام ديناً , فلن يُقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين .

إيهاً معشر المسلمين ، أأبتزّ إرث أبي ؟ يابن أبي قحافة , أبى الله أن ترث أباك ولا أرث أبي ، لقد جئت شيئاً فريّاً ؛ جرأة منكم على قطيعة الرّحم ونكث العهد ، فعلى عمد تركتم كتاب الله بين أظهركم ونبذتموه , إذ يقول : ( وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ )(1) . وفيما اقتصّ من خبر يحيى ابن زكريا , إذ يقول : ( فهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا )(2) . وقال عزّ وجل : ( يُوصِيكُمْ اللَّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ )(3) . وقال تعالى : ( إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ )(4) . وزعم أن لاحظّ لي ولا إرث من أبي ؟!

 أفخصّكم الله بآية أخرج أبي منها ؟! أم تقولون أهل ملّتين لا يتوارثان ؟ أو لست أنا وأبي من أهل ملّة واحدة ؟ أم أنتم بخصوص القرآن وعمومه أعلم ممّن جاء به ؟ فدونكموها مرحولة مخطومة ، تلقاكم يوم حشركم ، فنعم حكم الله ، ونعم الخصم محمّد صلّى عليه وآله ، والموعد القيامة ، وعمّا قليل تؤفكون ، وعند السّاعة تخسرون ، ولكلّ نبأ مستقر , وسوف تعلمون من يأتيه عذاب يُخزيه ويحلّ عليه عذاب مقيم )) .

ثمّ التفتت إلى قبر أبيها وتمثّلت بأبيات صفية بنت عبد المُطلب(5) :

قـد  كـان بـعدكَ أنـباءٌ وهنبثةٌ      لـو كُنتَ شاهدها لم تكثُرِ الخطبُ
إنّـا فـقدناكَ فـقد الأرضِ وابلَها      واجتُثَّ أهلُكَ من غُيّبتَ واغتُصبوا

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة النّمل / 16 .

(2) سورة مريم / 6 .

(3) سورة النّساء / 11 .

(4) سورة البقرة / 180 .

(5) شرح النّهج لابن أبي الحديد ، الاحتجاج للطّبرسي .


الصفحة 336

أبدتْ  رجالٌ لنا فحوى صدورهمُ      لـمّـا نأيتَ وحالتْ بيننا الكثبُ
تـهجّمتنا  رجـالٌ واستخفََّ بنا      دهـرٌ فقد أدركوا منّا الذي طلبوا
وقد كُنتَ للخلقِ نوراً يُستضاءُ بِهِ      عليكَ  تُنزلُ من ذي العزّةِ الكُتبُ
وكـان جـبريلُ بالآيات يؤنسُنا      فـغابَ  عنّا فكُلُّ الخيرِ مُحتَجبُ

فكثر البكاء من الحاضرين , وكان أبو بكر قد ندم على سلوكه هذا كما تقدم .

ثمّ هو الذي أوصى إن مات أن يدفن إلى جوار رسول الله (صلّى الله عليه وآله) , واستأذن ابنته في أن يدفن فيما ورثته من أرض الحجرة ، ولو كانت تركة النّبي (صلّى الله عليه وآله) للمسلمين جميعاً ، لكان أبو بكر استأذنهم جميعاً(1) .

وكما يذكر البخاري والبيهقي وابن كثير وغيرهم : أنّ عمر بن الخطّاب ردّ فدكاً إلى ورثة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) . فيترتب على ذلك , أنّ عمر بن الخطّاب قد خالف الشّرع وأعطى آل البيت (عليهم السّلام) ما ليس حقّاً لهم , غير أنّ الواقع هو السّياسة . ثمّ جاء عثمان وأغتصبها منهم مجدّداً وأقطعها مروان ، وبقيت كذلك حتّى جاء عمر بن عبد العزيز , ثمّ اغتصبت , وهكذا دواليك .

وإذا ثبت أنّ أبا بكر هو المنفرد برواية الإرث ، على أنّ الرّسول (صلّى الله عليه وآله) قد أسرّ له بذلك ، فكيف يخفي الرّسول (صلّى الله عليه وآله) على بنته وأقربائه وهُم المعنيون بذلك ؟! وعلى أثر هذا الإجراء غضبت فاطمة الزهراء (عليها السّلام) ودعت على أبي بكر وعمر ، وتُوفّيت , وطلبت من بعلها عليّ (عليه السّلام) أن يصلّي عليها ويدفنها خفية ولا يجهر بجنازتها ، ويخفي قبرها , وفعل .

وكذلك راحت الصدّيقة الطاهرة تحمل في قلبها كرباً ، لو كان أبوها حيّاً ما كان لأحد منهم أن يقترب من حقوقها ، ولكنّ الرّسول (صلّى الله عليه وآله) قد راح إلى رحاب الله ، وترك أبناءه لاُمّة تسلط عليها شرارها , ولا حول ولا قوة إلاّ بالله .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) فدك في التاريخ , محمّد باقر الصدر .


الصفحة 337

عائشة بنت أبي بكر :

أردتُ أن اُقدّم نموذجين لشخصيات إسلامية شربنا قداستها إلى حدّ الثمالة , فلم نجدها كما أراد القرآن . ولم نكن نريد الإطالة في سرد أخبار كلّ الصحابة ، واقتصرنا على أبي بكر وعائشة كشخصيتين يمكن قياس الباقي عليهما ؛ إذ إنّ حصول الانحراف في مثل هؤلاء , يجعل حصوله في الباقين وارداً ؛ باعتبار هؤلاء رموزاً لا يعلى عليهم في التاريخ الإسلامي , لأنّ أبا بكر أوّل خليفة أنتجته سقيفة بني ساعدة بتلك الملابسات التي سبق أن أوردناها . وعائشة , لأنّها ابنته التي تمرّدت على عليّ (عليه السّلام) في حرب الجمل . أمّا الباقون ، فلا يحتاجون إلاّ إلى نفضات يسيرة في التاريخ ، لكي تسقط عنهم ورقة التوت المزيّفة .

كانت عائشة من النّاقمين الأوائل على عثمان ، ومراراً صاحت : اقتلوا نعثلاً فقد كفر . وهي التي لم تأبه بطلب مروان إيّاها نصرة عثمان يوم كان في الحصار وهي تتأهّب يومئذ للحج . ولكن مَن هي عائشة ؟ وكيف تسنّى لها أن تخرج على رجل هو أقرب النّاس إلى زوجها وأجدر بإمامة المسلمين ؟

جاءت عائشة تطالب بدم عثمان بعد أن كانت تتمنّى أن يقطّع إرباً إرباً , وذلك مستمسك تاريخي بأنّ عائشة كانت طائشة عابثة ، لم تكن تهدف الحقّ من وراء تحريضها على عثمان , وليس عثمان أوّل مَن خالف النّصوص , فأبوها فعل ذلك وفاروقه أيضاً , ولم تنبس يومها ببنت شفة , إنّما القضية أوسع من ذلك ؛


الصفحة 338

فعثمان كان قد انشغل بأقربائه ، فخفّض لعائشة من العطاء(1) , فترك ذلك في نفسها شيئاً , فحاربته حتّى مقتله , غير أنّها هابت خلافة عليّ (عليه السّلام) ؛ إذ أنّه لا يحابي فرداً من أفراد المجتمع على آخر , وهو لن يحتاج فتوى من عائشة .

 فمركزيتها ستغيب مع وجود عليّ (عليه السّلام) على سدّة الخلافة , فهو أقرب النّاس صحبة ونسباً للرسول (صلّى الله عليه وآله) , وأعلم النّاس بعد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) , بالإضافة إلى جوانب اُخرى تضمرها عائشة عنه في نفسها .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) اليعقوبي .


الصفحة 339

عائشة في الميزان :

وما دامت قد خضعت لميزان الأحداث , نرى من الضروري وضعها قبل كلّ شيء في الميزان .

عائشة زوج للنبي (صلّى الله عليه وآله) أمر لا شكّ فيه ولا جدال . اُمّ المؤمنين وسام اُعطي لها بشروط لم تلتزم بها ، هي مركز كبير في الاُمّة له قدسيته ، وبسبب هذا المركز الكبير وتلك القدسية ، كانت خطيئتها مضاعفة . إنّها ليست امرأة عادية تخطئ فيتقبّل منها ذلك , إنّها امرأة لها موقع في وجدان الكثير ، حتّى روى عنها العامّة ، أن : خذوا نصف دينكم عن هذه الحميراء .

وسواء أكانت هي موضوع الإفك أم غيرها ، فإنّنا نبرّئها ابتداءً ؛ انطلاقاً من التنزيه المُعطى للرسول (صلّى الله عليه وآله) ؛ لأنّ ذلك إن وقع ـ لا سمح الله ـ فإنّه يخدش في مقام النّبوة , غير أنّ براءتها من الإفك ـ إن كانت هي موضوعاً له ـ لا يعني براءتها المطلقة ممّا قامت به من فتن ، ونحن تعلّمنا من الإسلام ومن الرّسول (صلّى الله عليه وآله) , إنّ الحقّ الذي جاء به القرآن ، أغلى من النّفس ومن الأزواج والأبناء .

محمّد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وزوجته مذنبة ، وهذا ليس عيباً ، بل حقيقة وقعت ، وإذا هي لم تناف مقام النّبوة , فلأنّ لها نظيراً في تاريخ النّبوة , ومحمّد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) لم يمن بزواج فاشل بناء على ذلك , فلقد حظي بخير النّساء ، أقمن أركان الذين بالتّضحية ، وهي خديجة الكبرى التي أنجب منها أبناءه ، وعلى


الصفحة 340

رأسهم الزّهراء الطاهرة (عليها السّلام) .

ولكي نعرف عائشة ونضعها في الميزان , يجب أن نتوخّى الحقيقة ونكسر في أذهاننا صنم عائشة ؛ من أجل الحقيقة الغالية فقط .

أعطى القرآن درساً لنساء النّبي (صلّى الله عليه وآله) , حتّى لا يغتررن ويظنن أنّ الرّسول (صلّى الله عليه وآله) يخفي عنهن شيئاً ، فرسول الله (صلّى الله عليه وآله) بُعث للبشرية ، وهو لم يُبعث ليحتكره هوى امرأة , ولطالما حاولت عائشة ذلك . فالتأنيب القرآني بين أنّ امرأة النّبي (صلّى الله عليه وآله) ليست هي التي تحدّد عواطفه وسلوكه ، وبأنهنّ معرّضات للطلاق إذا لم يكففن عن أذى الرّسول (صلّى الله عليه وآله) وإشغاله بالسفاسف ، ممّا يصرفه عن مهمته النّبوية .

يقول تعالى : ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ ِلأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنيا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلاً * وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً * يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً * وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحاً نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقاً كَرِيماً * يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنْ النِّسَاءِ إِنْ اتَّقَيْتُنَّ فَلاَ تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً * وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى )(1) .

والآية تحتوي على مجموعة من الحقائق التي يجب الوقوف على دلالاتها :

1 ـ تخيير نساء النّبي بين إرادة الدُّنيا وزينتها التي يترتب عليها الطلاق , أو إرادة الله ورسوله والدّار الآخرة . وهي حقيقة تبيّن نوعية الزواج النّبوي , أنّه زواج يفترض أن يكون في خطّ الله ومنقطعاً إليه ؛ فإمّا هذه الوجهة ، وإمّا الطلاق ، وهذا حقّ لهم لم يبخسه القرآن .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة الأحزاب / 28 ـ 33 .


الصفحة 341

2 ـ إنّ الله أعدّ للمحسنات منهن أجراً عظيماً , ولم يذكر مطلق نسائه . فالمسألة مشروطة بالإحسان ـ أي العمل الصالح ـ , وبالتالي يترتب عليه بمقتضى المفهوم بالمخالفة ، إنّه ليس ثمّة أجر عظيم لغير المحسنات منهن .

3 ـ وإنّه أنذر من تأت منهنّ بفاحشة مبيّنة , يضاعف لها العذاب ضعفين وذلك على الله يسير . وفي هذا دلالات يجب الإفصاح عنها : فالإنذار بمضاعفة العذاب ، هو مقتضى العدل ، لأنّ الضعف يتسع أيضاً للإحسان , وذلك أيضاً لمكانتهن من الرّسول (صلّى الله عليه وآله) .

ثمّ يتحدث القرآن عن الفاحشة , وهذا دليل على أنّ من بين زوجات النّبي (صلّى الله عليه وآله) مَن قد تأتي بالفاحشة . غير أنّ الفاحشة هُنا لها مدلول خاص , فالفاحشة بالمعنى المسقط للسمعة كالزّنا ـ والعياذ بالله ـ غير وارد في حقّ زوجات النّبي (صلّى الله عليه وآله) بإجماع المسلمين شيعة وسنّة ، وتشمل كلمة فاحشة بالتالي , كلّ المعاني الاُخرى التي لا تمسّ شخصية الرّسول (صلّى الله عليه وآله) .

4 ـ ( وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى ) . وهو أمر إلهي لنساء النّبي (صلّى الله عليه وآله) للزوم البيوت وحرمة الخروج , وضرب القرآن لهن مثلاً بزوجات الرّسل والأنبياء السّابقين : ( ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَاِمْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنْ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلاَ النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ )(1) .

أمّا عائشة فماذا ؟ لقد كانت مصدر قلق وإزعاج للرسول (صلّى الله عليه وآله) , مزعجة مشاغبة كادت تشيبه قبل المشيب .

روى حمزة بن أبي أسيد السّاعدي , عن أبيه ـ وكان بدريّاً ـ قال :

ــــــــــــــــــــــ

(1) سورة التحريم / 10 .


الصفحة 342

تزوّج رسول الله أسماء بنت النّعمان الجونية ، فأرسلني فجئت بها ، فقالت حفصة لعائشة : اخضبيها أنت وأنا أمشطها . ففعلتا . ثمّ قالت لها احداهما : إنّ النّبي (صلّى الله عليه وآله) يعجبه من المرأة إذا دخلت عليه أن تقول : أعوذ بالله منك . فلمّا دخلت عليه وأغلق الباب وأرخى السّتر , مدّ يده إليها , فقالت : أعوذ بالله منكَ . فقام رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وكمّه على وجهه فاستتر به ، وقال : (( عذت بمعاذ )) , ثلاث مرّات ، ثمّ خرج إلى أبي اُسيد , فقال : (( يا أبا اُسيد , ألحقها بأهلها ومتّعها برازقيتين ـ يعني كرباسين ـ وطلّقها )) . فكانت تقول : ادعوني الشّقيّة . قال ابن عمر ، قال هشام بن محمّد : فحدّثني زهير بن معاوية الجعفي إنّها ماتت كمداً(1) .

وممّا ورد عنها من إزعاج الرّسول (صلّى الله عليه وآله) , ما أخرجه البخاري في تفسير سورة التحريم عن عائشة , قالت : كان رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يشرب عسلاً عند زينب بنت جحش ويمكث عندها , فتواطأت أنا وحفصة على أيّتنا دخل عليها فلتقل له : أكلت مغافير ؟ قال : (( لا , ولكن أشرب عسلاً عند زينب بنت جحش ، فلن أعود له . لا تُخبري بذلك أحداً )) . وفي ذلك أنزل الله في القرآن : ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ )(2) . فالله الذي بعث مُحمّداً نبيّاً لم يشأ له الشّقاء : ( طه * مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى )(3) . كيف لا يرفع الحرج والعسر على نبيّه ، وقد فرض على نفسه شيئاً ابتغاء مرضات عائشة وتجنباً لإزعاجها ؟!

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الحاكم في ترجمة أسماء بنت النّعمان في المستدرك ج 4 , وأورده ابن سعد في الطبقات ج 8 , وكذا أخرجه بن جرير .

(2) سورة التحريم / 1 .

(3) سورة طه / 1 ـ 2 .


الصفحة 343

وذكر صاحب الإحياء قولها للرسول (صلّى الله عليه وآله) : أنت الذي تزعم أنّك نبيّ الله(1) . وخاصمت النّبيّ (صلّى الله عليه وآله) يوماً إلى أبي بكر , فقالت : يا رسول الله أقصد ـ أي : اعدل ـ فلطم أبو بكر خدّها ، وقال : تقولين لرسول الله اقصد ! وجعل الدم يسيل من أنفها(2) .

وما إلى ذلك ممّا ورد فيها ويضيق عنه المقام , ككسرها الأواني في بيت الرّسول (صلّى الله عليه وآله) أثناء غضبها , وما إلى ذلك ممّا ورد في آثار السّنّة , وحسبنا ما روته هي عن نفسها , قالت : كان رسول الله (صلّى الله عليه وآله) لا يكاد يخرج من البيت حتّى يذكر خديجة ، فيحسن الثناء عليها , فذكرها يوماً من الأيّام , فأدركتني الغيرة , فقلت : هل كانت إلاّ عجوز , فقد أبدلك الله خيراً منها . فغضب حتّى اهتزّ مقدم شعره من الغضب ، ثمّ قال : (( لا والله , ما أبدلني خيراً منها ؛ آمنت بي إذ كفر النّاس ، وصدّقتني إذ كذّّبني النّاس , وواستني في مالها إذ حرمني النّاس , ورزقني الله منها أولاداً إذ حرمني أولاد النّساء ))(3) .

لقد نزل القرآن موبّخاً لها في هذا السّلوك : ( إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاَهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلاَئِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ * عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجاً خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَاراً )(4) .

ولم تكن هي أفضل زوجات الرّسول (صلّى الله عليه وآله) بنصّ ما سبق ، فقد جاء في

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الغزالي , إحياء علوم الدين ، كتاب آداب النّكاح .

(2) بإسناد عن عائشة ، أورده صاحب الكنز , والغزالي في آداب النّكاح .

(3) الاستيعاب لابن عبد البر المالكي ، ومسند أحمد بن حنبل ، اُسد الغابة ، الإصابة لابن حجر , وكذلك ذكر البخاري بلفظ آخر ومسلم والترمذي .

(4) سورة التحريم / 4 ـ 5 .


الصفحة 344

الحديث : أوحي إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أن يبشّرها ـ أي خديجة ـ ببيت لها في الجنّة من قصب(1) . وقوله (صلّى الله عليه وآله) : (( خير نساء العالمين أربع : مريم بنت عمران ، وآسية بنت مزاحم , وخديجة بنت خويلد , وفاطمة بنت محمّد ))(2) .

كان الرّسول (صلّى الله عليه وآله) يتفرّس فيها الفتنة ، وعلم أنّها ستحدث بعده , فقال لهنّ مرّة : (( ليت شعري , أيّتكنّ تنبحها كلاب الحوأب ))(3) . ولقد نبحتها تلك الكلاب ـ شرّف الله قدركم ـ يوم الجمل . ولم يكتف الرّسول (صلّى الله عليه وآله) بذلك ، بل أكّد مراراً وتكراراً على خطورتها وهو لا يزال على قيد الحياة , فلقد وقف (صلّى الله عليه وآله) مرّة خطيباً فأشار نحو مسكن عائشة , فقال : (( ها هُنا الفتنة ـ ثلاثاً ـ من حيث يطلع قرن الشّيطان ))(4) . وفي لفظ مسلم : خرج رسول الله من بيت عائشة , فقال : (( رأس الكفر من ها هُنا من حيث يطلع قرن الشّيطان )) .

غير أنّ حجب كثيفة منعتنا من الكشف عن الحقيقة , هو أنّ عائشة راوية حديث , يكاد حديثها يسود كلّ أسفار العامّة , والواقع أنّ ذلك كلّه تضخيم للواقع ، وقد عمد الاُمويّون على التكثير من أحاديث عملائهم ورموزهم وأتباعهم مثل أبي هريرة ، وكانت عائشة ممّن وقف معهم ونادى من بعد ذلك مطالباً بدم عثمان ، وممّن شاركهم في أذى البيت الهاشمي ، ومنعت ـ استجابة لمروان ـ أن يُدفن الحسن (عليه السّلام)

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) صحيح البخاري ، صحيح مسلم ، صحيح الترمذي ، تذكرة الخواصّ للسبط بن الجوزي .

(2) الاستيعاب لابن عبد البر ، اُسد الغابة ، الإصابة لابن حجر .

(3) الحديث مشهور ذكره صاحب العقد الفريد ، والطبري في التاريخ ، والاستيعاب لابن عبد البر ، وتذكرة الخواصّ للسبط بن الجوزي .

(4) صحيح البخاري ـ كتاب الجهاد والسّير ، باب ما جاء في بيوت أزواج النّبي (صلّى الله عليه وآله) .


الصفحة 345

قرب جدّه (صلّى الله عليه وآله) في بيتها .

التكثير من ذكر عائشة وأخبارها ، ليس إلاّ صناعة اعتادها المؤرّخون .

من الطريف ما ذكره صاحب شرح الملحمة التترية لأحمد بن منير الطرابلسي , حيث فنّد كذبة كون عائشة روت كلّ هذا الكمّ الهائل من الأحاديث ، فيذكر : إنّ ما اشتهر عند أهل السّير , هو : إنّ عائشة بنى عليها الرّسول (صلّى الله عليه وآله) وهي ( 9 ) سنوات ، بينما بلغ حديثها (41) ألف حديث ويزيد , فكيف تكون العملية ؟ لقد بنى عليها وهي بنت ( 9 ) سنوات , ثمّ مات عنها وهي بنت ( 18 ) سنة , فتكون حياتها مع النّبي (صلّى الله عليه وآله) ( 9 ) سنوات .

ومعلوم أنّ الرّسول (صلّى الله عليه وآله) كانت تحته ( 8 ) نساء وهي تاسعتهن ، وبمقتضى العدل بين النّساء يكون لها يوم كامل من كلّ ( 9 ) أيّام , و ( 9 ) سنوات من حياة عائشة مع النّبي (صلّى الله عليه وآله) موزّعة على ( 9 ) من نسائه . بالإضافة إلى أنّه يقضي معظم نهاره في شؤون المسلمين بالمسجد الجامع , وجزءاً كبيراً من ليله في التهجّد والعبادة ، ثمّ لا بدّ له من الرّاحة كبشر ، وعليه فلا يمكن أن يتجاوز حديث الرّسول (صلّى الله عليه وآله) مع عائشة أكثر من ( 100 ) ساعة .

وإذا اُفترض أنّه حدّثها خلال كلّ ساعة (10) أحاديث ـ وهذا غير وارد ؛ إذ إنّ الرّسول (صلّى الله عليه وآله) كان طويل الصمت ، وصمته أكثر من كلامه ـ فيكون المجموع عندئذ (10000) وفي هذا مبالغة . وإذا أضفنا (10000) حديث اُخرى ، بمقتضى إنّ السّنّة هي قول وعمل وتقرير ، وهي إضافة مبالغة , فسيكون المجموع (20000) في أقصى الحدود . فأين هذا العدد من (41) ألف حديث لعائشة ؟

ويلخّص صاحب الملحمة عمليته كالتالي : لعائشة ( 9 ) سنوات في بيت الرّسول (صلّى الله عليه وآله) , ولها من هذا العدد سنة واحدة فقط ؛ لأنّها تعيش مع (8) ضرّات , والسّنة تساوي ( 365 ) يوماً , واليوم يساوي أربعاً وعشرين ساعة .


الصفحة 346

وحاصل ضرب : 365 في 24 = 8760 ساعة ، ينقص نصفها وهو النّهار لوجوده في المسجد ، و ( 3 / 4 ثلاثة أرباع من الليل للعبادة والرّاحة) . فألف ساعة نصيب وافر جدّاً قد فرضناه لحياتها معه , أي للتحدّث معها(1) . هذه هي عائشة اُمّ المؤمنين ، كيف نجمع بين النّقيضين ؟! كيف دخلت المعركة مع يعسوب المؤمنين ؟!

لدي وجهة نظر قويّة الدلالة ، فعائشة زوج النّبي (صلّى الله عليه وآله) , كانت مخطئة في حربها مع عليّ (عليه السّلام) , هذا ما لا يشكّ فيه أحد ؛ لأنّها لم تتمالك نفسها أمام فرصة تسنح لها لتصفية حسابها كامرأة غيورة مع عدوّ لها لدود , استبدّ بأوقاتها مع النّبي (صلّى الله عليه وآله) الزوج ودفعه المبدأ الصارم إلى حلّ مشكلة الإفك باقتراح الطلاق ؛ وذلك من أجل قضية الرّسول الرّساليّة , فلم يراع في ذلك شعور عائشة المرأة الغيور ، وما يمكن أن يتركه هذا التصرّف في امرأة خاصمة وكسرت الأواني في البيت , وساهمت في خداع نساء النّبي (صلّى الله عليه وآله) ليعرض عنهنّ , كلّ ذلك غيرة .

والمؤرّخون هُم الذين خلعوا عليها قداسة زائدة ، ورأوا في نزوعها ذاك ، اجتهاداً دينياً أضافوه إلى شريعة محمّد (صلّى الله عليه وآله) .

واستمرّ الإمام عليّ (عليه السّلام) في طريق نضاله العقيدي ، لا تشغله سفاسف الصغار في مثل هذه الفرص . تقدّم عائشة دليلاً على غيرتها الكبرى التي ليس بعدها مبرّر أقوى , لمحاربة كتلة من المسلمين على رأسهم عليّ بن أبي طالب (عليه السّلام) , فهذا الأخير إذا حكم وعائشة موجودة , إذاً سينفّذ النّصّ وسيكون كالنّبي (صلّى الله عليه وآله) , الذي لم تكن عائشة تقدر على تليينه ؛ لأنّه زوجها أوّلاً ، وثانياً : لأنّه مدعوم بالوحي مباشرة ؛ ولأنّه ثالثاً : زجرها بالوحي أكثر من مرّة أرادت أن تتظاهر عليه ،

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) رؤوف جمال الدين : شرح الملحمة التترية لأحمد بن منير الطرابلسي , مؤسسة الأعلمي للمطبوعات ، بيروت ، لبنان ص . ب 7120 . أقول : والمرأة التي تكذّب على النّبي (صلّى الله عليه وآله) حسب ما أوردنا ، ونزول القرآن فيها ، أليست مستعدّة للكذب على النّاس الذين هُم دونه بلا شكّ ؟!


الصفحة 347

بينما عليّ (عليه السّلام) ـ هذا ـ سوف يطبّق أحكاماً أشبه في صرامتها ب‍ـ( طلّقها يا رسول الله ) . وهذا يؤذي عائشة ويؤذيها أن يتألّق نجم عليّ وبنيه بشكل يخبو فيه وهجها أمام المسلمين ، تريد أن تستبدّ وحدها بإرث الرّسول (صلّى الله عليه وآله) في الشّرف ، ويؤذيها أن يتولّى أمر النّاس أحد أعداء أبيها وفاروقه وقتّال للعرب . مع كلّ ذلك أقول : إنّ عائشة رغم خطيئتها في حرب عليّ (عليه السّلام) إلاّ أنّها كانت ترى نفسها منطقية مع شعارها الذي هو : إنّ عليّاً قتل عثمان .

وكلّ عاقل يدرك أنّ عليّاً لا يمكن أن يتآمر بهذه الطريقة العصبانيّة على رجل ضعيف ـ وإن كان قويّاً بعشيرته ـ ولكن المؤامرة كانت استراتيجية واعتبارية ، أي أنّ عليّاً (عليه السّلام) نضّج الأجواء الثورية لهذه العملية ، فوجوده وسلوكه وتوجهاته تعكس ملامح الرّفض , وتحوّل عليّ (عليه السّلام) وأسرة بني هاشم على مدى سنوات من الاغتصاب الاستخلافي إلى محطّة لتزويد الجماهير بالرّفض ، نقطة استفهام انزرعت في قلب المجتمع الإسلامي يومها ، كانت تلك هي بنو هاشم .

فعائشة كانت ترى أنّها تحمل شعاراً فيه مبرّرات مقبولة عند العوام ، فهي ترى أنّ رؤساء الوفود الذين جاؤوا إلى عثمان ، كانوا هُم طليعة وخلّص شيعة عليّ (عليه السّلام) , وأنّ الذين اقتحموا البيت على عثمان وتزعّموا قتله ، أصبحوا من عمّال عليّ (عليه السّلام) في البلدان ، كمحمّد بن أبي بكر ، ومحمّد بن أبي حُذيفة , وأمثالهما .

وجدت عائشة في ذلك مبرّراً لمعارضة عليّ (عليه السّلام) بعد أن انعقدت له البيعة ، وأشعلت فتنة في اُمّة الرّسول (صلّى الله عليه وآله) لم يطفئها إلاّ سيف عليّ (عليه السّلام) . أمثل هذه المرأة يستحقّ أخذ الدين عنها ؟ وكيف نتقرّب إلى الرّسول (صلّى الله عليه وآله) ونحترمه من خلالها , وهي التي كانت لا تحترمه ولا توقّره على خلاف بعض أزواجه الأخريات .

يقول الإمام عليّ في نهجه : (( لا تعرف الحقّ بالرجال ، ولكن اعرف الحقّ تعرف أهله )) .

 

 

الصفحة 348


الصفحة 349

أيديولوجيا المنطق السلفي :

هُناك في الفكر السّلفي ما يقمع وما يوجّه الاُمّة وثقافتها ، القمع الذي تعزّزه بـ : إذا ذكر صحابي فأمسكوا . والتوجّيه الذي تبرّره بـ‍ : أصحابي كالنّجوم ، بأيهم اقتديتم اهتديتم . والمفهوم النّهائي من ذلك كلّه هو أن تتّبع محددات دون معرفة .

وعندما نفهم الإسلام بعيداً عن التوجيه الأيديولوجي السّلفي , نفهم أنّ الهدف منه هو إثارة عقل الإنسان ؛ لكي يمارس حياته بوعي وليقوم بدوره الديني على يقين ، ولا أعتقد أنّ الإسلام الذي جاء ليعلّم النّاس الحكمة والعلم ، أن يضع الأغلال على المُسلمين ويربطهم بأشخاص مجهولين ، ثمّ يمنع هؤلاء النّاس من البحث عن سيرتهم الحقيقية في التاريخ ، وليس في القرآن قدوة غير الرّسول (صلّى الله عليه وآله) ومَن نصّ عليهم , أمّا الصحابة فقد كانوا هُم موضوع الرّسالة .

ونلاحظ أنّ في الأمر بالإمساك عن ذكر أصحاب الرّسول (صلّى الله عليه وآله) ـ مهما أحدثوا ـ إيحاء بالعصمة لهم , وهذا خلاف لما جاء به الإسلام ، فإذا لم يخضع هؤلاء إلى معادلة الجنّة والنّار , فمن يخضع لها إذاً ؟


الصفحة 350

وليس من المنطقي ـ أيضاً ـ أن يكون كلّ أصحاب الرّسول كالنّجوم , وإلاّ فإنّ من هدى معاوية أن قاتل عليّاً (عليه السّلام) ونهب الاُمّة وأحدث فيها , ثمّ جعلها في النّهاية ملكاً عضوضاً . وأنّ عمرو بن العاص باع دينه ليشتري به دنياه ، وأنّ أبا هريرة لم يكن يجسّد سيرة الإسلام ، وهو يخالف الحقّ من أجل إشباع بطنه . ثمّ ما حدث بين هؤلاء الصحابة دليل على أنّهم ليسوا جميعاً نجوماً .

وهذا الخطّاب ليس خطاباً لنا وحدنا ، بل هو بالدّرجة الأولى خطاب موجّه لهؤلاء المعاصرين له , الذين أطلق عليهم السّنّة جميعاً اسم الصحابة , وهذا دليل على أنّ الصحابة الذين يعنيهم النّصّ ـ مع افتراض صحّته ـ ليسوا إلاّ فئة معيّنة ضمن هذا القطيع الواسع من المعاصرين للرسول (صلّى الله عليه وآله) . وكنت اُلاحظ تلك السّطحية في عقلية العامّة بخصوص تحديد مفهوم الصحابي , وكلّ ما قالوا عنه مجرّد تبريرات وهمية لا ترقى إلى سموّ الإقناع .

يقول أنور الجندي في ردّه على عبد الرّحمن الشّرقاوي ، في مسرحية الحُسين شهيداً(1) : شهد الباحثون الذين راجعوا القصّة ( . . ) , أنّ الأصابع الحمراء تشوّه حقائق التاريخ الإسلامي وتشهّر بالصحابة الأجلاء . ثمّ لم يوضّح كيف أساء إلى الصحابة واقتصر على : وتشهّر بالصحابة الأجلاء . لاستعطاف الوجدان العامّي من دون اللجوء إلى أساليب إقناع موضوعية , ثمّ قال :

تردّد في المسرحية تشهير بجماعة من أصحاب الرّسول (صلّى الله عليه وآله) وهُم قدوة لنا , وقد نوّه الرّسول (صلّى الله عليه وآله) بمكانة أصحابه في أكثر من حديث شريف , ومن واجبنا أن نبرز مفاخرهم ونركّز عليها ونهتمّ بها , وألاّ نطيل الوقوف أمام ما نسب إليهم من خلاف أو أخطاء .

ولا زلنا ننتظر من مفكّر العامّة أن يفصح عن كيفية هذا التشهير , ولم يبيّن للذين يكتب لهم ماذا قال الشّرقاوي وأين أخطأ , بل اقتصر على وجوب إبراز مفاخر

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) إعادة النّظر في كتابات المصريين في ضوء الإسلام . دار الاعتصام .


الصفحة 351

الصحابة ونركّز عليها ونهتمّ بها .

كما لو نركّز على أنّ الرّسول أخطأ وأصاب عمر , ولا نطيل الوقوف أمام ما نسب إليهم من خلاف أو أخطاء , كما لو لم نطل الوقوف أمام مقتل الحُسين (عليه السّلام) لسواد عين يزيد والعامّة . واستمرّ كذلك الجندي في كلماته المطاطة , التي لا تحتوي مضموناً عقلانياً يحمل مظهراً من مظاهر الإقناع . وهذه الضبابية في تحديد المفاهيم عند العامّة ، ليست من مسؤولية الجندي ، بل هي كانت في صميم البنية المذهبيّة للعامّة .

قصّة طريفة من القصص التي حدثت لي يوماً وعرفت من خلالها مدى تقديس الصحابة عند العامّة , تقديساً يفوق قدسية الرّسول (صلّى الله عليه وآله) نفسه من حيث لا يشعرون .

 جاءني واحد من المثقفين والمتوجهين إلى دراسة الفكر السّلفي , ورتّب معي موعداً للحديث عن ملابسات السّقيفة . وعندما بدأنا حوارنا , كان يحاول أن يفتح لي في كلّ مرّة باباً في النّقاش ليبرّر به موقف عمر بن الخطّاب ، غير أنّني كنت أعرف مسبقاً ـ وبحكم التجربة ـ أيّ باب يريد أن يفتح ، ثمّ أصدّه في وجهه , وكان هدفه أن يبرئ عمر من أي خطأ مهما كانت النّتيجة , وكنت أحاول أن أوضّح له موقف الرّسول (صلّى الله عليه وآله) من قضية الإمامة مهما كلّفت نتيجة ذلك ولو بخسران واحد من الصحابة , ولمّا رأى أن الأبواب كلّها انغلقت عليه , وألفى النّصّ لدى كلّ باب يريد فتحه .

قال بكلّ ابتذال : إذاً ، لو كنتُ في ذلك الموقف لاتّبعت عمر وتركت الرّسول (صلّى الله عليه وآله) ؛ لأنّ عمر رأى المصلحة في ذلك ، بدليل أنّ خلافته كانت كلّها عادلة . قلتُ له : أنا لا اُريد أن استعرض أمامك حقيقة العهد العمري في الخلافة , ونقاط الاستفهام المبهمة في فترة خلافته , غير أنّ الأساسي هُنا : هل أنت مستعدّ


الصفحة 352

لاتّباع عمر وترك الرّسول (صلّى الله عليه وآله) ؟ وهل الرّسول (صلّى الله عليه وآله) يقارن بعمر ؟ وهل رأي عمر أصوب من وحي محمّد (صلّى الله عليه وآله) ؟ قال : المهم ، إنّ الرّسول (صلّى الله عليه وآله) أمر في حديث له أن نتبع عمر .

هذا هو الموقف الذي يحسّه كلّ عامّي في نفسه , وكلّما صدّت في وجوههم الأبواب ، كشفوا عن هذه الحقيقة ؛ لأنّ الفكر الأساسي الذي يقوم عليه اعتقادهم هو فكر مضبب ، ليس عند أي عامّي فكر متناسق عن كلّ القضايا التي تعرّضنا لها ، سوى ركام من التبريرات الأدبية المطرّزة بالحوقلات والتهليلات .


الصفحة 353

ليس كلّ الصحابة عدول :

تحرّم الشّريعة الإسلاميّة التقليد في الاعتقاد ؛ ذلك لأنّ العقيدة لا تورث بل تبحث , فهي قناعة واستيعاب .

وإذا أردنا أن نبحث في قضية الاعتقاد نحتاج إلى التاريخ , أي إلى الأرضية الزمنية التي تحرّك فيها الاعتقاد الإسلامي ككل , وسنضطّر حتماً إلى بحث الموضوع الصحابي , فيكون البحث عن الصحابي جزءاً لا يتجزأ من بحث الاعتقاد ؛ لأنّ لهذا وذاك علاقة تاريخية لا بدّ من فرزها .

وعندما نبحث في الصحابي كضرورة لبحث الاعتقاد ، سنصطدم بمجموعة العورات والانحرافات ، وهذا الانحراف لا يعني تعرّضاً للصحابي بقدر ما يعني الوصول إلى الحقيقة ، والذي يبحث عن الاعتقاد الصحيح غير الملفّق ، يلزمه عدم تغطية تلك الانحرافات وعدم تبريرها . ذلك مثلاً , يحاول البعض أن يغطّي عن أبي هريرة ، ويعتقد بأحاديثه الداعية إلى الجبر , ولا يمكن فهم هذا الانحراف إلاّ بالكشف عن انحراف أبي هريرة . كما أنّ وضع الصحابي تحت المجهر التاريخي ، لا يعني بالضرورة سبّاً للصحابي .


الصفحة 354

وفي حديث : (( لا تسبّوا أصحابي )) . لفتة يجب الوقوف عندها :

أوّلاً : (( لا تسبّوا أصحابي )) . لا علاقة له بالبحث التاريخي الموضوعي عن الصحابي .

ثانياً : إنّ هذا الحديث ـ كما ورد في مرويات السّنّة ـ جاء كتوبيخ لخالد بن الوليد لمّا تعرّض لعمّار بن ياسر وسبّه , فقال الرّسول (صلّى الله عليه وآله) لخالد : (( لا تسبّوا أصحابي )) . فالكلام موجّه لخالد ، وهو دليل على أنّ خالداً ليس صحابياً بمفهوم الحديث ، وأنّ صحابة الرّسول (صلّى الله عليه وآله) ليسوا هُم الذين عاصروه وصلّوا وراءه , بل هُم فئة خاصة .

وإذا تبيّن أنّ الصحابة كانوا أكثر اختلافاً في عهد رسول الله , وأكثر تمرّداً عليه في بعض المواقف ، سوف نفهم ـ تبعاً لذلك ـ طبيعة انحراف بعضهم بعد وفاة الرّسول (صلّى الله عليه وآله) .


الصفحة 355

بعض الصحابة سيرتّد بالنّصّ :

روى الحميدي في الجمع بين الصحيحين في مسند سهل بن سعد : والحديث الثامن والعشرين من المتّفق عليه ، قال : سمعت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يقول : (( أنا فرطكم على الحوض ، مَن ورد شرب , ومَن شرب لم يظمأ ، وليردن عليّ أقوام أعرفهم ويعرفونني ، ثمّ يحال بيني وبينهم ))(1) . وجاء في الصحيحين البخاري ومسلم عن عبد الله بن عبّاس ، قال : (( ألا إنّه سيجاء برجال من اُمّتي ، فيؤخذ بهم ذات الشّمال ، فأقول : يا ربّ أصحابي ؟ فيُقال : إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك . فأقول كما قال العبد الصالح : وكنت عليهم شهيداً ما دمت فيهم ، فلمّا توفيتني كنت الرّقيب عليهم وأنت على كلّ شيء شهيد , إنّ تعذّبهم فإنّهم عبادك )) . قال : (( فيقال لي : إنّهم لم يزالوا مرتدّين على أعقابهم منذ فارقتهم )) .

وروى البغوي في المصابيح ، كما رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما : قال الرّسول (صلّى الله عليه وآله) : (( أنا فرطكم على الحوض ، مَن مرّ عليّ شرب ، ومَن شرب لم يظمأ أبداً ، وليردن عليّ أقوام أعرفهم ويعرفونني ، ثمّ يحال بيني وبينهم ، فأقول :

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) صحيح البخاري ومسند أحمد .


الصفحة 356

إنّهم اُمّتي ! فيُقال : إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك . فأقول : سحقاً سحقاً لمن غيّر بعدي )) .

وقد روي هذا الحديث بطرق مختلفة وأسانيد شتّى ، واكتظّت به صحاح السّنّة ، وهذا كلام صريح على بطلان مقولة : كلّهم عدول ، ما دام الكثير منهم بشهادة النّصّ سيدخلون النّار .

أمّا القرآن الكريم ـ وهو المصدر الأوّل للمعرفة الإسلاميّة ـ يعلمنا أنّ الصحابة ليسوا كلّهم عدول بل فيهم من يستحقّ العذاب . تحدّث القرآن عن الصحابة يوم حنين وإعجابهم بكثرتهم ظانين أنّها ستغني عنهم شيئاً : ( وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمْ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ )(1) .

ويذكر صاحب التفسير الكبير والآلوسي وصاحب الدرّ المنثور : إنّ الكثير من الصحابة ولّوا مدبرين ، تاركين الرّسول (صلّى الله عليه وآله) وراءهم بين يدي العدو , وكلّ ذلك طمعاً في البقاء , وهذه الآية ليس فيها نظر حتّى يحاول العامّة تحريفها أو نفيها مع وضوحها وقطعها في انكسار الكثير من الصحابة وفرارهم في الزّحف .

وكان من الصحابة مَن يتّهم الرّسول (صلّى الله عليه وآله) في الصدقات ، كما جاء في صحيح البخاري والدرّ المنثور : إنّ اُناساً من الأنصار قالوا يوم حنين ، حيث أفاء الله على رسوله من أموال هوازن ما أفاء , وطفق رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يعطي رجالاً من قريش المئة من الإبل ، فقالوا : يغفر الله لرسول الله ، يعطي قريشاً ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم . وقال تعالى : ( وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ )(2) .

وروى الحميدي في الجمع بين الصحيحين , وابن ماجة في سننه , عن عائشة , عن عبد الله بن عمرو بن العاص ، قال :

ــــــــــــــــ

(1) سورة التوبة / 25 .

(2) سورة التوبة / 58 .


الصفحة 357

إنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قال : (( إذا فتحت عليكم خزائن فارس والرّوم , أيّ قوم أنتم ؟ )) . قال عبد الرّحمن بن عوف : لكن كما أمرنا الله . فقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : (( أو غير ذلك ، تتنافسون ، ثمّ تتحاسدون ، ثمّ تتدابرون ، ثمّ تتباغضون )) .

هؤلاء هُم الصحابة كما عرفهم العامة من دون محددات تضبط مفهوميتهم ؛ ولذا يجب أن نتحلّى بروح الشّجاعة الجريئة ، أي بنفسية مهذّبة سليمة غير متشنّجة ، تقتضي التضحية ببعض التقديسات التي هي في الأصل عين الأزمة .

غابت الأزمة وكان من المفروض أن لا تغيب عن المنقّب , ولكن السّبب الرّئيس لغيابها وتعسّرها ، أنّ المؤرّخ المتشنّج يبحث عنها بعيداً عن جذورها ، في الوقت الذي تكمن المشكلة في ذات الأشخاص الذين تربطه بهم رابطة غيبية مقدّسة , لها مشروعيتها في نفوسهم أكثر ممّا هي في النّصّ .


الصفحة 358


الصفحة 359

مفهوم الإمامة :