1439 / جمادی‌الآخرة / 4  |  2018 / 02 / 21         الزيارات : 570339         صلاة الصبح |         صلاة الظهر والعصر |         صلاة المغرب والعشاء |

مأساة الحسين (عليه السّلام) بين السائل والمجيب

{ الخطيب الشيخ عبد الوهاب الكاشي }
مأساة الحسين (عليه السّلام)  بين السائل والمجيب

بسم الله الرحمن الرحيم

تقديم

بقلم سماحة الشيخ حسين معتوق

لقد أشرقت شمس التوحيد على دنيا الناس ، وبددت بسناها ظلمة الشرك ، وخرج الناس مِنْ الظلمات إلى النور ، ودخلوا في دين الله أفواجاً . ولكنّ فريقاً من الناس أبت له نفسه الملوّثة أنْ ينصاع لدعوة الحق ، وبقي مِنْ بعد إظهار الإسلام يمارس حياة الجاهلية ، ويستغلّ الفرص لمطاردة الدعوة التي فيها خيره وحياته ، في الخفاء تارة وفي الجلاء اُخرى ؛ ليخنقوها في مهدها مِنْ قبل أنْ تستوي قائمة على الأرض .

وهذا الفريق لمّا رأى أنّ قواه قد انهارت أمام ضربات الحقّ الذي انتشر بسرعة البرق أظهر الإسلام كرهاً ، وتظاهر به كذباً ، وهو في قرارة نفسه كافر بالله وبرسوله ، وعلى رأس هذا الفريق الحزب الاُموي الذي بقي يواصل تحرّكه ضد الحقّ وأهله كلّما من مِنْ ضربات الحقّ ، ولقد مرّ الزمن سراعاً ، وتوالت الأحداث تباعاً ، وضرب الدهر ضربته لصالح الحزب الاُموي غبّ موت النبي (صلّى الله عليه وآله) مباشرة فتحول فيه الحقّ عن مقرّه ، وأصبح مغلوباً على أمره .


الصفحة (8)

فالخلافة التي قربت إلى ساحتها رجلاً مِنْ تيم ، وأقامت محله رجلاً مِنْ عدِيّ هي التي دفعت بالحقّ إلى أعدائه ، وهل ينتظر مِنْ أعداء الحقّ غير القضاء عليه ؟!

وهنا استصرخ الحقّ أهله عندما توالت عليه الأحداث ، فما وجد له ملبّياً غير علي وبنيه (عليهم السّلام) ، فحمّلهم الحقّ مسؤولية حمايته والدفاع عنه .

لقد قرّر في هذا الدور أنْ يعيد للخلافة اعتبارها الذي فقدته مِنْ بعد ما انطوى على نفسه في الدور الأول ، الذي لمْ يدع فيه إلى خلاف أو تأييد ؛ احتفاظاً بحقّه مِنْ جهة ، وحفاظاً على الدين مِنْ جهة اُخرى . [ وقد ] قام الآن ليلتقي مع عهد الرسالة له بالقتال على التأويل بعد القتال على التنزيل ، وفي هذا العهد أكثر مِنْ دليل على أنّه دون سواه هو المسؤول الثاني عن هذا الدين .

لقد كُتب على الإمام علي (عليه السّلام) أنْ يحارب على جبهتين : جبهة الكفر من الخارج ، وجبهة النفاق من الداخل ، والإمام لا يملك الاختيار تجاه الحقّ وهو يستصرخه إلاّ أنْ يلبي دعوته .

وقضية الحقّ في حساب علي وبنيه (عليهم السّلام) جديرة بالولاء الذي لا ينقطع ، وبالحماية التي ينبغي أنْ لا تغيب عن معركة الحياة وإنْ أدّت حمايته إلى الشهادة .

فالخلافة عند أهل البيت (عليهم السّلام) لا تشكل أكثر مِنْ تحمّل مسؤوليةٍ يفرضها الحقّ لا شيء سواه ، ومِنْ طبيعة الظروف ـ وأعني بها ظروف المعركة ـ التي يخوضونها ، وهي التي فرضت على الأمام علي (عليه السّلام) أنْ يعلن الثورة على الأوضاع الفاسدة التي خلّفتها مِنْ ورائها خلافة عثمان ، وإذا كانت الظروف هي نفسها لمْ تسمح له بتحقيق الأهداف الكاملة التي حاول جاهداً الوصول إليها مِنْ وراء خلافته ؛ فإنّه استطاع مِنْ غير شك أنْ يربط الإسلام مِنْ جديد بقيادته الأولى ، ويفصله عن القيادات المستوردة مِنْ هنا وهناك .

إنّه استطاع أنْ يفصل الإسلام عن قاعدة الحكم الجديد ، ويجعل المسلم يفقد ثقته بالحاكمين ، وهذا ما كان يحرص عليه أهل البيت (عليهم السّلام) عندما حالت الأقدار بينهم وبين الوصول إلى حقّهم .

ومِنْ هذه الزاوية نستطيع أنْ نجعل مِنْ صلح الإمام الحسن (عليه السّلام)


الصفحة (9)

وسيلة مِنْ أهم الوسائل للكشف عن زيف معاوية وانحرافه عن خط الإسلام .

لقد خفي على كثير من الباحثين وجه المصلحة في صلح الإمام الحسن (عليه السّلام) ، وقرّروا واهمين أنّه آثر الصلح استسلاماً للراحة وطلباً للعافية ، وكأنّ هؤلاء قد نظروا إلى حياة أهل البيت نظرة واحدة مجرّدة عن طبيعة الظروف التي عايشوها وعاشوا معها ، وفات هؤلاء أنّ أهل البيت إنّما يمثّلون في حماية الرسالة دوراً مشتركاً يكون لللاحقِ دور الإكمال ، والسابق دور التحضير ، وأنّ كل واحد منهم هو في مستوى المسؤولية . يأبى عليه غناه الروحي كما يأبى عليه امتلاء نفسه بالبطولة الذاتية إلاّ أنْ يثور في وجه الباطل ، وحياة كل واحد منهم هي ثورة على الظلم ، وله اُسلوبه الخاص في نشر الدعوة وإيضاح معالمها ، والدفاع عنها بما يناسب طبيعة عصره وظرفه .

ولكن إذا وضعنا في اعتبارنا أنّ الثورة لا تختصّ بالكفاح المسلّح وإنّما يدخل فيها التخطيط والعمل ، ويكون الكفاح المسلّح هو نهاية مراحلها ، وارتجال الأمور التي يكون مركزها في نهاية النضال إذا استبقنا بها الحوادث ، وجعلناها في بداية النضال يؤدي في النتيجة إلى القضاء على أهداف الثورة ، وتسهيل الطريق لهزيمتها ومحوها من الوجود .

وما موقف الإمام علي (عليه السّلام) بثورته ، وموقف الإمام الحسن (عليه السّلام) بصلحه إلاّ تمهيداً وتخطيطاً لموقف الإمام الحسين (عليه السّلام) ، الذي سار فيه من البداية إلى النهاية في إطار منهج موحّد منتظم في الدفاع عن الدين بما يملك كلّ واحد منهم من الوسائل في ظرفه وعصره .

وإنّ ثورة الإمام الحسين (عليه السّلام) قد استكملت جميع العناصر التي سارت به نحو الهدف المنشود ، أو سار هو بها فخطط بنفسه لنفسه حتّى النهاية وحتى بلوغ الأهداف ، إذ كان الوضع في يومه لا يمكن علاجه بغير الكفاح المسلح وبغير الاستشهاد ، كما كان يتطلّب أنْ يكون القائم بالثورة رجلاً قد تعاظم فيه الجانب الروحي ، وامتلأت نفسه امتلاءً يجعلها تندفع تلقائياً للتجاوب مع الحقّ ، ومِنْ أجل الحقّ وحده .

ولا أريد الآن الدخول في شرح معطيات الثورة الحسينية ، وما ولده هذا


الصفحة (10)

الفداء مِنْ عطاء ، فلقد تناول أكثر مِنْ كاتبٍ ثورة الحسين (عليه السّلام) بالدرس والتحليل ، وإنّ من الصعب تحديدها وحصرها في مقال ، أو في مقدمة كتاب .

وحسبي أنْ أقول : بأنّها ثورة مِنْ أعظم شخصية لأعظم غاية ، لها قدرة الإشعاع على الوجود بصورة جديدة ملهمة ، تنعكس فيها الصورة النهائية لما يمكن أنْ تسمو به الإنسانية في حاضرها ومستقبلها البعيد . وإنْ شئت فقل : بأنّها قد احتضنت في حركتها كلّ أهداف الإسلام .

وهل أهداف الإسلام شيء آخر وراء ما أعلنه الحسين (عليه السّلام) عن أهداف ثورته بقوله : (( إنّي لمْ أخرج أشراً ولا بطراً ، وإنّما خرجت لطلب الإصلاح في اُمّة جدّي محمد . اُريد أنْ آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر ، فمَنْ قبلني بقبول الحقّ فالله أولى بالحق )) .

لقد حدّد أهداف ثورته بهذه الكلمات ، وأنّه لا غاية له مِنْ ورائها إلاّ الحقّ ، وأنّ قبوله يجب أنْ يكون على حساب الحقّ لا على حساب شيء آخر ، ومعنى ذلك أنّ مَنْ يردّ عليه فإنّما يردّ على الحقّ ، وفي ذلك انعكاس لثورة الإسلام ، وإنّ في إطارها المنهجي الذي ارتفع عن مستوى الأفراد والأشخاص ، وبذلك لمْ تعد ثورة الحسين (عليه السّلام) تمثّل حركة شخصية ، أو مصيبة فردية ليُقال إنّه مضى زمانها وانتهى وقتها ، وإنّما هي رمز للاستشهاد في سبيل الحقّ ، وهي بذلك سوف تعيش في ضمير الإنسان ووجدانه ما بقي هذا الإنسان وما بقي في الكون حقّ وباطل .

وإنّ مسؤولية الإنسان عن الحقّ تفرض عليه إحياءها في الجفون والأفكار ؛ انطلاقاً مع الحقّ ، وتجاوباً مع الصدق ، وتعاملاً مع الوفاء لدين الله ، وإنّها لمسيرة كبرى في حياة هذا الكائن الحي أنْ يتمرّس اليوم مِنْ جديد بروح النضال مِنْ أجل الحقّ ، وينطلق مِنْ هذه المسيرة التي ألفت مِنْ اعتبارها كلّ شيء إلاّ شيء واحد اسمه الحقّ .

وإنّ مستقبل الأجيال الصاعدة حيث تنظم مسيرتها مِنْ هذه القاعدة مع قافلة الشهداء مِنْ أهل بيت (عليهم السّلام) ، لا بدّ أنْ تقوم حياتها على حراسة المبادئ وصيانة القيم ، وتنظيم كافة الوسائل لحماية المكاسب والمغانم التي يثرى معها العقل ، وينمو بها الإدراك .


الصفحة (11)

كما أنّها سوف تكون السبيل الوحيد لتطوير المجتمع ، وتحويل نظره إلى المستقبل الأفضل الذي يدفع أهله لتحمل المسؤولية ، والصمود في مواجهة الأحداث التي تحاك ليل نهار ضد الدين وأهله .

وكان لزاماً عليَّ أنْ لا أخوض كما وعدت مِنْ قبل في شرح معطيات ثورة الإمام المجيدة ، وبيان الدوافع والأهداف لها بعد أنْ كانت كلمتي هذه مقدّمة لكتاب يكاد أنْ يكون الفريد مِنْ نوعه في شرح الأهداف التي تحدّدت بها نهضة الإمام الحسين (عليه السّلام) ، ولا سيما أنّ مؤلف الكتاب فضيلة الخطيب الشيخ عبد الوهاب الكاشي ممّن قد برز في هذا المضمار ، وحلّق في سماء الأفكار حتّى صار ملء السمع والبصر في أكثر الأقطار .

وإنّ هذه الدراسة التي يجدها القارئ بين يديه لمْ تكن إلاّ صورة مصغرة عن مكانة واضعها العلمية ، فالظروف القاهرة كما تحكّمت في طبعها ، كذلك تحكّمت في وضعها ؛ لذلك وتجاوباً مع رغبة مقدّري فضله قرّر أنْ يجعل مِنْ هذه الدراسة مقدّمة لدراسة جديدة وشاملة بكلّ ما في التجديد والشمول مِنْ معنى . جزاه الله عن أهل بيت نبيّه خير جزاء العاملين .


الصفحة (12)


الصفحة (13)

مقدمة الطبعة الاُولى

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي جعل الحمد مفتاحاً لذكره ، وسبباً للمزيد مِنْ فضله ، ودليلاً على آلائه وعظمته ، والصلاة والسّلام على سيّدنا ونبيّنا محمد وآله الطاهرين المعصومين ، واللّعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين .

وبعد ، فإنّ تاريخ الأجيال دروس وعبر ؛ ولذا كثر في القرآن الكريم ذكر الحوادث السابقة ، وأحوال الأمم السالفة ، وسيرة الأنبياء والملوك وغيرهم بما فيها مِنْ خير وشرّ ، وظلم وعدل ؛ لأجل العظة والاعتبار .

ولنفس الغرض أيضاً حثّنا الأنبياء والمصلحون وأمرونا أنْ ننظر في سير الماضين وآثارهم وندرس التاريخ . قال الإمام علي (عليه السّلام) في وصية إلى ولده الحسن (عليه السّلام) : (( . . . واعرض على قلبك أخبار الماضين ، وذكرّه بما أصاب مَنْ كان قبلك من الأوّلين ، وسر في ديارهم وآثارهم ، وانظر فيما فعلوا ، وعمّا انتقلوا ، وأين حلّوا . . . )) .

ووجه الاتّعاظ والاستفادة من التاريخ واضح ، وهو أنّ عُمْرَ الفرد الإنساني في هذه الحياة محدود وقصير نسبياًً ، حيث يترواح معدّله بين الستين والسبعين عاماً . ومعلوم أنّ نصف هذا المعدّل تقريباًَ يذهب في حالات اللاوعي والغفلة القهرية الطبيعية ، كفترة الطفولة والنوم والشيخوخة مثلاً ، والثلاثين سنة الباقية غير كافية للقيام بتجربة الحياة واختبارها أولاً بكلّ فروعها ونواحيها ، ثمّ تطبيق تلك التجارب والاختبارات ثانياً .


الصفحة (14)

أي أنْ يدرس الحياة أولاً دراسة نظريّة وعمليّة ، ثمّ يسير على ضوء ما استنتجه مِنْ تلك الدراسات .

فإذاً يجب على الإنسان إذا أراد أنْ يستفيد مِنْ حياته أنْ يأخذ بنتائج تجارب الآخرين مِنْ خير وشرّ ، وحقّ وباطل ويطبقها على حياته ؛ لأنّ مصالح الإنسان واحدة لا تختلف في جوهرها واُصولها ، ومِنْ ثمّ جاء في الأثر ( السعيد مَنْ اتعظ بغيره ) . وقال الإمام علي (عليه السّلام) : (( مَنْ نظر في عيوب الناس فأنكرها ثمّ رضيها لنفسه فذلك الأحمق بعينه . . . )) .

وهؤلاء الناس الذين لا يعتبرون بما يرون ، ويسمعون مِنْ تجارب الآخرين وصفهم الله تعالى في كتابه العزيز بقوله : ( ولَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنّمَ كَثِيراً من الْجِنّ وَالإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا َيَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَ يَسْمَعُونَ بِهَا أُولئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلّ أُولئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ )(1) .

فالخلاصة هي أنّ دراسة التاريخ والتعرّف على الحوادث السالفة أمر ضروري للوقوف على أسبابها ونتائجها ، والتمييز بين الحقّ منها والباطل ، والخير والشرّ ، وليعرف أيضاً تسلسل الحياة وارتباط الحاضر منها بالماضي ، وتأثير بعضها ببعض .

يقول الإمام علي (عليه السّلام) في بعض وصاياه : (( وصدّق بما سلف من الحقّ ، واعتبر بما مضى من الدنيا لما بقي منها ؛ فإنّ بعضها يشبه بعضاً ، وإنّ آخرها لاحق بأولها ، وكلّها حائل مفارق )) . وقال (عليه السّلام) في مقام آخر : (( عباد الله ، إنّ الدهر يجري بالباقين كجريه بالماضين ، آخر فعاله كأوّله )) .

وخاصّة الحوادث المهمّة التي غيّرت وجه التاريخ ، وأثّرت في مجرى الحياة لدى اُمّة أو مجتمع ، فإنّها يمكن أنْ تتكرر وتعاد في كلّ مكان وزمان ؛ فإنْ كانت خيراًً عملنا على وقوعها والمساهمة فيها ، وإنْ كانت شرّاً عملنا على منعها وعدم تكرارها ، أو تجنّب المساهمة فيها على الأقل .

ولا شك أنّ ثورة الحسين (عليه السّلام) مِنْ أغنى تلك الحوادث بالعبر والعظات الجديرة بالأخذ ، والالتفات لما فيها مِنْ تطورات وملابسات ، ولما تضمنته مِنْ شخصيات وأفراد يجب أنْ

ــــــــــ

(1) سورة الأعراف / 179 .


الصفحة (15)

نعرفهم حقّ المعرفة ، ونميّز مواقفهم تجاه تلك الأحداث تمييزاً دقيقاً ؛ لكي نكون على بصيرة مِنْ أمرنا تجاه تلك التناقضات التي ظهرت في مواقفهم وأعمالهم ، فنعرف المحقّ من المبطل ، والظالم من المظلوم ؛ لأنّ الحقّ والباطل لا يُقاسان بالأشخاص ، بل بالعكس الأشخاص يُقاسون بالحقّ والباطل .

فمَنْ عرف الحقّ فاتّبعه ، وعرف الباطل فنبذه فهو الإنسان الكامل الذي يجب أنْ يُقتدى به ويُحتذى حذوه ، ومَنْ كان على العكس مِنْ ذلك فهو المنافق الدجّال الذي يجب أنْ يُتبرأ منه ويُحتقر ؛ وفاءً لأمانة الحقّ في أعناقنا أيّاً كان ذلك الشخص مِنْ حيث النسب والمكانة الاجتماعية .

أجل ، إنّ ثورة الحسين (عليه السّلام) بما سبقتها مِنْ مقدّمات وتلتها مِنْ ثمرات ، وتضمّنتها مِنْ قضايا وأحداث قد غيّرت اتّجاه المسلمين الخاطئ ، وأيقظتهم مِنْ سبات الغفلة ، ونفضت عنهم غبار التخدير والتنويم العقائدي والعملي ، وأدخلتهم في دور جديد ومرحلة جديدة ، ووضعت لهم النقاط على الحروف ، والعلامات الواضحة على سنن الطريق القويم ، وهدتهم إلى الصراط المستقيم ، وكلّ ما في عالمنا اليوم مِنْ إسلام ومسلمين بالمعنى الصحيح فإنّهما مدينان في البقاء لفضل ثورة الحسين (عليه السّلام) ، وإنّ بقائهما أهمّ ثمرات تلك الثورة المباركة . وهذا ما سنعرفه تفصيلاً مِنْ فصول هذا الكتاب بإذن الله تعالى .

والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أنْ هدانا الله ، ولا حول ولا قوة إلاّ بالله العلي العظيم .

                بيروت 1 رجب / 1393 هـ

                 عبد الوهّاب الكاشي


الصفحة (16)


الصفحة (17)

مقدمة الطبعة الثانية

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي لا يبلغ مدحته القائلون ، ولا يُحصي نعماءه العادون ، ولا يؤدي حقّه المجتهدون ، وصلّى الله على أشرف أنبيائه ، وخاتم رسله سيّدنا محمد المصطفى ، وعلى آله الطيبين الطاهرين المعصومين .

وبعد ، فإنّ مِنْ عظيم نِعَمِ الله سبحانه عليّ أنْ وفقني لتأليف هذا الكتاب منذ بضعة أعوام ، فجاء والحمد لله فريداً في موضوعه ، جديداًَ بمضمونه ، فنال رضا الكثيرين مِنْ قرّائه ، والقبول الحسن في أوساط المؤمنين ؛ الأمر الذي اقتضى إعادة طبعه تلبية لطلب الراغبين ، والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أنْ هدانا الله .

ولعمري ، إنّها لظاهرة طيّبة تسرّ المؤمنين ؛ أنْ يُقبلَ شبابنا المعاصر على أمثال هذه الكتب الإسلامية رغم كلّ المحاولات التي بذلت وتبذل لصرفهم عن كلّ ما يمتّ إلى الدين والأخلاق بصلة . أجل ، إنّها لظاهرة طيّبة تبشر بالخير ، وتبعث على التفاؤل بأنّ الحقّ يعلو ولا يُعلى عليه .

ولكنّها وفي نفس الوقت تدلّ دلالة واضحة على عظم المسؤولية التي نتحمّلها نحن رجال الدين عامّة ، ورجال المنبر الحسيني خاصة . تلك المسؤولية التي تتجسد


الصفحة (18)

في اغتنام هذه الفرصة ، واستغلال وعي الشباب الروحي للقيام بكلّ عمل مستطاع لدعم هذه الظواهر الخيّرة ، وتنمية هذا الوعي الروحي ، وتغذية التوجّه والإحساس الإسلامي لدى النشء الجديد .

أقول : يجب أنْ نغتنم هذه الظواهر الخيّرة التي هي دليل عافية الفكر عند الشباب ، ويقظة الضمير لديهم ، فنمدّهم بما نستطيع من طاقات فكرية وعملية . وإنّي لعلى يقين أنّ ثورة الحسين (عليه السّلام) بما فيها مِنْ دروس وعظات وعبر لهي المدخل الأمثل ، والوسيلة الفضلى للقيام بمهام التوجيه والتوعية والتنظيم السليم ؛ إذ إنّ تلك الثورة المباركة مقدّسة لدى كافة العقلاء في العالم ، ومعبّرة عن آمال كلّ الشعوب ، وتمثّل الإسلام الصحيح ، وتدلّ على الطريق الواضح نحو تحقيق الكرامة الإنسانية والحياة الأفضل .

ومِنْ ثمّ يوصف الحسين (عليه السّلام) بباب النجاة ، أي إنّه (عليه السّلام) أرسى بثورته الخالدة اُسس بناء الحرية ، ووضع العلامة الفارقة على طريق النجاة من الذل والظلم والفساد ، وقال بلسان القول والفعل : أيتها الإنسانية المعذّبة ، لا نجاة لك ممّا تعانين إلاّ بالبذل والفداء والتضحية ، والإنفاق والجهاد بالمال والنفس ، مقروناً بالإيمان بالله وحده ، وباليوم الآخر .

إنّ الحسين (عليه السّلام) جسّد بثورته مضمون الآية الكريمة مِنْ قوله تعالى : ( يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلّكُمْ عَلَى‏ تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ بَأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ )(1) .

ومثّل (عليه السّلام) بثورته المقدّسة مصداق الحديث الشريف عن جدّه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : (( سيد الشهداء عمّي حمزة بن عبد المطلب ، ورجل قام في وجه سلطان جائر فقُتل )) .

والخلاصة هي أننا يجب أنْ نستفيد من الحسين (عليه السّلام) أكثر ممّا استفدنا ، ولو كان الحسين (عليه السّلام) عند غيرنا ، أي لو كان غيرنا نحن الشيعة يؤمن إيماننا بالحسين ، ويواليه ولاءنا نحن الشيعة ، لكانت استفادتهم مِنْ ثورته

ـــــــــــ

(1) سورة الصف / 10 ـ 11 .


الصفحة (19)

المقدّسة أكثر بكثير ممّا نستفيد ، ولجعلوا من الحسين شعاراً لجميع مظاهر الحياة الاجتماعية والسياسية والعسكرية ، يستوحون مِنْ ذكرى حياته وثورته دروساً لحياتهم اليومية في جميع المجالات .

إنّ الحسين (عليه السّلام) مدرسة الحياة الكريمة ، ورمز المسلم القرآني ، وقدوة الأخلاق الإنسانية وقيَمِها ، ومقياس الحقّ .

فيا أيّها العاملون المخلصون ، هذه أبواب الحسين (عليه السّلام) فادخلوها ، وتلك سفينة الحسين (عليه السّلام) فاركبوا فيها بسلام وإلى السلام ، والسلام .

 المؤلّف

  5 / 8 / 1977 م ـ 19 شعبان 1397هـ .


الصفحة (20)

مَنْ هو الحسين (عليه السّلام) نسباً وحسباً ومقاماً في المجتمع ؟

نسبُهُ :

من المؤسف المؤلم حقاً أنْ يوجد بين شباب المسلمين اليوم مَنْ يعرفون الكثير عن أقطاب الشرق والغرب ، والكثير مِنْ أحوال الشخصيات الأجنبية وسيرتهم وحياتهم ، ولكن لا يعرفون إلاّ القليل ، وقد لا يعرفون شيئاً أصلاً عن أحوال نبيهم ، ورجال دينهم ، وقادة الإسلام . وهذا أوضح دليل على أنّ هؤلاء الشباب قد ابتعدوا عن الإسلام كثيراً مِنْ حيث يشعرون أو لا يشعرون .

ٍفنقول لهؤلاء : وما الذي تعرفونه عن الحسين (عليه السّلام) صاحب تلك النهضة العظيمة ، والثورة المدهشة التي ستقرؤون بعض فصولها ، وتعرفون بعض تفاصيلها في مواضيع هذا الكتاب ؟ إذ من المعلوم أنّ الأعمال لا تقدّر إلاّ بمقدار أصحابها ، ولا تكتسب الأهمية والعظمة إلاّ مِنْ عظمة أهلها .

فالحسين (عليه السّلام) هو أشرف إنسان في الدنيا مِنْ حيث النسب ؛ فهو الإمام ابن الإمام أخو الإمام أبو الأئمة (صلوات الله عليهم أجمعين) ؛ أبوه الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السّلام) ، وأخوه الإمام الحسن الزكي سيد شباب أهل الجنة (عليه السّلام) ، وابنه الإمام علي السجاد زين العابدين (عليه السّلام) ، ومن ذرّيّته ثمانية أئمة معصومين .


الصفحة (21)

أمّا أُمّه فهي فاطمة الزهراء (عليها السّلام) بنت محمد المصطفى (صلّى الله عليه وآله) سيدة نساء العالمين ، وجدّه لأبيه هو شيخ البطحاء ، وكافل رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، وناصر الإسلام أبو طاب (عليه السّلام) . وأمّا جدّه لاُمّه فهو خاتم الأنبياء والمرسلين ، وحبيب إله العالمين ، محمد بن عبد الله (صلّى الله عليه وآله) .

هذا نسب الحسين (عليه السّلام) ، فأيّ إنسان في العالم جمع نسباً شريفاً كهذا النسب الشريف؟ أضف إلى هذا النسب الشريف مقامه الراقي عند الله تعالى، ومنزلته العليا في الإسلام ، فهو (عليه السّلام) :

أولاً : ثالث أئمّة أهل البيت الاثني عشر الذين عناهم الله تعالى بقوله : ( وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصّلاَةِ وَإِيتَاءَ الزّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ )(1) . وثالث اُولي الأمر الذين أمرنا الله تعالى بإطاعتهم ، فقال : ( يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللّهَ وَأَطِيعُوا الرّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ )(2) .

وفي إمامته وإمامة أخيه الحسن (عليهما السّلام) نص نبوي متواتر ، وهو قوله (صلّى الله عليه وآله) : (( الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا )) .

ثانياً : فهو (عليه السّلام) أحد أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراًَ ، كما هو صريح آية التطهير ، أي إنّه (عليه السّلام) خامس المعصومين الأربعة عشر (عليهم السّلام) ؛ محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين والأئمة التسعة مِنْ ذرية الحسين (صلوات الله عليهم أجمعين) .

ثالثاً : هو (عليه السّلام) أحد العترة الذين قرنهم رسول الله بكتاب الله العزيز ، وأحد الثقلين اللذين خلّفهما في هذه الاُمّة ، حيث قال : (( إنّي مخلّف فيكم الثقلين ؛ كتاب الله وعترتي أهل بيتي . . . )) .

رابعاً : أنّه (عليه السّلام) أحد الأربعة الذين باهل بهم النبي (صلّى الله عليه وآله) نصارى نجران ، وهو أحد المعنين بقوله تعالى : ( وأبنائنا وأبنائكم ) .

وهكذا إلى غير ذلك ممّا لا يسع المقام إحصاءه مِنْ فضائله ومناقبه (عليه السّلام) .

ــــــــــــ

(1) الأنبياء / 73 .

(2) سورة النساء / 59 .


الصفحة (22)

ولادته :

لقد ولد الحسين (عليه السّلام) في الثالث مِنْ شهر شعبان المبارك ، السنة الرابعة للهجرة في المدينة المنورة ، وسمّاه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) حسيناً ، كما سمّى أخاه مِنْ قبل حسناً ، ولمْ يسمَ بهذين الاسمين أحدٌ من العرب قبلهما ، وكان رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يحبّهما حبّاً شديداً ، ويقول : (( هما ريحانتاي من الدنيا . اللّهم إنّي اُحبّهما ، واُحبّ مَنْ يحبّهما )) .

وقد قام بنفسه بتربيتهما حتّى تركهما نموذجين مثاليين ، ومثلين كاملين للمسلم القرآني الذي يريده الإسلام ، فكانا بذلك القدوة العليا لكلّ إنسان في الدنيا ، وفي كلّ صفات الإنسانية وشرائطها ؛ ومِنْ ثمّ منحهما النبي (صلّى الله عليه وآله) مقام السيادة على كافة شباب الجنّة ، كما هو نص الحديث الشريف المتواتر : (( الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة )) .

ومعلوم أنّ السيادة في عرف الإسلام تعني : الأفضليّة والأكمليّة ، والتفوّق في العلم والعمل الصالح . ولا شك أنّ المراد بشباب الجنّة هو كلّ أهل الجنة قاطبة ما عدا جدّهما المصطفى وأبيهما علي المرتضى ، اللذين خرجا مِنْ تحت هذا العموم بأدلّة خاصة اُخرى ، فهما سيدا أهل الجنّة جميعاً ؛ لأنّ كلّ مَنْ في الجنة شباب ليس فيهم شيخ ولا كهل ولا عجوز ، حسب ما ورد في النصوص .

وبناء على ما سبق يكون الحسين (عليه السّلام) قد عاش مع جدّه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ست سنوات ، وعاش بعده أحدى وخمسين سنة ، فكان عمره الشريف يوم شهادته نحواً مِنْ سبع وخمسين سنة ، وقيل : ثمانية وخمسين سنة ؛ بناء على أنّ ولادته كانت سنة ثلاث من الهجرة ، قضاها في عبادة الله وطاعة رسوله وخدمة الناس ، وختمها بأعظم تضحية عرفها التاريخ حتّى الآن مِنْ حيث القدسيّة والشرف .

كان (عليه السّلام) أكثر الناس علماً وأفضلهم عملاً ، وأسخاهم كفّاً وأحسنهم خلقاً ، وأوسعهم حلماً وأكرمهم نفساً ، وأرقهم قلباً وأشدّهم بأساً وشجاعة . هذه كلّها حقائق ثابتة بالإجماع ، ومتواترة بين المؤرّخين وأهل السير ، ويعترف له بها حتّى الأعداء .


الصفحة (23)

قالوا : تلقّى معاوية بن أبي سفيان كتاباً من الحسين (عليه السّلام) يعدّد له فيه جرائمه ومنكراته ، ورذائل صفاته ومفاسد أخلاقه ، وكان يزيد حاضراً عند أبيه ، واطّلع على كتاب الحسين وما يذم فيه أباه ، فغضب وقال : يا أبت ، لا تسكت عن الحسين وأجبه بمثل ما كتب إليك لتصغّر إليه نفسه .

فقال له معاوية : ولكن يا بُني ، لا أجد في الحسين عيباً أذكره به ، ولا نقصا أعيّره به .

ويكفي أنّ قاتل الحسين (عليه السّلام) وحامل رأسه وهو خولّى بن يزيد الأصبحي (لعنه الله) ، أو الشمر بن ذي الجوشن (عليه اللعنة) دخل بالرأس الشريف على ابن زياد مفتخراً بقوله : يا أمير ،

 أوقر ركابي فضةً أو ذهبا      إنّـي  قتلتُ السيدَ المحجّبا
قـتلتُ خيرَ الناسِ أُمّاً وأبا       وخيرَهم إنْ يذكرون حسبا

فقال له ابن زياد (لعنه الله) : إذا علمت أنّه كذلك فلِمَ قتلته ؟! والله ، لا نلت منّي شيئاً .

يقول الاُستاذ عباس العقاد في كتابه (أبو الشهداء) ما نصّه : وقد عاش الحسين سبعاً وخمسين سنة ، وله من الأعداء مَنْ يصدقون ويكذبون ، فلمْ يعبه أحدٌ منهم بمعابة ، ولمْ يملك أحد منهم أنْ ينكر ما ذاع مِنْ فضله .

ويقول أيضاً في مقام آخر : فكان الحسين (عليه السّلام) ملء العين والقلب في خَلْقٍ وخُلُقٍ ، وفي أدب وسيرة ، وكانت فيه مشابهة مِنْ جدّه وأبيه .

أولاده :

فالذكور منهم أربعة ، وهم : علي الأكبر (عليه السّلام) الشهيد ، وعلي السجاد الإمام زين العابدين (عليه السّلام) ، وعلي الأصغر وهو طفل رضيع ، وعبد الله وهو طفل رضيع أيضاً .

وهؤلاء الأربعة لاُمّهات شتّى لا لأم واحدة ؛ فعلي الأكبر (عليه السّلام) أُمّه ليلى بنت مرّة بن مسعود الثقفي ، وعلي السجاد الإمام (عليه السّلام) أُمّه شاه زنان بنت


الصفحة (24)

الملك يزدجرد بن أردشين بن كسرى ملك الفرس ، وعبد الله أُمّه الرباب بنت امرئ القيس الكلبي ، وقد قتلوا جميعاً يوم عاشوراء ما عدا الإمام زين العابدين (عليه السّلام) الذي نجا بسبب مرضه ، ودفاع عمته زينب كما ستعرفه إنْ شاء الله .

وأمّا الإناث منهم فأربعة ، وهي : سكينة وفاطمة الكبرى وفاطمة الصغرى ورقيّة ، وكلّهن مع الحسين (عليه السّلام) في كربلاء ما عدا فاطمة الكبرى ؛ فإنّ الحسين (عليه السّلام) تركها في المدينة لمرضها .

إخوته :

إنّ إخوة الحسين (عليه السّلام) كثيرون , غير أنّ اللذين كانوا معه في كربلاء هم ستة فقط ، وهم : العباس بن علي (عليه السّلام) وأشقّاؤه الثلاثة ؛ جعفر وعبد الله وعثمان ، أُمّهم فاطمة بنت حزام بن خالد الكلابيّة المكنّاة بأمّ البنين (عليها السّلام) ، ثمّ محمد بن علي ، قيل : اسمه عبد الله (عليه السّلام) ، وكان يُكنى بأبي بكر ، وأُمّه ليلى بنت مسعود بن خالد التميمي ، ثمّ عمر بن علي (عليه السّلام) وأُمّه غير مشخّصة في التاريخ ، وقيل : إنّه كان أيضاً مع الحسين أخ له يُسمّى محمد الأصغر ، وأُمّه أمّ ولد .

فهؤلاء ستة أو سبعة مِنْ إخوة الحسين (عليه السّلام) استشهدوا بين يديه يوم عاشوراء ، وكان أفضلهم وأجلهم أبو الفضل العباس (عليه السّلام) ، وهو أكبر الهاشميِّين سناً يوم كربلاء ما عدا الحسين (عليه السّلام) ، حيث كان عمره أربعاً وثلاثين سنة ؛ لذا اختاره الحسين (عليه السّلام) حاملاً لرايته العظمى ، وعبّر عنه بكبش الكتيبة .

وكان (عليه السّلام) وسيماً جسيماً طويل القامة ، وجهه كفلقة قمر ؛ ومِنْ هنا كان يلقّب بقمر الهاشميِّين ، وهو آخر مَنْ قُتِلَ قبل الحسين (عليه السّلام) يوم عاشوراء . وكان لقتله صدمة عنيفة في نفس الحسين (عليه السّلام) عبّر عنها بقوله حين وقف على مصرعه : (( الآن انكسر ظهري ، وقلّت حيلتي ، وشمت بي عدوّي )) . وبان الانكسار في وجهه وبكى عليه .


الصفحة (25)

وقد نوّه بفضله (عليه السّلام) عدد من الأئمّة المعصومين (صلوات الله عليهم) ، ومنهم أبوه أمير المؤمنين (عليه السّلام) حيث قال فيه : (( إنّ ابني العباس زقّ العلم زقّاً )) .

ثمّ الإمام زين العابدين (عليه السّلام) الذي قال عنه : (( رحم الله عمّي العباس ، لقد جاهد يوم كربلاء وأبلى بلاء حسناً حتّى قُطعت يداه ومضى شهيداً ، وقد أبدله الله عن يديه بجناحين يطير بهما في الجنّة مع الملائكة ، كما أعطى جعفر بن أبي طالب بموته )) .

ثمّ الإمام جعفر بن محمد الصادق (عليه السّلام) القائل في جملة تصريح له : (( ألا وإنّ لعمّي العباس عند الله لدرجة يغبطه عليها جميع الشهداء يوم القيامة )) .

وما دفنه الإمام زين العابدين (عليه السّلام) وحده بمكان مصرعه إلاّ تنويهاً بفضله ، وعلوّ مقامه بين بني هاشم . كما أنّ دفنه لحبيب بن مظاهر الأسدي (رحمه الله) في قبر منفرد كان لهذا الغرض ، أي التنويه بفضل وعلوّ مقام حبيب بين باقي الأصحاب (رضوان الله عليهم) .

وبصورة عامّة فشهداء كربلاء جميعاً هم أفضل الشهداء في الدنيا مِنْ أوّلها إلى آخرها بعد الأنبياء والأئمة (عليهم السّلام) . هم أفضل الشهداء والقتلى الأولى . . . مدحوا بوحي في الكتاب المبين


الصفحة (26)

ما هو عاشوراء مفهوماً وبداية ؟

قوله عزّ من قائل : ( إِنّ عِدّةَ الشّهُورِ عِندَ اللّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللّهِ يَوْمَ خَلَقَ السّماوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذلِكَ الدّينُ الْقَيّمُ فَلاَ تَظْلِمُوا فِيهِنّ أَنْفُسَكُمْ )(1) .

إنّ عاشوراء في التاريخ يعني اليوم العاشر مِنْ شهر محرّم الحرام ، وشهر المحرّم كما هو معلوم أحد الأشهر الاثني عشر في السنة القمريّة التي هي حسب منازل القمر في مداره السنوي حول الشمس ، وهذه الأشهر القمريّة لا تقلّ عن التسعة وعشرين ولا تزيد على الثلاثين يوماً ؛ وعليه فالسنة القمريّة تنقص عن السنة الشمسيّة بنحوٍ مِنْ ثلاثة عشر يوماً .

ويبدأ الشهر القمري بظهور الهلال على وجه الأُفق الغربي عند غروب الشمس ، وينتهي بكمال العدّة أو برؤية الهلال ثانية . فهو أسهل ضبطاً ومعرفة من الشهر الشمسي بالنسبة إلى عامّة الناس ؛ ولهذا السبب اعتبرها الإسلام رسميّاً في أحكامه وشعائره مِنْ صيام وإفطار وحج وغيرها .

وأمّا أسماء هذه الشهور فهي عربية قديمة قبل الإسلام ، فالعرب مِنْ أقدم العصور اعتمدوا على هذه الشهور القمريّة ، وسمّوها بهذه الأسماء المعروفة لمناسبات خاصّة وقتية ، ثمّ زالت تلك المناسبات وبقيت الأسماء .

وفي نفس الوقت اعتبروا أربعةً منها حرماً ، أي محرّمة تبعاً لما في الشرائع السماوية السابقة . ومعنى اعتبار العرب لأربعة من الشهور المذكورة حُرُماً : أنّهم كانوا يتركون فيها الحرب والقتال ، والغزو والغارات ، وسفك الدماء لينصرفوا

ــــــــــــــــــــ

(1) سورة التوبة / 36 .

الصفحة (27)

ويتفرّغوا فيها إلى شؤونهم التجارية والزراعية والأدبية وغيرها ، فيقيمون فيها الأسواق ، ويعقدون الأندية والاجتماعات ، ويتفاخرون بإنتاجهم الصناعي والأدبي .

والأربعة الحرم عبارة عن الثلاثة السرد ؛ أي ذو القعدة وذو الحجة ومحرّم ، والواحد الفرد أي شهر رجب .

وكما قدّمنا كان احترام العرب لهذه الشهور الأربعة تقليداً دينياً ؛ لذا لمّا ضعف الدافع والشعور الديني عند العرب الجاهليِّين ضعف تبعاً لذلك هذا التقليد ، وصاروا يبدلون بعض هذه الأشهر الحرم بغيرها إذا دعت حاجتهم إلى ذلك . كأنْ يحاربوا أو يغزوا في رجب مثلاً ويحترمون بدلاً عنه شعبان أو غيره , وهكذا ، وهذا ما يسمّونه بالنسيء الذي حرّمه الإسلام وندّد به في قوله تعالى : ( إِنّمَا النّسِي‏ءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ )(1) .

فالغرض أنّ المحرّم هو أحد الشهور الأربعة الحرم ، أي المحترمة منذ القدم . وأمّا عاشوراء فهو يوم العاشر منه ، كانوا يعتبرونه أقدس أيّام السنة وأكثرها خيراً وبركة ؛ يطعمون فيه الفقراء ، ويتفقدون فيه المساكين والأرامل واليتامى ، ويعملون فيه الخير .

هذا مفهوم المحرّم ومفهوم عاشوراء مِنْ قديم الزمان وإلى أنْ جاء الاُمويّون إلى الحكم في العالم الإسلامي ، فهتكوا حرمة الأشهر الحرم في جملة ما هتكوا مِنْ الحرمات ، وارتكبوا في الشهر المحرّم وفي يوم عاشوراء خاصّة أبشع جريمة عرفها التاريخ ، فسفكوا فيه أقدس الدماء ، وقتلوا فيه أفضل وأشرف الذوات الإنسانية ، وذبحوا فيه الأطفال ، وقتلوا النساء ومثّلوا بالشهداء ، وأحرقوا الخيام على آل رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، ورضّوا جثث أهل البيت (عليهم السّلام) بحوافر الخيول ، فتبدّل بفعلهم هذا معنى المحرّم وعاشوراء ، وتحوّل مفهومهما عند المسلمين إلى أيّام حداد وأسى ، وصار المحرّم موسماً خاصاً للاحتفال بذكرى اُولئك الأبطال الذين أقدموا على تحمّل المآسي العظام ؛ دفاعاً عن الحقّ والعدل وحقوق الإنسان .

ففي الاحتفال بذكرى شهداء كربلاء وأبطل العاشر من المحرّم (سنة 61 هـ) أحسن الأثر في نفوس النشء الجديد ، والجيل الصاعد ، والشباب والواعي ؛ لأنّ ذكراهم ومواقفهم تلقن الشباب دروس العزّة والكرامة ، والشعور بالشرف الإنساني ،

ــــــــ
(1) سورة التوبة / 37 .

الصفحة (28)

وتقوّي في نفسه روح التضحية والفداء في سبيل الحقّ والعدل .

فنشر أنباء اُولئك الأبطال هو في رأي الخبراء أكبر خدمة اجتماعية وتربوية تقدّم للمجتمع ، ألا ترى العادة الجارية والتقليد السائد عند كافة الشعوب والأمم حيث يحتفلون بين حين وآخر بذكرى ثوراتهم الوطنية ، وأبطالهم الثائرين وقادتهم المحررين ، ويقيمون لهم التماثيل ، ويرفعون صورهم في الشوارع والساحات العامة ؛ تخليداً لذكراهم ؟

لماذا ؟ نعم يعلّلون ذلك بأنّه أداء لحقّهم ، وتقدير لصنيعهم أوّلاً ، ثمّ تشجيع وتشويق للشباب والنشء الجديد نحو الاقتداء بهم ، والسير على مبدئهم وفي طريقهم ، والقيام بمثل أعمالهم .

ويقول الخبراء : لولا هذه الذكريات لماتت روح التضحية في نفوس الناس ، وسادت روح الأنانية والفردية . فإذا كان كذلك ، أليس يجدر بثورة الحسين وموقفه يوم عاشوراء أنْ يُشاد بذكراها في كلّ زمان ومكان ؟!

أيّ ثورة وطنية في العالم بلغت في عمقها وشمولها ونبل أهدافها وبركة نتائجها مبلغ ثورة الحسين (عليه السّلام) ؟! إنّها لمْ تخدم الشيعة فحسب ولا المسلمين فقط ، بل خدمت الإنسانية والحقّ العالمي .

فالمحرّم إذاً في عرف العقلاء موسم سنوي لدورة دراسة تلقى فيها دروس مِنْ سيرة الحسين (عليه السّلام) وأصحابه ، حول موضوع الإنسانية المثالية ولوازمها ومتطلباتها .

ويوم عاشوراء منه هو في الواقع يوم تظاهرة عالمية ؛ تأييداً للحقّ واستنكاراً للباطل ، ذلك الحقّ المطلق الذي تجسّد في سيرة الإمام الحسين (عليه السّلام) وتضحيته ، وذلك الباطل المطلق الذي تمثّل في جريمة الاُمويِّين وسلوكهم ، فهذه أبواب المدارس الحسينية مفتوحة فادخلوها بسلام آمنين .

إنّ مدرسة الحسين (عليه السّلام) يجب أنْ تفتح في كلّ مكان ، وذكراه يجب أنْ تُقام في كلّ زمان تماماً كما صوّرهما هذا الأديب القائل :

 كأنّ كلّ مكانٍ كربلاء لدى        عيني وكلّ زمانٍ يوم عاشورا

ولقد حاول أعداء الصلاح والإصلاح ، ولا زالوا يحاولون أنْ يخلقوا بعض المبرّرات ؛ لكي يتّخذوا مِنْ أيّام المحرّم أعياداً ومناسبات فرح لا أساس لها من الواقع ،


الصفحة (29)

فمِنْ ذلك مثلاً : زعمهم أنّ هجرة الرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله) إلى المدينة المنورة كانت في أول يوم من المحرّم ، فهم لذلك يتّخذون مِنْ ذلك اليوم عيداً وأسموه عيد الهجرة ، مع العلم أنّ هجرة الرسول (صلّى الله عليه وآله) كانت أوائل شهر ربيع الأول حسب إجماع المؤرّخين .

وقالوا : إنّ يوم عاشوراء يوم مقدّس ومبروك ، فهم لذلك اتّخذوه عيداً يظهرون فيه الفرح والسرور ، ويلبسون فيه الجديد وثياب الزينة ، ويقدّمون التهاني بعضهم لبعض ، مع العلم إنّ القدسية والبركة لا يستلزمان التعيّد وإظهار الزينة وتبادل التهاني !

وعلى كلّ حالٍ ، لا يوجد أيّ مبرّر لاتّخاذ أيّام المحرّم أو بعضها أعياداً أبداً بعد أنْ وقعت فيه تلك المأساة الخالدة ، والكارثة الإنسانية العظمى التي راح ضحيتها العشرات مِنْ ذرّيّة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، وأبنائه وأهل بيته الطاهرين في تلك المجزرة الرهيبة التي لمْ يسبق لها نظير .

ففي حديث الإمام علي الرضا (عليه السّلام) قال : (( إنّ شهر المحرّم كان أهل الجاهلية فيما مضى يعظّمونه ويحترمونه ، ويحرّمون فيه الظلم والقتال لحرمته ، لكنّ هذه الأمّة ما عرفت حرمة شهرها ولا حرمة نبيها ؛ فقتلوا فيه ذرّيّته ، وسبوا فيه نساءه مِنْ بلد إلى بلد . . . )) .

وفي حديث آخر عنه (عليه السّلام) قال : (( إنّ يوم عاشوراء يومٌ تبرّكت به وفرحت فيه بنو اُميّة وآل مروان ؛ لقتلهم الحسين (عليه السّلام) وأهل بيته ، فمَنْ اتّخذه يوم فرح وسرور جعل الله له يوم القيامة يوم حزن وخوف وكآبة ، ومَنْ اتّخذه يوم حزن ومصيبة جعل الله له يوم القيامة يوم فرح وسرور ، وقرّت بنا في الجنان عينه )) .

ولقد عبّر بعض الشعراء عن منطق التدين والوجدان والضمير الإنساني ، حيث قال (رحمه الله) :

مــا انـتظارُ الدمعِ ألاّ يستهلاّ      أو مـا تـنـظرُ عاشوراءَ هلاّ
كـيـف لا تـحزنُ في شهرٍ به      أصـبـحت آلُ رسولِ الله قتلا
كـيـف لا تـحزن في شهرٍ به      أصـبحت  فاطمةُ الزهراءُ ثكلا
كـيـف لا تـحزن في شهرٍ به      رأسُ خير الخلقِ في الرمحٍ معلاّ
كـيـف لا تـحزن في شهرٍ به      أُلـبس  الإسـلام ذلاً ليس يبلا


الصفحة (30)

يـوم لا سؤددُ إلاّ وانقضى      وحـسـامٌ لـلعُلا إلاّ وفلاّ
يوم خرّ ابنُ رسول الله عن      سـرجهِ  لله خطبٌ ما أجلاّ
يا  قتيلاً أصبحت دارُ العُلا      بعده قفراً وربعُ الجود محلا
ما نعتك الخلقُ لكنْ قد نعتْ      فيك إحساناً ومعروفاً وعدلا

* * *

وقال آخر يخاطب الحسين (عليه السّلام) :

 تبكيك عيني لا لأجل مثوبةٍ      لـكنّما عـيني لأجلكَ باكيهْ
تـبتلّ مـنكم كربلا بدمٍ ولا      تـبتلّ منّي بالدموعِ الجاريهْ

* * *


الصفحة (31)

لماذا فاق يوم الحسين (عليه السّلام) أيّام غيره من الشهداء ؟

فـما رأى السبطُ للدين الحنيفِ شفاً      إلاّ إذا دمُـهُ فـي كـربـلا سُـفكا
و  مـا سـمـعنا عليلاً لا علاج له      إلاّ  بـنـفـسِ مـداويـهِ إذا هلكا
نـفـسـي الفداءُ لفادي شرعَ والدِهِ      بـنـفـسـهِ و بـأهـليهِ وما ملكا
يـا مـيّـتـاً تـرك الألباب حائرةً      وبـالـعـراءِ ثـلاثـاً جسمُهُ تركا
فــي  كـلّ عامٍ لنا بالعشرِ واعيةٌ      تـطبّق  الـدورَ والأرجاء والسككا
وكـلّ مـسـلـمـةٍ ترمي بزينتِها      حتّى السماءَ رمتْ عن وجهها الحُبكا

يرد هذا التساؤل بكثرة وإلحاح ، وهو :

أولاً : لماذا يعنى الشيعة بإحياء ذكرى شهادة الحسين (عليه السّلام) وثورته أكثر مِنْ غيره من الثوار والشهداء ؟

ثانياً : لقد مضى على يوم الحسين (عليه السّلام) زمن طويل يقارب الأربعة عشر قرناً ، فلماذا يُعاد وتجدد ذكراه والاحتفال به في كلّ عام بكلّ جديّة واهتمام ؟

فللإجابة على السؤال الأول نقول : لأنّ ثورة الحسين (عليه السّلام) أظهر مصداق للثورات التحررية في تاريخ العالم كلّها ، واستشهاده (عليه السّلام) أوضح وأجلى صورة للاستشهاد في سبيل الله تعالى وذلك هو ؛ لأنّ الحسين (عليه السّلام) قام بأداء أعظم فريضة مِنْ فرائض الإسلام ، وهي فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .

قام بأدائها على أصعب مراتبها وأشدّ صورها وارفع مستوياتها ؛ فالله سبحانه وتعالى احتفظ بيوم الحسين حياً خالداً ؛ ليكون حجّة على الناس وقدوة للمسلمين


الصفحة (32)

ومثلاً أعلا لكلّ رجال الدين والمسؤولين في كلّ زمان ومكان في القيام لهذا الفرض الأعظم .

أمّا كون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أعظم الفرائض الإسلاميّة ؛ فهو صريح الأحاديث الشريفة والنصوص المؤكّدة الصادرة عن المعصومين (عليهم السّلام) . ففي الحديث عن النبي (صلّى الله عليه وآله) : (( لا تزال اُمّتي بخير ما تآمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر ، فإذا تركوا ذلك تسلّط عليهم شرارهم ، ثمّ يدعون فلا يستجاب لهم )) .

وفي حديث آخر عنه (صلّى الله عليه وآله) : (( إذا رأيتَ اُمّتي تهاب الظالم أنْ تقول له : أنت ظالم ، فتودّع منها )) . واشتهر عنه (صلّى الله عليه وآله) قوله: (( كلّكم راع وكلّكم مسؤول عن رعيته )) .

وهاك استمع إلى هذا النص الجلي عنه (صلّى الله عليه وآله) حيث يقول : (( ما أعمال البرّ كلّها في جنب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلاّ كقطرة في البحر المحيط )) . وأخيراً قوله (صلّى الله عليه وآله) : (( كيف بكم إذا فسق شبانكم ، وفسدت نساؤكم ، وتركتم الأمر المعروف والنهي عن المنكر ؟! )) .

قالوا : أو يكون ذلك يا رسول الله ؟!

قال : (( نعم وشرّ مِنْ ذلك . كيف بكم إذا أمرتم بالمنكر ونهيتم عن المعروف ؟! )) .

قالوا : أو يكون ذلك يا رسول الله ؟!

قال : (( نعم وشرّ مِنْ ذلك . كيف بكم إذا رأيتم المنكر معروفاً والمعروف منكراً ؟! )) .

ولا تنس قوله (صلّى الله عليه وآله) : (( سيد الشهداء عمّي حمزة بن عبد المطلب ، ورجل قام في وجه سلطان جائر ، فأمره بالمعروف ونهاه عن المنكر فقتله )) .

وقوله (صلّى الله عليه وآله) : (( مَنْ رأى منكم منكراً فلينكره بيده ، ومَنْ لمْ يستطع فبلسانه ، وإنْ لمْ يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان )) .

وفيما ورد عن الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) قوله في عهده إلى نجله الإمام الحسن (عليه السّلام) قال : (( يا بُني ، وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ تَكُنْ مِنْ أَهْلِهِ ، وَأَنْكِرِ الْمُنْكَرَ بِيَدِكَ وَلِسَانِكَ ، وَبَايِنْ مَنْ فَعَلَهُ بِجُهْدِكَ ، وخض الغمراتِ إلى الحقِّ ، ولا تأخذُكَ في الله لومةُ لائمٍ )) .

وقال (عليه السّلام) في وصيته قبيل وفاته : (( لا تتركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ؛ فيولّى شراركم ، ثمّ تدعون فلا يُستجاب لكم )) .

وفيما ورد عن الإمام محمد الباقر (عليه السّلام) قوله : (( يأتي في آخر الزمان اُناس


الصفحة (33)

حمقى ، لا يوجبون أمراً بمعروف ولا نهياً عن منكر ، إلاّ إذا أمنوا الضرر يقبلون على الصلاة والصيام ممّا لا يكلّفهم شيئاً مِنْ أموالهم وأبدانهم ، ولو كلّفتهم الصلاة شيئاً في أموالهم وأبدانهم لتركوا الصلاة والصيام كما تركوا أشرف الأعمال ؛ أي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر )) .

وهكذا وإلى غير ذلك ممّا لا يسعنا في هذا المقام استقصاءه .

ومن الواضح أنّ كلّ هؤلاء يعبّرون عمّا نطق به القرآن الكريم ، حيث أعطى هذه الفريضة أهميّة كبرى فوق كلّ الفرائض الاُخرى ، كما هو صريح قوله تعالى : ( كُنْتُمْ خَيْرَ أُمّةٍ أُخْرِجَتْ لِلْنّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ )(1) . انظر كيف حصرت الآية أفضلية هذه الأمّة على سائر الأمم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ثمّ في الإيمان بالله .

وقال سبحانه وتعالى : ( وَالْعَصْر * إِنّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْر * إِلاّ الّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقّ وَتَوَاصَوْا بِالصّبْرِ )(2) . انظر كيف خصّص التواصي بالحقّ عن عمل الصالحات ، حيث يوحي بأنّ كلّ أعمال الصالحات في جهة ، والتواصي بالحقّ والصبر في جهة اُخرى . وقال سبحانه وتعالى في معرض بيان الأسباب التي أدّت إلى شقاء بعض الاُمم السالفة : ( كَانُوا لاَ يَتَنَاهُوْنَ عَن مُنكَرٍ فَعَلُوهُ )(3) .

والخلاصة : إنّ فريضة الأمر بالمعروف أعظم الفرائض أهميّة في الإسلام ؛ وذلك لأنّ على قيام هذه الفريضة يتوقّف قيام الشريعة كلّها ، فهي فريضة المحافظة على النظام وضمان تطبيقه ، والرقابة الشعبية القائمة عليه ؛ ولذا لمْ تسقط عن أيّ مسلم ومسلمة في أيّ مستوى كان .

 (( الساكتُ عن الحقّ شيطانٌ أخرس )) .

ولا خلاف ولا شك في أنّ كافة الأنبياء والأوصياء ، والعلماء من الصحابة والتابعين ، وكثير من المؤمنين قاموا بأداء هذه الفريضة العظمى ، وأدّوا هذا الواجب حسب ظروفهم وأحوالهم وامكانيّاتهم ، غير أنّ الحسين (عليه السّلام) قام بأداء هذا الواجب على نحو من الصعوبة والمشقّة لمْ يسبقه فيه سابق ولمْ يلحقه لاحق .

أجل ، لقد وقف الأنبياء والأوصياء في وجه الطغاة والظالمين وكلّفهم ذلك

ـــــــــــــــ
(1) سورة آل عمران / 110 .
(2) سورة العصر / 1 ـ 3 .
(3) سورة المائدة / 79 .

الصفحة (34)

تضحيات كبيرة في أموالهم وأبنائهم ، وأنفسهم وأهاليهم ، ولكن لمْ يتفق لأحد منهم أنْ ضحّى بكلّ هذه الأشياء وغيرها مجتمعة وفي آن واحد مثل الحسين (عليه السّلام) ؛ ضحّى بستة أو سبعة مِنْ إخوته ، وبثلاثة مِنْ أبنائه ؛ اثنان منهم أطفال رضّع ، وسبعة عشر شاباً مِنْ بني عمومته وأبناء إخوته ، وبنيف وسبعين رجلاً مِنْ خلّص أصحابه ، وأخيراً بحياته الزكية ، وبعياله وحرمه ، وخيامه وماله ومتاعه ، وكلّ ما ملكت يداه .

ضحّى بكلّ هذه الأشياء وغيرها بشكل من القسوة والعنف والشدّة ، تقشعرّ منه الجلود ، ويستعصي على الشرح والبيان ، فهو (عليه السّلام) بكلّ حقّ وجدارة قدوة الآمرين بالمعروف ، والمثل الأعلى بين رجال التضحية والفداء :

 وما سمعنا عليلاً لا علاجَ لهُ      إلاّ بـنفس مـداويهِ إذا هلكا
نفسي الفداءُ لفادي شرعَ والدِهِ      بـنفسِهِ وبـأهليهِ ومـا ملكا

فلا عجب بعد هذا إذا عرفنا السبب والعلّة ، حيث يُقال : إذا عُرِفَ السبب زال العَجَب . ومنه نعرف أسباب حرص المسلمين عامّة والشيعة منهم خاص على إحياء ذكرى الحسين (عليه السّلام) ونشرها ، ولفت الأنظار إليها بكلّ الوسائل والشعائر ؛ لأنّ الحسين (عليه السّلام) أعظم داعية للجهاد في سبيل الله ، وأظهر مثل للثبات والاستقامة على المبدأ ، وأرفع منار على طريق الشعور بالمسؤولية وأدائها .

ولولا حرمة النحت والتماثيل في الإسلام لكان من المفيد جداً ـ بالإضافة إلى ذلك ـ أنْ نقيم التماثيل للحسين (عليه السّلام) في كلّ الساحات والشوارع ، بل في كلّ بيت ؛ لأنّنا كلّما تذكّرنا الحسين (عليه السّلام) تذكّرنا الله والدين ، والحقّ والعدل والإنسانية المثالية ، وكلّما نسينا أو تغافلنا عن الحسين (عليه السّلام) التبس علينا وجه الحقّ ، وفقدنا الموازين الإنسانية والمقاييس التي تفرّق وتشخّص الحقّ عن الباطل ، وعند ذلك الويل والشقاء حسب ما ورد في الحديث الشريف : (( كيف بكم إذا رأيتم المعروف منكراً والمنكر معروفاً ؟! )) .

ولقد أحسن مَنْ قال :

 لقد تحمّل مِنْ أرزائها محناً          لمْ يحتملها نبيٌّ أو وصيُّ نبي


الصفحة (35)

وقال الآخر :

 أحسينُ فيما أنت قد حُمّلتهُ            أشغلت فكرَ العالمينَ جميعا

وأمّا جوابنا عن السؤال الثاني فنقول : ليس كلّ حادثة تتأثر بطول العهد ومرور الزمن عليها فتفقد أهميتها وأثرها في النفوس ، أو يطويها الزمن في ملف المهملات . كلا ، بل ترى بالوجدان أنّ في العالم حوادث وشخصيات يستحيل على الزمن هضمها ، وعلى التاريخ استهلاكها وتصريفها .

فمن الحوادث مثلاً : الثورات الشعبية الكبرى ، كالثورة الفرنسية وأمثالها التي يحتفل بذكراها رغم مرور الزمن الطويل عليها . ومن الشخصيات مثلاً : السيّد المسيح عيسى بن مريم (عليه السّلام) الذي لا يزال يحتفل بذكرى ميلاده كلّ عام رغم مرور ما يقارب الألفي سنة على ولادته . فإذاً خلود الشخصيات والحوادث أو عدم خلودها إنما يدور مدار آثار تلك الحوادث والشخصيات ، لا مدار مرور الزمن .

وممّا لا شك فيه بين ذوي البصائر والمعرفة أنّ شخصية الحسين بن علي (عليه السّلام) وثورته ضدّ الدولة الاُمويّة هما في رأس قائمة الشخصيات العالمية والحوادث الجلية من حيث الآثار والنتائج ؛ لأنّها غيّرت أو أثّرت في مجرى تاريخ الأمّة الإسلاميّة ، وصانت الشريعة الإسلاميّة من التحريف والتزييف ، وحفظت كيان المسلمين من الزوال والذوبان ؛ ولذا فليس مِنْ مصلحة الإنسانية نسيان تلك الشخصية المثالية ، أو تناسي تلك الثورة المقدسة ؛ حيث إنّ في نسيان شخصية الحسين (عليه السّلام) نسيان للإنسانية المثلى في كلّ زمان ، كما أنّ في تناسي ثورته المقدّسة فقدان لأعظم درس في الحرية والعزّة والتضحية المقدسة .

فإلى مزيد مِنْ تذكّر الحسين (عليه السّلام) ، وإلى مزيد مِنْ إحياء ذكرى ثورته المقدّسة أيها المؤمنون .


الصفحة (36)

هل ألقى الحسينُ (عليه السّلام) بنفسه إلى التهلكة بثورته ضد الاُمويِّين ؟

أوّل الشبهات التي ترد على ذهن السامع أو القارئ لمصرع الحسين (عليه السّلام) هي شبهة : أنّ الحسين بعمله هذا قد ألقى بنفسه إلى التهلكة التي نهى الله تعالى عنها بقوله : ( وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التّهْلُكَةِ ) . والقيام بمثل ذلك العمل الانتحاري يعتبر غريباً مِنْ مثل الحسين (عليه السّلام) العارف بشريعة الإسلام ، والممثّل الشرعي لنبي الإسلام جدّه محمد (صلّى الله عليه وآله) .

لذا فالجواب عن هذه الشبهة يتوقّف على تقديم مقدّمة للبحث في الآية الكريمة ، والتعرّف على معنى التهلكة المحرّمة ومتى تصدق ، وهل ينطبق ذلك على عمل الحسين (عليه السّلام) ؟ وننظر هل يصدق عليه (صلوات الله عليه) أنّه ألقى بنفسه إلى الهلكة والتهلكة أم لا ؟

قوله سبحانه وتعالى : ( وَأَنْفِقُوْا فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنّ اللّهَ يُحِبّ الْمُحْسِنِينَ )(1) .

التهلكة : يعني الهلاك ، وهو كلّ أمر شاقّ ومضرّ بالإنسان ضرراً كبيراً يشقّ تحمّله عادة ؛ مِنْ فقر أو مرض أو موت . والآية الكريمة أمرت أوّلاً بالإنفاق في سبيل الله ، أي التضحية والبذل فيما يرضي الله تعالى ، ويقرّب الإنسان إلى الله ، ثمّ نهت عن الإلقاء بالنفس إلى التهلكة ؛ وذلك بترك الإنفاق في سبيل الله .

ثمّ قالت : ( وَأَحْسِنُوا ) ، أي كونوا محسنين في الإنفاق والبذل ؛ إذ إنّه ليس كلّ تضحية حسنة وشريفة ، ولا كلّ بذل هو محبوب وحسن عند الله ، وإلاّ لكانت تضحيات المجانين والسفهاء أيضاً شريفة وفي سبيل الله .

ــــــــــ
(1) سورة البقرة / 195 .

الصفحة (37)

فالتضحية الشريفة المقدّسة والتي هي في سبيل الله تعالى تعرف بتوفّر شروط فيها ، وتلك الشروط نلخّصها فيما يلي :

الشرط الأول : أن تكون التضحية والبذل والإنفاق في سبيل شيء معقول محبوب عقلاً وعرفاً ، أي في سبيل غرض وهدف عقلاني ، وإلاّ خرجت عن كونها تضحية عقلائيّة ودخلت في عداد الأعمال الجنونية أو اللاإرادية .

الشرط الثاني : أن يكون المفدّى والمضحّى له أشرف وأفضل من الفداء والضحية لدى العقلاء والعرف العام ، كأن يُضحّى بالمال مثلاً لكسب العلم أو الصحة ، أو يُضحّى بالحيوان لتغذية الإنسان ، وهكذا كلّما كانت الغاية أفضل وأثمن كانت التضحية أشرف وأكمل .

هذان العنصران هما الشرطان الرئيسان من الشروط التي لا بدّ منها في كلّ بذل وإنفاق وتضحية حتّى تكون حسنة وشريفة وفي سبيل الله ؛ وعلى هذا يظهر جلياً وبكلّ وضوح أنّ ثورة الحسين (عليه السّلام) كانت في سبيل الله مئة بالمئة ، وأنّ كلّ ما قدّم فيها وأنفق مِنْ مال وبنين ، ونفس ونفيس ، وغال وعزيز كان إنفاقاً حسناً ، وبذلاً شريفاً ، وتضحية مقدّسة يستحق عليها كلّ إجلال وتقديس وشكر ؛ بداهة توفّر الشرطين الآنفين في ثورته (عليه السّلام) على أتمّ صورهما حسبما نعرف ذلك مفصّلاً فيما يأتي .

وكذلك يتّضح زيف وبطلان الهراء والتهريج القائل أنّ الحسين (عليه السّلام) بنهضته تلك ألقى بنفسه إلى التهلكة ؛ لأنّه قام بدون عدّة وعدد كافيين في وجه قوّة تفوقه عدّة وعدداً بأضعاف مضاعفة !

إنّا نقول لهم : لقد قام قبل الحسين (عليه السّلام) كثير من الأنبياء والرسل في وجه أعداء لهم أقوى عدّة وعدداً ، وقام كثير من الصلحاء وهم عزّل في وجه الطغاة الأقوياء ، ولاقوا صنوفاً من العذاب والأذى والقتل ، فهل كان كلّ اُولئك على خطأ وباطل في مواقفهم ؟!


الصفحة (38)

أمّا استدلالهم بفعل أمير المؤمنين (عليه السّلام) مع معاوية حيث قَبِلَ الصلح أو التحكيم ، وكذلك فعل الحسن الزكي (عليه السّلام) حيث صالح معاوية ، وقَبْلَ ذلك كلّه فعل النبي (صلّى الله عليه وآله) مع المشركين عام الحديبية . . . فإنّه استدلال فاسد وقياس مع الفارق ، حيث صالح هؤلاء أعداءهم ؛ لأنّهم أيقنوا بعدم جدوى الحرب والقتال ، وعدم الوصول إلى الغاية المطلوبة مع الاستمرار في الحرب ، وهي ظهور الحقّ وإزهاق الباطل ، بل بالعكس ظهر الحقّ بصبرهم ومهادنتهم أكثر وأكثر .

فصلح الحديبية مثلاً أظهر عطف الرأي العام العربي نحو محمد (صلّى الله عليه وآله) ، وأظهر حسن نواياه للعرب ، وأنّه رجل سلام وداعية حبّ ومودّة ، لا رجل حرب ، وبالتالي مهّد ذلك الصلح لفتح مكة بدون قتال ، ثمّ لدخول الناس في دين الله أفواجاً .

وأمّا قبول علي (عليه السّلام) للتحكيم في صفين ، وصلح الحسن مع معاوية فلمْ يكن عن شعور بالعجز عن المقاومة ، ولا بدافع قلّة العدد وكثرة العدو ، بل لغرض فضح نوايا معاوية ، وكشف مؤامراته العدوانية أمام أعين البسطاء الذين كانوا قد خدعوا بنفاقه ودجله .

وكذلك سكوت علي (عليه السّلام) عن حقّه بعد وفاة النبي (صلّى الله عليه وآله) كان لعلمه (عليه السّلام) أنّ استعمال السيف لا يجدي نفعاً لمصلحة الإسلام ، بل يعرض ذلك لخطر أعظم ، وضرر أشدّ ، وفساد أكبر .

والخلاصة : إنّ آية التهلكة لا تشمل مطلق الإقدام على الخطر ، ولا تحرّم التضحية بالنفس والنفيس إذا كانت لغاية أعظم وأفضل ، وهدف أنبل وأشرف ، كالذي قام به الحسين (عليه السّلام) بثورته الخالدة ، وحيث توفّرت في تضحياته كلّ شروط التضحية الشريفة والفداء المقدّس على أكمل وجه ؛ لأنّه (عليه السّلام) ضحّى وفدى ، وبذل وأنفق في سبيل أثمن وأغلى شيء في الحياة مطلقاً ألا وهو الإسلام ؛ دين الله وشريعة السماء ، ونظام الخالق للمخلوق ، ودستور الحياة الدائم الذي لولا تضحيات الحسين (عليه السّلام) لدُفن تحت ركام البدع والتشويهات والانحرافات التي خلّفتها عهود الحكم السابقة ، كما دُفنت الديانات السابقة على الإسلام تحت


الصفحة (39)

ترسبات البدع والتحريف حتّى لمْ يبقَ منها أثر حقيقي ؛ حيث لمْ يقيّض لها حسين فيستخرجها ويزيل عنها المضاعفات ، كالذي فعله الحسين بن علي بالنسبة إلى الديانة الإسلاميّة الخالدة .

وهنا قد يرد سؤال وجيه يجدر بنا التعرّض له والإجابة عليه ، والسؤال هو : كيف يكون الإسلام أغلى وأثمن ، وأشرف وأفضل مِنْ كلّ الموجودات والكائنات حتّى الإنسان نفسه فضلاً عن المال والولد ؟! أليس الله تعالى خلق الكون لأجل الإنسان ؟! فكيف يُضحّى بحياة الإنسان في سبيل الدين الذي هو بدوره وجد لأجل سعادة الإنسان وخدمة الإنسان وخيره ؟!

والجواب : نعم ، إذا تعرّض الدين لخطر الزوال أو التحريف فمعنى ذلك أنّ سعادة الإنسان تعرّضت للخطر ، وكرامة الإنسان تعرّضت للزوال ، ولا شك أنّ الإنسان إذا دار أمره بين أنْ نعيش بلا سعادة ولا كرامة ، أو يموت دفاعاً عنهما وإبقاء لهما لغيره وجب الدفاع والصيانة حتّى الموت .

إذا دار الأمر بين أنْ يعيش الإنسان بلا سعادة وكرامة أو يموت سعيداً كريماً ، فلا شكّ أنّ الموت بسعادة وكرامة أفضل من الحياة بدونهما . إذا دار الأمر بين أنْ يعيش الإنسان في مجتمع لا يشعر بكرامته الإنسانية ، ولا يخضع لنواميس الحياة الطبيعية أو يموت ، فلا خلاف في أنْ الموت خير له وأفضل .

ففي الحديث الشريف عن النبي (صلّى الله عليه وآله) قال : (( إذا كان اُمراؤكم خياركم , وأغنياؤكم سمحاءكم ، وأمركم شورى بينكم ، فظهر الأرض خيرٌ لكم مِنْ بطنها . وإذا كان اُمراؤكم شراركم ، وأغنياؤكم بخلاءكم ، وأمركم إلى نسائكم ، فبطن الأرض خيرٌ لكم مِنْ ظهرها )) .

وقال الحسين (عليه السّلام) في خطبة : (( إنّي لا أرى الموت إلاّ سعادة ، والحياة مع الظالمين إلاّ برماً )) . إذ إنّ كلّ الأشياء إنّما تخدم مصلحة الإنسان ، وتكون خيراً للإنسان إذا كانت مقرونة مع الدين الصحيح .

فالمال مثلاًً إنّما يكون خيراً وسعادة إذا كان بيد إنسان متديّن يؤمن بالمبدأ والمعاد ، ويتقيّد بحدود الدين في كسب المال وصرفه .


الصفحة (40)

أمّا المال إذا كان بيد الملحد الإباحي ، المتجرّد مِنْ كلّ قيود الدين والعقل والنظام الاجتماعي الإنساني ، فإنّه وسيلة هدم وتخريب ، وشقاء لصاحبه ولغيره : ( إِنّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى )(1) . وقال (عليه السّلام) : (( هلك خزّان الأموال وهم أحياء )) .

وكذلك الأولاد إنّما يكونون خيراً للوالدين وقرة عين لهما إذا كانوا مؤمنين بالله واليوم الآخر ، وبما فرض عليهم الدين مِنْ حقوق الوالدين واحترامهما ، أمّا لو كانوا بخلاف ذلك فهم وبال على الوالدين ، يرهقونهما طغياناً وكفراً .

وهكذا كلّ شيء في الحياة نافع وخير إذا ساده النظام والدين ، وما أحسن الدين والدنيا إذا اجتمعا ، ولا سعادة في دنيا بلا دين . وقال تعالى : ( فَمَنِ اتّبَعَ هُدَايَ فَلاَ يَضِلّ وَلاَ يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً )(2) .

ونعود فنقول : إنّ الحسين (عليه السّلام) ضحّى في سبيل أقدس قضية وأشرف غاية في الوجود ، ألا وهو الإسلام الذي تعرّض لأكبر الأخطار على يد ألدّ أعدائه وهم الاُمويّون ، فكان (عليه السّلام) بذلك القيام أصدق مثال ، وأظهر مصداق للشهداء الذين قال الله تعالى فيهم : ( وَلاَ تَحْسَبَنّ الّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبّهِمْ يُرْزَقُونَ )(3) .

ولله درّ مَنْ قال :

 كذبَ الموتُ فالحسينُ مخلدُ              كلّما مرّت الدهورُ تَجدّدُ

وقال الاُستاذ حسين الأعظمي :

شـهيد العُلا ما أنت ميتٌ وإنّما      يموت  الذي يبلى وليس له ذكرُ
ومـا دمُـك المسفوكُ إلاّ قيامةٌ      لـها كلّ عامٍ يومُ عاشور حشّرُ
ومـا دمُك المسفوكُ إلاّ رسالةٌ      مخلدةٌ لمْ يخلُ مِنْ ذكرها عصرُ
ومـا دمُـك المسفوكُ إلاّ تحررٌ      لدنيا طغت فيها الخديعةُ والمكرُ
وهـدمٌ لـبنيان على الظلمِ قائمٍ      بناه الهوى والكيدُ والحقد والغدرُ

ــــــــــــــــ
(1) سورة العلق / 6 ـ 7 .
(2) سورة مريم / 123 ـ 124 .
(3) سورة آل عمران / 169 .

 

الصفحة السابقة

الصفحة (41)

ومجمل القول هو : أنّ الحسين (عليه السّلام) بثورته المقدّسة لمْ يلقِ بنفسه إلى التهلكة كما يزعمون ، بل ألقى بها إلى الخلود والسعادة الأبدية ، والعزة والشرف في الدنيا والآخرة ؛ فاحتلّ المرتبة الاُولى في قائمة العظماء العالميِّين في الدنيا ، وأخذ مكانه في الصفِّ الأول مِنْ صفوف الأنبياء والمرسلين ، والشهداء والصالحين وحَسُن اُولئك رفيقاً .

فيا ليتنا كنّا معه فنفوز فوزاً عظيماً .


الصفحة (42)

لماذا امتنع الحسين (عليه السّلام) من البيعة ليزيد بن معاوية ؟

قوله تعالى : ( إِنّ الّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنّمَا يُبَايِعُونَ اللّهَ يَدُ اللّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنّمَا يَنكُثُ عَلَى‏ نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى‏ بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً )(1) .

البيعة لغة : من البيع ضد الشراء . وفي الاصطلاح العرفي : إعطاء المحكومين ثقتهم للحاكم وانتخابهم له , وقبولهم به حاكماً وأميراً .

وفي الشرع ومنطوق الآية الكريمة : عبارة عن معاهدة وميثاق مع الله تعالى يوقّعها المسلم بواسطة النبي (صلّى الله عليه وآله) أو نائبه الشرعي ؛ معاهدة وعقد وميثاق على الطاعة والانقياد والعبودية الكاملة في كلّ ما يأمر به وينهى عنه على لسان أنبيائه وحججه .

ومرجع هذا المعنى إلى المعنى اللغوي السابق ، أي البيع ضد الشراء ، فالبيعة تعني : بيع الإنسان نفسه لله تعالى على حدّ قوله سبحانه : ( إِنّ اللّهَ اشْتَرَى‏ من الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنّ لَهُمُ الْجَنّةَ )(2) .

فالمبايع للنبي (صلّى الله عليه وآله) أو نائبه يعني سلّم نفسه وإرادته بيد المبايع له ، مقابل قيام الأخير بأداء واجبه تجاهه ؛ مِنْ تبليغ وإرشاد وتنظيم على أكمل وجه . وكلّ إخلال أو تقصير بلوازم هذه البيعة وهذا الميثاق من الطرفين يعدّ خيانة لله تعالى ، كما أنّ تنفيذ مقرّراتها والالتزام بشروطها يؤتي الأجر العظيم في الدنيا والآخرة .

وعليه ، فيجب على المبايع أنْ لا يمدّ يد البيعة إلاّ بعد التحقّق والتأكّد ؛ حتّى يعرف إلى مَنْ يمدّ يده ، وممّنْ يبيع نفسه ، ولمَنْ يسلّم مقدراته ومقدّرات اُمّته

ـــــــــــــ
(1) سورة الفتح / 10 .
(2) سورة التوبة / 111 .

الصفحة (43)

ومجتمعه ؛ لله تعالى أمْ للشيطان ، للحقّ أمْ للباطل ، للعدل أمْ للجور ، للوفاء والصدق أمْ للخيانة والكذب .

إنّ البيعة في عصرنا الحاضر عبارة عن الانتخاب أو قريبة منه ، فكلّ صوت يُعطى للمرشح للرئاسة أو النيابة هو بمثابة البيعة معه ، فإذا كان المرشّح شيطاناً مِنْ شياطين الإنس يكون مثله مثل شيطان الجنّ إبليس ، ( إِذْ قَالَ لِلإِنسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ )(1) .

والخلاصة : إنّ البيعة في الدنيا على قسمين : بيعة حقّ وهداية ، أو بيعة باطل وضلال ؛ لأنّ هناك شروطاً وصفاتٍ يجب أنْ تتوفّر في المبايع له حتّى تكون البيعة بيعة حق وهداية . وقد لخص تلك الشروط والصفات الإمام علي (عليه السّلام) في خطبة له مِنْ نهج البلاغة ، فقال : (( وَقَد عَلِمتُم أَنَّهُ لا يَنبَغِي أَن يَكُونَ الوَالِي عَلَى الفُرُوجِ وَالدِّمَاءِ ، وَالمَغَانِمِ وَالأَحكَامِ , وَإِمَامَةِ المُسلِمِينَ البَخِيلُ ؛ فَتَكُونَ فِي أَموَالِهِمْ نَهمَتُهُ , وَلا الجَاهِلُ فَيُضِلَّهُمْ بِجَهْلِهِ ، وَلا الجَافِي فَيَقْطَعَهُمْ بِجَفَائِهِ ، وَلا الحَائِفُ لِلدُّوَلِ فَيَتَّخِذَ قَوماً دُونَ قَومٍ ، وَلا المُرتَشِي فِي الحُكمِ فَيَذهَبَ بِالحُقُوقِ وَيَقِفَ بِهَا دُونَ المَقَاطِعِ ، وَلا المُعَطِّلُ لِلسُّنَّةِ فَيُهْلِكَ الأُمَّةَ )) .

وعلى ضوء كلّ ما ذُكر يظهر جلياً الجواب الكافي عن السؤال القائل : لماذا لمْ يبايع الحسين (عليه السّلام) يزيد بن معاوية ؟

وحاصل الجواب هو : أنّ يزيد لمْ يكن أهلاً لأنْ يُبايَع مِنْ قبل أي مسلم كان فضلاً عن الحسين (عليه السّلام) المسلم الأول في عصره ، وسيد شباب أهل الجنة . بل إنّ يزيد لمْ يكن مسلماً بالمرّة ، فكيف يبايع بإمرة المؤمنين وخليفة على المسلمين ؟! فإنّ كفر يزيد وزندقته ، وإلحاده واستهتاره بكلّ القيم والمقدّسات أشهر من الشمس في رابعة النهار .

ولقد أجمع المؤرخون وأهل السيرة على أنّ يزيد بن معاوية كان فاسقاً فاجراً ، خمّاراً سكّيراً ، يضرب بالطنبور ويلعب بالفهود والقرود ، فرضه أبوه معاوية خليفة على المسلمين بقوّة السيف مع علمه بفساده ، حيث كان يقول : لولا هواي في يزيد لأبصرت رشدي .

واليك تصريحات بعض الخبراء بيزيد من الأولين والآخرين .

ـــــــــــ
(1) سورة الحشر / 16 .

الصفحة (44)

مَنْ هو يزيد بن معاوية ؟

ولنبدأ بكلمة الحسين (عليه السّلام) نفسه عن يزيد التي قالها بمحضر واليه على المدينة الوليد بن عتبة ، وبمحضر قريبه مروان بن الحكم فلمْ ينكر عليه أحد منهما ، فقال (عليه السّلام) : (( . . . ويزيد رجل فاسق فاجر ، شارب للخمر ، قاتل للنفس المحرمة ، معلن بالفسق والفجور ، ومثلي لا يُبايع مثله )) . وقال : (( إنا لله وإنا إليه راجعون ، وعلى الإسلام السّلام أنْ قد بُليت الاُمّة براع مثل يزيد بن معاوية )) .

آراءُ العلماء الأقدمين والمعاصرين في يزيد :

وهذا عبد الله بن حنظلة غسيل الملائكة ، الصحابي الجليل ورئيس وفد أهل المدينة إلى الشام بعد قتل الحسين (عليه السّلام) ، فلمّا عاد إلى المدينة جمع الناس في مسجد الرسول (صلّى الله عليه وآله) ، وقال : أيّها الناس ، قد جئناكم مِنْ عند رجل يترك الصلاة ويشرب المسكرات ، وينكح الاُمهات والأخوات ، ويلعب بالقرود والكلاب ، وإذا لمْ تُخلع بيعته أخشى أنْ نقذف بالحجارة من السماء .

وهذا الحسن البصري العالم والنابغة المعروف بزهده وعلمه ، قال في معرض بيان جرائم معاوية العظيمة الموبقة التي لخّصها في أربعة ، وهي : اغتصابه الخلافة ، ثمّ استلحاقه زياد بن سميّه بأبيه أبي سفيان ، ثمّ قتله لحجر بن عدي الكندي وأصحابه ، وأخيراً فرضه لابنه يزيد الخمّير السكّير خليفة على المسلمين بعده .

 ويشارك اللاحقون من العلماء مَنْ سبقهم في الرأي في يزيد ، فهذا مثلاً العالم والفيلسوف الشهير ابن خلدون يدّعي الإجماع على فسق يزيد وفجوره مِنْ قبل كافة علماء المسلمين ، ثمّ هذا الفيلسوف الآخر المعروف بالتفتازاني يحكم بجواز لعن يزيد ولعن أتباعه ، فيقول بالنص في كتابه شرح العقائد : الحقّ أنّ رضا يزيد بقتل الحسين (عليه السّلام) واستبشاره به ، وإهانته أهل بيت النبي (صلّى الله عليه وآله) ممّا تواتر معناه ، ونحن لا نتوقف في شأنه ، بل في إيمانه لعنة الله عليه وعلى أنصاره وأعوانه .


الصفحة (45)

وقال ابن حزم العالم المعروف ، قال في رسائله ما نصه : قيام يزيد بن معاوية كان لغرض الدنيا فقط ، فلا تأويل له ، فهو بغيٌّ مجرّد .

وقال الجاحظ بالحرف : المنكرات التي اقترفها يزيد مِنْ قتل الحسين ، وحمله بنات رسول الله سبايا ، وقرعه ثنايا الحسين بالعود ، وإخافته أهل المدينة ، وهدمه للكعبة المشرفة تدلّ على القسوة والغلظة ، والنصب والحقد ، والبغضاء والنفاق ، والخروج عن الإيمان . فالفاسق ملعون ، ومَنْ نهى عن شتم الملعون ملعون .

وهذا القدر مِنْ آراء الشخصيات العظام والعلماء الأعلام في سقوط يزيد عن مستويات الإنسانية ، وانحطاطه إلى أسفل درك الشقاء والوحشية والرذيلة ، يكفي للدلالة على أنّ الحسين (عليه السّلام) عمل بما يفرضه الواجب الإسلامي والإنساني عندما امتنع مِنْ إعطاء البيعة ليزيد ، وأبى أنْ يعترف بشرعية خلافته .

قال الاُستاذ المسيحي الكبير جورج جرداق في كتابه (علي وعصره) : نشأ يزيد في الاُسرة الاُمويّة التي كانت تنظر إلى الإسلام كحركة سياسية قامت طلباً للرئاسة والملك والزعامة ؛ بدليل قول زعيم تلك الاُسرة أبو سفيان بن حرب عند دخول الرسول إلى مكّة ، قال للعباس بن عبد المطلب : لقد أصبح ملك ابن أخيك عظيماً ! فقال له العباس : ويلك يا أبا سفيان ! إنّها النبوّة . فقال : أجل . ولا بدّ لهكذا حركة أنْ تنتقل مِنْ اُسرة إلى اُسرة .

واجتمع إلى هذه النشأة جهل وتحلّل وعدم الشعور بالمسؤوليّة ؛ لذا كانت نتيجته العبث والمجون ، وهكذا عرف يزيد بالإدمان على شرب الخمر واللعب بالكلاب والقرود .

وذكر أنّه سابق قرداً فسقط عن فرسه سقطة كان فيها هلاكه (لعنه الله) ، وكان يلبس كلابه الكثيرة أساور مِنْ ذهب وخلاخل مِنْ فضة ، وأثمن أنواع الحرير والدمقس ، فيما كانت السياط مِنْ عمّاله تلهب ظهور الفقراء والكادحين لجمع الضرائب والخراج والجزية منهم . . . انتهى ما قاله جرداق .

الشعرُ يدين يزيد :

ولا بأس أنْ نستمع إلى بعض ما نظمه الشاعر الكبير الاُستاذ بولس سلامة


الصفحة (46)

في (ملحمة الغدير) عن هذا المخلوق الحقير يزيد بن معاوية (لعنه الله) .

قال يخاطب المؤذّن :

رافـع الـصـوت داعياً للفلاح      اخفض الصوتَ في أذانِ الصباحِ
وتـرفّق بـصاحب العرش مش      غـولاً عن  الله بـالقيان الملاحِ
ألــف ( الله أكـبر) لا تساوي      بـيـن  كـفَّـي يزيد نهلة راحِ
تـتـلظّى في الكأس شعلةُ خمرٍ      مـثـل أجّ اللهيبِ في المصباحِ
عـنست فـي الدنانِ بكراًَ فلمْ تد      نـسْ بـلـثـمٍ و لا بماءٍ قراحِ

إلى أنْ يقول مخاطباً معاوية :

يـا  بـن هند أبيت إلاّ يزيدا      رايـة لـلـرشادِ و الإصلاحِ
أنت رغم العيوبِ كالليل جنحا      قـطرة في هتونهِ الضحضاحِ
رغـم  آثامك الجسام ابن هندٍ      أنـت مـنه كريشةٍ في جناحِ

وإليك الآن نزراً قليلاً ممّا حفظه لنا التاريخ مِنْ شعر يزيد نفسه ، المعلن فيه بالكفر والإلحاد ، والمصرّح فيه بفسقه وفجوره واستهتاره بالمقدّسات . من باب : مِنْ فمك اُدينك .

قالوا : كان يقضي ليله ساهراً على موائد الخمر ، وفي مجلس الغناء ، فقيل له يوماً ـ وقد صاح المؤذن بصلاة الصبح : الله أكبر ـ : قم يا أمير المؤمنين إلى المسجد لأداء الصلاة . فأنشد يزيد قائلاً :

دعِ الـمـسـاجـدَ للعبادِ تسكنها      وقـفْ  على دكّةِ الخمّارِ واسقينا
مـا قـالَ ربُّكَ ويلٌ للذي شربوا      بـلْ قـالَ ربُّـكَ ويلٌ للمصلّينا
إنّ الذي شربوا في شربهم طربوا      إنّ الـمـصلّينَ لا دنيا و لا دينا

وطلع الفجر مِنْ ليلة وهو سكران مع الندماء والمغنّين ، ثمّ طرق سمعه نداء المؤذّن : حي على الصلاة . فقال اللعين :

 مـعشرَ  الندمان قوموا      واسمعوا صوتَ الأغاني
واشـربوا  كـأس مدامٍ      واتـركوا  ذكرَ المعاني


الصفحة (47)

أشغلتني  نغمةُ العيدا      نِ عن صوت الأذانِ
وتعوّضت عن الحورِ      خـمـوراً  بـالدنانِ

وممّا يُنسب إليه أيضاً (لعنة الله عليه) قوله :

 أقولُ لصحبٍ ضمتِ الكأسُ شملَهمْ      وداعـي صـبابات الـهوى يترنّمُ
خـذوا بـنصيبٍ مِـنْ نعيمٍ و لذّةٍ      فـكلٌّ وإنْ طـالَ الـبقا يـتصرّمُ

وقال في حفل الترحيب بعبيد الله بن زياد (لعنه الله) ، قال وهو يخاطب ساقي الخمر :

اسـقني شربةً تروّي فؤادي      ثـمّ ملْ بعدها إلى ابن زيادِ
صاحبِ السرِّ والأمانةِ عندي      ولـتـسديدِ مغنمي وجهادي
قاتلِ  الخارجي أعني حسيناً      ومـبـيـدِ الأعداء والحسّادِ

وعلى هذا فهل يوجد في العالم دين وضمير وقانون يبيح لإنسان أنْ يعترف بيزيد بن معاوية إماماً لأمّة ، وقائداً لشعب ، وحاكماً مطلقاً على مجتمع إنساني فضلاً عن كونه خليفةً لرسول الله ، ونائباً عن خاتم الأنبياء (صلّى الله عليه وآله) ؟!

الجواب طبعاً : كلا وألف كلا . . . ومع غض النظر عمّا تقدّم نتساءل : هل كان الحسين (عليه السّلام) يسلم على حياته مِنْ يزيد لو بايعه وصالحه ؟!

الجواب : كلا ؛ بدليل أنّ الحسن (عليه السّلام) بايع لمعاوية ولمْ يسلم .

ولله درّ القائل :

 يأبى ابنُ فاطمةٍ والسيفُ في يدهِ         أنّ ابنَ ميسونَ جهراً يعبد الوثنا

وقال الآخر مخاطبا الحسين (عليه السّلام) :

وتـرفّـعت يدُكَ الكريمةُ عن يدٍ      لـمْ تـتّـخذ غيرَ الجريمةِ مأربا
شُـلّـت يـدٌ ترضى ببيعةِ ظالمٍ      طـاغٍ  وتخشى أنْ تثورَ وتغضبا
فـالموت فـي ظلِّ الكرامةِ منهلٌ      عـذبٌ  ومَـيتٌ مَنْ يعيش معذّبا
يا صارمَ الحقّ الصريح تدارك ال      دنـيا  فـسيل البغي قد بلغ الزُّبا
بك نستعينُ على الطغاةِ و نزدري      بـالـنـائـباتِ و نستعيدُ تصلّبا
ونـقـودُ ركـب الحقّ لاستقلاله      حـتـماً وإنْ تكن المشانقُ مركبا


الصفحة (48)

لماذا لمْ يفعل الحسن (عليه السّلام) مثل ما فعل الحسين (عليه السّلام) ؟

إنّ ثورة الحسين (عليه السّلام) تثير التساؤل غالباً حول ما فعله أخوه الحسن(عليه السّلام) مِنْ قبل مع طاغية زمانه معاوية بن أبي سفيان من الصلح والمهادنة والبيعة له ، مع العلم أنّ كلاً منهما (عليهما السّلام) إمام معصوم من الخطأ والمعصية ، فإذا كانت الحكمة والمصلحة فيما فعله الحسين فلماذا لمْ يفعل الحسن (عليه السّلام) مثله ؟ وإذا كانت الحكمة والمصلحة فيما فعله الحسن (عليه السّلام) , فلماذا لمْ يفعل الحسين (عليه السّلام) مثل فعله ؟

والجواب : هو أنّ كلا الفعلين والسيرتين حكمة ومصلحة وحقّ وصواب ، ولكنّ المصلحة والحقّ والحكمة تختلف صورها ومواردها باختلاف الأحوال والظروف والأشخاص .

وأهم تلك الفوارق بين الحالين هو : أنّ فساد الحكم الاُموي وتذمّر الرأي العام منه في عصر الحسن (عليه السّلام) كان بعد لمْ يبلغ من الاشتهار والشدّة إلى المستوى الذي بلغ إليه في عصر الحسين (عليه السّلام) ؛ وعليه فتضحية الحسن (عليه السّلام) بنفسه وأهل بيته حينئذ ما كانت تُفسّر لدى الرأي العام بأنّها ثورة ضد الفساد والظلم ، أو إنّها تضحية في سبيل الدين والمصلحة العامة كما فُسرت تضحية الحسين (عليه السّلام) ، بل كانت تضحية الحسن (عليه السّلام) في ذلك الوقت تفسّر غالباً بأنّها صراع على السلطة ، وتنافس وتزاحم وتنازع حول الملك والخلافة . وكانت النتيجة حينئذ فشل قدسية الثورة ، وعقم تلك التضحية واستفادة العدو منها أكبر فائدة دعائية لنفسه وضد أهل البيت (عليهم السّلام) .

والنتيجة الأسوأ مِنْ ذلك هو فراغ الجوِّ ، وخلو الميدان لمعاوية ولآل أبي سفيان ، فيطلقون أيديهم هدماً وتحطيماً لكلّ ما تبقّى مِنْ اُصول الإسلام وأركانه ، تحت ستار


الصفحة (49)

كثيف من الدجل والتضليل والخداع .

فهل ترى بعد كلّ هذا حكمة ومصلحة للإسلام والمسلمين في تلك التضحية لو قام بها الحسن (عليه السّلام) ؟! أجل ، إنّ السنوات العشرين التي استولى فيها معاوية على مقاليد الملك والسلطة المطلقة بعد أمير المؤمنين (عليه السّلام) وبعد صلح الحسن , هي التي ملأ فيها معاوية وبطانته وأقاربه العالم الإسلامي بالظلم والفساد والدمار والخراب ، وهتك المقدّسات وانتهاك الحرمات تماماً ، كما تنبأ به مِنْ قبل رسول الله حيث قال في الحديث المشهور المتواتر عنه (صلّى الله عليه وآله) : (( رأيت بني اُميّة في المنام ينزون على منبري نزو القردة ، ويضربون وجوه الناس فيردّونهم القهقرى )) . فأنزل الله فيهم : ( وَمَا جَعَلْنَا الرّؤْيَا الّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاّ فِتْنَةً لّلنّاسِ وَالشّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاّ طُغْيَاناً كَبِيراً )(1) .

وعنه (صلّى الله عليه وآله) قال : (( لكلّ شيء آفة ، وآفة هذا الدين بنو اُميّة )) .

وروى مسلم في صحيحه عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) حديثاً حول بني اُميّة ، جاء فيه : (( هلاك اُمّتي على يد هذا الحي مِنْ بني اُميّة )) .

وقال أيضاً (صلّى الله عليه وآله) : (( لو لمْ يبقَ مِنْ بني اُميّة إلاّ عجوز درداء لبغت دين الله عوجاً )) . رواه صاحب كتاب صلح الحسن / 45 .

وروى البخاري في صحيحه عن النبي (صلّى الله عليه وآله) أيضاً أنّه قال : (( هلاك اُمّتي على يد أُغيلمة سفهاء )) . فسّرها ببني اُميّة .

وذكر ابن حجر عن الحاكم قال : كان أبغض الأحياء إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بنو اُميّة .

ومن المفيد أنْ نشير هنا إلى ما صرّح به الكتّاب المعاصرين والسابقين ، ومنهم الاُستاذ عباس محمود العقاد في كتابه (أبو الشهداء) ، مِنْ أنّ بني اُميّة ليسوا مِنْ قريش ، بل ولا من العرب أصلاً ؛ وذلك لأنّ اُميّة لمْ يكن ابناً صلبيّاً لعبد شمس ، بل كان غلاماً روميّاً تبنّاه عبد شمس على سنّة التبني في الجاهليّة فعرف به ، وسمّي اُميّة بن عبد شمس .

ونعود إلى أحاديث الرسول (صلّى الله عليه وآله) في تلك

ــــــــــــــــ
(1) سورة الإسراء / 60 .

الصفحة (50)

الاُسرة المشؤومة فنقرأ منها هذا الحديث المتواتر ، وهو قوله (صلّى الله عليه وآله) : (( إذا بلغ آل أبي العاص ثلاثين رجلاً اتّخذوا مال الله دولاً ، ودينه دغلاً ، وعباده خولاً )) .

ونكتفي بهذا القدر من الأحاديث النبويّة ، وننتقل إلى أقوال الكتاب الناطق ، والإمام الصادق علي (عليه السّلام) في نهج البلاغة ، حيث يقول في خطبة له في الملاحم : (( أَلا وَإِنَّ أَخْوَفَ الْفِتَنِ عِنْدِي عَلَيْكُمْ فِتْنَةُ بَنِي أُمَيَّةَ ؛ فَإِنَّهَا فِتْنَةٌ عَمْيَاءُ مُظْلِمَةٌ ، عَمَّتْ خُطَّتُهَا وَخَصَّتْ بَلِيَّتُهَا ، وَأَصَابَ البَلاءُ مَنْ أَبْصَرَ فِيهَا ، وَأَخْطَأَ الْبَلاءُ مَنْ عَمِيَ عَنْهَا . وَايْمُ اللَّهِ لَتَجِدُنَّ بَنِي أُمَيَّةَ لَكُمْ أَرْبَابَ سُوءٍ بَعْدِي ، كَالنَّابِ الضَّرُوسِ تَعْذِمُ بِفِيهَا ، وَتَخْبِطُ بِيَدِهَا ، وَتَزْبِنُ بِرِجْلِهَا ، وَتَمْنَعُ دَرَّهَا .

لا يَزَالُونَ بِكُمْ حَتَّى لا يَتْرُكُوا مِنْكُمْ إِلاّ نَافِعاً لَهُمْ ، أَوْ غَيْرَ ضَائِرٍ بِهِمْ , وَلا يَزَالُ بَلاؤُهُمْ عَنْكُمْ حَتَّى لا يَكُونَ انْتِصَارُ أَحَدِكُمْ مِنْهُمْ إِلاّ كَانْتِصَارِ الْعَبْدِ مِنْ رَبِّهِ ، وَالصَّاحِبِ مِنْ مُسْتَصْحِبِهِ . تَرِدُ عَلَيْكُمْ فِتْنَتُهُمْ شَوْهَاءَ مَخْشِيَّةً ، وَقِطَعاً جَاهِلِيَّةً , لَيْسَ فِيهَا مَنَارُ هُدًى وَلا عَلَمٌ يُرَى .

والله لا يزالون حتّى لا يدَعون لله محرماً إلاّ استحلّوه ، ولا عقداً إلاّ حلّوه ، وحتّى لا يبقى بيت مدر ولا وبر إلاّ ودخله ظلمهم ، ونبا به سوء رعيهم ، وحتّى يقوم الباكيان ؛ باكٍ يبكي لدينه ، وباكٍ يبكي لدنياه . . . ))(1) .

وذكر السيّد المقرّم (رضي الله عنه) في (المقتل الكبير) عن كتاب (ضحى الإسلام) لأحمد أمين المصري قوله : الحقّ إنّ الحكم الاُموي لمْ يكن حكماً إسلامياً يساوى فيه بين الناس في الحقوق والواجبات ، ويكافأ فيه المحسن أيّاً كان ، ويعاقب فيه المجرم أيّاَ كان ، وإنّما كان حكماً شعاره التعصّب الممقوت ، وتسوده النزعة الجاهليّة ومظاهرها ، لا النزعة الإسلاميّة(2) .

أقول : إنّ تلك الأعوام العشرين التي قبض فيها معاوية على مقاليد الحكم بدون رادع ولا مانع هي التي كشفت الحجاب عن مدى فساد السياسة الاُمويّة الرعناء ، وأظهرت للناس عمق العداء والحقد الذي يحمله الأمويون ضد الإسلام ونبي الإسلام والمسلمين جميعاً ، وفي خلال تلك السنوات تيقّظ الرأي العام الإسلامي إلى عظيم أخطار البدع والانحرافات التي أحدثها الأمويون منذ أنْ تسللوا إلى مراكز السلطة والحكم أفراداً وجماعات ، ابتداء مِنْ عهد الخليفة الأول أبي بكر

ــــــــــــــــــــ
(1) شرح نهج البلاغة ـ ابن أبي الحديد ج 4 .
(2) المقتل الكبير 1 / 27 .

الصفحة (51)

فما بعد ، وفي أعقاب تلك الفترة المظلمة المشؤومة ـ فترة سلطان معاوية ـ صار الفرد المسلم العادي يشعر في قرارة نفسه ، وأعماق شعوره نفوراً شديداً وكرها مريراً تجاه الجهاز الاُموي الحاكم خليفة وعمالاً وولاة وبطانة .

فكان الشعب المسلم ينظر إليهم كعصابة لصوص وقطّاع طريق وجلادين ، لا همّ لهم إلاّ نهب الأموال وسلب الحقوق ، واغتصاب الأعراض وسفك الدماء ، والتمادي في المتع الحقيرة وإشباع الشهوات ، وغير ذلك ممّا لا يسع المقام وصفه حسب ما هو مسطور في كتب التاريخ والتراجم .

وليس أدلّ على نقمة المسلمين وتذمّرهم مِنْ حكامهم الاُمويِّين مِنْ هذه الأبيات لشاعر عاش تلك الفترة القاسية ، وهو عبد الله بن همام السلولي حيث يقول :

فـإنْ  تـأتوا برملَةَ أو بهندٍ      نُـبـايـعـها أميرةَ مؤمنينا
إذا ما مات كِسرى قام كِسرى      نـعـدُّ ثـلاثـةً مُـتناسقينا
فـيـا لهفا لَوَ انّ لـنا اُنوفاً       ولـكـن لا نـعود كما بدينا
إذاً لـضُربتموا حتّى تعودوا      بـمكّة  تـلعقون بها السَّخينا
خشينا الغيظ  حتّى لو شربْنا      دمـاءَ بـني اُميّة مـا رُوينا
لـقد ضـاعت رعيّتُكُم وأنتمْ      تـصـيدون الأرانب غافيلنا

ففي البيت الأوّل منها يبيّن أنّه قد ضاعت موازين الخلافة الإسلاميّة ومقاييسها ، بحيث لو جاءتنا رملة أو هند ابنتا معاوية المعروفتان بالمجون والفسوق ، لوجب علينا نحن المسلمين أنْ نبايعهن بالخلافة عن الرسول (صلّى الله عليه وآله) , والإمرة على المؤمنين ؛ لأنّنا إنْ رفضنا قُتلنا .

وفي البيت الثاني يقول : إنّ الخلافة الإسلاميّة تحوّلت إلى ملك وراثي ، تماماً كالنظام الملكي عند الأكاسرة ملوك الفرس قبل الإسلام ، كلّما مات كسرى الأب قام كسرى الابن مقامه . وهنا كذلك مات عثمان كسرى الاُمويِّين الأوّل الذي جعل الدولة الإسلاميّة بما فيها مِنْ خيرات ملكاً خاصاً له ولأسرته


الصفحة (52)

الاُمويِّين ، قام كسرى الثاني مقامه وهو معاوية ، ثمّ مات فقام كسرى الثالث مقامه وهو يزيد . فالنظام نفس النظام مع الاختلاف في الأسماء والعناوين فقط . . .

وباقي الأبيات ظاهرة المعنى ، واضحة الدلالة على مدى النقمة التي كان يكنّها المجتمع الإسلامي ، والكبت الذي كان يشعر به مِنْ رعونة الحكّام واستهتارهم .

فجاءت ثورة الحسين (عليه السّلام) تعبيراً كاملاً عن شعور ذلك الشعب المكبوت ، وتجسيداً حقيقياً لآمال ورغبات تلك الاُمّة المضطهدة ، فكانت القلوب معها تؤيدها وتبارك خطاها . . . وأُعطيت صفة الثورة التحررية المثالية بين جميع الثورات في العالم .

أمّا في عصر الحسين (عليه السّلام) ، وبعد أبيه أمير المؤمنين ، حيث كان معاوية بعد لمْ يصل إلى الخلافة العامّة والسلطة العامّة ، ولمْ يظهر أمام الرأي العام على حقيقته الفاسدة وواقعه الخبيث ، فإنّ الأمر كان يختلف عنه في عصر الحسين (عليه السّلام) ويزيد اختلافاً كبيراً .

ولذا يجزم الخبراء بأنّ صلح الحسن (عليه السّلام) مهّد الطريق لثورة الحسين (عليه السّلام) ، وهيّأ لها الجو والمناخ الملائم لتبرز إلى الوجود كأقدس ثورة إنسانية في العالم ، وأظهر مصداق لصراع الحقّ ضد الباطل ، وأعظم جولة في معركة الخير مع الشرّ في حياة البشرية مِنْ أولها إلى آخرها .

أجل ، كلّ هذه الصور المثالية التي اكتسبتها ثورة الحسين (عليه السّلام) تعود في جملة ما تعود إليه مِنْ عوامل وأسباب إلى صلح الحسن (عليه السّلام) مع معاوية .

وبعد هذا كلّه يمكننا أنْ نقول : بأنّ الحسن والحسين (عليهما السّلام) كانا واجهتين لرسالة واحدة ؛ واجهة التخطيط والتمهيد التي أبرزها الحسن (عليه السّلام) بصلحه ومسالمته ، ثمّ واجهة التطبيق والتنفيذ التي أبرزها الحسين (عليه السّلام) بقيامه ونهضته .

وتضحيات الحسن (عليه السّلام) في سبيل أداء سهمه من الرسالة ، وحصته من المسؤوليّة لمْ تكن قليلة ولا بسيطة ، بل كانت تضحيات شاقّة وغالية كثيراً . إنّها تضحيات أعصاب وعواطف ، تضحيات قلب وفكر وروح ، فصلوات الله وسلامه عليك


الصفحة (53)

يا أبا محمد بما صبرت وأحتسبت ، وأثابك الله أجر الصابرين .

ورحم الله شيخنا الأصفهاني حيث يقول :

زكــت  ثـمارُ العلم بالزكيّ      أكـرم بـهـذا الـثمرِ الجنيّ
أعـطـاه  جـدّه نبيُّ الرحمهْ      ســـؤدده وعـلـمه وحلمهْ
يـهـنـيك يا أبا الولاةِ السادهْ      وقــادة  الـخلق إلى السعادهْ
بـمَنْ  تـسامى شرفاً و مجدا      أخــاً واُمّــاً وأبـاً وجـدّا
بـشـراك  يـا حقيقة المثاني      بـواحـدِ  الـدهر بغير ثاني
بـالـحسنِ  الـمنطق والبيان      ومَـنْ حـوى بـدايع المعاني
مِنْ رشحات بحر علمه الخضمْ      جـرت يـنابيعُ العلوم والحكمْ
وحـلـمه  لـه المقام السامي      فـي حلمه ظلّتْ اُولوا الأحلامِ
صـبّـره العظيمُ في الهزاهزْ      يـكـاد  أنْ يـلحق بالمعاجزْ
مِـنْ  حـلمِهِ أصابه من البلا      مـا  لا تطيقه السماوات العُلا
رضـاه فـيـما كان لله رضا      قـضى على حقوقه بما قضى
وسـلـمُهُ  فـي موقع التسليمِ      مِــنْ  رشـحات قلبهِ السليمِ


الصفحة (54)

لماذا لمْ يقم بالسيف أحدٌ من الأئمة (عليهم السّلام) بعد الحسين (عليه السّلام) ؟

من الأخطاء التي وقع ويقع فيها بعض الناس هو القياس في سلوك الأنبياء والأوصياء ، فإذا أحد منهم قام بعمل بارز وحساس بحيث يعجبهم ويتلائم مع رغباتهم وأفكارهم ، فحينئذ يتوقّعون من الآخرين أيضاً أنْ يفعلوا نفس ذلك الفعل ، ويقوموا بمثل ما قام به فلان ؛ لأنّه أعجبهم ووافق أهوائهم ، وعلى هذا الأساس يقولون :

لماذا لمْ يقم أحد من الأئمّة بثورة مسلحة بعد الحسين (عليه السّلام) ؟ ومِنْ ثمّ رفض بعض المسلمين إمامة أي إمام لمْ يقم بالسيف ضد أعدائه . فالإمامة عندهم مشروطة بشرط الكفاح المسلح ؛ ولذا فهم يعترفون بإمامة علي (عليه السّلام) ، ثمّ الحسن (عليه السّلام) ، ثمّ الحسين (عليه السّلام) ، ثمّ زيد بن علي بن الحسين (عليه السّلام) ، وابنه يحيى بن زيد وهكذا ، أمّا زين العابدين ومحمد الباقر وجعفر الصادق (عليهم السّلام) فليسوا عندهم من الأئمّة ؛ لأنّهم لمْ يقوموا بالسيف . وهؤلاء [هم] الطائفة الزيدية الموجودون بكثرة في اليمن وغيرها .

والواقع أنّ هؤلاء وأمثالهم يظنّون أنّ مصلحة الاُمّة دائماً تدور مدار استعمال السيف والكفاح المسلّح وجوداً وعدماً ، فالإمام الذي لا يقوم بهذا الكفاح لمْ يخدم مصلحة الاُمّة ، غافلين عن أنّ استعمال السيف هو علاج اضطراري ، ومِنْ باب آخر الدواء الكي .

فهذا رسول الله (صلّى الله عليه وآله) مثلاً لمْ يستعمل السيف إلاّ بعد مضي ثلاثة عشر سنة أو أكثر مِنْ بدء الدعوة ، وبعد أنْ اضطر لاستعماله دفاعاً عن النفس ، وفي وجه اُناس كان موقفه معهم موقف حياة أو موت .

وبعده الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) أغمد سيفه خمساً وعشرين سنة ، وصار


الصفحة (55)

يدعو إلى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة ، ويجادلهم بالتي هي أحسن ، وأخيراً اضطر إلى استعمال السيف ضد اُناس فشلت معهم جميع الوسائل السلمية .

وبعده الإمام الحسن (عليه السّلام) الذي جرّد السيف في بدء الأمر ضد العدو ، ولكن لمّا ثبت لديه أنّ الكفاح السلمي ، والحرب الباردة في ذلك الظرف وفي تلك الأحوال أنجح وأنفع للمصلحة العامّة والإسلام من السيف ، ترك الحرب وجنح للسلم والمصالحة .

فالغرض : أنّه لا شك في أنّ مصلحة الحقّ والدين ليست منحصرة في الحرب بالسيف وفي الثورة الدمويّة دائماً ، بل في بعض الأحيان والأحوال وفي حالات شاذّة نادرة . فالحقّ لا يُفرض بالسيف والعقيدة لا تركّز بالقوّة ، ودين الله لا يقوم على الإكراه والإجبار .

وقد ذكرنا فيما سبق أنّ ظروف الحسين (عليه السّلام) كانت ظروفاً شاذّة ، انعدمت فيها كلّ وسائل الدعوة السلمية ، ولمْ يجد الحسين (عليه السّلام) معها بداً مِنْ أنْ يقوم بحركة غريبة ومدهشة لجلب الرأي العام ، وإلفات الأنظار وتحريك الضمير الإنساني .

وقد تحقّق كلّ ما أراده بحركته ، وبقي استغلال ذلك النتاج وصيانة تلك الثمرة بالبيان والتوجيه ، ورعاية تلك المكاسب بالدعم الفكري والعلمي والعملي ؛ وهذا هو بالذات كان دور الأئمّة (عليهم السّلام) مِنْ أبنائه بعده ، وقد قاموا به على أحسن ما يرام وأتمّ ما يكون .

فالحسين (عليه السّلام) وجّه بثورته الأفكار ولفت الأنظار إلى عدالة قضية أهل البيت (عليهم السّلام) ، وأنّهم مع الحقّ والحقّ معهم ، وأنّ خصومهم مع الباطل . ولكن يا ترى ما هي تفاصيل تلك القضية ؟ ـ أي قضية أهل البيت (عليهم السّلام) ـ وما هو مفصل هذا الحقّ الذي لهم ومعهم ؟ وما هو وجه الخلاف بينهم وبين غيرهم ؟

فهذه التفاصيل والشروح والبيانات للناس قام بها أبناؤه (عليهم السّلام) بعده بشتى الوسائل الممكنة لديهم ؛ وبذلك ظهر الحقّ وانتشر على الصعيد الفكري عامّة ، وعلى الصعيد العملي إلى حدّ كبير نسبة .

أمّا إذا قلت : لماذا قعدوا عن استعادة حقّهم المغتصب ، ولمْ يقوموا بثورة لاسترجاع الخلافة والإمرة والحكم ؟


الصفحة (56)

قلت : إنّ ذلك لمْ يكن مقدوراً لهم جميعاً ، ولمْ تتوفّر لأحدهم الإمكانيات لذلك الغرض ، كما لمْ تتوفّر للحسن ولا للحسين (عليهما السّلام) كما قدّمنا سابقاً ، وأعني بتلك الإمكانيات اللازمة لاسترجاع الخلافة مِنْ أيدي الغاصبين ، الأعوان والأنصار بالقدر اللازم والعدد الكافي ، والنصاب الشرعي المعروف ، وهو النصف مِنْ عدد العدو ، وحسب نصوص الآية الكريمة : ( الآنَ خَفّفَ اللّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِن يَكُن مِنكُم مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَينِ وَإِن يَكُن مِنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصّابِرِينَ )(1) .

وكان النصاب الموجب للقتال قبل هذا هو العشر كما في صريح الآية الكريمة التي قبلها : ( يَا أَيّهَا النّبِيّ حَرّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِن يَكُن مِنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِاْئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِنكُمْ مِاْئَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً من الّذِينَ كَفَرُوا . . . )(2) .

فكان النصاب المبرّر للقتال أوّلاً هو العشر ، ثمّ نسخ وصار النصف مِنْ قوّة العدو . ولا شك في أنّ النصاب الشرعي بصورتيه الأولى والثانية لمْ يحصل لأحد الأئمّة (عليهم السّلام) بعد النبي (صلّى الله عليه وآله) سوى علي بن أبي طالب (عليه السّلام) ؛ فإنّه الوحيد مِنْ بينهم الذي حصل على النصاب المذكور ، وتمكّن من القيام واستحصال حقّه .

وأمّا الباقون فلمْ يحصلوا على أعوان وأنصار ، حتّى بمقدار النصاب الأول وهو العشر فضلاً عن النصف ؛ فالحسن (عليه السّلام) مثلاً بقي بعد خيانة الجيش في أهل بيته ، وعدد قليل من الأصحاب والأنصار لا يتجاوزون المئة رجل ، وفي قباله معاوية ومعه ستّون أو سبعون ألف مقاتل .

فأيّ توازن وأيّ تقارب بين القوّتين ؟! لذلك سقط عنه تكليف الجهاد الشرعي ، ولمْ يبقَ أمامه إلاّ التضحية والشهادة أو الصلح والمهادنة ، فاختار الصلح ؛ لأنّه كان أصلح يومئذ وأنفع لمصلحة الإسلام العُليا من التضحية حسب ما فصلناه سابقاً ، فراجع .

وكذلك الأمر مع الحسين (عليه السّلام) كما تعلم ، حيث بقي في نيف وسبعين رجلاً ، في مقابل سبعين ألفاً من الأعداء ، ولكنّه (عليه السّلام) آثر الشهادة والقيام بعمله الفدائي الخاص نظراً لظروفه الخاصّة حسبما فصّلناه سابقاًً .

ـــــــــــــــــــ
(1) سورة الأنفال / 67 .
(2) سورة الأنفال / 65 .

 

الصفحة السابقة

الصفحة (57)

وأمّا باقي الأئمّة (عليهم السّلام) فحالهم لمْ تختلف عن حال الحسن والحسين (عليهما السّلام) ، بل ربّما كان أشدّ وأحرج .

يلتفت ذلك الرجل إلى الإمام الصادق (عليه السّلام) وهو يمشي معه في ضواحي المدينة فيقول له : يا سيدي ، كيف يجوز لك السكوت والقعود عن حقّك وأنت صاحب هذا الأمر وابن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ؟!

فسكت عنه الإمام الصادق (عليه السّلام) حتّى مرّ بهم راع يسوق قطيعاً من الغنم ، فقال له الإمام (عليه السّلام) : (( يا فلان ، كمْ تعدّ هذا القطيع ؟ )) . فقال الرجل : لا أدري . فقال (عليه السّلام) : (( والله ، لو كان لي أنصار عدد هذا القطيع لنهضت بهم )) . فعطف الرجل على القطيع فعدّه فإذا هو سبعة عشر رأس .

ودخل سهل بن الحسن الخراساني عليه ذات يوم وقال : يابن رسول الله ، لا يجوز لك القعود عن حقّك ولك في خراسان مئة ألف رجل يُقاتلون بين يديك مِنْ شيعتك .

فقال له الإمام الصادق (عليه السّلام) : (( وأنت منهم يا سهل ؟ )) . فقال : نعم ، جعلت فداك يا سيدي . فقال له : (( اجلس )) . فجلس ، ثمّ أمر الإمام (عليه السّلام) الجارية وقال : (( يا جارية ، أسجري التنور )) . فسجرته حتّى صار اللّهب يتصاعد مِنْ فم التنور ، فالتفت الصادق (عليه السّلام) إلى سهل الخراساني وقال : (( يا سهل ، أنت مِنْ هؤلاء الذين ذكرت أنّهم يطيعون أمري ؟ )) . فقال : نعم سيدي أفديك بروحي . فقال (عليه السّلام) : (( قم وادخل في هذا التنور )) . فقال سهل : أقلني أقالك الله يابن رسول الله . فقال (عليه السّلام) : (( قد أقلتك )) .

فبينا هم كذلك إذ دخل أبو هارون المكّي (رحمه الله) فسلّم ، فردّ (عليه السّلام) وقال له : (( يا أبا هارون , ادخل في التنور )) . فقال له : سمعاً وطاعة . ثم ألقى نعله وشمّر عن ثيابه ودخل في التنور , فقال الإمام (عليه السّلام) : (( يا جارية ، اجعلي عليه غطاءه )) . فغطّته .

ثمّ التفت الإمام (عليه السّلام) إلى سهل بن الحسن وصار يحدّثه ، فقال سهل : إئذن لي يا سيدي أنْ أقوم وأنظر ما جرى على هذا الرجل . فقال (عليه السّلام) : (( نعم )) . ثمّ قام ومعه سهل وكشف الغطاء عن التنور ، وإذا أبو هارون جالس على رماد بارد ، فقال له الإمام : (( اخرج )) . فخرج صحيحاً سالماً لمْ يصبه أيّ أذى .


الصفحة (58)

فقال (عليه السّلام) : (( يا سهل ، كم تجد مثل هذا في خراسان ؟ )) . فقال سهل : ولا واحد يابن رسول الله .

وهذه العملية هي كرامة ، ولا شك أظهرها الإمام الصادق (عليه السّلام) وعبّر بها عن أنّ أهل البيت إنّما هم بحاجة إلى جيش عقائدي ، يطيع الأوامر الصادرة إليه من الإمام (عليه السّلام) مهما كانت ، لا يعرف التردّد والهزيمة ، ولا يفكّر بغير الشهادة أو الغلبة ؛ لثقته التامّة بالإمام (عليه السّلام) ، واعتقاده الراسخ المتين بأنّ أوامره مِنْ أمر الله ورسوله ، وهو أعرف بالصالح والفاسد ، والحقّ والباطل مِنْ جميع الناس .

فهم بحاجة إلى هكذا جيش ، متوفّر لديهم قدر النصاب الشرعي على الأقل ، وقبل القيام بالحركة أو الثورة ؛ لكي لا تتكرر نكسة صفين ، أو مأساة كربلاء ، أو نكبة الحسن على يد جيشه يوم ساباط .

وخلاصة الكلام هو أنْ نقول : أمّا القيام لأجل أخذ حقّهم في الخلافة ، وانتزاع السلطة مِنْ أيدي الظالمين فإنّه كان مستحيلاً عادة بالنسبة لهم ؛ لعدم توفّر الشرائط واللوازم الضرورية لمثل هذا القيام لديهم ، وأهمّها الأنصار والأعوان المخلصون .

غير أنّهم كانوا يدعمون معنويّاً وماديّاً وفكريّاً قدر استطاعتهم كلّ الثورات الحرّة ، والحركات الإصلاحية التي كانت تقوم بين حين وآخر ضد الاُمويِّين أو العباسيِّين ، مثل : ثورة أهل المدينة على يزيد (لعنه الله) ، وثورة زيد بن علي بن الحسين على عبد الملك بن مروان ، وثورة المختار الثقفي في الكوفة ، وثورة محمد ذو النفس الزكية على المنصور العباسي ، وبعدها ثورة أخيه إبراهيم أحمر العينين على المنصور أيضاً وغيرها .

وأمّا القيام لأجل التضحية والشهادة مثل قيام الحسين (عليه السّلام) ، فإنّه لمْ يكن ضرورياً في عصرهم ؛ لأنّ وسائل الإعلام والدعوة إلى الحقّ ، وطرق إتمام الحجّة وتبيلغ الرسالة لمْ تنعدم كليّاً في عصر الأئمّة (عليهم السّلام) ، كما انعدمت في عصر الحسين (عليه السّلام) حتّى اضطر إلى القيام بالإبلاغ والإعلام عن طريق التضحية والشهادة .

فالإمام الباقر والإمام الصادق (عليهما السّلام) مثلاً قاما بأوسع حركة علميّة مستطاعة في


الصفحة (59)

ذلك العصر عن طريق المدرسة والتدريس ، ونشر العلم واستقطاب العلماء ، وتربية ثلة من الشباب المؤمن بالتربية الإسلاميّة ، وبثهم في الأقطار والأمصار يبشرون ويرشدون ويعلّمون . فكان عصرهما (عليهما السّلام) أحسن عصور الإسلام ازدهاراً بالعلم والمعرفة ، وتقدّم الثقافة وكثرة المدارس والمجالس العلميّة .

وبقي الحال على هذا الوصف ، بل وازداد تقدّماً وازدهاراً إلى عصر الإمام الرضا والجواد (عليهما السّلام) . . . وهما اللذان كوّنا بجهودهما وبمعونة المأمون العباسي ، وتعاون المجتمع معهما ، كونا من المسلمين أساتذة للعالم الغربي اليوم بكلّ علومه واكتشافاته المدهشة .

قال ابن الوشا : دخلت إلى جامع الكوفة في أيّام الرضا (عليه السّلام) فرأيت تسعمئة شيخ يحدّثون ويدّرسون ويقولون : حدّثنا جعفر بن محمد (عليه السّلام) .

وفي الختام نكرّر القول : بأنّ خدمة المصلحة العامّة ونصرة الحقّ ومكافحة الباطل والظلم ليست في الحرب دائماً ، بل الأمر يختلف باختلاف الظروف والأحوال .

والحرب الدمويّة هي آخر وسيلة يفكر فيها المصلحون المخلصون لاُمّتهم وللصالح العام بعد اليأس من الوسائل السلمية . وإلى هذا يشير الإمام علي (عليه السّلام) في كلماته القصار : (( رأي الشيخ أحبّ إليّ مِنْ جلد الغلام )) .

وإلى هذا يشير المتنبي الشاعر في أبياته المعروفة فيقول :

الـرأيُ ثمّ شجاعةُ الشجعانِ      هو  أوّل وهي المحلّ الثاني
فـإذا هما اجتمعا لنفسٍ حرّةٍ      بـلغتْ من العلياءِ كلَّ مكانِ
و لـربّما طعن الفتى أعداءهُ      بالرأي  قبل تطاعنِ الأقرانِ
لولا العقولُ لكان أدنى ضيغمٍ      أدنى  إلى شرفٍ من الإنسانِ

وقد جاء في الحديث الشريف قوله (صلّى الله عليه وآله) : (( مدادُ العلماء أفضل مِنْ دماء الشهداء )) .


الصفحة (60)

هل يمتاز الحسين (عليه السّلام) على سائر الأئمّة (عليهم السّلام) في الصفات التي اشتهر بها ؟

يعرف الحسين (عليه السّلام) لدى الرأي العام بصفة الثورية والصلابة والشجاعة وإباء الضيم ، فهل هذا يعني أنّ الحسين كان متفوّقاً على سائر الأئمّة (عليهم السّلام) في هذه الصفات ، أو أنّ غيره من الأئمّة (عليهم السّلام) ، أو بعضهم على الأقل كان محروماً مِنْ هذه الصفات ؟ الجواب : كلاّ . . .

فالواقع هو أنّ الأئمّة الاثني عشر الذين أوّلهم علي بن أبي طالب (عليه السّلام) وآخرهم المهدي المنتظر (عليه السّلام) كلّهم في مستوى واحد مِنْ حيث جميع الفضائل الكمالية والصفات الإنسانية ومكارم الأخلاق .

وهم بمجموعهم يفوقون كافّة الناس في التحلّي بالفضائل والكمالات ، أي ليس في العالم مثلهم بعد الرسول (صلّى الله عليه وآله) ، ولا نظير لهم في أي فضيلة أو كمال نفسي ؛ لأنّ ذلك شرط العصمة ولازمها .

وقد ثبت بدليل العقل والنقل أنّهم معصومون ، ولا يكفي في تحقق العصمة لشخص ما أنْ يكون مؤمناً صالح العمل والسيرة والأخلاق فحسب ، بل يجب أنْ يكون أيضاً فوق مستوى الناس في العلم والإيمان والعمل الصالح ومكارم الأخلاق ، ومِنْ ثمّ يستحق منصب الإمامة على الناس .

ومن شواهد ذلك قول الخليل بن أحمد ، العالم النحوي عندما سُئل : ما الدليل على إمامة علي (عليه السّلام) بعد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) دون سائر الصحابة ؟ فقال : الدليل استغناؤه عن الكلّ واحتياج الكل إليه .

وهذا الدليل يجري بالنسبة إلى باقِ الأئمّة الأحد عشر مِنْ أبنائه أيضاً ، وهو أمر يفرضه العقل والمنطق والعدل . إذ إنّه لو وجد شخص آخر في عصر الإمام المعيّن هو مثل الإمام ومساوٍ له في الفضل والكمال يكون


الصفحة (61)

حينئذ تقديم أحدهما على الآخر للإمامة والقيادة باطلاً عقلاً ؛ لأنّه ترجيح بلا مرجح .

أمّا إذا وجد مَنْ هو أفضل من الإمام وأرفع مستوىً في العلم والقدرة والعمل ، فتقديم الإمام عليه أقبح عقلاً وأشدّ بطلاناً ؛ لأنّه مِنْ باب تقديم المفضول على الفاضل ، أو تقديم الفاضل على الأفضل وهو فاسد .

فالله تعالى إمّا اختار علياً (عليه السّلام) وأبناءه الأحد عشر المعروفين للخلافة عن الرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله) ، ولقيادة الاُمّة بعده علماً منه تعالى بأنّ هؤلاء هم أكمل الناس وأفضلهم جميعاً إيماناً وعلماً وعملاً .

وأشار تعالى في كتابه العزيز إلى أنّ ملاك الإمامة والإمارة إنّما هي في الأفضلية لا غير ، فقال تعالى : ( هَلْ يَسْتَوِي الّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالّذِينَ لا يَعْلَمُونَ )(1) . وقال تعالى : ( أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الْحَقّ أَحَقّ أَن يُتّبَعَ أَمْ مَن لاَ يَهِدّي إِلاّ أَن يُهْدَى‏ فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ )(2) . وقال تعالى : ( يَرْفَعِ اللّهُ الّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ )(3) . وقال تعالى : ( لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ )(4) .

وقد نصّ الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) على هذا الملاك للسيادة والإمامة والإمرة في كلماته القصار ، فقال : (( أحسن إلى مَنْ شئت تكن أميرَه ، واحتج إلى مَنْ شئت تكن أسيرَه ، واستغن عمّن شئت تكن نظيرَه )) .

وقد كشف رسول الله (صلّى الله عليه وآله) النقاب عن أنّ هذا الملاك متوفّر ومتحقّق فيه وفي أهل بيته الطاهرين (عليهم السّلام) ، فقال في وصيته العامّة قبيل وفاته : (( أيّها الناس ، لا تتقدّموهم فتهلكوا ، ولا تتأخروا عنهم فتضلّوا ، ولا تعلّموهم فإنّهم أعلم منكم )) .

وفي بعض خطب الإمام أمير المؤمنين من (عليه السّلام) نهج البلاغة قوله : (( لا يُقاس بآل محمد مِنْ هذه الاُمّة أحد ، ولا يسوّى بهم مَنْ جرت نعمتهم عليه أبداً ؛ هم أساس الدين وعماد اليقين ، بهم يلحق التالي ، وإليهم يفيء الغالي ، ولهم خصائص حقّ الولاية ، وفيهم النبوّة والوراثة )) .

وقال (عليه السّلام) في مقام آخر : (( نحن صنايع ربّنا ، والخلق بعد صنايع لنا )) . أي أنّ كمالهم مِنْ كمال الله سبحانه ، وكلّ كمال وصلاح وفضل يوجد في الناس

ـــــــــــــــــ
(1) سورة الزّمر / 9 .
(2) سورة يونس / 35 .
(3) سورة الُمجادلَةِ / 11 .
(4) سورة البقرة / 124 .

الصفحة (62)

فهو مِنْ طهرهم وفضلهم وصلاحهم (عليهم السّلام) .

وبعبارة اُخرى : إنّهم تربية الله تعالى ، والصالحون من الناس تربيتهم هم (صلوات الله عليهم) .

فالغرض : أنّ أهل البيت (عليهم السّلام) أفضل الخلق وأكملهم بعد جدّهم رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، وأمّا هم وفيما بينهم فلا تفاضل ولا امتياز لأحدهم على الآخر في هذا الأصل ، أي أصل الكمال والعصمة . نعم ، قد يوجد تفاضل بينهم ، ولكن باعتبارات ثانوية كالاُبوّة والبنوة مثلاً .

ولعلك تقول : إذا كان الأمر كذلك ، فلماذا عرف واشتهر بعضهم في بعض الصفات الكمالية دون الآخرين ؟ كالإمام علي (عليه السّلام) مثلاً الذي عُرف بالبطولة والشجاعة ، والإمام الحسن (عليه السّلام) الذي عُرف بالحلم والصبر وكظم الغيظ ، والإمام الحسين (عليه السّلام) الذي عُرف بإباء الضيم والثورية والشدّة مع العدو ، والإمام زين العابدين (عليه السّلام) الذي عرف بالعبادة ، والإمامين الباقر والصادق (عليهما السّلام) اللذين عرفا بالعلم . . . وهكذا .

فنقول في الجواب : إنّ السبب في اشتهار هؤلاء بتلك الصفات لا يعود إلى تفوّق ذاتي ، وإلى أنّ هؤلاء توفّرت فيهم هذه الصفات دون الآخرين أو أكثر من الآخرين ! كلا .

فالشجاعة التي كانت في الإمام علي (عليه السّلام) مثلاً مثلها تماماً كان في الحسن والسجاد والباقر والصادق (عليهم السّلام) وغيرهم ، وكذلك الحلم الذي كان في الحسن وإباء الضيم والثورية اللذان كانا في الحسين وهكذا ، وعلى هذا القياس .

وإنّما السبب في ذلك ـ أي في اشتهار بعضهم ببعض الصفات الكمالية دون البعض الآخر ـ يعود بصورة رئيسة إلى الظروف الخاصة ، والمقتضيات الزمنية التي عاشها كلّ منهم ؛ فالإمام علي (عليه السّلام) عاش فترة خاصة ، وظروفاً معينة اقتضت منه أنْ يبرز شجاعته ويظهر بطولته ؛ بسبب الحروب التي خاضها دفاعاً عن الإسلام وصيانة له مع الرسول (صلّى الله عليه وآله) وبعد الرسول (صلّى الله عليه وآله) . وأي واحد من


الصفحة (63)

الأئمة (عليهم السّلام) لو كان في عصر الإمام علي (عليه السّلام) ، وفي مثل ظروفه ومسؤولياته لأظهر من الشجاعة مثل ما أظهره الإمام علي (عليه السّلام) .

وأما الحسن (عليه السّلام) فبالعكس ، فإنّه عاش في ظرف كانت مصلحة الإسلام تقتضي منه المسالمة والمصالحة والصبر ؛ فلذلك عرف بالحلم . لكن الحسين (عليه السّلام) كانت ظروفه تفرض غير ذلك ، أي الاعتماد على الشدّة والثورة ورفض أي مسالمة ومصالحة مع حكّام عصره ؛ لذلك عرف بالإباء والثورية وصلابة العزيمة .

وأيّ إمام آخر لو كان بمكان الحسين وفي عصره وظروفه لما كان يعمل إلاّ ما عمله الحسين (عليه السّلام) ، وما قام به من الثورة والتضحية ، حسب ما شرحنا ذلك في بعض الفصول السابقة .

أمّا عصر الإمام الباقر وابنه جعفر الصادق (عليهما السّلام) فإنّه كان يتطلّب منهما الاعتماد على نشر العلم ، وبثّ الوعي العلمي ، وإرسال البعثات العلميّة ، وفتح المدارس والدورات الدراسية ؛ لمكافحة الدسائس الفكرية والتطرف العقائدي ، والفلسفات المادية التي تسرّبت إلى المسلمين بحكم اتصالهم بالأمم والشعوب الاُخرى ؛ لذلك فقد أسسا أكبر جامعة علميّة في العالم الإسلامي ، حيث انتمى إليها أكثر مِنْ أربعة آلاف طالب ؛ ومِنْ هنا عرفا بالعلم وكثرة الأحاديث والأخبار التي رويت عنهما ، حتّى روى راو واحد عن الإمام الباقر (عليه السّلام) ثلاثين ألف حديث ، وهو جابر الجعفي وهكذا .

وكلّ من الأئمة (عليهم السّلام) لو كان بمكانهما لعُرف بمثل ما عُرفا به ، ونشر من العلم مثل ما نشر الباقر والصادق (عليهما السّلام) .

والخلاصة : إنّ من الغلط الفاحش والخطأ الكبير ما يظنّه البعض مِنْ أنّ اشتهار بعض الأئمّة (عليهم السّلام) ببعض الصفات كانت بسبب ذاتي ، وملكات خاصة ، ومواهب فطرية معينة . كلا ليس كذلك ؛ فثورية الحسين (عليه السّلام) ، وإباؤه للضيم ، وشدّته مع الأعداء مثلاً ليست ناشئة عن حرارة دموية ومزاج عصبي خاص به ، ولا مِنْ


الصفحة (64)

كبت نفسي كما يزعم الكتاب الجاهلون بحقيقة الحسين (عليه السّلام) ومقامه ، وحقيقة أهل البيت (عليهم السّلام) .

وكذلك مسالمة الحسن (عليه السّلام) وصفته السلمية وحلمه مع الأعداء ، لمْ تكن أثراً لبرودة دمه وهدوء أعصابه ومزاج خاص به ، حسبما يصوّره لنا بعض المتطفّلين على الكتابة عن أهل البيت (عليهم السّلام) .

فالحقيقة هو أنّ كلّ ما قام به الحسن أو الحسين (عليهما السّلام) وغيرهما مِنْ أئمّة أهل البيت (عليهم السّلام) إنّما هو ناشئ ونابع عن إرادة الله وأمره ، وإيعاز من النبي (صلّى الله عليه وآله) مِنْ قبل ؛ خدمة لمصلحة الإسلام العليا ، وتمشياً مع متطلبات الظرف والأحوال .

إنّ أهواء النفس والعواطف والغرائز والحالات الفطرية العضوية لا تأثير لها مطلقاً على تصرّفات أهل بيت العصمة (عليهم السّلام) .

إنّ سيرة أهل البيت (عليهم السّلام) وسلوكهم في هذه الحياة كيّفتها الحكمة والمصلحة ، لا الغرائز والأمزجة وعواطف النفس الحيوانية . وكلّ حركة أو سكون أو فعل أو ترك ، وكلّ وجه مِنْ أوجه النشاط قام به أحدهم كان بوحي من الله ورسوله ، مطابقاً للكتاب والسنّة . هذا ما أثبتته الأحاديث الشريفة الصحيحة عن الرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله) ، وأكّدته التجارب والنتائج الواقعية .

فمن الأحاديث المؤكّدة قوله (صلّى الله عليه وآله) : (( إنّي مخلّف فيكم الثقلين ؛ كتاب الله وعترتي أهل بيتي ، ما إنْ تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبداً ؛ فإنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليَّ الحوض )) .

وقوله (صلّى الله عليه وآله) في حقّ علي بن أبي طالب (عليه السّلام) : (( علي مع الحقّ والحقّ مع علي ، يدور معه حيثما دار )) .

وقال (صلّى الله عليه وآله) في دعائه له يوم الغدير : (( اللّهمَّ والي مَنْ والاه ، وعادي مَنْ عاداه ، وانصر مَنْ نصره ، واخذل مَنْ خذله ، وأدر الحقّ معه حيثما دار )) .

وقال (صلّى الله عليه وآله) في حقّ الحسن والحسين (عليهما السّلام) : (( هما إمامان قاما أو قعدا )) .

وأخيراً قوله (صلّى الله عليه وآله) : (( مَثلُ أهل بيتي فيكم كسفينة نوح ، مَنْ ركبها نجا ، ومَنْ تخلّف عنها غرق وهوى )) .


الصفحة (65)

وهناك أخبار صحيحة ومعتبرة مفادها : أنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) خلّف لأوصيائه الاثني عشر (صلوات الله عليهم) اثني عشر صحيفة ، لكلّ إمام منه صحيفته الخاصة ، وفيها تكاليفه المفروض عليه القيام بها في دور إمامته . وقد عمل كلّ منهم على ضوء ما في صحيفته مِنْ أوامر ونواهي وأحكام .

وهذا ما أشار إليه الحسين (عليه السّلام) في حديث مع الصحابي الجليل جابر بن عبد الله الأنصاري لمّا دخل عليه وهو في مكّة المكرّمة ، وقال له : يابن رسول الله ، إنّي لا أرى لك إلاّ أنْ تسالم وتصالح يزيد ، كما صالح أخوك الحسن (عليه السّلام) معاوية مِنْ قبل ؛ فإنّه كان موقفاً رشيداً . فقال له الحسين (عليه السّلام) : (( يا جابر ، إنّ أخي فعل ما فعل بأمرٍ من الله ورسوله ، وأنا أفعل ما أفعل بأمرٍ من الله ورسوله . . . )) الخبر .

وعلى كلّ حالٍ ، فلقد عُرف الحسين (عليه السّلام) أكثر ما عُرف بصفة الثورية وإباء الضيم ، وبلغت شهرته في هذه الصفة حدّاً كبيراً حتّى اعتبره الرأي العام قدوة الأحرار ، والمثل الأعلى للثوار في العالم ، وسيد أباة الضيم في التاريخ .

فهذا مثلاً العلاّمة المعتزلي عقد فصلاً في كتابه شرح نهج البلاغة ، ذكر فيه المعروفين بإباء الضيم من العرب في الجاهليّة والإسلام ، ثمّ يقول في الختام : وسيد أباة الضيم جميعاً ، والذي علّم الناس كيف يختارون الموت مع العزّ ، وتحت ظلال السيوف على الحياة مع الذل هو أبو عبد الله الحسين (عليه السّلام) .

هذا ولا تزال بعض كلمات الحسين مبدأً وشعاراً يعلنه ويرفعه كلّ الثوار في كلّ زمان ومكان ، مثل قوله (عليه السّلام) : (( ألا وإنّي لا أرى الموت إلاّ سعادة ، والحياة مع الظالمين إلاّ برماً )) . وقوله (عليه السّلام) : (( ألا وإنّ الدّعيّ ابن الدعي قد ركز بين اثنتين ؛ بين السلّة والذلّة ، وهيهات منّا الذلّة )) . وقوله (عليه السّلام) : (( لا أعطيكم بيدي إعطاء الذليل ، ولا أقرّ لكم إقرار العبيد )) .

وممّا يتحدّث به المؤرّخون بإعجاب مِنْ صفات الحسين (عليه السّلام) هي شجاعته المدهشة التي أبداها يوم كربلاء في ذلك الموقف الرهيب .


الصفحة (66)

فقد ورد عن لسان بعض مقاتليه مِنْ جيش عمر بن سعد قوله : والله ، ما رأيت مكثوراً قط قد قُتل ولده وإخوته وأهل بيته أربط جأشاً ، ولا أقوى جناناً من الحسين (عليه السّلام) ؛ فلقد كانت الرجال تشدّ عليه مِنْ كلّ جانب ، فكان يشدّ عليها فتهزم مِنْ بين يديه انهزام المعزى إذا حلّ فيها الأسد . وكانوا ينكشفون عنه يميناًً وشمالاً كأنّهم الجراد المنتشر ، وقد تكاملوا ثلاثين ألفاً وهو وحيد ، فإذا أبعدهم عن المخيم عاد إلى موقفه أمام البيوت ، وهو يكثر مِنْ قوله : (( لا حول ولا قوة إلاّ بالله العلي العظيم )) .

وذكر أرباب المقاتل : أنّ الحسين (عليه السّلام) حمل على الجيش في ذلك اليوم عدّة حملات ، قتل منهم في مجموعها ألفاً وتسعمئة وخمسين رجلاً ، حتّى صاح عمر بن الحجّاج الزبيدي ، وهو أحد قادة الجيش ، صاح بالناس مستثيراً لهم عليه قائلاً : ويلكم ! أتدرون لمَنْ تقاتلون ؟! هذا ابن الأنزع البطين ، هذا ابن قتّال العرب ، احملوا عليه حملة رجل واحد . هذا كلّه بالإضافة إلى ما كان يكابده في تلك الحال من العطش الشديد والجهد والإرهاق .

قالوا : كان العطش قد أثّر في شفتيه حتّى ذبلنا ، وأثّر في لسانه حتّى صار كالخشبة اليابسة ، وأثّر في عينيه حتّى صار يبصر ما بين السماء والأرض كالدخان .

وأمّا آلامه الجسدية والنفسية التي تراكمت عليه حينئذ ، فإنّها تهدّ الجبال ، فلقد كان (عليه السّلام) يعاني أشدّ الآلام النفسية بسبب ثكل الأولاد وفقد الأخوة والأقارب والأصحاب ، والشعور بالوحدة والاغتراب ، ومشاهدة النساء والأطفال حيارى مدهوشين مذهولين مِنْ تراكم المصائب ، وألم الضما على أبواب الخيام وداخلها إلى جنب ابنه المريض المسجى على الأرض الفاقد الوعي مِنْ شدّة السقام .

هذا وأكثر مِنْ هذا ممّا يضيق البيان عن وصفه ، ويعجز اللسان عن ذكره وتفصيله ، ومع ذلك كلّه فلقد كان (عليه السّلام) كما وصفة السيد الحلي (رحمه الله) :


الصفحة (67)

ركين وللأرضِ تحتَ الكماة      رجـيـف يـزلزلُ ثهلانَها
أقرّ على الأرضِ من ظهرها      إذا مـلـملَ الرعبُ أقرانَها
تـزيدُ  الـطلاقةُ في وجههِ      إذا غـيّر  الـخوفُ ألوانَها
وأضـرمَها  لـعنانِ السماء      حـمـراءَ  تـلـفحُ أعنانَها
ولـمّـا  قـضى للعُلا حقّها      وشـيّـدَ بـالـسيفِ بنيانَها
تـرجّـلَ للموتِ عن سابقٍ      لـهُ أخـلـتِ الخيلُ ميدانَها
كــأنّ  الـمنيةَ كانتْ لديه      فـتـاةٌ  تـواصلُ خلصانها
جـلتْها لهُ البيضُ في موقفٍ      بـهِ  أثكلَ السمرُ خرصانَها
فـباتَ بها تحتَ ليلِ الكفاح      طـروبُ الـنـقيبةِ جذلانَها
وأصـبـحَ مشتجراً للرماح      تـحـلّي  الـدمامنة مرّانَها
فـما أجلتِ الحربُ عن مثلهِ      صـريـعـاً يجبّن شجعانَها

* * *


الصفحة (68)

لماذا يُوصف الحسين (عليه السّلام) بسيد الشهداء ؟

من المتداول على ألسنة الشيعة أنْ يصفوا الحسين (عليه السّلام) بسيد الشهداء ، فهل هذا صحيح ومنطقيّ ؟

 نقول : أجل ؛ لأنّ كلمة (شهيد) مصطلح إسلامي خاص ، يعني ذلك المسلم الذي يُقتل في ساحة حربٍ مع أعداء الإسلام دفاعاً عن الإسلام ، بشرط أنْ تكون تلك الحرب بأمرٍ ، أو إذن من النبي (صلّى الله عليه وآله) ، أو الإمام أو نائبه الخاص أو العام .

وحكم هكذا قتيل أنْ لا يُغسّل ولا يُكفّن ، بل يُصلّى عليه فقط ويدفن بثيابه التي قُتل فيها ، ويسمّى حينئذ (شهيداً) ؛ لأنّه يُبعث يوم القيامة على هيئته التي دُفن عليها ، وبدمائه وجراحاته فيشاهده الناس في المحشر ، ويعلمون أنّه مقتول في سبيل الله تعالى . وقيل في تسميته بالشهيد وجوه اُخرى ، وما ذكرناه أقرب إلى الصواب .

وأجر الشهيد عظيم جداً عند الله سبحانه ، بحيث لا يوجد عمل بعد الإيمان بالله أفضل من الشهادة في سبيله . فالشهادة كفارة لكلّ الذنوب ، والشهداء أحياء عند ربهم يرزقون .

ولكن ليسوا في الفضل سواء ، ولا في الأجر والمقام على مستوى واحد ، بل يتفاوتون في الفضل والمقام والدرجات حسب تفاوت مواقفهم ونيّاتهم ؛ فكلّما كان موقف الشهيد أشدّ حراجة ، وأكثر تأثيراً وأصعب ظروفاً كان أجره أكثر ودرجته عند الله أرفع ، كما أنّه كلّما كان موقف الشهيد أكثر إخلاصاً وأبعد عن آمال النصر والغنيمة والربح المادي كان فضله أكثر . فشهداء معركة بدر مثلاً أفضل مِنْ شهداء معركة أحد لهذا السبب بالذات .


الصفحة (69)

ونحن إذا علمنا أنّ موقف شهداء كربلاء يوم العاشر من المحرم فاق مواقف جميع الشهداء في العالم حراجة وشدّة ، ومِنْ حيث النتائج والآثار لصالح الحقّ ؛ إذ وقف بضع عشرات من الرجال والصبيان وهم عطاشى جياع ، محصورين أمام عشرات الآلاف من الجنود المدججين بالسلاح والمجهزين بكلّ وسائل القوة . هذا مِنْ حيث حراجة الموقف .

وأمّا مِنْ حيث خلوص النيّة ، فنحن إذا تذكّرنا أنّ شهداء الطفِّ لمْ يكن عندهم أدنى أمل ولا أقل احتمال في الغلبة والنصر على العدو ، ولا في غنيمة أو جائزة ، أو أيّ نوع من الربح المادي مِنْ وراء ذلك الموقف ، ثمّ إذا عرفنا أنّ موقفهم أحيا الدين وأبقاه ، وصانه من المحو ، وحفظه مِنْ خطر الزوال الكلّي على يد أعداء الله بني اُميّة كما شرحنا ذلك مفصلاً فيما سبق .

أقول : إذا علمنا بكلّ ذلك واعترفنا به ، فحينئذ لا نستغرب القول بأنّ شهداء كربلاء وعلى رأسهم سيدهم الحسين (عليه السّلام) هم سادات الشهداء في العالم كلّه ، أي أفضلهم مقاماً ، وأكثرهم أجراً عند الله ورسوله . وإنّ لقب سيد الشهداء أليق وأجدر بالحسين (عليه السّلام) مِنْ كلّ شهيد آخر له فضله وأجره ومقامه العظيم عند الله تعالى أيضاً .

ولا بدّ من التنبيه إلى أنّه قد تداول بين بعض الذين كتبوا عن الحسين (عليه السّلام) في عصرنا الحاضر أنّ يعطوا الحسين (عليه السّلام) لقب (أبو الشهداء) ؛ ولعلهم يظنون أنّ هذا اللقب أليق بمقام الحسين (عليه السّلام) مِنْ لقب (سيد الشهداء) ، وهو ظنّ خاطئ ؛ لأنّه لا تلازم بين كون الشخص أبا الشهداء وبين كونه شهيداً بذاته أيضاً . وكثيراً ما يكون شخص أباً لشهداء ، ولكنّه هو غير شهيد وغير حائز على مقام الشهادة الرفيع .

فهذا عقيل بن أبي طالب (رضي الله عنه) مثلاً قدّم تسعة مِنْ أبنائه وأحفاده شهداء بين يدي الحسين (عليه السّلام) يوم عاشوراء ، ولكنّه هو لم يكن شهيداً ، بل مات في المدينة بعد مقتل الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) ببضع سنوات ، فهو أبو شهداء وليس بشهيد ؛ ولذا نقول : إنّ لقب (أبو الشهداء) لا يدلّ على شهادة الحسين (عليه السّلام) فضلاً عن سيادته على الشهداء ، وبالتالي لا يشعر بهذا الشرف الرفيع


الصفحة (70)

والمقام المنيع الذي فاز به الحسين (عليه السّلام) ، بالإضافة إلى أنّه (عليه السّلام) محور للشهداء مِنْ كلّ الجوانب .

فهو الشهيد ابن الشهيد أخو الشهداء وأبو الشهداء ، والشهادة سمة أبنائه وآله وأحفاده ، فهم كما قيل فيهم : القتل لهم عادة ، وكرامتهم من الله تعالى الشهادة . ألا هلمّ فاستمع وما عشت أراك الدهر عجباً .

من المضحكات المبكيات في عصرنا الحاضر هو التلاعب والتحريف بالمفاهيم الإنسانية ، ومسخ الصفات الفاضلة ، ومنه : تحريف كلمة الشهيد والتلاعب بمفهوم الشهادة ، ومسخ صفتها الإنسانية النبيلة ، حتّى صاروا يطلقون اسم الشهيد على مجرم يُقتل بجرمه ، وهدّام يُصرع تحت أنقاض هدمه وتخريبه ، وانتهازي وصولي يفقد حياته القذرة في طريق أطماعه وشهواته ، وعميل للعدو الكافر والمستعمر الظالم يلاقي جزاء خيانته ، ومتهوّر طائش يصيبه أثر طيشه وتهوره ، وهكذا .

وإذا كلّ هؤلاء أو بعضهم يُمنحون لقب الشهداء ، ووسام الشهادة على صفحات الصحف والمجلات ، وأبواق الدعاية ووسائل النشر !

وسلام الله تعالى على الإمام أبي الحسن علي أمير المؤمنين حيث تنبّأ بظواهر هذا العصر ، فقال في خطبة له (عليه السّلام) : (( سيأتي عليكم مِنْ بعدي زمان ليس فيه شيء أخفى من الحقّ ، ولا أظهر من الباطل ، ولا أكثر من الكذب . وليس عند أهل ذلك الزمان سلعة أبور من الكتاب إذا تُلي حقّ تلاوته ، ولا أنفق منه إذا حُرّف عن مواضعه ، ولا في البلاد شيء أنكر من المعروف ولا أعرف من المنكر )) .

ولأجل المزيد من الإيضاح نعود إلى أصل الموضوع فنقول : إنّ للإسلام اصطلاحاً خاصاً ومفهوماً مبتكراً لكلّ مِنْ كلمة شهيد وكلمة سيد ؛ أمّا المفهوم الإسلامي الخاص لكلمة شهيد هو ما ذكرنا : مِنْ أنّه عبارة عن المسلم الذي يُقتل في سبيل الدفاع عن الإسلام في ساحة القتال ، بأمر من الرسول أو الإمام ، أو نائبه الخاص أو العام .


الصفحة (71)

وأمّا المفهوم الإسلامي الخاص بالنسبة إلى كلمة سيّد : فهو عبارة عن الأفضلية أو الأكمليّة في الشيء ؛ فسيّد العلماء مثلاً هو أكثرهم علماً وأحسنهم عملاًً ، وسيد الأنبياء هو أكثرهم فضلاً وأكملهم صفاتٍ ، وسيد الأوصياء : هو أكثرهم جهاداً وأشدّهم عناءً ، وأحرصهم على حفظ الوصيّة وصيانة الرسالة ، وسيدة النساء : هي أكثرهنّ تمسّكاًَ بواجبات المرأة ، وأشدّهنّ حرصاً على القيام بمسؤوليات المرأة أمام الله تعالى والمجتمع . . . وهكذا وعلى هذا القياس .

فملاك السيادة الإسلاميّة في أيّ شيء من الأشياء إنّما هو في الأكمليّة والأتمّية والأفضلية في ذلك الشيء . ولقد نصّ القرآن الكريم على تعيين هذا الملاك وهذه القاعدة للسيادة الإسلاميّة بقوله تعالى : ( أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الْحَقّ أَحَقّ أَن يُتّبَعَ أَمْ مَن لاَ يَهِدّي إِلاّ أَن يُهْدَى‏ فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ )(1) .

وإلى هذه القاعدة يشير الحديث الشريف : (( اليد العليا فوق اليد السفلى )) . أي أنّ المستغني عن الناس بعلمه وعمله ، وجهده المفيض عليهم مِنْ ثمرات علمه ومواهبه ، هو سيّد على مَنْ هو محتاج فقير إلى الآخرين ؛ لتكاسله وإهماله ، على حدّ القول المأثور لأمير المؤمنين (عليه السّلام) : (( أحسن إلى مَنْ شئت تكن أميره ، واحتج إلى مَنْ شئت تكن أسيره ، واستغن عمّنْ شئت تكن نظيره )) .

وبهذا الملاك استدلّ الخليل بن أحمد على سيادة الإمام أمير المؤمنين على كافة الناس بعد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) لمّا سُئل ما دليلك على إمامة علي بعد الرسول (صلّى الله عليه وآله) دون سائر الصحابة ؟ فقال : استغناؤه عن الكلّ واحتياج الكلّ إليه .

والخلاصة هي : أنّ السيادة في أيّ شيء إنّما تدور مدار الكمال الذاتي في صفات ذلك الشيء .

والشهداء أيضاً طبقة من الناس في العالم ، قاموا بعمل التضحية بالحياة في سبيل الله تعالى فنالوا صفة الشهادة ، فالحسين (عليه السّلام) هو الفرد الأكمل في القيام بهذه التضحية كما قدّمنا ؛ لذلك استحقّ مقام السيادة بين كافة الشهداء ، وهو أمر طبيعي منطقي ليس فيه مبالغة ولا مغالاة .

هُم أفضلُ الشهداءِ والقتلى الاُلى        مُدحوا بوحيٍ في الكتاب مبينِ

ٍوقال الآخر :

 فماتوا  وهم أزكى الأنامِ نقيبةً      وأكرم مَنْ يُبكى له في المحافلِ
ولمْ تفجع الأيام مِنْ قبل يومِهم      بـأكرمِ  مـقتولٍ لألأم قـاتلِ

ــــــــــــ
(1) سورة يونس / 35 .

 

 

الصفحة (72)

لماذا هاجر الحسين (عليه السّلام) من المدينة ؟

قوله عزّ مَنْ قائل : ( إِنّ الّذِينَ تَوَفّاهُمُ الْمَلاَئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فُيهَا فَأُولئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً * إِلاّ الْمُسْتَضْعَفِينَ من الرّجَالِ وَالنّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً * فَأُولئِكَ عَسَى اللّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللّهُ عَفُوّاً غَفُوراً )(1) .

الهجرة لغة : عبارة عن ترك بلد الإقامة إلى غيره ، والانتقال من الوطن لآخر .

وهي تارة تكون واجبة ، واُخرى تكون مباحة ، وربّما تكون محرّمة حسب اختلاف الغاية من الهجرة ، والنتائج المترتّبة عليها ؛ مِنْ باب أنّ المقدّمة تتبع لديها في الحكم الشرعي . فإذا كانت الهجرة لغرض طلب علم ضروري ، أو أداء واجب ، أو التخلّص مِن ارتكاب محرّم ، فالهجرة حينئذ واجبة وتركها يوجب اللوم والعقاب ، كما في الآية الكريمة السابقة ؛ حيث نزلت في لوم جماعة من المسلمين الذين تخلّفوا عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في مكّة ولمْ يهاجروا إلى المدينة ، فكانوا مضطهدين في مكّة مِنْ قبل قريش في أنفسهم ودينهم ، بعيدين عن معرفة الأحكام والآيات التي كانت تنزل على رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، جاهلين بشرائع الإسلام وتفاصيله ، فكانوا بذلك مقصّرين ومعاقبين حسب صريح الآية الكريمة السابقة .

وهذا الحكم سارِ المفعول بالنسبة إلى كلّ مسلم يعيش في بلد يُضطهد فيه ، ولا يسعه القيام بواجباته ومسؤولياته ، ولا يحصل فيه على حقوقه المشروعة ، فإنّ الواجب عليه أنْ يهاجر إلى حيث العلم والأمان والحرية الدينية ، وإلاّ فهو من الأعراب

ـــــــــــــــ

(1) سورة النساء / 97 ـ 99 .


الصفحة (73)

المذمومين في الكتاب والسنة ؛ لأنّ الأعرابي في المصطلح الشرعي هو : كلّ مَنْ يعيش في بلد جاهلاً لا يمكنه فيه التعلّم والعمل الصالح ، وقيامه بمسؤولياته الشخصية والاجتماعية . . . .

قال تعالى : ( قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنّا قُل لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ . . . )(1) .

[ وقال تعالى : ] ( الأَعْرَابُ أَشَدّ كُفْراً وَنِفَاقاً وَأَجْدَرُ أَلاّ يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللّهُ )(2) .

وفي الحديث الشريف : (( ستة أصناف من الناس يدخلون النار بست خصال : الأمراء بالجور ، والعلماء بالحسد ، والتجّار بالخيانة ، والدهّاقين بالكبر ، وأهل الرساتيق بالعصبية ، والأعراب بالجهل )) .

والجهل لا يرفع المسؤوليّة عن الإنسان إلاّ إذا كان قاصراً عن المعرفة ، أي عاجزاً عنها حقيقة وواقعاً ، كالذين استثنوا في الآية الكريمة بقوله تعالى : ( إِلاّ الْمُسْتَضْعَفِينَ من الرّجَالِ وَالنّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً * فَأُولئِكَ عَسَى اللّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللّهُ عَفُوّاً غَفُوراً )(3) .

الواجبُ والحرام مِنْ أقسام الهجرة :

وإذا كانت الهجرة لعكس الغرض السابق ، أي لأجل القيام بعمل محرّم مِنْ ظلم أو غصب أو ما شاكل ذلك ، أو أنْ يعلم بأنّ هجرته إلى ذلك البلد تفوّت عليه واجباً ، ويضيّق عليه هناك في عقيدته ودينه ، فالهجرة حينئذ تكون محرّمة ، بل مجرّد السفر المؤقّت لأمثال هذه الغايات الفاسدة يكون حراماً ، مثل : السفر للصيد لهواً ، أو في ركاب ظالم وما أشبه ذلك ، وهو معبّر عنه في عرف الفقهاء بسفر المعصية .

وإذا كانت الهجرة لأمر راجح مثل التجارة المباحة ، والتوسّع في طلب العلم ، وزيارة المشاهد المقدّسة ، والحجّ المندوب ، فالهجرة مستحبّة والسفر في هذه الغايات أيضاً مستحب . وإذا كانت لأمر مرجوح شرعاً تكون الهجرة مكروهة ، كالانتقال من المدينة إلى القرية ، ومن البلد إلى البادية ، حيث لا تتوفّر فيها وسائل السعادة والراحة .

وفي النهي عن هكذا هجرة يوصي أمير المؤمنين (عليه السّلام) ولده الحسن (عليه السّلام) في وصيته الكبيرة قائلاً : (( يا بني ، واسكن الأمصار العظام )) .

ـــــــــــــــــ

(1) سورة الحجرات / 14 .

(2) سورة التوبة / 97 .

(3) سورة النساء / 98 ـ 99 .


الصفحة (74)

أي المدن الواسعة الكبيرة ؛ لأنّها أجمع للوازم الحياة السعيدة ووسائل الراحة .

وقد أكدّ الإمام الصادق (عليه السّلام) ذلك في الخبر الوارد عنه ، حيث يقول فيه : (( لا يستغني أهل كلّ بلد عن ثلاث : فقيه ورع ، وطبيب حاذق ، وحاكم عادل ، وإنْ عدموا ذلك فهم همج رعاع )) . أي لا يشعرون بالكرامة الإنسانية ، ولا يتمتعون بلذّة الحياة .

فالفقيه : للتوجيه والتعليم ، والحاكم : للتنفيذ وإقامة النظام ، والطبيب : للوقاية والعلاج من الأمراض . وهذه النواحي الثلاثة هي دعائم الحياة السعيدة والسعادة الاجتماعية ؛ العلم والصحة والأمان .

هجرةُ الأنبياء ورجال الإصلاح :

فالخلاصة أنّ الهجرة من المواضيع التي تخضع لكافة الأحكام الإسلاميّة الخمس : الوجوب والحرمة والندب والكراهة والإباحة حسب ما ينتج منها مِنْ نتائج .

وبعد هذا العرض الموجز للهجرة ككلّ نأتي إلى هجرة الأنبياء (صلّى الله عليهم أجمعين) ؛ لأنّنا نجد الهجرة تكاد أنْ تكون ظاهرة ملازمة لحياتهم الرسالية ، فقلّ أنْ نجد نبيّاً لمْ يهاجر مِنْ بلد إلى بلد ، ولمْ ينتقل مِنْ محيط إلى آخر .

فهذا خليل الرحمن إبراهيم (عليه السّلام) بُعث في العراق ، ثمّ هاجر إلى مصر ، ثمّ انتقل إلى الشام وفلسطين واستقر بها إلى أنْ مات ، ثمّ مِنْ بعده يعقوب وأولاده ، ثمّ موسى الكليم هاجر مِنْ مصر إلى مدين ، ثمّ عاد إليها ، ثمّ هاجر نحو الشام .

وهذا عيسى (عليه السّلام) بن مريم كان لا يستقر في بلد حتّى لقّب بالمسيح ، وأخيراً خاتم الأنبياء محمد (صلّى الله عليه وآله) هاجر مِنْ مكّة أوّلاً إلى الطائف ، ثمّ هاجر إلى المدينة واستقر بها إلى أنْ قُبض . ثمّ هاجر وصيّه وخليفته علي (عليه السّلام) من المدينة إلى الكوفة . فالهجرة إذاً ظاهرة مألوفة في حياة الأنبياء والمرسلين والمصلحين ، فلماذا هاجر هؤلاء ؟ ومِنْ أيّ قسم مِنْ أقسام الهجرة كانت هجرتهم ؟

طبعاً وبدون شك أنّ هجرة الأنبياء كانت واجبة ومفروضة عليهم من الله سبحانه ؛ تمشيّاً منهم مع متطلبات رسالته ، حيث كانوا لا يجدون القدرة الكافية في أوطانهم على تبليغ


الصفحة (75)

رسالاتهم ؛ نظراً للعراقيل والعقبات التي وضعها المعارضون في طريقهم ؛ ولما كان يتهدّدهم مِنْ خطر القتل على أيدي أعدائهم قبل أداء وتبليغ دعوتهم ؛ لذا كان لازماً عليهم أنْ يتركوا الأوطان إلى بلاد اُخرى يستطيعون فيها القيام بمسؤولياتهم .

سيرةُ الحسين (عليه السّلام) امتداد لسيرة الأنبياء :

والحسين (عليه السّلام) وإنْ لمْ يكن نبيّاً إلاّ أنّه قام بمهام الأنبياء ، وصبر كما صبر اُولو العزم من الرسل . ومسؤوليته امتداد لمسؤوليّة جدّه وأبيه ، حيث أُنيطت به مسؤوليّة أداء رسالة الإسلام وصيانتها مِنْ كلّ زيف وتحريف ، كما صرّح هو (عليه السّلام) على تحمّله لهذه المسؤوليّة بقوله في عهده لأخيه محمد بن الحنفية : (( وإنّي لمْ أخرج أشراً ولا بطراً ، ولا ظالماً ولا مفسداً ، وإنّما خرجت لطلب الإصلاح في اُمّة جدّي محمد (صلّى الله عليه وآله) ؛ اُريد أنْ آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر ، وأسير بسيرة جدّي وأبي )) .

فهو إذاً شعر بأنّه مسؤول عن أنْ يسير بسيرة جدّه المصطفى وأبيه علي المرتضى ، فهاجر (عليه السّلام) من المدينة فراراً مِنْ كيد آل أبي سفيان ومؤامراتهم ضدّه ، تماماً كما هاجر جدّه محمد (صلّى الله عليه وآله) قبله بستّين عاماً مِنْ مكّة فراراً مِنْ كيد أبي سفيان وحزبه .

[ إنّ ] السبب في الهجرتين واحد والغاية واحدة ؛ فالنبي (صلّى الله عليه وآله) هاجر خوفاً من القتل المحتّم الذي كان ملاقيه لو لمْ يهاجر ، وذلك على يد أربعين رجلاً مِنْ قريش بتدبير مِنْ أبي سفيان وحزبه الذين عزموا على قتل محمد (صلّى الله عليه وآله) تلك الليلة المعبّر عنها بـ (ليلة الهجرة) ، بقصد قتل الرسالة الإسلاميّة في مهدها ومنع انتشارها .

التشابهُ بين هجرة الحسين (عليه السّلام) وهجرة جدّه محمد (صلّى الله عليه وآله) :

كذلك الحسين (عليه السّلام) هاجر من المدينة ليلاً ؛ خوفاً مِنْ أنْ يُقتل على يد أعوان وعمّال يزيد الذي أرسل أوامره المشدّدة إلى واليه على المدينة يأمره بقتل الحسين (عليه السّلام) فوراً وبدون تردّد ، وإرسال رأسه إليه إنْ هو لمْ يبايع ؛ وذلك أيضاً لخنق صوت المعارضة في مهدها ومنعها من الانتشار .


الصفحة (76)

وكما أنّ هجرة محمد (صلّى الله عليه وآله) أنتجت توسعّاً كبيراً في الرسالة المحمّدية في أنحاء الجزيرة العربية ، وبلغ صداها إلى أنحاء اُخرى من العالم ، وبعدها ببضع سنوات فقط انهارت زعامة أبي سفيان تماماً بفتح مكّة ، كذلك كانت هجرة الحسين (عليه السّلام) ؛ فإنّها كسرت الحصار الذي ضربه آل أبي سفيان حول المعارضة الحسينية ، فعلا صوتها وبلغ صداها إلى أنحاء العالم الإسلامي .

وما مضت عليها إلاّ بضع سنوات حتّى انهار سلطان آل أبي سفيان ، وتقوّضت أركان الدولة السفيانية انهياراً كلّيّاً بموت معاوية الثاني بعد ثلاثة أشهر مِنْ موت يزيد ، ثمّ قامت على أنقاضها دولة مروانية بقيادة مروان بن الحكم . وكلّ ذلك بعد هجرة الحسين (عليه السّلام) بأقل مِنْ خمس سنوات .

حقاً ما أقرب الشبه وأشدّ التطابق والتقارب بين الهجرتين في العوامل والثمرات ، بل وحتّى في الحالات النفسية ؛ فليلة الهجرة كانت أشدّ ليلة على النبي (صلّى الله عليه وآله) مرّت في حياته مِنْ حيث الهموم والأفكار والقلق النفسي ، حتّى أنزل الله تعالى عليه سكينته وهو في الغار حسب صريح الآية الكريمة : ( إِذْ أَخْرَجَهُ الّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنّ اللّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا )(1) .

وكذلك الحسين (عليه السّلام) ، حيث يصف الواصفون أنّ ليلة هجرته من المدينة كانت أشدّ الليالي عليه في حياته ؛ لما كان يعانيه تلك الليلة من الحيرة والقلق والتفكير في المستقبل والمصير ؛ لذا كان (عليه السّلام) يتردّد على حرم جدّه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يناجي ربّه ، ويشكو إلى جدّه ما يعانيه ، ويقول في مناجاته مع الله سبحانه بعد أنْ صلّى ركعات في الحرم ، ثمّ رفع طرفه نحو السماء وقال : (( اللّهمَّ إنّ هذا قبر نبيّك محمد (صلّى الله عليه وآله) ، وأنا ابن بنت نبيك ، وقد حضرني من الأمر ما قد علمت . اللّهمَّ إنّي اُحبّ المعروف وأنكر المنكر ، وأسألك يا ذا الجلال والإكرام بحقّ القبر ومَنْ فيه ، إلاّ اخترت لي ما هو لك رضا ولرسولك رضا )) .

ثمّ بكى (عليه السّلام) ووضع رأسه على قبر جدّه ، وقال : (( يا رسول الله ، أنا الحسين بن

ــــــــــــ

(1) سورة التوبة / 40 .


الصفحة (77)

فاطمة ، فرخك وابن فرختك ، وسبطك الذي خلّفتني في اُمّتك ، فاشهد عليهم يا نبي الله أنّهم قد خذلوني ، وضيّعوني ولمْ يحفظوني ، وهذه شكواي إليك حتّى ألقاك )) .

قالوا : وغفت عينا الحسين (عليه السّلام) ورأسه على قبر النبي (صلّى الله عليه وآله) ، فرأى جدّه رسول الله في كتيبة من الملائكة عن يمينه وشماله وبين يده ، فضم الحسين إلى صدره وقبّله ما بين عينيه ، وقال له : (( حبيبي يا حسين ، كأنّي أراك عن قريب مرمّلاً بدمائك ، مذبوحاً بأرض كرب وبلاء ، بين عصابة مِنْ اُمّتي ، وأنت مع ذلك عطشان لا تسقى ، وظمآن لا تُروى ، وهم بعد ذلك يرجون شفاعتي ! لا أنالهم الله شفاعتي يوم القيامة . حبيبي يا حسين ، إنّ أباك واُمّك وأخاك قدموا عليّ وهم مشتاقون إليك )) .

فبكى الحسين (عليه السّلام) في منامه ، وقال : (( يا جدّاه ، خذني معك وأدخلني في قبرك ، فلا حاجة لي في الرجوع إلى الدنيا )) .

ضـمّني عـندك يا جداه في هذا الضريحْ      عـلّني  يا جدّي مِنْ بلوى زماني أستريحْ
ضاقَ بي يا جدُّ مِنْ رحب الفضا كلُّ فسيحْ      فـعسى طـود الأسـى يندكّ بين الدكّتينْ

فقال له الرسول (صلّى الله عليه وآله) : (( يا بُني ، لا بدّ لك من الرجوع إلى الدنيا حتّى تُرزق الشهادة ؛ لتنال ما قد كتبه الله لك من الأجر والثواب العظيم )) .

فانتبه الحسين (عليه السّلام) وقصّ رؤياه على أهل بيته ، فاشتدّ حزنهم وكثر بكاؤهم ، حتّى ورد عن سكينة بنت الحسين (عليها السّلام) قالت : لمْ يكن في شرق الأرض وغربها أهل بيت أشدّ خوفاً وهمّاً وغمّاً منّا آل بيت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) .

ولله در السيّد حيدر الحلّي حيث قال :

مِـنْ أيـنَ تـخجلُ أوجهٌ اُمويّةٌ      سـكبتْ بـلذّاتِ الفجورِ حياءَها
مـا  بـلَّ أوجُهها الحيا ولو انَّها      قِـطعُ الـصفا بلَّ الحيا مَلساءَها
قهرتْ  بني الزهراءَ في سلطانِها     واسـتأصلتْ بصفاحِها اُمراءَها
مـلكتْ عليها الأمر حتّى حرّمت      في الأرضِ مطرح جنبها وثوائها
ضاقت  بها الدنيا فحيثُ توجهتْ      رأتِ الـحتوفَ أمامها ووراءَها
فاستوطنتْ  ظهرَ الحِمامِ وحوّلتْ      لـلعزّ  عن ظهرِ الهوانِ وطاءَها


الصفحة (78)

لماذا حمل الحسين (عليه السّلام) عياله وأطفاله في هجرته الثوريّة ؟

في نهضة الحسين (عليه السّلام) نقاط استفهام كثيرة لدى شبابنا اليوم ؛ لأنّها نهضة فريدة مِنْ نوعها ، وغريبة في مظاهرها حسب مظهرها الخارجي .

هذا ولا يسعهم تفسيرها بأعمال تهوّريّة عاطفية ، وحملها على خلّوها من الحكمة والمصلحة ، لا يسعهم ذلك طبعاً ؛ لأنّ الذي قام بها رجل أقل ما يُقال فيه أنّه شخصية علميّة كبيرة خالدة ذو حكمة ودهاء ، استطاع بحكمته وسياسته أنْ يؤثر في مجرى التاريخ الإسلامي ، ويخلّد لنفسه ذكراً رفيعاً واسعاً عبر القرون والأجيال ؛ هذا فضلاً عن كونه إمام معصوم من الخطأ والغلط حسب النصوص النبويّة الشريفة . فإذاً لا بد أنْ تكون هناك حكمة وراء تلك التصرّفات وهي كذلك بالفعل .

وها نحن نتعرّض لأهم تلك النقاط بالبحث والتحليل ؛ لنوقف أبناء جيلنا الأعزاء على أسرار تلك الثورة المقدّسة والتضحية المثالية ، رجاء أنْ يتأثروا بها ويستوحوا مبادئها وأهدافها ، ويسيروا على أضوائها وهديها المبارك إنْ شاء الله تعالى .

تحدّثنا في الفصول السابقة عن أوّل حلقة في سلسلة الحركة الحسينية وهي : لماذا عارض الحسين (عليه السّلام) خلافة يزيد وأعلن العصيان والخلاف على حكومة الاُمويِّين القويّة المسيطرة بكلّ وسائل القوّة والقدرة ؟ أعلن ذلك بامتناعه من البيعة ليزيد بن معاوية رغم ضعفه (عليه السّلام) ماديّاً وعسكريّاً إلى أقصى حدود الضعف .

وتحدّثنا أخيراً حول الحلقة الثانية في تلك السلسلة وهي : لماذا ترك الحسين (عليه السّلام) مدينة جدّه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وهاجر عنها ، وهو أشرف إنسان فيها وأعزّ فرد على أهلها ؟


الصفحة (79)

والآن نبدأ بالحديث عن ثالث نقاط الاستفهام ، والسؤال حولها وهو : لماذا حمل الحسين (عليه السّلام) معه النساء والعائلة والأطفال ، وهو خارج في معارضة دولة ومكافحة حكومة ، فعرّض تلك العقائل للأسر والسبي والتشريد وغير ذلك ؟

والجواب عن هذا السؤال : هو أنّ الحسين (عليه السّلام) حامل رسالة هو مسؤول عنها ، وعليه أنْ يؤدّيها إلى العالم الإسلامي ، وخرج من المدينة لهذه الغاية ، فلو كان قد ترك العائلة في المدينة لعرّض تلك العقائل لخطر الأسر والسبي مِنْ قبل الاُمويِّين .

ومعلوم أنّ الرجل الغيور لا يسعه الصبر مهما كان وهو يرى عائلته في أسر العدو ، فلا بدّ له حينئذ أنْ يستسلم للعدو لأجل إنقاذ عياله ، وقد كان مِنْ صور الإرهاب في سياسة الاُمويِّين أنّه إذا هرب رجل مِنْ قبضتهم يلقون القبض على نسائه وعائلته حتّى يضطر فيسلّم نفسه إليهم ، كما فعلوا بزوجة عمرو بن الحمق الخزاعي لمّا هرب من الكوفة عندما طلبه زياد ليقتله ، فكتب معاوية إليه : أنْ احمل إليّ زوجته .

فألقى زياد زوجته آمنة بنت رشيد (رحمها الله) وحملها أسيرة إلى معاوية ، فأمر بها إلى السجن فسجنت حتّى جيء برأس زوجها عمرو إلى الشام بعد أنْ أُلقي القبض عليه في غار قرب الموصل مِنْ قبل والي معاوية عليها ، وطعن بتسع طعنات ، ثمّ قطع رأسه وحمل على قناة إلى معاوية في الشام .

فقال معاوية للحرسي : انطلق بهذا الرأس وضعه في حجر زوجته آمنة ، واحفظ ما تقول . فلمْ تشعر وهي في السجن إلاّ ورأس زوجها عمرو في حجرها ، فضمته إلى صدرها وبكت ، وقالت : غيبتموه عنّي طويلاً وأهديتموه إليّ قتيلاً ! فأهلاً وسهلاً بها مِنْ هدية غير قالية ولا مقلية . ثمّ قالت للحرسي : أبلغ معاوية عنّي ما أقول ، وقل له : أيتم الله ولدك ، وأوحش منك أهلك ، ولا غفر لك ذنبك ، وعجّل لك الويل مِنْ نقمه ، وطلب منك بدمه ؛ فلقد جئت شيئاً فريّاً ، وقتلت بارّاً تقيّاً . فلما سمع كلامها أمر بإحضارها في المجلس فاُحضرت ، وصار يشتمها ويتهدّدها .

وكما فعلوا بزوجة المختار بن أبي عبيدة الثقفي لمّا هرب مِنْ سجن ابن زياد ،


الصفحة (80)

فألقى القبض على زوجته وزجها في السجن إلى أنْ اجتمع قومها عنده ، وتشفعوا فيها فأطلقها .

والشواهد التاريخية على هذه السياسة اللاإنسانية عند الاُمويِّين وأتباعهم كثيرة جداً ، والحسين كان يعرفها منهم تماماً ، ويعلم يقيناً أنّه بمجرد أنْ يخرج من المدينة ، في اليوم التالي يلقي الأمويون القبض على عقائل الرسالة ، ويحملوهنّ سبايا إلى يزيد في الشام ، فكيف يستطيع الحسين (عليه السّلام) حينئذ أنْ يؤدّي رسالته ، ويستمر في معارضته وثورته ؟ حتماً كان لا يسعه ذلك ابداًَ .

فالسبي لا بدّ منه لتلك العقائل ، سواء أخذهنّ معه أو أبقاهنّ ، فلِمَ لا يأخذهنّ معه ليؤمنَ الضغط عليه مِنْ جهتهنّ ، ويؤدّي رسالته بحرية واطمئنان ، ويدافع عنهنّ ما دام فيه عرق ينبض ؟! وهكذا كان ، فإذا قُتل فلقد قضى ما عليه ويبقى ما عليهنّ .

هذا أحد وجوه الحكمة في عمله هذا . والوجه الآخر الذي لا يقلّ دلالة على بعد نظر الحسين (عليه السّلام) وعمق حكمته هو : أنّ الحسين (عليه السّلام) يعرف أنّه إذا قُتل لا يوجد رجل في العالم الإسلامي يمكنه أنْ يتكلّم بشيء ضدّ سياسة الأمويِّين مهما كان عظيماًَ ؛ حيث إنّهم قطعوا الألسن وكمّوا الأفواه ، فكان قتله يذهب سدى ، وقد لا يعرف أحد من المسلمين ما جرى عليه ؛ حيث إنّ وسائل الإعلام كلّها كانت محصورة بأيدي الدولة ؛ منْ شعراء وخطباء ورواة وقصاصين .

وفعلاً كان أُناس يعيشون في الكوفة ولا يعلمون بما جرى ، ومَنْ تكلّم بشيء فمصيره القتل ، كما فعل بهاني بن عروة وعبد الله بن عفيف الأزدي . فأراد الحسين (عليه السّلام) أنْ يحمل معه ألسنة ناطقة بعد قتله ؛ لتنشر أنباء تلك التضحية في العالم الإسلامي ، ومذياعاً سيّاراً يذيع تفاصيل تلك المأساة الإنسانية والجرائم الوحشية ، فلمْ يجد سوى تلك المخدّرات والعقائل ـ اللواتي سُبينَ وسُيّرنَ بعد الحسين في ركب فظيع مؤلم يجوب الأقطار ـ يلقينَ الخطب في الجماهير ، وينشرنَ الوعي بين المسلمين ، وينبّهنَ الغافلين ، ويلفتنَ أنظار المخدوعين ، ويفضحنَ الدعايات المضللة ، حتّى ساد الوعي وتنبّه الناس إلى فظاعة الجريمة ، وانهالت الاعتراضات والانتقادات على يزيد والاُمويِّين مِنْ كلّ الفئات والجهات ، وبات يزيد يخشى الانفجار والانقلاب حتّى في عاصمة دولته الشام ، وصار يظهر التنصل والندم ويلقي التبعة واللوم على ابن


الصفحة (81)

زياد ، وأخيراً اضطر أنْ يغيّر سياسته تجاه أهل البيت (عليهم السّلام) فأحسن إليهم وأكرمهم ، وصار يتطلّب عفوهم ومرضاتهم بالأموال وغيرها .

كلّ ذلك بفضل الخطب والبيانات التي صدرت مِنْ تلك العقائل في المجالس والمجتمعات ، وبفضل المظاهر المشجّية التي سار بها ركب السبايا مِنْ بلد إلى بلد ، ومِنْ مجلس إلى مجلس ، مما جعل الرأي العام يعطف على قضية أهل البيت (عليهم السّلام) ، ويشجب جرائم أعدائهم ، فكان في ذلك نصراًً كبيراً لحق آل محمد ، ونشراًَ للتشيّع لهم في العالم .

فالواقع الذي يجب أنْ نؤكده هو أنّ زينب العقيلة شريكة أخيها الحسين (عليه السّلام) في ثورته ، سواء بمؤازرتها له في حياته ، أو بقيامها بمسؤوليّة الدعوة والتوعية بعد شهادته ، فلولا سبي النساء لكانت ثورة الحسين عقيمة الأثر ، لا تذكر إلاّ في بطون بعض كتب التاريخ كنبأ بسيط مشوّه عن حقيقته تمام التشويه ، كما شوّه التاريخ قضايا كثيرة هامّة جداً ؛ لأنّها لمْ تحصل على القدر الكافي من النشر والبيان والتعقيب ، مثل حادثة يوم غدير خم ، وقد بلغ مِنْ أثر الإهمال والإخفاء لواقعة غدير خم أنّ بعض الكتّاب يذكرها بأنّها واقعة مِنْ وقائع العرب في الجاهليّة .

أجل ، هكذا يضيع الحقّ ويخفى الواقع إذا لمْ تتوفر له الدعوة الكافية ، كقضايا وفاة الرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله) ، وما جرى على ابنته فاطمة وآل البيت بعد وفاته مِنْ غصب وهضم للحقوق ، واعتداء على الحرمات والكرامات . . . وغيرها .

وبعد أنْ تبينا هذين الوجهين مِنْ وجوه الحكمة في حمل الحسين (عليه السّلام) للعيال معه ، نختم هذا الفصل بذكر هذا الوجه الثالث ، وهو لا يقلّ أهمية عن الوجهين السابقين ألا وهو : الحفاظ على حياة الإمام زين العابدين (عليه السّلام) ، إذ لا شك في أنّه لولا وجود العقيلة زينب (عليها السّلام) لقُتل زين العابدين بعد قتل الحسين (عليه السّلام) حتماً ؛ حيث تعرّض الإمام (عليه السّلام) للقتل مرّتين :

المرّة الأولى : يوم عاشوراء لمّا هجم الأعداء على مخيّم الحسين (عليه السّلام) ودخل الشمر على زين العابدين وهو مريض لا يفيق مِنْ شدّة المرض ، فجذب النطع مِنْ تحته وقلبه على وجهه ، ثمّ جرّد السيف ليقتله ، فانكبت عليه عمّته زينب (عليها السّلام) واعتنقته ، وصاحت : إنْ أردتم قتله فاقتلوني قبله .


الصفحة (82)

وبينما هي كذلك إذ دخل عمر بن سعد الخيمة ، فلمّا نظر إلى العقيلة زينب منكبّة عليه ، قال للشمر : دعه لها ؛ فإنّه لما به . فتركه .

والمرة الثانية : في مجلس عبيد الله بن زياد لمّا نظر إلى الإمام (عليه السّلام) ، وقال له : مَنْ أنت ؟ قال : (( أنا علي بن الحسين )) . قال اللعين : أوَ ليس قد قتل الله عليّاً ؟ فقال الإمام (عليه السّلام) : (( كان لي أخٌ أكبر منّي يسمّى علياً قتله الناس يوم كربلاء )) . فقال ابن زياد : بل الله قتله . فقال الإمام (عليه السّلام) : (( اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا )) .

فغضب ابن زياد ، وقال : أوَبك جرأة على ردّ جوابي ! غلمان ، جرّوا ابن الخارجي واضربوا عنقه . فقامت الجلاوزة وسحبوا الإمام إلى القتل ، فقامت العقيلة زينب (عليها السّلام) ورمت بنفسها عليه ، وصاحت : يابن زياد ، حسبك مِنْ دمائنا ما سفك فاترك لنا هذا العليل ، وإنْ كنت قد أردت قتله فاقتلني قبله .

قالوا : فنظر إليها ابن زياد ، وقال : عجباً للرحم ! إنّها والله لتودّ أنْ تُقتل دونه فاتركوه لها ؛ فإنّه لما به . فتركوه .

فإنْ قلت : لماذا أخرج الحسين (عليه السّلام) ابنه زين العابدين معه وهو مريض عليل ؟ قلت : إنّ زين العابدين (عليه السّلام) لمْ يكن مريضاً عند خروجه من المدينة ، ولا مِنْ مكّة ، ولا في أثناء الطريق ، وإنّما بدأ فيه المرض لمّا نزلوا أرض كربلاء ، وأخذ المرض يتزايد فيه حتّى بلغ معه إلى أقصى شدّته يوم عاشوراء ، وفي ذلك عناية خاصّة من الله تعالى ، وهي : أنْ لا تبقى الأرض خالية من الإمام ؛ إذ لولا مرضه (عليه السّلام) لكان الواجب يفرض عليه الدفاع عن أبيه الحسين (عليه السّلام) والاستشهاد بين يديه .

والخلاصة : إنّ في حمل العيال وإخراج النساء معه مصالح وحكم وتلك بعضها أو أهمها ، وقد أشار الحسين (عليه السّلام) إلى تلك المصالح والحكم بكلمته الإجمالية المعروفة : (( قد شاء الله أنْ يراهنّ سبايا )) .

وهو جواب مقتضب ، ولمْ يشأ في تلك الساعة أنْ يُفصح عن الهدف ؛ لئلاّ يستفيد الخصم مِنْ كلامه ، فيكون ذلك حائلاً دون الوصول بالثورة إلى أهدافها .

قالها للذين سألوه : ما معنى حملك لهذه النسوة ؟ فاشاءة الله تعلّقت بإحياء دينه وحفظ قرآنه وإبقاء شريعته .


الصفحة (83)

ولمّا لمْ تكن هناك وسائل طبيعية لهذه الغاية سوى استشهاد الحسين وصحبه وسبي زينب (عليها السّلام) وأخواتها ؛ لذا فقد تعلّقت إرادته سبحانه عرضاً بقتل الحسين وسبي النساء تماماً ، كما قال الحسين (عليه السّلام) : (( لقد شاء الله أنْ يراني قتيلاً ، وقد شاء الله أنْ يراهن سبايا )) .

ولنعم ما قاله بعض الأدباء :

 وتشاطرتْ هي والحسينُ بنهضةٍ      حـتمَ  الـقضاءُ عليهما أنْ يندبا
هـذا بـمعترك الـرماحِ وهـذهِ      في حيث معتركِ المكارهِ في السبا

ولذلك نجد الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) اشترط على زوج العقيلة زينب ، وهو ابن أخيه عبد الله بن جعفر بن أبي طالب لما زوجه بابنته زينب ، اشترط عليه شرطاً ضمن العقد أنْ لا يمنعها من الخروج مع أخيها الحسين (عليه السّلام) إلى العراق . وهذا يكشف عن مدى بُعد النظر ، وسعة علم الإمام (عليه السّلام) بما سيجري ، وبالمصالح التي تترتّب على مشاركة زينب للحسين في ثورته .

ولمْ تزل تلك العقائل بعد الحسين ، وعلى رأسهنّ زينب (عليها السّلام) ، يؤلّبنَ النفوس ضدّ الحكم الاُموي الغاشم ، ويهيّجنَ الرأي العام ضدّ يزيد بن معاوية ؛ وذلك بعقد المجالس وبالندبة ، وتعداد الجرائم والموبقات التي صدرت من الفئة الحاكمة تجاه آل الرسول ، حتّى ضاق يزيد ذرعاً بهنّ .

وأمر بإبعاد العقيلة زينب مِنْ مدينة جدّها رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، فأبعدوها إلى مصر على أشهر الأقوال ، فعاشت في مصر مدّة حياتها بعد الحسين (عليه السّلام) نادبة باكية ، داعية إلى الحقّ ، حتّى التحقت بأخيها ودُفنت هناك ؛ فكانت أوّل لاحقة بالحسين (عليه السّلام) مِنْ أهل بيته . فسلام عليها يوم ولدت ، ويوم شاركت في أقدس ثورة ، ويوم توفيت مناضلة بطلة ، ويوم تبعث إلى الله لتشكو إليه ظلم الاُمّة وغدرها وانقلابهم على الأعقاب .

وفي الختام : نسأل الباري (جلّ شأنه) أنْ يتغمّد شيخنا العلاّمة الأصفهاني بواسع رحمته ، حيث يقول في اُرجوزة له في العقيلة الكبرى (عليها السّلام) :


الصفحة (84)

مـلـيكةُ الـدنيا عقيلةُ النسا      عديلةُ الخامسِ مِنْ أهلِ الكسا
شـريكةُ الشهيدِ في مصائبِهْ      كـفـيلةُ الـسجّادِ في نوائبِهْ
بلْ هي ناموسُ رواق العظمهْ      سـيـدةُ الـعـقائلِ المعظّمهْ
اُمُّ الـكتابِ في جوامعِ العُلا      اُمُّ الـمصابِ في مجامعِ البلا
رضيعةُ الوحي شقيقةُ الهدى      ربـيبةُ الفضلِ حليفةُ الندى
ربّـةُ خدرِ القدسِ والطهارهْ      في الصونِ والعفافِ والخفارهْ
مـا ورثـتهُ مِنْ نبي الرحمهْ      جـوامعُ العلمِ اُصولُ الحكمهْ
ســرّ أبـيها في علوِّ الهمّه      والـصبرُ في الشدائدِ الملمّه
بـيـانُـها يفصحُ عن بيانِه      كـأنّـها تُـفـرغُ عن لسانِه
فـإنّـهـا ولـيدةُ الفصاحه      والـدها فـارسُ تلك الساحه
و مـا أصابَ اُمَّها من البلا      فـهـو تُـراثُها بطفِّ كربلا
لـكـنّها  عـظـيمةٌ بلواها      من الخطوبِ شاهدتْ أدهاها
و ما رأتْ بالطفِّ مِنْ أهوالِها      جلّ عن الوصفِ بيانُ حالها
وسـوقُها  إلى يزيد الطاغيه      أشجى فجيعة و أدهى داهيه
أمـامُها رأسُ الإمامِ الزاكي      وخـلـفُـها النوائحُ البواكي
أتـوقفُ  الحرّةُ مِنْ آل العبا      بـينَ يدي طليقِها وا عـجبا
وقد  أبانتْ كفرَ ذاك الطاغي      بـأحـسنِ  الـبيانِ والبلاغِ
حـنّتْ بقلبٍ موجعٍ محترقِ      عـلى أخـيها فأجابَها الشقي
(  ياصيحةً تحمُدُ مِنْ صوائحِ      وأهـونَ النوحُ على النوائحِ)


الصفحة (85)

لماذا توجّه الحسين (عليه السّلام) بهجرته في البداية إلى مكّة المكرّمة ؟

قوله تعالى : ( وَلَمّا تَوَجّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى‏ رَبّي أَن يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السّبِيلِ )(1) .

هذه الآية الكريمة تمثّل بها الحسين (عليه السّلام) عندما دخل إلى مكّة مهاجراً مِنْ مدينة الرسول (صلّى الله عليه وآله) ، وذلك في الخامس مِنْ شعبان سنة ( 60 ) من الهجرة ، وتوجّه الحسين (عليه السّلام) بنهضته المباركة إلى مكّة ، وحلوله فيها أمر معقول ومشروع للغاية ، يقرّه الشرع والعرف السياسي .

أمّا من الناحية الشرعية ، فإنّه يجب على الإنسان أنْ يحلّ بلداً يمكنه فيه القيام بواجباته ، مع الحفاظ على حياته ما أمكن . ومكّة المكرّمة هي البلد الوحيد في ذلك اليوم الذي يتمكّن فيه الحسين (عليه السّلام) الجمع بين هذين الأمرين معاً ؛ لأنّه حرم مقدّس ومأمن لكلّ شيء حتّى الحيوان والطير والنبات ؛ بنص الكتاب العزيز : ( وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً ) . حتّى قاتل النفس المحرّمة إذا دخل مكّة آمن على حياته من القصاص . نعم ، يُضيّق عليه حتّى يخرج عنها ، ثمّ يُقتص منه .

وأمّا من الناحية السياسية ، فإنّ الحسين (عليه السّلام) قائم بثورة فكريّة إصلاحيّة ، وهي بحاجة إلى إعلام ودعوة وأنصار . ولا شكّ أنّ مكّة يومئذ أنسب بلد للقيام بذلك كلّه ؛ لأنّها مختلف الناس ، وممرّ المسلمين مِنْ جميع الأقطار ، وكلّ حدث يحدث في مكّة ينعكس صداه فوراً في كافة الأقطار الإسلاميّة ، وتسير به الركبان إلى جميع العالم الإسلامي ، وكلّ دعوة تنبثق في مكّة سرعان ما تصل إلى أسماع المسلمين في كلّ مكان .

وفعلاً استطاع الحسين (عليه السّلام) بفضل إقامته في

ـــــــــــــــــ

(1) سورة القصص / 22 .


الصفحة (86)

مكّة أنْ يبلغ أنباء ثورته على الحكم الاُموي إلى أكثر الأقطار ، ويتّصل بكثير من الوجوه والزعماء والوفود ؛ ولذا فقد اجتمع له في خلال تلك المدّة بين الستة آلاف والعشرة آلاف رجل ، وهم الذين تفرّقوا عنه أثناء الطريق عندما ظهر لهم غدر أهل الكوفة بالحسين (عليه السّلام) ، وفي خلال تلك المدّة تسلّم اثني عشر ألف كتاب ، دعوة مِنْ أهل العراق بالتوجّه إليهم .

وعلى كلّ حالٍ ، كان في إقامة الحسين (عليه السّلام) في مكّة المكرّمة دعماً كبيراً لقضيته وإعلاناً واسعاً عن ثورته ، ولكنّ الذي حدث بعد ذلك وجعل الحسين يضطرّ إلى الخروج مِنْ مكّة بكلّ سرعة واستعجال هو : أنّ الاُمويِّين قرّروا هتك حرمة مكّة وانتهاك كرامتها ، وصمّموا على قتل الحسين فيها ، ولو كان متعلّقاً بأستار الكعبة .

 واتّخذوا لذلك جميع الإجراءات ؛ فبعث يزيد جيشاً يتألّف مِنْ ثلاثين ألف رجلٍ ، فأحاط بمكّة خوفاً مِنْ أنْ يقوم الحسين (عليه السّلام) بثورة مسلّحة فيها ضدّهم ، وعزل والي مكّة وعيّن مكانه عمرو بن سعيد الأشدق المعروف بعدائه الشديد للهاشميين ، وضمّ إليه إمارة الحرمين مكّة والمدينة ، حيث كان قد عزل والي المدينة أيضاً ؛ لتهاونه في أمر الحسين ، ولمْ يعجّل في قتله قبل خروجه من المدينة .

وبالإضافة إلى ذلك كلّه بعث ثلاثين جاسوساً اندسوا مع الحجّاج ( لغرض قتل الحسين (عليه السّلام) ) أينما وجدوه ، ولو كان معلّقاً بأستار الكعبة . ولو تأخّر الحسين (عليه السّلام) مع ذلك في مكّة لمدّة قليلة اُخرى لقُتل غيلة على يد اُولئك الجواسيس ، ولذهب دمه هدراً وعفي أثر الجريمة تماماً ، ولأُنكر قتله نهائياً وبتاتاً ، ولذهبت ثورته المقدّسة أدراج الرياح بدون أثر ، وقبل أنْ يقوم بتلك التضحيات التي هزّت ضمير العالم ، وزلزلت العرش تحت أقدام آل أبي سفيان .

إنّ الحسين (عليه السّلام) لمْ يخرج من المدينة ، أو مِنْ مكّة هرباً من القتل مِنْ حيث هو ؛ لأنّه كان يعلم أنّ مصيره القتل على كلّ حال ، خرج أو لمْ يخرج ، ولكن هرب من القتل قبل الأوان من القتل ، قبل أداء الواجب ، أو قل هرب مِنْ قتلة عقيمة ، وهرب أيضاً مِنْ شيء آخر ، وهو هتك حرمة البيت الحرام بسببه ، كما صرّح بذلك لبعض المعترضين عليه بالخروج ، فقال (عليه السّلام) : (( إنّي اُحبّ أنْ أُقتل خارج مكّة بباع خير مِنْ ذراع ؛ لئلاّ أكون الذي تستباح به حرمة هذا البيت )) .

 

 

الصفحة (87)

وما انتهكت حرمة مكّة والبيت الحرام منذ حرّمهما الإسلام إلاّ على يد الاُمويِّين ؛ فهم أوّل مَنْ هتكوا الحرمات وسحقوا المقدّسات ، فكره الحسين (عليه السّلام) أنْ يكون دمه أوّل دم يُسفك في البيت ، وأوّل إنسان به تُهتك حرمة الحرم ؛ لذا خرج يوم التروية ، أي يوم الثامن مِنْ ذي الحجّة ، حيث لمْ يتمكّن مِنْ إتمام الحجّ ، فطاف بالبيت وسعى بين الصفا والمروة ، وأحلّ مِنْ إحرامه وجعلها عمرة مفردة .

قال الفرزدق الشاعر : حججت بأمّي سنة ستين للهجرة ، فبينا أنا أسوق بعيرها وقد دخلت الحرم ، وإذا بقطار خارج مِنْ مكّة ، فقلت : لمَنْ هذا القطار ؟ فقيل : للحسين بن علي بن أبي طالب (عليه السّلام) . فدنوت منه وسلّمت عليه ، وقلت له : يابن رسول الله ، ما الذي أعجلك عن الحجّ ؟ فقال (عليه السّلام) : (( يا عبد الله ، لو لمْ أعجل لأخذت )) . وقال لسائل آخر : (( إنّ بني اُميّة لا يدعونني حتّى يستخرجوا هذه العلقة مِنْ جوفي )) .

والخلاصة : لقد أصاب (عليه السّلام) وعمل بمقتضى الحكمة في توجهه أولاً إلى مكّة ، ثمّ في خروجه منها بعد أنْ أحدق به خطر القتل ؛ فهو (عليه السّلام) بدخوله إلى مكّة وإقامته فيها طيلة أربعة أشهر مهّد لثورته المقدّسة تمهيداً إعلامياً ودعائياً كاملاً ، وبخروجه منها حفظ حياته للقيام بمهام الثورة مِنْ حيث العمل والتطبيق .

وأخيراً : فهذه حياة المصلحين الأحرار ، حياة تشريد ومطاردة وخوف واضطهاد ، ولله در الحاج مجيد الحلّي (رحمه الله) حيث قال :

أيـطيبُ عيشٌ وابنُ فاطمةٍ      نَهبتْ حشاهُ البيضُ والسمرُ
تاللهِ  لا أنـسـاهُ مضطهداً      حـتّى  يضمُّ عظاميَ القبرُ
ومـشرّداً ضاقَ الفضاءُ به      فـكـأنّ لا بـلدٌ ولا مصرُ
مُنعَ  المناسك أنْ يؤدّيها(1)      بمنى  فكانَ قضاءَها النحرُ
إنْ  فـاتهُ رميُ الجمارِ فقد     أذكـى لهيبَ فؤادهِ الجمرُ
يسعى لإخوانِ الصفاءِ وهم      فوقَ الصعيدِ نسائكٌ جزروا
ويطوفُ حولَ جسومهم وبهِ      انتظمَ  المصابُ ودمعهُ نثرُ
أفـديـهِ مـستلماً بجبهتهِ      حـجراًً  إذا ما فاتهُ الحجرُ

ــــــــــــــــــــــــ
(1) لا يخفى ما في المصراع من خلل عروضي واضح . (موقع معهد الإمامين الحسَنَين)

الصفحة (88)

كيف وثق الحسين (عليه السّلام) بأهل الكوفة ، ولماذا خرج إليهم ؟

للشيخ صالح الكوّاز (قدس سره) :

إذا مـا سقى اللهُ البلادَ فلا سقى      مـعاهدَ  كـوفانٍ بنوءِ المرازمِ
أتـت كـتبُهُمْ في طيهنَّ كتائبٌ      و  مـا رقـمت إلاّ بسمِّ الأراقمِ
لخيرِ  إمامٍ قامَ في الأمرِ فانبرتْ      لــهُ  نـكباتٌ أقعدتْ كلَّ قائمِ
أنْ اقدم إلينا يابنَ أكرم مَنْ مشى      عـلى قدمٍ مِنْ عُربِها و الأعاجمِ
فـكـمْ لكَ أنصاراً لدينا وشيعة      رجـالاً  كراماً فوق خيلٍ كرائمِ
فـودّع مأمون الرسالةِ وامتطى      متونَ المراسيلِ الهجانِ الرواسمِ
و  جـشّـمها نجد العراقِ تحفّه      مصاليتُ حربٍ مِنْ ذؤابةِ هاشمِ

يتساءل الكثيرون ممّن يستمع إلى سيرة الحسين (عليه السّلام) ، ويقول : وا عجباً ! كيف وثق الحسين بأهل الكوفة واعتمد عليهم في ثورته ولبّى طلبهم ، وهو مِنْ أعلم الناس وأعرفهم بغدر أهل الكوفة وتقلّبهم ، وقد سبق له أنْ جرّبهم مع أبيه علي وأخيه الحسن ؟! هذا بالإضافة إلى نصح جملة مِنْ خلّص أصحابه وأقاربه له بعدم الركون إلى رسائلهم ورسلهم ؛ فإنّهم قوم غدر وخيانة !

ونقول لهؤلاء : إنّ ما فعله الحسين كان عين الصواب والصحيح في عرف الشرع والسياسة ؛ أمّا إنّه لمْ ينجح في عمله هذا فذلك بحث آخر سوف نتعرّض له في الفصول الآتية تحت عنوان : هل كانت ثورة الحسين (عليه السّلام) ناجحة أم لا ؟

أمّا توجّه الحسين (عليه السّلام) يومئذ وهو في تلك الظروف إلى العراق كان مطابقاً للشرع والعرف السياسي الصحيح .


الصفحة (89)

نقول : كان مطابقاًَ للشرع ؛ لأنّ الشارع الإسلامي يركّز أحكامه على الناس حسب ظواهرهم ، ويعتبر الظواهر هي الحجّة والقياس ومناط الأحكام . أمّا البواطن والخفايا والظنون والاُمور الغيبية فلا اعتبار لها في التشريع الإسلامي ، وإنّما أمرها إلى الله ، والله وحده هو المحاسب عليها يوم الحساب .

قال سبحانه وتعالى : ( وَلاَ تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى‏ إِلَيْكُمُ السّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الْدّنْيَا . . . )(1) . قيل : نزلت في مسلم رفع السيف في بعض الغزوات على مشرك ليقتله ، فقال المشرك : أشهد أنْ لا إله إلاّ الله ، ولكنّ المسلم مع ذلك ضربه بالسيف وقتله ، فبلغ الحادث إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، فدعا بالمسلم وقال له : (( لِمَ قتلته وأنت سمعته يشهد أنْ لا إله إلاّ الله ؟ )) . فقال المسلم : يا رسول الله ، إنّه قالها خوف السيف لا عن إيمان وعقيدة . فقال الرسول (صلّى الله عليه وآله) : (( وما يدريك بذلك ، فهل فلقت قلبه وعرفت كذبه ؟! )) . وعلى أثر هذه القضية نزلت الآية الكريمة : ( يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَتَبَيّنُوا وَلاَ تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى‏ إِلَيْكُمُ السّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِناً )(2) .

ونصوص القرآن على حجيّة الظواهر في الإسلام كثيرة ، منها قوله تعالى : ( إِنّ الظّنّ لاَ يُغْنِي من الْحَقّ شَيْئاً . . . )(3) . وقوله تعالى : ( وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ . . . )(4) . وقوله تعالى : (اجْتَنِبُوا كَثِيراً من الظّنّ إِنّ بَعْضَ الظّنّ إِثْمٌ وَلاَ تَجَسّسُوا . . . )(5) .

وأمّا السنّة فأقوال وأفعال ، منها قوله (عليه السّلام) : (( أُمرت أنْ اُقاتل الناس حتّى يقولوا لا إله إلاّ الله محمد رسول الله ، فإذا قالوها حقنوا دمائهم وأموالهم وأعراضهم )) . وأيضاً أحاديث اُخرى مضمونها : مَنْ تشهّد بشهادتنا وصلّى إلى قبلتنا . . . فله ما لنا وعليه ما علينا .

وأكثر قواعد واُصول الفقه الإسلامي مبنيّة على الظاهر القائم بالفعل ، مثل قاعدة : المتّهم بريء حتّى تثبت إدانته ، أو قاعدة : لا يجوز القصاص قبل الجناية ، وقاعدة : اليد ، وقاعدة الطهارة ، وقاعدة الحليّة ، وقاعدة الإباحة وغيرها . . .

فالخلاصة : إنّ الإسلام دين يعامل الناس على الظاهر منهم ، لا على ما يمكن أنْ سيبدو .

ــــــــــــــــــــ
(1) سورة النساء / 94 .
(2) سورة النساء / 3 ، تفسير المنار ج 5 .
(3) سورة يونس / 36 .
(4) سورة الإسرَاء / 36 .
(5) سورة الحجرات / 12 .

الصفحة (90)

فإذا تحقق هذا , نقول : إنّ أهل الكوفة أظهروا الولاء والطاعة للحسين (عليه السّلام) بشكل من الإخلاص والإلحاح والجديّة لمْ يسبق له مثيل ، وكان إظهارهم لهذا الولاء منذ عصر معاوية ، وفي حياة الحسن (عليه السّلام) وبعده ، وتضاعف طلبهم له عند وفاة معاوية .

ولمّا بلغهم نبأ وفاة معاوية وامتناع الحسين (عليه السّلام) من البيعة ليزيد وجّهوا رسلهم ورسائلهم ووفودهم إلى الحسين (عليه السّلام) وهو بعدُ في المدينة ، ولمّا استقر الحسين في مكّة انهالت عليه طلباتهم وكتبهم كالسيل المتدفّق حتّى تسلّم الحسين (عليه السّلام) منهم في يوم واحد ستمئة كتاب ، وبلغ مجموع كتبهم إلى الحسين (عليه السّلام) خلال مدّة إقامته (عليه السّلام) في مكّة إلى اثني عشر ألف كتاب ، وكلّ كتاب موقّع مِنْ قبل رجلين والثلاث والأربع ، وكلّها تكرّر عبارة : أقدم يابن رسول الله ، ليس لنا إمام غيرك ؛ فلقد اخضرّ الجناب ، وأينعت الثمار ، وإنّما تقدم على جند لك مجنّدة .

وكتب له بعضهم قائلاً : إنْ لمْ تجب دعوتنا وتلبّي طلبنا وتتوجّه إلينا خاصمناك بين يدي الله يوم القيامة . فأيّ حجّة أعظم وألزم مِنْ ذلك ؟! وأيّ عذر للحسين (عليه السّلام) أمام الله وأمام التاريخ إذا لمْ يلبّي دعوتهم بعد ذلك كلّه ؟! وهل كان يبرّر له ذلك أنْ يقول : كنت أظن أو أتوقّع منهم الغدر والخلاف ؟!

وهذا الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) يقول في دستوره الخالد إلى واليه على مصر مالك الأشتر : (( إِنَّ فِي النَّاسِ عُيُوباً الْوَالِي أَحَقُّ مَنْ سَتَرَهَا ، فَلا تَكْشِفَنَّ عَمَّا غَابَ عَنْكَ مِنْهَا ؛ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ تَطْهِيرُ مَا ظَهَرَ لَكَ ، وَاللَّهُ يَحْكُمُ عَلَى مَا غَابَ عَنْكَ )) .

ومِنْ قبله رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، فكم كان يرتّب آثار المسلمين وأحكامهم على المنافقين الذين يعلم علم اليقين أنّهم كاذبون في كلّ ما يظهرون ، ولكنّ الإسلام يعامل الناس على الظاهر حتّى يتبيّن الخلاف والعكس .

والحسين (عليه السّلام) سار حسب ما يقتضيه الشرع ، ولبّى دعوة أهل الكوفة لمّا أتمّوا الحجّة عليه بطلباتهم المتكرّرة ودعواتهم الحارّة المتواترة . وقد اُضيف إلى تلك الحجّة عليه حجّة اُخرى ألا وهي رسائل سفيره ونائبه الخاص مسلم بن عقيل ، الذي بعثه إلى الكوفة ليستكشف حقيقة الأمر أكثر فأكثر ،


الصفحة (91)

ويتعرّف على واقع تلك الدعوات عن كثب ، فكان نتيجة ما قام به مسلم بن عقيل طيلة أكثر مِنْ شهرين في الكوفة أنْ كتب إلى الحسين (عليه السّلام) مؤكداً له استعداد أهل الكوفة للتضحية بين يديه بالنفس والنفيس ، وبكل غالٍ وعزيزٍ ، ويستحثّه على القدوم إلى الكوفة فوراً .

وكان ممّا قاله في بعض كتبه إلى الحسين (عليه السّلام) : أمّا بعد ، فأقدم يابن رسول الله ؛ فإنّ الرائد لا يكذب أهله . إنّ الناس ينتظرونك ، وإنّ الكوفة بأسرها معك . فهل ترى أيّها القارئ الكريم أيّ عذر للحسين بعد كلّ هذا إذا تخلف عن إجابتهم وترك التوجه إليهم ؟!

وقد صرّح هو (عليه السّلام) بالمسؤوليّة التي توجّهت إليه تجاه أهل الكوفة لابن عمّه عبد الله بن عباس لمّا ألحّ عليه بترك المسير إلى العراق ، فقال الحسين (عليه السّلام) : (( يابن عمّ ، لقد كثرت عليّ كتبهم ، وتوافرت عليّ رسلهم ، ووجبت عليّ واجباتهم )) .

وأمّا من الناحية السياسية والحكمة ، فإنّ الحسين (عليه السّلام) ثائر في وجه دولة قويّة وحكومة مسيطرة ، وطبعاًً لا بدّ له مِنْ قوّة كبيرة يستند إليها في هكذا ثورة ، والعراق يومئذ أنسب قوّة وأكبر سند لمثل تلك الثورة التي عزم الحسين على القيام بها ؛ وذلك نظراً إلى مركز العراق الجغرافي ، وموقعه الاستراتيجي ، ومناخه الاقتصادي ، وغيرها من الملائمات التي تميّزه عن باقي الأقطار الاُخرى ؛ ومن ثمّ اختارها أمير المؤمنين (عليه السّلام) مِنْ قبل مركزاً لقيادته ، وعاصمة لخلافته ، ومنطلقاً لحركته الإصلاحية الشاقّة الواسعة بعد عهد عثمان الذي أغرق المجتمع الإسلامي بالمفاسد والانحرافات . وقد خرج منها علي (عليه السّلام) بمئة ألف مقاتل أو يزيدون إلى حرب صفين .

والخلاصة هي أنّ الكوفة يومئذ أفضل وأنسب منطلق لكلّ حركة ثورية لولا عيب واحد فيها فوّت كلّ مزاياها الثورية ، ألا وهو حالة التقلّب والتلوّن التي امتاز بها أهل العراق عامّة وأهل الكوفة خاصة .

وقد نقل عن لسان كاهن اليمن في كلمته التي حدّد فيها صفات الشعوب والأقطار ، فقال : وأمّا العراق فشقاق ونفاق ، وثياب رقاق ، ودم مهراق .

وجاء في بعض وصايا معاوية لابنه يزيد قال : وانظر أهل العراق ، فإنْ طلبوا


الصفحة (92)

منك أنْ تعزل عنهم في كلّ يوم والياً وتنصب لهم آخر فافعل ؛ لأنّ ذلك أيسر مِنْ أنْ يخرجوا عليك .

ويعزو الخبراء هذه الحالة فيهم إلى إحساسهم المرهف ، وذكائهم الفطري المفرط ، فهم دائماً وأبداً كانوا مصدر تعب وإزعاج للولاة والحكّام والأمراء ، لا يستقيمون إلاّ تحت وطأة العنف والإرهاب والظلم . فهم كما قيل عنهم : ( عبيد العصا ) على المدى البعيد ، وطلاّب الحقّ والعدل على المدى القريب ، سريعو الإقبال وسريعو الإدبار .

وعلى كلّ حالٍ ، نتساءل بعد كلّ هذا ونقول : لو لمْ يتوجّه الحسين (عليه السّلام) إلى العراق رغم دعوتهم الملحّة له فإلى أين كان يتوجّه بعد أنْ صارت حياته في مكّة معرضة للخطر في أي لحظة ، ولمْ يتلقَ دعوة مِنْ أيّ مكان آخر غير العراق ؟ فهل كان يبقى في مكّة حتّى يُقبض عليه ويسلّم أسيراً إلى يزيد ، أو يغتال ويقتل غدراً ويذهب دمه هدراً ؟

نعم ، لك أنْ تقول لماذا لمْ يعدل عن الكوفة عندما ظهر له غدرهم به وانقلابهم عليه ؟ فنقول : أجل ، لقد حاول العدول عنها ، بل عدل عن التوجّه إليها فعلاً لمّا التقى بطلائع جيش العدو بقيادة الحرّ بن يزيد الرياحي ، وأيقن بأنّه ليس له في الكوفة مكان ولا أعوان ، ولكنّ الحرّ منعه مِنْ ذلك ، وصمّم على أنْ يأخذه إلى عبيد الله بن زياد أسيراً . وبعد محاولات عنيفة وتمانع من الطرفين اتّفق الحسين (عليه السّلام) معهم على أنْ يسلك طريقاً لا يردّه إلى مكّة والمدينة ولا يدخله إلى الكوفة ؛ ليسير على وجهه في أرض الله تعالى إلى حيث ينتهي به السير .

وهكذا كان ، وأخذ الحسين (عليه السّلام) طريقاً وسطاً ، وصار يتياسر عن الكوفة إلى الغرب متّجهاً نحو المدائن ؛ بقصد أنْ يخرج مِنْ منطقة نفوذ ابن زياد الذي كان أخبث وأشقى رجل في عمّال يزيد ، وأشدّهم عداءً وبغضاً لآل النبي (صلّى الله عليه وآله) .

فسار الحسين (عليه السّلام) في الاتّجاه الجديد والحرّ وأصحابه يسايرونه على البعد حتّى وصل أرض كربلاء ، وهي أرض على شاطئ الفرات ، كانت تسمّى نينوى والغاضريات ،


الصفحة (93)

ووادي الطفوف ، فلمّا وصل ركب الحسين (عليه السّلام) إليها وصل أيضاً رسول مِن ابن زياد بكتاب منه إلى الحرّ الرياحي يذكر فيه اطّلاعه على ما حدث بينه وبين الحسين (عليه السّلام) ، ويأمره فيه أنْ يأتي إليه بالحسين (عليه السّلام) سلماًَ مستسلماً وإلاّ فليحبسه عن الرجوع أو المسير ، وليجعجع به في المكان الذي يصل فيه الكتاب إليه ويخبره بأنّ حامل الكتاب عين عليه .

فدنا الحرّ عند ذلك من الحسين (عليه السّلام) وأطلعه على الكتاب ، وقال : لا يسعني بعد هذا أنْ أدعك مستمراً في سيرك ، فإمّا أنْ تنزل هنا أو نقاتلك ، فعرض عليه بعض أصحابه القتال مع القوم ، فقال (عليه السّلام) : (( إنّي أكره أنْ أبدأهم بقتال )) .

ثمّ نزل الحسين وأصحابه (عليهم السّلام) في جانب ، ونزل الحرّ في ألف فارس في جانب آخر مِنْ أرض كربلاء ، وذلك في يوم الثاني مِنْ شهر المحرّم الحرام سنة (61) للهجرة ، ثمّ كتب الحرّ إلى ابن زياد كتاباً يخبره بنزول الحسين (عليه السّلام) أرض كربلاء ، فكتب ابن زياد إلى الحسين (عليه السّلام) كتاباً يقول فيه : أمّا بعد يا حسين ، فقد بلغني نزولك أرض كربلاء ، وقد كتب إليّ أمير المؤمنين يزيد أنْ لا أتوسد الوثير ، ولا أشبع من الخمير حتّى ألحقك باللطيف الخبير ، أو تنزل على حكمي وحكم يزيد .

فلمّا وصل كتابه إلى الحسين (عليه السّلام) وقرأه رماه مِنْ يده ، وقال : (( لا أفلح قوم اشتروا مرضاة المخلوق بسخط الخالق )) . فقال له الرسول : الجواب أبا عبد الله . فقال (عليه السّلام) : (( ليس له عندي جواب ؛ فقد حقّت عليه كلمة العذاب )) .

فعاد الرسول إلى ابن زياد فأخبره ، فغضب ابن زياد وجمع الناس في الجامع الأعظم وخطبهم وأعلن النفير العام ، وقال : برئت الذمّة ممّن وجدناه بعد ثلاثة أيّام لمْ يخرج إلى حرب الحسين بن علي .

ويروى أنّه جيء إليه بعد الثلاث برجل ، فقال : لِمَ لمْ تخرج إلى حرب الحسين ؟ فقال : أنا رجل غريب مِنْ أهل الشام جئت إلى الكوفة في حاجة ، وغداً خارج عنها . فقال ابن زياد : وأنت صادق في قولك ، ولكن في قتلك تأديب للآخرين . ثمّ أمر به فقتلوه .

وهكذا ساق الناس إلى حرب الحسين (عليه السّلام) على الصعب والذلول حتّى اجتمع لحرب الحسين (عليه السّلام) في


الصفحة (94)

كربلاء ثلاثون ألف مقاتل أو يزيدون ، كلّهم مِنْ أهل الكوفة ليس فيهم شامي ولا حجازي .

وحيث إنّ أهل العراق لا يوثق بهم ؛ لذا أخذ يزيد الاحتياط لنفسه حذراً مِن انقلاب أهل الكوفة على ابن زياد ؛ فجهّز جيشاً مِنْ ستين ألف رجل وبعثه إلى العراق ، ونزل بالقرب مِنْ كربلاء ، وأرسل قائده إلى عمر بن سعد يعرض عليه استعداده للاشتراك معهم في حرب الحسين (عليه السّلام) متى أراد .

وفي ذلك يقول بعض الاُدباء :

مـلأ القفارَ على ابن فاطمةٍ      جـنداً  وملؤ صدورِهمْ ذحلُ
جـاءت وقائدُها العمى وإلى      حرب الحسينِ يسوقها الجهلُ
بـجـحافلٍ  بـالطفِّ أوّلُها      وأخـيـرُهـا بالشام متصلُ


الصفحة (95)

هل الذين قتلوا الحسين (عليهم السّلام) كانوا شيعة ؟

جاؤوا بسبعين ألفاً سلْ بقيَّتهُمْ       هل قابلونا وقدْ جئنا بسبعينا

لقد تعدّدت الروايات واختلفت الأخبار في عدد أفراد الجيش الذي خرج إلى حرب الحسين (عليه السّلام) بكربلاء ، والأشهر الأصح منها يتفاوت ويتراوح بين الثلاثين ألفاً والسبعين ألف مقاتل . وقد أجمع المؤرّخون على أنّهم جميعاً كانوا من أهل الكوفة خاصّة ، ليس فيهم شامي ولا حجازي ولا بصري . والمعروف عن أهل الكوفة أنّهم شيعة ، أو يغلب عليهم التشيّع لأهل البيت (عليهم السّلام) .

ومن هنا استنتج بعض الذين كتبوا في الحسين (عليه السّلام) أنّ الشيعة هم الذين قتلوا الحسين (عليه السّلام) بكربلاء ، ويفسّرون أيضاً زيارة الشيعة لمرقد الحسين (عليه السّلام) بكربلاء ، وبكاءهم عليه أيّام عاشوراء وغيرها مِنْ مظاهر الحداد التي يقيمونها عليه بأنّه ندم وتكفير لما فعله سلفهم وآبائهم مِنْ قبل ، وتعبير منهم عن مدى إحساسهم بقبح الجريمة التي ارتكبها الأجداد .

أقول : هكذا قال بعض المعاصرين من الذين كتبوا عن الحسين (عليه السّلام) فهل هذا صحيح ؟!

الجواب : كلا ، لمْ يكن في ذلك الجيش الذي اجتمع على حرب الحسين (عليه السّلام) بكربلاء يوم العاشر من المحرّم ولا شيعي واحد ؛ بل كان ذلك الجيش خليطاً مؤلّفاً من الخوارج ، ومن الحزب الاُموي ، ومن المنافقين الذين عانى منهم الإمام علي والإمام الحسن (عليهما السّلام) من المحن والأذى . وأيضاً كان فيهم كثير من المرتزقة الذين كانوا


الصفحة (96)

يشكلّون جيشاً نظامياً أقامه الولاة للاستعانة بهم على قمع الفتن والحركات الداخلية ، وكان أكثرهم من الحمر ـ أي غير العرب ـ لمْ يعرف لهم نسب ولا حسب ولا مبدأ . وبكلمة واحدة : ما كان فيهم شيعي قط .

ودليلنا على ذلك هو :

أولاً : إنّ الكوفة كانت علوية النزعة ، ويغلب عليها التشيّع في عهد الإمام علي (عليه السّلام) ، ولكنّها لمْ تبقَ على ذلك بعده ؛ لأنّ معاوية وولاته عندما استولوا على الكوفة بعد مقتل الإمام علي (عليه السّلام) قتلوا الشيعة فيها وشرّدوهم حتّى لمْ يبقَ فيها في عصر زياد ونجله شيعي بارز معروف إلاّ وهو مقتول أو مسجون أو مشرّد .

وإنْ أردت تفصيل ما فعله معاوية بالشيعة في الكوفة وغيرها في عهد خلافته فاقرأ كتب التاريخ والسيرة ؛ لتعرف كيف قامت المجازر البشرية ونصبت المشانق ، وفتحت السجون لإبادة الشيعة والتشيّع في ذلك العصر المشؤوم حتّى بلغ الحال أنّ الرجل كان يتّهم بالكفر والإلحاد والزندقة فلا خوف عليه ، ولكن إذا اتّهم بالتشيع لعلي (عليه السّلام) سفك دمه ونهب ماله وهدمت داره .

كتب معاوية بن أبي سفيان بنسخة واحدة إلى جميع عمّاله وولاته في الأقطار : أن انظروا إلى مَنْ يُتّهم بحبّ علي فامسحوا اسمه من الديوان ( أي مِنْ كافة الحقوق المدنية والمالية ) ، ومَنْ قامت عليه البيّنة أنّه مِنْ شيعة علي فاقتلوه وانهبوا ماله واهدموا داره .

ولقد حار الخبراء والمتتبعون للتأريخ كيف بقي في العالم شيعة مع تلك الحملات الإبادية والاضطهادات والمطاردات التي قامت ضدّهم طيلة مئة عام أو أكثر فترة الحكم الاُموي وبعده ؛ في حين أنّ بعض الطوائف التي ظهرت في تلك الفترة قد أُبيدت وزالت كلّياً لمّا وجّه إليها بعض ما وجّه إلى الشيعة من الضغط والتنكيل ؟!

أجل ، إنّ المقتضى الطبيعي لما لاقاه الشيعة مِنْ أعدائهم إبّان الحكم الاُموي هو أنْ لا يبقى لهم عين في العالم ولا أثر ، ولكن بما أنّ التشيّع هو


الصفحة (97)

دين الله الكامل ونوره المبين والحق الذي لا يأتيه الباطل مِنْ بين يديه ولا مِنْ خلفه ، وشريعة قرآنه المنزل على خاتم أنبيائه محمد (صلّى الله عليه وآله) ، فقد تعهّد الله سبحانه وتعالى أنْ يحفظ دينه ويتمّ نوره ، ويحفظ قرآنه ويظهر الحقّ على الباطل ولو كره الكافرون : ( أَمّا الزّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمّا مَا يَنفَعُ النّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ )(1) .

وها هو التشيّع اليوم يعمّ أقطار الأرض ، ولا يكاد يخلو منه مكان في العالم ، والذين ينتمون إليه اليوم يبلغون مئة مليون أو أكثر من المسلمين ، وهذا علي بن أبي طالب الذي كان يشتم ويسبّ على المنابر الإسلاميّة طيلة الحكم الاُموي ، اسمه اليوم على المآذن مقروناً باسم الله وباسم رسوله : ( يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُوا نُورَ اللّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللّهُ إِلاّ أَن يُتِمّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ )(2) .

والخلاصة : لمْ يبقَ في عصر الحسين (عليه السّلام) في الكوفة من الشيعة سوى أقلّيّة قليلة هم بقية حملات الإبادة والسيف والتنكيل الاُموي ، وكانوا لا يتجاوزون الأربعة أو الخمسة آلاف رجلاً ، وهم الذين كان ابن زياد (لعنه الله) قد ملأ بهم سجون الكوفة ومعتقلاتها قبل قدوم الحسين (عليه السّلام) إلى العراق ، وهؤلاء هم كلّ الشيعة في الكوفة يومئذ ، وهم الذين كسروا السجون بعد أنْ ترك ابن زياد العراق والتحق بالشام .

كسروا السجون وخرجوا ثائرين بدم الحسين (عليه السّلام) بعد قتله بما يقرب مِنْ أربع سنوات ، وقبل ثورة المختار ، وتوجّهوا نحو الشام والتقوا بجيوش الاُمويِّين على نهر الزاب في شمال العراق وقاتلوا حتّى قتلوا .

وعرفوا في التاريخ بالتوابين ، وهي تسمية غير حقيقية ؛ حيث لمْ تصدر منهم خطيئة بالنسبة إلى الحسين (عليه السّلام) حتّى يكون قتلهم في الثأر له توبة عنها ، بل هم الآسفون على الأصح ؛ حيث أسفوا أنْ يقتل الحسين (عليه السّلام) ولمْ يستطيعوا الدفاع عنه ، وقالوا : لا خير في العيش بعده .

فإذاً اتّهام الشيعة بأنّهم قتلوا الحسين ؛ لأنّ أهل الكوفة كانوا في وقت من الأوقات شيعة بمجموعهم أو بأكثريتهم ، اتّهام باطل لا أساس له ، وقد عرفت وجه البطلان فيه .

ــــــــــــــــ
(1) سورة الرعد / 17 .
(2) سورة التوبة / 32 .

الصفحة (98)

وأمّا ما نراه اليوم من الأكثرية الشيعية في العراق فإنّه حدث بعد ذلك ، وبعد زوال السلطان الاُموي الجائر عن العراق والعالم الإسلامي ، وعلى أثر الحريات التي نالها الشيعة في أكثر فترات الدولة العباسية ، وببركة العتبات المقدّسة ومراقد أهل البيت (عليهم السّلام) المنتشرة في أنحاء كثيرة من العراق .

ولا تنسى أنّ الجامعة العلميّة التي أسسها شيخ الطائفة أبو جعفر الطوسي (أعلا الله مقامه) في النجف الشرف قبل أكثر مِنْ ألف عام كان لها الأثر الكبير في نشر التشيّع في العراق ، وفي أنحاء اُخرى من البلاد الإسلاميّة ؛ وذلك بما خرّجته هذه الجامعة مِنْ فحول العلماء ورجال العلم ، وأعلام الدعوة وكبار الفلاسفة والمجتهدين ومراجع الدين ، حتّى صارت النجف الأشرف مهوى أفئدة طلاب العلم والمعرفة ، وموطن العلماء العظام ، وعاصمة العالم الشيعي ، ولا تزال كذلك إلى اليوم وستبقى كذلك إلى الأبد إنْ شاء الله رغم كلّ المحاولات التي تبذل للقضاء على قدسية هذه المدينة العلميّة المقدّسة .

هذا كلّه بيان لبطلان هذا الاتّهام من الناحية التاريخية وعلى صعيد الواقع القائم آنذاك . وأمّا إذا نظرنا إلى هذه التهمة من الناحية الفكرية ، وناقشناها على الصعيد العقائدي فإنّا نجد التناقض الصريح في مؤدّاها ؛ لأنّ التشيّع وقتل الحسين (عليه السّلام) ضدان لا يجتمعان .

فقولهم إنّ الشيعة قتلوا الحسين (عليه السّلام) نظير القول مثلاً بأنّ المسلمين قتلوا النبي محمد (صلّى الله عليه وآله) ، أو قولنا مثلاً بأنّ الشيوعيين قتلوا ماركس أو لينين . فهل هذا يمكن عادة ؟! طبعاً كلاّ ؛ لأنّ معنى مسلم يعني مَنْ يقدّس محمداً (صلّى الله عليه وآله) ويحترمه ويضحّي بكلّ غالٍ وعزيز دفاعاًً عنه ، وإنّ الشيوعي يعني ذلك الشخص الذي يقدّس ماركس ولينين ويحترمهما إلى أبعد الحدود ، وينقاد لأوامرهما وتعاليمهما ، فكيف يمكن أنْ يقدم على قتلهما مع الاحتفاظ بشيوعيته ؟! وهل يعقل أنْ يقدم إنسان على قتل رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وهو في نفس الوقت مسلم ويصدق عليه صفة الإسلام ؟! هذا مستحيل وغير معقول .

نعم ، شخص كان مسلماً ثمّ ارتدّ وكفر وقتل محمداًَ (صلّى الله عليه وآله) مثلاً ، هذا يجوز ويعقل ،


الصفحة (99)

وهكذا الحال بالنسبة إلى الشيعي ؛ لأنّ التشيّع عبارة عن تقديس الحسين (عليه السّلام) بشكل ليس فوقه تقديس إلاّ قدسية الله ورسوله ، والإنسان الشيعي هو الذي يؤمن بإمامة الحسين ويعتقد بخلافته عن رسول الله نصاً وعقلاً ، ويرى الحسين (عليه السّلام) حجّة الله على خلقه ووليّه في عباده ، وإنّه أولى بالمؤمنين مِنْ أنفسهم ، وإنّ مخالفته وعصيان أوامره كفر ومروق عن الدين فضلاً عن قتله وسفك دمه . فكيف يجتمع هذا المعنى في نفس إنسان مع إقدامه على قتل الحسين (عليه السّلام) متعمداً ؟! وأيّ تضاد وتهافت وتناقض أقبح من هذا ؟!

ولكن ويا للأسف ! إنّ الحقد على الشيعة والتعصّب ضدّهم أعمى البصائر وذهب بالعقول من هؤلاء حتّى صاروا لا يتعقّلون ما يقولون ، وإنّي لأتحدى أيّ أحد يثبت وجود شخص واحد شيعي بهذا المعنى في صفوف جيش عمر بن سعد الذي حارب الحسين بكربلاء .

نعم ، كان فيهم أناس كانوا سابقاً من الشيعة ، أي أنّهم حضروا مع الإمام (عليه السّلام) في معركة الجمل وفي معركة صفين ، مثل : الشمر بن ذي الجوشن الضبابي ، وشبث بن ربعى ، وقيس بن الأشعث ، ومحمد بن الأشعث وغيرهم (لعنهم الله) ، ولكنّهم ارتدّوا بعد ذلك وصاروا خوارج ، وكفّروا علياً في فتنة رفع المصاحف التي أثارها ابن العاص حسب ما هو معروف .

وهؤلاء الخوارج هم الذين قاتلهم الإمام علي (عليه السّلام) في معركة النهروان ، فقتل مَنْ قُتل منهم ، وانهزم مَنْ انهزم ، وألّف الخوارج طائفة مِنْ طوائف المسلمين بعد ذلك ، وتآمروا على قتل الإمام وقتلوه في الصلاة ، وهجموا على ابنه الحسن (عليه السّلام) يوم ساباط وطعنوه ، وإلى غير ذلك من مظاهر عدائهم لعلي (عليه السّلام) وأبنائه الطاهرين .

والحاصل : إنّ التشيّع عقيدة وعمل ، وإنّ إطاعة الحسين (عليه السّلام) واحترامه والدفاع عنه مِنْ صميم تلك العقيدة وقوام ذلك العمل ، كالذي فعله اُولئك النفر من الشيعة أصحاب الحسين (عليه السّلام) يوم كربلاء ؛ الذين بذلوا أنفسهم وضحّوا بأبنائهم وعوائلهم وكلّ ما يملكون دفاعاً عن الحسين وآله (عليهم السّلام) ،


الصفحة (100)

فسلام عليهم بما صبروا ونعم عقبى الدار . ورحم الله السيّد رضا الهندي حيث قال فيهم :

و قـفـوا يدرَؤون سمرَ العوالي      عـنـه و الـنبلَ وقفةَ الأشباحِ
فوقوه بيضَ الظُّبا بالنحورِ البي      ضِ و الـنـبلَ بالوجوهِ الصباحِ
فـئـةٌ  إنْ تـعـاورَ النقعُ ليلاً      أطـلعوا في سماه شهب الرماحِ
وإذا غـنّـت الـسيوفُ وطافت      أكؤسُ الموت و انتشى كلُّ صاحِ
بـاعدوا بـين قربهم والمواظي      وجـسـوم الأعـداءِ والأرواحِ
أدركـوا بـالـحسين أكبرَ عيدٍ      فـغدوا في منى الطفوفِ أضاحِ

وبعد هذا كلّه نعود فنقول : وأمّا بكاء الشيعة على الحسين وزيارتهم لقبره الشريف وغيرهما فليس هو بدافع الندم ، ولا لغرض تكفير جريمة الآباء كما زعم الخصم ، بل هو بدوافع وأغراض سنأتي على ذكرها قريباً إنْ شاء الله تعالى .

 

 

الصفحة (101)

هل كان الحسين (عليه السّلام) يطلب الحكم بثورته ؟

من الشبهات القويّة حول قيام الحسين (عليه السّلام) بثورته المباركة هي شبهة : أنّ قيامه بها هل كان طلباً للملك والسلطان والاستيلاء على الحكم أم لا ؟

وقد تعرّض الكثيرون ممن كتبوا عن الحسين (عليه السّلام) لهذه الشبهة فنفوها نفياًً كليّاً ، مؤكّدين أنّ الحسين (عليه السّلام) لم ينهض طلباً للحكم ، ولا كان من أهدافه انتزاع السلطة من الاُمويِّين ، ولم يكن يفكّر في ذلك أبداً ، فكأنّ هؤلاء يرون طعناً في كرامة الحسين (عليه السّلام) ، ونقصاً في قدسية ثورته أن ينسبوا إليه الرغبة في الحكم ، والميل إلى تسلّم السلطة ، والعمل من أجل انتزاع الخلافة من أيدي الاُمويِّين .

ويزعمون أنّ الحسين (عليه السّلام) أجلّ وأرفع من أن يطلب الإمرة والحكم بتلك المحاولة ، بل كان غرضه الأوحد القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عن طريق التضحية والشهادة فقط .

وهؤلاء يُشكرون على كلّ حالٍ على نواياهم الطيّبة تجاه الحسين (عليه السّلام) ، ولكنّ الحقيقة والواقع هو خلاف ما يرون ويزعمون ؛ وذلك لأنّ طلب الحكم والسلطة والإمرة ليس قبيحاً دائماً ، ولا هو مذموم مطلقاً ؛ بل إذا كان طلب الحكم والسلطان صادراً من أهله الأكفّاء ، ولغرض الإصلاح وإحقاق الحقّ ومكافحة الباطل ، فإنّه حينئذ يكون محبوباًَ عقلاً ، وقد يكون واجباً شرعيّاً يفرضه الله تعالى على الإنسان الصالح اللائق للحكم والإمارة ، مثله تماماً كمثل طلب أي شيء آخر من وسائل الحياة الاُخرى ؛ كطلب المال والجاه مثلاً كما قال (عليه السّلام) : (( اعمل لدنياك كأنّك تعيش أبداً ، واعمل لآخرتك . . . )) .


الصفحة (102)

وكيف يكون طلب الحكم نقصاً أو عيباً وقد طلبه من قبل أبوه أمير المؤمنين (عليه السّلام) طيلة خمس وعشرين سنة بعد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) إلى أن وصل إليه بعد مقتل عثمان ؟! ولكنّه (عليه السّلام) أوضح لنا غاياته من وراء ذلك الطلب ، فقال : (( أما والله ، إنّ إمرتكم لأهون عليّ من هذا النعل ؛ إلاّ أن اُقيم حقّاً وأدفع باطلاً )) .

وقال (عليه السّلام) أيضاً في خطبة له : (( اللّهمَّ ، إنّك تعلم أنّه لم يكن الذي كان منّا منافسة في سلطان ، ولا التماس شيء من فضول الحطام ، ولكن لنرد المعالم من دينك ، ونظهر الإصلاح في بلادك ؛ فيأمن المظلومون من عبادك ، وتقام المعطّلة من حدودك )) .

فإذاً لو كان طلب الحكم والسلطان لا لغرض المنافسة والتفاخر ، ولا للحصول على الشهوات واللذّة الحقيرة ، ولا لخدمة مصلحة شخصية ، بل كان لغرض إعادة معالم الدين والإصلاح في البلاد ، ونشر العدل والأمن بين العباد ، وإنصاف المظلوم من الظالم وأمثالها ، فالطلب حينئذ أمر حسن ومحبوب ومرغوب فيه شرعاً ومنطقاً ، فأيّ ضير على الحسين (عليه السّلام) إذا كان يطلب السلطة والحكم بتلك الثورة المقدّسة لنفس هذه الأهداف ؟!

أوَليس الحكم والسلطان حقّه الشرعي والعقلي بعد أبيه وأخيه (عليهما السّلام) ؟! أوَليس هو (عليه السّلام) أحد اُولي الأمر الذين فرض الله طاعتهم على عباده في محكم كتابه ، فقال : ( أَطِيعُوا اللّهَ وَأَطِيعُوا الرّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ )(1) ؟! أوَليس هو (عليه السّلام) أحد أئمّة المسلمين الذين نصّ عليهم رسول الله (صلّى الله عليه وآله) جملة وتفصيلاً ؟! أوَليس هو (عليه السّلام) أحد الإمامين اللذين نصّ الرسول على ثبوت الإمامة لهما سواء قاما أم قعدا ، كما في الحديث المتواتر : (( الحسن والحسين إمامان . . . )) ؟!

ثمّ هل كان في عصر الحسين (عليه السّلام) مَنْ هو أجدر بالإمرة والخلافة من سيد شباب أهل الجنة أبي عبد الله الحسين (عليه السّلام) ؟! ومن الجهة الثانية نسأل : يا ترى ! ما الذي كان يفعله الحسين (عليه السّلام) لو استلم السلطة ؟ أوَليس كان يفعل ما فعله رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وأمير المؤمنين (عليه السّلام) وكلّ الأنبياء والمرسلين والأوصياء الحاكمين ؟

فإذاً أيّ نقص يرد على ثورة الحسين (عليه السّلام) لو كانت

ـــــــــــــــ
(1) سورة النساء / 59 .

الصفحة (103)

بقصد الاستيلاء على الحكم وطلب السلطان ؟!

إنّ الذين يهاجمون ثورة الحسين (عليه السّلام) من طريق اتّهامها بأنّها كانت طلباً للملك وصراعاً على السلطة هؤلاء لم يعرفوا شيئاً عن شخصية الحسين (عليه السّلام) ، بل نظروا إليه كزعيم سياسي قام طلباًَ للسلطة ولأجل السلطة ، ككلّ الزعماء السياسيين الدنيويين الماديين في العالم .

أمّا لو كانوا قد عرفوا حقيقة الحسين (عليه السّلام) وأهدافه البعيدة وغاياته الرئيسة من تلك الثورة ، وإنّ طلبه للسلطة كان لأجل التوصّل بها إلى تلك الغايات الإنسانية العليا ، وإنّ الطريق الذي سلكه طلباً للسلطة هو طريق المثالية والشرف والنبل والشهامة والكرم ، وعدل عن الطريق التقليدي الذي يسلكه عادة الزعماء السياسيون ، وهو طريق الغاية تبرر الواسطة ، وإنّ الملك عقيم .

أقول : لو عرف اُولئك المهاجمون هذه الاُمور عن الحسين (عليه السّلام) لعدلوا عن مسلك الاتّهام . وهذا هو الاُستاذ العقّاد يردّ عليهم في كتاب أبي الشهداء ، فيقول بالحرف : وأيسر شيء على الضعفاء الهازلين أن يذكروا هنا طلب الملك ؛ ليغمروا به شهادة الحسين وذويه ، فهؤلاء واهمون ضالون مغرقون في الوهم والظلال ؛ لأنّ طلب الملك لا يمنع الشهادة ، وقد يطلب الرجل الملك شهيداً قدّيساً ، وقد يطلبه وهو مجرم بريء من القداسة . وإنّما هو طلب وطلب ، وإنّما هي غاية وغاية ، وإنّما المعوّل في هذا الأمر على الطلب لا على المطلوب ؛ فمَنْ طلب الملك بكلّ ثمن وتوسّل له بكلّ وسيلة ، وسوّى فيه بين الغصب والحقّ ، وبين الخداع والصدق ، وبين مصلحة الرعية ومفسدتها ففي سبيل الدنيا يعمل لا في سبيل الشهادة .

ومَنْ طلب الملك وأباه بالثمن المعيب ، وطلب الملك حقّاً ولم يطلبه لأنّه شهوة وكفى ، وطلب وهو يعلم أنّه سيموت دونه لا محالة ، وطلب الملك وهو يعتزّ بنصر الإيمان ولا يعتزّ بنصر الجند والسلاح ، وطلب الملك رفعاً للمظلمة وجلباً للمصلحة كما وضحت له بنور إيمانه وتقواه ، فليس ذلك بالعامل الذي يخدم نفسه بعمله ، ولكنّه الشهيد الذي يلبّي داعي المروءة والأريحية ، ويطيع وحي الإيمان


الصفحة (104)

والعقيدة ، ويضرب للناس مثلاً يتجاوز حياة الفرد الواحد وحياة الأجيال الكثيرة(1) . انتهت كلمة العقاد .

ويقول هو أيضاً في نفس الكتاب : إنّ الحسين (عليه السّلام) طلب الخلافة بشروطها التي يرضاها ، ولم يطلبها غنيمة يحرص عليها مهما تكلّفه من ثمن ومهما تطلب من وسيلة ، فكانت عنايته بالدعوة والإقناع أعظم جداً من عنايته بالتنظيم والإلزام .

أعود فأقول : ما المانع من أن يطلب الحسين (عليه السّلام) الملك والسلطة بعد أن طلبها نبي الله سليمان بن داود (عليه السّلام) من ربّه صراحة ، فقال : ( رَبّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لأَِحَدٍ مِنْ بَعْدِي )(2) . وطلبها إبراهيم الخليل (عليه السّلام) لذرّيّته بعد أن حصل عليها هو لنفسه ، فقال : ( إِنّي جَاعِلُكَ لِلنّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِنْ ذُرّيَتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ )(3) . وإلى غير ذلك من الشواهد والأمثال .

ونوجّه الخطاب ثانياً إلى هؤلاء المدافعين عن الحسين (عليه السّلام) بأنّه لم ينهض طلباً للملك ، فنقول لهم : ها هو الحسين (عليه السّلام) بالذات يصرّح بأنّه يطلب الإمرة والسلطان ؛ لأنّه أولى بهما وأحقّ من يزيد بن معاوية وغيره .

نعم ، انظر إلى كلماته التي قالها في مجلس الوليد حاكم المدينة ، وبمحضر من مروان بن الحكم ، فقال (عليه السّلام) : (( نحن أهل بيت النبوة ، وموضع الرسالة ، ومختلف الملائكة ، ومهبط الوحي والتنزيل . ويزيد رجل فاسق فاجر ، شارب للخمر ، قاتل النفس المحترمة ، معلن بالفسق والفجور ؛ ومثلي لا يبايع مثله . ولكن نصبح وتصبحون ، وننظر وتنظرون أينا أولى بالخلافة والأمر )) .

فالحسين (عليه السّلام) يطلب الخلافة والأمر ، ولكن من طريق المنطق والموازين العادلة والتحكيم الحرّ والانتخاب الشعبي الصحيح . وعلمه بالشهادة والقتل دون الوصول إليها لا ينافي طلبه لها ، ولا يتعارض مع سعيه للحصول عليها ؛ لأنّ في الطلب والسعي إتمام للحجّة على الناس ، وإفراغ للذمّة من المسؤوليّة أمام الله والتاريخ حتّى لا يُقال أنّه قصر أو تكاسل ، ولو رشّح نفسه وسعى لها لحصل عليها .

ومن قبله أخوه الحسن (عليه السّلام) كان يعلم بكلّ ذلك المصير الذي وصل إليه علماً كاملاً ، ومع ذلك لم يمنعه ذلك العلم

ـــــــــــــــــ
(1) أبو الشهداء الحسين بن علي / 195 .
(2) سورة ص / 35 .
(3) سورة البقرة / 124 .

الصفحة (105)

من التهيّؤ وتجهيز الجيش ، والمسير نحو الحرب مع العدو ، واتّخاذ كافة اللوازم المطلوبة .

وهذا أبوهما أمير المؤمنين (عليه السّلام) ، فإنّه طلب الخلافة والإمرة التي هي حقّه الشرعي والطبيعي بعد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، طلبها بكلّ الوسائل ما عدا السيف ؛ إذ رأى أنّ في استعمال السيف يومئذ خطراً على مصلحة الإسلام العُليا ، ولكن استعمل الوسائل السلمية حتّى إنّه صار يحمل زوجته فاطمة وابنيه الحسن والحسين (عليهم السّلام) ، ويطوف بهم على زعماء المهاجرين والأنصار وكبار الصحابة ؛ مطالباً بحقّه وحقوق هؤلاء ، مذكّراً لهم بالنصوص النبويّة الشريفة التي سمعوها من الرسول (صلّى الله عليه وآله) في حقّه وحقّ هؤلاء .

واستمر على ذلك أربعين يوماً وهو يعلم علم اليقين أنّه لا يحصل على حقّه من الخلافة ، ولا هؤلاء يحصلون على حقوقهم من الخمس ومن الميراث ومن فدك ؛ ولكن : ( لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيّنَةٍ وَيَحْيَى‏ مَنْ حَيّ عَنْ بَيّنَةٍ )(1) .

كما أنّه (عليه السّلام) حضر مجلس الشورى مع الخمسة الآخرين الذين رشحهم عمر بن الخطاب للخلافة ، حضر معهم الإمام وطالب بالخلافة وحاجج القوم ، وبذل كلّ ما في وسعه من الجهد للوصول إلى الحكم ، فلم يصل وكان يعلم علم اليقين أنّه لا يصل ؛ ولكن لإتمام الحجّة وإبراء الذمّة كما سبق .

وذكرنا في موضوع تعليل خروج الحسين (عليه السّلام) إلى العراق أنّ الظواهر هي الحجّة في العلائق والنظم الاجتماعية الإسلاميّة ، وواجب النبي والإمام أن يسيرا مع الناس حسب ظاهرهم ، ومقتضى الأسباب والعوامل الطبيعية العادية ، ولا يرتّبا الآثار عليهم حسب المعلومات الغيبية والتنبؤات التي ليس عليها دليل قائم أو أثر ملموس .

وبكلمة موجزة نقول : إنّ لأهل البيت (عليهم السّلام) حقّاً وإنّ عليهم لواجباً ؛ أمّا حقّهم فالقيادة والإمرة ، وأمّا واجبهم فإظهار الحقّ وبيانه .

وظلامتهم الكبرى في الحياة أنْ قاموا بواجبهم أحسن قيام ، ولكن حرموا من كافة حقوقهم . وإنّ غصب حقّهم عنهم لم يمنعهم من القيام بواجبهم ، على أنّ ذلك الحقّ لو وصل إليهم كاملاً لاستطاعوا من أداء مسؤوليتهم على وجه أكمل وأنفع للأمّة ، كما قال أمير المؤمنين (عليه السّلام) :

ـــــــــــ
(1) سورة الأنفال / 42 .

الصفحة (106)

(( والله لو ثُنيت لي الوسادة وجلستُ عليها ، لأفتيت بين أهل التوراة بتوراتهم ، وبين أهل الإنجيل بإنجيلهم ، وبين أهل الفرقان بفرقانهم حتّى ينطقوا جميعاً ويقولوا : صدق عليٌّ بما حكم )) .

وكما قال سلمان الفارسي (رحمه الله) في خطبة له بعد وفاة الرسول (صلّى الله عليه وآله) : والله ، لو وليتموها علياً لأكلتم من فوق رؤوسكم ومن تحت أقدامكم ، ولو دعوتم الطير في السماء لأتتكم ، والحيتان في البحار لأجابتكم ، ولما طاش سهم من سهام الله ، ولا تعطّل حكم من أحكام الله ؛ ولكن حظّكم أخطأتم ، ونصبيكم ضيعتم .

وقالت فاطمة (عليها السّلام) : (( والله ، لو مالوا عن الحجّة اللائحة ، وزالوا عن قبول الحجّة الواضحة , لردّهم إليها ، ولحملهم عليها ، ولسار بهم سيراً سجحاً ؛ لا يكلح خشاشه ، ولا يكلّ سائره ، ولا يملّ راكبه . ولأوردهم منهلاً نميراً صافياًَ ؛ تطفح ضفتاه ولا يترنّق جانباه ، ولأصدرهم بطاناً ، ونصح لهم سرّاً وإعلاناً ، ولم يكن يتحلّى من الدنيا بطائل . . . )) .

وفي ختام هذا الموضوع نستمع إلى مقطوعة شعرية رائعة من المرحوم الحاج هاشم الكعبي (رحمه الله) :

أوَ مـا عـلمتَ الماجدين      غـداة جـدّوا بـالرحيلِ
عـقدوا على البينِ النكاحَ      وطـلّـقـوا سننَ القفولِ
عـشـقوا العُلا ففنوا بها      والـغصنُ يُرمى بالذبولِ
أوَمـا سمعت ابن البتولةِ      لـو دريـت ابنَ البتولِ
إذ قـادها شعث النواصي      عــاقـداتٍ  لـلـذيولِ
مـتـنـكب الوردَ الذميمَ      مـجانب  المرعى الوبيلِ
طـلاّب مجدٍ بالحسام ال      عـضبِ والرمحِ الطويلِ
مـتطلّباً  أقصى المطالب      خـاطبَ  الخطب الجليلِ
ظـلّت  اُمـيّة مـا تريد      غـداة  مـقترع النصولِ
رامت تسوق المصعب ال      هــدّار مـستاق الذلولِ
و  يـروح طـوعَ يمينها      قـود الجنيب أبو الشبولِ
رامت لعمر ابن النبي الطْ      طُـهر مـمتنع الحصولِ


الصفحة (107)

وغـوى بـها جهل بها      والبغي من خُلق الجهولِ
لــفّ الـرجال بمثلها       وثنا الخيولَ على الخيول
و  أبـاحها عضب الشبا      لا بـالـكهام و لا الكليلِ
لـسـنـانِهِ  ولـسـانهِ      صـدقان من طعنٍ وقيلِ
ذات  الـفـقـارِ بـكفّه      و بـكتفه ذات الفضولِ
وأبـو الـمـنـيّة سيفُهُ      وكذا السحاب أبو السيولِ
يـابن الذين توارثوا  ال      عـليا  قـبيلاً عن قبيلِ
والـسـابقين  بـمجدهم      فـي  كلّ جيل كلَّ جيلِ
إنْ تـمس منكسر اللوى      ملقىً  على وجه الرمولِ
فـلـقد  قـتـلتَ مهذّباً      عن  كلِّ عيب في القتيلِ


الصفحة (108)

هل كان الحسين (عليه السّلام) عالماً بمصيره المعروف ؟

يكثر التساؤل حول علم الحسين (عليه السّلام) بما صار إليه عاقبة أمره حسب ما هو معروف ، هل كان من باب الاحتمال ، أو الظن الذي يحتمل العكس والخلاف ؛ فيكون حينئذ قد خُدع بكتب أهل العراق وغُرّر به من قبلهم ؟ أم كان ذلك العلم من باب القطع والجزم واليقين الذي لا شك فيه ؛ فيكون حينئذ قد أقدم على حركة انتحارية ؟

نقول : أجل ، كان عالماً بما جرى علماً يقينياً قاطعاً لا يشوبه شك ، وقد أعلن عنه في مكّة قُبيل الخروج بخطبته التي قال فيها (عليه السّلام) : (( وكأنّي بأوصالي هذه تقطّعها . . . )) . ولكن مع ذلك لم يكن خروجه عملاً انتحارياًً ، بل كان قتله نتيجة طبيعية للظروف والأحداث العادية التي أوجدها الناس بجهلهم وسوء تصرفهم ، من قبيل علم الطبيب مثلاً بموت هذا المريض في النهاية ؛ بسبب تطوّر المرض ومضاعفاته الطبيعية التي لا خيار للطبيب فيها وجوداً ولا عدماً ، وإنّما عليه أن يراقبها ويساير مراحلها بما عنده من مخففات ومسكنات فقط ، وهو بانتظار نتيجتها الطبيعية القصوى .

كذلك علم الحسين (عليه السّلام) بذلك المصير ، فهو (عليه السّلام) كان يعلم من البداية أنّ يزيد سيتولى على الخلافة ويطلب منه البيعة ، وهو يمتنع من البيعة فيأمر بقتله في المدينة ؛ فيخرج منها حفظاً لدمه ودفاعاً عن كرامته ، ويكتب إليه أهل العراق بالطاعة والبيعة له فتتم عليه الحجّة الظاهرية بحسب القوانين الشرعية ، فإذا وصل إليهم يغدرون به ويحصرونه في وادي كربلاء . وهكذا تتسلسل الحوادث حسب مجراها الطبيعي حتّى تؤدّي إلى العاقبة التي حصلت ، ولم يكن بوسع الحسين (عليه السّلام) أنْ يغيّر أو يدفع شيئاً منها .


الصفحة (109)

نعم ، حاول بكلّ ما استطاع أنْ يخفف من وطأتها ويؤخّر من حدوثها فما استطاع ؛ لوجود الموانع والدوافع الشرعية والزمنية .

صحيح إنّه لو كان قد بايع ليزيد لتغيّر وجه مصيره إلى حد كبير ، ولكن قد أثبتنا سابقاً أنّ ذلك كان حراماً على الحسين (عليه السّلام) من الوجهة الشرعية والأخلاقية والعرفية ، وجريمة كبرى على شرفه ودينه واُمّة جده (صلّى الله عليه وآله) .

وعلى هذا فقس باقي الحوادث المتتابعة بعدها التي ما كان باستطاعة الحسين (عليه السّلام) دفعها إلاّ بالتنازل عن كرامته ، والتخلّي عن مسؤوليته ، والخيانة لرسالته والأمانة الملقاة على عاتقه من قبل الله ورسوله والاُمّة .

والخلاصة : كان علم الحسين (عليه السّلام) علماً بترتب الحوادث على عواملها الطبيعية ، والمعلولات على عللها ، أو المسببات على أسبابها ؛ تلك الأسباب والعلل التي أوجدها الناس بسوء اختيارهم وضعف الوازع الديني في نفوسهم ، فهم محاسبون عليها ومعاقبون بها يوم تجزى فيه كلّ نفس ما كسبت : ( وَسَيَعْلَمُ الّذِينَ ظَلَمُوا أَيّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ )(1) .

ومن هنا قيل : إنّه (عليه السّلام) جمع بين التكليفين في آن واحد ؛ التكليف الباطني : وهو تكليفه من الله بأنْ يفدي الدين بنفسه وأنّه شهيد هذه الاُمّة ، والتكليف الظاهري : وهو تكليفه العرفي الطبيعي ، أي مسايرة الأحداث والتطوّرات حسب متطلباتها العادية . وهذا من خصائصه (عليه السّلام) .

ولعلك تقول : من أين علم الحسين (عليه السّلام) بتلك القضايا الغيبية قبل وقوعها ؟

فأقول : وصلت إليه من أبيه علي (عليه السّلام) وجده محمد (صلّى الله عليه وآله) ، وبالتالي عن الله سبحانه وتعالى الذي هو وحده علاّم الغيوب . وقد أوحى سبحانه إلى رسوله (صلّى الله عليه وآله) بكلّ ما يجري على الحسين (عليه السّلام) .

فإنْ قلت : فلماذا لمْ يحفظ الله تعالى وليّه الحسين (عليه السّلام) ، ولم يدفع عنه القتل وهو العالم بكلّ شيء والقادر على كلّ شيء ؟

ـــــــــــــــــــ
(1) سورة الشعراء / 227 .

الصفحة (110)

قلت في الجواب : لأنّ بقتله إحياء الدين ، وبدمه حفظ شريعة الإسلام ، فدار الأمر بين حياة الحسين (عليه السّلام) أو حياة الدين ؛ لأنّ الجمع بينهما يؤدي إلى الجبر وسلب الحرية الإنسانية ، وهو ممنوع في شريعة الله تعالى ، فكان الدين أولى بالحياة ؛ فالحسين (عليه السّلام) فداء الدين .

وبهذا صرّحت اُخته العقيلة زينب (عليها السّلام) لما جلست عند رأسه وهو صريع ، ورفعت طرفها نحو السماء وقالت : اللّهمَّ تقبل منّا هذا الفداء . وإلى هذا المعنى يرمز الحديث الشريف المشهور القائل : (( حسين منّي وأنا من حسين )) . فحسين منّي واضح ، أي ابني وولدي ، ولكن قوله (صلّى الله عليه وآله) : (( أنا من حسين )) . يعني أنّ بقاء ذكري وشريعتي وديني بالحسين ، أي بتضحية الحسين وشهادته .

ولقد قال بعض الخبراء ، وهو السيّد جمال الدين الأفغاني (رحمه الله) : إنّ الإسلام محمدي الوجود والحدوث ، وحسيني البقاء والاستمرار .

وقال المستشرق الألماني ماربين في الحسين (عليه السّلام) كلمته المعروفة : وإنّي أعتقد بأنّ بقاء القانون الإسلامي ، وظهور الديانة الإسلاميّة ، وترقّي المسلمين هو مسبب عن قتل الحسين (عليه السّلام) وحدوث تلك الفجائع المحزنة ، وكذلك ما نراه اليوم بين المسلمين من حس سياسي وإباء الضيم .

وقال أيضاً : لا يشك صاحب الوجدان إذا دقّق النظر في أوضاع ذلك العصر ونجاح بني اُميّة في مقاصدهم ، لا يشك أنّ الحسين (عليه السّلام) قد أحيا بقتله دين جدّه وقوانين الإسلام ، ولو لمْ تقع تلك الواقعة لمْ يكن الإسلام على ما هو عليه الآن قطعاً ، بل كان من الممكن ضياع رسومه وقوانينه حيث كان يومئذ جديد عهد . انتهى محلّ الشاهد من كلام ماربين المستشرق الألماني .

وأحسن تعبير عن هذا الواقع هو ما قاله ذلك الشاعر عن لسان الحسين (عليه السّلام) يوم عاشوراء :

إنْ كان دينُ محمدٍ لمْ يستقمْ             إلاّ بقتلي يا سوفُ خذيني

وقال السيد جعفر الحلي :

 بقتلهِ فاح للإسلام طيبُ شذى            وكلّما ذكرتهُ المسلمونَ ذكا


الصفحة (111)

لماذا يأذن الحسين (عليه السّلام) لأصحابه بالتفرّق عنه ؟

أثبتنا في البحث السابق أنّ الإمرة والحكم كانا على رأس متطلّبات الحسين (عليه السّلام) من وراء ثورته الخالدة ؛ لأجل الوصول بهما إلى غايته الكبرى وهدفه الأعلى على أكمل وجه ، وهو إصلاح المجتمع وإعادة نظام الإسلام إلى المجتمع الإسلامي .

وطبعاً ، إنّ هذا الهدف لا يتمّ إلاّ من طريق السلطة ، فالسلطة إذاً كانت الطريق الأمثل أمام الحسين (عليه السّلام) للوصول إلى أداء رسالته وتحقيقها كاملة . والحسين (عليه السّلام) طلب السلطة وسعى إليها قطعاً وبلا شك .

وهنا يبرز سؤال ويعترضنا استفهام حساس وهو : لماذا إذاً أجاز لأتباعه وأصحابه الذين خرجوا معه وانضموا إليه أن يتفرّقوا عنه وهو في أمس حاجة إلى الاستكثار من الأعوان ؛ تحقيقاًَ لما طلب من الحكم والسلطان ؟! وفعلاً تفرّقوا عنه قبل لقاء العدو حتّى لمْ يبقَ معه منهم إلاّ القليل الذي لمْ يتجاوز النيف وسبعين رجلاً ، بعد أن كانوا معه حوالي ستة آلاف رجل تقريباً . فهل هذا سلوك ثائر يريد الاستيلاء على الحكم ؟

نقول : أجل ، إنّ الحسين (عليه السّلام) ثائر لأجل إحقاق الحقّ ونشر العدل والخير ، والحقّ لا يتحقّق من طريق الباطل ، والعدل لا ينشر بواسطة الظلم ، والخير لا يُعطى على أيدي المبطلين .

وبكلمة واحدة : الورد لا يُجنى من العوسج ، والعسل لا يُنال من الحنظل .

ومكلّف الأيامَ ضد طباعِها         متطلبٌ في الماء جذوةَ نارِ

إنّ الحسين (عليه السّلام) أراد السلطة لاستخدامها في مصلحة المجتمع ، ولخدمة الدين والإسلام ، فلا يجوز


الصفحة (112)

ٍٍأنْ يطلبها بطريق خداع الجماهير والتغرير بهم ، وإغفالهم عن حقائق الاُمور وواقع الحوادث ، ورفع الشعارات الكاذبة والدعايات المضللة .

مثله مثل أبيه الإمام علي (عليه السّلام) الذي رفض الخلافة يوم الشورى لمّا توقّف حصولها على كلمة كذب واحدة ، حيث قيل له : نبايعك على كتاب الله وسنة رسوله ، وعلى سيرة الشيخين أبي بكر وعمر . فقال (عليه السّلام) : (( كلا ، بل على كتاب الله وسنة رسوله فقط )) .

وكان (عليه السّلام) يسعه أنْ يقول نعم وينال الخلافة ، ثمّ يسير بعد ذلك حسب كتاب الله وسنة رسوله لا غير ، ولمْ يكن ملزماً بالشرط الأخير شرعاً ؛ لأنّ سيرة الشيخين إنْ كانت موافقة لكتاب الله وسنة رسوله فهي داخلة في الشرط حتماً ، وإنْ كانت مخالفة لهما فلا يجوز للمسلم أنْ يعمل بها ، ولكنّ الإمام (عليه السّلام) مع ذلك كره أنْ يقول لشيء نعم وهو يعلم من نفسه أنّه لا يلتزم به ، وبذلك فوّت الخلافة على نفسه مدّة اثني عشر سنة تقريباً ، وهي مدّة خلافة عثمان بن عفان .

فسياسة الحسين هي بعينها سياسة أبيه علي (عليه السّلام) وجدّه النبي (صلّى الله عليه وآله) ، وهي سياسة الإسلام والحقّ التي ترتكز على الصراحة والصدق والواقعية ، وتأبى الكذب والانتهازية واللف والدوران .

ثمّ إنّ الستة آلاف رجل الذين كانوا مع الحسين (عليه السّلام) كان أكثرهم من الأعراب وأهل الأطماع والمرتزقة ، الذين يتبعون القادة طمعاً في الغنائم والمناصب والأرزاق ، خرجوا مع الحسين (عليه السّلام) والتحقوا به في أثناء الطريق ، علماً منهم بأنّ الحسين (عليه السّلام) قادم على بلد قد دان له أهلها بالطاعة والولاء وبايعه أهلها بالإجماع ، وسوف ينتصر بهم حتماً ويصلون باتّباعه إلى مغانم وأرباح .

وكان الحسين (عليه السّلام) يعرف ذلك في نفوسهم ، فلمّا تجلّى غدر أهل العراق وظهر انقلابهم ، ولمْ يبقَ هناك أمل في انتصاره بهم على الأعداء ، بل أصبحوا هم من الأعداء والمحاربين له ؛ وذلك بقتلهم سفيره مسلم بن عقيل (عليه السّلام) ، وقتل رسوليه عبد الله بن يقطر وقيس بن مسهر الصيداوي (رحمهما الله تعالى) ، عند ذلك تغيّر مجرى الثورة السابق وتحوّلت من حرب هجومية متكافئة ، وجهاد منظم مفروض حسب المقاييس


الصفحة (113)

الشرعية إلى حرب فدائية استشهادية ليس فيها أمل في الانتصار العسكري ، وإنّما المقصود منها التضحية والشهادة ؛ لغرض التوعية وتنبيه الرأي العام ، ولفت الأنظار إلى حقيقة الحكم القائم وواقع الزمرة الحاكمة ، وعزلهم عن الاُمّة المسلمة فيحبط بذلك مؤامراتهم العدوانية ضد الإسلام ومصلحة المسلمين .

قال العقاد : وعلى هذا النحو تكون حركة الحسين (عليه السّلام) قد سلكت طريقها الذي لا بدّ لها أن تسلكه ، وما كان لها قطّ من مسلك سواه ؛ حيث وصل الأمر إلى حدٍّ لا يعالج بغير الاستشهاد(1) .

لذا فقد كره الحسين (عليه السّلام) أنْ يترك أتباعه غافلين عن هذا التطوّر ، وجاهلين لهذا التحوّل المصيري الهام ؛ خوف أنْ يُباغتوا بالمصير الذي لا يرغبون فيه فيسلّموه عند الوثبة ، ويُهزمون من الميدان عند اللقاء ، ويتفرّقون عنه ساعة بدء المعركة ، وفي ذلك وهن كبير يصيب معنوية القائد ، ويضعف مقاومة المخلصين من أصحابه . وإنّ تلك الإجازة لهم بالانصراف إذا شاؤوا كانت من الحسين (عليه السّلام) بالنسبة لهم :

أولاً : للاختيار والامتحان .

ثانياً : بمثابة مخض وغربلة ، فاستخرج الزبدة منهم وهم نيف وسبعون رجلاً ، وقد بلغوا إلى ليلة عاشوراء إلى ما يقارب الثلاثمئة رجل ، كلّ منهم فدائي مخلص للحسين (عليه السّلام) بايعوه على الموت ، واختاروا الشهادة على الحياة ، والقتل على البقاء في الدنيا .

ولقد اختبرهم مراراً فما وجد فيهم إلاّ الأشوس الأقعس ، يستأنسون بالمنيّة دونه استئناس الطفل بلبن اُمّه ، حسب شهادة الحسين (عليه السّلام) في حقّهم . قالوا له في بعض تلك الاختبارات : يا سيدنا ، لو كانت الدنيا لنا باقية وكنّا فيها مخلّدين ، لآثرنا النهوض معك على الإقامة فيها . فقال لهم الحسين (عليه السّلام) : (( اعلموا أنّكم كلّكم تُقتلون ، ولا يفلت منكم أحد )) . فقالوا : الحمد لله الذي مَنّ علينا بشرف القتل معك ، ولا أرانا الله العيش بعدك أبداً .

وقال له مسلم بن عوسجة الأسدي (رحمه الله) : أنحن نتخلّى عنك ؟! وبماذا نعتذر إلى الله في أداء حقّك ؟! أما والله ، لا اُفارقك حتّى أطعن في صدورهم برمحي ، وأضرب بسيفي ما ثبت قائمة بيدي . ولو لمْ يكن معي سلاح أقاتلهم به لقذفتهم

ـــــــــــــــــ
(1) أبو الشهداء الحسين بن علي / 193 .

الصفحة (114)

ٍٍٍٍٍٍٍبالحجارة حتّى أموت معك .

وقال له سعيد بن عبد الله الحنفي : والله ، لا نخلّيك حتّى يعلم الله أنّا قد حفظنا غيبة رسوله فيك . أما والله ، لو علمت أنّي اُقتل ثمّ أحيا ، ثمّ اُحرق حياً ثمّ أُذرى ، ويُفعل بي ذلك سبعين مرّة لما فارقتك حتّى ألقى حمامي دونك . وكيف لا أفعل ذلك وإنّما هي قتلة واحدة ، ثمّ هي الكرامة التي لا انقضاء لها أبداً ؟!

وقال له زهير بن القين البجلي (رحمه الله) : والله ، لوددت أنّي قُتلت ثمّ نُشرت ثمّ قُتلت ، حتّى أُقتل كذلك ألف مرّة ، وأنّ الله (عزّ وجلّ) يدفع بذلك القتل عن نفسك وعن أنفس هؤلاء الفتيان من أهل بيتك . وهكذا تكلّم الباقون من أصحابه بكلام يشبه بعضه بعضاً ، فجزاهم الحسين (عليه السّلام) خيراً .

أجل والله ، جزاهم الله خيراً ؛ لقد سجّلوا بموقفهم هذا رقماً قياسياً خالداً ، وضربوا أروع مثال للتضحية في سبيل الكرامة وللعمل الفدائي الصحيح ، ألا هكذا فليكن العمل الفدائي وإلاّ فلا .

فهم قدوة كلّ عمل فدائي مثمر ومخلص ، ولا يمكن أن ينجح أي عمل فدائي ما لمْ يكن الحسين (عليه السّلام) وأصحابه مثله الأعلى وقدوته المُثلى ؛ إخلاص للقضية ، واستصغار لكلّ غال وعزيز في سبيلها ودون تحقيقها .

ولقد أجاد مَنْ وصفهم بقوله :

فـسـامـوهم  إمّـا الـحياة بذلةٍ      أو الـموت فاختاروا أعزّ المراتبِ
بـنفسي  هُمُ من مستميتين كسّروا      جفون المواضي في وجوهِ الكتائبِ
وصالوا على الأعداء أُسداً ضوارياً      بعوج  المواضي لا بعوج المخالبِ
أُصـيـبـوا ولكن مقبلينَ دماؤهم      تـسيل  على الأقدامِ دون العراقبِ

وأخيراً نقول : إنّ الحسين (عليه السّلام) حافظ على قدسية ثورته ونبل نهضته وشرف تضحيته بذلك العمل ، أي بأنْ أبعد عنها الأوباش وأهل الأطماع والانتهازيين ؛ عملاً بمضمون الآية الكريمة : ( وَمَا كُنتُ مُتّخِذَ الْمُضِلّينَ عَضُداً )(1) . وعملاً بالقاعدة المعروفة : فاقد الشيء لا يعطيه .

أجل ، إنّ شرف كلّ ثورة يتوقّف إلى حدّ كبير على شرف الثائرين وحسن نواياهم وإخلاص نياتهم ، ثمّ إنّ الإصلاح لا يأتي على أيدي غير الصالحين ، وهذا من أعظم الدروس نفعاً للأجيال في ثورة الحسين (عليه السّلام) .

ــــــــــــــ
(1) سورة الكهف / 51 .

الصفحة (115)

هل كانت ثورة الحسين (عليه السّلام) ناجحة ومحقّقة لأهدافها ؟

كتب الحسين (عليه السّلام) إلى مَنْ تخلّف عنه كتاباً لمّا نزل كربلاء ، قال فيه : (( أمّا بعد ، فمَنْ لحق بي منكم استشهد ، ومَنْ لم يلحق لمْ يبلغ الفتح ، والسّلام )) .

فأيّ فتح هذا الذي يقصده الحسين (عليه السّلام) مع علمنا بأنّه قُتل هو وأصحابه وأهل بيته وسُبيت حريمه وحُمل رأسه إلى ابن زياد ويزيد ؟!

نقول : كان للحسين (عليه السّلام) من وراء ثورته المقدّسة هدفان : هدف قريب مباشر ، وهدف بعيد غير مباشر ؛ أمّا الهدف القريب المباشر فهو استرجاع حقّه الشرعي والطبيعي في الخلافة والحكم ؛ لأجل إصلاح المجتمع ، وإعادة نظام الإسلام إلى الحياة الاجتماعية ، وإحياء سنّة جدّه الرسول (صلّى الله عليه وآله) ، وإماتة البدع ، وتصحيح الأخطاء والانحرافات التي تراكمت على المسلمين منذ وفاة محمد (صلّى الله عليه وآله) من جراء السياسات المختلفة التي مارسها الحكّام من ذلك اليوم إلى يوم الحسين (عليه السّلام) ؛ ممّا أدّى إلى أنْ لا يبقى من الإسلام بأيدي المسلمين إلاّ اسمه ، ولا من القرآن الكريم إلاّ رسمه .

وأمّا الهدف البعيد غير المباشر فهو وضع النقاط على الحروف ، ووضع الحدود والعلامات الواضحة بين الإسلام الحقيقي والإسلام المزيّف ، ولفت الأنظار إلى فشل السياسة السابقة التي أدّت إلى الوضع الفاسد القائم ، وإلى خطأ المفاهيم التي سار عليها المسلمون بعد وفاة الرسول (صلّى الله عليه وآله) .

والخلاصة : كان هدفه الأول إحياء الإسلام فكريّاً وعمليّاً ، وهدفه الثاني إحياؤه فكرياً على الأقل .

 

 

الصفحة (116)

وهو وإنْ فاته تحقيق الهدف الأوّل بسبب غدر أهل الكوفة ، ولمْ يتسنَ له أنْ يقيم حكومة إسلاميّة صحيحة ويطبّق النظام الإسلامي الصحيح بين المسلمين ، ولكن حقّق هدفه الثاني بلا شك ، ونزّه دين الله وشريعة الإسلام وسنّة خاتم الأنبياء عن الشوائب المهينة ، والمظاهر المشوّهة ، والمفاهيم المغلوطة التي ألحقت به وتراكمت عليه ، وأظهر وجه الإسلام الجميل ومنظره الجذّاب وصورته السماوية الغرّاء من بين ركام البدع والاجتهادات الضالة والاستحسانات الفاسدة .

وكمثل على ذلك نقول : إنّ ممّا شاع وذاع بين الخبراء والباحثين هو أنّ من أهم النتائج والآثار لمأساة الحسين (عليه السّلام) وحادثة كربلاء انتشار التشيّع ، وظهور مذهب أهل البيت (عليهم السّلام) أكثر فأكثر ، وتزايد عدد الشيعة في العالم الإسلامي رغم أنّ انبثاق التشيّع كان مقارناً مع انبثاق فجر الإسلام ومنذ أوائل البعثة المحمدية ، غير أنّه كان محدوداً ومحصوراً في نطاق أعيان الصحابة وأعلام المهاجرين والأنصار بالإضافة إلى بني هاشم .

أمّا بعد ثورة الحسين (عليه السّلام) ، فإنّه ـ أي التشيّع ـ أصبح منتشراً في كافة الأقطار ، وبين عامّة الطبقات . والسؤال الآن هو : كيف كان ذلك ، ولماذا ؟

الجواب : أقول : لأنّ الرأي العام ، وكلّ إنسان حرّ عاقل ذو وعي وضمير لمّا سمع بأنباء تلك المجزرة الرهيبة التي اُبيد فيها آل رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، وبما تلاها من الجرائم والموبقات وأبشع المنكرات التي تأباها حتّى الوحوش . . .

أقول : لمّا اطّلع عليها صار يفكّر في نفسه ويتساءل : من أين جاءت هذه العصابة المجرمة الاُمويّة إلى السلطة ؟ وكيف توصّل هؤلاء الطغاة المتمرّدون على أبسط القوانين الإنسانية والإسلام إلى الإمرة والحكم فسوّدوا وجه التاريخ الإسلامي والعربي ، وملؤوا الدنيا بالظلم والفساد ؟ مَنْ الذي مكّن لهم ومهّد الطريق أمامهم إلى الخلافة الإسلاميّة ؟


الصفحة (117)

فيأتيه الجواب طبعاً وبكل بساطة : إنّه بسبب الغلطة الكبرى والخطأ الذي ارتكبه بعض الصحابة بعد وفاة النبي محمد (صلّى الله عليه وآله) بإنكارهم الحقّ الشرعي والطبيعي في الخلافة لعلي بن أبي طالب (عليه السّلام) بعد الرسول ، ورفضهم النصوص القرآنية والوصايا النبويّة في خلافة علي (عليه السّلام) وولايته العامّة على الاُمّة بعد النبي (صلّى الله عليه وآله) ، وادّعوا أنّ الله لمْ يعيّن لرسوله خليفة قطّ ، والرسول لمْ يختر لنفسه نائباً ووصياً ، وأنّ أمر القيادة والإمامة بعد الرسول موكول إلى أهواء الناس وآرائهم ؛ فأدّى ذلك بطبيعة الحال إلى أن يتقمّص الخلافة ويتسلّم زمام السلطة والقيادة العامّة بعد الرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله) أشخاص جديدوا عهد بالإسلام وأهدافه ، بعيدون عن تفهّم جوهره ولبابه ، وبعدُ لمْ يعرفوا الإسلام بروحه وحقيقته وواقعه الذي هو تربية روحية وتهذيب خلقي وتكوين إنساني أكثر من كونه توسّعاً إقليمياً وسلطة زمنية وحركة سياسية ؛ لذلك صاروا يخبطون خبط عشواء ، ويتخبّطون في أمر الخلافة بغير هدى ولا طريق معين .

فتارة يعتمدون في اختيار الخليفة مبدأ الانتخابات العام ، وتارة مبدأ النص والاختيار الفردي ، واُخرى مبدأ الشورى من قبل أشخاص معدودين ، وهكذا كلّما اعتمدوا مبدأ جاء بنتيجة أسوأ من الأول ، إلى أن صارت الخلافة الإسلاميّة لعبة صبيانية ومطمعاً لكلّ طامع حقير .

 لقد هزلت حتّى بدا من هزالِها         كلاها وحتّى استامها كلُّ مفلسِ

فيا ترى ! هل يجوز على الله سبحانه وتعالى ـ وهو علاّم الغيوب القادر الحكيم ـ أن يرضى لعباده هذا الخبط والضلال فلا يختار لهم قائداً مخلصاً وإماماً عالماً وخليفة كفؤاً بعد نبيه محمد (صلّى الله عليه وآله) الذي لا نبي بعده ؟! كلاّ وحاشا ، سبحانه وتعالى عمّا يزعم الجاهلون ويقوله الظالمون .

قل لي بربك أيّها المنصف : إلى أيّ شيء أوكلهم الله بعد رسوله في أمر التنظيم والتوجيه ؟ أإلى القرآن الكريم فقط ، وفيه الناسخ والمنسوخ والمحكم والمتشابه ، والمجمل


الصفحة (118)

والمفصّل ، والتفسير والتأويل ؟! مع العلم بأنّه سبحانه أمرهم فيه أن يرجعوا لمعرفة آياته وتأويلها إلى الراسخين في العلم ـ أي علم القرآن ـ ، وأمرهم بأنْ يسألوا أهل الذكر عمّا يجهلون منه .

فمَنْ هم هؤلاء الراسخون في العلم ؟ ومَنْ هم أهل الذكر ؟ أفلا يجب عليه تعالى أن يعرّف العباد بهم ؟! وإلاّ فما وجه الحكم في الأمر بشيء مجهول ؟! ثمّ بأيّ حجّة يحتجّ الله سبحانه على عباده إذا ضلّوا بعد النبي (صلّى الله عليه وآله) ولمْ يهتدوا إلى أهل الذكر وإلى العلماء الراسخين ؟! وهذا القرآن كما تراه يحتمل سبعين وجهاً في التفسير والتأويل على حدّ الحديث الشريف الذي مؤدّاه : إنّ للقرآن سبعين بطناًَ ، فمَنْ فسّر القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار .

هذا من جهة ، ومن الجهة الاُخرى يقول المثل المأثور : حدّث العاقل بما لا يليق فإنْ صدّق فلا عقل له . فهل يليق أيّها العاقل المنصف بمقام رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، وهو الفرد الأكمل في النوع الإنساني عقلاً وحكمة ، أنْ يموت ويترك رسالته دون تعيين نائب عنه في رعايتها ونشرها وصيانتها والدفاع عنها ؟!

يموت تاركاً الاُمّة التي تعب على إنشائها طيلة ثلاث وعشرين سنة دون تعيين راعٍ يرعاها ، وبلا أنْ ينصب خليفة عنه لقيادتها وهي بعدُ في بداية الطريق ودور الطفولة ومرحلة الخطر ؛ محاطة بالأعداء والموتورين والطامعين من الخارج ، ومهدّدة بالمنافقين والانتهازيين والمؤلّفة قلوبهم من الداخل ؟!

يموت بدون وصيّة وبدون تعيين وصي ، وبدون أنْ يختار نائباً وخليفة عنه في اُمّته ، فيخالف بذلك كافة الأعراف العقلائية ، وأبسط النواميس العقلية ، وقانون الأنبياء والمرسلين ؟!

قل لهؤلاء الذين يزعمون أنّ محمداً (صلّى الله عليه وآله) مات ولمْ يعيّن لنفسه خليفة ووصياً . . . قل لهم : هل فعل ذلك نبي أو رسول قبل محمد ؟! أيّ نبي من آدم فمَنْ بعده مات قبل أن يعيّن ويختار وينصّب خليفة ووصيّاً ؟! فكيف يشذّ محمد (صلّى الله عليه وآله) عن سيرة الأنبياء ويخالف مسلك المرسلين مع كونه آخرهم وخاتمهم ؟!

هاك كتب التاريخ وسير الأنبياء فراجعها لتعرف أنّه ما من نبي من آدم (عليه السّلام)


الصفحة (119)

ٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍإلى عيسى فارق الحياة وخرج من هذه الدنيا إلاّ بعد أن اختار لنفسه وصيّاً ، وعيّن نائباً ، وعرّفه لاُمّته ، وسلّمه كتبه ومواريث العلم والنبوّة ؛ سواء كان ذلك الوصي والخليفة نبيّاً أيضاً كأكثر أوصياء الأنبياء ، أو لم يكن نبياًَ ، بل كان إماماً وخليفة فقط يقوم بمهام النبي ويرعى شؤون اُمّته ورسالته .

وإليك أسماء البارزين من اُولئك الأنبياء ، وأسماء خلفائهم الذين قاموا بعدهم بوصيّة خاصة ونصّ وتعيين :

1 ـ آدم (عليه السّلام) أبو البشر وأوّل الأنبياء : خلّف ولده الثالث شيت (عليه السّلام) وصيّاً وخليفة من بعده ، وسلّم إليه الصحف التي أنزلها الله عليه ، والكلمات التي تلقّاها من ربّه فتاب عليه بعد أنْ كان قد أوصى إلى ولده هابيل واختاره خليفة عنه ، فحسده أخوه الأكبر قابيل وقتله ، حسب ما هو معروف ومشروح في الكتاب العزيز .

2 ـ نوح (عليه السّلام) شيخ المرسلين : خلّف ولده الصالح سام ، واختاره خليفة على اُمّته من بعده ، وسلّم إليه الصحف والكتب المنزلة عليه بعد أنْ هلك ابنه الأكبر الكافر (كنعان) مع المشركين والكفرة في الطوفان ، على ما ذكر من قصته في القرآن .

3 ـ إبراهيم الخليل (عليه السّلام) : خلّف ابنه الأكبر إسماعيل (عليه السّلام) خليفة على اُمّته من بعده ، وأوصاه أنْ يخلّف أخاه الأصغر إسحاق (عليه السّلام) من بعده ، وأوصى إسحاق أنْ يخلّف ابنه الأكبر يعقوب .

4 ـ موسى بن عمران كليم الله (عليه السّلام) : عيّن أوّلاً أخاه ووزيره في الرسالة هارون بن عمران ليخلفه في اُمّته ، ولكن وافاه الأجل المحتوم قبل موسى (عليه السّلام) ، فأوصى موسى إلى يوشع بن نون (عليه السّلام) وخلّفه إماماً على اُمّته ، وسلّمه التوراة والمواريث . ولمّا مات موسى وقام يوشع بن نون مقامه حسدته زوجة موسى ، وهي صفيراء بنت شعيب ، فأثارت ضدّه الفتنة وحاربته ، ولكنّ الله سبحانه نصره عليها . وقصته مذكورة في كتب سيرة الأنبياء .


الصفحة (120)

5 ـ داود (عليه السّلام) : اختار ولده سليمان في حياته ، وأوصى إليه وسلّمه الزبور ومواريث النبوّة ، فقام من بعده بأمر الرسالة .

6 ـ عيسى بن مريم (عليه السّلام) روح الله وآيته : أوصى إلى شمعون الصفا ، وهو من خلّص الحواريين ، فقام شمعون الصفا من بعد أنْ رفع عيسى (عليه السّلام) مقامه خليفة في اُمّته ، ووصيّاً على رسالته .

7 ـ زكريّا (عليه السّلام) : أوصى في حياته إلى ولده يحيى (عليه السّلام) ، وعيّنه خليفة عنه بعده . . . وهكذا .

فكيف يجوز في عرف الشرع ومنطق العقل وسيرة العقلاء أنْ يشذّ محمد (صلّى الله عليه وآله) عن سيرة سلفه الصالح ، ويخالف الأنبياء جميعاً فيموت ويترك اُمّته سدى ، حبلهم على غاربهم تتلاعب بهم الأهواء وهو أفضل الأنبياء عقلاً وحكمة ومعرفة ، ورسالته خاتمة الرسائل والشرايع ، جاءت لتدوم إلى الأبد وليهتدي بها البشرية جميعاً فهل هذا معقول ؟!

والشيء الآخر هو : أنّ السيرة الفطرية في سلوك كلّ بشر عادي أنّه إذا كان مسؤولاً عن شيء ، أو يحرص على سلامة شيء من مال أو متاع أو عائلة ، ثمّ عرضت له حاجة تدعوه أنْ يغيب عن تلك المسؤوليّة ، فإنّه بحكم فطرته الارتكازية يفكّر بمَنْ يقوم مقامه مدّة غيابه ؛ للحفاظ على ذلك الشيء ، وأداء تلك المسؤوليّة مدّة غيابه .

فمثلاً : رجل ربّ عائلة يريد السفر لعدّة أيام أو أشهر ، فإنّه بفطرته البشرية العادية يوصي إلى رجل رشيد من أقاربه أو جيرانه أو أصدقائه بأن يرعى شؤون عائلته ، ويتفقّد اُمورهم مدّة غيابه .

ومثل آخر : رجل صاحب مكتب أو متجر أو شيء من هذا القبيل يريد مغادرته لحاجة في الخارج خلال مدّة العمل ، فإنّه يكلّف شخصاً ، أو ينصب شخصاً للقيام مقامه أو لرعاية المكتب على الأقل ريثما يذهب ويعود ، ولا يمكن أنْ يترك المكتب مهملاً مفتوحاً بدون رعاية من أحد .


الصفحة (121)

وأخيراً : فلنتصور رجلاً راعي معز أو غنم أو بقر يريد أنْ يترك القطيع في الصحراء ويعود إلى البلد لحاجة عارضة ، فهل يتركه بدون أنْ ينصب مكانه رجلاً لحراسة القطيع وحمايته مدّة غيابه ؟! وإذا فعل وترك القطيع سدى وذهب عنه أفلا يلومه العقلاء على ذلك ويعتبرونه مقصّراً في واجبه ، متهاوناً بمسؤوليته ؟!

وهنا نتساءل : هل كانت الاُمّة والرسالة أقلّ شأناً وقيمة عند محمد (صلّى الله عليه وآله) من الدكان أو المكتب عند صاحبه ومن قطيع الغنم عند الراعي ؟! أم أنّ محمد (صلّى الله عليه وآله) أقلّ حكمة وأضعف تفكيراً وشعوراً بالمسؤوليّة من صاحب المتجر والدكان ، ومن راعي الغنم والبقر ومن الرجل العادي ربّ العائلة ؟! نعوذ بالله من هذه الافتراءات ، ونبرأ إلى الله من هذه المزاعم والأقوال .

والأمر الرابع : أقول : هل رأيت أو سمعت في العالم ملكاً بدون وليّ عهد معيّن في حياته ، أو رئيس جمهورية أو أمير دولي بلا نائب مخصوص مختار قبل وفاته ؟!

فهل كان محمد (صلّى الله عليه وآله) أقلّ إدراكاًَ للاُصول الإدارية والسياسية والزعامة من كلّ الملوك والرؤساء ، أم ماذا ؟ أم أنّ الملوك والرؤساء أكثر إشفاقاً على سلامة الشعوب والنظام من سيد المرسلين وخاتم الأنبياء على اُمّته ورسالته ؟!

أيقبل عقلك ويرضى وجدانك أنّ الخليفة الأول أبا بكر يهتمّ بأمر المسلمين فلا يُفارق الحياة حتّى ينصّ على عمر بن الخطاب بالخلافة من بعده ، ويكتب له العهد بذلك ، والخليفة الثاني عمر يهتمّ بأمر القيادة الإسلاميّة وزعامة الاُمّة فلا يموت حتّى يرشّح ستة أشخاص من كبار الصحابة لمنصب الخلافة ، ويضع نظام الشورى ويؤكد على أن لا تمضي ثلاثة أيّام بعد موته حتّى يكون أحد هؤلاء الستة قد تعيّن للخلافة وتسلّم زمام أمور الاُمّة ، ولكن محمد (صلّى الله عليه وآله) يموت بلا وصيّة وبدون وصي وخليفة ؟!

أفيجوز أن يكون كلّ من أبي بكر وعمر بن الخطاب أشدّ حرصاً على مصلحة الإسلام والمسلمين من صاحب الرسالة ومؤسس الاُمّة محمد (صلّى الله عليه وآله) ؟!


الصفحة (122)

إنّ مبدأ الاعتراف بالأمر الواقع الذي يسير عليه أكثر المسلمين بزعم أنّ خلافة الثلاثة بعد النبي (صلّى الله عليه وآله) ، وقيامهم مقام الرسول (صلّى الله عليه وآله) أمر قد وقع وصار فيجب الاعتراف بصحته والإذعان لشرعيته .

أقول : إنّ هذا ليس مبدأً شرعياً ، ولا يقرّه العقل والعقلاء ؛ إذ ليس كلّ ما وقع في العالم وحدث في التاريخ هو حقّ وصواب وعدل وصلاح ، وليس كلّ ما يحدث ويقع يجوز الاعتراف بصحته والالتزام بشرعيته .

ما أكثر الحوادث الباطلة والوقائع الفاسدة والقضايا التي تحقّقت في هذه الحياة ، ولكن على أساس الظلم والعدوان ؛ فهذه مثلاً دولة إسرائيل القائمة في قلب العالم العربي الإسلامي وقد اعترف بها أكثر دول العالم ، وتؤيّدها أكبر الحكومات ماديّاً ومعنويّاً ، فهل يجوز للعقل والشرع وعرف العقلاء الاعتراف بها وبشرعيتها لمجرد ذلك ؟!

الجواب : طبعاً كلاّ ؛ لأنّها وقعت على الغدر والخيانة والغصب ، كما أنّ المبدأ القائم على الفكرة القائلة : بأنّ الصحابة كلّهم عدول أخيار صلحاء لا يجوز الطعن فيهم ، ولا يحقّ لنا التنديد بهم . هذا المبدأ هو الآخر غير صحيح لا يقوم على أساس من المنطق والدليل ؛ إذ لا شك أنّهم كانوا بشراً مثلنا غير معصومين من الخطأ والعصيان ومخالفة أوامر الرسول (صلّى الله عليه وآله) ، إلاّ مَنْ عصمه الله منهم بقوّة الإيمان والتقوى ، ومتانة العقيدة واستكمال التربية الإسلاميّة .

وقد وقعت بينهم اختلافات شديدة أدّت إلى أنْ يشتم بعضهم بعضاً ، ويقاتل بعضهم البعض وسفكت بينهم الدماء ، فهل كانوا جميعاً على حقّ في تلك المنازعات ؟! وهل كانوا كلّهم عدولاً في خلال تلك الحروب والمعارك ؟! وهل القاتل والمقتول منهم في الجنّة ؟!

إنّ مجرّد الصحبة للرسول (صلّى الله عليه وآله) ليست علّة تامّة لحصول الإيمان والعصمة الحافظة . كيف لا وقد صرّح القرآن الكريم بوجود عدد كبير من المنافقين بين صفوف الصحابة الذين كانوا مع الرسول (صلّى الله عليه وآله) في المدينة .

وقد دبّر بعضهم عدّة مؤامرات لاغتيال النبي (صلّى الله عليه وآله) فنجا منها بمعجزة . وكان فيهم ـ أي في اُولئك المنافقين ـ عدد قد أتقنوا فنّ النفاق إلى حدّ خفي نفاقهم حتّى على النبي (صلّى الله عليه وآله) ،


الصفحة (123)

ٍٍٍٍٍٍٍٍٍفما كشفوا إلاّ بعد وفاته (صلّى الله عليه وآله) ، وقد ذكرهم تعالى لرسوله على نحو الإجمال ، فقال : ( وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ من الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النّفَاقِ لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذّبُهُم مَرّتَيْنِ ثُمّ يُرَدّونَ إِلَى‏ عَذَابٍ عَظِيمٍ )(1) .

ثمّ كيف يستبعد منهم مخالفة أوامر الرسول (صلّى الله عليه وآله) في وصيه وخليفته علي بن أبي طالب بعد وفاته ، وقد خالفوا أوامره مراراً في حياته وهم معه وجهاً لوجه ؟!

خذ مثلاً لذلك ما أجمع عليه المسلمون جميعاً ، وهي قضية طلب النبي (صلّى الله عليه وآله) الدواة والكتف في حال مرضه الذي توفي فيه ؛ ليكتب لهم كتاباً لن يضلوا بعده أبداً ، فعصوا أمره ولم يلبّوا طلبه ، وقالوا : إنّه يهجر . فغضب الرسول عليهم ، وقال : (( قوموا عنّي )) .

راجع ذلك في الصحاح والمسانيد ، وفكّر فيما شرحناه بعقلك وحكّم وجدانك وضميرك ؛ لتعرف أنّ فكرة التشيّع والمذهب الشيعي هما عصارة مدلول الكتاب العزيز والسنّة الشريفة ، ونابعان من صميم العقل والضمير الإنساني .

ولتعرف إنّ التشيّع قائم على أساس متين من الدليل والمنطق والوجدان ، وهو عبارة اُخرى عن الإسلام التامّ الكامل الشامل لكلّ ما جاء به محمد (صلّى الله عليه وآله) من عند الله تعالى بدون زيادة ولا نقصان . كيف لا ، وهو مذهب أهل البيت (عليهم السّلام) الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً ؟!

والآن نختم البحث حول هذا الموضوع ، ونعود إلى الغرض المقصود وهو : أنّ من ثمرات ثورة الحسين (عليه السّلام) ومن نتائج تضحياته الجسام ، انتباه الرأي العام الإسلامي إلى خطأ السياسات الارتجالية التي سار عليها ولاة الأمر منذ وفاة الرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله) ، والتي أدّت بالمسلمين إلى النكسات والنكبات وتشتّت الكلمة ، واندلاع الفتن والحروب الداخلية والمفاسد الاجتماعية ، وانحسار الروح الإسلاميّة من نفوس المسلمين .

وأدّت أخيراً إلى هذه الوصمة المخزية ولطخة العار في جبين الإنسانية ، حيث لمْ يمضِ على وفاة رسول الإسلام ونبي المسلمين سوى خمسين عاماً فقط وإذا المسلمون أنفسهم ينهالون على أهل بيت نبيهم ، وأولاد منقذهم وذرية سيدهم محمد (صلّى الله عليه وآله) قتلاً وتشريداً وإبادة ، وتقطيع أوصال وحمل الرؤوس على أطراف الرماح من بلد إلى بلد ، وترك الجثث على وجه الرمال ،

ـــــــــــ
(1) سورة التوبة / 101 .

الصفحة (124)

ٍٍٍٍٍوحمل بنات رسول الله سبايا حواسر على الأقتاب ، تُساق كما تُساق سبايا الكفرة والأشرار . كلّ ذلك بسبب أنّهم أنكروا الظلم والفساد ، وعارضوا البدع والاستبداد .

فهل ارتكبت اُمّة في العالم قبل هذه الاُمّة عاراً مثل هذا العار ، وجريمة أبشع وأخزى من هذه الجريمة ؟!

قال السيد الرضي (رحمه الله) في قصيدة له :

جزّورا جزرَ الأضاحي نسلَهُ      ثـمّ  سـاقوا آله سوق الإما
لو  بسبطي قيصرٍ أو هرقلِ      فـعـلوا فعل يزيدٍ ما عدى
لـيس  هـذا لرسولِ الله يا      اُمّـةَ الـطغيانِ والبغي جزا

كلّ ذلك من جرّاء الإعراض عن الإمامة الشرعية والخلافة الإلهية بعد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، تماماً كما تنبّأت به وحذرتهم عنه سيدة النساء فاطمة بنت محمد (صلّى الله عليه وآله) في الخطبة التي ألقتها على نساء المهاجرين والأنصار بعد اغتصاب الخلافة من الإمام علي (عليه السّلام) ؛ حيث قالت (عليها السّلام) : (( ويحهم ! أنّا زحزحوها عن رواسي الرسالة وقواعد النبوّة والدلالة ، ومهبط الروح الأمين ، والطّبين باُمور الدنيا والدين ؟! ألا ذلك هو الخسران المبين ! وما الذي نقموه من أبي الحسن ؟! نقموا منه والله نكير سيفه ، وقلّة مبالاته بحتفه ، وشدّة وطأته ، ونكال وقعته ، وتنمّره في ذات الله .

وتالله ، لو مالوا عن المحجّة اللائحة ، وزالوا عن قبول الحجّة الواضحة ، لردّهم إليها ، ولحملهم عليها ، ولسار بهم سيراً سجحاً ؛ لا يكلّم خشاشه ، ولا يكلّ سائره ، ولا يملّ راكبه . ولأوردهم منهلاً نميراً صافياً تطفح ضفتاه ، ولا يترنّق جانباه ، ولأصدرهم بطاناً ، ولنصح لهم سراً وإعلاناً .

ولم يكن يتحلّى من الغنى بنائل ، ولا من الدنيا بطائل غير ريّ الناهل وشبعة الكافل ، ولَبان لهم الزاهـد مـن الراغـب ، والصـادق مـن الكـاذب : ( وَلَوْ أَنّ أَهْلَ الْقُرَى‏ آمَنُوا وَاتّقَوا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ من السّماءِ وَالأَرْضِ وَلكِن كَذّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ )(1) .

ــــــــــــــــ
(1) سورة الأعراف / 96 .

الصفحة (125)

ٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍويحهم ! ( أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الْحَقّ أَحَقّ أَن يُتّبَعَ أَمْ مَن لاَ يَهِدّي إِلاّ أَن يُهْدَى‏ فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ )(1) .

أما لعمري ، لقد لقحت فنظرة ريثما تنتج ، ثمّ احتلبوا ملء القعب دماً عبيطاً ، فهنالك يخسر المبطلون ويعرف التالون غبّ ما أسس الأوّلون ، ثمّ طيّبوا عن دنياكم نفساً ، واطمئنوا للفتنة جأشاً ، وابشروا بسيف صارم ، وسطوة معتد غاشم ، وبهرج شامل ، واستبداد من الظالمين يدع فيأكم زهيداً وجمعكم حصيداً . فيا حسرة لكم ! وأنّى بكم وقد عُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ(2) )) .

ونعود فنقول : إنّ ثورة الحسين (عليه السّلام) كانت ناجحة وفاتحة ورابحة ، ولكن نجاحاً معنوياً وفتحاً فكريّاً على الصعيد العالمي ، وربحاً عاطفياً ووجدانيّاً عمّ النوع الإنساني بكلّ شعوبه وطوائفه وقومياته .

وأمّا النصر العسكري والنجاح المسلّح فليسا دائماً دليلاً على النجاح الحقيقي على حد الكلمة المأثورة : جولة الباطل ساعة وجولة الحقّ إلى قيام الساعة ، والعاقبة للتقوى .

ــــــــــــــــــ
(1) سورة يونس / 36 .
(2) سورة هود / 28 .

الصفحة (126)

هل هناك ثمرة من ثورة الحسين (عليه السّلام) للمسلمين ككل ؟

أيّها القارئ الكريم ، لا تظنّ أنّ ثورة الحسين (عليه السّلام) وتضحياته السخيّة المباركة قد خدمت التشيّع فحسب ! كلاّ . بل خدمت المسلمين كأمّة واحدة وبأجمعهم أيضاً ؛ وذلك بما ولّدته فيهم من وعي وإحساس تنبّهوا بهما إلى أمر خطير ، وغلط كبير جداً كان محدقاً بهم وكاد أن يبدّل دينهم وهم لا يشعرون .

وهو : أنّ المسلمين من حيث العموم كانوا ينظرون إلى الخلفاء والاُمراء الذين حكموهم منذ أن قبض النبي محمد (صلّى الله عليه وآله) بصفة مزدوجة هي صفة المشرّعين والمنفّذين في آن واحد ، أي كانوا يتصوّرون أنّ الخليفة له صلاحية التشريع والتحليل والتحريم والتغيير والتبديل .

كما له حقّ التطبيق وصلاحية التنفيذ قياساً لهم على رسول الله (صلّى الله عليه وآله) الذي كان هو المشرّع والمنفّذ معاً . ومن هذه النظرة الخاطئة من المسلمين إلى حكّامهم تجرّأ بعض اُولئك الحكّام على الاجتهاد ضدّ نصوص الكتاب والسنّة الشريفة ، وعلى التلاعب بأحكّام الإسلام حسب شهواتهم ومصالحهم .

فما أن التحق رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بالرفيق الأعلى حتّى بدأ الاختلاف بين سيرته وسيرة المسؤولين بعده ، إلى أن جاء دور عثمان ، فكان الاختلاف بين سيرته وسنّة رسول الله بلغ إلى حدّ قالت عنه اُمّ المؤمنين عائشة ، وقد أخرجت ثوباً من ثياب النبي (صلّى الله عليه وآله) تعرضه على الناس : انظروا ، هذا ثوب رسول الله بعدُ لمْ يبلَ وعثمان قد أبلى سنتّه .


الصفحة (127)

والخطر الأكبر الذي كان يكمن في تلك الظاهرة هو : أنّ المسلمين كانوا يأخذون تلك التصرّفات الشاذة عن نصوص القرآن والسنّة الشريفة من قِبل الخلفاء بعين الاعتبار ، وبأنّها من صميم الإسلام وشريعة الله تعالى ؛ لذا فقد استغل الأمويّون تلك النظرة أكبر فرصة لهم في سبيل تحقيق مؤامراتهم العدوانية ضدّ الإسلام ونبي الإسلام ، فأخذوا يحرّفون ويشوّهون ويتلاعبون بشعائره ومقدّساته حيثما شاؤوا .

فمن ذلك مثلاً : أنّ معاوية صلّى بهم ذات مرّة صلاة الجمعة يوم الأربعاء فصلّوها معه ، وسنّ لهم سبّ الإمام أمير المؤمنين على المنابر وفي صلاة الجمعة ، وأعطى الجزية للرومان مقابل سحبه المرابطين على الحدود ؛ ليحارب بهم أمير المؤمنين (عليه السّلام) ، ولبس الحرير والذهب ، وشرب الخمر ، وقتل النفوس المحترمة على الظنّة والتهمة ، وألحق زياد بن سميّة بأبيه أبي سفيان خلافاً لنص الحديث الشرف : (( الولد للفراش وللعاهر الحجر )) . وحوّل الخلافة الإسلاميّة إلى ملك وراثي عضوض ، إلى غير ذلك من بدعه ومخالفاته التي يطول شرحها .

وكان الناس يأخذون تلك البدع بعين الاعتبار ، وأنّها من الدين ، كما قدّمنا ، ولكن بعد ثورة الحسين (عليه السّلام) تغيّرت نظرة المسلمين إلى الحكّام والاُمراء ، وظهروا أمام الرأي العام الإسلامي على أنّهم سلاطين جور وحكّام بالقهر والغلبة ، وملوك دنيويون ليس لهم صفة شرعيّة ولا سلطة تشريعية .

فالإسلام شيء وسيرة الحكّام والاُمراء الذين يحكمون المسلمين شيء آخر ، لا يمثّل أحدهما الآخر في شيء أبداً ؛ ولهذا التبدل والفصل بين الحكّام وأعمالهم من جهة وبين الإسلام والمسلمين من جهة اُخرى بقي الإسلام محفوظاً ومصاناً على الصعيد الفكري إلى يومنا هذا . ولولا ذلك لكان الإسلام خبراً بعد عين ، ولكان المسلمون اليوم اُمّة جاهليّة إباحيّة لا تعرف الله ، ولا تؤمن بنبي ، ولا تقرأ كتاباً .

وليس أدلّ على ذلك ـ أي على ما قلناه من أنّ ثورة الحسين (عليه السّلام) عزلت الحكّام عن الشعب ، وانتزعت منهم صلاحية التشريع وصفة الشرعية عن سلوكهم ـ من ظهور الطوائف ، وتعدد المذاهب ، وتزايد الفرق الإسلاميّة بعد عصر الحسين (عليه السّلام) مباشرة .


الصفحة (128)

ووجه الدلالة فيه هو : من حيث إنّ الحكّام لمّا شعروا بمقت الاُمّة لهم وتنفّر الرأي العام منهم ، وأنّ الحسين (عليه السّلام) قد انتزع بثورته المقدّسة الخالدة السلطة الروحية من أيديهم ، وبالتالي تبيّن لهم أنّهم أصبحوا معزولين عن الشعب روحيّاً ودينيّاً ؛ لذا حاولوا أن يستعيدوا سلطتهم على الاُمّة وسيطرتهم على الشعب ولو من طريق غير مباشر ، أي بواسطة عملاء لهم من رجال الدين والعلماء الذين تغريهم المناصب وتستغويهم الأموال ؛ ليكون هؤلاء العملاء كحلقة وصل بين الشعب والحكّام ؛ ينفّذون سياسة الحكّام ، ويبرّرون إجرامهم ، ويدعون إلى سلطانهم اللاشرعي ؛ ومن ثمّة يكونوا سلاحاً بيد السلطات يحاربون بهم الدين ، ويدافعون بهم عن حكمهم وسلطانهم القائم باسم الدين ، وهكذا كان .

فقد بدأ الحكّام بعد الحسين سياسة التفرقة الطائفية ، وتمزيق وحدة المسلمين بالطائفية ، وتعدد المذاهب التي بلغت في أواسط الدولة العباسية إلى أكثر من ثلاثمئة طائفة وفرقة ، وكلّ طائفة تنتمي وتنتسب إلى رجل دين أو عالم أو محدّث ؛ إما مساير للسياسة والحكّام كليّاً ، أو سلبيّ مجامل لهم على أحسن الفروض ، وبذلك نجحت سياسة (فرّق تسد) في خدمة الحكّام نجاحاً كبيراً ، وظلّوا محتفظين بكراسيهم وسيطرتهم من هذا الطريق .

وظلّ أئمة الهدى من أهل البيت (عليهم السّلام) ومعهم شيعتهم وأصحابهم هم الطائفة الوحيدة بين تلك الطوائف الإسلاميّة الكثيرة الذين يمثّلون الحزب المعارض لتلك الحكومات الجائرة ، والذين يقفون في وجه اُولئك العلماء الدجّالين ورجال الدين المنافقين السائرين في ركاب الحكّام والاُمراء .

فهذا مثلاً الإمام جعفر بن محمد الصادق (عليه السّلام) بعث إليه المنصور الدوانيقي مرّة ، يقول له : يا أبا عبد الله ، هلاّ تغشانا وتزورنا كما يغشنا غيرك من العلماء ؟

فأرسل إليه الإمام (عليه السّلام) ، يقول له : (( ليس عندنا من الدنيا ما نخافك عليه ، وليس عندك من الآخرة ما نرجوك له ، ولست في نعمة حتّى نهنّيك ، ولا ترى نفسك في مصيبة حتّى نعزّيك ، وقد قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : إذا رأيتم العلماء على أبواب الاُمراء فقولوا : بئس العلماء وبئس الاُمراء . وإذا رأيتم الاُمراء على أبواب العلماء فقولوا : نِعم العلماء ونِعم الاُمراء . فعلامَ نصحبك بعد هذا ؟! )) .


الصفحة (129)

فأرسل إليه المنصور ثانية ، يقول له : تصحبنا لتنصحنا . فقال الإمام (عليه السّلام) : (( إنّ مَنْ يريد الدنيا لا ينصحك ، وإنّ مَنْ يريد الآخرة لا يصحبك )) .

ولقد بذل الحكّام جهوداً كثيراً ، وحاولوا شتّى المحاولات لكي يستميلوا أهل البيت (عليهم السّلام) نحوهم ، ويجذبوهم إلى جانبهم ليكسبوا تأيدهم ، ولكن فشلوا وخاب ظنّهم ، وما وجدوا من آل محمد (صلّى الله عليه وآله) إلاّ الاستقامة على الحقّ ، والتصلّب ضدّ الباطل ، وإعلان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ؛ لا تأخذهم في الله لومة لائم ؛ لذلك قابلوهم بكلّ ظلم واضطهاد ، وحاربوهم بكلّ قسوة وعنف ، واضطهدوا شيعتهم ومنعوا الناس من الوصول إليهم ، وأغلقوا أبوابهم ، وتركوهم شتّى مصارعهم وأجمعها فظيعة :

فـمكابدٌ للسمّ قد سقيت      حـشـاشته نـقـيعَهْ
ومضرّجٌ بالسيف آثر      عـزّه  وأبى خضوعَهْ
ومـصفّدٌ لله سلّم أمر      مــا  قـاسى جميعَهْ
و سبيّةٌ باتت بأفعى ال      هـمّ مـهجتها لسيعهْ

وهذا الاضطهاد والتعسّف الذي مارسه الحكّام ضدّ أئمّة الهدى من آل البيت (عليه السّلام) هو السبب في انقسام الشيعة أنفسهم إلى عدّة فرق وطوائف أيضاً ؛ لأنّ إمام الحقّ كان ممنوعاً من إظهار نفسه والدعوة إليه ، وكان بسطاء من الشيعة يُخدعون بالدعايات المضلّة والمظاهر الجذابة فيلتفّون حول بعض الأشخاص من أبناء الأئمّة (عليهم السّلام) ، أو من أقاربهم ويقولون بإمامتهم .

مثل : الكيسانية الذين دانوا بإمامة محمد بن الحنفيّة (رحمه الله) بعد الحسين (عليه السّلام) ؛ لما كان يتحلّى به محمد من علم وشجاعة ، وإنّه ابن الإمام علي (عليه السّلام) ، وأخو الحسين (عليه السّلام) ، وبالتالي هو أكبر من الإمام زين العابدين (عليه السّلام) .

 

 

الصفحة (130)

ثمّ الزيديّة الذين دانوا بإمامة زيد بن علي بن الحسين (عليه السّلام) بدل الإمام محمد الباقر (عليه السّلام) ، ثمّ الإسماعيلية الذين قالوا بإمامة إسماعيل بن الصادق (عليه السّلام) بدل أخيه الإمام موسى الكاظم (عليه السّلام) ، وهكذا إلى غيرها من الفرق الشيعية الأصل والتي شذّت عن طريق الحقّ بسبب اختفاء صوت إمام الحقّ ، أو الإرهاب الذي كان يحول دون وصولهم إلى إمام الحقّ ، وقد أبيد أكثر تلك الطوائف والفرق ولم يبقَ منها إلى اليوم سوى الطائفة الزيدية في اليمن والطائفة الإسماعيلية في الهند والباكستان .

إلى جانب الطائفة الحقّة الجعفرية الإمامية الذين يشكّلون أكبر طائفة إسلاميّة في العالم ، والذين ساروا مع التشيّع الصحيح إلى آخر الشوط ، ودانوا بإمامة الأئمة الاثني عشر المنصوص عليهم من رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بالإمامة ، وهم : علي بن أبي طالب ، ثمّ ابنه الحسن (عليه السّلام) ، ثمّ أخوه الحسين (عليه السّلام) ، ثمّ ابنه علي زين العابدين (عليه السّلام) ، ثمّ ابنه محمد الباقر (عليه السّلام) ، ثمّ ابنه جعفر الصادق (عليه السّلام) ، ثمّ ابنه موسى الكاظم (عليه السّلام) ، ثمّ ابنه علي الرضا (عليه السّلام) ، ثمّ ابنه محمد الجواد (عليه السّلام) ، ثمّ ابنه علي الهادي (عليه السّلام) ، ثمّ ابنه الحسن العسكري (عليه السّلام) ، ثمّ ابنه محمد المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف) صاحب العصر والزمان ( صلوات الله وسلامه عليهم جميعاً ) .

وهنا بمناسبة ذكر صاحب الزمان يتولّد سؤال كثيراً ما يتساءل به شباب عصرنا الحاضر حول هذا الإمام الثاني عشر عند الشيعة الجعفرية ، الذي يُعتقد في أنّه غاب عن الأبصار بعد وفاة أبيه الإمام الحادي عشر الحسن العسكري (عليه السّلام) ، وذلك قبل أكثر من ألف ومئة وعشرين عاماً ، أي في سنة (260) من الهجرة ، وهو لا يزال حيّاً يرزق حتّى الآن في هذه الدنيا إلى أن يأذن الله له بالظهور ، فيظهر ويطهّر العالم من الظلم والجور والفساد في وقت لا يعرفه على وجه التحديد إلاّ الله تعالى .

والسؤال في هذا الموضوع يدور غالباً حول بقائه حيّاً هذه المدّة الطويلة ، وأنّه كيف يعيش إنسان حوالي ألف ومئة وعشرين سنة ولا يزال حيّاً إلى ما شاء الله ؟


الصفحة (131)

ٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍالجواب : أوّلاً : من الناحية العلميّة لا مانع في ذلك ولا استحالة ؛ لأنّ العلم لم يحدد عمر الإنسان وإنّما حدد أسباب الوفاة ، وهي تتلخّص في اختلال المزاج والتوازن الصحي وإصابة الأعضاء الرئيسة في الجسم بعطب خطير ، فكلّما حافظ الإنسان على توازن صحته وسلامة أعضائه الرئيسة كلّما استمر بقائه وطالت حياته ؛ ومن هنا يختلف الناس في طول البقاء وقصره تبعاً لسلامة أجسامهم من الأمراض .

وممّا لا شك فيه أنّ الإمام المعصوم المؤيد من قبل الله تعالى يكون أعرف الناس بقوانين الوقاية الصحيحة ، وأكثر الناس عملاً وتمسكاً بها ، فلا بدّ أن يكون أطول الناس عمراً ، وأكثرهم بقاء في هذه الحياة .

وقد حدّثنا التاريخ عن أشخاص عمّروا في الدنيا مئات السنين ، مثل : نوح (عليه السّلام) الذي عمّر أكثر من ألف وخمسمئة سنة ، وغيره كثيرون ممّن عمّر مدداً ترواح بين المئة سنة والألف سنة ، وأحوالهم مذكورة في بطون كتب التاريخ والمعمّرين .

ومنهم مثلاً : سطيح كاهن الشام الذي عاش ثلاثين قرناً حسب نصوص التاريخ ، ومات بعد ولادة النبي محمد (صلّى الله عليه وآله) بمدة قليلة ، وقصته معروفة . والواقع أنّ البحث حول الإمام المهدي (عجل الله فرجه الشريف) يحتاج إلى تفصيل واسع لا يسعه المقام ، وسنعود إليه بمناسبة اُخرى إن شاء الله .

والخلاصة هي : إنّ ثورة الحسين (عليه السّلام) حفظت للمسلمين إسلامهم من خطر انقلاب جاهلي ماحق ، وعرّفتهم بأعدائهم المتسترين بثياب الإسلام والحاكمين باسمه ، وبعثت فيهم روح الثورة والمعارضة ضدّ اُولئك الأعداء ، وحفظت لهم شخصيتهم الإسلاميّة .

وقد أجاد المرحوم السيّد جعفر الحلّي (رحمه الله) حيث قال :


الصفحة (132)

يـومٌ  بحاميةِ الإسلامِ قد نهضتْ      لــه  حـمـيةُ دينِ اللهِ إذ تُركا
رأى  بـأنّ سـبـيـلَ الغيِّ متَّبعٌ      والـرشـدُ لـم تدرِ قومٌ أيّة سلكا
و  الـناسُ عادتْ إليهم جاهليتُهُمْ      كـأنّ مَـنْ شرّعَ الإسلامَ قد أفكا
وقـد تـحـكّـمَ بالإسلامِ طاغيةٌ      يُمسي  و يُصبحُ بالفحشاءِ منهمكا
لم أدرِ أين رجالُ المسلمينَ مضو      وكـيف  صـارَ يزيدٌ بينهم ملِكا
الـعاصرُ الخمرِ من لُؤمٍ بعنصرِهِ      و مِـنْ خساسةِ طبعٍ يعصرُ الودكا
لئن  جرتْ لفظةُ التوحيدِ من فمِه      فـسـيـفُه بحشا التوحيدِ قد فتكا
قد  أصبحَ الدينُ منه يشتكي سقماً      ومـا  إلى أحدٍ غير الحسينِ شكا
فما رأى السبطُ للدينِ الحنيفِ شفاً      إلاّ  إذا دمـهُ فـي كـربلا سُفكا
و مـا سـمعنا عليلاً لا علاجَ لهُ      إلاّ بـنـفـس مـداويهِ إذا هلكا
نـفـسـي الفداءُ لفادِ شرعَ والدِهِ      بـنـفـسـهِ وبـأهليهِ وما ملكا
بـقتلهِ  فـاح للإسلام نشرُ هدىً      وكـلّـما  ذكـرتْهُ المسلمون ذكا


الصفحة (133)

هل يصحّ البكاء على الحسين (عليه السّلام) وهو الثائر الفاتح ؟

يقول الأعسم (رحمه الله) وهو يخاطب الحسين (عليه السّلام) :

 تبكيكَ عيني لا لأجلِ مثوبةٍ      لـكنّما عـيني لأجلكَ باكيهْ
تـبتلُّ  منكُم كربلا بدمٍ و لا      تـبتلُّ منّي بالدموعِ الجاريهْ

تعرّفنا في بحث سابق على أنّ الذين قتلوا الحسين (عليه السّلام) بكربلاء لم يكونوا شيعة ، ولم يكن فيهم شيعي واحد قط ؛ وعليه : فبكاء الشيعة اليوم وقبل اليوم على مصاب الحسين (عليه السّلام) ليس بدافع الشعور بالإثم ، أو لغرض التكفير عن جريمة الآباء حسب ما يتهمهم المغرضون ويشوّه عليهم الجاهلون .

والسؤال الآن هو : إذاً ما وجه الصحّة ، وما المبرر في بكاء الشيعة على الحسين (عليه السّلام) بعد علمنا أنّ الحسين ثائر ناجح في ثورته ، محقّق لكثير من أهدافه السامية في إظهار الحقّ وفضح الباطل ؟ فلماذا هذا النوح والبكاء والأسى ومظاهر الحداد في كلّ عام ؟

فنقول : أولاً : إنّ البكاء والتأثر على الحسين (عليه السّلام) ليس فرضاً إسلاميّاً ، ولا واجباً شرعياً ولا ركناً من أركان التشيّع بحيث لا يتمّ بدونه ولا يتحقّق بتركه ؛ وإنّما هو ظاهرة حبّ وولاء للحسين (عليه السّلام) ، وهل يمكن أن تنزل نكبة ومصيبة بحبيب لك وعزيز عليك ثمّ لا تبكي ولا تتأثر منها ؟!

والحسين (عليه السّلام) حبيب كلّ مؤمن وعزيز كلّ إنسان ، وقد أُصيب بأعظم المصائب وأفدح الكوارث لأجل الحق والعدالة ؛ دفاعاً عن الإيمان والإنسانية ، فكيف لا يبكيه أو لا يتأثر عليه الإنسان ؟!


الصفحة (134)

ومع غض النظر عن هذا ، فإنّ في البكاء عليه وجوهاً اُخرى للحسن والصحة ، نذكر بعضها فما يلي :

الوجه الأول : توقّع الثواب من الله سبحانه والأجر منه تعالى في الآخرة ؛ حيث إنّ في البكاء على الحسين (عليه السّلام) تأسٍّ بالنبي الأكرم وأهل بيته المعصومين (عليهم السّلام) ؛ إذ قد ثبت بالتواتر أنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) كان يعلم بما جرى على الحسين (عليه السّلام) بعده ، وبكى على مصابه في عدّة مواطن ولعن قاتليه ، وعبّر عنهم بأشرار الاُمّة .

وكذلك ابنته فاطمة الزهراء والإمام أمير المؤمنين والحسن السبط (عليهم السّلام) ، قد ثبت عنهم في الأخبار الصحيحة أنّهم بكوا على مصاب الحسين (عليه السّلام) كلّما تذكّروه .

وأمّا بكاء الأئمّة المعصومين على الحسين (عليه السّلام) بعده فمعروف مشهور ، فهذا مثلاً الإمام زين العابدين (عليه السّلام) عاش بعد أبيه الحسين خمساً وثلاثين سنة ما قدّم بين يديه طعام ولا شراب إلاّ وتذكّر أباه الحسين (عليه السّلام) وبكى ، وهو يقول : (( كيف آكل وقد قُتل أبي جائعاً ؟! وكيف أشرب وقد قُتل أبي عطشان ؟! )) .

وذاك إمامنا موسى بن جعفر الكاظم (عليهما السّلام) الذي كان إذا هلّ عليه شهر المحرّم لا يُرى ضاحكاً حتّى تمضي منه تسعة أيّام ، فإذا كان اليوم العاشر منه كان يوم بكائه ومصيبته وحزنه .

وقبله أبوه الإمام الصادق (عليه السّلام) الذي دخل عليه الراوي يوم العاشر من المحرّم فوجده كاسف اللون ، باكياً حزيناً ، وكان غافلاً عن يوم عاشوراء ، فلّما سأل الإمام (عليه السّلام) عن السبب ، قال (عليه السّلام) : (( أوَغافل أنت عن هذا اليوم الذي قُتل فيه الحسين (عليه السّلام) ؟! فمَنْ جعله يوم حزنه ومصيبته جعل الله له يوم القيامة يوم فرحه وسروره ، وقرّت بنا في الجنان عينه . . . إلى أن قال (عليه السّلام) : إنّ يوم الحسين أقرح جفوننا ، وأسبل دموعنا ، وأذلّ عزيزنا ، وأورثنا الكرب والبلاء إلى يوم الانقضاء . فعلى مثل الحسين فليبكي الباكون ؛ فإنّه ذُبح كما يُذبح الكبش )) .


الصفحة (135)

ولا تنسى الإمام الرضا (عليه السّلام) الذي يقول عنه دعبل بن علي الخزاعي (رحمه الله) : أنشدته فبكى حتّى أُغمي عليه ، فأمسكته حتّى أفاق ، فقال : (( أنشد يا دعبل )) . فأنشدته فبكى حتّى أُغمي عليه ثانية ، وهكذا إلى ثلاث مرّات ، وهو القائل (عليه السّلام) : (( كلّ جزع وبكاء مكروه للعبد إلاّ الجزع والبكاء على الحسين (عليه السّلام) ؛ فإنّه فيه مأجور )) .

فكيف لا يحسن البكاء على الحسين (عليه السّلام) والحزن والحداد على مصابه بعد أن بكاه النبي محمد (صلّى الله عليه وآله) وآله أهل بيت العصمة ؟! وهل التأسّي برسول الله (صلّى الله عليه وآله) مكروه وقبيح بعد أن أمرنا الله في كتابه العزيز بالتأسّي به على وجه عام ، فقال سبحانه : ( لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَن كَانَ يَرْجُوا اللّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللّهَ كَثِيراً . . . )(1) .

وهل يسوغ للمؤمن أنْ يرغب عن التأسّي بآل البيت (عليهم السّلام) بعد أنْ ثبت عنده أنّ يوم الحسين (عليه السّلام) كان مثاراً للحزن ، ومدعاة للأسى والبكاء بالنسبة لهم (عليهم السّلام) دائماً وفي كلّ الأحوال والمناسبات ؟!

ورد في أحوال الإمام الصادق (عليه السّلام) أنّه كان إذا ذكر جدّه الحسين (عليه السّلام) أو ذُكر عنده لا يُرى ضاحكاً طيلة ذلك اليوم ، وتغلب عليه الكآبة والحزن ، وكان (عليه السّلام) يتسلّى عن المصائب التي ترد عليه من قبل الأعداء بمصائب الحسين (عليه السّلام) .

فمن ذلك مثلاً : لمّا أمر المنصور الدوانيقي عامله على المدينة أنْ يحرق على أبي عبد الله الصادق (عليه السّلام) داره ، فجاءوا بالحطب الجزل ووضعوه على باب دار الصادق (عليه السّلام) وأضرموا فيه النار ، فلمّا أخذت النار ما في الدهليز تصايحنَ العلويات داخل الدار وارتفعت أصواتهم ، فخرج الإمام الصادق (عليه السّلام) وعليه قميص وإزار وفي رجليه نعلان وجعل يخمد النار ويطفئ الحريق حتّى قضى عليها ، فلمّا كان الغد دخل عليه بعض شيعته يسلّونه فوجدوه حزيناً باكياً ، فقالوا : ممّن هذا التأثر والبكاء , أمِنْ جرأة القوم عليكم أهل البيت وليس منهم بأوّل مرة ؟

فقال الإمام (عليه السّلام) : (( لا ، ولكن لمّا أخذت النار ما في الدهليز , نظرت إلى نسائي وبناتي يتراكضن

ـــــــــــــــ
(1) سورة الأحزاب / 21 .

( 136)

في صحن الدار من حجرة إلى حجرة ، ومن مكان إلى مكان هذا وأنا معهن في الدار ، فتذكّرت روع عيال جدّي الحسين (عليه السّلام) يوم عاشوراء لمّا هجم القوم عليهنَّ ، ومناديهم ينادي : أحرقوا بيوت الظالمين )) .

فالغرض : إنّ البكاء على الحسين (عليه السّلام) والتأثر من مصائبه ، وإظهار الحزن والأسى يوم قتله كلّ ذلك أمر محبوب ومرغوب فيه ؛ لأنّه من التأسّي برسول الله (صلّى الله عليه وآله) وبأهل بيته الطاهرين (عليهم السّلام) ، وقد قال الإمام الحسن العسكري (عليه السّلام) في كلمته المعروفة : (( شيعتنا منّا ؛ يفرحون لفرحنا ويحزنون لحزننا )) .

الوجه الثاني : تعظيم شعائر الحسين (عليه السّلام) وتعزيز عظمته وتكريم مقامه أمام الرأي العام ، حيث ورد عن الرسول (صلّى الله عليه وآله) قوله : (( ميت لا بواكي عليه لا إعزاز له )) . أي لا احترام له ، وهو أمر طبيعي ؛ لأنّ القيمة المعنوية للفقيد وعظمته الإنسانية تُعرف عند مَنْ لا يعرفونه من عظيم أثر فقده في نفوس عارفيه ، وكلّما عظم الفقيد عظم مصابه على الناس ؛ ولذا غضب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) لمّا لم يسمع البكاء على عمّه حمزة بن عبد المطلب بعد رجوعه من معركة اُحد ؛ وذلك لأنّ حمزة لم يكن عنده أحد في الدار يبكون عليه ، فقال النبي (صلّى الله عليه وآله) متأثراً ، وخاصة لما سمع البكاء على الشهداء من الأنصار ، قال : (( ولكن عمّي حمزة لا بواكي عليه ! )) . فلمّا سمع الأنصار بعثوا إلى دار حمزة مَنْ يبكي عليه ، فسرّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وقال : (( على مثل حمزة فلتبكي البواكي )) .

فلا شك في أنّ الميت الذي لا يُبكى لفقده ولا يُحزن على موته لا قيمة له في نظر الناس ، وإنّ ذلك دليل حقارته وضعف شخصيته ومقامه ، وهذا أمر عرفي ومنطقي ، وقد أشار إليه القرآن الكريم في قوله تعالى : ( كَمْ تَرَكُوا مِن جَنّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ * كَذلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْماً آخَرِينَ * فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السّماءُ وَالأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنظَرِينَ )(1) .

ومعلوم أنّ الغرض من بكاء السماء والأرض هو أهل السماء وأهل الأرض ، أي أنّهم ماتوا غير مأسوف عليهم ، ولم يؤثر موتهم حزناً في نفس أحد ، ولا فقدهم فراغاً في الحياة بعدهم ،

ـــــــــــــــــــ
(1) سورة الدّخان / 25 ـ 29 .

الصفحة (137)

وهذا دليل هوانهم على الناس ، واحتقارهم في نظر الناس ، وانعدام احترامهم بين الناس ؛ رغم قوتهم وقدرتهم المالية ، ورغم ملكهم وسلطانهم الذي كانوا قد فرضوه على الناس .

سُئل الإمام علي (عليه السّلام) : ما هو حسن الخلق يا أمير المؤمنين ؟ فقال (عليه السّلام) : (( هو أنْ تُعاشروا الناس معاشرة إنْ عشتم حنّوا إليكم ، وإنْ متم بكوا عليكم )) .

وقد أوصى الإمام محمد الباقر (عليه السّلام) أنْ تستأجر له نوادب بعد موتـه يندبوا عليه بمنى من مكّة أيّام موسم الحجّ ، ولمدّة عشر سنوات ؛ إظهاراً لمقامه المجهول لدى عامّة الناس ؛ بسبب ظلم الاُمويِّين واضطهادهم له (عليه السّلام) .

فأيّ وسيلة يمكن أن نعبّر بها عن عظم منزلة الفقيد بين أصحابه ومحبيه أقوى دلالة وأوضح تعبيراً من البكاء عليه ؟ ثمّ أيّ ظاهرة أدلّ وأوضح تعبيراً عن شديد حبّنا للفقيد وعظيم تعلّقنا به من ظاهرة البكاء عليه وجريان الدموع لموته .

وهل رأيت أو سمعت أنّ زعيماً شعبيّاً في العالم مات أو قُتل ولم يبكِ عليه أتباعه وأنصاره وشعبه ، ولم يجعلوا يوم وفاته يوم حداد وأسى ؟! وخاصة إذا كان موته بصورة مفجعة وقاسية ، وتُقتل أولاده وأطفاله وإخوانه وعشيرته وتُقطع رؤوسهم ، وتُرض أجسادهم بحوافر الخيل ، وتُحرق خيامه على نسائه ، ويُنهب ثقله و و . . . إلى آخر ما هناك من صور إجرامية ووحشية تقشعر منها الجلود وتفتت الأكباد والقلوب ؟!

ولا يُقال هنا بأنّ حادثة الحسين (عليه السّلام) قديمة جدّاً قد مضى عليها أكثر من ثلاثة عشر قرن , فإلى متّى هذا البكاء لها والحزن عليها ، وكل فقيد في العالم مهما عظم فإنّما يُبكى عليه لأيّام معدودة ثمّ يطوى ذكره في زوايا التاريخ وبطون الكتب ؟

لأنّا نقول : أولاً : إنّ عظمة الحسين (عليه السّلام) تفوق عظمة كلّ عظيم في العالم بعد


الصفحة (138)

جدّه المصطفى (صلّى الله عليه وآله) وأبيه المرتضى (عليه السّلام) ، فقياسه على غيره من عظماء الإنسانية قياس مع الفارق الكبير .

وثانياً : إنّ الكيفية التي فُقد عليها الحسين (عليه السّلام) لم يُفتقد عليها حتّى الآن أيّ فقيد قط ؛ قُتل جائعاً عطشان شعثاً ، مغبراً غريباً وحيداً ، ثاكلاً مكروباًَ مستضعفاً ، يستغيث فلا يُغاث ، ويستجير فلا يُجار ، ويستعين فلا يُعان . يسمع ضجيج عياله وصراخ أطفاله وهم بين الآلاف من الأعداء ينتظرون منهم كلّ مكروه .

ومن الناحية الثانية ينظر إلى قومه وصحبه حوله مجزرين كالأضاحي ، مع العلم بأنّ الذين قتلوه همّ اُمّة جدّه المصطفى (صلّى الله عليه وآله) الذين ثار لأجلهم ، وقام لإنقاذهم من الظلم والاضطهاد ؛ لذلك فإنّ فقده فريد في بابه ، جديد أبداً ودائماً لا يؤثر عليه مرور الزمن ، ولا يخفّف من وقعه تعاقب القرون والأجيال ، فهو كما قال عنه الأدباء والشعراء قديماً وحديثاً :

فقال بعضهم :

 فقيد تعفّى كلُّ رزءٍ ورزؤهُ         جديدٌ على الأيام سامي المعالمِ

وقال الآخر :

 وفجائعُ الأيام تبقى مدة وتزو        ل وهـي إلى القيامـة باقيـهْ

وقال الآخر :

 كذب الموت فالحسينُ مخلّدُ        كلّمـا مرّت الدهـورُ تجدّدُ

وقال آخر :

 مصابٌ له طاشت عقولُ ذوي الحج       إذا مـا تعفّى كـلُّ رزءٍ تجدّدا

لقد صُلب المسيح عيسى بن مريم (عليه السّلام) حسب زعم المسيحيين قبل ألفي عام تقريباً ، وها هم المسيحيون لا يزالون يجدّدون ذكرى صلبه كلّ عام ،


الصفحة (139)

ويبكون له ويحزنون , وقد اتّخذوا من خشبة صلبه شعاراً عاماً لهم يرفعونه فوق كلّ المؤسسات والجمعيات والكنائس ؛ معلنين بذلك أسفهم وحزنهم على مصابه ومأساته ، مع العلم بأنّ مأساة المسيح (عليه السّلام) بسيطة جداً في جنب مأساة الحسين (عليه السّلام) . فلماذا يُلام الشيعة على حزنهم وبكائهم لمأساة الحسين (عليه السّلام) ولا يُلام غيرهم على الحزن والبكاء لمأساة سائر العظماء ؟!

والخلاصة هي : إنّ هناك شخصيات وحوادث في العالم لا يستطيع التاريخ هضمها ، ولا الزمان إسدال الستار عليها ، ولا الأجيال نسيانها ؛ لسبب بسيط : وهو عقم الأيّام عن الإتيان بمثلها ، وفي طليعة تلك الشخصيات شخصية الحسين (عليه السّلام) ، وفي طليعة تلك الحوادث حادثة عاشوراء .

الوجه الثالث : هو أنّ البكاء على الحسين (عليه السّلام) يرمز إلى تأييد الحسين (عليه السّلام) في ثورته المباركة ، وإعلان الثورة العاطفية على الظلم والظالمين ، والتعبير عن أعمق مشاعر الاستنكار والسخط ضد أعداء الحقّ والعدل ، والإعراب عن الأسف على عدم وجودنا في صفوف أصحاب الحسين ، سادات الشهداء الخالدين ، وعدم نيلنا توفيق وسعادة نصرة الحسين (عليه السّلام) في يوم عاشوراء .

فيا ليتنا كنّا معك أبا عبد الله فنفوز فوزاً عظيماً . لبيك داعي الله ، إنْ لم يجبك بدني عند استغاثتك ، ولساني عند استنصارك ، فقد أجابك قلبي وسمعي وبصري .

هذا لسان حال شيعة الحسين (عليه السّلام) في كلّ مكان وزمان ، فإجابة القلب بالإيمان بمبدأ الحسين الذي قُتل لأجله ، وإجابة السمع بالاستماع إلى سيرة الحسين وأقواله ، وإجابة البصر سكب الدموع على مآسي الحسين (عليه السّلام) .

فالبكاء لكلّ واحد من هذه الأهداف والغايات الثلاث أمر طبيعي وعقلائي ، وظاهرة فطريّة خيّرة من ظواهر الفطرة السليمة التي وقاها الله تعالى من نكسة القساوة والغلظة وتحجّر الضمير ، وهي أخطر الأمراض النفسية والانحرافات الروحية التي يتعرّض لها بعض الأفراد ، وقانا الله شرّها وهي المعبر عنها بموت القلب .

وإليك ما قاله الاُستاذ العقاد : إنّ


الصفحة (140 )

الطبائع الآدمية قد أشربت حبّ الشهداء والعطف عليهم وتقديس ذكرهم بغير تلقين ، وإنّما تنحرف عن سواء هذه السنّة لعوارض طارئة تمنعها أنْ تستقيم ، أو من نكسة في الطبع ؛ لأنّ العطف الإنساني نحو الشهداء هو كلّ ما يملك التاريخ من جزاء . . . الخ(1) .

هل تتصوّر أيّها القارئ الكريم إنساناً يستمع إلى تلك المآسي الجسام التي وقعت على الحسين (عليه السّلام) وآله من الصغار والكبار والرجال والنساء ولا ينكسر قلبه ، ولا يتأثر وجدانه ولا يتحرك ضميره ثمّ تعتبره إنساناً طبيعياً سليم الفطرة ؟! كيف وقد قال الحسين (عليه السّلام) نفسه في المأثور عنه : (( أنا قتيل العبرة ، ما ذُكرت عند مؤمن إلاّ استعبر )) .

وجاء في الحديث الشريف عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قوله : (( جفاف العيون من قساوة القلوب ، وما ضرب ابن آدم بعقوبة أشدّ عليه من قساوة القلب )) . وقد وصف الله سبحانه المؤمنين بقوله : ( رحماء بينهم ) .

والخلاصة : لم يجد الخبراء وعلماء النفس والأخلاق بين الصفات الإنسانية كلّها صفة أفضل وأشرف من الرحمة ورقّة القلب على الآخرين ، حتّى إنّ بعض الفلاسفة عدل عن تعريف الإنسان بالحيوان الناطق , وهو التعريف المشهور , عدل عنه إلى أنّه حيوان ذو عطف؛ وعليه فلا إنسانية مطلقاً بدون العطف على مصائب الآخرين ، وبدون الرحمة ورقّة القلب على نكبات المظلومين ومآسي المنكوبين .

والحقيقة أنّ الشيخ الأعسم (رحمه الله) قد مثّل في البيتين السابقين شعور كلّ إنسان سليم الفطرة تجاه الحسين (عليه السّلام) ، حيث قال :

 تبكيكَ عيني لا لأجلِ مثوبةٍ      لـكنّما عـيني لأجلكَ باكيهْ
تـبتلّ مـنكم كربلا بدمٍ ولا      تـبتلّ منّي بالدموعِ الجاريهْ

ـــــــــــــــ
(1) أبو الشهداء الحسين بن علي / 190 .

الصفحة (141)

ما الحكمة من زيارة قبر الحسين (عليه السّلام) ؟

قال بعض الأدباء :

 بزوّارِ الحسينِ خلطتُ نفسي      لـتُحسب مـنهمُ يـوم العدادِ
فـإنْ عُـدّتْ فقد سعدتْ وإلاّ      فـقد  فـازتْ بتكثيرِ السوادِ

وهذه ظاهرة اُخرى عند الشيعة لم تسلم أيضاً من النقد أحياناً ، ومن التساؤل والاستفهام عنها أحياناً اُخرى ، وهي زيارة قبر الحسين (عليه السّلام) بكربلاء من أرض العراق في مواسم عدّة من أيّام السّنة ، وخاصة يوم عاشوراء هو يوم ذكرى مصرعه ، ويوم الأربعين ، أي العشرين من شهر صفر وهو يوم ذكرى عودة الرأس الشريف من الشام ، والتحاقه بالجسد على يد الإمام زين العابدين (عليه السّلام) ، الذي عاد في ذلك اليوم مع السبايا من الشام في طريقهم إلى المدينة المنورة فصادف وصولهم إلى كربلاء في يوم الأربعين بعد قتل الحسين (عليه السّلام) .

وهناك مواسم اُخرى لزيارة قبر الحسين في خلال السنة ، مثل ليلة النصف من شعبان ، وليلة القدر من شهر رمضان ، ويوم عرفة ، ويوم عيد الفطر ، ويوم عيد الأضحى وغيرها تمتلئ فيها مدينة كربلاء بالزائرين من الشيعة والقادمين إليها من كلّ مكان .

وهذه الظاهرة ليست جديدة عند الشيعة ، وإنّما هي سنّة مستمرة بينهم منذ تاريخ قتل الحسين (عليه السّلام) ، ومنذ سنة إحدى وستين هجرية حتّى الآن ، وقد حافظوا على


الصفحة (142)

القيام بزيارة قبر الحسين بكلّ إمكانياتهم ، وقابلوا لأدائها تحدّيات جمّة كلّفتهم الأموال والأنفس في كلّ من العهدين المشؤومين الاُموي والعباسي .

والآن وفي عصرنا يوجد أناس يتساءلون : ما هو الغرض العقلائي من زيارة قبر الحسين ، وخاصّة إذا كانت الزيارة تستلزم شدّ الرحال ، وتجشّم عناء السفر ، وصرف الأموال ؟

نقول : إنّ زيارة قبر الحسين (عليه السّلام) خير موضوع ، فمَنْ شاء استقل ومَنْ شاء استكثر على حدّ تعبير الإمام الصادق (عليه السّلام) . أجل ، إنّه عمل صالح وموضوع حسن ومحبوب عقلاً وشرعاً ؛ أمّا حسنه من الناحية العقلية : فلأنّ تقديس العظماء وتمجيد الأبطال بعد موتهم نزعة فطرية وسنّة عقلائيّة سائدة في كافة أنحاء العالم ، وبين جميع الأمم والشعوب العلميّة والحضارات الإنسانية منذ أقدم العصور وإلى يومنا هذا ، بل إنّ عصرنا هذا وجيلنا الحاضر هو أكثر تمسّكاً وأشدّ محافظة على هذا التقليد من السابق .

فترى بعض الدول التي ليس لها زعيم سابق معروف وبطل عالمي شهير تمجّد فيه البطولة والفداء في سبيل الاُمّة يعمدون إلى بناء نصب تذكاري يسمّونه (الجندي المجهول) ، يرمزون به إلى التضحية الفذّة والفداء المثالي في سبيل الوطن ، ويمجّدون فيه البطولة والشهامة .

وها نحن نسمع ونقرأ ونرى إنّه ما من رئيس دولة زار أو يزور دولة اُخرى في الشرق أو في الغرب إلاّ وكان في برامج زيارته موعد خاص لزيارة ضريح عظيم تلك الدولة أو مؤسسها أو محرّرها ، أو زيارة النصب التذكاري فيها للجندي المجهول ، فيضع على ذلك الضريح أو ذلك النصب إكليلاً من الزهور ويؤدي التحيّة المرسومة .

حتى الدول الشيوعية التي نبذت كلّ التقاليد العامّة والمراسيم القديمة فإنّهم لا يزالون محتفظين بهذا التقليد ، ولا يمكن أن يزور زائر رسمي زيارة رسمية للاتحاد السوفياتي ما لم يقصد قبر لينين ، مفجّر الثورة الشيوعية في روسيا ، ويؤدي التحيّة لقبره .

وممّا يذكر بهذه المناسبة أنّ من مراسيم الأعياد عند أهالي


الصفحة (143)

موسكو أن يزوروا ضريح لينين كلّ عيد وفي كلّ مناسبة . وفي الولايات المتّحدة الأمريكية لا يزال ضريح الرئيس جون كندي القتيل يزار من قِبَلِ آلاف الأمريكان في الأعياد والمناسبات ، وربّما يبكون عليه أحياناً .

والخلاصة هي : إنّ زيارة قبور الأبطال ومراقد العظماء وأضرحة الشهداء سيرة عقلائيّة وسنة إنسانية ، لا تخصّ قوماً أو اُمّة أو طائفة ، فلماذا يُلام الشيعة أو ينتقدون إذا زاروا مرقد الإمام الحسين (عليه السّلام) بكربلاء وهو سيّد الشهداء الأحرار ، وقدوة القادة الأبطال ، والمثل الأعلى لرجال الإصلاح والفداء في العالم ، الذي أنقذ اُمّته من خطر المحو والزوال ، ودفع بها نحو الأمام والسير على الطريق المستقيم بعد أن كلّفه ذلك جميع ما ملك في هذه الحياة ؟!

ففي زيارة قبر الحسين (عليه السّلام) من المكاسب الروحيّة والفوائد الفكريّة والأخلاقيّة ما ليس مثلها في زيارة أيّ مرقد وضريح آخر ؛ ولذا قال الإمام الصادق (عليه السّلام) : (( مَنْ زار الحسين (عليه السّلام) عارفاً بحقّه فكأنّما زار الله في عرشه )) . وفي حديث آخر عنه (عليه السّلام) قال : (( زيارة الحسين (عليه السّلام) فرض على كلّ مَنْ يؤمن للحسين (عليه السّلام) بالولاية )) .

ألا ترى الشعوب غير المسلمة تنحت الصور ، وتقيم التماثيل لرجالها المصلحين في الساحات العامّة والمواقع الحساسة من مدنها ؟ لماذا يصنعون ذلك ؟ لا شك أنّك تعرف أنّهم يفعلون ذلك تكريماً لذكراهم ، وشكراً لتضحياتهم ، وتلقيناً لسيرتهم وعملهم إلى الشباب الحاضر والأجيال القادمة ، غير أنّ الإسلام يحرّم النحت وصنع التماثيل مطلقاً ، ولأيّ شخص كان .

فلذا ليس أمامنا نحن المسلمين لأجل تكريم زعمائنا المخلصين وشهداءنا الأحرار ؛ لأجل الإعراب عن شكرنا لهم ، ولأجل تلقين أجيالنا الطالعة سيرتهم ومبادئهم ، إلاّ زيارة قبورهم ، والوقوف أمام مراقدهم خاشعين مستوحين منها ذكريات التضحية والفداء في سبيل المصلحة العامّة .

هذا منطق الشيعة وفلسفتها لهذه الظاهرة ، وهو كما تراه منطق العقل في كلّ زمان ومكان .


الصفحة (144)

وفي الختام : إليك نبذة من كتاب (أبو الشهداء) للعقاد حول هذا الموضوع قال : وشاءت المصادفات أنْ يُساق ركب الحسين (عليه السّلام) إلى كربلاء بعد أنْ حيل بينه وبين كلّ وجهة اُخرى ، فاقترن تاريخها منذ ذلك اليوم بتاريخ الإسلام كلّه ، ومن حقّه أنْ يقترن بتاريخ بني الإنسان حيثما عرفت لهذا الإنسان فضيلة يستحق بها التنويه والتخليد .

فهي ـ أي كربلاء ـ اليوم حرم يزوره المسلمون للعبرة والذكرى ، ويزوره غير المسلمين للنظر والمشاهدة ، ولكنّها ـ أي كربلاء ـ لو أُعطيت حقّها من التنويه والتخليد لحقّ لها أنْ تُصبح مزاراً لكلّ آدمي يعرف لبني نوعه نصيباً من القداسة وحظّاً من الفضيلة ؛ لأنّنا لا نذكر بقعة من بقاع هذه الأرض يقترن اسمها بجملة من الفضائل والمناقب أسمى وألزم لنوع الإنسان من تلك التي اقترنت باسم كربلاء بعد مصرع الحسين (عليه السّلام) فيها .

فكلّ صفة من تلك الصفات العلويّة التي بها الإنسان إنسان ، وبغيرها لا يحسب إلاّ ضرباً من الحيوان السائم ، فهي مقرونة في الذاكرة بأيّام الحسين (عليه السّلام) في تلك البقعة الجرداء(1) . انتهى محلّ الشاهد من كلام العقاد .

وقد التزم أهل البيت (عليهم السّلام) وشيعتهم بالحفاظ على زيارة الحسين (عليه السّلام) في ظروف صعبة وشاقّة ، وقد كلّفتهم تضحيات غالية ؛ ففي عصر المتوكّل العباسي مثلاً فرضت ضريبة مالية قدرها ألف دينار من ذهب على كلّ شخص يرد كربلاء لزيارة قبر الحسين (عليه السّلام) ، ولمّا رأت السلطات العباسيّة أنّ هذه الضريبة الباهظة لم تمنع الناس من زيارة الحسين (عليه السّلام) أضافوا إليها ضريبة دموية ، فكانوا يقتلون من كلّ عشرة زائرين واحداً يعيّن من بينهم بطريق القرعة .

وكان أئمّة أهل البيت (عليهم السّلام) يعلمون ذلك كلّه ولم يمنعوا الناس من زيارة الحسين (عليه السّلام) لما فيها من مكاسب روحية واجتماعية وسياسية للمؤمنين ، بل يحثّونهم على الاستمرار في زيارة قبر الحسين (عليه السّلام) رغم كلّ الصعاب والعقبات ، ويقولون لهم إنّ لزائر قبر الحسين (عليه السّلام) بكلّ خطوة يخطوها حسنة عند الله سبحانه .

ـــــــــــــــــ
(1) أبو الشهداء الحسين بن علي / 129 .

 

 

الصفحة (145)

هل في مراسيم عاشوراء عمل حرام شرعاً ؟

أكثر ما يثير الاستغراب والتساؤل في مظاهر عاشوراء عند الشيعة هو ما يقوم به بعضهم من مظاهر عزائية قاسية تتصف بالعنف أحياناً ، مثل اللطم على الصدور العارية ، والضرب على الظهور والأكتاف المجرّدة بالسلاسل الحديدية الجارحة ، وإدماء الرؤوس بالسيوف ، وغير ذلك ممّا يثير الاستغراب لدى البعض ، بل يثير الاستهجان والانتقاد لدى البعض الآخر ، ويتساءلون : لماذا يفعل هؤلاء هكذا بأنفسهم ؟ ولماذا لا يمنعهم العلماء ورجال الدين ؟ وهل أنّ هذه الأعمال جائزة شرعاً وصحيحة بحسب العرف العقلائي ؟

والجواب على هذا السؤال هو : إنّ تلك الأعمال من حيث الأصل مباحة شرعاً إذا كان القيام بها لهدف مشروع وغرض عقلائي ، ولم يترتّب عليها ضرر كبير أو خطر على حياة الإنسان . هذا ما يقوله العلماء مراجع التقليد العُليا في كلّ زمان ومكان .

هذا من حيث الأصل ، وأمّا قيام الشيعة بها في عاشوراء فهو أولاً : لأغراض عقلائيّة مشروعة ، وبدافع الحبّ والولاء الشديد للحسين (عليه السّلام) ؛ فهم بتلك الأعمال يعبّرون عن تأسّيهم بالحسين (عليه السّلام) ، ومواساتهم له في تحمّل ألم الجراح وجريان الدماء ، وفي نفس الوقت يمثّلون بها دور العمل الفدائي في سبيل قضية الحسين (عليه السّلام) التي استشهد دفاعاً


الصفحة (146)

عنها ، ويظهرون استعدادهم للتضحية من أجلها بكلّ غال وعزيز .

بالإضافة إلى أنّها ـ أي تلك الأعمال ـ عندهم كتظاهرة كبرى ضد أعداء الحسين (عليه السّلام) الذين يخطّئون الحسين (عليه السّلام) في قيامه ضدّ الدولة الاُمويّة ، ويبررون إقدام يزيد على قتل الحسين (عليه السّلام) ، وهؤلاء موجودون بيننا وفي عصرنا بكثرة .

ومن جهةٍ اُخرى : هي كتأييد عملي ودعم شعبي لثورته المقدّسة ، وبالتالي هي استنكار صارخ للظلم والعدوان ، وتأييد للتحرر والإصلاح في كلّ زمان ومكان . كيف لا ومظاهر القسوة والعنف في أعمال الاحتجاج أمر متداول في عصرنا هذا ؟! فكم نسمع عن أشخاص أحرقوا أنفسهم حتّى الموت ، وأضربوا عن الطعام حتّى أشرفوا على الموت ، كلّ ذلك احتجاجاً على ظلم أو اعتداء فلم يسخر منهم شباب العصر ، بل يعتبرونهم بذلك أبطالاً مناضلين ، ولكن إذا قام شيعة أهل البيت بما هو أقل من ذلك وأبسط اتّهموا بالسخف والرجعية والوحشية . . . لماذا ؟

أضف إلى ذلك أنّ قيامهم بتلك الأعمال هو بمثابة تدريب وتمرين على خلق الروح النضالية ، وعلى عمل التضحية والاستشهاد عندهم ؛ ليكونوا دائماً وأبداً على استعداد تام لتلبية نداء الحقّ ، وداعية الثورة الإصلاحية العلميّة في أي وقت .

لا شك أنّ الروح النضالية الفعّالة والمعنوية العسكرية الراقية لا تتحقّقان لدى شباب الاُمّة بمجرد بعض التمارين الخالية الجوفاء ، والتمثيليات الفارغة التي لا تخلق سوى جيشاً انهزامياً فرّاراً غير كرارٍ ، يصدق عليهم قول الشاعر العربي القديم :

وفي الغزواتِ ما جرّبتُ نفسي         ولكنْ في الهزيمة كالغزالِ

ويصدق عليهم قوله تعالى : ( إِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنّهُمْ خُشُبٌ مُسَنّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوّ )(1) .

أجل ، إنّ الاستهانة بالموت تحتاج إلى تهيُّؤ وتدريب جدّي ، وتمارين شاقّة خشنة ، وإلاّ فالواقع ما قاله البطل الثائر زيد بن علي بن الحسين (عليه السّلام) : ما كره قوم حرّ السيف إلاّ ذلّوا .

ــــــــــــــــ
(1) سورة المنافِقُون / 4 .

الصفحة (147)

والخلاصة : هي أنّ هذه دوافع الشيعة وأهدافهم لدى قيامهم بتلك الأعمال في عاشوراء ، وهي كما تراها دوافع مشروعة وأهداف عقلائيّة نافعة .

هذا مع العلم بأنّهم لا يرون فيها ضرراً ولا يحسون منها خطراً على صحتهم ولا على حياتهم ، حسب ما يؤكدونه هم أنفسهم القائمون بتلك الأعمال ، وحسب ما يشاهد منهم بالوجدان ، بل الثابت منهم وعنهم عكس ذلك ، أي إنّهم قد يستفيدون من بعضها فوائد صحية .

نعم ، قد تقع بعض الأخطاء من قبل بعض القائمين بتلك الأعمال ، أو من بعض المشرفين عليها فتؤدي عفواًَ إلى بعض الأضرار البسيطة ، وذلك نادراً والنادر الشاذ لا يُقاس عليه . أمّا إذا أيقن أحد بحصول ضرر بالغ على نفسه من تلك الأعمال فلا يجوز له خاصة أن يقوم بها حتماً .

هذه خلاصة وجه نظر الشيعة ورأي علمائهم الكبار ، والمطابقة لفتاوى مراجعهم العُليا في النجف الأشرف وغيرها منذ خمسين عاماً أو أكثر حتّى اليوم . وتلك الفتاوى مجموعة ومدوّنة مع ذكر تواريخها وبنصوصها التفصيليّة في ضمن بعض الكتب المؤلّفة حول موضوع الشعائر الحسينية ، أو في كراسات خاصّة مطبوعة يمكنك الاطّلاع عليها إذا شئت .

ولا أعلم مرجعاً دينياً من مراجع التقليد عند الشيعة سُئل عن حكم هذه الأعمال العزائية في عاشوراء إلاّ وأجاب بالجواز والمشروعية ، هذا مع العلم بأنّ هذه الأعمال كانت تجري ويقوم بها الشيعة أيّام عاشوراء منذ قديم الزمان ، وتحت سمع وبصر كبار العلماء السابقين أرباب الكلمة النافذة واليد المبسوطة أمثال الشيخ المفيد ، والكليني ، والصدوق ، والسيد المرتضى ، والسيد الرضي ، والشيخ الطوسي ، والسيد مهدي بحر العلوم الكبير ، والشيخ جعفر الكبير ، والشيخ الأنصاري . . . وهكذا إلى عصرنا هذا أمثال الميرزا النائيني ، والسيد أبي الحسن ، والشيخ كاشف الغطاء ، والسيد الحكيم ، وغيرهم ، فكانوا يؤيّدون تلك الأعمال ويدعمونها ماديّاً ومعنويّاً .

وفي هذا دلالة كافية على جواز تلك الأعمال ومحبوبيتها شرعاً ، وفيه أيضاً قناعة كافية لمَنْ يطلب الحقّ ومعرفة الواقع بدون تعنّت وتصلّب واستبداد في الرأي .


الصفحة (148)

أمّا الناقدون والمعارضون لتلك الأعمال العزائية فليس عندهم سند منطقي ، ولا قاعدة عامّة عقلائيّة يصح الاستدلال بها في معارضتهم لها ، فإنّهم يقولون مثلاً : إنّ القيام بهذه الأعمال توجب السخرية والاستهزاء بهم من قبل الأجانب .

ونقول في الجواب : إنّ السخرية والاستهزاء والاشمئزاز من قبل بعض الناس على عمل ما لا يثبت فساد ذلك العمل ، ولا يقتضي تركه لمجرد ذلك ، ولا توجد قاعدة عقلائيّة تقول : إنّ كلّ عمل أثار السخرية من قبل شخص أو أشخاص فذلك العمل باطل فاسد يجب تركه ؛ لا لشيء سوى استهزاء بعض الأشخاص البعيدين عن معرفته وحقيقته .

ولا يوجد عاقل في العالم يؤمن بأنّ محض السخرية ومجرّد الاستهزاء بشيءٍ ما سبب كاف وعلّة تامة لفساد ذلك الشيء ؛ إذ لو كان الأمر هكذا لوجب على رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في بدء الدعوة أنْ يترك الرسالة والدعوة إلى الإسلام ؛ لأنّ قريش صارت تستهزئ به ، وتسخر من دعوته ، وتشمئز منه لذلك ، أو لوجب عليه أنْ يترك الصلاة على الأقل ؛ لأنّها كانت أكثر ما في الإسلام إثارة لسخرية المشركين واستهزائهم منه بها .

فهل ترك الصلاة ؟ طبعاً كلاّ ، بل أقول لو كان مجرّد استهزاء البعض على القيام بعمل ما يبرّر تركه ، لكان يلزمنا نحن المصلّين في هذا العصر أن نترك الصلاة ؛ لأنّها أصبحت موضع سخرية واستهزاء من قِبل أكثر الشباب والمتمدنين من أهل زماننا هذا ، فهل يصح تركها لذلك خوف أن يُقال لنا رجعيين ؟!

وها هو الحجاب للمرأة أصبح عيباً وعاراً ، ومدعاة للسخرية والاتّهام بالرجعية ، فهل صار حراماً وخلعه واجباً أو جائزاً شرعاً لذلك ؟! وها هي أكثرية النساء في البلاد الإسلاميّة قد خلعن حجابهم وبرزن سافرات ، فهل أحسنَّ بهذا صنعاً ؟!

وأعود فأكرر القول : بأنّ مجرّد استهزاءٍ ومحض سخرية تصدر من أُناس على أفعال وأعمال أُناس آخرين لا يبرر الحكم على تلك الأعمال بالفساد والسوء حتّى يثبت فساد تلك الأعمال من حيث العوامل والنتائج .

فإذا كان العمل صحيح العوامل والأسباب ، وصحيح النتائج والثمرات بشكل عام فحينئذ الاستهزاء


الصفحة (149)

به كهواء في شبك : ( فَأَمّا الزّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمّا مَا يَنفَعُ النّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ )(1) .

وإنّني إذ أقول هذا لا أستبعد أن يكون أكثر هؤلاء المنتقدين للشعائر الشيعيّة الحسينية قد وقعوا تحت تأثير الدعاية الاُمويّة من حيث يشعرون أو لا يشعرون . تلك الدعاية التي نشطت بشكل ملحوظ في السنوات الأخيرة في كثير من البلدان الشيعية ؛ وبقصد القضاء نهائياً على كلّ أثر من ذكر ثورة الحسين (عليه السّلام) ؛ علماً منهم بأنّ هذه الذكرى هي الوسيلة الوحيدة الباقية للدعوة الصادقة المخلصة إلى الحقّ ومكافحة الباطل .

من إحياء ذكرى الحسين فقط ترتفع أصوات المعارضة الصحيحة ضد الظلم والظالمين ، ومن هذه الذكرى تنطلق الأضواء الكاشفة فتتسلّط على كلّ زوايا المجتمع ومنعطفات طريق السعادة الاجتماعية ؛ لتلفت أنظار الناس إلى ما أمامها من أخطار وعقبات فيتجنبونها ويواصلون سيرهم بسلام آمنين .

أيّها القارئ الكريم : إنّ ساحة كربلاء يوم العاشر من المحرّم سنة (61) هجريّة كانت أشبه بمسرح تمثيل ؛ في جانب منه قام الحسين (عليه السّلام) وأصحابه بتمثيل أروع دور لمثاليّة الإنسان ، وأسمى ما يمكن أن يرتفع إليه بروحه وخلقه وأريحيته ، بحيث لا يبقى في الوجود ما هو أشرف منه وأفضل سوى خالقه العظيم .

وفي الطرف الآخر قام أعداء الحسين (عليه السّلام) بتمثيل أدنى وأسفل درك من الحضيض يمكن أن يتدنّى إليه ويهوي فيه هذا البشر من اللؤم والخبث والقسوة والأنانيّة ، بحيث يندى منه جبين الوحش ولا يبقى في الوجود ما هو شرّ منه ولا أسوأ مطلقاً . ولا تزال حوادث تلك المعركة هي المعالم الواضحة ، والحدّ الفاصل ، والسمات الظاهرة بين الحقّ والباطل ، وهي المقياس الدقيق لمعرفة الخير من الشرّ إلى أبد الآبدين .

أجل ، إنّ معركة كربلاء لم تنتهي بنهاية يوم العاشر من المحرّم ، بل هي لا تزال قائمة بصورها المختلفة وأحجامها العديدة ، وفصولها المتغيّرة في كلّ زمان

ــــــــــــ
(1) سورة الرعد / 17 .

الصفحة (150)

ومكان ، وما دام في الحياة خير وشر وحق وباطل . وما أحسن تصوير الشاعر لهذا المعنى في معركة كربلاء حيث قال :

 كأنّ كلّ مكانٍ كربلاء لدى         عيني وكلّ زمانٍ يوم عاشوراء

فالحسين (عليه السّلام) من وجهة نظر الشيعة ، وكل الخبراء في العالم إنّما هو رمز الخير والعدل ، والديمقراطيّة الحقّة والعدالة الاجتماعية ، والاُمويّون هم رمز الرذيلة والجور ، والاستبداد والظلم الاجتماعي . وكلّ الأعمال العزائية التي يقوم بها الشيعة أيّام عاشوراء إنّما يعبّرون بها عن دعمهم وتأييدهم للخير والعدل والحقّ ، واستنكارهم وكرههم للظلم والباطل .

وهذا دليل على وعيهم الاجتماعي ونضجهم السياسي الكامل حسب ما يؤكّده الباحثون ، وحسبما هو واضح من ثوراتهم التحرريّة عبر تاريخهم الطويل والمليء بالتضحيات .


الصفحة (151)

متى بـدأت أعمال الاحتفال بذكرى عاشوراء ؟

قد يتوهّم البعض أنّ شعائر الذكرى في عاشوراء المتداولة لدى الشيعة اليوم إنّما هي أمور مستحدثة ودخيلة لا أصل لها في العصور الإسلاميّة الأولى ، وبالتالي فهي من دسائس المغرضين والدخلاء الذين يضمرون الشرّ بالإسلام والمسلمين .

فأقول لهؤلاء : إنّ هذا الوهم خطأ لا يدعمه إلاّ الجهل بحقائق التاريخ وحوادث الماضي البعيد ، ولا يبعد أن يكون هذا التوهّم بذاته من وحي الدسّاسين وتلقين المغرضين أعداء الشيعة والتشيّع .

أمّا إقامة مظاهر الحداد والاحتفال لذكرى عاشوراء فهي قديمة جدّاً قدم مأساة عاشوراء بالذات ، حيث بدأت مجالس العزاء والاجتماعات للنوح والبكاء على مأساة الحسين (عليه السّلام) بعد مرور أيّام قليلة على مصرع الحسين (عليه السّلام) ؛ وذلك بتوافد أهل الضواحي والسواد إلى كربلاء بعد رحيل الجيش ، واجتماعهم رجالاً ونساءً حول قبر الحسين (عليه السّلام) .

ولمّا عاد الإمام زين العابدين (عليه السّلام) من الشام إلى كربلاء يوم الأربعين وجد أهل السواد مجتمعين حول قبر الحسين وقبور الشهداء بالحزن والحداد ، فاستقبلوه بالبكاء والعويل ، يتقدّمهم الصحابي الجليل جابر بن عبد الله الأنصاري (رحمه الله تعالى) .

ولمّا عاد أهل البيت (عليهم السّلام) إلى المدينة المنوّرة استقبلهم الناس بالحداد والأسى ، والنوح والبكاء ، وضجّت المدينة في ذلك اليوم


الصفحة (152)

 ضجّة واحدة ، حتّى صار ذلك اليوم كيوم مات فيه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) . ثمّ أُقيمت مجالس العزاء في أنحاء المدينة وخاصّة في حي بني هاشم ، فكان مجلس الإمام زين العابدين (عليه السّلام) ، ومجلس العقيلة زينب ، ومجلس الرباب زوجة الحسين (عليهم السّلام) ، ومجلس اُمّ البنين اُمّ العباس بن علي (عليه السّلام) وغيرها تملأ أجواء المدينة بالكآبة والحزن والحداد .

وكان الإمام زين العابدين (عليه السّلام) يغتنم كلّ فرصة لإثارة العواطف ، وإحياء ذكر المأساة في نفوس الجماهير ، فمن ذلك مثلاً : مرّ ذات يوم في سوق المدينة على جزّار بيده شاة يجرّها إلى الذبح ، فناداه الإمام (عليه السّلام) : (( يا هذا ، هل سقيتها الماء ؟ )) .

فقال الجزار : نعم يابن رسول الله ، نحن معاشر الجزارين لا نذبح الشاة حتّى نسقيها الماء . فبكى الإمام (عليه السّلام) وصاح : (( وا لهفاه عليك أبا عبد الله ! الشاة لا تُذبح حتّى تُسقى الماء ، وأنت ابن رسول الله تُذبح عطشان )) .

وسمع (عليه السّلام) ذات يوم رجلاً ينادي في السوق : أيّها الناس ، ارحموني أنا رجل غريب . فتوجّه إليه الإمام (عليه السّلام) وقال له : (( لو قدّر لك أن تموت في هذه البلدة فهل تبقى بلا دفن ؟ )) . فقال الرجل : الله أكبر ! كيف أبقى بلا دفن وأنا رجل مسلم ، وبين ظهراني اُمّة مسلمة ؟! فبكى الإمام زين العابدين (عليه السّلام) وقال : (( وا أسفاه عليك يا أبتاه ! تبقى ثلاثة أيّام بلا دفن وأنت ابن بنت رسول الله (صلّى الله عليه وآله ) ! )) .

 واستمر أئمّة الهدى (عليهم السّلام) يحثّون شيعتهم على التمسّك بإحياء ذكرى عاشوراء رغم الإرهاب والضغط الذي مارسه الحكّام ضدّهم . وكانوا هم (صلوات الله عليهم) يفتحون أبوابهم للشعراء والمعزّين أيّام عاشوراء منذ عصر الإمامين الباقر والصادق (عليهما السّلام) حتّى عصر الإمام علي الرضا (عليه السّلام) في عهد المأمون العباسي ، الذي توسّعت فيه شعائر الحسين (عليه السّلام) ، وانتشرت مجالس العزاء أيّام عاشوراء بتأييد من الإمام الرضا (عليه السّلام) ودعم من المأمون .


الصفحة (153)

فكانت دار الإمام الرضا (عليه السّلام) في أيّام عاشوراء تزدحم بالناس يستمعون فيها إلى رثاء الحسين (عليه السّلام) ، وكلمات الحثّ والتشويق والتشجيع من الإمام (عليه السّلام) ، فكان من أقواله المأثورة : (( إنّ أهل الجاهليّة كانوا يعظّمون شهر المحرّم ، ويحرّمون الظلم والقتال فيه ؛ لحرمته ، ولكن هذه الاُمّة ما عرفت حرمة شهرها ولا حرمة نبيّها ، فقتلوا في هذا الشهر أبناءه ، وسبوا نساءه ، فعلى مثل الحسين فليبكي الباكون ؛ فإنّ البكاء عليه يحطّ الذنوب )) .

ولم تزل شعائر عاشوراء تزداد وتتّسع بما تلاقيه من الدعم والتأييد المعنوي من قبل أهل البيت (عليه السّلام) ، والعلماء الأعلام في كلّ الأوساط الشيعية حتّى قامت الدولة الحمدانية الشيعية فأعطت شعائر عاشوراء قدراً كبيراً من الدعم والتأييد ، ثمّ قامت الدولة البويهية الموالية لأهل البيت (عليهم السّلام) فوسّعوا ذكرى عاشوراء وأعطوها صفة رسميّة تعطّل من أجلها الأسواق والأعمال والدوائر الحكومية ، وتخرج المواكب العزائية بالأعلام السود وشارات الحداد تحت رعاية وإشراف كبار العلماء وأقطاب رجال الدين .

فكانت بغداد مثلاً في عهد عضو الدولة الحسن بن بويه الديلمي تخرج على بكرة أبيها يوم العاشر من المحرّم في مواكب عزائية ضخمة يتقدّمها رجال الدين والدولة ، ولمّا قامت الدولة الفاطمية في مصر والمغرب العربي انتقلت شعائر عاشوراء إلى تلك الأقطار ودامت حوالي القرنين من الزمن إلى أنْ قضى عليها الأيوبي بالقهر والإكراه .

ثمّ لمّا قامت الدولة الصفويّة وملوكها علويّون نسباً ينحدرون من سلالة الإمام السابع موسى الكاظم (عليه السّلام) , أيّدوا شعائر عاشوراء ووسّعوها ، ومثّلوا واقعة كربلاء تمثيلاً حيّاً تحت رعاية وتوجيه علماء الطائفة ومراجع التقليد ، أمثال العلاّمة الحلّي ، والمحقّق المجلسي وغيرهما (رضوان الله عليهم أجمعين) .

وهذا التمثيل له جذور في سيرة الأئمة المعصومين (عليهم السّلام) ؛ فإنّه قد أُخذ من حيث الأصل من ظاهرة وردت في مجلس الإمام جعفر بن محمد الصادق (عليه السّلام)


الصفحة (154)

أيّام عاشوراء ، فقد حدّث شاعر أهل البيت الكميت بن زيد الأسدي (رحمه الله) قال : دخلت على أبي عبد الله الصادق (عليه السّلام) يوم عاشوراء ، فأنشدته قصيدة في جدّه الحسين (عليه السّلام) فبكى وبكى الحاضرون ، وكان قد ضرب ستراً في المجلس وأجلس خلفه الفاطميات ، فبينما أنا أنشد والإمام يبكي إذ خرجت جارية من وراء الستار وعلى يدها طفل رضيع مقمّط ، حتّى وضعته في حجر الإمام الصادق (عليه السّلام) ، فلمّا نظر الإمام إلى ذلك الطفل اشتّد بكاؤه وعلا نحيبه ، وكذلك الحاضرون .

ومعلوم أنّ إرسال الفاطميات لذلك الطفل في تلك الحال ما هو إلاّ بقصد تمثيل طفل الحسين (عليه السّلام) الذي ذُبح على صدر أبيه بسهم حرملة (لعنه الله) يوم العاشر من المحرّم ، وهو عبد الله الرضيع ، وغيره من الأطفال الذين قتلوا في ذلك اليوم .

والخلاصة هي : إنّ إحياء ذكرى عاشوراء قديم عند الشيعة قدم المأساة نفسها فما زال أهل البيت وشيعتهم يحتفلون بذكرى تلك المأساة الفريدة من نوعها منذ السنة الأولى لقتل الحسين (عليه السّلام) وإلى اليوم ، يحدوهم لذلك الحبّ والولاء للحسين (عليه السّلام) أولاً ، ثمّ خدمة الدين والدعوة إلى الحقّ وتركيز المفاهيم الإنسانية لدى النشء ثانياً .

والله من وراء القصد وهو والي المؤمنين ، وصدق الأديب الفاضل السيّد جعفر الحلّي (رحمه الله) حيث قال :

فــي  كـلِّ عامٍ لنا بالعشرِ واعيةٌ      تـطبّقُ  الـدورَ والأرجاء والسككا
و  كـلُّ مـسـلـمةٍ ترمي بزينتِها      حتّى السماءَ رمتْ عن وجهها الحُبكا
يـا مـيّـتـاً تـرك الألباب حائرةً      وبـالـعـراءِ ثـلاثـاً جسمُهُ تُركا


الصفحة (155)

لماذا يلتزم الشيعة بالسجود على التربة الحسينية من أرض كربلاء ؟

هذا السؤال كثيراً ما يوجه إلى الشيعة من قبل مخالفيهم منذ القدم وإلى الآن ، وقد لا يحصل المتسائلون على الجواب الشافي والردّ المقنع الصحيح ؛ لأنّ المسؤولين عن هذا السؤال قد لا يكونون من أهل العلم والاختصاص . وطبيعي أن التعرّف على تقاليد الاُمّة وعادات الطائفة يجب أن يكون عن طريق علمائها وكتب عقائدها : ( وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِن أَبْوَابِهِا ) .

والحقيقة هي : إنّ الشيعة لا يلتزمون بالسجود على التربة الحسينية بالخصوص ، بل يلتزمون بالسجود على التربة الطبيعية مطلقاً من أيّ مكان كانت ؛ سواء من أرض كربلاء ، أو من أيّ أرض في العالم ، بشرط أن تكون التربة طاهرة من النجاسة ، ونظيفة من الأوساخ ، وطبيعية أوّلية ، يعني غير مفخورة مثل : الخزف والسمنت والجص وما شاكل . فإذا لم تحصل هذه التربة بهذه الشروط حينئذ يجوّزون السجود على ما تنبته التربة من أنواع النباتات والأخشاب وأوراق الأشجار ممّا لا يؤكل ولا يلبس عادة .

فالمأكول من النبات كالفواكه والخضر وما شاكلها التي يأكل منها الإنسان عادة، وعرفاً لا يصح السجود عليها ، وكذلك الأعشاب التي يصنع منها بعض الملبوسات عادة ، كالحرير الصناعي والقطن مثلاً .

فأقول : إنّ الشيعة لا يلتزمون بالسجود على التربة الحسينية ، وإنّما يفضلون ويرجّحون السجود عليها فقط حيث يتيسّر لهم السجود عليها .


الصفحة (156)

وإليك الآن الأدلّة التي يستندون إليها في ذلك الالتزام وهذا التفضيل :

أمّا وجوب السجود على الأرض الطبيعية ؛ فلقول الرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله) في الحديث المتواتر بين المسلمين : (( جُعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً )) . فالأرض لغة ـ وحسب مفهومها الحقيقي ـ : هي التراب أو الرمل أو الحجر الطبيعي دون المعادن ، كالذهب والفضة والفحم الحجري وسائر الأحجار الكريمة وغيرها كالجص والإسمنت والآجر وكلّ المفخورات الاُخرى ، ولا يعدل عن هذا المعنى الحقيقي إلى غيره إلاّ بقرينة صارفة واضحة ، ولا يوجد في الحديث مثل تلك القرينة .

وكلمة (مسجد) تعني مكان السجود . والسجود لغة : هو وضع الجبهة على الأرض تعظيماً . وهذا هو معناه الحقيقي الذي لا يعدل عنه إلاّ بقرينة لفظية أو معنوية ، كما في بعض الآيات الكريمة التي جاء فيها كلمة سجود أو مشتقاتها بمعنى الطاعة والانقياد ، أو مطلق التعظيم والاحترام ، مثل قوله تعالى : ( وَالشّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ )(1) . وقوله تعالى : ( للّهِ‏ِ يَسْجُدُ مَن فِي السّماوَاتِ وَالأَرْضِ )(2) . وفي غيرها : ( يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السّماوَاتِ . . . )(3) إلى غير ذلك .

( وطهوراً ) أي مطهّراً . فالأرض الطبيعية تطهّر الإنسان من الحدث عند فقد الماء بالتيمم . قال تعالى : ( فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمّمُوا صَعِيداً طَيّباً . . . ) . أي طاهراً .

والصعيد وجه الأرض مطلقاً أو التراب الخالص ، كما أنّ الأرض تطهّر أيضاً من الخبث كلّ ما لامسها ، مثل : الإناء الذي ولغ فيه الكلب فإنّه يعفّر بالتراب سبعاً ، وباطن الخف إذا مشي به الإنسان على الأرض الطبيعية ، وباطن القدم كذلك وطرف العصا الملامس للأرض وما يشبه ذلك .

فعلى ضوء هذا الحديث يعرف أن السجود لا يصح إلاّ على الأرض الطبيعية الفطرية حسب معناها اللغوي والحقيقي ، وذلك بوضع الجبهة عليها مباشرة بدون حائل بينها وبين الجبهة .

ـــــــــــــــــ
(1) سورة يوسف / 4 .
(2) سورة الرعد / 15 .
(3) سورة الحج / 18 .

الصفحة (157)

نعم ، هذا هو الفرض الإسلامي بالنسبة إلى السجود ، ولكن بما أنّ الأرض الطبيعية الطاهرة النظيفة قد لا تتيّسر للسجود في بعض الأمكنة ، مثل البيوت والمساجد التي غُطي أرضها بالرخام المفخور أو الإسمنت أو ما شاكل ذلك ، أو التي فرش أرضها بالسجاد أو البسط الصوفية أو القطنية أو ما شابهها ممّا لا يصح السجود عليها ؛ لذلك اتّخذ الشيعة أقراصاً من التراب الخالص الطاهر يصنعونها للسجود عليها طاعة لله تعالى وامتثالاً للفرض .

فهذه الأقراص التي يسجد الشيعة عليها ما هي إلاّ جزء من الأرض الطاهرة الطبيعية أُعدت للسجود فقط ؛ تسهيلاً لأداء الفرض الأولي ، فهل تجد في ذلك خلافاً أو منافاة للكتاب والسنة الشريفة ؟!

أترى أيّها القارئ الكريم أنّ السجود على الفرش التي تحت الأقدام والأرجل أحسن من السجود على قطعة طاهرة نظيفة من الأرض التي لم يلامسها شيء سوى جبهة المصلّي فقط ؟

الجواب : طبعاً كلاّ ثمّ كلاّ . إنّ الشيعة بعملهم هذا يجمعون بين أداء الفرض وهو السجود على الأرض الطبيعية ، وبين مراعاة النظافة التي هي من لوازم الإيمان وسمات المؤمن .

وأمّا تفضيل الشيعة لتربة الحسين (عليه السّلام) على غيرها من الأرض ؛ فلأنّها ـ أي تربة الحسين (عليه السّلام) ـ رمز عمق الدلالة على أقدس بقعة وأطهر تربة ، حيث جرى عليها أقدس تضحية في تاريخ بني الإنسان في سبيل الحفاظ على الصلاة وإقامتها ، بل في سبيل الدين وبقائه .

إنّ تربة الحسين تذكّر المصلّي بعظم أهمية الصلاة في الإسلام ومدى تأكّد وجوبها على الإنسان ، ذلك الوجوب الذي لا يسقط عن المسلم بحالٍ إلاّ نادراً . تذكّره بذلك ؛ لأنّ الحسين (عليه السّلام) أقامها في أحرج المواقف ، وأدّاها في أشدّ الحالات .

فصلى صلاة الظهر عند الزوال يوم عاشوراء في ميدان القتال وساحة الحرب ، حيث الأعداء يحيطون به من كلّ جانب يرمونه بالسهام وأصحابه تُصرع من حوله ، ولو لم يقف رجلان من أصحابه أمامه وهما سعيد بن عبد الله الحنفي وزهير بن القين ، اللذان وقفا أمامه يدرآن عنه سهام القوم


الصفحة (158)

لما استطاع الحسين (عليه السّلام) أن يكمل صلاته ، ولصرع في أثنائها كما صرع بعض أصحابه فيها ، منهم : سعيد بن عبد الله الذي سقط إلى الأرض صريعاً ، وقد أصابه ثلاثة عشر سهم . فأيّ عمل يمكن أنْ يعبّر عن أهميّة الصلاة ، ويؤكّد وجوب أدائها على المسلم مهما كانت الظروف والأحوال مثل هذا العمل الذي قام به الحسين (عليه السّلام) ؟

هذا بالإضافة إلى ما يمكن أنْ يستوحيه المصلّي أثناء صلاته من ذكرى الحسين (عليه السّلام) من معاني جمّة وعظيمة ، منها مثلاً تصوّر عظمة الإسلام وأهميّة الدين بشكل عام ، حيث دفع الحسين (عليه السّلام) ثمن بقائه وصيانته غالياًَ جدّاً ، فكشف (عليه السّلام) بذلك عن حقيقة أنّ الدين أثمن وأغلا وأفضل من كلّ ما في الحياة والوجود ، وهو أولى بالبقاء من كلّ شيء ؛ سواء في مقام دوران الأمر بين بقائه أو بقاء غيره ، فالغير أولى بالتضحية به لأجل بقاء الدين .

والسبب في ذلك واضح ، وهو أنّ الحياة بكلّ ما فيها من نعم وخيرات ، وزينة ولذّة من المال والبنين وغيرهما إنّما يستفاد منها حقيقة ، وتكون خير للإنسان وراحة له ولذّة إذا كان المجتمع يسوده الدين ونظام القرآن وشريعة الله تعالى ، يسوده ذلك فكرة وعملاً من حيث العقيدة والسلوك ؛ لأنّه حينئذ فقط يسود الحقّ والعدل ، ويأخذ كلّ ذي حقّ حقّه ، ويؤدي كلّ مسؤول واجبه ولا تظلم نفس شيئاً .

قال سبحانه وتعالى : ( فَمَنِ اتّبَعَ هُدَايَ فَلاَ يَضِلّ وَلاَ يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً )(1) و ( وَلَوْ أَنّ أَهْلَ الْقُرَى‏ آمَنُوا وَاتّقَوا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ من السّماءِ وَالأَرْضِ وَلكِن كَذّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ )(2) .

والخلاصة هي : إنّ الشيعة إنّما يفضلّون السجود على تربة الحسين (عليه السّلام) على غيرها من بقاع الأرض ؛ لأنّ الصلاة في حقيقتها صلة مع الله تعالى وتوجّه إليه ، وتذكّر له وخضوع وخشوع بين يديه . ولا شك أنّ ذكرى سيّد الشهداء أبي عبد الله الحسين (عليه السّلام) خير وسيلة للحصول على أكبر قدر ممكن من تلك الاُمور كلّها ؛ وذلك بسبب السجود على تربته المقدّسة .

ـــــــــــــــــ
(1) سورة طه / 123 ـ 124 .
(2) سورة الأعراف / 96 .

الصفحة (159)

وإلى هنا نكتفي بهذا القدر من الإجابة على هذا السؤال ، وإنْ أردت المزيد من التفصيل فيه فراجع كتاب (الأرض والتربة الحسينية) للمرحوم حجّة الإسلام الشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء (قدس سرّه) .

وفي الختام : أرى من المناسب أن أسجل هنا فقرة من كتاب ( أبو الشهداء )(1) تؤيّد الفقرات الأخيرة . قال العقاد وهو في معرض بيان ما اكتسبته أرض كربلاء من قدسية بسبب الحسين (عليه السّلام) : وليس في نوع الإنسان صفات علويات أنبل ولا ألزم له من الإيمان والفداء ، والإيثار ويقظة الضمير ، وتعظيم الحقّ ورعاية الواجب ، والجلد في المحنة والأنفة من الضيم ، والشجاعة في وجه الموت المحتوم . وهي ومثيلات لها من طرازها هي التي تجلّت في حوادث كربلاء منذ نزل بها ركب الحسين (عليه السّلام) ، ولم تجتمع كلّها ولا تجلّت قط في موطن من مواطن تجلّيها في تلك الحوادث التي جرت في كربلاء .

 فـيا  كربلا طلتِ السماءَ وربّما      تناول  عفواً حظَّ ذي السعي قاعدُ
لأنتِ وإن كنتِ الوضيعةَ نلتِ من      جـوارهم مـا لـم تـنله الفراقدُ

ـــــــــــــــــــ
(1) أبو الشهداء الحسين بن علي / 13 .

 

 

الصفحة (160)

هل يحدث إحياء ذكرى الحسين (عليه السّلام) تفرقة وحزازات طائفيّة بين المسلمين كما يزعم البعض ؟

قد يمرّ هذا السؤال على بعض الخواطر ويرد في أفكار بعض الناس وخاصّة شباب هذا العصر ، الذي نشطت فيه المحاولات الإلحادية وقويت فيه الدعاية ضدّ شعائر الدين ومظاهر الإسلام بكلّ صورها ، وفي مقدّمتها الشعائر الحسينية التي هي من صميم شعائر الله ومظاهر الدين . تلك الشعائر التي من أقوى الوسائل لنشر الوعي السياسي والاجتماعي والأخلاقي بين الأحداث والشباب .

ومن ثمّ نشطت الدعاية المعادية ضدّ هذه الشعائر الحسينية بكافّة أنواعها ؛ من عقد المآتم وتنظيم المواكب وغيرها . وكثيراً ما ترفع ضدّها شعارات مظلّة وخدّاعة باسم الدين ، وبالتظاهر بالحرص على وحدة المسلمين ، والاهتمام باتّفاق كلمتهم وتوحيد صفوفهم أمام العدو المشترك ، فيزعمون أنّ إحياء ذكرى ثورة الحسين (عليه السّلام) ينافي هذا الهدف ؛ بسبب ما تولّده هذه الذكرى من التفرقة الطائفية ؛ لأنّها ـ أي تلك الذكرى ـ تشتمل ـ كما يزعمون ـ على الطعن والتنديد والمسّ بكرامة بعض الصحابة ، وبعض خلفاء المسلمين ، وبعض رجال الاُمّة المحترمين ؛ ولذا يجب ترك هذه الشعائر وعدم إحياء تلك الذكرى حفاظاً على وحدة المسلمين .

هكذا تقول تلك الدعاية اليوم حسب ما نقرأ ونسمع منها بين حين وآخر .


الصفحة (161)

والجواب عليها ببساطة هو أن نقول :

أوّلاً : إنّ ثورة الحسين (عليه السّلام) لم تخدم مصلحة الشيعة فحسب ولا مصلحة المسلمين فحسب ، بل خدمت مصلحة الإنسانية العُليا في كلّ زمان ومكان ، وعليه فالحسين ليس للشيعة فقط ، بل لجميع المسلمين ولكل الناس الخيرين في العالم ، وقد أجمعت كلمة الخبراء والعلماء بكنه ثورة الحسين وحقيقتها على أنّ واجب كلّ شعب وأمّة أن تحيي ذكرى الحسين (عليه السّلام) خدمة لمصلحة أبنائها ، وتربية لشبابها على الشعور بعزّة النفس وإباء الظلم والكرامة الإنسانية في حياتهم . فذكرى ثورة الحسين (عليه السّلام) لا تفرّق ، بل بالعكس توحّد الكلمة على الحقّ والعدل .

ثانياً : إنّ الذي أمر بقتل الحسين (عليه السّلام) هو يزيد بن معاوية البالغ من العمر في ذلك اليوم إحدى وثلاثين عاماً فقط ، وإنّ الذي نفّذ الأمر هو عبيد الله بن زياد (لعنه الله) البالغ من العمر في ذلك اليوم ثمانية وعشرين عاماً ، وإنّ الذي باشر تنفيذ الأمر هو قائد الجيش عمر بن سعد بن أبي وقاص (لعنه الله) البالغ من العمر في ذلك اليوم حوالي خمسة وعشرين عاماً . وهم كما ترى ليسوا من صحابة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بالمعنى المعروف ، أي ليس منهم أحد أدرك الرسول (صلّى الله عليه وآله) وجالسه وسمع حديثه .

فمَنْ هم هؤلاء الصحابة الذين يخشى من الطعن بهم في إحياء ذكرى الحسين (عليه السّلام) ؟! نعم ، ربّما يتعرض في خلال الذكرى إلى معاوية بن أبي سفيان باعتباره مهّد الطريق إلى قتل الحسين (عليه السّلام) عن قصد أو غير قصد بتوليته ابنه على إمارة المسلمين .

ومعاوية معلوم الحال لدى الجميع ، أسلم قبل وفاة الرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله) بخمسة أشهر بعد أن ضاقت عليه الأرض ، وعلم أنّ الإسلام سيعمّ وينتشر فدخل في الإسلام خوفاً وطمعاً ، لا عن عقيدة وإيمان . وكان صعلوكاً مستحقراً لدى المسلمين ، ومعدوداً في المؤلّفة قلوبهم الذين لا يتجاوز الإسلام شفاههم ، ولا يؤمن شرّهم على المسلمين إلاّ بالمال .


الصفحة (162)

والإدعاء بأنّ معاوية كان من كتّاب القرآن بين يدي النبي (صلّى الله عليه وآله) كذب وافتراء ؛ لمْ يوجّه الرسول (صلّى الله عليه وآله) إلى معاوية كتابة أي جزء من الوحي أو آية من القرآن .

نعم ، كان يكتب للرسول (صلّى الله عليه وآله) بعض الرسائل التي كان يرسلها النبي (صلّى الله عليه وآله) إلى الملوك والرؤساء ، وكان المسلمون الواعين في حياة الرسول يزدرون معاوية ويكرهون مجالسته . ولا أشك أنّ المسلمين الواعين في عصرنا هذا ليس فيهم مَنْ يحبّ معاوية ويقدّسه ويحترمه ، وهو يقرأ ويسمع ما شاع وذاع وملأ الآفاق عن بدعه وآثامه وموبقاته إبان ملكه وإمارته .

تلك البدع والآثام التي ختمها بفرض ابنه يزيد الفاسق الماجن الخمّار السكّير فرضه خليفة على المسلمين من بعده ، فقتل آل الرسول (صلّى الله عليه وآله) وأباح مدينة الرسول لجنده ثلاثة أيّام دماء وأموالاً وأعراضاً ، وأخيراً هدم الكعبة وأحرق أستارها .

فالغرض هو : أنّه لا يوجد في ذكرى ثورة الحسين ذكر لصحابة ولا لرجال دين محترمين يخشى أن يطعن فيهم أو تمسّ كرامتهم ، وبالتالي فإنّ هذه الذكرى المقدّسة لا تفرّق بين المسلمين أبداً .

نعم ، تفرّق بين المسلمين والمنافقين الدجّالين الذين هم على طراز معاوية ويزيد وابن زياد وعمر بن سعد . وهذا التفريق يرحّب به كلّ مسلم ويتمنّاه : ( لِيَمِيزَ اللّهُ الْخَبِيثَ من الطّيّبِ ) . وهذه التفرقة هي من ثمرات ذكرى ثورة الحسين بلا شك ، ومن الأهداف المقصودة من إحيائها ، بل ومن أهداف ثورة الحسين (عليه السّلام) بالذات .

ثالثاً : كيف يعقل أن تكون ذكرى ثورة الحسين (عليه السّلام) مفرّقة للصف ، ومشتّتة للوحدة بين المسلمين مع أنّ ثورة الحسين (عليه السّلام) بالذّات ضربت أروع مثال للوحدة بين المسلين ؛ حيث جمعت بين أفراد مختلفين وأشخاص متباينين من حيث العنصر والقومية ، والدين والمذهب ، والوطن والسن والجنس .

وحدّت بينهم الثورة توحيداً كاملاً حتّى جعلتهم وكأنّهم جسم واحد وشخص واحد يتحرّكون


الصفحة (163)

ويعملون وينطقون بإرادة واحدة ويد واحدة ولسان واحد ، وهم أصحاب الحسين (عليه السّلام) الذين كانوا حوالي الثلاثمئة والثلاثة عشر رجلاً .

كان فيهم العربي القرشي والعربي غير القرشي إلى جنب الفارسي والتركي ، والرومي والزنجي ، والمسيحي والمسلم السنّي والمسلم الشيعي ، من أقطار الحجاز والكوفة والبصرة واليمن ، منهم الفقير والغني ، والحرّ والعبد ، والرئيس والمرؤوس من مختلف مراحل العمر ، كالشيخ الكبير ، والكهل ، والشاب ، والمراهق ، والصبي . وكان معهم جملة من النساء من الهاشميات والعربيات يقدّر عددهن بحوالي العشرين امرأة .

أجل ، لقد قدّم الحسين من وحدة أصحابه نموذجاً كاملاً عن الوحدة الإنسانية العلميّة التي ينشدها الإسلام ودعا إليها القرآن ، وثار لأجل تحقيقها سيّد الشهداء أبو عبد الله الحسين (عليه السّلام) ، ومن قبله أبوه الإمام علي (عليه السّلام) الذي هو القدوة المُثلى للمسلمين جميعاً في العمل لوحدة المسلمين ، والحفاظ عليها والتضحية في سبيلها بمصلحته ومصلحة أبنائه ومصلحة شيعته .

صبر على اغتصاب حقوقه وحقوق أهل بيته وشيعته خمساً وعشرين سنة ، مدّة حكم الخلفاء الثلاثة قبله ، ولقد تعاون مع الخلفاء الغاصبين لحقّه في الشؤون العامة ، وخدمة المصلحة العُليا بكلّ إمكاناته وطاقاته حسب ما هو معروف لدى الجميع . . . وكذلك جميع أبنائه الأئمّة الأحد عشر (عليهم السّلام) ، سالموا خلفاء الوقت وسايروا الحكومات الإسلاميّة على حساب مصلحتهم الخاصة وحقوقهم المشروعة ؛ لأجل صيانة الوحدة الإسلاميّة .

والخلاصة هي : إنّه ليس في شعائر الشيعة وذكرياتهم شعار ولا ذكرى تفرّق المسلمين ، أو تورث حزازات طائفية بينهم ، بل إنّ الذي يفرّق ويمزّق صف الوحدة الإسلاميّة ، ويثير الحزازات الطائفية والفتنة بين المسلمين ، هم اُولئك العملاء المأجورين من قبل الاستعمار وأعداء المسلمين الذين ينفثون سموم التفرقة بين حينٍ وآخر ، بواسطة بعض


الصفحة (164)

الكتب أو المقالات ، أو الخطب التي تحمل وتتحامل على الشيعة بالكذب والافتراء ، والتّهم والسبّ والشتم ، ونسبة الكفر والشرك إليهم بكلّ صراحة ووقاحة .

إنّ الذين يفرّقون كلمة المسلمين هم اُولئك الذين يكتبون عن الشيعة أنّهم صنيعة الصهيونية ، ومن أتباع عبد الله بن سبأ اليهودي الذي ابتدع مذهب الشيعة . وعبد الله بن سبأ هذا قد أجمع الخبراء على أنّه اُسطورة خيالية لا وجود له إلاّ في أذهان هؤلاء الذين يريدون التشهير بالشيعة .

إنّ مذهب الشيعة في الإسلام إنّما هو مذهب أهل البيت (عليهم السّلام) الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً . ذلك المذهب الذي يفرض التعاون بين المسلمين جميعاً على البرّ والتقوى ومصلحة الإسلام العُليا . ذلك المذهب الذي يعتبر المسلم أخاًً للمسلم شاء ذلك أمْ أبى . . . . وأخيراً أقول : إنّ الشيعة لا يهاجمون ولا يعتدون ، بل يدافعون عن الحقّ وبالحقّ ، وليس في مذهب التشيّع شيء غير الحقّ .

وممّا يقوله المشاغبون على الشيعة أيضاً : هو أنّ الشيعة شُغلوا بالبكاء والعويل على الحسين (عليه السّلام) عن مصالحهم الحيويّة وقضاياهم المصيريّة ، فتخلّفوا عن ركب العالم علميّاً واقتصاديّاً وصناعيّاً وسياسيّاً .

أقول : إنّ قولهم هذا يذكّرني بقول بعض الملحدين الذين يقولون إنّ المسلمين شُغلوا بالصلاة والصيام والحلال والحرام عن مسايرة ركب التطوّر العالمي ، فظلّوا متخلّفين عن الاُمم الاُخرى .

أجل ، ما أشبه قول المشاغبين عن الشيعة بقول الملحدين عن المسلمين عامّة ، وما أقرب الدوافع والغايات للقولين . تلك الغايات التي تتلخّص بكلمة واحدة


الصفحة (165)

وهي (التشويه) ، فكلّ من القولين مغالطة مفضوحة ، لا تنطلي إلاّ على السذّج من عوام الناس ، وإلاّ فكلّ عاقل عارف يعلم يقيناً أنّ الإسلام بكلّ ما فيه لا دخل له في تخلّف المسلمين مطلقاً ، كما إنّ إحياء ذكرى عاشوراء بكلّ ما فيه لا دخل له في تخلّف الشيعة مطلقاً .

إنّ السبب الأساسي في تخلّف المسلمين عامّة والشيعة خاصّة في العصور الأخيرة هو الاستعمار الكافر بأساليبه وعملائه وسياساته .

وإنْ قلت : مَنْ الذي مكّن العدو المستعمر من السيطرة عليهم واستعمارهم ؟ قلت : هم الحكّام الخونة الذين اغتصبوا السلطة من أصحابها الشرعيين منذ العصور الأولى ، وبعد وفاة الرسول (صلّى الله عليه وآله) على وجه التحديد وإلى اليوم .


الصفحة (166)

استنتاج العبر من ثورة الحسين (عليه السّلام)

أجبنا في الفصول السابقة قدر الإمكان عن أهم النقاط التي يقع التساؤل حولها في ثورة الحسين (عليه السّلام) . يبقى علينا أنْ نعرف : ما هي أهم العبر والدروس التي يمكن أن نستخلصها من تلك الحادثة الفريدة في بابها المليئة بالعظات ؟ والتي منها :

أولاً : صدق القول المأثور : (( ما ضاع حقٌّ وراؤه مطالبٌ )) . يعني أنّ الحقّ ، أيّ حقّ ، لا يضيع بالاغتصاب ، ولا يذهب إلى الأبد بالعدوان إذا كان وراء ذلك الحقّ صوت يرتفع بالمطالبة به وإن كان الصوت ضعيفاًَ ، ودعوة مستمرة لاسترجاعه ولو كانت الدعوة فرديّة . المهمّ عدم السكوت عنه واليأس من حصوله ، هذه هي سنّة الحياة وقانون الطبيعة في كلّ زمان .

وكمثال على ذلك نذكر حقّ أهل البيت (عليهم السّلام) عامّة ، وحقّ علي بن أبي طالب (عليه السّلام) خاصّة ، الذي اغتصب بعد وفاة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) مباشرة وأُنكر إنكاراً كليّاً ، ولكن ما استطاع الغاصبون لحقّه محو ذلك الحقّ واقتلاع الإيمان به من الرأي العام والضمير الإنساني .

فبعد مرور خمس وعشرين عاماً على اغتصاب حقّه (عليه السّلام) قامت ثورة شعبية ضدّ الغاصبين واكتسحتهم عن طريق الإمام (عليه السّلام) ، وحمله الثائرون على الأكتاف حتّى أجلسوه في مجلسه الشرعي ، وأحلوه مقامه الطبيعي وسلّموه حقّه المغتصب .


الصفحة (167)

ومن الجدير بالملاحظة : أنّ الاُمويِّين حاولوا بكلّ الوسائل إخراج علي (عليه السّلام) من قلوب الناس وأفكارهم ، وتحويله عن قمّة المجد والعظمة والمثاليّة ؛ بإعلان سبّه وشتمه ولعنه على المنابر ، والمنع من ذكر فضائله ومكارم أخلاقه ، ثمّ نشر الأكاذيب في الطعن به وتشويه سمعته ، وبمطاردة شيعته ومواليه ومحبيه بالإرهاب ، والقتل والسجن والتشريد والحرمان مدّة نصف قرن أو أكثر ، من عهدهم المشؤوم .

ولكن ما استطاعوا وباؤوا بالفشل الذريع ، وأنتجت محاولاتهم تلك عكس مطلوبهم ؛ فما أن زال كابوس إرهابهم عن الناس حتّى ظهر علي (عليه السّلام) على شاشة القلوب والأفكار كأعظم إنسان مثالي ، وأظهر شخصيّة متكاملة بين مجموعة الأنبياء والصدّيقين ، والأوصياء والقدّيسين من الأولين والآخرين ، ولقد أجمعت كلمة البشريّة جمعاء على حبّه وتقديسه ، والاعتراف بفضله وفضائله .

ويذكر بهذه المناسبة أنّه سُئل أحد الخبراء فقيل له : ما تقول في علي بن أبي طالب ؟ قال : ما أقول في رجل كتم فضائله الأعداء ؛ بغضاً وحسداً ، وكتم فضائله الأولياء ؛ خوفاً وحذراً ، وقد ظهر من بين ذين من فضائله ما ملأ الخافقين .

وقد قامت باسمه وعلى مبدأ الولاية له دول كثيرة في التاريخ ، منها مثلاً : الدولة الحمدانية ، والبويهية ، والفاطمية ، والصفوية ، والقاجارية وغيرها ، حتّى جعلت من اسمه (عليه السّلام) شعاراً لها ترفعه على المآذن في كلّ يوم وليلة في خلال الأذان والإقامة ؛ وذلك بالشهادة له بالولاية والإمامة بعد الشهادتين الواجبتين . ثمّ تستمر هذه الشهادة الثالثة في الأذان كرمز للتشيّع في العالم الشيعي إلى يومنا هذا .

وفي ذات الحسين (عليه السّلام) دليل واضح على صدق مدلول هذه الكلمة : (( ما ضاع حقّ وراؤه مطالب )) . أجل ، ما ضاع ثأر الحسين (عليه السّلام) ولا ذهبت تلك الدماء الزكية هدراً ؛ فلقد ظهر المختار بن أبي عبيدة الثقفي في الكوفة ، البلد الذي قُتل الحسين (عليه السّلام) ، وأخذ يتتبّع الذين خرجوا إلى حرب الحسين (عليه السّلام) أين ما كانوا ، حتّى قتل منهم حوالي ثمانية عشر ألفاً من أصل ثلاثين ألف رجل الذين


الصفحة (168)

قاتلوا الحسين (عليه السّلام) بكربلاء ، وفيهم : عبيد الله بن زياد أمير الكوفة آنذاك ، وعمر بن سعد قائد الجيش الذي خرج إلى حرب الحسين (عليه السّلام) ، والشمر بن ذي الجوشن ، وخولى بن يزيد ، وحرملة بن كاهل وغيرهم من قادة ذاك الجيش ، ونكّل بهم أشدّ تنكيل ، وبعث برؤوس بعضهم إلى المدينة إلى الإمام زين العابدين (عليه السّلام) ومحمد بن الحنفيّة .

وأمّا الذين أفلتوا من يد المختار وهربوا من الكوفة استولى المختار على أموالهم وممتلكاتهم ، وقسّمها بين الفقراء والمنكوبين من بني هاشم وشيعتهم . وهؤلاء الذين هربوا أيضاً لم يفلتوا من العقاب والانتقام ؛ فقد سلّط عليهم أينما حلّوا مَنْ قتلهم وأبادهم ، حتّى لم يمضِ على قتل الحسين (عليه السّلام) سوى بضع سنوات إلاّ وقد فنوا عن آخرهم ، وقطع دابر الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين .

يقول العقاد : وتلك جريرة يوم واحد هو يوم كربلاء ، وإذا بالدولة العريضة تذهب في عمر رجل واحد مديد ، وإذا بالغالب في يوم كربلاء أخسر من المغلوب(1) . كلّ ذلك بفضل المطالبة المستمرة التي كانت قائمة من قبل أهل البيت وشيعتهم بشتّى الصور والوسائل .

ثانياً : ومن تلك العبر والدروس التي تستخلص من ثورة الحسين (عليه السّلام) أيضاً صدق القول المأثور الآخر : (( الظلم لا يدوم )) . وإن تراه أحياناً يستمر عشرات الأعوام ؛ فإنّها قليلة وضئيلة بالنسبة إلى عمر الزمن . ولو قدّر لدولة ظالمة أن تدوم وتستقر على الظلم والعدوان لدامت الدولة السفيانيّة التي أسسها معاوية بن أبي سفيان في الشام مئآت من الأعوام ، ولكنّها زالت بعد هلاك مؤسسها بأربع سنوات فقط ، وقامت على أنقاضها دولة مروانية بعد فترة من الفوضى والانحلال .

والدولة المروانية تختلف عن سابقتها الدولة السفيانية ، وإنّ الجهود التي بذلها معاوية بن أبي سفيان كانت تستهدف بقاء الملك في أسرته آل أبي سفيان عبر مئآت السنين ، ولكن ربَّ ساع لقاعد .

ـــــــــــــــــ
(1) أبو الشهداء الحسين بن علي / 181 .

الصفحة (169)

ولكي تعرف مدى قوة ذلك الملك الذي أقامه معاوية لاُسرته وبنيه ، هاك استمع إلى فقرات من وصيته ساعة موته إلى ولده وخليفته يزيد (لعنه الله) : . . . وأعلم يا بني ، إنّي قد كفيتك الرحلة والترحال ، ووطأت لك الاُمور ، وذلّلت لك الصعاب ، وأخضعت لك رقاب العرب ، وجعلت الملك وما فيه طعمة لك ، وإنّي لا أتخوف عليك فيما استتب لك إلاّ من أربعة . . .

والخلاصة التي لا خلاف حولها هي : أنّ الدولة والحكومة التي خلّفها معاوية بن أبي سفيان كانت حصينة وقويّة إلى أقصى ما يمكن ؛ فقد توفّرت فيها كلّ عناصر البقاء والدوام ما عدا عنصر واحد فقط وهو العدل والحقّ .

وهذا العنصر هو الأصل والأساس لدوام كلّ شيء في هذه الحياة ، خاصّة الدولة ، ( العدل أساس الملك الدائم ) ؛ لذا فلقد انهارت تلك الدولة بأسرع وقت كما سبق ، وذلك عندما تنازل معاوية الثاني ابن يزيد عن العرش دون أن ينصّب أحداً مكانه ، ومات بعد ثلاثة أيام .

وممّا يذكر أنّه رقي المنبر قبل إعلان تنازله عن العرش ، وألقى خطبة بليغة تعرّض فيها لمظالم جدّه معاوية بن أبي سفيان ، ولجرائم أبيه يزيد بن معاوية ، ومآثم آل أبي سفيان ، وأكّد أنّ آل محمد (صلّى الله عليه وآله) أجدر وأحقّ بالخلافة والسلطان .

وممّا قاله في تلك الخطبة : أيّها الناس ، إنّا بُلينا بكم وبليتم بنا ، فما نجهل كراهتكم لنا وطعنكم علينا ، ألا وأنّ جدّي معاوية بن أبي سفيان نازع الأمر مَنْ كان أولى به منه في القرابة من رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وأحقّ في الإسلام ؛ سابق المسلمين ، وأوّل المؤمنين ، وابن عمّ رسول رب العالمين ، وأبا بقية خاتم المرسلين ؛ فركب منكم ما تعلمون وركبتم منه ما لا تنكرون ، حتّى أتته منيته ، وصار رهناً بعمله .

ثمّ قلّد أبي وكان غير خليق للخير ، فركب هواه ، واستحسن خطأه ، وعظّم رجاءه ، فأخلفه الأمل ، وقصر عنه الأجل ؛ فقلّت منعته ، وانقطعت مدّته ، وصار في حفرته رهناً بذنبه وأسيراً بجرمه .


الصفحة (170)

ثمّ بكى وقال : إنّ أعظم الاُمور علينا علمنا بسوء مصرعه وقبح منقلبه ، وقد قتل عترة الرسول (صلّى الله عليه وآله) ، وأباح حرمة المدينة ، وأحرق الكعبة المشرّفة ، وما أنا المتقلّد اُموركم ، ولا المتحمل تبعاتكم ، فشأنكم أمركم ؛ فوالله لئن كانت الدنيا مغنماً فلقد نلنا منها حظّاً ، وإن تكن شرّاً فحسب آل أبي سفيان ما أصابوا منها . ثمّ نزل من على المنبر ودخل داره ، ومات بعد ثلاثة أيّام (رحمة الله عليه) .

وأخيراً وليس آخراً : فإنّ العبر والدروس التي نستفيدها بكلّ وضوح من شهادة الحسين (عليه السّلام) كثيرة ، ونضيف إلى ما قدّمنا منها : (( ما كان لله ينمو )) .

هذا القول المأثور والحكمة البالغة تتجسّد بصورة واضحة في ثورة الحسين (عليه السّلام) ، فإنّها رغم بساطتها وصغر حجمها وقصر مدّتها لكنّها قد اتّسعت أصداؤها وانعكاساتها ، ونمت ردود فعلها على مرور الأيام حتّى أصبحت تعتبر في طليعة الثورات الكبرى التي حولّت سير التاريخ ، وأثّرت في تحرر المجتمع وحفظ كيان الاُمّة أثراً كبيراً ، بل ولقد صار الخبراء والباحثون يؤمنون بأنّها ـ أيّ ثورة الحسين (عليه السّلام) ـ هي الثورة المثاليّة في باب الثورات الإنسانية والإصلاحية والشعبيّة مطلقاً ، وأصبحت ثارات الحسين (عليه السّلام) نداء كلّ ثورة ودولة تريد أن تفتح لها طريقاً إلى إسماع الجماهير وقلوبهم .

وفعلاً ، لقد تأثّر بها أكثر الثائرين في العالم بعد الحسين (عليه السّلام) ، وجعلوا من ثورته وثباته وصلابة عزيمته وصبره وشجاعته ، جعلوا من كلّ تلك الاُمور قدوة مثلى لثوراتهم .

يُقال عن مصعب بن الزبير مثلاً الذي ثار على عبد الملك بن مروان وبقي وحده في المعركة : عُرض عليه الأمان والسلام من قبل عبد الملك فرفض ، وهو يقول : ما ترك الحسين (عليه السّلام) لابن حرّة عذراً . ثمّ تقدّم إلى القتال وحده وقاتل حتّى قُتل .

وكان يتمثّل بقول الشاعر :

 وإنّ الاُلى بالطفِّ من آل هاشمٍ        تأسّوا فسنّـوا للكـرامِ التأسّيـا

وكان من بعض أصدائها القريبة وردود فعلها المباشر ثورة أهل المدينة على سلطان يزيد ، وثورة عبد الله بن الزبير في مكّة المكرّمة ، وثورة المختار الثقفي


الصفحة (171)

في الكوفة ، ثمّ ثورة مصعب بن الزبير في البصرة ، وثورة زيد بن علي وابنه يحيى بن زيد في كلّ من الكوفة وخراسان .

وأمّا انعكاساتها البعيدة فكثيرة أيضاً ، وأهمها ثورة السفّاح التي قضت على الدولة الاُمويّة نهائياً وجاءت بالدولة العباسيّة إلى الوجود . أجل ، إنّ ثورة الحسين (عليه السّلام) رغم بساطتها كما ذكرنا فلقد باركها الله وبارك آثارها وثمراتها ، وتعلّقت إرادته سبحانه بأن تبقى ذكراها خالدة متجدّدة متوسّعة عاماً بعد عام .

وها هي قد مضى عليها ما يُقارب الألف وأربعمئة سنة وذكراها تتجدّد بتزايد ، وتتوسّع في عدّة أقطار إسلاميّة ، وتتعطّل فيها الدوائر الرسميّة والأعمال والأسواق يوم ذكرى ثورة الحسين (عليه السّلام) ، وتحتفل بإحياء هذه الذكرى شعوب كثيرة ، وقوميّات شتى ، وعناصر متعدّدة من البشر ؛ مع العلم بأنّ هذا كلّه على الرغم من العقبات التي وضعها ويضعها المخالفون والمعارضون لتلك الشعائر في طريق إقامتها ، ورغم المحاولات المستمرة التي يبذلونها للقضاء عليها قضاء كلياً ، ولكن : ( إِنّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ )(1) .

نعم ، إنّما هي إرادة الله سبحانه التي تبنّت ذكرى ثورة الحسين (عليه السّلام) وقدرت لها البقاء ؛ لأنّ في بقائها حجّة بالغة ودعوة قائمة إلى طريق الخير والسعادة والشرف والكرامة ، تلك الحجّة وذلك الطريق المتمثلين في العمل الذي قام به الحسين (عليه السّلام) ؛ إيمان بالله ، وحب للإنسانية وتضحية في الدفاع عنها حتّى النصر أو الموت .

والذي نقصده من معنى البساطة في ثورة الحسين (عليه السّلام) هي البساطة من حيث الزمن ، بلحاظ أنّها لم تستغرق سوى بضعة أيّام منذ أن صمّم الحسين (عليه السّلام) على ملاقاة القوم ، وفشلت معهم كلّ الجهود السلمية التي بذلها لحقن الدماء ، ولأجل أن يفسحوا له المجال ليسير في أرض الله العريضة إلى حيث ينتهي به السير ، ويخرج من منطقة نفوذ ابن زياد ، أو ربما يجتمع بيزيد بن معاوية للتفاوض معه حول الخلافة ومصلحة الاُمّة .

وقد جرت منه لهذا الغرض عدّة اجتماعات بينه وبين قائد الجيش عمر بن سعد ، وقد كتب عمر بن سعد باقتراحات الحسين (عليه السّلام) إلى

ـــــــــــــــــ
(1) سورة يس / 82 .

الصفحة (172)

عبيد الله بن زياد والي العراق ، وكاد ابن زياد أن يلين ويوافق على اقتراحات الحسين (عليه السّلام) ، ولكن الشمر بن ذي الجوشن وآخرين من بطانته الذين كان لهم تأثيراً كبيراً عليه حوّلوا رأيه ، وحسّنوا له الاستمرار على حصار الحسين (عليه السّلام) حتّى يستسلم له أو يقاتله .

وكانت النهاية التي انهارت فيها كافة المحاولات السلمية هي يوم التاسع من المحرّم ، لمّا ورد الشمر إلى كربلاء بآخر كتاب من ابن زياد إلى عمر بن سعد يأمره فيه بكلّ تأكيد بأن يغلق باب المحادثات مع الحسين (عليه السّلام) ، ويعرض عليه أحد أمرين فقط : فإمّا الاستسلام وإما الحرب ، ثمّ يأمره أيضاً أن لا يطيل المدّة أكثر ممّا طالت ، وأن يعجّل في أمر الحسين (عليه السّلام) مهما أمكن ؛ حيث علم ابن زياد أنّ الزمن ليس في جانب مصلحته .

وكان الشمر بن ذي الجوشن يحمل أمراً سرّياً خاصّاً من ابن زياد : بأنّه إن امتنع عمر بن سعد من تنفيذ الأوامر الصادرة إليه ضدّ الحسين (عليه السّلام) فليقتله ، ويتولّى هو ـ أي الشمر ـ قيادة الجيش .

ولكن عمر بن سعد لمّا قرأ كتاب عبيد الله بن زياد التفت إلى الشمر وقال له : لعنك الله يا شمر ، ولعن ما قدمت به ! والله ، إنّي لأظن أنّك أفسدت علينا ما كنّا رجونا صلاحه ، ولن يستسلم الحسين (عليه السّلام) أبداً ؛ إنّ نفس أبيه لبين جنبيه .

فقال له الشمر : أخبرني عمّا أنت فاعله ؟ أتمضي لأمر أميرك وتقاتل عدوّه ، وإلاّ فاعتزل وخلّي ذلك بيني وبين الجيش ؟ فقال عمر بن سعد : لا ولا كرامة لك ! أنا أتولى ذلك فدونك أنت فكن على الرجّالة .

ثمّ نهض لحرب الحسين (عليه السّلام) ، وزحف بالجيش نحو معسكر الحسين (عليه السّلام) عشيّة الخميس لتسعٍ مضين من المحرّم سنة إحدى وستين من الهجرة ، ولكنّ الحسين (عليه السّلام) استمهلهم سواد تلك الليلة ، وانتهت بمصرع الحسين (عليه السّلام) قبل غروبها بقليل من نفس ذلك اليوم .

فالثورة الحسينية من بدايتها إلى نهايتها لم تستغرق سوى بضعة أيّام فقط ، هذا من حيث المدّة والزمن ، وأمّا من حيث المكان ، فإنّ حدودها لم تتجاوز منطقة كربلاء ، ذلك الوادي على شاطئ الفرات المحاط بسلسلة من التلال المتصلة


الصفحة (173)

على امتداد الصحراء ، وعُرفت قديماً باسم (كور بابل) ، ثمّ صحّفت إلى كربلاء . وبالقرب منها منطقة تسمّى (نينوى) ، وقيل : إنّها كربلاء بالذات . ومن أسمائها أيضاً وادي الطفوف والغاضريات . ولم يكن لها شيء تذكر به من الوقائع أو التربة ، أو الموقع الجغرافي قبل وقعة عاشوراء عليها .

وأمّا من حيث عدد الثائرين فيها ، فإنّه لم يتجاوز الثلاثمئة والثلاثة عشر على أكثر الفروض ؛ بين رجل وصبيّ وطفل وشيخ وكهل . فهي إذاً ثورة بسيطة كمّاً وكيفاً وزماناً ومكاناً ، ولكنّها أعظم ثورة في العالم كلّه من حيث المفهوم والمضمون ، ومن حيث التجرّد والواقعية والإخلاص لله سبحانه وتعالى ، ومن حيث العطاء والفداء .

فبين عشية وضحاها ، وفي خلال نهار واحد فقط أُبيدت واستُؤصلت بيوت وأُسر من آل رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، أو كادت أن تُستأصل .

قال بعض الشعراء :

 عينُ جودي بعبرةٍ و عويلِ      واندبي إن ندبتِ آلَ الرسولِ
سـبعةٌ  كـلّهمْ لصلبِ عليٍّ      قـد أُصـيبوا وتسعةٌ لعقيلِ

أجل ، لقد استُؤصل ولد الحسين (عليه السّلام) ولم ينجُ منهم سوى زين العابدين (عليه السّلام) وذلك بأعجوبة ، وأُبيد ولد الحسن (عليه السّلام) ولم يسلم منهم سوى طفلين صبيين ، والحسن المثنى الذي سقط جريحاً فحمله أخواله بنو فزارة وتشفّعوا فيه عند عمر بن سعد وابن زياد ، ثمّ حملوه إلى الكوفة وعالجوا جراحه حتّى شفي وعاد إلى المدينة . ولم يبقَ من أولاد عقيل بن أبي طالب وأولاد جعفر بن أبي طالب سوى الأحفاد الصغار ، وحتى هؤلاء قُتل بعضهم سحقاً تحت حوافر الخيول لمّا هجم القوم على الخيام .

قالوا خرج صبيّ يدرج من مخيّم الحسين (عليه السّلام) وفي أذنيه درتان تتذبذبان على خدّيه ، وهو مدهوش مذعور من هجوم الأعداء على الخيام ، يتلفت يميناً ويساراً واُمّه خلفه تلاحظه وتحرسه ، فدنا منه رجل من القوم على فرس بيده عمود من حديد فضرب الصبيّ على رأسه وأرداه إلى الأرض قتيلاً .


الصفحة (174)

وقد وجد عدّة أطفال من آل الحسين (عليهم السّلام) يوم الحادي عشر من المحرّم وهم موتى من العطش على وجه الرمال بعد أن فرّوا من المخيم عند هجوم الخيل يوم عاشوراء . ولمّا صرع وهب بن حباب الكلبي يوم عاشوراء خرجت اُمّه من الخيمة حتّى جلست عند مصرع ولدها تندبه وتبكيه ، فقال الشمر بن ذي الجوشن لغلامه : ويلك ! اضرب رأسها . فخدش الغلام رأسها وقتلها بمكانها .

هذا بعض ما يمكن تصويره وبيانه من مآسي تلك الثورة البسيطة المتواضعة ، والتي ظهرت بعد انتهائها ، وبعد مرور بعض الزمن عليها كأعظم ثورة في الدنيا من حيث المثاليّة والقدسيّة ، وذلك رغم محاولات الاُمويِّين وغيرهم لإعفاء آثارها وطمس معالمها ، وجعلها كأنّها لم تكن شيئاً مذكوراً : ( يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللّهُ مُتِمّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ )(1) .

ونعود ثانية إلى القول المأثور : (( ما كان لله ينمو )) .

أجل ، إنّ الشواهد على صدق هذا القول كثيرة في التاريخ ، بل وفي حياتنا اليوميّة أيضاً ، ففي التاريخ أنّ موسى بن عمران (عليه السّلام) مثلاً أعان ابنتي شعيب وسقى لهما من البئر التي ازدحم عليها الرجال ، وكان عمله هذا خالصاً لوجه الله تعالى ما كان ينتظر ، بل لا يتصوّر من ورائه ربحاً أو نفعاً في الدنيا ، فبارك الله له في ذلك العمل البسيط فوصل بسببه إلى شعيب نبي الله على تلك القرية ونال الأمن والزوجة والمال في كنفه ، وبالتالي اختاره الله رسولاً إلى فرعون وملئه .

وهذا مثل آخر : هو يوسف الصديق (عليه السّلام) ، اتّقى الله واستعصم وتورّع عن الخيانة ، وكافح شهوته ساعة لوجه الله تعالى ، لا خوفاً من الناس وطمعاً فيهم ، فبارك الله ذلك العمل والكفاح ضدّ نفسه الأمّارة فأوصله إلى ملك مصر مع النبوّة وعظيم الزلفى .

ومن هذه الأمثلة : ذلك الشاب البار بوالديه في عصر موسى بن عمران (عليه السّلام) ، وكانت له بقرة وقع حادث القتل في بني إسرائيل ، ولم يعرف القاتل حتّى اشتروا منه تلك البقرة بملء جلدها ذهباً وذبحوها وضربوا المقتول ببعض

ــــــــــــــــــــ
(1) سورة الصّف / 8 .

الصحفة ( 175)

أعضائها فأحياه الله تعالى وأخبر بقاتله ، وبذلك كشفت عنهم تلك الفتنة التي كادت أن تقع فيهم ويذهب ضحيتها خلق كثير منهم . وإلى أمثالها من الشواهد الكثيرة ، إلاّ أنّ موقف الحسين (عليه السّلام) في كربلاء أوضحها دلالة وأشدّها تأكيداً على صدق هذا القول المأثور : (( ما كان لله ينمو )) .

لقد وقف (عليه السّلام) ومعه نفر قليل من الأعوان بدون عدّة ولا مدد ، محصورين ممنوعين عن الماء ، ووراؤه جمع من النساء والأطفال ، وأمامه جيش من الأعداء قد تجرّدوا من كلّ صفة إنسانية ، وفقدوا الضمير والوجدان ، وبالإضافة إلى أن ذلك الجيش كان يفوق عدد أصحابه بمئات المرّات ، بحيث كان لا يقلّ عن الثلاثين ألفاً .

يقول المرحوم عباس محمود العقاد في كتابه (أبو الشهداء) يصف أعوان يزيد : وإنّما بقيت ليزيد شرذمة على غراره ، أصدق ما توصف به أنّها شرذمة جلادين ، يقتلون مَن اُمروا بقتله ويقبضون الأجر فرحين .

ويقول أيضاً : فكان أعوان يزيد جلادين ، وكلاب طراد في صيد كبير ، وكانوا في خلائقهم البدنية على المثال الذي يعهد في هذه الطغمة من الناس ، ونعني به مثال المسخاء المشوهين الذين تمتلئ صدورهم بالحقد على أبناء آدم ، ولا سيما مَنْ كان منهم على سواء الخلق وحسن الأحدوثة .

أقول : لقد وقف الحسين (عليه السّلام) وأصحابه يوم عاشوراء ذلك الموقف الحرج الشاق الصعب ، مع أنّه كان في وسع كلّ واحد منهم أن يتجنّب القتل بكلمة يقولها أو بخطوة يخطوها ، ولكنّهم جميعاً آثروا الموت عطاشى جياعاً ، مناضلين من دون أن يكون لهم أيّ أمل في النصر العاجل والانتصار العسكري ، ولكن وقفوا لوجه الله تعالى مخلصين له بالجهاد في سبيل دينه وشريعته ، مضحّين بأنفسهم في سبيله .

وقـفوا والـموتَ فـي قارعةٍ      لـو بـها أُرسـيَ ثهلانُ لمالا
فـأبـوا إلاّ اتـصـالاً بالظُّبا      وعن الضيمِ من الروحِ انفصالا
أرخـصـوها  لـلعوالي مهجاً      قــد  شـراها منهمُ الله فغالا

 

 

الصفحة (176)

ونختم هذا الفصل بكلمة للعقّاد ، [حيث قال] : وباء الحسين في ذلك الموقف بالفخر الذي لا فخر مثله في تواريخ بني الإنسان ، غير مستثنٍ منهم عربي ولا عجمي ، ولا قديم ولا حديث(1) .

وجميل جدّاً ما شبّه به بعض الكتّاب موقف الحسين (عليه السّلام) ، وموقف خصومه يوم كربلاء ، فقال ما مضمونه : إنّ ساحة الصراع في كربلاء كانت أشبه بمعرض عالمي أُقيم على تلك البقعة ، وكان لذلك المعرض جناحان فقط ؛ جناح الحسين (عليه السّلام) وأصحابه ، وجناح أعدائه ومقاتليه . وقد عرض كلّ من الجانبين في جناحه الخاص نماذج وصوراً عن هذا الجنس البشري في طرفي صعوده وسقوطه ؛ فعرض الحسين (عليه السّلام) وأصحابه للعالم نماذج مثاليّة خالدة عن أقصى مراحل التكامل البشري والكمال الإنساني من مصنع الإسلام وصناعة القرآن . كما عرض أعداؤه في الجانب الآخر نماذج خالدة للعالم عن أسفل درك المسخ والسقوط والانتكاس البشري من مصنع الجهل وصناعة الحكم الاُموي . فكربلاء إذاً معرض بشري عالمي قائم ومفتوح حتّى يومنا هذا دون منافس ولا نظير .

والخلاصة هي : إنّ الحسين (عليه السّلام) وإن خسر المعركة العسكريّة والحرب المسلّحة بسبب غدر أهل العراق ، ولكنّه ـ وبلا شك ـ قد ربح المعركة السياسية بكلّ أبعادها ، وكسب الحرب الدعائية بأوسع حدودها ، وانتصر على أعدائه الاُمويِّين على صعيد الرأي العام العالمي ، فخلّده التاريخ رمزاً للشهادة والتضحية في سبيل العقيدة والكرامة الإنسانية ، وخلّد الاُمويِّين أيضاًً رمزاً للانتهازيّة والنفعيّة والسقوط الإنساني .

فلا تجد في العالم غالباً أشبه بمغلوب من الاُمويِّين في موقفهم من الحسين (عليه السّلام) ، ولا تجد مغلوباً أشبه بغالب ومنتصر من الحسين (عليه السّلام) في ثورته ضدّ الاُمويِّين .

وهذا ما قصده الحسين (عليه السّلام) بموقفه يوم

ــــــــــــــــــ

(1) أبو الشهداء الحسين بن علي / 194 .


الصفحة (177)

عاشوراء ، وعبّر عنه تعبيراً صريحاً في كتابه إلى مَنْ تخلّف عنه بقوله : (( أمّا بعد ، فمَنْ لحق بي منكم استشهد ، ومَنْ لم يحلق لم يبلغ الفتح ، والسّلام )) .

ولقد أجاد بعض الأدباء حيث قال :

يا شهيدَ الطفوفِ تفديكَ روحي      كـنـتَ والله ضـيغماً هدّارا
كـلّـما كرّروا عليك هجوماً       زادكَ الـكرّ نجدةً و اصطبارا
إنْ تـكـن كربلا رأتكَ وحيداً      و تـنـادي فـلم تجدْ أنصارا
وابـن هند يسوقُ جيشاً كثيفاً      يـمـلأ الـبحرَ جلبةً والقفارا
فـطـواه الزمانُ ملكاً غريراً      سـيّـئ الـذكر ماجناً خمّارا
وبـنا من عُلاك مجداً طريفاً     خـالدَ الذكرِ كالنهارِ اشتهارا


الصفحة (178)

مَنْ دفن الحسين (عليه السّلام) وأصحابه ؟ ومتى وكيف ؟

من القواعد العامّة والثابتة عند الشيعة هي أنّ المعصوم لا يجهّزه ولا يدفنه إلاّ معصوم مثله ؛ فرسول الله (صلّى الله عليه وآله) مثلاً جهّزه ودفنه الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) ، وكذلك سيّدة النساء فاطمة (عليها السّلام) قام الإمام (عليه السّلام) بغسلها وتجهيزها ودفنها ليلاً ، وعفا موضع قبرها حسب وصيّتها (عليها السّلام) ، والإمام علي (عليه السّلام) جهّزه ودفنه ابنه الإمام الحسن (عليه السّلام) . . . وهكذا كلّ إمام أو معصوم قام بتجهيزه المعصوم الآخر .

والآن السؤال هو : مَنْ الذي دفن الحسين (عليه السّلام) ، مع العلم أنّ ابنه الإمام زين العابدين (عليه السّلام) كان أسيراً بأيدي الأعداء في الكوفة ؟

نقول : أجل ، كان علي بن الحسين زين العابدين (عليه السّلام) أسيراً بأيدي الأعداء ، ولكن تمكّن من الخروج من السجن ليلاً مساء الثاني عشر من المحرّم ، ووصل إلى كربلاء صبيحة الثالث عشر منه ، ودفن أباه الحسين (عليه السّلام) وصحبه بمعونة رهط من بني أسد كانوا هناك .

ولمّا فرغ من مواراتهم جميعاً ، وعرّفهم بمواقع قبور الأصحاب والهاشميِّين ، وأبي الفضل العباس وحبيب بن مظاهر ، عند ذلك عرّفهم بنفسه ، وطلب إليهم أن يقوموا بضيافة الزائرين ودلالتهم وتعريفهم ، ثمّ ودّعهم وعاد إلى سجن عبيد الله بن زياد ليلاً دون أن يشعر به الحرّاس .

وكانت عمته العقيلة زينب (عليها السّلام) قد افتقدته تلك الليلة ، ولمّا عاد أخبرها أنّه مضى لمواراة جثمان أبيه الحسين (عليه السّلام) وصحبه .


الصفحة (179)

نعم ، لقد دُفن جسد الحسين (عليه السّلام) في الثالث عشر من المحرّم ، أي بعد مقتله بثلاثة أيّام ، ولكنّ رأس الحسين بقي على أطراف الرماح ، وبأيدي الأعداء وبين يدي ابن زياد ويزيد (لعنهما الله) حتّى أعاده الإمام زين العابدين (عليه السّلام) إلى كربلاء عندما رجع من الأسر وألحقه بالجسد الشريف ، وذلك بعد أربعين يوماً من مقتله ، أي في العشرين من شهر صفر .

هذا أصح الأقوال وأقربها إلى الاعتبار عند المحققين . وهناك أقوال مختلفة في تحديد مدفن رأس الحسين غير أنّ الذي عليه الشيعة هو القول الأول ، أعني أنّ الإمام السجّاد أعاده إلى كربلاء ودفنه مع الجسد .

وبهذه المناسبة تكوّنت زيارة الأربعين ، حيث تفد المواكب العزائيّة وآلاف الزائرين إلى كربلاء يوم العشرين من شهر صفر ، فكأنّهم يقومون بدور الاستقبال للإمام السجّاد وبنات الرسالة العائدين من الشام ومعهم رأس الحسين (عليه السّلام) ، وفي نفس الوقت يجدّدون الاحتفال بذكرى مرور أربعين يوماً على شهادة الحسين (عليه السّلام) .

وأوّل مَنْ قام بهذه الزيارة عفواً ومن غير قصد إلى المناسبة المذكورة هو الصحابي الجليل جابر بن عبد الله الأنصاري (رحمه الله) ، الذي عظم عليه نبأ قتل الحسين (عليه السّلام) وهو في المدينة ، فخرج منها متوجّهاً إلى كربلاء لزيارة قبر الحسين (عليه السّلام) . واصطحب معه رجلاً يُقال له : ابن عطية ، وغلاماً له ، وصادف وصوله إلى كربلاء يوم التاسع عشر من صفر ، أي قبل ورود أهل البيت (عليهم السّلام) بيوم واحد .

فلمّا وصل جابر إلى كربلاء توجّه إلى شاطئ الفرات فاغتسل وغسل ثيابه ، ثمّ توجّه نحو القبور الطاهرة بهدوء وخشوع ، وكان يسبّح الله ويهلّله ، ويقول لصاحبه ابن عطية : قصّر الخُطا في زيارة الحسين (عليه السّلام) ؛ فإنّي سمعت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يقول : (( إن لزائر الحسين (عليه السّلام) بكلّ خطوة حسنة عند الله تعالى )) .

ولمّا أتمّ جابر زيارة قبر الحسين (عليه السّلام) ، توجّه إلى قبور الشهداء حوله ، وسلّم عليهم وحيّاهم أحسن تحيّة ، ثمّ قال لهم : أشهد أننا قد شاركناكم فيما أنتم فيه من الأجر الجزيل عند الله سبحانه .

فقال له ابن عطية : وكيف نكون شركاءهم في


الصفحة (180)

أجرهم وثوابهم مع أننا لم نضرب بسيف ، ولم نطعن برمح ، والقوم كما ترى قد بذلوا أنفسهم ، وضحّوا بكلّ ما لديهم ، فكيف نكون شركاءهم ؟!

فقال جابر : نعم يابن عطية ، لقد سمعت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يقول : (( مَنْ أحبّ عمل قوم أُشرك معهم في عملهم )) . وإنّ نيّتي ونيّة أصحابي على ما مضى عليه الحسين وأصحابه .

والخلاصة : لقد التقى جابر بن عبد الله الأنصاري في اليوم الثاني بالإمام زين العابدين (عليه السّلام) عند قبر الحسين (عليه السّلام) ، واستمع منه إلى تفاصيل ما جرى هناك ، فكثر البكاء والعويل حول قبر الحسين (عليه السّلام) ، وأُقيمت المآتم من قبل أهل السواد والنواحي الذين كانوا قد توافدوا لزيارة قبر الحسين (عليه السّلام) ، وللسّلام على زين العابدين (عليه السّلام) وبنات الرسالة . واستمروا على تلك الحال ثلاثة أيّام ، ثمّ بعد ذلك ارتحل زين العابدين (عليه السّلام) بالعائلة من كربلاء مواصلاً سيره نحو المدينة المنوّرة .


الصفحة (181)

شقيقات الحسين (عليه السّلام) كم عددهنَّ ؟ ومَنْ هنَّ ؟

المشهور بين المؤرّخين أنّ بنات فاطمة (عليها السّلام) اثنتان : زينب العقيلة واُختها اُمّ كلثوم . والمشهور بينهم أيضاً أنّ اُمّ كلثوم هذه تزوّجها عمر بن الخطاب ، غير أنّ بعض المحقّقين ينفي وجود اُمّ كلثوم بتاتاً ، ويرى أنّ زينب العقيلة كانت تُكنّى باُمّ كلثوم ، وأنّها هي البنت الوحيدة لفاطمة الزهراء (عليها السّلام) ؛ ويستند في رأيه هذا على ظواهر تاريخية :

منها : أنّه لم يرد لها ـ أي لاُمّ كلثوم ـ ذكر في حوادث وفاة فاطمة (عليها السّلام) ، حيث أوصت ببعض الأشياء التي تعود لها إلى زينب ، وأوصتها باُمور تتعلّق بالحسين (عليه السّلام) ، ولم يرد في وصاياها ذكر لاُمّ كلثوم .

ومنها أيضاً : أنّ كثيراً من قضايا كربلاء والسبي من خطب وكلمات وأعمال تُنسب تارة إلى زينب ، وتُنسب نفسها إلى اُمّ كلثوم تارة اُخرى ؛ الأمر الذي يدلّ على أنّ زينب واُمّ كلثوم واحدة ، يعبّر عنها تارة بالاسم وتارة بالكنية .

وهناك بعض الخبراء من علمائنا الأعلام يقرّ بوجود اُمّ كلثوم كبنت ثانية لفاطمة (عليها السّلام) ، ولكن ينفي تزويجها من عمر بن الخطاب نفياً قاطعاً ، ومنهم الحجّة الجليل الشيخ المفيد (قدس سرّه) في أجوبة المسائل السروية ، حيث يقول (رحمه الله) : والخبر الحاكي أنّ أمير المؤمنين (عليه السّلام) زوّج اُمّ كلثوم من عمر بن الخطاب خبر لم تثبت صحته ؛ لأنّ مصدره الأول والوحيد هو الزبير بن بكار ، وهو غير مأمون ولا موثوق به ؛ لأنّه مشهور بالعداوة لعلي (عليه السّلام) وأهل بيته ، فهو متّهم فيما يروي عنهم لا يوثق بخبره .


الصفحة (182)

هذا بالإضافة إلى أنّه مضطرب في نقله لهذا الخبر ومختلف في روايته ، ممّا يدلّ على كذب الخبر ووهن الرواية ، والله أعلم .

وأمّا زينب الكبرى فإنّها عقيلة آل أبي طالب وسيّدة النساء بعد اُمّها فاطمة ، ووصيّة أخيها الحسين (عليه السّلام) وكافلة الإمام زين العابدين (عليه السّلام) . وعلى العموم هي شريكة الحسين (عليه السّلام) في حركته المباركة وثورته المقدّسة ، وشقيقة الحسن والحسين (عليهما السّلام) في أشرف نسب ورضاع ونشأة .

انتقلت من أصلاب طاهرة إلى أرحام مطهّرة ، ورضعت من ثدي الإيمان والعصمة ، ونشأت في حجر النبوّة والإمامة ، ودرجت في بيت الوحي والرسالة ؛ فكانت (عليها السّلام) نموذجاً صالحاً ، ومثالاً صادقاً لأهل ذلك البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً .

ومن ثمّ أفادت بعض الأخبار بأنّ الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) كان ينظر إلى العقيلة زينب نظرته إلى اُمّها فاطمة من حيث الإجلال والاحترام ، وكان يحدّثها ويحدّث ثقات أصحابه بالمحن الجسام التي أمامها ، وبالدور البطولي الذي ينتظرها في أعظم صراع بين الخير والشرّ في التاريخ .

والواقع : إنّ الدور الذي قامت به العقيلة زينب في تلك الثورة لا يقل صعوبة ولا تأثيراً في نصرة الدين من دور الحسين (عليه السّلام) وأصحابه ؛ فهي بحقّ بطلة كربلاء ، ظهرت على مسرح تلك الحوادث المؤلمة والمواقف الرهيبة بأجلى مظاهر البطولة ، وأعلى مستويات الشجاعة ؛ من حيث الصبر والاستقامة ، ورباطة الجأش وامتلاك الأعصاب ، تماماً كما وصفها هذا السيّد الأديب ، [حيث] قال :

بـأبي  التي ورثتْ مصائبَ اُمِّها      فـغدتْ تـقابلُها بـصبرِ أبـيها
لمْ تلهو عن جمعِ العيالِ و حفظِهمْ      بـفراقِ  إخـوتِها وفـقدِ بـنيها


الصفحة (183)

وقال الآخر :

 قـد ورثتْ زينب عن اُمّها      كلّ الذي جرى عليها وصار
وزادتِ الـبنتُ عـلى اُمّها      من دارِها تُهدى إلى شرّ دار

وإنْ شئت هلمّ معي لنستعرض آيات باهرات عن بطولة العقيلة زينب (عليها السّلام) وشجاعتها :

لمّا صرع الحسين (عليه السّلام) خرجت السيّدة زينب متوجّهة إليه تشقّ طريقها بين الجماهير ، وتتخطّى القتلى والجرحى حتّى وصلت إلى مصرع أخيها الحسين (عليه السّلام) فوجدته بحالة تفتت القلوب ، وتقطّع الأكباد ، وتجري الدموع دماً . فكان المتوقّع منها طبعاً وهي اُخته الثكلى وشقيقته المفجوعة به ، أقول كان المتوقّع منها أنْ تفقد كلّ تماسك وتوازن ، وتشقّ جيبها ، وتنشغل بالصراخ والعويل ، واللطم والبكاء وما شاكل ذلك .

ولكنّها لمْ تفعل شيئاً من هذا القبيل أبداً ؛ بل جلست عند رأس الحسين (عليه السّلام) بهدوء ووقار ، ومدّت يديها تحت ظهر الحسين (عليه السّلام) ورفعت رأسه عن الأرض ، وأسندته إلى صدرها ، ورفعت طرفها نحو السماء وقالت وهي خاشعة خاضعة بين يدي الله تعالى : اللّهمَّ تقبّل منّا هذا القربان . اللّهمَّ تقبّل منّا هذا الفداء .

يوم الحادي عشر :

الأسير عادة يظهر عليه آثار الذلّ والاستكانة أمام آسره ، وخاصّة المرأة مهما كانت عظيمة وقويّة ، ولكنّها [إذا] وقعت في أسر العدو تلين الكلام معه وتطلب عطفه وشفقته ؛ أمّا عقيلة آل أبي طالب وبنت أمير المؤمنين (عليه السّلام) فإنّها ما ذلّت ولا خضعت بالقول لأيّ من اُولئك الطغاة الغالبين .

تخاطب القائد الفاتح عمر بن سعد


الصفحة (184)

يوم الحادي عشر عندما قدّم النياق إلى النساء للركوب ، قالت : ويلك يابن سعد ! سوّد الله وجهك ، أتأمر الأجانب أن يركبونا ونحن بنات رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ؟! قل لهم فليتباعدوا عنّا حتّى يركب بعضنا بعضاً .

وقالت لعبيد الله بن زياد ، ذلك الطاغي المتجبّر لمّا سألها قائلاً : كيف رأيت صنع الله بأخيك وأهلك ؟ فأجابته قائلة : ما رأيت إلاّ جميلاً ؛ اُولئك قوم كتب الله عليهم القتل فبرزوا إلى مضاجعهم ، وسيجمع الله بينك وبينهم فتحاج وتخاصم ، فانظر لمَنْ الفلج يومئذ ، ثكلتك اُمّك يابن مرجانة !

وقالت ليزيد بن معاوية وهي أسيرة بين يديه وفي المجلس العام : أمن العدل يابن الطلقاء تخديرك حرائرك وإماءك ، وسوقك بنات رسول الله (صلّى الله عليه وآله) سبايا ؟! ولئن جرّت عليّ الدواهي مخاطبتك إنّي لأستصغر قدرك ، واستعظم تقريعك ، واستكبر توبيخك ، لكن العيون عبرى ، والصدور حرّى ، فاسعَ سعيك ، وكد كيدك ، وناصب جهدك ؛ فوالله لا تمحو ذكرنا . . . .

والله يا يزيد ، ما فريت إلاّ جلدك ، ولا حززت إلاّ لحمك ، وهل رأيك إلاّ فند ، وجمعك إلاّ بدد ، وأيامك إلاّ عدد ، وسيعلم مَنْ سوّى لك ومكّنك من رقاب المسلمين ، بئس للظالمين بدلاً !

ألا فالعجب كلّ العجب من قتل حزب الله النجباء بأيدي حزب الشيطان الطلقاء ! وهذه الأيدي تنطف من دمائنا ، والأفواهُ تتحلّب من لحومنا ، وتلك الجثث الطواهر الزواكي تنتابها العواسل ، وتعفّرها اُمّهات الفراعل . . . اللّهمَّ خذ لنا بحقّنا ، وانتقم لنا ممّن ظلمنا ، واحلل غضبك على مَنْ سفك دماءنا وقتل حُماتنا .

والخلاصة : إنّها (سلام الله عليها) ما ظهر عليها ذلّ الأسر وضعف السبي أبداً ؛ لقد قابلت الحوادث الجسام والمصائب العظام بشجاعة فائقة ورباطة جأش .


الصفحة (185)

ومن الجدير بالذكر إضافة إلى ما سبق : أنّ رجلاً من الشخصيات كان حاضراً في مجلس يزيد ، فنظر إلى فاطمة بنت الحسين (عليها السّلام) ، فالتفت إلى يزيد وقال : يا أمير ، أطلب منك أنْ تهب لي هذه الجارية تكون خادمة عندي .

وقبل أنْ يردّ عليه يزيد بشيء قامت إليه الحوراء زينب (عليها السّلام) ، وقالت له : صه يا لكع الرجال ! ما جعل الله ذلك لك ولا لأميرك .

فقال يزيد : إنّ ذلك لي ، ولو شئت أنْ أفعل لفعلت .

فقالت له العقيلة (عليها السّلام) : كلاّ ، إلاّ أنْ تخرج عن ملّتنا ، وتدين بدين غير ديننا .

فغضب يزيد وقال : إنّما خرج عن الدين أبوك وأخوك .

فردّت عليه السيّدة زينب (عليها السّلام) قائلة : بدين الله ودين جدّي وأبي وأخي اهتديت أنت وأبوك وأخوك إنْ كنت مسلماً .

ولمّا لم يجد يزيد جواباً قال لها : كذبت يا عدوة الله .

فقالت (عليها السّلام) : أنت أمير تشتم ظالماً وتقهر بسلطانك .

فسكت يزيد وما ردّ عليها ، وسكتت زينب (عليها السّلام) .

فأعاد الرجل الشامي مقالته وقال : يا أمير ، هب لي هذه الجارية تكون خادمة لي .

فقال له يزيد : وهب الله لك حتفاً قاضياً ، ويلك ! أتعرفها والتي تنهاك عنها ؟

فقال الرجل : لا ، ولكنّك تقول هؤلاء خوارج خرجوا عليّ فقتلت الرجال وسبيت النساء .

فقال يزيد : ويلك ! أمّا التي تريدها خادمة في بيتك فهي فاطمة بنت الحسين بن علي ؛ وأمّا التي تمنعك عنها فهي عمّتها زينب بنت علي بن أبي طالب .

فلمّا سمع الرجل ذلك قال : ويلك يا يزيد ! أتقتل آل بيت رسول الله وتسبي نساءهم ؟!

وهكذا وبمثل هذه المواقف الرائعة أعطت السيّدة زينب (عليها السّلام) المثل الأعلى للمرأة المسلمة المثالية ، كيف تتغلّب على عواطفها في اللحظات الحرجة ، وكيف تسيطر على غرائزها بقوّة العقل والتفكير الواعي ؛ فتساهم بذلك في خدمة الدين والعدل والمصلحة العامّة ، مع الحفاظ على عزّتها وكرامتها .

وهذا ممّا يؤكّد لنا القول : بأنّ المرأة أنفع عنصر في الحياة إنْ أخضعت عواطفها لإرادة العقل والتفكير الواعي ، وجنّدت قواها لخدمة المصلحة الحقيقية ، وأنّها تكون أضرّ وأخطر عنصر في الحياة إذا جعلت من نفسها آلة طيّعة


الصفحة (186)

للشهوات والغرائز الحيوانية ، وسارت وراء عواطفها بدون قيد من عقل ، ولا رادع من ضمير ، ولا وازع من دين ؛ فتكون بذلك أقوى سلاح بيد الشيطان .

نهاية المطاف :

وأخيراً عادت السيّدة زينب من الأسر إلى مدينة جدّها الرسول (صلّى الله عليه وآله) ، وبدأت فيها حربها الدعائية ونضالها الإعلامي ضدّ الاُمويِّين ؛ وذلك بعقد المجالس والاجتماعات النسائية العامّة ، وسرد المصائب والمحن التي لاقاها أهل البيت (عليهم السّلام) من الاُمويِّين وأعوانهم ، حتّى تركت الرأي العام في المدينة المنوّرة كبركان يقذف اللعنات على يزيد وأتباعه ، واستشعر حكّام المدينة بالخطر ؛ فأرسلوا الرسل والرسائل إلى يزيد ينذرونه بخطر الثورة في المدينة إنْ بقيت السيّدة زينب فيها مستمرة على عملها هذا .

فلمّا وقف يزيد على حقائق الاُمور الجارية هناك ، بعث إلى حاكم المدينة يأمره بإبعاد زينب (عليها السّلام) منها إلى مصر ، أي إلى أيّ بلدٍ آخر غير المدينة المنوّرة ، فظنّ الوالي أنّ يزيد يقصد إبعادها إلى بلاد مصر خاصة .

فخرجت زينب مع نساء قومها إلى مصر ، واستقبلها والي مصر بإجلال وإكرام ، وعاشت هناك مواصلة كفاحها الدعائي بجدّ ونشاط إلى أن فاجأها الأجل المحتوم في الخامس عشر من رجب المبارك سنة خمس وستين للهجرة ، عن عمر ناهز الستين عاماً ، ودُفنت هناك .

فصلوات الله وسلامه عليها ، واللعنة الدائمة على أعدائها وظالميها أبد الدهر .

هذا وهناك أقوال وأخبار اُخرى عن وفاتها ومدفنها (سلام الله عليها) ، منها الخبر القائل : بأنّها بقيت في المدينة المنوّرة حزينة نادبة باكية على أخيها الحسين (عليه السّلام) إلى أن ماتت فيها ، ودفنت في البقيع على الرغم من عدم وجود قبر معلوم لها هناك .


الصفحة (187)

ومنها الخبر الذي مفاده : أنّها (عليها السّلام) هاجرت مع زوجها عبد الله بن جعفر الطيّار إلى الشام عام المجاعة ، وكان لعبد الله بن جعفر ضياع ومزارع حول دمشق فهاجر إليها مع عائلته ، وبقيت السيّدة زينب هناك إلى أن توفيت ودفنت حيث مكان قبرها المعروف اليوم في ضواحي دمشق .

وأخيراً الخبر الذي يقول : بأنّ السيّدة زينب (عليها السّلام) ماتت في الشام وهي في السبي ، ولم ترجع إلى المدينة ، ماتت أيّام السبي في الشام ودفنت هناك كما ماتت قبلها السيّدة رقية بنت الحسين (عليها السّلام) ودفنت في مرقدها المعروف داخل دمشق .

هذه مجموعة الأخبار والأقوال التي قيلت عن مكان وفاة السيّدة زينب بنت علي (عليها السّلام) ومرقدها الشريف ، ولكنّ القول الأول أشهرها بين المؤرّخين وأوثقها رأي الخبراء ، والله أعلم .

والظاهر الذي لا يبعد عن الاعتبار هو أنّ السيّدة زينب الكبرى بنت فاطمة الزهراء (عليها السّلام) هي التي مرقدها في مصر ، وأمّا التي في الشام فهي زينب الصغرى بنت الإمام أمير المؤمنين (عليها السّلام) من غير فاطمة الزهراء (عليها السّلام) ، ولم أقف على ترجمة وافية لحياتها وأسباب دفنها هناك .

وهذا من جنايات التاريخ على آل الرسول (صلّى الله عليه وآله) ؛ حيث أهمل الكثير من أحوالهم وسيرتهم ، وكثيراً ما نسب الأكاذيب والافتراءات إلى بعضهم بغرض التشويه لسمعتهم والحطّ من كرامتهم ، ( وَسَيَعْلَمُ الّذِينَ ظَلَمُوا أَيّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ ) .

وفي الختام نتساءل ونقول مع الأديب الفاضل السيّد جعفر الحلّي (رحمه الله) :


الصفحة (188)

مـا ذنبُ أهل البيتِ حتى      مـنـهـمُ أخـلَوا ربوعَهْ
تـركوهمُ شتّى مصارعهمْ      وأجـمـعـهـا فـضيعَهْ
فـمكابدٌ  لـلسمّ قد سُقيتْ      حـشـاشـتـهُ نـقـيعَهْ
ومـضـرّجٌ بالسيفِ آثرَ      عـزّه وأبـى خـضوعَهْ
و  مـصـفّـدٌ لله سلّمَ أم      ر مـا قـاسـى جـميعَهْ
وسـبيّةٌٍ بـاتت بأفعى ال      هـمّ مـهـجـتها لسيعَهْ
حُـمـلتْ  ودائـعُكمْ إلى      مَنْ ليس يعرفُ ما الوديعَهْ
آل  الـرسـالـةِ لم تزل      كـبدي  لـرزئكمُ صديعَهْ

فإنّا لله وإنّا إليه راجعون ، والحمد لله رب العالمين ، وصلّى الله على سيّدنا محمد وعلى آله الطاهرين المعصومين ، ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله العليّ العظيم .

 
 
البرمجة والتصميم بواسطة : MWD