1439 / محرم / 1  |  2017 / 09 / 22         الزيارات : 422336         صلاة الصبح |         صلاة الظهر والعصر |         صلاة المغرب والعشاء |

الندوة (29) - التوفيق بين علم الإمام الحسين (علیه السلام) بشهادته وتخطيطه للمعركة (القسم الرابع)- آية الله الشيخ محمد جواد فاضل اللنكراني

{ مؤسسة وارث الأنبياء - قم المقدسة }
الندوة (29) - التوفيق بين علم الإمام الحسين (علیه السلام) بشهادته وتخطيطه للمعركة (القسم الرابع)- آية الله الشيخ محمد جواد فاضل اللنكراني

إعداد وتعريب: السيّد علي الرضوي

قال المحاضر: أثبتنا علماً موسّعاً للأئمة سواء سمّيناه علم الغيب أم لا، ونفينا كونه غلواً، وبينّا أنّ اللعن الصادر من الأئمّة للغلاة لجهة خاصّة، ولا يُعدّ علم الأئمّة والاعتقاد بعصمتهم غلواً، وسنتعرض لبعض هذه الروايات التي تبيّن مفهوم الغلو، ففي اعتقادات الصدوق: «رُوي عن زرارة أنّه قال: قلت للصادق (عليه السلام): إنّ رجلاً من ولْد عبد الله بن سبأ يقول بالتفوي .قال (عليه السلام): وما التفويض؟ قلت: يقول: إنّ الله (عزّ وجلّ) خلق محمّداً (صلّى الله عليه وآله) وعلياً (عليه السلام) ثمّ فوّض الأمر إليهما، فخلقا، ورزقا، وأحييا، وأماتا .فقال: كذب عدو الله، إذا رجعت إليه فاقرأ عليه الآية التي في سورة الرعد: ﴿ أَمْ جَعَلُوا لله شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّار﴾. فانصرفت إلى الرجل فأخبرته بما قال الصادق (عليه السلام) فكأنّما ألقمته حجراً. أو قال : فكأنّما خرس».

مضيفاً أنّه تقدّم الفرق بين الغلو والتفويض، وفي هذه الرواية يسأل الإمام من زرارة معنى التفويض، لا لأنّه لا يعلم، بل لئلّا يُقال أراد الإمام من التفويض معنًى آخر.

قال الإمام الرضا (عليه السلام): «إنّا لنبرأ إلى الله ممَّن يغلو فينا فيرفعنا فوق حدّنا»، وورد عن الإمام الرضا (عليه السلام) في عیون أخبار الرضا، الجزء الثاني، صفحة 203: «الغلاة كفّار، والمفوضة مشركون»، وفي رواية أُخرى قال: «الغلاة صغّروا عظمة الله، فمَن أحبّهم فقد أبغضنا، ومَن أبغضهم فقد أحبّنا، مَن والاهم فقد آذانا، مَن كان من شيعتنا فلا يتخذنّ منهم وليًّا ولا نصيراً».

وفي رواية رواها الشيخ الطوسي في أماليه، عن الإمام الصادق (عليه السلام) في ميزان المُغالي: «إلينا يرجع الغالي فلا نقبله، وبنا يلحق المقصّر فنقبله، قِيل له: كيف ذلك يا بن رسول الله؟ قال: الغالي قد اعتاد ترك الصلاة والزكاة والصيام والحج، فلا يقدر على ترك طاعته، وعلى الرجوع إلى طاعة الله (عزّ وجلّ) أبداً، وإنّ المقصّر إذا عرف عمل وأطاع».

فالغلاة هم القائلون بألوهية وخالقية ورازقية أئمّة أهل البيت (عليهم السلام)، سواء بنحو التفويض أو مستقلّاً  في مقام العقيدة، كما أنّهم كانوا تاركي الصلاة والصوم والحجّ وغيرها في مقام العمل.

فقد ذكر المجلسي فذلکة البحث - وهو خرّيت فنّ الحديث – بقوله: «فذلكة: اعلم أنّ الغلو في النبي والأئمّة إنّما يكون بالقول بأُلوهيتهم، أو بكونهم شركاء في المعبودية أو في الخلق والرزق، أو أنّ الله تعالى حلّ فيهم  أو اتّحد بهم، أو أنّهم يعلمون الغيب بغير وحي أو إلهام من الله تعالى، أو بالقول في الأئمّة أنّهم كانوا أنبياء، أو القول بتناسخ أرواح بعضهم إلى بعض، أو القول بأنّ معرفتهم تغني عن جميع الطاعات، ولا تكليف معها بترك المعاصي، والقول بكلٍّ منها إلحاد وكفر وخروج عن الدين، كما دلّت عليه الأدلّة العقلية والآيات والأخبار، وقد عرفت أنّ الأئمة تبرّؤوا منهم، وحكموا بكفرهم، وأمروا بقتلهم». ثمّ قال: «وأمّا التفويض فيُطلق على معانٍ، بعضها منفيّ عنهم، وبعضها مثبت لهم».

قال المقرّم في مقدّمة مقتله القيّم :«فالغيب المُدّعى فيهم (عليهم السلام) غير المختصّ بالباري ليستحيل في حقّهم، فإنّه فيه تعالى شأنه ذاتيٌّ، أمّا في الأئمّة فمجعولٌ من الله سبحانه».

فذهب إلى مقالة المشهور من أنّ علم الله ذاتي، وعلم الأئمّة عرضي، وارتأينا أنّ علم الله وعلم الأئمّة يختلف سعةً وضيقاً، فعلمه تعالى غير محدود ومطلق ،وعلم الأئمّة محدودٌ ومقيّد، وذلك منسجم بكونهم عالمين بما كان وما يكون وما هو كائن.

والنكتة الأُخرى أنّ الأئمّة محتاجون في جميع الأوقات إلى الفضل الإلهي، بحيث لولا دوام الاتصال وتتابع الفيوضات لنفد ما عندهم، تمسكاً بقول الإمام الصادق (عليه السلام): «لولا أنّا نزداد في كلّ ليلة جمعة لنفد ما عندنا».

ثمّ ذكر رواية: «يُبسط لنا العلم فنعلم، ويُقبض عنّا فلا نعلم»، وهذا يدلّ على أنّ علمهم له قبض وبسط، فتارة يزداد في ليالي الجمع أو القدر أو محدّثون، وأُخرى «ویقبض عنّا فلا نعلم».

الفرق الآخر أنّ علم الله تعالى لا يقبل التغيير وعلم الأئمّة له قبضٌ وبسط، وتدلّ عليه روايات متواترة، ونعتقد أنّ النبي (صلّى الله عليه وآله) كان يعرف القراءة والكتابة، فالآية نفت عنه الكتابة في مقام العمل، ولم تنف القدرة عليها ﴿وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾، فنقول  بمعرفة الرسول الأعظم بالقراءة والكتابة على اختلاف أنحاء اللغات وتباين الخطوط، قبل البعثة وبعد البعثة.

وهل كانت قدرته على القراءة والكتابة لكلّ اللغات أم خصوص اللغة العربية؟ وما نعتقده وارتآه كلّ من الشيخ المفيد في المقالات، والشيخ الطوسي في التبيان والمبسوط، والشهيد الأوّل في غاية المراد، والعلّامة في التحرير والقواعد، والسيّد المجاهد في المناهل، وابن شهر آشوب في المناقب، والمجلسي في مرآة العقول، والفاضل الهندي في كشف اللثام، والفاضل المقداد في التنقيح؛ أنّ النبي (صلّى الله عليه وآله) كان له القدرة على القراءة والكتابة لكلّ اللغات، ولكن عملاً لم يكتب، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾، ينفي الكتابة الفعلية.

فعلى القول بكون النبي (صلّى الله عليه وآله) والأئمّة أشخاصاً عاديين ـ لأنّ من يقول بكون الأئمّة علماء أبرار يقول ذلك في النبي ـ نتسائل: هل كان النبي عالماً بجميع الألسنة أو لا؟ فعلى الأول يلزم الاعتراف بالعلم بإذنه تعالى، وكونه عالماً لا كسائر البشر، وإن أنكرنا علم النبي بسائر اللغات، فهو خلاف ضرورة الدين، وإذا ثبت علم النبي بكلّ اللغات يثبت علم الأئمة بكلّ اللغات؛ لما دلّت الروايات: «كل ما كان لرسول الله (صلّى الله عليه وآله) فلنا مثله، إلّا النبوة والأزواج».

ثمّ أشار إلى أنّ المحقّق المقرّم ذكر ما رواه الكليني في الكافي: «يا عجبًا لأقوام يزعمون أنّا نعلم الغيب، ما يعلم الغيب إلّا الله، لقد هممت بضرب جاريتي فهربت منّي ما علمت في أي بيوت الدار»، المحمول على التقيّة، أو ضعف سنده، أو تورية الإمام، ومقابله روايات أُخرى تدلّ على علمهم:

«عن ميسر بياع الزطي، قال: أقمت على باب أبي جعفر (عليه السلام) فطرقته، فخرجت إليّ جارية خماسية، فوضعت يدي على يدها، وقلت لها: قولي لمولاك هذا ميسر بالباب، فناداني (عليه السلام) من أقصى الدار: ادخل لا أبا لك. ثمّ قال لي: أما والله يا ميسر، لو كانت هذه الجدار تحجب أبصارنا كما تحجب عنكم أبصاركم، لكنّا وأنتم سواء. فقلت: جُعلت فداك، والله، ما أردت إلّا لأزداد بذلك إيماناً».

فيعلمون ما لا يعلمه سائر الناس من الأُمور الجزئية، فضلاً عن الأُمور المصيرية للأُمّة، فنرى أنّهم كانوا يدعون لرفع الشدائد عنهم وعن شيعتهم، من خلال التوسّل بقبر جدّهم النبي (صلّى الله عليه وآله)، وإذا عرفوا من أعدائهم العزم على الفتك بهم، أو اشتدّ عليهم ألم القيود، ووضح لديهم تأخّر القضاء، عملوا كلّ وسيلة من دعاء أو شكوى إلى جدّهم ليُدفع عنهم.

وما دلّ على علم أمير المؤمنين (عليه السلام) بقاتله، حيث قال لابن ملجم لمّا أراد البيعة: «مّن أراد أن ينظر إلى قاتلي فلينظر إلى هذا. فقِيل له: ألا تقتله؟ قال (عليه السلام): واعجبا! تريدون أن أقتل قاتلي؟».

كان الإمام المجتبى (عليه السلام) يستشفي بتربة جدّه، ويعمل بقول الطبيب، ويأخذ بقول أهل التجربة، مع علمه بأنّ ذلك المرض لا يقضي عليه، وللأجل حدٌّ معلوم، فكان يتعامل مع الأُمور بشكلٍ طبيعي، وعندما سُقي السم كان صائماً على المشهور، فرفع رأسه إلی السماء وقال: «إنّا لله وإنا إليه راجعون، الحمد لله على لقاء محمد سيد المرسلين، وأبي سيد الوصيين، وأُمّي سيدة نساء العالمين، وعمّي جعفر الطيار في الجنة، وحمزة سيد الشهداء»، ثمّ شرب اللبن، فشرب السم؛ لما يعلم من القضاء المبرم ولعن جعدة قاتلته.

ودعاء الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام): «يا مخلّص الشجر من بين رمل وماء، يا مخلص اللبن من بين فرث ودم، يا ربّ، إنّك تعلم أنّي لو أكلت قبل اليوم لكنت قد أعنت على نفسي». واستسلموا لمّا رأوا قضائهم المبرم.

قال الإمام الصادق (عليه السلام):" لو أنّ الأئمّة (عليهم السلام) ألحّوا على الله في هلاك الطواغيت لأجابهم سبحانه وتعالى، وكان عليه أهون من سلك فيه خرز انقطع فذهب»، ولو دعوا لأجابهم الله وغيّر المقدّر، ففي الروايات: «أهون من سلك يكون فيه خرز»، «ولكن لا نريد غير ما أراده الله تعالى».

وفي روايةٍ عن الإمام الباقر (عليه السلام):

" إنّي لأعجب من قومٍ يتولّونا ويجعلونا أئمّة، ويصفون أن طاعتنا مفترضة عليهم كطاعة الله، ثمّ يكسرون حجّتهم ويخصمون أنفسهم؛ لضعف قلوبهم، فينقصونا حقّنا، ويعيبون ذلك على مَن أعطاه الله برهان حقّ معرفتنا والتسليم لأمرنا. أترون الله افترض طاعة أوليائه على عباده ثمّ يُخفي عليهم أخبار السماوات والأرض، ويقطع عنهم مواد العلم فيما يرد عليهم، ممّا فيه قوام دينهم؟! فقال له حمران: يا بن رسول الله، أرأيت ما كان من قيام أمير المؤمنين والحسن والحسين، وخروجهم وقيامهم بدين الله، وما أُصيبوا به من قبل الطواغيت والظفر بهم، حتى قُتلوا وغُلبوا؟ فقال أبو جعفر (عليه السلام): يا حمران، إنّ الله تبارك وتعالى قد كان قدّر ذلك عليهم وقضاه وأمضاه، وحتمه على سبيل الاختيار، ثمّ أجراه عليهم، فبتقدّم علمٍ إليهم من رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قال علي والحسن والحسين (عليهم السلام )، وبعلمٍ صمت مَن صمت منّا، ولو أنّهم ـ يا حمران ـ حيث نزل بهم ما نزل من ذلك سألوا الله أن يدفع عنهم، وألحوا عليه في إزالة ملك الطواغيت وذهاب ملكهم، لزال أسرع من سلك منظوم انقطع فتبدّد، وما كان الذي أصابهم لذنب اقترفوه، ولا لعقوبة معصية خالفوا فيها، ولكن لمنازلٍ وكرامة من الله أراد أن يبلغهم إيّاها، فلا تذهبنّ بك المذاهب فيهم».

فاتضح أنّ الأئمّة (عليهم السلام) كانوا يعلمون الغيب، حيث كان يعلمون زمان شهادتهم، ومَن يقتلهم، ويعلمون خصائص مقتلهم، وكان بإمكانهم منع ذلك من خلال السؤال من الله، فيمنع الله القضاء، ولكنّهم (عليهم السلام) قالوا: «لا نريد إلّا ما أراده الله تعالى». فتعلّقت إرادته بتحقّقه، ولأنّ الله جعل لهم مقامات ومنازل لا يصلونها إلّا بهذا الامتحان.

فالاستشفاء لا ينافي العلم بالغيب، وهذا لا يختصّ بالإمام الحسين (عليه السلام)، فكان كلّ الأئمّة كذلك، حيث كانوا يدعون لرفع ما يعلمون أنّه من غير المحتوم، ولا يدعون للقضاء المحتوم.

وأشار إلى حرمة التهلكة في قوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾.

واستدلّ الفقهاء على وجوب حفظ النفس بالإجماع والضرورة، ويمكن أن يُستدلّ له بآية حرمة إلقاء النفس في التهلكة، وحسب رأينا لم يكن  استشهاد الإمام الحسين (عليه السلام) تهلكة، ولذا ندعوا إلى دراسة وتحليل كلّ قضايا عاشوراء حسب الموازين الشرعية، خلافاً لمَن يقول: إنّ عاشوراء استثناء من القوانين الشرعية.

ينبغي الإشارة إلى نكتتين:

النكتة الأُولى: إنّ الأُمور الشرعية تبتني على ملاكين:

 الأوّل: أن يكون المكلّف  قادراً عليها.

الثاني: إنّ حفظ النفس واجب ويحرم إلقائها في التهلكة حيث يقدر على التخلّص، وأمّا لو هجم عليه العدو ولا مفرّ منه إلّا الدفاع، فموضوع التهلكة منتفٍ.

النكتة الثانية: إنّ التزاحم بين وجوب حفظ النفس وحرمة إلقاءها في التهلكة، وبين وجوب حفظ الإسلام؛ يُوجب تقديم الواجب الأهمّ وهو حفظ الإسلام؛ لأنّ الملاك وقانون باب التزاحم هو تقديم أهمّ المتزاحمين ملاكاً، وكذا باب الجهاد يُقدّم الجهاد ويرجّح على وجوب حفظ النفس، وعليه يتّضح أنّ الإمام الحسين (عليه السلام) مع علمه بأنّه يستشهد خطّط للمعركة، وقاتل عدوّه؛ لأنّ هدفه أهمّ من وجوب حفظ النفس.

وللبحث تتمّةٌ نطرحه في ندوةٍ لاحقة إن قُدّر.

 
 
البرمجة والتصميم بواسطة : MWD