1439 / محرم / 1  |  2017 / 09 / 22         الزيارات : 422352         صلاة الصبح |         صلاة الظهر والعصر |         صلاة المغرب والعشاء |

الندوة (28) - التوفيق بين علم الإمام الحسين (علیه السلام) بشهادته وتخطيطه للمعركة (القسم الثالث)- آية الله الشيخ محمد جواد فاضل اللنكراني

{ مؤسسة وارث الأنبياء - قم المقدسة }
الندوة (28) - التوفيق بين علم الإمام الحسين (علیه السلام) بشهادته وتخطيطه للمعركة (القسم الثالث)- آية الله الشيخ محمد جواد فاضل اللنكراني

ذكر المحاضر في الندوتين السابقتين بحثاً مقدّمياً في علم الإمام (عليه السلام) بالغیب على مستوى الآيات والروايات، مضيفاً أنّ المستفاد من الآيات يتطابق مع المستفاد من الروايات، وهذه نكتة في غاية الأهمّية، مستنتجاً من الآيات أنّ علم الغيب بذاته وبلا واسطة يختصّ بالله تعالى، وغيره تعالى يعلم الغيب بواسطة التعليم الإلهي، مضيفاً أنّ الأنبياء والأئمّة يعلمون ما لا يعلمه سائر الناس، فإنّ نبي الله عيسى (عليه السلام) أخبر قومه بما يأكلون وما يدّخرونه ، قال تعالى:﴿وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ﴾.

وهناك من يعتقد بكون الأئمّة علماء اتقياء، ويعلمون التفسير والأحكام، كأمثال ابن أبي يعفور وغيره من العلماء، وهم أعلى درجة من العلماء، ولا ننسب لهم أُموراً فوق طاقة البشر منها علم الغيب، ناسباً القول بعلم الإمام بما كان وما يكون وما هو كائن إلى المفوّضة والغلاة، ومدعياً أنّه لم يكن هذا الاعتقاد موجوداً في القرن الرابع والخامس.

 الغلاة هم القائلون بمقام الربوبية لأهل البيت (عليهم السلام)، وقد لعنهم الإمامان الصادق والرضا (عليهما السلام)، والمفوّضة أقلّ من الغلاة درجة، وهم القائلون بتفويض كلّ الأُمور التكوينية والتشريعية للأئمّة.

    فالآيات تدلّ على أنّهم شهداء على الناس: ﴿وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾، والشهادة على الأعمال تتوقّف على علمهم بها ، فليست الفكرة من المفوضة بل فكر شيعي خالص مستفاد من الآيات والروايات، فكان الأئمّة يُسألون في الأحكام والاعتقادات وغيرها فيجيبون.

الأقوال في علم الأئمّة

القول الأوّل: إنّ الأئمة (عليهم السلام) يعلمون بالأحكام والموضوعات الكلية دون الموضوعات الجزئية، فيعلمون بالموضوعات الكلية من قبيل الحوادث المستقبلية إلى يوم القيامة.

القول الثاني: إنّ علمهم حضوري وفعلي بجميع الأحكام والموضوعات الكلية والجزئية، وهو المستفاد من الآيات بنحوٍ مطلق، فعلمهم مثل شهادتهم على الأعمال بنحوٍ شامل، ﴿وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾، ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ﴾، وكقولهم: «الأشياء كلّها حاضرةٌ عندنا»، وأنّهم يعلمون بما کان وما یکون وما هو کائن إلی یوم القیامة.

الآيات ظاهرة في الإطلاق، والروايات تصرّح بعموم علمهم، مثل ما دلّ على علمهم بما کان وما یکون وما هو کائن إلی یوم القیامة، ومثل قولهم :عندنا علم الكتاب لا علمٌ من الكتاب.

فهم يعلمون الأحكام والموضوعات والكتب السماوية السابقة، حيث كان الأئمّة يقضون بينهم حسب القضاء عندهم، ويعلمون القرآن، وعليه لا يمكن أن نقبل ما كتبه بعض الكتّاب عن عدم علم الإمام الحسين (عليه السلام) بتفاصيل حادثة عاشوراء.

القول الثالث: إنّ علم الأئمة في جميع الموضوعات مقيّد بالإرادة، وفي الأحكام علمهم فعلي.

قد يُقال بتحديد علمهم في دائرة «ممّا فیه قوام دینهم»، ففي روايةٍ صحيحةٍ رواها الكليني في الكافي، عن الإمام الباقر (عليه السلام) أنّه قال: «أترون الله تعالى افترض طاعة أوليائه على عباده، ثمّ يُخفي عليهم أخبار السماء، ويقطع عنهم مواد العلم فيما يرد عليهم ممّا فيه قوام دينهم؟!».

فهل قوله: «ممّا فيه قوام دينهم» ينافي ما دلّ على شمولية علمهم أو أنّه يثبّت علمهم «ممّا فيه قوام دينهم»، وهو لا ينافي علمهم بأُمور أُخرى؟

وأشار إلى ارتباط بحث الشفاعة ببحث الشهادة، ولا يشفع الإمام لجميع المذنبين؛ حيث يشهد أعمالهم فقد لا يشفع لبعضهم، فإنّ الشفاعة لها شروط وضوابط.

وأضاف أنّ الأئمّة لعنوا المفوّضة ولم يلعنوا القائلين بعلم الأئمّة بالغيب، فلا بدّ من ملاحظة الجهة التي لُعن المفوضة من أجلها، ومجرّد الموافقة مع المفوّضة لا يستلزم بطلان القول، كما في العصمة والولاية التكوينية.

استعراض كلمات العلماء في علم الأئمة (عليهم السلام)

ثمّ استعرض أقوال العلماء في المسألة منهم الشيخ الأنصاري في رسائله: «وأمّا مسألة مقدار معلومات الإمام (عليه السلام) من حيث العموم والخصوص، وكيفية علمهم بها، ومن حيث توقّفه على مشيّتهم، أو التفاتهم إلى نفس الشيء، أو عدم توقّفه على ذلك، فلا يكاد يظهر من الأخبار المختلفة في ذلك ما يطمئنّ به النفس، فالأولى وُكول علم ذلك إليهم (عليهم السلام)».

معلّقاً عليه: أثبتنا مطابقة الروايات للقرآن، وعدم التهافت في الروايات، وأكثرها تدلّ على علم الإمام بنحوٍ مطلق، وبعضها مقيّدة بالإرادة، وهي روايتين وسندهما ليس معتبراً.

مع غض النظر عن الإشكال المتقدّم نقول: علم الإمام في الأحكام والموضوعات الكليّة فعلي، وفي الموضوعات الجزئية معلّق على إرادته «لو شاء علم».

ناقلاً لرأي أستاذه آية الله الوحيد الخراساني في علم الإمام، حيث فرّق بين علم الإمام بالأحكام فهو فعلي، وبين علمه بالموضوعات فهو معلّق بإرادته.

نقد المحاضر توقّف الشيخ الأنصاري في علم الإمام بالموضوعات.

ثمّ نقل كلام المحقّق الآشتياني تلميذ الشيخ الأنصاري: «الحق وفاقاً لمَن له إحاطةٌ بالأخبار الواردة في باب كيفيّة علمهم (صلوات الله عليهم أجمعين)، كونهم عالمين بجميع ما كان وما يكون وما هو كائن، ولا يعزب عنهم مثقال ذرّةٍ إلَّا اسم واحد من أسمائه الحسنى تعالى شأنه المختص علمه به تبارك وتعالى، سواء قلنا بأنّ خلقهم من نور ربّهم أوجب ذلك لهم، أو مشيّة أفاضة باريهم في حقّهم أودعه فيهم؛ ضرورة أنّ علم العالمين من أُولي العزم من الرسل والملائكة المقرّبين ـ فضلاً عمّن دونهم في جميع العوالم ـ ينتهي إليهم، فإنّهم الصّادر الأوّل، والعقل الكامل المحض، والإنسان التّام التمام، فلا غرو في علمهم بجميع ما يكون في تمام العوالم».

فقد أشار المحقّق الآشتياني إلى منشأ العلم هو الإفاضة الإلهية، وجعل منشأ علم جميع الأنبياء منتهياً إلى الصادر الأوّل، وهو الحقيقة المحمدية ـ فيتمثّل تارة في النبي، وأُخرى في أمير المؤمنين، وثالثة في سائر المعصومين ـ أو ذات النبي (صلّى الله عليه وآله).

مضيفاً أنّه لا يمكن نسبة الجعل في الروايات المتواترة ـ كما ذهب الآشتياني ـ إلى تواتر الروايات، ناقلاً تتمة كلامه: «ولا ينافيه بعض الأخبار المقتضية لكون علمهم على غير الوجه المذكور».

وأمّا ما رُوي من سؤال الإمام الصادق (عليه السلام) وهو جالس عند الحجر عن العين، وسؤال الإمام الحسين (عليه السلام) عن أخبار الكوفة من الوافدين منها، فكلّ ذلك لا يدلّ على جهل الإمام (الحكمة قد تقتضي بيان المطلب على غير وجهه)، فالإمام الحسين (عليه السلام) عالم بكلّ الجزئيات، لكنّ الحكمة تقتضي بيان المطلب بشكل آخر، من جهة قصور المخاطب، ونقصه أو جهة أُخرى من خوف، ونحوه، أو من جهة ليعلم التاريخ عن التفاصيل من قتل مسلم بن عقيل وقيس بن مسهر.

ثمّ نقل كلام المحقّق التنكابني، حيث فصّل أكثر من المحقّق الآشتياني، وقال بعد سرد الآيات والروايات في علم الإمام: «إنّ المعصومين (عليهم السلام) كانوا عالمين بجميع الأحكام والمعارف الأُصولية الاعتقادية، ممّا يتعلق بالله وملائكته وكتبه ورسله، وتفاصيل المحشر والبرزخ والقيامة، بطريقٍ أوفى وأكمل ممّا حصل لملكٍ مقرّب أو نبيٍّ مرسل، وأنّهم عالمون بما لم يعلم أحدٌ من خلقه، وأنّهم عالمون بجميع الأحكام الفرعية من الوقائع التي حدثت أو تحدث إلى يوم القيامة، وأنهم عالمون بجميع القرآن ظهراً وبطناً إلى سبعة أبطُن بل إلى سبعين، وعالمون بمحكمه ومتشابهه، ناسخه ومنسوخه، وعالمون بجميع اللغات، بل بمنطق الطير وسائر الحيوانات».

قال الإمام الباقر  لقتاده: «أنت فقيه أهل البصرة؟ قال: هكذا يزعمون. فقال أبو جعفر (عليه السلام): بلغني أنّك تفسّر القرآن؟ فقال له قتادة: نعم... ويحك يا قتادة إن كنت إنّما فسرت القرآن من تلقاء نفسك فقد هلكت وأهلكت، وإن كنت قد أخذته من الرجال فقد هلكت وأهلكت... ويحك يا قتادة، إنّما يعرف القرآن مَن خُوطب به».

ثمّ قال: ونتفق مع التنكابني في ما استنتجه من الآيات والروايات، من أنّ علومهم متناهية وعلم الله غير متناهٍ، ونختلف معه في أنّ علمهم في الأحكام وكثير من الموضوعات فعلية، وفي الموضوعات الجزئية إذا شاؤوا أن يعلموا علموا.

ناقلاً تتمّة كلام التنكابني : «وبها يُجمع بين الأخبار من غير غضاضة، ولا يبعد علمهم فعلًا بالحوادث والوقائع الكبار، الملاحم والحروب، وأسماء السلاطين الذين يملكون إلى يوم القيامة، إلى غير ذلك من الحوادث العظيمة كما دلّ عليه بعض الأخبار.... إنّما الإشكال في علمهم (عليهم السلام) فعلًا في جميع حالاتهم، في يقظتهم ونومهم، حياتهم، مماتهم، سائر حالاتهم، لجميع ما حدث في العوالم الماضية، ما يحدث إلى يوم القيامة، وبعد قيامها من حالات الخلق بجميع أطوارهم، شؤونهم، حركاتهم، سكناتهم وقيامهم، قعودهم، ونيات ضمائرهم، واجتماعهم، وافتراقهم، وعدد أنفاسهم، وكلّ ما وُلد ويُولد من أسمائهم وأسماء آبائهم، فإّن ذلك ليس بمعلوم».

وعلّق المحاضر على كلام التنكابني: أنّنا نتفق معه في اختصاص الله بحرف من الاسم الأعظم، المُعبّر عنه بالعلم المستأثر، ولم أجد مَن قال من علماء الشيعة بعلم الأئمّة بجميع علم الله (عزّ وجلّ) وإنكار الاختصاص به تعالى، ونختلف معه في الموضوعات الجزئية لو أرادو علموا إلى يوم القيامة بالقوة النورية القدسية، ولا يتنافى مع قوله تعالى:﴿فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لله﴾، المقصود العلم بلا واسطة، وعلم الأئمّة بواسطة، فلا يعدّ غيباً.

ثمّ نقل التنكابني كلام الميرزا القمي بأنّ «من و ما الموصولة لا عموم فيهما، إلّا أن تتضمّنا معنى الشرط»، وأيّد كلامه بعدم علم النبي (صلّى الله عليه وآله) في الأحكام والجزئيات، من قبيل انتظاره الوحي، فلا يعلم بالأحكام فعلياً، ومثل﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾، حيث اعتمد النبي (صلّى الله عليه وآله) على كلام وخبر الفاسق، وهيّأ نفسه والمسلمين للحرب ﴿أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ﴾ فلا يوجد علم، وجوابه: أنّ أهل البيت (عليهم السلام) كانوا يتعاملون بشكل ظاهر؛ لدواعٍ منها عدم تأليههم.

وللبحث تتمّة تأتي في ندوة لاحقة.

واستمع المحاضر لمداخلات الحضور وأجاب عنها.

 
 
البرمجة والتصميم بواسطة : MWD