1439 / جمادی‌الآخرة / 7  |  2018 / 02 / 23         الزيارات : 576532         صلاة الصبح |         صلاة الظهر والعصر |         صلاة المغرب والعشاء |

أبداً حُسين عليه السّلام

{ شريف راشد الصّدفي }
أبداً حُسين عليه السّلام

الإهداء :
مشهد لا يُفارق مخيّلتي منذ كنت طفلاً ، لا يكاد يميّز :
أبي يقرأ في تؤدةٍ أحداث مقتل الحُسين (ع) ، واُمّي تجلس
مستمعةً ، تتحسّر في أنينٍ متّصلٍ .
أشعرتني ـ قبل أنْ أعيَ ـ عبرات اُمّي ، كلّما ذُكر الحُسين (ع) 
أنّ في الأمر شيئاً مُبهماً .. فبذلت العمر كيْما أجلوه .
فإلى روحيَهما اُهدي هذا العمل .
ربّ ارحمهما كما ربّياني صغيراً .
شريف راشد الصدفي
________________________________________
الصفحة (4)
ودَعَاء 
إلى الله عزّ وجلّ أنْ يرزقني وولديّ الحُسين سَميّ جدّه الشّهيد ابن عليّ (ع) , وعمّار سميّ الشهيد ابن ياسر  , الشّهادة في سبيله .
________________________________________
الصفحة (5)
 
مقدّمة 
كان من المفترض أنْ يكون هذا العمل دراسة أكاديميّة ، لنيل درجة جامعيّة في تخصّص المعتقدات الشعبيّه ، بعنوان : ( الحُسين بن عليّ (ع) في المعتقد الشعبي المصري ) ولكن حدث أمران أوّلهما : 
أنّني لاحظت ملاحظتين أثناء البحث الميداني بتقنياته المختلفة ، الأولى : غياب ، أو بالأحرى تغييب الحدث الأساس المرتبط بالحُسين (ع) ، أعني الخروج والاستشهاد ، تغييباً يكاد يكون مطلقاً . والاُخرى لا تقلّ عنها غرابة : ملاحظة وقوع استبدال وخلط مصاحبينِ للإحتفاء بذكرى الحُسين (ع) حين تسود مظاهر احتفاليّة انشراحيّة في مواقف استدعاء الحزن النبيل . كلتا الملاحظتين تشيان بعدم البراءة ، ولكن يلمح فيهما من قريب توفّر ركن العمد .
 وأمّا ثاني الأمرين :
فاختلافي مع الأساتذة الأجلاّء المشرفين على تعاقبهم ، حيث أُريد لي قصر البحث على المرحلة الوصفيّة ، كما اختلفت معهم في زاوية الرصد .
كلا الاختلافين ربما لا يتواجدان في ظلّ مناخ أكثر سماحةً ، وتبييناً لمفهوم حريّة البحث العلمي .
________________________________________
الصفحة (6)
وكلا الأمرين دفعاني لإعادة صياغة خُطّة البحث ، وصرف النظر عن التقدم للدرجة الجامعيّة ، فالأمر أجلّ من نيلها وأخطر من تناولها من منظور ترفي ، مستعيضاً عن الدرجة بأرفع منها ... أنّني أنال شرف المساهمة في جلاء قضية الحُسين (ع) ... قضيّة الحقّ على مرّ الزمان .
على أنّني أتوجّه بهذا العمل على وجه الخصوص إلى إخوتي من أهل السنّة ، ولعلّهم يتريّثون في قراءته ويمنحون عقولهم فرصة تدبّر هادئ بعيداً قليلاً عمّا ألفوا عليه أنفسهم ، فالحقّ أحقّ أنْ يُتّبع , كما أرجو أنْ تشمل الفائدة إخوتي الشيعة الذين وجدتُ غير قليل منهم لا تتوفّر لديهم رؤية شاملة لأبعاد قضيّة الحُسين (ع) .
ذلك أنّ معظم الكتابات السابقة حول الحُسين (ع) تناولت ، إمّا المقاتل أو المناقب ، وهذه بطبيعتها وصفيّة عاطفيّة ، واُخرى وقفت نفسها على السرد التاريخي المجرد ، وهو على أهميّته القصوى مجرد مادّة خام ، وأقلّ القليل منها الذي غلب عليه الطابع التحليلي .
أيضاً فإنّ المجتمعات التي غلب عليها الفكر السنّي التقليدي ، مُورست فيها وسائل التعميّة والتهميش لقضيّة الحُسين (ع) ، بشكل يُقصيها عن أيّ محاولة لتأصيلها كمرجعيّة شرعيّة ، حتّى إنّ الجماعات الثائرة على أنظمة هذه المجتمعات ـ بغضّ النظر عن صحة أو خطأ مشروعاتها ـ لمْ تجد مخرجاً لمأزقها الناجم عن موروثاتها المحرّمة للخروج ، إلاّ التكفير الصريح لتحقيق التغيّر كما تراه .
ومن هُنا كانت هذه الدراسة تَعني بالدرجة الأولى بتقصّي أسباب انهيار الدولة الإسلاميّة ، ذلك الانهيار المتسارع المُذهل الذي دعا الحُسين (ع) في النهاية إلى خروجه المشهود .
________________________________________
الصفحة (7)
كما تستهدف استشراق مستقبل يفكّ فيه الاشتباك التاريخي بين السنّة والشيعة ، وهو الناجم في جزء كبير منه عن المعالجة المغلوطة للنصوص بما يُؤسّس وعياً توحيديّاً لبنية النظام الإسلامي .
ثمّ إنّني أحبّ ألاّ يفوتني أنّ أُسجّل هُنا عظيم تقديري لعَلمين إسلاميّين بارزين ، هُما : الشّهيد سيّد قطب والسيّد مرتضى العسكري ، جزاهما الله خير الجزاء على ما بذلاه من جهد ، انتفعنا به لسبر أغوار الحقيقة .
والحمد لله ربّ العالمين          
القاهرة في رمضان عام / 1421 هـ
شريف راشد الصدفي          
________________________________________
الصفحة (8)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ 
( مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مّن قَضَى‏ نَحْبَهُ وًَمِنْهُم مّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدّلُوا تَبْدِيلاً )(1) .
صدق الله العلي العظيم
***
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ 
( وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنّا بِاللّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ * يُخادِعُونَ اللّهَ وَالذينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاّ أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ * فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللّهُ مَرَضاً وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَتُفْسِدُوا فِيْ الْأَرْضِ قَالُوا إِنّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * أَلاَ إِنّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلكِنْ لاَيَشْعُرُونَ )(2) .
صدق الله العلي العظيم
ـــــــــــــــ
(1) سورة الأحزاب / 23 .
(2) سورة البقرة / 8 ـ 12 .
________________________________________
الصفحة (9)
الباب الأوّل 
تمهيد
________________________________________
الصفحة (10)
الظرف الطبيعي ـ الاجتماعي 
لعلّه من نافلة القول ، إنّ دراسة مجتمع من المجتمعات تحتاج إلى نظرة شاملة في غير تعميم مخلّ ، وبحث مفصّل في غير إطراد مملّ ، واستقصاء وتمحيص بعدينِ عن التحيّز ، ثمّ الخلوص بعد ذلك كلّه إلى نتائج محدودة ظاهرة ، يتوخّى فيها القُرب من الحقّ والبُعد عن الهوى ؛ لتكشف لنا عمّا خفي وراء الأحداث ، ولتُعيد بناء العلاقات بينها كما كانت في وقوعها أوّل مرّة ، ولكنّها هذه المرّة من خلال منظار يستظهر ما خفي ، أو ما حاول البعض إخفاءه ، ويكبّر ما صغر أو حاول البعض استصغاره .
وقضيتنا هذه خليقة بهذا الضرب من البحث ، لمّا كانت غائرة في عمق التاريخ الإسلامي الحافل بتساؤلات جادّة لمْ يحظَ  سائلوها بإجابة بعدُ ، كما هي آثارها الممتدّة إلى واقع مجتمعاتنا المعاصرة .
وعلى هذا ، فإنّ دقّة البحث وأمانته تقتضي إجالة البصر في كلّ الزوايا ولو كثرت ، وحثّ السير في كلّ الدروب ولو تشعّبت ، والإمعان في تلمس الأسباب ولو بعدت ، كلّ ذلك في غير خشية ملامة في الحقّ ، مادام الحقّ رائدها . 
والحقّ , أنّ قضيتنا هذه تتخلل جذورها عديداً من الطبقات وإنْ جمعتها تربة واحدة ؛ وذلك شأن كلّ قضية تتّصل بسبب باجتماع البشر معاً ـ فرُغم وحدة الموضوع ـ إلاّ أنّه ينتظمه العديد من الأنساق التي هي مكونات البنية الاجتماعيّة .
________________________________________
الصفحة (11)
أو قُل : إنّه دالة في متغيّرات متعدّدة ، كلّ متغيّر منها دالة في متغيرات اُخر ، وبذا فهو دالة في دوال .
هذه الدوال المستقلّة فرضاً والمتعلقة ببعضها , حقيقة هي المؤثرات الحقيقيّة في الموضوع محل البحث . 
وهذه الدوال ـ الأنساق ـ هي : البيئة الطبيعيّة ( الأيكو لوجيا ) ، الاقتصاد ـ القرابة ـ الثقافة ، ثمّ مركّباتها من بعد .
ولقد كان لمضمون هذه العوامل ـ الأنساق ـ في البيئة العربيّة الأولى، الأثر البالغ فيما تلبسها من أحداث لازمتها ثمّ أعقبتها فيما لا يزال يتخلل حياتها حتّى اليوم. وحسبنا من ذلك ما أورده الباحثون من مثل أثر جدب بلاد العرب في جاهليتهم ، في دفعهم للإغارة وما تبع ذلك من حروب مبيرة , وأثّر ذلك في أغراض شعرهم حماسةً وفخراً وذكراً لأيّامهم , ثمّ ما استتبع ذلك من نسق قيِمي يعلي شأن العصبيّة بالدرجة الأولى ، وهي القرابة القريبة التي جرت فيهم مجرى الدماء في العروق ، ولمْ تخمد نارها لقرون تلت حتّى بعد أنْ حاول النظام الإسلامي تجفيف منابعها ، فلمْ تمتنع حتّى جرفت في طريقها النظام نفسه .
فلذلك ـ إذاً ـ نسق ( الأيكولوجيا ) وما كان له من آثار بعيدة ، ولكن لا يحسبن أحد أنّه القول الفصل في التشكيل الاجتماعي ، وإنّما ارتبط ذلك بمنطقة معيّنة في طور معيّن على مدرج تطوّرها , وهو ما يؤكّده علماء الاجتماع(1) من أثر البيئة يكون أوضح ما يكون في أشكال الحياة البسيطة والتقليديّة ، ثمّ تخفّ قبضة البيئة شيئاً فشيئاً مع اطراد التقدّم الثقافي الذي
ـــــــــــــــ
(1) د . أحمد أبو زيد ، البِناء الاجتماعي / 79 , الإسكندريّة , الهيئة المصريّة العامّة للكتاب عام / 1979 م .
________________________________________
الصفحة (12)
يُتيح قدراً متزايداً من السيطرة والتحكم في الظروف الطبيعيّة(1) , وآية ذلك في مثلنا السابق . 
إنّ السبب البيئي للعصبيّة قد زال أو يكاد يزول لمّا غَشيهم الإسلام ، فعمّهم الرخاء بعد جدب ، وحلّ بهم الثراء بعد إدقاعٍ عندما أغنتهم الأنفال ووصلهم الخراج . 
فقد زال ـ إذاً ـ السبب وبقي المسبب ، ولكن لعوامل اُخرى تتّصل بطبيعة البِناء النفسي الجمعي ، وطبيعة المرحلة التي كانوا يتجاوزونها ، وعوامل السياسة والمصالح .
البيئة العربيّة 
تقع بلاد العرب أو شبه الجزيرة العربيّة في الطرف الجنوبي الغربي لقارّة آسيا ضمن ما يُعرف بـ ( منطقة الحزام الصحراوي الكبير ) , الذي يبدأ من الصحراء الكبرى في غرب أفريقيا ، ويمتدّ شرقاً ليشمل بلاد العرب ، ثمّ منطقة آسيا الوسطى الصحراويّة .
وتتكوّن بلاد العرب من عدّة مناطق يحسم تقسيمها العامل الجغرافي بالأساس ، فهذا جبل السراة الممتدّ من اليمن إلى أطراف بادية الشام ، يقسّم البلاد قسمين : غربيّاً وشرقيّاً .
 فالغربي : يهبط من سفح ذلك الجبل إلى شاطئ البحر الأحمر ، فيُسمّى بالغور لانخفاضه ، أو تهامة لحرّه .
 والشرقي : صعد إلى أطراف العراق والسماوة ، فيُسمّى نجداً لارتفاعه . 
وما يفصل
ـــــــــــــــ
(1) فطن ابن خلدون من قبلُ لهذه العلاقة :  البيئة ـ الإنسان . ورأى أنّ للبيئة أثراً بعيداً في أبدان البشر وأخلاقهم وطبائهم ، وذلك في مقدمتيه الرابعة والخامسة من الفصل الأوّل من الكتاب الأوّل من تاريخه . كما انتقد في ذات الموضوع رأي المسعودي الآخذ عن جالينوس ، عندما حاول تعليل طبائع السودان بردّها إلى ضعف عقولهم الناشئ عن ضعف أدمغتهم .
________________________________________
الصفحة (13)
بين الغور ونجد ، يدعونه حجازاً لحجزه بينهما , أمّا ما ينتهي به نجد في الشرق حتّى يصل إلى الخليج من بلاد : اليمامة والكويت والبحرين وعُمَان ، فيُسمّى بالعروض لاعتراضه بين اليمن ونجد .
وما يمتدّ وراء الحجاز إلى الجنوب ، فيُسمّى اليمن , إمّا ليمنه أو لأنّه يقع جهة اليمين للناظر نحو مشرق الشمس ، كما اعتاد الأوّلون في تحديد اتّجاهاتهم .
وما بين آكام عُمَان الجبليّة ونجد تمتدّ منطقة شاسعة تُدعى بالربع الخالي .
وبذلك فإنّ تضاريس شبه الجزيرة العربيّة يغلب عليها الطابع الجبلي والصخري في الغرب والجنوب ، وتتحول إلى صحراء رمليّة فيما خلا ذلك .
هذا عن موقع البلاد وتضاريسها ، وأمّا الماء مصدر الحياة فقد توزع جود السماء والأرض به على أنواع ثلاثة :
أمطار غزيرة تصحب الرياح الموسميّة صيفاً ، وتهطل على جبال اليمن في الجنوب ، فتحمل معها مواداً غرينيّة ومعدنيّة تخصب السهول والوديان وتجعلها صالحة للزراعة .
أمطار قليلة ونادرة في سائر بلاد العرب ، ولكنّها على قلّتها كافية لإنبات الكلأ الذي يُمكّن من الرَعي .
مياه جوفيّة تتبدّى في آبار وعيون ، وخاصّة في منطقة الحجاز ، وإنْ توزّعت شمالاً وجنوباً ممّا أتاح نشوء الواحات المتفرّقة .
علاقات الإنسان ـ البيئة 
تتداخل أنساق البِناء الاجتماعي وعلى الأخصّ في المجتمعات التقليديّة ـ كما أسلفنا القول ـ تداخلاً شديداً بحيث يتعّذر الفصل بينها لأغراض الدراسة ،
________________________________________
الصفحة (14)
إلاّ أنّنا نحاول هنا قدر الإمكان تَتبّع التأثير والعلاقات المتبادلة بين الإنسان والبيئة ، لمَا كنّا نظنّ أنّ الكشف عن هذه العلاقات المحتملة ـ ونؤكّد على احتماليّتها ـ وِفْق مقتضيات منهج البحث العلمي ستفيدنا في الإعانة على فهم ما سيجدّ من أحداث .
1 ـ فقد كان لغزارة المطر الجنوبي وصلاحيّة الأرض للزراعة أنْ توفرت الشروط الموضوعيّة الكافية لإقامة مجتمعات مستقرّة تعتمد الزراعة نشاطاً رئيسيّاً لها .
ثمّ إنّ هذه الظروف شحذت هِمم القوم للحفاظ على منبع الخير هذا، فاستحدثوا الوسائل الماديّة التي تُمكّنهم من تجميع المطر وضبط صرفه، ممّا نشأ معه نظام ري متقدّم, ولعلّ سدّ مأرب خير دليل على ذلك .
وإلى هُنا ، فإنّ وفرة العيش والنزعة الإيجابيّة في التعامل مع الظرف الطبيعي والشعور بالاحتياج المشترك لنظام عام للضبط , تبلور في نمط للإنتاج ، ساعد على التطوّر بما نشأت معه حضارات ودول مركزيّة في تلك المنطقة من بلاد العرب ، فكانت هناك دول : أوسان , ومعين ، وحضر موت ، وقتبان , وسبأ(1) .
وبالإضافة إلى منتجات اليمن الزراعيّة ذات القيمة التجاريّة العالية : كالصبر والبخور والصمغ ، فقد ساعدها موقعها الجغرافي لتكون مركز تجارة واسع المدى ، تجمع إليه تجارة شرق أفريقيا والهند وما وراءها من : توابل وذهب وعاج ، وأبنوس وحرير صيني , إضافة إلى إنتاجها الأصلي من الأحجار الكريمة : كالعقيق والعنبر واللؤلؤ .
ـــــــــــــــ
(1) د . مصطفى العبادي ، تاريخ العرب قبل الإسلام  ـ بيروت ـ كريديه إخوان ، د . ت .
________________________________________
الصفحة (15)
وذاعت شهرة اليمن في الآفاق حتّى تحدّثت العرب عن حضارتها الراقية ، ومدنها المشيّدة وقصورها المنيفة ، وحللها اليمانيّة ذائعة الصيت , حتّى أطلق عليها الأقدمون : اليمن السعيد , أو ( ARABIA FELIX ) بالرومانيّة ، وحتّى حدّث القرآن عن عظمة إحدى حضاراتها سبأ : ( فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإِ بِنَبَإٍ يَقِينٍ * إِنّي وَجَدتّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلّ شَيْ‏ءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ )(1) . ( لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنّتَانِ عَن يَمِينٍ وَشِمالٍ كُلُوا مِن رّزْقِ رَبّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيّبَةٌ وَرَبّ غَفُورٌ )(2) .
ولعلّ تلقيب أشراف اليمن بـ ( الأذواء ) ، ذو دلالة على شأن حضارتهم ، إذ إنّهم لمّا تنافسوا في تشييد الدور وولعوا بإقامة القصور من فرط الخير وسعة الثراء ، جعلوا يُلقّبون أنفسهم بإضافة ( ذي ) إلى القصر أو المحفد ، مثل : ذي المغلس ، وذي يزن(3) , على أنّ الأيّام كعهدها لمْ تدمْ لهم ، فرُزئوا بسيل العرم الذي أغرق أرضهم وخرّب ديارهم ومزّق جمعهم ، فكانت هجرتهم إلى الشمال منتصف القرن الخامس قبل الميلاد .
2 ـ في الوقت الذي تنزّلت السماء على أهل الجنوب مدراراً ، شحّت على أهل الشمال فحدّدت النشاط الذي يُمكّنهم القيام به ، وهو الرَعي بالأساس . وهكذا تعين الفلك الذي يضطربون فيه وهو منابت الكلأ ، يردّدون بين مواطنه ماشيتهم , يخرجون في مواسم المطر يتتبّعون مواضع القطر ، يلتمسون فيها غذاءً لماشيتهم , فإذا انتهى الموسم عادوا أدراجهم إلى مساكنهم الأولى
ـــــــــــــــ
(1) سورة النمل  / 22 ـ 23 .
(2) سورة سبأ / 15 .
(3) تاريخ العرب ، مصدر سابق / 54 .
________________________________________
الصفحة (16)
حتّى يحول الحول , وهم في ذلك يتعيّشون على نتاج ماشيتهم ونوقهم ذات المثل الأعلى في التكيف مع البيئة ، فيأكلون لحومها ويشربون ألبانها ويلبسون أوبارها , فلا صِناعة ولا زِراعة ولا تِجارة ولا ملاحة ، وتلك خصيصة المجتمع البدوي في أبسط أشكاله , في هذا المجتمع البدوي الذي يسدّ أهله حاجاتهم من قريب ، ويعتمدون اعتماداً مُطلقاً على ما تجود به السماء ، دونما بذل لجهد أو معالجة لقوى الطبيعة ، تعمل النزعات السلبيّة عملها في نفوس أهلها ، فلا هم ينشطون للاستزادة من خير ، ولا هم ينزعون لمصادر اُخرى ، ولا هم يقدحون أذهانهم بحثاً عن رُقي ، وإنّما حسبهم ما يسدّ حاجتهم من أقرب طريق , ومثل هذا الضرب من الحياة لا يُنشئ حضارة ولا يرقّي اُمماً . 
فإذا عرفنا إنّ مثل هذا النشاط الرعوي لا يُجدي معه قرار في مكان مع ما يستتبعه من ضآلة السكان ، عرفنا لماذا لمْ يكن لهم من كيان ، فلا دولة ولا شبه دولة كالذي عرفنا في الجنوب , فإذا أعوزتهم الحاجة وقصرت مواردهم عن الوفاء بمتطلباتهم ، لجأوا إلى الغارة والسلب ، وإذاً فهي الحرب المستمرّة والثارات المتعاقبة ، وذلك يتطلب قوّة ، والقوّة في الجماعة ، وإذاً فهي القبيلة المنعة والملاذ ، وهي الحميّة وهي العصبيّة .
3 ـ وبين هؤلاء وهؤلاء قوم تفجّرت من تحت أرجلهم عيون ، وزادوها آباراً احتفروها بأنفسهم ، فنشأت واحات مستقرّة توزّعت بين الجنوب والشمال : كمكّة ويثرب . فكانت محطّات على طُرق التجارة , وهنا نشأ نوع آخر من النشاط , فمن الناس مَن عمل هادياً وسائقاً وحارساً للقوافل ، ومن القبائل مَن اتّخذت نفسها حامية للقوافل المارّة بها نظير جعل مقرّر , ومن القبائل مَن اتّجرت لنفسها بنفسها كقريش بمكّة ، وفي ذلك يحدّثنا القرآن :
________________________________________
الصفحة (17)
( لإيلاَفِ قُرَيشٍ * إِيلاَفِهِمْ رِحْلَةَ الشّتَاءِ وَالصّيْفِ * فَلْيَعْبُدُوا رَبّ هذَا الْبَيْتِ * الذي أَطْعَمَهُم مِن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِنْ خَوْفٍ )(1) .
والتجارة كرأس مال عامل تحتاج في حفظها إلى مناخ آمن وطمأنينة شائعة ، وهذا ما توفّر لمكّة على وجه الخصوص ، أنّها كانت حرماً آمناً ، وكعبتها مثابةً للناس ومزاراً , ثمّ كانت الأشهر الحُرم التي تواضعوا عليها حفظاً لهذا النشاط أنْ يدوم .
والتجارة في النهاية واسطة بين منتج ومستهلك ، بما يعني ذلك من اتّصال بين الأقوام ، وما يستتبعه من تفاعل بين الثقافات ، وما يتطلّبه من معرفة بالألسن .
فإذا كانت الزراعة مانعة من الانتقال، وكانت البداوة في صحراء شاسعة حاجبة لأهلها من غيرها من الاُمم ، فقد كانت التجارة واسطة العرب في معرفة الاُمم الاُخرى , على أنّ التجارة تصيغ ممارستها صياغة خاصّة ، وتُضفي عليه سمات مميّزة غير تلك التي للبدوي الظاعن والزارع المطمئن . وهذا ما سنعود ـ إنْ شاء الله ـ لبحثه من بعد تلمّسٍ لمفتاح من مفاتيح فهم ما اُستغلق من صراع مستعر نخر في عظام هذه الاُمّة حتّى اليوم , على أنّنا في هذه الجولة ، عنّ لنا سؤال خطير لمْ نظفر له بجواب حتّى الآن ، وهو : لماذا كان هناك عداء مُستحكم مُرّ بين عرب الشمال وعرب الجنوب ؟
لن نسرع هنا بالبحث عن جواب ، وإنّما نُرجئ ذلك إلى ما بعد دراسة نسق القرابة ، فلعلّنا نظفر منه بجواب .
ـــــــــــــــ
(1) سورة قريش / 1 ـ 4 .
________________________________________
الصفحة (18)
نسق القرابة 
الواقع إنّ دراسة المجتمعات التقليديّة ومنها المجتمع القبلي ـ الذي هو محلّ دراستنا الآن ـ يحتاج إلى وقفة متأنّية كلّ الأناة لتناوله ؛ ذلك أنّ علاقات القرابة فيه تتشج بغيرها من علاقات البِناء الاجتماعي بوشائج شتّى حتّى يكاد يكون من المستحيل فهم الأخيرة دون الرجوع إلى الأولى . ومجتمعنا هذا بدوي وما كان منه من الحواضر , فإنّ أصله بدوي أو كما يقول ابن خلدون : البدو أصل للحضر ومتقدّم عليه(1) .
ومثل هذه المجتمعات تشترك ـ وإنْ اختلفت في بعض تفاصيلها ـ في خصيصة واحدة تتمثّل في كونها تقع ضمن نظام متماثل في التناسل وطبقاته وتعاقب الأنساب فيه ، وذلك هو النظام الذي تُطلق عليه البحوث الأنثربولوجية اسم : (2)( نسق البدنة الانقساميّة ـsegmentary lineage system). بمعنى : الجماعة القرابيّة الكبيرة المعقّدة التي لا تزال تنقسم إلى وحدات أصغر فأصغر .
ونحن إذا حاولنا تتبّع أصل العرب في تسلسلهم ، وجدنا أنّ أغلب الآراء فيه ظنّيّة ؛ لقلّة الشواهد التاريخيّة والآثار المادية التي وصلت إلى أيدي الباحثين المحدثين ، كما أنّ الأقدمين اعتمدوا في تأريخهم على ما نما إلى عملهم من روايات شفهيّة وبعض المدوّنات القليلة ، كأسفار التوراة .
يزعم المؤرّخون(3) أنّ العرب ينتمون إلى خليط من جنسين ، هُما : الجنس
ـــــــــــــــ
(1) ابن خلدون ، التاريخ  1 / 103  ـ بيروت ـ مؤسّسة جمال .
(2) د . أحمد أبو زيد ، المرجع السابق / 323 .
(3) كارل بروكلمان ، تاريخ الشعوب الإسلاميّة 11 / 15 ، تعريب نبيه أمين ومنير البعلبكي ـ  بيروت ـ  دار العلم للملايين / 1988 م .
________________________________________
الصفحة (19)
الشرقي أو الإيراني ، وجنس الشرق الأدنى أو الأرمني . وأنّ الأخير انتشر في زمن ما نحو الجنوب , ومنذ الألف الثالث قبل الميلاد نزحت جماعات من شعوب الجزيرة العربيّة نحو الشمال . 
وهم يُرجعون أصل العالم بعد الطوفان إلى أولاد نوح ، وهم : سام أبو العرب ، ويافث أبو الروم ، وحام أبو الحبش والزنج . ثمّ إنّهم يُقسّمون العرب بعد ذلك إلى ثلاثة أقسام :
بائدة : وهم الذين درست أخبارهم ولمْ يبقَ من ذكرهم إلاّ أقلّ القليل ، كعاد وثمود .
عاربة : وهم أهل الجنوب اليمنيّون ، وينتمون إلى يعرب بن قحطان المذكور في التوراة ، باسم يارح بن يقطان .
مستعربة : وهم ولد إسماعيل بن إبراهيم ، والذي صاهر جدّهم ، ولمْ يُعرف من بَنيه ـ على وجه التحقيق ـ سوى عدنان ، وهو أبو عرب الشمال .
فالعرب إذاً : عدنانيّة وهم أهل الشمال , وقحطانيّة وهم أهل الجنوب ، وعلى ذلك سار كلّ المؤرخين .
على أنّ ذلك ـ أيضاً ـ لا يُغنينا ، فإنّا نحتاج إلى شيء من التفصيل كيْما نُدرك طبيعة العلاقة بين عرب الجنوب وعرب الشمال ، فربما أفادنا في الإجابة على سؤالنا الأوّل .
يسعفنا في مهمّتنا هذه الطبري(1) فيما رواه من سلسلة نسب ولد نوح ـ كما نقله عن التوراة فيما يقول ـ وقد أفرغنا الرواية في الشكل البسيط التالي :
ـــــــــــــــ
(1) أبو جعفر الطبري ، تاريخ الرسل والملوك 1 / 210  ،  تحقيق محمّد أبو الفضل إبراهيم ـ  القاهرة ـ  دار المعارف 1977 م .
________________________________________
الصفحة (20)
سلسلة نسب العدنانيّة والقحطانيّة

________________________________________
الصفحة (21)
أوّل ما نلاحظ في سلسلة النسب السابقة أمران ذوا خطرٍ :
أوّلهما : أنّ العدنانيّة وُلد إبراهيم ـ في إحدى السلسلتين من عابر ـ كان فيهم كعبة العرب بمكّة ، كما كان فيهم النبوّة والكتاب .
وثانيهما : أنّ اللخُميين من قحطان ، وهوالذي سكن الجنوب ، قد عرفنا منازلهم بالحيرة من تخوم فارس بالشمال .
فالأمر إذاً ليس كما أسلفنا في تبسيط عرب الجنوب والشمال ، وإنّما لا بدّ أنّه أعمّ من ذلك وأكثر غوراً ، خاصّة وقد علمنا من التاريخ أنّه كانت هناك إحنٌ وضغائن غلبت في الأعمّ على قبائل الشمال ، وظهرت جلية واضحة في كلّ الأحداث التي تلت من بعد .
عرفنا ذلك في الجمل ، وعرفناه في صفّين ، كما عرفناه في حكومة الأشعري وابن العاص , فإذا كان الأمر كذلك ، فلا بدّ إذاً من تعديل صيغة السؤال لتنحية القسمة الجغرافيّة واستبدالها بعلاقة الانتماء ، أي : السؤال عن علّة الصراع بين مَن ينتمون لعرب الشمال ، ومَن ينتمون لعرب الجنوب على اختلاف منازلهم .
إنّ إدراك هذا المطلب يتطلّب منّا البحث في أمرين :
أوّلهما : الاستمرار في تعقّب أنساق الأنساب حتّى استقرارها ، وعدم الرضا بالوقوف عند حدّ قسمة العدنانيّة والقحطانيّة .
وثانيهما : الإيغال في معرفة منازل شعوب العرب ، واضطراب قبائلها في الأقاليم وتوزّع بطونها في الأنحاء ، أو ما يسمى : بالمورفولوجيا الاجتماعيّة .
ولعلّه ممّا يفيد معرفةً ، أنّ العرب ترتب نفسها على ستِّ طبقات :
1 ـ شعوب : ومفردها شعب ، مثل : ربيعة ومضر ، والأوس والخزرج .
2 ـ قبائل : وهي دون الشعب ، مثل : بكر من ربيعة .
3 ـ عمائر : ومفردها عمّارة وهي دون القبيلة ، مثل : قريش من كنانة .
________________________________________
الصفحة (22)
4 ـ بطون : واحدها بطن ، وهي دون العمّارة ، مثل : قصي .
5 ـ أفخاذ : واحدها فخذ ، وهم دون البطن ، مثل : هاشم .
6 ـ فصائل : وهم عشيرة الرجل ورهطه الأدنون ، مثل : بني العبّاس .
ونستعين في استخلاص شجرات الأنساب ، ومعرفة منازل القوم بنتائج إحدى الدراسات الحديثة : ( أطلس تاريخ الإسلام )(1) .
ـــــــــــــــ
(1) د . حسين مؤنس ، أطلس تاريخ الإسلام ,  القاهرة , الزهراء للإعلام العربي ، عام / 1987 م .
________________________________________
الصفحة (23)
________________________________________
الصفحة (24)
________________________________________
الصفحة (25)
ونحن إذا تفحّصنا سلاسل الأنساب وتتبّعنا حركات القبائل ، نجد أنّ الحركة أخذت دائماً اتّجاهاً واحداً من الجنوب إلى الشمال ، فبينما سكن ولد عدنان شبه الجزيرة من غير اليمن ، فإنّ ولد قطحان سكنوا اليمن ثمّ غشوا ولد عدنان في شمالهم .
فهذان الشعبان الرئيسان : ربيعة ومضر من عدنان ، تتوزّع أشهر قبائلهما في الشمال على النحو التالي :
أسد من ربيعة ، ويسكنون وادي الرمة .
الصفحة (26)
كلب ، ببادية الشام . 
جهينة ، ونزلوا بوادي إضم بالحجاز . 
هذه إذاً جملة أنساب العرب ومنازلهم في شبه جزيرتهم وما جاورها من تُخوم الروم والفرس .
فماذا تُخبرنا به علاقة ( النّسب ـ الجغرافيا ) هذه ؟
يقول أحمد أمين(1) في معرض تعليقه على هذه العلاقة : ... وبنَوا عليها عصبيّتهم ، وانقسموا في كلّ مملكة حلّوها إلى فِرق وطوائف حسْبما اعتقدوا في نسبهم ، وأصبحت هذه العصبيّة مفتاحاً نصل به إلى معرفة كثير من أنساب الحوادث التاريخيّة ، وفهم كثير من الشعر والأدب ، ولا سيّما الفخر والهجاء . 
والإسلام جاء ، وكان قد تمّ اعتقاد العرب بأنّهم في أنسابهم يرجعون إلى أصول ثلاثة : 
ربيعة ومضر واليمن ، وأخذ الشعراء يتهاجون ويتفاخرون طبقاً لهذه العقيدة ، واستغلّها خلفاء بني اُميّة ومن بعدهم ، فكانوا يضربون بعضاً ببعض .
على أنّه لا ينبغي أنْ يفوتنا ذكر ، أنّ تلك العصبيّة لمْ تكن مقصورة على النّسب الصريح وحده ، وإنّما وجدت دونها عصبيّات من أنواع اُخر ؛ فمنها ما كان من الموالاة رقّاً واصطناعاً ، ومنها ما كان من المحالفة ، ومنها ما كان من آثار نظام الزواج لديهم ، ومنها ما كان من قدم العهد بالتبنّي .
ولعلّنا ـ بإشارتنا إلى هذه النُّظم ـ نكون قد استكملنا دراسة نسق القرابة الذي نتعهّده .
ـــــــــــــــ
 (1) أحمد أمين ، فجر الإسلام / 8 ، ط 12 , القاهرة , مكتبة النّهضة المصريّة ، عام / 1978 م .
________________________________________
الصفحة (27)
فمن العصبيّة تحالفاً حلف المطيبين والأحلاف ، إذ تنازع القيام بأمر الكعبة بنو عبد مناف وبنو عبد الدار وكلاهما من قصي ، فاجتمع مع بني عبد مناف بنو أسد بن عبد العزى بن قصي ، وبنو زهرة بن كلاب وبنو تميم بن مرة وبنو الحارث بن فهر بن مالك ، وهؤلاء هم المطيّبون , واجتمع مع بني عبد الدار بنو مخزوم وبنو سهم وبنو جمح وبنو عدي بن كعب ، فهؤلاء هم الأحلاف , وثبت كلّ قوم مع من حالفوا حتّى جاء الإسلام (1)
ومن العصبيّة موالاة سالم مولى أبي حذيفة . 
ومن العصبيّة استلحاقاً عنترة بن شدّاد بعبس .
وفي ذلك يقول ابن خلدون(2) : إذا اصطنع أهل العصبيّة قوماً من غير نسبهم أو استرقّوا العبدان والموالي والتحموا بهم ـ كما قلنا ـ ضرب معهم أولئك الموالي والمصطنعون بنسبهم في تلك العصبيّة ، ولبسوا جلدتها كأنّهم عُصبتهم .
ثمّ إنّهم كانوا يتبنّون ، فيلحقوا نسب المتبنّى بمَن تبنّاه ، وأشهر مثل لذلك زيد بن حارثة ، إذ كانوا يدعونه زيد بن محمّد حتّى نزلت الآيات بتحريمه : ( ادْعُوهُمْ لِأَبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللّهِ )(3) .
وكذلك كان نظام الزواج عندهم يُمكن أنْ ينشأ عنه خلط في الأنساب ، فيجوز للوليد أنْ يُنسب إلى أبٍ ـ تواضعت عادات القوم على تحديده ـ من غير أبيه الطبيعي(4) . فقد كانت هناك حريّة في الاتصال الجنسي ، ينشأ
ـــــــــــــــ
 (1) ابن الأثير ، الكامل في التاريخ 1 / 350 , بيروت ,  دار الكتب العلميّة ، عام / 1987 م .
 (2) ابن خلدون ، مرجع سابق / 114 .
 (3) سورة الأحزاب / 5 .
 (4) وهو ما يُسمّى في الدراسات الاجتماعيّة الحديثة بـ ( الأب الاجتماعي ) ، تفرقة بينه وبين ( الأب البيولوجي ) .
________________________________________
الصفحة (28)
عنها أنواع متعدّدة من العلاقات ، وربما كان حديث عائشة زوج النّبي (صلّى الله عليه وآله)  أجمع حديث عن ذلك النّظام ، تقول عائشة(1) : النّكاح في الجاهليّة كان على أربعة أنحاء : 
فنكاح منها : نكاح النّاس اليوم , يخطب الرجل إلى الرجل وليّته أو ابنته ، فيُصدِقُها ثمّ ينكحها .
ونكاح آخر : كان الرجل يقول لامرأته ـ إذا طهرت من طمثها ـ : ارسلي إلى فلان فاستبضعي منه . ويعتزلها زوجها ولا يمسّها أبداً حتّى يتبيّن حملها من ذلك الرجل الذي تستبضع منه ، فإذا تبيّن حملها أصابها زوجها إذا أحبّ ، وإنّما يُفعل ذلك رغبة في نجابة الولد ، فكان هذا النّكاح نكاح الاستبضاع . 
 ونكاح آخر : يجتمع الرّهط ما دون العشرة فيدخلون على المرأة كلّهم يُصيبها ، فإذا حملت ووضعت ومرّ عليها ليال بعد أنْ تضع حملها أرسلت إليهم ، فلمْ يستطع رجل منهم أنْ يمتنع حتّى يجتمعوا عندها ، تقول لهم قد عرفتم الذي كان من أمركم ، وقد ولدت ، فهو ابنك يا فلان . تُسمّي مَن أحبّت باسمه ، فيُلحق به ولدها لا يستطيع أنْ يمتنع به الرجل . 
 ونكاح الرّابع : يجتمع النّاس الكثير فيدخلون على المرأة ، لا تمتنع ممّن جاءها ، وهنّ البغايا كنّ يُنصبن على أبوابهنّ رايات تكون علماً ، فمن أرادهنّ دخل عليهنّ , فإذا حملت إحداهنّ ووضعت حملها , جمعوا لها ودعوا لهم القَافَة ، ثمّ ألحقوا ولدها بالذي يَرون ، فالتاط به ودُعيَ ابنه ، لا يمتنع من ذلك .
 فلمّا بُعث مُحمّد ( صلّى الله عليه وآله ) بالحقّ , هدم نكاح الجاهليّة كلّه إلاّ نكاح النّاس اليوم .
فالعصبيّة إذاً كان لها روافد كثيرة تغذّيها ، بمثل ما كانت تحتفر لنفسها مجاري في صميم الحياة العربيّة .
ـــــــــــــــ
 (1) صحيح البخاري ، باب النّكاح .
________________________________________
الصفحة (29)
والآن نظنّ أنّنا قد عرّجنا إلى موقع يُمكننا من إطلالة شاملة على مسرح الأحداث المقبلة ـ وأعني به البيئة العربيّة الأولى قُبيل الإسلام ـ ، فاقبلوا ننظر معاً :
1 ـ أوّل ما نُلاحظه أنّ الأنساب ـ وخاصّة كلّما صعدت ـ محلّ شكّ غير قليل ، إمّا لقدم العهد بها ممّا لا تستطيع معه ذاكرة النسّابين حفظه ، وآية ذلك اختلاف النسّابين في سلاسلها ، أو لأنّه لمْ تكن هناك شواهد ماديّة وآثار تحفظ لنا ذلك التاريخ مع قلّة الوثائق التي تناولته ، فلمْ يتبقَّ إلاّ ما أُخذ من التوراة وأقوال اليهود ، مع شذرات في الكتابات اليونانيّة والرومانيّة .
وقد احتجّ بعض السّلف بقول الله تعالى : ( وَالذينَ مِن بَعْدِهِمْ لاَ يَعْلَمُهُمْ إِلّا اللّهُ )(1) . بعدم علم النسّابين . فقد ذكر ابن إسحاق ، أنّ عبد الله بن مسعود كان يقول في تفسير هذه الآية : كذب النّسابون(2) . وكذلك ما أورده ابن خلدون(3) في هذه المسألة من حديث ابن عبّاس ، أنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) لمّا بلغ نسبه إلى عدنان ، قال (ص) : (( من هاهنا كذب النّسابون ))(4) .
وسواء صدق النّسابون أو كذبوا فهذا ما اعتقده العرب ، ونسبوا أنفسهم على أساسه وفيه كانت حميّتهم .
2 ـ العدنانيّة من إسماعيل بن إبراهيم من سام بن نوح ، وكذلك القحطانيّة من سام بن نوح ، إلاّ أنّ العدنانيّة تميّزوا بالسّلف ذوي النبوّة والكتاب من دون القحطانيّة . وقد قال الله تعالى :
ـــــــــــــــ
 (1) سورة إبراهيم / 9 .
 (2) تفسير ابن كثير .
 (3) التاريخ ، مرجع سابق 2 / 3 .
 (4) ورد كذلك في تفسير القرطبي .
________________________________________
الصفحة (30)
 ( وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرّيّتِهِمَا النّبُوّةَ وَالْكِتَابَ فَمِنْهُم مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ )(1) .
وقال تعالى على لسان إبراهيم : ( رَبّنَا إِنّي أَسْكَنتُ مِن ذُرّيّتي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرّمِ )(2) .
ثمّ إنّ البيت بمكّة ، وهو مقدّس العرب الأوّل وحرمهم ، ولا يزال ـ حتّى قبل البعثة ـ مبعث فخرهم وأعتزازهم ، بل إنّ القيام بأمره كان مثار تنافسهم وتشاحنهم لمَا جعلوه أعلى مراتب شرفهم .
ولعلّ في قصّة إعادة بناء الكعبة الغناء في الدلالة على عظم البيت في نفوسهم ، إذ تنازعوا وتداعوا للقتال ، أيّهم يضع الحجر الأسود موضعه حتّى تراضوا بحكم مُحمّد بن عبد الله (ص) قبل بعثته بخمس سنين .
ثمّ هذا أبو طالب يقوم خطيباً في حفل خطبة خديجة لابن أخيه مُحمّد (ص) ، فيُعدّد مناقب رهطه فيقول : 
الحمد لله الذي جعلنا من ذرّيّة إبراهيم وزرع إسماعيل ، وضِئضئ معد وعنصر مضر , وجعل لنا بيتاً محجوباً وحرماً آمناً ، وجعلنا اُمناء بيته وسوّاس حرمه ، وجعلنا الحكّام على النّاس(3) .
فإذا كانت هذه هي نظرة بعض قريش لنفسها ، فلنا أنْ نتوّقع مدى إحفاظ نفوس غيرهم عليهم ، خاصّة وقد علمنا من سير العرب أنّ الاختيال والفخر سمتان أساسيّتان لهم جميعاً .
وهكذا ، فإنّه رُغم اتّحاد الأصل فإنّ الفروع قد تفرّقت ، وجُعلت العصبيّة للفرع دون الفرع عندما تميّز أحد مستويات الأفرع بمزية خاصّة ، وهذا يتّفق
ـــــــــــــــ
 (1) سورة الحديد / 26 .
 (2) سورة إبراهيم / 37 .
 (3) ابن خلدون ، مرجع سابق / 5 .
________________________________________
الصفحة (31)
تماماً والدراسات الاجتماعيّة الحديثة التي أثبتت ، أنّ انقسام البدنات في المجتمعات التقليديّة يحدث عند تميز إحدى شخصيات جماعات السلسلة النسبيّة بمكانة اجتماعية خاصّة ( STATUS ) ، أو مركز اقتصادي مرموق .
فإذا كانت القحطانيّة تزهو بحضارتها ورُقيها المادي ، فإنّ العدنانيّة تفاخر بالبيت وهم أمناؤه وسدنته ممّا أوغر صدور غيرهم عليهم وأشبع نفوسهم غيرةً وحَنقاً على هؤلاء الذين تهوي أفئدة النّاس إليهم ، وتجبى الثمّرات ويأتونها لبناء بديل للكعبة ، سعى بناتها لجذب أنظار العرب بها إليهم .
فهذا أبرهة ملك اليمن للأحباش يمكث غير بعيد بصنعاء ، فيبتني كنيسته ( القليس ) لمْ يُرَ مثلها في زمانها بشيء من الأرض ـ فيما يروي ابن الأثير(1) ـ ثمّ يكتب إلى النّجاشي ، أنّه ليس بمنتهٍ حتّى يصرف إليها حاجّ العرب . ولمْ ينتهِ فعلاً إلاّ بقدومه إلى مكّة قاصداً هدم بيتها في القصّة المشهورة ، عام الفيل .
وهؤلاء هم بنو بغيض من غطفان ، لمّا أثّروا وأكثروا في البلاد أطمعتهم كثرتهم فأقسموا : لنتّخذنّ حرما مثل مكّة لا يُقتل صيده ، ولا يُهاج عائذه . فبنوا حرماً إلى أنْ هدمه زهير بن جناب(2) .
3 ـ رأينا من قبل كيف أنّ القحطانيّة ضاقوا بمواطنهم ، فغشوا العدنانيّة في منازلهم وظهروا عليهم ، فكانوا ملوكاً ورؤساء فيهم حتّى صار إذعان عرب الشمال لعرب الجنوب كالفرض لا يجوز نقضه ، بل إنّ ابن الأثير(3) يذكر : أنّ تابعة اليمن كانوا لعرب الشمال بمنزلة الخلفاء للمسلمين . ويرجع ذلك
ـــــــــــــــ
 (1) ابن الأثير ، مرجع سابق 1 / 342 .
 (2) مرجع سابق / 391 .
 (3) مرجع سابق / 399 .
________________________________________
الصفحة (32)
في الأغلب لأسباب , منها : انهيار سدّ مأرب في القرن الخامس قبل الميلاد وخراب البلاد ، وغلبة الأحباش على اليمن وإمعانهم في التسلط والإيذاء ، وكذلك محاربة الرومان لأهل الجنوب في أرزاقهم ووسيلة عيشهم في التجارة بين شرق أفريقيا والهند وبين الشمال ، لمّا حوّلوا طرق التجارة من البرّ إلى البحر ، إلى أنْ كانت غزوة جاليوس من قبل الإمبراطور أغسطس لليمن عام / 24 ق . م (1) .
وأيّاً ما كان السّبب ، فقد دان عرب الشمال العدنانيّون لعرب الجنوب القحطانيّين بالطاعة ، واعتادوا أنْ يؤدّوا إليهم الإتاوة أو الخِراج مقابل النّجعة والمرعى ، إلى أنْ كان يوم العدنانيّة الأكبر المعروف بيوم ( خزاز ) (2) , حين اجتمعت : ربيعة ومضر وقضاعة وإياد ونزار وحاربوا اليمن وظهروا عليهم , فكان ذلك اليوم آخر عهدهم بسلطان اليمن . فإذا كان هذا السّلطان قد انقضى على بعض قبائل عرب الشمال ، فإنّ آثاره لمْ تنقضِ لمَا يرين في نفوس المغلوبين من مشاعر الضغن نحو الغالبين ، خاصّة إذا علمنا أنّ هؤلاء اليمنيين ظلّوا يُقيمون بين ظهراني عرب الشمال ، ولمْ ينزحوا عنهم من ديارهم أبداً .
تمعّن هذه المفاخرة ـ فيما يرويه المسعودي(3) ـ بين قحطاني وعدناني بعد أمدٍ طويلٍ , وفي مجلس السفّاح لمّا فخر بعض أولاد قحطان على ولد نزار من عدنان ، فقال السفّاح للعدناني : ألاَ تنطق ، وقد غمرتكم قحطان بشرفها وعلت عليكم بقديم مناقبها ؟ فقال العدناني : ماذا أقول لقوم ليس فيهم إلاّ دابغ جلد ، أو ناسج بُرد ، أو سائس قرد أو راكب عرد ، أغرقتهم فأرة وملكتهم امرأة ودلّ عليهم هُدهد 
ـــــــــــــــ
 (1) كارل بروكلمان ، مرجع سابق / 16 .
 (2) ابن الأثير ، مرجع سابق 1 / 407 .
 (3) المسعودي ، مروج الذهب 2 / 183 , بيروت , المكتبة الإسلاميّة .
________________________________________
الصفحة (33)
وبعد ، فهذه إذاً جمّة أسباب تفسّر هذه العداوة المرّة بين القحطانيّة والعدنانيّة ، ولا نعلم سبب جعل الباحثين السّابقين لا ينتبهون إليها في تبريرهم لتلك العصبيّة .
فهذا كارل بروكلمان(1) يقول في تردّد : الذي يبدو أنّ هذه الظاهرة قد نشأت منذ البدء من عداوة قائمة على أساس الجنس بين عرب الشمال وهم شرقيّون خلّص ، وبين عرب الجنوب الذين تسري في عروقهم دماء غريبة مختلطة .
ثمّ هو يُورد رأياً غريباً لجولدزيهر : تُعتبر العداوة بين عرب الشمال وعرب الجنوب نتيجةً ثانويّةً للخصومة بين قريش والأنصار الذين يُعدّون من عرب الجنوب .
وأمّا أحمد أمين(2) ، فيقرّر في كثير من التجريد : أصل هذا العداء على ما يظهر ، هو ما بين البداوة والحضارة من نزاع طبيعي ، وكان توالي الحوادث والوقائع الحربيّة يزيد في العداء ، ويقوّي بينهم روح الشرّ .
4 ـ على أنّ هناك أمراً آخر لا أقطع فيه برأي وإنْ وُجدت شواهد عليه ، وإنّما أطرحه لمزيد من البحث ليس هاهنا مجاله .
فقد علمنا أنّ اليهود تفرّقوا في بلاد العرب في القرن الأوّل الميلادي بعد أنْ مزقّهم تيتوس الروماني ، فنزلت اليهود : تيماء وخيبر وفدك ويثرب وغيرها .
ثمّ علمنا ما كان بين الأوس والخزرج بيثرب من حروب مريرة كادوا يتفانون فيها ، ومنها يوم بعاث ، وقبله يوم الفجار , وقد كان لليهود في هذه الأيّام يد ظاهرة في إضرام نار الحرب ، والتلاعب بالتحالف مع الأوس تارةً والخزرج تارةً اُخرى .
ـــــــــــــــ
 (1) تاريخ الشعوب الإسلاميّة / 130 .
 (2) فجر الإسلام ، المرجع السابق / 6 .
________________________________________
الصفحة (34)
وكان اليهود قد غلبوا على أمر النّاس باليمن بعض الوقت ، فيما تُحدّثنا به الأخبار الواردة بتفاسير القرآن في قصّة أصحاب الأخدود ، حين حرق أبو نواس ملك اليمن اليهودي نصارى نجران . فهناك إذاً يهود في الشمال ، ويهود في الجنوب وبينهما صلات متّصلة وتجارة رابحة غادية .
أفلا يبعث ذلك على التساؤل عن صلة اليهود بإذكاء نار العصبيّة حتّى يَسلم لهم مقامهم ببلاد العرب ؟
سؤال نطرحه للبحث .
5 ـ والحقّ أنّ الصراع لمْ يكن قاصراً على ما بين الفئتين العظيمتين من العرب شماليين وجنوبيين ، وإنّما كادت كلّ فئة تأكل نفسها بنفسها إنْ كانت أحشاؤها تكاد تميز من الغيظ لأوهى الأسباب وجلّها معاً ، ممّا جعل الباحثين في حيرة من أمرهم ، فجعلوا يردّون ذلك إلى طبع عميق وخلق متأصّل في نفوس العرب أجمعين .
فقد حدّثتنا الأخبار بالحروب الطويلة بين قبائل العرب والتي عُرفت بأيّام العرب ، تلك الأيّام التي شبّ فيها الولدان وشاخ فيها الشباب ، وهلك فيها الشيوخ وهي بعد لمْ تضع أوزارها .
وقد تنطوي بعض الأيّام على أسباب قابلة للفهم ، مثل الخروج للإغارة والسّلب إذا أعوزتهم الحاجة ، أو لأسباب ماديّة بسيطة ، كأيّام الفجار بين قريش وكنانة وبين قيس عيلان ، وأيّام داحس والغبراء ؛ وأمّا أنْ تظلّ حرب أربعين عاماً بين بكر وتغلب ـ وكلّهما من ربيعة ـ ويكون مشعلها ضرب كليب لناقة في حمى جساس ، فشيء لا يكاد فهمه يستقيم .
________________________________________
الصفحة (35)
البِناء القِيمي ودلالاته 
حاولنا فيما سبق استكشاف مدى فاعليّة أظهر العوامل حسماً في تحديد بنية المجتمع العربي قبل الإسلام , ورغم عدم تطرقّنا إلى كافة العوامل تفصيلاً ، إلاّ أنّ الجانب المتفحَّص منها ـ نظّنه ـ كافياً للإحاطة بالمتنحّى , أو توقّع ماهيته بدرجة كبيرة من الصحّة .
ولمّا كان نسق القيم السّائد في مجتمع بعينه ، يُعدّ مستودع جماع تفاعل الأفراد والجماعات تفاعلاً بيئيّاً واجتماعيّاً ، فإنّ دراسة هذا النّسق تجعلنا نعتقد أنّ بالإمكان توقّع الكشف عن محدّدات هذا المجتمع وغاياته ، وهذا هو همّنا في المقام الأوّل .
وقد أثبتت الدراسات الاجتماعيّة ـ النفسيّة الحديثة(1) ـ أثر طبيعة البِناء الاجتماعي في السلوكيّات الاجتماعيّة . كما أنّ هذه السلوكيّات ـ كما يرى نيوكوم(2) ( Newcomb )  ـ تخضع لنظام متكامل يتمثّل في نسق القيم .
ولعلّ خير دليل على هذه العلاقة ومدى انطباقها على مجتمعا محلّ الدراسة ـ المجتمع العربي قبل الإسلام ـ شهادة شاهد من أهله :
ـــــــــــــــ
 (1) وليم و . لامبرت ، دولاس أ . لامبرت ، ترجمة د . سلوى الملاّ ، علم النّفس الاجتماعي / 202 ,  القاهرة ,  دار الشروق / 1989 م .
 (2) د . محيي الدين حسين ، القيم الخاصّة لدى المبدعين / 21 , القاهرة ,  دار المعراف / 1981 م .
________________________________________
الصفحة (36)
يقول جعفر بن أبي طالب واصفاً مجتمعه في حضرة النّجاشي ملك الحبشة ـ مهجر المسلمين الأوّل ـ عندما استدعاه ؛ ليتبين صحّة دعاوى مبعوثي قريش عمرو بن العاص ومَن معه ؛ لاسترداد المهاجرين وإرجاعهم قسراً إلى مكّة : أيّها الملك ، كنّا أهل جاهليّة نعبد الأصنام ونأكل الميتة ونأتي الفواحش ، ونقطع الأرحام ونُسيء الجوار ويأكل القوي منّا الضعيف ...(1)
ولا يكاد يخرج عن هذا الإطار من التحديد رأي أحد الباحثين المحدثين ، وهو المستشرق جولد تسيهر بقوله(2) : ومن الحقّ أنْ نُلاحظ أنّ الجماعة التي تقوم على حياة القبائل العربيّة وأعرافها وتقاليدها فحسب ، لا يُمكن أنْ يكون لها أخلاق عالية بسبب وثنيتها الغليظة الجوفاء . 
لقد كان مسقط رأس مُحمّد (ص) مركزاً من المراكز الهامّة الخطيرة لعبادة الأوثان والأصنام ، كما كان مقرّاً للكعبة المقدّسة والحجر الأسود , ومع هذا كانت الماديّة وكبرياء الجاهلّية وتحكّم الأغنياء في الفقراء ، هي المميّزات السّائدة عند أشراف تلك المدينة الذين كانوا يفيدون من سدانة الكعبة فوائد ماديّة لها خطرها ، إلى جانب ما كان في هذه السّدانة من ميزة دينيّة وشرف قومي . على أنّ لابن خلدون رأياً خطيراً في العرب وقيمهم ، نقتطف منه قوله(3) : بطبيعة التوحّش الذي فيهم أهل انتهاب وعبث ، ينتهبون ما قدروا عليه من غير مغالبة ولا ركوب خطر .
العرب إذا تغلّبوا على أوطان أسرع إليها الخراب ؛ والسبب في ذلك أنّهم اُمّة وحشيّة باستحكام عوائد التوحّش ، وأسبابه فيهم فصار لهم خلقاً وجبلةً .
ـــــــــــــــ
 (1) ابن الأثير ، المرجع السابق 1 / 599 .
 (2) جولد تسيهر ، العقيدة والشريعة في الإسلام / 7 , بيروت ,  دار الرائد العربي / 1946 م .
 (3) ابن خلدون ، التاريخ ، المرجع السابق 1 / 125 .
________________________________________
الصفحة (37)
وأيضاً , فطبيعتهم انتهاب ما في أيدي النّاس وأنّ رزقهم في ضلال رماحهم ، وليس عندهم في أخذ أموال النّاس حدّ ينتهون إليه .
وأيضاً ، فإنّهم ليست لهم عناية بالأحكام وزجر النّاس عند المفاسد ودفاع بعضهم عن بعض ، وإنّما همّهم ما يأخذونه من أموال الناس نهباً أو مغرماً . ربما فرضوا العقوبات في الأموال حرصاً على تحصيل الفائدة والجباية والاستكثار منها .
وأيضاً ، فهم متنافسون في الرياسة ، وقلّ أنْ يُسلّم أحد منهم الأمر لغيره ولو كان أباه أو أخاه كبير عشيرته , إلاّ في الأقلّ وعلى كره . قال الأعرابي الوافد على عبد الملك بن مروان ، لمّا سأله عن الحجّاج وأراد الثناء عليه عنده بحسن السياسة والعمران ، فقال : تركته يظلم وحده .
والعرب لا يحصل لهم الملك إلاّ بصبغة دينيّة من نبوّة أو ولاية أو أثر عظيم من الدين على الجملة ؛ والسبب في ذلك أنّهم لخُلق التوحّش الذي فيهم أصعب الاُمم انقياداً بعضهم لبعض للغلظة والأنفة ، وبُعد الهمّة والمنافسة في الرياسة ، فقلّما تجتمع أهواؤهم ، فإذا كان الدين بالنبوّة أو الولاية ، كان الوازع لهم من أنفسهم وذهب خُلق الكبر والمنافسة منهم ، فسهل انقيادهم واجتماعهم ، وذلك بما يشملهم من الدين المُذهب للغلظة والأنفة الوازع من التحاسد والتنافس .
وهم مع ذلك أسرع النّاس قبولاً للحقّ والهُدى لسلامة طباعهم من عوج الملكات ، وبراءتها من ذميم الأخلاق ، إلاّ ما كان من خُلق التوحّش القريب المعاناة المتهيّئ لقبول الخير ببقائه على الفطرة الأولى ، وبعده عمّا ينطبع في النّفوس من قبيح العوائد وسوء الملكات ، فإنّ : (( كلّ مولودٍ يُولد على الفطرة )) . كما ورد في الحديث .
________________________________________
الصفحة (38)
ويكاد يتطابق مع الآراء السابقة رأي لمستشرق آخر ، وهو بروكلمان بقوله(1) : إذا انتقلنا إلى أحوال بلاد العرب الشمالية , وجدنا الصحراء التي تؤلّف معظم البلاد هي التي تقرّر الأحوال الاجماعيّة .
 والبدوي كائن فردي النزعة مفرط الأنانيّة قبل كلّ شيء . ولا تزال بعض الأحاديث تسمح للعربي الداخل في الإسلام أنْ يقول في دعائه : اللهمّ ، ارحمني ومُحمّداً (ص) ولا ترحمْ معنا أحداً(2) .
ويقول : إنّ حاسّة الشرف الساميّة هي التي تسم جميع أعمال البدوي ، وهي ألأساس الذي ينهض عليه صرح الأخلاق عنده .
  * * *
تلك إذاً آراء اُختلفت مصادرها وتعدّدت مشارب معتنقيها ، إلاّ أنّها تكاد تجمع على سمات خاصّة لقيم بعينها امتثل لها عرب ما قبل الإسلام . وربما كان أحد الأصول الأولى المنشئة لهذا النّسق من القيم هو انفراط عقد العرب , بحيث لمّ يُدينوا لسلطة جامعة قط .
ورغم ذهاب البعض إلى أنّ العرب في زمانهم ذاك قد خبروا نوعاً من التنظيم السّياسي مثل : ملكيّة كندة في نجد وما وراءها ، ومثل : نظام مكّة , الذي عدّه لامانس جمهوريّة , إلاّ أنّ الواقع أنّ هذه الأنظمة كانت قبليّة محلّية ، 
ـــــــــــــــ
 (1) تاريخ الشعوب الإسلاميّة ، المرجع السابق / 18 .
 (2) هذا الذي أورده بروكلمان تجد تفصيله في البخاري ، كتاب الأدب كالتالي : عن أبي هريرة ، قال : قام رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في صلاة وقمنا معه ، فقال أعرابي ، وهو في الصلاة : اللهمّ ، ارحمني ومحمّداً (ص) ولا ترحمْ معنا أحداً . فلمّا سلّم النّبي (صلّى الله عليه وآله) ، قال للأعرابي : (( لقد حجَرت واسعاً )) . يُريد رحمة الله .
________________________________________
الصفحة (39)
ولمْ ترقَ قط إلى نظام سياسي جامع يلمّ شتات العرب ويخضعهم لسلطة واحدة ، ويشعرون هم أنفسهم بانتمائهم لهذا الكيان الواحد ، شأن الكيانات الاُخرى المعاصرة كالروم والفرس .
هذا الانتماء الشديد المحلّية يُقلّص حتماً الاهتمامات ويحجمها بأبعاده , فلمّا تعدّدت الانتماءات داخل الإقليم الواحد وما نتج عنها من صراعات بينيّة ، انعدمت فيهم رؤية أهداف مشتركة يسعون إليها ، وقصر بهم نظرهم عن البصر بالمصالح التي يمكّنهم اجتماعهم معاً من إدراكها .
على أنّه يبرز هنا تساؤل : فقد تسيّدت بلادهم ، وعلى الأخصّ أطرافها اُمم من غيرهم أحباش وروم وفرس , هذه الاُمم كانت تفرض على العرب دفع الإتاوات وهم صاغرون ، فلماذا لمْ يكن ذلك دافعاً لهم للوحدة والتناصر ذوداً عن حماهم ، ودرءاً لأخطار تغشاهم ، ومنعاً لأرضهم ألاّ تكون مرتعاً لغيرهم ؟
ثمّ ألاَ يتناقض ذلك الخفض وتلك الاستكانة مع ما زعموه من مروءة ، وما تشدقوا به من فروسيّة ، وما كانوا يستذكرونه دوماً من حسن بلائهم في أيّامهم ؟
لمْ تزل تلك سمات الانفراط وعدم الاجتماع المورث للأنانيّة المفرطة ، والمفضي إلى نزوع كلّ امرئ لتلمس حلّ مشكله على مستوى الذات ، والمؤدّي في النّهاية إلى أنْ يكون بأسهم شديداً بينهم وليس على المتربّصين بهم من غيرهم .
ولعلّك تكون على صواب إذا وقفت طويلاً متحيّراً أمام معنى البطولة التي لحقت بسيف بن ذي يزن ، لمّا أراد أنْ يتخلّص من غلبة الأحباش على بلاده اليمن ، فذهب مستنصراً الفرس ليأتي بهم سادة لليمن بدلاً من الأحباش !
________________________________________
الصفحة (40)
ولا يجهد المرء طويلاً في اكتشاف حقيقة عدم تجزّؤ التناقضات , فكما تجدها بيّنة في ناحية مجتمعيّة ، تجدها كذلك في غيرها من النواحي . 
وهكذا , فإنّ التناقضات السّابغة للحياة السياسيّة ـ كما رأينا ـ تبدو ماثلة للأعين لأوّل وهلة على المستوى الروحي . فالازدواجيّة والتناقض الصارخ في المعتقد سمتان بيّنتان للحياة الروحيّة لعرب ذلك الزمان .
فقد عرفت أطراف الجزيرة الديانتين : اليهوديّة والمسيحيّة . فكانت اليهوديّة باليمن إضافة إلى بؤر متناثرة شمالاً ، وكانت المسيحيّة بنَجران في الجنوب , كما كانت في غسان وبعض بكر وتغلب وطيء في الشمال , إلاّ أنّ القلب ظلّ وثنيّاً خالصاً بعد أنْ كان حنيفيّاً على دين إبراهيم , فلمّا طال عليهم الأمد ، تحرّفت حنيفيّتهم فلمْ يبقَ منها سوى ممارسات وطقوس يؤدّونها دوريّاً ، وفي مناسبات مختلفة يُشبعون بها حاجاتهم الروحيّة وفق ما هيّئت لها نفوسهم ، وبما يفي بأغراض نشاطهم الاجتماعي .
والأمر المُلفت للنظر ها هنا ، أنّ العرب ظلّوا على التوجّه للكعبة قبلة لهم معظّمة ومزاراً وحجّاً ملّة إبراهيم ، وفي الوقت ذاته اتّخذوا الأصنام والأدوثان آلهة لهم .
وبالرغم من وجود آلهة قوميّة ، كاللات والعزّى وهُبل ، إلاّ أنّه كان هناك العديد من الآلهة القبليّة التي تخصّ قبيلة بعينها ، أو مجموعة من القبائل ، مثل : ود ومناة وإساف ، ونائلة ويغوث وسواع وذريح ... .
على أنّ الأمر الأكثر مدعاة للنظر أنّ العرب ـ بالرغم من وثنيّتهم هذه ـ كانوا يعرفون الله ؛ اقرأ قول زهير بن أبي سُلمى الشاعر الجاهلي :
فلا تكتمن الله ما في صدوركم      لـيخفى ومـهما يكتم الله يعلم
يؤخر فيوضع في كتاب فيدخر      لـيوم الحساب أو يعجلّ فينقم
________________________________________
الصفحة (41)
ثمّ هذا عبد المُطلب جدّ النّبي (صلّى الله عليه وآله) يطلب من أبرهة الحبشي ردّ إبله عليه لمّا أخذها في غزوة مكّة ، فقال : أنا ربّ الإبل ، وللبيت ربّ يمنعه . ولمّا قفل راجعاً ، أخذ عبد المُطلب بحلقه الكعبة يُناشد ربّه ردّ أبرهة ، فيقول :
يـا رب لا أرجو لهم سواكا      يـا  رب فامنع منهم حما كا
إن  عـدو البيت من عاداكا      امنعهم أن يخربوا فنا كا (1)
إذاً فقد عرف العرب الله وعرفوا أنّه القادر على كلّ شيء وعرفوا يوم الحساب , وبالرغم من ذلك فقد اعتبرهم الإسلام كافرين , فإنّما تنحصر جريرتهم الكبرى في أمرين :
أ ـ اتّخذوا وساطة لله .
ب ـ ولمْ يقدروا الله حقّ قدره .
يقول الله تعالى : ( وَلَئِن سَأَلْتَهُم مّنْ خَلَقَ السّماوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنّ اللّهُ )(2) . ( وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنّ اللّهُ )(3) . ( أَلاَ للّهِ‏ِ الدّينُ الْخَالِصُ وَالذينَ اتّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلّا لِيُقَرّبُونَا إِلَى اللّهِ زُلْفَى‏ إِنّ اللّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنّ اللّهَ لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفّارٌ )(4) . ( وَمَا قَدَرُوا اللّهَ حقّ قَدْرِهِ )(5) .
ـــــــــــــــ
 (1) ابن الأثير ، المرجع السابق 1 / 343 .
 (2) سورة لقمان / 25 .
 (3) سورة الزخرف / 87 .
 (4) سورة الزمر / 3 .
 (5) سورة الأنعام / 91 .
________________________________________
الصفحة (42)
 ( يَظُنّونَ بِاللّهِ غَيْرَ الحقّ ظَنّ الْجَاهِلِيّةِ )(1) .
وهنا ـ أيضاً ـ تجد التناقض جليّاً في معرفة الله الواحد الخالق القادر مع عبادة الأصنام والأوثان تماماً كالتناقض الماثل في كلّ شيء : التغنّي بالأصول العربيّة الخالصة بالفروسيّة والبطولة والشرف ، وفي الوقت ذاته انقياد وخضوع للغير ، وادّعاء المروءة والكرم ، ثمّ ممارسة الانتهاب والعبث .
على أنّك إنْ طالعت بعض أخبارهم الروحيّة وما يتعلّق بها لها لك ما تقرأ ، ويخيل إليك أنّهم يعيشون حياة روحيّة خالصة ، ثمّ إذا أمعنت الإطلاع لها لك أيضاً سعيهم المادي الحثيث ، وكأنّها حياة ماديّة خالصة لا أثر لروحانيّة فيها .
فهم ـ كما رأيت ـ يُعظّمون الكعبة أيّما تعظيمٍ ، وكذلك يُعظّمون معبوداتهم الاُخرى ويهابونها , حتّى إنّك لترى أحدهم يقسم لينذرن أحد أبنائه ذبحاً إنْ عاش له عشرة . فلمّا تحقّق له ما تمنّى ، لمْ يستطع تحلّة قسمه إلاّ بشقّ النّفس ، وبعدما استعاض عنه بالعدد الوفير من إبله مصدر رزقه .
وهم إنْ خرجوا لقتال طافوا بالكعبة ، والتمسوا بركة ورضا معبوداتهم ، ثمّ إذا أحرزوا نصراً نحروا لها الجزر , وإذا أصابهم خير ساقوا إبلهم هدياً ، وابتدعوا لها طقوساً وطرائق عدداً من : بَحيرة وسَائبة ووصِيلة وحَام .
وهم على ذلك مُقبلون على الحياة مُمعنين في ماديّتهم مسرفين على أنفسهم أيّما إسرافٍ ، لا يضبط معاملتهم قانون ، والعرف لديهم يحكمه القادرون ، فالحياة عندهم تنقضي بين إغارة ونهب واستلاب ، وملاهي وخمر وشراب ، وهياج المشاعر لأوهن الأسباب ، ومفاخرة ومعاظمة حتّى في البلاء . هذا طرفة بن العبد الشاعر الجاهلي ، يقول :
ـــــــــــــــ
 (1) سورة آل عمران / 154 .
________________________________________
الصفحة (43)
فـإن  تبغني في حلقة القوم تلقني      وإن تلتمسني في الحوانيت تصطَدِ
وما  زال تشرابي الخمور ولذتي       وبـيعي  وإنفاقي طريقي ومتلدي
وهذا أعشى قيس الشاعر الجاهلي أيضاً ، يقول :
من خمر عانة قد أتى لختامها     حولٌ تسلُ غمامة المزكوم
وبلغ من ولعهم بالشراب والمجون أنّك لا تكاد تقرأ شعراً جاهليّاً ـ والشعر ديوان العرب ـ لشاعر منهم إلاّ وتجد فيه ذكر الشراب والغناء(1) .
وقد روى الطبري ـ فيما رواه عن وقعة بدر الكبرى ـ حادثة تدلّ على أنّ هذا السّلوك كان شائعاً فيهم ، ذلك أنّ أبا جهل رفض أنْ تعود قريش من حيث أتت ، لمّا جاءت تمنع عيرها ألاّ يحرزه المسلمون بعد أنْ أفلت بالعير أبو سفيان ، فاقسم أبو جهل قائلاً : والله ، لا نرجع حتّى نرد بدراً فنُقيم عليه ثلاثاً ، وننحر الجزر  ونطعم الطعام ، ونسقي الخمر ، وتعزف علينا القيان(2) .
وقد مرّ بنا شيوع أمر البغايا حتّى عدّته السيّدة عائشة زوج الرسول (صلّى الله عليه وآله) ، أحد أربعة أنحاء لنكاح الجاهليّة ، بقولها : يجتمع النّاس الكثير فيدخلون على المرأة لا تمتنع ممّن جاءها ، وهنّ البغايا كنّ يُنصبن على أبوابهنّ راياتٍ تكون علماً ، فمَن أرادهن دخل عليهنّ . بل تُحدّثنا الأخبار أنّ ممارسة البغاء كانت أداة تكسب وتكثر للسادة منهم ، وفيهم نزل قرآن : ( وَلاَ تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصّناً لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدّنْيَا )(3) .
ـــــــــــــــ
 (1) د . شوقي ضيف ، الشعر والغناء في المدينة ومكّة /  178 , القاهرة , دار المعارف / 1979 م .
 (2) تاريخ الطبري ، المرجع السابق 2 / 438 .
 (3) سورة النّور / 33 .
________________________________________
الصفحة (44)
ويقول ابن كثير في تفسير الآية(1) : كان أهل الجاهليّة إذا كان لأحدهم أمة أرسلها تزني ، وجعل عليها ضريبة يأخذها منها كلّ وقت . 
ويضرب مثلاً لذلك بعبد الله بن أبي بن سلول : فإنّه كان له إماء ، فكان يُكرههنّ على البغاء طلباً لخراجهنّ ، ورغبة في أولادهنّ ورياسة منه فيما يزعم . 
فهذا خمر ولهو وعزف قيان وبغاء ، وهذه مفاخرة يلتمس كلّ أسبابها بالحقّ وبالباطل معاً ، خدمة لأعراض العصبيّة , وكلّما قُويت معاني المفاخرة عدّت بدورها سبباً آخر للمفاخرة .
تمعّن معلقة عمرو بن كلثوم من بني تغلب يفاخر بكر بن وائل ، تقف على أعماق دخائل النّفوس التي شكلّتها قِيم العصبيّة ، وما جرته من حروب . يقول الشاعر في أثر هذه المفاخرة :
الهي بني تغلب عن كلّ مكرمة        قـصيدة قـالها عمرو بن كلثوم
يـفاخرون بـها مذ كان أولهم        يـا  لـلرجل لشعر غير مسؤوم
ونقتطف من هذه المعلقة ، قوله :
ورثنا  المجدّ من عليا معد      نـطاعنُ  دونه حتّى يبينا
كـأنّ  سـيوفنا منا ومنهم      مـخاريق بـأيدي لاعبينا
ألا  لا يـجهلن أحد علينا      فنجهل فوق جهل الجاهلينا
* * *
وقد عَلِم َالقبائلُ من مَعد      إذا  قببٌ بأبطحها بنينا
بأنّا المطعمون إذا قدرنا      وأنّا المهلكون إذا ابتلينا
ـــــــــــــــ
 (1) تفسير ابن كثير , القاهرة , المكتبة التوفيقيّة .
________________________________________
الصفحة (45)
وأنّـا  الـمانعون لـما أردنا      وأنّـا  الـنّازلون بحيث شينا
وأنّـا  الـتاركون إذا سخطنا      وأنّـا الآخـذون إذا رضـينا
ونشرب إن وردنا الماء صفواً      ويـشرب  غيرنا كدراً وطينا
إذا  ما الملكُ سام النّاس خسفاً      أبـينا  أنّ نـقر الخسف فينا
لـنا  الدنيا ومن أمسى عليها       ونـبطشُ حين نبطش قادرينا
مـلأنا الـبر حتّى ضاق عنا      ومـاء الـبحر نـملؤه سفينا
إذا بـلغ الـفطام لـنا صبيٌ      تـخر لـه الـجبابرُ ساجدينا
* * *
وقد تفهم للمفاخرة أسبابها وتقدر للمقارعة ظروفها ، وأمّا المعاظمة في المصائب ، فيصعب على المرء أنْ يسيغها إلاّ أنْ تكون الرغبة الجامعة في علوّ الذكر وذيوع الخبر ، وإشباع الكبر وإثبات الفضل ، ولو كانت سُبلها المصائب .
هذه هند بنت عتبة اُمّ معاوية بن أبي سفيان تُعاظم الخنساء بقولها(1) : أنا هند بنت عتبة أعظم العرب مصيبة ؛ ذلك أنّ عليّ بن أبي طالب (ع) وعمّه حمزة برزا في وقعة بدر لأبيها عتبة بن ربيعة ، وعمّها شيبة بن ربيعة وأخيها الوليد ، فقتلاهم جميعاً . فجعلت هند تَرد عُكاظ في الموسم ، تسوم هودجها براية ، تظاهر بها الخنساء وتعاظم العرب ، فتقول :
أبـكي  عـميدَ الأبطحين كليهما      وحـاميهما مـن كلّ باغ يريدها
أبي عتبة الخيرات ويحكِ فاعلمي      وشـيبة والـحامي الذمار وليدها
أُولـئك آل الـمجد من آل غالب      وفي العزّ منها حين ينمى عديدها
* * *
ـــــــــــــــ
 (1) أبو الفرج الأصفهاني ، الأغاني 4 / 211 ,  بيروت ,  دار الكتب العلميّة .
________________________________________
الصفحة (46)
وكلّ جماعة ـ سواء أوغلت في البدائيّة أو أصابت حظّاً من حضارة ـ تتعارف على معايير وضوابط تحكم به تعاملات أفرادها ؛ حفظاً لتماسك الجماعة وضماناً لاستقرارها , وقد يناط إعمال هذه الضوابط بقوّة خارجيّة تتمثّل في سلطة قاهرة على الأفراد ، أو بقوّة داخليّة تعتمد على تنمية الضابط الخفيّ لدى الفرد وحفزه بلا انقطاع ، ويتمثّل ذلك بالأساس في فكرة الدين .
فالدين نسق ينتظم قِيماً يتوقّع منها التأثير المباشر في معاملات الأفراد والجماعات , وبقدر تمثّل هذه القِيم تتحقّق المواءمة في المجتمع ، وتتحدّد بالتالي درجة التماسك .
وقد ذهب بعض علماء الاجتماع مثل تالكوت بارسونز(1) إلى اعتبار أنّ القِيم والمعايير تُمثّل محدّدات مطلقة للفاعل ، كما أنّها تخلق درجة من الانتظام والترابط بين وحدات السّلوك المختلفة ، بحيث يمكن القول : إنّ وحدات السّلوك المختلفة المشكلة لمختلف الأفعال الاجتماعيّة ، تسبح جميعاً في بحر من القِيم والمعايير .
وتنشأ مشكلة اللانظام ـ أو بتعبير آخر الصراع ـ عندما يكون نسق القِيم مُفترقاً عن درجة نضج المجتمع ، أو عاجزاً عن تمثّل غايات وحداته ، وكذلك في المقابل عندما تسعى إحدى وحدات المجتمع إلى درجة من الإشباع لا يحتملها النّسق .
وعلى الرغم من أنّ المجتمعات دائماً ما تستحدث لنفسها آليات تلقائيّة لإحداث توازن بنيوي مواصل ، إلاّ أنّ نجاح هذه الآليات رهين بكفاءتها
ـــــــــــــــ
 (1) د . أحمد أبو زيد ، علم الاجتماع بين الاتجاهات الكلاسيكيّة والنّقديّة / 121 , القاهرة , دار المعارف / 1984 م .
________________________________________
الصفحة (47)
ومعدّل سرعتها في الاستجابة ، وبالتالي فهي معرّضة للنجاح والفشل ، ومن هنا ينشأ الصراع .
وفي مجتمعنا هذا الذي ندرسه ، ربما كان حلف الفضول بمثابة إحدى هذه الآليات التي استحدثها المجتمع في محاولته الأخيرة للحفاظ على النّظام لمّا شاعت الفاحشة وعمّ الظلم ، فتداعت بعض فصائل المجتمع المكّي لإنشاء حلف الفضول ، وتعاهدوا ألاّ يقرّوا ببطن مكّة ظالماً , وفيه يقول عمرو بن عوف الجرهمي(1) :
إن الفضول تحالفوا وتعاقدوا      أن لا يـقر ببطن مكّة ظالم
أمر  عليه تعاهدوا وتواثقوا       فـالجار  والمعتر فيهم سالم
وهذا يدلّنا دلالة مباشرة على أحد مظاهر الصراع داخل هذا المجتمع ، الذي أسهمت الجماعات ذات القوّة بكافة أشكالها بالنّصيب الأوفر في تحديد معاييره ، فمن الطبيعي إذاً تحقيق هذه المعايير لمصالح وطموحات هذه الجماعات خصماً من رصيد باقي المجتمع .
ومن هذا المنطلق سادت معاملات ماديّة وتجاريّة لا تتّصل بسبب بمعايير أخلاقيّة ، فكان هناك بيوع الغرر والنّجش ، وبيع الحاضر للبادي وتلقّي الركبان ؛ وكلّ هذه الأنواع تجمعها صفة واحدة ، هي : الختل والخديعة .
ولعلّ أخطر ما مارسه العرب في معاملاتهم الماليّة هو الرّبا فضلاً ونسيئة : تراكم المال المتّصل في أيدي حفنة قليلين ، وخسارة ونقص مستمرينِ في الجانب الآخر ، وأثرة تدعو لمزيد من الأثرة في جانب ، واضطرار يدعو للحنق والحقد في الجانب المقابل ، ممّا يعني في النّهاية توتر النّظام ككلّ ، وتعميق
ـــــــــــــــ
 (1) ابن الأثير ، المصدر السابق 1 / 570 .
________________________________________
الصفحة (48)
عوامل الصراع وانحسار المال دولة بين الأغنياء , ولعلّ في ذلك مكمن علّة العقوبة الفريدة التي أفردها النّظام الإسلامي لتلك المعاملة ، حرب من الله ورسوله بقوله تعالى : ( فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ )(1) .
يقول النّيسابوري(2) : إنّها نزلت في بني عمرو بن عوف من ثقيف ، وفي بني المغيرة من بني مخزوم ، وقِيل : كذلك في العبّاس وعثمان بن عفّان وخالد بن الوليد ، أنّهم كانوا يربون قبل فتح مكّة .
على أنّ الحقّ أنّ هذا المجتمع شأنه في ذلك شأن كلّ المجتمعات ، لمْ يكن خلواً قط من القِيم المعتبرة لدى كلّ المجتمعات ، أنّها قِيم خير . ولا يعني ذلك أنْ تجد لهذه القِيم تطبيقاً مباشراً في السّلوك ، ولكنّها قد تظلّ على مستوى المُثل العُليا التي يتواضع النّاس على احترامها وإنْ لمْ يُدركوها ، كما تظلّ قطب جذب لهم وإنْ بعدوا عنها .
مثال ذلك الكرم الذي يرى الباحثون(3) أنّه قِيمة مشتركة بين كلّ الشعوب الرعويّة ، والذي غلا فيه بعضهم كحاتم الطائي حتّى عُدّ كرمه مضرباً للأمثال .
ومثال ذلك أيضاً الأنفة وعلوّ الهمّة حمّى للذمار وإنْ أُطّرت ـ كما أسلفنا ـ بأُطر الحميّة العصبيّة الضيقة التي أفقدتها قيمتها الأعمق والأشمل ، وأبعدتها عن توظيفها من جلّ عافية المجتمع ككلّ ، ولكنّها مع ذلك ظلّت قابلة لهذا التوظيف ، خاصّة وقد ارتبطت بفطرة قويّة غير معوجة ، كما قال ابن خلدون .
ـــــــــــــــ
 (1) سورة البقرة / 279 .
 (2) النّيسابوري ، أسباب النّزول / 65 , القاهرة ,  مكتبة الجمهوريّة .
 (3) د . أحمد أبو زيد ، المرجع السابق .
________________________________________
الصفحة (49)
الباب الثاني 
 بين الجاهلية والإسلام 
________________________________________
الصفحة (50)
الجاهليّة اصطلاحاً ، هي : نقيض الإسلام ، وتدلّ على الحالة التي كانت سائدة في جزيرة العرب قبل بعثة النّبي مُحمّد (صلّى الله عليه وآله) ، وعلى الوثنيّة وعلى الفترة السّابقة للإسلام ، وعلى أهل هذه الفترة .
وقد أوردت دائرة المعارف الإسلاميّة(1) ، بالإضافة إلى التعريف السّابق بعض آراء المستشرقين ، ومعظمها يتقارب في المعنى .
هذا ميخائيليس يَرى أنّها : زمن الجهل ، وهي عين ما نُعتت به الأزمنة السّابقة للنصرانيّة في الفقرة / 30 من الإصحاح السّابع عشر من سفر أعمال الرسل .
بينما يُعرّف جولد تسيهر , الجاهليّة : الهمجيّة ، لمّا كان يرى أنّ الجهل ضد الحلم لا العلم .
وقد أوردت الدائرة معنى آخر يتعلّق باقتصار النّظر على الدنيا ، وذلك في معتقد الدروز لمّا كانوا يَرون أنّ الجاهل هو رجل الدنيا لا الدين .
وقد وردت لفظة الجاهليّة تحديداً في أربعة مواضع في القرآن الكريم ، حيث تتكامل معانيها لتُغطي هذا المفهوم من جميع جوانبه : ( يَظُنّونَ بِاللّهِ غَيْرَ الحقّ ظَنّ الْجَاهِلِيّةِ )(2) .
ـــــــــــــــ
 (1) دائرة المعارف الإسلاميّة 11 / 14 , القاهرة , دار الشعب  .
 (2) سورة آل عمران / 154 .
الصفحة (51)
( أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيّةِ يَبْغُونَ )(1) . ( وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنّ وَلاَ تَبَرّجْنَ تَبَرّجَ الْجَاهِلِيّةِ الْأُولَى ‏)(2) .( إِذْ جَعَلَ الذينَ كَفَرُوا فِي قُلوبِهِمُ الْحَمِيّةَ حَمِيّةَ الْجَاهِلِيّةِ )(3) .
وبذلك فإنّ الجاهليّة مفهوم دالّ على وضعيّة أو بنية تتواجد بتواجد شروطها من غير ارتباط بزمان أو مكان ، وليست كما عرّفتها دائرة المعارف في التعريف السابق الذكر : ... وعلى أهل هذه الفترة . وربما كان تعريف ميخائيليس هو الأقرب . وقد مرّ بنا تشريح المجتمع الجاهلي ممّا نستطيع معه استخلاص أبعاد هذا المفهوم ، أو بتعبير آخر ، هويّة هذه البنية أو مقوّمات هذا النظام .
هذه المقوّمات نستطيع هاهنا أنْ نُجملها في الآتي : 
1 ـ الخلط في مفهوم الأُلوهيّة ، وليس مجرّد الوثنيّة الفجّة .
2 ـ التماهي المادي .
3 ـ اللانتماء القِيمي مُنسحباً على كافة الانتماءات الاُخرى : القبليّة أو العرقيّة أو الإقليميّة أو المنفعيّة أو الطبقيّة ... . 
كما أنّنا نرى سمةً غالبةً تسم هذه المقوّمات جميعاً ، وهي التناقض الذي يبرز على الأصعدة المتخلفة لممارسة المنتمين لهذا النظام ، كما فصّلنا من قبل .
فإذا كانت هذه هي مقوّمات النظام الجاهلي ، فأين هي إذاً من البنية الإسلاميّة ؟ 
ـــــــــــــــ
(1) سورة المائدة / 50 .
(2) سورة الأحزاب / 33 .
(3) سورة الفتح / 26 .
________________________________________
الصفحة (52)
لعلّ جوهر الدين الفكرة الأساسيّة القائمة على صحيح الاعتقاد بالواحد المُطلق ، ومن ثمّ الخضوع الطوعي والتسليم الكلّي له ، والرضا بما ارتضى من تدبير بما لا ترى لك معه تدبيراً ، يقول تعالى : ( إِنّ الدّينَ عِندَ اللّهِ الْإِسْلاَمُ )(1) . ( وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً ممّن أَسْلَمَ وَجْهَهُ للّهِ‏ِ وَهُوَ مُحْسِنٌ )(2) . ( أَفَغَيْرَ دِينِ اللّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ )(3) . (وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى ‏)(4) .
والإسلام بِناء متكامل متعدّد الأبعاد ، بحيث لا تستطيع الاقتصار في بحثه على بُعدٍ واحدٍ فقط ، مثلما حاول بعض الاجتماعيّين النظر للدين ـ بوجه عام ـ من خلال منظور أحادي حسب مدارسهم . فكانت هناك النظرة المتعلّقة بجوهر الدين من حيث هو اعتقاد فيما وراء الطبيعة ، والاُخرى المتعلّقة بكيفيّات وأساليب الممارسة ، أي : الطقوس والشعائر ، والثالثة المتعلّقة بآثاره باعتباره محقّقاً لإشباع حاجات فرديّة أو جماعيّة ، أي : وظيفيّة الدين .
ورغم تعدّد وجهات نظر دارسي الاجتماع البشري ، إلاّ أنّ البعض نظر نظرةً شاملةً للدين ، مثل دوركايم رغم علمانيّته ، بقوله(5) : الدين نسق موحّد من المعتقدات والممارسات المرتبطة بأشياء مقدّسة ، هذه الأشياء تتمثّل في مجموعة من الأوامر والنواهي .
ـــــــــــــــ
(1) سورة آل عمران / 19 .
(2) سورة النساء / 125 .
(3) سورة آل عمران / 83 .
(4) سورة لقمان / 22 .
(5) د. سامية الخشاب ، علم الاجتماع الديني / 23 , القاهرة ,  دار المعارف عام / 1988م .
________________________________________
الصفحة (53)
والحقّ أنّ الدين ثلاثيّة متشابكة أشدّ التشابك لا تنفصم عُراها ، كاملة التأثير والتأثّر معاً ، وهي : 
1 ـ نسق معتقدات .
2 ـ منظومة شعائر .
3 ـ أحزمة ضوابط وأحكام .
فإذا كانت هذه هي ماهيّة الدين على المستوى الجوهري ، فإنّه لا بدّ وأنّ يتلازم ، وهذه الماهيّة إطار تصوّري عام يربط هذه الأنساق والمنظومات في اتّساق منطقي ، يكشف عن المحاور الأساسيّة التي تتمحور حولها تلك الأنساق ، فما هي هذه المحاور ؟ وكيف تكتسب فاعليّتها في تحريك قوى المجتمع ؟ وكيف يُمكن من خلالها إحكام عمليّة التطوّر الاجتماعي ؟ وهل هناك حقّاً عوامل مستقلّة في الفعل الاجتماعي ؟
ثمّ ما هو اتّجاه آليات هذا النظام على مدرج نموّه ؟ أهو الثبات والاستقرار والتغير المتوازن ، أمْ هو الصراع ؟ 
الواقع إنّ دراسة النظام الإسلامي في إطاره التصوّري العام ، وعلى مستوييه النظري والتطبيقي المباشر في عهوده المُثلى ، تقودنا إلى القول : إنّ عمليّة التفاعل الاجتماعي(1) تصنّفها عوامل متعدّدة تتبادل محوريّتها وفقاً لظروفها النسبيّة والمكانيّة معاً ، كما أنّ البِناء الاجتماعي ذاته يحتاج إلى آليات التوازن والصراع المحكوم في آنٍ معاً وفقاً لطبيعة المرحلة البِنائيّة . ورغم هذا التبادل في الأولويّة والسبق لأهميّة المحاور ، إلاّ أنّها تظلّ محكومة دوماً في ظلّ 
ـــــــــــــــ
(1) د . زينب رضوان ، النظريّة الاجتماعيّة في الفكر الإسلامي / 18 , القاهرة , دار المعارف / 1982م .
________________________________________
الصفحة (54)
النظام الإسلامي بمنظومة مفاهيم ثابتة مستقرّة لا تتبدّل ولا تتغيّر ، يُمكن إجمالها تحت مسمّى : مقوّمات التصوّر الإسلامي(1) .
إنّ كلّ القضايا التي تتفرع من أنساق البِناء الاجتماعي في ظلّ النظام الإسلامي يُمكن أنْ تردّ جميعاً إلى أصلين رئيسين ، هما : التوحيد والعدل .
والتوحيد في الإسلام : توحيد مُطلق لا شية فيه , وهو ليس مجرّد الإقرار بوجود الإله ، ولكنّه قضيّة تستوعب في الوقت ذاته جميع آمال وأحلام الإنسان ، وتستجيب لكلّ دواعي قلقه ، وتُجيبه عن كلّ تساؤلاته فيما يُشكّل منهج حياة متكامل .
وكما أسلفنا ، فإنّ كثيراً من الدراسات تناولت الدين بمناظير مختلفة ، وحدّدت بعضها عوامل متعدّدة تجعل الإنسان  يبتدع  الإله ـ رغم كونها فطرة ـ حتّى يجعل حياته محتملة , هذه العوامل كما رآها سلزنيك(2) :
1 ـ الخوف والقلق ( Fear and anxiety ) .
2 ـ البحث عن معنىً نهائي ( Search for ultimate meaning ) .
3 ـ البحث عن السموّ بالذات ( Search for self - transcendence ) .
4 ـ جعل العالم شيئاً ذا معنىً ( Making the world comprehensible ) .
وقضيّة التوحيد باستيعابها لكلّ ما سبق ضمن مدلولها ، تفكّ إسار الإنسان من مخاوفه ، وتطلق سراحه إلى حريّة غير محدودة بقيد عبادته لله الواحد ، واستبعاده من استعباده لأيٍّ ممّا عداه .
إنّ النتائج المنطقيّة المترتّبة على هذا المفهوم تؤدّي بالإنسان المسلم إلى الاعتقاد اليقيني في :
ـــــــــــــــ
(1) سيّد قطب ، مقوّمات التصوّر الإسلامي , القاهرة , دار الشروق / 1986 م .
(2) د . سامية الخشاب ، علم الاجتماع الإسلامي / 14 , القاهرة ,  دار المعارف / 1987 م .
________________________________________
الصفحة (55)
غائيّة الحياة :
فليست الحياة وليدة الاتّفاق الاحتمالي ، وليست بلا هدف وليست عبثاً ، ولن تنتهي قصّة الحياة الإنسانيّة بتحلّل الجسد بعد الموت إلى مجرّد مركّبات كيميائيّة ، يقول الله تعالى : ( أَفَحَسِبْتُمْ أَنّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ )(1) . ( وَمَا خَلَقْنَا السّماءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاَعِبِينَ )(2) . (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنّ وَالْإِنسَ إِلّا لِيَعْبُدُونِ) (3) .
والإنسان موكول إليه ـ فترة عبادته لله ـ خلافة الله في أرضه ،[ يقول تعالى ] : ( وَإِذْ قَالَ رَبّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً )(4) .
وهكذا تتشابك مفاهيم النظرة الكلّية للوجود مع أهداف التواجد الإنساني مع مقتضيات السلوك البشري اليومي ، بحيث تنعدم أسباب الفصل كلّيةً ، وتصبح الحياة كلّها وحدة واحدة يتخلّل خلاياها جميعاً مفهوم الواحدانيّة المُطلقة .
تحجيم الصراع :
فليست هناك آلهة متعدّدة كي تتصارع ـ كما في التراث الوثني الشرقي والغربي معاً ـ وبالتالي ليست هناك انعكاسات لهذا الصراع على حياة البشر .
ـــــــــــــــ
(1) سورة المؤمنون / 115 .
(2) سورة الدخان / 38 .
(3) سورة الذاريات / 56 .
(4) سورة البقرة / 30 .
________________________________________
الصفحة (56)
وبذات القدر ينعدم مستوى آخر للصراع الأفقي فوق انعدام المستوى الرأسي السابق ، وهو صراع الإنسان مع القوى الكونيّة ؛ فهي ليست خصماً للإنسان ، وإنّما هي أسباب العيش ممزوجة بعوامل الحثّ والحفز والاستثارة الضروريّة لاستمراريّة البقاء مع تطوّره أبداً ، فالكون كلّه مسخّر للإنسان كما يقول الله تعالى : ( اللّهُ الذي سَخّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلّكُمْ تَشْكُرُونَ * وَسَخّرَ لَكُم مَا فِي السّماوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ إِنّ فِي ذلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكّرُونَ )(1) .
ويبقى مستويان آخران للصراع : صراع داخلي بين المرء ونفسه ، وآخر بين قوى الخير وقوى الشرّ من البشر ، وهذان هما محلّ اهتمام النظام كلّه : عقيدة وشعائر وأحكاماً .
الأولويّة المطلقة للقِيم :
وهو نظام فريد يتخلّل نسيج الحياة كلّها ، فيجعل للقِيم السبق والأولويّة على كلّ ما عداها وإنْ تعارض الالتزام بها مع المصلحة ، كما قد يستحسنها صاحبها فرداً كان أمْ جماعة .
وهنا تتبدى الأهميّة المُطلقة لمحور القِيم في النظام الاجتماعي الإسلامي , وهو ليس كما قد يظنّ نسقاً للضبط الاجتماعي فحسب ، ولكنّه نسق حركي حي لإنشاء وخلق وتعميق الدوافع الإيجابيّة في الحياة ، أي : أنّه ليس مجرّد نظام
ـــــــــــــــ
(1) سورة الجاثية  / 12 ـ 13 .
________________________________________
الصفحة (57)
أخلاقي ينتظم عدداً من الفضائل المبعثرة ، ولكنّه نظام متكامل ينعكس في شتّى ضروب وممارسات النشاط الإنساني على اتّساعه , ولعلّ أوضح بيان لهذا المفهوم ، هو ذلك الوصف الجامع لسلوك الرسول (صلّى الله عليه وآله) : كان خُلقه القرآن .
فالنظام الاقتصادي الإسلامي يقوم على مفهوم الاستخلاف في مال الله الذي هو مال الجماعة ؛ وهو نظام محكوم بقواعد أخلاقيّة في كليّاته وجزئيّاته على السواء ، في مجالات النشاط ، وفي أساليب الاكتساب ، وفي أوجه وحدود الإنفاق , ممّا يعني طهر المال وتحقيقه لوظيفته الاجتماعيّة فوق تحقيقه لمصلحة الفرد القائم على تثميره .
والنظام الاجتماعي الإسلامي يقوم على التوازن الدقيق بين متطلّبات الفرد ومقتضيات مصلحة الجماعة ، معتمداً على مبدأ أساسي هو المساواة بين البشر جميعاً :  فـ(( الناسُ سواسيةٌ كأسنانِ المِشطِ )) . 
ومعيار التفاضل الوحيد في هذا النظام هو التقوى ، أي : الالتزام بقِيم هذا النظام : ( إِنّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللّهِ أَتْقَاكُمْ )(1) .
والعدل مبدأ أساسي وقاعدة ارتكاز النظام السياسي الإسلامي ، وهو قيمة مُطلقة على كافة مستويات الحياة ، يقول الله تعالى : ( إِنّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ )(2) .
وروى مُسلم عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : (( إنّ المُقسطين عند الله على منابرَ من نورٍ ، الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما وُلّوا )) .
ـــــــــــــــ
(1) سورة الحجرات / 13 .
(2) سورة النحل / 90 .
________________________________________
الصفحة (58)
والوسيطة ، تعني : التوّسط والقصد في كلّ شيء ... في المتع والملذات الحسيّة ، كالطعام والشراب والجنس تماماً ، كما في عدم الغلو في الدين . ومن هنا تتّضح الصفات الفارقة للنظام الإسلامي عن كلّ نظام جاهلي :
فهنا توحيد مُطلق لله ، وتقدير لله حقّ قدره ... وهناك خلط في مفهوم الألوهيّة .
وهنا ربط كامل بين القِيم وغايات الوجود الإنساني ، وهناك الاستغراق في الحياة الماديّة .
وهنا الانتماء الأعلى والأولى والأسبق لقِيم هذا النظام ، وهناك انتماءات تتردّد بين قِبليّة وعرقيّة ونفعيّة ... .
________________________________________
الصفحة (59)
الباب الثالث 
 الاُمويّة 
الحزبُ الاُموي
________________________________________
الصفحة (60)
آثرنا هذا التوصيف لبني اُميّة في طورهم ذي الأثر الشديد ، لما كان التحليل الدقيق لوقائع تلك الفترة يقودنا إلى القول باطمئنان : إنّ الدولة الاُمويّة لمْ تنشأ فُجأة عقيب فترة الخلافة ، وإنّما كانت نِتاجاً لجهد دؤوب بُذل على مرّ السنين ، بطيئاً متئداً ولكن في اطّراد ، أو كما يقول المثل الإنجليزي : ( Slowly but sure ) .
فقد كانت هناك جماعة توفّرت لها عناصر مشتركة تجتمع عليها ، ولها أهداف محدّدة ، ولها وسائل محدّدة لبلوغ هذه الأهداف ، متّخذة السيطرة على السلطة واسطتها للتحقيق ، وذلك هو الحزب .
فمَن هم أعضاء هذا الحزب ؟ وما هي أهدافه ؟ وما هي وسائله ؟ وهل تبدّلت الأهداف والوسائل والحزب خارج السلطة عنها وقد حاز السلطة ؟
إنّ أوّل ما نلحظه من معرفتنا بالتاريخ الإسلامي هو وصف تلك الفترة الممتدّة من عام / 41 هـ حتّى 132هـ  بعصر الدولة الاُمويّة ، أي : أنّ تمييز النظام أضحى نسباً لبطن من بطون قريش ، أي : نسباً قبليّاًَ محضاً . 
وقد كان من قبله تمييزاً مستمدّاً من طبيعة النظام ذاته ، أي : الخلافة عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) , فلمْ يقل أحد عن سابقه إنّه عصر الدولة الهاشميّة ، نسب عليّ بن أبي طالب (ع) .
________________________________________
الصفحة (61)
ثمّ كان أنْ استنّت هذه السنّة لمّا آلَ الحكم إلى الوارثة على يد الاُمويّين وعُمل بها من بعدهم ، وكأنّها أمر مقرّر وعلم على كلّ نظام للحكم فيما تلا من عصور ، كالدولة العبّاسيّة والأيوبيّة والطولونيّة ... إلى آخر تلك الدول في العصر الحديث ، كالصفويّة والعثمانيّة .
والاُمويّون ـ كما ترى في سلسلة النسب ـ ينتسبون إلى اُميّة بن عبد شمس ، وهو أخو هاشم والمُطلب ونوفل , وهم جميعاً بنو عبد مُناف .
وكما علمنا من قبل ـ حين دراسة أنساق القرابة ـ أنّه قد يحدث افتراق بين الأسر في أحد مستويات انقسام سلاسل النسب عند تميز بعضها بمزيّة خاصّة ، أو حدوث تطوّر مفاجئ لمكانتها الاجتماعيّة ، أو نتيجة لقوّة اقتصاديّة حادثة ، وكذلك كان الأمر في حالة بني عبد مناف .
حدث أنْ أصابت قريشاً سنة جدب ، فانتدب لها هاشم نفسه ، فرحل إلى فلسطين فاشترى منها الدقيق فقدم به مكّة ، فأمر به فخُبز له ونحر جزوراً ، ثمّ اتّخذ لقومه مرقة ثريد بذلك الخبز ، فسمّاه قومه : هاشماً ، أنْ كان أوّل من هشم الثريد لقومه بمكّة وأطعمه(1) .
ـــــــــــــــ
(1) تاريخ الطبري ، المرجع السابق 2 / 251 .
________________________________________
الصفحة (62)
سلسلة عبد شمس بن عبد مُناف
________________________________________
الصفحة (63)
ويُحدّثنا الطبري : أنّه ما كان أثر ذلك الصنيع في نفس اُميّة بن عبد شمس ابن أخي هاشم ، إلاّ حسداً له وتقوّلاً عليه ونيلاً منه , حتّى لقد دعاه للمنافرة ، وجعلا بينهما الكاهن الخزاعي على خمسين ناقة تنحر ببطن مكّة والجلاء عن مكّة عشر سنين . فلمّا نفّر ، أي : فضّل الكاهن هاشماً ، أخذ هاشم الإبل ونحرها وأطعمها مَن حضره . وخرج اُميّة إلى الشام ، فأقام بها عشر سنين فكانت كما قِيل : أوّل عَداوة بين هاشم واُميّة .
فتلك مروءة ونجدة وغوث في جانب ، وذلك امتناع ـ رغم المال ـ وحسد ومباغضة في جانب آخر .
ويُحدّثنا الطبري ـ كذلك ـ عن منافرة اُخرى بين عبد المطلب بن هاشم ، وقد آلت إليه الرفادة والسقاية وبين حرب بن اُميّة , ومثلما قضى الحكم المرتضى من كليهما لهاشم على اُميّة ، فكذلك قضى حكمهما لعبد المطلب على حرب .
ونحن نعلم من أخبار عبد المطلب ، أنّه هو الذي تصدّى لملاقاة أبرهة في حملته على مكّة عام الفيل ، فلمّا لمْ يستطع ردّه سلماً ، هرول إلى الكعبة متعلقاً بها مناشداً ربّه : أنْ امنع حماك . ونعلم من أخباره أيضاً ، أنّه قد نذر : لئن وُلد عشرة نفر ثمّ بلغوا معه حتّى يمنعوه ، لينحرنّ أحدهم لله عند الكعبة , فلمّا تمّ له ما تمنّى , لمْ يرتضِ التحلّل من الوفاء بنذره حتّى أجبره قومه على الفداء طِبقاً لشرعهم .
فكانت لعبد المطلب إذاً السقاية والرفادة ، وهي بذل وعطاء قبل الشرف والسؤدد , وكان خروجه لأبرهة وهو النيابة عن الاُمّة في الملمات والشعور بالمسؤوليّة , وكان إصراره على الوفاء بالنذر وإلاّ الفداء ، وهذا هو الالتزام وتفضيل القِيم على المصالح .
________________________________________
الصفحة (64)
ثمّ نظرة إلى عبد الله بن عبد الملطب ، ذلك المُفتدى من الذبح ، يخرج به أبوه ـ فيما يرويه الطبري ـ ليزوّجه ، فيمرّ به على كاهنة من خثعم ، يقال لها : فاطمة بنت مر . فتدعوه إلى نفسها زنىً على أنْ تُعطيه مئة من الإبل , فيتعفّف عبد الله قائلاً :  فأمّا الحرام فالممات دونه(1) .
ثمّ أمعن النظر إلى فعل اُميّة بن عبد شمس ، ذلك الذي يقول فيه المقريزي(2) : وصنع اُميّة في الجاهليّة شيئاً لمْ يصنعه أحد من العرب ، زوّج ابنه أبا عمرو بن اُميّة امرأته في حياة منه . وأبو عمرو هذا كان ـ كما روى الهيثم بن عدي في المثالب ، ونقله الأصفهاني(3) ـ عبداً لاُميّة اسمه : ذكوان فاستلحقه .
وأمر آخر يحتاج أيضاً إلى كثير من التبصّر : تحالف بني عبد شمس ونوفل دون أخويهم هاشم والمطلب ؛ ذلك أنّ المطلب قدم مكّة من يثرب مردفاً ابن أخيه عبد المطلب ، وكان قد رُبّيَ في أخواله من بني عدي بن النار بيثرب ، ليقفه على ملك أبيه هاشم ويسلّمه له ، فعرض له عمّه نوفل عند أخواله من بني النجار حتّى انتصف , فما كان من نوفل إلاّ أنْ حالف بني عبد شمس على بني هاشم كلّهم(4) .
فالمطلب يأبى إلاّ أنْ يردّ على ابن أخيه حقّه ، بينما يتحالف نوفل وبنو عبد شمس على بني هاشم أنْ انتصر أحدهم لحقه .
ـــــــــــــــ
(1) تاريخ الطبري ، المرجع السابق / 244 .
(2) المقريزي ، النزاع والتخاصم فيما بين بني اُميّة وبني هاشم / 42 , القاهرة , دار المعارف / 1988 م .
(3) تاريخ الأصفهاني ، المرجع السابق 1 / 15 .
(4) الطبري ، المرجع السابق / 249 .
________________________________________
الصفحة (65)
فلا عجب إذاً أنْ يتخلّف بنو نوفل وبنو عبد شمس عن حلف شعاره : ألاّ يقرّوا ببطن مكّة ظالماً .
وذلك هو حلف الفضول المتألّف من بني هاشم وبني المطلب وبني أسد بن عبد العزى ، وزهرة بن كلاب وتيم بن مرة(1) . وتزخر كتب التاريخ بتلك المقابلات بين بني هاشم وبني اُميّة :
 فمنهم : مَن يغلو فيجعل الفضائل كلّها في جانب والرذائل كلّها في جانب آخر .
 ومنهم : مَن يحاول أنْ يقتصد إيثاراً للسلامة والحيطة ـ كما يظنّها ـ لا قناعة بالحقّ ، فيُعدّد مزايا كلّ دون العيوب .
 ومنهم : المداهن للسلطان ، ولو على دينه فيجعل بني اُميّة عمود الأمر كلّه حتّى لقّب مهدي آخر الزمان بالسفياني ، فبهم يفتتح وبهم يختتم .
 ومنهم : مَن يمتد بالمفاضلة إلى الصفات الجسديّة البحتة ، مثل : جعل بهاء الطلعة وطول القامة ، وقوة البنيان في جانب ، وعكس هذه الصفات الشكليّة في جانب آخر .
والغلوّ قد يدفع قائلاً بعدم صدق تلك المقابلات ، إذ قلّما يحدث ذلك في الحياة ، فلمْ يعهد الناس أبداً خيراً خالصاً ولا شرّاً خالصاً ، وإنّما مزاج بين هذا وذاك .
وقد يقول قائل آخر : إنّ هذه أخبار تحتمل الوضع ، خاصّة وقد دوّنت في عهد متأخّر وفي ظلّ استقرار الدولة الإسلاميّة ، ممّا جعل البعض يلتمس الثواب ـ بفرض سلامة المقصد ـ في إثبات الفضل لأسلاف النّبي (صلّى الله عليه وآله) ، لا يرى في ذلك بأساً ولو كانوا في الجاهليّة ، أو أنّها تلوّنت ـ شأنها في ذلك شأن التاريخ الإسلامي كلّه ـ بظلال السلطة الحاكمة ، مثلما فعل معاوية حين أرصد القصاص لاختلاق روايات تنسب الفضل لبعض الصحابة ، مع الحطّ
ـــــــــــــــ
(1) ابن الأثير ، المرجع السابق 1 / 570 .
________________________________________
الصفحة (66)
من مكانة عليّ بن أبي طالب (ع) , حتّى سنّ لعن عليّ وبنيه (عليهم السّلام) على المنابر(1) , ومثلها تملّق الدولة العبّاسيّة بالتهافت على تجميع مثالب الاُمويّين .
وقد يرى آخر مثل هذه المقابلات ، بأنّها نوع من التكفير داخلته المعتقدات الأسطوريّة ، ومثال ذلك ما أورده الطبري(2) ، قِيل : إنّ عبد شمس وهاشماً توأمان ، وإنّ أحدهما وُلد قبل صاحبه وإصبع له ملتصقة بجبهة صاحبه ، فنحّيت عنها ، فسال من ذلك دم فتُطيّر من ذلك ، فقِيل : تكون بينهما دماء(3) .
إنّنا ونحن بصدد محاولة دراسة جذور المشكلة ، لا نستطيع أنْ نغفل هذه الآراء ، ولكن علينا أنْ نأخذ كلّ خبر بحذر ، وأنْ نلزم أنفسنا بمنهج نقديّ يحلّل الخبر في ظلّ ظروفه وملابساته وعلاقاته ، لنتمكّن من توقيع إحداثيّاته المكانيّة والزمانيّة والاجتماعيّة التوقيع الصحيح , حتّى يتشكّل في النهاية المسار الموضوعي المُقنع للمشكلة ككلّ .
إزاء ذلك ، فإذا كنّا قد أوردنا بعض المقابلات بين بني هاشم وبني اُميّة ، فإنّنا نُريد أنْ نؤكّد على بعض الأمور الهامّة :
إنّ ذلك لا يعني مُطلقاً اعتماد منهج البعض في تفسير الحوادث الجسام التي مرّت بها الاُمّة الإسلاميّة ، وردّها حصراً إلى النزاع بين حيّين من العرب ، بل بين
ـــــــــــــــ
(1) فشت هذه السنّة في أهل الشام حتّى ضرب الناس النسائي حتّى القتل بدمشق ، إنْ لمْ يجد فضلاً لمعاوية يذكره .
(2) الطبري ، المرجع السابق 2 / 252 .
(3) يعلّق د . حسين (ع) مؤنس ـ محقّق : كتاب النزاع والتخاصم ، للمقريزي ـ على ذلك بإيراده ما ذكره بوزورث في ترجمته الإنجليزّية للكتاب : من أنّ العداوة بين الأخوة التوائم موضوع متوارد في الأدب الشعبي العالمي . ثمّ يُضيف : أنّ ذلك يستند إلى ما ورد في العهد القديم عن العداوة بين عيسى ويعقوب ابني إسحاق .
________________________________________
الصفحة (67)
أبناء عمومة واحدة قريبة ومباشرة ، فإنّما الأمر أجلّ من ذلك وأخطر ، ولعلّ في وصفنا السابق للجماعة الاّمويّة بالحزب ، دلالة على أنّ الأمر أمر منهج وسياسات ومصالح وقوى متصارعة ، ينتظمها حزبان بأوسع معاني الحزبيّة ، ولمْ يكن الصراع أبداً وقفاً على جماعتين قرابيّتين .
 رغم التأكيد على ما سبق ، إلاّ أنّ عديداً من الظروف قد تجمّعت لتبلور في النهاية محورين للصراع : كان بنو هاشم من ناحية ، وبنو اُميّة من ناحية اُخرى علمين عليه , وأنّ تبلور هذين المحورين لمْ يكن وليد الإسلام ، بل تؤكّد أحداث التاريخ أنّ ذلك تأتّى من خلال تراكمات على مدى طول من السنين ، ضاربة بجذورها فيما قبل الإسلام .
كما أنّ هذين المحورين شكّلا مراكز استقطاب لغيرهم ممّن شاركوهما الاهتمامات نفسها ، بحيث اتّسعت الدائرتان حول المحورين لغير الهاشميّين ولغير الاُمويّين .
إنّ النواة الأولى للحزبين وُجدت بدايتها في ظلّ الجاهليّة ، كبداية بسيطة تدور حول الاختلاف في الممارسات والسلوكيّات في تمثلّها للفضائل العامّة ، ثمّ أخذت تتحدّد شيئاً فشيئاً مع مضي الزمن حتّى أخذت شكلها النهائي في ظلّ التباعد والتقارب من نسق القِيم الممثّل لعصب النظام الإسلامي .
وكما ذكرنا من قبل ، فإنّ بداية الافتراق بين الجماعات القرابيّة في سلسلة نسب واحدة تحدث عند تميّز إحداها بمزيّة خاصّة , وهذا ما حدث في حالتنا هذه عند اجتماع القوم على إعطاء السقاية والرفادة إلى هاشم وإلى بنيه من بعده دون بني عبد شمس . ثمّ تعاقبت الأحداث وتراكمت المواقف , بحيث تعمّق اتّجاه بني هاشم نحو التّمسك بالقِيم في اطّراد متّصل ، بينما تأكّد اتّجاه بني اُميّة نحو الحرص على المصالح ، كأسبقيّة أولى من مُجمل اهتماماتهم .
________________________________________
الصفحة (68)
وتكشف الدراسات ( النفسية ـ الاجتماعيّة ) الحديثة(1) أنّ هناك عدّة محدّدات لاكتساب القِيم وتمثلها . ومن هذه المحدّدات الأسرة وتوجّهاتها التي تشكّل الإطار المرجعي لأفرادها ، ومن خلالها ينمو الميثاق الأخلاقي لديهم , ولا يعني ذلك أنّ هذا المحدّد يحتم نتائج معيّنة تترتّب عليه بالضرورة ، ولكن يعني أنّ تمحور الأسرة حول نسق للقِيم يوفّر شرطاً تصبح تنشئة أفرادها معه أدعى للاستمساك به , ولعلّ في قول الرسول (صلّى الله عليه وآله) يوم حنين ـ كما أورده البخاري ـ :  (( أنا النبيّ لا كذب , أنا ابن عبد المُطلب )) .  إشارة إلى استدعاء كلّ عوامل أصالة القِيم ساعة الشدّة .
وممّا يؤكّد هذا المعنى ـ أيضاً ـ حديث الرسول (صلّى الله عليه وآله) ـ كما أورده البخاري ـ : (( تجدون النّاس معادنَ ، خيارُهم في الجاهليّة خيارُهم في الإسلام )) .
ومن هنا يُفهم توحيد النبيّ (صلّى الله عليه وآله) بين بني هاشم وبني المطلب ، كما جاء في البخاري : (( إنّما بنو هاشمٍ وبنو المطلبٍ شيءٌ واحدٌ )) . بينما قال (صلّى الله عليه وآله) ـ كما ذكره الحاكم في حديث صحيح على شرط الشيخين ـ : (( شرُّ قبائلَ العربِ بنو اُميّةٍ وبنو حنيفة وثقيف )) .
وهناك علاقة أخرى بين القِيم وطبيعة العمل المُمتهن(2) ، فالمهنة تعدّ محدّداً آخر لاكتساب القيم والاستعداد لتمثلّها ، ودرجة قبول الامتثال لها ، كلّ ذلك باعتبارها متغيّراً مستقلاً ، وهذا المحدّد يُمكن التعويل عليه في تفسير نتائج العلاقة السابقة ، آخذين في الاعتبار أنّ هناك علاقات تفاعل تبادليّة بين المحدّدات جميعاً .
ـــــــــــــــ
(1) د . عبد اللطيف محمّد خليفة ، ارتقاء القيم / 88 , الكويت , عالم المعرفة  / 1992 م .
(2) المرجع السابق / 99 .
________________________________________
الصفحة (69)
وتفصيل ذلك في موضوعنا : أنّ بني اُميّة كانوا أصحاب مال ، أتاهم من اتجارهم لأنفسهم بأنفسهم واتجارهم لغيرهم ، ومن ثمّ رسخ فيهم خلق التجار كما عهد في مثل ظروفهم . وقد مرّت بنا حين دراسة الاقتصاد الجاهلي أساليب التجارة الشائعة وقتئذ ، والتي داخلها كثير من الغشّ والغرر والرّبا ، ممّا رسخ في نفوس ممارسيها معايير المصلحة والمنفعة والكسب ، كمعايير مُعتبرة وغايات مُستهدفة حائزة على الدرجة الأولى من سُلّم الاهتمامات .
وقد يقول قائل : إنّ من بني هاشم ـ أيضاً ـ مَن كان يتجر لنفسه ولغيره ، وبذلك يصدق عليهم ـ أيضاً ـ ما ذهبنا إليه في حقّ بني اُميّة , ولكن بنو هاشم التزموا السقاية والرفادة من موقع ديني ، والتصدّي لهذا الموقع يعني التزام المُثُل والترفّع عن الدنايا والتحلّي بالمروءة ، فضلاً عن أنّه يعني البذل والعطاء , وقد عرفنا من قبل إطعام هاشم لقومه ، وحفر عبد المطلب زمزم سقاية للحاجّ . 
وهذه الصفات بالطبع مغايرة لأخلاق الاحتيال على الكسب والمراوغة والمساومة ؛ ولعلّ في إيراد قول ابن خلدون في ذلك غناءً عن الإطالة في بسط هذه الفروق . يقول ابن خلدون(1) : خُلق التجار نازلة عن خُلق الأشراف . ذلك أنّه يرى صفات التاجر جريئاً في الخصومة ، بصيراً بالحسبان ، شديد المماحكة .
وممّا يدلّ على ذلك ـ أيضاً ـ ما علمناه من سيرة النّبيّ (صلّى الله عليه وآله) في قصّة زواجه من خديجة، أو أوّل ما لفت انتباهها إليه أمانته في اتّجاره لها، وهذا يدلّ على أنّها صفة لمْ تكن من الشيوع ، بحيث لا تلفت النظر إلى مَن يلتزمها .
ـــــــــــــــ
(1) المقدّمة ، المرجع السابق 1 / 330 .
________________________________________
الصفحة (70)
هذه الفروق بين بني هاشم وبني اُميّة يُوجزها عليّ بن أبي طالب (ع) ، بقوله(1) : (( هم أكثرُ وأنكرُ وأمكرُ ، ونحن أفصحُ وأصبحُ وأسمحُ )) .
ولعلّ ما اهتدى إليه العقّاد(2) في تقصّيه لأسباب هذا الصراع ، في إيجازه الأمر في كلمتين : أريحيّة ومنفعة . إنّما يدلّ على ما استدللنا عليه من قبل ، من أنّ الصراع كان قائماً بين اتّجاهين ، يتمحور أوّلهما حول نسق من القيم يؤمن بها ويحاول ترسيخها ، ويسعى لغرسها وتأكيدها لدى الآخرين . وأمّا ثانيهما فيعتمد النفعيّة له مذهباً . 
فأمّا الأوّل فرائده الحقّ , وأمّا الثاني فرائده المصلحة ، والحقّ يسع الجميع والمصلحة تضيق بصاحبها ، وتلك هي سمة الصراع في كلّ مراحله , وربما كانت هذه السمة أظهر ما تكون على عهد عليّ (ع) ومعاوية . وفيها يقول العقّاد : كان كفاحاً بين الإمامة الدينيّة والدولة الدنيويّة(3) .
وهو عين ما ارتآه طه حسين ، إذ يقول(4) : كان عليّ (ع) يدبّر خلافة ، وكان معاوية يدبّر مُلكاً .
بل إنّ المستشرق جولد تسيهر لم يشكّ في الفرق البيّن بين حكم بني اُميّة وحكم الخلافة , بقوله(5) : وممّا لا ريب فيه ، أنّ بني اُميّة لمْ يكونوا متديّنين ولا متظاهرين بالتّقوى . وكانت حياتهم في بلاطهم وبين حاشيّتهم لا تُحقّق من كلّ الوجوه ما كان ينتظره الأتقياء من رؤساء الدولة الإسلاميّة .
ـــــــــــــــ
(1) المقريزي ، المرجع السابق / 70 .
(2) عبّاس محمود العقّاد ، أبو الشُهداء الحُسين (ع) بن عليّ / 12 , القاهرة ,  دار الهلال / 1986 م .
(3) المرجع السابق : 12 .
(4) طه حسين ، الخلفاء الراشدون / 593 , بيروت ,  دار الكتاب اللبناني / 1973 م .
(5) جولد تسيهر ، العقيدة والشريعة ، المرجع السابق / 71 .  
________________________________________
الصفحة (71)
وقد بلغ بجولد تسيهر بحثه مبلغاً استبعد معه أنْ تصدر ـ ولو قوله حقّ ـ واحدة من أمويّ ، وذلك في معرض تعليقه على نصيحة عمر بن عبد العزيز لأحد عمّاله كي يحسنَ سياسة مصره , بقوله : حصّنها بالعدل ، ونقِّ طرقها من الظلم  . فيعلّق جولد تسيهر بقوله(1) : إنّ عمر وحده الذي يُمكن أنْ تصدر عنه هذه الكلمة ؛ لأنّها كلمة لا يُمكن أنْ تصدر عن أمويّ .
قوّة الحزب وخُطّته 
كان من الممكن أنّ يكون عُنوان هذا الفصل : عضويّة الحزب أو أعلام الحزب أو قيادات الحزب ؛ لنتعرّف من خلالهم على طبيعة تكوينه وأثره والفعاليّات المؤثّرة فيه . وقد يبدو ذلك منطقيّاً خاصّةً وقد نعتنا الحزب من قبل بأنّه أمويّ ، وبالتالي يكون طبيعيّاً أنْ يتعمّده أشخاص ، وأنْ يكون هؤلاء الأشخاص أمويّين , ولكن لمّا كان تحليل المواقف والأحداث التاريخيّة ، قد قادنا إلى نتيجة هامّة مؤادّها اعتماد الحزب للنفعيّة له مذهباً كان الأكثر اتّساقاً . والمنطق أنْ نبحث عن كلّ المؤازرين للحزب والمنتمين له ، وإنْ لمْ يكونوا أمويّين نسباً ؛ فإنّما كان الأمويّون عصب هذا الحزب وعموده الفقري ، ولكنّهم لمْ يكونوا الحزب كاملاً . وأوضح مثل لذلك عقيل بن أبي طالب ، وقد مرّ بنا كيف مرق من معيّة أخيه عليّ (ع) إلى معاوية ، فكيف يُصنّف إذاً عقيل ؟
إنّنا نستطيع أنْ نقول : إنّه لمّا غلبت القوّة الاُمويّة نسباً على مقدرات الحزب صار الحزب يتسمّى باسمها , ومن جهة اُخرى فإنّنا نستطيع ـ أيضاً ـ أنْ نقول باطمئنان : إنّ الأمويّة بهذا الكيف أضحت عَلماً على مذهب ، لمَا جمعت النفعيّة بين الأمويّين نسباً وغيرهم ممّن شاركوهم مذهبهم .
ــــــــــــــــ
(1) المرجع السابق / 49 .
________________________________________
الصفحة (72)
ومثلما تفعل دائماً الأحزاب ذات الحنكة في الممارسة ، إذ تعتمد لها خُطّة وتتّخذ لنفسها منهجاً ، فإنّي أتصوّر ـ بل أكاد أوقن ـ أنّ أمرهم كان كالتالي :
1 ـ قضيّة أو قضايا عامّة لها قوّتها ووجاهتها يتخفّى الهدف الحقيقي وراءها ، وتكون لها ستراً ، وبحيث تكون ذات جذب لحشد أكبر قوّة مُمكنة وراءها .
2 ـ مرونة كافية للتعامل مع الأحداث المتعاقبة ، بحيث يُمكن تعديل وتطوير شكل القضايا المطروحة ، بل واستحداث قضايا متجدّدة طِبقاً للظرف المجتاز .
3 ـ المرحليّة في إنجاز الأهداف وعدم القفز فوق المعطيات الموضوعيّة للواقع ، والامتناع عن الإقدام على سبق الأحداث ، وعدم الهرولة للحصول على نتائج في ظلّ ظروف لمْ تنضج بعد .
4 ـ العمل على اتّساع القاعدة المؤيّدة للحزب عن طريق :
الف ـ إشباع القضايا المختارة بحثاً ، ودفعها إلى الصدارة دائماً من اهتمامات النّاس .
باء ـ التعامل مع النّاس طِبقاً لأفضليّاتهم الخاصّة وبِناءً على مآخذهم القريبة .
فعصب الحزب هُم الواعون بالهدف الحقيقي ، وبالتالي هُم المنتفعون الأصليّون , وأمّا الآخرون فيهم , إمّا غلب عليهم الظنّ في صحّة القضايا المطروحة ، وهؤلاء يضمن تأييدهم عن طريق اعتقادهم هذا , وإمّا قوم آخرون لا يبدون أهميّةً لمدى صحّة القضايا ، وإنّما يشرئبّون بأعناقهم إلى كسب قريب ، وهؤلاء يجب تغذية طموحاتهم باستمرار وإطماعهم بالمزيد .
4 ـ استباحة جميع الوسائل لتحقيق الهدف ، مع الحرص دائماً على إخراج الوسائل في صورة مقبولة ، والاجتهاد في إيجاد مبرّرات لها بحيث تبدو منطقيّة لدى العامّة .
5 ـ إبداء الغلظة واستعمال أقصى درجات الشدّة مع مَن يُصنّفون على أنّهم مُعادون ، وذلك إذا سمحت الظروف بذلك ؛ إرهاباً لهم ولمَن تحدّثه
________________________________________
الصفحة (73)
نفسه بتأييدهم ، وذلك مع عدم اليأس ممّن يدورون في فلكهم وفتح الباب دائماً لاستمالتهم .
6 ـ اتّباع خُطّة دعائيّة مُحكمة تعتمد على الآتي :
التضخيم من القوّة الذاتيّة لأقصى الحدود والحطّ من قوّة المُعادين ، وإشاعة ذلك بين النّاس ؛ حتّى تحدث أثرها في الانهيار المعنوي لدى معسكر الخصم ، وتخذيلاً لغيرهم عن الانضمام إليهم .
إسباغ المزايا على بعض المؤيّدين ليكونوا نماذج جاذبة وقابلة للاحتذاء ، بحيث تطمع غيرهم فيها .
التشكيك الدائم في المفاهيم التي تتمتّع بدرجة من الاستقرار لدى العامّة ، والتي يُمكن أنْ تقف حجر عثرة في سبيل تحقيق أهداف الحزب ، بحيث يلتبس أمرها وتفقد استقرارها .
عدم الاقتصار على تصنيف النّاس بين مؤيّدين ومُعادين ، فهناك فريق ثالث مُحايد ، وهؤلاء ـ أيضاً ـ لهم دورهم الذي يُمكن استغلاله ، وبالتالي فهؤلاء يُعتبرون قوّة مضافة , ولذا وجب الحفاظ عليهم وعدم استعدائهم .
العمل على اصطناع بؤر تصادميّة متعدّدة مناهضة للمُعادين ، بحيث تعمل على إرباكهم وتشتيت قواهم واستنزاف حيويّتهم ، ولا يشترط في ذلك أنْ تكون هذه البؤر مؤيّدة ، بل قد تكون معادية أيضاً ، ولكن دعمها مُفيد مرحليّاً .
العمل على انهيار التماسك الداخلي للمُعادين عن طريق زرع عملاء ، أو استمالة من لديه قابليّة الاستعمال ، وبحيث يتمكّنون من التوجيه الخفيّ لحركة الأحداث من الداخل مُوهمين بصحّة مسلكهم .
تلك ـ إذاً ـ خُطّة مُفترضة نزعم أنّها كانت خُطّة الحزب الاُموي . وعلينا الآن أنْ نخضعها للبحث ، ونطابق الأحداث عليها ليتبيّن مدى صحّة افتراضها .
________________________________________
الصفحة (74)
الخُطّة والواقع
تزخر كتب التاريخ بالأحداث التي يُمكن إيرادها للتدليل على صحّة افتراضنا السابق ، ولكنّنا نتخيّر منها بعضها ذا الدلالة المباشرة على تكوين الحزب ، وأهدافه وطبيعة نشاطه على مدى طويل . 
وإيرادنا لهذه الأحداث على هذا النحو ، لا يعني بحال اتّباعنا لمنهج انتقائي متعسّف ـ كما قد يظنّ البعض ـ لإثبات صحّة الفرض ، وإنّما يحكم هذا الاختيار عدّة اعتبارات تتّصل بطبيعة الأحداث ذاتها ، ومدى أهميّتها على المسار العام لحركة التاريخ ، ثمّ الأطوار المختلفة التي مرّ بها الحزب ، ثمّ طبيعة العلاقات والارتباطات بين هذه الأحداث وغيرها ، ممّا يمكّن في النهاية من رصد العلاقات الأساسيّة بين هذه الأحداث مجتمعة .
وربما كان عاصماً لنا من احتمال الزلل إلى الاجتزاء المتعسّف مناقشة الآراء المختلفة ـ المؤيّدة والمُعارضة ـ المرتبطة بهذه الأحداث جُملةً وتفصيلاً ، وإيراد حجج كلّ بما يضمن نظرة كلّية إلى الموضوع بكامله .
وأوّل ما ينبغي إمعان النظر فيه , خبر تقصّه كتب السير وتقف به على مفتاح لباب رئيسي لهذا الأمر ، وسرّ العداء المُستحكم لهذا الدين الجديد ، وذاك هو طلب السلطة والرياسة بما يشمله من تحكم في المقدّرات العامّة .
يقول الخبر(1) : إنّ أبا جهل وأبا سفيان والأخنس بن شريق خرجوا ليلةً ليسمعوا من رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، وهو يُصلّي بالليل في بيته ، فأخذ كلّ رجل منهم مجلساً ليستمع منه ، وكلّ لا يعلم بمكان صاحبه ، فباتوا يستمعون له حتّى إذا
ـــــــــــــــ
(1) ابن كثير ، البداية والنهاية ، المرجع السابق 3 / 62 .
________________________________________
الصفحة (75)
أصبحوا وطلع الفجر ، تفرّقوا فجمعهم الطريق فتلاوموا ، وقال بعضهم لبعض : لا تعودوا ، فلو رآكم بعض سفهائكم لأوقعتم في نفسه شيئاً . إلاّ أنّهم عادوا وكرّروا فعلتهم ثلاث ليالٍ متواليات ، ثمّ تعاهدوا ألاّ يعودوا لمثلها , فلمّا أصبح الأخنس بن شريق سأل صاحبيه عن رأيهما فيما سمعا ، فقال أبو الحكم بن هشام : تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف ، أطعموا فأطمعنا ، وحملوا فحملنا ، وأعطوا فأعطينا ، حتّى إذا تجاثينا على الراكب وكنّا كفرسي رهان , قالوا : منّا نبيّ يأتيه الوحي من السماء ، فمتى نُدرك هذه ؟ والله ، لا نسمع به أبداً ولا نصدّقه .
بينما كان ردّ أبي سفيان : والله ، لقد سمعت أشياء أعرفها وأعرف ما يُراد بها .
وفي رواية اُخرى عن المغيرة بن شعبة(1) : أنّ أبا جهل قال : والله ، إنّي لأعلم أنّ ما جاء به ـ يقصد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ـ حقّ ، ولكن لا أفعل .
فأبو جهل لمْ يرَ في الدعوة الجديدة إلاّ أنّها مقام فضل لبني عبد مناف لا قبل له به ، وذلك رغم أنّ بني عبد مناف وبني مخزوم ـ جدّ أبي جهل ـ يشتركون في جدّ واحد هو مرّة بن كعب . وقد كان حريّاً ـ إذاً طِبقاً لمنطقهم ذاك ـ بأبي سفيان أنْ يسعد بهذا الفضل الذي أصاب أحد بني عبد مناف ، ولكن إذا كان أبو جهل قد رآه فضلاً عامّاً لبني عبد مناف ، فإنّ أبا سفيان قد رآه فضلاً خاصّاً ببني هاشم دون بني اُميّة ، وكلّهما من بني عبد مناف ، وهذا ما يأباه أبو سفيان رغم إقراره في ردّه السابق على الأخنس : أنّه قد عرف وفهم ما سمعه من الرسول (صلّى الله عليه وآله) .
ـــــــــــــــ
(1) المصدر السباق / 63 .
الصفحة (76)
وأبو جهل وأبو سفيان لمْ يكونا في موقفهما ذاك بدعاً من بين العرب ، وإنّما كانت تلك سمة النظام الجاهلي بأكمله كما أسلفنا في بحث أنساقه ، لا سيّما نسق القرابة منها ، وهنالك توقّعنا أنْ يوطّئ بحث الأنساق لفهم ما يلي من أحداث .
ألمْ ترَ بني عامر يأبون نصرة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) إلاّ أنْ يكون الأمر فيهم من بعده .
 يروي الطبري(1) : أنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أتى بني عامر بن صعصعة ، فدعاهم إلى الله وعرض عليهم نفسه ، فقال رجل منهم يُقال له بيحرة بن فارس : والله ، لو أنّي أخذت هذا الفتى من قريش لأكلت به العرب . ثمّ قال له : أرايت إنْ تابعناك على أمرك ثمّ أظهرك الله على مَن خالفك ، أيكون لنا الأمر من بعدك ؟ قال (ص) : (( الأمر إلى الله ، يضعه حيث يشاء )) . فقال : لله أفنهدف نحورنا للعرب دونك ، فإذا ظهرت كان الأمر لغيرنا , لا حاجة لنا بأمرك . فأبوا عليه .
فالأمر إذاً أمر رياسة وسيادة طلباً للجاه وتحقيقاً للمنفعة ؛ فأمّا الجاه ، فقد عرفت تفاخرهم بكلّ شيء بأنسابهم وسؤددهم وأيّامهم ، بل تعاظمهم حتّى في المصائب ؛ وأمّا المنفعة ، فأيّ شيء أقرب لإدراكها والحفاظ عليها من قوّة الحكم ؟ فقديماً مثلما هو الأمر حديثاً ، وأيّاً ما كان النظام السائد ـ في ظلّ غياب نسق متكامل للقيم ـ فإنّ القوّة الاقتصاديّة السائدة تجد تعبيرها المباشر في السياسة ، ومن ثمّ تصبح هي القوّة الحاكمة والفعاليّة المؤثّرة في المجتمع ، ويصير نظام التشريع سنداً لهذه القوى المهيمنة اقتصاديّاً .
وعلى هذا النحو مضى أمر القوم ، فهم يُشرّعون لأنفسهم من عند أنفسهم ، ثمّ يلصقون هذه الشرائع بالله ، كيْما تكتسب قوّةً وقداسةً ، يصبح معها مجرّد التكفير في انتهاكها إثماً يستوجب غضب الله والنّاس جميعاً .
ـــــــــــــــ
(1) تاريخ الطبري ، المرجع السابق 2 / 350 .
________________________________________
الصفحة (77)
فقد شرّعت قريش ـ وبالأحرى شيوخها وكهّانها ـ شريعة تجعل لله نصيباً من زروعهم وأنعامهم ، ونصيباً آخر لشركائهم , ولمْ تكن هذه الأنصبة بالطبع تصل إلاّ إلى هؤلاء المشرّعين والقائمين على تنفيذها .
كذلك حرّموا حرثاً وأنعاماً بأعينها ، زعموا أنّهم وحدهم الذين لهم حقّ تحديد مَن يُطعمها , يقول الله تعالى : ( وَجَعَلُوا للّهِ‏ِ مِمّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيباً فَقَالُوا هذَا للّهِ‏ِ بِزَعْمِهِمْ وَهذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلاَ يَصِلُ إِلَى اللّهِ وَمَا كَانَ للّهِ‏ِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى‏ شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ )(1) . ( وَقَالُوا هذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لاَ يَطْعَمُهَا إِلّا مَن نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لاَ يَذْكُرُونَ اسْمَ اللّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِم بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ )(2) .
ثمّ إنّ قريشاً حرّمت على غيرها إنْ هُم أرادوا الحجّ ارتداء ثياب غير مُشتراة من قريش ، فإذا حجّوا بها صارت حراماً عليهم ، وعليهم أنْ يتركوها لقريش ، فإنْ أبوا ، فليس أمامهم إلاّ أنْ يطوفوا بالبيت عراياً(3) .
وهكذا تأتلف سلطة الحكم مع سطوة الكهان مع هيمنة المشرّعين على صعيد واحد من المنفعة .
ـــــــــــــــ
(1) سورة الأنعام / 136 .
(2) سورة الأنعام / 138 .
(3) ابن كثير ، المرجع السابق / 209 ، سيّد قطب ، مرجع سابق / 133 .
وكذلك يروي ابن هشام : أنّ قريشاً سمّت نفسها : حمساً لما زعمت غلوّها في التدين , ولذا جعلت لنفسها منزلةً تفوق غيرها من العرب ، فابتدعت شريعة الحمس هذه . ابن هشام ، السيرة النبويّة 1 / 199 , القاهرة , مؤسّسة علوم القرآن  .
________________________________________
الصفحة (78)
وبعد ، فقد حقّق أبو سفيان ـ أحد الزعماء المؤسّسين للحزب ـ ثروة وفرّت له مكانةً عاليةً بين قومه ، وانعكست مباشرةً في نفوذ سياسي يحسم الخيارات النهائيّة لمجتمعه ، ويتحكّم في مسار أحداثها .
وأبو سفيان ومعه شيبة وعتبة ابنا ربيعة ، وكلّهم بنو عبد شمس , شكلّوا وحدهم ربع عدد المؤتمرين من قريش بدار الندوة حين قرّروا قتل رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وتفريق دمه بين القبائل .
ولمْ يرتضِ أبو سفيان بأقلّ من عقد اللواء له في حروب قريش للرسول (صلّى الله عليه وآله) , حدث أنْ استفزّ بني عبد الدار أصحاب اللواء يوم بدر بقوله لهم : إنّكم ولّيتم لواءنا يوم بدر ، فأصابنا ما قد رأيتم ، وإنّما يُؤتى الناس من قبل راياتهم ، إذا زالت زالوا ، فإمّا أنْ تكفونا لواءنا ، وإنّما أنْ تخلّوا بيننا وبينه فسنكفيكموه(1) .
فكان له ما أراد من قيادة قريش في غزوات أُحد والسويق والأحزاب .
ولقد كان أمراً طبيعيّاً لرجل يتعلّق بالجاه والسلطان والسيادة تعلّق أبي سفيان أنْ يوغر صدره ، ويحفظ قلبه ما يراه من طاعة وانقياد أصحاب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) له . استمع إليه وهو يحاور زيد بن الدثنة عندما أمسكوا به في مكّة وقدّموه ليقتلوه ، فيحاول أبو سفيان انتزاع كلمةً من زيد لعلّها تشفي غليله ، فيقول له(2) : أنشدك الله يا زيد ، أتُحبّ أن مُحمّداً (ص) عندنا الآن مكانك نضرب عنقه ، وأنّك في أهلك ؟ قال : والله ، ما أحبّ أن محمّداً (ص) الآن في مكانه الذي هو فيه تُصيبه شوكة تُؤذيه ، وأنا جالس في أهلي . فقال أبو سفيان : ما رأيت في الناس أحداً يُحبّ أحداً كحبّ أصحاب محمّدٍ محمّداً (ص) . ثمّ قدّم زيد فقُتل .
ـــــــــــــــ
(1) تاريخ الطبري ، مرجع سابق 2 / 512 .
(2) المرجع السابق / 542 .
________________________________________
الصفحة (79)
ثمّ تمعّن وقفة أبي سفيان متعجباً أشدّ التعجب من أمر الرسول (صلّى الله عليه وآله) في قصّة لقاء أبي سفيان بهرقل ، حين استدعاه ليعرف منه أمر النّبي (صلّى الله عليه وآله) ، فيعلّق هرقل بعد مقالة طويلة قائلاً : ليغلبن على ما تحت قدميّ هاتين ، ولوددت أنّي عنده فأغسل قدميه . فيعجب أبو سفيان لمقالة هرقل قائلاً : فقمت من عنده وأنا أضرب بإحدى يدي على الاُخرى وأقول : يا لعباد الله ! لقد أمِرَ ـ عظُم ـ أمر ابن أبي كبشة ـ يعرّض بالرسول (صلّى الله عليه وآله) ـ أصبحت ملوك بني الأصفر ـ الروم ـ يهابونه في مُلكهم وسلطانهم(1) .
وكما لمْ يرَ أبو سفيان في حربه لرسول الله (صلّى الله عليه وآله) إلاّ أنّ الأمر أمر ملك وسيادة ، فكذلك كانت رؤيته له حين دخل الإسلام طليقاً ضمن المؤلّفة قلوبهم . فعندما أقبل الرسول (صلّى الله عليه وآله) بعشرة آلاف من المسلمين لفتح مكّة , حذّر العبّاس أبا سفيان ومن معه ألا قبل لهم اليوم بالمسلمين ، وأردفه مُجيراً له إلى معسكر الرسول (صلّى الله عليه وآله) ، ومع ذلك لمْ يَنطق لسانه بشهادة : أنّ محمّداً رسول الله (ص) إلاّ بشقّ الأنفس ، وبعد أن حذّره العبّاس تحذيره الأخير : ويلك ! تشهد شهادة الحقّ قبل والله أنْ تضرب عنقك .
إلاّ أنّ أبا سفيان وقف بعدها ليشهد دخول رسول الله (صلّى الله عليه وآله) مكّة في كتيبته الخضراء من المهاجرين والأنصار ، فلمْ يرَ في نفسه ذلك اليوم إلاّ ما رآه بالأمس ، فخاطب العبّاس قائلاً : يا أبا الفضل ، لقد أصبح مُلك ابن أخيك عظيماً . فردّ عليه العبّاس قائلاً : ويحك ! إنّها النبوّة(2) .
ـــــــــــــــ
(1) الأصفهاني ، مرجع سابق 6 / 364 .
(2) الطبري ، مرجع سابق 3 / 54 .
________________________________________
الصفحة (80)
ثمّ إنّ أبا سفيان ظلّ على هذا النحو حتّى مع قدم عهده بالإسلام ، فكان لسانه لا يَقوى دوماً على طي ما تخفي نفسه ، وكان يكشف عن حقيقة دخائله في كثير من المواقف التي يُوردها المؤرّخون ، ويستدلّون بها على عدم إخلاصه الإسلام . وممّا ذكره الأصفهاني(1) في هذا الباب ما رواه عن عبد الله بن الزبير ، إذ يقول : لمّا كان يوم اليرموك خلّفني أبي ، فأخذت فرساً له وخرجت فرأيت جماعة من الخفاء فيهم أبو سفيان بن حرب ، فوقفت معهم ، فكانت الروم إذا هزمت المسلمين ، قال أبو سفيان : إيه بني الأصفر . فإذا كشفهم المسلمون ، قال أبو سفيان :
وبنو الأصفر الكرام ملو        ك الروم لم يبق منهم مذكور
فلمّا فتح الله على المسلمين حدّثت أبي ، فقال : قاتله الله ! يأبى إلاّ نفاقاً , أو لسنا خيراً له من بني الأصفر ؟ ثمّ كان يأخذ بيدي فيطوف على أصحاب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يقول : حدّثهم . فأحدّثهم ، فيُعجبون من نفاقه .
ويُروى أنّ أبا سفيان قال ـ لمّا وُلي أبوبكر ـ :
وأضـحت  قريش بعد عز ومنعة      خضوعاً لتيم لا بضرب القواضب
فـيا  لهف نفسي للذي ظفرت به      ومـا  زال مـنها فائزاً بالرغائب
وعندما ولي عثمان الخلافة ، دخل عليه أبو سفيان ، فقال : يا معشر بني اُميّة ، إنّ الخلافة قد صارت في تيم وعدي حتّى طمعت فيها ، وقد صارت إليكم فتلقّفوها بينكم تلقّف الكرة ، فو الله ، ما من جنّة ولا نار .
ـــــــــــــــ
(1) المرجع السابق 6 / 370 .
________________________________________
الصفحة (81)
وإذا لمْ تصحّ هذه الأخبار عند البعض ، وخاصّة تذبذبه بين الروم والمسلمين في وقعة اليرموك(1) ـ كما أسلفنا ـ فإنّ الأمر الذي لا مراء فيه أنّه لطول عهده بالكبر والفخر والخيلاء والسيادة في قريش ، لمْ يتخلَّ يوماً عمّا في نفسه من هذه الصفات ، ولمْ يبرأ منها بدخوله الإسلام .
وقد علم الرسول (صلّى الله عليه وآله) ذلك في نفسه ، فأجاب العبّاس يوم الفتح أنْ يجعل لأبي سفيان شيئاً بين قومه ، بأنْ قال (ص) : (( مَن دخل دار أبي سفيان ، فهو آمن ))(2) . ثمّ عدّه من المؤلّفة قلوبهم عسى أنْ يلين قلبه ويستجيب بهذا التألّف . ومع هذا لمْ يتحرّج من ذكر ما ظنّه منّاً على رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وتذكيره بمنزلته ، فيقول للرسول (صلّى الله عليه وآله)(3) : إن هو إلاّ أنْ تركتك فتركتك العرب ، فما انتطحت جماء ولا ذات قرن .
ـــــــــــــــ
(1) يروي الطبري : أنّ أبا سفيان كان يحثّ المسلمين في وقعة اليرموك . المرجع السابق 3 / 397 .
ويروي البعض : أنّه قد حسن إسلام أبي سفيان بدليل اشتراكه في غزوة حنين ، إلاّ أنّ ابن هشام يروي ، أنّه قال ساعة انهزام المسلمين أوّل الأمر : لا تنتهي هزيمتهم دون البحر ، وإنّ الأزلام لمعه في كنانته . ابن هشام ، المرجع السابق 2 / 443 .
(2) يُذكر أنّ الرسول (صلّى الله عليه وآله) حدّد ثلاثة خيارات للطلقاء ، كي يأمنوا على أنفسهم دخول المسجد أو دخول دار أبي سفيان أو إغلاقهم أبوابهم على أنفسهم ، ولعلّ في ذلك تمييزاً لدخائلهم ، فمَن لمْ يدخل المسجد ومَن لمْ يُغلق بابه على نفسه ، فهو لمْ يأمن على نفسه إلاّ باللياذ بأبي سفيان ، فكان كمَن لاذ به .
(3) الأصفهاني ، المرجع السابق 6 / 359 .
________________________________________
الصفحة (82)
السيطرة على النظام 
عندما تأكّد نجاح النظام الجديد في بسط سلطانه وتيقّن استقراره ، ودخلته الناس أفواجاً ودانت له العرب أقواماً ، هنالك نظر الحزب إلى نفسه وتلفّت حوله ، فهاله ما رأى .
رأى نفسه ذا سجل حافل بالعداء والكيد للنظام ، وليس لهم من فضل واحد يُذكر لهم ، فعلموا أنّ السبق قد فاتهم ، وأنّ ما فاتهم كثير , ثمّ تلفّتوا حولهم فإذا بغيرهم قد تضخمت سجلاتهم إسهاماً في تأسيس النظام والذود عنه بعد أن بذلوا دماءهم ، وأخرجوا من ديارهم وأموالهم ، فقدّمتهم سابقاتهم ، وأصبح مستضعفو الأمس هُم الأئمة اليوم والوارثين .
والرسول (صلّى الله عليه وآله) قد أعلن بما لا لبس فيه(1) :
(( يا معشر قريش ، إنّ الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهليّة ، وتعظمها بالآباء ، النّاس من آدم ، وآدم خُلق من تراب )) . ثمّ أعلن الميزان الجديد : ( إِنّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللّهِ أَتْقَاكُمْ )(2) .
فقد سدّت ـ إذاً ـ جميع السبل ، وبقي واحد فقط ليرتادوه ، الانصياع للنظام الجديد وإحناء الرأس ؛ عسى أنْ يُصيبوا بمسالمته ما لمْ يُدركوا بعدائه .
ـــــــــــــــ
(1) الطبري ، المرجع السابق 3 / 61 .
(2) سورة الحجرات / 13 .
________________________________________
الصفحة (83)
انظر إلى أبي سفيان يأتي مهتاجاً عند استخلاف أبي بكر فيقول : والله ، إنّي لأرى عجاجةً لا يُطفئها إلاّ دم ، يا آل عبد مناف ، فيم أبوبكر من أموركم ، أين المستضعفان ؟ أين الأذلان عليّ (ع) والعبّاس ؟ أبا حسن ، اُبسط يدك أبايعك . فيزجره عليّ (ع) قائلاً له : (( إنّك والله ، ما أردت بهذا إلاّ الفتنة ))(1) .
فلمّا أُخبر أنّ أبابكر قد استخلف ابنه ، قال : وصلته رحم .
ثمّ تفحّص مُوجز الخُطّة كما تصوّرها أبو سفيان وامرأته هند ، ينصحان بها ابنهما معاوية لمَا قدم من الشام بعد أنْ استعمله عمر عليها . قالت هند(2) : يا بني ، إنّه قلّما ولدت حرّة مثلك وقد استعملك هذا الرجل ، فاعمل بما وافقه ، أحببتَ ذلك أمْ كرهته .
ثمّ قال أبو سفيان : يا بني ، إنّ هؤلاء الرهط من المهاجرين سبقونا وتأخّرنا عنهم ، فرفعهم سبقهم ، وقصرنا فأُخّرنا ، فصرنا تباعاً وصاروا قادة ، وقد قلّدوك جسيماً من أمرهم فلا تخالفنّ أمرهم ، فإنّك تجري إلى أمد لمْ تبلغه ، ولو قد بلغته لتنفّست فيه .
قال معاوية : فتعجّبتُ من اتّفاقهما في المعنى على اختلافهما في اللفظ .
ومعاوية لمْ تُفارق ذاكرته منذ صغره نبوءة كاهن اليمن لاُمّه هند : لتلدين مَلكاً يُقال له معاوية(3) .
ـــــــــــــــ
(1) الطبري ، المرجع السابق 3 / 209 .
(2) ابن عبد ربّه ، العقد الفريد 1 / 22 , بيروت , دار ومكتبة الهلال / 1986 .
(3) تزوّجت هند قبل أبي سفيان برجل اسمه ، الفاكه بن المغيرة ، فاتّهمها بالزنى ، فتحاكموا إلى كاهن باليمن فلمّا عرضت عليه برأها ، وقال لها : انهضي غير رسحاء ولا زانية ، ولتلدين مَلكاً . فحرصت على الطلاق من الفاكه وتزوّجت أبا سفيان . السيوطي ، المرجع السابق / 198 .
________________________________________
الصفحة (84)
ومعاوية ذاته هو الزاعم : مازلت أطمع في الخلافة منذ قال لي رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : إذا ملكت ، فأحسن(1) . وعلى هذا النحو مضت الخُطّة قدماً ، ووجدت طريقها للتنفيذ مسترشدة بمبادئ هند وأبي سفيان : 
ـ إحناء الرأس ، حتّى يتمّ التسلل والتغلغل داخل النظام على مهل .
ـ إظهار الرضا دوماً بأوامر الحاكم ، ولو على كُره .
ـ عدم المخالفة أبداً لمحاولة تعويض ما فات .
ـ التذكر الدائم للهدف النهائي ، ففيه التهوين لما قد يلحقك في طريقه : إنّك تجري إلى أمد لمْ تبلغه ، ولو قد بلغته لتنفست فيه .
ولمْ يمضِ وقت طويل ، ولمْ يكن من المُمكن أنْ يطول دون أنْ يُؤتي الغرس نتاجه . فلمْ يشأ الحزب أنْ تفلت لحظة دون اغتنام ، أو تُتاح فُرصة بلا اهتبال , فلا فراغ اليوم ، ولا متّسع لأيّ ما من شأنه تعكير صفو العلاقات الجديدة مع النظام ، ولا توقف مطلقاً عند أيّ من قراراتها ولو على غير الهوى مؤقتاً ، فإنّما الحقّ هو الصالح ، والصالح هو النافع ، والنافع اليوم هو إثبات الولاء لتعويض ما فات والتأهّب لما هو آتٍ ، خاصّة والنظام الجديد سمته الرّحمة والعدل ، ورحمته اتّسعت لجبّ ما قبل الإسلام ، وعدله اقتضى الأخذ بالظاهر , ولما تزل تلك هي عين الفلسفة النفعيّة ( البراجماتيّة ) حتّى اليوم .
وإليك ، فانظر كيف تغلغل الحزب داخل النظام على مهل , حتّى جاءت اللحظة الحاسمة التي نضجت فيها الظروف تماماً لاحتياز السلطة كاملةً ؛ فهذا بيان بالعمّال والاُمراء ممّن ينتمون إلى الحزب حتّى كان الانقضاض النّهائي .
ـــــــــــــــ
(1) السيوطي ، المرجع السابق / 195 .
________________________________________
الصفحة (85)
 
العهد                       الاسم                                                      الولاية
العهد رسوا الله (ص)       أبو عبد الرحمن عتاب بن أسيد بن أبي العيص بن اُميّة     على مكّة
                           خالد بن سعيد بن العاص بن اُميّة                          على اليمن
أبان بن سعيد بن العاص بن أمية                          على البحرين
العلاء بن الحضرمي حليف بني أمية                     على البحرين (قبل أبان) 
عمرو بن سعيد بن العاص بن أمية                       على تيماء وخيبر وتبوك وفدك
أبي سفيان بن حرب بن أمية                            على خولان ونخلة
يزيد بن أبي سفيان                                      على نجران
عمرو بن العاص                                        على عمّان
أبو بكر    عتاب بن سيّد بن أبي العيص بن أمية                                    على مكّة
                         العلاء بن الحضرمي                                      على البحرين
                        يزيد بن أبي سفيان ومعه معاوية وخالد بن سعيد بن 
                       العاص وعمرو بن العاص                                   على رأس جيش الشام
عمر بن الخطاب      العلاء بن الحضرمي                                         على البحرين 
        المغيرة بن شعبة                                              على الكوفة
        يزيد بن أبي سفيان                                            على الشام
       معاوية بن أبي سفيان                                           على الشام (بعد يزيد)
      عمرو بن العاص                                                على مصر
عثمان بن عفان     معاوية بن أبي سفيان                                            على الشام
  عمرو بن العاص                                                   على مصر
 عبد الله بن سعد بن أبي سرح                                         على مصر (بعد عمرو)
 الوليد بن عقبة بن أبي معيط                                           على الكوفة
 سعيد بن العاص                                                      على الكوفة (بعد الوليد)
 عبد الله بن عامر بن كريز                                             على البصرة
 مروان بن الحكم                                                       الوزير الأوّل
* * *
________________________________________
الصفحة (86)
وهكذا مهّد الحزب لنفسه ومكّن لأوتاده ونصب راياته ، فغلب على أخطر أمصار الدولة ، ولمْ يتبقَ إلاّ مخاض ميلاد الدولة الاُمويّة خالصة .
انظر إلى أبي سفيان بن حرب يقف على قبر حمزة ، فيقول : رحمك الله أبا عمارة ، لقد قاتلناك على أمر صار إلينا .
ورُوي أنّ الأمر لمّا أُفضي إلى عثمان بن عفّان ، أتى أبو سفيان قبر حمزة فركله برجله ، ثمّ قال : يا حمزة ، إنّ الأمر الذي كنت تُقاتلنا عليه بالأمس قد ملكناه اليوم ، وكنّا أحقّ به من تيم وعدي(1) .
وعندما آلت الخلافة إلى عليّ بن أبي طالب (ع) ، واجه موانع منيعة ُشيّدت على طول السنين ، حالت دون أنْ يُعيد الأمر إلى ما كان قد حارب عليه ، وكما شيّده أوّل مرّة , فقد كان الظرف غير الظرف ، والرعيّة غير الرعيّة ، والنظام غير النظام .
فكانت النتيجة المعروفة والمعدّ لها سلفاً , أنْ غلب معاوية ومعه رهطه من بني اُميّة وحزبه من غير بني اُميّة على الدولة الإسلاميّة في خبر طويل ، وصراع مرير تقصّه علينا كتب التاريخ .
على أنّ ما يُعنينا من هذا التاريخ في بحثنا هذا ، هو كيف غلب الحزب على السلطة ؟ وما هي سيرته في البلاد ؟ ثمّ آثار هذا الحزب على نظام الدولة ككلّ ؟
ويحسن بنا هنا أنْ نتعرّف على سيرة هؤلاء من قريب ، فلعلّنا نُجيب على السؤال المُحيّر الأوّل ، والذي حار فيه المقريزي بقوله(2) : ما بعدَ عليّ (ع) من بُعد ، سبب أخذ بني اُميّة الخلافة .
ـــــــــــــــ
(1) المقريزي ، المرجع السابق / 84 .
(2) المرجع السابق / 71 .
________________________________________
الصفحة (87)
سيرة الحزب من قريب حتّى عهد معاوية 
رغم أنّ الحزب قد تمكّن من الغلب على الكثير من مواقع السلطة منذ البداية ، إلاّ أنّ ممارساته الواضحة المتوائمة مع طبيعة أغراضه ومنهجه لمْ تفصح عن نفسها جليّاً إلاّ في عهد عثمان . ونقول بجلاء الإفصاح نظراً ؛ لأنّه كانت هناك شواهد وبوادر تنبئ بها فيما سبق عهد عثمان ، وقد كانت قمينة بلفت الأنظار إليها .
فكان أدعى بأصحاب النظر استجلاؤها قبل جلائها ، إلاّ أنّا نترك تفاصيل هذا الأمر لموضعه من البحث .
ولندع أحد المعاصرين للأحداث يروي لنا كيف كانت بداية تمكّن الحزب الفعالية ، وشيوع سياساته ، وظهور أعلامه ، كتب الأشتر إلى عثمان ـ فيما نقله البلاذري في أنساب الأشراف ـ يقول : من مالك بن الحارث إلى الخليفة المُبتلى الخاطئ ، الحائد عن سنّة نبيّه (ص) ، النابذ لحكم القرآن وراء ظهره .
أمّا بعد ، فقد قرأنا كتابك ، فَانْه نفسك وعمّالك عن الظلم والعدوان وتسيير الصالحين ، نسمح لك بطاعتنا ، زعمت أنّا قد ظللنا أنفسنا ، وذلك ظنّك الذي أرداك فأراك الجور عدلاً 
________________________________________
الصفحة (88)
والباطل حقّاً . 
وأمّا محبتنا ، فأنْ تنزغ وتتوب وتستغفر الله من تجنيك على خِيارنا ، وتسييرك صلحاءنا ، وإخراجك إيّانا من ديارنا ، وتوليتك الأحداث علينا ، وأنْ تُولّي مصرنا عبد الله بن قيس أبا موسى الأشعري وحذيفة ، فقد رضيناهما ، واحبس عنّا وليدك وسعيدك ومَن يدعوك إليه الهوى من أهل بيتك إن شاء الله . والسّلام .
فهذه إذاً صحيفة اتّهام للخليفة ، وبيان بمطالب المعارضة في أحد الأمصار الهامّة للدولة الإسلاميّة ، وهي الكوفة .
فصحيفة الاتّهام ، كما ترى ، تتبلور في الآتي :
1 ـ الظلم والعدوان من الخليفة ونوّابه .
2 ـ قلب الحقائق والتلبيس على الناس .
3 ـ التنكيل بالمعارضة حتّى النفي من الديار .
4 ـ عدم أهليّة وصلاحيّة اُمراء الخليفة .
5 ـ إيثار الهوى على المصلحة .
6 ـ محاباة الأقارب على الرعيّة .
وأمّا مطالب المعارضة ، فتنحصر في الآتي :
ـ التزام الحكم بالقرآن والسنّة .
ـ عدل الحكّام ، وإلاّ فلا طاعة .
ـ كفالة حرية وأمان المعارضة .
ـ توافر الأهليّة للحكم في الولاة .
ـ حقّ الرعيّة في اختيار مَن يحكمها .
وإذاً كان هذا هو الحال في الأمصار ، فكيف كان في عاصمة الدولة المدينة ؟
________________________________________
الصفحة (89)
يُحدّثنا الطبري(1) أنّ أصحاب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) اجتمعوا لمّا كثَّر النّاس على عثمان ، ونالوا منه ، وانتدبوا عليّ بن أبي طالب (ع) ليكلّمه .
ذهب عليّ (ع) إلى عثمان قائلاً له : (( النّاس ورائي ، وقد كلّموني فيك والله ، ما أدري ما أقول لك وما أعرف شيئاً تجهله ، ولا أدلّك على أمر لا تعرفه . 
إنّك لتعلم ما نعلم ، وما سبقناك إلى شيء فنخبرك عنه ، ولا خلونا بشيء فنبلغكه ، وما خصصنا بأمر دونك ، وقد رايت وسمعت ، وصحبت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ونلت صهره ، وما ابن أبي قحافة بأولى بعمل الحقّ منك ، ولا ابن الخطّاب بأولى بشيء من الخير منك ، وإنّك أقرب إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) رحماً ، ولقد نلت من صهر رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ما لمْ ينالا ، ولا سبقاك إلى شيء .
فالله الله في نفسك ! فإنّك والله ، ما تبصر من عمى ، ولا تعلم من جهل ، وإنّ الطريق لواضح بيّن ، وإنّ أعلام الدين لقائمة .
تعلم يا عثمان ، أنّ أفضل عباد الله عند الله إمام عادل هُدي وهدى ، فأقام سنّةً معلومةً ، وأمات بدعةً متروكةً ، فوالله ، إنّ كلاً لبيّن ، وإنّ السنن لقائمة لها أعلام ، وإنّ البُدع لقائمة لها أعلام ، وإنّ شرّ الناس عند الله إمام جائر ، ضلّ وضُلّ به ، فأمات سنّة معلومةً ، وأحيا بدعةً متروكةً ، وإنّي سمعت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، يقول :  يُوتى يوم القيامة بالإمام الجائر ، وليس معه من نصير ولا عاذر ، فيُلقى في جهنّم .
وإنّي أُحذّرك الله ، وأُحذّرك سطوته ونقماته ، فإنّ عذابه شديد أليم . وأُحذّرك أنْ تكون إمام هذه الاُمّة المقتول , فإنّه يُقال : يُقتل في هذه الاُمّة 
ـــــــــــــــ
(1) المرجع السابق 4 / 337 ، أحداث سنة 34 هـ .
________________________________________
الصفحة (90)
إمام ، فيُفتح عليها القتل والقتال إلى يوم القيامة ، وتلبس أمورها عليها ، ويتركهم شِيعاً ، فلا يبصرون الحقّ لعلوّ الباطل ، يموجون فيها موجاً ، ويمرجون فيها مرجاً )) .
فهذا إذاً اضطراب وقلق وتململ ، ثمّ معارضة وبداية تمرّد ، ثمّ فتنة معمية ، ثمّ صراع رهيب لمّا يزل ، كما توقّع عليّ (ع) حتّى اليوم .
ولم تكن البداية في كلّ ذلك إلاّ عندما بدأت سياسة الحزب الأموي تأخذ طريقيها للتنفيذ الفعلي ، إذ تسلّل أوّلاً إلى مواقع السلطة ، ثمّ شرع في الغلب على جميع مقدرات الدولة ، إلى أنْ ملك نهائيّاً على يد معاوية .
فكيف كانت سياسته حينما وصل إلى هذا الحدّ ؟
تعالَوا نقرأ معاً رأي أحد النقّاد وهو الجاحظ ؛ لنقف على مُوجز هذه السياسة . يقول الجاحظ (1) :
 استوى معاوية على المُلك ، واستبدّ على بقيّة الشورى ، وعلى جماعة المسلمين من الأنصار والمهاجرين في العام الذي سمّوه عام الجماعة ، وما كان عام جماعة ، بل كان عام فرقة وقهر وجبرية وغلبة ، والعام الذي تحولت فيه الإمامة ملكاً كسروياً ، والخلافة غصباً قيصرياً ، ولم يعدّ ذلك أجمع الضلال والفسق .
ثمّ ما زالت معاصيه من جنس ما حكينا وعلى منازل ما رتبنا , حتّى ردّ قضية رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ردّاً مكشوفاً وجحد حكمه جحداً ظاهراً في ولد الفراش وما يجب للعاهر , مع اجتماع الاُمّة أنّ سميّة لم تكن لأبي سفيان فراشاً ، وأنّه إنّما كان بها عاهراً ، فخرج بذلك من حكم الفجّار إلى حكم الكّفار .
ـــــــــــــــ
(1) الجاحظ ، رسالة في بني اُميّة ، ملحقة بنهاية كتاب التنازع والتخاصم للمقريزي ، المرجع السابق / 124 .
________________________________________
الصفحة (91)
وليس قتل حجر بن عدي ، وإطعام عمرو بن العاص خراج مصر ، وبيعة يزيد الخليع ، والاستئثار بالفيء ، واختيار الولاة على الهوى ، وتعطيل الحدود بالشفاعة والقرابة ، من جنس جحد الأحكام المنصوصة والشرائع المشهور ، والسنن المنصوبة .
وسواء في باب ما يستحقّ من الإكفار جحد الكتاب وردّ السنّة إذ كانت السنّة في شهرة الكتاب وظهوره ، إلاّ أنّ أحدهما أعظم ، وعقاب الآخرة عليه أشدّ . فهذه أوّل كفرة كانت من الاُمّة . ثمّ كانت فيمَن يدّعي إمامتها والخلافة عليها .
* * *
ولعلّك تلاحظ معي هُنا ملاحظة هامّة للغاية ، تلك هي اشتراك خطاب الجاحظ هذا وخطاب الأشتر ذاك في نصوص اتّهام تكاد تكون متطابقة في الجنس ، وإنْ اختلفت في درجت القوّة والعنف ، ذاك أنّ معاوية انتقل بأفعاله إلى طور آخر من العلانيّة بلا مُبالاة ولا مُراعاة ، بعد أنْ كانت تُؤتى على استحياء أوّل مرّة .
فقد كان اتّهام الأشتر لعثمان بالظلم والعدوان ، فأضحى الاتّهام لمعاوية لا بالفجر وإنّما بالكفر . وقد كانت في الأولى إمامة وخلافة ، فصارت في الثانية مُلكاً قيصريّاً ، وغصباً كسرويّاً .
وكانت في الأولى تنكيلاً بالمعارضة ، فأضحت على يد معاوية قتلاً ـ حجر بن عدي وصحبه على سبيل المثال ـ . 
وكانت في الأولى حيدة عن الأحكام تأوّلاً ، فغدت ردّاً مكشوفاً وجحداً ظاهراً للكتاب والسنّة . 
وظلّت سمة مشتركة واحدة كما هي ، وهي إلباس الحقّ بالباطل ، وأقلّه إطلاق عام الجماعة على عام الفرقة والقهر .
* * *
________________________________________
الصفحة (92)
النظام الاُموي
________________________________________
الصفحة (93)
الحقّ وحُجيّة الرجال 
تدعونا المشابهات السابقة ـ من وجهة نظر المعارضة كما أوردناها ـ بين الممارسات الأولى للحزب ، وكيف تغلغلت عناصره داخل النظام الإسلامي ابتداءً من عهد الخلافة الأوّل إلى أنْ انتهى به المطاف إلى الاستيلاء الكامل عليه ... إلى محاولة الفحص الدقيق لطبيعة هذا النظام حتّى نتمكّن من توصيفه توصيفاً موضوعيّاً ، وتحديد سمات نموذجه ، خاصّة وقد استعرضنا من قبل سمات النموذجين : الجاهلي والإسلامي ، بما يمكّن في النهاية من رصد موقعه النسبي من كلا النموذجين .
على أنّ الأمر المؤكّد أنّ دراسة هذا النظام تختلف كلّ الاختلاف عن دراسة سابقَيه ، نظراً للخلاف التاريخي العريض في كلّ جزئيّاته ، بل إنّ كلّ جزئية فيه يُعدّ مشكلاً قائماً بذاته ، يتطلّب مكابدة خاصّة لتحقيقه .
وما رأيك في خلاف بدأ فأحدث أوّل قتال في التاريخ بين مسلمين ومسلمين ، ثمّ ما لبث أنّ انتظم عامّة المسلمين ، ثمّ ظلّ يستهلكهم القرون تلو القرون ، ولمّا يضع بعد أوزاره ؟
ثمّ ما رأيك في خلاف مشبّه يُحار فيه الحكيم ، ويتململ منه الراسخ حتّى لتتدافع فيه الأسئلة المشكلة دون الظفر بجواب حاسم ؟
إنّك إن تابعت أحداث تلك الفترة ، لهالك ما تحويه من مواقف متناقضة ، ومشاعر متغيّرة ، وأفعال مبرّرة وغير مبرّرة ، وردود أفعال متوقعة وغير متوقعة ، حتى ليلتبس عليك أمرك ، ويختلط عليك فكرك .
________________________________________
الصفحة (94)
لذلك فإنّ الأمر يحتاج إلى كثير من التروّي حتّى يدرك المرء أيّ طريق يسلك ، وأيّ فريق يؤيّد ، وأيّ مذهب يتبع , فنحن بإزاء فتنة لمْ يُبعد مَن أطلق عليها : الفتنة الكبرى .
والناس في ذلك ، بطبيعة تكوينهم وما جُبلوا عليه ، وبالنظر إلى ما اكتسبوه من معارف ، وما توّفر لديهم من وعي ، وما يدفعهم من مصالح ، وما يستثيرهم من مطامح ، فهم أقسام وطوائف .
فمن الناس مَن كان سلوكه في الحياة يسيراً في بساطة ما يؤدّيه من عمل , فلا يعمل فكراً ولا يجهد ذهناً ، وحسبه استقضاء حاجاته من قريب . يشغلون أنفسهم بغير مشاغلهم المباشرة ، ولا يمدّون أبصارهم أبعد من محيطهم اللضيق , تتوفّر فيهم العاطفة وتندر بينهم الفكرة ، فهم بعد متحمّسون وليسوا بواعين ، يُسلّمون قيادهم لغيرهم بمجرّد تهييج مشاعرهم واستثارة عواطفهم , ولذا فهم مطمع الطامعين ، ومحلّ تنافس المغامرين ، وهؤلاء هُم غالبيّة القوم .
ومن الناس من انطوت أضلاعه على صلابة إرادة وقوّة نفس ، ثمّ أُوتي عزماً يستعلي به على شهواته ، ويستعينه في أزماته ، يجابه هواه في حزم ، ويعمل رأيه في مضاء ، تتجاذبه القِيم والمُثُل العُليا ، وتتنافر نفسه من رذائل الدنيا حتّى ليصير وقيمه وكأنّهما شيء واحد ، جلاء الفكرة لديه يجعل أفعاله عفويّة في غير تردّد ، وتمكّن العقيدة من روحه يورثه الإقبال حيث الناس تدبر ، وهؤلاء هُم الندرة النادرة .
وبين هؤلاء وهؤلاء صنوف من الناس وصنوف ، تتفاوت حظوظهم من سمات كلّ , إلاّ أنّ أخطرهم جميعاً فئة مردوا على النفاق ، ظاهرهم غير باطنهم لا تعلمهم , إذا رأيتهم تعجبك أجسامهم ، وإنْ يقولوا تسمع لقولهم ، وهُم ألدّ الخصام ، يحرّفون الكَلم عن مواضعه ، لا ينتابهم حياء ، ولا يعرفون وفاء .
________________________________________
الصفحة (95)
لا يرقبون في أحد إلاّ ولا ذمّة ، يجعلون رزقهم أنّهم يكذبون ، وفي ظاهر الحقّ هُم يمترون ، اتّخذوا دينهم هُزواً مطيّة لمطامعهم ، وتشبّثوا بالباطل سبيلاً لنوال أغراضهم ، وهؤلاء ليسوا بالقلّة ، وقد جرى أمر الدنيا أنّها قد تمدّ لهم في أسبابها فيحقّقوا نجاحاً ولكن بمقاييسهم ، تجدهم سدنة كلّ سلطان ، وجلاوزة كلّ طغيان .
فلمّا كان هذا ما جرى عليه أمر النّاس وتلك سنن الخلق ، كان من العسير ـ بل من أشدّ العسر ـ تقنين السلوك البشري ، ذاك أنّ الفرد الواحد قد تعتوره أطوار مختلفة ، تماثل في اختلافها سمات تلك النماذج جميعاً . ومن هنا يصبح من أشدّ الخطأ تعميم توصيف نهائي للفرد ، إلاّ بعد دراسة مُجمل موقفه ومعرفة دوافعه ، والوقوف على سلوكه في الظروف المختلفة ، وهو ما يجعل مهمّة البحث عن حقيقة الأحداث ، وحقيقة الرجال شاقّة ، أيّما مشقّة .
وإلاّ كيف تفسّر لنفسك ـ على سبيل المثال ـ سلوك صحابي ـ والصحابة كلّهم عدول حسبْما يرى علماء الجرح والتعديل ـ يأتي فعلة ، تشكل بمقاييس كلّ السابقين واللاحقين جريمة خيانة عظمى ؟!
ذلك أنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) لمّا عزم على فتح مكّة ، أمر بالتجهيز ، وقال (ص) : (( اللهمّ ، غمْ عليهم خبرنا )) . إلاّ أنّ حاطب بن أبي بلتعة ـ وكان رجلاً من المهاجرين حليفاً لعثمان وشهد بدراً ـ بعث بكتاب إلى أهل مكّة يخبرهم الخبر ، فأطلع الله رسوله على أمر حاطب ، وأنزل فيه قرآناً : ( يَا أَيّهَا الذينَ آمَنُوا لاَ تَتّخِذُوا عَدُوّي وَعَدُوّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدّةِ وَقَدْ كَفَرُوْا بِمَا جَاءَكُم مِنَ الحقّ يُخْرِجُونَ الرّسُولَ وَإِيّاكُمْ أَن تُؤْمِنُوا بِاللّهِ رَبّكُمْ إِن كُنتُم خَرَجْتُمْ جِهَاداً فِي سَبِيلي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرّونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنتُمْ وَمَن يَفْعَلْهُ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلّ سَوَاءَ السّبِيلِ )(1) .
ـــــــــــــــ
(1) سورة الممتحنة / 1 .
________________________________________
الصفحة (96)
فبعث الرسول (صلّى الله عليه وآله) عليّاً (ع) والزبير والمقداد ليأتوا بالمرأة التي أرسلها حاطب بكتابه قبل أن تصل إلى قريش , فلمّا أتوا بها ، قال عمر : يا رسول الله (ص) قد خان الله ورسوله والمؤمنين ، فدعني فلأضربنّ عنقه , فكفّ الرسول (صلّى الله عليه وآله) عمر بعد أنْ ناقش الرجل واستمع لقوله ، ثمّ قال(ص)(1) : (( لعلّ الله اطلع إلى أهل بدر ، فقال : اعملوا ما شئتم ، فقد وجبت لكم الجنّة )) أو : (( قد غفرت لكم )) .
فأنت ترى أنّ حاطباً صحابي عايش رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، ثمّ هو من المهاجرين الذين أُخرجوا من ديارهم وأموالهم ، وتحمّل مشقّة الهجرة وقسوة الغربة ، ثمّ هو جاهد وشهد بدراً وضمن له رسول الله (صلّى الله عليه وآله) الجنّة .
فأنت تتوقع منه إذاً سلوكاً بعيداً عن الشبهة على الأقلّ ، فما بالك بفعل هو خيانة لله ولرسوله (ص) وللمؤمنين بحسب وصف عمر ؟
فقد يأتي الصحابي إذاً بالخطأ ، والخطأ الخطير ، بل قد يقع في الضلال كما قال الله تعالى في أوّل سورة المُمتحنة : ( وَمَن يَفْعَلْهُ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلّ سَوَاءَ السّبِيلِ )(2) . وبها استحقّ حاطب أنْ يستأذن عمر في ضرب عنقه ، وهو لمْ يفلت من توقيع العقوبة عليه بعلّة أنّه بدريّ ـ كما رأى بعض العلماء(3) ـ وإنّما لأسباب أبداها حاطب وقدّرها الرسول (صلّى الله عليه وآله) ، رغم كونها لمْ تلغِ  توصيف الفعل ذاته ، على أنّه  خيانة وضلال عن سواء السبيل ، وهذا هو ما فهمه الصحابة 
ـــــــــــــــ
(1) البخاري ، باب المغازي ، ابن كثير ، تفسير سورة المُمتحنة .
(2) سورة المُمتحنة / 1 .
(3) لا يعني ذلك إطلاق الأفعال أو إباحة الأعمال ، وإنّما ـ كما ذكر ابن قيّم الجوزيّة  ـ يعني : أنّ البدريّين وكذلك كلّ مَن بُشّر بالجنّة قد اختصّوا بهذه المنّة ، ولكن ـ كما ذكره الحافظ في الفتح ـ البشارة المذكورة تتعلّق بأحكام الآخرة ، لا بأحكام الدنيا من إقامة الحدود وغيرها . ابن قيّم الجوزيّة ، الفوائد / 16 , بيروت ,  دار الكتب العلميّة / 1973 م .
________________________________________
الصفحة (97)
من هذه البشارة , وآية ذلك أنّ عمر ـ إبّان خلافته ـ أقام حدّ الخمر على قدامة بن مظعون الجمحي ، وهو الصحابي الذي هاجر الهجرتين وأحد شهود بدر ، ثمّ عزله عن إمارة البحرين .
وإذا ثبت وقوع الخطأ الخطير من الصحابي البدريّ المُبشّر بالجنّة ، فأيسر منه إذاً وقوعه ممّن ليس بدريّاً وممّن ليس مُبشّراً بالجنّة .
فهذا خالد بن الوليد ينكر عليه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قتله جزيمة ، وأخذه أموالهم بغير الحقّ ، فيرفع يديه إلى السماء ويقول (صلّى الله عليه وآله) : (( اللهمّ ، إنّي أبرأ إليك من فعل خالد )) .
وهذا الوليد بن عقبة بن أبي معيط الأموي ـ أخو عثمان لاُمّه ـ وكان له أيضاً صحبة ، تثبت بحقّه خطيئتان , أمّا أولاهما فهي إتيانه الكذب على رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، حيث بعثه مصدقاً إلى بني المصطلق ، فعاد وأخبر أنّهم ارتدّوا ومنعوا الصدقة ، فبعث رسول الله (صلّى الله عليه وآله) من يتيقّن له من الأمر فثبت كذبه ، وفيه أنزل الله قرآناً : ( يَا أَيّهَا الذينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى‏ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ )(1) .
ـــــــــــــــ
(1) سورة الحجرات / 5 .
ثبت نزول هذه الآية في الوليد بن عقبة بعدّة طرق ، منها : 
أ ـ ذكر ابن الأثير : قال ابن عمر : لا خلاف بين أهل العلم بتأويل القرآن فيما علمت ، أنّ قوله عزّ وجلّ : ( إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيّنُوا ) [ سورة الحجرات / 6 ] . أُنزلت  في الوليد بن عقبة . أُسد الغابة في معرفة الصحابة 5 / 451 .
ب ـ جمع ابن أبي حاتم الرازي طُرق رواية خبر نزول هذه الآية في الوليد ، كالتالي : حديث عمر بن سعد العوفي ، عن عمّه ، عن أبيه ، عن جدّه ، عن ابن عبّاس 
 حديث عبد الرحمن ، من حديث الحجّاج بن حمزة ، من حديث شبابة ، من حديث ورقاء ، عن ابن أبي نجيح عن مجاهد .
حديث عبدالرحمن ، من حديث أبيه ، من حديث هشام بن خالد الدمشقي ، من حديث ابن إسحاق ، من حديث سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة .
حديث عبد الرحمن ، من حديث أبيه ، من حديث عبدالعزيز  بن منيب ، من حديث أبي معاذ النحوي ، عن عبيد بن سليمان ، عن الضحّاك . كتاب الجرح والتعديل 1 / 6 .
ج ـ ذكره النيسابوري في أسباب نزول الآية .
د ـ جمع ابن كثير في تفسير عدّة روايات للخبر ، وقال : وقد رُوي ذلك من طرق ، ومن أحسنها ما رواه الإمام أحمد في مسنده ملك بني المصطلق ، وهو الحارث بن ضرار بن أبي ضرار ، والد ميمونة بنت الحارث اُم المؤمنين رضي الله عنهما . قال الإمام أحمد : حدّثنا محمّد بن سابق ، حدّثنا عيسى بن دينار ، حدّثني أنّه سمع الحارث بن ضرار الخزاعي ، ثمّ روى القصّة .
وهذا يثبت خطأ ابن العربي في محاولة تشكيكه في صحّة هذا الخبر ، كما يثبت تهافت محقّق كتابه : محبّ الدين الخطيب . وقد خطّأه في ذلك مخرّج أحاديث الكتاب في ذات الطبعة . ابن العربي ، العواصم من القواصم / 104 , القاهرة ,  دار الكتب السلفيّة / 1405.
________________________________________
الصفحة (98)
وأمّا ثانيتهما ، فهي حين ولاّه عثمان بن عفّان على الكوفة بعد عزله سعد بن أبي وقّاص عنها ، فكان أنْ شرب الخمر في حضور سماره ، فشهد عليه الشهود ، فأقام عثمان عليه الحدّ(1) . على أنْ أكثر الخطايا هولاً وأشدّها نُكراً ، وما ليس بعدها من ذنب يُؤتى ، فتلك هي وقعة الكفر بعد الإيمان .
ـــــــــــــــ
(1) لمْ يستطع ابن العربي أنْ يدفع التهمة عن الوليد إلاّ بقوله : وأمّا حدّه في الخمر ، فقد حدّ عمر قدامة بن مظعون على الخمر وهو أمير وعزله , وليست الذنوب مسقطة للعدالة إذا وقعت منها التوبة . العواصم من القواصم ، المرجع السابق / 106 .
________________________________________
الصفحة (99)
وممّن مَن كاتب للوحي بين يدي رسول الله (ص) , فذاك هو عبد الله بن سعد بن أبي سرح ، أخو عثمان بن عفّان من الرضاعة ، والذي استعمله عثمان بعدئذٍ والياً على مصر , وقد أسلم قبل الفتح وهاجر ، وكان يكتب الوحي لرسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، ثمّ ارتدّ مشركاً(1) وصار إلى قريش بمكّة ، فكان يقول لهم : إنّي أصرف مُحمّداً (ص) حيث أُريد ، كان يُملي عليّ : عزيز حكيم . فأقول : أو عليم حكيم .
فلمّا كان يوم الفتح , أمر رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بقتله ضمن من سمّاهم وإنْ تعلّقوا بأستار الكعبة ، إلاّ أنّ ابن سعد فرّ إلى عثمان بن عفّان فغيّبه طويلاً ، ثمّ أتى به رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ليستأمنه ، فصمت الرسول (صلّى الله عليه وآله) طويلاً، ثمّ قال: (( نعم )) . فلمّا انصرف عثمان، قال رسول (صلّى الله عليه وآله) لمَن حوله: (( ماصمتّ إلاّ ليقوم إليه بعضكم ، فيضرب عنقه )) . فقال رجل من الأنصار : فهلاّ أو مأت إليّ يا رسول الله ؟ فقال (ص) : (( إنّ النبيّ لا ينبغي أنْ يكون له خائنة الأعين ))(2) .
* * * 
نخلص من كلّ ما سبق إلى نتيجة مؤدّاها أنّ الصحابة وإنْ تميّزوا على مَن تلاهم بشرف الصحبة ، وسبقوا غيرهم بفضل الجهاد فاستحقّوا بذلك المنزلة الرفيعة ، إلاّ أنّنا نكون غير منصفين إذا ما أطلقنا هذا على عمومه ، وإنّما لا بدّ من التمحيص ، وهم بعد ناس من النّاس ليسوا بمعصومين ، وهذا هو المجمع عليه ، وطروء الأحداث عليهم جائز ، ووقوعهم في الخطأ مُحتمل ، ومنهم من اقترف الذنوب ، ومنهم من اعتورته الأطوار .
ـــــــــــــــ
(1) ابن هشام ، المرجع السابق 3 / 409 .
(2) ابن الأثير ، أُسد الغابة ، المرجع السابق 3 / 259 .
________________________________________
الصفحة (100)
فليس كلّهم سار سيرةً واحدةً طوال حياته ، ولا كلّهم حمل نفسه على الجادّة حتّى مماته . وهذا هو عين ما رأوه في أنفسهم ، فقد قال ابن أبي مليكة(1) : أدركت أكثر من خمسمئة من أصحاب النبيّ (صلّى الله عليه وآله) ، كلّ منهم يخشى على نفسه النفاق ؛ لأنّه لا يدري ما يُختم له .
ومن المأثور عن عمر بن الخطاب قوله : إنْ رأيتم فيّ اعوجاجاً ، فقوّموني . ومن المشهور عنه قوله ـ في قصّة المُغالاة في المهور ـ : أصابت امرأة وأخطأ عمر . وعمر نفسه الذي تمنّى آخر حياته أن يُصحح بعض سيرته في المال ، فقال(2) : لو استقبلت من أمري ما استدبرت ، لأخذت فضول أموال الأغنياء ، فقسّمتها على فقراء المهاجرين .
ولنتدبّر قول الله تعالى لنبيّه داوود (عليه السّلام) : ( يَا دَاوُدُ إِنّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ الناس بِالحقّ وَلاَ تَتّبِعِ الْهَوَى‏ فَيُضِلّكَ عَن سَبِيلِ اللّهِ إِنّ الذينَ يَضِلّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ )(3) .
وإذا كان الأمر كذلك ، فلنا الحقّ إذاً في مناقشة أمورهم في غير تردّد ، وألاّ نتحرّج فيما لم يكن موضعاً لتحرّجهم ، ولكن علينا أيضاً واجب نلزم به أنفسنا ، ولا يغيب عن أذهاننا ، وهو أنّ نحتاط أشدّ التحوّط ، وأنْ ندقّق أشدّ التدقيق في نقد أخبارهم وتحقيق أحداثهم .
وأيّاً ما كانت النتائج التي يسفر عنها البحث ، فاليقين أنّ الحقّ ثابت
ـــــــــــــــ
(1) البغدادي ، أصول الدين 3 / 253 , بيروت ,  دار الكتب العلميّة / 1981.
(2) الطبري ، المرجع السابق 4 / 226 .
(3) سورة ص / 26 .
الصفحة (101)
أصيل ، لا ينقص منه ولا يزيده تمسّك النّاس به من عدمه ، أو كما قال عليّ بن أبي طالب (ع) : (( الحقّ لا يُعرف بالرجال ، ولكن اعرفْ الحقّ تعرفْ أهله ))(1) .
ـــــــــــــــ
(1) يُثير هذا القول عدّة مسائل :
أوّلاً : مدى حُجيّة قول وفعل الصحابي مطلقاً ، ولعلماء الأصول فيه آراء مختلفة :
فمنهم مَن قال بحجيّة أقوالهم بعد النصوص إذا اجتمعوا عليها , وأمّا إذا اختلفوا ، فيؤخذ بأقربها إلى الكتاب والسنّة . 
فأبو حنيفة ، يقول : إنْ لمْ أجد في كتاب الله تعالى ولا في سنّة رسوله (صلّى الله عليه وآله) ، أخذت بقول أصحابه ، آخذُ بقول مَن شئت وأدع مَن شئت ، ولا أخرج من قولهم إلى قول غيرهم . 
والشافعي يقول في الأم : إنْ لمْ يكن في الكتاب والسنْة ، صِرنا إلى أقاويل أصحاب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أو واحد منهم ، ثمّ كان قول أبي بكر وعمر أو عثمان إذا صِرنا فيه إلى التقليد أحبّ إلينا ، وذلك إذا لمْ نجد دلالةً في الاختلاف تدلّ على أقرب الاختلاف من الكتاب والسنّة ، لنتبع القول الذي معه الدلالة .
ومنهم مَن قال بعدم الأخذ بقول الصحابي إلاّ فيما لا يكون إلاّ نقلاً ، وتركه فيما يكون اجتهاداً ، وهذا هو قول الكرخي : والحجّة في ذلك أنّ ما يكون نقلاً فهو سنّة , وأمّا ما يكون أساسه الرأي ، فهو اجتهاد يحتمل الخطأ . 
وقد كان ابن مسعود يقول في رأيه الذي يكون نتيجة اجتهاد : إنْ يكن خطأ فمنّي ومن الشيطان ، وإنْ يكن صواباً فمن الله .
فإذا كانوا هم يتظنّنون في آرائهم ، فكيف يتبعون فيها إذاً من غير دليل ؟
ومنهم كانوا هم يتظنّنون في آرائهم ، فكيف يتبعون فيها إذن من غير دليل ؟
ومنهم من رفض حجيّة قول الصحابي ، فيقول الشوكاني : والحقّ أنّه ليس بحجّة ، فإنّ الله تعالى لمْ يبعث إلى هذه الاُمّة إلاّ نبيّاً واحداً محمّداً (صلّى الله عليه وآله) ، وليس لنا إلاّ رسول واحد وكتاب واحد ، وجميع الاُمّة مأمور باتّباع كتابه وسنّة نبيّه (ص) ، ولا فرق بين الصحابة ومن بعدهم في ذلك ، فكلّهم مكلّفون التكاليف الشرعيّة واتّباع الكتاب والسنّة ، فمَن قال أنْ تقوم الحجّة في دين الله عزّ وجلّ بغير كتاب الله تعالى وسنّة رسوله (صلّى الله عليه وآله) وما يرجع إليهما ، فقد قال في دين الله بما لا يثبت , وأثبت في هذه الشريعة الإسلاميّة شرعاً لمْ يأمر الله به , وهذا أمر عظيم وتقوّل بالغ . راجع : أصول الفقه ، محمّد أبو زهرة / 198 , القاهرة ,  دار الفكر العربي .
ثانياً : ضرورة تحديد معنى الصحبة المعدلة ، وللفقهاء في تحديد الصحبة أقوال :
فأبو الحسن الأشعري يقول : كلّ من صحب النبي (صلّى الله عليه وآله) ولو ساعة ، أو رآه ولو مرّة مع إيمانه به وبما دعا إليه ، أفضل من التابعين بذلك .
________________________________________
الصفحة (102)
 
ـــــــــــــــ
أصول أهل السنّة والجماعة / 101 ، رسالة الثغر , القاهرة , سلسلة التراث السلفي / 1987م .
وكذلك جمع ابن الأثير مختلف الآراء في معنى الصحبة ، فيذكر قول سعيد بن المسيب : الصحابة لا نعدّهم إلاّ من أقام مع رسول الله (صلّى الله عليه وآله) سنة أو سنتين ، وغزا معه غزوة أو غزوتين .
قول الواقدي ، ورأينا أهل العلم يقولون : كلّ مَن رأى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، وقد أدرك الحلم فاسلم وعقل أمر دينه ورضيه ، فهو عندنا ممّن صحب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ولو ساعة من نهار ، ولكن أصحابه على طبقاتهم وتقدمهم في الإسلام .
قول أحمد بن حنبل : أصحاب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) كلّ مَن صحبه شهراً أو يوماً أو ساعةً ، أو رآه .
قول البخاري : مَن صحب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، أو رآه من المسلمين فهو من الصحابة .
قول الغزالي : لا يُطلق اسم الصحبة إلاّ على مَن صحبه ، ثمّ يكفي في الاسم من حيث الوضع ، الصحبة ، ولو ساعة ، ولكن العُرف يخصّصه بمَن كثرت صحبته . أُسد الغابة في معرفة الصحابة ، المرجع السابق 1 / 18 .
وقد بنو على أساس هذا التعريف للصحبة تعديل الصحابة :
فقال ابن الأثير : الصحابة كلّهم عدول ، لا يتطرّق إليهم الجرح . المرجع السابق / 10 .
وقال أبوبكر الباقلاني عن الحصابي : إنّ خبر الثقة الأمين عنه مقبول ومعمول به ، وإنْ لمْ تطل صحبته ، ولا سمع منه إلاّ حديثاً واحداً . المصدر نفسه / 10 .
وقال ابن أبي حاتم الرازي : إنّهم عدول الاُمّة . الجرح والتعديل 1 / 7 .
ونقول كيف يتأتّى إطلاق الثقة هكذا على كلّ مَن صحب الرسول (صلّى الله عليه وآله) ، مع اختزال معنى الصحبة في ساعة من نهار ؟ بل إلى مجرد الرؤية ، وجعلوا ذلك معياراً للعدالة غير القابلة للجرح , كيف وقد عرفوا أنّه كان هناك ظاهرو النفاق ، كعبد الله بن أبي بن سلول ؟ فكيف إذاً بمَن لمْ يتعيّن من المنافقين الذين حدّد الله بعضهم لنبيّه (صلّى الله عليه وآله) وعرّفهم بدوره فقط لحذيفة ، وآخرين لمْ يعلمهم رسول الله ذاته ؟
لقد كان حقّ رسول الله (ص) في صيانة سنّته باتّخاذ معيار موضوعي للعدالة ، بدلاً من تعليقها على مجرّد الرؤية ، أولى من أيّ سبب آخر حملهم على ذلك مهما حسنت النيّة .
________________________________________
الصفحة (103)
 
ـــــــــــــــ
ثالثاً : منهج المعرفة ، فليس الرجال دليلاً على الحقّ مهما بلغوا ، وإنّما الحقّ دليل عليهم ، والحقّ في الكتاب والسنّة الصحيحة ، فهذا هو الأصل الثابت الذي لا يتغيّر ولا يتبدّل ، والرجال يتغيّرون ويتبدّلون ، وهل أدلّ على ذلك ممّا ذكره الله تعالى وصفاً للإيمان ذاته بالزيادة والنقصان : ( وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً ) . سورة الأنفال / 2 ، ( الذينَ قَالَ لَهُمُ الناس إِنّ الناس قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً ) . سورة آل عمران / 173 . 
هذا وقد قال عليّ بن أبي طالب (ع) قوله ذلك في منهج معرفة الحقّ ، ردّاً على مَن شكّ في خطأ أصحاب الجمل ، وفيهم اُمّ المؤمنين عائشة وطلحة والزبير ، عندما خرجوا مقاتلين لعليّ بن أبي طالب (ع) ومَن معه , فسمّاها عليّ (ع) : (( حرب الناكثين )) . واقرأ معي خبراً من أخبار تلك الحرب ، تقف على معنى التغيّر والتبدّل .
يروي الطبري (1) بسنده : أنّ عائشة ( رضي الله عنها ) لمّا انتهت إلى سرف راجعة في طريقها إلى المدينة ، لقيها عبد ابن اُمّ كلاب ، وهو عبد الله بن أبي سلمة ، يُنسب إلى اُمّه ، فقالت له : مَهيم ؟ قال : قتلوا عثمان (رضي الله عنه) فمكثوا ثمانياً . قالت : ثمّ صنعوا ماذا ؟ قال : أخذها أهل المدينة بالاجتماع ، فجازت بهم الأمور إلى خير مجاز , اجتمعوا على عليّ بن أبي طالب (ع) . فقالت : والله ، ليت أنّ هذه انطبقت على هذه إنْ تمّ الأمر لصاحبك ، ردّوني ، ردّوني . فانصرفت إلى مكّة وهي تقول : قُتل والله عثمان مظلوماً ، والله لأطلبنّ بدمه . فقال لها ابن اُمّ كلاب : ولِمَ ؟ فوالله إنّ أوّل مَن أمال حرفه لأنت ، ولقد كنت تقولين : اقتلوا نعثلاً فقد كفر . قالت : إنّهم استتابوه ثمّ قتلوه ، وقد قلت وقالوا ، وقولي الأخير خير من قولي الأوّل . فقال لها ابن اُمّ كلاب :
فـمنك  الـبداءُ ومنك الغير      ومـنك  الرياح ومنك المطر
وأنـت  أمـرت بقتل الإمام      وقـلت  لـنا إنـه قـد كفر
فـهبنا أطـعناك فـي قـتله      وقـاتله عـندنا مـن أمـر
ولـم يسقط السقف من فوقنا      ولـم  تنكسف شمسنا والقمر
وقـد بـايع الـناس ذا تدرا      يـزيل الـشبا ويقيم الصّعر
ويـلبس  لـلحرب أثـوابها      وما من وفى مثل من قد غدر
الطبري ، المرجع السابق 4 / 459 .
________________________________________
الصفحة (104)
النظام الاُموي ـ المحاور والسمات 
أسفرت دراستنا السابقة للنظامين الجاهلي والإسلامي عن تحديد المحاور الأساسيّة التي يتمحور حولها كلّ من النظامين ، ومن ثمّ تطرّقنا إلى السمات الواسمة لهما ، بما أفضى إلى استخلاص معايير يُمكن التعويل عليها كمرجعيّة في التفرقة بين النظم ، وتلك هي :
1 ـ نسق القيم في ارتباطه بانساق الحياة الماديّة .
2 ـ ماهيّة الانتماء السائد .
3 ـ كيفيّة تمثّل مفهوم الألوهيّة .
ودراسة النظام الاُموي طِبقاً لهذه المرجعيّات ، نتوقّع لها أنْ تكشف لنا عن جوهر هذا النظام ، بما يُمكننا من تحديد إحداثياته ، ورصد موقعه النسبي من كِلا النظامين .
نظام الحكم 
لعلّه أوّل مطلب يجب تحقيقه ، لما له ـ خاصّة في مثل المجتمع محلّ الدراسة ـ من أهميّة بالغة نظراً لانعكاساته على كافة الممارسات الاُخرى شكلاً وموضوعاً .
وربما كانت خطورة هذا المبحث ـ في حالة الدولة الإسلاميّة ـ أنّ هذا الجانب السياسي ظاهراً ، كان المصدر الأساسي لاختلاف الاُمّة ونشأة الفرق ، وما
________________________________________
الصفحة (105)
صاحب ذلك من مذاهب للمتكلمين ، كلّ يُحاول إثبات صحة فرقته وتخطئة الآخرين ، ونشوب الحروب المفنيّة بين المسلمين ، وافتراق الاُمّة ذلك الافتراق الذي شرخ وحدتها حتّى اليوم .
وقد نظر دوماً إلى نظام الحكم الاُموي ـ من وجهة نظر أهل السنّة ـ على أنّه امتداد لنظام الخلافة(1) عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، وظلّ رأس النظام يدّعى
ـــــــــــــــ
(1) عمّم كثير من الباحثين المحدثين حكمهم على نظام الحكم الإسلامي ، ولمْ يُفرّقوا بين النظريّة والتطبيق ، انطلاقاً من الممارسات الأولى للنظام الاُموي الذي أرسى قواعد ظلّت معمولاً بها فيما أعقبها من أنظمة , وقد ساهم العلماء والفقهاء المسلمون في شيوع مفهوم هؤلاء الباحثين ، باعتقادهم الخاطئ أنّ الذبّ عن الإسلام يلزمه تبرير أفعال الحكّام مهما ثبت خطؤوهم . وهذا ما أدّى بالمستشرقين أنْ كادوا يجمعون على أنّ حكومة الإسلام هي الحكومة الاستبداديّة المُطلقة . وهم في ذلك يجمعون لها مساوئ الثيوقراطيّة ( Theocracy ) والأوتوقراطيّة ( Autocracy ) ، بمعنى : الحكومة المُدّعية لإرادة الله المُطلقة . 
وحكومة الاستبداد :
يقول موير W. Muir في كتاب ( The callifate ) : المثال والنموذج للحكم الإسلامي هو الحاكم المستبدّ المُطلق .
ويقول ما كدونالد D. B. Macdonald في كتابه ( Development of Muslim Theology ) : مع بعض القيود يلزم أنْ يحكم الإمام كحاكم مُطلق .
ويقول ما جليوث Margoliouth في كتابه ( MUHAMMEDANISM ) : إنّه يُمكن أنٍْ يُقال ، إنّ مبدأ الحكومة الأوتوقراطيّة ، أي : الاستبداديّة ، قد ظلّ مسلّماً بها ، لا يُجادل أحد فيه في الأقطار الإسلاميّة حتّى القرن التاسع عشر . راجع د . محمّد ضياء الدين الريّس ، النظريّات السياسيّة الإسلاميّة / 366 ، ط 7 ـ القاهرة ـ دار التراث / 1976 .
ويعلّق د . الريس على أحكام المستشرقين بقوله : إنّ مصدر هذا الخطأ أنّهم ينظرون إلى الخلافة الواقعيّة التاريخيّة ـ وفي أسوأ عصورها ـ ويظنّون أنّ هذه هي الخلافة التي يعترف بها الإسلام .
________________________________________
الصفحة (106)
بأمير المؤمنين , وبالرغم من ذلك كان لهذا النظام دوماً معارضوه ونقّاده ، مع استمرار النظام وفقهائه بوصمهم بالمروق من الدين ، وتفريق الجماعة ، وأنّهم أصحاب نحل وأهواء .
وقد مرّ بنا من قبل رأي الجاحظ في رأس النظام معاوية ، الذي أخرج الجاحظ أفعاله من حكم الفسق إلى حكم الكفر .
وعلى العكس من ذلك تماماً ، ترى فريقاً آخر يمجّد معاوية حتّى ليشبّهوه برسول الله (صلّى الله عليه وآله) . فهذا ابن تيميّة يقول(1) : لمْ يكن من ملوك المسلمين ملك خيراً من معاوية ، ولا كان الناس في زمان ملك من الملوك خيراً منهم في زمن معاوية ، إذا نُسبت أيّامه إلى أيّام من بعده .
وحشد ابن تيمية ، في منهاج السنّة كثيراً من الشهادات على فضائل ومناقب معاوية ، منها :
ما أُسند إلى قتادة : لو أصبحتم في مثل عمل معاوية ، لقال أكثركم هذا المهدي .
وما أُسند إلى مجاهد : لو أدركتم معاوية ، لقلتم هذا المهدي .
وما أُسند إلى أبي الدرداء : ما رأيت أحداً أشبه صلاة بصلاة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) من إمامكم هذا ، يعني : معاوية .
وما أُسند إلى ابن عبّاس قوله في معاوية : إنّه فقيه .
وأمّا أبوبكر بن العربي فيرفض حديث الرسول (صلّى الله عليه وآله) : (( الخلافة ثلاثون عاماً ، ثمّ تعود ملكاً عضوضاً )) . فيقول(2) : هذا حديث لا يصحّ . ثمّ يعدّد فضائل معاوية ، فيقول(3) :
ـــــــــــــــ
(1) ابن تيميّة ، منهاج السنّة 3 / 185 ـ بيروت ـ  دار الكتب العلميّة .
(2) العواصم من القواصم ، المرجع السابق / 208 .
(3) المرجع السابق / 209 .
________________________________________
الصفحة (107)
معاوية اجتمعت فيه خصال : وهي أنّ عمر جمع له الشامات كلّها وأفرده بها ، لما رأى من حسن سيرته ، وقيامه بحماية البيضة وسدّ الثغور ، وإصلاح الجُند والظهور على العدوّ وسياسة الخلق . وقد شهد له في صحيح الحديث بالفقه ، وشهد بخلافته في حديث اُمّ حرام : أنّ ناساً من اُمّته يركبون ثبج البحر الأخضر ملوكاً على الأسرّة ، أو مثل الملوك على الأسرّة ، وكان ذلك في ولايته .
وجمع فقيه آخر (1) فضائل اُخَر لمعاوية ، مثل :
ما أُسند إلى أبي نعيم : كان معاوية من كتّاب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) حسن الكتابة ، فصيحاً حليماً وقوراً .
وما أُسند إلى المدايني : كان زيد بن ثابت يكتب الوحي ، وكان معاوية يكتب للنبيّ (ص) فيما بينه وبين العرب .
وما أُسند إلى عبد الله بن المبارك قوله عندما سُئل : أيّهما أفضل ، معاوية أو عمر بن عبد العزيز ؟ فقال : والله ، إنّ الغبار الذي دخل في أنف فرس معاوية مع رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أفضل من عمر بألف مرّة .
وما ذكره برواية الترمذي : أنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) دعا لمعاوية ، فقال : اللهمّ ، اجعله هادياً مهديّاً .
وما أُسند إلى عوف بن مالك ، قال : إنّّه كان قائلاً نائماً بمسجد بأريحياء ، فإذا أسد يمشي إليه ، فأخذ سلاحه ، فقال له الأسد : صهْ ، إنّما أُرسلت إليك برسالة لتبلغها . قلت : مَن أرسلك ؟ قال الله أرسلني إليك لتُعلم معاوية أنّه من أهل الجنّة . قلت : ومَن معاوية ؟ قال : ابن أبي سفيان .
* * *
ـــــــــــــــ
(1) أحمد بن حجر الهيثمي ، تطهير الجنان واللسان عن الخطورة والتفوّه بثلب سيّدنا معاوية بن أبي سفيان / 13 وما بعدها , بيروت , دار الكتب العلمية / 1983 م .
________________________________________
الصفحة (108)
وهكذا نجد أنفسنا أمام مُعضلة من المعضلات ، فقد جرى المألوف على التراوح اليسير على جانبي ، أي : مسألة يختلف فيها الناس ، لا سيّما إذا كانت محدّدة الوقائع محدّدة الأعيان , وأمّا أنْ يتّسع التراوح بحيث يصير تناقضاً تامّاً ، فهذا هو غير المألوف الذي يستوجب أناةً في التحليل ودقّة في التحقيق ، وصبراً على ذلك كلّه .
وحالتنا هذه أولى بكلّ هذا لمَا تراوح الرأي فيها بين هُدى تامّ ، وكفر بواح .
وأجدر بنا ـ ونحن نناقش نظام الحكم الاُموي ـ أنْ نتعرّف على أنظمة الحكم المختلفة التي خبرتها البشريّة ، وموقع نظام الحكم الإسلامي منها .
وربما كان أقرب من يسعفنا في ذلك ابن خلدون ، الذي قسّم أنظمة الحكم تقسيماً وظيفيّاً إلى ثلاثة (1) :
1 ـ الملك الطبيعي ، وتعريفه له : هو حمل الكافة على مقتضى الغرض والشهوة . ثمّ يشرحه بقوله :
أحكام صاحبه في الغالب جائرة عن الحقّ ، مُجحفة بمَن تحت يده من الخلق في أحوال دنياهم ، لحمله في الغالب على ما ليس في طوقهم من أغراضه وشهواته .
ويحدّد عاقبة هذا النظام بقوله : تعسر طاعته لذلك ، وتجيء العصبيّة المُفضيّة إلى الهرج والقتل .
2 ـ الحكم أو الملك السياسي , وتعريفه له : هو حمل الكافة على مقتضى النظر العقلي في جلب المصالح الدنيويّة ودفع المضار .
ويزيدها وضوحاً بقوله : فإذا كانت هذه القوانين مفروضة من العقلاء وأكابر الدولة وبصرائها ، كانت سياسة عقليّة .
ـــــــــــــــ
(1) مقدّمة ابن خلدون مرجع سابق  1 / 158 .
________________________________________
الصفحة (109)
على أنّه يرفض هذا النظام أيضاً كرفضه لسابقه بقوله : وما كان منه بمقتضى السياسة وأحكامها ، فمذموم أيضاً ؛ لأنّه نظر بغير نور الله ( وَمَن لّمْ يَجْعَلِ اللّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُورٍ )(1) . لأن الشارع أعلم بمصالح الكافة فيما هو مغيّب عنهم من اُمور آخرتهم ، وأعمال البشر كلّها عائدة عليهم في معادهم من ملك أو غيره ، وأحكام السياسة إنّما تطلع على مصالح الدُنيا فقط : ( يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الْحَيَاةِ الدّنْيَا )(2) .
3 ـ نظام الخلافة ، ويعرّفه بقوله : هي حمل الكافة على مقتضى النظر الشرعي في مصالحهم الأخرويّة والدنيويّة الراجعة إليها ، إذ أحوال الدنيا ترجع كلّها عند الشارع إلى اعتبارها بمصالح الآخرة ، فهي في الحقيقة خلافة عن صاحب الشرع في حراسة الدين ، وسياسة الدنيا .
ولن تجد تعريفاً آخر للخلافة يختلف عن تعريف ابن خلدون ، وهاك بعض التعريفات الاُخرى :
الماوردي(3) : الإمامة موضوعة لخلافة النبوّة في حراسة الدين ، وسياسة الدنيا .
التفتازاني(4) : رئاسة عامّة في الدين والدنيا ، خلافة عن النبي (صلّى الله عليه وآله) .
عضد الدين الإيجي(5) : خلافة الرسول (ص) في إقامة الدين وحفظ حوزة الملّة ، بحيث يجب اتّباعه على كافة الاُمّة .
ـــــــــــــــ
(1) سورة النور / 40 
(2) سورة الروم / 7 
(3) أبو الحسن الماوردي ، الأحكام السلطانيّة والولايات الدينيّة / 5 , بيروت , دار الكتب العلميّة .
(4) د . ضياء الريّس ، المرجع السابق / 122 .
(5) المرجع السابق / 123 .
________________________________________
الصفحة (110)
وهكذا نرى أنّ هذه التعريفات تجمع على مضمون واحد ، وإنْ كان أكثر تفصيلاً لدى ابن خلدون ،  يحدّد جوهر نظام الخلافة في الآتي :
* تماهي الدنيا في الآخرة ، فلا فصل مطلقاً بينهما .
* الارتباط العضوي بين السياسة والدين ، فالمصالح المعتبرة بالسياسة ليست مطلقة ، وإنّما مقيّدة بأعراض الدين وقِيمه .
* الحكم تحديداً هو خلافة عن صاحب الشرع .
* وظيفيّة الخلافة ، فإنّما هي حمل الكافة على مقتضى النظر الشرعي .
وهذا يعني أنّ التصدي للخلافة لا بدّ وأنْ يكون بغرض حمل الكافة على مقتضى النظر الشرعي ، وتصبح بالضرورة كلّ الأغراض الاُخرى مُسقطة لمعنى الخلافة وفاقدة لشرعيّتها ، مهما تزيّنت تلك الأغراض بما يسوغها لدى الناس من مبرّرات ، مِن مثلِ توّفر القدرة على جمع الناس وعدم فرقتهم ، أو مثل ظرفيّة مجابهة الأعداء ، أو تغليب صلاحيّة سياسة الناس على التقوى .
وقد شدّد الإسلام كثيراً على هذا المعنى نظراً لخطورته الشديدة . روى مسلم : أنّ رسول الله (ص) قال في الإمارة : (( إنّها أمانة ، وإنّها يوم القيامة خِزي ونَدامة ، إلاّ مَن أخذها بحقّها ، وأدّى الذي عليه فيها )) .
وروى البخاري : أنّ النبي (صلّى الله عليه وآله) ، قال : (( إذا ضيعت الأمانة ، انتظر الساعة )) . قِيل : يا رسول الله ، وما إضاعتها ؟ قال (ص) : (( إذا وسد الأمر إلى غير أهله ، فانتظر الساعة )) .
وبهذا المعيار الذي يتوفّر لدينا للحكم على مشروعيّة النظام ، نسأل : هل التزم مؤسّسو النظام الاُموي به ؟
________________________________________
الصفحة (111)
أمْ أنّه كانت أغراض اُخرى ؟
تقدم استعراض الظروف التي نشأ فيها هؤلاء القوم ، وكذلك الصفات الخاصّة التي ميّزت هذا الحي من قريش ، إضافة إلى أحاديث نبوءات الكهنة التي تعلّقت بها هند لابنها معاوية : أنّه يوماً سيصير ملكاً . وتعلّق معاوية ذاته بادّعاء على النبي (صلّى الله عليه وآله) أنّه يتنبّأ له بالملك ، ثمّ نصائح هند وزوجها أبي سفيان لولدهما معاوية ألاّ يأتي فعلاً من عند نفسه ، يغضب مستعمله فيعطّله عن إدراك مراميه .
ونحن نزعم أنّ ذلك لمْ يكن أمر معاوية وحده ، وإنّما كان أمر بني اُميّة جميعاً . وبين أيدينا العديد من الأخبار والشواهد الكفيلة بإخراجه من كونه زعما إلى تأكيده يقيناً .
فعندما عزل عثمان بن عفّان سعد بن ابي وقّاص عن الكوفة ، ولّى مكانه الوليد بن عقبة ، فكأنّما دهش سعد لتولية عثمان الوليد بدلاً منه ، فسعد مَن قد علم الناس مكانته ، والوليد مَن قد عرف الناس كذبه على رسول الله (صلّى الله عليه وآله) . يروي ابن الأثير(1) : فلمّا قدم الوليد ، قال له سعد : أكست بعدنا أمْ حمقنا بعدك ؟ فقال : لا تجزعنّ يا أبا إسحاق ، كلّ ذلك لمْ يكن ، وإنّما هو الملك يتغدّاه قوم ويتعشّاه آخرون . فقال سعد : أراكم جعلتموها مُلكاً .
فواضح أنّ سعداً لمْ يرَ في الإمارة إلاّ الأهليّة ، بينما لمْ يرَ الوليد إلاّ أنّها المُلك يتداول بين الناس(2) .
ـــــــــــــــ
(1) ابن الأثير ، الكامل في التاريخ ، المرجع السابق 2 / 477 .
(2) كان ممّا عابه الناس على عثمان استعماله الأحداث في وجود أصحاب السابقة من صحابة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) , وتولية الوليد ممّا عابه الناس على عثمان ، فلا وجه للمقارنة بين سعد والوليد . 
فإنّ قِيل : إنّ القاعدة استعمال الأصلح باعتبار الظرف ، فلمْ يقل منصف إنّ الوليد أصلح من سعد ، خاصّة وقد كانت الكوفة وقتئذٍ إحدى الأمصار الأربع الخطيرة ، ولمْ يكن كسرى يزدجرد قد هلك بعدُ ، فلا يكون الوليد أصلح من قائد جيش القادسيّة , ثمّ إنّ سعداً هو أحد المرشحين الستّة من قبل عمر للخلافة العظمى ، فما بالك بإمارة مصر من الأمصار . 
وربما هذه إحدى غرائب المتصدّين للاعتذار عن أفعال حكّام الدولة الإسلاميّة مهما كانت ، مثل ابن تيميّة الذي يقع في تناقض خطير مع نفسه فيما ذكره عن هذه المسألة في كتابه السياسة الشرعيّة , حيث جمع أحاديث رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فذكر منها قوله : (( مَن ولي من أمر المسلمين شيئاً ، فولّى رجلاً وهو يجد مَن هو أصلح للمسلمين منه ، فقد خان الله ورسوله )) . ثمّ يقول ابن تيميّة : فإن عدل عن الأحقّ الأصلح إلى غيره ، لأجل قرابة بينهما أو ولاء عتاقة أو صداقة ، أو موافقة في بلد أو مذهب أوطريقة أو جنس ، كالعربيّة والفارسيّة والتركيّة والروميّة ، أو لرشوة يأخذها منه من مال أو منفعة ، أو غير ذلك من الأسباب ، أو لضغن في قلبه على الحقّ ، أوعداوة بينهما ، فقد خان الله ورسوله والمؤمنين ، ودخل فيما نهى عنه في قوله تعالى : ( يَاأَيّهَا الذينَ آمَنُوا لاَتَخُونُوا اللّهَ وَالرّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ) . الأنفال / 27 . ابن تيميّة ، السياسة الشرعيّة في إصلاح الراعي والرعيّة / 9 , بيروت ,  دار الآفاق الجديدة / 1988 م .
على أنّه يعود في منهاج السنّة فيبرّر توليّة الوليد احتجاجاً بقول عثمان : أنا لمْ أستعمل إلاّ مَن استعمله النبي (صلّى الله عليه وآله) ومن جنسهم ومن قبيلتهم . بينما هو يثبت ـ في الجملة السابقة مباشرة لقول عثمان السابق ـ أنّ النبي (صلّى الله عليه وآله) لمْ يتسعمل الوليد بعد ثبوت فسقه ، حيث يقول : واستعمل النبي (صلّى الله عليه وآله) الوليد بن عقبة بن أبي معيط حتّى أنزل الله فيه : ( إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ ) . سورة الحجرات / 6 . ابن تيميّة ، منهاج السنّة ، المرجع السابق 3 / 176 .
________________________________________
الصفحة (112)
وعندما حُدّ الوليد بن عقبة في شرب الخمر بشهادة الشهود ، لمْ يكن هناك بدّ من عزله ، فولّى عثمان بعده ربيبه سعيد بن العاص الاُموي , ولمْ تكن نظرة سعيد للأمر بأرضى من نظرة الوليد ، يُحدّثنا الطبري أنّه قال في حضرة سمّارة ـ من وجوه أهل الكوفة ـ : إنّما هذا السواد بستان لقريش . فأنكر عليه حضوره قوله ذاك ، وتصدّى له الأشتر بقوله : أتزعم أنّ السواد الذي أفاءه
________________________________________
الصفحة (113)
الله علينا بأسيافنا بستان لك ولقومك ! والله ، ما يزيد أوفاكم فيه نصيباً إلاّ أنْ يكون كأحدنا(1) .
أمر معاوية وعمرو بن العاص :
وأمّا أمرهما ، فإنّه تتوافر فيه الأخبار باستفاضة ، تجعل فرز مواقفهما للوقوف على حقيقة أمرهما يسيراً ودقيقاً معاً . ونحن نُورد هنا الأسباب التي تجعلنا نطمئن إلى القول إنّهما اتّخذا الملك لهما غرضاً ، دون المبرر الشرعي للإمارة ، وهو الخلافة عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) حملاً للكافة على مقتضى النظر الشرعي :
فقد تعلّلا في الخروج على الإمام عليّ (ع) وحربهما له بطلب قاتلي عثمان للقود منهم .
والآيات كلّها تدلّ على أنّ ذلك لمْ يكن صحيحاً ، وإنّما اتّخذاه ستراً لغرضهما في الملك :
1 ـ فقد أطلّت الفتنة برأسها لسنوات خلون قبل مقتل عثمان ، وعندما اشتدّت الفتنة وكثرت الشكاية وضجر الناس بالأمصار من ظلّ عمّال عثمان ، جمع عثمان ولاته في الموسم قُبيل مقتله ، وهم ؛ عبد الله بن سعد ومعاوية وعبد الله بن عامر ، وأدخل معهم سعيد بن العاص وعمرو بن العاص .
وقد جمعهم ليشيروا عليه بالرأي ، فما زاد معاوية على أنْ قال : حسن الأدب . وأمّا عمرو ، فقد رمى عثمان باللين في جميع أمره (2) .
ـــــــــــــــ
(1) الطبري ، المرجع السابق 4 / 323 .
(2) المرجع السابق 4 / 342 . 
________________________________________
الصفحة (114)
فأمّا قول معاوية ، فلا يُغني شيئاً , وأمّا قول عمرو ، فهو تأليب لعثمان على رعيته . وعمرو نفسه الذي يستنفر ها هنا عثمان لأخذ رعيته بالشدّة ، هو ذاته الذي كان يطعن على عثمان ، ويؤلّب الناس عليه .
يروي الطبري عن الواقدي في أسباب خروج المصريّين على عثمان(1) :
كان عمرو بن العاص على مصر عاملاً لعثمان ، فعزله عن الخراج واستعمله على الصلاة ، واستعمل عبد الله بن سعد على الخراج ، ثمّ جمعهما لعبد الله بن سعد , فلمّا قدم عمرو بن العاص المدينة , جعل يطعن على عثمان ، فأرسل إليه يوماً عثمان خالياً به ، فقال : يابن النابغة ، ما أسرع ما قمل جربان جبّتك ! إنّما عهدك بالعمل عاماً أوّل تطعن عليّ ؟! تأتيني بوجه وتذهب عنّي بآخر ؟! والله ، لو لا أكلة ما فعلت ذلك . قال : فقال عمرو : إنّ كثيراً ممّا يقول الناس وينقلون إلى ولاتهم باطل ، فاتقِ الله يا أمير المؤمنين في رعيتك . فقال عثمان : والله ، لقد استعملتك على ظلعك ، وكثرة القالة فيك . فقال عمرو : قد كنت عاملاً لعمر بن الخطاب ، ففارقني وهو عنّي راضٍ . قال ، فقال عثمان : وأنا والله ، لو آخذتك بما آخذك به عمر لاستقمت ، ولكنّي لنت لك فاجترأت عليّ . قال : فخرج عمرو من عند عثمان وهو محتقد عليه ، يأتي عليّاً (ع) مرّة فيؤلّبه على عثمان ، ويعترض الحاجّ فيخبرهم بما أحدث عثمان ، فلمّا كان حصر عثمان الأوّل ، خرج من المدينة حتّى انتهى إلى أرض له بفلسطين ، يُقال لها السبع , فنزل في قصر له ، يُقال له العجلان ، وهو يقول : العجب ما يأتينا عن ابن عفّان ! قال : فبينا هو جالس في قصره ذلك ، ومعه ابناه محمّد وعبد الله ،
ـــــــــــــــ
(1) المرجع السابق 4 / 356 .
________________________________________
الصفحة (115)
وسلامة بن روح الجذامي ، إذ مرّ بهم راكب ، فناداه عمرو : من أين قدم الرجل ؟ فقال : من المدينة . قال : ما فعل الرجل ؟ ـ يعني : عثمان ـ  قال : تركته محصوراً شديد الحصار . قال عمرو : أنا أبو عبد الله ، قد يضرط العير والمكواة في النار . فلمْ يبرح مجلسه ذلك حتّى مرّ به راكب آخر ، فناده عمرو : ما فعل الرجل ؟ ـ يعني : عثمان ـ  قال ، قال : أنا أبو عبد الله ، إذا حككت قرحة نكأتها ، إنْ كنت لأحرّض عليه , حتّى إنّي لأحرّض عليه الراعي في غنمه في رأس الجبل .
وعلى العكس من سفارة عليّ بن أبي طالب (ع) المتكرّرة بين عثمان والثائرين ، لتهدئة النفوس وإتاحة الفرصة للخليفة كي يُراجع عمله ويُعطي الرضا ، فإنّ عمرو بن العاص كان دائم التحريض والتأليب على عثمان . وقد حدث أنْ أقنع عليّ (ع) المصريين بالعدول عن ثورتهم والرجوع إلى مصر ، وخرج عثمان إلى المسجد ليُعلن ذلك للناس ، فإذا بعمرو بن العاص ينادي من ناحية المسجد ، قائلاً : اتّقِ الله يا عثمان ، فإنّك قد ركبت بنا نهابير ـ مهالك ـ وركبناها معك , فتُبْ إلى الله ، نتُب . فناداه عثمان ، وإنّك هناك يابن النابغة ! قملت والله ، جبتك منذ تركتك العمل(1) .
2 ـ عندما أحاط الثائرون بالمدينة ، وغشوا قلبها ، لمْ يجد عثمان من بين ولاته له معيناً ، حتّى بعدما كتب للأمصار يستنجد بهم ويستمدّهم في كتاب بعثه إليهم ، وجاء بآخره : فمَن قدر على اللحاق بنا ، فليلحق(2) .
ولمّا رأى عثمان ما نزل به وما انبعث عليه من الناس , كتب خصّيصاً إلى معاوية بن أبي سفيان عامله على الشام :
بسم الله الرّحمن الرّحيم 
 أمّا بعد ,
ـــــــــــــــ
(1) المرجع السابق 4 / 360 .
(2) المرجع السابق 4 / 352 .
________________________________________
الصفحة (116)
فإنّ أهل المدينة قد كفروا وأخلفوا الطاعة ونكثوا البيعة ، فابعث إليّ من قبلك من مقاتلة أهل الشام على كلّ صعب وذلول(1) .
فلمّا جاء معاوية كتاب عثمان ، تضجّع وتلبّث وأبطأ ، ولمْ يستنفر الناس . يروي الطبري : فلمّا جاء معاوية الكتاب تربّص به ، وكره إظهار مخالفة أصحاب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، وقد علم اجتماعهم ، فلمّا أبطأ أمره على عثمان ، كتب إلى يزيد بن أسد بن كرز وإلى أهل الشام يستنفرهم ويعظّم حقّه عليهم .
3 ـ ثمّ هذه اعترافات صريحة من عمرو بن العاص بدوره في قتل عثمان ، ثمّ غرضه الذي يسعى إليه , يتّضح ذلك من قوله(2) عندما أتاه خبر مقتل عثمان : أنا عبد الله ، قتلته وأنا بوادي السباع .
ثمّ قوله لولديه عندما جمعهما ليشاورهما في خطواته المقبلة : أمّا عليّ ، فلا خير عنده وهو رجل يدلّ بسابقته وهو غير مشركي في شيء من أمره ؛ فأمّا ابنه عبد الله ، فقد قال له : أرى أنْ تكفّ يدك وتجلس في بيتك حتّى يجتمع الناس على إمام فتبايعه , وأمّا ابنه محمّد فقد قال له : أنت ناب من أنياب العرب ، فلا أرى أنْ يجتمع هذا الأمر ، وليس لك فيه صوت ولا ذكر . 
فحزم عمرو أمره ، ولحق بمعاوية في الشام يسايره في دعواه ، فدخل الشام قائلاً : أنتم على الحقّ ، اطلبوا بدم الخليفة المظلوم ، ثمّ خاطب معاوية مساوماً له :
أمَا والله ، إنْ قاتلنا معك نطلب بدم الخليفة ، إنّ في النفس من ذلك ما فيها ، حيث نُقاتل مَن تعلم سابقته وفضله وقرابته ، ولكنّا إنّما أردنا هذه الدنيا .
وكان الشرط الذي شرطه عمرو على معاوية ـ إنْ هو تابعه ـ : أنْ يجعله والياً على مصر ، وله خراجها ما بقي حيّاً .
ـــــــــــــــ
(1) المرجع السابق 4 / 368 .
(2) المرجع السابق 4 / 560 .
________________________________________
الصفحة (117)
يروي الطبري : ... وذلك لأنّ عمرو بن العاص كان صالح معاوية حين بايعه على قتال عليّ بن أبي طالب (ع) ، على أنّ له مصر طعمة ما بقي(1) .
4 ـ ولمْ يكن الغرض الخفيّ لحرب معاوية عليّاً (ع) خافياً على أحد من معسكر عليّ (ع) ، ولا على أحد من قيادات معسكر معاوية , وإنّما موّه به على عامّة جند الشام , ومع ذلك حاول عليّ (ع) تذكير معاوية بالله مراراً فلمْ يذكر ، ووجّه عليّ (ع) السفراء إلى معاوية ليراجعوه بخطورة تحقيق أغراضه على حساب الاُمّة ، فلمْ يقلع .
قال عليّ (ع) ذات مرّة لوفد له إلى معاوية : (( ائتوا هذا الرجل ، فادعوه إلى الله وإلى الطاعة والجماعة )) . فلمّا أتوه ، قال بشير بن عمرو ـ أحد الوفد ـ : يا معاوية ، إنّ الدنيا عنك زائلة ، وإنّك راجع إلى الآخرة ، وإنّ الله عزّ وجلّ محاسبك بعملك ، وجازيك بما قدّمت يداك ، وإنّي أنشدك الله عزّ وجل أنْ تفرّق جماعة هذه الاُمّة ، وأنْ تسفك دماءها بينها . 
وقال شبث بن ربعي ـ أحد الوفد ـ : يا معاوية ، إنّه والله ، لا يخفى علينا ما تغزو وما تطلب ، إنّك لمْ تجد شيئاً تستغوي به الناس وتستميل به أهواءهم ، وتستخلص به طاعتهم ، إلاّ قولك : قُتل إمامكم مظلوماً ، فنحن نطلب بدمه . فاستجاب له سفهاء طغام ، وقد علمنا أنْ قد أبطأت عنه بالنصر ، وأحببت له القتل ، لهذه المنزلة التي أصبحت تطلب ، وربّ متمني أمر وطالبه الله عزّ وجلّ يحول دونه بقدرته ، وربما أُوتي المتمني أمنيته وفوق أمنيته ، ووالله ، مالك في واحدة منهما خير ، لئن أخطأت ما ترجو إنّك لشرّ العرب حالاً في ذلك ، ولئن أصبت ما تمنى لا تصيبه حتّى تستحقّ من ربّك صلي النار ، فاتّقِ الله يا معاوية ، ودع ما أنت عليه ولا تنازع الأمر أهله(2) .
ـــــــــــــــ
(1) المرجع السابق 5 / 98 .
(2) المرجع السابق 4 / 574 .
________________________________________
الصفحة (118)
ثمّ استمع إلى حديث عمّار بن ياسر إلى جماعته في حرب صفّين ، وإلى حلفاء معاوية عمرو بن العاص وعبيد الله بن عمر بن الخطاب ، تجده يفصّل الأمر تفصيلاً . يروي الطبري أنّ عمّار قال يومئذٍ :
أين مَن يبتغي رضوان الله عليه ، ولا يؤوب إلى مال ولا ولد . فأتته عصابة من الناس ، فقال : أيّها الناس ، اقصدوا بنا نحو هؤلاء الذين يبغون دم ابن عفّان ، ويزعمون أنّه قُتل مظلوماً ، والله ، ما طلبتهم بدمه ، ولكن القوم ذاقوا الدنيا فاستحبّوها واستمرؤوها وعلموا أنّ الحقّ إذا لزمهم حال بينهم وبين ما يتمرّغون فيه من دنياهم ، ولمْ يكن للقوم سابقة في الإسلام يستحقّون بها طاعة الناس والولاية عليهم ، فخدعوا أتباعهم أنْ قالوا : إمامنا قُتل مظلوماً ، ليكونوا بذلك جبابرةً ملوكاً ، وتلك مكيدة بلغوا بها ما ترون ، ولو لا هي ما تبعهم من الناس رجلان . اللهمّ ، إنْ تنصرنا فطالما نصرت ، وإنْ تجعل لهم الأمر فادّخر لهم بما أحدثوا في عبادك العذاب الأليم . 
ثمّ مضى ، ومضت تلك العصابة التي أجابته حتّى دنا من عمرو ، فقال : يا عمرو ، بعت دينك بمصر ، تبّاً لك تباً ! طالما بغيت في الإسلام عوجاً . وقال لعبيد الله بن عمر بن الخطاب : صرعك الله ! بعت دينك من عدوّ الإسلام وابن عدوّه . قال : لا ، ولكن أطلب بدم عثمان بن عفّان ( رضي الله عنه ) . قال له : أشهد على علمي فيك أنّك لا تطلب بشيء من فعلك وجه الله عزّ وجلّ ، وإنّك إنْ لمْ تقتلْ اليوم تمتْ غداً ، فانظر إذا أُعطي الناس على قدر نيّاتهم ، ما نيّتك ؟ (1) .       
5 ـ على أنّ حقيقة غرض معاوية وأعوانه في الملك ، لمْ تتبدَّ فقط بإشعالهم الحرب على عليّ (ع) ، وإنّما كان معلوماً من أمرهم ، ومن طبيعة طموحاتهم
ـــــــــــــــ
(1) المرجع السابق 5 / 39 .
________________________________________
الصفحة (119)
وسلوكيّاتهم فيما سبق ، ما يتوقّع معه كلّ أفعالهم وردود أفعالهم فيما يقبل من أمر , وتبيّن ذلك واضحاً جليّاً منذ الأيّام الأولى لخلافة عليّ (ع) ، فهذا ابن عبّاس ينصح عليّاً (ع) في اليوم الخامس تحديداً من مقتل عثمان ، مرجعه من مكّة ، مبيّناً غشّ المغيرة بن شعبة لعليّ (ع) في نصيحته الأخيرة له ، إذ نصحه أولاّ بتثبيت معاوية في الولاية ، ثمّ عاد ونصحه بعزله ، فيقول ابن عبّاس : ... لأنّك تعلم أنّ معاوية وأصحابه أهل دنيا ، فمتى تثبّتهم لا يبالوا بمَن ولي هذا الأمر ، ومتى تعزلهم يقولوا : أخذ هذا الأمر بغير شورى وهو قتل صاحبنا ، ويؤلّبون عليك ، فينتقض عليك أهل الشام وأهل العراق(1) .
وكما كانت طبيعة معاوية وصحبه واضحة في ذهن ابن عبّاس ، فقد كانت أوضح في ذهن عليّ (ع) . يروي ابن كثير في قصّة التحكيم : أنّ عليّاً (ع) قال(2) :
(( عباد الله ، أمضوا إلى حقّكم وصدقكم وقتال عدوّكم ، فإنّ معاوية وعمرو بن العاص ، وابن أبي معيط وحبيب بن مسلمة , وابن أبي سرح والضحاك ابن قيس , ليسوا بأصحاب دين ولا قرآن ، أنا أعرف بهم منكم ، صحبتهم أطفالاً وصحبتهم رجالاً ، فكانوا شرّ أطفال وشرّ رجال . ويحكم ! والله ، إنّهم ما رفعوها ـ المصاحف ـ إنّهم يقرؤونها ولا يعملون بما فيها ، وما رفعوها إلاّ خديعة ودهاء ومكيدة )) .
6 ـ وكذلك لمْ يكن الأمر خافياً على المهاجرين والأنصار , وهو ما عبّر عنه عليّ (ع) بقوله ـ فيما يرويه ابن كثير(3) ـ في حرب صفّين : (( ليس على وجه الأرض بدريّ إلاّ وهو معي )) .
ـــــــــــــــ
(1) المرجع السابق 4 / 436 .
(2) البداية والنهاية ، المرجع السابق 7 / 284 .
(3) المرجع السابق 7 / 270 .
________________________________________
الصفحة (120)
ويروي ابن كثير(1) عن الإمام أحمد ، ما ذكره مسنداً إلى عبد الله بن سلمة ، قوله : رأيت عمّاراً يوم صفّين شيخاً كبيراً آدم طوالاً ، أخذ الحربة بيده ويده ترتعد ، فقال : والذي نفسي بيده ، لو ضربونا حتّى يبلغوا بنا سعفات هجر ، لعرفت أنّ مصلحينا على الحقّ ، وأنّهم على الضلالة .
فهذا عمّار يُوقن أنّه وصحبه على الحقّ ، وأنّ معاوية وصحبه على الضلالة ، فلا يأبه ما يصنع به وإنْ بلغ المدى , وتلك صفات مَن يُقاتل على المبدأ .
وأمّا مَن كانت الدنيا أكبر همّه ، فتجده حريصاً عليها أشدّ الحرص ، مستمسكاً بها ، متكالباً عليها ، لا يحفظ مبدأ ، ولا يرعى إلاّ ، ولا يتقيّد بخلق ، ولا ينشد مروءة . ولنتدبّر ما ذكره ابن كثير(2) في قصّة حرب صفّين ، عندما دعا عليّ (ع) معاوية للمبارزة حتّى يفصل الله بينهما ، وتضع الحرب أوزارها ، فقال عمرو بن العاص لمعاوية : اغتنمه ، فإنّه قد أُثخن بقتل هؤلاء الأربعة . فقال له معاوية : والله ، لقد علمت أنّ عليّاً (ع) لمْ يقهر قط ، وإنّما أردت قتلي لتصيب الخلافة من بعدي ، اذهب إليك ! فليس مثلي يُخدع .
ويذكر ابن كثير في ذات الموضع : أنّ عليّاً (ع) حمل على عمرو بن العاص يوماً ، فضربه بالرمح فألقاه إلى الأرض فبدت سوأته فرجع عنه ، فقال له أصحابه : ما لك يا أمير المؤمنين رجعت عنه ؟ فقال (ع) : (( أتدرون ما هو ؟ )) . قالوا : لا . قال (ع) : (( هذا عمرو بن العاص تلقاني بسوأته فذكّرني بالرحم فرجعت عنه )) . فلمّا رجع عمرو إلى معاوية ، قال له : احمد الله ، واحمد إستك ! 
ـــــــــــــــ
(1) المرجع السابق 7 / 278 .
(2) المرجع السابق 7 / 274 .
________________________________________
الصفحة (121)
وعندما ملك معاوية ، جلس عنده عمرو بن العاص يسمران فتذكرا هذه الحادثة . يروي المسعودي(1) :  وجلس مرّة معاوية وعمرو ، فضحك معاوية ضحكاً ذهب به كلّ مذهب ، قال : ممَّ تضحك يا أمير المؤمنين ، أضحك الله سنّك ؟ قال : أضحك من حضور ذهنك يوم بارزت عليّاً (ع)، وإبدائك سوأتك ، أمَا والله ، يا عمرو لقد واقعت المنايا ، ورأيت الموت عياناً , ولو شاء لقتلك ، ولكن أبي بن أبي طالب (ع) في قتلك تكرماً . فقال عمرو : أمَا والله ، إنّي لعن يمينك حين دعاك إلى البراز ، فاحولّت عيناك وبدا سحرك ، وبدا منك ما أكره ذكره لك ، فمن نفسك فاضحك أو دع .
7 ـ ولست أرى أدحض لحجّة معاوية وصحبه في خروجهم للطلب بدم عثمان ، من كون معاوية ظلّ معانداً لكلّ دعوة للطاعة والدخول في الجماعة بمبايعة الإمام علي (ع) ، ورافضاً لكلّ محاولة رأب الصدع ، ومخذلاً لكل السفارات بينه وبين عليّ (ع) ، ومصمّماً على قتال جيش الإمام مهما أسفرت عن تفاني المسلمين حتّى إذا ما قُتل الإمام وتنازل الحسن بن عليّ (عليهما السّلام) وآل الملك إلى معاوية ، تناسى كلّية طلبه ذاك ، وجعل يبذل الوعود ويتهافت في إمضاء العهود على بياض لكلّ من شرط عهداً ، على أنْ يُبايع له بالملك .
أرأيت عندما بعث عليّ (ع) رسله شبث بن ربعي وصحبه إلى معاوية ؛ لدعوته إلى الله وإلى الطاعة والجماعة ، فما كان جواب معاوية إلاّ أنْ قال : ونطلْ ـ نترك ـ دم عثمان (رضي الله عنه) ، لا والله ، لا أفعل ذلك أبداً(2) .
ـــــــــــــــ
(1) المسعودي ، مروج الذهب 3 / 29 , بيروت , المكتبة الإسلاميّة  .
(2) الطبري ، المرجع السابق 4 / 573 .
________________________________________
الصفحة (122)
قال له شبث : أيسرّك يا معاوية ، أنّك أمكنت من عمّار تقتله ؟ فقال له معاوية : وما يمنعني من ذلك ، والله ، لو أمكنت من ابن سميّة ما قتلته بعثمان ، ولكن كنت قاتله بناتل مولى عثمان .
فلمّا أنْ تنازل الحسن (ع) وبلغ معاوية ما أراد ، ولمْ يبقَ من ذي شوكة إلاّ قيس بن سعد بن عبادة ومعه أربعون ألفاً من شيعة عليّ (ع) ، الذين كان يطلبهم معاوية بدم عثمان ، قطع معاوية على نفسه العهد فوراً بالأمان لهم على ما أصابوه على أنْ يُبايعوه(1) .
وعندما استتبّت الأمور نهائياً لمعاوية وقدم في أوّل زيارة له إلى المدينة ، طالبته عائشة بنت عثمان بن عفّان بدم أبيها كما وعد وكما أقسم بالله ألاّ يتركه أبداً ، إلاّ أنّه تصنع الحلم ، وتذكر ساعتها ـ وساعتها فقط ـ حقن دماء المسلمين ، وطالبها بالكفّ عن هذا الطلب .
يروي ابن كثير(2) : فتوجّه إلى دار عثمان بن عفّان ، فلمّا دنا إلى باب الدار ، صاحت عائشة بنت عثمان وندبت أباها ، فقال معاوية لمَن معه : انصرفوا إلى منازلكم فإنّ لي حاجة في هذه الدار . فانصرفوا ، ودخل مسكن عائشة بنت عثمان ، وأمرها بالكفّ ، وقال لها : يا بنت أخي ، إنّ الناس أعطونا سلطاننا ، فأظهرنا لهم حلماً تحته غضب ، وأظهروا لنا طاعة تحتها حقد ، فبعناهم هذا بهذا ، وباعونا هذه بهذا .
وهكذا أُهدر دم عثمان المدّعى ، وتناسى المطالبون بالقصاص مطلبهم بمجرّد أنْ ملك معاوية .
ـــــــــــــــ
(1) المرجع السابق 5 / 164 .
(2) المرجع السابق 8 / 135 .
________________________________________
الصفحة (123)
أخرج ابن عساكر ، عن أبي الطفيل عامر بن واثلة الصحابي : أنّه دخل على معاوية ، فقال له معاوية : ألست مَن قتلة عثمان ؟ قال : لا ، ولكنّي ممّن حضره فلمْ ينصره . قال : وما منعك من نصره ؟ قال : لمْ تنصره المهاجرون والأنصار . فقال معاوية : أما لقد كان حقّه واجباً عليهم أنْ ينصروه . قال : فما منعك يا أميرالمؤمنين من نصره ومعك أهل الشام ؟ فقال معاوية : أمَا طلبي بدمه نصرة له . فضحك أبو الطفيل ثمّ قال : أنت وعثمان كما قال الشاعر :
لا ألفينك بعد الموت تندبني      وفي حياتي ما زودتني زاداً(1)
* * *
قضية خطيرة : الخروج على عليّ (ع) بغي أمْ حرابة ؟
هبْ أنّ كلّ الأدلّة السابقة لا تثبت زعمنا ، أنّ معاوية وصحبه إنّما سعوا للحرب طلباً للدنيا فقاتلوا عليها حتّى أدركوا الملك فأقاموا دولة بني اُميّة ، ولمْ يكن ذلك بحال خلافة عن صاحب الشرع لإقامة الدين .
وهبْ أنّ أسانيد هذه الأدلّة تحتمل الطعن ، وأنّ متونها تقبل التأويل ، بما لا يُؤدّي بالضرورة إلى النتيجة التي وصلنا إليها .
ولكنّا نسوق الآن دليلاً نعتبره سيّد الأدلة ، فليس فيه فُسحة لممار لمزيد ، وأمّا المصنف فلن يخالجه أدنى شكّ في صحة ما ذهبنا إليه .
فقد تنبّأ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) لعمّار بن ياسر : أنْ ستقتله الفئة الباغية . وقد حدث في حرب صفّين ، كما رأينا ، أنّ عمّاراً كان في فئة عليّ بن أبي طالب (ع) ، ثمّ قتله أتباع
ـــــــــــــــ
(1) السيوطي ، تاريخ الخلفاء ، المرجع السابق / 200 .
________________________________________
الصفحة (124)
معاوية ، فاستبان الأمر إذاً بمقتل عمّار أنّ الفئة الباغية هي فئة معاوية . فكان المحتم إذاً طِبقاً لنص الكتاب أنْ يلتزم الجميع الدين ، فيكف معاوية وأتباعه عن المضي في القتال ، وعلى عامّة المسلمين أنْ يُقاتلوا فئة معاوية حتّى يفيئوا إلى أمر الله ، إنْ أبوا إلاّ القتال .
ولكن ذلك لمْ يحدث ، بل استمرّ معاوية في القتال ، والأنكر من هذا أنّه تأوّل في النص مخافة أنْ ينفضّ عنه أهل معسكره ، بعدما تبيّن الأمر ، فقال : إنّما قتله الذين جاؤوا به . ومعنى هذا ـ حسب تأول معاوية ـ أنّ عليّاً (ع) هو قاتل عمّار , وكان ردّ عليّ (ع) عندما بلغه تأوّل معاوية : (( إنّ ذلك ، يعني أنّ محمّداً (صلّى الله عليه وآله) هو الذي قتل أصحابه عندما قدّمهم للقتال في بدر وأُحد والمواقع كلّها )) .
إنّ تحقيق هذه المسألة بالذات يحتاج إلى أكبر قدر من الدّقة والتؤدة معاً ، نظراً لخطورة النتيجة التي سيسفر عنها ، ونرى أنّ ذلك يتطلّب بحث الآتي :
أ ـ صحة الحديث .
ب ـ تحديد معنى البغي ، والفرق بينه وبين معنى الحرابة .
ج ـ التأويل وشروطه ، ومدى انطباقها على تأويل معاوية .
د ـ النتيجة .
أ ـ الحديث :
جمع ابن كثير(1) كثيراً من طرق رواية هذا البحث، وهي: روى البخاري بسنده: أنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قال: (( يا ويح عمّار ! تقتله الفئة الباغية ، يدعوهم إلى الجنّة ويدعونه إلى النّار )) .
ـــــــــــــــ
(1) البداية والنهاية ، المرجع السابق 7 / 280 .
________________________________________
الصفحة (125)
وروى مسلم بسنده : أنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قال لعمّار : (( تقتلك الفئة الباغية )) .
وروى أحمد بسنده ، عن أبي سعيد الخدري ، قال : أمرنا رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ببناء المسجد ، فجعلنا ننقل لبنةً لبنةً ، وكان عمّار ينقل لبنتين لبنتين ، فتترّب رأسه ، قال : فحدّثني أصحابي ولمْ أسمعه من رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أنّه جعل ينفض رأسه ، ويقول : ((ويحك يابن سميّة ! تقتلك الفئة الباغية )) .
فالحديث إذاً صحيح كما جاء في الصحاح ، كما لمْ يضعّفه ولمْ ينكره أحد من السلف أو الخلف ، بل لمْ يجحده معاوية ذاته .
ب ـ البغي والحرابة :
البغي هو الخروج على الحاكم العادل ، ولكن بتأويل سائغ , ولمّا كان الخروج على الحاكم يتطلّب قوّةً وعدداً ، وإلاّ سهل التغلّب عليه ، فإنّ ما يُعدّ بغياً له شروط وله أحكام كيما تميّزه عن غيره من الأفعال .
فأمّا الشروط ، فقد حدّدها الفقهاء(1) كالتالي :
1 ـ الخروج عن طاعة الحاكم العادل .
2 ـ أنْ يكون الخروج من جماعة قوّية لها شوكة وقوّة ، بحيث يحتاج الحاكم في ردّهم إلى الطاعة إلى إعداد رجال ومال وقتال .
3 ـ أنْ يكون لهم تأويل سائغ يدعوهم إلى الخروج على حكم الإمام ، فإنْ لمْ يكن لهم تأويل سائغ كانوا محاربين لا بغاة .
4 ـ أنْ يكون لهم رئيس مُطاع ، يكون مصدراً لقوّتهم .
ـــــــــــــــ
(1) المرجع السابق ، فقه السنّة 2 / 602 , القاهرة ,  دار الريّان للتراث .
الصفحة (126)
وأمّا حكم هؤلاء ، فقد جاء في قوله تعالى : ( وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى‏ فَقَاتِلُوا الّتِي تَبْغِي حَتّى‏ تَفِي‏ءَ إِلَى‏ أَمْرِ اللّهِ فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنّ اللّهَ يُحِبّ الْمُقْسِطِينَ )(1) .
وبذلك يتّضح الفرق الدقيق بين البغي والحرابة من ذات تعريف البغي ، فالذي يُخرجه من كونه بغياً إلى الحرابة ، هو : عدم توفّر التأويل السائغ , ولذلك فإنّ الخروج لمُقاتلة المسلمين بتأويل غير سائغ ، هو حرابة مؤكّدة .
ويعلّق صاحب فقه السنّة على ذلك بقوله(2) :
أمّا إذا كان القتال لأجل الدنيا ، وللحصول على الرئاسة ومُنازعة أُولي الأمر ، فهذا الخروج يُعتبر محاربة ، ويكون للمحاربين حكم آخر يُخالف حكم الباغين .
ثمّ هو يُورد حديث رسول الله (صلّى الله عليه وآله) الذي رواه البخاري ومسلم : (( مَن حمل علينا السّلاح ، فليس منّا )) .
ويفسّره بقوله ، أي : حمله لقتال المسلمين بغير حقّ . ثمّ يُورد ما ذكره القرطبي في الحرابة : يحاربون الله ورسوله (صلّى الله عليه وآله) ، استعارة ومجاز ، إذ الله سبحانه وتعالى لا يُحارب ولا يُغالب ، لمَا هو عليه من صفات الكمال ، ولمَا وجب له من التنزيه عن الأضداد والأنداد ، والمعنى : يُحاربون أولياء الله ، فعبّر بنفسه العزيزة عن أوليائه إكباراً لأذيّتهم .
ـــــــــــــــ
(1) سورة الحجرات / 9 .
(2) المرجع السابق ، فقه السنّة 2 / 602 ـ القاهرة ـ  دار الريّان للتراث .
________________________________________
الصفحة (127)
وأمّا حكم المحاربين ، فقد جاء في قوله تعالى : ( إِنّمَا جَزَاءُ الذينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَاداً أَن يُقَتّلُوا أَوْ يُصَلّبُوا أَوْ تُقَطّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِنْ خِلاَفٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ * إِلّا الذينَ تَابُوا مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنّ اللّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ )(1) .
وقد قسّم الفقهاء الخروج ـ بحسب ظروفه ـ إلى أنواع كتقسيم ابن حزم التالي(2) :
1 ـ بُغاة خرجوا على تأويل في الدين هُم فيه مُخطئون ، كالخوارج ، لمْ يُخالفوا فيه إجماعاً ، ولا قصدوا فيه خلاف القرآن وحكم رسول الله (صلّى الله عليه وآله) .
2 ـ بُغاة خرجوا على إمام حقّ مُريدين لأنفسهم غلبةً في الدنيا ، ولكنّهم لمْ يُخيفوا طريقاً ولمْ يسفكوا دماً جزافاً ، ولمْ يأخذوا المال ظلماً .
3 ـ فإنْ تعدّت هذه الطائفة إلى إخافة الطريق أو إلى أخذ مال مَن لقوا أو سفك الدماء هملاً ، انتقل حكمهم إلى حكم المحاربين .
فأصحاب التأويل معذورون وحكمهم حكم المجتهد المخطئ ، وأمّا مَن تأوّل تأويلاً فاسداً فلا يُعذر فيه ، وأمّا مَن قام في طلب الدنيا مجرّداً بلا تأويل ، فلا يُعذر أصلاً ؛ لأنّه عامد لمَا يدري أنّه حرام .
فصحّ أنّ لهذا الأمر أهلاً لا يحلّ لأحد أنْ يُنازعهم إيّاه , وأنّ تفريق هذه الاُمّة بعد اجتماعها لا يحلّ ، فصحّ أنّ المُنازعين في الملك والرياسة مُريدون تفريق جماعة هذه الاُمّة ، وأنّهم مّنازعون أهل الأمر أمرهم فهم عُصاة .
ـــــــــــــــ
(1) سورة المائدة / 33 ـ 34 .
(2) ابن حزم ، المحلّى 11 / 97 ـ بيروت ـ  دار الآفاق الجديدة .
________________________________________
الصفحة (128)
4 ـ فإنْ زاد الأمر حتّى يخرقوا الإجماع فهم مُرتدّون .
ويؤكّد هذا المعنى ما ذكره أبوبكر الجصاص بقوله(1) في تفسير آية الحرابة :
ويحتمل أنْ يريد الذين يحاربون أولياء الله . ويدلّ على ذلك أنّهم لو حاربوا رسول الله لكانوا مُرتدّين بإظهار محاربة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) .
ثمّ يُورد الجصاص حديث رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : أنّ النبي (صلّى الله عليه وآله) قال لعليّ وفاطمة والحسن والحُسين (عليهم السّلام) : (( أنا حربٌ لمَن حاربتم ، سلمٌ لمَن سالمتم )) . ويُعقّب على الحديث بقوله : فاستحقّ مَن حاربهم اسم المحارب لله ولرسوله ، وإنْ لمْ يكن مُشركاً .
ج ـ التأويل :
تناول علماء أصول الفقه التأويل بالدرس ، وحدّدوا معناه وشروطه كالتالي(2) : التأويل هو إخراج اللفظ عن ظاهر معناه إلى معنى آخر يحتمله ، وليس هو الظاهر فيه .
وأمّا شروط التأويل ، فهي :
1 ـ أنْ يكون اللفظ مُحتملاً للمعنى الذي ، يؤوّل إليه .
2 ـ أنْ يكون ثمّة مُوجب للتأويل :
أ ـ بأنْ يكون ظاهر النصّ مخالفاً لقاعدة مقرّرة معلومة من الدين بالضرورة .
ب ـ أنْ يكون ظاهر النصّ مخالفاً لنصّ أقوى منه سنداً .
ج ـ أنْ يكون النصّ مُخالفاً لمَا هو أقوى منه دلالة .
ـــــــــــــــ
(1) أبو بكر الجصاص ، أحكام القرآن 4 / 51 ـ بيروت ـ  دار إحياء التراث العربي .
(2) أبو زهرة ، المرجع السابق / 126 .
________________________________________
الصفحة (129)
3 ـ ألاّ يكون التأويل من غير سند ، بل لا بدّ أنْ يكون له سند مستمدّ من الموجبات له .
والتأويل على ذلك نوعان : 
 تأويل صحيح : إذا كان مُستوفياً للشروط السابقة .
 تأويل فاسد : إذا لمْ يكن ثمّة مُوجب له ، أو كان له مُوجب ولكن لمْ ينهج فيه منهاج التأويل الشرعي ، أو كان التأويل مُناقضاً للحقائق الشرعيّة ، ومُخالفاً للنصوص القطعيّة .
د ـ النتيجة :
ونحن إنْ عرضنا تأوّل معاوية بقوله : إنّما قتله مَن جاؤوا به . على شروط التأويل , لمْ نجد شرطاً واحداً يُجيزه , ولم نجد بين آراء أكثر الذابين عن معاوية إلاّ مُعترفاً بفساد تأويله ، أو عامداً للإبهام في المسألة ، أو مُتعمّداً للصمت . فابن كثير لمْ يستطع أنْ يجد لمعاوية مبرّراً لتأوّله ، فيعلّق عليه ـ باقتضاب ـ بقوله(1) : وهذا التأويل الذي سلكه معاوية ( رضي الله عنه ) بعيد .
وأمّا ابن حجر الهيتمي ـ الذي صنّف كتابه كلّه في الدفاع عن معاوية ـ فيقول(2) : وأخرج معاوية لفظ الحديث عن حقيقته إلى مجازه ، لمّا قام عنده من القرائن المقتضية لذلك ، فهو تأويل يُمكن على المجتهد أنْ يقول به لمَا قام
ـــــــــــــــ
(1) البداية والنهاية ، المرجع السابق 7 / 11 .
(2) تطهير الجنان واللسان ، المرجع السابق / 50 .
________________________________________
الصفحة (130)
عنده من القرائن الصارفة له عن حقيقته إلى مجازه . وإنْ كان الحقّ أنّ الحديث ظاهر ، بل صريح في أنّ قاتله إنّما هو مَن باشر قتله ، وأقرب من تأوّل معاوية هذا تأويل عمرو بن العاص ، فإنّه جاء في رواية : (( أنّ قاتل عمّار في النار )) . فالفئة الباغية محمولة على مباشر قتله والمُعين عليه .
وأنت ترى أنّ ابن حجر ، وإنْ كان لمْ يستطع أنْ يقرّ معاوية على تأويله ، إلاّ أنّه حاول تسويق تأويل عمرو بحصر الفئة الباغية كلّها في فرد واحد هو المباشر بالفعل للقتل ، وكأنّ لا علاقة لمعاوية ولا لعمرو بقتل عمّار ، وكأنّ قاتل عمّار ليس جنديّاً في جيش معاوية وعمرو ، وكأنّه ليس مأموراً من قبلهما بقتال عليّ (ع) وجيشه . ثمّ إذا أخذنا الرواية التي أوردها الهيتمي : (( أنّ قاتل عمّار في النار )) . فهل نفت تلك الرواية حديث : (( تقتلك الفئة الباغية )) . وماذا فعلا بقاتل عمّار ؟ هل عاقباه وقد علما أنّه من أصحاب النّار ... أم كافآه ؟! ولقد مرّ بك محاجّة شبث بن ربعي سفير عليّ (ع) لمعاوية ، وقوله : أيسرّك يا معاوية ، أنّك أمكنت من عمّار ، تقتله ؟ فيردّ معاوية : والله ، لو أمكنت من ابن سميّة ، ما قتلته بعثمان ، ولكن كنت قاتله بناتل مولى عثمان .
وأمّا ابن تيميّة الحنبلي ، فإنّ مَن يتمعّن مناقشته لحديث : (( تقتلك الفئة الباغية )) . يقف على مثل واضح آخر كالهيتمي لذوي الخطورة الشديدة على هذا الدين من داخله ، في ليّ عنق الحقيقة والتكلّف الشديد والتهافت الأشد ، وهم يظنّون أنّهم يحسنون صنعاً .
فابن تيميّة(1) يُثبت أوّلاً صحّة الحديث بقوله : قد ثبت في الصحيح أنّ النبي (صلّى الله عليه وآله) قال لعمّار (رضي الله عنه) : (( تقتلك الفئة الباغية )) . ثمّ يُعلّق عليه بقوله : ومنهم مَن تأوّله على أنّ الباغي الطالب ، وهو تأويل ضعيف .
ـــــــــــــــ
(1) منهاج السنّة ، مرجع سابق 2 / 204 .
________________________________________
الصفحة (131)
وطالما أنّ ابن تيميّة ضعّف هذا الرأي ، فقد كان الأولى به أنْ يستمرّ في مناقشته لصلب المسألة ، إلاّ أنّك تراه ينحي منحى آخر في المناقشة ، فيذكر رأياً خطيراً على أنّه اتّفاق أهل السنّة ، فيقول : فإنّ البغي إذا كان بتأوّل كان صاحبه مجتهداً ، ولهذا اتّفق أهل السنّة على أنّه لا تُفسّق واحدة من الطائفتين ، وإنْ قالوا في إحداهما أنّهم كانوا بُغاة ، لأنّهم كانوا متأوّلين مجتهدين ، والمجتهد المُخطئ لا يُكفّر ولا يُفسّق ، وإنْ تعمّد البغي فهو ذنب من الذنوب ، والذنوب يُرفع عقابها بأسباب متعدّدة كالتوبة والحسنات الماحية .
فأنت ترى أنّه أقرّ بصحّة الحديث ، ثمّ حكم بالضعف على تأويل من تأوّله ، ومع ذلك يضفي صفة الاجتهاد على الباغي المتأوّل مطلقاً ، دون أنْ يُبيّن أنّ ذلك مشروط بأنْ يكون التأويل سائغاً . والأخطر من كلّ هذا أنْ يقول : إنّ الباغي المتعمّد البغي لا يُفسّق . ومعنى ذلك أنّ قتلة عمّار قد قتلوه وهُم متعمّدون القتل ، رغم علمهم بنصّ حديث رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، ومع هذا لا يُفسّقون , فهل رأيت أبعد من ذلك ؟
يقول الله تعالى : ( وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً )(1) . ولهذا قال ابن عبّاس(2) : (( لا توبة لقاتل مؤمن عمداً )) . لأنّها آخر ما نزل ولمْ ينسخها شيء .
ورسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، يقول ـ رواه ابن ماجة ـ : (( لزوالُ الدنيا أهونُ على الله من قتلِ مؤمنِ بغيرَِ حقّ )) .
ـــــــــــــــ
(1) سورة النساء / 93 .
(2) فقه السنة ، مرجع سابق / 509 .
________________________________________
الصفحة (132)
ويقول (صلّى الله عليه وآله) ـ أيضاً رواه الترمذي ـ : (( لو أنّ أهلَ السماء وأهلَ الأرض اشتركوا في دم مؤمن ، لأكبّهم الله في النار )) .
ثمّ هلاّ رأيت مَن يُذكّر بأمر الله ، لعلّه يفيق إنْ كان غافياً ، فإذا به يعرض عن الذكر ويضع أصابعه في أُذنيه ، ويطلب ممّن ذكّره بالله أنْ يكفّ ويصفه بالجنون ، فكذلك فعل معاوية . يذكر ابن حجر الهيتمي(1) : وبسند رجاله الثقات ، أنّ رجلين اختصما في قتل عمّار عند معاوية لأجل سلبه ، وعبد الله بن عمرو (رضي الله عنه) حاضر ، فقال عبد الله لهما : سمعت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، يقول : (( تقتله الفئة الباغية )) . فأنكر كلّ منهما أنّه قتله . فقال له معاوية : فما بالك معنا ؟ فقال : إنّ أبي عمرو بن عاص شكاني إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، فقال : (( أطعْ أباك مادام حيّاً ولا تعصه ، فأنا معكم ولستُ أقاتل )) . 
وفي رواية سندها صحيح ، أنّ معاوية قال لعمرو : ألاَ تكفّ عنّا مجنونك ، فما له معنا ؟ فقال عبد الله ما ذُكر .
وأمّا ابن العربي المالكي ، فيذكر(2) حديث : (( تقتلك الفئة الباغية )) . عرضاً ضمن أحاديث اُخر ، ولمْ يُناقشه البتّة ، بل علّق عليه بقوله : فهذه كلّها اُمور جرت على رسم النزاع ، ولمْ تخرج عن طريق من طُرق الفقه ، ولا تعدّت سبيل الاجتهاد الذي يؤجر فيه المُصيب عشرة ، والمُخطئ أجراً واحداً .
وواضح من كلام ابن العربي أنّ الحديث أوضح من أنْ يُجادل فيه ، ولو وُجد ما يُنافح به عن معاوية لمَا صمت ، ولمَا لجأ إلى عموميّات لا تُغني من
ـــــــــــــــ
(1) تطهير الجنان ، مرجع السابق / 43 .
(2) العواصم من القواصم ، مرجع سابق / 173 .
________________________________________
الصفحة (133)
الحقّ شيئاً ، وإنْ كان قد لجأ إلى أسلوب التهوين ، وردّ المسألة إلى مجرّد الاجتهاد البريء ، ولمْ ينسَ أنْ يؤجر المُخطئ مرّة .
وأمّا ابن حزم الظاهري فإنّه يرى أنّ معاوية ومَن معه مجتهدون مُخطئون ، رغم أنّه يقرّر صراحة : أنّ الباغي العامد مُحارب ـ على العكس من كلام ابن تيميّة ـ ، فيقول(1) : المجتهد المُخطئ إذا قاتل على ما يرى أنّه الحقّ ، قاصداً إلى الله تعالى بنيّته ، غير عالم بأنّه مُخطئ ، فهو فئة باغية ، وإنْ كان مأجوراً ولا حدّ عليه إذا ترك القتال ، ولا قود ، وأمّا إذا قاتل وهو يدري أنّه مُخطئ ، فهذا مُحارب تلزمه حدود المحاربة والقود ، وهذا يُفسّق ويُخرج ، لا المجتهد المُخطئ . فهذا معنى قولنا دون تكلّف تأويل ، ولا زوال عن موجب ظاهر الآية .
فهل لمْ يدرِ معاوية بالحديث ؟ أمْ لمْ يذكّره به أحد ؟ أمْ لمْ يستبن معناه ؟ أمْ لمْ يتكلّف التأويل ؟ أرأيتم إلى عمر بن الخطاب يحدّ الصحابي البدري قدامة بن مظعون ، أنّه شرب الخمر متأوّلاً قول الله تعالى : ( لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ) (2) .
فيُقيم عمر عليه الحدّ ، ولكن يزيده أسواطاً عن الحدّ لسوء التأويل(3) .
ـــــــــــــــ
(1) ابن حزم ، الفصل في الملل والأهواء والنحل 4 / 242 ـ بيروت ـ  دار الجيل / 1985 .
(2) سورة المائدة / 93 .
(3) أبو زهرة ، أصول الفقه ، المرجع السابق / 113 .
________________________________________
الصفحة (134)
مسألة غريبة 
فلقد أقام معاوية دعوته كلّها على أساس أنّه وليّ دم عثمان ، وقد قال الله تعالى : ( وَمَن قُتِلَ مُظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيّهِ سُلْطَاناً فَلا يُسْرِف فِي الْقَتْلِ إِنّهُ كَانَ مَنصُوراً )(1) .
والشيء الغريب حقّاً أنّ تُورد كتب التاريخ هذا الأمر وكأنّه مقرّر(2) دون أدنى مناقشة له . فمَن الذي عيّن معاوية خاصّة وليّاً لدم عثمان دون بنيه وورثته وأبناء عمومته الأقربين ، كما ترى في شجرة نسبه ؟
وإذا رجعنا للفقهاء(3) ، لوجدنا إجماع الأئمّة على أنّ أولياء الدم هُم الورثة الشرعيّون للقتيل , ولمْ يكن معاوية وارثاً لعثمان ، فقد كان له أبناء ذكور بالغون عند مقتله .
ثمّ إنّه يشترط في القصاص إجماع المستحقّين من الورثة ، فإن اختلفوا في القصاص ، فطلب بعضهم القصاص وعفا البعض الآخر عن الجاني ، فإنّه يسقط القصاص ، وتجب الدية في مال القاتل وتُقسّم على الورثة .
ـــــــــــــــ
(1) سورة الإسراء / 33 .
(2) الطبري ، المرجع السابق 4 / 68 .
(3) عبد الرحمن الجزيري ، الفقه على المذاهب الأربعة 5 / 266 ـ بيروت ـ  دار الفكر / 1392 هـ .
________________________________________
الصفحة (135)
ويقول المالكيّة : يسقط القصاص إنْ عفا رجل من المستحقّين .
ويقول الأئمّة الثلاثة : كلّ وارث يُعتبر قوله في إسقاط القصاص ، وإسقاط حقّه من الدية .
أورد الشوكاني(1) حديث عائشة الذي رواه أبو داود والنسائي ، واستدلّ به على أنّ الدم حقّ لجميع الورثة من الرجال والنساء ، فإنْ وقع العفو فالدية كالتركة .
 عن عائشة أنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، قال : (( وعلى المُقتتلين أنْ ينحجزوا ، الأوّل فالأوّل ، وإنْ كانت امرأة )) . وأراد بـ (( المقتتلين ))  : أولياء المقتول الطالبين القود . (( وينحجزوا )) ، أي : ينكفّوا عن القود بعفو أحدهم ، ولو كانت امرأة . وقوله : (( الأوّل فالأوّل )) ، أي : الأقرب فالأقرب .
ولمْ يحدّثنا التاريخ أبداً عن اجتماع لجميع ورثة عثمان ليقرّروا قصاصاً أو عفواً ، كما لمْ يحدّثنا أبداً عن وكالة شرعيّة من الوارثين لمعاوية ليكون وكيلهم في طلب الدم .
ثمّ لنفترض جدلاً ـ وهو ليس بحقّ ـ أنّ طلب الدم حقّ للعصبة وليس للورثة ، فإنّ القاعدة ستُطّبق ها هنا أيضاً ، وهي أنّ اختلاف العصبة في القود يُسقط القصاص ويستبقي الدية . ونحن نعلم أنّ مُحمّد بن أبي حذيفة ابن خال معاوية وحفيد ربيعة ، أخي اُمّية الأكبر ، كان في فئة عليّ بن أبي طالب (ع) .
فمُحمّد وعثمان إذاً كلاهما يُنتسب إلى جدّهما المشترك عبد شمس ، فمَن الذي أثبت حقّ معاوية من هذه العصبة وأسقط حقّ محمّد ؟ ولكن محمّد بن أبي حذيفة كان من المُنكرين على عثمان وتولّى مصر لعليّ (ع) حتّى قتله أتباع معاوية ، فهنا أيضاً شبهة تسقط القصاص .
ـــــــــــــــ
(1) الشوكاني ، نيل الأوطار 7 / 28 ـ القاهرة  ـ  دار الحديث .
________________________________________
الصفحة (136)
ـــــــــــــــ
أطلس تاريخ الإسلام ، المرجع السابق .
________________________________________
الصفحة (137)
النظام الاُموي 
أنساق الحياة الماديّة 
________________________________________
الصفحة (138)
لما كان الغرض من النظام بأكمله قد تحدّد ـ كما سلف بيانه ـ بالقبض على زمام السلطة ، والعمل على استمرار هذا القبض ، فلنا أنْ نتوقّع أشكال وسمات الأنساق الفرعيّة المشكّلة للهيكل العام للنظام بدرجة كبيرة من الصحّة ؛ إذ لمّا زال مفهوم الخلافة بمقتل عليّ (ع) وتأكّد عهد الملك المتوارث على يد معاوية ، تغيّرت بالتبعيّة أساليب الحياة بما يتوافق والنظام الجديد .
ولمْ يكن المسلمون يعرفون منذ نبيّهم (صلّى الله عليه وآله) معنى الملك ، ولمْ يكن أبغض عندهم من أيّ عمل يتّصل بسبب بمعنى الملك ، فكانوا يُطلقون أوصاف : الهرقليّة و الكسرويّة ، على أعمال الاستبداد والأثرة والاستعلاء والتجبّر والترف .
ذُكر(1) أنّ عمر بن الخطاب عندما قدم إلى الشام , رأى معاوية في أبّهة الملك وزيه من العديد والعدّة ، استنكر ذلك وقال : أكسرويّة يا معاوية ؟! (2) 
ـــــــــــــــ
(1) ابن خلدون ، المقدّمة ، المرجع السابق 1 / 169 .
(2) تأوّل معاوية أيضاً في إجابته على استنكار عمر ، بقوله : إنّه يُباهي العدوّ بهذه الزينة وتلك الأبهة ؛ لأنّ بين أظهر المسلمين جواسيس العدوّ . ومن العجيب أمر الذين يُسوّغون مثل هذه التأويلات لمعاوية ، أنّهم أنفسهم الذين يروون عن عمر قصص الشظف في العيش والتحرّج الشديد في الإنفاق ، وأنّهم جعلوا هذه السيرة مُدعاةً لإعجاب العدوّ قبل الصديق ، مثل القصّة الشهيرة لمجيء رسول العجم ، فوجد عمر نائماً تحت الشجرة , فلو كانت حجّة معاوية سائغة أولى بها رأس الدولة ، وهو يستقبل رُسل الجبابرة . ولكن الأغرب من ذلك ، هو قبول عمر لحجّة معاوية وتثبيته على الشام ! وهذا وذاك من عوامل بذر الازدواجيّة في شخصية المسلم .
________________________________________
الصفحة (139)
ولمْ يكن الفرق بين الخلافة والملك خافياً على المسلمين . قال عمر ذات يوم لسلمان(1) : أملك أنا أم خليفة ؟ قال له سلمان : إن أنت جبيت من أرض المسلمين درهماً أو أقلّ أو أكثر ، ووضعته في غير حقّه ، فأنت ملك غير خليفة .
ويفرّق ابن خلدون بين الخلافة والملك ، بقوله(2) : وكذا الملك لمَا ذمّه الشارع ، لمْ يذمّ منه الغلب بالحقّ وقهر الكافة على الدين ومُراعاة المصالح ، وإنّما ذمّه لمَا فيه من التغلّب بالباطل وتصريف الآدميين طوع الأغراض والشهوات .
ولمّا أراد معاوية أنْ يجعل الملك في ولده ، كتب إلى مروان بن الحكم عامله على المدينة ، أنْ يأخذ البيعة ليزيد , فخطب مروان فقال(3) : إنّ أمير المؤمنين رأى أنْ يستخلف عليكم ولده يزيد سنّة أبي بكر وعمر . فقام عبد الرحمن بن أبي بكر ، فقال : بل سنّة كسرى وقيصر .
وهكذا فإنّ العهد الذي استهلّه معاوية لمْ يكن عهد خلافة كما وعاه المسلمون ، وإنّما عهد مُلك كما لمْ يُعانوه ، فما هي سمة هذا الملك ؟
مؤشرات النظام الاستبدادي 
هناك في الواقع عدّة مؤشرات يُمكن التعويل عليها في كشف طبيعة
ـــــــــــــــ
(1) ابن الأثير ، الكامل ، مرجع سابق 2 / 455 .
(2) المقدّمة ، مرجع سابق 1 / 169 .
(3) السيوطي ، تاريخ الخلفاء ، مرجع سابق / 196 .
________________________________________
الصفحة (140)
أيّ نظام ، وهي ما سنعتمد عليها في بحث طبيعة النظام الاُموي حال سيطرته على السلطة , وهذه المؤشرات هي :
أ ـ كيفيّة انتقال السلطة .
ب ـ الرقابة على السلطة والموقف من المعارضة .
ج ـ سياسة المال .
ولنبحث كلّ مؤشر على حدة بشيء من التفصيل .
أ ـ كيفيّة انتقال السلطة :
يرى جمهور فقهاء السنّة أنّ الإمامة عِقد مستكمل الشروط بين طرفين هما الاُمّة والإمام ، وأنّ صحة هذا العِقد تتعلّق بصحة شروطه ، وهي : البيعة والعدالة والشورى .
يقول الماوردي(1) : الإمامة عِقد .
ويقول البغدادي(2) ، قال الجمهور الأعظم من أصحابنا أهل السنّة ، ومن المعتزلة والخوارج والنجاريّة : أنّ طريق ثبوتها الاختيار من الاُمّة .
فهل حققّت ولاية معاوية الشروط التي تواضع عليها فقهاء أهل السنّة ؟
فقد أجمع أهل السنّة على صحة ولاية عليّ بن أبي طالب (ع) ، وأنّه الإمام الحقّ ، وأنّ كلّ خارج عليه باغٍ , وقد خرج عليه معاوية بدعوى القود لعثمان ، فكاد له كيداً مكشوفاً ، ثمّ حاربه حرباً سافرةً حتّى كانت واقعة التحكيم ، فقُتل عليّ (ع) ثمّ إلجاء الحسن (ع) إلى التسليم .
ـــــــــــــــ
(1) الأحكام السلطانيّة ، مرجع سابق / 10 .
(2) البغدادي ، أصول الدين ، مرجع سابق / 279 .
________________________________________
الصفحة (141)
وقد مثّلت واقعة التحكيم بخاصّة فصلاً حاسماً في الصراع ، لمَا أسفرت عن زيادة أسهم معاوية وتدعيم موقفه ، بما تغيّرت معه المسألة تغيّراً كيفيّاً بدخول عنصر مستجدّ ، وهو مبايعة أهل الشام لمعاوية بالخلافة ، ذلك الذي لمْ يكن مطورحاً من قبل في الظاهر على الأقلّ , بينما اضطرب معسكر عليّ (ع) عليه ، وأصابت الشروخ جبهته ، إنّ بفعل انشقاق الخوارج أو الاختراق الداخلي لجماعته باستمالة معاوية لرؤوس جند عليّ (ع) أو بالحرب المعنويّة المُخذلة والمُوهنة لعزم الرجال حول عليّ (ع) .
وإنّا نظنّ أنّ أيّ باحث عن الحقيقة سيكتشف أنّه لأوّل مرّة تُكتب شهادة وفاة قبل حدوثها ! فذلك ما حدث في حكومة دومة الجندل ، إذ فيها كُتبت شهادة وفاة الخلافة عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وبالتالي النظام الإسلامي ، ثمّ تحقّقت بالفعل بمقتل إمام الحقّ عليّ بن أبي طالب (ع) .
ولنقرأ معاً تفاصيل خدعة التحكيم ، والحيل التي تخللتها هروباً من مأزق الاستمرار في مواجهة عليّ (ع) وجيشه في حرب صفّين عام ( 37 هـ ) ، وذلك فيما رواه أبو الحسن الأشعري(1) ، وذكره فيما رآه من أسباب اختلاف المسلمين حتّى اليوم : ... فقال معاوية لعمرو بن العاص : يا عمرو ، ألمْ تزعم أنّك لمْ تقع في أمر فضيع فأردت الخروج منه إلاّ خرجت ؟ قال : بلى . قال : فما المخرج ممّا نزل ؟ قال له عمرو بن العاص : فلي عليك ألاّ تخرج مصر من يدي ما بقيت ؟ قال : لك ذلك ، ولك به عهد الله وميثاقه ، قال : فأمر بالمصاحف فتُرفع ، ثمّ يقول أهل 
ـــــــــــــــ
(1) أبو الحسن الأشعري ، مقالات الإسلاميّين واختلاف المصلّين / 62 ـ القاهرة  ـ مكتبة النهضة المصريّة / 1969 .
________________________________________
الصفحة (142)
الشام لأهل العراق : يا أهل العراق ، كتاب الله بيننا وبينكم ، البقيّة البقيّة ! فإنّه إنْ أجابك إلى ما تُريده خالفه أصحابه ، وإنْ خالفك خالفه أصحابه . وكان عمرو بن العاص في رأيه الذي أشار به كأنّه ينظر إلى الغيب من وراء حجاب رقيق ، فأمر معاوية أصحابه برفع المصاحف وبما أشار به عليه عمرو بن العاص ، ففعلوا ذلك ، فاضطرب أهل العراق على عليّ (ع) وأبوا عليه إلاّ التحكيم ، وأنْ يبعث عليّ (ع) حَكَماً ويبعث معاوية حَكَماً ، فأجابهم عليّ (ع) إلى ذلك بعد امتناع أهل العراق عليه ألاّ يُجيبهم إليه ، فلمّا أجاب عليّ (ع) إلى ذلك ، بعث معاوية وأهل الشام عمرو بن العاص حَكَماً ، وبعث عليّ (ع) وأهل العراق أبا موسى حَكَماً .
ولمْ تكن تلك الحيلة لتخفي أبعادها على عليّ (ع) ، فهو كما قال عن نفسه : (( لست بالخَب ولا الخَبُ يخدعني )) . ولكنّها كانت قد أحدثت أثرها ـ كما توقّع عمرو ـ في صفوف أصحابه ، فاضطر لقبولها اضطراراً . 
 يروي الطبري(1) أنّ عليّاً (ع) قال للناس يوم صفّين : (( لقد فعلتم فعلةً ضعضعت قوّة ، وأسقطت منّة ، وأوهنت وأورثت وهناً وذلّةً ، ولمّا كنتم الأعلين ، وخاف عدوّكم الاجتياح ، واستحر بهم القتل ووجدوا ألمَ الجراح ، رفعوا المصاحف ودعوكم إلى ما فيها ليفثؤوكم عنهم ، ويقطعوا الحرب فيما بينكم وبينهم ، ويتربّصوا بكم ريب المنون خديعةً ومكيدةً ، فأعطيتموهم ما سألوا ، وأبيتم إلاّ أنْ تُدهنوا وتجوزوا , وأيمَ الله ، ما أظنّكم بعدها توافقون رشداً ، ولا تصيبون باب حزم )) .
وهذا ما قد حدث ، فقد تظاهر عمرو بالاتّفاق مع أبي موسى على خلع عليّ (ع) 
ـــــــــــــــ
(1) تاريخ الطبري ، مرجع سابق 5 / 56 .
________________________________________
الصفحة (143)
ومعاوية(1) وترك الأمر شورى للمسلمين يختارون مَن أحبّوا , فلمّا حان موعد إعلان نتيجة الحكومة , قدّم عمرو أبا موسى أوّلاً ـ رغم تحذير عبد الله بن عبّاس لأبي موسى ألاّ يفعل بقوله(2) : إنّ عمراً رجل غادر ، ولا آمن أنْ يكون قد أعطاك الرضا بينك وبينه ، فإذا قُمت في الناس خالفك ـ فأعلن أبو موسى ما استقرّا عليه , ثمّ إذا بعمرو يقوم قائلاً : إنّ هذا قد قال ما سمعتم وخلع صاحبه ، وأنا أخلع صاحبه كما خلعه ، وأثبّت صاحبي معاوية . فقال أبو موسى : مالك لا وفّقك الله ، غدرت وفجرت , إنّما مثلك كمثل الكلب إنْ تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث . فقال عمرو : إنّما مثلك كمثل الحمار يحمل أسفاراً . 
فكان أبو موسى يقول(3) : حذّرني ابن عبّاس غدرة الفاسق ، ولكنّي اطمأننت إليه ، وظننت أنّه لن يُؤثر شيئاً على نصيحة الاُمّة .
وهكذا كان البغي على الإمام الحقّ ، وسفك دماء الاُمّة ، ورشوة معاوية لعمرو بإطعامه مصر ما بقي حيّاً ، وخدعة عمرو لأصحاب عليّ (ع) طريقهم للوثوب على الحكم . فأين هذا إذاً من شروط الإمامة الشرعيّة ؟
على أنْ معاوية ذاته لا ينكر هدفه من القتال ، ولا وسيلته لتحقيق غايته ، فيقول ـ فيما يروي ابن كثير(4) ـ في خطبة الجمعة بالنخيلة خارج الكوفة :
ـــــــــــــــ
(1) من عجيب أمر هذه الحكومة ، أنّ الحَكَمين أصدرا حُكماً على غير موضوع ، فقد كانت دعوى معاوية الطلب بالقود من قتلة عثمان ، بزعم أنّه ولّي دمه . وكان ردّ عليّ (ع) : أنّ على معاوية أنْ يدخل في الجماعة ولا يسفك دماء المسلمين هملاً ، ثمّ يُقيم دعواه لدى وليّ الأمر الشرعي . فما بال الحكومة تخلع عليّاً (ع) ومعاوية ؟ وهل كان معاوية مثبتاً أصلاً حتّى يُخلع ؟
(2) المرجع السابق 5 / 70 .
(3) المرجع السابق / 71 .
(4) البداية والنهاية ، مرجع سابق 8 / 134 .
________________________________________
الصفحة (144)
ما قاتلتكم لتصوموا ، ولا لتُصلّوا ولا لتحجّوا ولا لتزكّوا ، قد عرفت أنّكم تفعلون ذلك ، ولكن إنّما قاتلتكم لأتأمّر عليكم ، فقد أعطاني الله ذلك وأنتم كارهون .
ثمّ يقول في خطبته في المدينة(1) : أمّا بعد ، فإنّي والله ما وليت أمركم حين وليته وأنا أعلم أنّكم لا تسرّون بولايتي ولا تحبّونها ، وإنّي لعالم بما في نفوسكم من ذلك ، ولكنّي خالستكم بسيفي هذا مخالسةً .
إذاً حاز معاوية السلطة مغالبةً وقهراً بحدّ السيف ، فإذا أُضيف إلى ذلك استخدام كلّ الوسائل الغير مشروعة ـ كما فصّلنا من قبل ـ من رشوة وخداع وتضليل وتحريف للكلم عن مواضعه ، لمْ يتبقَّ شرط واحد تتوفّر فيه المطابقة والشروط التي وضعها فقهاء السنّة لصحّة الإمامة ، باعتبارها اختياراً من الاُمّة بعقد مكتمل الشروط ، من حيث المبايعة الحرّة من غير إكراه ، والعدالة الجامعة والشورى العامّة بين المسلمين .
ومن هُنا تجد حجم التناقض الهائل الماثل في تحليلات التاريخ السياسي الإسلامي ، والتي حفلت بها الصيغ التراثيّة ، وهي لا تعدو في تحليلها الأخير كونها صيغاً تلفيقيّة لا يُمكنها الصمود طويلاً أمام النقد ؛ لأنّها لا تحتوي على أيّ قدر من الإقناع لأيّ باحث عن الحقيقة , ولذلك كان أمراً متّسقاً أنْ تجد هذه التحليلات مصحوبةً دائماً بقدر هائل من الأخبار الموضوعة التي تعلو إلى درجة تقديس شخصيات هذا التاريخ ، وتحذّر من مجرد مناقشة أمورهم بموضوعيّة تحذيراً يصل إلى درجة التكفير .
ـــــــــــــــ
(1) المرجع السابق / 135 .
________________________________________
الصفحة (145)
فقد أجمع فقهاء السنّة على صحّة إمامة عليّ (ع) ، وكذلك أجمعوا على صحّة قتاله لمعاوية . يقول البغدادي (1) : أجمع أهل الحقّ على صحّة إمامة عليّ (ع) وقت انتصابه لها بعد قتل عثمان (رضي الله عنه) . ويقول : أجمع أصحابنا أهل السنّة على أنّ عليّاً (ع) كان مُصيباً في قتال أصحاب الجمل ، وفي قتال أصحاب معاوية بصفّين .
إلاّ أنّهم مع ذلك جعلوا معاوية ـ رغم خطئه ـ مجتهداً مأجوراً . يقول ابن حزم(2) : فبهذا قطعنا على صواب عليّ (ع) وصحّة إمامته ، وأنّه صاحب الحقّ وأنّه له أجرين أجر الاجتهاد وأجر الإصابة ، وقطعنا أنّ معاوية (رضي الله عنه) ومَن معه مُخطئون مأجورون أجراً واحداً .
وكذلك فعل ابن خلدون ، إلاّ أنّه زاد على ذلك بالتماس الأعذار لمعاوية في استيلائه على السلطة ، واستبداد بني اُمّية بها ـ طِبقاً لنظريته في الملك المؤسّس على العصبيّة ـ فيقول(3) : كلّ واحد نظر صاحبه باجتهاده في الحقّ ، فاقتتلوا عليه وإنْ كان المُصيب عليّاً (ع) ، فلمْ يكن معاوية قائماً فيها بقصد الباطل ، إنّما قصد الحقّ وأخطأ ، والكلّ كانوا في مقاصدهم على حقّ ، ثمّ اقتضت طبيعة الملك الانفراد بالمجد واستئثار الواحد به ، ولمْ يكن لمعاوية أنْ يدفع ذلك عن نفسه وقومه ، فهو أمر طبيعي ساقته العصبيّة بطبيعتها ، واستشعرته بنو اُمّية .
ـــــــــــــــ
(1) أصول الدين ، مرجع سابق / 286 .
(2) الفصل في الملل والأهواء والنحل ، مرجع سابق 4 / 242 .
(3) المقدّمة ، مرجع سابق / 171 .
________________________________________
الصفحة (146)
ولقد سبق لنا مناقشة أمر الاجتهاد المأجور ، ودللّنا على بطلان الرأي القائل باجتهاد معاوية لأسباب كثيرة عدّدناها . وكذلك سبق لنا بيان ـ كما هو معلوم من الدين بالضرورة ـ أنّ الإسلام نقيض الجاهليّة ، وأحد أسّسها العصبيّة القِبليّة . ولسنا نرى أدحض لكلام ابن خلدون من رأي أحد الفقهاء المحدّثين ، وهو الشيخ رشيد رضا(1) الذي نُورد رأيه بنصّه فيما يلي : 
لأنّ الإسلام قضى على هذه العصبيّة الجاهليّة ـ يعترف ابن خلدون كغيره بذلك ـ فلا يُمكن أنْ يجعلها علّة من علل شرعه القويم الذي مداره على جعل القوّة تابعة للحقّ ، خلافاً لسائر المبطلين من البشر الذين يجعلون القوّة فوق الحقّ ، فإمّا أنْ يكون تابعاً لها , وإمّا أنْ تقضي عليه قبل أنْ يقضي عليها .
وبهذا البيان الوجيز يُعلم سائر ما في كلام ابن خلدون ، من شوب الباطل بتحكيم قاعدته في تصحيح عمل معاوية حتّى في استخلاف يزيد ، وجعله مجتهداً مُخطئاً في قتال أمير المؤمنين عليّ (ع) ، ومُصيباً في استخلاف يزيد الذي أنكره عليه أكبر علماء الصحابة فنفّذه بالخداع والقوّة والرشوة ، فهو يزعم أنّ معاوية كان عالماً بقاعدته في أنّ الأمور العامّة لا تتم إلاّ بشوكة العصبيّة ، وبأنّ عصبيّة العرب كلّهم قد انحصرت في قوّة بني اُمّية ، وأنّ جعل الخلافة شورى في أهل الحلّ والعقد من أهل العلم والعدل والكفاية من وجهاء قريش غير بني اُمّية لمْ يعد مُمكناً ، وكلّ هذا باطل . 
وفي كلام ابن خلدون شواهد على بطلانه ، وليس من مقصدنا إطالة القول في بيان ذلك كلّه .
وحسبنا أنْ نقول : إنّ عصبيّة العرب لمْ تنحصر في بني اُمّية ، لا بقوّتهم الحربيّة ولا بثقة الاُمّة بعدلهم وكفاءتهم ، وإنّما افترضوا حياء عثمان وضعفه
ـــــــــــــــ
(1) الشيخ محمّد رشيد رضا ، الخلافة / 150 ـ القاهرة ـ الزهراء للإعلام العربي / 1988 م .
________________________________________
الصفحة (147)
فنزوا على مناصب الإمارة والحكم في الأمصار الإسلاميّة التي هي قوّة الدولة ومددها , واصطنعوا من محبّي الدنيا من سائر بطون قريش وغيرهم مَن يعلمون أنّهم يواتونهم ، وأكثر هؤلاء ممّن لمْ يعرفوا من الإسلام إلاّ بعض الظواهر ، وهم مع الحكّام أتباع كلّ ناعق ، فتوسّلوا بهم إلى سن سنّة الجاهليّة والقضاء على خلافة النبوّة الشرعيّة .
ولو شاء معاوية أنْ يجعلها شورى كما نصح له بعض كبراء الصحابة (رضي الله عنهم) ، ويجعل قومه وغيرهم مؤيّدين لمَن ينتخب انتخاباً شرعيّاً بالاختيار من أهل الشورى لفعل ، وما منعه إلاّ حبّ الدنيا وفتنة الملك ، ولكن عمر بن عبد العزيز لمْ يكن يستطيع ذلك بعد أنْ استفحلّ أمرهم ، وصاروا مُحيطين بمَن يتولّى الأمر منهم .
وفي كتاب الفتن من صحيح البخاري : أنّ أبا برزة الصحابي الجليل سُئل ـ وكان بالبصرة ـ عن التنازع على الخلافة بين مروان وابن الزبير والخوارج ، وهو أثر سنّة معاوية ، فقال : أحتسب عند الله أنّي أصبحت ساخطاً على أحياء قريش ، إنّكم يا معشر العرب ، كنتم على الحال الذي علمتم من الذلّة والقلّة والضلالة ، وإنّ الله أنقذكم بالإسلام وبمُحمّد (صلّى الله عليه وآله) حتّى بلغ بكم ما ترون ، وهذه الدنيا التي أفسدت بينكم ، إنّ ذاك الذي في الشام والله إنْ يُقاتل إلاّ على الدنيا ، وإنّ هؤلاء الذين بين أظهركم إنْ يُقاتلون إلاّ على الدنيا ، وإنّ ذاك الذي بمكّة والله ، إنْ يُقاتل إلاّ على الدنيا . انتهى .
ويكاد يتطابق الرأي السابق للشيخ رشيد رضا ، ورأي الشيخ أبو زهرة في هذا الأمر بقوله(1) :
ـــــــــــــــ
(1) الشيخ محمّد أبو زهرة ، تاريخ المذاهب الإسلاميّة  / 88 ـ القاهرة ـ  دار الفكر العربي .
________________________________________
الصفحة (148)
ولكن معاوية لمْ يُمهل إمام الهُدى عليّ (ع) حتّى ما ابتدأ ، بل حارب البيعة وانتقض على المسلمين ، واتّهم مبايعيه ، ووجد من مبايعيه من انتقض عليه ، وهكذا ابذعر الأمر واضطرب . ... وقد جاءت البيعة من كلّ البلاد ما عدا الشام . وكان على معاوية أنْ يخضع لمصلحة الإسلام ورأى الكثرة الكبرى ، ومكانة عليّ (ع) ، فقد كان إمام المسلمين في ذلك الوقت غير منازع ، أو كما يعبّر بلغة العصر : كان رجل الساعة . ولكن تحرّكت المطامع نحو الملك ، والعصبيّة العربيّة والإحن الجاهليّة ، ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله تعالى .
وعلى بالعكس من رأي ابن خلدون الذي وإنْ أقرّ بتحوّل الخلافة إلى الملك على يد معاوية ، إلاّ أنّه اعتبر مع ذلك أنّ معاني وروح الخلافة كانت لا تزال باقية ، على العكس من ذلك نرى واحداً من أكثر المفكّرين الإسلاميين تأثيراً في العصر الحديث ، وهو أبو الأعلى المودودي ، يرى(1) أنّ ما قام به معاوية يُعدّ تحوّلاً جذرياً ، إذ أنّه أحلّ أسلوب التنصيب بالقوّة كطريق للوصول إلى السلطة وأسلوب لممارستها ، محل البيعة الحرّة الشورية .
وهذا الرأي الذي أبداه المودودي ، هو عين ما توصّل إليه الباحثون المحدثون على اختلاف مناهج البحث السياسيّة والاجتماعيّة . يقول الدكتور الريس(2) :
أمّا بعد عصر الراشدين ، فالكلّ مجمع على أنّه حدث تطوّر أو تغيّر ، وإنْ كانوا يختلفون في المدى الذي ذهب إليه التغيير , فإنّ تولّي معاوية الخلافة لمْ يتمّ في الأصل بالمبايعة الحرّة أو الاختيار من جميع الاُمّة ، وإنّما الذي بايعه أهل
ـــــــــــــــ
(1) أبو الأعلى المودودي ، الخلافة والملك / 112 ـ الكويت ـ  دار القلم / 1978 م .
(2) النظريّات السياسيّة الإسلاميّة ، مرجع سابق / 186 .
________________________________________
الصفحة (149)
الشام الذين كانوا في ولايته ، ثمّ بايعه سائر الناس الذين بايعوه بعد عام الجماعة ، ولكن كان هذا في حقيقة الأمر اعترافاً بالواقع وحرصاً على حفظ وحدة الاُمّة . فهنا دخل عنصر القوّة والاضطرار بدل الاختيار التامّ أو الشورى ، فيُمكن القول : بأنّه هنا حدث التفارق بين المثال والواقع .
وتؤكّد إحدى الدراسات المعاصرة الاُخرى(1) : إنّ أهم ما ميّز أسلوب الوصول إلى السلطة في ظلّ هذا النموذج ـ الملك ـ هو الاعتماد على البطش والقوّة ، بل إنّ معاوية عمد بعد ذلك إلى جعل منصب القيادة وراثياً .
ومن ثمّ أصبحت قيادة الاُمّة شبه ملك خاصّ يتركه الحاكم لابنه ، كما يترك الوالد لولده مزرعةً أو تجارةً أو صناعةً . وبذلك يُنظر إلى معاوية على أنّه مؤسّس أوّل ملك عضوض في الإسلام ، حيث انقلبت الخلافة على يديه إلى ملك . وعلى الرغم من الإبقاء على تلقيب الحاكم بلقب الخليفة أو أمير المؤمنين ، إلاّ أنّ نظام الحكم أصبح يسوده نموذج الملك لا نموذج الخلافة .
وفي بحثه عن أسباب انهيار الحضارة الإسلاميّة ، يرى فقيه آخر(2) أن كلّ الأدواء الفكريّة والخلقيّة والاجتماعيّة مردّها إلى الفساد السياسي الذي صدّع بناء هذه الحضارة . يقول الشيخ : بدأ هذا بجذع الحكم ، وأصله الأوّل ، أعني : الخلافة ، فالمفروض عقلاً ونقلاً أنْ يختار المسلمون خليفتهم من بين أعظم الكفايات فيهم ، إلاّ أنّ سطوة العصبيّات وغلبة الشهوات هدمتا هذه القاعدة ، فإذا
ـــــــــــــــ
(1) د . نيفين عبد الخالق مصطفى ، المعارضة في الفكر السياسي الإسلامي / 195 ـ القاهرة ـ  مكتبة الملك فيصل / 1985 م .
(2) الشيخ محمّد الغزالي ، حقيقة القومية العربيّة / 257 ـ القاهرة ـ  مكتبة دار العروبة .
________________________________________
الصفحة (150)
الخلافة ميراث شخصي يتركه الوالد لولده ، لكن هذا الهزل هو الذي ساد بلاد الإسلام دهراً ، بعد أن طويت أعلام الخلافة الراشدة ، وقضى عليها معاوية بن أبي سفيان . إنّ توريث إمارة المؤمنين الذي ابتدعه معاوية مقلّداً المجوسيّة الفارسيّة ، والصليبيّة الرومانيّة كان بداية الشرر الذي تحوّل على مرّ الليالي حريقاً مستعرة دمّرت الأخضر واليابس في الحضارة الإسلاميّة المظلومة .
ونختتم بحث هذه الجزئيّة الخاصّة بآليّة انتقال السلطة ، كمؤشر على طبيعة النظام الاُموي بإيراد تحليل أحد كبار الدُعاة الأصوليّين في العصر الحديث ، وهو سيّد قطب الذي يقول(1) : فلمّا جاء الاُمويون ، وصارت الخلافة الإسلاميّة ملكاً عضوضاً في بني اُمّية ، لمْ يكن ذلك من وحي الإسلام ، إنّما كان من وحي الجاهليّة الذي أطفأ إشراقه الروح الإسلامي ...
وكان هذا الاتّجاه طعنة نافذة في قلب الإسلام ونظام الإسلام واتّجاه الإسلام ...
ومضى عثمان إلى رحمة ربّه ، وقد خلف الدولة الاُمويّة قائمة بالفعل بفضل ما مُكّن لها في الأرض ، وبخاصّة في الشام ، وبفضل ما مُكّن للمبادئ الاُمويّة المجافية لروح الإسلام ، من إقامة الملك الوراثي والاستئثار بالمغانم والأموال والمنافع ، ممّا أحدث خلخلةً في الروح الإسلامي العام ...
ولقد كان من جرّاء مباكرة الدين الناشيء بالتمكين منه للعصبة الاُمويّة على يدي الخليفة الثالث عثمان في كبرته ، أنّ تقاليده العمليّة لمْ تتأصّل على
ـــــــــــــــ
(1) سيّد قطب ، العدالة الاجتماعيّة في الإسلام / 207 وما بعدها ، ط 7 ـ القاهرة ـ دار الشروق / 1980 .
الصفحة (151)
أُسس من تعاليمه النظريّة لفترة أطول . وقد نشأ عن عهد عثمان الطويل في الخلافة أنْ تنمو السلطة الاُمويّة ويستفحل أمرها في الشام وفي غير الشام ...
فلمّا أنْ جاء عليّ (ع) لمْ يكن من اليسير أنْ يردّ الأمر إلى نصابه في هوادة . وقد علم المستنفعون على عهد عثمان ، وبخاصّة من اُميّة ، أنّ عليّاً (ع) لن يسكتَ عليهم ، فانحازوا بطبيعتهم وبمصالحهم إلى معاوية ...  
ولقد كان من الطبيعي ألاّ يرضى المستنفعون عن عليّ (ع) ، وألاّ يقنع بشرعة المساواة من اعتادوا التفضيل ، ومن مردوا على الاستئثار . فانحاز هؤلاء في النهاية إلى المعسكر الآخر : معسكر اُميّة ، حيث يجدون فيه تحقيقاً لأطماعهم ، على حساب العدل والحقّ اللذين يصرّ عليهما عليّ (ع) هذا الإصرار ...
والذين يرون في معاوية دهاءً وبراعة لا يرونهما في عليّ (ع) ، ويعزون إليها غلبة معاوية في النهاية ، إنّما يخطئون تقدير الظروف ، كما يُخطّئون فهم عليّ (ع) وواجبه . لقد كان واجب عليّ (ع) الأوّل والأخير أنْ يردّ للتقاليد الإسلاميّة قوّتها ، وأنْ يردّ إلى الدين روحه ، وأنْ جارى وسائل بني اُميّة في المعركة لبطلت مهمّته الحقيقيّة . ولمّا كان لظفره بالخلافة خالصة من قيمة في حياة هذا الدين . إنّ عليّاً (ع) إمّا أنْ يكون عليّاً (ع) أو فلتذهب الخلافة عنه ، بل فلتذهب حياته معها . وهذا هو الفهم الصحيح الذي لمْ يغب عنه (ع) وهو يقول ـ فيما يروى عنه إنْ صحّت الرواية ـ : (( والله ، ما معاوية بأدهى منّي ، ولكنّه يغدر ويفجر ؛ ولو لا كراهيّة الغدر لكنت من أدهى الناس )) . انتهى .
* * *
________________________________________
الصفحة (152)
ولعلّك ترى الآن فيما أوردنا من كلام السابقين اتّفاقهم على اختلافهم في الملامح الرئيسيّة للنظام الاُموي الذي أسّسه معاوية ، وهي : النظام مغاير كلّية للنظام الإسلامي . أو بتعبير المودودي : تحوّل جذري عنه . وليس كما زعم ابن خلدون : أنّ روح الخلافة كانت لا تزال باقية فيه .
الوصول للسلطة تمّ عبّر القهر والقوّة والجبروت , فلا اختيار ولا حرّية ولا شورى .
النظام الاُموي نظام جاهلي :
وهذه أخطر النتائج ، أنّها سيترتّب عليها عواقب على درجة عُظمى من الأهميّة في الفهم الكلّي لكافة ممارسات النظام , ومع خطورتها فقد أجمعوا عليها بالنصّ :
أ ـ يقول الشيخ رشيد رضا : فتوسّلوا بهم إلى سنّ سنّة الجاهليّة والقضاء على خلافة النبوّة الشرعيّة .
ب ـ ويقول الشيخ أبو زهرة : ولكن تحرّكت المطامع نحو الملك والعصبيّة العربيّة والإحن الجاهليّة .
ت ـ ويقول الشيخ الغزالي : طويت أعلام الخلافة الراشدة ، وقضى عليها معاوية بن أبي سفيان مقلّداً المجوسيّة الفارسيّة والصليبيّة الرومانيّة دمّرت الأخضر واليابس في الحضارة الإسلاميّة المظلومة .
ث ـ ويقول سيّد قطب : لمْ يكن ذلك من وحي الإسلام ، إنّما كان من وحي الجاهليّة الذي أطفأ إشراقه الروح الإسلامي ، وكان هذا الاتّجاه طعنة نافذة في قلب الإسلام ونظام الإسلام واتّجاه الإسلام .
* * *
________________________________________
الصفحة (153)
ب ـ الرقابة على السلطة ، والموقف من المعارضة :
ما ابتلي نظام قط بسبب مدمّر على مهل بمثل ما ابتلي باستبداد الرأي ؛ ذلك أنّه كالسوس ينخر في العظام حتّى تستحيل فتاتاً . وما أسوأ العاقبة على النظام ذاته ، فضلاً عن غيره . ومهما كان النظام متّسعاً كنظام الدولة أو مقتصراً على حياة فرد واحد فالعاقبة سواء , مثله في ذلك كمثل مَن يسدّ على نفسه نافذته لتيار الهواء الصحّي في غرفة محكمة ، فلا يكون تنفّسه إلاّ خصماً من نقاء هواء الغرفة ، فلا تجديد ولا تغيير حتّى تضيق عليه أنفاسه ، فيسقط في النهاية مختنقاً .
صدق ذلك في كلّ الأحوال ، وأينما كان المكان وفي جميع الأزمان ؛ ذلك أنّ العلاقة الأساسيّة للحياة هي علاقة تواصل وحوار بما يعنيه من أخذ وعطاء وتبادل وتشابك مع الأغيار ، فإذا انعدم الأغيار انقطع الحوار ، وبذا يسقط شرط استمرار علاقة الحياة .
ألمْ ترَ إلى الجسد الإنساني يشترط لاكتسابه المناعة وجود آليّة لتوليد أجسام مضادّة لمسبّبات الأمراض التي يحفل بها الجسد ذاته ، إضافة إلى البيئة المحيطة , فكذلك كلّ نظام ، ولا سيّما النظام السياسي الذي يكتسب حيويّته ، ويحافظ على بقائه إنْ توفّرت شروط مناعته بوجود الرأي الآخر الذي يُراجع قراراته ، فيمضي منها الصالح ويعيق السيء ، وينبّه إلى مواطن الزلل ، ويكشف عن مواقع الخلل ، ويستشف مظان الخطر ، ويُساند ويحشد في الملمّات ، ويقترح الحلول في المعضلات .
ولهذا كان أتعس نظام الذي يقف موقف العداء الجهول من الآراء الناقدة ، فيعمل على وأدها بدل الاسترشاد بها ، فيضرّ نفسه من حيث أراد نفعها .
________________________________________
الصفحة (154)
وقد حرص الإسلام أشدّ الحرص على تبيان أهميّة هذا الأمر ، حتّى إنّه لمْ يجعله حقّاً وإنّما فرضه واجباً ، فشدّد على وجوب النصح والتناهي عن المنكر والأمر بالمعروف ؛ ولمْ يستثنِ من هذا الوجوب أحداً من المسلمين ، وإلاّ عمّ البلاء الجميع الآثم منهم والمستكين . 
قال الله تعالى يصف عمل المؤمنين : ( وَتَوَاصَوْا بِالحقّ )(1) . وإخباراً عن نوح : ( وَأَنْصَحُ لَكُمْ )(2) . وعن هود : ( وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ )(3) . ووصفاً لجزيرة بني إسرائيل الكبرى : ( كَانُوا لاَ يَتَنَاهُوْنَ عَن مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ )(4) . وبياناً للمجتمع الإيماني : ( وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضَهُمْ أَولِياءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ )(5) .
وروى مسلم عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أنّه قال : (( الدينُ النصيحةُ )) . قلنا : لمَن ؟ قال (ص) : (( لله ولكتابهِ ولرسولهِ ، ولأئمّةِ المسلمينَ وعامِّتهم )) .
وفي حديث متّفق عليه ، عن جرير بن عبد الله ، أنّه قال : بايعت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) على إقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، والنصح لكلّ مسلم .
وروى الترمذي وأبو داوود ، عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، أنّه قال (ص) : (( أفضلُ الجهاد كلمةُ عدل عند سلطانٍ جائرٍ )) .
ـــــــــــــــ
(1) سورة العصر / 3 .
(2) سورة الأعراف / 62 .
(3) سورة الأعراف / 68 .
(4) سورة المائدة / 79 .
(5) سورة التوبة / 71 .
________________________________________
الصفحة (155)
ثمّ إنّ الإسلام أرسى قاعدة أساسيّة يقوم عليها بِناء الدولة كلّه ، وحياة المسلمين جميعاً ، وهي : الشورى .
وأنت إذا تمعّنت آيات الشورى ، واطّلعت على أسباب وظروف نزولها ، لانطلقت من فورك مهللاً لمَا تطّلع عليه ، إذ يقول الله تعالى : ( فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكّلْ عَلَى‏ اللّهِ إِنّ اللّهَ يُحِبّ الْمُتَوَكّلِينَ )(1) .
فقد نزلت هذه الآيات عقب كارثة هزيمة اُحد ، والتي كان أحد أسبابها خروج المسلمين لملاقاة العدوّ خارج المدينة ، وهو ما تمّ بعد المشاورة وتغلّب الرأي القائل بالخروج , وبالرغم من هذه النتيجة التي أسفرت عنها المشاورة ، فإنّ الله تعالى يحثّ نبيّه على الشورى ، أي : الاستمرار في المشاورة . 
فإذا علمت أنّ إمضاء الرأي القائل بالخروج قد تمّ ، وفيهم النبيّ (صلّى الله عليه وآله) الذي كان رأيه التحصّن بالمدينة ، لأدركت أمرين ,
أوّلهما : 
أنّ القيادة المعصومة بالنصّ هي وحدها صاحبة القرار الصائب الذي لا تجوز مخالفته ، لمَا يقع بمخالفته من شرور تخفى على الناس إنْ هم أعلموا رأيهم , يقول الله تعالى : ( الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاَتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلاَ يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلاَّ اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا )(2) . 
وثانيهما :
ففيما عدا ذلك فالشورى واجبة ، وإنْ أفضت إلى خطأ جزئي ، فذلك أدعى للصحّة الكلّية , وقد كان أمر الله تعالى لنبيّه (صلّى الله عليه وآله) بالشورى تدريباً للمسلمين على ممارستها وهو موجود بينهم ؛ لفهم المعاني وإدراك المقاصد ، وارتقاء بوعيهم الكلّي للوصول إلى القرار
ـــــــــــــــ
(1) سورة آل عمران / 159 .
(2) سورة الأحزاب / 36 .
________________________________________
الصفحة (156)
الصحيح فيما قد يعن لهم من مشكلات حتّى يكون كلّ على بيّنة من أمره ، ولذلك لمْ تمنع عصمته (صلّى الله عليه وآله) من ممارسته الشورى . وقد أثر عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : أنّه لم يكن أحد أكثر مشورةً لأصحابه من رسول الله (صلّى الله عليه وآله)(1) .
وبذلك تسقط كلّ حجج المستبدّين الطُغاة ، فالمشاورة ضرورة ، وحريّة إبداء الرأي واجبة على كافّة المستويات ، ومهما تكن النتائج .
ولكن لمّا أفل العصر الأمثل(2) وأغشى عهد الملك ، تكاثفت ظلم الليل حتّى صار بهيماً متثاقلاً طويلاً لا يلوح لصبحه انبلاج قريب ، وتبدّلت كلّ مظاهر الحياة كما عايشها النّاس في العصر الأمثل ، فاستحالت الشورى استبداداً والعدل ظلماً . وأضحت النصيحة جريرة ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إفساداً في الأرض وتفريقاً للجماعة ، ولمْ تزل تلك سمة كلّ نظام استبدادي .
ـــــــــــــــ
(1) السياسة الشرعيّة ، مرجع سابق / 135 .
(2) يرى طه حسين أنّ أحد أسباب انتثار أمر عليّ بن أبي طالب (ع) كثرة مشاورته لرعيّته ، على العكس من معاوية ، فيقول : كان عليّ (ع) يدبّر أمور أصحابه عن ملأ منهم ، لا يستبدّ من دونهم بشيء ، وإنّما يستشيرهم في الجليل والخطير من أمره ، وكان يرى لهم الرأي فيأبونه ويمتنعون عليه ويضطرونه إلى أنْ ينفّذ رأيهم ويحتفظ برأيه لنفسه . وكان ذلك يُغريهم به ويطمعهم فيه . 
ولمْ يكن معاوية يُعطي أصحابه بعض هذا الذي كان يُعطيهم عليّ (ع) ، لمْ يكن يستشيرهم ، وإنّما كان له المُشيرون من خاصّته الأدنين . فكان إذا أمر أطاعه أهل الشام دون أنْ يجمجموا فضلاً عن أنْ يُجادلوا ، ثمّ كان أمور عليّ (ع) كلّها تدبّر وتبرم على ملأ من الناس ، لا تخفى على أصحابه من أمره خافية مهما يكن من خطرها . كان عليّ (ع) يدبّر خلافة وكان معاوية يدبّر ملكاً ، وكان عصر الخلافة قد انقضى ، وكان عصر الملك قد أظلّ . طه حسين ، الأعمال الكاملة ، الخلفاء الراشدون ، عليّ وبنوه / 593 ، ط 1 ـ بيروت ـ دار الكتاب اللبناني / 1973 م .
________________________________________
الصفحة (157)
وقد يجد المبرّرون أسباباً ، وإنْ وهت ، يتعلّقون بها لتبرير أفعال السلاطين في قمعهم لمعارضيهم ، بمثل حجّة حصر الفتنة وحفظ استقرار المجتمع , وتلك هي الحجّة الدائمة لحكّام الاستبداد وسدنة حكمهم على مرّ التاريخ , وأمّا أنْ يُعاقب شخص على حبّ شخص في الله ، فهذا ما لا يقوى على تجويزه أشدّ المكابرين مماراة .
فكيف إذا بلغت العقوبة حدّ القتل ؟ وكيف إذا كان المعاقب فاضلاً خيّراً صحابيّاً جليلاً ؟ وكيف إذا كان المحبوب غير متواجد ، بل مضى إلى أمر ربّه ؟ وكيف إذا كان هذا الحبّ ذاته بعض الدين ؟
فهذا ما لمْ نسمع به في قصص البرابرة ، أو نقرأ عنه في تاريخ الوثنيّين ، فكيف يحدث ذلك في تاريخ الدولة الإسلاميّة ؟ وممّن ؟ من خليفة المسلمين !
تلك كانت فجيعة قتل حجر بن عدي على يد معاوية بن أبي سفيان . وحجر بن عدي كما يعرّف به ابن الأثير(1) : المعروف بحجر الخير ، وفد على النبيّ (صلّى الله عليه وآله) هو وأخوه هانئ ، وشهد القادسيّة ، وكان من فضلاء الصحابة .
وكلّ جريرة حجر أنّه كان يعترض على سبّ عليّ بن أبي طالب (ع) وأصحابه وآل البيت (عليهم السلام) على المنابر ، فاعتبر معاوية ذلك الاعتراض اجتراء على عمّاله ، وانتقاصاً من هيبة الحكم ، وإفساداً في الأرض يستحقّ معه حجر القتل ؛ ذلك أنّ معاوية ـ بعد استيلائه على السلطة ـ سنّ لنفسه ولعمّاله في الأقاليم سبّ عليّ (ع) وأصحابه وبنيه (عليهم السلام) على المنابر عقب الصلوات وفي خطب الجمعة .
ـــــــــــــــ
(1) أُسد الغابة ، مرجع سابق 1 / 461 .
________________________________________
الصفحة (158)
يروي الطبري(1) : أنّ معاوية كان إذا قنت لعن عليّاً (ع) وابن عبّاس والأشتر وحسناً وحُسيناً (عليهما السّلام) .
ولكن حجراً لمْ يكن يطيق سماع سبّ آل بيت رسول الله (صلوات الله عليهم أجمعين) ، بينما هو جالس للصلاة بالمسجد ، فكان يخرج عن صمته رادّاً على عمّال معاوية مقالتهم .
يروي الطبري(2) : أنّ المغيرة بن شعبة ـ وهو عامل معاوية على الكوفة ـ كان لا يدع ذمّ عليّ (ع) والوقوع فيه , فكان حجر إذا سمع ذلك ، يقول : بل إيّاكم فذمّ اللهُ ولَعن ، إنّ الله عزّ وجل يقول : ( كُونُوا قَوّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ للّهِ )(3) . وأنا أشهد أنّ مَن تذمّون وتعيّرون لأحقّ بالفضل ، وأنّ مَن تزكّون وتطرون أولى بالذمّ .
فلمّا مضى المغيرة وولّي زياد بن سمية ، كان يفعل فعل المغيرة سنّة معاوية ، وظلّ حجر كذلك على شهادته لله بفضل عليّ (ع) كلمّا سمع سبّه . إلاّ أنّ زياداً كشّر عن نابيه وتوعّد حجراً بقوله : سقط العشاء بك على سرحان (4) . وكتب زياد إلى معاوية في أمر حجر وكثّر عليه ، فأمره معاوية بشدّه في الحديد وإشخاصه إليه بدمشق , ففعل زياد ، فلمّا قدم حجر على معاوية قدّمه للقتل ، فضرب بالسيف صبراً .
فعل معاوية إذاً فعلته ، ولمْ ينسَ منهجه في إخراج أفعاله إخراجاً مشبّهاً ، فجاء بكتاب تشهد فيه بطانة زياد على خروج حجر عن الجماعة , كما لمْ ينسَ إدراج بعض الأسماء المعروفة بالصلاح زيفاً ، حتّى لا يقتصر كتاب الشهادة على مَن هم معروفون بالمُداهنة .
ـــــــــــــــ
(1) تاريخ الطبري ، مرجع سابق 5 / 71 .
(2) المرجع السابق / 254 .
(3) سورة النساء / 135 .
(4) مثل يضرب في طلب الحاجة ، يؤدّي بصاحبها إلى التلف . سرحان : الذئب .
________________________________________
الصفحة (159)
ومن هؤلاء المزيّفة أسماؤهم : شريح بن هانيء الذي بلغه ما حدث ، فكتب إلى معاوية كتاباً يبرأ فيه ممّا أُلصق به من شهادة ، فجاء كتابه دليلاً على زور شهادة المُداهنين لمعاوية وزياد على دينهم ، فضلاً عن إلزامه معاوية الحجّة أمام الله , قال شريح(1) : 
بسم الله الرحمن الرحيم 
 لعبد الله معاوية أمير المؤمنين من شريح بن هانيء . 
أمّا بعد ,
 فإنّه بلغني أنّ زياداً كتب إليك بشهادتي على حجر بن عدي ، وأنّ شهادتي على حجر أنّه ممّن يُقيم الصلاة ، ويُؤتى الزكاة ، ويديم الحجّ والعمرة ، ويأمر بالمعروف ، وينهى عن المنكر ، حرام الدم والمال ، فإنْ شئت فاقتله ، وإنْ شئت فدعه .
ولكنّ معاوية لمْ يعر كتاب شريح اهتماماً ، وأمضى في حجر أمره بالقتل ، متعلّلاً بكتاب شهادة شهود زياد ، حتّى إذا لامه اللائمون من بعد ، قال : إنّما قتله الذين شهدوا عليه(2) .
وهذه تذكّرنا على الفور بتأوّل معاوية التأول الفاسد لحديث رسول الله (صلّى الله عليه وآله) لعمّار : (( تقتلك الفئة الباغية )) . فيقول معاوية بعد قتله عمّاراً : إنّما قتله مَن دفعه للقتل .
وبالرغم من هول تلك الفجيعة التي قتل فيه معاوية حجراً وستّة من أصحابه ، فإنّنا لا نعجب منها ؛ ذلك أنّنا علمنا منهجه في الإفتئات على الدين بالتأوّل الدائم الفساد ، كما قد علمنا بعد شرهه للملك ، وأنّه ملك عضوض ، أي : يعضّ عليه بالنواجذ ، وأنّ طبيعة مثل هذا الملك ـ كما وصفه ابن خلدون ـ الاستئثار بالمجد .
ـــــــــــــــ
(1) تاريخ الطبري ، مرجع سابق / 272 .
(2) ابن كثير ، البداية والنهاية ، مرجع سابق 8 /55 .
________________________________________
الصفحة (160)
وإنّما العجب كلّ العجب أنْ يأتي المعذّرون من الفقهاء ، أمثال : ابن تيميّة وابن العربي ، ليبرّروا كلّ أفعال معاوية مهما كانت ، ظانّين أنّهم بذلك يدافعون عن الإسلام وتاريخه ، غير مميّزين بين الحقّ والرجال ، فيضرّوه من حيث أرادوا نفعه ، وهم يظنّون أنّهم يحسنون صنعاً .
ولنرَ معاً مدى تهافت ابن العربي ، ووهن حجّته في قضيّة حجر ؛ ذلك أنّه يعدّد حججه دفاعاً عن قتل معاوية حجراً كالتالي(1) :
الأصل أنّ قتل الإمام بالحقّ ، فمَن ادّعى أنّه بالظلم فعليه الدليل . لو كان ظلماً محضاً ، لمَا بقي بيت إلاّ لعن فيه معاوية .
هذه مدينة السلام بغداد ، مكتوب على أبواب مساجدها : خير الناس بعد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أبو بكر ، ثمّ عمر ، ثمّ عثمان ، ثمّ عليّ (ع) ، ثمّ معاوية خال المؤمنين (رضي الله عنهم) . 
فهل رأيت أبعد من ذلك تهافتاً ووهناً بل وازدراء بالعقول ؟!
فقد قرّر ابن العربي دون أدنى مناقشة للواقعة ، أنّ معاوية إمام الحقّ ، وأنّ كلّ ما يصدر عنه حقّ(2) حتّى وإنْ قتل صحابيّاً . وكلّ برهانه في ذلك أنّ أحداً لا يشتم معاوية ، كما أنّ اسمه منقوش على الأبواب .
لا ، لا يُمكن موافقة ابن العربي على مثل هذا الهزل الذي يُبيح للحاكم قتل النفوس الحرام بلا نُقاش , فذلك ما لمْ تقرّه أعراف الجاهليّة ، فكيف بنظام الإسلام العادل الذي يزعم المنافحة عنه .
ـــــــــــــــ
(1) العواصم من القواصم ، مرجع سابق / 139 .
(2) في الوقت الذي ينكر فيه فقهاء السنّة القول بعصمة الأئمة من آل البيت (عليهم السلام) ، تراهم يطبقون هذا المعتقد عملياً كما في حالتنا هذه ، ولكن على الحكّام ـ فقط الحكام ـ ممّن كان قد عاصر الرسول (ص) . وهذا مصدر آخر ، إضافة إلى ما سبق ذكره من مصادر الازدواجيّة .
________________________________________
الصفحة (161)
ثمّ نعم ، نحن ها هنا نسوق الدليل على سقوط دفاع ابن العربي ومَن سار على نهجه ، واستنّ بسنّته ونُقيم الحجّة على معاوية ، ونحتكم في الحكم على فعلته ، على المبدأ الذي أرساه ربّ العالمين : ( مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنّمَا قَتَلَ الناس جَمِيعاً )(1) .
فقد أجمعت النصوص على أنّ حبّ عليّ (ع) من حبّ الله تعالى ورسوله (صلّى الله عليه وآله) , فهل أظلم ممّن أضمر غير الحبّ لمَن أحبّه الله ورسوله ؟ وما بالك بمَن أظهره ؟
يروي البخاري في باب غزوة خيبر : أنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قال في علي (ع) : (( لأُعطينّ الراية غداً رجلاً يفتح الله على يديه ، يحبّ الله ورسوله ، ويحبّه الله ورسوله )) .
وفضل عليّ (ع) وسابقته أشهر من أنْ يُذكّر بها ، ويكفي أنْ تُذكر من منزلته قول رسول الله (صلّى الله عليه وآله) له ، فيما رواه البخاري في باب مناقب علي (ع) : (( أمَا ترضى أنْ تكون منّي بمنزلة هارون من موسى ؟ )) .
ثمّ هل هناك من مقام أعظم من أنْ يشرّف امرؤ بالتوحّد مع رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ؟ فكذلك كان عليّ (ع) الذي قال له رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ـ فيما رواه البخاري ـ : (( أنت منّي وأنا منك )) .
فهل هناك أخسر ممّن سبّ عليّاً (ع) وقد علم أنّه بعض رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ؟
ولمْ تكن هذه البغضيّة وهذا الامتزاج بين رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وعليّ (ع) من تكثّر محبّي عليّ (ع) ، ولكنّها كانت بالنصّ من رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، وهو ما حدا باُمّ سلمة أنْ تروع عندما بلغها سبّ عليّ  (ع) ، فقالت(2) ـ فيما رواه أحمد ـ :
ـــــــــــــــ
(1) سورة المائدة / 32 .
(2) البداية والنهاية ، مرجع سابق 7 /370 .
________________________________________
الصفحة (162)
أيُسبّ رسول الله (ص) فيكم على المنابر ؟! 
وبمثل ما ثبت النصّ على حبّ عليّ (ع) ، فقد ثبت كذلك النصّ على النهي عن إضمار البغض له . يروي البخاري في كتاب المغازي : ... وبعث عليّ (ع) وخالد إلى اليمن ، أنّه لمّا حدثت جفوة بين بريدة وعلي (ع) ، وجاء بريدة إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، فقال له : (( يا بريدة ، أتبغض عليّاً ؟ )) . فقلت : نعم . قال (ص) : (( لا تبغضه )) .
وفي رواية أحمد : قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) لبريدة : (( أتبغض عليّاً ؟ )) . قال ، قلت : نعم . قال (ص) : (( فلا تبغضه ، وإنْ كنت تحبّه فازددْ له حبّاً )) .
ولكي تقف على حقيقة منزلة عليّ (ع) ، وتدرك فداحة ما اقترفه معاوية ، فيكفي أنْ تعلم أنّ حبّ عليّ (ع) أو بغضه لمْ يكن كما لم يزل ، استشعارهما ممّا يكتمل به الإيمان أو ينقص ، ولكنّهما علامتان فارقتان على الإيمان والنفاق . جاء في صحيح مُسلم ، عن عليّ بن أبي طالب (ع) قوله : (( إنّه لعهد النبيّ الاُمّي إليّ ، أنّه لا يحبّني إلاّ مؤمن ، ولا يبغضني إلاّ منافق )) .
ثمّ إنّ معاية كلّم وعُوتب وذكّر بمدى إثم الوقوع في عليّ (ع) ، ناهيك عن السبّ البواح له ، فلمْ يحرّك كلّ ذلك في نفسه شيئاً ولمْ يصغِ ، ولم يأبه ولم يتب . وقد كان حريّاً به أنْ يفعل فعل بريدة ، إذ ما أنْ نهاه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) عن بغض عليّ (ع) ، حتّى تاب وقال ـ وفي رواية أحمد ـ : فما كان في الناس أحد بعد قول رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أحبّ إليّ من عليّ (ع) .
يروي مسلم وأحمد والترمذي(1) إنكار سعد بن أبي وقّاص لفعل معاوية : أمر معاوية بن أبي سفيان سعداً ، فقال : ما يمنعك أنْ تسبّ أبا تراب ـ يقصد عليّاً (ع) ـ ؟ فقال : أمّا ما ذكرت ثلاثاً قالهنّ له رسول الله (صلّى الله عليه وآله) , لأنْ تكون لي
ـــــــــــــــ
(1) البداية والنهاية ، مرجع سابق / 352 .
________________________________________
الصفحة (163)
واحدة منهنّ أحبّ إليّ من حمر النعم , سمعت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يقول ـ وخلّفه في بعض مغازيه ـ فقال له عليّ (ع) : (( يا رسول الله ، أتخلّفني مع النساء والصبيان ؟ )) . فقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : (( أمَا ترضى أنْ تكون منّي بمنزلة هارون من موسى ، إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي ؟ )) . وسمعته يقول يوم خيبر : (( لأُعطينّ الراية رجلاً يحبّ الله ورسوله ، ويحبّه الله ورسوله )) . قال : فتطاولت لها . قال (ص) : (( ادعوا لي عليّاً )) . فأُتى به أرمد ، فبصق في عينيه ودفع الراية إليه ، ففتح الله عليه . 
ولمّا نزلت هذه الآية : ( فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنْ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ )(1) . دعا رسول الله (صلّى الله عليه وآله) عليّاً وفاطمة وحسناً وحُسيناً (عليهم السّلام) ، ثمّ قال : (( اللهمّ ، هؤلاء أهلي )) . ثمّ نهض سعد قائلاً لمعاوية : لا أدخل عليك داراً بعد هذا اليوم . ثمّ نفض رداءه ثمّ خرج .
فقد ذكّر معاوية إذاً بالله ، فلمْ يشأ أنْ يذكر ، فما أتعسه إذ نصب نفسه حرباً لله , يقول رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ـ ذكره البخاري في الحديث القدسي ـ قال الله تعالى : (( مَن عادى لي وليّاً ، فقد آذنته بالحرب )). فما بالك بعداء مَن كان مولىً لكلّ مؤمن؟ قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ـ وثبت ذلك بطرق متعدّدة(2) ـ: (( مَن كنت مولاه فعليّ مولاه، اللهمّ والِ مَن والاه، وعادِ مَن عاداه )) .
فإذا كان حبّ عليّ (ع) علامة على الإيمان ، وبغضه آية على النفاق ، وعداؤه عداء لله ورسوله (ص) ، فكيف بمَن لمْ يكتفِ بحرب عليّ (ع) بل تسلط على رقاب العباد ، فجعل حياتهم رهن سبّ عليّ (ع) وإعلان البراءة منه ؟
ـــــــــــــــ
(1) سورة آل عمران / 61 .
(2) جمع ابن كثير في البداية والنهاية 7 / 360 ، طرق رواية الحديث ، وهو المشهور بـ ( حديث غدير خم ) .
________________________________________
الصفحة (164)
إقرأ معي فجيعة من فجائع الدهر ، ومأساة من مآسي التاريخ ، ثمّ أمعن النظر في أبشع صور الاستبداد والطغيان تمثّلت في مخزى من مخازي معاوية رأس النظام الأموي ، يروي الطبري(1) : أنّ معاوية أرسل رسوله إلى حجر بن عدي وأصحابه في السجن ، يعرض عليهم تركهم إنْ هم لعنوا عليّاً (ع) ، فيقول لهم : إنّا قد أُمرنا أنْ نعرض عليكم البراءة من عليّ (ع) واللعن له ، فإنْ فعلتم تركناكم ، وإنْ أبيتم قتلناكم ؛ فابرأوا من هذا الرجل ، نخلِّ سبيلكم . فقالوا : اللهمّ ، إنّا لسنا فاعلي ذلك ، بل نتولاّه ، ونتبرّأ ممّن تبرّأ منه .
وهذا زياد بن سميّة عامل معاوية على الكوفة ، يأتي بصيفي بن فسيل صاحب حجر بن عدي ، فيقول له : يا عدوّ الله ، ما تقول في أبي تراب ؟ قال : ما أعرف أبا تراب . قال : ما أعرفك به ! فقال : ما قولك في عليّ (ع) ؟ قال : أحسن قول أنّا قائله في عبد من عباد الله المؤمنين . قال : اضربوا عاتقه بالعصا حتّى يلصق بالأرض . فضُرب حتّى لزم الأرض . ثمّ قال : أقلعوا عنه ، إيه ، ما قولك في عليّ (ع) ؟ قال : والله ، لو شرحتني بالمواسي والمدى ما قلت إلاّ ما سمعت منّي . قال : لتلعنّنه أو لأضربنّ عنقك . قال : إذا تضربها والله قبل ذلك ، فإنْ أبيت إلاّ أنْ تضربها ، رضيت بالله وشقيت أنت . قال : ادفعوا في رقبته .
ولمّا جِيء بعبد الرحمن العنزي إلى معاوية ، قال له : ما قولك في عليّ (ع) ؟ قال : دعني ولا تسألني , فإنّه خير لك . قال : والله ، لا أدعك حتّى تخبرني عنه . قال : أشهد أنّه كان من الذاكرين الله كثيراً ، ومن الآمرين بالحقّ ، والقائمين بالقسط ،
ـــــــــــــــ
(1) تاريخ الطبري ، مرجع سابق 5 / 275 .
________________________________________
الصفحة (165)
والعافين عن الناس . فبعث به معاوية إلى زياد ، وكتب إليه : أمّا بعد ، فإنّ هذا العنزي شرّ مَن بعثت ، فعاقبه عقوبته التي هو أهلها ، واقتله شرّ قتلة . فما كان من زياد إلاّ أنْ دفنه حيّاً .
وهكذا قتل معاوية حجراً وأصحابه الستّة على حبّ عليّ (ع) .
أفلا يذكّرنا ذلك بفعل أبيه أبي سفيان عندما أحاطوا بزيد بن الدثنة ، مبعوث رسول الله (صلّى الله عليه وآله) إلى مكّة ، فإذا بأبي سفيان يُحاول بشتّى الطرق انتزاع كلمةً من زيد ، وهو في موقف الموت تسيء إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فيأبى زيد ، فيقتلوه .
على أنّه ممّا لا يدع أدنى مجال لمعذّر لمعاوية ، أنّ حجراً وأصحابه حاجّوا معاوية وألزموه الحجّة ، رغم يقينهم أنّه قاتلهم ، بحيث لا يجد عليهم سبيلاً تعلقاً بنقض البيعة ، تبياناً للناس حقيقة أمر حكمه ؛ ذلك أنّ حجراً حين حُمل إلى معاوية ، قال له : السّلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته . فقال معاوية : أمير المؤمنين ! أمَا والله ، لا أقيلك ولا أستقيلك ، أخرجوه فاضربوا عنقه .
ولمّا دخل الخثعمي على معاوية ، قال له : الله الله يا معاوية ، فإنّك منقول من هذه الدار الزائلة إلى الدار الآخرة الدائمة ، ثمّ مسؤول عمّا أردت بقتلنا ، وفيمَ سفكت دماءنا ؟ فيصم معاوية أذنيه عن المناشدة بالله ، أنّه لا يريد إلاّ سماع سبّ عليّ (ع) ، فيعود قائلاً للخثعمي : ما تقول في عليّ (ع) ؟
قال الحسن بعد أنْ بلغه قتل حجر وأصحابه : حاجّوهم وربّ الكعبة .
وقال الحسن البصري(1) : أربع خصال كنّ في معاوية ، لو لمْ تكن فيه منهنّ إلاّ واحدة لكانت مُوبقة : انتزاؤه على هذه الاُمّة بالسفهاء حتّى ابتزّها أمرها بغير
ـــــــــــــــ
(1) المرجع السابق / 279 .
________________________________________
الصفحة (166)
مشورة منهم وفيهم بقايا الصحابة وذو الفضيلة , واستخلافه ابنه بعده سكّيراً خميراً يلبس الحرير ويضرب بالطنابير , وادّعاؤه زياداً ، وقد قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : (( الولد للفراش ، وللعاهر الحجر )) . وقتله حجراً ، ويلاً له من حجر ! ويلاً له من حجر ! 
فلمّا قارب الأجل المحتوم من النهاية ، وجاءت سكرات الموت ، وأيقن معاوية أنّها آخر لحظات الدنيا ، وأوّل العهد بالآخرة , حضره شبح حجر ، واستحضر ما قدّمت يداه . 
يقول ابن سيرين(1) :  فبلغنا أنّه لمّا حضرته الوفاة ، جعل يُغرغر بالصوت ، ويقول : يومي منك يا حجر ، يوم طويل !(2) 
* * *
وقد أدرك المعاصرون لأمر حجر حقيقة هذا الموقف ـ كما نحلّله نحن الآن ـ فلم يسيغوا تأوّل معاوية لقتل حجر وأصحابه ـ كما يفعل المعذّرون لمعاوية ـ ، ولكن فهموه على أنّه حرص النظام الحاكم على قتل المعارضة أيّاً كان نوعها ، وإنْ كانت تَعني النهي عن المنكر والأمر بالمعروف وهو بعض الدين ، إضافة إلى إرهاب مَن تسوّل له نفسه التفكير في نقد النظام . يدلّ على ذلك ما رواه الطبري عن أبي إسحاق قوله : أدركت الناس وهم يقولون : إنّ أوّل ذلّ دخل الكوفة موت الحسن بن علي (ع) ، وقتل حجر بن عدي ، ودعوة زياد . 
ويدلّ عليه أيضاً ما أيقنه الناس من إمعان النظام الحاكم في تجبّره
ـــــــــــــــ
(1) المرجع السابق / 257 .
(2) بينما كانت آخر كلمات حجر ـ قبل أنْ يُقدّم للقتل ـ لبناته : إنّ الذي كان يرزقكنّ ويكفيني مؤنتكنّ هو الله تعالى وهو حيّ لا يموت ، وأرجو ألا يُضيعكنّ وأنْ يحفظني فيكنّ . وقال لأهله : لا تطلقوا عنّي حديداً ، ولا تغسّلوا عنّي دماً ؛ فإنّي اُلاقي معاوية غداً على الجادّة .
________________________________________
الصفحة (167)
بعد قتل المعارضة ، وهو ما تعبّر عنه هند الأنصاريّة شعراً بقولها(1) :
تجبرت الجبابر بعد حجر      وطاب لها الخورنق والسدير
* * *
لمْ يكن قتل حجر وأصحابه مجرد حادث عارض ، ولكنّه كان منهج معاوية ومَن أتى بعده في التعامل مع المعارضة ، الاستئصال من الجذور ، مهما كانت تلك المعارضة على درجة من الحصانة تكفلها الصحبة أو السابقة . وقد كان ذلك منهجاً أصيلاً وليس مجرد تعامل ظرفي ، فهل من حسن السياسة والتدبير والحلم الذي زعمه الزاعمون لمعاوية إصراره على سبّ عليّ (ع) وبنيه (عليهم السّلام) وصحبه عقب الصلوات ـ ولم يُبن لنا ابن العربي ولا غيره كيف تكون صلاة مَن يقول في تشهّد الختام منها : اللهمّ ، صلِّ على محمّد وعلى آل محمّد ، ثمّ يعقّب الصلاة بلعن آل محمّد (صلّى الله عليه وآله) ـ أمْ أنّها سياسة استفزاز متعمّد لأصحاب عليّ (ع) ومَن يرى رأيه ؟ فمَن أجبر نفسه على السماع والصمت فقد ضمن معاوية قهر نفسه واعتيادها على القهر , وأمّا مَن أبت نفسه إلاّ الشهادة بالحقّ ، فهذا لا علاج له عند معاوية إلاّ السيف المصلت يتقدّمه كتاب شهادة الزور بالمروق من الدين والخروج عن الجماعة .
ـــــــــــــــ
(1) قالت هند في رثائه :
تـرفع أيـها الـقمرُ المنير      تبصّر هل ترى حجراً يسير
يسير  إلى معاوية بن حرب      لـيقتله كـما زعـم الأمير
تـجبرت  الجبابر بعد حجر      وطاب لها الخورنق والسدير
وأصبحت  البلاد بها محولاً      كـأن  لم يحيها مزن مطير
ألا يا حجر ، حجر بن عدي      تـلقتك  الـسلامة والسرور
أخـافُ عليك ما أردى عدياً      وشـيخاً في دمشق له زئير
يـرى قتل الخيار عليه حقاً      لـه  مـن شـر امته وزير
________________________________________
الصفحة (168)
ولعلّ في ذلك تكون الإجابة لمَن وقف متسائلاً عن سبب سنّ معاوية سنّة لعن عليّ (ع) وبنيه (عليهم السّلام) على المنابر ، ومن هؤلاء نذكر أستاذاً(1) للتاريخ الإسلامي واضح الميل لمعاوية ودولته ، ولكنّه لمْ يرَ مخرجاً لمعاوية من هذا الفعل ، فيقول : ممّا ننقده على هذا العهد اهتمام معاوية بالتشهير بعليّ (ع) على المنابر ، مع أنّ الرجل قد لحق بربّه وانتهى بأمره . وكان يعلم يقيناً أنّ هذه الأقوال ممّا يهيج صدور شيعته ، وتجعلهم يتأفّفون ويتذّمرون ، ولا ندري ما الذي حمله أنْ جعل ذلك فرضاً حتماً في كلّ خطبة ، كأنّه ركن من أركانها لا تتمّ إلاّ به .
نعم ، قد علم معاوية يقيناً أنّ لعن عليّ (ع) يدعو للتذمّر ، وهذا لا يدعو للدهشة ، فقد علم يقيناً أيضاً أنّ مَن يقوى على التذمّر لحب عليّ (ع) ـ وقد مضى عليّ (ع) إلى ربّه ـ فمعناه البقاء على الاستمساك بقيم عليّ (ع) ومبادئه ومنهجه . يقول أيّوب السختياني(2) ـ فيما أورده الذهبي(3) ـ : مَن أحبّ عليّاً (ع) فقد استمسك بالعروة الوثقى . وتلك هي المفرزة التي يُريدها معاوية ليحصد خرجها أوّلاً بأوّل ، ومن هنا استمراره في سنّته إلى أنْ قضى مع توريثه إيّاها لمَن بعده .
على أنّ الأمر ذا الأهميّة هنا معرفة أنّ الأمر لا يتعلّق تحديداً بعليّ (ع) ذاته ، فإنّما عليّ (ع) رمز لا شية فيه للقيم الخالصة والمبادئ الخالصة ، أي : للدين الخالص . فمَن استمسك به ، فهو حقّاً أخطر أعداء معاوية ، ولكن هذا لا يمنع أنّ نظام معاوية لا 
ـــــــــــــــ
(1) الشيخ محمّد الخضري بك ، تحقيق الشيخ محمّد العثماني ، الدولة الاُمّوية / 449 ، ط 1 ـ بيروت ـ دار القلم / 1986 م .
(2) محمّد شمس الدين الذهبي ، الكبائر / 179 ـ القاهرة ـ  دار التراث العربي / 1982م .
(3) من عجائب الأمور ، أنّ الذهبي يعدّ سبّ الصحابة من الكبائر المخرجة من الملّة ، ومع ذلك لا يطبّق هو أو غيره من فقهاء السنّة تلك القاعدة أبداً على معاوية ! وهذا سبب إضافي لازدواجيّة الشخصيّة .
________________________________________
الصفحة (169)
يطيق ولا يسمح بأيّ نوع من المعارضة ، سواء كانت من شيعة عليّ (ع) أو من الخوارج عليه أو من غيرهم ، فقد اتّخذ لنفسه ولعمّاله سياسة التنكيل والبطش بلا رحمة في تعاملهم مع المعارضة .
هل رأيت زياد بن سميّة ، عامل معاوية على البصرة ، ثمّ عليها وعلى الكوفة معاً ، يقتل أعرابيّاً رغم علمه ببراءته ؛ لأنّه رأى في قتله إرهاباً لغيره .
ذكر ابن إسحاق(1) ما قاله رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يوم عرفة ، من حجّة الوداع إذ كان يردّد صارخه : يقول له رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : (( قل يا أيّها الناس ، إنّ رسول الله ، يقول : هل تدرون أيّ شهر هذا ؟ )) . فيقول لهم ، فيقولون : الشهر الحرام . فيقول (ص) : (( قل لهم : إنّ الله قد حرّم عليكم دماءكم وأموالكم إلى أنْ تلقوا ربّكم ، كحرمة شهركم هذا )) . ثمّ يقول (ص) : (( قل : يا أيّها الناس ، إنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، يقول : هل تدرون أيّ بلد هذا ؟ )) . قال : فيصرخ به . قال ، فيقولون : البلد الحرام . قال ، فيقول (ص) : (( قل لهم : إنّ الله قد حرّم عليكم دماءكم وأموالكم إلى أنْ تلقوا ربكم ، كحرمة بلدكم هذا )) . قال : ثمّ يقول (ص) : (( قل : يا أيّها الناس ، إنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، يقول : هل تدرون أيّ يوم هذا ؟ )) . قال : فيقوله لهم . فيقولون : يوم الحجّ الأكبر . قال : فيقول (ص) : (( قل لهم : إنّ الله قد حرّم عليكم دماءكم وأموالكم إلى إنْ تلقوا ربّكم ، كحرمة يومكم هذا )) .
ج ـ سياسة المال :
إحدى أهمّ خصائص نظم الحكم على اختلافها ، وبالأخصّ نظام الحكم الإسلامي ، لمّا كانت سياسة المال فيه مضبوطةً كلّيةً بشرع الله . وإذا كانت
ـــــــــــــــ
(1) سيرة ابن هشام ، مرجع سابق 4 / 605 .
________________________________________
الصفحة (170)
هناك فسحة لاجتهاد الحاكم ، فهو محدّد بالتزام العدل وأداء الأمانة مُطلقاً دون اتّباع هوىً أو مجرد الاقتراب من مظنّة الشبهات .
يقول الله تعالى : ( يَا دَاوُدُ إِنّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ الناس بِالحقّ وَلاَ تَتّبِعِ الْهَوَى‏ فَيُضِلّكَ عَن سَبِيلِ اللّهِ )(1) . ( إِنّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى‏ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ الناس أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ )(2) .
وقد وضع الفقهاء شروطاً ثلاثة للخليفة في سياسته للمال(3) :
أ ـ جباية الفيء والصدقات على ما أوجبه الشرع نصّاً واجتهاداً من غير خوف ولا عسف .
ب ـ تقدير العطايا وما يستحقّ في بيت المال من غير سرف ولا تقتير ، ودفعه في وقت لا تقديم فيه ولا تأخير .
ت ـ استكفاء الأمناء وتقليد النصحاء فيما يفوّض إليهم من الأعمال ويكله إليهم من الأموال ؛ لتكون الأعمال بالكفاءة مضبوطةً والأموال بالأمناء محفوظةً .
فليس للحاكم إلاّ أن يتّبع قواعد العدل المُطلق فيما أراد الشارع من سياسته للمال ، وليس له أنْ يجبي وأنْ يُعطي وأنْ يمنح وأنْ يمنع إلاّ طِبقاً لقواعد الشرع .
يقول رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ـ في رواية البخاري ـ : (( ما أُعطيكم ولا أمنعكم ، أنا قاسم أضع حيث اُمرت )) .
ـــــــــــــــ
(1) سورة ص / 26 .
(2) سورة النساء / 58 .
(3) الماوردي ، الأحكام السلطانيّة ، مرجع سابق / 18 .
________________________________________
الصفحة (171)
وقد بلغت الحساسيّة مبلغها الأقصى في فعل رسول الله (صلّى الله عليه وآله) حرصاً على المال ، ألاّ يُوضع في غير موضعه ، وإن قسراً للنفس وإرغاماً على غير ميلها الفطري . فقد حُدّث أنّ فاطمة بنت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) اشتكت ما تلقى من الرحى ممّا تطحن ، فبلغها أنّ النبي (صلّى الله عليه وآله) أتى بسبي ، فأتته تسأله خادماً ، فذكر الحديث . وفيه : (( ألاَ أدلُّكما على خير ممّا سألتما ؟ )) . فذكر الذّكر عند النوم , فمنع رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ابنته وأعزّ النّاس عليه من قرابته ، بينما أعطى غيرها .
وقد كان حريّاً بالنفوس أنْ تشرب رحيق هذا الحسّ المرهف ، فضلاً عن التزام قواعد الحقّ والعدل المُطلق . وقد علم الناس تلك القواعد من نصوص دينهم ، وخبروها من فعل نبيّهم (ص) بما لا يدع مجالاً للإبدال والمغايرة .
يروي أحمد في مسنده : كان عمر يحلف على أيمان ثلاث : والله ، ما أحد أحقّ بهذا المال من أحد ، وما أنا أحقّ به من أحد . ويعلّق الشوكاني على ذلك بقوله(1) : فيه دليل على أنّ الإمام كسائر الناس ، لا فضل له على غيره في تقديم ولا توفير نصيب .
ثمّ سارت الأمور على النحو الذي سارت عليه من التباعد قليلاً قليلاً عن النهج النبويّ ، ثمّ بمعدّل متزايد حتّى كاد القوم يضلّون الطريق .
ثمّ أتى عليّ (ع) خليفة لتشقى بورعه وتحرجه في أموال المسلمين ، أقوام استمرأوا التفضيل بغير الحقّ ، حتّى تضخّمت ثرواتهم وتضخّمت معها مطامع ومطامحهم ، شأنهم في ذلك شأن كلّ طبقة تملك قوّة المال فتسعى واعية للتقوى بقوى النفوذ والسلطان تصون بها مصالحها وتستأمن بها على غدها . أدّى ذلك بطبيعة الحال إلى تحالف كلّ القوى صاحبة المصلحة ألاّ يكون عليٌّ (ع) حاكماً ، وهي تعلم يقيناً مَن هو عليّ (ع) .
ـــــــــــــــ
(1) نيل الأوطار ، مرجع سابق 8 / 75 .
________________________________________
الصفحة (172)
فعليّ (ع) يرفض ـ وهو والٍ على اليمن من قبل الرسول (صلّى الله عليه وآله) ـ السّماح للصاحبة بركوب إبل الصدقة قائلاً : (( إنّما لكم منها سهم كما للمسلمين )) . 
وعليّ (ع) وهو أمير المؤمنين يأكل الشعير ، تطحنه بيديها سيّدة نساء العالمين [ فاطمة الزهراء ] (عليها السّلام) ، ثمّ يختم على جراب الدقيق ، ويقول : (( لا أُحبّ أنْ يدخلَ بطني إلاّ ما أعلم )) .
وعليّ (ع) وهو رأس الدولة يرعد شتاء في لباس له ، فيكلّمه الناس : إنّ الله قد جعل لك ولأهلك في هذا المال نصيباً ، وأنت تفعل هذا بنفسك ؟ فيقول (ع) : (( والله ما أزرأكم شيئاً ، وما هي إلاّ قطيفتي التي أخرجتها من المدينة ))(1) .
هذا هو إذاً عليّ (ع) كما عرفه الناس ، محسنهم ومسيئهم على السواء , فأمّا المسحنون ، فقد استمسكوا به ونافحوا عنه حتّى الممات , وأمّا المسيئون ، فقد عادوه وحاربوه حتّى مات .
وربّما زعم زاعم أنّ سلوك عليّ ذاك سلوك مثالي ، وأنّه تكلّف مشقةً لا تلزم بالضرورة أنّ فهم عليّ (ع) للمسألة هو الفهم الإسلامي الحقّ ، فلمْ يكن ليغيب عنه أنّ له حقّاً في المال العام ، ولكنّه الحقّ الذي يُكافئ وظيفته التي يؤدّيها للناس ، ومكافئها يتحدّد اجتماعيّاً لا مُطلقاً ، فإنْ كان له ما يسدّ حاجته وترك هذا المكافئ ، فذاك هو الإحسان .
أراد عليّ (ع) إذاً أنْ يُنبّه الناس إلى تلك الحقيقة بحدّه للحقوق ، وأنّه ليس مُطلق اليد في منح نفسه أو منع غيره أو صلة قرابته ومَن يراه ، وقد كان يسعه أنْ يتأوّل تأوّل عثمان : أنا أصل قرابتي في الله . أو تأوّله : إنّ لي في هذا المال حقّاً وإنْ رغمت أنوف . ولكنّ عليّاً (ع) في هذه الحالة لن يكون عليّاً (ع) ـ حسْبَ تعبير سيّد
ـــــــــــــــ
(1) ابن الأثير ، الكامل ، مرجع سابق 3 / 264 .
________________________________________
الصفحة (173)
قطب ـ صاحب إعادة التمكين للمشروع الإسلامي في أرض الواقع ، وهو الذي ردّ على عثمان مقالته بتذكيره أنّ السابقة في العطاء كما في البلاء ، إنّما يقع أجرها على الله ، ولا تُستوفى من أموال المسلمين .
أين هذا إذاً من سيرة معاوية وعُصبته ؟
رأينا من قبل حدثاً واحداً وموقفين مختلفين : عقيل يطلب من أخيه عليّ الإمام (ع) إعطاءه من بيت المال ، فيرفض عليّ (ع) مذكّراً أخاه أنّه مُؤتمن على مال المسلمين وإنْ فعل يكن سارقاً ، فيذهب عقيل إلى معاوية بالشام ، فيغدق عليه بغير حرج ، لا لشيء إلاّ ليفرّق جماعة عليّ (ع) وليطمع فيه غيره من المترّددين .
ومعاوية يعد المواكب الحافلة ، ويري عمر ـ عند زيارته الشام ـ أبهة الملك وزينته من مال المسلمين زاعماً أنّ ذلك أدعى لإلقاء الروع في قلوب الروم .
على أنّ هناك واقعة بعينها ربّما أغنى ذكرها عن سوق الأمثلة كشفاً عن بنية نظام الحكم الاُموي ، والقواعد التي أرساها المؤسّس العملي الأوّل معاوية ، وتلك هي الصفقة التي عقدها معاوية وعمرو بن العاص معاً حرباً لعليّ (ع) ، وتصوّرها المحاورة التالية كما ذكرها المسعودي(1) :
يقول معاوية لعمرو : بايعني . عمرو : لا ، والله لا أُعطيك من ديني حتّى أنال من دنياك . معاوية : سلْ . عمرو : مصر طعمة . معاوية : نعم .
ـــــــــــــــ
(1) المسعودي ، مروج الذهب 2 / 363 ـ بيروت ـ المكتبة الإسلاميّة .
________________________________________
الصفحة (174)
فيقول عمرو :
مـعاوي لا أعطيك ديني ولم أنل      به من دنياك فانظرن كيف تصنع
فإن  تعطني مصراً فأربح بصفقة      أخـذت  بـها شيخاً يضر وينفع
وربما قال قائل : إنّ ذلك تكلّف يبدو من الخيار المكشوف للدنيا على حساب الدين ، وإنّ الأطماع لا تُعالج بمثل تلك المكاشفة الفجّة حتّى بين الأنداد العاديّين ، فإنّما جرت العادة على تغليف الأطماع وتعليلها بإضفاء نوع من شرعيّة وإنْ زائفة عليها ، فكيف بمَن كان بمثل دهاء وتحفّظ معاوية وعمرو ؟ 
وربما طعن آخر في مصداقيّة المسعودي باعتبار أنّ به تشيعاً ، ربما حمله على شوب التاريخ بالرأي ، أو على التهاون في التحقق ممّا يروي ، فيما يتعلّق بمدح عليّ (ع) وقدح مناوئيه .
وأيّاً ما كان الأمر ، فإنّ الثابت الذي لا مراء فيه أنّ معاوية ولّى عمراً مصر عام ( 38 هـ ) ، بعد صفّين وبعد قتل محمّد بن أبي بكر والي مصر من قبل عليّ (ع) وظلّ والياً عليها حتّى قضى ، ثمّ تولاّها ابنه عبد الله من بعده .
والثابت أيضاً في كتب التاريخ على اختلافها ، أنّ خراج مصر تركه معاوية لعمرو طيلة حياته فيما عبّر عنه بالطعمة .
يذكر المقريزي(1) : أنّ مصر جُعلت له طعمة بعد عطاء جندها والنفقة في مصلحتها .
فإذا علمت أنّ خراج مصر كان في ذلك الوقت أربعة عشر مليون دينار ،
ـــــــــــــــ
(1) المقريزي ، الخطط 1 / 300 ، ط 2 ـ القاهرة ـ مكتبة الثقافة الدينيّة / عام 1987 م .
________________________________________
الصفحة (175)
عرفت لمّا كان حرص عمرو على مصر , وعندما مات ترك سبعين بهاراً دنانير ـ والبهار : جلد ثور ، ومبلغه أردبان بالمصري ـ (1) .
هذا في الوقت الذي لمْ يبنِ عليّ (ع) آجرةً على آجرةٍ ، ولا لبنةً على لبنةٍ ، ولا قصبةً على قصبةٍ ، كما يقول سفيان ، وأنّه عندما تُوفّي لمْ يترك ـ كما قال الحسن (ع) ـ بيضاء ولا صفراء إلاّ ثمانمئة أو سبعمئة أرصدها لجارية(2) .
قضيّة أبي ذر :
وقضيّة أبي ذر بسيطة وبيّنة بساطة وبيان الإسلام ذاته ، وهي كما يُعبّر عنها بكلمات قليلة كان يقولها للناس : يا معشر الأغنياء وأسوا الفقراء ، بشّر الذين يكنزون الذهب والفضة ، ولا ينفقونها في سبيل الله بمكاوٍ من نار ، تُكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم .
وقال لعثمان : لا ترضوا من الأغنياء حتّى يبذلوا المعروف ويُحسنوا إلى الجيران والإخوان ، ويصلوا القرابات(3) .
فلمْ يكن أبو ذر إذاً يرى أنّ أداء الزكاة هي كلّ حقّ المال ، وإنّما ما زاد على قوته وقوت مَن يعولهم وكفاية حاجاتهم ، فالجماعة أولى بالاستفادة منه على نحو يكفل الحياة الكريمة للجميع ، فإنْ لم يفعل يكن كانزاً للمال بما يستحقّ معه عقوبة الكنز المقرّرة بالقرآن : ( يَاأَيّهَا الذينَ آمَنُوا إِنّ كَثِيراً مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الناس بِالْبَاطِلِ وَيَصُدّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَالذينَ يَكْنِزُونَ
ـــــــــــــــ
(1) المرجع السابق / 301 .
(2) ابن الأثير ، مرجع سابق 3 / 10 .
(3) المرجع السابق / 11 .
الصفحة (176)
 الذّهَبَ وَالْفِضّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللّهِ فَبَشّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَى‏ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنّمَ فَتُكْوَى‏ بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَاكُنْتُمْ تَكْنِزُونَ )(1) .
تلك كانت دعوة أبي ذر ، فماذا كان موقف معاوية منه ومن دعوته ، إبّان إقامة أبي ذر بالشام ومعاوية والٍ عليها من قبل عثمان ؟
1 ـ التشكيك في السند الشرعي للدعوة :
فقد أنكر معاوية أنّ هذه الآيات نزلت في المسلمين ، زاعماً أنّها في أهل الكتاب(2) .
قال البخاري(3) في تفسير الآية : حدّثنا قتيبة بن سعيد ، حدّثنا جرير عن حصين عن زيد بن وهب ، قال : مررت على أبي ذر بالربذة ، فقلت : ما أنزلك بهذه الأرض ؟ قال : كنّا بالشام فقرأت : ( وَالذينَ يَكْنِزُونَ الذّهَبَ وَالْفِضّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللّهِ فَبَشّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ )(4) . فقال معاوية : ما هذه فينا ، ما هذه إلاّ في أهل الكتاب . قال ، قلت : إنّها لفينا وفيهم .
وقد أكّد المفسّرون(5) صحّة قول أبي ذر ، فقال السدي : هي في أهل القبلة . وقال الضحاك : هي عامّة في أهل الكتاب والمسلمين . وقال عطاء عن ابن عبّاس : يُريد من المؤمنين .
ـــــــــــــــ
(1) سورة التوبة / 34 ـ 35 .
(2) ليس بغريب أنْ يكون زعم معاوية هو عين مماحكة بعض منظري الأنظمة المعاصرة في المحيط الإسلامي التي تسودها العلمانيّة , بزعمهم أنّ آيات الحاكمية إنّما خُوطب بها بنو إسرائيل ، وهو يعزّز ما ذهبنا إليه في هذه الدراسة من مفارقة النظام الاُموي للنظام الإسلامي ومواقعته للجاهليّة .
(3) تفسير ابن كثير ، مرجع سابق 2 / 352 .
(4) سورة التوبة / 34 .
(5) النيسابوري ، أسباب النزول ، مرجع سابق / 184 .
________________________________________
الصفحة (177)
2 ـ الإرهاب والتهديد الشخصي :
فقد ذكر ابن الأثير : أنّه ذُكرت في ذلك اُمور كثيرة ، مثل سبّ معاوية لأبي ذر وتهديده بالقتل ، وحمله إلى المدينة من الشام بغير وطاء . وعلّق ابن الأثير على ذلك بكرهه ذكره رغم صحّته(1) .
وكذلك فعل الطبري ، إذ لمْ ينفِ وقوع هذه الأمور ، ولكنّه قال(2) : كرهت ذكر أكثرها .
 3 ـ الحجر على الدعوة :
فقد ذكر ذكر ابن كثير(3) : أنذ معاوية كان ينهى أبا ذر عن إشاعة دعوته ، فلا يمتنع .
 4 ـ ادّعاء الفتنة :
خشي معاوية من شيوع دعوة أبي ذر ، فما كان منه إلاّ أنْ بعث إلى عثمان يعظّم أمر أبي ذر ، قائلاً له : إنّ أبا ذر قد أعضل بي ، وقد كان من أمره كيت وكيت(4) . فما كان جواب عثمان إلاّ أنْ قال : إنّ الفتنة قد أخرجت خطمها وعينيها ، ولم يبقَ إلاّ أنْ تثب .
وإحداث الفتنة ـ كما هو معلوم ـ تهمة عظمى تدور معها دائماً لواحق ، مثل تفريق الجماعة والخروج عن الطاعة والإفساد في الأرض ، وربما العمالة للأعداء ، وهي تُهم تكاد تكون واحدة بألفاظها على مرّ العصور ، تتّهم بها السلطة القائمة كلّ ذي رأي مخالف تخشاه على مصالحها .
ـــــــــــــــ
(1) الكامل ، مرجع سابق 3 / 10 .
(2) التاريخ ، مرجع سابق 4 / 283 .
(3) البداية والنهاية ، مرجع سابق 7 / 161 .
(4) العقد الفريد ، مرجع سابق 4 / 11 .
________________________________________
الصفحة (178)
ولمْ يكن أبو ذر لتخفى عليه صحف الاتّهام الجاهزة ، فما كان جوابه إلاّ أنْ قال مقالةً تجمع بين الثبات على الحقّ وتفويت الفرصة على متّهميه ، فقال : فلا أدع قولي ، ولو أمروا عليّ عبداً حبشياً لأطعت(1) .
 5 ـ التربص ومحاولة التشويه :
احتال معاوية بشتّى الوسائل لِوَأد دعوة أبي ذر ، حتّى إنّه حاول نصب الفخاخ له كي يُوقع به ، فأرسل إلى أبي ذر في جنح الليل ألف دينار فأنفقها ، ثمّ عاد معاوية فأرسل رسوله في الصباح التالي وأمره أنْ يقول له : أنقذ جسدي من عذاب معاوية فإنّه أرسلني إلى غيرك وإنّي أخطأت بك ، فقال له أبو ذر : يا بني ، قلْ له : والله ، ما أصبح عندنا من دنانيرك دينار ، ولكن أخرّنا ثلاثة أيام حتّى نجمعها(2) .
وهذا يدلّ على خبيئة نفس معاوية ، فلو أنّ حقيقة روح الإسلام مسّتها ما استبعد أنْ تنطوي نفس كنفس أبي ذر على الصدق في القول والفعل . وكيف لا ورسول الله (صلّى الله عليه وآله) يقول فيه : (( ما أظلّت الخضراءُ ، ولا أقلّت الغبراءُ أصدق لهجة من أبي ذر )) . بل كان صدق أبي ذر مضرب الأمثال عند العرب ، فكانوا يقولون : أصدق من أبي ذر ، كقولهم : أسخى من حاتم ، وأكذب من مسيلمة .
ومع هذا عاد معاوية حتّى لحظة إخراجه من الشام ، ليتعلّق عليه بأيّ شيء يتّخذه ذريعة للتشنيع عليه ، فعندما أخرجه وأهله كان معهم جراب ثقيل ، فأسرع معاوية يقول : انظروا إلى هذا الذي يزهد في الدنيا ما عنده ؟ فقالت امرأته : والله ، ما هو دينار ولا درهم ، ولكنّها فلوس كان إذا خرج عطاؤه ابتاع منه فلوساً لحوائجنا .
ـــــــــــــــ
(1) الكامل ، مرجع سابق 3 / 10 .
(2) المرجع السابق 3 / 11 .
________________________________________
الصفحة (179)
 6 ـ النفي نهائياً :
لبّى عثمان طلب معاوية فاستقدم أبا ذر من الشام إلى المدينة ، ثمّ سيّره منفيّاً إلى ناحية نائية ، تُسمّى : الربذة .
يذكر ابن كثير(1) : كتب عثمان إلى أبي ذر أنّ يقدم عليه المدينة ، فقدمها فلامه عثمان على بعض ما صدر منه ، واسترجعه فلمْ يرجع ، فأمره بالمقام بالربذة .
وذكر ابن عبد ربّه(2) : أنّ عثمان أمر أبا ذر بالاعتزال .
وبعد ، فقد جاء المعذّرون ـ كعادتهم الدائمة ـ ليُعيدوا صياغة القضيّة ، وليُردوها جملةً إلى هذا اليهودي الغامض الذي أسلم كيداً للإسلام ـ كما يقولون ـ والذي يُخرجونه دائماً من جُعبتهم جاهزاً مستعدّاً لإلقاء التبعات عليه في كلّ قضيّة يُحارون فيها دفاعاً عن السلطان ، أو عندما تعييهم الحيل في تلفيق الأحداث بما يتّفق وأهواءهم . حدث في قضيّة أبي ذر ، كما حدث من بعد في قضيّة عثمان وفتنة معاوية .
هكذا يردّون دعوة أبي ذر إلى فكر ابن السوداء عبد الله بن سبأ ، لا أنّها حقيقة تُمثّل أبي ذر لروح الإسلام .
يروي الطبري(3) : أنّ العاذرين لمعاوية قالوا : لمّا ورد ابن السوداء الشام لقي أبا ذر ، فقال : يا أبا ذر ، ألاَ تعجب إلى معاوية ، يقول : المال مال الله ! ألاَ إنّ كلّ شيء لله ، كأنّه يُريد أنْ يحتجبه دون المسلمين ، ويمحو اسم المسلمين .
ـــــــــــــــ
(1) البداية والنهاية ، مرجع سابق 3 / 162 .
(2) العقد الفريد ، مرجع سابق / 118 .
(3) التاريخ ، مرجع سابق / 283 .
________________________________________
الصفحة (180)
ولعلّ أيسر ردّ لهذه الفرية تلك الرواية الواردة في ذات المصدر(1) وتناقض تماماً الرواية الأولى ، فيروي الطبري : كان أبو ذر يختلف من الربذة إلى المدينة مخافة الأعربيّة ، وكان يُحبّ الوحدة والخلوة . فدخل على عثمان وعنده كعب الأحبار ، فقال لعثمان : لا ترضوا من الناس بكفّ الأذى حتّى يبذلوا المعروف , وقد ينبغي للمؤدّي الزكاة ألاّ يقتصر عليها حتّى يحسن إلى الجيران والإخوان ، ويصل القرابات . فقال كعب : مَن أدّى الفريضة ، فقد قضى ما عليه . فرفع أبو ذر محجنه فضربه فشجّه , وكان قد قال له : يابن اليهوديّة ، ما أنت وما ها هنا ! والله , لتسمعنّ منّي أو لأدخل عليك .
ولعلّك لاحظت معي التعمية والتناقض معاً ، فالنصّ يذكر : أنّ أبا ذر كان يُحبّ الوحدة والخلوة ، بما يباطن ذلك من إيحاء متعمّد ، وكأنّ مقامه بالربذة اختياره الخاصّ وليس نفياً , ثمّ إنّه رفض مناقشة كعب الأحبار ، وهو أرسخ قدماً في الإسلام من ابن السوداء المزعوم ، فكيف يذعن بتعلّم أمر الدين من الأخير ؟
ثمّ ما لهؤلاء يغضّون الطرف عن الدليل القرآني البيّن على صحّة دعوة أبي ذر : أنّ في المال حقّاً سوى الزكاة . يقول الله تعالى : ( لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلاَئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُتَّقُونَ )(2) .
ـــــــــــــــ
(1) المرجع السابق / 284 .
(2) سورة البقرة / 177 .
________________________________________
الصفحة (181)
فإيتاء المال على حبّه ـ من ذكرهم الله تعالى ـ غير الزكاة المذكورة من بعد في ذلك الآية .
وروى الترمذي : أنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، قال : (( إنّ في المال حقّاً سوى الزكاة )) .
وقال عمر آخر عهده : لو استقبلت من أمري ما استدبرت ، لأخذت فضول أموال الأغنياء فقسّمتها على فقراء المهاجرين(1) .
وقال عليّ (ع) : (( إنّ الله تعالى فرض على الأغنياء في أموالهم بقدر ما يكفي فقراءهم، فإنْ جاعوا أو عروا وجهدوا فبمنع الأغنياء ، وحقّ على الله تعالى أنْ يُحاسبهم يوم القيامة ، ويُعذّبهم عليه ))(2) .
ويعلّق ابن حزم على هذه المسألة بقوله : وفرض على الأغنياء من أهل كلّ بلد أنْ يقوموا بفقرائهم ، ويجبرهم السلطان على ذلك ، إنْ لمْ تقم الزكوات بهم .
ولسيّد قطب ذات الرأي ، إذ يقول(3) : وإنّا لنلحظ شبه تواطؤ بين من يتحدّثون عن الزكاة في هذه الأيّام ، على اعتبارها الحدّ الأقصى الذي يطلبه الإسلام دائماً من روؤس الأموال , لذلك ينبغي أنْ نكشف هذا التواطؤ الذي يتعمّده رجال الدين المحترفون(4) .
ـــــــــــــــ
(1) الطبري ، مرجع سابق 4 / 226 .
(2) ابن حزم ، المحلّى 6 / 158 ـ بيروت ـ دار الآفاق الجديدة .
(3) العدالة الاجتماعيّة في الإسلام ، مصدر سابق / 157 .
(4) من الباحثين المعاصرين الذين يؤكّدون ذات المعنى ، د . يوسف القرضاوي صاحب كتاب ( فقه الزكاة ) ، إذ يقول في 2 / 1017 : ومن ذلك ما شاع لدى المتأخّرين من أهل الفقه ، أنّ لا حقّ في المال سوى الزكاة ، وأصبح هذا كالقضيّة المسلّمة عند كثيرين من المشتغلين بالعلم الديني .
________________________________________
الصفحة (182)
وإنّا لنُحبّ كذلك أنْ نُورد رأي سيّد قطب(1) ـ وإنْ مطوّلاً ـ في قضيّة أبي ذر :  وما كانت مثل هذه الدعوة ـ دعوة أبي ذر ـ ليطيقها معاوية ، ولا ليطيقها مروان بن الحكم ، فما زالا به عند عثمان يُحرضانه عليه حتّى كان مصيره إلى الربذة منفيّاً من الأرض في غير حرب لله ولرسوله ، وفي غير سعي في الأرض بالفساد ، كما تقول شريعة الإسلام .
لقد كانت هذه الصيحة يقظة ضمير مسلم لمْ تحذره الأطماع ، أمام تضخّم فاحش في الثروات ، يفرّق الجماعة الإسلاميّة طبقات ، ويحطّم الأُسس التي جاء هذا الدين ليُقيمها بين الناس ، وبحسبنا أنْ نعرض هاهنا نموذجاً للثروات الضخام أورده المسعودي ، قال : في أيّام عثمان اقتنى الصحابة الضياع والمال ، فكان لعثمان يوم قُتل عند خازنه خمسون ومئة ألف دينارٍ وألف ألف درهمٍ ، وقيمة ضياعه بوادي القرى وحنين وغيرهما مئة ألف دينارٍ ، وخلّف إبلاً وخيلاً كثيرة , وبلغ الثمن الواحد من متروك الزبير بعد وفاته خمسين ألف دينارٍ ، وخلّف ألف فرسٍ وألف أمةٍ . 
وكانت غلّة طلحة من العراق ألف دينارٍ كلّ يوم ، ومن ناحية السراة أكثر من ذلك . وكان على مربط عبد الرحمن بن عوف ألف فرسٍ ، وله ألف بعيرٍ وعشرة آلاف من الغنم ؛ وبلغ الربع من متروكه بعد وفاته أربعة وثمانين ألفاً . 
وخلّف زيد بن ثابت من الذهب والفضة ما كان يُكسر بالفؤوس ، غير ما خلّف من الأموال والضياع ، وبنى الزبير دارة بالبصرة ، وبنى أيضاً بمصر والكوفة والإسكندريّة ، وكذلك بنى طلحة دارة بالكوفة ، وشيّد داره بالمدينة ، وبناها بالجص والآجر والسياج . وبنى سعد بن أبي وقّاص دارة بالعقيق
ـــــــــــــــ
(1) العدالة الاجتماعيّة ، مرجع سابق / 237 .
________________________________________
الصفحة (183)
ورفع سمكها وأوسع فضاءها ، وجعل أعلاها شرفات . وبنى المقداد داره بالمدينة ، وجعلها مجصّصة الظاهر والباطن . وخلف ـ يعني ابن منبه ـ خمسين ألف دينارٍ وعقاراً ، وغير ذلك ما قيمته ثلاثمئة ألف درهمٍ .
هذا هو الثراء الذي بدأ صغيراً بإيثار بعض المسلمين على بعض في العطاء أيّام عمر ، ذلك الإيثار الذي كان معتزماً إبطاله وتلافي آثاره لو لا أنْ عاجلته الطعنة التي لمْ تَصب قلب عمر وحده ، وإنّما أصابت قلب الإسلام . ثمّ نما وزاد بإبقاء عثمان عليه ، فضلاً على العطايا والهبات والقطائع ، ثمّ فشا فشواً ذريعاً بتجميع الأملاك والضياع وموارد الاستغلال ، بما أباحه عثمان من شراء الأرضين في الأقاليم ، وتضخيم الملكيّات في رقعة واسعة ، وبمقاومة الصيحة الخالصة العميقة التي انبعثت من قلب أبي ذر .
 وكانت جديرة لو بلغت غايتها ، ولو وجدت من الإمام استماعاً لها أنْ تعدل الأوضاع ، وأنْ تحقّق ما أراده عمر في آخر أيّامه من ردّ فضول الأغنياء على الفقراء ، بما يُبيحه له سلطان الإمامة لدفع الضرر عن الاُمّة ، بل بما يحتمه عليه تحقيقاً لمصلحة الجماعة .
وبقدر ما تكدّست الثروات في جانب ، كان الفقر والبؤس في الجانب الآخر حتماً ، وكان النقمة والسخط كذلك . وما لبث هذا كلّه أنْ تجمّع وتضخّم ، لينبعث فتنةً هائجةً ، يستغلّها أعداء الإسلام فتُودّي في النهاية بعثمان ، وتُودّي معه بمأمن الاُمّة الإسلاميّة وسلامتها , وتسلّمها إلى اضطراب وفوران لمْ يخب أوراه حتّى كان قد غشي بدخانه على روح الإسلام ، وأسلم الاُمّة إلى ملك عضوض .
وممّا يلفت الانتباه في كلام سيّد قطب مستشهداً بالمسعودي ، أنّ الأمر لا يتعلّق بمجرد بناية دار هنا ودار هناك ، أو أنّ تلك الدور مجصّصة أو بها شرفات ، فلا تثريب على إتيان ذلك بحدّ ذاته ، وإنّما عَنى من سوق أمثلته الدلالة
________________________________________
الصفحة (184)
على تكدّس الثروات في جانب وانعدامها أو شبه انعدامها في جانب آخر , بما يُقسّم المجتمع إلى طبقات يعمّق من تناقضها , أنّ تلك الثروات المكدّسة تجد مصرفها في رفاهيّة مظهريّة لا تزيد المعدمين إلاّ نقمةً وسخطاً .
وخلافاً لجُلّ فقهاء السنّة ، فإنّ سيّد قطب يلمس الدواعي الحقيقيّة للثورة بنظام عثمان ، فهو يُرجعها لأسبابها الاجتماعيّة ، وليس للتآمر من الكائدين للإسلام كما يزعمون .
ثمّ هو مؤكّد على سبب رئيس من أسباب انهيار النظم ، وهو انعدام الحريّة ، تلك التي تفجّرها قضيّة أبي ذر ، فلو أنّ الإمام استمع إليه ، أو أُتيحت له حريّة الدعوة لتمكن النظام من التصحيح الذاتي لأخطائه قبل تفاقهما ، ودون أنْ تبلغ حدّ اللاعودة .
على أنّ ما يلفت النظر بشدّة ، تقصّي سيّد قطب لجذور الثورة ، وإمساكه بالسبب الأوّل للتفاوت الطبقي الذي وجده عند عمر ، إذ إنّ الإيثار بدأ على يديه بالتفضيل في العطاء , فقد كان العطاء بالسويّة على عهد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وظلّ كذلك على عهد أبي بكر ، حتّى جاء عمر فبدّله إلى التفضيل ، ثمّ زاد على عهد عثمان ، حتّى أتى عليّ (ع) فأعاده إلى السويّة كسيرته الأولى ، ممّا كان سبباً في الثورة المضادّة من طبقة المترفين التي نجحت في القضاء على نظامه ، وأحلّت محلّه الملك العضوض .
ورغم تحديده السبب الأوّل للطبقيّة ، إلاّ أنّه استدرك بقوله إنّ عمر أراد ردّ فضول أموال الأغنياء ، ولكن لمْ يقل أحد ما الذي منعه من ذلك , إضافةً إلى أنّه لا يتأتّى من مفهوم صيغة قول عمر : لو استقبلت من أمري ما استدبرت . بما يُوحي بالاستحالة . ثمّ إنّ عمر قال : لو أنّه فعل ذلك لردّه على فقراء المهاجرين ، بما يَعني تمييزاً آخر . أمَا كان أجدر أنْ يقول : على فقراء المسلمين ؟ ولكنّها قصّة اُخرى تحتاج إلى تفصيل آخر .
________________________________________
الصفحة (185)
النظام الاُموي ـ القيم والاتجاهات 
لمّا كانت الاتّجاهات تُعدّ منافذ لقياس القيم بما تتبدّى في سلوك بعينه يُمارس في مواقف مختلفة ، فإنّا نحسب أنّه يتوفّر لدينا الآن كمٌ هائلٌ من المواقف المتنوّعة القابلة للاختزال في اتّجاهات محدّدة ، تكشف بالتالي عن نسق القيم السائد خلال هذا النظام بما يحويه من دافعيّة ، نُحاول رصدها بالنسبة إلى الدافعيّة المستهدفة من النظام الإسلامي .
ولكي نزيد الأمر بياناً ، فسوف نُحاول استظهار دلالات المواقف المختلفة فيما يلي :
1 ـ استغواء واستهراء النفوس :
مرّةً اُخرى تطلّ علينا قصّة عقيل بن أبي طالب أخي عليّ (ع) ، لمَا لها من دلالات متعدّدة ، فعقيل يطلب من أخيه الإمام إعطاءه من بيت مال المسلمين فيأبى عليّ (ع) ، فيلحق عقيل بعدوّ أخيه معاوية فيغدق عليه من مال المسلمين , فمعاوية يُعطي عقيلاً بغير حقّ ولغير حقّ ، يستنقص به فئة عليّ (ع) ويطمع فيه غير عقيل ممّن يُغريهم المال حين تُذاع هذه الفعلة بينهم ، فيحتالون على المبدأ أو يتبجّحون بالباطل على علمهم بالحقّ ، كما قال عقيل : إنّي أردت عليّاً (ع) على دينه فاختار دينه ، وإنّي أردت معاوية على دينه ، فاختارني على دينه .
________________________________________
الصفحة (186)
كثيراً ما تقرأ عن اتّصاف معاوية بالدهاء ، ويعزون إلى ذلك غبه على الحكم ، وكأنّهم بذلك يقرّون بمزيّة لمعاوية , ولكن الدهاء على الجور شيء والاستواء على الحقّ شيء آخر , إقرأ قول عليّ (ع) تقف على الفارق : (( أَ تَأْمُرُونِّي أَنْ أَطْلُبَ النَّصْرَ بِالْجَوْرِ فِيمَنْ وُلِّيتُ عَلَيْهِ ؟ وَ اللَّهِ، لَا أَطُورُ بِهِ مَا سَمَرَ سَمِيرٌ، وَ مَا أَمَّ نَجْمٌ فِي السَّمَاءِ نَجْماً ، لَوْ كَانَ الْمَالُ لِي لَسَوَّيْتُ بَيْنَهُمْ ، فَكَيْفَ وَ إِنَّمَا الْمَالُ مَالُ اللَّهِ ؟ )) .
فقد حاول معاوية رشوة قيس بن سعد عامل عليّ (ع) على مصر ؛ ليخون إمامه ويتابع معاوية ، فبعث إليه بكتاب يقول فيه(1) : تابعنا على أمرنا ، ولك سلطان العراقينِ إذا ظهرت ما بقيت ، ولمَن أحببت من أهل بيتك سلطان الحجاز مادام لي سلطان ، وسلني غير هذا ممّا تُحبّ ، فإنّك لا تسألني شيئاً إلاّ أُوتيته . 
إلاّ أنّ قيساً يأبى الخيانة ويرفض الرشوة ويترفّع على الإغراء مستمسكاً بدينه ، فيكتب إلى معاوية(2) : فإنّ العجب من اغترارك بي ، وطمعك فيّ ، واستسقاطك رأيي ، أتسومني الخروج من طاعة أولى الناس بالإمرة ، وأقولهم للحقّ ، وأهداهم سبيلاً ، وأقربهم من رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وسيلةً ، وتأمرني بالدخول في طاعتك ، طاعة أبعد الناس من هذا الأمر ، وأقولهم للزور ، وأضلّهم سبيلاً ، وأبعدهم من الله عزّ وجلّ ورسوله (صلّى الله عليه وآله) وسيلةً ، ولد ضآلين مضلّين ، طاغوت من طواغيت إبليس .
وموقف ثالث : لا يكلّ فيه معاوية عن استعمال سلاح الرشوة ، وخاصّة في المواقف الشديدة التي تُغري بالسلامة في مواقع الخطر . فقد حدث في موقعة صفّين وحينما حمي الوطيس وبلغت القلوب الحنابر ، أنْ بعث معاوية إلى 
ـــــــــــــــ
(1) الطبري ، مرجع سابق 4 / 550 .
(2) المصدر السابق / 551 .
________________________________________
الصفحة (187)
أمير خيّالة عليّ (ع) قائلاً له : اتّبعني على ما أنت عليه ، ولك إمرة العراق(1) . وهذه المرّة تعمل الرّشوة عملها ، فيطمع فيها أمير الخيّالة خالد بن المعتمر ، ويخون إمامه عليّاً (ع) .
وموقف رابع : فعندما التقى بعد صفّين الحكمان عمرو بن العاص وأبو موسى الأشعري ، حاول عمرو ـ سيرة صاحبه معاوية ـ رشوة أبي موسى ، كيْما يتابعه على تولّية معاوية الخلافة ، فقال عمرو : إنّ ولّي أكرمك كرامةً لمْ يكرمْها خليفة . فيردّ أبو موسى : يا عمرو ، اتّق الله عزّ وجلّ ، وأمّا تعريضك لي بالسلطان ، فو الله ، لو خرج لي من سلطانه كلّه ما ولّيته(2) .
2 ـ انتكاس الفطرة وشيوع الخنوع القهري :
رأينا من قبل ـ عند دراستنا لمقوّمات النظام الجاهلي ـ كيف تميّز العرب بأنفة خاصّة تجلّت أكثر ما تجلّت في إباء الضيم ، وفي تلك الحساسيّة المفرطة تجاه كلّ ما يمسّ الكرامة ، حتّى لربما نشبت الحرب الضروس لأوهى سبب يخدش الكبرياء .
ورغم أنّ تلك السمات لمْ يُتاحْ لها أنْ توظّف التوظيف الاجتماعي القويم في ظلّ جاهليّة العرب ، إلاّ أنّنا مع ذلك تعرّفنا على أنضج تجربة لهم تمثّلت في حزب الفضول الداعي لرفض كلّ ضيم ، وللتناصر للمظلوم .
فلمّا أهلّ الإسلام أفاد من هذه الخصال ، واستخلص منها العناصر الإيجابيّة ، فهذّبها ووظّفها التوظيف الصحيح ، ووجّهها التوجيه الأسمى ، فأقرّ العزّة 
ـــــــــــــــ
(1) ابن كثير ، البداية والنهاية ، مرجع سابق 7 / 276 .
(2) الطبري ، مرجع سابق 5 / 68 .
________________________________________
الصفحة (188)
للمؤمنين ، وحضّ على التذلل فيما بينهم ، وأوجب على كلّ مسلم النصح لعامّة المسلمين ولأئمتهم ، وبيّن أنّ المؤمن الحقّ ، مَن قال الحقّ لا يخشى في الله لومة لائم ، ووصم الساكت عن الحقّ ، بأنّه شيطان أخرس ، بل جعل الإسلام أفضل الجهاد كلمة حقّ عند سلطان جائر .
كلّ ذلك ينبع ممّا أراده الإسلام للمؤمنين ألاّ يخشوا إلاّ الله وحده ، وهي النتيجة الخالصة لعقيدة التوحيد التي تنفكّ معها كلّ قيود المرء ، فينطلق في الحياة موقناً بالله معتزلاً به وبدينه وبنفسه .
هذا ما أراد الله لعباده المؤمنين، وهكذا ربّى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) مَن اتّبعه . ولعلّك تُدهش ممّا بلغته الحريّة التي عاشها المسلمون في ظلّ رسول الله (ص) حتّى وإنْ أدّت بأحدهم إلى الشطط ، كذلك الذي اندفع يقول لرسول الله (صلّى الله عليه وآله) : اعدل يا محمّد (ص) . فلمْ يزد على أنْ حاجّه وكفّ أذى النّاس عنه .
كان الرسول (صلّى الله عليه وآله) يُقيم دعائم دولة قوامها الفرد الحرّ بأوسع معاني الحريّة ، يتشابك في مجتمع متماسك بأشدّ الروابط متانةً ، في معادلة غاية في التوازن لم تعهدها البشريّة من قبل , وكانت وسيلة الرسول (ص) في ذلك تنميّة الشخصيّة الحرّة ، بإطلاقها من كلّ إسار يُقيّدها إلى رحابة الاستعباد الطوعي لله وحده ، ولكن ذلك لا يأتي بقرار أو مجرّد أمر ، أو باستحفاظ عناوين المبادئ وترديدها ، وإنّما من خلال ممارسة فعّالة في واقع حيّ تُدرّب فيها النفس على الأخذ والعطاء والمواجهة والاستعلاء على الضرورات ، حين تُوضع مواضع الاختيار والابتلاء .
إذاً شرط المجتمع المُعافى من المنظور الإسلامي هو الشخصيّة القويمة , وأمّا تلك المقهورة أو المتردّدة أو المؤثرة للسلامة مع الباطل على الحقّ ، فهي شخصيّة عقيمة لا يستقيم معها مجتمع ، ولا تصحّ بها حياة .
________________________________________
الصفحة (189)
وعلى النقيض من ذلك تماماً يؤسّس الاستبداد نظامه ، وكلّ نظم الاستبداد ـ حتّى يومنا هذا ـ تستمدّ حياتها من نفوس مقهورة ، مطأطأة الرؤوس ، لا تمدّ أبصارها أبعد من مُحيط أقدامها ، وهو ما تحرص تلك النظم على تعميقه حتّى يصير عادةً تُورث في الأجيال المتعاقبة القابلية الدائمة للاستعباد .
وإذا كان الرسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله) قد أرسى قواعد التمكين للشخصيّة الإسلاميّة في حياته ، فإنّ ما تلا ذلك من عهود قد حمل معه عوامل تآكل تلك القواعد في الواقع الفعلي ، بما خلّف إخلالاً في توازن البِناء كلّه .
على أنّ تلك العهود لمْ تُعدم بطبيعة الحال من تصدّيات ـ وإنْ قلّت ـ للبِناء ألاّ ينهار ، كذلك الذي يؤثر عنه ـ إنْ صحّ ـ أنّه قال لعمر : لو رأينا فيك اعوجاجاً لقوّمناه بسيوفنا . وكمعارضات أبي ذر ، وكثورة وفود الأمصار على المظالم في عهد عثمان ، حتّى جاء عليّ (ع) الذي وجد مهمّته أشقّ بكثير ممّا يتصوّر الكثيرون : إعادة إقامة القواعد من الأساس .
كادت تضيع معالم تمييز الحقّ من الباطل ـ لأسباب قد وُضّح بعضها ونتاولها لاحقاً إنْ شاء الله ـ على جميع الأصعدة حتّى ما كان منها على مستوى التشريع، فكان على عليّ (ع) أنْ يُعيد ترسيم الحدود .
وكانت سحب الضلال قد غشيت الناس ، فما أسفرت الأيّام إلاّ عن قلّة تصارع عوامل السقوط ، فكان على عليّ مداومة الجهاد لاستنقاذ البقيّة ، وما أكثرها , ومن أبلغ ما أثر عن عليّ (ع) قوله(1) : (( أَيُّهَا النَّاسُ ، لَا تَسْتَوْحِشُوا فِي طَرِيقِ الْهُدَى لِقِلَّةِ أَهْلِهِ ؛ فَإِنَّ النَّاسَ قَدِ اجْتَمَعُوا عَلَى مَائِدَةٍ شِبَعُهَا قَصِيرٌ وَ جُوعُهَا طَوِيلٌ ؛ أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنَّمَا يَجْمَعُ النَّاسَ الرِّضَا وَ السُّخْطُ ، وَ إِنَّمَا عَقَرَ نَاقَةَ ثَمُودَ رَجُلٌ وَاحِدٌ ، فَعَمَّهُمُ اللَّهُ بِالْعَذَابِ لَمَّا عَمُّوهُ بِالرِّضَا . فَقَالَ سُبْحَانَهُ  : فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ(2) )) .
ـــــــــــــــ
(1) نهج البلاغة بشرح محمّد عبده / 459 ـ بيروت ـ  دار البلاغة / 1987 م .
(2) سورة الشعراء / 157 .
________________________________________
الصفحة (190)
أين إذاً هذا العهد الذي يُربّي نفس المرء على الحقّ خالصاً ، من عهد يطلب من كلّ إمرئ أنْ يجعل نفسه منتهى همّه ؟ وما بالك بعهد شعاره جعل كلّ فرد يُناجي نفسه : انجُ سعد ، فقد هلك سعيد ! 
إنّ الخُطّة التي اختطّها معاوية لسياسة المسلمين وإحكام قبضته عليهم واحتكاره وذرّيّته السلطة ، يعبّر عنها أوضح تعبير كبير عمّاله زياد بن أبيه في خطبته الشهيرة بالبتراء(1) . وزياد هذا قد حظي بثقة معاوية حتّى جمع له البصرة وخراسان وسجستان ، ثمّ الهند والبحرين وعمان . يقول زياد(2) : وإنّي أقسم بالله ، لآخذنّ الولي بالولي(3) ، والمقيم بالظاعن ، والمقبل بالمدبر ، والصحيح منكم بالسقيم ، حتّى يلقى الرجل منكم أخاه ، فيقول : " انج سعد ، فقد هلك سعيد " أو تستقيم لي قناتكم , وقد أحدثنا لكلّ ذنب عقوبة ، فمَن غرّق قوماً غرّقته ، ومَن حرق على قوم حرقناه ، ومَن نقب بيتاً نقبت عن قلبه ، ومَن نبش قبراً دفنته حيّاً . وأيمْ الله ، إنّ لي فيكم صرعى كثيرة ، فليحذر كلّ إمرئ منكم أنْ يكون من صرعاي !
وأنت تلاحظ ـ كما لاحظ الناقدون جميعاً ـ أنّ هذه سياسة لا تمّت للإسلام بصلة ، فقد قال الله تعالى : ( وَإِبْرَاهِيمَ الذي وَفّى * أَلاّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى‏ * وَأَن لّيْسَ لِلاِْنسَانِ إِلّا مَا سَعَى )(4) .
ـــــــــــــــ
(1) لأنّه لمْ يحمد الله فيها .
(2) الطبري ، مرجع سابق 5 / 219 .
(3) في العقد الفريد : الولي بالمولى .
(4) سورة النجم / 37 ـ 39 .
________________________________________
الصفحة (192)
ولمْ يأمر الإسلام أبداً بالتحريق ، وبنقب القلوب وبدفن الأحياء . ثمّ هو يقسم بالله أنّ له في رعيته لصرعى كثيرة ، وكأنّها حصّة مقرّرة سلفاً ، وقد فعلها . أتذكرون الأعرابي الذي قتله مع يقينه من صدق عذره زاعماً أنّ في ذلك صلاح الاُمّة ؟!
وزياد في كلّ ذلك لمْ يفته ـ سيرة صاحبه معاوية ـ إلباس الحقّ بالباطل ، وتحريف الكلم عن مواضعه ، فيزعم في ذات الخطبة : إنّي رأيت آخر هذا الأمر لا يصلح إلاّ بما صلح به أوّله : لينٌ في غير ضعف ، وشدّةٌ في غير جبريّة وعنف .
بل يزعم أنّه سيُسوّس الناس بالعدل بمثل ما تقدّم من قانونه، فيقول : نُسوّسكم بسلطان الله الذي أعطانا، ونذود عنكم بفيء الله الذي خوّلنا ، فلنا عليكم السمع والطاعة فيما أحببنا، ولكم علينا العدل فيما ولّينا .
وعلى هذا النهج أحكم معاوية أمر سلطانه ، بين استبداد مطلق بالسلطة وخلط للحقّ بالباطل ، وتهديد ووعيد وإرعاب وإرهاب ، وأخذ للبريء بالمتّهم والمحسن بالمسيء ، والقتل بالظنّة والعقوبة على الشبهة .
يذكر الطبري(1) : كان زياد أوّل من شدّ أمر السلطان ، وأكّد الملك لمعاوية ، وألزم الناس الطاعة ، وتقدّم في العقوبة وجرّد السيف ، وأخذ بالظّنة وعاقب على الشبهة ، وخافه الناس في سلطانه خوفاً شديداً .
كلّ ذلك قد حدث في قرن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) الأوّل ، ولمّا تمضِ بضعة عقود على وفاته . ولعمرك ، فذلك هو عين ما توقّع عليّ بن أبي طالب (ع) ، وحذّر الناس من وقوعه ، إنْ هم ظلّوا على ما هم عليه من تثاقل عن نصرة الحقّ ، إذ قال في بني 
ـــــــــــــــ
(1) المرجع السابق 5 / 222 .
________________________________________
الصفحة (192)
اُميّة(1) : (( وَ اللَّهِ ، لَا يَزَالُونَ حَتَّى لَا يَدَعُوا لِلَّهِ مُحَرَّماً إِلَّا اسْتَحَلُّوهُ ، وَ لَا عَقْداً إِلَّا حَلُّوهُ ، وَ حَتَّى لَا يَبْقَى بَيْتُ مَدَرٍ وَ لَا وَبَرٍ إِلَّا دَخَلَهُ ظُلْمُهُمْ ، وَ نَبَا بِهِ سُوءُ رَعْيِهِمْ )) .
فلمّا اجتمع الاستبداد والقهر مع إفساد الذمم بالإغواء والرشوة ، كانت المحصّلة الطبيعيّة شيوع النفاق ، وكذلك شأن كلّ حكم استبدادي على مرّ التاريخ .
فهل هناك ما هو أرذل من شخص يقوم بين يدي زياد ـ بعد إذ ألقى خطبته البتراء تلك ـ فينافق زياداً بقوله : أشهد أيّها الأمير ، أنّك قد أُوتيت الحكمة وفصل الخطاب ؟
وهل هناك ما هو أنكر من مشيخة البصرة ، يحشو زياد أعطافهم بالمال ، فينبري قائلهم(2) :
ألا  مـن مـبلغ عني زياداً      فـنعم  أخو الخليفة والأمير
فـأنت  إمـام معدلة وقصد      وحزم حين تحضرك الأمور
أخوك  خليفة الله ابن حرب      وأنت  وزيره ، نعم الوزير
بـأمر  الله مـنصور معان      إذا  جـار الرعية لا تجور
* * *
فتكون العاقبة التلقائيّة لكلّ ذلك أنْ يقبر المبدأ الإسلامي الأعمق ، والكفيل بحفظ صحّة الاُمّة أبداً لو استمسك به ، وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . وبدلاً من وجوب استشعارك الدائم المسؤوليّة المجتمعيّة ، وأنْ تكون خصماً للظالم عوناً للمظلوم ، تجعل شعارك : نفسي نفسي .
* * *
ـــــــــــــــ
(1) نهج البلاغة ، مرجع سابق / 241 .
(2) الطبري ، مرجع سابق / 223 .
________________________________________
الصفحة (193)
3 ـ الهزء باحكام الشرع :
قد تختلف وجهات النظر في مسألة يجوز فيها الاجتهاد ، وقد يتأوّل متأوّل أمراً يخضع لشروط التأويل , وأمّا أنْ يجاهر أحد بمخالفة حكم محكم لا سبيل إلى الاجتهاد فيه أو تأوّله ، وليس له سابقة أو نظير في حكم الإسلام ، فقد أخرج نفسه بنفسه من الإسلام .
فما بالك بالمنوط به القيام بشرع الله ، فحكم بغير ما أنزل الله ، مصرّاً على ما فعل ؟ 
فذاك بيان ما فعله معاوية بن أبي سفيان في قضيّة استلحاقه زياداً بن سميّة . فقد وُلد زياد في فراش عبيد الرومي ، الذي زوّجه سميّة الحارث بن كلدة الثقفي ، بعد أن وهبه له أحد دهاقين الفرس . ثمّ حدث أنْ ذكر أبو سفيان زناه بسميّة ـ عندما أتاه بها أبو مريم السلولي وهو خمّار بالطائف ـ وأنّ زياداً وُلد هذا الزنى . إلاّ أنّ معاوية ـ بعد طول عهد ـ استحلق زياداً ودعاه : زياد ابن أبي سفيان .
وحكم الإسلام في هذه القضيّة واضح مشهور ، وهو : (( الولد للفراش ، وللعاهر الحجر )) . وعليه يكون زياد لعبيد ، ولا نسب يصحّ لأبي سفيان ، طبقاً لحديث البخاري عن عائشة : 
كان عتبة بن أبي وقّاص عهد إلى أخيه سعد بن أبي وقّاص أن ابن وليدة زمعة منّي فاقبضه . قالت : فلمّا كان عام الفتح ، أخذه سعد بن أبي وقّاص ، وقال : ابن أخي قد عهد إليّ فيه . فقام عبد بن زمعة ، فقال : أخي ، وابن وليدة أبي ، ولد على فراشه ، فتساوقا إلى النبيّ (صلّى الله عليه وآله) ، فقال سعد : يا رسول الله ، ابن أخي كان قد عهد إليّ فيه . فقال عبد بن زمعة : أخي وابن وليدة أبي ، ولد على فراشه .
________________________________________
الصفحة (194)
فقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : (( هو لك يا عبد بن زمعة )) . ثمّ قال النبيّ (صلّى الله عليه وآله) : (( الولد للفراش ، وللعاهر الحجر )) . ثمّ قال لسودة بنت زمعة زوج النبي (صلّى الله عليه وآله) : (( احتجبي منه )) . لما رأى من شبهه بعتبة ، فما رآها حتّى لقي الله .
ومعنى (( وللعاهر حجر )) : وله الخيبة ، ولا حقّ له في الولد ، كما قال الفقهاء(1) . وقال سعيد بن المسيّب : أوّل قضاء كان في الإسلام بالباطل استلحاق زياد .
وأكّد الحسن البصري(2) أنّ هذه الفعلة من معاوية موبقة له ، إذ ذكر أنّها واحدة من أربع خصال كنّ في معاوية ، لو لم يكن فيه منهنّ إلاّ واحدة لكانت له موبقة ، ومنها : ادعاؤه زياداً ، وقد قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : (( الولد للفراش ، وللعاهر الحجر )) . 
وعظّم ابن الأثير أمر هذا الاستلحاق حتّى إنّه لمْ يرتضِ إيجاز الطبري له ، فقال(3) : إنّه من الأمور المشهورة الكبيرة في الإسلام ، لا ينبغي إهمالها . ثمّ وصّف هذا الاستلحاق ـ بعد سرد تفاصيله ـ قائلاً : وكان استلحاقه أوّل ما ردّت به أحكام الشريعة علانيّة ، فإنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قضى بـ (( الولد للفراش ، وللعاهر بالحجر )) . ثمّ علّق على مَن يُحاول تبرير فعلة معاوية ، قائلاً : وهذا مردود لاتّفاق المسلمين على إنكاره , ولأنّه لمْ يستلحق أحد في الإسلام مثله ليكون به حجّة .
وقال السيوطي(4) : هي أوّل قضيّة غُيّر فيها حكم النبي (صلّى الله عليه وآله) في الإسلام .
ـــــــــــــــ
(1) انظر : الفقه على المذاهب الأربعة ، مرجع سابق 5 / 120 . الموطّأ للإمام مالك ، كتاب الأقضية ، باب : القضاء بالحق الولد بأبيه .
(2) الطبري ، مرجع سابق 5 / 279 .
(3) الكامل ، مرجع سابق 3 / 300 .
(4) تاريخ الخلفاء ، مرجع سابق / 196 .
________________________________________
الصفحة (195)
فإذا كان هذا الحكم من الجلاء ، بحيث قِيل فيه كلّ ما سبق ، أفيحقّ لابن العربي(1) أنْ يأتي زاعماً : أنّ ذلك الاستلحاق كان اجتهاداً من معاوية ؟ أمْ أنّه يُشاركه بذلك إثم تبرير مخالفة أحكام الشرع ؟
الواقع أنّ كلّ الأحداث التي مررنا بها تؤكّد وتثبت صحّة ما افترضناه من قبل ، من خُطّة معاوية وبني اُميّة في السلطة والسيادة مطلقاً ، دون ما اعتبار أو اكتراث بالغرض الأساسي من الخلافة في إقامة شرع الله . وإنّما سلكوا المسلك النفعي البحت الذي يُدركون به توكيد سلطانهم .
وقد رأينا من قبل صفقة معاوية وعمرو بن العاص ، ودرسنا التأوّل الفاسد في قتل عمّار بن ياسر ، وتابعنا رشوة القوّاد ، وإغواء المتردّدين ، وإطماع الآخرين , فلا تشذّ إذاً قضيّة استلحاق زياد عن هذا المنهج العامّ .
وإنّما أراد معاوية ـ بعد أنْ تمّ له الأمر بقتل عليّ (ع) وتنازل الحسن (ع) ـ ضمّ فارس التي غلب عليها زياد وتحصّن بها ، بعد أنْ استعصى عليه بالتهديد فاحتال عليه ، ولمْ يزل يوسوس له ويرغّب له فيه حتّى أزلّه .
وكان بعض خُطّة معاوية لخلخلة نظام خلافة عليّ (ع) اختراق جبهته من الداخل ، بإفساد ذمم قوّاده والمحيطين به بالشراء والوعد تارةً ، وبالتهديد والوعيد تارةً اُخرى , حدث ذلك مع قيس بن سعد عامل عليّ  (ع) على مصر ـ كما ذكرنا ـ وحدث ذلك إبّان صفّين مع أمير خيّالة عليّ (ع) ومع غيره من رؤوس القبائل ، وكذلك حدث مع زياد .
يذكر ابن الأثير(2) : كتب معاوية إلى زياد يتهدّده ، ويعرض له بولادة أبي سفيان إيّاه .
ـــــــــــــــ
(1) العواصم من القواصم ، مرجع سابق /250 .
(2) الكامل ، مرجع سابق / 301 .
________________________________________
الصفحة (196)
وبلغ ذلك عليّاً (ع) ، فكتب إلى زياد : (( إنّي ولّيتك ما ولّيتك ، وأنا أراك له أهلاً ، وقد كانت من أبي سفيان فلتة من أماني الباطل ، وكذب النفس ، لا تُوجب له ميراثاً ولا تحلّ له نسباً . وإنّ معاوية يأتي الإنسان من بين يديه ،  ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله ، فاحذر ثمّ احذر . والسّلام )) .
إلاّ أنّ معاوية ظلّ يتعهّد زياداً بالغواية ويُحيطه بحبائله حتّى وقع في شركه ، فتحوّل من النقيض إلى النقيض في تبدّل مُذهل قلّما تجد له نظيراً ، ولكنّه يكشف عن مدى تعقيد النفس البشريّة وما تنطوي عليه من قابليّات لاحتمالات متعدّدة يخضع تغليب أحدها لحدّ كبير إلى طبيعة المناخ العام السائد , ولذلك فإنّ الإنسان يظلّ ذا احتمالات مفتوحة لا تنقضي إلى أنْ يُقضى ، إلاّ مَن رحم الله فكان ذا عزم يتأبّى على نوازع التردّي .
ومن هنا فإنّ الإسلام بمشروطيّاته الاجتماعيّة في ربطه العضوي بين العقيدة والعبادة والمعاملة ، إنما يكفل الشرط الضروري لزيادة الممانعة ضدّ تسرب عوامل الوهن ، في الوقت الذي تزيد تأهيل الإنسان لممارسة دور إيجابي وحيويّ وفعّال في الحياة , ومن هنا ـ أيضاً ـ كان اختزال المعادلة الدينيّة في علاقة عباديّة فرديّة ـ كما يُريد العلمانيّون ـ بمثابة الحصر الجبري للإنسان الذي يجعل تمسّكه حتّى بهذه العلاقة الفرديّة كالقابض على الجمر .
إنّنا لا نغلو إذا قلنا : إنّ أوّل نظام علماني في المجتمع الإسلامي بعد دولة الخلافة ، كان نظام حكم معاوية .
وعودة إلى زياد ، فإنّ أبا بكرة ـ أخا زياد ـ كان ينكر عليه فعلته بشدّة , وذكر ابن كثير(1) : عن أبي عثمان قال : لمّا ادّعى زياد لقيت أبا بكره ، فقلت :
ـــــــــــــــ
(1) البداية والنهاية ، مرجع سابق 8 / 29 .
________________________________________
الصفحة (197)
ما هذا الذي صنعتم ؟ سمعت سعد بن أبي وقّاص يقول : سمعتْ أُذني رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، يقول : (( مَن ادّعى أباً في الإسلام غير أبيه وهو يعلم أنّه غير أبيه ، فالجنّة عليه حرام )) . فقال أبو بكرة : وأنا سمعته من رسول الله (صلّى الله عليه وآله) .
وقال ابن عبّاس في تفسير قول الله تعالى : ( وَلاَ تُطِعْ كُلّ حَلاّفٍ مَهِينٍ * هَمّازٍ مَشّاءٍ بِنَمِيمٍ * مَنّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ * عُتُلّ بَعْدَ ذلِكَ زَنِيمٍ )(1) . أنّ الزنيم هو المُلحق النسب .
وكما أنكر أخو زياد ، فقد أنكره غيره ممّن بقيت فيهم روح الإسلامي ، غير آبهين بتعذيب معاوية واضطهاده ، فالأمر جليل ، إذ هو ـ كما يقول ابن الأثير ـ أوّل ردّ علني مكشوف وبلا مداراة لأحكام الشريعة .
يقول ابن مفرغ الحميري(2) :
ألا  أبـلغ معاوية بن صخر      مـغلغلةً عن الرجل اليماني
أتغضب  أن يقال أبوك عف      وترضى أن يقال أبوك زاني
فـأشهد  أن رحمك من زياد      كـرحم الفيل من ولد الأتان
وأشـهد أنـها ولدت زيادا ً      وصخر  من سمية غير دان
* * *
على أنّ معاوية لمْ يجد غضاضة في التجاهل التامّ لأحكام الشرع ، فيقول(3) : وإنّي لمْ أتكّثر بزياد من قلّة ، ولمْ أتعزّز به من ذلّة ، ولكن عرفت حقّاً له فوضعته موضعه .
ـــــــــــــــ
(1) سورة القلم / 10 ـ 13 .
(2) جرجي زيدان ، تاريخ آداب اللغة العربيّة ، مرجع سابق 1 / 244 .
(3) الطبري ، مرجع سابق 5 / 215 .
________________________________________
الصفحة (198)
والأعجب من تَجاهل معاوية متابعة المبرّرين لأفعاله ، مثل ابن العربي الذي يتساءل ـ مفترضاً الغفلة التامّة بأحكام الشرع لدى الآخرين ـ بقوله : وأيّ عار على أبي سفيان ، في أنْ يليط بنفسه ولد زنىً كان في الجاهليّة ؟
ولكن السؤال الذي يسأله معاوية : لماذا تذكر فجأة هذا الحقّ لزياد ؟ فقد ولد زياد عام الفتح ، وأعلن أبو سفيان عن زناه زمن عمر ، ولمْ يستلحقه معاوية إلاّ عام ( 44هـ ) ، أي : بعدما يزيد عن خمسة وثلاثين عاماً من دخول معاوية وأبيه في الإسلام طليقين عام الفتح ، أو بعد ما يزيد عن واحد وعشرين عاماً من وفاة عمر . إنّها النفعيّة رائدة الباطل أبداً .
ومن سهل عليه ردّ الشرع ، يسهل عليه غيرها ، فكذلك كان معاوية صاحب أوّل حدّ تُرك في الإسلام . يذكر الماوردي(1) : أنّ معاوية أتى بلصوص فقطعهم إلاّ واحداً ، تمثّل له ببعض أبيات الشعر فخلّى سبيله . ويعلّق على ذلك بقوله : فكان أوّل حدّ تُرك في الإسلام .
ويذكر ابن كثير(2) من محدثات معاوية في الإسلام عن الزهري ، قوله : مضت السنّة أنْ لا يرث الكافر المسلم ، ولا المسلم الكافر ، وأوّل من ورث المسلم من الكافر معاوية ، وقضى بذلك بنو اُمّية بعده حتّى كان عمر بن عبد العزيز فراجع السنّة ، ومضت السنّة أنّ ديّة المعاهد كديّة المسلم ، وكان معاوية أوّل من قصرها إلى النصف ، وأخذ النصف لنفسه .
وكما خالف السنّة في المعاهدين ، فكذلك لمْ يفِ بعهد قبط مصر ، كدأبه دائماً في العهود التي لا تحقّق له نفعاً ، وربما أجبرته الظروف على بذلها مثلما فعل في نقضه عهده للحسن بن عليّ (عليهما السّلام) ـ فيروي المقريزي(3) :
ـــــــــــــــ
(1) الأحكام السلطاني ، مرجع سابق / 284 .
(2) البداية والنهاية ، مرجع سابق 8 / 141 .
(3) الخطط ، مرجع سابق 1 / 79 .
________________________________________
الصفحة (199)
كتب معاوية بن أبي سفيان إلى وردان ، وكان قد ولي خراج مصر : أنْ زد على كلّ رجل من القبط قيراطاً . فكتب إليه وردان : كيف تُزيد عليهم وفي عهدهم أنْ لا يُزاد عليهم شيء ؟ فعزله معاوية .
ثمّ ألاّ تتذكرون خطبة معاوية في أهل الكوفة بعد استتباب الأمر له : كلّ شرط شرطته ، فتحت قدميّ هاتين . 
وبعد ، ألمَ يثبت إذاً وصف عليّ (ع) لمعاوية : (( وَ اللَّهِ مَا مُعَاوِيَةُ بِأَدْهَى مِنِّي ، وَ لَكِنَّهُ يَغْدِرُ وَ يَفْجُرُ ))  .
 4 ـ اللهو والترف وإلهاء الناس :
الإسلام ـ كما هو معلوم ـ دين القصد والاعتدال ، فلا تقتير ولا تبذيير ، ولا قبض ولا بسط ، وإنما عوان بين هذا وذاك .
يصدق ذلك على الإنفاق ، كما يصدق على كلّ سلوكيّات المرء في العمل , إنْ قعدت بك همّتك عن الأخذ بأسباب التكسب ، قصرت بك مواردك عن الوفاء بحاجاتك ، وفتح لك من أبواب الشرور ما لا يُغلق ، وإنْ أنت قمت نهماً لجمع المال ، كان لك مهلكة في جسدك ونفسك حتّى تصير ـ كما وصف القرآن ـ عتلاّ أكولاً منوعاً جموعاً رحيب الجوف . وفي المشاعر والعواطف الإنسانيّة ، إنْ شححت ظلمت ، وإنْ أفرطت استعبدت . وحتّى في الدين ، فالقصد فيه الرفق إنْ أوغلت ، وإنْ شاددته غلبت . فإنْ كان هذا القصد يُرجى فيما هو جدّ ، فما بالك بالهزل ؟
الواقع أنّه ما من فرد أو جماعة أو اُمّة جاوزت حدّ القصد ، فصار أمرها إلى الترف إلاّ وجعلت بأيديها إلى مهلكها موعداً .
________________________________________
الصفحة (200)
والترف يستلزم السرف ، وهو ما يَعني التعرّض لبغض الله تعالى : ( وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلاَ تُسْرِفُوا إِنّهُ لاَيُحِبّ الْمُسْرِفِينَ )(1) .
وقد حذّر الإسلام أيّما تحذيرٍ من السرف والترف ، يقول الله تعالى : ( وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِن نَذِيرٍ إِلّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ )(2) . ( وَأَصْحَابُ الشّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشّمَالِ * فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ * وَظِلّ مِن يَحْمُومٍ * لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ * إِنّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذلِكَ مُتْرَفِينَ )(3) . وقال الرسول (صلّى الله عليه وآله)(4) : (( كُلْ ما شئتْ ، والبسْ ما شئتْ ، ما خطئتك اثنتان : سرف أو مخيلة )) .
إنّ الترف يعني ضمن ما يعني : الترّهل والتعطّل والبطالة ، وهو يُؤدّي إلى ضياع الهمّة ، وخوار القوّة ، وفقد المروءة . والاعتياد على الترف يسلب المرء القدرة على مواجهة تقلّبات الحياة ، كما قال الرسول (صلّى الله عليه وآله) : (( اخشو شنوا ؛ فإنّ النعمة لا تدوم )) . وكلّ تلك الصفات تُخالف مخالفة تامّة ما يرجوه الإسلام للمسلم ، أنّه مُطالب بالجهاد أبداً ، ممّا يتطلّب القوّة والحزم والعزم ، بل إنّ الترف آفة كلّ نظام حاكم على مدى التاريخ ، فإذا ما انغمس فيه سدنته ، كان ذلك إيذاناً بضياع ملكهم سدى . يقول ابن خلدون(5) : إنّ من عوائق الملك حصول الترف وانغماس القبيل في النعيم . 
ويقول : وعلى قدر ترفهم ونعمتهم يكون إشرافهم على الفناء .
ـــــــــــــــ
(1) سورة الأعراف / 31 .
(2) سورة سبأ / 34 .
(3) سورة الواقعة / 41 ـ 45 .
(4) البخاري .
(5) المقدمة ، مرجع سابق / 118 .
الصفحة (201)
ويقول سيّد قطب(1) : لا جرم إذاً يكون الترف سبب الهلاك على مدى التاريخ .
ثمّ إنّ الترف في جانب يعني بالضرورة عوزاً وحاجة في جانب آخر ، فتكون النتيجة المحتومة في كلّ الأحوال حقداً في جانب العوز ، واستعلاء واستكباراً في جانب الترف ، بما يُؤدّي في النهاية إلى الطبقات المتصارعة والمجتمعات القلقة المضطربة ، وما يصاحبها من أمراض اجتماعية ، ينشأ بعضها عن اضطرار الجانب المحتاج كيما يسدّ ضروراته إلى الإذغان لشهوات ، وأهواء الجانب المترف بما تضيع معه الأخلاق وتشيع به الفاحشة ، وينشأ بعضها الآخر عن اضطرار المحتاجين إلى التزلّف ، وتملّق المترفين فيسود النفاق ، وفي كلّ الأحوال يسلب الإنسان إرادته الحرّة .
وهاهُنا نستعيد حديث رسول الله (صلّى الله عليه وآله) عن عليّ بن أبي طالب(2) : (( إنّ الله فرض على أغنياء المسلمين في أموالهم بقدر الذي يسع فقراءهم ، ولن يجهد الفقراء إذا جاعوا أو عروا إلاّ بما يصنع أغنياؤهم ، ألاَ وإنّ الله يُحاسبهم حساباً شديداًَ ، ويُعذّبهم عذاباً أليماً )) .
ويلّح علينا هنا بشدّة ذكر أبي ذر ، لما رأى من ترف بني اُميّة وحاشية عثمان وتراكم ثرواتهم ، أو كما قال سيّد قطب(3) : قام أبو ذر ينكر على المترفين ترفهم الذي لا يعرفه الإسلام ، وينكر على معاوية واُميّة خاصّة سياستهم التي تقرّ هذا الترف ، وينكر على عثمان نفسه أنْ يهب من بيت المال المئات والألوف ، فيزيد في ثراء المثرين وترف المترفين .
ـــــــــــــــ
(1) العدالة الاجتماعيّة ، مرجع سابق / 147 .
(2) ذكره ابن حزم في المحلّى ، مرجع سابق 6 / 158 .
(3) العدالة الاجتماعيّة ، مرجع سابق / 236 .
________________________________________
الصفحة (202)
قام أبو ذر ليقول : اتّخذتم ستور الحرير ونضائد الديباج ، وتألّمتم الاضطجاع على الصوف الأذري ، وكان رسول الله (ص) ينام على الحصير ، واختلف عليكم بألوان الطعام ، وكان رسول الله (ص) لا يشبع من خبز الشعير .
وكما أنّ معظّم النار من مستصغر الشرر ، فكذلك كانت الفتنة التي تعرّض لها المسلمون ، وهم بعد في مستهلّ عهد الإسلام . ولو أنّ صيحة أبي ذر ، أصاخ القوم لها منذ البداية ، لما أدّت إلى ما آلَ إليه حال المسلمين من بعد .
لقد كمنت بذرة الفتنة الأولى في عهد عمر ، لمّا لمْ يقسم العطاء بالسويّة بالمخالفة لسيرة أبي بكر , فلمّا استشرى الأمر ، تنبّه إليه عمر آخر عهده حتّى قال : لو استقبلت من أمري ما استدبرت ، لأخذت فضول أموال الأغنياء فرددتها على الفقراء .
ثمّ زاد الأمر خطورةً بإيثار عثمان للبعض ـ وعلى الأخصّ بني اُميّة ـ بالصلات والعطايا , ثمّ استفحل الأمر بإباحة عثمان استبدال الأرض المفتوحة بأرض الجزيرة ، ممّا نشأت معه الملكيّة الكبيرة وما استتبعها من طبقات ، وما لازمها من آثار اجتماعيّة وخيمة .
فلما جاء عليّ (ع) ، أراد العودة إلى التسويّة ، فأبى المستنفعون ، وكانت الطامّة .
يقول عليّ (ع) مبيّناً مبدأه في تسوية العطاء : (( ألاَ وأيّما رجلٍ من المهاجرين والأنصار من أصحاب رسول الله (ص) يرى أنّ الفضل له على سواه بصحبته ، فإنّ الفضل غداً عند الله ، وثوابه وأجره على الله . ألاَ وأيّما رجلٍ استجاب لله ولرسوله ، فصدّق ملّتنا ، ودخل ديننا ، واستقبل قبلتنا ، فقد استوجب حقوق الإسلام وحدوده . فأنتم عباد الله ، والمال مال الله ، يُقسّم بينكم بالسويّة , ولا فضل فيه لأحد على أحد , وللمتّقين عند الله أحسن الجزاء )) .
________________________________________
الصفحة (203)
إلاّ أنّ الطبقة المترفة الثريّة التي نشأت في عهد عمر ، ثمّ تمكّنت في عهد عثمان ، لم يكن مُمكناً لعليّ (ع) تصفيّة امتيازاتها بعد أنْ أدركت حدّ التمكن القادر على مناوأة الإمام (ع) .
يقول عليّ (ع) في خطبة البيعة : (( ألاَ إنّ كلّ قطيعة أقطعها عثمان ، وكلّ مال أعطاه من مال الله ، فهو مردود في بيت المال . 
فإنّ الحقّ لا يبطله شيء ، ولو وجدته قد تزوج به النساء وملك الإماء ، وفُرّق في البلدان لرددته , فإنّ في العدل سعة ، ومن ضاق عليه الحقّ فالجور عليه أضيق )) .
وإلى هذه الطبقة المترفة ترجع أسباب انهيار دولة الإسلام ، ولمّا تتمكّن بعد من تثبيت قوائمها في الواقع .
ويعقد طه حسين مقارنة بين النظامين الروماني والإسلامي ، فيذهب إلى اشتراكهما في سبب انهيارهما الذي يرجع إلى تلك الطبقة المترفة القليلة العدد الكثيرة الموارد ، فيقول(1) : ويحدث في أوّل صدر الإسلام ما حدث في آخر الجمهوريّة الرومانيّة من هذه ( للاتيفونديا ) التي أضاعت الجمهوريّة . فاللاتيفونديا التي أضاعت الجمهوريّة الرومانيّة هي بعينها التي أضاعت الخلافة الإسلاميّة .
نحن في الواقع بإزاء نتائج على درجة بالغة الخطورة ـ وهي تؤكّد صحّة فرضنا الأوّل ـ رصدها كلّ من سيّد قطب وطه حسين على اختلاف موقعيهما ، ولا غرو فالحقيقة واحدة عند النصف ، وإنْ بدا أنّ توصيف الأحداث لدى سيّد قطب أكثر تحديداً ودقّة منه لدى طه حسين .
ـــــــــــــــ
(1) الخلفاء الراشدون ، مرجع سابق / 304 .
________________________________________
الصفحة (204)
فقد حدث انهيار الدولة الإسلاميّة بتعبير سيّد قطب , وضاعت الخلافة الإسلاميّة بتعبير طه حسين .
وحدث ذلك تحديداً ـ عند سيّد قطب بسبب الطبقة المترفة صاحبة الامتيازات ـ عندما : لم يكن ممكنناً لعليّ (ع) تصفية امتيازاتها ، بعد أنْ أدركت حدّ التمكن القادر على مناوأة الإمام (ع) ، وحدث ذلك عند طه حسين : في أوّل صدر الإسلام .
وإذا تذكّرنا أنّ عليّاً (ع) قُتل عام ( 40 هـ ) ، فذلك إذاً هو كلّ عمر الدولة الإسلاميّة في التاريخ ، فيما حفل ذلك العمر القصير بعوامل الهبوط عقيب وفاة الرسول (ص) ، إلى أنْ كان الانهيار بمقتل عليّ (ع) . وتلك الفترة المتناهيّة الصغر ـ بمقياس عمّار الاُمم ـ لم تترّسخ معها تقاليد عمليّة تعكس الرسالة في كمالها النظري .
وبذلك فإنّ الدولة الإسلاميّة القصيرة العمر ـ وهذا لا ينفي تزايد المسلمين كأفراد على المستوى العقيدي والشعائري ـ قد أحاط بها جاهليتان : جاهلية قبليّة حلّ محلّها الإسلام , وجاهليّة بعديّة أحلّت نفسها محلّ الدولة الإسلاميّة ، وهي جاهليّة ممتدّة لمْ تزل تولي معاوية . ومن هنا كان من أظلم الظلم للإسلام ، وصفّ العهود اللاّحقة منذ بني اُميّة بـ ( الإسلاميّة ) .
انهارت إذاً دولة الإسلام ، ولكن يشوب هذا الانهيار غموض غريب ، فقد جاء سريعاً قريباً بما لمْ يعهد في الثورات الكبرى على مدى التاريخ ، فقد حدث ذلك ـ كما ألمح طه حسين ـ في صدر الإسلام ، بينما لمْ يحدث مثيله إلاّ في آخر الجمهوريّة الرومانيّة . ونجد مثل ذلك في العصور القريبة ، ففي الثورة الفرنسيّة ـ مثلاً ـ كان ترف طبقة النبلاء ـ في تواكبه مع فساد علية الأكليروس ـ الأثر البالغ في القضاء على الملكيّة الإقطاعيّة ، ولكنّها كانت
________________________________________
الصفحة (205)
قد سادت قروناً ، فيما يرصده أحد باحثي هذه الثورة بقوله(1) : تحوي طبقة نبلاء البلاط النبلاء المقيمين في البلاط وهم حوالي ( 4000 ) , يعيشون في فرساي حول الملك ، ويحيون حياة بذخ وترف . وكانت طبقة النبلاء العليا مصابة بالخراب في قسم كبير منها ، يساعدها صافي مداخليها على المحافظة على مرتبتها , فالعديد من الخدم الذين يُحيطون أنفسهم بهم ، وترف اللباس واللعب والاستقبالات ، والأعياد والحفلات والصيد ، كلّ ذلك يتطلّب مزيداً من المال .
نحن في حاجة إلى فهم أعمق ، أو إعادة ترتيب الأحداث وبحث علاقتها ودلالاتها بما يفسّر قصر العمر غير المعهود للدولة الإسلاميّة ، وهو ما حاولناه من قبل ونزيده معالجة لاحقاً إنْ شاء الله . وحتّى ذلك الحين تعالَوا نلقِ مزيداً من الضوء على ممارسات تلك الطبقة ، التي أودت بحياة دولة الإسلام في مهدها .
يقول طه حسين(2) : وما هي إلاّ أنت تنشأ في الحجاز ، في مكّة والمدينة والطائف طبقة من هذه الأرستقراطيّة الفارغة التي لا تعمل شيئاً ، وإنّما يعمل لها ما جلبت من الرقيق ، والتي تنفق وقتها في فنون اللهو والعبث والمجون . فكان الترف والتبطل ، وكان الفنون التي تنشأ عن الترف والتبطل ، فكان الغناء والإيقاع والرقص والشعر الذي لا يصوّر جداً ولا نشاطاً ، وإنّما يصوّر بطالة وفراغاً وتهالكاً من أجل ذلك على اللذة ، أو عكوفاً من أجل ذلك على النفس وتعمقاً لمَا ينتابها من همّ .
ـــــــــــــــ
(1) ألبير سوبول ، تاريخ الثورة الفرنسيّة / 21 ، ترجمة جورج كوس ـ بيروت , دار منشورات عويدات / عام 1982 .
(2) الخلفاء الراشدون ، مرجع سابق / 300 .
________________________________________
الصفحة (206)
وربما كانت بداية سفور آثار الترف من لهو وتبطل بالمدينة ، حاضرة الخلافة وفي عهد عثمان , فقد أخرج ابن عساكر فيما أورده السيوطي(1) :  أوّل منكر ظهر بالمدينة حين فاضت الدنيا وانتهى سمن الناس : طيران الحمام ، والرمي على الجاهقات .
وفي عهد عثمان كذلك ظهر التغنّي بالميوعة والتخنّث على يد طويس , فيذكر الأصفهاني(2) : أوّل مَن غنّى بالعربي بالمدينة طويس ، وهو أوّل مَن ألقى الخنث بها . فكان طويس هذا رائد هذه المدرسة ، ومعه سائب خاثر وتلامذته : معبد وجميلة وعزة الميلاء .
فلمّا انتهت الخلافة إلى بني اُميّة شاع اللهو والعبث ؛ وذلك لسببين : فأمّا أوّلهما فكان انغماس الطبقة الحاكمة في الملذّات والرغبة في الاستزادة من المتع ، فكان أنْ انتقل ذلك بالمحاكاة إلى العامّة , وأمّا ثانيهما فكان سياسيّاً وهو إشغال القوم باللّهو عن الحكم وممارساته .
وهكذا شاع التشبيب بالنساء ، وعاد وصف الخمر شعراً وذكر محاسنه وحالات السكارى . وتوافق مع كلّ ذلك نوع آخر من اللّهو يتواجد بتواجد الفراغ والثراء والترف ، وهو : اتّخاذ المترفين مضحكين ، مثل : أشعب مضحك المدينة(3) .
ويصف جورجي زيدان هذا العصر بقوله(4) : فلمّا أفضت الدولة إلى بني 
ـــــــــــــــ
(1) تاريخ الخلفاء ، مرجع سابق / 165 . انتهى سمن الناس : أثروا . الجلاهقات : البندق يُرمى به الطير .
(2) الأغاني ، مرجع سابق 3 / 28 .
(3) د . شوقي ضيف ، الشعر والغناء في المدينة ومكّة لعصر بني اُميّة ، مرجع سابق / 36 .
(4) تاريخ آداب اللغة العربيّة ، مرجع سابق 1 / 234 .
________________________________________
الصفحة (207)
اُميّة , وقد انتقلت عاصمتها من المدينة إلى دمشق ، وكثر الاختلاط بالأعاجم ، وأخذ العرب بأسباب الحضارة ، وذهبت هيبة العفّة من نفوسهم ، وانقضت شدّة الخلفاء الراشدين في المحافظة عليها ، هان عليهم التشبيب ، فأكثروا منه ولا سيّما في المدينة ؛ لأنّ أهلها أغرقهم معاوية بالعطايا والرواتب ، ليشغلهم باللّهو عن طلب الملك .
ولتقف على مدى ما بلغه الحال على عهد معاوية ، اقرأ أخبار الطبقة الأولى من بني اُميّة وحلفائهم ، تجدهم غارقين في اللّهو والخمر حتّى الثمّالة . تُحدّثنا الأخبار أنّ مجالس الخمر كانت لا تنقطع بين عبد الرحمن بن سيحان بن أرطأة ـ أحد المقرّبين إلى معاوية المخلصين ، والوالغ في دماء المسلمين بغير حدّ لتثبيت ملك معاوية ـ والوليد بن عتبة بن أبي سفيان ، والوليد بن عثمان بن عفّان ويزيد بن معاوية .
ولمْ يكن معاوية يشغل نفسه ـ وهو يعلم بما يفعل أولئك النفر ـ بإقامة حدود الله ، وإنّما كان شغله المحافظة على المظهر العام لبني اُميّة وحلفائهم , حتّى إنّه أقدم على إبطال حدّ الخمر على حليفه ابن أرطأة .
يروي الأصفهاني(1) : كان عبد الرحمن بن سيحان بن أرطاه غاظ مروان بن الحكم ، أيّام كان معاوية يُعاقب بينه وبين سعيد بن العاص في ولاية الحرمينِ ، وأنكر عليه أشياء بلغته فغاظته من مدحه سعيداً وانقطاعه إليه وسروره بولايته ، فرصده حتّى وجده خارجاً من دار الوليد بن عثمان وهو سكران ، فضربه الحدّ ثمانين سوطاً . وقدم البريد من المدينة على معاوية ، فسأله عن أخبار الناس فجعل يُخبره بها ، حتّى انتهى به الحديث 
ـــــــــــــــ
(1) الأغاني ، مرجع سابق 2 / 241 .
________________________________________
الصفحة (208)
إلى ابن سيحان فاخبره : أنّ مروان ضربه الحدّ ثمانين ، فغضب معاوية ، وقال : والله ، لو كان حليف أبي العاص لما ضربه ، ولكنّه ضربه لأنّه حليف حرب ، أليس هو القائل :
وإني امرؤ حلف إلى أفضل الورى      عديداً إذا ارفضت عصا المتحلف
كذب والله مروان ، لا يضربه في نبيذ أهل المدينة وشكّهم وحمقهم . ثمّ قال لكاتبه : اُكتب إلى مروان : فليبطلْ الحدّ عن ابن سيحان ، وليخطب بذلك على المنبر ، وليقلْ : إنّه ضربه على شبهة ، ثمّ بان له أنّه لمْ يشرب مُسكراً ، وليعطه ألفي درهم .
فلمّا ورد الكتاب على مروان عظم ذلك عليه ، ودعا بابنه عبد الملك فقرأه عليه وشاوره فيه , فقال له عبد الملك : راجعه ولا تكذب نفسك ، ولا تبطل حكمك . فقال مروان : أنا أعلم بمعاوية إذا عزم على شيء أراده ، لا والله ، لا أراجعه . فلمّا كان يوم الجمعة وفرغ من الخطبة ، قال : وابن سيحان فإنّا كشفنا أمره ، فإذا هو لمْ يشرب مُسكراً ، وإذا نحن قد عجلنا عليه ، وقد أبطلت الحدّ . ثمّ نزل فأرسل إليه بألفي درهم .
وهكذا تجتمع الموبقات معاً ، ففسوق وعصيان ، وإبطال للحدود وائتمار بالباطل ، وإنفاق لمال المسلمين بغير حقّ .
أرأيت معاوية يكتمل مجلسه(1) ، فيسري عن نفسه بطلب إنشاده ثلاثة أبيات لرجل من العرب ، كلّ بيت قائم بمعناه ، فيشترط أحدهم إعطاءه ثلاثمئة ألف ، فلمّا أنشده أعطاه ما طلب .
ـــــــــــــــ
(1) السيوطي ، تاريخ الخلفاء ، مرجع سابق : 202 .
________________________________________
الصفحة (209)
ومعاوية(1) هذا الذي يُعطي مئات الألوف للتلهّي ، هو ذاته الذي يطلب ـ كما أسلفنا بيانه ـ من عامله على خراج مصر ، أنْ يزيد الجباية من قبط مصر خلافاً لعهدهم .
ومن قبل رأينا عثمان بن عفّان في خلافته يُعطي من بيت المال زوج ابنته ، الحارث بن الحكم يوم عرسه مئتي ألف درهمٍ ، فلمّا راجعه زيد بن أرقم خازن المال ، قال له عثمان : ألقِ بالمفاتيح يابن أرقم ، فإنّا سنجد غيرك .
وفي هذا يقول سيّد قطب : غير أنّه منذ اُميّة انساحت حدود بيت مال المسلمين ، فصار نهباً مباحاً للملوك والحاشية والمتملّقين ، وتخلخلت قواعد العدل الإسلامي الصارم ، فأصبح للطبقة الحاكمة امتيازات ، ولأذيالها منافع ولحاشيّتها رسوم ، وانقلبت الخلافة ملكاً ، وملكاً عضوضاً(2) .
وهنا يثب إلى ذاكرتنا ـ بالرغم منّا ـ قول عقيل لأخيه عليّ (ع) الخليفة : إنّي محتاج وإنّي فقير فأعطني . فيردّ الإمام (ع) : (( اصبر حتّى يخرج عطائي مع المسلمين ، فأعطيك معهم )) .
على أنّ معاوية وعُصبته لمْ يعدموا على مدى التاريخ المعذّرين لهم والمبرّرين لأفعالهم ، إلاّ أنّنا لا نجد تفنيداً لمزاعمهم من ردّ أيسر من قول واحد من بني اُميّة أنفسهم ، ولكنّه ثاب إلى الحقّ ولاذ بالعدل ، وهو عمر بن عبد العزيز الذي قال(3) : أمّا بعد ، فإنّ هؤلاء القوم قد كانوا أعطونا عطايا ما كان ينبغي لنا أنْ نأخذها ، وما كان ينبغي لهم أنْ يعطوناها ، وإنّ
ـــــــــــــــ
(1) أورد السيوطي في المرجع السابق : أنّ معاوية أوّل مَن اتّخذ الخصيان لخاصّ خدمته .
(2) العدالة الاجتماعيّة ، مرجع سابق / 221 .
(3) المرجع السابق / 223 .
________________________________________
الصفحة (210)
ذلك قد صار إليّ ، وليس عليّ فيه دون الله مُحاسب ، ألاَ وإنّي قد رددتها ، وبدأت بنفسي وأهل بيتي .
فهل ما فعله عمر كان اجتهاداً خاصّاً منه يتزهّد به ـ مثلما يحلو لفقهاء السلاطين تسويفه ـ غير ملزم لغيره ؟ أمْ أنّه عرفه واجباً يلزم معه الخروج من كلّ باطل دخل فيه ؟
أسئلة مشكلة :
تحدّثنا الأخبار أنّ عثمان بن عفّان أرسل ابن عمّه الحارث بن الحكم مصدّقاً على قضاعة ، فلمّا جاء بصدقاتهم وهبها له . ويعلّق طه حسين على ذلك بقوله(1) : وإذا أطلق الإمام يده في الأموال العامّة وأطلق العمّال أيديهم فيها على هذا النحو ، لمْ يكن غريباً أنْ تمتدّ هذه الأيدي إلى أموال الصدقة ، لا للإنفاق على الحرب ، بل للعطاء وصلة الرحم .
والسؤال هنا : هبْ أنّ قضاعة بعدما سمعت بذلك ، امتنعت عن أداء صدقاتها للخليفة ، متعلّلين بأنّهم لا يُؤدّونها ليهبها الخليفة لابن عمّه ، وإنّما يُؤدّونها لتُصرف في مصارفه الشرعيّة ، فماذا كان الخليفة فاعلاً ؟
والجواب معروف : ستُقاتل قضاعة لامتناعها عن أداء الزكاة محكوماً عليهم بالردّة ، ولهم في حرب الردّة منهم مثل . هذا الموقف كان يُمكن أنْ يحدث أيضاً مع ملوك بني اُميّة ، في اغترافهم من أموال المسلمين وإسرافهم في غير حقّ .
وهنا يتولّد سؤال آخر : هل يجوز دفع الزكاة إلى السلطان الجائر ؟
ـــــــــــــــ
(1) الخلفاء الراشدون ، مرجع سابق / 389 .
________________________________________
الصفحة (211)
يذهب الفقهاء(1) إلى أنّ ابن السبيل المسافر في معصيّة لا يُعطى من أموال الزكاة حتّى يتوب ، وكذلك الغارم في معصيّة ، فكيف إذاً تُعطى الزكاة أساساً لحاكم لا ينفقها في مصرفها أصلاً ؟
على أنّه يبدو هاهنا للباحث المُنصف ألاّ مناص من طرح مزيد من الأسئلة ، لمّا كشف التاريخ عن وقائع مماثلة وقعت في البدايات الأولى للخلافة ، ونخصّ بالذكر هنا حادثين بعينيهما ، فقد رُوي : أنّ أبا سفيان كان قد بعثه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) مصدّقاً , فلمّا جاء عقيب وفاة الرسول إلى المدينة ، قال : إنّي لأرى عجاجة لا يطفئها إلاّ الدم .
 فكلّم عمر أبا بكر ، فقال : إنّ أبا سفيان قد قدم ، وإنّا لا نأمن شرّه ، فدع له ما في يده فتركه فرضي(2) .
وخبر ثانٍ يرويه الطبري(3) فيما يروي عن حرب الردّة ، إذ خرج الزبرقان والأقرع إلى أبي بكر ، وقالا : اجعل لنا خراج البحرين ، ونضمن لك ألاّ يرجع من قومنا أحد . ففعل وكتب الكتاب .
وللسائل هنا أنْ يسأل : ففيمَ إذاً كانت حروب الردّة ، وعنوانها الامتناع عن أداء الزكاة ؟
فهل يُحارب على الزكاة لتُبذل أو ليُبذل بعضها للرؤوس ذوات الخطر على السلطان ؟ ومن أيّ باب يُمكن تخريج هذا الفعل شرعيّاً ؟ فإنْ لمْ يكن ، فهل هو العمل بالسياسة ؟ إذاً فلتُسمَّ الأشياء بأسمائها .
ـــــــــــــــ
(1) القرضاوي ، فقه الزكاة ، مرجع سابق 2 /840 .
(2) نهج البلاغة ، شرح ابن أبي الحديد 2 / 44 ، ط 2 ـ القاهرة ـ  دار إحياء الكتب العربيّة / 1965 م .
(3) مرجع سابق 3 / 275 .
________________________________________
الصفحة (212)
ومعلوم أنّ كُتب التاريخ لمْ تحدّد أبداً قبيلةً امتنعت عن أداء الزكاة إنكاراً للفريضة(1) ، ولكن مَن امتنع عن أدائها لأبي بكر ، ومنهم مَن أدّى به اجتهاده إلى إنفاقها في محلّها ، أي : في مُحيط القبيلة ، وهو الأصل قبل أنْ ينقل فائضها ، إنْ بقيَ فائض .
ومعلوم كذلك أنّ المرتدّين لمْ يستحدثوا على عهد أبي بكر ، فقد كانوا مثل : مسيلمة والأسود على عهد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) .
ولكنّه معلوم أيضاً أنّ البعض ـ مع اختلاف مبرّراتهم ـ لمْ يرتضِ ابتداءً بخلافة أبي بكر ، فأبو سفيان كان يقول : ففيمَ تيم وعدي من هذا الأمر ؟ وبعض الصحابة ، كالزبير وغيره امتنع عن مبايعته رفضاً لأسلوب استخلافه ، وسعد بن عبادة ومعه رهطه من الأنصار ، رأى أنّه الحقّ بها من المهاجرين وعليّ (ع) فيه النصّ . وعلى أيّة حال فذلك مجال حديث لاحق إنْ شاء الله .
* * *
5 ـ التلبيس والتشبيه :
قد علم من أمر معاوية وبني اُميّة ، أنّ تلك كانت خُطّتهم في التسيد والسلطان بما دلّلنا عليه من قبل من إلباسهم الحقّ بالباطل ، وتحريفهم للكلم عن مواضعه ، وخلطهم لكلّ مسألة بحيث تجعل المُوقن مرتاباً ، والمطمئنّ مُضطرباً ، والراشد حيراناً ، وهم في كلّ ذلك يرفعون رايةً ظاهرها حقّ تبطن باطلاً . فإذا ما أعيتهم الحيل ، ولمْ تسعفهم التآويل لجأوا إلى السفور والجهر بغير خشية أو تحرّج .
ـــــــــــــــ
(1) راجع : محمّد رضا المظفر ، السقيفة ـ بيروت ـ دار الصفوة / 1992 م ، وكذلك د . أحمد صبحي منصور ، حدّ الردّة ـ القاهرة ـ  طيبة للدراسات والنشر /  1993 م .
________________________________________
الصفحة (213)
ألمْ يرفع معاوية قميص عثمان ، يهيج به الناس بالشام ، وهو مَن خذله وأبطأ به ولمْ ينصره ؟! ألمْ يتأوّل معاوية بهواه حديث رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في عمّار بن ياسر : (( ويحك تقتلك الفئة الباغية ! )) . فيقول معاوية ـ إذهالاً للناس ـ : إنّما قتله مَن جاؤوا به .
وفي ذلك يروي ابن كثير(1) : فخرج الناس من عند فساطيطهم وأخبيّتهم ، وهم يقولون : إنّما قَتل عمّاراً مَن جاء به . 
ألم يقتل معاوية الصحابي حجر بن عدي الملقب بـ ( حجر الخير ) وصحبه ، وقد أتى بشهادة ضلالة على كفره ؟
ألمْ تتّفتق أذهانهم في حرب صفّين عن خدعة التحكيم ، فبعث معاوية إلى عليّ (ع) بكتابه الذي جاء فيه قول الله تعالى : ( أَلَمْ تَرَ إَلَى الذينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى‏ كِتَابِ اللّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثمّ يَتَوَلّى‏ فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُم مُعْرِضُونَ)(2) .
وبينما يرفعان راية الكتاب يضمر معاوية وعمرو بن العاص أمراً آخر يظهر من قول عمرو(3) : إنّي قد رأيت أمراً لا يزيدنا هذه الساعة إلاّ اجتماعاً ، ولا يزيدهم إلاّ فرقة .
ولمْ يتحرّج معاوية وصحبه من إذاعة كلام كذب بين جنده الشاميين ، تحريضاً لهم على قتال عليّ (ع) بإيهامهم أنّهم إنّما يُقاتلون على الدين . وليس أدلّ على ذلك من قصّة الشاب الشامي الذي خرج أثناء القتال بصفّين قائلاً :
أنا ابن أرباب الملوك غسان      والـدائن اليوم بدين عثمان
نـبأنا قـراؤنا بـما كـان      أن  عـلياً قـتل ابن عفّان
ـــــــــــــــ
(1) البداية والنهاية ، مرجع سابق 7 / 281 .
(2) سورة آل عمران / 23 .
(3) المرجع السابق / 283 .
________________________________________
الصفحة (214)
فلمّا راجعه أصحاب عليّ (ع) وذكّروه بالله ، قال : فإنّي أقاتلكم ؛ لأنّ صاحبكم لا يُصلّي وأنتم لا تُصلّون ، وأنّ صاحبكم قتل خليفتنا ، وأنتم ساعدتموه على قتله . فأجابوه بقولهم : إنّ صاحبنا أوّل مَن صلّى ، وهل يقتل عثمان أصحاب رسول الله (ص) ، وما زالوا به مراجعين حتّى رجع وتاب(1) .
إنّ هذه القصّة ـ فضلاً عمّا تدلّنا عليه من قوّة ونفاذ وتضليل الجهاز الإعلامي الاُموي ـ تدلّنا على مدى جهل الشاميّين بحقيقة عليّ (ع) ، وجهلهم بحقيقة القضيّة التي يساقون من أجلها للحرب .
وربّما يفسّر ذلك بأنّ عرب سوريا لمْ يكونوا في جملتهم من النازحين ، وإنّما كانوا من المستقرّين بها منذ أمد بعيد , وكان أمراؤهم من آل جفنة خاضعين للحكم الروماني(2) ، فألفوا الخضوع المُطلق لنظام الدولة .
ثمّ إنّ معاوية مكّن لنفسه في الشام ـ على نهج أباطرة الروم ـ طيلة عشرين عاماً قضاها أميراً عليها قبل ادّعائه الخلافة , وهو قد تزوّج ميسون الكلبيّة ـ اُمّ ولده يزيد ـ من أقوى القبائل اليمانيّة بسوريا ليضمن ولاءهم .
وهكذا اجتمع في الشاميّين طول العهد بالخضوع للنظام الحاكم ، وهي حالة متكرّرة على مدار التاريخ الإنساني لدى كثير من الاُمم المحكومة بنظام استبدادي يسلب الشعب إرادته ويستنيمه ، ويُوهمه بالوصاية الأبويّة عليه ، مع عزلهم عن المعلومات الصحيحة وإيصاد أبواب مصادرها ، وتزييف المقالات لهم , أرأيت ذا الكلاع يسمع دهشاً بحديث رسول الله (صلّى الله عليه وآله) لعمّار : (( تقتلك الفئة الباغية )) . ثمّ يُقتل ، فيقول فيه عمرو بن العاص لمعاوية(3) : ما أدري بقتل
ـــــــــــــــ
(1) ابن الأثير ، الكامل ، مرجع سابق 3 / 190 .
(2) بروكلمان ، تاريخ الشعوب الإسلاميّة ، مرجع سابق / 123 .
(3) ابن الأثير ، مرجع سابق 3 / 188 .
________________________________________
الصفحة (215)
أيّهما أنا أشدّ فرحاً ، بقتل عمّار أو بقتل ذي الكلاع ؟ والله ، لو بقيَ ذو الكلاع بعد قتل عمّار لمال بعامّة أهل الشام إلى عليّ (ع) .
وزاد على الشاميّين من خصالهم قتالهم حميّة ، حميّة الجاهليّة ، فترى هاشم بن عتبة الزهري ، أحد قادة عليّ (ع) في صفّين ـ يقول لأصحابه(1) : لا يُهولنّكم ما ترون من صبرهم ، فوالله ، ما ترون فيهم إلاّ حميّة العرب ، وصبراً تحت راياتها وعند مراكزها ، وإنّهم لعلى الضلال وإنّكم لعلى الحقّ .
اجتمع كلّ ذلك في عامّة أهل الشام ، وليس في قيادتهم ، فإنّما لهذه القيادة شأن آخر بيّناه من قبل بخروجهم من حكم البغي إلى حكم الحرابة , وبذلك يُمكن فهم وصف هذه الفئة بجملتها بالباغية من باب : إطلاق الصفة الغالبة في أكثريّتهم على جميعهم .
على أنّه إذا كانت هناك فئة على الحقّ ، وفئة اُخرى باغية ، فما بال بعض الصحابة يمتنعون عن هذه وتلك ؟
لقد رأينا عليّاً (ع) في يقينه ثابتاً لا يتزعزع ، لا يريبه مَن عاداه في الحقّ كائناً مَن كان ، ولا يفتّ في عضده مَن خذله ، ولا يرهقه طول أمد الباطل ، ولا يحبطه علوّ المبطلين , استمع إليه وهو يقول لابنه صاحب رايته والقلوب واجفة في مستهل المعركة : (( تَزُولُ الْجِبَالُ وَ لَا تَزُلْ ))(2) .
وبلغ من يقين عمّار بن ياسر في تصديه لمعاوية أنّ قال(3) : اللهمّ ، إنّك تعلم أنّي لو أعلم أنّ رضاك في أنْ أقذفَ بنفسي في هذا البحر لفعلته ، اللهمّ ، إنّك تعلم أنّي لو أعلم أنّ رضاك في أنْ أضع ظبّة سيفي في صدري ، ثمّ أنحني عليها حتّى
ـــــــــــــــ
(1) الطبري ، مرجع سابق 5 / 43 .
(2) نهج البلاغة ، مرجع سابق / 98 .
(3) الطبري ، مرجع سابق 5 / 38 .
________________________________________
الصفحة (216)
تخرج من ظهري لفعلت . وإنّي لا أعلم اليوم عملاً هو أرضى لك من جهاد هؤلاء الفاسقين ، ولو أعلم أنْ عملاً من الأعمال هو أرضى لك منه لفعلته .
ويقول كذلك : والله ، إنّي لأرى قوماً ليضربنّكم ضرباً يرتاب منه المبطلون ، أيمْ الله ، لو ضربونا حتّى يبلغوا بنا سعفات هجر لعلمنا أنا على الحقّ ، وأنّهم على الباطل .
فهذا يقين عمّار بن ياسر ومعه في جيش عليّ (ع) ـ كما روى ابن كثير(1) ـ ثمانون بدريّاً ، ومئة وخمسون ممّن بايع تحت الشجرة .
في هذا الوقت الفصل ، وتلك السويعات الحاسمة التي يتحدّد فيها مصير الحقّ لا ينتظر فيها الدعوة للنصرة ، خاصّة ممّن يفترض فيهم الإحاطة والمعرفة ، ولكن يتوقّع أنْ يندب كلّ نفسه وإلاّ وقع في إثم السكوت عن الظلم , ومع هذا نجد قعود بعض هؤلاء ، مثل : سعد بن أبي وقّاص ومحمّد بن مسلمة ، وأسامة بن زيد وأبي موسى الأشعري .
يقول أبو موسى ـ مبرّراً القعود ـ : سمعت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، يقول : (( إنّها ستكون فتنة ، القاعد فيها خير من القائم ، والقائم خير من الماشي ، والماشي خير من الراكب )) .
وما أدري حجّة تنهض للقاعدين في تأوّلهم لهذا الحديث ! أيُعدّ الافتئات على حقّ الإمام والخروج عليه بغير حقّ فتنة تُوجب القعود ؟!
وما أظنّ أحداً يُمكن أنْ تطمئنّ نفسه لتفسير مقنع ، لقول سعد بن أبي وقّاص لابنه عمر ـ وهو قائد السريّة التي قتلت الحُسين (ع) من بعد ـ عندما حثّه ليكون له موقف بين النّاس ، فقال له(2) :
ـــــــــــــــ
(1) البداية والنهاية ، مرجع سابق 7 / 265 .
(2) البداية والنهاية ، مرجع سابق 7 / 293 .
________________________________________
الصفحة (217)
لا والله ، حتّى أعطي سيفاً إنْ ضربت به مؤمناً نبا عنه ، وإنْ ضربت عنه كافراً قتلته .
ثمّ هبْ أنّ القاعدين لمْ يتبيّنوا في البداية جانب الحقّ ، أفما كان حقيقاً بهم نصرة عليّ (ع) بعدما تبيّنت الفئة الباغية بمقتل عمّار بن ياسر ؛ امتثالاً لأمر الله تعالى : ( فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى‏ فَقَاتِلُوا الّتِي تَبْغِي حَتّى‏ تَفِي‏ءَ إِلَى‏ أَمْرِ اللّه )(1) .
وربما وجد القاعدون مَن يعتذر عنهم ، كما فعل أبو بكر الجصاص ، إذ يقول(2) : ولمْ يختلف أصحاب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في وجوب قتال الفئة الباغية بالسيف إذا لمْ يردعها غيره . ألاَ ترى أنّهم كلّهم رأوا قتال الخوارج ، ولو لمْ يروا قتال الخوارج وقعدوا عنها لقتلوهم وسبوا ذراريهم واصطلموهم ! فإن قِيل : قد جلس عن عليّ (ع) جماعة من أصحاب النبي (صلّى الله عليه وآله) ، منهم : سعد ومحمّد بن مسلمة ، وأسامة بن زيد وابن عمر ، قِيل له : لمْ يقعدوا عنه ؛ لأنّهم لمْ يروا قتال الفئة الباغية ، وجائز أنْ يكون قعودهم عنه ؛ لأنّهم رأوا الإمام مكتفياً بمَن معه مستغنياً عنهم بأصحابه ، فاستجازوا القعود عنه لذلك . 
ألاَ ترى أنّهم قد قعدوا عن قتال الخوارج ، لا على أنّهم لمْ يروا قتالهم واجباً ، لكنّه لمَا وجدوا من كفاهم قتل الخوارج ، استغنوا عن مباشرة قتالهم .
فإنْ احتجّوا بما رُوي عن النبي (صلّى الله عليه وآله) ، قال : (( ستكون فتنة ، القائم فيها خير من الماشي ، والقاعد فيها خير من القائم )) . قِِيل له : إنّما أراد به الفتنة التي 
ـــــــــــــــ
(1) سورة الحجرات / 9 .
(2) أحكام القرآن 5 / 281 .
________________________________________
الصفحة (218)
يُقتتل الناس فيها على طلب الدنيا ، وعلى جهة العصبيّة والحميّة من غير قتال مع إمام تجب طاعته .
فأمّا إذا ثبت أنّ إحدى الطائفتين باغية والاُخرى عادلة مع الإمام ، فإنّ قتال الباغية واجب مع الإمام ومع من قاتلهم محتسباً في قتالهم .
وواضح من كلام الجصاص مدى ما فيه من تكلّف ، وإنْ لمْ يقرّ بهذا التبرير مُطلقاً وإنّما قال بجوازه . إلاّ أنّه يدعونا لمراجعته أمران : 
أوّلهما : أنّه اعتذر عنهم بما لمْ يقله أحد منهم .
 وثانيهما : موقف أحدهم بالذات ، وهو عبد الله بن عمرو بن العاص الذي يُعدّ في نظر أهل السنّة من القرّاء ، وفيه يقول أبو هريرة(1) : ما كان أحد أحفظ لحديث رسول الله (صلّى الله عليه وآله) منّي إلاّ عبد الله بن عمرو بن العاص ، فإنّه كان يكتب ولا أكتب .
فقد حدّث عبد الله بن عمرو ، بعد مقتل عمّار بن ياسر في معمعة صفّين ، بحديث رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : (( تقتلك الفئة الباغية )) . حتّى انزعج معاوية ، فقال لأبيه عمرو بن العاص(2) : ألاَ تنهى عنّا مجنونك هذا . ثمّ أقبل معاوية على عبد الله ، فقال له : فلمَ تقاتل معنا ؟ فقال له : إنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أمرني بطاعة والدي ما كان حيّاً ، وأنا معكم ولست أقاتل .
فهل رأيت خلطاً للأمور أشدّ من هذا ؟! فعبد الله لمْ يعتزل ولمْ يقعد ، ولكن شارك معاوية وأباه في حربهما لعليّ (ع) ، وقِيل : إنّه كان صاحب الرّاية في صفّين(3) ، ثمّ تبيّنت الفئة الباغية بقتل عمّار ، وهو ذاته الذي روى الحديث ، ثمّ نراه مع ذلك مُقيماً على لزوم معسكر معاوية .
ـــــــــــــــ
(1) أسد الغابة : مرجع سابق 3 / 349 .
(2) البداية والنهاية ، مرجع سابق 7 / 280 .
(3) أُسد الغابة ، مرجع سابق / 351 .
________________________________________
الصفحة (219)
ألمْ يكن فرضاً عليه ـ والحال هكذا ـ الامتثال لأمر الله تعالى بقتال الفئة الباغية ، خاصّة وهو شاهد حاضر في قلب المعركة ، ولمْ يكن بعيداً كبقيّة المعتزلين ؟ غير أنّك تراه يسوق مبرّراً للامتناع عن الامتثال لأمر الله بالامتثال لطاعة أبيه .
أفتراه قد غفل عن حديث رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، وهو أحفظ الناس للحديث : (( لا طاعة لمخلوق في معصيّة الخالق )) ؟!
أمْ تراه كان في حاجة لمَن يذكّره بآيات الله : ( يَاأَيّهَا الذينَ آمَنُوا كُونُوا قَوّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ للّهِ‏ِ وَلَوْ عَلَى‏ أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقِيرَاً فَاللّهُ أَوْلَى‏ بِهِمَا فَلاَ تَتّبِعُوا الْهَوَى‏ أَن تَعْدِلُوا وَإِن تَلْوُو أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً)(1) .
وتتمّ قصّة عبد الله فصولاً بتوريث معاوية إيّاه ولاية مصر بعد موت أبيه عمرو ، وقد كانت له طعمة ما بقي حيّاً حسب الشرط الذي شرطه على معاوية كيما يشاركه في حرب عليّ (ع) .
وأظنّ أنّه قد بات واضحاً مدى تهافت انتحال الأعذار للقاعدين . ولو أنصف عبد الله من نفسه ، ولو أنصف القاعدون من أنفسهم لانضمّوا من فورهم لعليّ (ع) بعدما تبيّن لهم الحقّ ، فعلّ ذي الشهادتين خزيمة بن ثابت الذي شهد صفّين مع عليّ (ع) دون قتال ، فلمّا قُتل عمّار جرّد سيفه وقاتل جيش معاوية حتّى قُتل(2) .
* * *
ـــــــــــــــ
(1) سورة النساء / 135 .
(2) الكامل ، مرجع سابق 3 / 200 .
________________________________________
الصفحة (220)
6 ـ الابتداع :
تخلّل سعي معاوية وحزبه للسلطة إتيانهم لمَا لمْ تعرفه العرب في جاهليّتها من منكرات وفظائع ، ولو أنّك ذكرتها مجردةً لامرئ لحسبها من فعل برابرة لمْ يتّصلوا بحضارة قط ، ولمْ يزعهم دين ، ولمْ تقيّدهم شريعة .
انظروا إلى كيد معاوية وأوامره إلى سراياه عقب الحكومة ، تُدركوا أيّ صنف من البشر كان , وأيّ نظام أراد أنْ يُرسي . 
كان معاوية يأمرهم(1) أنْ يأتوا البلاد فيقطعوها ثمّ يغيروا عليها ، ثمّ يوقعوا بأهلها ، ويأخذوا أموال الناس ، ويقتلوا مَن يلقوا من الأعراب ، ويستولوا على متاعهم .
حدث ذلك في توجيه معاوية لقوّاده : سفيان بن عوف إلى هيت والأنبار والمدائن ، وعبد الله بن مسعدة الفزاري إلى تيماء ، والضحّاك بن قيس إلى واقصة .
اقرأ الطبري يَروي إحدى شنائع التاريخ ، لمّا بعث معاوية بسر بن أبي أرطأة إلى اليمن ، فقتل جماعة كثيرة ممّن يقولون عليّاً (ع) ، ثمّ أتى على طفلين صغيرين لعبيد الله بن عبّاس ، ابن عمّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فذبحهما . 
يروي الطبري(2) : إنّه وجد ابني عبيد الله بن عبّاس عند رجل من بني كنانة من أهل البادية ، فلمّا أراد قتلهما قال الكناني : علامَ تقتل هذين ولا ذنب لهما ؟! فإنْ كنت قاتلهما فاقتلني . قال : أفعل . فبدأ بالكناني فقتله ثمّ قتلهما . وقالت امرأة من بني كنانة لبسر ـ بعد أنْ قتل الطفلين(3) ـ : يا هذا ، قتلت الرجال ، فعلامَ تقتل هذين ؟
ـــــــــــــــ
(1) مرجع سابق 5 / 134 .
(2) المرجع السابق / 140 .
(3) الكامل ، مرجع سابق 3 / 251 .
________________________________________
الصفحة (221)
والله ، ما كانوا يقتلون في الجاهليّة والإسلام . والله ، يابن أبي أرطأة إنّ سلطاناً لا يقوم إلاّ بقتل الصبي الصغير والشيخ الكبير ، ونزع الرحمة وعقوق الأرحام لسلطان سوء(1) .
قارن هذا بسيرة عليّ (ع) في أسلوبه في الحرب ، والتي يرويها الطبري أيضاً بقوله(2) : كان من سيرة عليّ (ع) ألاّ يقتل مدبراً ، ولا يذفّف على جريح ، ولا يكشف ستراً ، ولا يأخذ مالاً  .
وحدث عقيب وقعة الجمل أنْ سبّت امرأة عليّاً (ع) مواجهة ، وأخبر عليّ (ع) أنّها تخفي في بيتها اُناساً ممّن كانوا يُحاربونه ، فتغافل عنهم وأمر مَن معه : (( لا تهتكن ستراً ، ولا تدخلن داراً ، ولا تهيجن امرأة بأذىً ، وإنْ شتمن أعراضكم ، وسفهن أمراءكم وصلحاءكم )) .
وعندما أقبل جيش معاوية قُبيل حرب صفّين ، منعوا جيش عليّ (ع) من الماء ، فلمّا قاتلهم عليّ (ع) وأصبح بيده الماء , أفسح لجيش معاوية كي يأخذوا حاجتهم من الماء .
هنا النبل والشرف والمروءة ، والعدل والرحمة والترفع والإباء والفطنة ، هنا الدين وهناك ما قد علمت من معاوية وعمرو ، بما يدفع الباحث دفعاً لاتّخاذ موقف ولو وصف بالانحياز ، وليس في ذلك أيّ قدر من تجاوز أصول البحث ، فإنْ سبيل الأمانة ألاّ تتجاوز نفسك لتطابق مفهوماً مغلوطاً للموضوعيّة ، ثمّ إنّ 
ـــــــــــــــ
(1) قارن معلّق بين أفعال معاوية والتتار ، فوجد أنّ وصايا معاوية لقوّاده لا تختلف في شيء عن وصيّة منكوخان أخي هولاكو ، عندما بعثه لغزو البلاد الإسلاميّة . نهج البلاغة بشرح محمّد عبده .
(2) المرجع السابق / 541 .
________________________________________
الصفحة (222)
الموقف لا يأتي من مقولات قبليّة ، وإنّما هو نتاج مرحلة وصفيّة وهي التي ينبغي حيادها . وفي النهاية يظلّ تقدم البحث الاجتماعي والعلم بشكل عامّ مرهوناً بطرح مواقف ، شريطة الوعي بقابليّتها للنقد والاختبار .
في هذا الوقت الذي تغلب فيه على تبنّي الموقف ، أو كما عبّر المستشرق جولد : موقفك تثبيتاً ، عندما تطّلع على شنيعة اُخرى من صنع جيش معاوية ، إذ عدا عمرو بن العاص على مصر ، وكان عليها محمّد بن أبي بكر من قبل عليّ (ع) ، فقاتل عمرو محمّداً حتّى قتله ، فجاء معاوية بن خديج أحد قوّاد عمرو فوضع جثّة محمّد في جيفة حمار ثمّ أحرقها .
فلمْ يرقب هؤلاء في مؤمن إلاّ ولا ذمّة ، ولمْ يحفظوا لميّت حرمةً ، ولمْ ينتهوا عمّا نهى عنه الإسلام من المُثلة . وبلغ أمر محمّد أخته السيّدة عائشة ، فكانت تدعو على معاوية وعمرو وحرّمت على نفسها كلّ الشواء حتّى ماتت(1) . فهل راجعت نفسها حينئذ ، وقارنت بين تكريم عليّ (ع) لها ومن معها من نسوة ورجال ، وصلاته على قتلاهم ، رغم مبادءتهم له بالحرب وانتصاره عليهم في موقعة الجمل ، وبين تمثيل معاوية بجثّة أخيها ؟
وهل أدركت حينئذ كيف كانت حربها لعليّ (ع) في واقع الأمر تمكيناً لمعاوية ومعسكره من رقاب المسلمين ؟
لقد أتوا في الإسلام بما لمْ تعرفه الجاهليّة ، فضلاً عن أنْ يقبل به دين أو يقرّه عرف ، فتراهم محمومين في لهاثهم فقط نحو السلطة والمال بغير حدّ ينتهون عنده .
ـــــــــــــــ
(1) الكامل ، مرجع سابق / 230 .
________________________________________
الصفحة (223)
ثمّ إنّهم قد بلغ بهم المدى في محاولتهم تقنين ظلمهم ، وإضفاء الشرعيّة على ما تقترف أيديهم من آثمّ ، فتراهم يستحدثون مذاهب ، ويبتدعون أفكاراً ، ولا يعدمون في ذلك التدعيم من فقهاء السلاطين على ما مرّ بنا .
التقط بنو اُميّة فكرة عدم تبين وجه الحقّ والتوقف عن اتّخاذ موقف ، وهي تلك التي أتى بها القاعدون عن نصرة عليّ (ع) ، فطوّروها وضخّموها وأشاعوها بين الناس ، وخلاصتها : أنْ لا يضرّ مع الإيمان معصيّة كما لا ينفع مع الكفر طاعة ، وتلك هي بدعة الإرجاء .
وهنا تلحظ إثم مَن قعد عن نصرة عليّ (ع) مرّتين , فأمّا أوّلاهما : فعدم الامتثال لأمر الله تعالى بقتال الفئة الباغية , وأمّا ثانيهما : فإنّ عملهم كان بمثابة السابقة والمرجعيّة لبدعة تاليّة ، وهي الإرجاء .
إذاً جاء الإرجاء سياسة تلبس مسوح الدين ؛ فطالما لا يضرّ مع الإيمان معصيّة كبيرة كانت أو صغيرة ، فكلّ أفعال الاُمويّين مهما حادت عن جادة الإسلام ، فهي مرجأة إلى يوم القيامة ، ولا مجال بالتالي لمنتقد أو شاك في حكمهم .
يقول أحمد أمين(1) : وينتج من هذا ، أنّ موقفهم ـ المرجئة ـ إزاء حكم الاُمويّين موقف تأييد .
ويرى جولد تسيهر : أنّ الاُمويّين كانوا في حاجة لفكرة الإرجاء لمخالفتهم صريح الدين ، فيقول(2) : وممّا لا ريب فيه أنّ بني اُميّة لمْ يكونوا متديّنين ولا متظاهرين بالتقوى . وكانت حياتهم في بلاطهم وبين حاشيتهم ، لا تحقّق من كلّ الوجوه ما كان ينتظره الأتقياء ، من رؤساء الدولة الإسلاميّة من كبت النفس والهوى والابتعاد عن متع الحياة وزينتها .
ـــــــــــــــ
(1) أحمد أمين ، فجر الإسلام  / 280 ـ القاهرة ،  مكتبة النهضة المصريّة / 1978 م .
(2) العقيدة والشريعة ، مرجع سابق / 71 .
________________________________________
الصفحة (224)
وقد حاول معاوية استغلال هذه الفكرة لتمرير بيعة ابنه يزيد ، فيردّ عليه عبد الرحمن بن أبي بكر بقوله(1) : إنّك والله ، لوددت أنّا نكلك إلى الله فيما جسرت عليه من أمر يزيد .
ثمّ كان من أمر هذا المذهب بعد نشوئه السياسي ، أنّ تحوّل إلى مذهب اعتقادي يغرق في الضلال ، ويمعن في الفساد ، ويغلو في الباطل , حتّى قال قائلهم(2) : الإيمان عقد بالقلب ، وإنْ أعلم الكفر بلسانه بلا تقيّة ، وعبد الأوثان ، أو لزم اليهوديّة أو النصرانيّة في دار الإسلام ، وعبد الصليب وأعلن التثليث في دار الإسلام ، ومات على ذلك , فهو مؤمن كامل الإيمان عند الله .
ويعلّق أبو زهرة على ذلك بقوله(3) : وجد مَن المتعقّبين لهذا المذهب مَن يستهين بحقائق الإيمان وأعمال الطاعات ، ومَن يستهين بالفضائل واتّخذه مذهباً له كلّ مفسد مستهتر ، حتّى لقد ذكر فيه المفسدون ، واتّخذوه ذريعة لمآثمهم ، ومنهلاً لمفاسدهم ، ومسايراً لنيّاتهم الخبيثة ، وصادف هوى أكثر المفسدين .
ولعلّ ما يزيد فكرتنا عن المرجئة وضوحاً ذكر قول مرجئي وراد عليه , فهذا ثابت قطنة أحد شعراء بني اُميّة وأحد عمّالهم بخراسان ، يقول(4) :
نـرجي الأمـور إذا كـانت مشبّهة      ونـصدق الـقول فيمن جار أو عندا
ولا أرى أن ذنـبـاً بـالـغ أحـداً      من الناس شركاً إذا ما وحّدوا الصمدا
ـــــــــــــــ
(1) ابن قتيبة ، الإمامة والسياسة 1 / 210 ـ بيروت ـ  دار الأضواء / 1990 م .
(2) هو قول : أبي محرز جهم بن صفوان .
(3) تاريخ المذاهب الإسلاميّة ، مرجع سابق / 122 .
(4) الأصفهاني ، الأغاني ، مرجع سابق / 262 .
________________________________________
الصفحة (225)
وهذا عون بن عبد الله ، وهو مرجئي سابق ثمّ تاب ، يقول :
فأول ما أفارق غير شك       أفارق ما يقول المرجئونا
وقالوا مؤمن من آل جور      وليس  المؤمنون بجائرينا
وقـالوا مؤمن دمه حلال      وقد حرّمت دماء المؤمنينا
وممّا يسترعي الانتباه بشدّة في تناولنا لبدعة الإرجاء كما أرادها الاُمويّون وفقهاؤهم ، أنّها تُطبق لصالحهم فقط ، وليس لمعارضيهم في إرجاء ذنوبهم من نصيب . فأهل السلطان وحدهم هم المعنيّون بإرجاء كبائرهم إلى يوم القيامة , وأمّا مَن ينتقدهم وإنْ من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فيكفّر ويُحل دمه عاجلاً .
ألمْ يحدث ذلك مع حجر بن عدي أنْ قتله معاوية لمجرّد إنكاره سبّ عليّ (ع) على المنابر ؟ وما أسرع ما أعدّ له فقهاء معاوية شهادة حكموا فيها بكفر حجر كفرة صلعاء !
ثمّ ألمْ يقتل الناس بالظنّة على يد عامل معاوية زياد ؟ ثمّ إنّ بني اُميّة لمْ يكونوا ليدخروا وسعاً ، أو يدعوا فرصةً دون أنْ يهتبلوها لإحكام سلطانهم وشدّ وثاق اُمرتهم على الناس ، مهما يكن الباب الذي يلجون منه ، والطريق الذي يسلكون .
فكما أنّهم لجأوا إلى الإرجاء ليفوتوا على الناس الحكم عليهم ، بزعمهم أنّ الإيمان ما وقر في القلب دون أنْ يصدقه العمل ، فكذلك وجدوا في القول بالجبر رداءاً لهم يقيهم شرّ النقد لأفعالهم .
وقوام هذا المذاهب نفي الفعل حقيقةً عن العبد وإضافته إلى الله ، فلا خيرة إذاً للعبد في أفعاله ، بل هو مجبور على إتيانها ، وبالتالي فأفعال بني اُميّة مقدّرة أصلاً ، ومَن يحاول الاعتراض عليها يكن كافراً بقضاء الله .
الصفحة (226)
يتّضح ذلك مباشرةً من قول معاوية لعبد الله بن عمر ، عندما أراده ليُبايع ابنه يزيد ، فيقول(1) : يا عبد الله بن عمرو ، قد كنت تُحدّثنا أنّك لا تُحبّ أنْ تبيتَ ليلةً وليس في عنقك بيعة جماعة ، وأنّ لك الدنيا وما فيها ، وإنّي أحذّرك أنْ تشقَّ عصا المسلمين ، وتسعى في تفريق ملئهم وأنْ تسفكَ دماءهم ، وإنّ أمر يزيد قد كان قضاء من القضاء ، وليس للعباد خيرة من أمرهم .
وما أنْ استهلّ معاوية دولة بني اُميّة بالجبر حتّى فشا فيهم وصار مذهباً . يقول أبو زهرة(2) : ولكنّا نجزم بأنّ القول بالجبر شاع في أوّل العصر الاُموي وكثر حتّى صار مذهباً في آخره .
 ثمّ يُورد خطاب عبد الله بن عبّاس لجبريّة أهل الشام : أمّا بعد ، أتأمرون الناس بالتقوى ، وبكم ضلّ المتّقون ؟ وتنهون الناس عن المعاصي ، وبكم ظهر العاصون ؟ يا أبناء سلف المنافقين وأعوان الظالمين وخزان مساجد الفاسقين ، هل منكم إلاّ مفترٍ على الله ، يجعل أجرامه عليه سبحانه ، وينسبه علانيّةً إليه .
ثمّ يُورد رأي الحسن البصري : ومَن لمْ يُؤمن بالله وقضائه وقدره فقد كفر ، ومَن حمّل ذنبه على ربّه فقد كفر .
وأنت تجد أحد التطبيقات المباشرة لهذا المذهب في الحادثة المروعة التي قُتل فيها أحد ملوك بني اُميّة ، وهو عبد الملك بن مروان واحداً من المختلفين معه ، وهو عمرو بن سعيد بن العاص . إذ(3) صالح عبد الملك عمراً واستدعاه لقصره ، ثمّ فتك به وأدخله تحت سريره ، فدخل عليه أحد فقهائه ـ وهو قبيصة بن ذؤيب
ـــــــــــــــ
(1) الإمامة والسياسة ، المرجع السابق .
(2) تاريخ المذاهب ، مرجع سابق / 104 .
(3) الطبري ، مرجع سابق 6 / 69 ، وابن قتيبة ، مرجع سابق 2 / 34 .
________________________________________
الصفحة (227)
الخزاعي ـ فأبصر رجل عمرو تحت السرير حينما سأله عبد الملك رأيه في عمرو ، فأسرع الفقيه بقوله : اضرب عنقه يا أمير المؤمنين . ثمّ نصح عبد الملك بأنْ يلقي رأس عمرو إلى رجال عمرو ، وكانوا أربعة آلاف يحيطون بقصر عبد الملك ، وأنْ يطرح عليهم الدنانير مع الرأس فيتشاغلوا بها عن صاحبهم ، ففعل . ثمّ أخرج لهم هاتفاً يُنادي : إنّ أمير المؤمنين قد قتل صاحبكم بما كان من القضاء السابق ، والأمر النافذ .
إنّ هذه القصّة وحدها ترينا كيف يُمكن أنْ تجتمع كلّ النقائص في آنٍ معاً , فأمير المؤمنين الاُموي يُحيك مؤامرة فيصالح عمراً ظاهراً وهو يبطن نقضه ، ثمّ هو يستأمنه ليغدر به . وفي ذلك يقول ابن الحنفيّة ـ عندما بلغه الخبر ـ : [ ( فَمَن نَكَثَ فَإِنّمَا يَنكُثُ عَلَى‏ نَفْسِهِ )(1) ، يرفع له يوم القيامة لواء على قدر غدرته ] . ولمّا طلب عبد الملك من امرأة عمرو كتاب الصلح الذي عقده له ، أجابت رسوله بقولها : ارجع ، فأعلمه أنّ ذلك الصلح معه في أكفانه ، ليُخاصمك عند ربّه(2) .
ثمّ إنّك ترى كيف اتّخذ فقهاء بني اُميّة دينهم نفاقاً للسلاطين ، فما أنْ أبصر قبيصة رجل عمرو المقتول حتّى أسرع بالإشارة على عبد الملك أنْ يقتله ، فيمدحه عبد الملك بقوله : ما علمناك إلاّ ناصحاً أميناً . ثمّ هو يُشير عليه بأخبث مشورة : أنْ يلقي لأصحاب المقتول رأسه ومعها الدنانير ، فيزيد الفقيه الملك خبثاً على غدر .
ولكن الأغرب من كلّ ذلك ما آل إليه حال الناس ـ دعك من السلطان وفقهائه ـ فقد جاؤوا يمنعون صاحبهم ، فإذا بهم لا يُعيرون مقتله اهتماماً تشاغلاً بجمع الدنانير ! وهكذا عمّت البلوى .
ـــــــــــــــ
(1) سورة الفتح / 10 .
(2) الكامل ، مرجع سابق 4 / 89 .
________________________________________
الصفحة (228)
ولك أنْ تتوقّف طويلاً عند تلك العبارة العجيبة مبنى ومعنى : أمير المؤمنين يقتل بما كان من القضاء السابق والأمر النافذ ! الحقّ عند بني اُمية هو ما يصلح لسلطانهم ، وإنْ تمّ بإلصاق التهم بالله بلا حرج . 
يعلّق جولد تسيهر على ذلك بقوله(1) : إنّهم كانوا يعلمون تماماً أنّ أُسرتهم كانت غير محتملة من الزهاد ، أي : من هؤلاء الذين يملكون رقاب العامّة بسبب طهارة قلوبهم . وإنّهم لمْ يكونوا يجهلون أنّهم في رأي الكثير من رعاياهم مُختلسون وصلوا إلى السلطان بوسائل قهريّة شديدة ، وأعداء لآل النبي (عليهم السلام) ، وقتلة أشخاص مقدّسين ، ومنتهكون للأماكن المقدّسة الطاهرة .
إذاً لو أنّ عقيدة عملت تماماً لإمساك الاُمّة بالعنان ، وصرفتها عن الثورة عليهم وعلى ممثّليهم ، لكانت عقيدة الجبر . هذه العقيدة التي ترى : أنّ الله قد حكم أزلاً أنْ تصل هذه الأُسرة إلى الحكم ، وأنّ ما يعملون ليس إلاّ أثراً أو نتيجةً لقدر إلهي محكم ، من أجل ذلك كان حسناً جدّاً لهم ولديهم أنْ تتأصّل هذه الأفكار في الشعب .
* * *
ـــــــــــــــ
(1) العقيدة والشريعة ، مرجع سابق / 86 .
________________________________________
الصفحة (229)
النظام الاُموي والعصبيّة القبليّة 
معلوم أنّ الإسلام جاء مساوياً بين الناس وجعلهم شعوباً وقبائل ليتعارفوا ، ونظر إليهم على أنّهم سواسية كأسنان المشط ، ولمْ يضع إلاّ معياراً وحيداً لتمايزهم ، وهو التقوى . فلمْ يعرف فضلاً لعربي على أعجمي ، ولا لأبيض على أحمر .
والإسلام أرسى قاعدة وحيدة أصيلة للانتماء بين الناس ، تسبق ما عداها من صلات وانتماءات ثانويّة . فليست القاعدة هي المواطنة ولا القوميّة ولا المصلحة المشتركة ، ولا الأصل العرقي ولا حتّى قرابة الدم ، وإنّما هي العقيدة . فإذا ما وُجد رباط العقيدة في الأساس ، أضحى لبعض الروابط الاُخرى دلالاتها الخاصّة النابعة من رباط العقيدة ذاته . وهذا بالطبع لا ينفي بل يؤكّد وجوب شمول العلاقات الإنسانيّة عامّةً بقواعد : العدل وحسن المعاملة وسماحة المعايشة . فتلك أيضاً منطوقات قواعد العقيدة ، ولكنّا نتحدّث تحديداً عن الانتماء .
وقد بيّن لنا القرآن حقيقة هذه القاعدة في كثير من آياته ، فيقول الله تعالى : ( إِنّ الذينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالذينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ )(1) .
ـــــــــــــــ
(1) سورة الأنفال / 72 .
________________________________________
الصفحة (230)
وضرب الله تعالى لنا الأمثلة على جميع صور القرابة القريبة ، وأنّها لا تُغني من العقيدة شيئاً : في البنوة ، وفي الأبوّة ، وفي الزوجية : ( وَنَادَى‏ نُوحٌ رَبّهُ فَقَالَ رَبّ إِنّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنّ وَعْدَكَ الحقّ وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ * قَالَ يَانُوحُ إِنّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ )(1) . ( وَإِذِ ابْتَلَى‏ إِبْرَاهِيمَ رَبّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمّهُنّ قَالَ إِنّي جَاعِلُكَ لِلنّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِنْ ذُرّيَتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ)(2) . 
( وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ إِلّا عَن مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيّاهُ فَلما تَبَيّنَ لَهُ أَنّهُ عَدُوّ للّهِ‏ِ تَبَرّأَ مِنْهُ إِنّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوّاهٌ حَلِيمٌ )(3) . ( ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً لِلّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَةَ نُوحٍ وَامْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللّهِ شَيْئاً وَقِيلَ ادْخُلاَ النّارَ مَعَ الدّاخِلِينَ )(4) .
وقد وعى المسلمون الأوائل هذه الحقيقة بما لمْ يدع في نفوسهم أدنى شكّ في فحواها , وإنّ نظرةً واحدةً في وقعة واحدة كوقعة بدر لكفيلة بإظهار هذه الحقيقة واضحةً لا لبس فيها , فهذا أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة يشهد مع الرسول (صلّى الله عليه وآله) مصارع أبيه عتبة ، وعمّه شيبة وأخيه الوليد , وهذا مصعب بن عمير يمرّ بأخيه أبي عزيز بن عمير ، وهو أسير في يد رجل من الأنصار ، فيقول : شد يديك به ؛ فإنّ اُمّه ذات متاع ، لعلّها أنْ تفتديه منك(5) .
ـــــــــــــــ
(1) سورة هود / 45 ـ 46 .
(2) سورة البقرة / 124 .
(3) سورة التوبة / 114 .
(4) سورة التحريم / 10 .
(5) الطبري ، مرجع سابق 2 / 460 .
________________________________________
الصفحة (231)
ثمّ ألاَ تدلّنا هجرة الرسول (صلّى الله عليه وآله) من مكّة إلى مدينة إلى المعنى العميق لحقيقة الانتماء ، فقد آذاه قومه وفيهم عشيرته ، ومنهم بعض قرابته القريبة وتربّصوا به وأرصدوا له واستعدّوا عليه ، بينما انتصر بقوم غير القوم وقبائل غير القبيلة .
إذاً حارب الرسول (صلّى الله عليه وآله) قومه بغير قومه ، وأحلّت له دماء قومه وأموالهم ، بل إنّ بلده وهو الحرام أحلّ له يوم الفتح .
ولو أنّ مقاييس أخرى كالمواطنة وغيرها طُبّقت ، لاتّهم (صلّى الله عليه وآله) بأشنع التهم ، وهو ما تجده واضحاً في أقوال المشركين من قوم الرسول (صلّى الله عليه وآله) الأقربين ، الذين فزعوا من هذا الدين الجديد بمفاهيمه المستحدثة ، وأحدها مخالفة ما شبّوا عليه من اعتقاد جازم في الأواصر بينهم بالمفهوم القِبَلي . مثال ذلك ما حدث عندما تحيّر القوم في وصف القرآن ، فاجتمع نفر من قريش يتدارسون ما يفعلون كيداً لمحمّد (صلّى الله عليه وآله) ، ألاّ يتّصل بقبائل العرب في الموسم ، فقال الوليد بن المغيرة(1) : إنّ أقرب القول فيه لأنْ تقولوا : ساحر جاء بقول هو سحر يفرّق به بين المرء وأخيه ، وبين المرء وزوجته ، وبين المرء وعشيرته . ومثاله كذلك قول عتبة بن ربيعة للرسول (صلّى الله عليه وآله) يوم وجده في المسجد(2) : يابن أخي ، إنّك منّا حيث قد علمت من السلطة في العشيرة ، والمكان في النسب ، وإنّك قد أتيت قومك بأمر عظيم فرّقت به جماعتهم . وعندما التقى الجمعان يوم بدر ، استفتح أبو جهل على نفسه ، فقال(3) : اللهمّ ، أقطعنا للرحم ، وآتانا بما لا يعرف فأحنه الغداة .
ـــــــــــــــ
(1) سيرة ابن هشام ، مرجع سابق 1 / 270 .
(2) المرجع السابق / 293 .
(3) تاريخ الطبري ، مرجع سابق 2 / 449 .
________________________________________
الصفحة (232)
إذاً ليست الأرض ولا القوم ، ولا القرابة ، ولا الدم بمنتجة رباطاً إلاّ العقيدة أوّلاً ، وتلك هي نظرة الإسلام ، وغيرها من مفاهيم الجاهليّة ، فكيف كانت رؤية وسياسة بني اُميّة ؟
عمد معاوية منذ البدء ، وضمن خُطّته لإحكام الملك لنفسه ولتوريثه بنيه إلى إحياء القبلية ، واستنفارها بعد الجهد الهائل الذي بذله الرسول (صلّى الله عليه وآله) لإماتتها . وقد كانت خُطّته تلك متعدّدة المستويات وإنْ تلازمت معاً ، ونحن نستعرضها أوّلاً ثمّ نُقيم الأدلة التي قادتنا إليها ثانياً :
أ ـ تمييز قريش من سائر العرب .
ت ـ تمييز معاوية ورهطه من قريش .
ث ـ التفرقة بين قبائل العرب .
ج ـ التفرقة بين العرب بعامّة والعجم .
أ ـ تمييز قريش :
أوّل ما يُقابلنا في هذا الباب الحديث الذي رواه معاوية ذاته ، ومفاده : أنّ الأئمّة من قريش . جاء في البخاري في باب مناقب قريش : حدّثنا أبو اليمان أخبرنا شعيب ، عن الزهري ، قال : كان محمّد بن جبير بن مطعم يحدّث أنّه بلّغ معاوية ، وهو عنده في وفد من قريش : أنّ عبد الله بن عمرو بن العاص يحدّث أنّه سيكون ملك من قحطان . فغضب معاوية فقام فأثنى على الله بما هو أهله ، ثمّ قال : أمّا بعد ، فإنّه بلغني أنّ رجالاً منكم يتحدّثون أحاديث ليست في كتاب الله ولا تؤثر عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فأولئك جهّالكم ، فإيّاكم والأماني التي تضلّ أهلها ، فإنّي سمعت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يقول : إنّ هذا الأمر في قريش لا يُعاديهم أحد إلاّ كبّه الله على وجهه ما أقاموا الدين .
________________________________________
الصفحة (233)
وهنا لا بدّ من وقفة نستوضح فيها هذا المفهوم الذي انبرى له معاوية :
1 ـ هبّ معاوية غاضباً بمجرد ذكر الحديث دون تثبت من صحّته ، ودون تروّ ليستوعب ما يسمع ، ودون تحوط ألاّ يقع في إثم إنكار ، ولكنّه سرعان ما أصدر أحكامه قاطعة فرمى محدّث الحديث بالجهل ، وطعن في الحديث بأنّه من صنع الأماني .
وهكذا كان شأن معاوية شأن كلّ المستبدّين بالسلطة بغير حقّ , فهو على استعداد للتغافل عن نقد وتجاوزات الرّعية وإنْ طالته . وطالما لمْ تجاوز حدود القول حتّى يوصف بالحليم ، وهو يصل مَن أراد وإنْ من بيت المال حتّى يُوصف بالكريم ، وهو لا يعير اهتماماً لإتيان المنكرات حتّى ليُعطّل الحدود عمّن أراد على ما رأينا ، إلاّ أنْ يقترب أحد ولو من بعيد من المنطقة الحرام : السلطان .
وإذا كان معاوية قد أنكر الحديث الذي رواه عبد الله وهو من تابعيه ، أفلم يحدّثه كذلك خليله أبو هريرة بقوله ـ ورواه البخاري في باب ذكر قحطان ـ قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : (( لا تقوم الساعة حتّى يخرج رجلٌ من قحطان يسوق الناس بعصاه )) .
2 ـ أوّل ما يستفاد من الحديث ـ حال صحّته ـ أنّ هناك شرطاً لا بدّ من توفّره كي تصحّ إمامة قريش ، وهو : ما أقاموا الدين . فإن غاب هذا الشرط ، فلا إمامة إذاً في قريش ، وإنّما قد تكون في قحطان أو في غيرها .
ويعلّق السندي في حاشيّته على البخاري بقوله : استدلاله ـ معاوية ـ بحديث أنّ هذا الأمر دليل عليه لا له ؛ لأنّ تقييد ما : أقاموا الدين . يشعر أنّ هذا الأمر لا يبقى فيهم حين تركهم مراعاة الدين .
3 ـ هذا الحديث : الأئمّة من قريش . غير مقطوع بصّحته ، وقد ردّه إمام 
________________________________________
الصفحة (234)
الحرمين الجويني بقوله(1) : ذكر بعض الأئمّة أنّ هذا الحديث في حكم المستفيض المقطوع بثبوته ، من حيث إنّ الاُمّة تلقّته بالقبول . وهذا مسلك لا أوثره ، فإنّ نقلة هذا الحديث معدودون ، لا يبلغون مبلغ عدد التواتر . والذي يوضّح الحقّ في ذلك ، أنّا لا نجد من أنفسنا ثلج الصدور واليقين المبتوت بصدر هذا من فلق في رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، كما لا نجد ذلك في سائر أخبار الآحاد ، فإذاً لا يقتضي هذا الحديث العلم باشتراط النسب في الإمامة . ثمّ يقول : ولسنا نعقل احتياج الإمامة في وضعها إلى النسب . وممّن نفى كذلك اشتراط القرشيّة ، القاضي أبوبكر الباقلاني من كبار الأشاعرة .
4 ـ احتجّ أهل السنّة بحديث أبي بكر لسعد بن عبادة يوم السقيفة ، بقول الرسول (صلّى الله عليه وآله) : قريش ولاة هذا الأمر . وهو ما ذُكر في مسند أحمد .
وما يجعلنا نشكّ في صحّة حدوث هذا الاحتجاج ، أو رواية المسند ، تذكر أنّ سعداً أجاب أبابكر عند ذكره الحديث بقوله : صدقت . بينما يذكر الطبري(2) : أنّ عمر بن الخطّاب حثّ الناس على قتل سعد في مستهلّ مبايعة أبي بكر بقوله : اقتلوه قتله الله ! 
ثمّ لمّا أراد سعد على المبايعة قال : أمَا والله ، حتّى أرميكم بما في كنانتي من نبلي ، وأخضب سنان رمحي ، وأضربكم بسيفي ما ملكته يدي ، وأقاتلكم بأهل بيتي ومَن أطاعني من قومي ، فلا أفعل ، وأيمْ الله ، لو أنّ الجنّ اجتمعت لكم مع الإنس ما بايعتكم ، حتّى أعرض على ربّي ، وأعلم
ـــــــــــــــ
(1) الجويني ، غياث الاُمم في التياث الظلم ، تحقيق د . عبد العظيم الديب  / 80  ، ط 2 ـ القاهرة  ـ مطبعة نهضة مصر / 1401 هـ .
(2) مرجع سابق 3 / 222 .
________________________________________
الصفحة (235)
ما حسابي . ثمّ يذكر : فكان سعد لا يُصلّي بصلاتهم ، ولا يجمع معهم ، ويحجّ ولا يفيض معهم بإفاضتهم ، فلمْ يزل كذلك حتّى هلك أبو بكر رحمه الله .
وذكر ابن الأثير(1) : لمْ يُبايع سعد أبا بكر ولا عمر ، وسار إلى الشام فأقام بحوران إلى أنْ مات .
5 ـ لمْ يُحدّث أن اجتمعت الاُمّة على مفهوم هذا الحديث ، أو تلّقته بالقبول ـ كما ذكر الجويني ـ فقد قال بغير ذلك جمهور المعتزلة والخوارج وبعض المرجئة , أنّهم اعتبروا الإمامة جائزة في كلّ من قام بالكتاب والسنّة ، قرشيّاً كان أو عربيّاً أو ابن عبد .
وذهب الضراريّة ، إلى أنّه إذا اجتمع حبشي وقرشي كلاهما قائم بالكتاب والسنّة ، فالواجب أنْ يقوم الحبشي ؛ لأنّه أسهل لخلعه إذا حاد عن الطريقة(2) .
ولمْ يصب ابن حزم في بيانه بشأن هذه المسألة ، لمّا ذكر اتّفاق السنّة والشيعة على أنّ الإمامة لا تجوز إلاّ في قريش ، فذلك تعميم مخلّ بحقيقة المسألة ، فللشيعة مفهوم آخر ، سنتناوله إنْ شاء الله لاحقاً .
6 ـ نصوص سواسيّة الناس وتفاضلهم بالتقوى تعارض المفهوم القبلي لحديث : الأئمّة من قريش . ولعلّ أقرب ما يُذكر بخصوص هذه المسألة ، ما قاله رسول الله (صلّى الله عليه وآله) عندما تداعى المهاجرون والأنصار كلّ إلى فئته . وذكره البخاري في باب ما يُنهى من دعوة الجاهليّة [ حديثاً عن رسول الله (ص) ] : (( دعوها ، فإنّها خبيثة )) .
7 ـ هناك إشكاليّة من نوع آخر تتعلّق بتحديد قريش المختصّة بالإمامة ، فابن حزم(3) يذكر : أنّ الجمهور على أنّ الإمامة لا تجوز إلاّ في قريش خاصّة ، منَ كان
ـــــــــــــــ
(1) أُسد الغابة ، مرجع سابق 2 / 356 .
(2) ابن حزم ، الفصل في الملل ، مرجع سابق 4 / 152 .
(3) المرجع السابق .
________________________________________
الصفحة (236)
من ولد فهر بن مالك ، وأنّها لا تجوز فيمَن كان أبوه من غير بني فهر بن مالك ، وإنْ كانت اُمّه من قريش ، ولا في حليف ، ولا في مولى .
بينما يُورد البغدادي اختلاف النسّابين في قريش على النحو التالي(1) :
أ ـ هم : ولد النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان .
ب ـ هم : ولد إلياس بن مضر ، وبذلك تدخل التميميّة في قريش .
ج ـ هم : ولد مضر بن نزار ، وبذلك تدخل قيس عيلان في هذه الجملة .
ثمّ هناك تقسيم آخر يُورده ابن عبد ربّه(2) :
ـ قريش الظواهر : نزلوا حول مكّة وليست لهم ، وهؤلاء هم : بنو الحارث وبنو محارب ، ابني فهر بن مالك .
ـ قريش البطاح : وهم ساكنوا بطحاء مكّة .
ويذكر ابن عبد ربّه كذلك ، أنّ أصل كلمة قريش من : التقريش ، بمعنى : التجميع ؛ ذلك أنّ قصي بن كلاب بن مرّة بن كعب ، جمع ولد النضر بن كنانة من كلّ أوب إلى البيت ، فسُمّوا : قريشاً . وسُمّي قصي : مجمعاً . وفيه قِيل :
قصي أبوكم من يسمى مجمعاً      بـه جمع الله القبائل من فهر
وذلك يعني : أنّ هناك بُعداً آخر في تحديد قريش ، إضافة إلى صريح النسب ، وهو البُعد المكاني ، لمّا جمعهم قصي حول البيت ؛ ولكن هذا التحديد لمْ يرد قيداً في تحديد النسّابين ، على ما أورده ابن حزم أو البغدادي .
ـــــــــــــــ
(1) أصول الدين ، مرجع سابق / 277 .
(2) العقد الفريد ، مرجع سابق 3 / 70 .
________________________________________
الصفحة (237)
ونحن إذا تفحّصنا شجرة أنساب كنانة ، لوجدنا أنّها تضّم العديد من البطون ، ولا يُعرف سبب محدّد لحصر الإمامة ـ على ما ذهب جمهور أهل السنّة ـ في ولد فهر .
8 ـ قِيل : إنّ سورة إيلاف قريش تخصيص لهم بالفضل ، فقد قال الله تعالى: ( لإيلاف قُرَيشٍ * إِيلاَفِهِمْ رِحْلَةَ الشّتَاءِ وَالصّيْفِ * فَلْيَعْبُدُوا رَبّ هذَا الْبَيْتِ * الذي أَطْعَمَهُم مِن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِنْ خَوْفٍ )(1) .
وذكر المفسّرون : أنّ تلك نعمة أنعمها الله على سكان مكّة ؛ لعظمتهم عند الناس ، لكونهم سكّان حرم الله )(2) . وربّما يفهم من ذلك صحة اعتبار البعد المكاني في تحديد قريش ، كما فُهم من قبل من كلام ابن عبد ربّه .
ولكن فضل الله عليهم بالنعم لا ينهض دليلاً على وجوب حصر الإمامة فيهم لمَن أراد تعليل الحكم به ، فضلاً عن كون هذا الفضل ابتلاء لهم كما قال الرسول (صلّى الله عليه وآله) : (( ويل لكم قريش ، لإيلاف قريش ! )) . ومعلوم كيف كانت قسوة قريش في حربها للرسول (صلّى الله عليه وآله) ، وللدعوة الجديدة أشدّ من غيرها من أحياء العرب .
ولا يوزن بميزان واحد مع الإيمان كونهم سكّان حرم الله والقائمين على عمارته وصيانته وسقاية حجيجه ورفادتهم ، فقد قال الله تعالى : ( مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللّهِ شَاهِدِينَ عَلَى‏ أَنْفُسِهِم بِالْكُفْر ِ )(3) . ( أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجّ وَعمّارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللّهِ لاَ يَسْتَوُونَ عِندَ اللّهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ )(4) .
ـــــــــــــــ
(1) سورة قريش / 1 ـ 4 .
(2) تفسير ابن كثير 4 / 553 .
(3) سورة التوبة / 17 .
(4) سورة التوبة / 19 .
________________________________________
الصفحة (238)
فإذا كان ذلك حال قريش قبل الدعوة ، وحال غالبيّتها في مستهلّ الدعوة ، فقد تنبّأ الرسول (صلّى الله عليه وآله) بهلاك اُمته بأيدي بعض قريش , جاء في البخاري : قال النبي (صلّى الله عليه وآله) : (( هلاك اُمّتي على يدي غلمة من قريش )) .
9 ـ الالتباس في تحديد قريش تزيد من تعارض مفاهيمه ، نصوص تعارض ما ذهب إليه ابن حزم ، على أنّه رأي جمهور أهل السنّة من كون الإمامة لا تجوز إلاّ في قريش ، ولا تجوز في الحليف والمولى , فقد قال الرسول (صلّى الله عليه وآله) : (( الولاء لحمة كلحمة النسب )) . وقال (ص) : (( ابن أخت القوم ومولى القوم منهم )) . وقال (ص) : (( قريش والأنصار وجهينة ، ومزينة وأسلم وغفار وأشجع مواليّ ، ليس لهم مولىً دون الله ورسوله )) .
10 ـ إلى هنا ويبدو أنّ المسألة قد زادت التباساً وأبعدت في الغموض , وما جعلها كذلك في الواقع هو دوران آراء السلف من أهل السنّة حول مفهوم قبلي بحت ، يستغرق في تعقب قريش ، ويستفرغ الجهد في بحث بطونها ، بما يتعارض ومفهوم الإسلام النافي بحسم لمفاهيم القبليّة الجاهليّة ، حتّى إنّ أحد الباحثين المحدثين حار في ذلك بقوله(1) : يبدو من العجيب حقّاً ، أنْ يكون الإسلام قد أصرّ على وجوب تحقيق شرط النسب ، وخصّ قبيلة مُعيّنة هي قريش بهذا الامتياز ، وحصر فيهم الأمر .
ـــــــــــــــ
(1) د . ضياء الريّس ، النظريّات السياسيّة والإسلاميّة ، مرجع سابق / 299 .
________________________________________
الصفحة (239)
شجرة أنساب كنانة (1) :
ـــــــــــــــ
(1) عن أطلس تاريخ الإسلام ، مرجع سابق .
________________________________________
الصفحة (240)
ولكن ابن خلدون يأتينا بتفسير لاشتراط القرشيّة باعتبار المقصد الشرعي منه ، وهو اجتماع كلمة الاُمّة دون المزاحمة والخلاف , وما يضمن ذلك ـ من وجهة نظره ـ هو شوكة العصبيّة المتوفّرة في قريش دون سائر العرب . يقول ابن خلدون(1) : إنّ الأحكام الشرعيّة كلّها لا بدّ لها من مقاصد وحكم تشتمل عليها وتشرع لأجلها ، ونحن إذا بحثنا عن الحكمة في اشتراط النسب القرشي وقصد الشارع منه لمْ يقتصر فيه على التبرّك بوصلة النبي (صلّى الله عليه وآله) كما هو في المشهور ، وإنْ كانت تلك الوصلة موجودة والتبرّك بوصلة النبي (صلّى الله عليه وآله) كما هو في المشهور ، وإنْ كانت تلك الوصلة موجودة والتبرّك بها حاصلاً ، لكن التبرّك ليس من المقاصد الشرعيّة كما علمت ، فلا بدّ إذاً من المصلحة في اشتراط النسب وهي المقصودة من مشروعيّتها . 
وإذا سبرنا وقسّمنا لمْ نجدها إلاّ اعتبار العصبيّة التي تكون بها الحماية والمطالبة ، ويرتفع الخلاف والفرقة بوجودها لصاحب المنصب ، فتسكن إليه الملّة وأهلها ، وينتظم حبل الألفة فيها ؛ وذلك أنّ قريشاً كانوا عُصبة مضر وأصلهم وأهل الغلب منهم ، وكان لهم على سائر مضر العزّة بالكثرة والعصبيّة والشرف , فكان سائر الناس يعترف لهم بذلك ويستكينون لغلبهم ، فلو جُعل الأمر في سواهم لتوقّع افتراق الكلمة بمخالفتهم وعدم انقيادهم .
وواضح من كلام ابن خلدون ، أنّه أمعن في اعتماد المفهوم القبلي المؤسّس على العصبيّة وشوكتها ، وكأنّه يتحدّث عن مجتمع لا صلة له بالإسلام ، وإنْ كسا تفسيره بحلّة المقصد الشرعي .
والجواب على بطلان ما ذهب إليه ابن خلدون من عدّة وجوه :
ـــــــــــــــ
(1) المقدمة ، مرجع سابق / 162 .
________________________________________
الصفحة (241)
أ ـ اختلف العرب في أيٍّ من قبائلهم وبطونهم كانت السيادة والشرف , ولمْ يحدث أنْ اجتمعوا قط على أنّها كانت في قريش على حدّ زعم ابن خلدون .
فهذا نسّاب(1) يُجيب معاوية عندما سأله : أخبرني عن أشرف بيت في العرب ؟ قال : بنو أسد . وبنو أسد هم بنو خزيمة بن عامر بن إلياس بن مضر ، وليسوا من بني النضر بن كنانة ، فليسوا إذاً من قريش على من حصر قريش في ولد النضر ، فضلاً عن أنْ يكونوا من ولد فهر بن مالك .
وقال آخرون(2) : إنّ أشرف بيت في مضر غير مدافع في الجاهليّة ، بيت بهدلة بن عوف بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم .
وتميم من مر بن أد بن طابخة بن إلياس بن مضر , وهؤلاء ، كبني أسد في اختلافهم عن قريش .
وعندما سأل(3) عبد الملك بن مروان يوماً جلساءه : أخبروني عن حيّ من أحياء العرب فيهم أشدّ الناس ، وأسخى الناس وأخطب الناس ، وأطوع الناس في قومه وأحلم الناس ، وأحضرهم جواباً . قالوا : يا أمير المؤمنين ، ما نعرف هذه القبيلة ولكن ينبغي لها أنْ تكون في قريش . قال : لا . فقالوا : ففي حِمير وملوكها ؟ قال : لا . قالوا : ففي مضر ؟ قال : لا . قال مصقلة بن رقية العبدي : فهي إذاً في ربيعة ونحن هم . قال : نعم .
وربيعة هؤلاء ، هم : بنو نزار بن معد بن عدنان ، وهم أبعد عن قريش من أسد .
ـــــــــــــــ
(1) العقد الفريد ، مرجع سابق 3 / 79 .
(2) المرجع السابق .
(3) المرجع السابق / 99 .
________________________________________
الصفحة (242)
وإذا اطلعت على منازل هؤلاء وهؤلاء ، لوجدتها بعيدة كلّ البعد عن مكّة ، فلمْ يكونوا إذاً من سكّان حرم الله . وإذا أُدخل البعض تميماً في قريش ـ على ما سبق بيانه ـ فإنّها تنزل كذلك بعيداً عن مكّة ، ويُشاركها في منازلها ويُتاخمها غيرها من القبائل , فهل من سبب يُعقل إذاً ليميزها مع المتميّزين في جعل الإمامة فيهم ، على من جعل الفضل في ساكني مكّة من قريش ؟
إنّك لا تجد ردّاً على ذلك أبلغ من قول صعصعة بن صوحان لمعاوية : فلعمري ما الأرض تقدّس الناس ، ولا يقدّس الناس إلاّ أعمالهم .
ثمّ اقرأ شعر الفرزدق(1) ، ترَ أنّه يميّز تميماً من قريش ، ويُفاخر بها :
فإن تغضب قريش أو تغضّب      فـإن  الأرض تـوعبها تميم
هـم  عـدد النجوم وكل حي      سـواهـم لا تـعدله نـجوم
وكذلك يدحض زعم ابن خلدون ، ما جاء على ألسنة المسيّرين عنوة من الكوفة إلى الشام في عهد عثمان بن عفّان , لمّا قال سعيد بن العاص عامل عثمان على الكوفة ـ وقد سبق ذكره(2) ـ : إنّما هذا السواد بستان لقريش . فردّ عليه مالك الأشتر مقالته . ولمّا سيّروا إلى معاوية ، قال لهم : قد بلغني أنّكم نقمتم قريشاً ، وإنّ قريشاً لو لمْ تكن ، عدّتم أذلّة كما كنتم . فقال صعصعة من المسيّرين : أمّا ما ذكرت من قريش ، فإنّها لمْ تكن أكثر العرب ، ولا أمنعها في الجاهليّة فتخوّفنا .
فإذا كان الأمر كذلك ، فمن أين أتى ابن خلدون بزعمه : أنّ قريشاً كانت أكثر العرب وأشدّها عصبيّة ؟!
ـــــــــــــــ
(1) الأغاني ، مرجع سابق 21 / 297 .
(2) الطبري ، مرجع سابق ، أحداث عام 33 هـ  .
________________________________________
الصفحة (243)
ب ـ ولو أنّ مدار الأمر على الشوكة العصبيّة كما يزعم ابن خلدون ، واعتباره أنّ ذلك ممّا يتوسّل به الشرع لاجتماع الكلمة ، فكيف يبرز إذاً مال الأمر إلى أبي بكر وعمر ، مع ما هو معلوم أنّهما لمْ يكونا ذوي عصبيّة تقارن بأصحاب العصبيّات الأشدّ في مجتمعهم .
وآية ذلك نظرة المعاصرين أنفسهم لتلك الأحداث , فهذا أبو سفيان ـ مع أسبابه الخاصّة ـ يقول(1) عقب تولية أبي بكر : ما بال هذا الأمر في أقلّ حيّ من قريش ! والله ، لئن شئت لأملأنّها عليه خيلاً ورجالاً .
ثمّ يقول : والله ، إنّي لأرى عجاجة لا يطفئها إلاّ دم ! يا آل عبد مناف ، فيمَ أبو بكر من أموركم ؟
ثمّ قالها بعد تولية عثمان : فيم تيم وعدي من أموركم ؟
بل إنّ أبا قحافة والد أبي بكر ، وهو العليم بالتضاريس القبليّة ، عجب لتولّي ابنه الخلافة بعد وفاة الرسول (صلّى الله عليه وآله) ؛ إذ قال لمّا سمع هذا الخبر(2) : أمر جلل ، فمَن قام بالأمر بعده ؟ قالوا : ابنك . قال : فهل رضيت بذلك بنو عبد مناف وبنو المغيرة ؟ قالوا : نعم . قال : لا واضع لمَا رفعت ، ولا رافع لمَا وضعت .
ثمّ لعلّ الدليل التاريخي أدحض لرأي ابن خلدون من غيره ، فإنّه ما أنْ تولّى أبو بكر حتّى انتفضت العرب قاطبة إلاّ قليلاً منهم ، وتمردت على حكم قريش الذي زعم ابن خلدون ، أنّه ادعى لاجتماع الكلمة . يذكر الطبري(3) : لمّا مات رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، وفُصل اُسامة ارتدّت العرب خواصّ أو عوامّ .
ت ـ ثمّ بماذا يُفسّر ابن خلدون ، قول الله تعالى :
ـــــــــــــــ
(1) المرجع السابق 3 / 209 .
(2) تاريخ الخلفاء ، مرجع سابق / 72 .
(3) مرجع سابق 3 / 242 .
________________________________________
الصفحة (244)
( وَنُرِيدُ أَنْ نّمُنّ عَلَى الذينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ )(1) .
ثمّ هذا هو رسول الله لوط (عليه السّلام) ، يظنّ أنّ المنعة في العشيرة في قول الله تعالى حكاية عنه : ( قَالَ لَوْ أَنّ لِي بِكُمْ قُوّةً أَوْ آوِي إِلَى‏ رُكْنٍ شَدِيدٍ )(2) . فيروي المفسّرون أنّ الملائكة وجدت عليه لقوله ذاك ، وقالوا : إنّ ركنك لشديد وهو الله عزّ وجلّ .
 ويروي البخاري قول رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : (( يرحم الله لوطاً ، لقد كان يأوي إلى ركن شديد )) .
ويتساءل رشيد رضا في معرض استنكاره لرأي ابن خلدون، قائلاً(3) : ألمْ يكن جلّ اضطهاده (صلّى الله عليه وآله) وصدّه عن تبليغ دعوة ربّه من رؤساء قريش؟ ألمْ يكونوا هم الذين ألجؤوه إلى الهجرة ؟ 
غريبة كبرى من الغرائب :
يذهب بنا التحليل السابق إلى أنّ كلّ الآراء التي أسلفنا بيانها ، إنّما تدور حول محور واحد لا يتّفق وجوهر الدين ، وذلك هو التفسير القبلي للإمامة .
وإنْ كنّا نعي الأسباب الخاصّة لدى معاوية للتركيز على هذا التفسير ، إلاّ أنّنا لا نفهم مبرّر الفقهاء والمحقّقين من سلف وخلف أهل السنّة للسير في ركاب معاوية ، إلاّ ما كان من عهدهم الدائم بتصحيح حكم كلّ من حاز السلطة بعد الرسول (صلّى الله عليه وآله) ، وإنْ كان حكم جور من نمط معاوية .
ـــــــــــــــ
(1) سورة القصص / 5 .
(2) سورة هود / 80 .
(3) الخلافة ، مرجع سابق / 149 .
________________________________________
الصفحة (245)
وأمّا الغريبة حقّاً والتي تُحار فيها العقول وتحتاج إلى بحث عميق ، فهي أحداث سقيفة بني ساعدة ؛ إذ لمّا اجتمع ثلاثة(1) فقط من المهاجرين وبعض الأنصار في السقيفة ، ولمّا يُدفن بعد النبي (صلّى الله عليه وآله) ، وتقاذفوا الحجج لإثبات أحقيّة كلّ في الإمارة ، كان مدار الحجج جميعاً ـ ويا للغرابة ! ـ هو المنطق القبلي البحت كذلك .
يقول أبو بكر(2) تزكيةً للمهاجرين : هم أولياؤه وعشيرته .
ويقول عمر : ولنا بذلك على مَن أبى من العرب الحجّة الظاهرة والسلطان المبين , مَن ذا يُنازعنا سلطان مُحمّد (ص) وإمارته ، ونحن أولياؤه وعشيرته ؟
ويقول الحباب بن المنذر : يا معشر الأنصار ، املكوا على أيديكم ولا تسمعوا مقالة هذا وأصحابه(3) ، فيُذهبوا بنصيبكم من هذا الأمر , فإنْ أبوا عليكم ما سألتموه ، فاجلوهم عن هذه البلاد وتولّوا عليهم هذه الأمور .
ولمّا كانت الخزرج تطلب تأمير سعد بن عبادة ، عظم ذلك على نفس الأوس ، فقال بعضهم لبعض ـ طبقاً لرواية الطبري ـ والله ، لئن ولّيتها الخزرج عليكم مرّة لا زالت لهم عليكم بذلك الفضيلة ، ولا جعلوا لكم معهم فيها نصيباً أبداً .
فلمّا انتهى الأمير بتأمير أبي بكر وبلغ ذلك عليّاً (ع) , قال قولته الشهيرة : (( احْتَجُّوا بِالشَّجَرَةِ وَ أَضَاعُوا الثَّمَرَةَ )) . فطالما أنّهم احتجّوا بعشيرة النبي (صلّى الله عليه وآله) ، فكان لزاماً عليهم إذاً أنْ يقودهم منطقهم هذا إلى نهايته ، وهو القلب من هذه العشيرة . ولا يستطيع ممارٍ إنكار أنّ عليّاً (ع) هو أقرب هذه العشيرة إلى محمّد (صلّى الله عليه وآله) وأولى الناس به .
ـــــــــــــــ
(1) هم : أبو بكر وعمر وأبو عبيدة الجراح .
(2) الطبري ، مرجع سابق 3 / 220 ـ 221 .
(3) يقصد : عمر ومَن معه من المهاجرين .
________________________________________
الصفحة (246)
على أنّ هذا الذي ذهب إليه مهاجروا السقيفة ، يُضيف بُعداً آخر في المسألة ، وهو القرب من النبي (صلّى الله عليه وآله) كعامل حاسم في تحديد الإمامة .
ثمّ إنّ أبابكر ذكر في السقيفة حجّة اُخرى دعماً للمهاجرين في مقابل الأنصار ، بقوله : فهم أوّل مَن عبد الله في الأرض وآمن بالله وبالرسول (ص) . وهذا بدوره يطرح بُعداً جديداً آخر ، وهو : الأسبقيّة في الإيمان .
إلاّ أنّ الحباب بن المنذر الأنصاري يردّ على حجج أبي بكر وعمر ، بقوله لقومه الأنصار : فأنتم والله ، أحقّ بهذا الأمر منهم ؛ فإنّه بأسيافكم دان لهذا الدين مَن دان ممّن لمْ يكن يُدين . وهذا يعني : إضافة معيار آخر ، وهو ما يُمكن أنْ يُسمّى بالإسهام القتالي في إقامة الدين .
وإلى هنا ويبدو أنّ المسألة قد زاد تعقيدها وتشابكت وتعدّدت أبعادها , بحيث أصبحت تشكّل مشكلاً حقيقيّاً ليس من اليسير حلّه .
ولو أنّنا اعتبرنا كلّ الحجج السابقة كمعايير حقيقيّة معتمدة فرضاً في تحديد الإمامة ، ولو أنّنا افترضنا تساوي الحجيّة بحياد ، فإنّ المنطق يقودنا حتماً إلى المعادلة التالية : مَن تتوفّر فيه كلّ المعايير في آنٍ معاً ، فهو الأحقّ بالخلافة .
مقاربة رياضيّة :
وما لنا لا نستعين بالعلم الحديث ، ونلجأ إلى استخدام الأسلوب الرياضي لفكّ اشتباك المسألة ، ومحاولة حلّها عن طريق حصر المعايير ( المتغيّرات ) ؟ وترميزها كالتالي :
________________________________________
الصفحة (247)
وطبقاً للمعادلة المنطقيّة السابقة ، فإنّ الإمامة هي دالة في هذه المتغيّرات ، وتصير الإمامة هي دالة ( د ) في تقاطع هذه المتغيّرات ، أو بالتعبير الرياضي المنطقي :
د (1) = ن . ج . ق . ع . س . ك 
ويُرمز لعكس المتغيّر أو نفيه بالرمز معلواً بالعلامة ( ـ ) ، أي : مَن لا يتوفّر فيه النسب ، مثلاً يُرمز له بالرمز :  ـ ن ـ .
وكي نزيد الأمر وضوحاً ، فإنّنا سنستخدم الرسم البياني ، كما هو واضح بالصفحة التالية :
ـــــــــــــــ
(1) تُسمّى هذه الدالة بدالة ( و) المنطقيّة ، أو ( LOGICAL AND ) .
________________________________________
الصفحة (248)
[  الرسم (1) البياني للمتغيّرات ]
ـــــــــــــــ
(1) يُسمّى هذا الشكل برسم : فنّ البياني ( VENN DIAGRAM ) .
________________________________________
الصفحة (249)
وإذا طبّقنا هذا المنطق على الخلفاء الأربع ، وكذلك على معاوية ، فإنّنا سنجد دوالهم على النحو التالي :
( أبو بكر ) = ن . ج . ق ـ . ع ـ . س . ك ـ
( عمر ) = ن . ج . ق ـ . ع ـ . س . ك ـ
( عثمان ) = ن . ج . ق ـ . ع . س . ك ـ
( عليّ ) (ع) = ن. ج . ق . ع . س . ك ـ
( معاوية ) = ن . ج . ق ـ . ع . س ـ . ك ـ
وهنا نجد أنّ الدالة الوحيدة التي تتقاطع فيها كلّ المتغيّرات المثبتة ، هي دالة عليّ (ع) ، حيث يتوفّر متغيّر النسب لقريش في الجميع ولا ينتفي بحقّ أحد ، وكذلك الأمر بالنسبة لمتغيّر الجوار ، بينما تنتفي القرابة في غير عليّ (ع) ؛ ذلك أنّ الثبوت والنفي يتعلّقان بالوزن النسبي للمتغيّر , وأمّا الشوكة فتنتفي لدى أبي بكر وعمر وبينما تثبت لدى عثمان وعليّ (ع) ومعاوية ؛ ذلك أنّ تيم رهط أبي بكر ، وعدي رهط عمر لا يُقارنان بشوكة بني هاشم رهط عليّ (ع) ، ولا بني اُميّة رهط عثمان ومعاوية . 
فإذا ما جئت إلى السابقة ، فإنّها تتحقّق في الجميع عدا معاوية ، وأمّا الإسهام القتالي ، فإنّه يقتصر بلا مراء على عليّ (ع) ، ذلك أنّه فارس المشاهد كلّها ، فهو قاتل الوليد بن عتبة ومشارك حمزة في قتل أبيه عتبة يوم بدر ، وهو فاتح خيبر يوم عجز الجميع عنها وفيهم أبوبكر وعمر ، وهو قاتل صنديد العرب عمرو بن ودّ يوم الخندق حين تراجع الجميع عن مبارزته ، وفي ظروف بلغ من شدّتها على النفوس أنّ وصّفها الله تعالى بقوله : ( إِذْ جَآءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنّونَ بِاللّهِ الظّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً )(1) . وهو مَن قال فيه 
ـــــــــــــــ
(1) سورة الأحزاب / 10 ـ 11 .
________________________________________
الصفحة (250)
رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يوم اُحد : (( لا فتى إلاّ عليّ ، ولا سيف إلاّ ذو الفقار )) . وهو اليوم الذي فرّ فيه الكثير ومنهم عثمان ، وهو ما حدث من بعد يوم حنين . ولمْ يُعلم لأيّ من الآخرين إسهام يُقارن بمثل ما لعليّ (ع) بحال .
إذاً تثبت الإمامة في حقّ عليّ (ع) وحده إنْ بمنطق المهاجرين ، وإنْ بمنطق الأنصار .
على أنّ هناك رأياً آخر يُورده باحث معاصر(1) في معرض تعليقه على نظريّة ابن خلدون ، إذ يعتبر أنّ البديل الحقيقي للعصبيّة القبليّة ـ حال النظر إليها على أنّها مانعة من المزاحمة ، وبالتالي باعثة على اجتماع الكلمة ـ هو الإرادة العامّة للاُمّة الممثّلة في الانتخاب ، كما هو معروف بالمفهوم المعاصر . ونحن إذا سلكنا ذات الطريق وطبّقنا ذات المفهوم ، نجده كذلك يُؤدّي بنا إلى ذات النتيجة .
فعليّ بن أبي طالب (ع) وحده الذي نُصّب للإمامة بالانتخاب على طول حياة هذه الاُمّة ، منذ وفاة النبي (صلّى الله عليه وآله) ، وحتّى انتهاء الخلافة الاسميّة العثمانيّة في العصر الحديث .
فتولية أبي بكر كانت ـ كما وصّفها عمر ـ فلتة ، بل إنّ عمر ذاته حثّ الناس على قتل مَن يعود لمثلها ، وتولية عمر إنّما كانت باستخلاف أبي بكر له ، وتولية عثمان كانت تعبيراً عن موازين القوى التي استقرّت في عهد عمر ، وبلورها بنفسه في هيئة الستّة المنوط بها عمليّة الاستخلاف ، والنّاس في كلّ الأحوال بعيدون واقعاً عن الاختيار ، إلاّ أنْ يُباركوا ما تمّ حسم اختياره سلفاً , وأمّا عليّ (ع) ، فهو الوحيد الذي اُنتخب من العامّة بإرادتهم بلا وصاية من أحد ، عقب الثورة بعثمان .
ـــــــــــــــ
(1) ضياء الريّس , النظريّات السياسيّة الإسلاميّة ، مرجع سابق / 303
الصفحة (251)
وأمّا معاوية ، فكانت ولايته غلبةً وقهراً ، ثمّ اتّبعت سنّته في توريث الحكم إلى آخر عهد الناس ، باسم الخلافة على يد أتا تورك قُبيل انتصاف القرن الرابع عشر الهجري .
إذاً أيّ شعب تسلك مهما كان إلتفافه، ستجد نفسك حتماً في النهاية أمام عليّ (ع) خليفةً لرسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، وذلك بذات المعايير التي يرتضيها أصحابه، وليس بمحكات اُخرى خارجة عنها .
على أنّه مع كلّ ذلك فإنّ الأمر ليس كذلك ، فليس المعيار هو الفهم القبلي للقرشيّة بتنويعاته ، ولا حتّى السابقة والبطولة , ولكنّه علم الله الذي يحوط كلّ شيء ويسبق كلّ شيء ، فهو الأعلم بمَن يصلح ومَن لا يصلح ، ولا إعمال لعقل مع تدبير الله ، فإذا وُجد النصّ فلا اجتهاد معه ، وهاك بعض النصوص المثبتة لمّا ثبت :
لمّا نزلت آية : ( وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ )(1) , جمع رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بني عبد المطلب ، وقال : (( فأيّكم يُؤازرني على هذا الأمر ، على أنْ يكون أخي ووصيّي وخليفتي فيكم ؟ )) . فلمْ يجبه أحد إلاّ عليّ (ع) ، فقال الرسول (صلّى الله عليه وآله) : (( إنّ هذا أخي ووصيّي وخليفتي فيكم ))(2) .
ـ وفي يوم أُحد ، عندما قتل عليّ (ع) أصحاب ألوية الكفر ، قال الرسول (صلّى الله عليه وآله) في عليّ (ع) : (( إنّه منّي وأنا منه ))(3) .
ـ وفي غزوة تبوك ، قال الرسول (صلّى الله عليه وآله) لعليّ (ع) : (( أنت منّي بمنزلة هارون من موسى ، إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي ))(4) .
ـــــــــــــــ
(1) سورة الشعراء / 214 .
(2) الطبري ، مرجع سابق 2 / 321 .
(3) المرجع السابق / 514 .
(4) البخاري .
________________________________________
الصفحة (252)
وفي غدير خم منصرف رسول الله (صلّى الله عليه وآله) من حجّة الوداع ، قال : (( مَن كنت مولاه ، فعليّ مولاه ))(1) . وقال الرسول (صلّى الله عليه وآله) : (( تركت فيكم ما إنْ تمسّكتم به لن تضلّوا أبداً : كتاب الله وعترتي أهل بيتي ))(2) .
ووجّه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) عليّاً (ع) بسورة البراءة ليلحق أبابكر في مسيره إلى الحج ، فلمّا اكتأب أبو بكر لذلك ، قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : (( لا يُؤدّي عنّي إلاّ أنا أو رجل منّي ))(3) .
* * *
تمييز معاوية ورهطه من قريش :
لمْ تكن مهمّة معاوية في سبيل تنفيذ هذا الجزء من الخُطّة يسيرة بحال ، فأنّى لمثله وهو مَن دخل الإسلام طليقاً من طلقاء ، فارغ اليدين من كلّ سبب وسند لشرعيّة المكانة في المجتمع الجديد ، فلا سابقة ولا هجرة ولا نصرة ، أنْ يزعم فضلاً خاصّاً أو خصوصيّة متميّزة تضفي عليه مشروعيّة التصدي للإمامة العظمى للمسلمين , ولمّا يزل فيهم بقيّة أصحاب السابقة والهجرة والنصرة .
من أجل ذلك تحرّك معاوية تحرّكاً متزامناً على ثلاثة مسارات متقاربة لتلتقي في النهاية ، وقد أُحكمت إحاطتها بالناس وألبست عليهم فكرهم ، وبحيث لا تدع لهم من طريق يسلكون إلاّ واحداً قد عبّده لهم سلفاً ، وهي : 
  الزعم لبني اُميّة بفضل خاصّ متّصل في الجاهليّة والإسلام .
الانتقاص من مناوئيه ، وإلصاق كلّ رذيلة بهم .
ـــــــــــــــ
(1) مسند أحمد .
(2) مُسلم .
(3) خصائص النسائي وجميع كتب التفسير والسنن .
________________________________________
الصفحة (253)
وضع الأحاديث المؤيّدة لمزاعمه .
فهو يتعالى على بني هاشم عندما سُئل(1) : أخبرنا عنكم وعن بني هاشم ؟ فقال : بنو هاشم أشرف واحداً ، ونحن أشرف عدداً .
وهو يزكّي نفسه وأباه عندما تلّقى وفد العراق بقوله(2) :  قدمتم على خير أمير ، يبرّ كبيركم ويرحم صغيركم ، ولو أنّ الناس كلّهم وُلد أبي سفيان ، لكانوا حُلماء عقلاء .
وهو يُفاخر بنفسه بقوله(3) : قد عرفت قريش أنّ أبا سفيان كان أكرمها وابن أكرمها .
وممّا تجدُر ملاحظته : أنّ معاوية ساق ذلك التفاخر في مواجهته للكوفيّين المعارضين للسياسات الجائرة للعمّال الاُمويّين من قبل عثمان ، وهو يُريد بذلك إثبات زعمه بأحقيّته في المنصب .
وكان من سياسة معاوية ـ كذلك ـ اصطناع الشعراء يمدحونه وفصيلته ، فيجيزهم بالعطايا السخيّة باعتبارهم الجهاز الدعائي القوي السائد في ذلك الزمان . وقد مرّ بنا كيف بلغ بمعاوية أنْ أبطل(4) حدّ الخمر عن ابن أرطأة رغم ثبوتها عليه ، متعلّلاً إلى واليه على المدينة بلا أدنى مواربة ، أنّ ابن أرطأة حليفهم القائل :
وإني امرؤ أُنمى إلى أفضل الورى      عديداً  إذا ارفضت عصا المتحلف
إلـى  نضد من عبد شمس كأنهم       هـضاب أجـا أركانها لم تقصّف
ـــــــــــــــ
(1) العقد الفريد ، مرجع سابق 3 / 67 .
(2) المرجع السابق / 100 .
(3) الطبري ، مرجع سابق 4 / 323 .
(4) الأغاني ، مرجع سابق 2 / 243 .
________________________________________
الصفحة (254)
ميامين يرضون الكفاية إن كفوا      ويـكفون  مـا ولّوا بغير تكلّف
غـطارفة ساسوا البلاد فأحسنوا      سـياستها حـتّى أقرّت لمردف
فمن يك منهم موسراً يفش فضله      ومـن يـك منهم معسراً يتعفف
إذ انصرفوا للحق يوماً تصرّفوا      إذا الجاهل الحيران لم يتصرّف
سـموا فـعلوا فوق البرية كلّها      ببنيان  عال من منيف ومشرف
وممّن اصطنعهم معاوية أيضاً مسكين الدارمي , استمع إليه ينشده(1) :
ولا زال بـيت الملك فوقك عالياً      تـشـيّد أطـناب لـه وعـمود
فدور ابن حرب كالجوابي وتحتها      أثـاف  كـأمثال الـرئال ركود
وفي الوقت الذي يعلي فيه من شأنه وشأن أبيه وبني اُميّة وحلفائهم ، تراه وقد فقد كلّ وازع من دين يردعه ـ فيما علمت من قبل ـ من سن سنّة لعن عليّ (ع) ومَن شايعه في الصلوات ، وعلى منابر المساجد في الأمصار كلّها ، مع إسقاط مَن يظنّون به حبّاً لعليّ (ع) من الديوان . وقد عرضنا من قبل قصّة قتل معاوية لحجر بن عدي وأصحابه ، لمّا رفضوا بدعة معاوية الشائنة .
لقد أراد معاوية أنْ تكون موالاته ديناً من الدين ، بقدر ما أراد أنْ تكون البراءة من أهل البيت (عليهم السّلام) ديناً من الدين , وهكذا جعل القنوت لعناً لعليّ (ع) ، وأعقب الصلاة بدعاء لعن عليّ (ع) .
وما رأيك في سياسة تجعل ـ كما يُحدّثنا التاريخ ـ الرجل العادي يهون عليه اتّهامه بالزندقة ، ولايّتهم بحبّ عليّ (ع) ؟
وإذا كان ذلك فعل معاوية مع رجل كعليّ (ع) في منزلته ، فلك أنْ تتصوّر ما يُمكن
ـــــــــــــــ
(1) الأغاني ، مرجع سابق 20 / 228 .
________________________________________
الصفحة (255)
أنْ يفعله مع غيره . فهكذا فعل مع الأنصار الذي قال فيهم رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ـ رواه البخاري في باب مناقب الأنصار ـ : (( لو أنّ الأنصار سلكوا وادياً أو شعباً ، لسلكت في وادي الأنصار ، ولو لا الهجرة لكنت امرءاً من الأنصار )) .
وقال (صلّى الله عليه وآله) فيهم ـ رواه البخاري في باب حبّ الأنصار ـ : (( الأنصار لا يحبّهم إلاّ مؤمن ولا يبغضهم إلاّ منافق ، فمَن أحبّهم أحبّه الله ، ومَن أبغضهم أبغضة الله )) .
يأتي معاوية وابنه يزيد بشاعر مُسلم، وهو كعب بن جعيل ليهجوَ الأنصار أنّهم لا يبرؤون من عليّ (ع) ، فيرفض كعب ، فيأتي معاوية بشاعر نصراني خمير وهو الأخطل، ويتعهّد له بحمايته، فيقول(1) :
إن الفوارس يعلمون ظهوركم      أولاد  كــلّ مـقبّح أكّـار
ذهبت قريش بالمكارم والعلا      واللؤم  تحت عمائم الأنصار
* * *
وبعد ، فالذي يأتي بموبقات لو لمْ يأتِ منهنّ إلاّ واحدة ـ كما قال الحسن البصري ـ لكانت كافية للإحاطة به ، والذي لا يستحي من سوق ترهات على أنّها تأويلات ، ويخالف الشرع مخالفات بيّنة ، ويقتل بالظنّة ، ويقطع الأرزاق ، ويبيد على المشاعر في خبء الصدور ، هل تظنّ به يرعوي عن شراء ذمم تكذب على رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، فتضع الأحاديث مفصّلة على هواه ؟
اقرأ معي ما صنّفه الهيتمي(2) في مناقب معاوية ، رغم اعترافه بضعفها ، إلاّ أنّه يزعم أنّ الضعيف حجّة في المناقب :
ـــــــــــــــ
(1) تاريخ آداب اللغة العربيّة ، مرجع سابق 1 / 248 .
(2) تطهير الجنان واللسان ، مرجع سابق / 11 وما بعدها .
________________________________________
الصفحة (256)
دعا رسول الله (صلّى الله عليه وآله) لمعاوية ، فقال : اللهمّ ، اجعله هادياً مهديّاً .
قال الرسول (صلّى الله عليه وآله) : معاوية بن أبي سفيان أحلم اُمّتي وأجودها .
قال الرسول (صلّى الله عليه وآله) : صاحبُ سرّي معاويةُ بن أبي سفيان  .
جاء جبريل إلى النبي (صلّى الله عليه وآله) ، فقال : يا محمّد ، استوصِ بمعاوية , فإنّه أمين على كتاب الله ونعم الأمين هو . 
قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : إنّ الله ورسوله يحبّانه .
قال الرسول (صلّى الله عليه وآله) : عزيمة من ربّي وعهد عهده إليّ أنْ لا أتزوّج إلى أهل بيت ، ولا أزوّج بنتاً من بناتي لأحد ، إلاّ كانوا رفقائي في الجنّة .
دعا رسول الله (صلّى الله عليه وآله) لمعاوية ، فقال : اللهمّ علّمه الكتاب والحساب ، ومكّن له في البلاد ، وقه سوء العذاب .
ثمّ اقرأ معي موضوعات أبي هريرة(1) ـ وقد كافأه معاوية بالإغداق عليه وتوليته المدينة ـ وكذلك موضوعات عمرو بن العاص ، وعروة بن الزبير وغيرهم(2) ، تقف على المدى الذي بلغه معاوية : قال أبو هريرة : سمعت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، يقول : إنّ الله ائتمن على وحيه ثلاثة : أنا وجبرئييل ومعاوية .
قال أبو هريرة : عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : الأمناء ثلاثة : جبرئيل وأنا ومعاوية .
ـــــــــــــــ
(1) محمود أبو ريّة ، أبو هريرة شيخ المضيرة / ط 4 ـ بيروت ـ مؤسسة الأعلمي للمطبوعات / 1993 م .
(2) هذه الموضوعات تجدها كذلك مفصّلة في البداية والنهاية لابن كثير 8 / 20 ، وما يليها . ويعلّق ابن كثير على الأحاديث الموضوعة التي أوردها ابن عساكر بقوله : والعجب منه مع حفظه وإطلاعه ، كيف لا ينبّه عليها ، وعلى نكارتها وضعف رجالها ؟!
________________________________________
الصفحة (257)
قال أبو هريرة : إنّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله) ، قال : لا يزال أهل الغرب ظاهرين على الحقّ حتّى تقوم الساعة . قال أحمد وغيره : هُم أهل الشام .
روى الزهري : أنّ عروة بن الزبير حدّثه قال ، حدّثتني عائشة ، قالت : كنت عند رسول الله ، إذ أقبل العبّاس وعليّ (ع) ، فقال (ص) : يا عائشة ، إنّ هذين يموتانِ على غير ملّتي .
وعن عروة أنّ عائشة حدّثته ، قالت : كنت عند النبي (ص) ، إذ أقبل العبّاس وعليّ (ع) ، فقال (ص) : يا عائشة ، إنْ سرّك أنْ تنظري إلى رجلين من أهل النار ، فانظري إلى هذين قد طلعا . فنظرت فإذا العبّاس وعليّ بن أبي طالب (ع) .
أخرج الشيخان لعمرو بن العاص ، قال : سمعت رسول الله (ص) ، يقول : إنّ آل أبي طالب ليسوا لي بأولياء ، إنّما وليّي الله وصالح المؤمنين .
عن أبي الدرداء ، قال : قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : بينا أنا نائم رأيت الكتاب احتمل من تحت رأسي فظننت أنّه مذهوب به ، فأتبعته بصري فعمد به إلى الشام ، وإنّ الإيمان حين تقع الفتنة بالشام .
عن عبد الله بن قيس : سمعت عمر بن الخطاب ، يقول : قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : رأيت عموداً من نور خرج من تحت رأسي ساطعاً حتّى استقرّ بالشام .
روي ابن عبّاس : قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : الأمناء سبعة : القلم واللوح ، وإسرافيل وميكائيل ، وجبريل وأنا ومعاوية(1) .
* * *
هذه القائمة من الموضوعات لا نظنّ أنّها في حاجة إلى تعليق ، وإنْ كان لا بدّ ، فلا نجد خيراً ممّا نبّه إليه ابن حجر في شرحه للبخاري ، أنّ البخاري 
ـــــــــــــــ
(1) يذكر ابن كثير في تعلقه على هذا الحديث : وهذا أنكر من الأحاديث التي قبله ، وأضعف إسناداً . البداية والنهاية 8 / 123 .
________________________________________
الصفحة (258)
ذكر فضائل الصحابة حتّى إذا جاء إلى معاوية ، قال : باب ذكر معاوية ، ولمْ يقل بفضله ؛ ذلك أنّ إسحاق بن راهويه شيخ البخاري ، قال : لمْ يصحّ في فضل معاوية شيء .
التفرقة بين العرب :
لمْ يكن يعني معاوية من تمييز بني اُميّة وبني أبيه ونفسه ، إلاّ أنّها وسيلة من الوسائل يروم من ورائها غرضه الأقصى وهو السيادة والملك . ولمْ تكن له في تحصيل ذلك ثوابت يلتزمها ، كما لمْ يرهق نفسه بقيود تعوقه عن إدراكها ، وإنّما كلّ وسيلة تُؤدّي به إلى غرضه فهي الحقّ ، وما عداها فهي الباطل .
إلاّ أنّه التزم سياسة واحدة طوال حكمه لمْ يحدُ عنها ، وعنوانها : فرّقْ تسدْ . فكان يُغري القبائل بعضها ببعض ، ويأتي نفوس أفرادها من أضعف أركانها ، فيُباغتهم من ناحيّتها حتّى يأتوا له طائعين ، فيعود يُغري بعضهم ببعض بينما هو جالس في مأمن من اجتماعهم .
واقرأ ما يقوله العقّاد الذي استخرج من درس سيرة معاوية تلك السياسة(1) : كانت له حيلته التي كرّرها وأتقنها وبرع فيها واستخدمها مع خصومه في الدولة من المسلمين وغير المسلمين ، وكان قوام تلك الحيلة ، العمل الدائب على التفرقة والتخذيل بين خصومه ، بإلقاء الشبهات بينهم وإثارة الإحن فيهم ، ومنهم من كانوا من أهل بيته وذوي قرباه ، كان لا يطيق أنْ يرى رجلين ذوي خطر على وفاق ، وكان التنافس الفطري بين ذوي الأخطار ممّا يَعينه على الإيقاع بينهم .
ـــــــــــــــ
(1) عبّاس محمود العقّاد ، معاوية في الميزان / 64 .
________________________________________
الصفحة (259)
وقد مرّ بنا كيف كان يُعاقب على المدينة بين ولاته : مروان بن الحكم ، والوليد بن عتبة .
ثمّ ألمْ ترَ كيف أنّه لمْ يطقْ ميل أهل الشام إلى عبد الرحمن بن خالد بن الوليد ، الذي كان صاحب لوائه الأعظم يوم صفّين ، فدسّ له مَن قتله بالسُّم . يروي الطبري(1) : خافه معاوية وخشي على نفسه منه ، لميل الناس إليه ، فأمر ابن أثال النصراني أنْ يحتال في قتله ، وضمن له إنْ هو فعل ذلك أنْ يضعَ عنه خراجه ما عاش ، وأنْ يولّيه جباية خراج حمص .
وكان من شأن معاوية كذلك أنْ أثار الإحن بين أهل العراق وأهل الشام ، وعمد إلى تجهيل أهل الشام وإغرائهم بأهل العراق ، وتعميق أسباب البغض بينهم . حدث أنّ عليّاً (ع) بعث بجرير إلى معاوية يدعوه إلى الدخول في الطاعة وعدم شقّ عصا المسلمين ، فإذا بمعاوية يأبى الجماعة ، ويرسل إلى عليّ (ع) بأبيات كعب بن جعيل(2) :
أرى الشام تكرهُ ملكَ العراق      وأهـل  العراقِ لهم كارهونا
وكـلّ لـصاحبه مـبغضٌ       يرى كلّ ما كان من ذاك دينا
وقـالوا  عـليٌّ إمـام لـنا      فقلنا رضينا ابن هند رضينا
وكذلك أشعل معاوية النار بين العرب المضريّة والعرب اليمانيّة بالشام ، لمّا حابى الكلبيّة اليمانيّة واتّخذهم ردءه ، وأقسي عنه القيسيّة(3) ، حتّى إنّه تزوّج من ميسون الكلبيّة اُمّ زيد ، وزوّج يزيد كلبيّة اُخرى ، وكذلك كان يفرض العطاء للكلبيّة دون القيسيّة .
ـــــــــــــــ
(1) الطبري ، مرجع سابق 5 / 227 .
(2) الدينوري ، الأخبار الطوال / 160 ، تحقيق عبد المنعم عامر ـ بغداد ـ  مكتبة المثنى ، ب . ت  .
(3) بروكلمان ، تاريخ الشعوب الإسلاميّة ، مرجع سابق / 130 .
________________________________________
الصفحة (260)
على أنّ معاوية لمْ يكن يَعنيه هؤلاء كلبيّة هم أو قيسيّة ، أو بمعنى آخر يمانيّة أو مضريّة ، إلاّ بالقدر الذي يتيح له جمع كلّ الخيوط في يده ، يحرّكها كيف شاء ومتى شاء .
وآية ذلك استئجاره الأخطل النصراني ـ كما مرّ بنا ـ لهجاء الأنصار بالمدينة ، وهم يمانيّة . 
وآية ذلك أيضاً ، صلته بمضريّة العراق لمّا كانت اليمانيّة هناك تشايع عليّاً (ع) ؛ وأنّه عند إرساله ابن الحضرمي إلى العراق ليفسد على عليّ (ع) أمره ، أنزل ابن الحضرمي منازل بني تميم المضريّة ، وبهم استجار .
وآية ذلك ثالثاً ، أنّ معاوية لمّا شعر أنّ اليمانيّة بالشام قد قاربوا الحدّ الذي رسمه لهم ألاّ يتعدّوه ، فرض من فوره عطاء لأربعة آلاف من قيس سوى خندف(1) ، ثمّ جعل يغزي اليمن في البحر ، ويغزي قيساً في البرّ ، فقال شاعر اليمن :
ألا  أيـها الـقوم الـذين تـجمعوا      بـعـكّا أنـاس أنـتم أم أبـاعر ؟
أتـتـرك قـيس آمـنين بـدارهم      ونركب ظهر البحر والبحر زاخر ؟
وهكذا أعاد معاوية العصبيّة جذعة تفتّ في عضد الاُمّة ، وتنخر في جسدها طيلة سنين حكمه ، ولمْ تنقضِ بموته ، وإنّما استفحل أمرها حتّى صارت عنواناً للصراع بين العرب في كلّ البقاع , وتكرّست بذلك الفرقة بين المسلمين ، فالعجب إذاً ـ نردّدها مع عجب الجاحظ ـ ممّن سمّى عام غلبة معاوية على الخلافة : عام الجماعة !
ـــــــــــــــ
(1) الأغاني ، مرجع سابق 20 / 224 .
________________________________________
الصفحة (261)
يقول أحمد أمين(1) : ولمّا ولي الاُمويّون الخلافة عادت العصبيّة إلى حالها كما كانت في الجاهليّة , وعاد النزاع في الإسلام بين القحطانيّة والعدنانيّة , فكان في كلّ قطر عداء وحروب بين النوعين ، واتّخذوا في كلّ صقع أسامي مختلفة ، ففي خراسان كانت الحرب بين الأزد وتميم ، والأوّلون يمنيون والآخرون عدنانيون ، ومثل ذلك في الأندلس ، ومثل ذلك في العراق .
استردّت إذاً الجاهليّة بناءها على جميع مستوياتها على يد معاوية وصحبه ، ولمْ تزل تُمكّن لنفسها تمكيناً بمضيّ الزمن . وقد جرى أمر الدنيا على أنّ العطب إذا أصاب جسماً ـ ولو في جزء منه ـ استفحلّ ما لمْ يتدارك بالعلاج في حينه ، وكلّما مضى الزمن استعصى العلاج ، بينما الجسم الصحيح يحتاج إلى الجهد الدائب لصيانته ، أي : أنّ المرض يتفاقم بينما الصحّة تتآكل . 
وهذا ما حدث في أمر الجاهليّة التي عادت بمعاوية مستخفيةً أوّل الأمر ، ثمّ ما لبست أنْ أعلنت سفورها بجلاء وبلا حياء ، وبلا مبالاة لأمر هذه الاُمّة ، حتّى ابتعثت العداوات القديمة ، كتلك التي كانت بين الأوس والخزرج بغرض تفريق وحدة كلمة الأنصار . يذكر الأصفهاني(2) : كان طويس(3) ولعاً بالشعر الذي قالته الأوس والخزرج في حروبهم ، وكان يُريد بذلك الإغراء ، فكلّ مجلس اجتمع فيه هذان الحيان ، فغنّى فيه طويس إلاّ وقع فيه شيء ، فكان يُبدي السرائر ويُخرج الضغائن .
وكان من سنّة معاوية تلك ، أنْ صار للفخار بين النزاريّة واليمانيّة مجاله الواسع ، كلّ يهجو الآخر ويفاخر بقومه ، واُستبدلت أغراض الشعر من إيمان
ـــــــــــــــ
(1) فجر الإسلام ، مرجع سابق / 79 .
(2) الأغاني ، مرجع سابق 3 / 40 .
(3) طويس : مغنّي مخنّث بالمدينة في العهد الاُموي .
________________________________________
الصفحة (262)
وحماسة للجهاد إلى المجون وتعصّب القبليّات حتّى لتتعقّب الأجيال قول كلّ فيزداد رسوخاً . حدث أنْ زاد الكميت ـ توفّي عام 126 هـ  ـ عن النزاريّة معرّضاً باليمانيّة :
وجـدتُ الله إذ سمّى نزاراً       وأسـكنهم  بـمكّة قـاطنينا
لـنا جعل المكارم خالصات      ولـلناس الـقفا ولنا الجبينا
وما  وجدت نساء بني نزار      حلائل أسودين وأحمرين(1)
فلمْ يزل الأمر مهتاجاً حتّى يرد دعبل الخزاعي ـ توفّي عام 246 هـ ـ هجاء الكميت بهجاء(2) :
فـإن  يك آل إسرائيل منكم       وكـنتم بـالأعاجم فـاخرينا
فـلا  تنس الخنازير اللواتي      مـسخن مع القرود الخاسئينا
بـأيـلة  والـخليج رسـوم      وآثـار  قـدمن ومـا محينا
وما طلب الكميت طلاب وَتر      ولـكـنا لـنصرتنا هـجينا
لـقد  علمت نزار أن قومي       إلـى  نـصر النبوة فاخرينا
ويذكر ابن عبد ربّه(3) في المفاخرة بين يمن ومضر : أنّ هشام بن عبد الملك بن مروان طلب من خالد بن صفوان ، أنْ يقول في اليمانيّة ، فقال : وما أقول لقوم يا أمير المؤمنين ، هم بين حائك برد ، وسائس قرد ، ودابغ جلد ، دلّ عليهم هدهد ، وملكتهم امرأة ، وغرقتهم فأرة ، فلمْ يثبت لهم بعدها قائمة .
ـــــــــــــــ
(1) يعرّض باليمانيّة لتتابع الحبش والفرس عليهم .
(2) المسعودي ، مروج الذهب ، مرجع سابق 3 / 245 .
(3) العقد الفريد ، مرجع سابق 3 / 78 .
________________________________________
الصفحة (263)
التفرقة بين العرب وأهل البلاد المفتوحة وظهور الشعوبيّة 
كان موقف الإسلام حاسماً في هذه القضيّة ، يلخّصه قول الرسول (صلّى الله عليه وآله) : (( لا فضل لعربي على أعجمي إلاّ بالتقوى )) . إلاّ أنّ السيرة الفعليّة تجاه أهل البلاد المفتوحة كان يشوبها الكثير ممّا يناقض المعيار الإسلامي الخالص . وأوّل ما يُلاحظ في تلك السيرة إطلاق وصف : الموالي(1) عليهم أجمعين ، وشيوع وصف الهجين على أبناء الأعجميّات من آباء عرب ، بما تحمله تلك الأوصاف من غمزات التحقير والازدراء .
ثمّ تعدّى الأمر مجرد إطلاق الأوصاف المزريّة ، إلى السلوك العملي الذي يتّسم بالتمييز العنصري الشديد البالغ أوجه في عهد بني اُميّة . يذكر ابن عبد ربّه(2) : دعا معاوية الأحنف بن قيس وسمرة بن جندب ، فقال : إنّي رأيت هذه الحمراء ـ يعني : الروم والفرس ـ قد كثرت ، وأراها قد قطعت عليّ السلف ، وكأنّي أنظر إلى وثبة منهم على العرب والسلطان , فقد رأيت أنْ أقتل شطراً وأدع شطراً لإقامة السوق وعمارة الطريق ، فما ترون ؟ 
ـــــــــــــــ
(1) شاع استعمال الموالي ، بمعنى : المعتقين من الرقّ . ونقل أحمد أمين عن الزيعلي قوله : وسَمّي العجم موالي ؛ لأنّ بلادهم فُتحت عنوة بأيدي العرب . فجر الإسلام / 89 .
(2) العقد الفريد ، مرجع سابق 3 / 130 .
________________________________________
الصفحة (264)
تلك إذا كانت عقيدة معاوية ، فما أبعدها عن صحيح الدين .
فهو يُسمّي غير العرب حمراء تحقيراً , أوَ لمْ يعرف من الصحابة بلال الحبشي وسلمان الفارسي ، وصهيب الرومي ؟
وهو يرى في كثرتهم ـ بفضل الله ـ مشكلاً يؤرقه , فلم إذاً كان الفتح الإسلامي للبلاد ؟
وهو يرى أنْ يحلّ مشكلته بأنْ يقتل بكلّ بساطة نصفهم , فأيّ مستند من دين أو حتّى عرف جاهلي يبيح له دماءهم ؟
ويرى أنْ يبقى على النصف الآخر منهم ، لا لشيء إلاّ لخدمة السادة العرب في الأعمال الحقيرة , أفلا يذكرنا ذلك على الفور بسلوك المستكبرين من الدول الاستعماريّة والجائرة في العصر الحديث ؟
وهكذا أرسى معاوية ضمن ما أرسى من بدع ، سنّة التفرقة العنصريّة حتّى داخل مجتمع المُسلمين الواحد . 
وسار على منواله من بعده ورثة حكمه ، بحيث صارت تلك التفرقة أحد معالم سياسة بني اُميّة .
يقول أحمد أمين(1) : ومع أنّ الإسلام يدعو إلى أنّ المسلمين كلّهم سواء ، فقد كان العرب وخاصّة في الدولة الاُمويّة ، ينظرون إليهم نظرةً فيها شيء من الازدراء ، ممّا أدّى إلى كراهية الموالي للاُمويّين(2) .
ويذكر أبو زهرة في بحثه عن أسباب اختلاف الاُمّة أنّ العصبيّة العربيّة كانت
ـــــــــــــــ
(1) فجر الإسلام ، مرجع سابق / 90 .
(2) آراء أحمد أمين يوشبها كثير من الاضطراب ، فبعد أنْ أورد رأيه السابق تراه يعلّق على ما قاله عمر بن الخطاب من استعاذته من الموالي ، بقوله : نعم ، إنّه استعاذ بالله ، وحقّ له أنْ يستعيذ منهم ومن كلّ الموالي ونسلهم ، فقد كانت لهم عصبيّة سياسيّة غير العصبيّة العربيّة وضدها .
________________________________________
الصفحة (265)
أهمّ هذه الأسباب(1) : هذه من أسباب الخلاف ، بل هي جوهر الخلاف الذي فرّق أمر الاُمّة . 
وإليك بعضاً من الأمثلة(2) تصوّر كيف فشت تلك التفرقة ، بحيث أضحت نمطاً من السلوك معتاداً :
كانوا يقولون : لا يقطع الصلاة إلاّ ثلاثة : حمار أو كلب أو مولى .
كانوا لا يكنّونهم بالكنى ، ولا يدعونهم إلاّ بالأسماء والألقاب ، ولا يمشون في الصفّ معهم ، ولا يتقدمونهم في الموكب .
وإن حضروا طعاماً قاموا على رؤوسهم , وإنْ أطعموا المولى لسنّه وفضله وعلمه وأجلسوه في طريق الخباز ؛ لئلا يخفى على الناظر أنّه ليس من العرب . ولا يدعونهم يُصلّون على الجنائز إذا حضر أحد من العرب ، وإنْ كان صبيّاً .
وكان الخاطب لا يخطب المرأة منهم إلى أبيها ولا إلى أخيها ، وإنّما يخطبها إلى مواليها من العرب ، فإنْ رضي زوج وإلاّ ردّ , فإنْ زوّج الأب والأخ بغير رأي مواليه فُسخ النكاح ، وإنْ كان قد دخل بها كان سفاحاً غير نكاح .
هناك واقعة يرويها ابن عبد ربّه(3) ولا بدّ من إمعان النظر فيها ، لما تصوّره من غلبة مفهوم التفرقة العنصريّة وشيوعه العام ، بحيث غلب على أحكام الشريعة لدى الناس , إذ بلغ الأمر أنْ اُستشكل على عربي له أخ صريح النسب العربي وأخ آخر هجين ، ومات أبوه عن تركة لهم ، فذهب إلى القاضي ليسأله كيف يقسّم المال , فأجابه القاضي : فالمال بينكم أثلاثاً . فدُهش العربي ، وقال للقاضي : ما أحسبك
ـــــــــــــــ
(1) تاريخ المذاهب الإسلاميّة ، مرجع سابق / 12 .
(2) العقد الفريد ، مرجع سابق / 130 .
(3) المرجع السابق / 133 .
________________________________________
الصفحة (266)
فهمت عنّي ، إنّه تركني وأخي وهجيناً , فكيف يأخذ الهجين كما آخذ أنا وكما يأخذ أخي ؟! فغضب العربي لمّا أصرّ القاضي على قوله .
ولو أنّ أحداً ذكر لك ما سبق على أنّّه كان على عهد الرومان في سالف زمان الوثنيّة لاستنكرته ، ولو ذُكر أنّه من صنع نبلاء العصور الوسطى الأوروبيّة النصرانيّة لزدت ازدراء ، ولو أُخبرت أنّه كذلك فعل النازيّون في العصر الحديث ، لارتضيت في نفسك ما حاق بهم ، فكيف حدث كلّ ذلك في مجمع يُوصف بالإسلام ؟!
لقد آتت سياسة بني اُميّة ثمرها الحنظل في خلق ذهنيّة عامّة ، وتعميق شعور جمعي بالعنصريّة العربيّة . والعجب بعد ذلك ، كلّ العجب ـ ويبدو أنّ عجبنا في هذا البحث لا نهاية له ـ ممّن يدين الاتّجاه الذي يطلق عليه : الشعوبيّة . فلا تُطلق هذه الكلمة حتّى اليوم إلاّ مقرونة بالاستنكار ، وإنْ أُريد إدانة شخص واتّهامه في قوله ، قِيل : إنّه كان شعوبيّاً .
كتب ابن عبد ربّه في كتاب ( اليتيمة في النسب وفضائل العرب )(1) فصلاً بعنوان : قول الشعوبيّة وهم أهل التسويّة . وأورد فيه نُبذاً من كتاب ابن قتيبة ( تفصيل العرب ) ، ومنها قوله : إنّ العرب إذا أرادت أنْ تذمّ قوماً ، قالت : سواسيّة كأسنان الحمار .
ويقول أحد المحقّقين المحدثين(2) : الشعوبيّة هي فرقة تنكر تفضيل العرب على غيرهم ، وتحاول الحطّ من قدرهم ، وتطالب بالتسويّة بين الشعوب .
ـــــــــــــــ
(1) العقد الفريد ، مرجع سابق 3 / 123 .
(2) شرح الأغاني 4 / 404 .
________________________________________
الصفحة (267)
ولقد رأيت توّاً كيف كان يُعامل المسلمون من غير العرب ، فكان ردّ الفعل الطبيعي لتلك المعاملة استنفار هممهم للذود عن ذواتهم ، ورفض تلك التفرقة العنصريّة التي لم يأتِ بها دين , فكانت جريرتهم الكبرى في عرف بني اُميّة ومَن اتّبع سنّتهم ، أنْ قال هؤلاء بالتسوية بين المسلمين .
وطالما اُستبعد الدين وعادت النزعة الجاهليّة ، فلمْ تُعد الناس سواسيّة كأسنان المشط ـ لا كأسنان الحمار ـ كان من الطبيعي إذاً أنْ يلوذ العجم بحضارتهم السالفة ، يستمدّون منها أسباباً لمغالبة مغالاة العرب .
يقول شاعر العرب(1) :
ما بال هذي العجم تحيا دوننا      إن الغريب لفي عمّى وخسار
ويقول شاعر العجم(2) :
إنّـما سـمي الـفوارس بـالفر      س  مـضاهاة رفـعة الأنـساب
فـاتركي الـفخر يـا أُمام علينا      واتركي الجور وانطقي بالصواب
واسـألي  إن جَهِلت عنا وعنكم       كـيف  كـنا في سالف الأحقاب
إذ نـربـي بـنـاتنا وتـدوسو      ن  سَـفاهاً بـناتكم فـي التراب
* * *
ـــــــــــــــ
(1) العقد الفريد ، المرجع السابق / 126 .
(2) إسماعيل بن يسار ، الأغاني ، مرجع سابق 4 / 403 .
________________________________________
الصفحة (268)
الباب الرابع
 خروج الحُسين عليه السّلام
________________________________________
الصفحة (269)
الخروج من المدينة إلى مكّة  
ما أنْ هلك معاوية عام 60 هـ حتّى ورث الملك ابنه يزيد ؛ تحقيقاً لولاية العهد التي عقدها معاوية ، وأخذ البيعة له أثناء ملكه .
وما أنْ استقرّ يزيد على دست الملك ، حتّى أقلقه هؤلاء الذين امتنعوا عن متابعة أبيه في أخذ البيعة له . يذكر الطبري(1) : ولمْ يكن ليزيد همّة حين ولي إلاّ بيعة النفر الذين أبوا على معاوية الإجابة ، إلى بيعة يزيد حين دعا الناس إلى بيعته ، وأنّه ولي عهده بعده والفراغ من أمرهم ، فكتب إلى الوليد(2) : 
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
  من يزيد أمير المؤمنين إلى الوليد بن عتبة .
 أمّا بعد ، فإنّ معاوية كان عبداً من عباد الله ، أكرمه الله واستخلفه وخوّله ومكّن له ، فعاش بقدر ومات بأجل فرحمه الله ، فقد عاش محموداً ومات برّاً تقيّاً ، والسّلام .
وكتب إليه في صحيفة كأنّها أذن فأرة : أمّا بعد ، فخذ حُسيناً (ع) وعبد الله بن عمر ، وعبد الله بن الزبير بالبيعة أخذاً شديداً ليست فيه رخصة حتّى يبايعوا ، والسّلام .
فاستشار الوليد مروان بن الحكم ، فأشار عليه بقوله (3) : فإنّي أرى أنْ تبعث
ـــــــــــــــ
(1) الطبري ، مرجع سابق 5 / 338 .
(2) هو : الوليد بن عتبة بن أبي سفيان عامله على المدينة ، وكان أمير البصرة في ذلك الوقت عبيد الله بن زياد ، وعلى الكوفة النعمان بن بشير ، وعلى مكّة عمرو بن سعيد بن العاص .
(3) المرجع السابق / 339 .
________________________________________
الصفحة (271)
السّاعة إلى هؤلاء النفر ، فتدعوهم إلى البيعة والدخول في الطاعة ، فإنْ فعلوا قبلت منهم وكففت عنهم ، وإنْ أبوا قدّمتهم فضربت أعناقهم قبل أنْ يعلموا بموت معاوية .
فأرسل الوليد إلى الحُسين (ع) ، وعبد الله بن الزبير أنْ يأتيا من فورهما . فجمع الحُسين (ع) أهل بيته ومواليه ليمتنع بهم إنْ دخل دار الوليد فغُدر به ، ودخل الحُسين (ع) ، فسأله الوليد ومروان البيعة ليزيد ، فقال الحُسين (ع) : (( أمّا ما سألتني من البيعة ، فإنّ مثلي لا يُعطي بيعته سرّاً ، ولا أراك تجتزئ بها منّي سرّاً دون أنْ نظهرها على رؤوس الناس علانيّة )) . قال : أجل . قال (ع) : (( فإذا خرجت إلى الناس ، فدعوتهم إلى البيعة دعوتنا مع الناس ، فكان أمراً واحداً )) . فقبل منه الوليد ورفض مروان ، وحثّ مروان الوليد على ضرب عنق الحُسين (ع) إنْ لمْ يُبايع فوراً ، فوثب الحُسين (ع) قائلاً لمروان : (( يابن الزرقاء أنت تقتلني ، أمْ هو ؟! كذبت والله وأثمت )) . 
وخرج الحُسين (ع) ، وأزمع المسير إلى مكّة في بنيه وإخوته وبني أخيه وجلّ أهل بيته إلاّ محمّد بن الحنفيّة . فلمّا سار بليل نحو مكّة ، قال (ع) : (( فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفاً يَتَرَقَبُ قَالَ رَبّ نَجّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظّالِمِينَ ))(1) . ولمّا أتى مكّة ، قال (ع) : (( وَلما تَوَجّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى‏ رَبّي أَن يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السّبِيلِ ))(2) . وكان خروجه من المدينة لليلتين بقيتا من شهر رجب عام 60 هـ . 
وأمّا عبد الله بن الزبير فخرج ، ومعه أخوه جعفر عائذاً بمكّة . وأمّا عبد الله بن عمر فمكث بالمدينة مجيباً الوليد ، أنّه إذا بايع الناس بايع معهم ، فتركوه لما كانوا لا يخافونه . 
وقد روى الطبري(3) أنّ ابن عمر وابن عبّاس بايعا يزيد .
ـــــــــــــــ
(1) سورة القصص / 21 .
(2) سورة القصص / 22 .
(3) الطبري ، المرجع السابق / 343 .
________________________________________
الصفحة (271)
الاستحلال الأوّل للحرم :
عزل يزيد بن معاوية الوليد بن عتبة في رمضان عام 60 هـ ، وولّى بدلاً منه عمرو بن سعيد بن العاص ، وأمره ببعث جيش لمقاتلة عبد الله بن الزبير بمكّة .
وقد نصح غير واحد لعمرو ألاّ يغزو مكّة الحرام ، كلّهم يذكّره بحديث رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : (( إنّما أذن الله لي في القتال بمكّة ساعة من نهار ، ثمّ عادت كحرمتها )) . فما كان جواب عمرو إلاّ أنْ قال لشيخ ذكّره : نحن أعلم بحرمتها منك أيّها الشيخ .
أنفذ عمرو بن سعيد أمر يزيد ، فبعث عمرو بن الزبير على رأس جيش ، ليقاتل أخاه عبد الله بن الزبير بمكّة , وكان عبد الله ممتنعاً بمكّة ومَن معه ممّن آزره ، وكانوا يُصلّون وحدهم ولا يُصلّون بصلاة والي يزيد على مكّة ، ومَن معه مسّ هواهم في يزيد .
والتقى الجمعان بمكّة الحرام ، وعلى رأس الجمعين الأخوان : عبد الله بن الزبير ممتنعاً عن بيعة يزيد في جمع ، وفي الجمع الآخر عمرو بن الزبير على رأس جيش يزيد , فهزم عبد الله عمراً ، ثمّ أخذه فأقاده ممّن ضربه حتّى مات عمرو تحت السياط , وكان عبد الله قد أطلق على أخيه عمرو : الفاسق المستحلّ لحرمات الله .
أمر الكوفة :
كان النعمان بن بشير الأنصاري والياً على الكوفة من قبل معاوية ، فجعل الكوفيّون يتشاورون فيما بينهم ، وأرسلوا كتبهم إلى الحُسين (ع) يوثقون فيها
________________________________________
الصفحة (272)
بيعتهم له ، وأنّهم مفارقون للنعمان ولي يزيد حتّى إنّهم لا يحضرون الجمعة معه ، وأنّهم في انتظار قدومه عليهم .
فلمّا جاءت الكتبُ الحُسين (ع) ، بعث ابن عمّه مُسلم بن عقيل إلى الكوفة ليخبره عن كتب أمر الكوفيين , وما أنْ دخل مُسلم الكوفة حتّى جاءه القوم فرادى وجماعات يُبايعونه ببيعة الحُسين (ع) ، فأرسل إلى الحُسين (ع) ببيعة اثني عشر ألفاً ، وطلب منه القدوم .
في هذا الوقت أشار سرجون الرومي النصراني مولى معاوية وكاتم سرّه ، على يزيد بعزل النعمان لضعفه وتولية عبيد الله بن زياد والي البصرة على الكوفة أيضاً .
وما أنْ قدم عبيد الله الكوفة حتّى دسّ مولى له بين أنصار الحُسين (ع) وأعطاه مالاً ليزعم أنّه جاء من حمص بالشام ليُؤازر الحُسين (ع) ويبايعه . فانخدع القوم ودلوه على مكان مُسلم ببيت هانئ بن عروة ، فرجع إلى عبيد الله فأخبره الخبر .
استدعى عبيد الله هانئاً ، وأبرز له مولاه الدسيسة فأيقن هانئ الخدعة ، فضربه عبيد الله وشجّه وحبسه , فلمّا علمت مذحج ـ قبيلة هانئ ـ بالخبر أحاطت بقصر عبيد الله , فأخرج لهم شريحاً القاضي زاعماً كذباً : أنّ هانئاً بخير وأنّه يُشاوره عبيد الله ، فانصرف القوم .
وما أنْ علم مُسلم بن عقيل بخبر هانئ حتّى نادى بشعاره ، فاجتمع له أربعة آلاف مقاتل حتّى أحاطوا بقصر عبيد الله , إلاّ أنّه كان قد احتاط لأمره من قبل ، فجمع عنده وجوه أهل الكوفة وزعماء القبائل ، ليرشوهم ويمنّيهم ، فخرجوا وأشرفوا من القصر على المحيطين به ؛ ليخذلوهم ويصرفوهم عن مُسلم ، فما زالوا بهم حتّى إذا أتى المساء وجد مُسلم نفسه وحده .
________________________________________
الصفحة (273)
وانتهى أمر الكوفة بأسر مُسلم بعد أنْ أمّنه عبد الرحمن بن محمّد الأشعث ، فأمر عبيد الله بضرب عنق مُسلم وإلقاء جثّته من أعلى القصر ، وقتل هانئ بن عروة وصلبه .
خروج الحُسين (ع) إلى الكوفة :
لمّا كان يوم التروية لعام 60 هـ ، طاف الحُسين (ع) بالبيت وسعى بين الصفا والمروة ، ثمّ قصّ شعره وحلّ من عمرته ، وتوجّه تلقاء الكوفة ومَن معه من الناس ، بينما توجّه الحجيج إلى منى .
وكان الحُسين (ع) قد التقى أثناء خروجه الأخير بكثيرين ألحّوا عليه إلحاحاً ألاّ يخرج , وقد تعددت أسباب هؤلاء المشيرين بعدم الخروج ؛ فمنهم ناصح مشفق من غدر أهل العراق ، ومنهم حذّر من سطوة بني اُميّة ، ومنهم مَن خبر غلبة الدرهم والدينار على المبدأ لدى الكثيرين من أهل العصر ، ومنهم مَن تاقت نفسه للتخلّص من الحُسين (ع) ليخلو له الجوّ فيدعو لنفسه ولكن ينصح مداراة ، ومنهم مَن زعم أنّ خروجه شقاق ونزع ليده من الطاعة وخروج عن الجماعة .
وكان من هؤلاء : عبد الله بن عبّاس وعبد الله بن الزبير ، وعبد الله بن جعفر على اختلاف أسبابهم .
وتراوحت إجابة الحُسين (ع) لهؤلاء بين بيان حجّته والاكتفاء بالشكر على النصح ، وبيان أنّها رؤية رآها ولا يستطيع الإفصاح عنها ، وإعلام البراءة من عمل بني اُميّة وأنّ لهم عملهم وله عمله .
ومضى الحُسين (ع) في طريقه حتّى لقيه مَن أخبره بمتقل رسوله مُسلم بن عقيل بالكوفة ومعه هانئ بن عروة , وأنّهما جرّا من أرجلهما بالأسواق سحلاً , 
________________________________________
الصفحة (274)
فاسترجع وأبان الأمر لأصحابه ، وخلّى بينهم وبين رغبتهم في الاستمرار في المسير أو التفرّق , فتفرّق عنه الكثيرون لمّا استشعروا إدبار الأمر ، وأنّهم إنّما اتبعوه لظنّهم غلبته .
وما أنْ وصل الحُسين (ع) إلى مشارف القادسيّة حتّى لقيه جيش ابن زياد ، ألف فارسٍ على رأسهم الحرّ بن يزيد ، والحُسين (ع) يُريد أنْ يمضي في طريقه والحرّ يمنعه من المسير ، قائلاً : إنّه لا يدعه حتّى ينفذ أمر ابن زياد بإقدامه الكوفة ولقائه . فترادا القول حتّى تراضيا على أنْ يُساير الحرّ الحُسين (ع) في طريق لا تدخله الكوفة ولا ترجعه إلى المدينة ، حتّى يُكاتب الحرُّ ابن زياد ويعلم رأيه .
ثمّ بعث ابن زياد بجيش على رأسه عمر بن سعد بن أبي وقّاص في أربعة آلاف مقاتل ـ بعد أنْ عهد ابن زياد لعمر بولاية الرّي إنْ هو كفاه الحُسين (ع) ـ وأمر ابن زياد عمر أنْ يحول بين الحُسين (ع) وأصحابه وبين الماء وألاّ يذوقوا منه قطرة ، وأنْ ينزلوا على حكم ابن زياد ويُبايعوا يزيد ، وإلاّ فليُقاتلهم .
ونشب القتال بعد أنْ أعذر الحُسين (ع) إليهم ، بين جيش يزيد وقوامه أربعة آلاف ، وبين جماعة الحُسين (ع) وقد زوت إلى اثنين وسبعين منهم أربعون راجلاً ، وخلفهم في الخيام نساء آل بيت النبي (ص) وفيهم زينب بنت عليّ (ع) ، وسكينة وفاطمة ابنتي الحُسين (عليه السّلام) ، وفيهم عليّ زين العابدين يرقد عليلاً .
وتحفل كتب التاريخ والمقاتل بتفصيلات الأهوال والفظائع التي لابست القتال , فأنت تقرأ عن التحرق ظمأ من نساء آل البيت (عليهم السّلام) والأطفال ، فضلاً عن الشيوخ والرجال بينما يحلؤهم جيش يزيد ، في الوقت الذي يرتوي من النهر بجانبهم الكلاب الضالة وخنازير النصارى .
ثمّ هذه الأطفال تُذبح أمام أعين اُمّهاتهم ، ومنهم : عبد الله بن الحُسين (ع) الرضيع الذي يسدّد له أحدهم سهماً فيذبحه في حجر أبيه .
________________________________________
الصفحة (275)
وهذه بنات الرسول (صلّى الله عليه وآله) تنتهك حرمة أخبيتهنّ لينتهبوا متاعهنّ ، حتّى تنازع المرأة عن ثوبها فتغلب عليه وينتزع عن ظهرها .
ثمّ هذا هو الحُسين (ع) يُقتل ويُذبح ، فينتدب عمر بن سعد عشرة من رجاله ليطؤوا الحُسين (ع) ميّتاً بطناً وظهراً .
وتُساق نساء بيت النبي (صلّى الله عليه وآله) بعد ذلك على الأقتاب بغير وطاء حاسرات ، كأنّهم سبايا الشرك إلى ابن زياد في الكوفة ومنها إلى يزيد بدمشق ، يتقدّم موكبهم رؤوس الحُسين (ع) وأصحابه على الرماح .
ويتكرّر في مجلس يزيد ذات المشهد الذي وقع في مجلس ابن زياد : رأس الحُسين (ع) ملقىً أمام كلٍّ ، وكلٌ ينكث ثغر الحُسين (ع) بقضيبه ، وحوله نساء آل البيت (عليهم السّلام) باكيات معولات , ولا يعدم كلّ مجلس من صحابي ، لا يعترض إلاّ على البعث بثغر الحُسين (ع) . 
فكذلك فعل أبو برزة الأسلمي في حضرة يزيد ، مثلما فعل زيد بن أرقم في حضرة ابن زياد , ذلك باقتضاب خبر خروج الحُسين (ع) ، فماذا يعني هذا الخروج ؟
أسباب الخروج :
يحتاج درس خروج الحُسين (ع) إلى فهم غير متعجّل ، لا مانع فيه من الإطالة وتستحبّ معه الرؤية ، بل تجب فيه الأناة أبعد الأناة . هاهنا نتتبّع أسباب الخروج ونطلبها في كلّ مظانها كلّما أمكن ذلك ، ونحاول تلمّس هذه الأسباب لدى أصحابه ، ولدى من دعا بالخروج في عصره وإنْ لمْ يكن من أصحابه ، حتّى تكتمل لنا معالم الصورة كاملة ، فنراها وكأنّنا عايناها .
فأمّا الحُسين (ع) ، فأوّل ما يَعيننا على فهم خروجه فهمه هو الشخصي لمعنى 
الصفحة (276)
الإمامة . يقول الحُسين (ع) في كتابه إلى أهل الكوفة الذين راسلوه مبايعين وداعين له بالقدوم(1) : (( فعلمري ما الإمام , إلاّ العامل بالكتاب ، والآخذ بالقسط , والدائن بالحقّ ، والحابس نفسه على ذات الله )) .
ثمّ يبسط الحُسين (ع) أسباب دعوته في كتابه إلى رؤوس الأخماس بالبصرة ، وإلى أشرافها في نسخة واحدة ، هذا نصّها(2) : (( أمّا بعد ، فإنّ الله اصطفى محمّداً (صلّى الله عليه وآله) على خلقه ، وأكرمه بنبوّته ، وأختاره لرسالته ، ثمّ قبضه الله إليه ، وقد نصح لعباده ، وبلغ ما أرسل به (صلّى الله عليه وآله) ، وكنّا أهله وأولياؤه وأوصياؤه وورثته ، وأحقّ الناس بمقامه في الناس ، فاستأثر علينا قومنا بذلك ، فرضينا وكرهنا الفرقة وأحببنا العافية ، ونحن نعلم أنّا أحقّ بذلك الحقّ المستحقّ علينا ممّن تولاّه ، وقد أحسنوا وأصلحوا ، وتحرّوا الحقّ فرحمهم الله وغفر لنا ولهم .
وقد بعثتُ رسولي إليكم بهذا الكتاب ، وأنا أدعوكم إلى كتاب الله وسنّة نبيّه (صلّى الله عليه وآله) ، فإنّ السنّة قد أُميتت ، وإنّ البدعة قد أُحييت ، وإنْ تسمعوا قولي وتطيعوا أمري ، أهدكم سبيل الرشاد , والسّلام عليكم ورحمة الله )) .
ونحن نستخلص من هذا النصّ عديداً من الأمور :
1 ـ استهلّ الحُسين (ع) كتابه بالتذكير بفكرة تتعلّق بأساس الإيمان ، فإنّ الله يصطفي ويختار مَن يشاء من خلقه لمَا شاء من أمره , ومدار الإيمان على التسليم المطلق لمَا أراده الله ورسوله ، دونما سؤال : ( لاَ يُسْئَلُ عمّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ )(3) ،
ـــــــــــــــ
(1) الطبري ، مرجع سابق 5 / 353 .
(2) المرجع السابق / 357 .
(3) سورة الأنبياء / 23 .
________________________________________
الصفحة (277)
وكذلك فلا خيار مع قضاء الله ورسوله : ( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ )(1) .
وكأنّي بالحُسين (ع) بهذا الاستهلال يضع ابتداء الأساس الذي يقوم عليه الخطاب ، بما لا يدع مجالاً لممارٍ فيما يلي من محدّدات الخطاب ، وهو استهلال بلاغي يحسم الأمور من أقرب طريق بالحجّة الشرعيّة(2) .
2 ـ (( وكنّا أهله وأولياءه وأوصياءه ، وورثته وأحقّ الناس بمقامه في الناس )) . وهنا يحدّد الحُسين (ع) موقعه تحديداً دقيقاً ، فهو الإمام الواجب الطاعة . وقد سبق مناقشة أحقيّة عليّ (ع) في خلافة الرسول (صلّى الله عليه وآله) ـ فيما أثبتناه بالمقاربة الرياضيّة ـ وخلصنا إلى أنّ كلّ الطرق تُؤدّي إلى عليّ (ع) ولو بمنطق المنازعين ، وهو ما نظنّ أنّ الحُسين (ع) أعاد تأكيده في هذا الجزء من الخطاب .
فإنْ قال قائل : هب أنّ ذلك يثبت في حقّ عليّ (ع) ، فهل ينسحب على الحُسين (ع) ؟
ـــــــــــــــ
(1) سورة الأحزاب / 36 .
(2) مبدأ اختصاص بعض الخلق بفضل دون بعض مقرّر باختيار الله ، ففضّل بعض الناس على بعض ، واختصّ بعضهم بالنبوّة والكتاب ، وفضّل بعض النبيّين على بعض ، وفضّل بعض الأماكن على بعض : كالحرمين والمسجد الأقصى والوادي المقدّس ، وفضّل بعض الأوقات على بعض كشهر رمضان ، واختصّ ليلة القدر منه بشرف إنزال القرآن ، واختصّ يوم الجمعة بساعة إجابة .
 وكذلك اختصّ الله أهل بيت النبي (صلّى الله عليه وآله) بفضل خاصّ , يقول الله تعالى : (( إِنّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيراً )) . سورة الأحزاب / 33 . كما أنّ كتاب الله وأهل بيت النبي (عليهم السّلام) متلازمان ، طبقاً لحديث الثقلين الذي رواه مسلم والترمذي وغيرهما ، واللفظ للترمذي : (( إنّي تارك فيكم ما إنْ تمسّكتم به لن تضلّوا بعدي ، أحدهما أعظم من الآخر : كتاب الله ، حبل ممدود من السماء إلى الأرض ، وعترتي أهل بيتي ، ولن يتفرقا حتّى يردا عليّ الحوض ، فانظروا كيف تخلفوني فيهما  )) .
________________________________________
الصفحة (278)
والجواب من عدّة وجوه : 
فأوّلاً : قد حدّد الحُسين (ع) ذاته ـ في كتابه المذكور من قبل ، إلى مكاتبيه من أهل الكوفة ـ شروط الإمامة بما لا يختلف عليه أحد : (( العامل بالكتاب الآخذ بالقسط ، الدائن بالحقّ الحابس نفسه على ذات الله )) . وهذه كلّها تتوفّر في الحُسين (ع) ، وإنْ أمكن انطباقها على غيره .
وثانياً : لمْ يحدث في ذلك الوقت ، أنْ رأى أحد من منكري جور نظام بني اُميّة أهليّة في نفسه للتصدّي للإمامة غير الحُسين (ع) ، وحتّى عبد الله بن الزبير لمْ يختر من الناس ، وخاصّة من الكوفة والبصرة والمدينة .
وثالثاً : وهو الأكثر أهميّة ، دعوة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) للتمسّك بكتاب الله وعترته أهل بيته ، أنّهما متلازمان ولا يفترقان ، كما جاء في حديث الثقلين ، وأنّ شرط عدم ضلال الناس التمسّك بهما معاً . 
فإنْ كانت الشروط العامّة للإمامة يُحتمل انطباقها على الحُسين (ع) وغيره ، فقد خُصّصت بهذا الحديث ، ولا يُترك المؤكّد للمحتمل .
ورابعاً : فقد قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ـ رواه الترمذي وابن ماجة،  وأحمد والحاكم ـ : (( حُسين منّي وأنا من حُسين ، أحبّ الله مَن أحبّ حُسيناً ، حُسين سبط من الأسباط )) .
والسبط لغةً : واحد الأسباط ، وهو ـ عند ابن سيده ـ ولد الابن والابنة . والأسباط ـ عند ابن الأعرابي ـ : خاصّة الأولاد والمصاص منهم . وذكر ابن منظور(1) : أنّ السبط من اليهود كالقبيلة من العرب . ونُقل عن الزجّاج قول بعضهم : السّبط القرن الذي يجيء بعد قرن .
ـــــــــــــــ
(1) لسان العرب  7 / 310 ، ط 3 ـ بيروت ـ  دار صادر / 1994 / م . 
________________________________________
الصفحة (279)
وقال الله تعالى : ( قُولُوا آمَنّا بِاللّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى‏ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى‏ وَعِيسَى‏ وَمَا أُوتِيَ النّبِيّونَ مِن رَبّهِمْ لاَ نُفَرّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ )(1) . ذكر القرطبي في تفسيرها : الأسباط من السّبط ، بمعنى : التتابع .
وذكر ابن كثير قول الزمخشري في الكشاف وتابعه الرازي : الأسباط حفدة يعقوب . وقال أبو العالية والربيع وقتادة : الأسباط بنو يعقوب أثنا عشر رجلاً ، أولد كلّ منهم اُمّة من الناس .
وإذا عدنا للنصّ : (( حُسين سبط )) . بعد استعراض تلك المعاني ، فلا يُمكن فهمه على أنّ السبط حفيد ، وإلاّ كان لغواً ـ حاشى للنبيّ (ص) ـ ولا يبقى إلاّ معنى التتابع ، أي : استمرارية التوفّر على حفظ الرسالة . فهو وجدّه (صلّى الله عليه وآله) من أصل واحد ، أي : سبط ـ شجرة واحدة ـ ، وهو ما عناه الرسول (صلّى الله عليه وآله) بقوله : (( حُسين منّي وأنا من حُسين )) . كما أنّ الأسباط من أصل واحد ، يعقوب .
ولا يُبعد فهم ابن منظور للحديث عن هذا المعنى ، إذ يقول : الحُسين (ع) سبط من الأسباط ، أي : اُمّة من الاُمم في الخير ، فهو واقع على الاُمّة ، والاُمّة واقعة عليه .
وهل من مزيد بعد حبّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) للحسن والحُسين (ع) ، ودعائه لله أنْ يحبّهما ؟ 
روى البخاري عن رسول الله (ص) قوله : (( اللهمّ ، إنّي أحبّهما فأحبّهما )) . وقوله (ص) : (( هما ريحانتاي من الدنيا )) .
3 ـ (( فاستأثرعلينا قومنا بذلك ، فرضينا وكرهنا الفرقة وأحببنا العافية ، ونحن نعلم أنّا أحقّ بذلك المستحقّ علينا ممّن تولاّه )) .
ـــــــــــــــ
(1) سورة البقرة / 136 .
________________________________________
الصفحة (280)
وقد بسطنا الحديث عن أحداث سقيفة بني ساعدة ، وكيف اُستبعد عليّ (ع) ، ثمّ ما كان من القول الغريب الذي قاله عمر بن الخطاب لعبد الله بن عبّاس : إنّ قريشاً كرهت أنْ تجتمع النبوّة والخلافة في بني هاشم . وكأنّ قريشاً موكول إليها تحديداً أين تجعل الرسالة , وفيمَن تكون الخلافة . 
ويؤكّد الحُسين (ع) هنا أنّه رغم علمهم بحقّهم ، بل واجبهم : (( المستحقّ علينا )) . إلاّ أنّهم أحبّوا العافية للاُمّة وآثروا الصبر(1) ، خاصّة وقد كانوا يمارسون دورهم في تثبيت الدعوة وحفظ السنّة ، والتوجيه والإرشاد , ولا أدلّ على ذلك من تنبيه عليّ (ع) على مواطن الزلل زمن أبي بكر ، والفتاوى الصحيحة في الأقضية زمن عمر ، والنصح المتكرّر لعثمان والسفارة بينه وبين الثوّار عليه ، واشتراك الحُسنين (عليهما السّلام) في المغازي بنيّة الجهاد في سبيل الله .
وأمّا أنْ تصل الأمور إلى ما وصلت إليه على أيدي بني اُميّة ، فهذا ما لا يُمكن السكوت عنه .
5 ـ (( وأنا أدعوكم إلى كتاب الله وسنّة نبيّه (صلّى الله عليه وآله) ، فإنّ السنّة قد أُميتت ، وإنّ البدعة قد أُحييت ، وإنْ تسمعوا قولي وتطيعوا أمري ، أهدكم سبيل الرشاد )) .
وهنا نأتي إلى لبّ القضيّة وسبب الخروج ، فلا استئثار القوم أخرجه ،
ـــــــــــــــ
(1) يُعيد الحُسين (ع) هنا تأكيد ما سبق أن بيّنه عليّ (ع) في خطبته الشقشقيّة بخصوص الخلافة ، فيقول : (( أَمَا وَ اللَّهِ لَقَدْ تَقَمَّصَهَا فُلَانٌ ، وَ إِنَّهُ لَيَعْلَمُ أَنَّ مَحَلِّي مِنْهَا مَحَلُّ الْقُطْبِ مِنَ الرَّحَى ، يَنْحَدِرُ عَنِّي السَّيْلُ وَ لَا يَرْقَى إِلَيَّ الطَّيْرُ ، فَسَدَلْتُ دُونَهَا ثَوْباً وَ طَوَيْتُ عَنْهَا كَشْحاً ، وَ طَفِقْتُ أَرْتَئِي بَيْنَ أَنْ أَصُولَ بِيَدٍ جَذَّاءَ أَوْ أَصْبِرَ عَلَى طَخْيَةٍ عَمْيَاءَ ؟! يَهْرَمُ فِيهَا الْكَبِيرُ وَ يَشِيبُ فِيهَا الصَّغِيرُ ، وَ يَكْدَحُ فِيهَا مُؤْمِنٌ حَتَّى يَلْقَى رَبَّهُ . فَرَأَيْتُ أَنَّ الصَّبْرَ عَلَى هَاتَا أَحْجَى ، فَصَبَرْتُ وَ فِي الْعَيْنِ قَذًى وَ فِي الْحَلْقِ شَجًا ، أَرَى تُرَاثِي نَهْباً حَتَّى مَضَى الْأَوَّلُ لِسَبِيلِهِ فَأَدْلَى بِهَا إِلَى فُلَانٍ بَعْدَهُ ))  .  نهج البلاغة ، مرجع سابق 1 / 84 .
________________________________________
الصفحة (281)
ولا حقّه المسلوب استنفره ، ولكن تبدّل الحال بالكلّية : (( فإنّ السنّة قد أُميتت ، والبدعة قد أُحييت )) . فلا مناص إذاً من الخروج .
ولو أنّ الناس حفظوا وصيّة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، فوضعوا أهل البيت (عليهم السّلام) موضعهم ، ولو أنّهم أفاقوا قبلاً ممّا غمّ عليهم ، فتداركوا الأمر قبل استفحاله ، ولمْ يفرطوا في أداء الواجب نحو أنفسهم بالأساس ، ما انتهى بهم الحال إلى الظلم الواقع بهم .
يؤكّد الحُسين (ع) ذلك ، محاولاً تنبيه جيش يزيد بقيادة الحرّ بن يزيد لعلهم يفيقوا عندما صلّى بهم ، فيقول (1) : (( فإنّكم إنْ تتّقوا وتعرفوا الحقّ لأهله ، يكن أرضى لله ، ونحن أهل البيت أولى بولاية هذا الأمر عليكم من هؤلاء المدّعين ما ليس لهم ، والسائرين فيكم بالجور والعدوان )) .
وفي موضع آخر يخطبهم بالبيضة ، فيقول(2) : (( ألاَ وإنّ هؤلاء قد لزموا طاعة الشيطان ، وتركوا طاعة الرحمن ، وأظهروا الفساد وعطّلوا الحدود ، واستأثروا بالفيء وأحلّوا حرام الله ، وحرّموا حلاله ، وأنا أحقّ من غيَّر ، قد أتتني كتبكم وقدمت عليّ رسلكم ببيعتكم ، أنّكم لا تسلّموني ولا تخذلوني ، فإن تممتم عليّ بيعتكم تصيبوا رشدكم ، فأنا الحُسين بن عليّ وابن فاطمة بنت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، نفسي مع أنفسكم ، وأهلي مع أهليكم ، فلكم فيّ أسوة )) .
ويُعيد الحُسين (ع) بيان سبب خروجه في خطبته بذي حسم ، فيقول : (( ألاَ ترون أنّ الحقّ لا يُعمل به ، وأنّ الباطل لا يتناهى عنه ؟! 
ليرغب المؤمن في لقاء الله محقّاً ، فأنا لا أرى الموت إلاّ شهادة ، ولا الحياة مع الظالمين إلاّ برماً )) .
* * *
ـــــــــــــــ
(1) الطبري ، مرجع سابق 5 / 402 .
(2) المرجع السابق / 403 .
________________________________________
الصفحة (282)
بمثل هذا التحديد والوضوح كانت دواعي الحُسين (ع) للخروج ، ولكن نحن يَعنينا كذلك الوقوف على مدى استيعاب الخارجين معه لقضيّتهم ، وتبيين أبعاد التغيير الذي يرومون , من أجل ذلك تعالَوا نستعرض بعض نصوص خطابهم . 
هذا كتاب أهل الكوفة إلى الحُسين (ع) عقيب هلاك معاوية ، يأتي موجّهاً من سليمان بن صرد والمسيب بن نجبة ، ورفاعة بن شدّاد وحبيب بن مظاهر(1) : 
سلام عليك ، فإنّا نحمد إليك الله الذي لا إله إلاّ هو . أمّا بعد ، فالحمد لله الذي قصم عدوّك الجبّار العنيد الذي انتزى على هذه الاُمّة فابتزّها أمرها ، وغصبها فيئها ، وتأمّر عليها بغير رضاً منها ، ثمّ قتل خيارها ، واستبقى شرارها ، وجعل مال الله دولة بين جبابرتها وأغنيائها ، فبُعداً له كما بعدت ثمود , إنّه ليس علينا إمام .
 فاقبل لعّل الله أنْ يجمعنا بك على الحقّ , والنعمان بن بشير في قصر الإمارة لسنا نجتمع معه في جمعة ، ولا نخرج معه إلى عيد ، ولو قد بلغنا قد أقبلت إلينا أخرجناه حتّى نلحقه بالشام إنْ شاء الله ، والسّلام ورحمة الله عليك .
ثمّ اقرأ تلك المحاورة(2) بين مسلم بن عقيل رسول الحُسين (ع) إلى الكوفة ، وبين عبيد الله بن زياد والي الكوفة من قبل يزيد ، وذلك بعد أسر مُسلم في قصر الإمارة :
ابن زياد : إيه يابن عقيل ، أتيت الناس وأمرهم جميع ، وكلمتهم واحدة ، لتشتّتهم وتفرّق كلمتهم ، وتحمل بعضهم على بعض .
ـــــــــــــــ
(1) المرجع السابق / 352 .
(2) المرجع السابق / 377 .
________________________________________
الصفحة (283)
ابن عقيل : كلاّ ، لستُ أتيت ، ولكن أهل المصر زعموا أنّ أباك قتل خيارهم ، وسفك دماءهم ، وعمل فيهم أعمال كسرى وقيصر ، فأتيناهم لنأمر بالعدل وندعو إلى حكم الكتاب .
ابن زياد : وما أنت وذاك يا فاسق ! أوَ لمْ نعمل بذاك فيهم ، إذ أنت بالمدينة تشرب الخمر ؟!
ابن عقيل : أنا أشرب الخمر ! والله ، إنّ الله ليعلم أنّك غير صادق ، وأنّك قلت بغير علم ، وأنّي لست كما ذكرت , وإنّ أحقّ بشرب الخمر منّي وأولى بها مَن يلغ في دماء المسلمين ولغاً ، فيقتل النفس التي حرّم الله قتلها ، ويقتل النفس بغير النفس ، ويسفك الدم الحرام ، ويقتل على الغضب والعداوة وسوء الظنّ ، وهو يلهو ويلعب كأن لمْ يصنع شيئاً .
ابن زياد : يا فاسق ، إنّ نفسك تُمنّيك ما حال الله دونه ولمْ يَرك أهله .
ابن عقيل : فمَن أهله يابن زياد ؟
ابن زياد : أمير المؤمنين يزيد .
ابن عقيل : الحمد لله على كلّ حال ، رضينا بالله حكماً بيننا وبينكم !
ابن زياد : كأنّك تظنّ أنّ لكم في الأمر شيئاً .
ابن عقيل : والله ما هو بالظنّ ، ولكنّه اليقين .
ابن زياد : قتلني الله إنْ لمْ أقتلك قتلةً لمْ يقتلها أحد في الإسلام .
ابن عقيل : أمَا إنّك أحقّ مَن أحدث في الإسلام ما لمْ يكن فيه ، أمَا إنّك لا تدع سوء القتلة ، وقبح المثلة ، وخبث السيرة ، ولؤم الغلبة ، ولا أحد من الناس أحقّ بها منك .
* * *
________________________________________
الصفحة (284)
وبمثل يقين مسلم يتحدّث زهير بن القين أحد أصحاب الحُسين (ع) يوم عاشوراء ، حينما زحف جيش يزيد على الحُسين (ع) ، فيقول زهير(1) : يا أهل الكوفة ، نذار لكم من عذا الله نذار !
إنّ حقّاً على المسلم نصيحة أخيه المسلم ، ونحن حتّى الآن إخوة وعلى دين واحد وملّة واحدة ، ما لمْ يقع بيننا وبينكم السيف ، وأنتم للنصيحة منّا أهل ، فإذا وقع السيف انقطعت العصمة ، وكنّا اُمّة وأنتم اُمّة . إنّ الله قد ابتلانا وإيّاكم بذرّيّة نبيّه محمّد (صلّى الله عليه وآله) لينظر ما نحن وأنتم عاملون ، إنّا ندعوكم إلى نصرهم وخذلان الطاغية عبيد الله بن زياد ، فإنّكم لا تُدركون منهما إلاّ بسوء عمر سلطانهما كلّه ، ليسملان أعينكم ، ويقطعان أيديكم وأرجلكم ويمثّلان بكم ، ويرفعانكم على جذوع النخل ، ويقتلان أماثلكم وقرّاءكم ، أمثال : حجر بن عدي وأصحابه ، وهانئ بن عروة وأشباهه .
هل كان الخروج على يزيد تحديداً ؟ :
من الأمور المُثيرة للدهشة أنّك عندما تُطالع ما يتعلّق بخروج الحُسين (ع) في كتب التاريخ والمقاتل ، تجد أنّ نقدهم ينصرف فقط إلى يزيد ، فيسردون حكايات عن مجونه وانحرافه وأحدوثاته في الإسلام ، واستحلاله الحرم المكّي ، واستباحته لحرم رسول الله (ص) ، ولكن كلّ ذلك أو معظمه ـ باستثناء ما عُرف عن مجونه وفسقه ـ قد حدث بعد خروج ومقتل الحُسين (ع) الذي خرج ، ولمّا تمضِ أيّام على قبض يزيد على الملك .
ـــــــــــــــ
(1) المرجع السابق / 426 .
________________________________________
الصفحة (285)
وإنا نحسب أنّ ذلك قد تمّ من جانب المؤرّخين الرسميّين عن عمد ، لحصر المسألة حصراً في يزيد ، وصرف النظر عن حقيقة الخروج الحُسيني (ع) ؛ لئلاّ يمتدّ إلى أبيه معاوية ، وهو ما يُعبّر عنه بالقول الشائع : العن يزيد ولا تزيد . وربما شارك هؤلاء عن غير قصد مشايعو الحُسين (ع) ، ولكن عن عدم تمحيص .
إلاّ أنّنا نزعم أنّ الحُسين (ع) لمْ يخرج على حكم يزيد على وجه التحديد ، ولكنّه خرج على نظام الحكم الاُمّوي الذي وضع أُسسه معاوية ، ورسّخه بممارساته الفعليّة ، وكذلك كان الخروج على العوامل التي مهّدت لقيام هذا النظام ، وحجّتنا في ذلك ما يلي :
1 ـ أ ـ من استقراء نصوص خطب الحُسين (ع) في المواضع المختلفة منذ خروجه , تجد أقواله : (( فإنّ السنّة قد أُميتت ، وإنّ البدعة قد أُحييت )) . (( ألاَ إنّ هؤلاء قد لزموا طاعة الشيطان ، وتركوا طاعة الرحمن ، وأظهروا الفساد ، واستأثروا بالفيء ، وأحلّوا حرام الله ، وحرّموا حلاله )) . (( ألاَ ترون أنّ الحقّ لا يُعمل به ، وأنّ الباطل لا يتناهى عنه ؟! )) .
وواضح أنّ كلّ تلك الأعمال لمْ يأتِ بها يزيد يوم اعتلائه العرش ، ولكنّها تنسحب على فترة ماضية .
ب ـ في كتاب أهل الكوفة إلى الحُسين (ع) المذكور من قبل ، تجدهم يحدّدون موقفهم بالخروج بناءً على ما خبّروه من معاوية ونظامه : الحمد لله الذي قسم عدوّك الجبّار العنيد ، الذي انتزى على هذه الاُمّة ، فبُعداً له كما بعدت ثمود !
وهنا أيضاً لمْ يأتِ ذكر ليزيد ، باعتباره امتداداً طبيعيّاًَ لنظام معاوية .
ج ـ وكذلك في المحاورة التي أوردناها توّاً بين مسلم بن عقيل وعبيد الله ابن زياد يتأكّد ذات المعنى ، إذ يُعدّد مسلم الشنائع التي اُرتكبت :
________________________________________
الصفحة (286)
قتل خيار الناس .. سفك الدماء .. عمل كسرى وقيصر .. قتل النفس المحرّمة بغير سبب ... .
ومن الجلي أنّ ذلك كلّه كان من فعل معاوية وعمّاله ، ومن بينهم زياد بن أبيه أبو عبيد الله .
د ـ في خطاب زهير بن القين يوم عاشوراء يحذّر ممّا عاينوه من قبل : سمل الأعين .. تقطيع الأيدي والأرجل ... التمثيل ... قتل القرّاء والأماثل ، مثل : حجر بن عدي ... .
وكل ذلك كان على عهد معاوية ، وعلى يديه ويدي عامله زياد .
2 ـ كان الحُسين (ع) منذ البداية على رأي أبيه عليّ (ع) ، وشهد معه حروبه كلّها في الجمل وصفّين ، وبعد مقتل عليّ (ع) كان رأيه الاستمرار في قتال معاوية وجيشه ، إلاّ أنّه نزل على رأي الحسن (ع) لمّا وجد إصراره على ذلك(1) .
3 ـ عندما جاء كتاب يزيد إلى عامله على المدينة ، الوليد بن عتبة يخبره بموت معاوية ، ويدعوه لأخذ البيعة له ، بعث الوليد إلى الحُسين (ع) وعبد الله بن الزبير وكانا بالمسجد ، فسأل ابن الزبير الحُسين (ع) عن ظنّه فيما بعث إليهما ، فقال الحُسين (ع)(2) : (( أرى طاغيتهم قد هلك )) . وهكذا فإنّ الحُسين (ع) ظلّ على يقينه بطغيان معاوية حتّى هلاكه .
4 ـ امتنع الحُسين (ع) عن مبايعة يزيد بولاية العهد في حياة معاوية ؛ اعتراضاً على نظام معاوية كلّه ، ومنه ابتداعه لولاية العهد وراثة .
وقد كان مبدأ الأمر أنّ المغيرة بن شعبة كان والياً على الكوفة ، فنما إليه أنّ معاوية ينوي أنْ يستعفيه , ولمّا كان المغيرة على علم بدخائل معاوية ، فقد بادر
ـــــــــــــــ
(1) البداية والنهاية ، مرجع سابق 8 / 153 .
(2) الطبري ، مرجع سابق 5 / 339 .
________________________________________
الصفحة (287)
بخبثه المعهود إلى محادثة يزيد ، أنْ يُؤيّد بيعته كوليٍّ لعهد معاوية ، فسارع يزيد إلى أبيه بهذا الخبر ، فما كان من معاوية إلاّ أنْ أجابه بإقراره على ولاية الكوفة , وقال المغيرة في ذلك(1) : لقد وضعت رجل معاوية في غرز بعيد الغاية على اُمّة مُحمّد (ص)(2) .
يقول حسن البصري(3) ، أفسد أمر الاُمّة اثنان : عمرو بن العاص ، يوم أشار على معاوية برفع المصاحف فحُملت ، ونال من القرّاء فحكم الخوارج ، فلا يزال هذا التحكيم إلى يوم القيامة ، والمغيرة بن شعبة , فإنّه كان عامل معاوية على الكوفة ، فكتب إليه معاوية : إذا قرأت كتابي فأقبل معزولاً , فأبطأ عنه ، فلمّا ورد عليه ، قال : ما أبطأك ؟ قال أمر كنت أوطئّه وأهيّئه . قال : وما هو ؟ قال : البيعة ليزيد من بعدك . قال : أوَ قد فعلت ؟ قال : نعم . قال : ارجع إلى عملك .
 فلمّا خرج قال له أصحابه : ما وراءك ؟ قال : وضعت رجل معاوية في غرز غيّ ، لا يزال فيه إلى يوم القيامة .
ومن المشكوك فيه أن تكون تلك مبادرة خالصة من المغيرة ، فلمْ تكن تلك لتغيب عن تدبير أصلي من معاوية الذي شرى الدين بالملك ، فلا يسلّمه لغير يزيد مهما يكن السبب , وغاية الأمر أنّ المغيرة يسلك سلوكه المعتاد ، شأنه في ذلك شأن كلّ انتهازي على مرّ العصور أمام المستبد المطلق ، وكلّ طرف يعلم بدقّة حقيقة الآخر ، والطرفان يتغافلان ما دام يُحقّّق ذلك لهما المصلحة .
ـــــــــــــــ
(1) ابن الأثير ، الكامل ، مرجع سابق 3 / 350 .
(2) ممّا لا يستقيم ولا يُمكن تبريره في إطلاق صفة التعديل على الصحابة ، وتصحيح روايتهم عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، بينما بعضهم يسهم في إفساد حال الاُمّة على نحو ما فعل المغيرة وعمرو ـ بشهادة الحسن البصري ـ , وفي الوقت ذاته عدم الأخذ برواية راوٍ للحديث ، أنْ عُلم عنه أنّّه كان يأكل في الطريق على أنّها من خوارم المروءة .
(3) السيوطي ، تاريخ الخلفاء ، مرجع سابق / 205 .
________________________________________
الصفحة (288)
على أيّة حال ، دبّر معاوية إخراج المهزلة بالاشتراك مع الضحّاك بن قيس الفهري رئيس شرطته ، لمّا جمع الوفود عنده ليستخرج منهم بيعة يزيد ، وكان الاتّفاق على أنْ يُبادر الضحّاك بترشيح يزيد في حضرة الوفود ، ثمّ يقدم أتباعه الحضور للبيعة . فما هي إلاّ أنْ تسابقت الوفود في تزلف معاوية ونفاقه حتّى قام يزيد بن المقنع العذري ، فحسم الأمر بلا ضياع وقت ولا مواربة ، بقوله الشهير(1) : هذا أمير المؤمنين ... وأشار إلى معاوية ، فإنْ هلك فهذا ... وأشار إلى يزيد ، ومَن أبى فهذا ... وأشار إلى سيفه .
فقال معاوية : اجلس ، فأنت سيّد الخطباء(2) .
وجاء دور مروان بن الحكم والي المدينة من قبل معاوية ، ليأخذ البيعة ليزيد من رؤوسها ، فخطب فيهم محتجّاً بأنّ ولاية العهد سنّة أبي بكر وعمر ، فردّ عليه عبد الرحمن بن أبي بكر ، بأنّها سنّة هرقل وكسرى ، فتشاتما ، فعيّره عبد الرحمن بأنّه الملعون في صلب أبيه ، لمّا كان الرسول (صلّى الله عليه وآله) لعن أباه الحكم بن العاص .
ثمّ ذهب معاوية إلى المدينة ليأخذ البيعة بنفسه لابنه ، فامتنع عليه الحُسين (ع) وعبد الله بن الزبير ، وعبد الله بن عمر وعبد الرحمن بن أبي بكر ، فأقام عليهم بالمسجد حرساً بأيديهم السيوف ، وزعم كذباً أنّهم بايعوا .
ـــــــــــــــ
(1) الكامل ، مرجع سابق 3 / 352 .
(2) يتهافت العلمانيّون لإثبات وجهة نظرهم بمثل هذه الأحداث ، وهذا ما فعله أحدهم : فرج فودة ، قبل السقوط  / 115 ـ القاهرة ـ لا يُذكر الناشر / 1985 م . وهو يذكر تحديداً هذه الحادثة . ومن المفارقات أنّ بعض الفقهاء يدعمونه من حيث لا يدرون ، لمّا كانوا يصرّون على نعت معاوية بأنّه صحابي عدل ويروون عنه الحديث ، وعادةً ما يسبق ذكر اسمه ( سيّدنا ) . وقد كان الأولى إعلان البراءة منه ، ومن ممارساته البعيدة كلّيةً عن الإسلام .
________________________________________
الصفحة (289)
ولم يكن أمر يزيد خافياً على أحد في فسقه وبعده عن الدين ، سواء قبل ولايته أو بعدها . يذكر ابن كثير(1) أنّه : كان قد اُشتهر : بالمعازف وشرب الخمر ، والغنا والصيد ، واتّخاذ الغلمان والقيان ، والكلاب والنطاح بين الكباش والدباب والقرود ، وما من يوم إلاّ يصبح فيه مخموراً . 
وكان يشدّ القرد على فرس مسرجة بحبال ويسوق به ، ويُلبس القرد قلانس الذهب ، وكذلك الغلمان , وكان يسابق بين الخيل , وكان إذا مات القرد حزن عليه . وقِيل : إنّ سبب موته أنّه حمل قردةً ، وجعل ينقزها فعضّته .
ومع ذلك فإنّك تجد مَن يُبرئ ـ كابن تيمية وغيره ـ معاوية من هذه أيضاً ، بل ربما جعلها في ميزان حسناته أنْ اجتهد للاُمّة ، فله أجره لاجتماع كلمتها , وربّ مبرّر الشرّ شرّ من فاعله ، أنّهم يعلمون أنّ اجتماع الكلمة ليس غرضاً بحدّ ذاته ، ولكنّه لاجتماعه على الحقّ لا على الباطل .
وقد لعن الكثيرون يزيد ، مثل السيوطي الذي قال في قاتل الحُسين (ع)(2) : لعن الله قاتله وابن زياد معه ، ويزيد أيضاً .
ومن المحدثين الشيخ رشيد رضا الذي قال(3) : أخذ معاوية البيعة لابنه الفاسق يزيد بالقوّة والرشوة . ثمّ يعلّق على ما قاله الحسن البصري بشأن إفساد المغيرة وعمرو أمر الاُمّة ، بقوله : وهذا الذي قاله الحسن البصري من أئمّة التابعين ، موافق لمَا قاله ذلك السياسي الألماني الذي قال لأحد أشراف الحجاز من أنّه : لو لا معاوية لظلّت حكومة الإسلام على أصلها ، ولساد الإسلام أوروبّا كلّها .
ـــــــــــــــ
(1) البداية والنهاية ، مرجع سابق 8 / 239 .
(2) تاريخ الخلفاء ، مرجع سابق / 207 .
(3) الخلافة ، مرجع سابق / 52 .
________________________________________
الصفحة (290)
كما تناول أبو الأعلى المودودي هذه المسألة ، وأوضح كيف كان تهالك معاوية على الملك لنفسه وبنيه ذا آثار مدمّرة للاُمّة ، فيقول(1) : ... ؛ لأنّ معاوية كان يُريد أنْ يصبح خليفةً بأيّ حالٍ من الأحوال ، ولذلك قاتل إلى أنْ اعتلى الخلافة ، كما أنّ خلافته لمْ تكن عن رضاً من المسلمين ، ولمْ يختره الناس اختياراً حرّاً ، إنّما تأمّر عليهم بقوّته وسيفه .
هكذا كانت بداية التحوّل ، ثمّ استحكم وتعمّقت جذوره بعد ولاية عهد يزيد لدرجة أنّه لمْ يتزلزل يوماً واحداً من وقتها ، وإلى إلغاء مصطفى كمال أتاتورك للخلافة في القرن الحالي ، فانشقّ بذلك طريق دائم للبيعة الجبريّة وملك العائلات العضوض .
وبدلاً من أنْ تكون القوّة أساسها البيعة ، صارت البيعة أساسها القوّة ، وأضحى المسلمون غير أحرار في أنْ يُبايعوا أو يمتنعوا عن البيعة .
إنّ ما بدأ في عهد معاوية من تفضيل السياسة على الدين ورفعها فوقه ، والإطاحة بحدود الشريعة من أجل الأغراض السياسيّة ، أثمر أعفن الثمار في عهد خليفته الذي اختاره نفسه .
* * *
هذه الأسباب المجتمعة تقودنا إلى القول : إنّ خروج الحُسين (ع) كان على النظام الاُموي ومؤسّسه معاوية وامتداده يزيد ، ولا يختزل الخروج في كونه فقط على يزيد .
ـــــــــــــــ
(1) الخلافة والملك ، تعريب أحمد إدريس 100 ، وما بعدها ـ الكويت ـ  دار القلم / 1978 م .
________________________________________
الصفحة (291)
شرعيّة الخروج على الحاكم الظالم 
ربما كانت هذه المسألة منطوية على كثير من التعقيد ، بحيث أشكلت على المسلمين ـ ولا تزال ـ منذ عرفوا نظام الدولة ؛ وربما كان السبب الرئيس في تعقيدها ، وجود نصوص تحتمل اختلاف الفهم بذاتها فضلاً عن تعارضها مع نصوص اُخرى ، في الوقت الذي يصعب فيه للغاية لأسباب عديدة وجود ضابط يقيني للفرز .
ونحن نحاول هنا استفراغ الجهد لفضّ الاشتباك الواقع ، والذي نحسبه قد تمّ عمداً وبإصرار من جانب السلطة المهيمنة ، بكامل قوّتها من أجهزة فقهيّة وإعلاميّة وقهريّة لتثبيت أركانها ، وسدّ جميع الطرق في وجه أيّ ناقد لها ، ومن هنا أصبحت عمليّة التغيير الاجتماعي ضرباً من المستحيل ، أنّها أصبحت مرادفة للحرام . وهكذا فإنّ المسلمين لمْ يؤتوا من شيء بمثل ما أوتوا من نظامهم السياسي .
والمشكل الذي نحن بصدده الآن يتحدّد على خليفة النظام الإسلامي ـ في صورته النقيّة كما تعرف من النصوص ، لا كما صوّرتها أو خلّفتها في الذهنيّة العامّة ، الممارساتُ السلطويّة الفعليّة ـ في التساؤل عن قابليّة النظام للنقد والتصحيح والمراجعة الذاتيّة ، وآليات تحقيق ذلك , فإن تعطّلت تلك الآليّات ، فكيف يُمكن تقييم النظام ؟ ثمّ كيفيّة التعامل مع نتائج هذا التقييم ؟
________________________________________
الصفحة (292)
والواقع أنّنا درسنا من قبل الأنظمة الثلاثة : الجاهلي ، والإسلامي ، والاُموي . ودلّلنا على مطابقة محدّدات النظام الاُموي لتلك التي للنظام الجاهلي ، ومفارقته لتلك التي للنظام الإسلامي(1) ، وهي ذات النتيجة التي توصّل إليها الكثيرون من قبل ، ونستعيد آراء بعضهم للتذكر :
أحمد أمين : الحقّ إنّ الحكم الاُموي لمْ يُكن حكماً إسلاميّاً ... ، وكانت تسود العرب فيه النزعة الجاهليّة لا النزعة الإسلاميّة .
سيّد قطب : فلمّا جاء الاُمويّون ، وصارت الخلافة الإسلاميّة ملكاً عضوضاً في بني اُميّة ، لمْ يكن ذلك من وحي الإسلام ، إنّما كان من وحي الجاهليّة الذي أطفأ إشراقة الروح الإسلامي .
ومن هنا فإنّ التعامل مع النظام الاُموي ، يعني : اتّباع ذات طُرق مواجهة النظام الجاهلي ، فيتوجّب تغييره بالقوّة بلا خلاف . ولكن هناك مَن ينزع عن النظام الاُموي صفة الجاهليّة باعتبارها مرادفة للكفر بأحكامه ، ويصمه فقط بالجور نظراً للمشابهة الجزئيّة في بعض النواحي مع النظام الإسلامي ، وتلك هي حالة الالتباس المشبّهة .
ـــــــــــــــ
(1) ممّا تجدُر الإشارة إليه ، أنّ أحد دعاة العلمانيّة المعاصرين استدلّ بنظام حكم معاوية على فساد نظام الحكم الإسلامي ، ممّا اضطر أحد كبار علماء الدين بمصر ، نائب رئيس المجلس الأعلى للشؤون الإسلاميّة إلى الردّ عليه بقوله : ومَن قال إنّ الحجاج بن يوسف أو معاوية ، أو العبّاسيّين أو غيرهم ممّن ذكرت كانوا حكّاماً دينيين ؟ أو حتّى حكّاماً بالإسلام ؟ 
لقد كانوا حكّاماً لكن بغير الدين ، أي : بغير الإسلام ، بل لقد عدوا عليه واستمر عدوانهم منذ أشعل معاوية الفتنة الكبرى التي لمْ تخب نارها حتّى اليوم . وحسبك أنّ التاريخ لمْ ولنْ يغفر لهؤلاء جنايتهم على الإسلام . نص ردّ ، د . عبد الصبور مرزوق على أحمد عبد المعطي حجازي في جريدة الأهرام بتاريخ 17 / 4 / 1996 .
ولعلّك تلاحظ أنّ نظام حكم معاوية مصدر طعن دائم على النظام الإسلامي ، كما سبق وذكرنا طعن د . فرج فودة .
________________________________________
الصفحة (293)
ولكن الإسلام حقيقة كلّية متكاملة ، لا انفصام فيه بين عرى الاعتقاد والشعائر والشرائع , وإذا كان ذلك واجباً في حقّ الفرد فهو في حقّ النظام أوجب لمّا كان ينتظم حياة جماعات الناس كلّهم , وإنْ التقت بعض جزئيّات النظام مع مقرّرات الإسلام ، فلا يعني ذلك كون النظام إسلاميّاً ، وإنّما تصحّ هذه الصفة فقط عندما يتخلّل الإسلام النظام بكامله . 
يقول سيّد قطب(1) : إنّ الإسلام لا يقبل أنصاف الحلول مع الجاهليّة ... لا من ناحية التصوّر ، ولا من ناحية الأوضاع المنبثقة من هذا التصوّر ؛ فإمّا إسلام وإمّا جاهليّة . 
وليس هنالك وضع آخر نصفه إسلام ونصفه جاهليّة يقبله الإسلام ويرضاه ... فنظرة الإسلام واضحة في أنّ الحقّ واحد لا يتعدّد ، وأنّ ما عدا هذا الحقّ فهو الضلال , وهما غير قابلين للتلّبس والامتزاج , وأنّه ؛ إمّا حكم الله ، وإمّا حكم الجاهليّة ، وإمّا شريعة الله ، وإمّا الهوى .
فالنظام الاُموي بهذا المعيار نظام جاهلي وإنْ صلّى معاوية وإنْ صام ، وإنْ جيّش الجيوش وبعث يزيد لغزو الروم باسم الفتح ، في الوقت الذي يأتي بالموبقات ـ كما قال الحسن البصري ـ ويردّ أحكام الشريعة علانيّة ـ كما قال ابن الأثير ـ ويغيّر حكم النبي (ع) ـ كما قال السيوطي ـ ويكفّر الصالحين على أمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر ـ كما فعل بحجر بن عدي وأصحابه ـ ويقتل على الظنّة ويأخذ بالشبهة ، ويستحلّ أموال المسلمين ويمنع العطايا بالهوى ، وكلّ ذلك بعدما خرج على حكم الإمام العادل في جريمة حرابة كاملة الأركان .
ولكن إذا افترضنا جدلاً أنّ النظام جائر وليس بكافر ، فهل لا يجيز الإسلام حقّاً الخروج على حكم الجور ؟
ـــــــــــــــ
(1) معالم في الطريق / 164 ، ط 17 ـ القاهرة ـ دار الشروق / 1993 م .
________________________________________
الصفحة (294)
يروي البخاري : قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : إنّكم سترون بعدي أثرة وأموراً تنكرونها . قالوا : فما تأمرنا يا رسول الله ؟ قال (ص) : أدّوا إليهم حقّهم وسلوا الله حقّكم .
ورُوي أيضاً عن ابن عبّاس ، عن رسول الله (ص) قوله : مَن كره من أميره شيئاً فليصبر , فإنّه مَن خرج من السلطان شبراً مات ميتةً جاهليّةً .
ورُوي عن عبادة بن الصامت قوله : دعانا النبي (صلّى الله عليه وآله) فبايعناه ، فقال فيما أخذ علينا أن بايعنا على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا ، وعسرنا ويسرنا ، وأثرة علينا ، وأنْ لا نُنازع الأمر أهله : إلاّ أنْ تروا كفراً بواحاً عندكم من الله فيه برهان .
ويروي مسلم عن حذيفة ، قال : قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : يكون بعدي أئمّة لا يهتدون بهداي ولا يستنّون بسنّتي ، وسيقوم فيهم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس . قال ، قلت : كيف أصنع يا رسول الله إنْ أدركت ذلك ؟ قال (ص) : تسمع وتطيع للأمير ، وإنْ ضرب ظهرك وأخذ مالك ، فاسمع وأطع .
وروى مسلم عن عبد الله بن عمر بن الخطاب ، أنّه عارض ثورة المدينة على يزيد في وقعة الحرّة ، وقال : سمعت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، يقول : مَن خلع يداً من طاعة لقي الله يوم القيامة لا حجّة له ، ومَن مات وليس في عنقه بيعة ، مات ميتةً جاهليةً .
ويذكر ابن كثير (1) : والإمام إذا فسق لا يُعزل بمجرد فسقه على أصح قول العلماء ، بل ولا يجوز الخروج عليه لمَا في ذلك من إثارة الفتنة ، ووقوع الهرج ، وسفك الدماء الحرام ،
ـــــــــــــــ
(1) البداية والنهاية ، مرجع سابق 8 / 226 .
________________________________________
الصفحة (295)
ونهب الأموال ، وفعل الفواحش مع النساء وغيرهنّ ، وغير ذلك ممّا كلّ واحدة فيه من الفساد أضعاف فسقه .
وقال القاضي أبو بكر الباقلاني في التمهيد : قال الجمهور من أهل الإثبات وأصحاب الحديث : لا ينخلع الإمام لفقسه وظلمه بغصب الأموال وضرب الأبشار ، وتناول النفوس المحرّمة وتضييع الحقّوق وتعطيل الحدود ، ولا يجب الخروج عليه ، بل يجب وعظه وتخويفه وترك طاعته في شيء ممّا يدعو إليه من معاصي الله . واحتجّوا في ذلك بأخبار كثيرة متضافرة عن النبي (صلّى الله عليه وآله) ، وعن الصحابة في وجوب طاعة الأئمّة وإنْ جاروا واستأثروا بالأموال ، وأنّه قال (صلّى الله عليه وآله) : اسمعوا وأطيعوا ولو لعبد حبشي ، وصلّوا وراء كلّ برّ وفاجر . وروي أنّه قال (ص) : أطعهم وإنْ أكلوا مالك ، وضربوا ظهرك .
وذكر الشوكاني (1) : وقد أجمع الفقهاء على وجوب طاعة السلطان المتغلّب والجهاد معه ، وأنّ طاعته خير من الخروج عليه ، لمَا في ذلك من حقن الدماء ، وتسكين الدهماء ، ولمْ يستثنوا من ذلك إلاّ إذا وقع من السلطان الكفر الصريح ، فلا تجوز طاعته في ذلك ، بل تجب مجاهدته لمَن قدر عليها كما في الحديث .
ويلخّص أبو زهرة(2) موقف أهل السنّة في الآتي :
1 ـ إذا خرج الحاكم عن شروط الولاية بأنْ كانت توليته بغير رضا المؤمنين ، أو كان من غير قريش على رأي الجمهور ، أو كانت المبايعة غير حرّة ، أو خرج عن حدود العدالة ، ففي هذه الحال قرّر جمهور الفقهاء أنّ ولايته لا تُعتبر خلافة 
ـــــــــــــــ
(1) نيل الأوطار ، مرجع سابق 7 / 175 .
(2) تاريخ المذاهب الإسلاميّة ، مرجع سابق / 93 .
________________________________________
الصفحة (296)
نبويّة ، ولكنّها تُعتبر ملكاً دنيويّاً ، ولذا قالوا في ولاية يزيد بن معاوية : إنّها ولاية ملك ، لا ولاية خلافة .
2 ـ إذا كان هناك إمام قد استوفى شروط الولاية ، فإنّ الطاعة له واجبة ، ويُعتبر الذي تغلّب على الملك باغياً يجب قتله ، أو حمله على الحقّ ومعاونة العادل عليه .
وإذا لمْ يكن هناك حاكم عدل سواه ، فإنّ الطاعة واجبة لهذا الملك الذي لمْ يستوفِ شروط الخلافة .
ولقد قال الحسن البصري في وجوب طاعة ملوك بني اُميّة ما نصّه : هم يلون من أمورنا خمسةً : الجمعة والجماعة والفيء ، والثغور والحدود ، لا يستقيم الدين إلاّ بهم وإنْ جاروا وإنْ ظلموا ، والله ، لمَا يصلح الله بهم أكثر ممّا يفسدون .
وكان يقول أيضاً : هؤلاء الملوك وإنْ رقصت بهم الهماليك ـ الخيل والبغال المزينة تركب تفاخراً ـ ووطأ الناس أعقابهم ، فإنّ ذلّ المعصية في قلوبهم ، إلاّ أنّ الحقّ ألزمنا طاعتهم ، ومنعنا من الخروج عليهم ، وأمرنا أنْ نستدفع بالتوبة والدعاء مضرّتهم .
3 ـ نُقل في شرح الموطأ : أنّ رأي الإمام مالك ورأي جمهور أهل السنّة أنّه إذا ظلم الإمام ، فالطاعة أولى من الخروج .
وقال ابن عبد البرّ : أمّا أهل السنّة ، فقالوا : الاختيار أنْ يكون الإمام فاضلاً عدلاً محسناً ، فإنْ لمْ يكن فاصبر على طاعة الجائر أولى من الخروج عليه ، لمَا فيه من استبدال الخوف بالأمن ، وإهراق الدماء وشنّ الغارات والفساد ، وذلك أعظم من الصبر على جوره وفسقه ، والأصول تشهد والعقل والدين أنّ أقوى المكروهين أولى بالترك .
________________________________________
الصفحة (297)
وصرّح الإمام أحمد بوجوب الصبر عند الجور بقوله : الصبر تحت لواء السلطان على ما كان منه من عدل أو جور ، ولا يخرج على الأمراء بالسيف وإنْ جاروا .
ويقول ابن تيميّة بالطاعة في العدل وعدم الطاعة في الظلم .
4 ـ كلمة الحقّ واجبة عند الحاكم الظالم لقول الرسول (صلّى الله عليه وآله) : (( أفضل الجهاد كلمة حقّ عند سلطان جائر )) .
تحليل موقف أهل السنّة من حكام الجور :
إنّنا نبادر بالقول : إنّ المفهوم الشائع الموروث لدى أهل السنّة تجاه حكّام الجور ـ كما سلف بيانه ـ ينطوي على مفارقة حادّة لحقيقة هذا الدين ، بمثل ما يحوي من تناقضات صارخة تجعل من العسير جدّاً على المرء المحايد فهم ، كيف غابت تلك التناقضات على طارحي هذا المفهوم ، إلاّ أن يكون ذلك نابعاً من محاولة أولى للخلط المتعمد من فقهاء وقفوا أنفسهم على سلاطين الجور ، ثمّ تلاهم من اتّبعهم , إمّا لدأبهم على تقديس الماضي بغير تمحيص وبغير رغبة في بذل جهد ، أو إمعان فكر , وإمّا لذات أسباب الأوّلين في مداهنة واسترضاء حكام الجور . 
وإنّنا ندلّل على تلك المفارقة بما يلي :
أوّلاً : الحقيّة الإسلاميّة :
1 ـ التوحيد والعدل لحمة وسداة الكيان الإسلامي ، ولا يفترقان ، يقول الله تعالى : ( لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ الناس بِالْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنّ اللّهَ قَوِيّ عَزِيزٌ )(1) .
ـــــــــــــــ
(1) سورة الحديد / 25 .
________________________________________
الصفحة (298)
وإذا تمعنّا في تفسير هذه الآية كما أورده المفسّرون ، سنجد الآتي : أرسل الله الرسل مدعمين بالحجج والدلائل والمعجزات ؛ ليؤمن الناس بكتب الله . 
هذه الكتب تتضمّن المعايير والضوابط المطلقة الدقّة ، الميزان لكلّ شيء في حياة الناس ؛ هذه الكتب الإلهيّة لمْ ترسل إلاّ لكي يعمل الناس بمضامينها ، ولكي يفعّلوها في حياتهم ، ليقوم الناس بها على أساس من العدل الذي أتت به .
ولمْ تُرسل هذه الكتب لمجرد التبرك بها ، أو التشرّف بها أو التزيّن بها أو قراءتها على القبور ؛ وإنّما للتدبّر بها والعمل بمقتضاها ، وتدبّر قوله تعالى : ( لِيَقُومَ الناس بِالْقِسْطِ )(1) .
ثمّ تدبّر قوله تعالى : ( قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى‏ شَيْ‏ءٍ حَتّى‏ تُقِيمُوا التّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِن رَبّكُم )(2) . وقوله تعالى : ( مَثَلُ الذينَ حُمّلُوا التّوْرَاةَ ثمّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً )(3) .
وقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : ((الإيمان ما وقر في القلب وصدقه العمل)) . وقال (صلّى الله عليه وآله) : ((ربّ صائمٍ ليس له من صيامه إلاّ الجوع، وربّ قائمٍ ليس له من قيامه إلاّ السهر)) .
ــــــــــــــ
(1) سورة الحديد / 25 .
(2) سورة المائدة / 68 .
(3) سورة الجمعة / 5 .
________________________________________
الصفحة (299)
وقال (صلّى الله عليه وآله) : (( مَن لمْ يدع قول الزور والعمل به ، فليس لله حاجة في أنْ يدع طعامه وشرابه )) . مَن لم يقمْ بالعدل كما بيّنه الله ، فجهاده بالسيف واجب : ( وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ )(1) . ويفسرها ابن كثير بقوله : أي وجعلنا الحديد رادعاً لمَن أبى الحقّ وعانده بعد قيام الحجّة عليه .
شرع الله الجهاد ليبلو الناس ، من منهم ينصر دين الله ويقيمه : ( وَلِيَعْلَمَ اللّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ )(2) . وفهيا يقول ابن كثير : مَن نيّته في حمل السلاح نصرة الله ورسوله .
إذاً الأساس الشرعي والعقلي ، بل والبديهي من تنزيل الكتب وبعث الرسول ، هو إقامة دين الله والتمكين له في الأرض ، فإذا ما عُطّل في الواقع وصار مجرد عنوان يتمسّك به ، فهذا هو الباطل بعينه .
2 ـ الإمامة عهد الله لا ينالها ظالم :
يقول الله تعالى : ( وَإِذِ ابْتَلَى‏ إِبْرَاهِيمَ رَبّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمّهُنّ قَالَ إِنّي جَاعِلُكَ لِلنّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِنْ ذُرّيَتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ)(1) .
وأنت ترى كيف ربط الله عزّ وجلّ بين استحقاق إبراهيم للإمامة ، وبين إتمامه للكلمات التي ابتلي بها ، أي : تنفيذه للتكاليف من أوامر ونواهي وجميع ما شرّع له , كما يقول المفسرون : فقال ابن أبي نجيح عن مجاهد قال : لا يكون لي إمام ظالم . وفي رواية : لا أجعل إماماً ظالماً يقتدى به .
ـــــــــــــــ
(1) سورة الحديد / 25 .
(2) نفس الآية .
(2) سورة البقرة : 124 .
________________________________________
الصفحة (300)
وقال مجاهد كذلك : أمّا من كان منهم صالحاً فأجعله إماماً يُقتدى به , وأمّا مَن كان ظالماً ، فلا ولا نعمة عين .
وعن ابن عبّاس قوله : يخبره أنّه كائن في ذرّيّته ظالم لا ينال عهده ، ولا ينبغي أنْ يولّيه شيئاً من أمره .
ويعلّق ابن كثير بقوله : فهذه أقوال مفسّري السلف في هذه الآية ، وإنْ كانت ظاهرة في الخبر أنّه لا ينال عهد الله بالإمامة ظالم ، ففيها إعلام من الله لإبراهيم الخليل (عليه السّلام) أنّه سيوجد من ذرّيّتك مَن هو ظالم لنفسه , كما تقدّم عن مجاهد وغيره ، والله أعلم . 
وقال ابن خويز منداد المالكي : الظالم لا يصلح أنْ يكون ؛ خليفةً ولا حاكماً ولا مفتياً ولا شاهداً ولا راوياً .
ويقول سيّد قطب(1) : الظلم أنواع وألوان : ظلم النفس بالشرك ، وظلم الناس بالبغي .. والإمامة الممنوعة على الظالمين تشمل كلّ معاني الإمامة : إمامة الرسالة ، وإمامة الخلافة ، وإمامة الصلاة ... وكلّ معنى من معاني الإمامة والقيادة . فالعدل بكلّ معانيه هو أساس استحقاق هذه الإمامة في أيّة صورة من صورها ، ومَن ظلم ـ أيّ لون من الظلم ـ فقد جرّد نفسه من حقّ الإمامة ، وأسقط حقّه فيها بكلّ معنى من معانيها .
وهذا الذي قِيل لإبراهيم (عليه السّلام) ، وهذا العهد بصيغته التي لا التواء فيها ، ولا غموض قاطع كذلك في تنحية مَن يسمّون أنفسهم المسلمين اليوم بما ظلموا ، وبما فسقوا وبما بعدوا عن طريق الله ، وبما نبذوا من شريعته وراء ظهورهم ودعواهم الإسلام ، وهم ينحون شريعة الله ومنهجه عن الحياة ، دعوى كاذبة لا تقوم على أساس من عهد الله .
ـــــــــــــــ
(1) في ضلال القرآن .
الصفحة (301)
ويذكر أبو بكر الجصاص في أحكام القرآن : فلا يجوز أنْ يكون الظالم نبيّاً ولا خليفةً لنبيّ ، ولا قاضياً ولا مَن يلزم الناس قبول قوله في أمور الدين ، من مفتٍ أو شاهد أو مخبر عن النبيّ (صلّى الله عليه وآله) خبراً ، فقد أفادت الآية أنّ شرط جميع مَن كان في محلّ الائتمام به في أمر الدين : العدالة والصلاح .
3 ـ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر :
قال الله تعالى : ( وَلِتَكُن مِنكُمْ أُمّةٌ يَدْعُونَ إِلى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ )(1) . 
وقال : ( كُنْتُمْ خَيْرَ أُمّةٍ أُخْرِجَتْ لِلْنّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ )(2) . 
وقال : ( يَا بُنَيّ أَقِمِ الصّلاَةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى‏ مَا أَصَابَكَ إِنّ ذلِكَ مِنْ عَزِمِ الْأُمُورِ )(3) . 
وقال : ( لُعِنَ الذينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى‏ لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لاَ يَتَنَاهُوْنَ عَن مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ )(4) .
وروى أحمد عن عبد الله بن مسعود ، قال : قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : (( لمّا وقعت بنو إسرائيل في المعاصي , نهتهم علماؤهم فلم ينتهوا , فجالسوهم في مجالسهم وواكلوهم وشاربوهم , فضرب الله بعضهم ببعض ، ولعنهم على لسان داود وعيسى بن مريم ... ذلِكَ بِمَا عَصَوا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ )) .
ـــــــــــــــ
(1) سورة آل عمران / 104 .
(2) سورة آل عمران / 110 .
(3) سورة لقمان / 17 .
(4) سورة المائدة / 78 ـ 79 .
________________________________________
الصفحة (302)
وكان الرسول (صلّى الله عليه وآله) متّكئاً فجلس ، فقال : (( لا والذي نفسي بيده ، حتّى تأطروهم على الحقّ أطراً )) .
وروى أبو داود عن عبد الله بن مسعود ، قال : قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : (( إنّ أوّل ما دخل النقص على بني إسرائيل كان الرجل يلقى الرجل ، فيقول : يا هذا اتّق الله ودع ما تصنع ؛ فإنّه لا يحلّ لك , ثمّ يلقاه من الغد ، فلا يمنعه ذلك أنْ يكون أكيله وشريبه وقعيده , فلمّا فعلوا ذلك , ضرب الله قلوب بعضهم ببعض ، ثمّ قال : لُعِنَ الذينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى‏ لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ   ـ إلى قوله ـ فاسقون (1))) , ثمّ قال (ص) : (( كلاّ والله ، لتأمرنّ بالمعروف ولتنهونّ عن المنكر ، ولتأخذنّ على يد الظالم ، ولتأطرونه على الحقّ أطراً ، أو تقصرونه على الحقّ قصراً )) .
وروى مسلم عن أبي سعيد الخدري ، قال : قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : (( مَن رأى منكم منكراً فليغيّره بيده ، فإنْ لمْ يستطع فبلسانه ، فإنْ لمْ يستطع فبقلبه ، وذلك أضعف الإيمان )) .
وروى أحمد عن عدي بن عميرة ، قال : سمعت رسول الله (ص) يقول : (( إنّ الله لا يُعذّب العامّة بعمل الخاصّة ، حتّى يروا المنكر بين ظهرانيهم وهم قادرون على أنْ ينكروه ، فلا ينكرونه . فإذا فعلوا عذّب الله العامّة والخاصّة )) .
وهكذا ترى أنّ شريعة الإسلام جعلت تغيير المنكر على الوجوب ، وجعلت أسلوب التغيير على الوجوه الثلاثة طبقاً للإمكان ، وعلى الترتيب بدءاً من استخدام القوّة المعبّر عنها باليد ، وذلك بعد استنفاد إبانة الخطأ وإسداء النصح وإقامة الحجّة ؛ ذلك أنّ صحّة المجتمع المسلم وديمومتها تتعلّق بالإيجابيّة الجماعيّة لهذا المجتمع ، والتي تتحقّق بتضمينه هذه الإمكانيّة في الرقابة والتغيير .
ـــــــــــــــ
(1) سورة المائدة / 78 - 81 .
________________________________________
الصفحة (303)
ثمّ إنّ الله عزّ وجلّ جعل اللعنة مستحقّة على مَن لا يفعّل هذه الإمكانيّة في الواقع ، وعلى مَن لا يستحثها ويجمدها , وكذلك يبيّن الله أنّ عذاب الظالم لا يشمله وحده ، وإنّما يصيب كذلك من رضي وتابع ولمْ ينه . يقول الله تعالى : ( وَاتّقُوا فِتْنَةً لاَتُصِيبَنّ الذينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خاصّة وَاعْلَمُوا أَنّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ )(1) . ويقول : ( فَلما نَسُوا مَاذُكّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الذينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السّوءِ وَأَخَذْنَا الذينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ)(2) .
وهذه الآية استدلّ بها ابن عبّاس على أنّ الله أهلك مَن عمل السوء ، ومَن لمْ ينه عنه ، فجعل الممسكين عن إنكار المنكر بمنزلة فاعليه في العذاب ، بل إنّ الله تعالى نهى عن مجرّد مجالسة الظالمين ، وجعل النار عقوبةً لمَن يفعل ذلك : ( وَلاَ تَرْكَنُوا إِلَى الذينَ ظَلَمُوا فَتَمَسّكُمْ النّارُ وَمَا لَكُم مِن دُونِ اللّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثمّ لاَ تُنصَرُونَ ) (3) . [ وقال تعالى : ] ( فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذّكْرَى‏ مَعَ الْقَوْمِ الظّالِمِين )(4) .
* * *
أفبعد كلّ هذه النصوص المحكمة ، والدلائل القطعيّة ، يزعم زاعم عدم جواز الخروج على الحاكم الظالم ؟!
ـــــــــــــــ
(1) سورة الأنفال / 25 .
(2) سورة الأعراف / 165 .
(3) سورة هود / 113 .
(4) سورة الأنعام / 68 .
________________________________________
الصفحة (304)
إنّنا لا نرى خيراً ممّا قاله أبو بكر الجصاص في معرض تعليقه على هذا الأمر بقوله(1) : وزعموا مع ذلك أنّ السلطان لا ينكر عليه الظلم والجور وقتل النفس التي حرّم الله ، وإنّما ينكر على غير السلطان بالقول أو باليد بغير سلاح ، فصاروا شرّاً على الاُمّة من أعدائها المخالفين لها ؛ لأنّهم أقعدوا الناس عن قتال الفئة الباغية ، وعن الإنكار على السلطان الظلم والجور حتّى أدّى ذلك إلى تغلّب الفجّار ، بل المجوس وأعداء الإسلام حتّى ذهبت الثغور وشاع الظلم ، وخربت البلاد وذهب الدين والدنيا .
* * *
ثانياً : مناقشة أهل أحاديث الجور :
إنّك إنْ استقرأت استدلالات القائلين بعدم جواز الخروج على الحاكم الظالم ، لوجدت أنّها لا تخرج عن مستندين :
أ ـ الأحاديث الواردة بعدم جواز الخروج ، تخصّص عموميّات ما ورد بالكتاب والسنّة في وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
ب ـ علّة الأحاديث المانعة هي حقن الدماء ، وتسكين الدهماء ومنع الفتنة .
وأمّا الاستثناء الوحيد الذي أجازوا معه الخروج ، فهو : الكفر البواح . ونحن نردّ هذا الاستدلال من عدّة وجوه :
1 ـ ليس كلّ ما أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما ، صحيحاً(2) .
ـــــــــــــــ
(1) أحكام القرآن ، مرجع سابق 2 / 320 .
(2) أضواء على السنّة المحمّديّة ، محمود أبو ريّة / 272 وما بعدها ، ط 5 ـ القاهرة ـ دار المعارف / 1980 م . 
________________________________________
الصفحة (305)
فقد انتقد الحفّاظ البخاري في مئة وعشرة أحاديث ، وتكلّم بالضعف في ثمانية من رجاله انفرد بهم دون مسلم .
وانتقد من أحاديث مسلم مئة واثنين وثلاثين حديثاً ، ومن رجاله مئة وعشرة .
ومن هؤلاء : أحمد بن عيسى المصري ، الذي قال فيه ابن حجر والذهبي : إنّ ابن معين حلف أنّه كذّاب . 
ومنهم  : إسماعيل بن عبد الله بن اُويس ، فقد قال فيه ابن معين : لا يساوي فلسين . 
ومنهم : عبد الله بن صالح المصري ، الذي قِيل فيه في الميزان : روى عنه البخاري في الصحيح ، ولكنّه يدلّسه فيقول : عبد الله ولا ينسبه .
ومنهم : عمران بن حطّان السدوسي الخارجي ، الشهير بمدحه لابن ملجم قاتل الإمام عليّ (ع) بقوله :
يـا  ضربة من تقي ما أراد بها      إلاّ ليبلغ من ذي العرش رضوانا
إنـي لأذكـره يـوماً فـأحسبه      أوفـى  الـبرية عند الله ميزانا
ومنهم : محمّد بن سعيد الكذّاب المشهور الذي صُلب على الزندقة .
ومنهم : عنبسة بن خالد الذي كان على خراج مصر ، وكان يعلّق النساء بالثدي .
وروى البخاري عن عكرمة مولى ابن عبّاس الذي أكذبه سعيد بن المسيب ، وقال فيه القاسم : إنّ عكرمة الكذّاب يُحدّث غدوةً بحديث يخالفه عشيّةً . ورُوي عن ابن عمر ، أنّه قال لمولاه نافع : لا تكذب عليّ كما كذب عكرمة على ابن عبّاس .
________________________________________
الصفحة (306)
وذكر ابن الصلاح(1) أنّ البخاري احتجّ بجماعة سبق من غيره الجرح لهم ، مثل : عكرمة مولى ابن عبّاس وإسماعيل بن أبي اُويس ، وعاصم بن عليّ وعمرو بن مرزوق ، وغيرهم . واحتجّ مسلم بسويد بن سعيد ، وجماعة اشتهر الطعن فيهم .
وقال الشيخ أحمد شاكر في شرحه لألفيّة السيوطي : وقد وقع في الصحيحين أحاديث كثيرة من رواية بعض المدلّسين .
وقال مسلم(2) : ليس كلّ شيء عندي صحيحاً ، وضعته هاهنا ـ يعني في كتابه الصحيح ـ إنّما وضعت ما أجمعوا عليه . ويعلّق النووي في شرح مسلم على ذلك : قال مسلم ليس كلّ شيء صحيحاً عندي وضعته هنا ... فمشكل ، فقد وضع فيه أحاديث كثيرة مختلفاً في صحتها ؛ لأنّها من حديث مَن اختلفوا في صحّة حديثه .
وكان البخاري يروي بالمعنى ولا يلتزم اللفظ ، كما قال ابن حجر العسقلاني في فتح الباري : من نوادر ما وقع في البخاري ، أنّه يخرج الحديث تامّاً بإسناد واحد بلفظين .
وعلّق الشيخ رشيد رضا على البخاري بقوله : ولكنّك إذا قرأت الشرح نفسه ـ فتح الباري ـ رأيت له في أحاديث كثيرة إشكالات في معانيها أو تعارضها مع غيرها ، مع محاولة الجمع بين المختلفات وحلّ المشكلات ، بما يرضيك بعض دون بعض .
وقال أحمد أمين ـ بعد استعراضه لنقد أحاديث البخاري(3) ـ :
ـــــــــــــــ
(1) مقدّمة ابن الصلاح ، ومحاسن الاصطلاح / 291 ـ القاهرة : دار المعارف / 1989 م .
(2) المرجع السابق / 162 .
(3) ضحى الإسلام 2 / 117 .
________________________________________
الصفحة (307)
إنّ بعض الرجال الذين روى لهم غير ثقات ، وقد ضعّف الحفّاظ من رجال البخاري نحو الثمانين . 
ونحن إذ نتناول هذه الجزئيّة الخاصّة بصحّة أحاديث البخاري ومسلم ، فإنّنا نودّ أنْ نلفت النظر إلى عدّة أمور :
أ ـ صرف النقد بالأساس إلى السند ، وعلى الرغم ممّا أُشيع أنّه حظي بالتمحيص طبقاً لقواعد أهل الحديث ، فقد كشف النقد عن وهن غير قليل في رجال عُدّوا ثقةً .
 ب ـ لم ْيحظَ المتن بأقلّ القليل ـ نسبة إلى ما حظي به السند ـ من مراجعة وعرض على الأصول القطعيّة .
ت ـ إنّ النقد قد شمل فقط بعض من ضعّفه الحفّاظ ، ولكنّهم ظلّوا على تعديلهم لمَن أكذبه الصحابة أنفسهم , من أمثال : أبي هريرة ومعاوية ومروان بن الحكم ... .
فعلى سبيل المثال ، أكذب عمر وعثمان وعليّ (ع) وعائشة أبا هريرة الذي روى وحده 5374 حديثاً ، كما ثبت أنّه كان مدلّساً كما في حديث الجنابة . يروي ابن كثير(1) أنّ شعبة قال : أبو هريرة كان يدلّس ، أي : يروي ما سمعه من كعب الأحبار ، وما سمعه من رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ولا يميّز هذا من هذا ، إذ قال أبو هريرة حديثه : مَن أصبح جنباً ، فلا صيام له . فلمّا حوقق عليه ، قال : أخبرنيه مخبر ، ولمْ أسمعه من رسول الله (ص) . 
وقال ابراهيم النخعي : كان أصحابنا يَدعون من أحاديث أبي هريرة .
ـــــــــــــــ
(1) البداية والنهاية ، مرجع سابق 8 / 113 .
________________________________________
الصفحة (308)
وقد ذكر ابن قتيبة بعض النقد لذلك المنهج(1) :  قالوا ، ومن عجيب شأنهم ـ أي : رجال الحديث ـ أنّهم ينسبون الشيخ إلى الكذب ولا يكتبون عنه ما يوافقه عليه المحدثون بقدح يحيى بن معين ، وعليّ بن المديني وأشباههما ، ويحتجّون بحديث أبي هريرة فيما لا يُوافقه عليه أحد من الصحابة ، وقد أكذبه عمر وعثمان وعائشة .
ث ـ ليس كلّ ما هو صحيح سنداً ـ  باعتبار رجال الحديث ـ صحيحاً متناً . ويقول الحاكم في معرفة علوم الحديث : كمْ من حديث ليس في إسناده إلاّ ثقة ثبت وهو معلول واهٍ ، فالصحيح لا يُعرف برواته فقط . ومثال ذلك الحديث الذي رواه مسلم لأبي هريرة ، أنّه قال : أخذ رسول الله (ص) بيدي ، فقال : (( خلق الله التربة يوم السبت ، وخلق فيها الجبال يوم الأحد ، وخلق الشجر يوم الاثنين ، وخلق المكروه يوم الثلاثاء ، وخلق النور يوم الأربعاء ، وبثّ فيها الدواب يوم الخميس ، وخلق آدم (عليه السّلام) بعد العصر يوم الجمعة ، في آخر الخلق من آخر ساعة من ساعات الجمعة ، فيما بين العصر إلى الليل )) .
وأنت ترى أنّه حديث منكر ؛ نظراً لتعارضه البيّن مع القرآن ، إذ قال الله تعالى : ( هُوَ الذي خَلَقَ السّماوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتّةِ أَيّامٍ )(2) . ولس سبعة أيّام كما زعم أبو هريرة في حديثه . ويعلّق ابن تيمية عليه بقوله : إنّ الحديث الذي رواه مسلم في خلق التربة يوم السبت ، حديث معلول قدح فيه أئمّة الحديث كالبخاري وغيره ، وقالوا : إنّه من قول كعب الأحبار .
ـــــــــــــــ
(1) ابن قتيبة، تأويل مختلف الحديث / 10 ـ القاهرة ـ  مكتبة المتنبي ، ب ، ت .
(2) سورة الحديد / 4 .
________________________________________
الصفحة (309)
ثمّ هذا ما رواه مسلم أيضاً في كتاب فضائل الصحابة ، عن أبي سفيان أنّه قال للنبي (صلّى الله عليه وآله) لمّا أسلم : يا رسول الله ، أعطني ثلاثاً : تزوّج ابنتي اُمّ حبيبة ، وابني معاوية اجعله كاتباً ، وأمرني أنْ أقاتل الكفار .
وهذا حديث واضح الوضع ، إذ إنّ النبي (صلّى الله عليه وآله) تزوّج اُمّ حبيبة وهي بالحبشة قبل إسلام أبي سفيان ، ومعروفة قصّته لمّا جاء إلى المدينة قُبيل الفتح ؛ ليجدّد العهد بعد أنْ نقضته قريش بإيقاعها بخزاعة ، فدخل على ابنته اُمّ حبيبة ، فلمْ تتركه يجلس على فراش رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، وقالت له : أنت مشرك .
ويعلّق ابن الأثير على ذلك الحديث بقوله(1) : وهذا يُعدّ من أوهام مسلم .
2 ـ إنّ أحاديث منع الخروج على الحاكم الظالم تخالف أصولاً قطعيّة من القرآن ، وهو ما سبق أنْ ذكرناه من وجوب الحكم بالعدل ، وأنْ يقومَ الناس بالقسط ، وأنّ الإمامة عهد الله لا تنال الظالمين ، ووجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وعدم الركون للظالمين ، وإلاّ فالنار هي العاقبة .
وكلّ هذه ألفاظ واضحة بيّنة بذاتها لا تحتاج إلى بيان إضافي . وقد سبق أنْ رُدّت أحاديث متّفق على صحّتها لمخالفتها القرآن ، ومثال ذلك الحديث الذي رواه الستّة : (( إنّ الميت ليُعذّب ببكاء أهله عليه )) . وهو حديث متّفق عليه من حديث ابن عمر ، وأخرجه الشيخان عن عمر : (( إنّ الميت يُعذّب ببكاء الحيّ )) . وقد ردّت هذا الحديث السيّدة عائشة ، واعترضت على رواية بالنسيان أو الخطأ ، أنّه يخالف قول الله تعالى : ( أَلاّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى‏ * وَأَن لّيْسَ لِلاِْنسَانِ إِلّا مَا سَعَى )(2) .
ـــــــــــــــ
(1) أُسد الغابة ، مرجع سابق 7 / 116 .
(2) سورة النجم / 38 ـ 39 .
________________________________________
الصفحة (310)
وردّت السيّدة عائشة أيضاً حديث ابن عمر : (( إنّما الشؤم في ثلاثة : في الفرس والمرأة والدار )) . وقالت : إنّما كان رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يحدّث عن أقوال الجاهليّة . وهذا الحديث رواه البخاري وأبو داود وابن ماجة ، وقد ردّت هذا الحديث لمخالفته أصلاً قطعيّاً ، وهو أنّ الأمر كلّه لله .
وردّ مالك حديث أبي هريرة : (( إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم ، فليُرقه ثمّ ليغسله سبع مرات )) . رواه مسلم والنسائي . فقال مالك : يُؤكل صيده ، فكيف يكره لعابه ؟ فكان يضعّف الحديث لمعارضته للقطعي ، وهو طهارة فمه . فقد قال الله تعالى : ( فَكُلُوا مِمّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللّهِ عَلَيْهِ )(1) .
3 ـ اختلافات المتن تُفيد في أقصاها الظنّ .
لنناقش الحديث الذي يُعدّ المعتمد الأكبر لدى مانعي الخروج ، وهو حديث عبادة بن الصامت ، وقد جمع الشوكاني(2) ما قِيل فيه كالتالي :
قالوا : كفراً بواحاً .
قالوا : كفراً بوحاً ـ بسكون الواو ـ ، ويجوز بضم الباء .
قالوا : كفراً براحاً ( بالراء ) .
قال النووي : هي في معظم النسخ بالواو ، وفي بعضها بالراء .
عند الطبراني : كفراً صراحاً .
وقع في رواية : إلاّ أنْ تكون معصية لله بواحاً .
في رواية لأحمد : ما لمْ يأمرك بإثم بواحاً .
قال النووي في الفتح : المراد بالكفر المعصية ، ومعنى الحديث :
ـــــــــــــــ
(1) سورة المائدة / 4 .
(2) نيل الأوطار ، مرجع سابق 7 / 175 .
________________________________________
الصفحة (311)
لا تنازعوا ولاة الأمور في ولايتهم ، ولا تعترضوا عليهم إلاّ أنْ تروا منهم منكراً محقّقاً ، تعلمونه من قواعد الإسلام ، فإذا رأيتم ذلك فأنكروا عليهم وقولوا الحقّ حيثمّا كنتم .
نقل ابن التين عن الداودي ، قال : الذي عليه العلماء في اُمراء الجور ، أنّه إنْ قُدر على خلعه بغير فتنة ولا ظلم وجب ، وإلاّ فالواجب الصبر .
وهكذا ترى أنّ الخلاف واقع في متن الحديث وتأويله من حيث وصف الكفر : بواحاً ، بوحاً ، بوحاً ، براحاً ، صراحاًَ .
كلمة الكفر ذاتها : فهي مرّة كفر ، ومرّة إثم .
تأويل لفظ الكفر : المعصية ، المنكر .
الفعل المطلوب : الصبر على اُمراء الجور , خلعهم إنْ قُدر عليه بغير فتنة ولا ظلم .
وطالما وُجد مثل هذا الاختلاف ، فهو لا يُفيد بالقطع قطعيّة الدلالة على قصر الاستثناء على الكفر المحض ، وبالتالي فإنّ الحديث الظنّي يسقط اعتباره عند معارضته القطعي من القرآن ، وهو تحريم الظلم ووجوب النهوض لإنكاره ، أو كما يقول الشاطبي(1) : ولكن الثابت في الجملة أنّ مخالفة الظنّي لأصل قطعي يسقط اعتبار الظنّي على الإطلاق ، وهو ممّا لا يختلف فيه .
وممّا يقوّي الظنّ بالحديث كذلك ، ما رواه ابن هشام في سيرته عند ذكره شروط البيعة في العقبة الأخيرة ، قوله(2) ، قال ابن إسحاق : فحدّثني عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت ، عن أبيه الوليد ، عن جدّه عبادة ابن الصامت ـ وكان 
ـــــــــــــــ
(1) الشاطبي ، الموافقات في أصول الشريعة 2 / 18 ، ط 2 ـ القاهرة ـ  دار الفكر العربي / 1975 م  .
(2) سيرة ابن هشام ، مرجع سابق 2 / 454 .
________________________________________
الصفحة (312)
أحد النقباء ـ قال : بايعنا رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بيعة الحرب ، وكان عبادة من الاثني عشر الذين بايعوه في العقبة الأولى على بيعة النساء ، على السمع والطاعة في عسرنا ويسرنا ، ومنشطنا ومكرهنا ، وأثرة علينا ، وأنْ لا ننازع الأمر أهله ، وأنْ نقولَ بالحقّ أينما كنّا ، لا نخاف في الله لومة لائم .
فهذه الرواية خاليةً من ذكر الكفر البواح ، بل تنتهي بالحثّ على القيام بالحقّ مطلقاً دون خشية .
ولكن رواية البخاري كما يلي : حدّثنا إسماعيل ، حدّثني ابن وهب عن عمرو عن بكير ، عن بسر بن سعيد عن جنادة بن أبي اُميّة ، قال : دخلنا على عبادة بن الصامت وهو مريض ، قلنا : أصلحك الله ! حدّث بحديث ينفعك الله به ، سمعته من النبي (صلّى الله عليه وآله) . قال : دعانا النبي (صلّى الله عليه وآله) فبايعناه ، فقال فيما أخذ علينا أنْ بايعنا على السمع والطاعة ، في منشطنا ومكرهنا وعسرنا ويسرنا وأثرة علينا ، وأنْ لا ننازع الأمر أهله ، إلاّ أنْ تروا كفراً بواحاً عندكم من الله فيه برهان .
وهكذا ترى أنّه قد ارتفعت من حديث عبادة الحفيد عن ابن هشام عبارة : وأنْ نقول بالحقّ أينما كنّا ، لا نخاف في الله لومة لائم . وحلّ محلّها عند البخاري في روايته عبارة : إلاّ أنْ تروا كفراً بواحاً عندكم من الله فيه برهان .
بينما تأتي في رواية اُخرى للبخاري مطابقة لروايات مسلم وأحمد ومالك ، والنسائي وابن ماجة المطابقة لنصّ ابن هشام ، إلاّ أنّه تُوجد رواية اُخرى لمسلم فيها هذه العبارة . وفي مسند أحمد ، قال سفيان : زاد بعض الناس ما لمْ تروا كفراً بواحاً . ويلاحظ هنا ما في كلام سفيان من إبهام وتجهيل ، وعدم تأكّد بقوله : بعض الناس . بما لا يُغني في تحقيق سند .
________________________________________
الصفحة (313)
وإذا كان يُمكن فهم روايتي مسلم بسبب اختلاف سنديهما ، إلاّ أنّ ذلك لا يتحقّق في حالة روايتي البخاري نظراً لسنديهما واحد لديه , وهنا نستعيد استغراب ابن حجر في فتح الباري ، حين قال : من نوادر ما وقع في البخاري ، أنّه يخرج الحديث تامّاً بإسناد واحد بلفظين .
واختلاف الروايات على هذا النحو إنّما يُفيد الاضطراب(1) المضعّف للحديث على قواعد المحدثين .
ولكنّك إذا رجعت إلى روايتي البخاري ومسلم اللذين فيهما : الكفر البواح . فإّنك ستجد شيخيهما اللذين حدّثاهما بهذا الحديث هما على التوالي : إسماعيل بن عبد الله بن عبد الله بن اُويس ، أحمد بن عبد الرحمن بن وهب بن مسلم . وقد قِيل في ترجمة إسماعيل : إنّه روى حديثاً لا يتابع عليه من وجه يثبت . وقِيل : روى المناكير . وقال فيه يحيى بن معين : ضعيف . النسائي : ضعيف ليس بثقة . أبو حاتم الرازي : مغفل محلّه الصدق .
بينما قيل في أحمد بن عبد الرحمن شيخ مسلم :
 ابن عدي : رأيت شيوخ مصر مجمعين على ضعفه .
ابن يونس : لا تقوم بحديثه حجّة .
الدار قطني : تكلّموا فيه .
إذاً فرواية الكفر البواح عند كلّ من البخاري ومسلم مرويّة عن غير ثقة ، وبالتالي فلا اضطراب هناك ، وإنّما ترجح كلّية الرواية الخاليّة من العبارة المزيدة .
ـــــــــــــــ
(1) المضطرب في مصطلح الحديث : هو الذي تختلف الرواية فيه ، ويُسمّى كذلك إذا تساوت الروايتان ، وحكمه وجوب ضعف الحديث ، فلا حجّة له . أمّا إذا كان أحد الروايّين ضعيفاً والآخر قويّاً ، فترجّح رواية القوي .
________________________________________
الصفحة (314)
على أنّه يبقى هناك احتمال الإدراج(1) ، ودليله أنّ التركيب اللغوي لرواية الكفر البواح مخالفة للرواية الأولى ، ففي الرواية الضعيفة تجد أنّ عبادة لمْ يقل شيئاً بلفظ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) طبقاً لمَا طُلب منه أنْ يُحدّث بحديث سمعه ، بل قال : فقال فيما أخذ علينا أنْ بايعنا ... . وأن بايعنا ليست مقولاً للقول ... بينما خلت الرواية الأولى من فعل : قال . أضف إلى ذلك أنّ الأسلوب تغيّر من إخبار عن غائب إلى مخاطبة حاضرين في :  إلاّ أنْ تروا ... .
ومن الأمثلة المشهورة على الإدراج(2) ما رُوي في التشهد عن أبي خيثمة زهير بن معاوية ، عن الحسن بن الحرّ عن القاسم بن مخيمرة ، عن علقمة عن عبد الله بن مسعود ، أنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) علّمه التشهد في الصلاة فقال (ص) : (( قل : التحيات لله )) . فذكر التشهد ، وفي آخره : (( أشهد أنْ لا إله إلاّ الله ، وأشهد أنّ محمّداً رسول الله ، فإذا قلت هذا فقد قضيت صلاتك ، إنْ شئت أنْ تقومَ فقم ، وإنْ شئت أنْ تقعدَ فاقعد )) .
هكذا رواه أبو خيثمة عن الحسن بن الحرّ ، فأدرج في الحديث قوله : فإذا قلت هذا إلى آخره . وإنّما هذا من كلام ابن مسعود ، لا من كلام رسول الله (صلّى الله عليه وآله) .
على أنّ هناك أمراً آخر يتعلّق بالموضوع ، إضافة إلى مناقشتنا السابقة للسند والمتن ، فقد ذكر الشوكاني(3) :
ـــــــــــــــ
(1) من أقسامه ما أُدرج في حديث رسول الله (صلّى الله عليه وآله) من كلام بعض رواته ، بأنْ يذكرَ الصحابي أو من بعده ، عقب ما يرويه من الحديث كلاماً من عند نفسه ، فيرويه من بعده موصولاً بالحديث غير فاصل بينهما بذكر قائله ، فيلتبس الأمر فيه على مَن لا يعلم حقيقة الحال ، ويتوّهم أنّ الجميع عن رسول الله (ص) .
(2) مقدّمة ابن الصلاح ، مرجع سابق / 274 .
(3) نيل الأوطار ، مرجع سابق 7 / 174 .
________________________________________
الصفحة (315)
وحديث عبادة بن الصامت المذكور ، فيه دليل على أنّها لا تجوز المنابذة بالسيف إلاّ عند ظهور الكفر البواح .
فكيف يتأتّى ذلك مع ما هو معلوم ، أنّ حديث عبادة كان بمناسبة بيعة العقبة الثانية قبل الهجرة من مكّة إلى المدينة ، ولمْ يكن قد شرع الجهاد بعدُ , إذ لمْ يُفرض إلاّ في المدينة بعد الإذن فيه بآية : ( أُذِنَ لِلّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنّ اللّهَ عَلَى‏ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ )(1) .
وهنا لا بدّ من استحضار السياق الذي قِيل فيه الحديث ، وهو موقف بيعة العقبة الثانية ، ولمّا تزل الدعوة في مرحلتها المكّيّة ، حيث كانت منصبّة على الكلّيات ، وحين كانت القضيّة الأولى هي قضيّة العقيدة ، وحين كان الاهتمام الأوّل موجّهاً نحو بيان الإيمان والكفر دون جزئيّات الشريعة ، ودون الاستطراد إلى قضايا مستقبلية لمْ يحن الوقت بعد لطرحها ... لمْ يكن حينذاك حكم ؛ لأنّه لمْ تكن هناك دولة أصلاً ، ولمْ تكن حينذاك شرائع لتحكم بها الدولة التي لمْ تكن قد وجدت بعد .
لقد جرى نهج الدعوة على التأهيل التراكمي والمتئد للجماعة الإسلاميّة ، المنوط بها قيام أوّل مجتمع مسلم حتّى إذا قوي واشتدّ ، ودبّت فيه العافية الكفيلة بتحملّه تبعات الشريعة أُذن له بالممارسة المناسبة لمقتضى الحال .
ويحسن بنا هنا أنْ نسترجع ما قاله سيّد قطب(2) : ظلّ القرآن المكي ينزل على رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ثلاثة عشر عاماً كاملة ، يحدّثه فيها عن قضيّة واحدة ، قضيّة واحدة لا تتغيّر ، ولكن طريقة عرضها لا تكاد
ـــــــــــــــ
(1) سورة الحج / 39 .
(2) معالم في الطريق  / 24 وما بعدها ، ط 17 ـ القاهرة ـ  دار الشروق / 1993 م .
________________________________________
الصفحة (316)
تتكرّر ... لقد كان يعالج القضيّة الأولى والقضيّة الكبرى ، والقضيّة الأساسيّة في هذا الدين الجديد ... قضيّة العقيدة ... ممثلة في قاعدتها الرئيسة ... الألوهيّة والعبوديّة ، وما بينهما من علاقة .
ولمْ يتجاوز القرآن المكّي هذه القضيّة الأساسيّة إلى شيء ممّا يقوم عليها من التفريعات المتعلّقة بنظام الحياة ، إلاّ بعد أنْ علم الله أنّها استوفت ما تستحقّ من البيان .
وجانب آخر من طبيعة هذا الدين يتجلّى في هذا المنهج القويم . إنّ هذا الدين منهج عملي حركي جادّ ... .
جاء ليحكم الحياة في واقعها ، ويواجه هذا الواقع ليقضي فيه بأمره ... يقرّه أو يعدله ، أو يغيّره من أساسه ... ومن ثمّ فهو لا يشرع إلاّ لحالات واقعة فعلاً ، في مجتمع يعترف ابتداءً بحاكميّة الله وحده .
إنّه ليس نظريّة تتعامل مع الفروض ، إنّه منهج يتعامل مع الواقع ... فلا بدّ أوّلاً أنْ يقومَ المجتمع المسلم الذي يقرّ عقيدة : أنْ لا إله إلاّ الله ، وأنّ الحاكميّة ليست إلاّ لله .
ومن هنا فإنّا نقول : إنّ طرح مسألة الخروج على الحاكم بالسيف في حالة الكفر ، لمْ تكن ممّا يناسب الظرف ، كما لمْ تكن ممّا يتماشى مع منهج الدعوة ، ولذلك أيضاً يرجّح أنْ زادها بعض الناس ـ كما قال سفيان ـ في آخر الرواية .
ولربّما قال قائل إنّ تلك البيعة كانت تُسمّى بيعة الحرب ، ولكنّك إنْ راجعت تفاصيلها لعلمت أنّها محدودة بحماية رسول الله (صلّى الله عليه وآله) من عدوّه , حتّى أنّ الأنصار اشترطوا أنّهم براء من ذمامه حتّى يصل إلى ديارهم ، وعندما قال(1)
ـــــــــــــــ
(1) سيرة ابن هشام ، مرجع سابق / 448 .
________________________________________
الصفحة (317)
أحد الأنصار وهو العبّاس بن عبادة بن نضلة : والله ، الذي بعثك بالحقّ إنْ شئت لنميلنّ على أهل منى غداً بأسيافنا ؟ قال له الرسول (صلّى الله عليه وآله) : (( لمْ نُؤمر بذلك )) . ولذلك تجد أنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) احتاج إلى حثّ الأنصار على بيعته للخروج للقاء قريش في بدر ، رغم عموميّة ببيعتهم على السمع والطاعة .
وربّما قال آخر : إنّ من شروط البيعة ، أنْ لا ننازع الأمر أهله . فلمَ لا تكون هذه كتلك : الخروج في حالة الكفر البواح ، من حيث كونها قضيّة تبدو غير ملحّة وغير حاضرة في ظرف البيعة ؟
والواقع أنّها مسألة مختلفة ، فقد كانت لها سابقة ـ ذكرناها من قبل ـ عندما عرض الرسول (صلّى الله عليه وآله) نفسه على بني عامر بن صعصعة ، فقال أحدهم ـ وهو بيحرة بن فراس ـ : أرأيت إنْ نحن بايعناك على أمرك ، ثمّ أظهرك الله على من خالفك ، أيكون لنا الأمر من بعدك ؟ فقال الرسول (صلّى الله عليه وآله) : (( الأمر إلى الله يضعه حيث يشاء )) . فقال بيحره : أفتهدف نحورنا للعرب من دونك ، فإذا أظهرك الله كان الأمر لغيرنا ! لا حاجة لنا بأمرك .
ثمّ عساك تذكر كذلك ما سبق أنْ أوردناه من حديث وصيّة الرسول (صلّى الله عليه وآله) عندما نزلت آية : ( وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ )(1) . فقال (صلّى الله عليه وآله) لعليّ حين لمْ يستجب له أحد غيره : (( أنت أخي ووصيّي وخليفتي من بعدي )) .
إذاً فالأمر واضح ، فمَن أسلم وعنّ له بعد إسلامه وراودته نفسه على أنْ له في الأمر شيئاً ، فقد بعد ، فإنْ نازع بالفعل ، فقد خالف أحد شروط قبول إسلامه ، ومَن نكث فإنّما ينكث على نفسه .
ومن هنا يُفهم قدر الوزن الذي جعله الإسلام للإمامة حين جعلها ـ منذ هذا الوقت المبكّر ـ محلّ شرط من شروط الدخول في الإسلام ، حتّى إنّ الرسول (صلّى الله عليه وآله)
ـــــــــــــــ
(1) سورة الشعراء / 214 .
________________________________________
الصفحة (318)
امتنع عن إجابة مَن أرادها على نصرته في وقت هو في أشدّ الحاجة إلى النصير ، حين كانت قريش تُؤذيه ومَن معه وتتربّص بهم ، وحين كان المسلمون بين مهاجر ومفتون وصابر على الأذى .
فإذا كانت هذه المسألة على هذا القدر من الأهميّة ، فهل يعقل أنْ تُترك لتقع الإمامة في يد مَن يأخذها بغير حقّها ، أو تُترك لجائر يسوس الناس بهواه ؟
4 ـ فإنْ قِيل إنّه وردت أحاديث مانعة من الخروج بعد استقرار الدولة الإسلاميّة في المدينة ، ونزول أحاديث مفصّلة ، فإنّا نردّ هذا القول من وجوه : 
أ ـ ربّما كان أشهر الأحاديث في هذا الباب حديث ابن عبّاس المتّفق عليه ، قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : مَن رأى من أميره شيئاً يكرهه فليصبر ، فإنّه من فارق الجماعة شبراً فمات فميتته جاهليّة . وفي لفظ : مَن كره من أميره شيئاً فليصبر عليه , فإنّه ليس أحد من الناس خرج من السلطان شبراً ، فمات عليه إلاّ مات ميتةً جاهليّةً .
والعجب هنا ممّن أسّس على منطوق الحديث حكماً بعدم الخروج على حكّام الجور ، كما فعل ابن بطال فيما ذكره الشوكاني : إنّ حديث ابن عبّاس المذكور حجّة في ترك الخروج على السلطان ولو جار .
وأنت ترى أنّ شرط الحديث وجوابه : مَن كره ، فليصبر . ولا يعقل بالطبع أنْ يُجاز لكلّ مَن يكره شيئاً أنْ يتقلّد سيفه ويجرّده على الحاكم . ولكن مصدر العجب أنّ الحديث لمْ يذكر فيه الجور المحقّق من الحاكم أو إتيانه المنكر ، فلا يجوز لابن بطال أنْ يأتي من عنده بقول : ولو جار ، ويؤسّس عليه حكمه بعدم الخروج مُطلقاً .
ب ـ إنّ أكثر الأحاديث مدعاة للتوقّف ـ ضمن مجموعة الأحاديث المتضمّنة ذات المفهوم ـ حديث حذيفة بن اليمان الذي رواه مسلم وأحمد : قال
________________________________________
الصفحة (319)
رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : يكون بعدي أئمّة لا يهتدون بهديي ، ولا يستنّون بسنّتي ، وسيقوم فيكم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس . قال ، قلت : كيف أصنع يا رسول الله ، إنْ أدركت ذلك ؟ قال : تسمع وتطيع للأمير ، وإنْ ضرب ظهرك ، وأخذ مالك فاسمع وأطع .
فهؤلاء أئمّة لا يهتدون بهدي رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ولا يستنّون بسنّته ، وبالرغم من ذلك فالمطلوب بذل الطاعة لهم ، وإنْ ضربوا الظهور وأخذوا الأموال .
ولعمرك ، لقد تجاوز هذا الكلام كلّ المعايير النقليّة والعقليّة معاً ، بما لا يترك بحال فسحةً لتأويل فضلاً عن طاقة لاحتمال .
لقد قال الله تعالى : ( وَمَن يُؤْمِن بِاللّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ )(1) . وفيها يقول البغدادي(2) : في هذه الآية دليل على أنّ مَن لا هداية في قلبه ، فليس بمؤمن بربّه .
وقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : (( مَن رغب عن سنّتي ، فليس منّي )) .
فماذا بقي إذاً لهذا المتجرّد من هُدى الله ورسوله (ص) ، والمستبعد للسنن ، إلاّ أنْ يكون محكّماً لهواه ؟
قال الله تعالى لنبيّه : ( يَا دَاوُدُ إِنّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ الناس بِالحقّ وَلاَ تَتّبِعِ الْهَوَى‏ فَيُضِلّكَ عَن سَبِيلِ اللّهِ )(3) .
فما الذي يدعو للاستمساك أو الحفاظ على هذا الضال ، إذ كان سلوكه مخالفاً لأصل شرعيّة وجوده ؟ كما يقول الماوردي : الإمامة موضوعة لخلافة النبوّة في حراسة الدين وسياسة الدنيا .
ـــــــــــــــ
(1) سورة التغابن / 11 .
(2) أصول الدين ، مرجع سابق / 251  .
(3) سورة ص / 26 .
________________________________________
الصفحة (320)
وكأنّي بهؤلاء المحتجّين بهذا الحديث المخالف للأصول يُريدون أنْ يُثبتوا أنّ الطاعة للسلطان لذاته ، لا بحكم قيامه بأمر الدين ، وإنْ زيّنوا قولهم بمبرّر باطل في ثوب حقّ من الحفاظ على اجتماع الكلمة .
ولو أنّ هذا الذي يتقوّلون حقّ ـ أي : أنّ اجتماع الكلمة مع تحكيم الباطل واتّباع لهوى وسياسة الجور ، مبرّر للطاعة وعدم الخروج ـ لمَا كان هناك معنىً لدعوة الإسلام أصلاً ، وما كان هناك مبرّر لجهاد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وخوض الحروب ، وبذل الدماء واستشهاد الشهداء ... كلّ هذا من أجل أنْ يؤوّل الأمر إلى سلطان لا يحكم بما أنزل الله ويتّبع الهُوى ويظلم الناس ؟ ولعلّك تتذكّر أنّ ذلك الذي يتقوّلون هو عين ما قاله طغاة قريش في الرسول (صلّى الله عليه وآله) ، مثلما قال الوليد بن المغيرة : إنّ محمّداً (ص) جاء ليفرّق بين المرء وعشيرته . أو كما قال أبو جهل : إنّ محمّداً (ص) يقطع الأرحام .
والعجب كلّه ممّن قال(1) : هذا الحديث فيه دليل على وجوب طاعة الاُمراء ، وإنْ بلغوا في العسف والجور إلى ضرب الرعيّة وأخذ أموالهم ، فيكون هذا مخصّصاً لعموم قوله تعالى : ( فَمَنِ اعْتَدَى‏ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى‏ عَلَيْكُمْ )(2) . وقوله : ( وَجَزاءُ سَيّئَةٍ سَيّئَةٌ مِثْلُهَا )(3) .
فرغم أنّ الحديث المذكور يصف الجائر ذاك بأنّه على غير هدى الله ورسوله (ص) وعلى غير سنّته ، فقد جعلوه مخصّصاً للقرآن ، ويا للعجب !
يردّ الحديث السابق والأحاديث المماثلة كلّيات الشريعة وجزئيّاتها معاً ،
ـــــــــــــــ
(1) نيل الأوطار ، مرجع سابق / 174 .
(2) سورة البقرة / 194 .
(3) سورة الشورى / 40 .
________________________________________
الصفحة (321)
واستقراؤها يؤكّد قطعيّة دلالتها المنافية منافاةً قطعيّةً للحديث المذكور ، وها هنا نُعيد توكيدها : 
( وَمَن لَمْ يَحْكُم بِمَا أَنْزَلَ اللّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ )(1) . 
( وَمَن لَمْ يَحْكُم بِمَا أَنْزَلَ اللّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ )(2) .
 ( وَمَن لَمْ يَحْكُم بِمَا أَنْزَلَ اللّهُ فَأُوْلئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ )(3) . 
( اتّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُم مِن رَبّكُمْ وَلَا تَتّبِعُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلاً مَا تَذَكّرُونَ )(4) . 
( ثمّ جَعَلْنَاكَ عَلَى‏ شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتّبِعْهَا وَلاَ تَتّبِعْ أَهْوَاءَ الذينَ لاَ يَعْلَمُونَ )(5) . 
( فَإِن لّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنّمَا يَتّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلّ ممّن اتّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللّهِ إِنّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ )(6) .
فكيف يُطاع إذاً مَن لمْ يحكم بما أنزل الله ، وهو هُدى رسوله (ص) وسنّته ؟
ولا يجوز لمَن قال بالطاعة للحاكم بالهوى ، الاحتجاج بالفصل بين عدم الحكم بما أنزل الله جحداً وبين فعل ذلك ، لأيّ سبب آخر مع الاعتقاد بصحّة ما أنزل(7) ؛ فإنّ أمر الآيات متعلّق بالحكم الفعلي وليس بالاعتقاد .
ثمّ هناك العديد من الأحاديث الأخر المضادّة تماماً لمفهوم الأحاديث
ـــــــــــــــ
(1) سورة المائدة / 44 .
(2) سورة المائدة / 45 .
(3) سورة المائدة / 47 .
(4) سورة الأعراف / 3 .
(5) سورة الجاثية / 18 .
(6) سورة القصص / 50 .
(7) انظر : تفسير د . عمر عبد الرحمن ، كلمة حقّ /  49 ـ القاهرة ـ  دار الاعتصام ، ب . ت .
________________________________________
الصفحة (322)
السابقة ، بما يجعل محاولة تأويل الاختلاف لصالح الجائر تعسّفاً وليّاً للحقيقة ونوعاً من تحريف الكلم عن مواضعه ، ومثالها عن أبي بكر الصديق : إنّي سمعت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يقول : (( إنّ الناس إذا رأوا ظالماً ، فلمْ يأخذوا على يديه أوشك أنْ يعمّهم الله بعقاب منه )) . رواه الترمذي .
و عن عبد الله بن مسعود قال ، قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : (( إنّ أوّل ما دخل النقص على بني إسرائيل كان الرجل يلقى الرجل ، فيقول : يا هذا اتّقِ الله ودع ما تصنع , فإنّه لا يحلّ لك . ثمّ يلقاه من الغد فلا يمنعه ذلك أنْ يكون أكيله وشريبه وقعيده . فلمّا فعلوا ذلك , ضرب الله قلوب بعضهم ببعض ، ثمّ قال : لُعِنَ الذينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى‏ لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ـ إلى قوله ـ فاسقون(1) ))  . ثمّ قال (ص) : (( كلاّ والله ، لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذن على يدي الظالم ولتأطّرنه على الحقّ أطراً ولتقصرنه على الحقّ قصراً ، أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض ، ثمّ ليلعننكم كما لعنهم )) . رواه أبو داود .
وعن عبد الله بن عمرو قال ، سمعت النبي (صلّى الله عليه وآله) يقول : (( مَن قُتل دون ماله ، فهو شهيد ))  رواه الشيخان .
وعن أبي هريرة قال : قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : (( مَن أريد ماله ظلماً فقُتل ، فهو شهيد )) . رواه ابن ماجة .
وعن عليّ(ع) قال : (( بعث النبيّ (صلّى الله عليه وآله) سريةً وأمر عليهم رجلاً من الأنصار وأمرهم أنْ يطيعوه , فغضب عليهم وقال : أليس قد أمر النبي (صلّى الله عليه وآله) أنْ تطيعوني ؟ قالوا : بلى . قال : قد عزمت عليكم لمّا جمعتم حطباً وأوقدتم ناراً ، ثمّ دخلتم فيها فجمعوا حطباً فأوقدوا ناراً . فلمّا همّوا بالدخول فقام ينظر بعضهم إلى بعض ، قال بعضهم : إنّما تبعنا النبي (صلّى الله عليه وآله) فراراً من النار أفندخلها ؟! فبينما هم كذلك إذ خمدت النار وسكن غضبه ، فذكر للنبي (صلّى الله عليه وآله) ، فقال (ص) : لو دخلوها ما خرجوا منها أبداً ، إنّما الطاعة في المعروف )) . رواه الشيخان وأحمد .
ـــــــــــــــ
(1) سورة المائدة / 78 - 81 .
________________________________________
الصفحة (323)
وقال خباب بن الأرت : إنّا لقعود على باب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ننتظر أنْ يخرج لصلاة الظهر ، إذ خرج علينا ، فقال (ص) : (( اسمعوا )) . فقلنا : سمعنا . قال (ص) : (( اسمعوا )) . فقلنا : سمعنا . فقال : (( إنّه سيكون عليكم أمراء فلا تعينوهم على ظلمهم ، فمَن صدقهم بكذبهم فلن يرد علىّ الحوض )) . رواه أحمد .
فهذه إذاً نصوص متضافرة تعني ضمن ما تعني الحثّ على الإيجابيّة في التعامل مع الأحداث ، وليس السلبيّة والركون إلى الظلم وممالأة الظالم ، وهي تعني أيضاً أنّ النفرة للحقّ ليست ترفاً يمارسها المسلمون أو يدعونها ، بل هي مسؤوليّة أصيلة يحاسبون عليها حتّى ليعمّهم العذاب إنْ هم تركوها , ألمْ يكن إذاً أولى بهؤلاء المدّعين ـ بتخصيص النصوص السابقة ـ فهم وإعمال قيد العمل بكتاب الله على مطلق السمع والطاعة ، طبقاً للحديث عن اُمّ الحصين ، قالت : سمعت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، يقول : يا أيّها الناس ، اتّقوا الله وإنْ أمر عليكم عبد حبشي مجدع ، فاسمعوا له وأطيعوا ما أقام لكم كتاب الله . رواه الترمذي .
5 ـ للمالكيّة قاعدة في تخصيص العام ، تقول : إنّ عمل أهل المدينة يعضد أو يضعف خبر الآحاد ، وإلاّ فالعمل بالعام .
وهنا تجد عمل أهل المدينة يناقض خبر حذيفة ويعارض التخصيص المزعوم ، ويؤكّد وجوب الخروج , فقد خرجوا عام 63 هـ بعد عودة وفدهم من الشام ، فحدّثوا الناس بفسق يزيد فخلعوه ، وخلعوا عامله على المدينة عثمان بن محمّد بن أبي سفيان ابن عمّ يزيد , وكان ممّا قاله الوفد لأهل المدينة(1) :
ـــــــــــــــ
(1) ابن الأثير ، الكامل في التاريخ ، مرجع سابق 3 / 449 .
________________________________________
الصفحة (324)
قدمنا من عند رجل ليس له دين ، يشرب الخمر ويضرب بالطنابير ، ويعزف عنده القيان ، ويلعب بالكلاب ويسمر عنده الخراب وهم اللصوص ، وإنّا نشهدكم أنّا قد خلعناه .
وقام عبد الله بن حنظلة غسيل الملائكة ، فقال : جئتكم من عند رجل لو لمْ أجد إلاّ بني هؤلاء لجاهدته بهم ، وقد أعطاني وأكرمني وما قبلت منه عطاءه إلاّ لأتقوّى به ، فخلعه الناس وبايعوا عبد الله بن حنظلة على خلع يزيد وولّوه عليهم .
وقال المنذر بن الزبير بن العوام : إنّه قد أجازني بمئة ألفٍ ، ولا يمنعني ما صنع بي أنْ أخبركم خبره وأصدقكم عنه ، والله إنّه ليشرب الخمر ، والله إنّه ليسكر حتّى يدع الصلاة .
وحارب أهل المدينة جيش أهل الشام الذي بعثه يزيد ، والذي جعل على رأسه مسلم بن عقبة ، واتّخذ أهل المدينة خندقاً جعلوا عليه عبد الرحمن بن زهير بن عوف ـ ابن عمّ عبد الرحمن بن عوف ـ وعلى قريش عبد الله بن مطيع ، وعلى المهاجرين الصحابي معقل بن سنان الأشجعي ، وكان أمير الجماعة عبد الله بن حنظلة الغسيل الأنصاري .
وكان مما قاله عبد الله بن حنظلة لأهل المدينة أثناء القتال : أمَا إنّكم أهل النصرة ودار الهجرة ، وما أظنّ ربّكم أصبح عن أهل بلد من بلدان المسلمين بأرضى منه عنكم ، ولا على أهل بلد من بلدان العرب بأسخط منه على هؤلاء الذين يقاتلونكم ، وإنّ لكلّ امرئ منكم ميتة وهو ميّت بها لا محالة ، ووالله ، ما ميتة أفضل من ميتة الشهادة ، وقد ساقها الله إليكم فاغتنموها .
________________________________________
الصفحة (325)
وكان يقول(1) :
بعداً لمن رام الفساد وطغى       وجانب الحقّ وآيات الهدى
لا يبعد الرحمن إلاّ من عصى
وكان معقل بن سنان الصحابي ، قد قال حين خروجه من عند يزيد(2) : نرجع إلى المدينة فنخلع هذا الفاسق بن الفاسق ، ونبايع لرجل من المهاجرين أو الأنصار .
ولمّا انهزم أهل المدينة ، تتّبع جند يزيد الناس لقتلهم ، ومنهم الصحابة فمنهم من استخفى ومنهم من وقع في أيديهم ، وكان منهم جابر بن عبد الله الأنصاري ، وأبو سعيد الخدري الذي لجأ إلى غار في جبل , وهمّ بقتل من لحقه من جند الشام ، ولمْ ينجُ سعيد بن المسيب من أمر مسلم بن عقبة بقتله إلاّ بعد أنْ شهد رجل أنّه مجنون فخلى سبيله(3) .
فهذا إذاً هو عمل أهل المدينة وفيهم بقيّة الصحابة والتابعون ، وقد خرجوا على يزيد بن معاوية وخلعوه ، ولمْ يرتضوا تخذيل عبد الله بن عمر لهم بترديده حديث : مَن نزع يداً من طاعة إنّه يأتي يوم القيامة لا حجّة له ، ومَن مات مفارقاً الجماعة فإنّه يموت موتةً جاهليةً . فقد فهموا الطاعة على وجهها الحقّ أنّها في المعروف ، وأنّها بشرط العمل بكتاب الله وهو قائم على العدل والطهر ، لا على الجور والفسق , وكذلك كان فهمهم للجماعة أنّها جماعة الحقّ وإنْ قلّت ، لا جماعة الباطل وإنْ كثرت ، ولذلك تراهم يردون النعمان بن البشير حين
ـــــــــــــــ
(1) الطبري ، مرجع سابق 5 / 490 .
(2) ابن الأثير ، الكامل ، مرجع سابق 3 / 460 .
(3) ابن كثير ، البداية والنهاية ، مرجع سابق 7 / 224 .
الصفحة (326)
حاول تخويفهم ، فيقول ابن المطيع : يا نعمان ، ما عملك على فساد ما أصلح الله من أمرنا وتفريق جماعتنا ؟ .
6 ـ وقد ثبت عن أبي حنيفة حثّه ومساعدته على الثورة على حكّام الجور من بني اُميّة , يقول أبو زهرة(1) : كان (رضي الله عنه) ، لنزعته العلويّة من غير تشيع ، لا يرى لبني اُميّة أيّ حقّ في إمرة المؤمنين ، ولكنّه ما كان ليثور عليهم ، ولعلّه كان يهمّ أنْ يفعل . 
ويُروى أنّه لمّا خرج زيد بن عليّ (ع) بالكوفة على هشام بن عبد الملك ، قال أبو حنيفة : ضاهى خروجه خروج رسول الله يوم بدر . فقِيل له : لمَ تخلّفت عنه ؟ قال : حبستني ودائع الناس ، عرضتها على ابن أبي ليلى فلمْ يقبل ، فخفت أنْ أموت مجهلاً . ويُروي أنّه قال في الاعتذار عن عدم الخروج مع زيد : لو علمت أنّ الناس لا يخذلونه كما خذلوا جدّه لجاهدت معه ؛ لأنّه إمام حقّ ، ولكن أعينه بمالي . فبعث إليه بعشرة آلاف درهم ، وقال للرسول : ابسط عذري له .
وعندما هلكت دولة بني اُميّة ، وجاء العبّاسيّون ظنّ في البداية خيراً فيهم ، ثمّ تبيّن له جورهم من بعد ممّا جعله يعين على الخروج عليهم كذلك محمّد النفس الزكيّة وأخاه إبراهيم .
وهكذا كان أبو حنيفة مشاركاً إنْ بالحض وإنْ بالمال على الخروج على حكّام الجور ، ولمْ يكن مجرّد مكتف بإبداء الرأي بجواز الخروج . 
ويردّ أبو بكر الجصاص قول من ادّعى : أنّ أبا حنيفة لمْ يُجيز الخروج , بقوله(2) : وكان مذهبه مشهوراً في قتال الظلمة وأئمّة الجور ، ولذلك قال لأوزاعي : احتملنا أبا حنيفة على كلّ شيء حتّى جاءنا بالسيف ، يعني : قتال الظلمة ، فلمْ
ـــــــــــــــ
(1) تاريخ المذاهب الإسلاميّة ، مرجع سابق / 368 .
(2) أحكام القرآن ، مرجع سابق 1 / 86 .
________________________________________
الصفحة (327)
نحتمله . وكان من قوله : وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض بالقول ، فإنْ لمْ يُؤتمر له فبالسيف على ما روى النبي (صلّى الله عليه وآله) ... وقضيّته في أمر زيد بن عليّ (ع) مشهورة ، وفي حمله المال إليه وفتياه الناس سرّاً في وجوب نصرته والقتال معه ، وكذلك أمره مع مُحمّد وإبراهيم ابني عبد الله بن حسن . 
وهذا إنّما أنكره عليه أغمار أصحاب الحديث الذين بهم فقد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتّى تغلّب الظالمون على أمور الإسلام . فمَن كان هذا مذهبه في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كيف يرى إمامة الفاسق ؟
7 ـ وزعموا أنّ الإنكار لا يكون إلاّ برفق ، وفي حال القدرة ، ولا يكون ذلك السلطان وإنّما لمَن دونه .
يذكر الشوكاني(1) : وقال غيره ـ غير النووي ـ إذا كانت المنازعة في الولاية ، فلا ينازعه بما يقدح في الولاية إلاّ إذا ارتكب الكفر ، وحمل رواية المعصيّة على ما إذا كانت المنازعة فيما عدا الولاية ، فإذا لمْ يقدح في الولاية نازعه المعصيّة بأنْ ينكر عليه برفق ويتوصّل إلى تثبيت الحقّ له بغير عنف ، ومحلّ ذلك إذا كان قادراً .
وممّن سار على ذات النهج ابن قتيبة في محاولته الجمع بين حديث : مَن قُتل دون ماله ، فهو شهيد . وحديث كن حلس بيتك . فأراد ابن قتيبة(2) أنْ يقصر معنى الحديث الأوّل على ( اللصوص ) دون السلطان ، فيقول : مَن قتل دون ماله ، فهو شهيد ، مَن قاتل اللصوص عن ماله حتّى يُقتل في منزله وفي أسفاره .
ـــــــــــــــ
(1) نيل الأوطار ، المرجع السابق .
(2) تأويل مختلف الحديث ، مرجع سابق / 105 .
________________________________________
الصفحة (328)
وهذا امتداد لرأيه في السلطان الفاجر ، إذ يقول : لا تخرجوا عليه ولا تشقّوا العصا ولا تفارقوا جماعة المسلمين ، وإنْ كان سلطانكم فاجراً .
ومن هؤلاء أيضاً ابن سيرين حين سأله بعض الناس عن قتال الحروريّة ، فأجاب : ما علمت أنّ أحداً كان يتحرّج من قتل هؤلاء تأثيماً ، ولا من قتل مَن أراد قتالك إلاّ السلطان ، فإنّ للسلطان نحواً .
وقالت طائفة : إنّ السلطان في هذا بخلاف غيره ، ولا يُحارب السلطان وإنْ أراد ظلماً .
ونحن ندع ابن حزم الذي أورد بعض أقوالهم السابقة ليردّ عليهم(1) : وأمّا مَن دعا إلى أمر بمعروف أو نهي عن منكر ، وإظهار القرآن والسنن ، والحكم بالعدل فليس باغياً ، بل الباغي من خالفه وبالله تعالى التوفيق ، وهكذا من أريد بظلم فمنع من نفسه ، سواء أراده الإمام أو غيره .
ويستشهد ابن حزم بما وقع من عبد الله بن عمرو بن العاص ، فيما رواه أبو قلابة قال : أرسل معاوية بن أبي سفيان إلى عامل له أنْ يأخذَ الوهط(2) فبلغ ذلك عبد الله بن عمرو بن العاص ، فلبس سلاحه هو ومواليه وغلمته ، وقال : إنّي سمعت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، يقول : مَن قُتل دون ماله ، فهو شهيد .
ويعلّق ابن حزم على ذلك بقوله : رأى عبد الله بن عمرو أنّ ذلك ليس بحقّ ، ولبس السلاح للقتال ، ولا مخالف له في ذلك من الصحابة (رضي الله عنهم) . وهكذا جاء عن أبي حنيفة ، والشافعي وأبي سليمان ، وأصحابهم أنّ
ـــــــــــــ
(1) المحلّى ، مرجع سابق 11 / 98 .
(2) الوهط : كانت أرضاً لعمرو بن العاص قدرت بعشرة ملايين درهمٍ ـ كما جاء في مروج الذهب للمسعودي 3 / 32 ـ ومعلوم أنّ معاوية أعطى مصر طعمةً لعمرو ما بقي حيّاً ، كشرط عمرو على مساعدته في حرب الإمام عليّ (ع) ، فآلت هذه الأرض بعد موته إلى ابنه عبد الله .
________________________________________
الصفحة (329)
الخارجة على الإمام إذا خرجت سُئلوا عن خروجهم ، فإنْ ذكروا مظلمةً ظلموها أنصفوا ، وإلاّ دعوا إلى الفيئة ، فإنْ فاؤوا فلا شيء عليهم ، وإنْ أبوا قُوتلوا ، ولا نرى هذا إلاّ قول مالك أيضاً ، فلمّا اختلفوا ـ كما ذكرنا ـ وجب أنْ نردّ ما اختلفوا فيه إلى ما افترض الله تعالى الردّ عليه ، إذ يقول الله تعالى : ( فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْ‏ءٍ فَرُدّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرّسُولِ )(1) . ففعلنا فلمْ نجد الله تعالى فرّق في قتال الفئة الباغية على الأخرى بين سلطان وغيره ، بل أمر الله تعالى بقتال مَن بغى على أخيه المسلم عموماً حتّى يفيء إلى أمر الله تعالى وما كان ربّك نسياً . وكذلك قوله (عليه السلام) : مَن قُتل دون ماله ، فهو شهيد . أيضاً عموم لمْ يخصّ معه سلطاناً من غيره .
وممّا قاله ابن حزم أيضاً ، واحتجّ به عمر عبد الرحمن في محاكمته في قضيّة قتل السادات(2) : ما تقولون في سلطان جعل اليهود أصحاب أمره ، والنصارى جنده ، وحمل السيف على كلّ مَن وجد من المسلمين ، وأعلن العبث به ، وأباح المسلمات للزنى ، وهو في كلّ ذلك مقرّ بالإسلام ، معلن به لا يدع الصلاة ؟
فإنْ أجازوا الصبر على هذا خالفوا الإسلام جملةً وانسلخوا منه ، وإنْ قالوا : بل يُقام عليه ويُقاتل ، فقد رجعوا إلى الحقّ ، ولو على قتل مسلم واحد ، أو على امرأة واحدة ، أو على أخذ مال ، أو على انتهاك بشرة بظلم ، إنْ أنكروا كلّ ذلك رجعوا إلى الحقّ ، والواجب إنْ وقع شيء من الجور وإنْ قلّ أنْ يكلّم الإمام في ذلك ، ويمنع منه ، فإنْ امتنع ورجع إلى الحقّ وأذعن فلا سبيل إلى خلعه ... وإنْ امتنع من إنفاذ شيء من هذه الواجبات عليه ، ولم يرجع وجب خلعه وإقامة غيره ممّن
ـــــــــــــــ
(1) سورة النساء / 59 .
(2) د . عمر عبد الرحمن ، كلمة حقّ ، مرجع سابق / 37 .
________________________________________
الصفحة (330)
يقوم بالحقّ ، لقول الله تعالى : ( وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرّ وَالتّقْوَى‏ وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الْثمّ وَالْعُدْوَانِ ) ، ولا يجوز تضييع شيء من واجبات الشرائع ، وبالله التوفيق .
8 ـ ومن غريب تناقض هؤلاء الزاعمين بحجيّة عدم الخروج على الحاكم الظالم ، احتجاجهم في الوقت ذاته بسنّة أبي بكر وعمر ، وهُم ما فتئوا يرددون أقوالهم ، مثل قول أبي بكر : فإنْ رأيتموني على الحقّ فأعينوني ، وإنْ رأيتموني على الباطل فقوّموني ، أطيعوني ما أطعت الله ورسوله ، فإنْ عصيت فلا طاعة لي عليكم . ومثل قول عمر : إنْ رأيتم فيّ اعوجاجاً فقوّموني . فيردّ عليه أحد الرعيّة : لو رأينا فيك اعوجاجاً لقوّمناه بسيوفنا .
ولكنّهم يوردون هذه الأقوال في معرض المديح لأبي بكر وعمر وكأنّها للتزين فقط ، في فصل تامّ لها عن أيّ ممارسة عمليّة ، فإذا ما استدعيت في موقع ظلم تراجعوا على الفور ، وعمدوا للولوج في دهاليز تأويلات ما أنزل الله بها من سلطان .
ثمّ ما قولهم في رأي أشدّ لعمر بصريح قوله لقوم أتوه(1) : أمَا والله ، لوددت أنّي وإيّاكم في سفينة في لجّة البحر ، تذهب بنا شرقاً وغرباً ، فلن يعجزَ الناس أنْ يولّوا رجلاً منهم ، فإنْ استقام اتّبعوه ، وإنْ جنف قتلوه . فقال طلحة : وما عليك لو قلت : إنْ تعوّج عزلوه . فقال : لا ، القتل أنكل لمَن بعده .
9 ـ أيّهما أشدّ ضرراً : ظلم السلطان أمْ ظلم الرعيّة ؟
إنّ العقل ليشهد ، وإنّ الخبرة الإنسانيّة على مدى التاريخ لتصدق على الأنظمة 
ـــــــــــــــ
(1) الطبري ، مرجع سابق 3 / 213 .
________________________________________
الصفحة (331)
الحاكمة أنّها كانت السبب الرئيس فيما عانته البشريّة من مآس ، وإنّ ظلم الفرد من الرعيّة مهما بلغ لا يُقارن بحال ، بحيود الحاكم ونظامه عن الحقّ .
ذلك أنّه من البديهي أنّ أمر الفرد مهما اتّسع فهو محدود ، بينما أمر الحاكم عامّ وظلمه يستغرق الناس بغير حدّ ، فكان حتماً أشدّ ضرراً .
ثمّ إنّ الحاكم قدوة لرعيّته ، فإنْ ظلم تظالموا ، وإنْ شذّ عن الحقّ شاع فيهم الباطل . يقول الأفوه الأودي الشاعر الجاهلي :
لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم      ولا سـراة إذا جهـالهـم سـادوا
ولا جهل أكثر من اتّباع الهوى دون الحقّ ، فيُؤدّي إلى الضلال الذي يعمّ الناس إذا أصاب حكّامهم .
ونذّكر بقول الله تعالى : ( يَا دَاوُدُ إِنّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ الناس بِالحقّ وَلاَ تَتّبِعِ الْهَوَى‏ فَيُضِلّكَ عَن سَبِيلِ اللّهِ )(1) .
فإذا كان الأمر كذلك ، فكيف يقبلونه رأساً على عقب ، فيعظّمون ظلم الرعيّة ، ويتصاغرون بظلم السلطان وإنْ جلد الظهور وأخذ الأموال وضرب الأبشار ، بل يبلغون المدى مثل الباقلاني القائل : وإنْ عطّلوا الحدود واستأثروا بالفيء ، وقتلوا النفس المحرّمة . 
ثمّ ألمْ يقل عثمان : إنّ الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن . وفيه دليل على مدى خطورة منصب الحكم وآثاره .
ومن غريب تناقضهم كذلك ما زعمه قائلهم ابن قتيبة من تلك التفرقة ، بينما هو يذكر(2) : لا بدّ للناس من وزعة يريد سلطاناً يزعهم عن التظالم
ـــــــــــــــ
(1) سورة ص / 26 .
(2) تأويل مختلف الحديث ، مرجع سابق / 105 .
________________________________________
الصفحة (332)
والباطل وسفك الدماء وأخذ الأموال بغير حقّ . فإذا كان مبرّر وجوده أصلاً منع التظالم على الوجوه التي ذكرها ، فكيف إذا أتى هو ذاته بها ؟
وقد تناول هذه المسألة تحديداً ابن خلدون ، فذكر(1) :
ب ـ ذُكر على لسان الموبذان الفارسي : إنّ الملك لا يتمّ عزّه إلاّ بالشريعة ، والقيام لله بطاعته والتصرف تحت أمره ونهيه ، ولا قوام للشريعة إلاّ بالملك ، ولا عزّ للملك إلاّ بالرجال ، ولا قوام للرجال إلاّ بالمال ، ولا سبيل إلى المال إلاّ بالعمارة ، ولا سبيل للعمارة إلاّ بالعدل ، والعدل الميزان المنصوب بين الخليفة نصبّه الربّ ، وجعل له قيّماً وهو الملك .
ت ـ الظلم مخرّب للعمران ، وأنّ عائدة الخراب في العمران على الدولة بالفساد والانتقاض .
ث ـ واعلم أنّ هذه هي الحكمة المقصودة للشارع في تحريم الظلم ، وهو ما ينشأ عنه من فساد العمران وخرابه ، وذلك مؤذن بانقطاع النوع البشري وهي الحكمة العامّة المراعاة للشرع ، في جميع مقاصده الضروريّة الخمسة من حفظ : الدين والنفس والعقل والنسل والمال . فلمّا كان الظلم كما رأيت مؤذناً بانقطاع النوع لمَا أدّى إليه من تخريب العمران ، كانت حكمة الحظر فيه موجودة ، فكان تحرّيه مهمّاً وأدلته من القرآن والسنّة كثيرة أكثر من أنْ يأخذها قانون الضبط والحصر .
* * *
فلمّا كان قصد الشارع متعلّقاً تعلّقاً حتميّاً بالعدل ، وأنّ الظلم مفوّت بالضرورة لهذا القصد ، وباتّباع قاعدة أخفّ الضررين ، كان الأخذ على يد الظالم وأطره على الحقّ أطراً وإلاّ خلعه أمراً وجوبيّاً .
ـــــــــــــــ
(1) المقدّمة ، مرجع سابق / 240 .
________________________________________
الصفحة (333)
وممّن فطن إلى هذا الماوردي الذي جعل الجرح في عدالة الإمام مخرجاً له من الإمامة ، لمّا عدّه فسقاً لا تجوز معه الإمامة . فقال(1) : فهذا فسق يمنع من انعقاد الإمامة ومن استدامتها ، فإذا طرأ على من انعقدت إمامته خرج منها ، فلو عاد إلى العدالة لمْ يعد إلى الإمامة إلاّ بعقد جديد .
وهذا أيضاً ابن قيم الجوزية الذي رفض فكرة تخصيص السلطان واستثنائه من عموم عدم الطاعة في المعصية ، فذكر أحاديث رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : (( إنّما الطاعة في المعروف )) . (( لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق )) . (( مَن أمركم منهم بمعصية الله فلا تطيعوه )) . وعلّق على ذلك بقوله(2) : فهذه فتوى عامّة لكلّ من أمره أمير بمعصية الله كائناً مَن كان ، ولا تخصيص فيها البتّة .
10 ـ وبرّروا عدم الخروج بسبب أنّه يصاحبه فتنة هوجاء .
والحقّ أنّ الحقيقة السابقة التي أوجزها ابن خلدون في قوله : الظلم مؤذن بخراب العمران . ترد على ذلك الزعم ، فهي تلخّص استقراء وقائع التاريخ ، والنظر في أحوال الاُمم والملوك ، وهو ما أكدته من قبل أدّلة القرآن والسنّة ، فليست هناك فتنة أشدّ من الخراب على يد الظالمين ، وليست هناك فتنة أشدّ من تعطيل أحكام الشرع واتّباع الهوى دون العدل .
إنّ الحاكم الظالم بما هو كذلك لا يرعوي عن إتيان كلّ منكر نزل الشرع لمنعه ، والمسلم مطالب أساساً بالتمكين لإقامة دين الله في الأرض ، وليس المقصود بحال هو مجرّد عيش الجماعة في ظلّ سلطان كيفما اتّفق ، وإلاّ لكان من الممكن أنْ يعيش المسلمون الأوائل بعقيدتهم الجديدة في ظلّ السيادة
ـــــــــــــــ
(1) الأحكام السلطانيّة ، مرجع سابق / 19 .
(2) أعلام الموقعين 4 / 400 ـ بيروت ـ  المكتبة العصريّة / 1987 م .
________________________________________
الصفحة (334)
القرشيّة الجاهليّة ، وكان من الممكن كذلك أنْ يمارسوا شعائرهم دون تعرّض من أحد ، ولكن المشكل كان يكمن في سيادة نظام يحكم الناس بالعدل وفق المقرّرات الإلهيّة وليس وفق تصورات وأهواء البشر .
والحكم الظالم يدفع الناس دفعاً للوقوع في حبائل الفتنة ، فتنة التعرّض للأذى في النفس والبدن والمال والعرض ، وفتنة النفاق وفتنة فقدان المروءة ، وفتنة الانطواء على الضيم ، وفتنة الانكفاء على الذات طلباً للنجاة الفرديّة ، وفتنة الركون إلى الظالمين ، ثمّ تكون العاقبة لذلك كلّه فتنة التعرّض للغضب الإلهي .
يقول الله تعالى : ( وَاتّقُوا فِتْنَةً لاَ تُصِيبَنّ الذينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خاصّة وَاعْلَمُوا أَنّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ )(1) .
ويفسّر سيّد قطب هذه الآية بقوله(2) : والفتنة ، الابتلاء أو البلاء  ، والجماعة التي تمسح لفريق منها بالظلم في صورة من صوره ـ وأظلم الظلم نبذ شريعة الله ومنهجه في الحياة ـ ولا تقف في وجه الظالمين , ولا تأخذ الطريق على المفسدين ، جماعة تستحقّ أنْ تؤخذ بجريرة الظالمين المفسدين . فالإسلام منهج تكافلي إيجابي لا يسمح أنْ يقعد القاعدون عن الظلم والفساد والمنكر يشيع ـ فضلاً على أنْ يروا دين الله لا يُتّبع ، بل أنْ يروا اُلوهيّة الله تنكر وتقوم اُلوهيّة العبيد مقامها ـ وهم ساكتون , ثمّ هم بعد ذلك يرجون أنْ يخرجهم الله من الفتنة ؛ لأنّهم هم في ذاتهم صالحون طيّبون .
ـــــــــــــــ
(1) سورة الأنفال / 25 .
(2) في ضلال القرآن ، مرجع سابق 3 / 1496 .
________________________________________
الصفحة (335)
وبعد ، فللمرء أنْ يتساءل أيّ فتنة أشدّ على مجتمع يشيع فيه الظلم ، وتستحلّ الحرمات وتنتهك المحارم ، ولا يستشعر فيه أمن ؟ أيُرجى من مثل هذا المجتمع خير ؟ أيرجى خير من مجتمع تسلّط عليه معاوية وزبانيّته وعلى رأسهم جلاّده زياد بن سميّة ، وقد كان شعار الناس يومئذ : انجُ سعد ، فقد هلك سعيد .
وقد رأيت كيف شرط معاوية على حجر وأصحابه ليستبقيهم أنْ يلعنوا عليّ بن أبي طالب (ع) ، فلمّا أبوا ضرب أعناقهم .
أمْ يُرجى خير من مجتمع تسلّط عليه يزيد بن معاوية الذي قتل خيار الاُمّة واستبقى شرارها ، واجتثّ عترة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) حتّى قال القائل :
سمية أمسى نسلها عدد الحصى        وبنـت رسول الله ليس لها نسل
وعندما أراد سفّاحه ابن عقبة من أهل المدينة أنْ يُبايعوا يزيد على أنّهم خول ( عبيد ) له ، قالوا : نُبايعك على كتاب الله وسنّة رسوله ، ضرب أعناقهم .
ومن بعد ، ترى عبد الملك بن مروان بن الحكم(1) يقول : لا أجد أحداً بعد مقامي هذا يقول : اتّق الله ، إلاّ ضربت عنقه .
11 ـ وأخيراً نُورد حديث جابر بن عبد الله ، رواه الحاكم في مستدركه وهو يكاد يكون بذات ألفاظ حديث حذيفة ، إلاّ أنّه ذو مفهوم مُغاير :
ـــــــــــــــ
(1) عبد الملك قائل هذا ، ترى ابن العربي يمتدحه في العواصم من القواصم ، مرجع سابق / 236 . وكذلك يمتدحه محققّ الكتاب محيي الدين الخطيب ، وينسب له مروءة وفتوى وقضاء ، بينما يكفّره أبوبكر الجصاص بقوله : ولمْ يكن في العرب ولا آل مروان أظلم ولا أكفر ولا أفجر من عبد الملك ، ولمْ يكن في عمّاله أكفر ولا أظلم ولا أفجر من الحجّاج ، وكان عبد الملك أوّل من قطع ألسنة الناس في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . أحكام القرآن ، مرجع سابق 1 / 87 .
________________________________________
الصفحة (336)
عن جابر بن عبد الله أنّ النبي (صلّى الله عليه وآله) قال لكعب بن عجرة : (( أعاذك الله يا كعب بن عجرة من إمارة السفهاء )) . قال : وما إمارة السفهاء ؟ قال (ص) : (( اُمراء يكونون من بعدي لا يهتدون بهديي ، ولا يستنّون بسنّتي ، فمن صدقهم بكذبهم وأعانهم على ظلمهم فأولئك ليسوا منّي ولست منهم ، ولا يردون عليّ حوضي ، ومَن لمْ يصدّقهم بكذبهم ولمْ يعنهم على ظلمهم ، فأولئك منّي وأنا منهم وسيردون عليّ حوضي . يا كعب بن عجرة ، الصوم جنّة ، والصدقة تُطفئ الخطيئة ، والصلاة قُربان أو برهان )) .
* * *
لِمَ كان الخلاف في حكّام الجور ؟
إنّ هذا الخلاف في الواقع ليس مقصوراً على هذه المسألة بذاتها ، وإنّما هو يعمّ كثيراً من المسائل الفقهيّة . فأنت تجد لمسألة بعينها إجابات متعدّدة وليست إجابة واحدة مغنية ، وكلّ إجابة تستند إلى دليلها ، وجلّ الأدلة مرجعها إلى أخبار الآحاد المنسوبة إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) .
وهذه الأخبار(1) تجد فيها الكثير المتناقض(2) ، وكذلك المناقض لأصول قطعيّة على ما رأينا من قبل .
ومرجع ذلك كلّه إلى سبب أوّل ، وهو عدم كتابة الحديث منذ البداية ، وهنا أيضاً تجد الاختلاف في الحديث :
ـــــــــــــــ
(1) توجد فتوى للأزهر بتاريخ 1 / 2 / 1990 تقول بعسر إثبات المتواتر ، وكذلك بعدم يقينيّة أحاديث الآحاد ، سواء ما جاء في الصحيحين أو غيرهما .
(2) إذا رجعت إلى محاولات التوفيق بين الأحاديث المتناقضة كما فعل ابن قتيبة في ( تأويل مختلف الحديث ) لهالك منها التافت الشديد الذي لا يُقنع أحداً ، فيه قال ابن الصلاح ـ في مقدمته ، مرجع سابق / 478 ـ : إنّه ـ ابن قتيبة ـ أساء في أشياء منه قصر باعه فيها .
________________________________________
الصفحة (337)
فقد أخرج مسلم في صحيحه عن أبي سعيد الخدري أنّ النبي (صلّى الله عليه وآله) قال : لا تكتبوا عنّي شيئاً إلاّ القرآن ، ومَن كتب عنّي شيئاً غير القرآن فليمحه .
بينما أخرج البخاري وكذلك مسلم في صحيحيهما ، وأبو داود والنسائي وابن ماجة حديث رسول الله (صلّى الله عليه وآله) الذي أجاز الكتابة لأبي شاه اليمني ، عندما التمس من رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أنْ يكتب عنه من خطبته عام فتح مكّة ، فقال : اكتبوا لأبي شاه .
وقد جمع السراج البلقيني(1) الأحاديث الواردة في إباحة الكتابة حتّى لا يدّعي أحد أنّ حديث أبي شاه واقعة عين ، ونذكر منها حديث عبد الله بن عمرو قال ، قلت : يا رسول الله ، اكتب ما أسمعه منك ؟ قال (ص) : نعم . قلت : في الغضب والرضا ؟ قال (ص) : نعم , فإني لا أقول إلاّ حقّاً.
وقد قالوا(2) في ذلك : إنّ حديث الإباحة ناسخ لحديث المنع ، لمّا كثرت الأحداث والأحاديث وخِيف عليها الفوت . ولكن لا يُحتجّ بقول ابن قتيبة : إنّ ذلك اختصّ به عبد الله بن عمرو . لأنّك رأيت أنّ الرسول أجاز الكتابة لغيره كأبي شاه . وكذلك لا يُحتجّ بالرّأي الشائع ، ذكره ابن الصلاح(3) : نهى عن كتابة ذلك عنه حين خاف عليهم اختلاط ذلك بصحف القرآن العظيم .
فهذا الرأي مردود بقول الله تعالى : ( إِنّا نَحْنُ نَزّلْنَا الذّكْرَ وَإِنّا لَهُ لَحَافِظُونَ )(4) . ثمّ إنّ هذا الرأي فيه تنقّص للقرآن ـ حاشا لله ـ ؛ ذلك أنّ أحد وجوه إعجاز القرآن
ـــــــــــــــ
(1) محاسن الاصطلاح على هامش مقدّمة ابن الصلاح ، مرجع سابق / 364 .
(2) تأويل مختلف الحديث ، مرجع سابق / 191 .
(3) مقدمة ابن الصلاح ، مرجع سابق / 367 .
(4) سورة الحجر / 9 .
________________________________________
الصفحة (338)
بيانه ، وقد تحدّى الله تعالى أنْ يأتي أحد بآية من مثله ، فكيف يزعم زاعم أنّ مثله شيء حتّى يُخاف عليه الاختلاط ؟
فإذا كان الحديث قد أُبيحت كتابته ، ولو في آخر الأمر ، ولكن في وجود رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، فالسؤال لا يزال مطروحاً : لِمَ لمْ يُجمع ويُكتب في الصدر الأوّل ؟
ولو أنّ ذلك حدث ، ولو بعد الفراغ من جمع القرآن ، لأزال عنّا حرجاً شديداً وقعت فيه الاُمّة واختلفت ولا تزال تعاني آثاره حتّى اليوم .
ولو أنّه جُمع بعد الفراغ من جمع القرآن في عهد أبي بكر ، لمَا كان هناك مساغ للقول بالخوف من اختلاط الحديث بالقرآن .
ولو أنّه جمع في وجود جلّ الصحابة يومئذ ، لتوفّرت شروط فرزه وتصحيحه تلقائيّاً ، كما حدث في كشف تدليس أبي هريرة في رواية حديث الجنابة ، وكما حدث في ردّ عائشة لحديث تعذيب الميّت ببكاء أهله .
ولو أنّه جُمع في هذا العهد المبكّر لمَا وكلّ إلى الذاكرة ، وبالتالي لمَا تسربت إليه كلّ عوامل الضعف ، ولمَا احتيج لإثبات صحّته إلى إثبات عدالة الرواة ، بينما الذي يحكم بتعديل وجرح الرجال ـ هم بعد ـ رجال من الرجال .
ولو أحكم منذ البدء لمَا وجد الوضّاعون ثغرةً ينفذون منها إليه ، ولمَا وجد أصحاب الزهد المزعوم مجالاً للتقوّل كذباً على رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، وهم يبجحون أنّهم ما فعلوا ذلك إلاّ احتساباً لله بزعمهم ، أو كذباً له وليس عليه بإفكهم تحريفاً لكلم رسول الله (ص) عن مواضعه ، إذ يقول : (( مَن كذب عليّ فليتبوّأ مقعده من النار )) . فيقولون : نحن نُكذّب له لا عليه , يذكر ابن الصلاح(1) .
ـــــــــــــــ
(1) المرجع السابق / 279 .
________________________________________
الصفحة (339)
والوضّاعون للحديث أصناف , وأعظمهم ضرراً قوم من المنسوبين إلى الزهد ، وضعوا الأحاديث احتساباً فيما زعموا ، فتقبّل الناس موضوعاتهم ثقةً منهم بهم وركنوا إليهم .
وآخرون تسلّلوا إلى القرآن فوضعوا الأحاديث في تفسيره بادّعاء الحسبة كذلك ، مثلما فعل نوح بن أبي مريم وقد قيل له : من أين لك عن عكرمة عن ابن عبّاس في فضائل القرآن سورة سورة ؟ فقال : إنّي رأيت الناس قد أعرضوا عن القرآن ، واشتغلوا بفقه أبي حنيفة ومغازي ابن إسحاق ، فوُضعت هذه الأحاديث حسبةً .
على أنّنا في بحثنا عن إجابة مقنعة لسؤالنا عن أسباب عدم كتابة الحديث ، وجدنا ما هو أشدّ خطراً بما يجعل المسألة أكثر غموضاً ، ذلك أنّا وجدنا الخلفاء الثلاثة : أبا بكر وعمر وعثمان لا يقفون عند عدم كتابة الحديث ، بل يتعدّون ذلك إلى الترغيب في عدم رواية الحديث ، بل كادوا يمنعونه منعاً .
يروي الذهبي في تذكرة الحفاظ ، عن أبي مليكة قوله : إنّ الصديق جمع الناس بعد وفاة نبيّهم ، فقال : إنّكم تُحدّثون عن رسول الله (ص) أحاديث تختلفون فيها ، والناس بعدكم أشدّ اختلافاً ، فلا تُحدّثوا عن رسول الله (ص) شيئاً ، فمَن سألكم فقولوا : بيننا وبينكم كتاب الله فاستحلّوا حلاله ، وحرّموا حرامه .
ويذكر الطبري(1) : أنّ عمر كان إذا استعمل العمّال ، خرج يشيّعهم فيقول لهم فيما يقول : جرّدوا القرآن ، وأقلّوا الرواية عن محمّد (صلّى الله عليه وآله) ، وأنا شريككم .
ـــــــــــــــ
(1) تاريخ الطبري ، مرجع سابق 4 / 204 .
________________________________________
الصفحة (340)
وذكر ابن عبد البرّ عن قرظة بن كعب قال(1) ، قال عمر : إنّكم تأتون أهل قرية لها دويّ بالقرآن كدويّ النحل ، فلا تصدّوهم بالأحاديث لتشغلوهم ، جرّدوا القرآن وأقلّوا الرواية عن رسول الله (ص) ، وأنا شريككم . فلمّا قدم قرظة قالوا : حدّثنا . فقال : نهانا عمر .
وتابع عثمان أبا بكر وعمر في تقليص الرواية عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) حتّى كان يقول ـ فيما يذكر ابن سعد وابن عساكر عن محمود بن لبيد ـ : سمعت عثمان بن عفّان على المنبر ، يقول : لا يحلّ لأحد يروي حديثاً لمْ يُسمع به في عهد أبي بكر ولا في عهد عمر .
وعلى العكس من ذلك تماماً كان موقف عليّ (ع) الذي أباح وكتب وروى الحديث , وقد ذكر ابن الصلاح عنه ذلك(2) . وجاء في طبقات ابن سعد : عن محمّد بن عمر بن عليّ بن أبي طالب (ع) قال ، قِيل لعليّ (ع) : مالك أكثر أصحاب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) حديثاً ؟ فقال (ع) : (( إنّي كنت إذا سألته أنبأني ، وإذا سكت ابتدأني )) .
وذكر الحاكم(3) ـ وقال : على شرط الشيخين ـ أنّ عليّاً (ع) قال : (( تذاكروا الحديث , فإنّكم إلاّ تفعلوا يندرس )) .
وروى الحاكم كذلك عن عبد الله بن مسعود قوله : (( تذاكروا الحديث ، فإنّ ذكر الحديث حياته )) .
وهنا يجب التوقّف طويلاً لفهم دوافع الخلفاء الثلاثة في موقفهم ذاك ، من رواية حديث رسول الله (صلّى الله عليه وآله) .
ـــــــــــــــ
(1) الحاكم النيسابوري ، المستدرك  1 / 102 ـ بيروت ـ دار المعرفة ، ب ، ت .
(2) مقدّمة ابن الصلاح ، مرجع سابق / 204 .
(3) المستدرك ، مرجع سابق 4 / 95 .
________________________________________
الصفحة (341)
وللمرء أنْ يتساءل : ألمْ يعلموا بحديث رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : (( نضر الله عبداً سمع مقالتي فوعاها ثمّ بلّغها عنّي , فربّ حامل فقه غير فقيه ، وربّ حامل فقه إلى مَن هو أفقه منه )) . رواه أحمد وابن ماجة .
وفي رواية البخاري في حجة الوداع ، قول الرسول (صلّى الله عليه وآله) : (( ليبلّغ الشاهد الغائب ، فإنّ الشاهد عسى أنْ يبلّغ مَن هو أوعى له منه )) .
وكيف يُفعل بحديث رسول الله (ص) ـ رواه الحاكم ، وقال : صحيح على شرط الشيخين ـ : (( مَن سُئل عن علم فكتمه جِيء به يوم القيامة ، وقد أُلجم بلجام من نار )) . فهل يُغني عن قرظة يومئذ قوله لسائليه الحديث ـ أوردناه من قبل ـ : نهانا عمر ، أم ينهض لعمر ذاته عذر لهذا النهي ؟
وكيف يقول أبوبكر : فلا تُحدّثوا عن رسول الله (ص) شيئاً ، فمَن سألكم فقولوا : بيننا وبينكم كتاب الله ، فاستحلّوا حلاله ، وحرّموا حرامه . وقد قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ـ فيما رواه الحاكم عن المقدام بن معد يكرب ـ : يُوشك أنْ يقعد الرجل منكم على أريكته يُحدّث بحديثي ، فيقول بيني وبينكم كتاب الله ، فما وجدنا فيه حلالاً استحللناه ، وما وجدنا فيه حراماً حرّمناه ، وإنّما حرّم رسول الله كما حرّم الله .
إنّنا لكي يُمكننا فهم أبعاد هذا المشكل المُحير ، فلا بدّ من العودة إلى استحضار السياق الذي عبّر فيه الخلفاء الثلاثة عن رغبتهم ، في عدم تداول حديث رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، ثمّ استظهار الملابسات الدقيقة المباطنة لتلك الرغبة ، وإنّنا ـ وقد فعلنا ـ نقف عند الحوادث التالية التي نرى أنّها فارقة في تحديد وفرز المواقف :
أ ـ أخطر هذه الأحاديث جميعاً موقف الصحابة ـ خاصّة عمر ـ وهم حول الرسول (صلّى الله عليه وآله) في بيته ، وهو في آخر لحظات عهده بالدنيا . ولنستحضر معاً هذا
________________________________________
الصفحة (342)
المشهد ـ الذي يرويه لنا البخاري في صحيحه ـ عن ابن عبّاس قوله : لمّا اشتدّ بالنبيّ (صلّى الله عليه وآله) وجعه ، قال : (( ائتوني بكتاب أكتب لكم كتاباً لا تضلّوا بعده )) . قال عمر : إنّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله) غلبه الوجع ، وعندنا كتاب الله حسبنا . فاختلفوا وكثر اللغط ، قال (ص) : (( قوموا عنّي ولا ينبغي عندي التنازع )) . فخرج ابن عبّاس يقول : إنّ الرزيّة كلّ الرزيّة ما حال بين رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وبين كتابه !
وفي رواية للبخاري ، بدلاً من غلبه الوجع ، قالوا : ماله أهَجَرَ !
وفي رواية لمسلم وأحمد : ما شأنه أهَجَرَ !
[ ومعنى ] الهُجر والهَجر : الهَذيان(1) .
ولأوّل وهلة ، لا شكّ أنّه يهولك كما يهولنا ، وكما يهول كلّ مسلم تلك الجرأة ، وذلك التطاول من عمر أو من غيره حتّى ليصف رسول الله (صلّى الله عليه وآله) المعصوم بأنّه يهذي !
وكيف يغالب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) على شيء أراده ؟ وكيف يُمنع رسول الله (صلّى الله عليه وآله) من إصدار أمر ، بينما نحن مأمورون بطاعته على كلّ حال ؟
وبأيّ مبرّر شرعي يُستبعد كتاب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) الذي لا ينطق عن الهوى بادّعاء عمر : ( حسبنا كتاب الله ) . 
وهل عمر أكثر تحوّطاً واحترازاً لهذه الاُمّة من الله عزّ وجلّ ؟ حاشا لله ، لو شاء الله الذي أحاط كلّ شيء علماً ما ترك رسوله (صلّى الله عليه وآله) حتّى يقبل على أمر ليس بحقّ .
ـــــــــــــــ
(1) قال الله تعالى : ( مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِراً تَهْجُرُونَ ) . سورة المؤمنون / 67 . 
قال الفرّاء : تهجُرون ، جعل من قولك : هجر الرجل في منامه ، إذا هذى . وعن إبراهيم أنّه قال في قوله عزّ وجلّ : ( إِنّ قَوْمِي اتّخَذُوا هذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً ) ـ سورة الفرقان / 30 ـ قال : قالوا فيه غير الحقّ ، ألمْ ترَ إلى المريض إذا هجر قال غير الحقّ ؟! وقال مجاهد نحوه . انظر لسان العرب ، مرجع سابق 5 / 253 .
________________________________________
الصفحة (343)
ثمّ لماذا أمضوا طلب رسول الله (ص) في ذات المرض ، بتقديم أبي بكر لإمامة الصلاة ـ وإنْ لم تتم ـ ولمْ يمضوا أمره بالكتاب ؟ إنْ ذلك يُوحي بأنّ وراء تلك الانتقائيّة في طاعة الأوامر شيئاً ما ، ربّما كشف عن استتاره ما حدث من بعد من احتجاج البعض بأحقيّة أبي بكر في أسبقيّة خلافة الرسول (صلّى الله عليه وآله) استناداً إلى تلك الواقعة !
وربّما يكشف عنه أيضاً ـ ممّا يدخل في الانتقاء ـ تلكّؤهم في تنفيذ أمر الرسول (صلّى الله عليه وآله) ببعث جيش أسامة ، بعد أنْ نازعوا الرسول في أمر إمارة الجيش حتّى أغضب عمر الرسولَ (صلّى الله عليه وآله) في ذات المرض أيضاً ، ثمّ إصرارهم ـ وفيهم أبوبكر وعمر ـ على التربّص بالمدينة رغم غضب الرسول (صلّى الله عليه وآله) ، وعدم تنفيذ الأمر حتّى توفّي الرسول (صلّى الله عليه وآله) وتولّى الأمر أبو بكر ، وحينئذ فقط أنفذ جيش أسامة .
إنّها حقّاً ـ كما قال ابن عبّاس ـ مصيبة المصائب .
إذاً لمْ يكن منع الحديث في عهود الخلفاء الثلاثة ، وإنّما كان له شاهد في اُخريات أيّام رسول الله (صلّى الله عليه وآله) .
ب ـ ولكن إذا عدنا إلى الوراء قليلاً ، لوجدنا أنّ الرغبة في منع توثيق الحديث تمتدّ إلى تلك الفترة أيضاً ، وأنّ المنع أتى من قريش .
يروي أبو داود والدارمي والحاكم في مستدركه ، عن عبد الله بن عمرو قوله : كنت أكتب كلّ شيء أسمعه من رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وأريد حفظه , فنهتني قريش وقالوا : تكتب كلّ شيء تسمعه من رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، ورسول الله (صلّى الله عليه وآله) بشر يتكلّم في الرضا والغضب . قال : فأمسكت , فذكرت ذلك لرسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، فقال (ص) : (( اكتب ، فوالذي نفسي بيده ما خرج منه إلاّ حقّ )) . وأشار بيده إلى فيه . ونتوقف هنا عند قول : فنهتني قريش .
________________________________________
الصفحة (344)
فمَن هي قريش تلك التي تنهى ؟ لقد كانوا جميعاً بالمدينة مهاجرين وأنصار ، فلمَ نهت قريش بالذات عن الكتابة دون بقية المهاجرين والأنصار؟
لا بدّ إذاً أنْ يكون المعانعون هم وجهاء المهاجرين المعبّر عنهم بقريش , ويُؤيّد ذلك ما حدث من بعد احتجاج أبي بكر وعمر في اجتماع السقيفة : إنّ هذا الأمر في هذا الحيّ من قريش .
ولكن يخرج من هؤلاء بالضرورة عليّ بن أبي طالب (ع) ، ذلك أنّه كان يكتب أيضاً ، ولو بدليل الصحيفة التي كانت لديه ـ وذكرها البخاري ومسلم في صحيحيهما ـ ، فلا يُعقل أنْ يكتب عليّ (ع) وينهى غيره عن الكتابة . وكيف ينهى هؤلاء عن شيء ، أو يأمرون به هكذا من تلقاء أنفسهم ، وفيهم رسول الله (صلّى الله عليه وآله) حيّ ؟ ألمْ يكن أولى بهم أنْ يسألوا رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ؟
لا بدّ إذاً أنهم استشعروا في أنفسهم مكانة خاصّة ، ظنّوا أنّها تُبيح لهم الإجازة والمنع دون الرسول (صلّى الله عليه وآله) , ومن ظنّ من نفسه ذلك ، سهل عليه ظنّ غيره الكثير .
فإذا لمْ يكن لديهم مثل ذلك الظنّ بأنفسهم ، فهل تعاقدوا على أنْ يقضوا ذلك بينهم ، ظانين أنّ الرسول (صلّى الله عليه وآله) لا يطّلع عليه ؟
ثمّ إنّهم لمْ يحتجّوا بحديث رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في المنع ـ حسبما ذكر ـ حتّى يُمكن أنْ يعذروا ، بل برّروا منعهم بكبير قول خرج من أفواههم ، بأنْ جوّزوا قول غير الحقّ على رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في حال الغضب ، فيردّ الرسول (صلّى الله عليه وآله) قولهم ذاك بأنّه لا ينطق إلاّ حقّاً , فما قدروا الرسول (صلّى الله عليه وآله) ذا العصمة حقّ قدره .
ج ـ وقد شاع بين الناس أنّ عمر حبس في المدينة كبار الصحابة استئثاراً بمشورتهم ، بينما رأى آخرون أنّه حبسهم خوف الافتتان بهم في البلاد المفتوحة ، وخوف الفتنة عليهم أنفسهم .
________________________________________
الصفحة (345)
يقول طه حسين(1) : فأمّا حقيقة الأمر ، فهو أنّه كان يُخاف على أكابر أصحاب النبيّ من أنْ يفتتنوا أو يفتنوا الناس , ولذلك لمْ يولّهم الأمصار .
ولكن حقيقة هذه الفتنة التي ادرّع لها عمر بحبسه بعض الصحابة ، لها وجه آخر بعضه ألاّ يرووا الحديث في الآفاق . يذكر ابن العربي(2) : رُوي أنّ عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) حبس ابن مسعود في نفر من الصحابة سنةً بالمدينة حتّى استُشهد ، فأطلقهم عثمان , وكان سجنهم ؛ لأنّ القوم أكثروا الحديث عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) .
وأنت إنْ ناقشت الأمر في ظاهره لساءلت نفسك : ما الضرر من رواية حديث رسول الله (صلّى الله عليه وآله) والإكثار منه ؟ الأمر البادي أنّه لا يخرج عن وجهين : إمّا احتمال الكذب على رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، وهو ما لا يقرّ في حقّ مثل ابن مسعود وصحبه , وإمّا مخافة الوهم أو النسيان أو الخطأ غير المتعمد .
ولكن بافتراض إمكان وقوع الاحتمالين : الكذب والخطأ ، فإنّه يردّه وجود الضابط يومئذ المتمثّل في وجود بقيّة الصحابة ، وهو ما كان متاحاً ساعتها فقط ، فما كان كذباً أو تدليساً كحديث أبي هريرة ، كُشف من فوره ، وما كان يُمكن أنْ يخطئ فيه أحدهم كان الآخر له مرجعاً .
لذلك فإنّ الإكثار في رواية الحديث يومئذ كان يُحققّ مصلحة وفائدة كبرى فاتت على الاُمّة إلى الأبد ، فإنْ فشو الحديث بين الناس وعرضه عليهم كان كفيلاً بتنقيته منذ البداية ، فلا يصحّ إلاّ الصحيح في النهاية .
ـــــــــــــــ
(1) الخلفاء الراشدون ، مرجع سابق / 174 .
(2) العواصم والقواصم ، مرجع سابق / 87 .
________________________________________
الصفحة (346)
وسؤال آخر يطرح نفسه : لماذا لمْ يطبّق ذات المنهج الذي اُتبع في جمع القرآن وتوحيد نسخه على الحديث ؟
ولو اُتبع ذلك ، لقضي على اختلاف هذه الأمّة إلى يوم البعث .
إذاً كان الأوجب إفشاء الحديث وتوثيقه قدر الطاقة في حياة الصحابة ، وهم جماعة وقبل أن يتناقصوا بالوفاة ، فيختلف الناس دون أنْ يجدوا مرجعاً . ولمثل هذا حذّر رسول الله (صلّى الله عليه وآله) . قال عبد الله بن عمرو ـ فيما أخرجه البخاري ـ : سمعت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، يقول : (( إنّ الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من العباد ، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء )) . 
ولمثل هذا نظر عمر بن عبد العزيز ـ فيما أخرجه البخاري ـ كتب عمر بن عبد العزيز إلى أبي بكر بن حزم : انظر ما كان من حديث رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فاكتبه ، فإنّي خفت دروس العلم وذهاب العلماء ، ولا تقبل إلاّ حديث النبيّ (صلّى الله عليه وآله) ، ولتفشوا العلم ، ولتجلسوا حتّى يعلم مَن لا يعلم ، فإنّ العلم لا يُهلك حتّى يكون سرّاً .
ومثل ذلك أيضاً فعله ابن عبّاس ـ فيما أخرجه الحاكم وقال : على شرط البخاري . وقال : هو أصل في طلب الحديث وتوقير المحدّث ـ فقد قال : لمّا قُبض رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قلت لرجل من الأنصار : هلّم فلنسأل أصحاب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فإنّهم اليوم كثير . فقال : وا عجباً لك يابن عبّاس ! أتري الناس يفتقرون إليك ، وفي الناس من أصحاب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) مَن فيهم ؟ قال : فتركت ذاك وأقبلت أسأل أصحاب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، وإنْ كان ليبلغني الحديث عن الرجل ، فآتي بابه وهو قائل ، فأتوسّد ردائي على بابه يسفي الريح عليّ من التراب ، فيخرج فيراني فيقول : يابن عمّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ما جاء بك ، هلاّ أرسلت إليّ فآتيك . فأقول : لا ، أنا أحقّ أنْ آتيك ، قال : فأسأله عن الحديث ،
________________________________________
الصفحة (347)
فعاش هذا الرجل الأنصاري حتّى رآني ، وقد اجتمع الناس حولي يسألونني ، فيقول : هذا الفتى كان أعقل منّي .
د ـ ومنع أبو ذر الغفاري ـ الذي قال فيه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : (( ما أظلّت الخضراء ولا أقلّت الغبراء من ذي لهجة أصدق من أبي ذر )) ـ من مجالسة أحد ، ومن الفتيا ومن رواية الحديث حتّى صرخ بأن ذبحه أهون عليه من كتمان حديث رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، ثمّ كان من أمره ما هو معلوم من نفيه إلى الربذة حتّى مات منفيّاً وحيداً في عهد عثمان .
يروي الدارمي في سننه : أخبرنا عبد الوهاب بن سعيد ، حدّثنا شعيب ـ هو ابن إسحاق ـ حدّثنا الأوزاعي ، حدّثني أبو كثير حدّثني أبي قال : أتيت أبا ذر ، وهو جالس عند الجمرة الوسطى ، وقد اجتمع الناس عليه يستفتونه ، فأتاه رجل فوقف عليه ، ثمّ قال : ألمْ تنه عن الفتيا ؟ فرفع رأسه إليه ، فقال : أرقيب أنت عليّ ؟ [ لو وضعتم الصمصامة على هذه ـ وأشار إلى قفاه ـ ثمّ ظننت أنّي أنفذ كلمةً سمعتها من رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قبل أنْ تجيزوا علي لأنفذتها ](1) .
* * *
نلخص إذاً ممّا سبق إلى أنّ الاتّجاه الذي قاده الخلفاء الثلاث لمنع كتابة ورواية وانتشار حديث رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، لمْ يكن ذا سند من نصّ شرّع لهم ، بل جاء مخالفاً للنصوص ومغالباً لإرادة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، بما تسقط معه أيّة دعوى للاحتجاج بالاجتهاد .
ولكن لماذا ؟
إنّ هناك حادثتين أخريين نظنّ أنّهما كفيلتان بالإجابة على هذا السؤال :
ـــــــــــــــ
(1) الكلام الموضوع بين المعكوفتين أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب العلم .
________________________________________
الصفحة (348)
فأمّا أوّلهما ، فنقرأ تفاصيلها في المحاورة التالية التي جرت بين عمر بن الخطاب وعبد الله بن عبّاس(1) :
عمر : يابن عبّاس ، أتدري ما منع قومكم منكم بعد مُحمّد (ص) ؟
ابن عبّاس : فكرهت أنْ أجيبه ، فقلت : إنْ لمْ أكن أدري ، فأمير المؤمنين يُدريني .
عمر : كرهوا أنْ يجمعوا لكم النبوّة والخلافة ، فتبجحوا على قومكم بجحاً بجحاً ، فاختارت قريش لنفسها فأصابت ووفقت .
ابن عبّاس : يا أمير المؤمنين ، إن تأذن لي في الكلام وتمط عنّي الغضب تكلّمت .
عمر : تكلّم يابن عبّاس .
ابن عبّاس : أمّا قولك يا أمير المؤمنين ، اختارت قريش لأنفسها فأصابت ووفقت ، فلو أنّ قريشاً اختارت لأنفسها حيث اختار الله عزّ وجلّ لها ، لكان الصواب بيدها غير مردود ولا محسود .
وأمّا قولك : إنّهم كرهوا أنْ تكون لنا النبوّة والخلافة ، فإنّ الله عزّ وجلّ وصف قوماً بالكراهيّة ، فقال : ( ذلِكَ بِأَنّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللّهُ فَأَحْبَطَ أعمّالَهُمْ )(2) .
عمر : هيهات والله يابن عبّاس ! وقد كانت تبلغني عنك أشياء كنت أكره أنْ اُفرّك(3) عنها ، فتزيل منزلتك منّي .
ابن عبّاس : وما هي يا أمير المؤمنين ؟
ـــــــــــــــ
(1) الطبري ، مرجع سابق 4 / 223 .
(2) سورة محمّد / 9 .
(3) في ابن الأثير : أقرك .
________________________________________
الصفحة (349)
فإنّ كانت حقّاً فما ينبغي أنْ تزيل منزلتي منك ، وإنْ كانت باطلاً فمثلي أماط الباطل عن نفسه .
عمر : بلغني أنّك تقول : إنّما صرفوها عنّا حسداً وظلماً !
ابن عبّاس : أمّا قولك يا أمير المؤمنين : ظلماً ، فقد تبيّن للجاهل والحليم , وأمّا قولك حسداً ، فإنّ إبليس حسد آدم ، فنحن ولده المحسودون .
عمر : هيهات ! أبتْ والله قلوبكم يا بني هاشم , إلاّ حسداً ما يحول وضغناً وغشّاً ما يزول .
ابن عبّاس : مهلاً يا أمير المؤمنين ، لا تصف قلوب قوم أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً بالحسد والغشّ ، فإنّ قلب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) من قلوب بني هاشم .
عمر : إليك عنّي يابن عبّاس .
ابن عبّاس : أفعل .
* * *
ولعمرك ها هنا لبّ القضيّة : اختيار الله في مقابل اختيار قريش .
فابن عبّاس يذّكر عمر بحقّ عليّ بن أبي طالب (ع) المجحود في الحلافة بالدليل النصّي عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، وبحيث تبيّن للجاهل والحليم الظلم الواقع عليه من جرّاء منعه حقّه الذي هو اختيار الله ، بينما يقول عمر باختيار قريش لنفسها .
وهنا  نكتشف السبب الذي من أجله رفض عمر الاستجابة لأمر رسول الله (ص) أنْ يأتوه بكتاب يكتب فيه كتاباً لن يضلّوا بعده . فقد سبق لرسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، أنْ قال : (( إنّي تارك فيكم ما إنْ تمسّكتم به لن تضلّوا بعدي ، أحدهما أعظم من الآخر ، كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض ، وعترتي أهل بيتي ، ولن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض ، فانظروا كيف تخلفوني فيهما )) .
________________________________________
الصفحة (350)
فقد سبق إذاً للرسول (صلّى الله عليه وآله) أنْ حدّث بالكتاب الذي لن يضلّ بعده المسلمون ، وهو ها هنا ساعة الفراق يريد تأكيد الحديث كتابةً بذات الألفاظ : كتاب لا يضلّون بعده ، فإذا بعمر بن الخطاب يمنع الرسول (ص) ممّا أراد ، بل زاد أنْ قال : إنّه (صلّى الله عليه وآله) قد هجر !
 وأمّا الحادثة الثانية ، فعند ما قال عمّار بن ياسر : لئن مات عمر لأبايعنّ عليّاً (ع) . فأثار هذا القول بشدّةٍ بالغةٍ عمر ، ونترك البخاري يروي لنا ما حدث , فقد جاء في صحيحه بكتاب الحدود عن ابن عبّاس قوله :
 كنت أقرئ رجالاً من المهاجرين منهم عبد الرّحمن بن عوف ، فبينما أنا في منزله بمنىً وهو عند عمر بن الخطّاب في آخر حجّة حجّها ، إذ رجع إليّ عبد الرّحمن ، فقال : لو رأيت رجلاً أتى أمير المؤمنين اليوم فقال : يا أمير المؤمنين ، هل لك في فلان ، يقول : لو قد مات عمر لقد بايعت فلاناً ، فوالله ، ما كانت بيعة أبي بكر إلاّ فلتةً فتمّت . فغضب عمر ، ثمّ قال : إنّي إنْ شاء الله لقائم العشيّة في الناس فمحذّرهم هؤلاء الذين يريدون أنْ يغصبوهم أمورهم . 
قال عبد الرّحمن ، فقلت : يا أمير المؤمنين ، لا تفعل فإنّ الموسم يجمع رعاع الناس وغوغاءهم , فإنّهم هم الذين يغلبون على قربك حين تقوم في الناس ، وأنا أخشى أنْ تقوم فتقول مقالةً يطيّرها عنك كلّ مطيّرٍ ، وأنْ لا يعوها وأنْ لا يضعوها على مواضعها ، فأمهل حتّى تقدّم المدينة فإنّها دار الهجرة والسنّة ، فتخلص بأهل الفقه وأشراف الناس ، فتقول ما قلت متمكّناً ، فيعي أهل العلم مقالتك ويضعونها على مواضعها . 
فقال عمر : أمَا والله ، إنْ شاء الله لأقومنّ بذلك أوّل مقام أقومه بالمدينة .
 قال ابن عبّاس فقدمنا المدينة في عقب ذي الحجّة ، فلمّا كان يوم الجمعة عجّلت الرّواح حين زاغت الشّمس حتّى أجد سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل جالساً إلى ركن المنبر ، فجلست حوله تمسّ ركبتي ركبته ، فلمْ أنشب أنْ خرج عمر بن الخطاب ، فلمّا
الصفحة (351)
رأيته مقبلاً ، قلت لسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل : ليقولنّ العشيّة مقالةً لمْ يقلها منذ استخلف . فأنكر عليّ وقال : ما عسيت أنْ يقول ما لمْ يقل قبله ؟ 
فجلس عمر على المنبر ، فلمّا سكت المؤذّنون قام فأثنى على الله بما هو أهله ، إلى أنْ قال : ثمّ إنّه بلغني أنّ قائلاً منكم يقول : والله ، لو قد مات عمر بايعت فلاناً ، فلا يغترّنّ امرؤ أنْ يقول إنّما كانت بيعة أبي بكر فلتةً وتمّت ، ألاَ وإنّها قد كانت كذلك ، ولكن والله ، وقى شرّها وليس منكم من تقطع الأعناق إليه ، مثل أبي بكر مَن بايع رجلاً عن غير مشورة من المسلمين ، فلا يبايع هو ولا الذي بايعه تغرّة أنْ يقتلا ، وإنّه قد كان من خبرنا حين توفّى الله نبيّه (صلّى الله عليه وآله) أنّ الأنصار خالفونا واجتمعوا بأسرهم في سقيفة بني ساعدة وخالف عنّا عليّ (ع) والزّبير ومَن معهما .
* * *
ولنا على قول عمر عدة ملاحظات :
ما الذي أغضب عمر إلى هذا الحدّ الذي جعله يعزم على القيام في الناس فوراً ، ولا يتمهّل ليحذّرهم من هؤلاء ـ حسب قوله ـ الذين يريدون أنْ يغصبوهم أمورهم ؟ فأيّ غصب للأمر في قول فلان : إذا مات عمر بايعت فلاناً ؟
وإذا كان منطق عمر هو اختيار قريش لنفسها في مقابل اختيار الله ، فإنّ الاتّساق المنطقي يفرض بالضرورة أنّ كلّ أحد من المسلمين ـ أو حتّى من قريش فقط بزعمهم ـ له الحقّ في ترشيح أو اختيار مَن يراه . فمَن إذاً الذي يغضب حقّ الناس ؟
يقول عمر : إنّ بيعة أبي بكر كانت فلتةً ، ثمّ يسنّ قاعدةً من عنده بعدم مبايعة مَن بايع ، ولا الذي بايع له .
________________________________________
الصفحة (352)
وبافتراض جواز الفلتة جدلاً ، فكيف أحلّ عمر لنفسه فقط تلك الفلتة وحرّمها على غيره ؟ ولا يُمكن أنْ ينهض لعمر العذر في خصوصيّة تلك الفلتة باعتبار دقّة الظرف ، فإنّ كلّ أحد يستطيع المماحكة بذات الادّعاء وخاصّةً في الظروف الدقيقة ، أو المرحلة أو اللحظة التاريخيّة المحيطة بموت كلّ إمام .
وأمّا تبريرها بتفرّد أبي بكر بما لا تقطع الأعناق إلى أحد مثله ، فهي مسألة نسبيّة ، وربما أقرب دليل على ذلك ، أنّ سعد بن عبادة كان يرى نفسه ـ ومعه الأنصار يرون ـ أنّه أحقّ بالخلافة .
كانت نصيحة عبد الرحمن لعمر ـ الذي امتثل لها ـ إنّ في الموسم : رعاع الناس وغوغاءهم ، وإنّ في المدينة أهل الفقه وأشراف الناس .
أفلست ترى هنا تلك النظرة القرشيّة المتعاليّة التي تريد أنْ تستأثر وحدها بالأمر دون مشورة عامّة المسلمين ؟ وكيف يستقيم ذلك مع قول عمر : مَن بايع رجلاً على غير مشورة من المسلمين ؟ وهل هناك مشورة المسلمين أكثر عموميّة منها في الموسم ؟
أمْ أنّ المسلمين المعنيّين هم فقط المحصورون فيمَن يختارهم عمر بنفسه ، كما فعل في اختياره الستّة الشورى ، وزاد فحصر الترجيح في يد شخص بعينه ، وهو عبد الرحمن بن عوف ؟
ألاَ تدلّك نصيحة عبد الرحمن لعمر ، على أنّ الملأ من المسلمين كانوا على غير رأيهما ؟ وإلاّ ففيمَ الخوف من مواجهتهم ؟ وقد قالها عبد الرحمن صراحةً : فإنّهم الذين يغلبون على قربك حين نقوم في الناس .
ومنذ متى كان شهود موسم الحجّ رعاعاً وغوغاءً ؟
________________________________________
الصفحة (353)
ألمْ يكن هذا الموسم هو محلّ عرض دعوة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وكان شهوده يومئذ بعد كفّاراً ؟
ألمْ يكن شهود الموسم هم الذين بعث إليهم رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بأبي بكر ، ثمّ بعليّ (ع) ليّؤدّي عنه سورة براءة ؟
ألمْ يكن شهود الموسم هم مستودع أمانة تبليغ الغائبين أخريات كلام ووصايا الرسول (صلّى الله عليه وآله) في حجّة الوداع ؟
ويصل الأمر إلى منتهاه بتحريض عمر على قتل المرشّح ، ومَن يرشحه كذلك بقوله : تَغِرةً أنْ يقتلا .
* * *
يقودنا التحليل السابق بالضرورة إلى نتيجة واحدة مؤدّاها : أنّ كثيراً من الأحداث في الصدر الأوّل ـ ومنها منع كتابة الحديث وروايته ـ كانت تخضع لتحكّم وسيطرة عوامل تتعلّق أساساً بالصراع على السلطة ، وهي ذات العوامل التي حدت بالوضّاع إلى وضع الأحاديث ، ومن ثمّ وُجد التناقض والاختلاف ، ولا سيّما ما يتعلّق بحكّام الجور .
إذاً المفتاح الحقّيقي لفهم الأحداث التي تلت وفاة الرسول (صلّى الله عليه وآله) ، هو الصراع السياسي بركيزتيه : السلطة والمال . وفي سبيل ذلك كان على المبادئ والقيم أنْ تتنحّى ، وفي سبيل ذلك تمّ إهدار الكثير .
ألمْ تتابع أحداث سقيفة بني ساعدة ـ والتي لمْ تكن وليدة اللحظة ، ولكنّها نتاج عمل سبقها ومهّد لها , على ما رأينا ـ من منع قريش للحديث ، ومن عدم الاستجابة لرسول الله (صلّى الله عليه وآله) بكتابة كتاب ، ومن عدم تنفيذ أمر بعث جيش أسامة ، ثمّ إنّك تجد المنطق السائد في السقيفة قِبليّاً صرفاً ، فيقول أبو بكر ويؤكّد عمر : نحن أوسط العرب داراً ونسباً . بينما يستحثّ قائل الأنصار
________________________________________
الصفحة (354)
الحباب بن المنذر قومه على المهاجرين أنّهم غرباء بينهم ويتهدّدهم : لنعيدنها جذعةً . ثمّ يستغلّ الموقف لإحداث الصدع بين الأنصار فتستدعى الإحن القبليّة القديمة بين الأوس والخزرج .
وفي سبيل ذلك تمتّ بيعة أبي فلتةً ، وعلى غير مشورة وباستبعاد المهاجرين إلاّ ثلاثة ، وفي عجلة لا تناسب المقام بحال ، وبحيث لا تدع لأحد فرصة للاحتجاج بالنصوص والتذكير بالاختيار الإلهي .
وفي سبيل ذلك لجأ عمر من فوره ، ومنذ لحظة البيعة الفلتة إلى أسلوب القهر والإرهاب بزعم درء الفتنة ، فدعا إلى قتل سعد بن عبادة ، ثمّ أقدم على تحريق بيت فاطمة الزهراء (عليها السّلام) على مَن امتنع عن إمضاء البيعة الفلتة ، كعليّ (ع) والزبير ومَن معهما ، حتّى أخرج الزبير عنوةً وكُسر سيفه . فهل يحقّ مع ذلك القهر ، أنْ يَدّعي أحد أنّ تلك البيعة جاءت حرةً ؟
وفي سبيل ذلك تمّ التعتيم تماماً على حديث غدير خم منصرف الرسول (صلّى الله عليه وآله) من حجّة الوداع ، ولمّا تمضِ عليه بضعة أسابيع ، بينما سلّم الناس يومئذ على عليّ (ع) بالإمرة ، ويومها قال عمر ذاته لعليّ (ع) : بخٍ بخٍ يابن أبي طالب (ع) , أصبحت اليوم مولى كلّ مؤمن ومؤمنة .
وللسائل أنْ يسأل كيف حدث كلّ ذلك ممّن شرّفوا بصحبة الرسول (صلّى الله عليه وآله) ، وهم من هم في سابقتهم وفضلهم وبلائهم ؟
وإجابة ذلك قد سبق سوقها في التحليل السالف ، ونُعيد توكيدها فيما يلي :
الصحابة بشر معرّضون للخطيئة :
والخطيئة غير الخطأ ، إذ هي : إتيان فعل بالمخالفة للشرع ، أو بغير تأويل سائغ . ومثال ذلك : مقارفة حاطب بن أبي بلتعة لجريمة خيانة عظمى ، وقد همّ عمر ذاته
________________________________________
الصفحة (355)
بضرب عنقه ونعته بالنفاق لو لا منعه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) . ومثاله شرب قدامة بن مظعون للخمر وحدّه عليه . ومثاله الفرار يوم الزحف كما حدث يوم حنين من أغلبيّة الصحابة لو لا منّ الله تعالى عليهم . ومثاله من ظنّ فيه الاستبسال حسبة الله ، وهو ليس على شيء كقزمان يوم اُحد .
الانقلاب احتمال وارد :
قال الله تعالى : ( وَمَا محمّد إِلّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى‏ أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنْقَلِبْ عَلَى‏ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرّ اللّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللّهُ الشّاكِرِينَ )(1) . 
وقال تعالى : ( كَانَ الناس أُمّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللّهُ النّبِيّينَ مُبَشّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالحقّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ الناس فِيَما اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلّا الذينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيّناتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللّهُ الذينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الحقّ بِإِذْنِهِ وَاللّهُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى‏ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ )(2) .
وكم حذّر رسول الله (صلّى الله عليه وآله) الناس وخاصّة أصحابه من الوقوع في الاختلاف بعده وتبديل سنّته ، وأبدى لهم أنّه لا يخشى عليهم الشرك ، ولكن من تنافسهم على حبّ الدنيا .
فقال (صلّى الله عليه وآله) : (( إنّي فرطكم ، وأنا عليكم شهيد ، وإنّ موعدكم الحوض ، وإنّي لأنظر إليه ولست أخشى عليكم أنْ تشركوا )) أو قال : (( تكفروا ولكن الدنيا أنْ تنافسوا فيها )) . رواه البخاري وأحمد .
ــــــــــــــ
(1) سورة آل عمران / 144 .
(2) سورة البقرة / 213 .
________________________________________
الصفحة (356)
وروى البخاري : حدّثنا قال ، أخبرني يونس ، عن ابن شهاب ، عن ابن المسيب ، أنّه كان يحدّث عن أصحاب النبيّ (صلّى الله عليه وآله) ، أنّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله) قال : (( يرد على الحوض رجال من أصحابي فيحلّؤون عنه ، فأقول : يا ربّ أصحابي . فيقول : إنّك لا علم لك بما أحدثوا بعدك ، إنّهم ارتدّوا على أدبارهم القهقهري )) .
وروى ابن هشام(1) : أنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) خرج على أصحابه ، فقال لهم : (( إنّ الله بعثني رحمةً وكافةً ، فأدّوا عنّي يرحمكم الله ، ولا تختلفوا عليّ كما اختلف الحواريّون على عيسى بن مريم )) .
ويفسر سيّد قطب هذا الاختلاف بعد البينات بقوله(2) : إنّ نظرة الإسلام تقوم ابتداءً على أساس أنّ فعل الناس لشيء ، وإقامة حياتهم على شيء ، لا تحيل هذا الشيء حقّاً إذا كان مخالفاً للكتاب ، ولا تجعله أصلاً من أصول الدين ، ولا تجعله التفسير الواقعي لهذا الدين ، ولا تبرّره ؛ لأنّ أجيالاً متعاقبةً قامت عليه .
وهذه الحقيقة ذات أهميّة كبرى في عزل أصول الدين ممّا يدخله عليها الناس . 
وفي التاريخ الإسلامي ـ مثلاً ـ وقع انحراف وظلّ ينمو وينمو ، فلا يُقال : إنّ هذا الانحراف متى وقع وقامت عليه حياة الناس ، فهو إذاً الصورة الواقعيّة للإسلام ؟ كلاّ , إنّ الإسلام يظلّ بريئاً من هذا الواقع التاريخي , ويظلّ هذا الذي وقع خطأ وانحرافاً لا يصلح حجّة ولا سابقة , ومن واجب من يُريد استئناف حياة إسلاميّة أنْ يُلغيه وُيبطله ، وأن ْيعود إلى الكتاب الذي أنزله الله بالحقّ ( لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ )(3) . 
ــــــــــــــ
(1) السيرة ، مرجع سابق 4 / 607 .
(2) في ظلال القرآن ، مرجع سابق 1 / 217 .
(3) سورة البقرة / 213 .
________________________________________
الصفحة (357)
ولقد جاء الكتاب ، ومع ذلك كان الهوى يغلب الناس من هنا ومن هناك ، وكانت المطامع والرغائب والمخاوف والضلالات تبعد الناس عن قبول حكم الكتاب ، والرجوع إلى الحقّ الذي يردّهم إليه : ( وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلّا الذينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيّناتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ )(1) .
فالبغي ... بغي الحسد ، وبغي الطمع ، وبغي الحرص ، وبغي الهوى ... هو الذي قاد الناس إلى المضي في الاختلاف على أصل التصوّر والمنهج ، والمضي في التفرّق واللجاج والعناد .
الانحراف يعقّب دائماً الرسالات :
قال الله تعالى : ( وَمَا تَفَرّقَ الذينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلّا مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيّنَةُ)(2) . 
( وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى‏ بِالْبَيّنَاتِ ثمّ اتّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ )(3) . 
( وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللّهِ وَقَالَتِ النّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللّهِ ذلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الذينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللّهُ أَنّى‏ يُؤْفَكُونَ )(4) . 
( وَلاَ تَكُونُوا كَالذينَ تَفَرّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِن بَعْدِمَا جَاءَهُمُ الْبَيّنَاتُ وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (5) . 
( أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الجنّة وَلما يَأْتِكُمْ مَثَلُ الذينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُمْ ) (6) .
ــــــــــــــ
(1) سورة البقرة / 213 .
(2) سورة البيّنة / 4 .
(3) سورة البقرة / 92 .
(4) سورة التوبة / 30 .
(5) سورة آل عمران / 105 .
(6) سورة البقرة / 214 .
________________________________________
الصفحة (358)
وقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : (( ليأتين على اُمّتي ما أتى على بني إسرائيل حذو النعل بالنعل )) . رواه الترمذي ، وسبق ذكره . (( لا ترجعوا بعدي كفّاراً يضرب بعضكم رقاب بعض )) . رواه البخاري . (( فإنّي لأرى الفتن تقع خلال بيوتكم كوقع القطر )) . رواه البخاري .
شيوع ردّ الأحكام البيّنة :
تحفل كتب التاريخ والفقه بكثير من المخالفات والأحدوثات لأحكام الشرع ، نُورد بعضها لترى كيف وقع الناس ـ في الصدر الأوّل للإسلام ـ في متابعة حكّامهم على ما هم عليه من مخالفة ، وكما قِيل : الناس على دين ملوكهم .
فإذا ثبت وقوع ذلك فيما يخصّ أحكاماً بيّنةً في ظروف مختلفة ، فأيسر منه وقوعه في ظلّ صراع محموم على السلطة .
فقد عُلم من تاريخ حروب الردّة على عهد أبي بكر ، كيف أنّ خالد بن الوليد قِتل مالك بن نويرة رغم شهادته بالإسلام ، وكيف أنّه نزا على امرأته فنكحها من ليلته بلا انتظار لعدّة من زوجها المقتول مالك . وقد طلب عمر من أبي بكر وألحّ عليه في عزل خالد وإقامة الحدّ عليه ، فلمْ يسمع أبو بكر ولمْ يعزل ولمْ يُقمْ الحدّ ، ولكن تأوّل فودى مالكاً ، وأعطى ديّته لأخيه ، وهو بحدّ ذاته اعتراف بقتل مالك مسلماً بغير حقّ .
ومهما بحثت لأبي بكر وخالد عن مخرج من هذا الفعل ، فلن تجد مطلقاً ما يوافق حكماً شرعيّاً ، إلاّ أنْ يكون المخرج الذهبي لفقهاء السلاطين الجاهز دائماً في كلّ المعضلات ، ألاَ وهو : التأوّل ، وإنْ كان غير سائغ .
________________________________________
الصفحة (359)
ومن المعذرين لخالد مَن يقع في تناقض بيّن ـ لا أعلم كيف غمّ عليهم ـ فهم يقولون : إنّ ضرار بن الأزور ومَن معه ـ الذين باشروا قتل مالك بأمر خالد ـ قد فهموا خطأً أمر خالد في تلك الليلة الباردة بقوله : أدفئوا أسراكم . وهي تعني في لغة كنانة : القتل . ورغم ما في هذه الرواية من تكلّف ظاهر ـ كما يقول طه حسين ـ فهم يوقعون أنفسهم في تناقض ؛ ذلك أنّه يعني أنّ خالداً لمْ يرَ قتل مالك على الردّة .
فإذا كان الأمر كذلك ، فلمَ تأوّلوا نزوله على امرأة مالك على اعتبار أنّه رآها سبياً ؟!
ثمّ إنّنا لمْ نجد عند أشدّ الناس خصومة لمعارضي أبي بكر ، وخالد في هذا الفعل ـ مثل ابن تيميّة(1) ـ إلاّ تغريباً للمسألة وإبعاداً لها عن موضعها بما لا يقنع أحداً : فهو أحال المسألة إلى مقارنات لا محلّ لها ، كتلك التي بين مقتل عثمان ومقتل مالك ، وطالما أنّ قتلة عثمان لمْ يُقتلوا ، فكذلك لمْ يُطالب أبو بكر بقتل قاتل مالك .
وهو قد تعمّد ـ على عادته ـ انسياح المسألة وانشعابها حتّى يغفل القارئ عن أصل المسألة ، فأغرقها في تفصيلات استبراء المعتدّة من وفاة أو طلاق ، وعن كافر أو مرتدّ ... الخ .
ولكنّه في النهاية لمْ يستطع التهرّب من أقلّ قول قِيل في الإستبراء ، وهو حيضة واحدة وليس ثلاث ، وعندها لجأ إلى كلام ملبس لا غناء فيه ، بقوله : فنحن لمْ نعلم أنّ القضيّة وقعت على وجه لا يسوغ فيها الاجتهاد .
ــــــــــــــ
(1) منهاج السنّة 3 / 130 .
________________________________________
الصفحة (360)
ولمْ يذكر ابن تيميّة بالطبع شهادة أبي قتادة وآخرين معه على إسلام مالك ، كما لمْ يذكر أنّ أبا قتادة ترك جيش خالد عند إتيانه فعله ذاك ، وأقسم ألاَ يقاتل تحت لوائه أبداً .
وهكذا ضُيّع حدّ من حدود الله على يد أبي بكر وخالد ، بدعوى الحفاظ على حدود الله , وسكت عمر عمّا أمضاه أبو بكر ، وتابعهم الناس على ذلك .
ـ وأقدم عمر إبّان خلافته على مخالفة لنصّ صريح من الكتاب والسنّة العمليّة المتواترة بنهيه عن متعتي الحجّ والنساء بمجرّد رأي رآه . يقول عمر برواية مالك : متعتان كانتا على عهد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وأنا أنهى عنهما وأضرب عليهما : متعة النساء ومتعة الحجّ .
ويروي مالك عن عروة بن الزبير : أنّ خولة بنت حكيم دخلت على عمر بن الخطاب ، فقالت إنّ ربيعة بن اُميّة استمتع بامرأة فحملت منه , فخرج عمر بن الخطاب فزعاً يجرّ رداءه ، فقال : هذه المتعة ، ولو كنت تقدّمت فيها لرُجمت .
وقد نصّ القرآن على متعة الحجّ في قول الله تعالى : ( وَأَتِمّوا الْحَجّ وَالْعُمْرَةَ للّهِ‏ِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْي وَلاَ تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ حَتّى‏ يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلّهُ فَمَن كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَن تَمَتّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَن لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيّامٍ فِي الْحَجّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذلِكَ لِمَن لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتّقُوْا اللّهَ وَاعْلَمُوا أَنّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ )(1) .
ــــــــــــــ
(1) سورة البقرة / 196 .
________________________________________
الصفحة (361)
وحجّ المتعة أنْ تحرم بعمرة من الميقات في أشهر الحجّ : شوال وذي القعدة وذي الحجة ، على أنّ أهلك غير حاضري المسجد الحرام ، فإذا انتهيت من عمرتك قصّرت فيحلّ لك كلّ ما حرّم ، حتّى تحرم بحجّ يوم التروية من نفس العام ، وعليك أنْ تذبح ما قدرت عليه من الهدي وأقلّه شاة .
والمتعتان ثابتتان بالسنّة ، ووردت فيهما أحاديث كثيرة منها : عن جابر بن عبد الله : كنّا نستمتع بالقبضة من التمر والدقيق الأيّام على عهد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وأبي بكر حتّى نهى عنه عمر في شأن عمرو بن حريث  . رواه مسلم .
وعن الحسن (ع) : أنّ عمر أراد أنْ ينهى عن متعة الحجّ ، فقال له اُبي بن كعب : ليس ذاك لك قد تمتعنا مع رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ولمْ ينهنا عن ذلك , فأضرب عن ذلك عمر . رواه أحمد .
وعن عمران بن حصين قال : أنزلت آية المتعة في كتاب الله ففعلناها مع رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، ولمْ ينزل قرآن يحرّمه ولمْ ينه عنها حتّى مات قال رجل برأيه ما شاء . رواه البخاري .
وذكر ابن كثير(1) قال البخاري ، يقال : هذا الذي قال برأيه ما شاء ، إنّه عمر ، وهذا الذي قاله البخاري قد جاء مصرّحاً به أنّ عمر كان ينهى الناس عن التمتع .
كان النهي عن العمرة في أشهر الحجّ من سنن الجاهليّة ، كما جاء بحديث ابن عبّاس الذي رواه البخاري : كانوا يرون أنّ العمرة في أشهر الحجّ من أفجر الفجور في الأرض ويجعلون المحرّم صفراً ويقولون إذا بَرَا الدّبر ـ برأت ظهور الإبل من الترحال ـ وعفا الأثر 
ــــــــــــــ
(1) تفسير ابن كثير ، مرجع سابق 1 / 234 .
________________________________________
الصفحة (362)
وانسلخ صفر حلّت العمرة لمَن اعتمر , قدم النّبي (صلّى الله عليه وآله) وأصحابه صبيحة رابعة ـ يوم الأحد ـ مهلّين بالحجّ فأمرهم أنْ يجعلوها عمرة , فتعاظم ذلك عندهم فقالوا : يا رسول الله ، أيّ الحلّ ؟ قال : (( حلّ كلّه )) .
* * *
ولك أنْ تتساءل ما الذي حدا بعمر أنْ يُحيد عن الكتاب والسنّة في أمر محكم غير مشتبه ، ولا خلاف فيه إلى سنّة من سنن الجاهليّة ؟!
يذكر ابن كثير قول الزهري(1) : بلغنا أنّ عمر قال في قول الله تعالى : ( وَأَتِمّوا الْحَجّ وَالْعُمْرَةَ للّهِ ) . من تمامهما أنْ تفرّد كلّ واحد منهما من الآخر ، وأنْ تعتمر في غير أشهر الحجّ ، إنّ الله تعالى يقول : ( الْحَجّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ ) .
ويردّ ابن كثير قول عمر ذاك بقوله : هذا القول فيه نظر ؛ لأنّه قد ثبت أنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) اعتمر أربع عمرات كلّها في ذي القعدة .
ولكن هذا الأمر في الواقع ليس فيه نظر ـ كما يقول ابن كثير ـ فالنظر يُوحي بخضوعه لاحتمال ، وهو ليس كذلك بحال ، بل يرده باتّاً ما ذكرناه ، ويدحضه قطعاً الأحاديث الاُخر المؤكّدة ، مثل حديث عائشة قالت : خرجنا مع رسول الله (صلّى الله عليه وآله) عام حجّة الوداع ، فمنّا من أهل بعمرة ، ومنّا من أهل بحجّة وعمرة ، ومنّا من أهل بالحجّ ، وأهل رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بالحجّ , فأمّا من أهل بالحجّ أو جمع الحجّ والعمرة لمْ يحلّوا حتّى كان يوم النحر . رواه البخاري .
وقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : (( دخلت العمرة في الحجّ إلى يوم القيامة وخلل بين أصابعه )) . رواه أحمد .
ــــــــــــــ
(1) المرجع السابق / 230 .
________________________________________
الصفحة (363)
وعن ابن عبّاس قال : لمْ يعتمر رسول الله (صلّى الله عليه وآله) إلاّ في ذي القعدة . رواه ابن ماجة .
فهذا إذاً كتاب الله تعالى، وهذه إذاً سنّة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، فهل يجوز بعدها لعمر أنْ ينهى من عند نفسه ، وهل يجوز بعدها لفقهاء أنْ يحيدوا بالكلم عن مواضعه متأوّلين لعمر بغير سائغ ؟!
يقول عمر بن الخطاب : افصلوا بين حجّكم عمرتكم ؛ فإنّ ذلك أتمّ لحجّ أحدكم وأتمّ لعمرته أنْ يعتمر في غير أشهر الحجّ . رواه مالك .
ويبرّر ابن كثير : لمْ يكن عمر (رضي الله عنه) ينهى عنها محرّماً لها ، إنّما كان ينهى عنها ليكثر قصد الناس للبيت حاجّين ومعتمرين .
ويردّ قول عمر ذاك الذي تأوّل فيه معنى إتمام الحجّ والعمرة قول ولده عبد الله : العمرة في أشهر الحجّ تامّة تقضى , عمل بها رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ونزل بها كتاب الله تعالى . رواه أحمد .
ويروي الطبري(1) خبر نصيحة عمران بن سوادة لعمر , عندما أراد عمران أنّ يطلعه عمّا عابته عليه الاُمّة بقوله : عابت اُمتّك منك أربعاً ، ذكروا أنّك حرّمت العمرة في أشهر الحجّ ، ولمْ يفعل ذلك رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ولا أبو بكر (رضي الله عنه) ، وهي حلال . فقال عمر : هي حلال ، لو أنّهم اعتمروا في أشهر الحجّ رأوها مجزية من حجّهم .
ولكن يردّ هذا القول أيضاً ، أنّ أحداً لمْ يقل أبداً إنّ العمرة مجزية من الحجّ ، لمْ يحدّث أنْ خلا الموسم من الحجيج على عهد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ولا على عهد أبي بكر , حتّى تكون هناك سابقة يحتجّ بها عمر مبرّراً لهذا الذي أحدّثه .
ــــــــــــــ
(1) تاريخ الطبري ، مرجع سابق 4 / 225 .
________________________________________
الصفحة (364)
وواضح من تعبير عمر في ردّه على عمران أنّه يفترض حالة غير واقعيّة لا سابقة لها : لو أنّهم اعتمروا ... لرأوها ... . ثمّ إذا به يؤسّس حكماً على هذه الحالة الافتراضيّة التي لمْ تخطر على بال أحد ولمْ يقل بها أحد .
وهل كان احتمال خلوّ البيت من المعتمرين أو الحجيج غائباً عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) عندما شرّع دخول العمرة في الحجّ إلى يوم القيامة ؟ أمْ كان ربّك نسياً ؟ ... حاشا لله .
وقد كانت النتيجة الغريبة لنهي عمر ذاك ، أن اضطرب الناس ، ولكنّهم تابعوه وعملوا به رغم علمهم بمخالفته للكتاب والسنّة !
يروي أحمد في مسنده : أنّ أبا موسى الأشعري ، قال ـ وقد اعتمر في موسم الحجّ ـ : فكنت أفتي الناس بذلك في إمارة أبي بكر وعمر ، فإنّي لقائم بالموسم إذ جاءني رجل ، فقال : إنّك لا تدري ما أحدث أمير المؤمنين في شأن النسك . ـ ويبدو الاضطراب والمتابعة على المخالفة في قول أبي موسى عندئذ ـ فقلت : أيّها الناس , من كنّا أفتيناه بشيء فليتئّد ، فهذا أمير المؤمنين قادم عليكم ، فبه فائتموا .
وتبلغ أحدوثة عمر مبلغها بظنّ الناس أنّها الأصل الحقّ وغيرها ضلال .
يروي أحمد : قال عروة لابن عبّاس : حتّى متى تضلّ الناس يابن عبّاس ؟! قال : ما ذاك يا عرية ؟ قال : تأمرنا بالعمرة في أشهر الحجّ .
ويروي أحمد كذلك : أنّ ابن عمر كان يُفتي الناس بالمتعة ، فكان الناس يُسائلونه : كيف تخالف أباك ؟ حتّى قال لهم : لمَ تحرّمون ذلك وقد أحلّه الله وعمل به رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ؟ أفرسول الله (صلّى الله عليه وآله) أحقّ أنْ تتّبعوا سنّته أمْ سنّة عمر ؟ 
ويروي البخاري : أنّ عثمان في خلافته تابع عمراً في منع العمرة في الحجّ ، فتصدّى لذلك عليّ (ع) ، وأهلّ بهما جميعاً . 
عن سعيد بن المسيب ، قال : اختلف عليّ (ع)
________________________________________
الصفحة (365)
وعثمان (رضي الله عنه) ، وهما بعسفان في المتعة ، فقال عليّ (ع) : (( ما تريد إلاّ أنْ تنهى عن أمر فعله النبيّ (صلّى الله عليه وآله) )) . فلمّا رأى ذلك عليّ (ع) أهلّ بهما جميعا .
وخالف عثمان أيضاً سنّة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في قصر الصلاة بمنىً فأتّمها .
يذكر أنس في الحديث المتّفق عليه : خرجنا مع النبيّ (صلّى الله عليه وآله) من المدينة إلى مكّة ، فصلّى ركعتين ركعتين ، حتّى رجعنا إلى المدينة ، قلت : أقمتم بها شيئاً ؟ قال : أقمنا بها عشراً . 
وفي لفظ مسلم : خرجنا من المدينة إلى الحجّ . ثمّ ذكر مثله .
ومرّة اُخرى ـ كما في كلّ مرّة ـ يجيء المبرّرون ليقولوا إنّ عثمان تأوّل ـ كما قال ابن العربي في العواصم ـ وأمّا ترك القصر فاجتهاد .
ثمّ خلف من بعدهم خلف قعدوا للمخالفات على صريح مخالفتها للكتاب والسنّة عملاً بالرأي , ومن هؤلاء تقرأ لابن القيّم الذي لمْ يجد مستنداً لأحدوثة عمر ، فلجأ بدوره إلى إنشاء شرعيّة من عنده أسماها : العمل بالسياسة .
فيقول(1) : ومن ذلك اختيار عمر (رضي الله عنه) للناس إفراد الحجّ ، وأنْ يعتمروا في غير أشهر الحجّ ، فلا يزال البيت الحرام معموراً بالحجّاج والمعتمرين .
ومن هؤلاء أيضاً ابن أبي الحديد القائل(2) : إنّ عمر قال : متعتان كانتا على عهد رسول الله (ص) وأنا محرّمهما ومعاقب عليهما : متعة النساء ومتعة الحجّ ، وهذا الكلام وإنْ كان ظاهره منكراً ، فله عندنا مخرج وتأويل .
وهنا أيضاً نجد المخرج الذهبي : التأويل .
وقد مرّ بنا توّاً قول عمران بن الحصين في حديث البخاري ، تعليقاً على نهي عمر : إنّه الرأي ، قال رجل برأيه ما شاء .
ــــــــــــــ
(1) أعلام الموقعين ، مرجع سابق 4 / 374 .
(2) نهج البلاغة بشرح ابن أبي الحديد ، مرجع سابق 1 / 182 .
________________________________________
الصفحة (366)
إنّ ما سقناه من أمثلة قليلة من كثير(1) حدث نظنّ فيه الغناء دلالةً على القضيّة الخطيرة : أنّ العمل بالرأي في وجود النصوص قديم ، وهو ما يقودنا إلى إجابات عمّا عنّ لنا من أسئلة طرحناها من قبل ، فأوّلاً : ينجلي غموض ما وراء أحداث سقيفة بني ساعدة . وثانيّاً : يُفسّر لنا لماذا كان هناك اتّجاه عام من السلطة الحاكمة يحثّ على عدم رواية الحديث فضلاً عن كتابته ؟
وثالثاً : يبصّرنا بالمنهج المتّبع لدى غالبيّة فقهاء السنّة في استفراغ الجهد في تكلّف انتحال الأعذار ؛ لتبرير أفعال السلطة الحاكمة مهما كانت بعيدة عن صحيح النصوص ، حتّى لقد ذهبوا في سبيل ذلك إلى كلّ بعيد ومستغرب على ما رأيت . وحتّى إنّهم يخطئون الصحابي ـ الذي على نفس درجة العدالة بزعمهم ـ إذا ما عارض صحابيّاً آخر حاكماً . بل إنّ الصحابي الواحد المخطّأ ـ بسبب معارضته للصحابي الحاكم ـ تصير أفعاله كلّها مبرّرة بمجرّد حيازته السلطة .
أفضى كلّ ذلك حتماً إلى الاختلاف والتضارب ، ثمّ إلى التوهين من أمر الحديث ، طالما يعمل بما يخالفه بزعم التأويل ، فلا عجب إذاً ممّن وضع الحديث متأوّلاً في غير حياء ـ على ما أوردناه من قبل ـ قائلاً إنّما أكذب له لا عليه ، أو إنّما أضعه حسبة لله .
والعجيب من هؤلاء الفقهاء وما طبعوا عليه قلوب العامّة ، أنّهم في الوقت الذي يبرّرون فيه كلّ مخالفات النصوص ـ على ما رأينا ـ بزعم التأويل ، ما فتئوا يردّدون حديث : شرّ الأمور محدثاتها . ويزعمون التزامهم بقاعدة : لا اجتهاد مع النصّ .
ــــــــــــــ
(1) راجع : السيّد مرتضى العسكري ، معالم المدرستين / 2 ـ طهران ـ مؤسسة البعثة / 1992 م .
________________________________________
الصفحة (367)
بل يزيد العجب إذا رأيتهم يشجبون التأويل بالكلّية ، ثمّ إذا بهم يمتدحونه عندما يستخدمونه للتبرير ، ولكن على نهجهم . اقرأ ما قاله ابن القيّم في التأويل ، بعدما امتدح تأويل عمر في نهيه عن المتعة ، تقف على موضع العجب . يذكر ابن القيّم(1) : ويكفي المتأوّلين كلام الله ورسوله (ص) بالتأويلات التي لمْ يردها ، ولمْ يدلّ عليها كلام الله ، أنّهم قالوا برأيهم على الله ، وقدّموا آراءهم على نصوص الوحي ، وجعلوا عياراً على كلام الله ورسوله (ص) .
فأصل خراب الدين والدنيا ، إنّما هو من التأويل الذي لمْ يرده الله ورسوله (ص) بكلامه ، ولا دلّ عليه أنّه مراده ، وهل اختلفت الاُمم على أنبيائهم إلاّ بالتأويل , وهل وقعت فتنة كبيرة أو صغيرة إلاّ بالتأويل , فمن بابه دخل إليها ، وهل أريقت دماء المسلمين في الفتن إلاّ بالتأويل .
وليس هذا مختصّاً بدين الإسلام فقط ، بل سائر أديان الرّسل لمْ تزل على الاستقامة والسداد حتّى دخلها التأويل ، فدخل عليها من الفساد ما لا يعلمه إلاّ ربّ العباد .
ــــــــــــــ
(1) أعلام الموقعين ، مرجع سابق 4 / 250 .
________________________________________
الصفحة (368)
الحُسين (ع)
و
مناهج التغيير الاجتماعي
________________________________________
الصفحة (369)
السؤال الأساس : لماذا خُذل الحُسين (ع) ؟
يمثّل هذا السؤال في الواقع إحدى مشكلات منظومة إشكاليّة الخروج الحُسيني (ع) ، وهو بدوره يستدعي العديد من المسائل الاُخرى في تشابك غير يسير التفكيك ضمن المنظومة الكلّية , على أنّه يتحدّد ـ بطبيعة الأمور ـ من خلال زاوية الرؤية لهذا الخروج ، ويستتبع كيفيّة توصيفه .
وبديهي أنّ صياغة السؤال على هذا النحو , تكشف ابتداءً عن انحياز لموقف الخروج ، بحيث صار خذلان الحُسين (ع) في خروجه محلاًّ للاستفهام الأساس . ولا غرابة في ذلك بعدما استعرضنا من قبل أدلّة شرعيّة الخروج .
وهنا تتدافع الأسئلة في افتقارها إلى إجابة :
هل كان خروج الحُسين (ع) عملاً فرديّاً أمْ نخبويّاً أمْ جماهيريّاً ؟ كيف يُمكن توصيف الخروج : تمرّد ، انقلاب ، ترك للجماعة ، ثورة ، مأساة ، ملحمة ... ؟ هل كان مسار الخروج صحيحاً من ناحية استيعاب الظروف المحيطة : المدينة ، مكّة ، الكوفة ؟
تلك في تقديرنا المحدّدات التي يُمكن على أساسها فهم ذلك الخروج الذي يبدو محيّراً ، بعدما دللّنا على شرعيّة الخروج على وجه العموم .
________________________________________
الصفحة (370)
الحالة العامّة حال الخروج :
عكفنا من قبل على التوفّر على تشريح خُطّة ما أطلقنا عليه : الحزب الاُموي في تطوّره عبر المراحل التاريخيّة ، منذ كان تجمعاً غير منظم وحتّى صيغ مشروعه النهائي على يد معاوية ، عبر ممارسات طويلة امتدّت من الجاهليّة الأولى ، ومروراً بالعهد النبويّ وعهد الخلفاء حتّى تجسّد نهائيّاً في نظام ملكي وراثي مستقرّ .
وقد قادنا البحث إلى نتيجة مؤدّاها : أنّ ذلك النظام ذو طبيعة استبداديّة مطلقة ، يُبرهن عليها مطابقة حيثيّاته لكافّة محدّدات ومؤشرات النموذج المعياري للنظام الاستبدادي .
كان النظام إذاً بالضرورة مناقضاً لمصالح الغالبيّة ، ومستأثراً بما لا يحقّ له من خيرات البلاد ، ومتحكّماً في أرزاق العباد ، إنْ شاء أعطى وإنْ شاء حبس ، وانساحت الحدود ـ حسب تعبير سيّد قطب ـ بين مال الحاكم الخاصّ وبيت مال المسلمين ، وغرق النظام وحاشيته في الترف ، في الوقت الذي عمّق فيه النظام من أبعاد النزعة القبليّة ، وألّب القبائل بعضها على بعض ، وفرّق بين العرب ومواطني البلاد المفتوحة ، كلّ ذلك في أجواء من القهر البدني والمعنوي ، وعدم مراعاة حرمة الدماء ، وكبت المعارضة ، وقتل على الظنّة والشبهة ، مع إشاعة التلبيس والخلط العمد في المفاهيم والمعتقدات ، وتشويه مفتعل وفي إصرار لأطهر الرموز الإسلاميّة .
إنّ كلّ ذلك كان يعني ، أنّ التناقضات بين النظام والجماهير كانت صارخةً وحادّة بما كان كفيلاً بإحداث ثورة شاملة تأتي على النظام من الجذور ، ولكن ذلك لمْ يحدث ، فماذا حدث ؟
________________________________________
الصفحة (371)
هل كانت الكوفة معقلاً للثورة ؟
تحفل كثير من كتب التاريخ بمثل هذا الوصف للكوفة ، فهل كانت كذلك حقّاً ؟ وهل كانت هناك بؤر ثوريّة اُخرى بخلاف الكوفة ؟ وهل كان هناك مناخ سائد قابل لدعم الثورة إنْ هي نشبت ، أو تقبّلها ، أو تحمّلها ؟
إنّك إنْ استعرضت حال الناس يومئذ في المراكز ذات الفعاليّة المؤثّرة في الدولة الإسلاميّة ، لوجدتهم منقسمين على النحو التالي :
موقف النخبة :
عبد الله بن عمر :
يُنظر إليه تقليديّاً على أنّه مثال للتقى والورع والزهد ، ولكنّه مهادن دائماً للسلطة ، ويتعامل مع المستجدّات بسلبيّة واضحة ، تمخّضت دائماً عن إضافة لرصيد النظام الاُموي خصماً من حقّ الجماهير في العدل . وتبدى ذلك بشدّة في موقفه من امتناعه عن مؤازرة عليّ (ع) واعتزاله الصراع ضمن المعتزلين .
ثمّ إنّه لمْ يفعل أكثر من محاولة تخذيل الحُسين (ع) عن الخروج ، وبايع يزيد مثلما فعل من بعد في تخذيل أهل المدينة عن ثورتهم ، بادّعاء لزوم بيعة يزيد في عنقه .
عبد الله بن عبّاس :
أشار على الحُسين (ع) بعد الخروج . ولكي نتعرّف على حقيقة موقفه فلننظر في خطابه للحُسين (ع) الذي يُوجز في الآتي ، كما روى الطبري(1) :
ــــــــــــــ
(1) تاريخ الطبري ، مرجع سابق 5 / 383 .
________________________________________
الصفحة (372)
أعيذك بالله من ذلك ، إنّما دعوك أهل العراق للحرب والقتال ، لا آمن عليك أنْ يغرّوك ويكذّبوك ، ويخالفوك ويخذلوك ، أتخوّف عليك في هذا الوجه الهلاك والاستئصال ، فإن كنت سائراً ، فلا تسر بنسائك وصبيتك . لقد أقررت عين ابن الزبير بتخليتك إيّاه والحجاز والخروج منها ، إنْ أبيت إلاّ الخروج فسر إلى اليمن ... وتبث دعاتك , فإنّي أرجو أنْ يأتيك عند ذلك الذي تحبّ في عافية .
ولنا على هذا الموقف عدّة ملاحظات :
ـ مجمل كلام ابن عبّاس ينحصر في تخوّفه على الحُسين (ع) كشخص .
ـ لمْ يتعرّض ابن عبّاس مطلقاً للقضيّة التي نذر الحُسين (ع) لها نفسه ، فلمْ يذكر ظلم بني اُميّة ، ولا حقوق المسلمين ، وتعمّد إغفال أو تعمّد عدم التورّط في مجرّد مسّ أمر ساعتئذٍ ، وهو مبايعة يزيد على الخلافة ، ومدى أحقيّته في ذلك .
ـ كأنّي بابن عبّاس لمْ يرَها إلاّ صراعاً على الحكم مجرّداً ، يبدو ذلك من قوله للحُسين (ع) : أقررت عين ابن الزبير ، يأتيك الذي تحبّ في عافية .
ـ نزع ابن عبّاس نفسه كلّية من القضيّة ، فخاطب الحُسين (ع) من الخارج ، وكأنّه أمر لا يخصّ المسلمين جميعاً وهو منهم ، وإنّما كأنّه أمر يخصّ الحُسين (ع) وحده ، وبالتالي فإنّه يقف موقف الناصح له من بعد .
والمتأمّل لهذا الموقف يستطيع بيسر أن يرى اتّساقه وما آل إليه حال ابن عبّاس ، فبعدما أبلى بلاءً حسناً نصرةً لإمامه عليّ (ع) منذ بداية خلافته وحتّى قُبيل وفاته ، إذا به يتراجع القهقرى عندما أحسّ إدبار الدنيا عن عليّ (ع) ،
________________________________________
الصفحة (373)
فأقدم على نزح بيت مال البصرة ـ وكان عامل عليّ (ع) عليها ـ ليذهب في حراسة أخواله بني هلال بن عامر(1) ليستأمن بمكّة ، ثمّ كان من أمره من بعد أنْ بايع يزيد في أمان .
محمّد بن الحنفيّة :
شخصيّة يكتنفها غموض شديد ، ولا يقلّ سلبيّة عن سابقيه ، ولا يكاد يخرج خطابه للحُسين (ع) عن خطاب ابن عبّاس ، بل هو أنكد وأمرّ ، إذ لمّا أبان له الحُسين (ع) عن عزمه المسير ، قال(2) : فانزل مكّة ، فإنْ اطمأنت بك الدار فسبيل ذلك ، وإنْ نبت بك لحقت بالرمال وشعف الجبال ، وخرجت من بلد إلى بلد حتّى تنظر إلى ما يصير أمر الناس ، وتعرف عند ذلك الرأي ... .
وهذا كلام أقلّ ما يُقال فيه : أنّه مُثير للّوعة والأسى على فقدان الناصر من أقرب المقرّبين ، ولكنّه في ذات الوقت عندما يُضاف إلى كلام ابن عبّاس ـ ودعك من ابن عمر ـ فإنّه يدلّ دلالةً واضحةً على تغافل لا يُمكن أنْ يُوصف إلاّ بأنّه عمدي عن صلب القضيّة ، بمحاولة حصرها في كونها قضيّة شخصيّة خاصّة بالحُسين (ع) .
وعندما يصرف ابن عبّاس وابن الحنفيّة القضيّة عن وجهها الحقّيقي على ذلك النحو ، فإنّهما بذلك يكونان قد ضمّناها مبرّرهما بعدم المشاركة وانخلاعهما منها .
نرى أنّ وصف ذلك الموقف بالتغافل العمدي حقّ ، لمّا كان لا يُمكن اعتبارهما غير واعيين بلبّ القضيّة ، ذاك أنّ أحدهما كان مستشاراً لعليّ (ع) وعامله 
ــــــــــــــ
(1) المرجع السابق / 142 .
(2) المرجع السابق / 342 .
________________________________________
الصفحة (374)
ومشاركه في حروبه كلّها ، وأمّا الآخر فصاحب راية عليّ (ع) في الجمل والنهروان ، وذلك فضلاً عن قرابتهما القريبة بما تعني من معايشتهما الكاملة لكافّة تفصيلات القضيّة .
وربما كان ذلك الموقف أحد الأسباب التي حدت بالحُسين (ع) إلى كتابة كتابه إلى محمّد بن الحنفية ، وفيه قوله الشهير : (( إنّي لمْ أخرج أشراً ولا بطراً ولا مفسداً ولا ظالماً ، وإنّما خرجت لطلب الإصلاح في اُمّة جدّي (صلّى الله عليه وآله) ، أريد أنْ آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر ، وأسير بسيرة جدّي وأبي ... )) .
أفتراهما كانا على غير علم بحقيقة دواعي الخروج ؟ أمْ تراهما قد طال بهما العهد ، فركنا إلى الدّعة ، فاختارا لنفسيهما ما أبى الحُسين (ع) على نفسه ؟ أمْ ترى أصحاب الحُسين (ع) أكثر وعياً منهما ؟
استعد مقالات(1) هذه الثلّة أهوال الهيعة ، ترى الفرق واضحاً بين الموقف المتقدّم للمجاهد الواعية بأبعاد قضيّته والثائر النقيّ ، وبين مدّعي الحكمة الجوفاء والمستعيض بالقول عن الفعل ساعة الفعل .
يقول زهير بن القين مخاطباً جيش يزيد قُبيل نشوب القتال في كربلاء : نذار لكم من عذاب الله نذار ! إنّ حقّاً على المسلم نصيحة أخيه المسلم ، ونحن حتّى الآن إخوة ، وعلى دين واحد وملّة واحدة ، ما لمْ يقع بيننا وبينكم السيف ، وأنتم للنصيحة منّا أهل ، فإذا وقع السيف انقطعت العصمة ، وكنّا اُمّة وأنتم اُمّة ، إنّ الله قد ابتلانا وإيّاكم بذريّة نبيّه محمّد (صلّى الله عليه وآله) لينظر ما نحن وأنتم عاملون ، إنّا ندعوكم إلى نصرهم وخذلان الطاغية عبيد الله بن زياد ، فإنّكم
ــــــــــــــ
(1) تاريخ الطبري ، مرجع سابق / 419 وما بعدها .
________________________________________
الصفحة (375)
لا تدركون منهما إلاّ بسوء عمر سلطانهما كلّه ، ليسملان أعينكم ، ويقطعان أيديكم وأرجلكم ، ويمثّلان بكم ، ويرفعانكم على جذوع النخل ، ويقتلان أماثلكم وقرّاءكم ، أمثال : حجر بن عدي وأصحابه ، وهانئ بن عروة وأشباهه .
ويقول مسلم بن عوسجة الأسدي : أنحن نخلّي عنك ، ولما نعذر إلى الله في أداء حقّك ؟! أمَا والله ، حتّى أكسر في صدورهم رمحي ، وأضربهم بسيفي ما ثبت قائمه في يدي ولا أفارقك ، ولو لمْ يكن معي سلاح أقاتلهم به لقذفتهم بالحجارة دونك حتّى أموت معك .
ويقول سعيد بن عبد الله الحنفي : والله ، لا نخلّيك حتّى يعلم الله أنّا حفظنا غيبة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فيك ، والله ، لو علمت أنيّ أُقتل ثمّ أُحيا ، ثمّ أُحرق حيّاً ثمّ أُذر ، يفعل ذلك بي سبعين مرّةً ما فارقتك حتّى ألقى حمامي دونك ، فكيف لا أفعل ذلك ، وإنّما هي قتلة واحدة ، ثمّ هي الكرامة التي لا انقضاء لها أبداً !
عبد الله بن الزبير :
صاحب مشروع سياسي مناقض في أصوله للقضيّة الحُسينيّة وإنْ اشترك معها في مناهضة النظام الاُموي ، ولكن انطلاقاً من أسبابه الخاصّة المتعلّقة بمشروعه القِبلي المتعصب القائم على الامتياز القرشي ، والمنحصر في أسبقيّة حقّ المهاجرين وانسحابه على أبنائهم .
وهو ذو شره قديم للسلطة انعكس في تأجيجه الصراع وتعميقه الخلاف على عليّ (ع) منذ بداية خلافته ، حتّى إنّه عندما استرجعت السيّدة عائشة في مسيرها إلى حرب الجمل لمّا نبحتها كلاب الحوأب ، وتذكّرت قول رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فيها ، أقسم ابن الزبير كذباً ، أنّها ليست الحوأب ، كيما تستمرّ الحرب(1) .
ــــــــــــــ
(1) تاريخ الطبري ، مرجع سابق 4 / 469 .
الصفحة (376)
وعندما ذكّر عليّ (ع) أباه الزبير يوم الجمل بالله ، وقِيل بحديث رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : (( لتقاتلنه وأنت له ظالم )) ، استذكر الزبير ، وأقسم على ترك الحرب ، فإذا ابنه عبد الله يستحثّه على مواصلة الحرب والتكفير عن يمينه والعودة للقتال(1) .
ولمْ تكن حقيقة طموحات عبد الله غائبة عن الحُسين (ع) أو عن غيره ، فقد دعا الحُسين (ع) إلى الخروج إلى الكوفة لمّا أطلعه الحُسين (ع) على عزمه ، فقال عبد الله مستحثّاً : أمَا لو كان لي بها مثل شيعتك ما عدلت بها .
والملاحظ أنّ قول ابن الزبير يختلف عن أقوال الثلاثة السابقين ، إذ أنّ دعواه في ظاهرها تتّفق ودعوى الحُسين (ع) من حيث تحقّق ظلم بني اُميّة ووجوب الخروج عليهم والامتناع عن بيعة يزيد , ولذلك فلا يُمكنه التحدّث بمثل كلامهم ، وإلاّ كان موقفه بلا معنىً .
إلاّ أنّ ابن الزبير يعلم أنّ وجود الحُسين (ع) حائل لا محالة بينه وبين إدراك مراده ، فإنّ الناس لا تعدله به ؛ ولذلك فإنّ متابعته الحُسين (ع) على الخروج تحقّق عدّة أهداف في آن معاً ، فهو أوّلاً : لمْ يخذّل الحُسين (ع) بل يُظاهر الناس بأنّه مؤيّد لكلّ خارج على ظلم الاُمويّين . وهو ثانياً : يتخلّص من مزاحمة الحُسين (ع) له في الحجاز . ثمّ هو ثالثاً : يرمي عدوّه الرئيسي ذا الشوكة ـ الاُمويّين ـ ويشاغله بالحُسين (ع) في العراق ريثما يمكّن لنفسه في الحجاز .
ولو لا أنّ هذه الاعتبارات كانت واضحة في ذهن الحُسين (ع) ، وأنّ منظور الخروج عنده يختلف كلّية عنه عند ابن الزبير ، لكان السؤال الطبيعي الذي لا بدّ أنْ يطرح نفسه : لماذا لمْ تتوحّد جهودهما معاً ضدّ العدوّ المشترك ؟
ــــــــــــــ
(1) المرجع السابق / 502 .
________________________________________
الصفحة (377)
فمن المفترض أنّ التناقض الرئيسي كان قائماً بينهما وبين نظام بني اُميّة ، وكانت تناقضهما في العلن ثانويّاً ، فكان من المنطقي أنْ تتحد قواهما الثوريّة في تلك اللحظة ، ولو باتّباع اتّفاق مرحلي ( تكتيك ) ضدّ العدو الرئيسي ، حتّى ولو كان هذا الاتّفاق في أضعف صوره على أساس جبهوي ، مع الحرص على إخماد مظاهر التناقض الثانوي إلى حين بروزها التلقائي ، ولكن بعد أنْ يكون الهدف المشترك قد تحقّق بشكل حاسم .
إنّ إجابة هذا السؤال متضمّنة بوضوح في موقف ابن الزبير إزاء الحُسين (ع) ونصيحته له ، فهو لمْ يكن على استعداد للاتّفاق مع الحُسين (ع) بالذّات ، وإنْ كان قابلاً للتحالف مع آخرين بشرط ضمان إحكام قبضته ، على ضبط حركة ووتيرة هذه العلاقة حسبما يشاء . ويدلّ على ذلك تعليق الحُسين (ع) على نصيحة ابن الزبير بقوله(1) : (( ها ! إنّ هذا ليس شيء يُؤتاه من الدنيا أحبّ إليه من أنْ أخرج من الحجاز إلى العراق ، وقد علم أنّه ليس له من الأمر معي شيء ، وأنّ الناس لمْ يعدلوه بي ، فودّ أنّي خرجت منها لتخلوَ له )) .
وهو ما ذهب إليه أبو برزة الأسلمي ـ فيما رواه البخاري في كتاب الفتن ـ بقوله في ابن الزبير : وإنّ ذاك الذي بمكّة ، والله ، إنْ يقاتل إلاّ على الدنيا .
ولا يظنن أحد أنّ استفهامنا عن سبب عدم طرح الاتّفاق الجبهوي ببعيد ، فإنّ ذلك ما حدث فعلاً مع طرف آخر في الصراع وهم الخوارج ، ولكن الخوارج غير الحُسين (ع) ، فهم من جانب قوّة بأس وذوو عزيمة ، وينطوون على كره شديد للنظام الاُموي ، فضلاً عن كونهم لا يرون رأي شيعة عليّ (ع) بل أكفروه ، وهم من 
ــــــــــــــ
(1) تاريخ الطبري ، مرجع سابق 5 / 383 .
________________________________________
الصفحة (378)
جانب آخر لا يلقون قبولاً من عامّة المسلمين ، وذلك يعني إمكان استفادة ابن الزبير من الجانبين معاً ، فيُفيد من شوكتهم إلى المدى الذي يراه ، وفي الوقت ذاته يظلّون ورقةً قابلةً للحرق في أيّة لحظة . وعلى هذا تحالف ابن الزبير مع نافع بن الأزرق وأصحابه ، وقاتلوا معه جيش يزيد ، ثمّ تفارقا .
ويسوق المؤرّخون(1) سياقاً غير مقنع لسبب الافتراق ، إذ يذكرون : أنّ الخوارج تذاكروا فيما بينهم من بعد ، أنّه ربما كان ابن الزبير مخالفاً لهم في رأيهم وعلى غير طريقتهم ، فسألوه فجأةً عن رأيه في عثمان بن عفّان وهم يعلنون منه البراءة ، فلمّا أعلن ابن الزبير تولّيه عثمان , تبرّأ كلّ فريق من الآخر وافترقوا .
وأغلب الظنّ أنّ ما حدث كان تراضي الطرفين على التغافل عن أوجه الخلاف فيما بينهما في البداية ، حتّى إذا ما حانت اللحظة المناسبة وفق حسابات كلّ طرف ، أشهروا وجه الخلاف حين شعر كلّ فريق أنّ مصلحته في تلك اللحظة فضّ الاتّفاق . وممّا يُعزّز هذا الرأي , أنّ ذلك الخلاف لمْ يقع إلاّ حين مات يزيد ، وحسب كلّ فريق أنّها الفرصة الملائمة للعمل لحسابه الخاصّ ، فافتعل الخوارج استذكارهم الفجائي لموقف ابن الزبير وأبيه المناديين : يا لثارات عثمان .
ورجع ابن الزبير عن إعطائهم الرضا الذي أعطاهم من قبل ، وكان قد أكّد عند مقدمهم الأوّل أنّه على رأيهم من غير تمحيص .
وقد أثبتت الأيّام دوماً أنّ لعبة التحالفات المؤقتة بين فرقاء لا يجمعهم نسق قيمي واحد ينعكس في رؤية شاملة ، لا تُجدي شيئاً في سبيل إحقاق حقّ وإبطال
ــــــــــــــ
(1) المرجع السابق / 564 .
________________________________________
الصفحة (379)
باطل ، وإنّما هي تليق بطلاب دنيا لا طلاب عدل ؛ ذلك أنّ الأوّلين هم خرجوا في الآخرين لا يزيدوهم إلاّ خبالاً ، ولأوقعوا خلالهم يبغونهم الفتنة .
وقد حارب ابن الزبير بالأمس عليّاً (ع) ، باشتراك وتمويل بني اُميّة في حرب الجمل ، فكانت نتيجتها رصيداً مضافاً إلى رصيد معاوية المتربّص بالشام . فلا يتوقّع منه اليوم أنْ يُؤازر الحُسين (ع) على مشروع قاتله عليه بالأمس ، إلاّ أنْ يُحقّق له نفعاً ، ولكنّ منفعته اليوم هي التخلّص من الحُسين (ع) ، فليُؤازره إذاً بالكلام ، ويدفعه وحده إلى قتال يزيد ، ثمّ يُبكيه بعد مقتله .
وقد جاءت الأيّام من بعد ، فلقي الهاشميّون على يد ابن الزبير وعمّاله ، من العنت والإحصار والشدّة ما لا يقلّ عمّا لاقوه على أيدي بني اُميّة ، حتّى ترك ابن الزبير ذكر النبي (صلّى الله عليه وآله) كراهةً في الهاشميّين ، وحتّى لمْ يجد قتلة الحُسين (ع)(1) ، وعلى رأسهم : عمر بن سعد , ومحمّد بن الأشعث ، وشبث بن ربعي ، ملجأ عندما طُوردوا إلاّ مصعب بن الزبير أخا عبد الله وعامله على البصرة .
وحين أراد عبد الله بن يزيد عامل ابن الزبير على الكوفة ، تخذيل التوّابين عن ملاقاة جيش الشام ، قال زعيم التوّابين سليمان بن صرد(2) : لا أرى الجهاد مع ابن الزبير إلاّ ضلالاً . بما يعنيه ذلك من فطنة أنصار الحُسين (ع) لحقيقة الدور القائم به ابن الزبير .
شيوخ صفّين :
وصفّين أعني بها المرحلة والموقف بكامله لا المعركة وحدها ، فلقد كانت مرحلة بما اشتملت عليه من حرب وما انتهت إليه من تحكيم وما تلاه من
ــــــــــــــ
(1) الدينوري ، الأخبار الطوال ، مرجع سابق / 301 .
(2) تاريخ الطبري ، مرجع سابق 5 / 592 .
________________________________________
الصفحة (380)
تداعيات , حتّى كان التخاذل الأعظم بمعسكر النخيلة وعودة عليّ يائساً من قومه حتّى رحمه الله بأشقى هذه الاُمّة ، ثمّ ما كان بعد ذلك من نكوص عن حرب معاوية استمراراً في التخاذل حتّى خلص الأمر لمعاوية في النهاية .
أسفرت مفرزة صفّين في معسكر عليّ عن تصنيف لفئات الناس لما يزل قائماً حتّى خروج الحُسين (ع) ، بل أحسبه كذلك في كلّ عصر وحتّى آخر الزمان :
فئة ممتازة ذات وعي كلّي ، الفكرة لديها واضحة وضوحاً لا لبس فيه ، تحيط علماً بأبعاد قضيتها إحاطة شمول .. وعلى يقين من أمرها لا شك فيه ، ولكنها كالعهد بها دائماً قليلة العدد ، فإن غالبية الناس على غير ذلك ، وقد جاء القرآن بثبوت ذلك ، فقال الله تعالى : 
( وَلكِنّ أَكْثَرَ الناسِ لاَ يَشْكُرُونَ )(1) . 
( وَلكِنّ أَكْثَرَ الناسِ لاَ يَعْلَمُونَ )(2) . 
( وَلكِنّ أَكْثَرَ الناسِ لاَ يُؤْمِنُونَ )(3) .
وهذه الفئة تضمّ أمثال : عمّار بن ياسر وحجر بن عدي ، والأشتر وعمرو بن الحمق .
وفئة ثانية : تنطوي على إخلاص وحسن نيّة ، ولكن يلتبس عليها أمر الحقّ ، فتحتاج أنْ تستوثق منه ، وتفتقر في ذلك إلى من يُعينها على إدراكه ، فإذا ما استوثقت لحقت بالفئة الأولى أو كادت , ومن هؤلاء : خزيمة بن ثابت ذو الشهادتين ، ولا أراني مخطئاً ألحقت بهذه الفئة كثيراً من الخوارج .
ــــــــــــــ
(1) سورة البقرة  / 243 .
(2) سورة الأعراف  / 187 .
(3) سورة هود /  17 .
________________________________________
الصفحة (381)
وفئة ثالثة : تعرف الحقّ معرفتها لذوات أنفسها ، ولكنّ الحقّ له تكاليفه وأعباؤه ، بينما طاقاتها النفسيّة لا تعينها على اجتياز الصراط بخفّة إليه ، فتقف متردّدة متثاقلة بين الحياء من عدم التزام الحقّ ، وبين إغراء الدنيا ، فتارةً تغلبها الدنيا فتؤثر السلامة ، وتارةً تثوب إلى رشدها وتمتثل لأمثل قناعاتها فتغصب نفسها على الحقّ غصباً .
وخير تمثيل لهذه الفئة هم التوّابون ، وعلى رأسهم : سليمان بن صرد والمسيب بن نجبة ورفاعة بن شدّاد ، الذين كان لهم شأن في مؤازرة عليّ (ع) في حروبه ، ولكنّهم قصّروا في مؤازرة الحُسين (ع) ، إلى أنْ كانت توبتهم بالإقبال على الشّهادة مختارين في ( عين الوردة ) ، فنالوها يومئذ عدا رفاعة .
وفئة رابعة : عنوانها الرئيسي يُوجز في كلمة واحدة : النفاق , ومن هؤلاء : خالد بن المعمر ، والأشعث بن قيس زعيم كندة ـ وكان على شاكلة عبد الله بن أبي بن سلول على عهد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ـ فكان يكتب لمعاوية وهو في معسكر عليّ (ع) ، ويحرّض على وقف القتال حين كاد جيش عليّ (ع) يظفر في المعركة ، وألّب على الأشتر لإحداث الفتنة ، وعبّأ الناس حتّى يلجئ عليّاً (ع) إلى قبول أبي موسى الأشعري ـ على تاريخ المخذّل عن عليّ (ع) ـ محكّماً مقابل عمرو بن العاص ، وفيه يقول عليّ (ع)(1) : (( منافق ابن كافر ، والله ، لقد أرك الكفر مرّة والإسلام اُخرى ، فما فداك من واحدة منهما مالك ولا حسبك . وإنّ امرءاً دلّ على قومه السيف وساق إليهم الحتف , لحريّ أنْ يمقته الأقرب ولا يأمنه الأبعد )) .
ــــــــــــــ
(1) نهج البلاغة ، بشرح محمّد عبده ، مرجع سابق / 110 .
________________________________________
الصفحة (382)
وفئة خامسة : قلبت للمبدأ ظهر المجن ، وشرت الآخرة بالدنيا ، فأقبلت عليها تعب من أوزارها في غير تأثم ، حتّى لكانت الدنيا أكبر همّها من غير إلقاء بال إلى دين أو حساب أو معاد .
وأظهر ممثّل لتلك الفئة زياد بن أبيه ، الذي فاق في شناعاته من حسم أمره منذ البداية لأجل الدنيا ، كعمرو بن العاص الذي انضمّ ابتداءً إلى معاوية وهو يعلم أنّ عنده مبتغاه من الدنيا .
وممّن انقلبوا من النقيض إلى النقيض حال خروج الحُسين (ع) : شبث بن ربعي وحجار بن أبجر ، وقيس بن الأشعث بن قيس , ويزيد بن الحارث ، الذين كاتبوا الحُسين (ع) قبل خروجه ليخرج ، وقالوا(1) : قد أينعت الثمار واخضرّ الجناب ، وطمت الجمام ، وإنّما تقدم على جند لك مجنّد ، فأقبل . فلمّا أقبل الحُسين (ع) إذا بهم هم أنفسهم رؤوس جيش ابن زياد لقتاله .
وهكذا لا ترى من بين فئات القيادات كلّها إلاّ ثلّة من الأوّلين ، مثل : مسلم بن عقيل وحبيب بن مظاهر ، ومسلم بن عوسجة وقيس بن مسهر ، وقليلاً آخرين من الذين حسموا ترددّهم نهائيّاً ، مثل : زهير بن القين والحرّ بن يزيد ... وهؤلاء لا يُغنون ـ بطبيعة الحال ـ في مواجهة نظام عتيد مثل نظام بني اُميّة .
وهؤلاء كانوا ـ حسب منطوقهم إبّان المعركة فيما أوردنا بعضه من قبل ـ أقرب إلى الإقبال على الشهادة خالصة في سبيل الله، مهما كانت العواقب من اطمئنانهم إلى قدرتهم على إحداث التغيير الشامل .
وهنا توجد الهوّة العميقة بين الدور المفترض والأداء الواقعي ، وربّما كان ذلك أحد أسباب الإخفاق من منظور استهداف التغيير الكلّي ؛
ــــــــــــــ
(1) تاريخ الطبري ، مرجع سابق 5 / 425 .
________________________________________
الصفحة (383)
ذلك أنّه يفترض في القيادة أنّه منوط بها قيادة الجماهير وتثويرها وتوعيّتها وتوجيهها عبر الوسائل المختلفة ، نحو تحقيق المستهدف من الحركة ، بحيث تُؤدّي القيادة دورها الطليعي للقاعدة الشعبيّة بالغوص في أعماقها ؛ لاستخراج مكنونها لتوظّفه التوظيف الملائم لقدرات كلّ ، بما يكفل فعاليّة القدرات الجزئيّة وتكاملها ، في الوقت الذي يضمن فيه المشاركة الواسعة ، كنتيجة للوعي بالأهداف ، ثمّ الممارسة المتواصلة للمهام في كلّ مرحلة . ولكنّ القلّة القليلة القياديّة المخلصة من أصحاب الحُسين (ع) اختزل دورها من الدور القيادي الشامل إلى أداء فردي بحت , فعلى الرغم من تعدّد انتماءات هذه القيادات ، فإنّ أحداً لمْ يعظّم من قدرته عن طريق تفعيلها في مجاله المؤثّر ، وقد كان لا يزال هذا المجال هو الانتماء القِبلي ، فلمْ ترَ قبيلة أو عشيرة تحرّكت لمساندة صاحبها لا على دين ولا على حسب .
بينما تجد على الجانب الآخر ، أنّ أحد أقوى الأسباب لنجاح عبيد الله بن زياد في مهمّته ، هو لجوؤه إلى قيادات القبائل فيما عرف بـ( الأشراف ) , الذين استطاعوا فضّ الجمع المصاحب لمسلم بن عقيل في حصاره لقصر ابن زياد . 
يروي الطبري(1) : أنّه كان مع ابن زياد في قصره يومئذ ثلاثون رجلاً من الشرط , وعشرون رجلاً من أشراف الناس وأهل بيته ومواليه ، فدعا ابن زياد الأشراف ليسيروا في الكوفة ليخذلوا الناس ، ثمّ دعاهم إلى قصره ليشرفوا على الناس ، قائلاً لهم : أشرفوا على الناس فمنّوا أهل الطاعة الزيادة والكرامة ، وخوّفوا أهل المعصية الحرمان والعقوبة ، وأعلموهم فصول الجنود من الشام إليهم . 
وكان من هؤلاء : عبيد الله كثير بن شهاب بن الحصين الحارثي , ومحمّد بن 
ــــــــــــــ
(1) تاريخ الطبري ، مرجع سابق 5 / 369 .
________________________________________
الصفحة (384)
الأشعث بن قيس الكندي ، والقعقاع بن شور الذهلي , وشبث بن ربعي التميمي ، وحجار بن أبجر العجلي , وشمر بن ذي الجوشن العامري .
فهل كانت القيادات الموالية لبني اُميّة ( الأشراف ) أطوع في أقوامها من القيادات الحُسينيّة ؟ أمْ كانت القيادات الحُسينيّة غير ذات فاعليّة في محيط أقوامها ؟ أمْ أنّ هناك عوامل اُخرى تحكّمت في مسار الأحداث ؟
تُجيبنا إحدى الدراسات(1) التي تناولت هذا الموضوع بما موجزه : أنّ القيادات الحُسينيّة تمثّل النخبة الواعية للإسلام في المجتمع الإسلامي ، ومن حيث هي كذلك فهي تمثّل النقيض الاجتماعي للنخبة القبليّة التقليديّة ، إلاّ أنّه من المرجّح أنّ جمهورها صغير الحجم بالنسبة إلى الجمهور التقليدي . ثمّ تصل الدراسة إلى النتيجة التالية (2) : لقد كان ثوّار كربلاء جمهوراً صغيراً ، بجناحيه من عرب الجنوب وعرب الشمال ، ولكنّه كان يمثّل النخبة ، فيجب أنْ نلاحظك أنّ كثيراً من الثائرين لا يمثّلون ـ عدديّاً ـ أشخاصهم أو أسرهم ، وإنّما يمثّلون النخبة ، فقد كانوا قادرين على السيطرة على الموقف لو قُدّر للثورة أنْ تنتصر وتمكنوا من الاستيلاء على الحكم ، وكانوا قادرين ـ إذا لمْ يتح لهم النصر , كما حدث في الواقع ـ أنْ يفجروا طوفاناً من الغضب ضدّ الحكم المنحرف في قلوب جماهير غفيرة من الناس .
ــــــــــــــ
(1) الشيخ محمّد مهدي شمس الدين ، أنصار الحُسين (ع) / 188 ، ط 2 ـ بيروت ـ الدار الإسلاميّة  / عام 1981 م .
(2) المرجع السابق / 201 .
________________________________________
الصفحة (385)
وهذا الرأي في الواقع يحتاج إلى كثير من المراجعة ، فهو أوّلاً : يقرّر أنّ جمهور النخبة صغير الحجم نسبيّاً ، إضافة إلى صغر حجم النخبة ذاتها ، إلاّ أنّه يعود ليذكّر أنّ النخبة تمثّل جماعات كبرى من القبائل ، وأنّها قادرة على تفجير طوفان من الغضب في قلوب جماهير غفيرة من الناس . وثانياً : فإنّه يشتمل على استدلال لا منطقي ، فالقضيّة بموضوعاتها ومحمولاتها ـ كما يقول المناطقة ـ مرتّبة بما لا يعكس قياساً منطقيّاً ، ولكن يجب ترتيبها على النحو التالي :
الثوار هم النخبة الواعية                 
الثوار يمثلون جماعات كبرى من القبائل .
            انتصار الثورة مرهون بتفجير طاقة الجماعات الكبرى .
 إذاً النخبة قادرة على نصر الثورة .         
ولكنّ الشيخ شمس الدين ـ لا أدري كيف ـ رتّب المسألة على  غير المراد : إذا انتصرت الثورة ، فإنّ النخبة قادرة على السيطرة على الموقف .
إذا لمْ تنتصر الثورة ، فإنّ النخبة قادرة على تفجير طوفان الغضب ضدّ الحكم المنحرف .
بينما المطلوب هو أن تقوم النخبة ابتداءً بتفجير طوفان الغضب ضدّ الحكم المنحرف لكي يتمّ انتصار الثورة ، وطالما أنّ النخبة تتمتّع بمثل هذه القدرة ، فستكون تلقائيّاً قادرة أيضاً على السيطرة على الموقف حال انتصار الثورة . ثمّ كيف تكون النخبة قادرة على تفجير الغضب في حالة عدم انتصار الثورة ؟ ويذكر الشيخ : أنّ هذا ما حدث في الواقع بينما هي قد استئصلت أو كادت مع الحُسين (ع) . 
الواقع أنّ كلّ ذلك لمْ يحدث تاريخيّاً ، وبالتالي تظلّ أسئلتنا بلا إجابة حتّى الآن .
________________________________________
الصفحة (386)
اقرأ ما رواه الطبري(1) في شأن هانئ بن عروة المرادي من أشراف العرب ، حسب تعبير ابن زياد نفسه ، تقف على حجم محنة النخبة : لمّا عرف ابن زياد منزل مسلم بن عقيل بدار هانئ بن عروة ، أتى بهانئ وحبسه وقال له : والله ، لتأتيني به أو لأضربن عنقك . قال هانئ : إذاً تكثر البارقة ـ يعني : السيوف ـ حول دارك .
قال ابن زياد : وا لهفاً عليك ! أبالبارقة تخوفني ؟!
يذكر الراوي : وهو ـ أي : هانئ ـ يظنّ أنّ عشيرته سيمنعونه , فاستعرض ابن زياد وجه هانئ بالقضيب ، فلمْ يزل يضرب أنفه وجبينه وخدّه حتّى كسر أنفه ، وسيّل الدماء على ثيابه ، ونثر لحم خدّيه وجبينه على لحيته حتّى كسر القضيب .
ولمّا دخل شريح على هانئ ، قال : يا الله ، يا للمسلمين ! أهلكت عشيرتي ؟ فأين أهل الدين ، وأين أهل المصر ؟ تفاقدوا يخلّوني وعدوّهم وابن عدوهم !
وحين قُتل مسلم بن عقيل أُخرج هانئ ـ بأمر ابن زياد ـ إلى سوق يُباع فيه الغنم لتضرب عنقه ، جعل هانئ يقول : وا مذحجاه ! ـ يعني : قبيلته ـ ولا مذحج لي اليوم ! وا مذحجاه ! وأين منّي مذحج ! 
فلمّا رأى أنّ أحداً لا ينصره جذب يده فنزعها من الكتاف ، ثمّ قال : أمَا من عصا أو سكين أو حجر أو عظم يجاحش بها رجل عن نفسه ؟!
فهذا الرجل من النخبة من سادات العرب ، ومن كبار زعماء اليمنيّة بالكوفة ،
ــــــــــــــ
(1) تاريخ الطبري ، مرجع سابق 5 / 367 وما بعدها .
________________________________________
الصفحة (387)
يسلّم ويخذل ويخلّى بينه وبين عدوّه ، ثمّ يُذبح ويُجر من رجليه بسوق الغنم ، ولك ذلك يحدث في محلّه وبين قومه وعشيرته الأدنين ، وهو يستصرخهم ولا مجيب .
وفي سياق البحث عن أسباب الخذلان الكوفي ، يذهب باحث آخر إلى أنّ التشيع أحدث اختراقاً قبليّاً بحيث أدّى إلى وجود انتماء سياسي على أساس غير عصبوي(1) .
وهذا الرأي في الواقع وإنْ كان حقّاً ، إلاّ أنّه يمثّل عنصراً إيجابيّاً ، يتوقّع معه ألاّ يُؤدّي إلى الخذلان بالقدر الذي حدث ، وبالتالي فهذا العنصر لا يفسّره ، ولكن يزيده إبهاماً .
غير أنّ الباحث قد أصاب حين وصف التغير الحاديث بـ ( الاختراق القبلي ) ، ولفظ الاختراق دلالته واضحة في الحجم النسبي المحدود للتغير ، وهو يعني في النهاية سيادة القيادات القبليّة التقليديّة .
وواضح أنّ المسألة القبليّة كانت أحد العوامل المؤثّرة بشدّة في مسار الأحداث ، وواضح أيضاً أنّ لبّ المسألة يكمن في فعاليّة الزعمات القبليّة التقليديّة ، وليس في قواعدها الواسعة المرهونة حركتها قيد توجّهات الأولى .
ولقد كانت النزعة القبليّة ، كما هي حتّى يومنا هذا ممّا نعاينه من طبيعة الأداء السياسي في المجتمعات النامية والمتخلّفة ، عائقاً أعظم يحول دون التطوّر الاجتماعي بشكل عامّ ، وهي دائماً إحدى أدوات الأنظمة الاستبداديّة في بسط هيمنتها على الشعوب .
ــــــــــــــ
(1) د . إبراهيم بيضون ، اتّجاهات المعارضة في الكوفة / 167 ـ بيروت ـ معهد الإنماء العربي ، عام / 1986 م .
________________________________________
الصفحة (388)
إلاّ أنّ هذه المسألة تدفعنا إلى التساؤل في حيرة ، عن سبب شغل القبليّة لهذا الحيّز الكبير في الصراع ـ ونحن نتناول أحداث عام واحد وستين هجري ، بعدما أتى الإسلام بمفهومه المناقض للمفهوم الجاهلي ؟
لقد بسطنا القول من قبل في هذه المسألة ، وانتهينا إلى أنّ القبلية هي إحدى محدّدات النظام الجاهلي ، وعند اختبار هذا المحدّد بالنسبة للنظام الاُموي لمْ نجد اختلافاً يذكر عمّا كان سائداً قبل الإسلام ، بل إنّ النظام الاُموي ـ كنظام استبدادي ذي طموحات خاصّة ـ عمد إلى تعميق هذه النزعة موظفاً آليات فعلها ومستثمراً عوائدها في تثبيت دعائمه .
ولكن بحثنا في أسباب الخذلان الشامل للحسين (ع) ، والكوفي منه بخاصّة ، فتح أبصارنا على معطيات واقعيّة وكم من الجزئيّات التفصيليّة ، لا بدّ وأنْ تقودنا بالضرورة إلى مراجعة التعميمات النظريّة وإخضاعها للمحكات العمليّة ، وإلاّ أصاب اتّساق البِناء الفكري لدينا خلل خطير .
فلأوّل وهلة ، قد رأينا أنّ أمر الكوفة يحسمه تقسيمها القبلي ، ولكنّا نعلم أنّ الكوفة منشأة في الإسلام ، فلماذا انسحبت عليها هذه السمة ؟ لا بدّ إذاً من العودة القهقري على مراحل ، نتتبع فيها مسار هذه النزعة ، وهو ما نحسبه يتحقّق بالتوقف قليلاً في المحطّات التالية :
في حرب صفّين : كان تقسيم كلا الجيشين المتحاربين تقسيماً قبليّاً بحتاً ، حتّى إنّ عليّاً (ع) قال(1) لأزد الكوفة : (( اكفوني أزد الشام )) . وقال لخثعم : (( اكفوني خثعم )) . فأمر كلّ قبيلة من أهل العراق أنْ تكفيه أختها من أهل الشام .
ــــــــــــــ
(1) الأخبار الطوال ، مرجع سابق / 181 .
________________________________________
الصفحة (389)
في تمصير الكوفة التي اختطت في عهد عمر عام 17 هـ على يد أبي الهياج الأسدي موفد عمر إلى سعد بن أبي وقّاص ، فكان أنْ أسهم بين عرب الشمال والجنوب ، فخرج سهم اليمن أوّلاً ، فصارت خططهم في الجانب الأيسر ، وصار لنزار الجانب الغربي . وكانوا ، كما قال الشعبي(1) : كنّا ـ يعني : أهل اليمن ـ اثني عشر ألفاً ، وكانت نزار ثمّانية آلاف ، ألاَ ترى أنّا كنّا أكثر أهل الكوفة .
ثمّ قسّموا كالتالي(2) :
كنانة وحلفاؤها من الأحابيش وغيرهم وجديلة ، وهم بنو عمرو بن قيس عيلان .
قضاعة ـ ومنهم يومئذ غسّان بن شيام ـ وبجيلة وخثعم وكندة وحضر موت والأزد .
مذحج وحمير وهمدان وحلفاؤهم .
تميم وسائر الرّباب وهوازن .
أسد وغطفان ومحارب والنمر وضبيعة وتغلب .
إياد وعكّ وعبد القيس وأهل هجر والحمراء .
وظلّ هذا التقسيم سارياً حتّى ربّعهم زياد في عهد معاوية ، كالتالي(3) :
1 ـ أهل المدينة .
2 ـ تميم وهمدان .
3 ـ ربيعة وكندة .
4 ـ مذحج وأسد .
ــــــــــــــ
(1) البلاذري ، فتوح البلدان  / 389 ـ بيروت ـ مؤسسة التعارف / 1987 م .
(2) تاريخ الطبري ، مرجع سابق 4 / 48 .
(3) المرجع السابق 5 / 268 .
________________________________________
الصفحة (390)
في فتح مكّة ذكر ابن هشام(1) ، أنّه عند مرور جيوش رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أمام أبي سفيان ، قال : ومرّت القبائل على راياتها ، كلّما مرّت قبيلة ، قال : يا عبّاس ، مَن هذه ؟ فأقول : سليم . فيقول : ما لي ولسُليم . ثمّ تمرّ القبيلة فيقول : يا عبّاس ، من هؤلاء ؟ فأقول : مزينة . فيقول : ما لي ولمزينة ، حتّى نفدت القبائل ، ما تمرّ به قبيلة إلاّ يسألني عنها ، فإذا أخبرته بهم ، قال : ما لي ولبني فلان ، حتّى مرّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في كتيبته الخضراء ... قال ابن إسحاق : فيها المهاجرون والأنصار .
كتاب المدينة عند الهجرة الصحيفة : كتب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) كتاباً عند هجرته إلى المدينة ، يوضّح فيه أُسس العلاقات الجديدة بين المهاجرين والأنصار واليهود ومواليهم وحلفائهم وأعدائهم . ونبرز من هذا الكتاب ما يتّصل بموضوعنا فيما يلي(2) :
ـ المؤمنون والمسلمون من قريش ويثرب ، ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم ، إنّهم اُمّة واحدة من دون الناس .
المهاجرون من قريش على ربعتهم يتعاقلون بينهم ، وهم يفدون عانيهم بالمعروف والقسط بين المؤمنين(3) . بنو عوف وبنو ساعدة ، وبنو الحارث وبنو جشم ، وبنو النجار وبنو عمرو بن عوف ، وبنو الانبيت وبنو الأوس : على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى ، وكلّ طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين .
* * *
ــــــــــــــ
(1) السيرة ، مرجع سابق 2 / 404 .
(2) المرجع السابق 1 / 501 .
(3) المعاقل : الديات ، والعاني : الأسير ، على ربعتهم : الحال التي جاء الإسلام وهم عليها .
________________________________________
الصفحة (391)
وإنّ فُحص مدى الترابط بين الحوادث في المحطّات التي وقفنا عندها ليُوحي بأنّ هناك اتّجاهاً عاماً لتكريس القبليّة ، وليس لتفكيك بنياتها كما يعتقد ويتوقّع من المفهوم الإسلامي النقيض للمفهوم الجاهلي ، وذلك ما حدا بالبعض إلى فهم الإسلام على أنّه مشروع تآلفي بين متناقضات قائم على توازنات عصبيّة محدّدة ، وبما أنّه كذلك ؛ فإنّ طبيعته التآلفيّة لا تفترض ولا تقتضي السعي إلى تحطيم أو إزالة العصبيّات(1) .
ولكن معاودة الفحص للحوادث السالفة في ضوء كلّيات الطرح الإسلامي ، وكذلك مراجعة مضاهاتها بمثيلاتها من الجزئيّات التفصيليّة ، تقودنا إلى نظر متّسق وحقيقة التصور الإسلامي الذي يوجز في كونه مشروعاً متكاملاً ومترابط الأبعاد ، وينطوي عضويّاً على شروط تحقيقه ، وقد قال الله تعالى : ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلاَمَ دِيناً )(2) ، بما يعني أنّ الله تعالى وضع للمجتمع المسلم المبادئ الكلّية والقواعد الأساسيّة الكفيلة بتطويره ، فيما هو قابل للتحور بطبيعة تغير الزمان والمكان ، وما هو مستهدف للتغيير عبر الزمان ، وكذلك الأحكام التفصيليّة والقوانين الجزئيّة فيما هو ثابت .
والمشروع الإسلامي لا ينفي حقيقة وجود التجمعات البشريّة ، ولا الانتماءات الناتجة عن التواجد المكاني ، أو تلك المرتبطة بعلاقات نسبيّة ، ولكنّه في ذات الوقت يشدّد على نفي ترتيب أيّة قيم مؤسّسة عليها ، ويسلبها إدّعاء التزامات تلحقها في مقابل الالتزام الأساس وهو صلة الإيمان ، وميزانه الأوحد هو التقوى .
ــــــــــــــ
(1) د . فؤاد خليل ، الإقطاع الشرقيّة / 51 ـ بيروت ـ دار المنتخب العربي / 1996 م .
(2) سورة المائدة / 3 .
________________________________________
الصفحة (392)
يقول تعالى : ( وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضَهُمْ أَولِياءُ بَعْضٍ )(1) . 
ويقول تعالى : ( يَا أَيّهَا الناسُ إِنّا خَلَقْنَاكُم مِن ذَكَرٍ وَأُنثَى‏ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللّهِ أَتْقَاكُمْ )(2) .
ولقد ابتلي المسلمون ابتلاءات شديدة ، ووضعوا في مواقف الاختيار الصعبة ؛ كي يمحصّوا ويثبتوا عن طريق ملابسة المفهوم النظري للواقع المعاش ، وهنا يقع الفرز الحقّيقي . حدث ذلك في ملاقاة المهاجرين لذويهم وجهاً لوجه في الحروب ، بل حدث ما هو أشدّ من ذلك ، وهو استنصار المهاجرين بالأنصار على ذوي قرباهم .
وحدث ذلك بوضع الأنصار في مواجهة مواطنيهم من اليهود بالمدينة . وحدث ذلك بمواجهة الأنصار لأنفسهم بأنفسهم في حادث الإفك . وحدث ذلك في مواقف كثيرة غير التي ذكرنا ،  فهل خلصت نيّات الجميع ، وهل ثبت الجميع ؟
لا ، وليس هذا من طبائع البشر ، وليس هذا من سنن الكون حتّى ورسول الله (صلّى الله عليه وآله) حيّ بينهم ، ومن هنا قولنا السالف إنّ الرسالة تضمنت شروط تحقيقها بوضع القواعد الكفيلة بتطوير المجتمع ، من داخله على مدى الزمان إنْ اُلتزمت الشروط , وتظلّ تبعة تحقيق المشروع منوطة بسلوك المسلمين أنفسهم .
إنّنا نستطيع أنْ ندللّ على صحّة هذا الرأي بالعديد من المواقف ، ونذكر منها على سبيل المثال : استمرار المفاخرة ومحاولة انتزاع الفضل بن الأوس والخزرج . فقد ذكر الكاندهلوي(3) في معرض حديثه عن مقتل أبي رافع
ــــــــــــــ
(1) سورة التوبة / 71 .
(2) سورة الحجرات / 13 .
(3) محمّد يوسف الكاندهلوي ، حياة الصحابة 1 / 356 ـ القاهرة ـ المكتب الثقافي بالأزهر / 1993 م .
________________________________________
الصفحة (393)
سلام بن أبي الحقّيق : إنّ هذين الحيّين من الأنصار : الأوس والخزرج كانا يتصاولان مع رسول الله (صلّى الله عليه وآله) تصاول الفحلين ، لا تصنع الأوس شيئاً فيه غناء عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) إلاّ وقالت الخزرج : والله ، لا تذهبون بهذه فضلاً علينا عند رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، فلا ينتهون حتّى يوقعوا مثلها ، وإذا فعلت الخزرج شيئاً ، قالت الأوس مثل ذلك .
ونذكر كذلك كيف أنّ المنافسة بين الأوس والخزرج أدّت إلى المخالفة على سعد بن عبادة يوم السقيفة ، وذلك فضلاً عن مدافعة قريش لكلا الحيّين .
ونذكر أيضاً كيف أنّ استعلاء قريش عقيب السقيفة أدّى إلى تذّمر بقية قبائل العرب فيما عرف بحرب الردة .
كلّ ذلك يعني أنّ المشروع لمْ يكن قد مُكّن له في الواقع ـ حين وفاة الرسول (صلّى الله عليه وآله) ـ بالرغم من استكمال بنائه النظري ؛ ومن هنا كانت الحاجة ماسّة إلى قيادة مؤهّلة لاستكمال تعميقى جذور المشروع في الواقع حتّى يرسخ .
وممّا هو جدير بالذكر في هذا السياق ، أنّ نلفت النظر إلى عدم صواب الرأي القائل بتفرد الجيل الأوّل بعوامل التميز بإطلاق ، ونخصّ منه تميزه بحدوث فجوة فجائيّة على مستوى الشعور بين الجاهليّة والإسلام ، وهو الرأي الذي يعبّر عنه سيّد قطب بقوله(1) : لقد كانت الرجل حين يدخل في الإسلام يخلع على عتبته كلّ ماضية في الجاهليّة ؛ كانت هناك عزلة شعوريّة كاملة بين ماضي المسلم في جاهليّته وحاضره في إسلامه ، تنشأ عنها عزلة كاملة في صلاته بالمجتمع الجاهلي من حوله وروابطه الاجتماعيّة ، فهو قد انفصل نهائيّاً من بيئته الجاهليّة واتّصل نهائيّاً ببيئته الإسلاميّة .
ــــــــــــــ
(1) معالم في الطريق ، مرجع سابق 19 / 20 .
________________________________________
الصفحة (394)
وواضح أنّ ذلك لمْ يحدث أبداً بمثل ذلك التعميم الذي ارتآه .
والآن نستطيع إعادة قراءة ما ذكرناه في المحطّات التي وقفنا عندها ، فنجد أنّ ما توهّمه البعض من استبقاء الإسلام للعصبيّات واستهدافه التوازن بينها لا محلّ له ، وإنّما لا يعدو الأمر كونه تنظيماً اجتماعيّاً جرى مرحليّاً على عادات القوم في الاجتماع ، مع الحرص على تفريغ محتواه الجاهلي وإحلال الانتماء العقيدي محلّه .
وآية ذلك تأكيد الصحيفة على أنّ المؤمنين والمسلمين ومن تبعهم اُمّة واحدة من دون الناس . وإحدى آيات كونه تنظيماً اجتماعيّاً طلب الرسول (صلّى الله عليه وآله) لنقباء من القبائل في بيعة العقبة . يذكر ابن هشام(1) : قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : (( أخرجوا إليّ منكم اثني عشر نقيباً ؛ ليكونوا على قومهم بما فيهم )) . فأخرجوا منهم أثني عشر نقيباً ، تسعة من الخزرج وثلاثة من الأوس .
فتأمّل قوله (صلّى الله عليه وآله) : (( ليكونوا على قومهم بما فيهم )) . أي طالما أنّ هناك التزامات محدّدة ومسؤوليّات ، فلا بدّ من وجود كفلاء على تنفيذ المسؤوليّات ، فكان وجود النقباء على القبائل نوعاً من التنظيم السياسي .
وعلى هذا النحو يفهم تكتيب علي للكتائب على القبائل في حرب صفّين ، إضافة إلى أنّه رأى ذلك أدعى لعدم الإثخان والإمعان في القتل طالما ، أنّ كلّ قبيلة تقابل بعضها ، وتلك كانت سيرته دائماً أنّه كان يسعى فقط لإقامة الحقّ ، وليس الانتقام أو الإرهاب أو الإذلال .
والآن نعود أدراجنا إلى سؤالنا الأوّل عن حال النخبة المخلصة في مقابل القيادات القبليّة التقليديّة ، فنجد أنّه ليس من العسير فهم لماذا كانت السيطرة محسومة لصالح هذه الزعمات بمحتواها القبلي النفعي ، في مقابل النخبة العقائديّة ؟
ــــــــــــــ
(1) السيرة ، مرجع سابق 1 / 443 .
________________________________________
الصفحة (395)
ولكن إذا كنّا قد وضعنا أيدينا على سبب قلّة ملتزمي الجوهر الإسلامي ، بحيث صاروا نخبة فقط وسط جموع القيادات التقليديّة بمفهومها النقيض ، وأرجعنا ذلك إلى عدم استكمال المشروع في الواقع ، فإنّنا لا نزال على تساؤل : لماذا لمْ يتمّ استكمال المشروع ؟
ونحن نرجئ محاولة الإجابة على هذا التساؤل إلى حين ، وحتّى نفرغ من مناقشة حال القوى الفاعلة في ذلك الظرف .
القاعدة الشعبية :
أسفرت الحقبة الراشديّة عن تبلور للمجتمع الإسلامي متسّماً بسمات خاصّة ظلّ محتفظاً بها لأمد غير قصير . هذه السمات تحدّدت بالأساس على يد عمر بن الخطاب وزيراً للخليفة ثمّ خليفة , ولا نرى عهد عثمان إلاّ نتاجاً طبيعيّاً لمّا استنّه عمر ، بينما لمْ تتح الفرصة لعليّ (ع) أنّ يقيم بناءه على أساس من قناعاته .
فقد كان هناك التميز القرشي المستحدث المستمدّ شرعيته من بلائه في الإسلام فيما سمّي بالأرستقراطيّة القرشيّة ، والتي تكرست بحدث السقيفة ، ثمّ تأكد بسياسة عمر من بعد .
وكانت هناك الأرستقراطيّة القديمة وفي القلب منها بنو اُميّة ، وتلك تميّزت بقدر هائل من المرونة بحيث استطاعت أنْ تكيّف نفسها بسرعة مع الأحداث ، كيما تظلّ محتفظة بمكانتها المتميّزة في ظلّ الوضعيّة الجديدة حتّى تسنمتها فيما أسلفنا بيانه .
وكان هناك تيّار شعبي تمايز ، كردّ فعل لعوامل التميز الأرستقراطي وما يمثّله من حيود عن الأيديولوجيا الإسلاميّة , وبلغ ردّ فعل هذا التيّار ذروته في أحداث الثورة بعثمان .
________________________________________
الصفحة (396)
وممّا يسترعي النظر في هذا السياق ، أنّ عمر ممثّل الأرستقراطيّة المستحدثة ُمكّن للأرستقراطيّة القديمة على حساب فئته . تمثّل ذلك في تمكينه معاوية من الشام ، في الوقت الذي ُحبس الصحابة في المدينة حرصاً منه ، على عدم التمكين لقيادات التيّار الشعبي من الانتشار في الأرض ، حذراً من مخاطر محتملة يمكن أنْ تهدّد نظامه ، خاصّة وأنّ هذا التيّار يصبّ في النهاية عند عليّ (ع) .
هذه السياسة من عمر تكشف أيضاً عن استعماله ممثّلي الأرستقراطيّة القديمة ، لموازنة طموحات الأرستقراطية المستحدثة ، إضافة إلى عدائها المفهوم لقيادات التيّار الشعبي ، بما يزيل القناع عن الطبيعة الاستبداديّة للسلطة الشديدة المركزيّة التي أرسى دعائمها عمر .
هذه الطبيعة التناحريّة داخل الفئة أو الطبقة الواحدة ليست بمستغربة , فكذلك رأيناها بين طلحة والزبير في مسيرهما نحو حرب الجمل حتّى اختلفا فيمَن يؤمّ الصلاة . وكذلك رأيناها بين جناحي السلطة الاُمويّة : بني سفيان وبني العاص .
وأنهى عمر حياته حرصاً على عدم التمكين لتيّار عليّ (ع) ، بالتمكين لعبد الرحمن بن عوف ، القاسم المشترك بين الأرستقراطيّتين القديمة والمستحدثة ، ليمكّن بدوره لنظيره عثمان .
أفضت سياسة عثمان إلى استقطاب حادّ ، بما أدّى إلى زيادة سعة التيّار الشعبي الرافض وبما أوجده من روافد له في الأمصار ، حتّى نهض هذا التيّار بثورته التي أودت بعثمان ، وأتت بالقيادات المنحازة للأغلبيّة وعلى رأسها عليّ (ع) .
إلاّ أنّ الأرستقراطيّتين رأتا أنّ مصلحتهما تتحقّق بالتحالف معاً ، ممّا أدىّ إلى حصار وإنهاك واستنفاد قوى التيّار الشعبي ، ممّا أفضى إلى حسم الصراع
________________________________________
الصفحة (397)
لصالح الأرستقراطيّة القديمة ، فيما اكتفت المستحدثة بجوارها ، بينما فقد التيّار الشعبي قيادته العليا المتمثّلة في عليّ (ع) وكذلك بعضاً من طليعته الواعية ، بينما غُلب البعض الآخر على أمره ، وجرى تصفيته فيما بعد على مراحل .
استخدمت الفئات المعادية للتيّار الشعبي كلّ الأسلحة الغير مشروعة لإيجاد حالة من الارتباك والالتباس الشديدين لدى معسكر التيّار الشعبي . ومثال ذلك خروج السيّدة عائشة مع طلحة والزبير لقتال عليّ (ع) ، ممّا أربك الناس حتّى قال عليّ (ع) : (( الحقّ لا يُعرف بالرجال ، ولكن اعرفْ الحقّ تعرفْ أهله )) . ومثاله أيضاً الموقف المخذِّل للمعتزلين ، كعبد الله بن عمر وسعيد بن أبي وقاص وغيرهم . ومثاله ـ كذلك ـ مكيدة عمرو بن العاص في صفّين حين رفع المصاحف ، وقد كاد النصر يلوح .
ساهم كلّ ذلك بلا ريب في تفتيت قوى التيّار الشعبي ونقض وحدتها ، بحيث أدّى إلى انشقاق جزء منها ليس بالهين كالخوارج ، وإلى ترك الكتلة الكبرى منها في حالة ميوعة وعدم استقرار لمْ يسبق لها مثيل .
هذه الكتلة ظلّت على حالتها المائعة حتّى خروج الحُسين (ع) , وبين أيدينا كثير من الشواهد تدلّ على حال هذه الكتلة الآخذة في التفكك والتراجع منذ أدمت قلب عليّ (ع) ذاته وحتّى كان خذلانها الشهير للحُسين (ع) .
رأي عليّ (ع)(1) : (( إنّي والله ، لأظنّ أنّ هؤلاء القوم سيدالون منكم باجتماعهم على باطلهم وتفرّقكم عن حقكم ، وبمعصيتكم إمامكم في الحقّ ، وطاعتهم إمامهم في الباطل .
ــــــــــــــ
(1) نهج البلاغة بشرح محمّد عبده ، مرجع سابق .
________________________________________
الصفحة (398)
فيا عجباً ! والله يُميت القلب ، ويجلب الهمّ من اجتماع هؤلاء القوم على باطلهم ، وتفرّقكم عن حقّكم ، فقبحاً لكم وترحاً ! حين صرتم غرضاً يُرمى ، يُغار عليكم ولا تغيرون ، وتُغزون ولا تغزون ، ويُعصى الله وترضون )) . 
(( يا أشباه الرجال ولا رجال ، حلوم الأطفال ، وعقول ربّات الحجال . لوددت أنّي لمْ أرَكم ولمْ أعرفكم )) . 
(( أيّها الشاهدة أبدانهم ، الغائبة عقولهم ، المختلفة أهواؤهم ، المبتلى بهم اُمراؤهم . صاحبكم يطيع الله وأنتم تعصونه ، وصاحب أهل الشام يعصي الله وهم يطيعونه )) .
(( ولقد أصبحت الاُمم تخاف ظلم رعاتها ، وأصحبت أخاف ظلم رعيتي )) . 
(( يا أهل الكوفة ، منيت منكم بثلاث : صمٌ ذوو أسماع ، وبكم ذوو كلام ، وعمى ذوو أبصار )) . 
(( أفٍّ لكم ! لقد سئمت عتابكم ، أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة عوضاً ، وبالذلّ من العزّ خلفاً )) .
رأي مسلم بن عقيل موفد الحُسين (ع) إلى أهل الكوفة(1) : 
سأل مسلم محمّد بن الأشعث حين أسره أنْ يخبر الحُسين (ع) برسالته : لا يغرّك أهل الكوفة ، فإنّهم أصحاب أبيك الذي كان يتمنّى فراقهم بالموت أو القتل , إنّ أهل الكوفة قد كذّبوك وكذّبوني ، وليس لمكذّب رأي .
رأي ناصح للحُسين (ع) ، وهو عمر بن عبد الرحمن المخزومي(2) :
ــــــــــــــ
(1) تاريخ الطبري ، مرجع سابق 5 / 357 .
(2) المرجع السابق / 382 .
________________________________________
الصفحة (399)
إنّه بلغني أنّك تريد المسير إلى العراق ، وإنّي مشفق عليك من مسيرك ، إنّك تأتي بلداً فيه أعماله وأمراؤه ، ومعهم بيوت الأموال ، وإنّما الناس عبيد لهذا الدرهم الدينار . ولا آمن عليك أنْ يقاتلك مَن وعدك نصره ، ومَن أنت أحبّ إليه ممّن يقاتلك معه .
رأي الفرزدق(1) : القلوب معك ، والسيوف مع بني اُميّة .
هل هو انفصام في الشخصيّة الجمعيّة ؟
يلّخص قول الفرزدق تلخيصاً وافياً حال الناس حين خروج الحُسين (ع) , وهو يطابق تماماً رأي عمر المخزومي السالف ذكره .
فهل يعني ذلك أنّ هناك انفصاماً أصاب الشخصيّة الجمعيّة للكتلة الشعبيّة التي يفترض أنّها الرصيد الحقيقي للثورة ، وهي في الوقت ذاته صاحبة المصلحة الحقيقيّة فيها ؟
هذا الانفصام النفسي ( Psychic Splitting ) يعرّفه بلوير (E. Bleuler ) (2 ) على أنّه مميّز جوهري من مرض الشيزوفرانيا ( Schizophrania ) ، ويتجلّى في الميل أو الفصل أو التفرقة أو التقسيم ، بحيث لا تتكامل المركّبات النفسيّة والدوافع في مزيج ذي نتاج واحد ، وإنّما تعمل المركّبات منفردة في انفصال عن غيرها ، ويعبّر عن ذلك أيضاً بالميل المزودج ( Ambivalence ) على جميع المستويات الانفعاليّة والإراديّة والعقليّة ، بحيث يتّخذ تُجاه الموضوعات مواقف موجبة وسالبة في آنٍ واحد .
ــــــــــــــ
(1) المرجع السابق / 386 .
(2) فرويد ، الموجز في التحليل النفسي / 85 ـ 113 ، القاهرة ، دار المعارف / 1980 م .
________________________________________
الصفحة (400)
ولكن الانفصام(1) على مستوى الشخصيّة الفرديّة ، هو ذُهان ينشأ عن اضطراب وظيفي تشكل العوامل النفسيّة لا العضويّة غالباً جوهره . أيْ أنّه تعبير نهائي عن تاريخ ممتدّ لأزمة نفسيّة متفاقمة لمْ تُجد مع كثافتها الوسائل الأوّليّة لإعادة التوازن ، فكانت هذه النتيجة الحادّة .
ويهمنا في هذا التحليل عنصران أساسيّان يميّزان الانفصام ، وهما :
وجود أزمة نفسيّة حادّة لدى المصاب بالانفصام .
فقد المصاب الاستبصار بحالته .
والأزمة النفسيّة تنشأ أساساً ؛ إمّا عن مواجهة عقبات أو صراع دافعي ، أي : التعارض بين إشباع الرغبات من ناحية ، والقيم والضوابط من ناحية أخرى . ولكن الأزمة بهذا المفهوم تتعلّق أساساً بكيفيّة إدارك هذا التعارض والشعور به ممّا يتلازم معه وجود حالة من المعاناة ، قد تشتدّ فتكون أزمة ، ثمّ قد تشتدّ فتصير فصاماً .
وبذلك فإنّ البداية تكون بالأساس إدراكاً شعوريّاً مرهفاً بالتعارض ، بينما تكون النهاية فقداً لهذا الشعور .
ونحن إنْ طبّقنا هذه المعايير على حالتنا ـ تلك الخاصّة بموقف القاعدة الشعبيّة من خروج الحُسين (ع) ـ لوجدنا أنّ حالة الانفصام بعيدة كلّ البعد عن تشخيص حالة هذه القاعدة . فلمْ نطالع أزمة لدى أحد ، ولمْ نخبر بمعاناة أحد ، وما وجدنا صراعاً يعتصر أحداً ، ولكن وجدنا الحُسين (ع) يخرج من المدينة حرم جده رسول الله (صص
الصفحة (401)
وارتكسَ مَن ارتكس ، ونكصَ مَن نكص ، فلمّا دانت ساعة المواجهة وجد الداعين له هم الذين يحاربونه ، ولقي الأنصار المفترضين هم الذين يقاتلونه ، بلا أدنى مشكلة لديهم ، وبلا مواربة ولا حياء .
إذاً خدعتنا مقولة الفرزدق : قلوبهم معك وسيوفهم عليك . وأشعرتنا خطأً أنّ هناك انفصاماً لدى القوم ، وهو غير صحيح ، نتيجة عدم استشعارهم أصلاً أزمة فيما يقترفون .
لا بدّ إذاً من البحث عن تفسير آخر أكثر إقناعاً لمَا حدث .
لعلّنا نجد في تحليل شخصيّة الجماعة ما عساه يهدينا إلى إجابة . ونقول : إنّ الجماعة ـ كما الفرد ـ تتكوّن شخصيته من عناصر عدّة لا انفصال بينها في الواقع ، ولكنّها في علاقات تبادليّة وتخضع لتنظيم خاصّ هو الذي يميّز شخصيّة عن أخرى ، وبذا فإنّ الذات الشخصيّة هي في النهاية تنظيم ينتظم علاقات بين عناصر بشكل خاصّ .
وكذلك الجماعة ، ليست مجرّد تراكم بشري ، أي : ليست حاصل الجمع الحسابي للأفراد ، وإنّما هي نظام ذو ذات مفترضة(1) تكمن حيويّتها في كونها وعاءً لتفاعلات ( ديناميّة ) وتبدلات تماثليّة بين الأشخاص .
وهكذا فإنّ الشخص لا يعيش في فراغ ، ولا يسلك في استقلال ، كونه يعيش في جماعة ، بل إنّ هناك شبه تطابق بين سمات شخصيّة أعضاء الجماعة والسمات العامّة للجماعة ، وهو ما تؤكّده الدراسات الحديثة ، منها : نظرية كاتل ( Cattel ) في الشخصية العامّة للجماعة (Group Syntality Theory ) (2 ) .
ــــــــــــــ
(1) ديدية أنزيو ، الجماعة واللاوعي ، ترجمة د . سعاد حرب  / 6 ـ القاهرة ـ الكتاب للنشر / 1990 م .
(2) ما رفن شو ، ديناميّات الجماعات ، ترجمة د . مصري حنورة ودّ . محيي الدين أحمد  / 43 ، ط 2 ـ القاهرة ـ دار المعارف  / 1996 م .
________________________________________
الصفحة (402)
والسمات العامّة للجماعة ـ بما تتضمنه من علاقات تبادلية ـ دالّة في متغيّر أساسي يتعلّق بناموس الثقافة بمحتواه الواسع والمتضمن للقواعد النظريّة ، ونسق القيم ، والخبرات التطبيقيّة المتراكمة ، والتقاليد المتبعة ، ومكتسبات المواجهات في المواقف المختلفة .
كلّ تلك العناصر تعمل على مهل وتترسخ ، وتترسّب في مخزن عميق واسع هو ما أسماه يونج ( Jung ) باللاوعي الجماعي(1) .
علينا إذاً أنْ نفتّش في هذا المخزن العميق ، لعلّنا نجد ضالتنا تلك التي تجعل الأشخاص يقترفون الاثام دونما شعور بإثم ، ويأتون بأكبر الكبائر وكأنّها لمْ تبلغ حدّ الصغائر . والمشكل في كلّ ذلك أنّهم ليسوا بمغيّبين ، وإنّما مدركون لمعنى الخطيئة ، وواعون بحدّ الكبيرة .
لا أظنّ أنّه من العسير على أحد أنْ يضع يده مباشرةً على السبب ، إنّه في كلمة واحدة : التبرير ( Rationalisation ) ، فذلك ما مارسه الناس على مرّ الأزمان ، ويمارسونه اليوم ، وعلى امتداد الأرض .
والتبرير(2) هو التمويه على الباطل بما يشبه الحقّ ، هو عقلنة الضلال ، هو إضفاء الشرعيّة على المحرّمات ، وهو الحيلة الدفاعيّة التي يلجأ إليها لخداع الذات ـ قبل الأغيار ـ بغرض التنصّل من الالتزامات ، ونفياً للقيم والضوابط بليها هي ذاتها لحساب المتعارض معها من مصالح وأهواء .
وأنت لا تغلو إنْ قلت : إنّ أخطر ما أصاب دولة الإسلام وأصابها في مقتل ، هو تلك الحيلة الخداعيّة التبرير , فلمْ يعيها عدوّ خارجي ، ولا توالت عليها 
ــــــــــــــ
(1) د . علي زيعور ، مذاهب علم النفس /  266 ، ط 5  ـ بيروت ـ دار الأندلس / 1984 م .
(2) أصول علم النفس ، مرجع سابق / 560 .
________________________________________
الصفحة (403)
كوارث طبيعيّة ، وإنّما فتك بها ذلك المرض العضال الذي باكرها ، ولم يزل بها ناهكاً قواها حتّى أسقطها وهي بعد لمْ تزل في المهد .
تلمح البداية الأولى في مخالفة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وهو حيّ في قضيّة بعث أسامة ، وفي عدم الانصياع لأمره بموافاته بدواةٍ وكتاب ليكتب للأمة ، ثمّ توالت التبريرات في السقيفة ، ثمّ على يد الخلفاء الثلاث ، مثل قضية : خالد ومالك على يد أبي بكر ، ومخالفة النصوص المحكمة على يد عمر ، والانحراف المالي والإداري في عهد عثمان ، ثمّ موبقات معاوية حتّى كانت كارثة كربلاء .
وفي مجتمع ساد فيه نظام شديد المركزيّة كالمجتمع الإسلامي الأوّل ، تتّضح فيه المشابهة بين نظام الدولة والسلطة الأبويّة ـ بالمصطلح الفرويدي ـ بما يعينه ذلك من مسايرة غير منطقيّة وإذعان وولاء وطاعة غير معقولة للسلطة ، حتّى وإنْ لمْ تفِ تلك السلطة بشرط الطاعة الحاسم وهو الإشباع ، فهاهنا تعمل عملها العلاقات الغير المرئيّة من التقليد والعادة .
فلمّا مُورس التبرير وبتكرار من السلطة الأبويّة ، وعلى مدى طويل نسبيّاً ـ بالنظر إلى مجتمع إسلامي وليد لمْ يتمثّل بعد واقعيّاً محدّداته النظريّة ـ انساب هذا المدرك من علٍ ، وتخلّل خلايا المجتمع ، وصار أحد مكوّنات اللاواعي الجماعي ، ليستحضر في أوقات الأزمات ، ويستظهر في أنماط السلوك الطفليّة تجاهها .
لا يحسبنّ أحد أنّ هذا التحليل غلوّ في تقدير القوّة النفسيّة ، فإنّ أشدّ الناس إلحاحاً على التفسير ( السوسيولوجي ) للظواهر يتّفقون وهذه النتيجة ، فالنظريّة الماركسيّة(1) تُؤيّد فكرة أنّ الإذعان للسلطة تعتمد على العادات والتقاليد
ــــــــــــــ
(1) د . اُوسبورن ، الماركسيّة والتحليل النفسي / 143 ، ط 2 ، ترجمة د . سعاد الشرقاوي ـ القاهرة ـ دار المعارف / 1980 م .
________________________________________
الصفحة (404)
والقبول النفسي لسيطرة طبقة ما ، نتيجة عمليات التربيّة الموجّهة والتطبيع الاجتماعي والتدعيم .
لنتذكّر المثل الصارخ على ما نقول فيما أسلفنا بيانه ، عن حادثة قتل عمّار بن ياسر في صفّين على يد جيش معاوية ، وتحقّق قول رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : (( تقتلك الفئة الباغية )) . فماذا قال معاوية ؟
قال : إنّما قتله الذين دفعوا به للقتل .
أفتراك تعجب إذاً عند سماعك أقوال قاتلي الحُسين (ع) إبّان المعركة(1) :
يقول شمر بن ذي الجوشن : يا حُسين (ع) ، استعجلت النار في الدنيا قبل يوم القيامة .
ويقول عبد الله بن حوزة : يا حُسين (ع) ، أبشر بالنار .
ويقول عليّ بن قريظة : يا حُسين (ع) ، يا كذاب ابن الكذاب .
ويقول عمرو بن الحجّاج لأهل الكوفة : يا أهل الكوفة ، الزموا طاعتكم وجماعتكم ، ولا ترتابوا في قتل مَن مرق من الدين ، وخالف الإمام .
وأنت تلاحظ الغلوّ والإسراف والفحش في تلك الأقوال للحُسين (ع) : أبشر بالنار ، الكذاب ابن الكذاب ، المروق من الدين . ويبلغ الغلوّ مداه بالفعل ، ليس اكتفاءً بقتل الحُسين (ع) ، وإنّما بالتمثيل به بجز رأسه ، والإصرار على دكّه بطناً وظهراً بسنابك الخيل . وتلك أيضاً خصيصة بارزة للتبرير : الغلوّ في سوقه ، تأكيداً لحاجة في النفس إمعاناً في الزيف وخداع الذات ، وكأنّه يُؤكّد لنفسه أنّه صاحب قضيّة جديرة بالاستغراق فيها .
ثمّ إنّك إنْ بحثت عن مبرّر التبرير ، لوجدت فوراً المصلحة الشخصيّة المباشرة ذات المدى الواسع ، لتشمل كلاًّ حسب طاقته ، فهذا عمر بن سعد بن
ـــــــــــــ
(1) الطبري ، مرجع سابق 5 / 424 وما بعدها .
________________________________________
الصفحة (405)
أبي وقّاص قائد قاتلي الحسين (ع) وصحبه ، يمنيه عبيد الله بن زياد ولاية الري ، إنْ كفاه الحسين (ع) . وهذا أحد القتلة وهو مروان بن وائل ، يقول : كنت في أوائل الخيل ممّن سار إلى الحسين (ع) ، فقلت : أكون في أوائلها لعلّي أُصيب رأس الحسين (ع) ، فأصيب به منزلة عند عبيد الله بن زياد . ولكن سنان بن أنس جعل لا يدنو أحد من الحسين (ع) إلاّ شدّ عليه مخافة أنْ يغلب على رأسه ، حتّى ذبحه واحتزّ رأسه ، ثمّ أتى به فسطاط عمر بن سعد منادياً بأعلى صوته :
أوقر ركابي فضةً وذهبا      أنـا قتلـت الملك المحجّبا
ولمّا دفع الرأس إلى خولي بن يزيد ليذهب به إلى عبيد الله بن زياد ، فبات به ليلته في بيته ، قال لامرأته : جئتك بغنى الدهر .
وهكذا استظهرت المصلحة القريبة الوقتيّة والمباشرة العمياء حيلتها تلقائيّاً من مخزونها اللاواعي ، وهي التبرير ، وصاغته في قالب يناسب نمط المرجعيّة السائد اسميّاً وهو الدين ، فكان التبرير هو : المروق من الدين بمخالفة الإمام .
ونحن نُعيد التأكيد على أنّ قولنا : تلقائيّة استخراج الحيلة إنّما يعني أنّه لو لا السوابق التاريخيّة الممارسة طويلاً من السلطة والراسخة في الأعماق ، ما كان يُمكن لهذه التلقائيّة أنْ توجد ، وما كان يُمكن سوق التبرير بمثل هذه البساطة الشديدة ، مرّةً اُخرى : لمْ يتح لهذا الدين المستكمل نظريّاً أنْ يُمكّن له في أرض الواقع بعد وفاة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) .
أيضاً نجحت السلطة في اللجوء إلى استثارة أشكال التفكير الطفليّة لدى الكتلة الشعبيّة للإبقاء على إذعانها ـ وهو ما أريد لها كذلك منذ وفاة الرسول (صلّى الله عليه وآله) ـ بالتعامل مع عوامل الاهتزاز ، في بنائها النفسي من مخاوف وقلق وأطماع وتردّد , يتّضح ذلك من خطّة عبيد الله بن زياد في تفريق الآلاف
________________________________________
الصفحة (406)
من أصحاب مسلم بن عقيل مبعوث الحُسين (ع) إلى الكوفة ، إذ لمّا أحاطوا بقصر ابن زياد , جمع الأشراف في قصره وقال لهم : أشرفوا على الناس ، فمنّوا أهل الطاعة الزيادة والكرامة ، وخوّفوا أهل المعصية الحرمان والعقوبة ، وأعلموهم فصول خروج الجنود من الشام إليهم .
فما كان إلاّ أنْ انفضّ الناس من حول مسلم ، وبقي وحيداً يتلدد في أزقة الكوفة لا يدري أين يذهب(1) . إذاً كان أهل الكوفة يناصرون الحُسين (ع) على حرف , وبذا خُسر آخر رهان لإحداث التغيير .
لمْ تكن القاعدة على مستوى الوعي الذي يُؤهلها للانفلات ممّا اعتادت عليه ، فضلاً عن الطموح لاستشراف مستقبل أفضل ، بالإضافة إلى استشراء الخراب في الأعماق بنائها الداخلي . يقول فان فلوتن(2) : لمْ يكن إخلاص العرب من أهل الكوفة لآل البيت بريئاً من جهاد كثيرة .
ويذكر أيضاً : أنّهم كانوا يقولون في الكوفة : مَن أعطانا الدراهم قاتلنا معه .  يدلّ على ذلك هذا البيت :
ولا في سبيل الله لاقى حمامه      أبوكم ولكن في سبيل الدراهم
وهكذا تضافرت عوامل تحقّق الحدث ـ الكارثة : كربلاء ـ من سيطرة النخبة القبليّة التقليديّة وهي قيد قبضة الحاكم ذي السيطرة الماديّة والنفسيّة ، إلى قاعدة شعبيّة متهرّئة مردت على الإذعان ، إلى انحسار الوعي والنضج في فئة قليلة
ـــــــــــــ
(1) الطبري ، مرجع سابق 5 / 371 .
(2) فان فلوتن ، السادة العربيّة والشيعة والإسرائيليّات في عهد بني اُميّة / 70  ـ 75 ، ط 2 ترجمة : د . حسن إبراهيم ، محمّد زكي إبراهيم ـ القاهرة ـ مكتبة النهضة المصريّة / 1965 م .
________________________________________
الصفحة (407)
للغاية كان من المفترض أنْ تكون الطليعة عن طريق تعظيم فاعليّتها في محيطها ، ولكنّها تمتّعت بمثاليّة لمْ يدعمها في الغالب حنكة ومراس .
على أنّ أخطر ما أسفر عنه هذا الحديث الجلل هو ذلك التشوّه الشديد الذي أصاب الشخصيّة العامّة للجماعة ، فلا هي تمثلت قيم الإسلام بتغليب الحقّ على الهوى ، ولا هي التزمت حتّى مقتضيات الحميّة الجاهليّة كما اُسلم وخُل هانئ بن عروة المستغيث بقبيلته ، وما من مغيث .
لقد أضحينا بإزاء مسخ شديد التشوّه ، تُحار في توصيفه على وجه الدّقة ، مجتمع يرفع راية الدين ، وسلطة تستمدّ شرعيّتها من هذه الراية ، واُناس يدّعون الورع حتّى الزهد ، وفقهاء يخيل لك أنّهم من الحيطة والحذر لدينهم حتّى تراهم يتدارسون حكم دم البرغوث يصيب الثوب , وشعائر تُقام في كلّ مكان ، وجيوش تنطلق في الاتجاهات الأربعة باسم الفتح ... 
ومع كلّ هذا تجد نفوساً منطوية على نفاق لا تعرف له مثيلاً ، وخنوعاً وإذعاناً يترفّع عنهما العبيد ، وعبادة للدرهم والدينار تأبّت نفوس الجاهليّين عن مثلها ، وقهراً وجبروتاً من سلطة غاشمة تنافس أعتى نظم الاستبداد على مرّ التاريخ . 
والجميع متواطئون على الضلال ، سواء الذين ولغوا مباشرةً في دماء الأبرياء أو الذين كانوا شهوداً عليهم دون حراك ، فكان أنْ اقترفوا ما تتصاغر إزاءه فظائع الرومان من قبل أو التتار من بعد ، القتل والذبح والتهافت على فصل الرؤوس والطواف بها على أسنّة الرماح في البلدان ، وسلب ودكّ الجثث بسنابك الخيل ، والهجوم على النساء ، وحتّى الأطفال وفيهم الرضع لمْ يُسلموا من القتل ، كعبد الله الرضيع بن الحسين (ع) ... وفيمَن يُفعل كلّ هذا في اُناس خرجوا مصلحين لمّا اُعوج من أمر هذه الاُمّة ليردّوها إلى الجادّة ، ناهيك عن كونهم عترة رسول هذه الاُمّة (ص) أهل بيته وحرمه .
________________________________________
الصفحة (408)
ومن هنا تتّضح حقيقة هذا الدين ، إنّه ليس مجرّد معتقدات خبيئه في الصدور ، ولا مجرّد شعائر تقام فرديّاً أو اجتماعيّاً ، فكلّ ذلّ يتصوّر حدوثه ، ومع ذلك تجد مجتمعاً فاسداً ، ولكن هذا الدين ـ بالدرجة الأولى ـ هو النظام ، الذي يسود المجتمع ويتخلّل علاقاته كلّها ، ويُعيد صياغة الإنسان على مثال أمثل نماذجه .
والذين تصوّروا(1) انخلاع الإنسان الجاهلي كلّية من جاهليّته على عتبة إسلامه أخطأوا التقدير ؛ إذ ذلك هو المفترض حدوث فقط لو مُكّن للنظام أنْ يتمثّل الدين في الواقع ، فتكون البيئة صالحة وكافية لحماية وصيانة هذه النفسيّة الجديدة من التردّي ، ولكن ذلك لمْ يحدث ، بل وئد النظام وهو بعد لمْ يزل في المهد . يعبّر عن ذلك أبو الأعلى  المودودي(2) معلّلاً استشهاد الحسين (ع) : بأنّه حدث تغير في مزاح وهدف ودستور الدولة , ممّا فرض فرضاً على سليل النبوّة الخالصة التصدّي للانحراف الخطير ولو كلّفه حياته .
وبمثل ذلك التصوّر الذي يعبّر عن حسن نيّة لا إدراك ، قال أحد الباحثين حديثاً(3) : حصل انقلاب جذري في ذهنيّة ووجدان العرب ، فعوضاً عن أنْ يبقى العربي فرداً يذوب في القبيلة داخل اتّصال اُفقي ، صار شخصاً يشعر بشخصيّته في ذاتها ، ويتّصل عمودياً بكائن مطلق .
ـــــــــــــ
(1) سبق بيان رأي سيّد قطب في : معالم في الطريق .
(2) أبو الأعلى المودودي ، لماذا استشهد الإمام الحسين (ع) / 9 ـ القاهرة ـ المختار الإسلامي .
(3) د . محمّد عزيز الحبابي ، الشخصانيّة الإسلاميّة / 23 ط 2 ـ القاهرة ـ دار المعارف / 1983 م .
________________________________________
الصفحة (409)
ولكن فات هذا الباحث أيضاً أنّ هذا الاتّصال العمودي الذي قال به ـ وهو حقاّ هدف الدين ـ لا يتمّ في فراغ ، كما أنّ قوّته تتوّقف على الوسط المحيط الذي يجب أنْ يتمتّع بخاصيّة تحجيم قدرة الشوشرة إلى أدنى حدّ لها ، وبذا تتعاظم قدرة الاتّصال ، وبالتالي يبدو مردوده في وضوح ونقاء السلوك .
إنّ استهداف الدين لهذا الاتّصال العمودي المباشر بالله ، يعني البِناء الداخلي النموذجي للشخصيّة بتضمينها القوّة المحركّة الكامنة التلقائيّة ، أو البوصلة الداخليّة ذاتيّة التحديد للاتّجاه المتوافق مع مستهدفات الدين ، باعتبار الاتّجاه هو ذلك الأسلوب المنظّم والمتّسق في التفكير والشعور ، وردود الأفعال تُجاه النفس وتُجاه الجماعة . ولكن هذه البوصلة الداخليّة شأنها شأن البوصلة الطبيعيّة قد ينحرف مؤشرها بتواجدها داخل مجال خارجي ذي قوّة مغايرة .
ولكن ما حدث من انحراف كان أخطر بكثير من وجود مجال خارجي أدّى إلى انحراف المؤشر الداخلي ؛ إذ حدث فقد للاتّجاه المعياري الأصلي ، فسهل بعدئذ توجيه المؤشر حيثمّا أُريد له .
لقد طرح نظام الخلافة ـ منذ البدء ـ ممارساته كبديل للاتّجاه المعياري ، فكان الارتباك الأوّل ، ثمّ توالت من بعده الممارسات ، وتراكمت بما أفقد الاتّجاه الأصلي عبر عمليات التنشئة الاجتماعيّة المتطلّبة مطاوعةً مطلقةً ، في ظلّ سياق اجتماعي ثقافي ضاغط ، يوحد بين السلطة في كامل استبدادها والله ، بحيث أصبح نقد السلطة أو مجرّد إسداء النصح لها اجتراء على الدين ذاته يبيح الدم .
وهكذا تقولبت المعيارية في ممارسات السلطة التي أضحت هي مصدر الشرعيّة ، وحُشد لها ما أمكن من أسانيد مزيّفة لتعضدها ، على غرار حديث :
________________________________________
الصفحة (410)
أصحابي كالنجوم ، بأيّهم اقتديتم اهتديتم . وكان قد تمّ حصر نطاق السلطة أصلاً منذ البداية فيما عبّر عنه معاوية بقوله(1) : ثمّ ارتضى له ـ رسول الله (ص) ـ أصحاباً فكان خيارهم قريشاً ، ثمّ بنى هذا الملك عليهم ، وجعل هذه الخلافة فيهم ، ولا يصلح ذلك إلاّ عليهم .
فلما كانت ممارسات السلطة قد أضفي عليها مثل هذه القدسيّة ، وكانت هذه الممارسات تنطوي على آليات التبرير ، وكان المطلوب المطاوعة الشعبيّة المطلقة ، كانت النتيجة إذاً الحال التي وجد عليها القوم ساعة كربلاء .
يذكر ابن كثير في تفسير موقف الأحبار والرهبان في سورة التوبة :
وهل أفسد الدين إلاّ الملوك     وأحبـار سوء ورهبانها
ــــــــــــــ
(1) الطبري ، مرجع سابق 4 / 320 .
________________________________________
الصفحة (411)
أخطر أفعال الشيخين : اللاّيقين المعرفي ـ الذرائعية
مرّت على البشر حقب طويلة قبل أنْ يُدرك نفر منهم ـ من خلال البحث الجادّ والمجتهد ألاَ يُحمّل بمعقّبات مؤثرات داخليّة أو خارجيّة ـ مدى غرور الإنسان في وهمه إمكانه إدراك اليقين بوسائله الخاصّة .
فمنذ فجر الفلسفة اليونانيّة وحتّى عهد قريب اختلف البشر في درجة يقين مصادر المعرفة ، وقد ردّوها إلى ثلاثة : الحسّ ، والعقل ، والحدس ، بتنويعاتها وتداخلاتها المختلفة ، إلاّ أنّ العصر الحديث كان أكثر العصور جرأة في ادّعائه امتلاك الحقيقة ، لمّا وصل إليه العلم الطبيعي ( الفيزيوكيميائي ) من تنظيم وتقنين , ظنّ معه أنّه عصر الحقيقة النهائيّة التي اعتبروا نيوتن رائدها ، حتّى قال أحد العلماء الكبار وهو لابلاس : إنّ نيوتن لمْ يترك شيئاً لأحد غيره ليأتي به .
تمخّض هذا الاعتقاد عن نسق معرفي كاد أنصاره ينصبونه مقدّساً جديداً لا يجوز نقده ، وإلاّ رُمي ناقده بالتخلف ، لمّا عدّوه عنوان العلم ، أو هو العلم وحده وما عداه جهل بدائي . هذا النسق المعرفي يتلخّص في عناصر أساسيّة هي : الاستقراء ، العلّية ، اطراد الطبيعة ، الضرورة  ... بما يعني كلّ ذلك من تصوّر لكون آلي ( ميكانيكي ) حتمي .
ولكن جاءت كشوف العلم المعاصر لتهدّ ذلك النسق من أساسه ، عن طريق مفاهيم النسبيّة ، والكوانتم (   Quantum ) ، والطبيعة الموجيّة للمادّة بما أظهر
________________________________________
الصفحة (412)
فشل الميكانيكا ( الكلاسيكيّة ) في تفسير طبيعة الأجسام المتناهيّة الصغر ، فكان أنْ حلّت محلّها معادلات شرودنجر ( Schrodinger ) بما يعرف بالميكانيكا الموجيّة أو ميكانيكا الكوانتم (wave or quantum mechanics) .
ولعلّ أخطر مبادئ العلم المعاصر هو ذلك الذي يُنسب إلى هايزنبرج ( Heisenberg ) , والمعروف بمبدأ اللاحتميّة أو عدم اليقين أو عدم اتعين (Uncertainty principle ) (1 ) ، والذي يعني عدم إمكانيّة التحديد الدقيق لكلّ خواص أيّ نظام طبيعي في آنٍ معاً .
قاد ذلك إلى استبدال القوانين الحتميّة ( الكلاسيكية ) بنظريّات الاحتمال ، وبالتالي أضحت التفسيرات ، وبدورها التنبّؤات التي يقدمها العلم المعاصر احتماليّة وليست يقينيّة بحال .
وهكذا قدمت ( الإبستمولوجيا ) المعاصرة مفاهيم جديدة ، سقطت معها مفاهيم العلّة والاطراد في الطبيعة ، فالترابط بين الأحداث احتمالي وليس علّيّاً ، وليست هناك قوانين ثابتة ، بل فرضيّات قد تكون ناجحة ، وأنّ المقدّمات المحتملة تُؤدّي إلى نتائج محتملة وليست مؤكّدة ، وأنّ الاستقراء كمصدر للمعرفة اليقينيّة ـ كما يتصوّره البعض ـ هو تصوّر ساذج ، لا يمتّ للعلم بصلة ، لمّا كان مرتكزه الأساسي هو تلك القفزة التعميميّة التي لمْ يستطع أحد أنْ يقدّم لها تبريراً منطقيّاً فيما عرف بفضيحة الفلسفة (philosophy ) (2 ) حتّى إن أرسطو أبا
ــــــــــــــ
(1) ( for all physical systems - not limited to electrons in a metal - there is always an uncertainty in the position and in the momentom of a particle and the product of these two uncertainties is of the order of magnitude of  plank's constant ) .
(2) د . يمنى طريف الخولي ، مشكلة العلوم الإنسانيّة / 181 ، ط 2 ـ القاهرة ـ  دار الثقافة / 1996 م .
________________________________________
الصفحة (413)
المنطق لمْ يستطع تجاوز أشكالها ، فالقول بالبرهان المنطقي الأرسطي يتضمّن لزوميّة النتيجة ، وهي بدورها مؤسّسة على صدق المقدّمات ، ولكن كيف ؟  كلّ مقدّمة مبنيّة على معرفة سابقة أوّليّة ، ولكن أرسطو لا يقول بوجود مبادئ فطريّة في العقل البشري ، وبالتالي فليس هناك إلاّ الاستقراء ، ولكنّه بدوره يقوم على معطيات الوقائع الجزئيّة وهي لا تُفيد العلم الكلّي . وهنا لمْ يجد مناصاً من مقولة مبهمة سمّاها : تكثيف الواقع التجريبي (1) بما يحدث معه حدس عقلي مباشر ، يكون هو المعرفة الكلّية السابقة .
وفي تراثنا من أوقع نفسه في عدم الاتّساق مثل ابن تيميّة(2) الذي يتشدّد في تقرير الاستقراء رامياً غيره بالتهافت ، ظاناً أنّه يذب بذلك عن الدين ، سالكاً في ذلك سبيل ابن رشد .
ولكنّك تجد في التراث أيضاً فكرة ( التجويز ) الأشعريّة ، والتي هي عينها خلاصة ما انتهت إليه ( الإبستمولوجيا ) المعاصرة من احتماليّة النتائج المناقضة لفكرة العلّية والضرورة والاطّراد .
ولقد طرح الدين الإسلامي ـ وكلّ الأديان ـ المبادئ المحوريّة التي تقوّم البِناء المعرفي للإنسان ، وأساسه أنّ اليقين مصدره الله وحده : ( وَإِنّهُ لَحَقّ الْيَقِينِ )(3) . ( إِنّ هذَا لَهُوَ حَقّ الْيَقِينِ )(4) ، وأنّ المعرفة الإنسانيّة مهما بلغت ، فلا 
ــــــــــــــ
(1) د . محمّد عابد الجابري ، بنية العقل العربي / 383 ، ط 3 ـ بيروت ـ مركز الدراسات الوحدة العربيّة / 1990 م .
(2) د . محمّد سيّد الجليند ، نظريّة المنطق بين فلاسفة الإسلام واليونان  / 187 ، ط 2 ـ القاهرة ـ مطبعة التقدّم / 1985 م .
(3) سورة الحاقّة / 51 .
(4) سورة الواقعة / 95 .
________________________________________
الصفحة (414)
تعدو أنْ تكون قاصرة ومحدودة ، سواء في ذلك المعرفة العقليّة الذاتيّة أو المعرفة المختصّ بها البعض من قبل الله . وهل أدلّ على ذلك من علم طائر الهدهد بما لمْ يعلمه نبي الله سليمان : ( فَقَالَ : أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإِ بِنَبَإٍ يَقِينٍ )(1) ؟ 
وهل أدلّ على ذلك من مغزى خبر موسى والخضر ، فيما قصصه القرآن في سورة الكهف ، فحكم موسى بالظاهر ، ولكن أراد الله أنْ يعلّمه ويعلّمنا أنْ وراء الظاهر علماً يقينيّاً لا يُدرك بوسائل الإنسان المحدودة ؟
وهنا تسقط دعوى حجّية العقل في الحكم ، تلك الدعوى التي تبنّتها بعض الفرق الإسلاميّة كالمعتزلة ، بتقريرهم التحسين والتقبيح العقليينِ ، والله تعالى يقول : ( وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ )(2) . ويقول : ( إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ )(3) . 
ولأبي زهرة تعليق على تلك المسألة(4) : العقل عند جمهور الفقهاء ليس له أنْ يشرع الأحكام ، ولا يضع التكليفات . وليس معنى ذلك أنّه لا مجال لعمله ، بل إنّ له عملاً ، ولكنّه ينطلق في عمله حيث يطلقه الله سبحانه وتعالى ، ذلك أنّ التكليفات الإسلاميّة يتعلّق بها الثواب والعقاب ، وهما أمران يتولاّهما العليم الحكيم يوم القيامة ، وما كان الله تعالى ليعذّب أحداً على عمل لمْ يبيّن له طلبه فيه ، ولذا قال تعالى : ( وَمَا كُنّا مُعَذّبِينَ حَتّى‏ نَبْعَثَ رَسُولاً )(1) .
ــــــــــــــ
(1) سورة النمل / 22 . 
(2) سورة البقرة / 216 . 
(3) سورة يوسف / 40 .
(4) اُصول الفقه , مرجع سابق / 68 .
(1) سورة الإسراء / 15 .
________________________________________
الصفحة (415)
ويقول البغدادي(1) في بيان ما يُعلم بالعقل وما لا يُعلم إلاّ بالشرع : وجوب الأفعال وحظرها وتحريمها على العباد فلا يُعرف إلاّ من طريق الشرع ، فإنْ أوجب الله عزّ وجلّ على عباده شيئاً بخطابه إيّاهم بلا واسطة أو بإرسال رسول إليهم وجب , وكذلك إنْ نهاهم عن شيء بلا واسطة أو على لسان رسول حُرّم عليهم ، وقبل الخطاب والإرسال لا يكون شيء واجباً ولا حراماً على أحد .
إذاً الأصل هو النصّ ، إذ هو وحده مصدر اليقين وما عداه فظنّ ، وما كان ظنّاً فهو يحتمل الخطأ والصواب . وأيّ محاولة لاستخدام العقل في أمر الدين فهي باطلة ، أنّها افتئات على الله ورسوله (ص) .
وإذا جاز جدلاً ـ وهو لا يجوز ـ استعمال الرأي في أحد الفروع بادّعاء معرفة العلل أو غيرها ، فما بالك بالنصّ المحكم ؟
ها هنا تحديداً وقع التبديل الكارثي .
لقد كانت محدثات عمر بن الخطاب أخطر انقلاب على أسس اليقين المعرفي الديني , وقد سبق مناقشة بعض مظاهر هذا الانقلاب سواء في حياة النبيّ (صلّى الله عليه وآله) أو من بعده ، مثل :
ـ التذمر لتولية أسامة بن زيد إمرة البعث إلى الروم بعلّة حداثته .
ـ التلكّؤ في إنفاذ أمر رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ببعث جيش أسامة حتّى إغضابه (صلّى الله عليه وآله) حال مرضه .
ـ مخالفة الرسول (صلّى الله عليه وآله) في إمرة عليّ بن أبي طالب (ع) ، والحيلولة دون توليته .
ـ إبطال سهم المؤلّفة قلوبهم من مصارف الزكاة ، طبقاً لمنطوق الآية ، بزعم عمر أنّ الإسلام قد عزّ .
ــــــــــــــ
(1) أصول الدين ، مرجع سابق / 24 .
________________________________________
الصفحة (416)
منع العمرة وقت الحجّ ، بادّعاء توفير الرواج لمكّة على مدار العامّ .
تلك التي لمْ يجد ابن القيّم سنداً شرعيّاً لعمر فيها فسمّاها : ( العمل بالسياسة ) كما سبق ذكره .
إنّ الخطر الجوهري في إقحام الرأي الشخصي في الشرع يكمن ـ إضافة إلى جريرته الدينيّة ـ في نقض اُسس البِناء المعرفي الإسلامي ، بما أسلمه إلى حالة هلاميّة تتعايش فيها المتناقضات ، بما لا تستطيع معها الإمساك بشيء البتّة .
يقول الله تعالى : ( يَا أَيّهَا الذينَ آمَنُوا لاَ تُقَدّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللّهِ وَرسُولِهِ وَاتّقُوا اللّهَ إِنّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ )(1) .
ويورد ابن كثير في تفسير هذه الآية الأقوال التالية :
ابن عبّاس : لا تقولوا خلاف الكتاب والسنّة .
مجاهد : لا تفتاتوا على رسول الله (صلّى الله عليه وآله) .
الضحاك : لا تقضوا أمراً دون الله ورسوله من شرائع دينكم .
ويقول الله تعالى : ( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ )(2) .
فيقول ابن كثير : وذلك أنّه إذا حكم الله ورسوله بشيء فليس لأحد مخالفته ، ولا اختيار لأحد هنا ، ولا رأي ولا قول .
والقاعدة الفقهية المستقرّة تنصّ على أنّه : لا اجتهاد مع النص . ولا يفتأ خواص المسلمين وعوامهم يهتفون : الاتّباع وليس الابتداع .
ومع كلّ هذه النصوص والقواعد تجد من يقول بكلّ بساطة : إنّه العمل بالسياسة . وكأنّ شيئاً لا يناقض شيئاً .
ــــــــــــــ
(1) سورة الحجرات / 1 .
(2) سورة الأحزاب / 36 .
________________________________________
الصفحة (417)
تكاملت مع تلك المحدثات العمريّة بالأساس ، وما أعقبته من آثار ترسّبت في الذهنية العامّة ، صورة لا تقلّ خطراً عنها ، وتلك هي الحادثة العظمى على عهد أبي بكر ـ ضمن ما سمّي بحروب الردّة ـ وصاحبها خالد بن الوليد ، لمّا قتل مالكاً فيما أسلفنا مناقشته تفصيلاً .
إنّ التحليل النهائي لتلك الحادثة , يكشف عن المنهج الذرائعي الذي ساد الموقف وقتئذ وأمضاه الخليفة . فقد تصدرت الحاجة العمليّة للدولة ، وتقهقرت الأُسس القيميّة في موقف تناقضي شامل لمّا كانت هذه الأُسس هي المبرّر الوحيد للدولة .
إنّ شموليّة هذا التناقض تحوي ـ أيضاً ـ ما يبدو أنّه عدم يقين بالله ، وعدم استيعاب للدروس القاسيّة التي مرّ بها المسلمون على عهد نبيّهم (صلّى الله عليه وآله) . فهل كان هناك ظرف أقسى من بدر ؟ كان المسلمون فيه أقلّ عدداً وعدّة . وهل كان هناك أشدّ من اجتماع الأحزاب حتّى بلغت القلوب الحناجر ؟ لقد كان حقيقاً بهؤلاء إذاً إدراك أنّ الدين لا يتوقّف نصره على سيف خالد ذي الخطايا .
تجمّعت هذه العوامل معاً لتُعيد صياغة العقليّة والنفسيّة الجمعيّة على نمط مغاير لمَا أُريد لها من هذا الدين ، فكان أن أفضت إلى وضعية غير مهيكلة وملتبسة ، ومفتقدة للاتساق المنطقي ، وقابلة لأنْ تكونَ مسرحاً تتعايش فيه المتناقضات والمتنافرات في جوار معاً ، وكأنّها تعكس وضعاً طبيعيّاً لا غرابة فيه .
قاد ذلك بالضرورة إلى مجتمع يسوده التشوّه ، ويجد أفراده في نظامهم غير المتّسق منبعاً يتّسع لسلوكيّات متناقضة ، ويستمدّون منه تلقائيّاً ـ وبلا عناء ـ آلياتهم للتبرير ، وتلك كانت حالة المجتمع ساعة كربلاء .
________________________________________
الصفحة (418)
الطاعنون على الدين يحتجّون بأفعال عمر :
خلصنا ممّا سبق إلى سيادة وضعية مستحدثة سمتها الأساسيّة الانفصال والتجاوز التناقضي ، وقد حدث ذلك على مستويين :
المستوى الأوّل : وهو المستوى الحادّ والجريء كلّ الجرأة ، أعني الانقلاب الأساس على يد عُمر بإهدار النصّ .
المستوى الثاني : وهو تمذهب أو أدلجة النصوص ، بإسقاط الحاجات النفعيّة عليها ، وليها لتحميلها ما لا تحتمل عبر آليات التأويل ـ التبرير ـ .
والمستوى الثاني في الواقع ، ما كان يُمكن له أنْ يُوجد لولا الانقلاب الأوّل الذي أفسح له الطريق واسعاً ، ممّا أباح لكلّ امرئ أنْ يضمّن أهواءه ورغباته نصّاً ، بل صار النصّ الواحد مستنداً للرغبات على اختلافها ، ممّا أفقد المرجعيّة المعياريّة مضمونها ، فانعكس ذلك في بينات سياسيّة واقتصادية واجتماعية مفارقة كلّ المفارقة لبنية كلّية إسلاميّة رشيدة .
أدّى ذلك الخلط ـ ضمن ما أدّى ـ إلى فتح مداخل الطعن واسعاً على البنيّة الأساسيّة ، باعتبار أنّ سلطة السلف تمثّل مرجعاً شرعيّاً . وبذلك ساعد فقهاء التراث الطاعنين على الدين في طعنهم ، لمّا اعتبروا مصادر التشريع تتضمّن مذهب الصحابي وفتواه ، وممارسات السلطة في عهدها الأوّل بعد الرسول (صلّى الله عليه وآله) .
يقول الجابري (1) : بما أنّ التنافس كان على مدوّنة من الألفاظ محصورة محدودة ـ القرآن والحديث ـ وبما أنّ كلّ صاحب مقالة وصاحب مذهب كان يطلب المصداقيّة والمشروعيّة لآرائه ومذهبه بجعلها مضمنة في الألفاظ والعبارات نفسها ، فإنّ
ـــــــــــــ
(1) بنية العقل العربي ، مرجع سابق / 562 .
________________________________________
الصفحة (419)
ما كان يحدث هو أنّ اللفظ الواحد أو العبارة الواحدة كانت تضمّن آراء مختلفة من مذاهب متباينة متناقضة كان يُدعى لها جميعاً أنّها المراد من اللفظ . من هنا صار اللفظ يحمل من المعاني عن طريق التأويل والمماثلة ما لا يُمكن حصره ، وصار من الجائز أنْ يكون المراد منه هذا المعنى أو ذاك أو ذلك .
ويأتي أدونيس (1) بوصفه الساخر للحضارة الإسلاميّة باعتبارها ( حضارة نصيّة ) تثير إشكالات كثيرة ذات بواعث ذاتيّة وموضوعيّة ، وهي في النهاية قراءة أيديولوجيّة على النحو التالي :
 أ ـ تقتضي القراءة الأيديولوجيّة العمل للفوز بالسلطة ، من أجل تعميم حقائقها حقائق القراءة .
ب ـ تصبح المعرفة سلطة ، والسلطة معرفة : تتماهى الحقيقة مع القوّة .
ج ـ هذه القراءة الأيديولوجيّة السياسيّة ، تُثير بالضرورة قراءة أو قراءات اُخرى .
د ـ يصبح النصّ الديني مكاناً لحرب القراءات ـ التأويلات ـ . أعني مكاناً لحرب السلطات ، من حيث أنّ القراءة الأيديولوجيّة تحوّله إلى وسيلة للتغلب والسيطرة .
هـ ـ يسوغ العنف بوصفه جزءاً من هذه القراءات ـ السلطات ـ ، وبوصف كلّ من هذه أنّها تمثّل الحقّ وتتطابق مع الإرادة الإلهيّة ، ومن حيث أنّها تبعاً لذلك تفسّر كلّ تعارض معها على أنّه تعارض مع الحقّ .
و ـ توصلنا هذه القراءات المتصارعة إلى عالم مُغلق تتحرك فيه عقائد أو مذاهب كلّ منها عالم مُغلق بدوره .
ــــــــــــــ
(1) أدونيس ، الثابت والمتحول  1 / 25 ، ط 7 ـ بيروت ـ دار الساقي / 1994 م  .
________________________________________
الصفحة (420)
ز ـ وبما أنّ قراءة النصّ الديني ـ الإسلاميّة دينيّة ـ دنيويّة بحسب الفهم السائد ، نُدرك كيف يتبادل المقدّس والدنيّوي موقعيهما ، وكيف يصبح العنف نفسه ، في بعض الحالات ، دينيّاً أو مقدّساً .
ولكي تكتمل الصورة عن طرح أدونيس ، فيجب أنْ نذكر أنّه يكتب هذا وفي خلفيته قناعته بما حدث يوم السقيفة من مخالفة إرادة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ـ والتي هي إرادة إلهيّة ـ نتيجة الأهواء ، فيقول (1) : تجمع الأخبار المأثورة بمختلف رواتها وصيغها ، على أنّ النبيّ أراد قبيل موته أنْ يعهد بخلافته لشخصّ يختاره هو بنفسه ، لكن هذه الإرادة لمْ تتحقّق .
وأمّا أوضح الأمثلة على ما نقول ، فذلك مثال نصر أبو زيد(2) ـ صاحب مقولات : ( تاريخيّة النصوص ) ، و( القرآن منتج ثقافي ) ، و( التحرّر من سلطة النصوص ) ـ الذي لمْ يستطع الرّد على ناقديه إلاّ بالاحتجاج بأفعال عمر بن الخطاب ، فيقول(3) : ما الرأي في عدم انصياع عمر بن الخطاب لبعض أوامر القرآن الكريم ، وممارسات النبيّ (صلّى الله عليه وآله) في إعطاء المؤّلفة قلوبهم نصيبهم من الزكاة ، والمنصوص عليه في القرآن نصّاً لا يحتمل التأويل ؟ 
وهو لا يرى لناقدية مخرجاً من مأزقهم الذي يضعهم فيه تساؤله السابق إلاّ بالتسليم , بأنّ سلطة النصوص سلطة مضافة ، وليست ذاتيّة .
ــــــــــــــ
(1) المرجع السابق / 161 .
(2) أستاذ بكلية الآداب ـ جامعة القاهرة ـ أثار ضجّة بآرائه ، وصدر حكم قضائي بالقاهرة عام  / 1994  م ، بالتفريق بينه وبين زوجه لارتداده عن الدين .
(3) د . نصر أبو زيد ، التفكير في زمن التكفير / 142 ، ط 2 ـ القاهرة ـ مكتبة مدبولي / 1995 م .
________________________________________
الصفحة (421)
ثمّ يقرّر(1) : عدم انصياع عمر بن الخطاب للأوامر القرآنيّة ينفي نفيّاً كاملاً صواب الاستشهاد ـ بالنصوص ـ لتكريس مفاهيم ( العبوديّة ) ، و ( الانصياع ) و ( الطاعة ) ، وعدم المخالفة ، الذي يفضي إلى الخروج عن حدّ الإيمان .
ــــــــــــــ
(1) المرجع السابق / 143 .
________________________________________
الصفحة (422)
المنهج الفريد 
 الإمام الحّسين (ع) : (( أنا أحقّ من غير )) .                    
  الإمام عليّ (ع) : (( لا يمنع الضيم الذليل ، ولا يُدرك الحقّ إلاّ بالجدّ ))                        
 الإمام الحّسين (ع) (( والله ، لا أعطي بيدي إعطاء الذليل ، ولا أفرّ فرار العبيد ))                           
 الفيلسوف هيجل : ليس بالوسع نيل الحريّة إلاّ بالمخاطرة بالحياة ، حينئذ فقط يُمكننا التدليل على أنّ جوهر وعي الإنسان بذاته ليس مجرّد البقاء على قيد الحياة .
________________________________________
الصفحة (423)
وحين صوّب العدو مدفع الردى
واندفع الجنود تحت وابل
من الرصاص والردى
صيح بهم : تقهقروا . تقهقروا .
في الملجأ الوراء مأمن من
الرصاص والردي
لكن إبراهيم ظلّ سائراً
إلى الأمام سائراً
وصدره الصغير يملأ المدى .
تقهقروا ، تقهقروا .
في الملجأ الوراء مأمن من الرصاص والردى 
لكن إبراهيم ظلّ سائراً
كأنّه لمْ يسمع الصدى .
* * *
________________________________________
الصفحة (424)
وقِيل إنّه الجنون
لعلّه الجنون
لكنّني عرفت جاري العزيز من زمان ،
من زمان الصغر
عرفته بئراً يفيض ماؤها
وسائر البشر لا تشرب منها ، لا ولا
ترمي بها ، ترمي بها حجر .
يوسف الخال
من ديوان : البئر المهجورة .
________________________________________
الصفحة (425)
مسرح تتجاور فيه المتناقضات بجرأة ، ومنبع لآليات التبرير الهابط بلا حياء .
تلك كانت خلاصة دراسة واقع حال المجتمع ساعة كربلاء .
بدأ الانهيار المفجع لثورة الخلاص الإنساني في آخر أسبوع لآخر عهد الرسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله) بالدنيا ، ساعة خولفت أوامره ببعث جيش أُسامة ، وعدم تمكينه من طلبه دواة وصحيفة ، يكتب بها كتاباً لا يضلّ معه أبداً ، حين رماه عمر  بالهجر ، حتّى فارق الدنيا وهو غاضب .
وتلاشى آخر حلم نبيل للبشريّة في حياة مبناها العدل ، وقوامها الرحمة ، وأساسها التقوى ، يوم أنْ شارك القوم جميعاً في سفك دم أكمل البشر من غير الأنبياء ، عليّ بن أبي طالب (ع) وإنْ بوشر القتل بسيف ابن ملجم .
عُطلّت النصوص القرآنيّة المحكمة برسم الخلافة .
ومُنعت السنّة المطهرة من التدوين والتدول بادّعاء الحيطة .
وبُوشر الزنى والقتل بدعوى الحفاظ على الدين وردّ المرتدّين .
وولّي الطلقاء على رقاب الصلحاء ، فدهاء الأوّلين أنفع من تقوى الآخرين .
ودفن النقاء الثوري وحيداً غريباً في صحراء الربذة ، فالمطلوب الواقعيّة لا المثاليّة .
وانساحت الحدود بين المال الخاصّ وبيت مال المسلمين ، فحقّ التصرّف المطلق للخليفة أسبق من كلّ الحقوق .
وكُتم كلّ صوت رقابي على السلطة ، واستُبيح دم كلّ ناصح ، فهذا جزاء مَن يخرج على الجماعة ، ويبغي الفتنة .
وأخذ المحسن بالمُسيء ، وقُتل البريء بالظنّة ، فذلك ادعى لاستقرار الدولة .
الصفحة (426)
وحِيكت المؤامرات ، وبُذلت الولاية رشوة ، وكذلك رُفعت المصاحف على أسنّة الرماح : أنَّ الحكم لله .
وأطيح برؤوس بقايا الثورة ، ودُفنت طهارتهم مقيدّة بالأغلال جامدة عليها دماؤهم في مرج عذراء ، والبيّنة عليهم معدّة سلفاً ، يشهد عليها قرّاء المصرين : أنّهم كفروا كفرة صلعاء .
والأرزاق بيد السلطان ، إنْ شاء منح ، وإنْ شاء منع ، والنفوس مرتجفة حتّى لتستبق التهافت من فرط الوجل ، فشعار المرحلة : انج سعد , فقد هلك سعيد . 
فهكذا أرادها ابن سميّة ، أمين الخليفة الصحابي ابن هند , وتجيّش الجيوش وتبعث البعوث لتقيم إمبراطوريّة ، ولكن باسم الفتح والجهاد في سبيل الله .
ويُستعلى العنصر العربي وتستذلّ الموالي ، ومَن يأمل في المساواة كما كانت أوّل مرّة يرمى بالزندقة والشعوبيّة ، فالعرب مادّة الإسلام .
ويطول الأمد ، فتقسو القلوب ، وتخرب النفوس ، ويشيع السوء ، حتّى يصير هو السمة الغالبة ، ذلك كان حال القوم ساعة كربلاء .
تلبيس في تدليس ... تدجيل في تضليل ... تزييف في ثوب الحقيقة التي أوشكت على الضياع .
ها هنا خرج الحُسين(ع) ... وها هنا دور الحُسين(ع) .
لقد كان الحُسين(ع) رهين عجزين ـ كما يقول علي شريعتي (1) ـ عجز عن
ــــــــــــــ
(1) د . علي شريعتي ، عن التشيع والثورة ، ترجمة د . الدسوقي شتا / 184 ـ القاهرة ـ دار الأمين / 1996 م .
________________________________________
الصفحة (427)
الإذعان والصمت إزاء الاستبدال الكلّي للإسلام ، وعجز عن الثورة الشاملة ، بهدف التغيير الجذري ، عودة للأصول المحمّديّة .
لمْ يكن أمام بقيّة النبوّة ، ووارث إمام المتّقين وسيّدة نساء العالمين ، إلاّ ذلك الاختيار النابع من أعماق الوعي بحقيقة الرسالة وشموليّة الرؤية الكونيّة ، إنّه اختيار المنهج الفريد بكلمة واحدة : الشهادة .
والشهادة تعني الاختيار الحرّ في أكثر لحظات الإنسان كثافة وعياً بذاته . فهي ليست موتاً بالاضطرار ولا مصادفة ، ولكنّها الاختيار الأخلاقي القيمي المتعالي على البواعث الماديّة .. إنّها التجاوز الحرّ أو النفي ـ بالتعبير الهيجلي ـ لأخصّ خصائص الإنسان وهي حفظ الذات ، وحبّ البقاء .
إنّها الانفلات الواعي من قيود وضرورات الطبيعة تغليباً للقيمة على الغريزة ، وهنا يكمن المعنى الجوهري للحريّة  ، أو هي الحريّة في أرقى تمثلاتها الكيفيّة ، والتي لا تقتصر على ما تقدمه المفاهيم (الليبراليّة) السائدة من طرح صوري سلبي للحريّة ، بمعنى عدم وجود عوائق خارجية  للحركة ، كما يقول هوبز .
والشهادة ـ بما هي كذلك ـ شكلت تواصلاً تاريخيّاً لفعل النخبة ، بل نخبة النخبة ـ أو أكثر الناس لا يعلمون ـ وبهم حفظت راسيات الحياة أنْ تميد بها الأرض ، كلّما أشرفت على الهلاك بالفعل المعاكس لها ، وهو تغليب الغريزة على القيمة . وبذلك ظلّت تمثّل قطب الجذب الأبدي للشوق الإنساني نحو الخلاص .
إنّ ممارسة الانعتاق الداخلي من ربقة الضرورة لتسييد الحقّ ، تشكّل جوهر الدرس الأبدي الذي قدّمه الحُسين(ع) للبشر أجمعين .
فطالما أنّ كلّ نظام مستبدّ يجعل وسيلته المثلى لإحكام قبضته وضمان هيمنته هي التفكيك والتجزئة لأيّة روابط جماعية ، بحيث تصير الجماعة مجرّد
________________________________________
الصفحة (428)
جمع عددي لأفراد لا تفاعل بينهم ـ سواء تحقق ذلك بالقهر أو بمخاطبة محال التوتر والضعف في الفرد إزاء حاجاته ورغباته ، بحيث ينكفئ في النهاية على ذاته ، لا يمتدّ نظره إلى جماعة ، بل يقصر بصره على حلول على المستوى الفردي ـ فهنا يأتي ردّ الحُسين(ع) الفذّ ، ليعلن بشهادته رفض النجاة الفرديّة ، والاستعلاء على إلحاحات الذات ، أي : التحدي التامّ لأقصى ما تراهن عليه نظم الاستبداد .
هذا إذاً درس مزدوج : للسلطان ، بإعلانه سقوط رهانه الأخير ، وللناس ، أنّ بإمكانهم تحقيق ذواتهم بشكل كامل بالاستعلاء عليها حال وعيهم التامّ .
ولو أنّ السلطان ـ كلّ سلطان ـ وقع في روعه أنّ هذه المكنة محتملة من قبل الناس ، ما أقبل طاغٍ على الطغيان ، وما أهلك ظالم نفسه بظلم .
ولو أنّ الناس استوعبوا هذا الدرس ، وترسخ في أعماقهم إدراك هذه المكنة ، ما وجد مستبدّ أصلاً .
ومن ثمّ فإنّ خروج الحُسين(ع) في إطاره الاستشهادي حدث جلل في تاريخ الإنسانيّة كلّها ، ويبقى مردوده قابلاً للاتّساع والتعميق بقدر اتّساع المعاناة الجمعيّة بمضامين مكوّنات الدرس الحسيني .
لقد خرج الحُسين(ع) بالنساء والأطفال في قوم تفرض تقاليدهم ، وتعلى من شأن حماية الذمار ، والذود عن الظعائن ، ولكن الحُسين(ع) أراد أنْ يُعلم القوم أنّ الذود عن منظومة الحقّ الكلّية أولى من التهالك على جزئيّاته ، فالحقّ كلّ لا يقبل التجزئة .
وما أظنّ أحداً روّع في حياته بمثل مشهد الحُسين(ع) في المواجهة ، وابنه الرضيع عبد الله في حجره ، فيرمي جلاوزة الطواغيت هذا الرضيع بسهم يخترق عنقه ، فيستملئ الحُسين(ع) كفيه من دم فلذة كبده المسفوح ، يخاصم به الظالمين عند أعدل العادلين .
________________________________________
الصفحة (429)
فهذا أيضاً برهان درس التجرّد المطلق له ، فليس هناك بحال أمض على النفس ، ولا أوجع للقلب ، ولا أشدّ زلزلة للكيان كلّه من رضيعك يُذبح بين يديك ، ولكن الحُسين(ع) يأبى إلاّ أنْ يرتفع فوق آلامه ، مهما برحت به في سبيل الله .
ثمّ إنّ الحُسين(ع) خرج خروجه ذاك ، بعد أنْ ترك الحجّ المندوب ، وفي يوم التروية ذروة الموسم ، ليعلم الناس ألا ينساقوا وراء فقهاء السلاطين الذين يزينون لهم الاستغراق في الشعائر فقط ، تجزئياً للدين ، ويرسمون لهم طريق الخلاص عن طريق تكريس الفرديّة فيهم ، ويمنعون في إغراقهم في شكليّات أحكام الفروع ، إلهاءً لهم عن حقيقة هذا الدين ، وتغريباً لهم عن واقعهم ألاّ يقتربوا من منطقة السلطان الحرام .
وبعد , لمْ يترك الحُسين(ع) لأحد فرصة الهروب من السعي لإحقاق الحقّ ، فقد سدّ جميع ثغرات التعلات ، وأغلق جميع أبواب فاسد التأويلات ، ولمْ يبقَ إلاّ باب واحد يؤدّي إلى النهج الذي سار عليه ، وهو الاستعباد لله وحده . وتلك هي حقيقة هذا الدين ، وتلك هي خلاصة شهادة أنْ لا إله إلاّ الله ، امتلاك الحريّة المطلقة بالتفاني في العبوديّة لله ـ كما يقول سيّد قطب ـ ونبذ كلّ ما عداها ، ولو كانت ضرورات الحياة ، بل ولو كانت الحياة ذاتها . يقول الله تعالى : ( قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبّ إِلَيْكُم مِنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبّصُوا حَتّى‏ يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لاَيَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ )(1) .
تلك الحقيقة التي جسدها الحُسين(ع) بإقباله على الشهادة ضدّ عوامل الطبيعة ،
ــــــــــــــ
(1) سورة التوبة / 24 .
________________________________________
الصفحة (430)
كانت ـ كما ذكرنا ـ تواصلاً تاريخيّاً للمبدأ الواحد ، تمثّلها أناس أطلق الكشف سرح أرواحهم لمّا تشبّثوا باليقين ، عند تلك اللحظة الفارقة تبدّلت الموازين ، ونُسخت المعايير ، فلمْ تعد الدنيا أكبر الهمّ ، ولا مبلغ العلم ، بل إعلاء الحقّ أثقل ميزاناً من الدنيا وما فيها . عند تلك اللحظة ، تغيّرت دلالة مفردات اللغة ، فلمْ تعد كلمة الموت تعني النهاية ، بل البداية بداية حياة سرمديّة طاردة لكلّ معاني الفناء والعناء لصاحب الكشف ، وجاذبة لكلّ من عداه أنْ يتّخذ تلك اللحظة له غرضاً ، وذلك هو المعنى العميق الكامن في كلمة الفداء ، ذلك هو الدرس : الموت شهادة حياة .
يقول الله تعالى : ( وَلاَ تَحْسَبَنّ الذينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالذينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِم مِن خَلْفِهِمْ أَلاّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ * يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللّهِ وَفَضْلٍ وَأَنّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ )(1) .
ولا نعني بالكشف الفدائي ما يمكن أنْ يتبادر إلى الذهن من تلك التجربة الفرديّة الباطنيّة والرياضة الروحيّة ، المؤدّية إلى التماهي الوهمي الصوفي ، ولكنّه العرفان ، بمعنى الوعي التّامّ المؤدّي إلى الاستمساك إلى القبض على اليقين بكامل الكيان حتّى الموت أو هو الموت وعياً .
تأمّل سحرة فرعون الطاغية ، وهو يتهددهم لحظة الكشف أنْ آمنوا بربّ موسى : ( قَالَ آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آَذَنَ لَكُمْ إِنّهُ لَكَبِيرُكُمُ الذي عَلّمَكُمُ السّحْرَ فَلَأُقَطّعَنّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِنْ خِلاَفٍ وَلَأُصَلّبَنّكُمْ فِي جُذُوعِ النّخْلِ وَلَتَعْلَمُنّ
ــــــــــــــ
(1) سورة آل عمران / 169 ـ 171 .
________________________________________
الصفحة (431)
أَيّنَا أَشَدّ عَذَاباً وَأَبْقَى )(1) . فما كان جوابهم إلاّ الاستعلاء على ذواتهم وآلامهم وما هم مقدمون عليه من العذاب ، والاستغناء عن رغد العيش في كنف فرعون : ( قَالُوا لَن نُؤْثِرَكَ عَلَى‏ مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيّنَاتِ وَالذي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ إِنّمَا تَقْضِي هذِهِ الْحَيَاةَ الدّنْيَا )(2) .
وفي قصّة أصحاب الأخدود لنا مثل ، يتكرّر فيها مشهد التعالي على الألم والإقبال على التحريق بالنار على ألاّ يتخلّوا عن اليقين .
وكذلك مؤمن آل ياسين ، ينصح قومه وهم يكفرون ، فيستشهد ويرى موقعه من الجنّة لحظة الكشف البارقة .
ولمْ تكن أسطورة أوزيريس منذ فجر التاريخ الإنساني إلاّ تعبيراً عن الإدراك الفطري لهذا المعنى : الطريق إلى النور حالك الظلام . يقطّع أوزيريس أشلاء تتخلّط بالتراب من أجل الخصب والنماء ، مطلق الطهارة شرطه الغسل بالدماء ، وربما لهذا لا يغسل الشهيد في الإسلام ، فدماؤه أزكى من كلّ الأمواه .
وهذا النبيّ يحيى يُذبح متعبداً ، ويقدّم رأسه على طست لبغي بني إسرائيل ، على ألاّ يخالف الحقّ .
وفي التراث المسيحي ، يعدم ثمانمئة ألفٍ قبطي على يد طاغية الرومان الإمبراطور دقلد يانوس أنْ آمنوا(3) .
وعن العلاقة الجدليّة بين موت الشهيد فداء والحياة ، تقرأ في إنجيل يوحنّا :
ــــــــــــــ
(1) سورة طه / 71 .
(2) سورة طه / 72 .
(3) الأب متّى المسكين ، الشهادة والشهداء / 41 ، ط3 ـ القاهرة ـ مطبعة القديس أنبا مقار / 1987 م .
________________________________________
الصفحة (432)
الحقّ أقول لكم إنّ حبّة الحنطة التي تقع على الأرض إنْ لمْ تمت فإنّها تبقى وحدها ، وإنْ ماتت أتت بثمر كثير .
وبعد ، فقد تلا الحُسين(ع) قول الله تعالى ـ مخرجه من مكّة راداً على أتباع يزيد الذين رموه بالخروج من الجماعة ـ : ( لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنتُم بَرِيئُونَ مِمّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِي‏ءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ )(1) .
وقال الرسول (صلّى الله عليه وآله) : (( ليس لعين ترى الله يعصى فتطرف حتّى تغير أو تنتقل )) .
وإنا لله وإنا إليه راجعون .
ــــــــــــــ
(1) سورة يونس / 41 .
________________________________________
الصفحة (433)
ملحق
مسألة خطيرة من فقه الخروج
________________________________________
الصفحة (434)
استحلال أموال النظام 
هناك خبر تقصّه علينا كتب التاريخ ، وهو على قدر كبير من الأهميّة فيما يتعلّق بفقه الخروج , وهو على أهميّته وخطورته القصوى لمْ يحظَ باهتمام الباحثين ، كما لمْ يخضع لتحقيق المحقّقين . 
يقول الخبر ـ فيما يروي الطبري (1) عن خروج الحُسين(ع) من مكّة خروجه الأخير متجهاً إلى العراق ـ : ثمّ إنّ الحُسين(ع) أقبل حتّى مرّ بالتنعيم ، فلقي بها عيراً قد أقبل بها من اليمن ، بعث بها بحير بن ريسان الحميري إلى يزيد بن معاوية ـ وكان عامله على اليمن ـ وعلى العير الورس والحُلل ينطلق بها إلى يزيد , فأخذها الحُسين(ع) فانطلق بها ، ثمّ قال لأصحاب الإبل : (( لا أُكرهكم ، مَن أحبّ أنْ يمضي معنا إلى العراق , أوفينا كراءه وأحسنّا صحبته ، ومَن أحبّ أنْ يفارقنا من مكاننا هذا , أعطيناه من الكراء على قدر ما قطع من الأرض ؟ )) .
إذاً رأى الحُسين(ع) أنّ أموال النظام حلّ له ولأصحابه الخارجين بالحقّ . 
ولكي لا يلتبس الأمر ، فهناك عدّة حالات تحتاج إلى فرز وتدقيق فلعلّها تفي المسألة حقّها من الإيضاح :
1 ـ في حروب عليّ كلّها ضدّ البغاة كانت أوامره الصارمة إلى جنوده(2) :
ــــــــــــــ
(1) تاريخ الطبري ، مرجع سابق 5 / 385 .
(2) المرجع السابق 4 / 170 .
________________________________________
الصفحة (435)
(( لا تقاتلوا القوم حتّى يبدؤوكم ، فأنتم بحمد الله عزّ وجلّ على حجّة ، وترككم إيّاهم حتّى يبدؤوكم حجّة اُخرى لكم ، فإذا قاتلتموهم فهزمتموهم فلا تقتلوا مدبراً ، ولا تجهزوا على جريح ، ولا تكشفوا عورةً ، ولا تمثّلوا بقتيل ، فإذا وصلتم إلى رحال القوم فلا تهتكوا ستراً ، ولا تدخلوا داراً إلاّ بإذن ، ولا تهيجوا امرأة بأذىً ... )) .
إذاً لمْ يجز الإمام عليّ (ع) السلب أو أخذ أموال مَن حاربه على اختلاف توصيهم ، وهم : الناكثون ، القاسطون ، المارقون ، إلاّ ما أجلبوا به .
وفي رواية(1) عن النفس الزكيّة والحنفيّة والشافعيّة :  أنْ لا يغنم منهم شيء .
ويؤكّد ذلك أنّ الناس في معسكر عليّ (ع) يوم الجمل ، أبدوا بعض التذمّر بقولهم : أتحلّ لنا دماؤهم ولا تحلّ أموالهم ؟
وربما يفسّر ذلك أنّ حروب عليّ (ع) الثلاث : الجمل ، صفّين ، النهروان , ضدّ : الناكثين ، القاسطين ، المارقين . على الترتيب ، كانت حروباً ـ سواء بتأويل أو بغيره ـ من خارجين على الإمام الحقّ بإجماع السنّة والشيعة . وقد رسم عليّ (ع) حال خلافته حدود السلوك لجنوده حال النصر ، أنّه لمْ يكن يسعى إلاّ إلى درء الفتنة ، ولمّ شمل الجماعة على الحقّ ، فلمْ يجز أخذ أموال الخارجين عليه وإنْ هزمهم ؛ ذلك أنّه كان لا يرى فيهم ـ رغم خروجهم ـ خروجاً عن الملّة من جملتهم ، بغض النظر عن حرابة قادة القاسطين .
يشهد بذلك توجّع عليّ (ع) ـ رغم انتصاره ـ يوم الجمل ، وصلاته على قتلى الناكثين ، وكذلك ردّه المتاع والعبيد والإماء(2) على خوارجك يوم النهروان .
إذاً الإمام لا يأخذ أموال البغاة المسلمين .
ــــــــــــــ
(1) نيل الأوطار ، مرجع سابق 7 / 170 .
(2) الطبري ، مرجع سابق 4 / 88 .
________________________________________
الصفحة (436)
 2 ـ إذا رجعنا إلى الوراء ، وإلى وقعة بدر تحديداً ، نجد أنّ الله تعالى قد وعد المؤمنين إحدى الطائفتين أنّها لهم : غير قافلة قريش بقيادة أبي سفيان أو ملاقاة قريش حرباً .
يقول الله تعالى : ( وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللّهُ إِحْدَى الطّائِفَتَيْنِ أَنّهَا لَكُمْ وَتَوَدّونَ أَنّ غَيْرَ ذَاتِ الشّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللّهُ أَن يُحِقّ الحقّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ )(1) .
إذاً أموال الكافرين حلّ للمسلمين سواء كانت غنيمة حرب أو مصادرة بغير حرب .
3 ـ وإذا رجعنا قليلاً إلى ما قبل بدر ، وإلى يوم الهجرة ، نجد أنّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله) أمر عليّاً (ع) أنّ يتخلّف بعده بمكّة حتّى يؤدّي عن النبيّ (صلّى الله عليه وآله) الودائع التي كانت عنده للناس(2) .
نخلص ممّا سبق إلى نتيجة هامّة مؤدّاها : أنّ هناك فرقاً بين أموال النظام وأموال الأفراد ، أو الأموال العامّة والأموال الخاصّة .
فقد حرص رسول الله (صلّى الله عليه وآله) على أداء الأمانات إلى أهلها وإنْ كانوا كافرين ، وإنْ كان المسلمون قد أخرجوا من أموالهم وديارهم بغير حقّ ، بينما خرج الرسول (صلّى الله عليه وآله) في المهاجرين والأنصار قُبيل بدر لإحراز غير قريش أنّها تخصّ النظام كلّه .
ولا يحتجن أحد أنّ أموال قريش قد أحلّت في حرب ؛ وذلك لأنّ المسلمين إنّما خرجوا ابتداء لاعتراض القافلة ، فلمّا أفلتت كانت الحرب ، وفيها أيضاًَ كانت غنيمة .
ــــــــــــــ
(1) سورة الأنفال / 7 .
(2) سيرة ابن هشام ، مرجع سابق / 485 .
________________________________________
الصفحة (437)
ولا يحتجنّ أحد كذلك بأنّ الموقف مع الكافرين فيما يخصّ الأموال ، اختلف بعد الإذن بالقتال : ( أُذِنَ لِلّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنّ اللّهَ عَلَى‏ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ )(1) ، فإنّما يردّ ذلك ويؤكّد ما ذهبنا إليه من التفرقة بين أموال النظام وأموال الأفراد ما جاء في سورة الممتحنة ، من الأداء المتبادل لأصدقة النساء بين المسلمين والمشركين في حالة هجرة النساء بين الجانبين من وإلى المدينة .
يقول تعالى : ( وَآتُوهُم مَا أَنفَقُوا وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَن تَنكِحُوهُنّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنّ أُجُورَهُنّ وَلاَ تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَسْأَلُوا مَا أَنفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنفَقُوا )(2) .
وكما لمْ يعرف المسلمون تفاصيل الحقوق والواجبات ، بين كلّ من الإمام والبغاة إلاّ بالمرجعيّة إلى سلوك الإمام عليّ (ع) في قتال البغي ، فكذلك علم من مسلك