1439 / محرم / 1  |  2017 / 09 / 22         الزيارات : 422327         صلاة الصبح |         صلاة الظهر والعصر |         صلاة المغرب والعشاء |

الندوة (24) - تحت عنوان الشعائر الحسينية تأسيساً وتأثيراً بالمجتمع - سماحة العلامة السيد محمد تقي الطباطبائي التبريزي

{ مؤسسة وارث الأنبياء - قم المقدسة }
الندوة (24) - تحت عنوان الشعائر الحسينية تأسيساً وتأثيراً بالمجتمع - سماحة العلامة  السيد محمد تقي الطباطبائي التبريزي

بدايةً ذكر المحاضر أنّ إقامة العزاء على أهل البيت (عليهم السلام) والشعائر الحسينية ابتدأها أهل البيت (عليهم السلام)، فقد وصّى الإمام الباقر (عليه السلام)بإقامة مأتمٍ له في منى لعشر سنين. وذِكر أهل البيت ليس فقط مسألة عاطفة ومظلومية، وإن كانت المظلومية هي سلاح، إذ أثبتت التجربة عبر التاريخ أنّ المظلوم مسلّح أكثر من ظالميه، والنصر بعد ذلك يكون للمظلوم، والعاقبة للمتّقين، والمتّقون هم المظلومون على طول التاريخ، والنصر لهم، كانتصار موسى(عليه السلام) على فرعون الذي كان يدّعي الألوهية ﴿فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾، أين صار؟ أُغرق هو وجنوده في البحر، وقذف الموج بجثّته إلى الساحل حتّى يراها الناس، هذا الذي كان يقول بالأمس أنا ربّكم الأعلى، اُنظر إلى جيفته كيف تشمئزّ منها النفوس.

وأضاف أنّ ذكر أهل البيت فيه دروس و عبر، فكربلاءوعاشوراء درسٌ للبشرية جمعاء، ولا يوجد مثيل لعاشوراء، لا قبلها ولا بعدها، وإن تحقّقت حوادث مؤلمة كحادثة فخ وذهب فيها ثلاثمائة شخص، ورئيسهم اسمه الحسين، انكشفت العملية قبل نضجها وقبل أوانها،ورحلوا (رحمهم الله جميعاً)، وقُطعت الرؤوس ودِيست الأجساد، لكن لا يوم كيومك يا أبا عبد الله، فقد مُورست في كربلاء كلّ الجنايات والجرائم، ومُورس فيها الصبر على أشدّه وعلى أعلى مستوى، وأُعطيت فيها الأُسوة والقدوة على يد هذا الولي الإمام المعصوم المظلوم المقتول ظلماً وعدواناً عطشاناً جائعاً، فبدأ الأئمة (عليهم السلام) بترسيخ هذه الشعائر وشجّعوا عليها، وكانوا يدعون الشعراء، فالإمام الصادق (عليه السلام) كان يدعو الشعراء ويكرمهم ويضرب ستراً للنساء، ويعلو البكاء والنحيب.

ثمّ أشار إلى أنّ العلماء والفقهاء والمراجع والأولياء كلّهم كانوا يقيمون مجالس العزاء، والمسيرات إلى كربلاء في أيّام الأربعين، وأحسّ الطواغيت بالخطر فمنعوها بالقوّة والحديد والنار.  

مضيفاً أنّ الشعائر الحسينية قد أسّسها الأئمة (عليهم السلام) تخليداً للإسلام.

فالإمام الحسين (عليه السلام) أعطى قدوةً ودرساًعمليّاً بالإضافة إلى خطبه ورسائله وكلماته في الناس والأصحاب والأصدقاء والأعداء في كربلاء، هذا كلّه في جانب، لكن عاشوراء يوم واحد من الصباح إلى بعد صلاة العصر، كان فيه درسٌ يعادل كثيراً من خطب الإمام أو جلّ خطب الإمام ورسائله.

واستشهد بمجموعة من كلمات الإمام الحسين (عليه السلام): «إنّي سمعت رسول الله يقول: مَن رأى سلطاناً جائراً، مستحلّاً لحرام الله، ناكثاً لعهده، مخالفاً لسنّة رسوله، يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان، فلم يغيّر عليه بفعلٍ ولا قول، كان حقّاًعلى الله أن يدخله مدخله».

وقال الإمام الحسين (عليه السلام) في المدينة لما أحضره الوالي لأخذ البيعة: «أيّها الأمير، إنّا أهل بيت النبوة، ويزيد رجل فاسق، شارب الخمر، قاتل النفس المحترمة، معلن للفسق، ومثلي لا يبايع مثله ـ هذه كلمات نستلهم منها القوة والعزيمة ـألا إنّ هؤلاء قد لزموا طاعة الشيطان، وتركوا طاعة الرحمان، وأظهروا الفساد، وعطّلوا الحدود، واستأثروا بالفيء، وأحلّوا حرام الله، وحرّموا حلاله». 

وخاطب (عليه السلام) آخرين: «وقد بعثت إليكم بهذا الكتاب، وأنا أدعوكم إلى كتاب الله وسنّة نبيه، فإنّ السنّة قد أُميتت والبدعة قد أُحييت، ألا ترون إلى الحقّ لا يُعمل به، وإلى الباطل لا يُتناهى عنه».

وبيّن (عليه السلام) في كتابه إلى أخيه محمّد بن الحنفية هدفه النهائي، وهو تطبيق الإسلام والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: «وإنّي لم أخرج أشراً ولا بطراً، ولا مفسداً ولا ظالماً، وإنّما خرجت لطلب الإصلاح في أمّة جدّي، أُريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر، وأسير بسيرة جدّي وأبي».

مؤكّداً أنّ حركة الإمام الحسين (عليه السلام) ليست عاطفةً وحزناً فحسب، وإن كان ذلك شيئاً مثبتاًومركزاً ومؤيداً في الشريعة، لكن هناك جانب عقلاني فيها، فالكلمات التي ذكرناها كلّها منطق واستدلال وليست عاطفة، بأنّني أنا أهدف إلى تطبيق الإسلام فإنّ السنّة أُميتت، والبدعة أُحييت، فيشرّع كلّ من هبّ ودبّ محلّلاً ومحرّماً على مزاجه بعد وفاة رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، والناس ساكتون، وقد سجّله التاريخ. فاقرأ كتاب النصّ والاجتهاد للسيّد عبد الحسين شرف الدين، حيث ذكر تسعة وتسعين مورداًخالف فيها الصحابة الكتاب والسنّة القطعية، فلا يملكون علماً ولا درايةً ولا فقهاً، ولا يعرفون كيف يتوضؤونأو يصلّون، قضوا ثلثي أعمارهم بعبادة الأصنام، لا أحد يعلم لماذا أسلموا ولأيّ هدف؟ 

وبتصوري أنّ قريش دفعت بعض أشخاصها للدخول في الإسلام بهدف أنّ النبي (صلّى الله عليه وآله)سيصبح ملكاً ـ لأنّ النبوة لم تدخل أدمغتهم ـ فلنلحق نحن لنأكل من عنده أيضاً، فلماذا يتعذّب أبو ذر وعمّاروغيرهما من الضعفاء، وأُولئك لم يتلق أحدٌ منهم حتّى صفعة، وقد أعلنوا إسلامهم وكذا وهم سائرون ويصادقون عبّاد الأوثان، هناك سر، والسرّ هو أنّهم في قرارة أنفسهم يقولون بأنّ هذا سيصبح ملكاً، لا تتأخّروا يا معشر قريش، قريش ما ذلّت منذ عزّت، يريدون أن يبقوا على زعاماتهم ورئاساتهم، فدفعوا ببعضهم إلى الدخول في الإسلام لهذا الهدف، فبعضهم ما أسلم ولا آمن بالله طرفة عين، مبيّناً أنّ الذين آمنوا يوم فتح مكّةإنّما استسلموا ولم يؤمنوا.

موضّحاً أنّ حركة الإمام الحسين فيها العقلانية، والحماسة، والعاطفة، ويندر في الحركات التاريخية أن يكون فيها هذه الجهات الثلاث، العقلانية والاستدلال والمنطق المنسجم مع العقل، بأنّ هذا ظالم فعلينا ألّا نخضع له، والعاطفة التي تمثّلت في كربلاء والتي تجعل القلوب تنهار وتنصهر وتذوب لما جرى في كربلاء، حتّى أنّ العدو تنهمر دموعه وذلك عندما قالت السيّدة زينب (عليها السلام) مخاطبةً عمر بن سعد: «أيقتل أبو عبد الله وأنت تنظر إليه؟»، فأشاح بوجهه عنها ودموعه تنهار على لحيته.

ثمّ استعرض قول الإمام الحسين (عليه السلام) في ليلة عاشوراء: «الناس عبيد الدنيا، والدين لعقٌ على ألسنتهم، يحوطونه ما درّت معايشهم، فإذا مُحّصوا بالبلاء قلّ الديانون، لا والله لا أُعطيهم بيدي إعطاء الذليل، ولا أفرّ فرار العبيد، ألا وإنّ الدعيّ بن الدعي قد ركز بين اثنتين، بين السلّة والذلّة، وهيهات منا الذلّة، يأبى الله لنا ذلك ورسوله والمؤمنون، وحجورٌ طابت وطهرت، وأنوفٌ حمية، ونفوسٌ أبية، من أن تؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام».

انتشر شعار «هيهات منا الذلّة» الحماسي، والذي يريد أن يحمي نفسه ويحمّس ويهيّئ نفسه للمقاومة، عنده شعار: «هيهات منا الذلّة»، هذا من عطاء كربلاء، وإلّا قبل كربلاء لم يسمع الناس بهذا الشعار، وإن كان القرآن والأحاديث تدلّان على أنّ الله سلّط الإنسان على كلّ شيء ولم يسلّطه على ذلّ نفسه، ولا يحقّ له ذلك، هذه ليست نفسه ولا يملكه بل هذه من الله (عزّ وجلّ) والإنسان أمين على جوارحه.

وفي نهاية الندوة أجاب المحاضر على مجموعة من الأسئلة الموجّهة إليه من الحضور.

 
 
البرمجة والتصميم بواسطة : MWD