1439 / ربیع‌الاول / 6  |  2017 / 11 / 25         الزيارات : 484065         صلاة الصبح |         صلاة الظهر والعصر |         صلاة المغرب والعشاء |

الندوة (23) - الخلفيات الفكريّة للجزع على الإمام الحسين (عليه السلام) - سماحة السيد حسين الحكيم

{ مؤسسة وارث الأنبياء - قم المقدسة }
الندوة (23) - الخلفيات الفكريّة للجزع على الإمام الحسين (عليه السلام) - سماحة السيد حسين الحكيم

بدايةً ذكر المحاضر أنّه كان ناظراً في القسم الأوّل لموضوع الجزع على الإمام الحسين (عليه السلام)بعينين: عين الفكر وعين الفقه، وكان التركيز في القسم الأوّل على العين الفقهية؛ لأجل الوصول إلى البصيرة الفقهية في استحباب الجزع على الإمام الحسين (عليه السلام)، ويتمّ التركيز في القسم الثاني على البعد الفكري.

ثمّ استعرض مقدّمةً حاصلها: أنّنا نعيش في عصرٍ تُسفك فيه الدماء، وتُحرق فيه الأجساد، ويُقتل فيه الأطفال والنساء، وإنّ من أهمّ أسباب هذه الأزمة هو التصرّفات الخاطئة بالدين، التي تستخدم ما يختزنه الدين من طاقة هائلة لتحريك الإنسان، مستخدماً تلك الطاقة بشكلٍ خاطئ، بعيداً عن الدين نفسه، وإنّ أزمة مخرجات المعرفة الدينية ـ فقهية أو فكرية ـ اليوم ترجع في الغالب إلى خلل في المنهج، وتتفاقم الأزمة جدّاً في الفكر والفقه الذي لا يستند إطلاقاً إلى أيّ منهج، وهذا الأمر لا يؤدّي فقط إلى التضارب والتصادم بين الفقه والفكر، بل يؤدّي إلى التضارب والتصادم بين الفقه والفقه نفسه،والفكر والفكر نفسه.

وفي الحقيقة إنّ الفكر والفقه بلا منهج لا يستحقّ اسم الفكر ولا اسم الفقه، وإن تفاعلَ معه الكثيرون، وأخذ كثيراً من الاهتمام الإعلامي، الذي يعتمد على الإثارة،ولا يبحث كثيراً عن الأصالة والرصانة؛ مما يسبّب مباشرةً الكثير من التصادم الاجتماعي والسياسي،الذي ينشأ في جذوره الأُولى من الفراغ المنهجي في التنظير ـ فقهيّاً وفكريّاً ـ بل قد يصل في كثير من الأحيان إلى الاقتتال البشري، ويستخدم بعض ما يتقدّم كمخرج للفقه أو الفكر كذرائع فكرية قتالية لأطراف الصراع المسلّح، وهنا تبرز أهمّية وخطورة هذا الأمر، وعلى الباحثين أن يتناولوا المسائل الحسّاسة بمنهجية رصينة؛ممّا يساعد على تهدئة النفوس، وتجنّب الألغام الاجتماعية والعاطفية، التي تفجّر الرؤية وتمنع من البصيرة بشكلٍ سليم، وصولاً إلى حلّ المشكلات، موضّحاً بعدم اختصاصها بهذه المسألة، وهناك أزمة كبيرة في تحديد حقوق الإنسان، وحقوق المرأة، والإسلام السياسي، ونظام الحكم والإدارة في زمان الغيبة في ظل هذه المعطيات المعاصرة، والعولمة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية تؤدّي في كثير من الأحيان إلى تصادم حادّ بين الناس، والانكفاء الفقهي والفكري عن الدخول إلى المساحات الحسّاسة سيؤدّي إلى اضطرام النيران، وعدم وجود مَن يساهم في الإطفاء، والدخول بشكل مباشر في المصاديق بدون التأسيس يؤدّي إلى أن يكون الفقيه والمفكّر جزءاً من ضُرّام النيران بدون أن يحقّق شيئاً من دوره الإطفائي.

ومن هنا كانت الحاجة ماسّة بأن تُبحث الأُمور بسعة صدر وبنفسٍ طويل؛ للتأسيس الذي يكرّس الموضوعية الفكرية والفقهية والعقلانية العالية، التي يمكن أن تحترم الرأي الآخر، ولكنّها في نفس الوقت يمكن أن تناقش الرأي الآخر بصراحة بعد تحديد مناشئ الخلاف بشكل دقيق، وعدم الانجرار إلى النهايات التصادمية الاجتماعية.

مؤكّداً بضرورة الفكر المستند إلى المنهج الفقهي، والفقه المستند إلى شمولية النظرة الفكرية، وهما ضرورتان للفقه والفكر معاً، وربّما في ممارسة هذا الأمر وتطبيقه في موضوعات لا تخلو من حسّاسيات، يساعد كثيراً على تطوّر المنهج، الذي يهمّنا بالدرجة الأساس من الناحية الفقهية والفكرية.

الخلفيات الفكرية للجزع على الإمام الحسين (عليه السلام)

إذا أردنا أن نتعامل مع هذا الموضوع بسطحية فربّما نسمع الكثير من المقولات الغريبة، مثل أنّ الإمام الحسين (عليه السلام) قتل قبل حوالي أربعة عشر قرناً، فالماضوية والاستغراق بقضية قديمة سابقة لا تكون ذات أهمّية، فيها رجوع للوراء، أو ما أشبه ذلك من المقولات الكثيرة، أنا لا أريد أن استعرض الشبهات، وإنّما أريد أن أؤسّس للرؤية التي هي بشكل طبيعي ستدفع الشبهات وذلك من خلال نقاط:

النقطة الأُولى: تقييم الجزع عُقلائياً وفكرياً 

الجزع، بمعنى إبراز التفاعل الإيجابي مع المصاب، والتعبير عن الحزن، وعدم مسك النفس عن الحزن مرتبط في تقييمه عقلانيّاً وفكريّاً مع المصيبة التي تكون موضوعاً للجزع، فإن كانت المصيبة بأمر شخصي ذاتيّ، وكان في الجزع إضرار أكثر بالمصاب، كأن يجزع المنكوب بماله حتّى يمرض مرضاً شديداً لا علاج له، فإنّ هذا النمط من الجزع يعدّ قبيحاً ومستنكراً وحمقاً؛ لأنّه يستبطن مصاباً أشدّ من المصاب الذي جزع عليه الجازع، وإذا كان الجزع خالياً من الإضرار الخطير بالجازع، وكان المصاب ـ مثلاً ـ عدواناً على أبرياء وفيهمأطفال ونساء عزّل، فلا يدرك العقل ـ لو انفرد بالرؤية ـ قبح الجزع في مثل تلك الحالة؛ لأنّه ينطلق من نوازع إنسانية محترمة، تحترم الآخر وآلامه وعذاباته التي تستحقّالجزع، فلا يرى العقل قبح الجزع، بل قد يرى حسنه إن كان ناشئاً من انتهاك حرمات الله في أعاظم أوليائه فالعقل ـ لو خُلّي ـ يحسّن الجزع حينئذٍ ولو لم يكن عنده هذه النصوص التي تستند إلى الوحي الشريف المقدّس،ففي نهج البلاغة: «وهذا أخو غامد [هو سفيان ابن عوف من بني غامد قبيلة من اليمن من أزد شنوءة بعثه معاوية لشن الغارات على أطراف العراق تهويلاً على أهله] قد وردت خيله الأنبار، وقد قتل حسّان ابن حسان البكري، وأزال خيلكم عن مسالحها، ولقد بلغني أنّ الرجل منهم كان يدخل على المرأة المسلمة، والأُخرى المعاهدة فينتزع حجلها،وقلبها [سوارها]، وقلائدها، ورعاثها [أقراطها]، ما تمتنع منه إلّا بالاسترجاع [ترديد صوتها بالبكاء]، والاسترحام، ثمّ انصرفوا وافرين، ما نال رجل منهم كَلْم، ولا أُريق لهم دم، فلو أنّ امرأً مسلماًمات من بعد هذا أسفاً ما كان به ملوماً، بل كان به عندي جديراً».

والموت أسفاً من أشدّ أنماط الجزع، وهذا يرشد إلى هذا الحسن العقلي لانتهاك حرمات الله.

النقطة الثانية: التقييم الفكري العقلي للجزع مرتبطٌ بشكلٍ وثيق بالرؤية الاعتقادية

إنّ التقييم الدقيق لقيمة الجزع على الإمام الحسين (عليه السلام) مرتبط تماماً بمعرفة مكانته وموقعه من الله (عزّ وجلّ)، وأي خلل في الرؤية الاعتقادية بالله أو برسوله أو بموقع الحسين من الله ورسوله سيؤثّر على سلامة الرؤية والتقييم الفكري للموضوع، ومَن يختلف معنا وينظر إلى الحسين كثائرٍ فقط، فخلافنا معه ليس خلافاً في شأن الجزع، وإنّما هو خلاف في المقدّمات، ففي كثير من الأحيان أنّ مبدأ الخلاف والنزاع يبدأ من الموقع الاعتقادي، وعدم الاتفاق على رؤية كونية تقيّم الأشياء لله، والمبدأ الكوني وحياته، ودور الأنبياء فيه ودور الأوصياء، وخصوصية أهل البيت (عليهم السلام)، وإذا اختلفنا ليس خلافنا في قضية الجزع، وإنّما في مقدّماتها، ولهذا لو قبل الباحث الفكري المخالف معنا  بالمقدّمات التي توصلنا إلى النتائج وأذعن بها، فهو بشكلٍ طبيعي سيصل إلى كثير من النتائج التي نبني عليها، والمتفرّعة على ذلك التأسيس الاعتقادي، ولهذا البحث في الموضوع مع حذف هذه القضية الاعتقادية انتقاص من البحث، فالقضية الاعتقادية هي قضية أساسية محورية مركزية، تمثّل الدعامة الرئيسة للجزع على الإمام الحسين (علیه السلام)، ومَن لا يؤمن بها فهو لا يؤمن بالمنشأ، وخلافنا معه في المنشأ، مَن لا يفهمها قد يكون معذوراً في عدم فهم الجزع وتقييم جزع الجازعين، وإذا كان مقصّراً فتقصيره يجرّه إلى تقصيرات أُخرى كثيرة، ولا يسعنا أن نتناول الموضوع فكريّاً من دون أن نؤسّس هذا الأمر؛ لأنّه ليس معنى الفكر الإسلامي أنّك تفكّر في المسألة الإسلامية بأدوات الآخر وبمقدّماته الفكرية، هذا ليس فكراً إسلاميّاً، وإنّما هو فكر التقاطي ومبتور وبلا جذور.

النقطة الثالثة: الجزع على الإمام الحسين (عليه السلام) يتأسّس على معرفة الله سبحانه وتعالى

إنّ الجزع على الإمام الحسين (عليه السلام) يتأسّس على معرفة الله سبحانه وتعالى والمعرفة بعظمته، التي تتفرّع على المعرفة بعظم انتهاك حرمته، فللمعرفة بعظم الانتهاك أثرٌ كبير في الجزع، ومَن يفكّر في تطوير مكامن الجزع في شخصيته فينبغي أن يبدأ بهذه البداية، ولا ينغمس فقط في المشاهد العاطفية، وحدها من الصوت الشجيّ والصورة الباكية الإنسانية، ويحاول أن يستلهم منها جزعه على الإمام الحسين (عليه السلام)، ولا نقلّل من أهمّيتها وقيمتها، ولكن المكمن الأساس والبداية والنقطة الفارقة هي في معرفة الله سبحانه وتعالى، وإذا كانت معرفة الله قلباً بدرجة عليا لا تتحقّق إلّا للأوحدي من الناس، فإنّ معرفة عظمة الله عقلاً هي بمتناول يد كلّباحث عن الحقيقة، ومن ثمّ هذا سينسحب على عظمة النبي (صلّى الله عليه وآله) الذي هو المثكول والمعزّى والجازع الأوّل بالحسين (عليه السلام)، الذي يمكن أن يكون جزعه منشأً لجزع الجازعين، فإذا عرفنا أنّ المؤمن العادي أعظم عند الله من الكعبة بحسب ما ورد من النصوص، منها صحيح السند صالحٌ للاحتجاج به ليس فقهيّاً فحسب وإنّما فكريّاً؛ لأنّنا نعلم فكريّاً وعقليّاً بأنّ هناك عظمة مطلقة لله سبحانه وتعالى، وهذا يتفرّع منه عظم ما ينتهك من حرماته، وهذا النصّ يصبح مشيراً ومرشداً إلى ذلك الأمر العقلي، فنحن لم نغادر المنهج الفكري في البحث، فإذا كان للمؤمن هذه القيمة عند الله (عزّ وجلّ)، فكيف بسيّد الخلق في عصره، وحجّته على عباده، وحبيب رسوله، الذي دنا فتدلّى فكان قاب قوسين أو أدنى؟! إنّ المعرفة لله (عزّ وجلّ) تؤسّس كثيراً لمعرفة قيمة الجزع على الإمام الحسين (عليه السلام) فكريّاً.

ثمّ أضاف المحاضر مستنتجاً: إنّ أدنى عدوان على الحسين (عليه السلام) تقييمه بحسب رؤيتنا المادية يبقى أقلّ بكثير من التقييم الذي يستند إلى الإيمان بالله ورسله وكتبه واليوم الآخر، والإيمان برسول الله (صلّى الله عليه وآله) وموقعه من الله، والإيمان بالحسين (عليه السلام)وموقعه من رسول الله (صلّى الله عليه وآله).

ثمّ استعرض مجموعة أُمور هي مكان للجزع على الإمام الحسين (عليه السلام): 

1- تعامل الإمام الحسين (عليه السلام) مع أعدائه بمنتهى اللطف والرحمة.

أ- لبّى استغاثتهم به من الطغيان الأُمويّ

وذلك عندما وردته كتب أهل الكوفة تدعوه للقدوم إليهم، ثمّ عطفوا عليه فقتلوه، هذه الصورة المتناقضة تستفزّالعقل، وتحرّك مكامن الجزع في القلب.

ب- سقى العطاشى من أعدائه

وذلك عندما واجهته أوّل طلائع الجيش الذي خرج لقتاله،بكتيبة فيها ألف فارس خرجت لتقاتله، ولكنّه (عليه السلام) قال لفتيانه: «اسقوا القوم وارووهم من الماء...»، فقام فتيةٌ وسقوا القوم من الماء حتى أرووهم .

ج- حيوانات الأعداء نالت شيئاً من رحمة الإمام الحسين (عليه السلام)

قال الإمام الحسين (عليه السلام): «ورشّفوا الخيل ترشيفاً، فقام فتيانه فرشفوا الخيل ترشيفاً ...يدنونها من الفرس، فإذا عبّ فيه ثلاثاً أو أربعاً أو خمساً قد عزلت عنه، وسقوا آخر حتّى سقوا الخيل كلّها». حتّى حيوانات الأعداء التي تُستخدم كأدوات يركبونها لقتال الإمام الحسين (عليه السلام) نالت شيئاً من رحمة وريّ الإمام الحسين (عليه السلام).

د- بذل (عليه السلام) مع أعدائه غاية جهده في نصحهم وموعظتهم 

كما نشهد ذلك في خطبه (عليه السلام) في يوم عاشوراء.

هـ - عدم البدء بالقتال

لم يكن يريد الإمام الحسين (عليه السلام) أن يبدأهم بالقتال، فهو شخصية سلمية من الطراز الأوّل، حتّى عندما أمكنته الفرصة من قاتله الذي باشر قتله وهو شمر بن ذي الجوشن، فقد وقف شمر بن ذي الجوشن يوم عاشوراء على الخندق الذي أُضرمت فيه النيران، ونظر للحسين (عليه السلام) ومعسكره، فإذا هو لا يرى إلّا حطباً تلتهب النار فيه، فرجع ونادى بأعلى صوته ـ لاحظوا الطريقة التي فيها جرأة على الحسين (عليه السلام) لأبعد الحدود ـ: «يا حسين، استعجلت النّار في الدنيا قبل يوم القيامة!! فقال الحسين (عليه السلام): مَن هذا؟ كأنّه شمر بن ذي الجوشن؟ قالوا: نعم، أصلحك الله، هو هو، فقال: يا ابن راعية المعزى! أنت أولى بها صليّاً. فقال له مسلم بن عوسجة: يا بن رسول الله، جُعلت فداك، ألا أرميه بسهم فإنّه قد أمكنني وليس يسقط سهم، فالفاسق من أعظم الجبّارين، فقال له الحسين (عليه السلام): لا ترمه، فإنّي أكره أن أبدأهم بقتال». فعندما تُنتهك حرمات هذه الشخصية السلمية بهذا الشكل يستوجب أعلى درجات الجزع.

كذلك امتنع سفير الإمام الحسين (عليه السلام) إلى الكوفة مسلم بن عقيل عن الفتك بعبيد الله بن زياد واغتياله، رغم أنّه جاء لمقاتلة الإمام الحسين (عليه السلام).

2- العدوان على الإمام الحسين (عليه السلام)تمّ في الشهر الحرام 

إنّ العدوان على الإمام الحسين (عليه السلام) تمّ في الشهر الحرام الذي كان مقدّساً حتّى في الجاهلية؛حيث كان يأمن فيه المجرمون.

3- منع الماء عن الإمام الحسين (عليه السلام)وعياله ومعسكره 

العدوان على الإمام الحسين (عليه السلام) تضمّن منع الماء عنه عدّة أيّام، مع أنّ أباه عليّاً (عليه السلام) في معركة صفين بعد أن مُنع من الماء أباح الماء لنفس المعسكر الذي قاتل الحسين (عليه السلام) ـ المعسكر الأُموي ـ وتعرفون معاناة المنع عن الماء، هذه كلمة تُقال في ندوة فكرية، ولكنّها إذا تحوّلت إلى اكتواء بأحاسيس الإنسان تثير عنده الجزع مع قبول عقليٍّ واحترام فكريٍّ كاملٍ لذلك الجزع.

4- لم يُقتل وحده، بل قُتل معه أصحابه وأهل بيته وأبناؤه حتّى الأطفال (عليهم السلام) 

إنّه (عليه السلام) لم يُقتل وحده، بل قُتل معه أصحابه وأهل بيته وأبناؤه، بل قتل أطفاله معه، كعبد الله الرضيع،فلو جزعت الدنيا بأعظم ما يُتصوّر من جزع عليه فهو قليل، هذا الذي ينتمي إلى رسول الله، ونار عطشه تكوي الحسين (عليه السلام)، كما تكوي كلّ عائلته التي تنظر إلى ذلك الصبي وقد غارت عيناه من الظمأ.

 

5- ترويع النساء وحرق الخيام 

رُوّعت نساؤه (عليه السلام) وأُحرقت الخيام على رؤوسهنّ، وهذه النصوص التي تتحدّث عن جزع الإمام زين العابدين (عليه السلام) عندما يستحضر ذلك المشهد، الذي يقدّمه تبريراً لجزعه على مصاب الإمام الحسين (عليه السلام) فيها الكثير من العقل والإيمان والفكر والإحساس البشريّ النبيل الإنساني، وفيها الكثير من الولاء والحبّ في الله للحسين (عليه السلام)ولمَن كان معه.

6- التمثيل بجثمانه الطاهر 

عندما يُقتل القتيل يسدل الستار على مسرح المعركة وينتهي الأمر، وتُلملم الأشلاء، أما الإمام الحسين (عليه السلام) فقد تمّ التمثيل بجثمانه الطاهر، حيث قُطع رأسه وحُمل على أطراف الرماح، وقد قُطعت يداه، وقبل ذلك قُطع خنصره الشريف من أجل سلب خاتمه الذي بيده، كما قد فعلوا ذلك ببعض من قتل معه.

7- سُلبت ثيابه. 

8- رضّ الجسد الطاهر بالخيل. 

9- سبي حرم رسول الله (صلّى الله عليه وآله) 

10- التشهير به واتّهامه بشتّى التُّهم الباطلة.

11- حمل رأسه الشريف في البلدان.

ثمّ بعد كلّ ذلك حمل رأسه الشريف ما يقارب أربعون يوماً في البلدان، فيجزع الرائي لهذا المشهد بشكل طبيعي، وإن لم يعرفه، ومشهد الرأس القطيع هو مشهد مستمرّ للقتل، فالقتل يحصل بلحظات، لكنّ هذا الرأس القطيع المرفوع على أطراف الرماح هي عملية قتل مستمرّة للحسين (عليه السلام) أمام صبيته وبناته ونسائه وأطفاله وأمام الناس؛ من أجل التشفّي به (عليه السلام)، إلى غير ذلك مما لا يكاد يطيقه عقل، فكيف لا يتصدّع له القلب؟!

الجزع على الحسين إعلان نحوٍ من أنحاء مواجهة الباطل والمنكر

إنّ في الجزع على الإمام الحسين (عليه السلام) إعلان نحوٍ من أنحاء مواجهة الباطل والمنكر الذي انتهكت فيه حرمة الحسين (عليه السلام)، وإنّ في الجزع على الحسين نحواً من التعاطف مع المظلوم ومواساته، وإنّ في الجزع على الحسين (عليه السلام) تسليةً عن محن الدنيا ومصائبها.

واستنتج المحاضر أنّ الجزع فيه قيمة عليا عندما يجد الإنسان أنّ مصابه مهما عظم هو أقلّ بكثير من مصاب الحسين (عليه السلام)، ليس بالحساب المادي فقط، وإنّما بالحساب الذي ينظر إلى قيمة الإمام الحسين (عليه السلام) وعظمته، وفي الجزع على الإمام الحسين (عليه السلام) نحوٌ من أنحاء إحياء قضيته العادلة التي ثار من أجلها، رحم الله السيّد حيدر الحلّي يقول:

قد عذرت الجزوع وهو صبورُ * وعذلت الصبور وهو جزوعُ

لأنّ الجزوع كلّما جزع فهو لم يؤدِّ حقّ مصاب الإمام الحسين (عليه السلام).

مؤكّداً أنّ أكثر هذه القيم والمفاهيم التي استفدتها في التأصيل الفكري لقضية الجزع على الإمام الحسين (عليه السلام) صادفتها في نصٍّ مفعم بالإيمان والبكاء والجزع والتأصيل لهذه القضية، ما رُوي بسندٍ معتبر عن الإمام الرضا (عليه السلام): «إنّ المحرّم هو الشهر الذي كان أهل الجاهلية فيما مضى يحرّمون فيه الظلم والقتال لحرمته، فما عرفت هذه الأُمّة حرمة شهرها ولا حرمة نبيّها (صلّى الله عليه وآله)[الحسين هو المستهدف الأوّل]، لقد قتلوا في هذا الشهر ذريّته، وسبَوا نساءه، وانتهبوا ثقله، فلا غفر الله لهم ذلك أبداً. يا بن شبيب، إن كنت باكياً لشيء فابكِ للحسين بن عليّ(عليهما السلام)؛فإنّه ذُبح كما يُذبح الكبش [أيّ جرعةٍ من الجزع فاضت من أعماق قلب إمامنا الرضا في هذه الكلمات] وقُتل معه من أهل بيته ثمانية عشر رجلاً ما لهم في الأرض شبيه [أو شبيهون]، ولقد بكت السماوات السبعوالأرضون لقتله، ولقد نزل إلى الأرض من الملائكةأربعة آلاف لنصره فلم يُؤذن لهم، فهم عند قبره شعثٌ غبرٌ إلى أن يقوم القائم (عليه السلام)،فيكونون من أنصاره وشعارهم: يا لثارات الحسين (عليه السلام). يا بن شبيب، لقد حدّثني أبي، عن أبيه، عن جدّه (عليهم السلام): أنه لما قُتل جدّي الحسين (عليه السلام)، أمطرت السماء دماً وتراباً أحمر...».

فهناك مشروعٌ كونيٌّ لا ينحصر في الأرض، وإنّما يصعد إلى السماوات، ولا يقف عند الإنسان، وإنّما يغادر إلى الملائكة في الجزع على الإمام الحسين (عليه السلام)، الحالة الجامدة الباهتة في مشاعرها مع قضية الإمام الحسين (عليه السلام) هي الشاذّة، الحالة التي لا تتفاعل مع الحسين (عليه السلام) هي الحالة النشاز الخارجة عن مقتضى الفكر والعقل والإحساس الطبيعيّ لكلّ كائن حيّ، وليس فقط للإنسان.

«يا بن شبيب، إن بكيت على الحسين حتى تصير دموعك على خديك، غفر الله لك كلّ ذنبٍ أذنبته، صغيراً كان أو كبيراً، قليلاً كان أو كثيراً،يا بن شبيب، إن سرّك أن تلقى الله (عزّ وجلّ) ولا ذنب عليك فزُر الحسين (عليه السلام)، يا بن شبيب، إن سرّك أن تسكن الغُرف المبنيّة في الجنّة [في أيّة مرتبة من مراتبها والجنّة لها مراتب عليا] مع النبي (صلّى الله عليه وآله)فالعن قتلة الحسين، يا بن شبيب، إن سرّك أن يكون لك من الثواب مثل ما لمَن استُشهد مع الحسين بن عليّ (عليهما السلام)، فقُل متى ما ذكرته [لاحظوا هذا الزخم المشاعريّ في الجزع نحو التأسّي بالحسين (عليه السلام)، هذا يُستفاد أيضاً من هذه القضية]: يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزاً عظيماً، يا بن شبيب، إن سرّك أن تكون معنا في الدرجات العلى من الجنان، فاحزن لحزننا، وافرح لفرحنا، وعليك بولايتنا، فلو أنّ رجلاً أحبّ حجراً لحشره الله (عزّ وجلّ) معه يوم القيامة».

إذن؛ الجزع والتفاعل الحزين مع الحسين (عليه السلام)من أقوى ما يجذب القلوب والأرواح للارتباط بأولياء الله سبحانه وتعالى، وبعد كلّ ذلك ممّا عرفنا ولم نعرف، ممّا أدركنا ولم ندرك، ممّا وسعه وقتنا أو لم يسعه، ممّا وسعته عقولنا أم قصرت عنه، نعرف أنّ الجازعين على الحسين (عليه السلام) مهما جزعوا فإنّهم صبروا أكثر ممّا جزعوا؛ لأنّ المصاب لم يلامس شغاف قلوبهم.

اللّهم ثبّت لنا قدم صدق مع الحسين (عليه السلام)، وأيّ صدق يتحقّق بدون أن نجزع على الإمام الحسين (عليه السلام)، من أهمّ علامات صدق المرء في موالاته لسيّد الشهداء (عليه السلام) أن يلمس في قلبه حرارة الجزع عليه.

اللّهم صلّ على محمّد وآل محمّد، ولا تفرّق بيننا وبينهم طرفة عين أبداً. واستغفر الله لي ولكم، والحمد لله ربّ العالمين. 

 
 
البرمجة والتصميم بواسطة : MWD