1439 / محرم / 1  |  2017 / 09 / 22         الزيارات : 422716         صلاة الصبح |         صلاة الظهر والعصر |         صلاة المغرب والعشاء |

عُمق النهضة الحسينيّة وملامحها في عصر ما قبل النهضة

{ د. الشيخ عبد المجيد فرج الله }
عُمق النهضة الحسينيّة وملامحها في عصر ما قبل النهضة

 

مقدمة

بات من الجليِّ لكلِّ متأمِّلٍ مقدارُ الخطر الداهم الهادم، الآتي من التخطيط الأُموي البغيض، الساعي إلى بناء التحالفات بشتَّى الاتِّجاهات لمحق الإسلام، وقطع جذوره التي تمدُّ أُمَّة التوحيد بنسغ الحياة، وتشويه عطائه الإيماني الذي يبشِّر كلَّ أبناء الأرض بقِيَمه النبيلة، وشريعته الحيَّة السمحة، الـمُرشِّدة لحركة الإنسانيَّة أفراداً ومجتمعاتٍ؛ وهي تشبع احتياجاتها، وتبني حضاراتها، وتنطلق إلى مجدها المنشود.

ولولا الوجود المبارك لخط الإمامة المحافظ على كل قِيَم النبوَّة المحمديَّة وعطائها بعد استشهاد رسول الله محمَّد صلى الله عليه وآله وسلم  مسموماً ملدوداً، لأطبق الأُمويون وحلفاؤهم من اليهود والمنافقين والمشركين والمنقلبين على الأعقاب، وبمساندة الجهد القيصري الرومي الحليف، لأطبقوا على هذا الدين، واستباحوا عاصمته القليلة العدد والعدَّة، قياساً بأعداد ذلك التحالف الهادم والإرهاب الصادم، خاصة بعد أن تسلّق (آل أبي معيط) على أكتاف الناس المسلمين، وبعد أن صفا (الملك العضوض) لبني أُمية وهم يقودون الإسلام وأهله إلى الجاهليَّة الجهلاء من جديدٍ، وينحدرون بالأُمَّة إلى هاوية الانسلاخ عن كلِّ قِيم الإسلام، وتعاليم دينه القيِّم.

كيف واجه الإمام الحسين عليه السلام  هذا المدّ المدمِّر؟

سؤال في غاية الأهميَّة، يحتاج من الباحث المجيب أن يتحلَّى بأقصى درجات الروح الموضوعيَّة، وأن يجيد التعاطي مع أدق أدوات التحليل العلمي، كما يحتاج من السائل أن يتحلّى بأقصى درجات التبصُّر المحايد بعيداً عن الضغط المذهبي، والشدِّ الطائفي، وهما ـ الباحث والسائل  ـ يتابعان حركة الإمام الحسين عليه السلام  منذ نعومة أظفاره، وبدايات تأثيره في محيط (أُمَّة جدّه)، وإلى آخر أيَّامه في تلك الأُمَّة التي خسرته آمراً بالمعروف، وناهياً عن المنكر، وسائراً بسيرة جدّه وأبيه، واضعاً أبناء الإسلام أمام مسؤوليّتَيهم العُظْمَيَيْنِ الدينيَّة والتاريخيَّة؛ بأنّ مَن قَبِله بقبول الحق فالله أَولى بالحق، ومَن ردَّ عليه يصبر حتَّى يحكم الله والله خير الحاكمين، كما يعبِّر هو سلام الله على جدّه وأبيه وعليه وعلى آلهم الطاهرين.

وحتَّى يكون تحليلنا واستنتاجنا علمياً صِرفاً سنأخذ عينات بحثية مثَّلت مراحل حياة هذا الإمام الجهاديَّة التغييريَّة في مواجهة ذلك المدّ المتحالف الهادف إلى محق الإسلام.

لكن قبل ذلك يجدر بنا أن نعطي ترجمة مختصرة جدَّاً عن الإمام الحسين عليه السلام ، ترجمة نريدها (نبويةً)، ويرضى بها المسلمون جميعاً على اختلاف مذاهبهم ومشاربهم، لذا نأتي إلى شيخ من أبرز مؤرخي المسلمين ومترجمي رجالهم وهو ابن عساكر، صاحب كتاب (تاريخ دمشق الكبير)، لنقتطف من كتابه ما رواه متصلاً عن ربيعة السعدي، قال: «لمّا اختلف الناس في التفضيل، رحلتُ راحلتي، وأخذتُ زادي حتَّى دخلتُ المدينة، فدخلتُ على حُذيفة بن اليمان، فقال لي: ممّن الرجلُ؟ قلتُ: من أهل العراق. فقال: من أيّ العراق؟ قلتُ: رجل من أهل الكوفة. قال: مرحباً بكم يا أهل الكوفة. قلتُ: اختلف الناسُ في التفضيل، فجئتُ لأسألك عن ذلك؟

 فقال لي: على الخبير سَقَطْتَ، أما إنّي لا أُحدّثك إلّا بما سمعتْهُ أُذناي ووعاهُ قلبي وأبصرتْه عيناي: خرج علينا رسولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم ، كأنّي أنظر إليه كما أنظر إليك الساعة، حاملَ الحسين بن عليّ على عاتقه، كأني أنظر إلى كفّه الطيّبة واضِعها على قدمه يُلصقها بصدره، فقال: يا أيّها الناسُ، لأعرفنّ ما اختلفتم ـ يعني في الخيار ـ بعدي. هذا الحسينُ بن عليّ؛ خير الناس جدّاً، وخير الناس جدّةً؛ جدّه مُحمّدٌ رسول الله، سيّد النبيّين، وجدّته خَديجة بنت خويلد، سابقة نساء العالمين إلى الإيمان بالله ورسوله. هذا الحسينُ بن عليّ؛ خير الناس أباً، وخير الناس أُمّاً: أبوه عليّ بن أبي طالب، أخو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم  ووزيرُه، وابن عمّه، وسابق رجال العالمين إلى الإيمان بالله ورسوله، وأُمّه فاطمة بنت محمّد، سيّدة نساء العالمين. هذا الحسينُ بن عليّ؛ خيرُ الناس عمّاً، وخير الناس عمّةً: عمّه جعفر بن أبي طالب، المزيَّن بالجناحين يطيرُ بهما في الجنّة حيثُ يشاء، وعمّته أُمّ هانئ بنت أبي طالب. هذا الحسين بن عليّ؛ خير الناس خالاً، وخير الناس خالةً: خالُهُ القاسمُ بن محمّد رسول الله، وخالته زينب بنت محمّد رسول الله. ثمَّ وضعه عن عاتقه، فدرج بين يديه، وحَبى.ثمَّ قال: يا أيّها الناس؛ هذا الحسين بن عليّ؛ جدّه وجدّته في الجنّة، وأبوه وأُمّهُ في الجنّة، وعمّه وعمّتهُ في الجنّة، وخاله وخالته في الجنّة، وهو وأخوه في الجنّة. إنّه لم يُؤْتَ أحدٌ من ذرّيّة النبيّين ما أُوتي الحسين بن عليّ ما خلا يوسف بن يعقوب»[1].

إننا أمام هذا الحديث نقف مطمئنين إلى دلالته، بما يجعلنا متيقنين من معناه ومغزاه؛ وذلك لإجماع المسلمين على فحواه، ولما يعضده في مروياتهم المتواترة من الأحاديث النبوية، وكذلك لإطباقهم في سيرتهم على الأخذ بمضمونه. ومن فهم هذا الحديث الشريف، ومن تحكيم العقل المحايد، ننطلق في تحليل هذه العيّنات:

 جهاد تثبيت مرجعيَّة القرآن الكريم والحديث النبويِّ غير المحرَّف

من أعظم ما تُمنى به الشرائع الدينية أن يؤخَذ التشريع كله أو بعضه من أفراد ليسوا مشرّعين، أو أن يكونوا قيّمين عليها وهم غير معصومين؛ فيُخطئون ويُصيبون، فيلتبس الحق بالباطل، ويختلط الحابل بالنابل! خاصة إذا كان اختلافهم (بغياً بينهم)، والبغي هو التعدّي والظلم والفساد، وقد جاء في القرآن الكريم التحذير الشديد من ذلك؛ في آيات تؤسس لبناء معرفي عقيدي رصين[2]، أو في أثناء ذكر قصص أُمم الأنبياء السابقين[3]، أو في معرض التوجيه والإرشاد[4]، أو حين التحذير من الانقلاب والارتداد[5].

ومن أجل تثبيت مرجعية صحيحة للتشريع الإسلامي كان للإمام الحسين جهاد عظيم، وجهود كبرى مع أبيه الإمام علي المرتضى وأُمه فاطمة الزهراء وأخيه الإمام الحسن المجتبى، عليهم أفضل الصلاة والسلام أجمعين، وآزرهم وتلاهم الصالحون المخلصون من آل البيت والصحابة والتابعين، وقد تمثّلت هذه المرجعية في حصر التشريع الإسلامي بالقرآن المجيد، وما صحّ نقله من أقوال وأفعال سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، حتَّى تم لهم ما أرادوا وإن كان بأغلى التضحيات، التي وصلت إلى حدّ الاستشهاد العلني كما في قتل الإمام علي ووَلَده الإمام الحسين عليهما السلام ، أو الاستشهاد المستتر كما في اغتيال السيّدة فاطمة الزهراء والإمام الحسن عليهما السلام ، وقد كان الجهاد من أجل صيانة القرآن وحمايته عن التحريف ممتداً على أكثر من جبهة، ومن أهم الجبهات؛ جمع القرآن ليكون مكتوباً ومحفوظاً ومجموعاً (بين الدفّتين)، وكان ذلك علناً أوّل ما كان بعد استشهاد سيدنا الحبيب المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم ... وكذا حفظ القرآن من كل محاولات التلاعب فيه زيادة ونقيصة، وصيانة القرآن من التأويل الخاطئ، ومنع التفسير بالرأي، وفضح محاولات صرف الآيات عن مواردها، أو تقويل الآيات ما لا تقوله، أو نسبة أسباب نزول مزوّرة... إلى كثير من هذا القبيل! وقام هؤلاء الأئمة الأطهار بإعطاء التفسير الصحيح للقرآن الكريم، وهم يتحدّون منع سلطة الخلافة الجائرة التي رفضت القرآن المكتوب المجموع بيد الإمام علي عليه السلام [6]، ومنعت بكل وسائل المنع والقمع والعسف والبطش من رواية أحاديث الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم  بعد شهادته، بل حتَّى من قبل شهادته، ولقد وصل الحد فيما بعد بهذه السلطة المتسلطة بالحديد والنار إلى فرض الإقامة الجبرية على الصحابة حتَّى لا يخرجوا خارج المدينة المنورة، خشيةً من أن يحدّثوا الناس بأحاديث رسول الله[7]!! ولقد وجد الأُمويون في قرارات السلطة هذه ما يريح بالهم، ويساعدهم في تنفيذ مخططهم الشنيع الذي وضعوه ليحققوا غرضين معاً:

الأوّل: خطف الخلافة واستيلاؤهم على كل بلاد المسلمين.

والثاني: أخذ الثأر من المسلمين الذين قتلوا ذوي قرباهم من المشركين.

جهاد تصحيح المسار للعودة بالخلافة إلى أهلها الشرعيين

لـمَّا فشلت محاولة اغتيال سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم  ليلة العقبة، فكّر الأُمويون وأتباعهم والمتحالفون معهم من المنافقين واليهود في أن يدسوا السمّ إلى سيدنا الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم ، كما خططوا لإشعال الفتنة الداخلية في المدينة المنورة لو تمّ لهم اغتيال الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، ولا يتحقق لهم اختراق بنيان المسلمين المرصوص بأحسن من فتنة خلافة الرسول.

ولـمّا استطاعت امرأة يهودية أن توصل السم إلى بيت إحدى زوجات النبي! ونجحت المحاولة الخبيثة!! وبدأ صلى الله عليه وآله وسلم  يعاني من أعراضها وآثارها، عادوا من جديد للإجهاز عليه بدس سمّ آخر تحت مسمّى الدواء، فكانت تباشر إحدى زوجاته لدّه به مع أنه كان ينهى مراراً عن لدّه[8].

وهنا تعقّدت الأُمور، واختلطت الأحداث، وكانت كل الخيارات مُرّة صعبة، خاصة بعد فاجعة السقيفة المخزية، التي تمخضت عن فرض خليفة بطريقة (الفَلْتة) كما يصفها عمر بن الخطاب، والذي حكم ضمناً على مقترفيها بالإعدام «فمن عاد لمثلها فاقتلوه»[9]! وكان أهل البيت الطاهرون يحاولون تطويقَ نار تلك الفتنة الطاحنة، وتَبطِيْءَ عجلة تلك الحرب الضروس، فنجحوا بقيادة الإمام عليٍّ عليه السلام  في نزع فتيل الحرب الداخلية الطاحنة التي خُطِط لها لأن تودي بالإسلام كلّه، وتمحق كل أهله، ولكن الثمن كان غالياً، بعد أن تخاذل المسلمون عن إعادة الحق إلى نصابه، إذ لم يخلعوا الخليفة المفروض بقوة الحديد والنار، ولم يفوا ببيعتهم للخليفة الشرعي الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام  التي سبقت في غدير خم!

وكان لتحرُّك الإمام الحسين مع أخيه الإمام الحسن وأُمّهما السيِّدة فاطمة الزهراء عليهم السلام  منحى الجهر برفض هذه الخلافة، والتحرك للإطاحة بها جهاراً نهاراً، مع فضح رأس السلطة فيها، وسحب بساط أي مشروعية ملفّقة له من تحت أقدامه وأقدام أعوانه وحلفائه... حتَّى سقطت هي شهيدة، وسلّمهما الله من القتل لصغر سنّهما!

وكذلك كان لهم عليهم السلام  مع الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام  منحى التحرُّك السرِّي لتحشيد جموع المهاجرين والأنصار، ليتحمّلوا مسؤوليتهم الشرعية، ويؤدّوا أمانتهم الدينية، فيثبوا وثبة واحدة تطيح بهذا الخليفة المفروض بلا مؤهلات، والمتقمّص للخلافة بلا غطاء شرعي، فكان هؤلاء الأربعة يطوفون ليلاً على بيوت المسلمين من المهاجرين والأنصار لتصحيح المسار، ولإعادة الحق إلى أهله، وقد حفظ التاريخ وثيقة مهمّة جداً لمعاوية بن أبي سفيان الأُموي تؤكّد ذلك: «وأعهدك أمس تحمل قعيدة بيتك ليلاً على حمار ويداك في يدَي ابنيك الحسن والحسين يوم بويع أبو بكر الصديق، فلم تدع أحداً من أهل بدر والسوابق إلَّا دعوتهم إلى نفسك، ومشيت إليهم بامرأتك، وأدليت إليهم بابنيك...»[10].

هذه الوثيقة تؤكد جهاد الإمام الحسين عليه السلام  من أجل تصحيح المسار للعودة بالخلافة إلى صاحبها الشرعي، حتَّى يقطع الطريق أمام الإرهاب الأُموي الذي بدأ يتحرك تحت ستار الخلافة الجديدة.. ذلك الإرهاب المتحالف معها ظاهراً، المتحيّن الفرصة للإطاحة بها باطناً!! وتمّ للأُمويين ذلك بعد أن دسوا السم لأبي بكر بعد سنتين ونصف من خلافته، ثمَّ صعد أُموي منهم إلى سدة الحكم بعد مقتل عمر بن الخطاب بمؤامرة أحكم طبخها الأُمويون وحلفاؤهم الذين أشرنا إليهم سابقاً. ولكن مَن يجرؤ على معارضة سلطة الشيخين غاصبي الخلافة؟

الحسنان عليهما السلام  يتقاسمان المهمة

على المؤرِّخ الحصيف أن لا يمرّ مروراً عابراً على إقدام الإمام الحسن وأخيه الإمام الحسين عليهما السلام  عدَّة مرَّات على إنزال الخليفة عنوةً عن منبر رسول الله محمَّد صلى الله عليه وآله وسلم ، ويحدُّثنا التاريخ عن شجاعةٍ فائقةٍ وذهنيةٍ حاذقةٍ للإمام الحسين عليه السلام  في واحدة من تلك المرَّات، كما يعطينا انطباعاً عن تغلغل معاوية بن أبي سفيان في بيت الخليفة، ونفثه سموم الهدم في أُذنه الصغواء له في كلِّ باطلٍ! بل كان معاوية يخلو بعمر فلا يستطيع حتَّى ابن عمر من الدخول على أبيه، فضلاً عن الاستماع لما كان ينفثه معاوية الأُموي!!

يقول التاريخ على لسان ابن عساكر عن أشياخه في الرواية، راوياً أجزاء من قول الإمام الحسين عليه السلام : «عن عبيد بن حنين، عن حسين بن علي، قال: صعدت إلى عمر بن الخطاب فقلت له: انزل عن منبر أبي واصعد منبر أبيك، قال: فقال: إنَّ أبي لم يكن له منبر. قال: فأقعدني معه، فلمَّا نزل ذهب بي إلى منزله، فقال: أي بُني، مَن علَّمك هذا؟ قال: قلت: ما علّمنيه أحد، قال: أي بُني، لو جعلت تأتينا وتغشانا، قال: فجئت يوماً وهو خالٍ بمعاوية، وابنُ عمر بالباب ولم يؤذن له، فرجعت، فلقيني بعد، فقال لي: يا بُني، لم أَرَك تأتينا! فقال: قد جئت وأنت خالٍ بمعاوية، ورأيت ابن عمر رجع فرجعت. فقال: أنت أحق بالإذن من عبد الله بن عمر، إنَّما أنبت في رؤوسنا ما ترى الله ثمَّ أنتم، قال: ووضع يده على رأسه»[11].

ويؤكد ابن عساكر وغيره هذا الحديث ببعض التفاصيل التي يبدو أنَّ الرواة كانوا يهابون التصريح بها، وربمَّا امتدّت أيديهم ليدسوا بعض الألفاظ (الملطِّفة) على لسان الإمام الحسين عليه السلام [12].

محاولة تطويق الفتنة التي أدَّت إلى مقتل عثمان

لقد عمل الأُمويون بكلِّ دهاءٍ ومكرٍ على الاستفادة من وصول أحد أبناء قبيلتهم إلى هرم الخلافة وهو عثمان بن عفَّان، وخططوا لأن يحوّلوا الخلافة إلى (مُلكٍ أُموي عضوض) وذلك بثلاثة اتِّجاهات:

 الأوَّل: التحكُّم ببيت مال المسلمين والسيطرة عليه وجعل الامتيازات المالية والاقتصادية في أيديهم حصراً.

الثاني: التغلغل في كلِّ مفاصل الدولة، واحتلال المناصب الحساسة.

الثالث: تصعيد الأحداث حتَّى تصل إلى حد احتلال المدينة المنورة بالتعاون مع الروم، أو إلى قتل عثمان ليجنوا من قتله مكاسب لا يستطيعون الحصول عليها وهو حيّ، وأهم هذه المكاسب أن يشرعنوا تمردهم باعتبارهم أولياء دم عثمان... حتَّى بات (قميص عثمان) المخضّب بالدم مضرب المثل عند العرب إلى يومنا هذا.

وكان تحرُّك الإمام الحسين عليه السلام  تحت مظلة أبيه الإمام علي وبمعية أخيه الإمام الحسن عليهما السلام على صعيدين:

 الأوَّل: تأشير أخطاء عثمان، والتحذير من تداعياتها، وإعطاء الحلول الممكنة لتلافي كوارثها.

الثاني: المرابطة أمام باب عثمان؛ للمنع من قتله، من أجل تفويت الفرصة على الأُمويين الذين يخططون للاستفادة من قتله بعد أن (احترقت ورقته) على حدِّ تعبير السياسيين المتأخِّرين.

وداع أبي ذر المحظور

من الشواهد على الصعيد الأوّل السالف الذكر تشييع أئمة الهدى علي والحسن والحسين عليهم السلام  الصحابي أبا ذر بعد أن نفاه عثمان ومنع حتَّى من توديعه! هذا التشييع الذي كان بحق مظاهرة إيمانية سياسية سلمية، آمرة بالمعروف، ناهية عن المنكر.. كما يوثِّق ذلك ابن أبي الحديد المعتزلي في معرض شرحه كلام الإمام علي عليه السلام  لأبي ذر، ويعنينا هنا في هذا البحث قول الإمام الحسين عليه السلام : «يا عماه، إنَّ الله تعالى قادر أن يغيِّر ما قد ترى، والله كلُّ يومٍ هو في شأن، وقد منعك القوم دنياهم، ومنعتهم دينك، فما أغناك عمَّا منعوك! وأحوجهم إلى ما منعتهم! فاسأل الله الصبر والنصر، واستعذ به من الجشع والجزع، فإنَّ الصبر من الدين والكرم، وإنَّ الجشع لا يقدِّم رزقاً، والجزع لا يؤخِّر أجلاً»[13].

وهنا يتبيّن لنا دفاع الأئمة الثلاثة علي والحسن والحسين عليهم السلام عن الصحابي أبي ذر (كشخص)، وعن حق أبي ذر (كمواطن)، بل ودفاعهم عن روح الدين الإسلامي (كتشريع)، وقول كلمة الحق مهما كلّف الثمن (كموقف شريف)! هذا مع التنديد الشديد بإرهاب النفي الأُموي العنيف إلى البلاد القاحلة التي لا سكان فيها ولا أيَّاً من مستلزمات الحياة البشرية.

أمَّا على الصعيد الثاني وهو المرابطة أمام باب عثمان؛ للمنع من قتله، من أجل تفويت الفرصة على الأُمويين المستفيدين من فتنة مقتله أكثر من استفادتهم من بقاء خلافته، فيكفي للتدليل عليه إجماع المؤرِّخين على مكث سبطي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم  أمام باب عثمان، ونجاحهم في منع الثوار من دخول الدار حتَّى لا تقع الفتنة، وبأُسلوب لا يخدش مشاعر الثائرين المطالبين بمطالب عادلة، هذا من جهة... ولا يعطي لعثمان المشروعيَّة في تصرفاته وتصرفات مروان الغادرة بالثوار. وتفاصيل هذا الحدث تغص بها كتب التاريخ حدَّ إدماء القلب[14].

إعادة تشييد دولة الإسلام

كان للاجتهادات الجاهليَّة الخاطئة التي ارتكبها غاصبو الخلافة الشرعيَّة آثار سلبيَّة جدَّاً على دولة الإسلام كدولة، وعلى أُمَّة الإسلام كأُمَّة، وعلى أفراد الإسلام كأشخاص فُرِضتْ عليهم آراء شخصيَّة غير منضبطة تشريعياً، لكنها انفرضت بقوَّة الحديد والنار وبادَّعاء أنَّ كلَّ ما يقوله الخليفة هو واجب التطبيق والتنفيذ، ومن يرفض فإنَّه يشق عصا الجماعة! ويخرج عن الطاعة!!

وقد كانت السياسة الداخليَّة تعيش اضطراباً واضحاً ما بين خليفة وخليفة، وكلُّ خليفةٍ من هؤلاء الخلفاء الثلاثة كان يبتعد عن المنهجية المحمديَّة المعصومة في القيادة والحكم، علم أم لم يعلم، قصد أم لم يقصد. فإذا بالمحصلة النهائيَّة التراكميَّة لأعمال هؤلاء الثلاثة تنحو منحى بعيداً جدَّاً عن المحددات القرآنيَّة التي ترسم إطار القيادة الناجحة في دولة الدين الخاتم.

ولما آلت الخلافة إلى الإمام علي عليه السلام  كان عليه أن يعمل جاهداً لإعادة الأُمور إلى نصابها الشرعي، ومن ضمن ذلك: إعادة تشييد بناء دولة الإسلام على طبق الضوابط المحمدية، وكان الإمام علي عليه السلام  بحاجة إلى مؤازرة جماهيرية لقبول العودة إلى تلك الضوابط، خاصةً بعد أن خدّرت الأموال والامتيازات حتَّى بعض المحسوبين على دائرة الرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم  كالزبير بن العوّام، ابن عمّة الرسول والإمام.

إنّ هذه التعبئة الجماهيرية الإصلاحية كانت تحتاج جهوداً كبرى وتحركات عُظمى من قِبَلِ أقرب شخصيتين إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم  وهما ريحانتاه الحسن والحسين عليهما السلام ، اللذان يحظيان باحترام كل المسلمين المخلصين... ومن المؤسف أنّ مما أخفق التاريخ الإسلامي في الانتباه إليه والإشادة به هو هذا الجهد الجبّار الذي بذله الإمامان الحسنان في تحشيد التعبئة الجماهيرية الإصلاحية المؤازرة لقرارات أمير المؤمنين عليه السلام  سنة(36هـ)؛ فبجهود هذين الإمامين الحثيثة استطاع الإمام علي عليه السلام  أن يقول بكلِّ ثقةٍ وتأكيد: «فَقُمْتُ بِالْأَمْرِ حِينَ فَشِلُوا، وتَطَلَّعْتُ حِينَ تَقَبَّعُوا، ونَطَقْتُ حِينَ تَعْتَعُوا، ومَضَيْتُ بِنُورِ الله حِينَ وَقَفُوا، وكُنْتُ أَخْفَضَهُمْ صَوْتاً، وأَعْلاَهُمْ فَوْتاً، فَطِرْتُ بِعِنَانِهَا، واِسْتَبْدَدْتُ بِرِهَانِهَا، كَالْـجَبَلِ لاَ تُحَرِّكُهُ اَلْقَوَاصِفُ، ولاَ تُزِيلُهُ اَلْعَوَاصِفُ، لَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ فِيَّ مَهْمَزٌ، ولاَ لِقَائِلٍ فِيَّ مَغْمَزٌ، اَلذَّلِيلُ عِنْدِي عَزِيزٌ حتَّى آخُذَ اَلْـحَقَّ لَهُ، واَلْقَوِيُّ عِنْدِي ضَعِيفٌ حتَّى آخُذَ اَلْـحَقَّ مِنْهُ، رَضِينَا عَنِ الله قَضَاءَهُ، وسَلَّمْنَاهُ لله أَمْرَهُ»[15].

تثبيت العدل الاجتماعي

وانطلق الإمام عليٌّ عليه السلام  في نهضته الإصلاحية الكبرى العائدة بالمسلمين إلى المبادئ المحمديَّة الحقّة، وكان من نتاج النهضة العلويَّة تثبيت العدل الاجتماعي باعتبار الناس سواسيةً كأسنان المشط، وتثبيت القضاء العادل، حتَّى أمن الخائفون، وأُنصف المظلومون، وبقيت كلمات الإمام أمير المؤمنين عليه السلام  تدوّي في الأرجاء، وهو يقول ما قاله في أوائل أيام خلافته من كلام له فيما ردَّه على المسلمين من قطائع عثمان: «وَالله، لَوْ وَجَدْتُهُ قَدْ تُزُوِّجَ بِهِ اَلنِّسَاءُ ومُلِكَ [تُمُلّـِـكَ] بِهِ اَلْإِمَاءُ لَرَدَدْتُهُ... فَإِنَّ فِي اَلْعَدْلِ سَعَةً، وَمَنْ ضَاقَ عَلَيْهِ اَلْعَدْلُ فَالْـجَوْرُ عَلَيْهِ أَضْيَق»[16].

 مفارقة

يحدِّثنا التاريخ أنَّ الأموال التي كانت عند جماعة قليلة من رؤوس المسلمين المقرَّبين من الخلافة السابقة بلغت أرقاماً خيالية؛ حتَّى أنَّ الذهب والفضة كانت دنانيرهما والدراهم تصدأ وهي تُخزَّن في الأرض أو في الجرار الرطبة المخفية، وتتلاصق حتَّى يصعب فصلها عن بعضها، فكانت تُكسّر بالفؤوس!! في المقابل كان العوز والجوع يعذبان غالبية المسلمين من الطبقات الشعبية المسحوقة. ولما آلت الخلافة إلى الإمام عليٍّ عليه السلام  عمل بكلِّ ما في وسعه لإعادة حقوق الناس المسلوبة المغصوبة إلى أصحابها.

وهنا ننوّه من جديد بالمهمة الرسالية العظيمة والجهاد الدؤوب اللذين اضطلع بهما الإمام الحسين بمعية أخيه الإمام الحسن المجتبى عليهما السلام ؛ فقد استطاعا أن يؤثّرا في الرأي العام المسلم، على أمل أن يقف المسلمون مع هذه اللحظة الإصلاحية الحاسمة، فإذا بهذه الحركة المباركة للحسنين عليهما السلام  تثمر بشق الأنفس، فتابعهما خُلّص صحابة النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم ، والتفّت جموع الناس المحرومين المسحوقين حول قيادة الإمام أمير المؤمنين عليه السلام ، وهذا جهاد بمعزل عن السيف، لكنه كان من أعظم الجهاد، حتَّى بدا واضحاً للعيان أن منهج الإمام الحسين عليه السلام  وأبيه وأخيه عليهما السلام  هو ضدٌّ نوعيٌّ حقاً ومخالفٌ تماماً لمنهج الاستئثار الأُموي الذي كان يقضم حقوق المسلمين كما تقضم الإبل نبتة الربيع، على حد تعبير الإمام علي عليه السلام : «... قَامَ ثَالِثُ اَلْقَوْمِ نَافِجاً حِضْنَيْهِ بَيْنَ نَثِيلِهِ وَمُعْتَلَفِهِ، وَقَامَ مَعَهُ بَنُو أَبِيهِ يَخْضَمُونَ مَالَ الله خِضْمَةَ اَلْإِبِلِ نِبْتَةَ اَلرَّبِيعِ، إِلَى أَنِ اِنْتَكَثَ عَلَيْهِ فَتْلُهُ، وَأَجْهَزَ عَلَيْهِ عَمَلُهُ، وَكبَتْ بِهِ بِطْنَتُهُ»[17].

الغارات الإرهابيَّة الأُمويَّة على المدنيين الآمنين

لقد اقترف الأُمويون أبشع الجرائم ضد الإنسانية، وكان منها الترويع الجماعي لعشرات الآلاف من المسلمين، وقتلهم بأبشع طرق القتل.. حتَّى أن أحد القادة الأُمويين أغار من الشام على البلدات والقرى الإسلامية إلى أن وصل إلى اليمن وعاد راجعاً إلى الشام، وقد قتل في ذهابه وإيابه ثلاثين ألف مسلم! غالبيتهم من الأطفال والنساء والشيوخ! وغير بعيدة عن ذاكرة المسلمين الدامية صورة الذبح المرعب لطفلين بريئين هما ولدا عبيد الله بن العباس، وعبيد الله هذا هو ابن عمّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم .

إنّ هذه الغارات كانت إعلاناً للحرب على المسلمين جميعاً، كما كانت كاشفة عن الحقد والإرهاب الأُمويَين، بما لا يدع مجالاً للشك في أنّ هذا الحزب الأُموي لا يريد للإسلام أي خير! بل يعيث به كل شر!! والغريب المريب أنّنا وإلى يوم الناس هذا لا نسمع تبرُّؤاً من معاوية وحزبه وأفعاله في خُطَب الجُمَع والأعياد والأحاديث الدينية لمن يدّعون أنهم من أتباع السنّة والجماعة!!! والسنّة النبوية والجماعة المسلمة بَراء من القتَلة والمجرمين والإرهابيين الذين جنّدهم أبو سفيان وابنه معاوية وحزبهما الباغي الطاغي.

ولقد كان الإمام الحسين عليه السلام  في طليعة المنددين بهذه الغارات الإجرامية الإرهابية، ومن ثمَّ كان هو وأخوه الإمام الحسن المجتبى عليهما السلام  في مقدمة صفوف المجاهدين لمقاتلة أُولئك الإرهابيين فيما بعد، حتَّى صاح الإمام علي عليه السلام  بأصحابه: «اِمْلِكُوا عَنِّي هَذَا اَلْغُلاَمَ لاَ يَهُدَّنِي، فَإِنَّنِي أَنْفَسُ بِهَذَيْنِ [يَعْنِي اَلْحَسَنَ واَلْحُسَيْنَ] عَلَى اَلْمـَوْتِ، لِئَلاَّ يَنْقَطِعَ بِهِمَا نَسْلُ رَسُولِ الله صلى الله عليه وآله وسلم »[18].

تطويق الفتنة الأُمويَّة النفاقيَّة في مأساة حرب الجمل

اقتضت العدالة الإسلامية التي كان يجسّدها خير تجسيد الإمام علي عليه السلام  أن لا يكون عقاب قبل الجريمة، ومع علم الإمام علي عليه السلام  بأن طلحة والزبير يريدان الغدرة ولا يريدان العمرة كما أكد ذلك لهما هو بنفسه عليه السلام [19]، إلّا أنه لم يفرض عليهما إقامة جبرية، ولا ضيّق عليهما، فضلاً عن أنه لم يقتلهما، واكتفى منهما بأن يجددا البيعة له فقط، إتماماً للحجة، وإشهاداً للتاريخ.

لكنهما وللأسف الشديد التحقا بتلك المرأة التي كانت تحرّض على الإمام علي عليه السلام ، وكان مروان بن الحكم يؤزّها أزّاً لإذكاء نار تلك الفتنة، ولم تثنها حتَّى (كلاب الحوأب) عن مسيرها المرفوض من قِبَل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم  والقرآن الحكيم[20]، بل راح الأُمويون يجمعون شهود الزور ليشهدوا أن هذه الأرض التي نبحتها كلابها هي ليست أرض الحوأب، بعد أن تحققت مقولة النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم  حين قال: «أيّتـكن تنبح عليها كلاب الحوأب»[21].

 لقد قام الأُمويون بدور قذر في إشعال نار الفتنة ليضربوا المسلمين بعضهم ببعض في حرب الجمل الطاحنة الضروس، وكان الإرهابي مروان بن الحكم في ساحة الحرب يطلق السهام مرة على جيش الإمام علي عليه السلام  ومرة على جيش عائشة، وحين سُئل عن ذلك أجاب بأنه عدو لكلا الفريقين، فأينما أصابت سهامه فإنه يصيب عدواً من أعدائه!! حتَّى وصل به الأمر إلى أن رمى هو بنفسه طلحة بسهم فأودى بحياته! وهذا ما تؤكده كتب التاريخ[22].

 كل هذا والإمام عليّ عليه السلام  يدعوهم بالحكمة والموعظة الحسنة لحقن دماء المسلمين، والتراجع عن إشعال نيران الحرب التي ستحرق اليابس والأخضر... ولقد كان أرسل إليهم كتاب الله (القرآن الكريم) منشوراً يحمله من جيشه بملابس السلام البيضاء رجلٌ مسلم واسمه (مسلم)، فكان اسماً على مسمّى، يدعوهم إلى الاحتكام إليه، لكنهم أبوا ورفضوا، وردّوا عليه بأن قطعوا يده اليمنى، ثمَّ اليسرى، ثمَّ قتلوه وهو صابر محتسب أعزل! ليس عنده سوى القرآن يضمّه إلى صدره ودماؤه تسيل عليه!! ويحدّثنا التاريخ عن أبيات من الرجز الشجيّ قالتها أُمّ ذريح العبدية راثيةً هذا الشهيد المظلوم:[23]

 

يا ربّ إنّ مسلماً أتاهمُ

 

بمصحفٍ أرسلَهُ مولاهُمُ

للعدلِ والإيمانِ قد دعاهمُ

 

يتلو كتابَ اللهِ لا يخشاهمُ

فخَضَّبوا مِن دمِهِ ظُباهُمُ

 

وأُمـُّهُــمْ واقـفـــةٌ تَــراهُـمُ

تأمُرُهُمْ بالغَيِ لا تَنهاهُمُ (1).

 

 

 حملات الموت الأُمويَّة تطال المسلمات وغيرهن

ويحدِّثنا التاريخ أيضاً بكلِّ مأساوية عن حملات موت أُموية إرهابية كانت قبل صفين، انطلق فيها القادة الإرهابيون الأُمويون ليروّعوا الآمنيين في بلاد المسلمين من المدنيين العُزّل، وكانوا لا يتورعون حتَّى عن ظلم المرأة المسلمة، والمرأة المعاهدة (المسيحية أو التي على دين غير دين الإسلام) على حدّ سواء! فكانوا يسلبونهن ويعتدون عليهن!! مما حدا بالإمام علي عليه السلام  أن يخطب خطاباً مدويّاً حاكياً عن ألمه الشديد، وأسفه العميق، وعزيمته على قتال هؤلاء المجرمين، وتنديده بالمتقاعسين عن جهادهم: «هَذَا أَخُو غَامِدٍ قَدْ وَرَدَتْ خَيْلُهُ اَلْأَنبَارَ، وقَدْ قَتَلَ حَسَّانَ بْنَ حَسَّانَ اَلْبَكْرِيَّ، وأَزَالَ خَيْلَكُمْ عَنْ مَسَالِحِهَا، ولَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ اَلرَّجُلَ مِنْهُمْ كَانَ يَدْخُلُ عَلَى اَلْـمَرْأَةِ اَلْمسْلِمَةِ واَلْأُخْرَى اَلْـمُعَاهِدَةِ، فَيَنْتَزِعُ حِجْلَهَا وقُلُبَهَا وقَلاَئِدَهَا ورُعُثَهَا، مَا تَمْتَنِعُ مِنْهُ إِلّا بِالاِسْتِرْجَاعِ واَلاِسْتِرْحَامِ، ثمَّ اِنْصَرَفُوا وَافِرِينَ مَا نَالَ رَجُلاً مِنْهُمْ كَلْمٌ ولاَ أُرِيقَ لَهـُمْ دَمٌ، فَلَوْ أَنَّ اِمْرَأً مُسْلِماً مَاتَ مِنْ بَعْدِ هَذَا أَسَفاً مَا كَانَ بِهِ مَلُوماً، بَلْ كَانَ بِهِ عِنْدِي جَدِيراً، فَيَا عَجَباً عَجَباً! واللهِ، يُمِيتُ اَلْقَلْبَ ويَجْلِبُ اَلْهـَمَّ مِنَ اِجْتِمَاعِ هَؤُلاَءِ اَلْقَوْمِ عَلَى بَاطِلِهِمْ وتَفَرُّقِكُمْ عَنْ حَقِّكُمْ، فَقُبْحاً لَكُمْ وتَرَحاً حِينَ صِرْتُمْ غَرَضاً يُرْمَى يُغَارُ عَلَيْكُمْ ولا تُغِيرُونَ، وتُغْزَوْنَ ولاَ تَغْزُونَ، ويُعْصَى الله وتَرْضَوْن»[24].

إنَّ هذه الحملات هي امتداد لما قام به الأُمويون سابقاً، وتبعها فيما بعد كما يحدِّثنا التاريخ مسلسل من تلك الحملات المسعورة المرعبة التي أراد بها الأُمويون إرعاب المسلمين وإرهابهم وايذاءهم من أجل تركيعهم للإرادة الأُموية، حتَّى يتسلطوا عليهم، وينهبوا خيراتهم.

بناء جيش الولاء

الإمام الحسين عليه السلام  كان يتحسّس كل ذلك، ويعمل جاهداً على أكثر من مجال، لإحقاق الحق، ودحر الباطل، هذا الباطل الذي بدأ يتعملق وقد اصطف لمؤازرته كل ذوي الشر والضلال. ومن أهم تلك المجالات؛ الدفاع عن الأبرياء في حدود دولة الإسلام من مسلمين وغيرهِم، وذلك بالوقوف مع الخط المحمدي بكل صلابة ورسوخ، ومنع هذا الإرهاب السرطاني الأُموي البغيظ من الانتشار، بفضح أهدافه الجاهلية الإجرامية، وتبصير الناس مقدار خطره الذي يهدد الوجود الإنساني إذا ما أُتيح للأُمويين الانتصار في هذه الحرب الإرهابية الظالمة.. هذا أوّلاً، والمجال الثاني هو التحشيد الدقيق لصد أُولئك القتلة المجرمين الإرهابين، وتجييش جيش يتحمل مسؤوليته الجهادية في مقاتلة الأُمويين وأتباعهم وحلفائهم الذين يمدونهم بالمال والسلاح والخبرات، ومنهم الروم الذين بأيديهم كثير من المقدرات بما في ذلك ضرب العملة النقدية من الدنانير والدراهم!!

إنّ بناء جيش كهذا من قبائل عربية مسلمة ترى الإمام علياً عليه السلام  خليفة شأنه شأن غيره من الخلفاء الذين سبقوه وليس إماماً معصوماً مُفترَض الطاعة يُعدّ أمراً في غاية الصعوبة، خاصة وإن محورية إمامة الإمام تقوم على العصمة المتمثلة بكل تعاليم القرآن والمنهج المحمدي النبوي.. فإذا لم تُطِع الأُمّة إمامَها على هذا المنوال من الطاعة، وليس على منوال خوف السيف والعقوبة، فإنّ الأُمور سوف تَفْلت من أزمّتها، خاصة وأنّ أمير المؤمنين لا يقسم الأموال إلّا بالسوية، ولا يُعاقب إلّا بعد الجريمة، ولا يتحرّك أيّ تحرك إلّا بالحق.. عندئذٍ ستصبح المعادلة مغلوطةً لدى الرعية؛ لأنهم يأخذون من الإمام علي عليه السلام  كل عدل وإنصاف وخير، ويقابلونه بالتقصير والتمرّد والتخاذل!

لقد عمل الإمام الحسين عليه السلام  بكل ما وسعه من وسائل متاحة في ذلك الظرف العسير للمساهمة في بناء جيش قوي يأتمر بأمر الإمام علي عليه السلام ، لا لخشية من انتقامه، بل اقتناعاً بوجوب نصرته، وأحقية منهجه.. جيش مُحصَّن عقيدياً، ومدرّب ميدانياً، يجمع كل المسلمين وليس مقتصراً على الموالين المشايعين الذين يعرفون للإمام حق ولايته الدينية والدنيوية، ويعتقدون بعصمته ووجوب طاعته؛ لأن أعداد الشيعة كانت قليلة جداً في ذلك الوقت، وجيل شباب المسلمين لم يعايش عصمة القائد، بل عايش سطوته وغلاظته منذ وفاة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم  أوائل سنة 11هجرية، وإلى مقتل عثمان عام 35 للهجرة.. فنشأ جيل، بل أكثر من جيل، على تربية الحاكم الذي يضرب المسيء والبريء، ويرمي كل مَن لا يطبّق أوامره بالخروج عن الإسلام؛ لأنّه نبذ الطاعة، وشق عصا الجماعة، فيُحكَم عليه بالموت لأنه ارتكب جريمة (الحرابة)!!!

لقد عمل الأئمة الثلاثة والموالون لهم من الصحابة والمقربين على نشر ثقافة الولاء في أوساط الأُمّة المنبهرة بكمالات الإمام علي عليه السلام  وكراماته، لكنها تطبّعت سنين كثيرة على ثقافة الخلافة البشرية التي تُخطئ وتُصيب، وليس على ثقافة الإمامة المعصومة التي تصيب دائماً ولا تُخطئ أبداً.. وكان من الصعب على جموع الأُمة أن تتشرّب حقيقة أفضلية الإمام علي على أبي بكر وعمر مثلاً، فضلاً عن وجوب الاعتقاد بالإمامة باعتبارها الامتداد المعصوم لخط النبوّة!! وفي المعترك الاعتقادي لا فائدة من الانتصار العسكري على الأُمويين ما لم يكن موازياً له فَهْم حقيقة الحكم الإسلامي الصحيح؛ القائم على عصمة القائد الأعلى وإمامته، الإمامة التي هي منصب من الله الحَكَم العَدْل، يعطيه لوليّه بالحق، وأمينه في الأرض، وحجّته على العباد.

إن التثقيف على ذلك يحتاج دقة وحنكة وسعة صدر وطول علاج... وهذا كله قاده الإمام الحسين مع أبيه وأخيه في أحلك ظروف الفتن والحروب التي أجّجها الأُمويون البغاة العتاة الطغاة.

ولقد كان شر الأُمويين وإرهابهم ينصبّ على المسلمين عامة وأغلبهم الغالب لم يكن من الشيعة، فكان الإمام الحسين عليه السلام  يحشّد ويعبّئ مساهماً مع أبيه أمير المؤمنين وأخيه الإمام الحسن عليهما السلام  ومع الثلة الطيبة من صحابة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم  وتابعيهم وأبناء الصحابة وأبناء المسلمين جميعاً، ليشكِّلوا جبهة عريضة هي جبهة جيش أُمّة الإسلام بكلّه، لمناهضة ذلك الإرهاب الأُموي بقضّه وقضيضه!!

إننا إذا تأملنا في التاريخ نجد المؤرخين مشغولين بالحديث عن بعض تلك الجرائم الشنيعة المروّعة بلسان يتسامح كثيراً مع الأُمويين! بل ويمالئُهم!! بل ويترضّى عليهم!!! وما كان هواة كتابة التاريخ هؤلاء يلتفتون إلى المهام الكبرى التي قام بها الإمامان الحسنان عليهما السلام  بمؤازرة ثلة المؤمنين والمسلمين من صحابة النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم  الذين نجحوا في تجييش ذلك الجيش، وكذلك استطاعوا أن يثبتوا أركان دولة الإسلام بقيادة الإمام علي عليه السلام ، وهم يقفون صفّاً واحداً جنوداً مخلصين تحت إمرته العادلة المعصومة من كل ذنب، والعاصمة من كل خطأ.

ترويع الآمنين من المسلمين وغيرهم في الأنبار

إنّ الحملات الأُموية الإرهابية ما هي إلّا جرائم موت جماعي، وإبادة عرقية بأقسى بشاعة وفظاعة، وهي صمة عار في جبين التاريخ، وشاهد على إرهاب بني أُمية ودناءتهم وهم يريدون الفتك بالمسلمين جميعاً والمسالمين، ويشيعون الدمار ببلاد المسلمين والمعاهدين، من أجل أن يتحكم آل أبي معيط وأتباعهم بمقدرات الأُمّة المسلمة، ويسرقوا أموال أبنائها ويعيشوا على جراحاتهم!

إنه الإرهاب الجاهلي الشركي يعود من جديد، يقوده رؤوس الشرك والجاهلية السابقون، وأبناؤهم المتسترون بالإسلام؛ ليحققوا غاياتهم الإجرامية، ومن غاياتهم الثأر من المسلمين وقيادتهم الدينية المتمثلة بالإمامة المعصومة..

لقد كشفت هذه الحملات عن الوجه البشع للشجرة الملعونة في القرآن، والتي أكثر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم  من التنديد بها، والتحذير منها، وفضحها في مواطن عديدة، ومنها ما ينقله بعض مدوّني الحديث النبوي الشريف والمفسِّرين والمؤرِّخين، ومن تلك الأحاديث المعروفة ما جاء في كتاب (الدر المنثور): «أخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الدلائل وابن عساكر، عن سعيد بن المسيَّب رضي الله عنه، قال: رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم بني أُمية  على المنابر فساءه ذلك، فأوحى الله إليه: إنَّما هي دنيا أعطوها، فقرَّت عينه وهي قوله: (وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِّلنَّاسِ) يعني بلاءً للناس.

وأخرج ابن مردويه، عن عائشة رضي الله عنها أنَّها قالت لمروان بن الحكم : سمعت رسول الله ـ  صلى الله عليه وسلّم ـ يقول : لأبيك وجدك: إنَّكم الشجرة الملعونة في القرآن»[25].

ويصرّح ابن حيَّان في تفسيره (البحر المحيط) أنَّ التلازم حاصل بين (بني أُمية) و(الشجرة الملعونة في القرآن)، قائلاً: «حتَّى إنَّ من المفسِّرين مَن لا يعبِّر عنهم إلَّا بالشجرة الملعونة؛ لما صدر منهم من استباحة الدماء المعصومة، وأخذ الأموال من غير حلها، وتغيير قواعد الدين وتبديل الأحكام، ولعنها في القرآن: (أَلَا لَعْنَةُ اللَّـهِ عَلَى الظَّالِمِينَ )، (إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّـهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّـهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُّهِينًا)»[26].

وكما أسلفنا فإن تلك الحملات الوحشية المسعورة كانت لا تفرّق بين أتباع الإمام علي عليه السلام  أو أتباع أبي بكر وعمر، كما لا تفرّق بين المسلمين وغيرهم من الذين كانوا في بلاد الإسلام، وخاصَّةً في الأنبار التي كانت نقطة احتكاك مستمرة بين الأُمويين المتمترسين في الشام وبأهل الشام وبالروم وإمبراطورية القيصر، وبين المسلمين الذين ينضوون تحت راية دولة الإسلام بقيادة الإمام علي عليه السلام .

إن قراءة منصفة لما قام به الأُمويون تشير بما لا يقبل الشك إلى أنّ الأُمويين كانوا يحققون غايات الروم واليهود الذين يريدون الشرّ بالإسلام كله وبالمسلمين جميعاً، بل وصل الحد بأبي سفيان وأتباعه إلى أنهم في معركة اليرموك كانوا على تلٍّ معتزلين المعركة! بل كانوا يشجّعون الروم على المسلمين! ويتمنون النصر للروم! ويهتفون لهم وهم يكنونهم (بني الأصفر)!! وهذا ما يؤكّده عدد من المؤرِّخين والرواة، ومنهم ابن الأثير في كتابه الكامل في التاريخ: «قال عبد الله بن الزبير: كنت مع أبي باليرموك وأنا صبي لا أُقاتل، فلمَّا اقتتل الناس نظرت إلى ناسٍ على تلٍّ لا يقاتلون، فركبت وذهبت إليهم وإذا أبو سفيان بن حرب ومشيخة من قريش من مهاجرة الفتح، فرأوني حدثاً فلم يتقوني. قال: فجعلوا والله، إذا مال المسلمون وركبتهم الروم يقولون: إيه بني الأصفر! فإذا مالت الروم وركبهم المسلمون: قال: ويح بني الأصفر! فلمَّا هزم الله الروم أخبرت أبي فضحك فقال: قاتلهم الله! أبوا إلَّا ضغناً، لنحن خير لهم من الروم! وفي اليرموك أُصيبت عين أبي سفيان بن حرب»[27].

لقد بان لكلِّ متتبِّعٍ منصفٍ أنَّ بني أُمية لا يتبعون أحداً من قيادات الإسلام، ولا أحداً من خلفاء المسلمين السابقين، بل كانوا يريدون السيطرة على كلِّ الحياة الإسلامية، ومقدّرات المسلمين! ولذلك تحالفوا مع اليهود والروم!! ولم يرعوا للمسلمين إلَّاً ولا ذمَّةً!!!

 جهاد الإمامة لصدِّ الإرهاب الأُمويِّ في صفِّين

لقد جاهد الأئمة الثلاثة علي وولداه عليهم السلام  بكلِّ عزمٍ ويقينٍ أعداءَ الله والدين الأُمويين الباغين، كما جاهدهم أغلبُ صحابة النبي محمَّد صلى الله عليه وآله وسلم  وحتَّى الذين كانوا من الصحابة ولم يكونوا تحت إمرة الإمام علي عليه السلام  وفي جيشه، فإنهم اعتزلوا الحرب، ولم يدخلوا فيها مع معاوية الأُموي وجيشه المضلَّل.. وقد حاول معاوية بملايين الدنانير الذهبية والدراهم الفضية استمالة ضعاف الصحابة وأبناء المدينة المنورة لكي يُخادع بهم أهل الشام، مُدّعياً أن هؤلاء هم صحابة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، لعله يحصل على ما يوهمهم بمشروعية حربه الباغية، فيجيّش بأهل الشامات وأطرافها جيشاً مدعوماً من إمبراطورية الروم ضدّ الإسلام وضد خليفة المسلمين وإمامهم بالحق أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام .

إنّ الخداع الأُموي لأهل الشام يُعدّ بحد ذاته جريمة نكراء؛ لأنه ضلّلَ شعباً كاملاً، وكان يضرب بهم الإسلام وأهله، وهم لا يدرون مَن يقاتلون! أليس هذا إرهاباً جديداً من معاوية وحزبه الأُموي بحق أبناء الشام المغدورين؟!

وكان لهذا التضليل الأُموي تأثير كبير في تشويش الذهنية الإسلامية لدى أتباع أهل السُنَّة والجماعة، وكذلك في جعل المسلمين في الشام حيارى لا رأي لهم في هذه الفتنة العمياء، حتَّى يكونوا منقادين في نهاية الأمر للإرادة الأُموية الباغية الطاغية، التي أرادت وتريد سحق الإسلام واقتلاعه من جذوره، ولكي تتحكّم هذه الأُسرة المجرمة برقاب المسلمين، وتنتقم من هذا الدين الذي قُتل في محاربته رؤوس الشرك والجاهلية من الأُمويين وحلفائهم.

إنّ الأئمة في صفين جاهدوا ذلك الجهاد العظيم، لصدّ تلك الهجمة الإرهابية الأُموية العاتية، ورأينا كيف أن هذا الجهاد قد كلّف الإمام علياً عليه السلام  حياته، وكذلك فيما بعد عشر سنوات قد كلّف الإمام الحسن عليه السلام  حياته أيضاً، ثمَّ بعد عشر سنوات أُخرى قد كلّف الإمام الحسين عليه السلام  حياته، فذهبوا شهداء مرضيين، ومع هؤلاء الأئمة الطاهرين ذهب عدد غفير من الصحابة والتابعين ومن أبناء المسلمين شهداءَ في نصرة الحق المحمّدي المتمثل بخط الإمامة المباركة. أليس في قتل هذه الأعداد الكبيرة الكثيرة الغفيرة من الصحابة والتابعين ما يدعو إلى التنديد العلني بما فعله هذا الحزب الأُموي البغيض؟! أين إذن تنديدات خطباء منابر الجُمَع والأعياد، وإدانات المؤرّخين والكُتاب، وفتاوى فقهاء الأُمّة تحريماً وتجريماً؟!

ومن شرّ البلية الذي يُضحك ويُبكي أنّ معاوية يفرح لقتل المعروفين بالصلاح والدين من كلا معسكرَي الحرب في صِفّين، حقداً على كل ذي دين وصلاح، وحتَّى يخلو الجوّ له فلا يبقى أحد يقول: أنا صحابي صحبتُ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فيكون مؤهلاً لأخذ الخلافة!

 كان معاوية والأُمويون يريدون محو الإسلام، وقتل رجالات الإسلام، وكان بودّهم أن لا يبقى أحد من أُولئك الصحابة، أو من أعيان المسلمين الكبار الذين يُشار إليهم بالبنان! والدليل على ذلك أن معاوية كان قد فرح فرحاً عظيماً عندما قُتِلَ ذو الكلاع[28]، الذي كان عابداً ومعروفاً بالصلاح عند أهل الشام، ولقد ضلّله معاوية حتَّى جعله في جيشه، ثمَّ بعد ذلك عندما اقتنع ذو الكلاع أو كاد يقتنع بأن معاوية على ضلال، قُتل فابتهج هو وعمرو بن العاص بمقتله أيما ابتهاج!! ولا يظننّ أحد أننا ندّعي ذلك ادّعاءً، فهذا ما يؤكّده جمع من المؤرخين ومنهم ابن الأثير في (كامله) إذ يقول ما نصّه: «وقد كان ذو الكلاع سمع عمرو بن العاص يقول: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لعمَّار بن ياسر: تقتلك الفئة الباغية، وآخر شربة تشربها ضياح من لبن، فكان ذو الكلاع يقول لعمرو: ما هذا؟! ويحك يا عمرو. فيقول عمرو: إنه سيرجع إلينا، فقُتل ذو الكلاع قبل عمَّار مع معاوية، وأُصيب عمَّار بعده مع عليٍّ، فقال عمرو لمعاوية: ما أدري بقتل أيهما أنا أشد فرحاً، بقتل عمَّار أو بقتل ذي الكلاع، والله، لو بقي ذو الكلاع بعد قتل عمَّار لمال بعامَّة أهل الشام إلى عليٍّ»[29].

إنّ ذا الكلاع وأمثاله كانوا يعيشون الحيرة والتضليل، وربما كان مقتلهم اغتيالاً على أيدي الأُمويين حتَّى يستفيدوا من قتلهم عدة استفادات، ومنها أن قتل رجل معروف بالصلاح يكون باعثاً آخر للمتدينين الشكليين الذين كانوا في الجيش الأُموي، حتَّى يديم معاوية بهم المعركة، ويستمر في إضرائها، ومن جانب آخر فإن الجوّ سوف يصفو لأبي يزيد ولأُولئك الذين هم من الطلقاء وأبناء الطلقاء، أو من غير الطلقاء الذين يكيدون للإسلام ويحاربون الرسول صلى الله عليه وآله وسلم  ومنهجه في سالف الأيام ولاحقها.

 ضبط النفس في جريمة اغتيال الإمام عليٍّ عليه السلام

كان الإمام علي عليه السلام  يشخّص خطر الأُمويين الإرهابين على صعيد التعبئة الحربية، أو التعبئة الإعلامية، أو التعبئة في الحرب النفسية، وكان يعلم أن الدسائس الأُموية ستؤدي إلى إحداث شرخ في جيشه الذي لم يكن جيش الولاء له، بل كان جيش عامة المسلمين المنضوين تحت راية خليفة المسلمين.. ومع أن المسلمين في جيش الإمام علي عليه السلام  ما رأوا منه إلّا الصواب والحكمة، بل والعصمة في كل أقواله وأفعاله ومواقفه، إلّا أنهم لم يستطيعوا فهمَ كل ما يكتنف مصطلح (الإمامة) من معانٍ عقيدية؛ ولذلك نجد آلافاً من جيش الإمام علي عليه السلام  قد خرجوا عليه وأصبحوا يُعرَفون باسم (الخوارج)! وهؤلاء كانوا رأس حربةٍ أُموية تطعن في خاصرة الإسلام!! وخنجر غدر يتغلغل في ظهر دولة الإمام! سواء كانوا يشعرون أو لا يشعرون، يخطّطون أو لا يخططون؛ ولذلك وضع عمرو بن العاص مؤامرته المجرمة لاغتيال الإمام علي عليه السلام ، وكذلك استطاعت الأصابع الأُموية الخفية وطابورهم الخامس أن يجنّدوا مَن يقترف جريمة اغتيال الإمام من الخوارج.. وصوّر لهم عمرو بن العاص بطريقة غير مباشرة وبأيدي خفية وبمنتهى السرّية أنّ العملية هي عملية تخلّص من هؤلاء الثلاثة الذين سبّبوا الحرب بين المسلمين وهم (علي ومعاوية وعمرو بن العاص).. لكن في الواقع لم يُقتَل في تلك المؤامرة إلَّا الإمام علي عليه السلام .

 وأمَّا معاوية، فقد ادُّعي أنه أُصيب في (إليته) أسفل ظهره، وبقي يعالج ذلك الجرح حتَّى برئ، وأمَّا عمرو بن العاص فقد استطاع التخلص من تلك المؤامرة التي وضعها فلم يخرج إلى الصلاة في تلك الليلة (ليلة التاسع عشر من شهر رمضان سنة 40 للهجرة)، فجعل مكانه خادمه أو مساعده ليؤمّ الناس في الصلاة نيابةً عنه، فقُتل هذا الخادم المسمّى (خارجة) بدلاً من ابن العاص!! حتَّى قال شاعر حصيف:[30]

يا ليتَها إذ فَدَتْ عَمْراً بخارجةٍ

 

فدَتْ علياً بمن شاءتْ من البشَرِ(1).

 

 

وبعد اغتيال الإمام علي عليه السلام  كان التخطيط المعادي أن يموجَ المسلمون ويصبحوا في هرج ومرج بعد أن يُقتَلَ إمامهم وخليفتهم الشرعي.. لكن خط الإمام المعصوم كان حريصاً على ضبط النفس وقد أوصى الإمام علي عليه السلام  أبناءه وأبناء عمومته وباقي المسلمين بأن يضبطوا أنفسهم في تلك الفتنة الدهماء والمحنة السوداء، حتَّى قال: «يَا بَنِي عَبْدِ اَلْمـُطَّلِبِ، لاَ أُلْفِيَنَّكُمْ تَخُوضُونَ دِمَاءَ اَلْمـُسْلِمِينَ خَوْضاً تَقُولُونَ قُتِلَ أَمِيرُ اَلْـمُؤْمِنِينَ... أَلاَ لاَ تَقْتُلُنَّ بِي إِلَّا قَاتِلِي»[31].

بضبط النفس ِهذا استطاع الأئمة الكرام عليهم السلام  المحافظة على بيضة الإسلام وعلى الوجود المسلم، دون أن ينهار كل البناء بتداعيات تلك المؤامرة الخبيثة المدوّية التي كانت لها الثقل الكبير جدّاً على المسلمين جميعاً.

استُشهد الإمام، وقُتل أعلم الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ففقدت الإنسانية قائدها المعصوم ورائدها العلمي علي بن أبي طالب عليه السلام ، وكان ضحية من ضحايا ذلك الإرهاب الأُموي والتخطيط الإجرامي المتآزر مع الأُمويين... لقد ذهب الإمام علي عليه السلام  شهيداً لكنّ الوجود الإسلامي حُفظ بخط الإمامة من بعده.

وهكذا انتقلت الإمامة والخلافة إلى الإمام الحسن عليه السلام ، فبايعه المسلمون خليفةً عليهم، ولذلك فإنَّ بعض المؤرِّخين من غير الشيعة كانوا يلقِّبون الإمام الحسن عليه السلام  بـ (الخليفة الراشدي الخامس).

 التحرُّك لجهاد الإرهاب الأُمويِّ مجدَّداً

قام الإمام الحسن عليه السلام  بعد تولّيه الإمامة والخلافة بمواصلة التحرُّك الجهادي لصدِّ الإرهاب الأُموي مجدّداً، وكان جيش معاوية الأُموي يتقدم باتجاه بلدات دولة الإسلام المستظلة بظل قيادة الخلافة الشرعية، وهُدّدت بلدات عديدة على نهر الفرات، خاصَّةً في وسط العراق وشماله الغربي؛ إذ كان الأُمويون يريدون مواصلة تلك الهجمات الإرهابية والتحركات الإجرامية التي تروّع المدنيين الآمنين، فحشّد الإمام الحسن عليه السلام  جيشه، وقد سيّر أمامه مجموعة من قطعات الجيش حتَّى يمنعوا ويصدّوا ذلك الإرهاب الشرير.. وكان الإمام يقود بنفسه بقية الجيش، دفاعاً عن أُمّة الإسلام، لكنّه كان في الواقع يواجه المؤامرة الأُموية الأخبث، والتي انطلت للأسف الشديد على كثير من أفراد جيش الإمام، الذي لم يكن في أغلبه شيعياً موالياً، بل كان من عامة المسلمين غير المكترثين بمن يتولّى الخلافة! وفيهم أعدادٌ كثيرة ٌمن الخوارج، وهؤلاء نفّذوا الإرادةَ الأُموية بعلمهم أو بغبائهم، حتَّى وصلت الحال إلى أنّ الإمام الحسن عليه السلام  عُرّضَ لمؤامرة اغتيال انتهت بجرحه في رجله، فيما كان يتسرّب ويتهرّب كثير من أفراد جيشه الذين لم يكونوا يؤمنون بالإمامة والولاء العقيدي للإمام المعصوم، هربوا باتجاه معاوية الذي أغراهم بالأموال والمناصب!

وهنا ينكسر التاريخ انكسارة مخجلة جداً، وهو يرى قائد الحق كيف يُخذَل، وقادة الشرّ كيف يُصفّق لهم بحرارة، لكنها حرارة لهيب النفاق والمصالح الشخصية غير المشروعة.

 ترك الأُمَّة وخيارها ولو بالتنحِّي

 لم يجد الإمام الحسن عليه السلام  بُدّاً من العمل على حقن دماء المسلمين ليرفعَ سيوف القتل الأُموية، ويمنع خناجر الغدر المعيطية عن أبناء الأُمة الإسلامية، من خلال معاهدة كان الغرض الأساس منها، والهدف المنشود فيها، هو إبعاد الإرهاب الأُموي عن أُمة الإسلام ولو بالتنحي عن الحكم! فلذلك ترك الإمام الحسن عليه السلام  الأُمة المتقاعسة واختيارها!!

لقد جعل الأُمّة التي تخاذلت عن نصرته وتركت منهجه، جعلها أمام اختيارها وقرارها، لكنه مع ذلك أخذ العهود المؤكّدة والمواثيق المغلّظة على معاوية، حتَّى لا يروّع أبناء الأُمة الإسلامية بإرهابه البغيض!

أجل، ترك الإمام الحسن عليه السلام  الحكم، لكنه لم يترك الإمامة، ولم يترك السلطة المشروعة نهائياً؛ بل جعل شرطاً في المعاهدة على معاوية بأنّ الخلافة والسلطة من بعد موت معاوية سوف ترجعان إلى الإمام الحسن عليه السلام ، فإذا حدث بالحسن حدَث (أي: إذا استُشهِد أو مات) فإن الخلافة والسلطة ستأول بعد معاوية إلى الإمام الحسين عليه السلام .. وبذلك جعل مشروعية أُخرى لخلافة الإمام بالحق. كما قطع الطريق أمام الأُمويين، فأفقدهم أيّ غطاء قانوني أو شرعي يدعم تنصيب أحد من بني أُمية حاكماً أو خليفة بعد هلاك طاغيتهم معاوية.. وبذا استطاع الإمام الحسن سلام الله عليه أن يسحب البساط من تحت أقدام ابن أبي سفيان وحزبه، وهم يحاولون شرعنة شرّهم الذي جرّعوا الأُمّة الإسلامية زعافه القاتل، حتَّى يصفو لهم الملك.

إلى هنا تنتهي مرحلة لها أهميتها الكبرى في قيادة أُمّة الإسلام قيادةً معصومة تسلك بها مسار الهدى وسط بحر متلاطم بالفتن والحروب والانقلاب على الأعقاب.. وتبدأ مرحلة في غاية الأهمية؛ إذ يتسلّط الأُمويون على الأُمة كلّها، فيصبح إرهابهم إرهابَ دولةٍ بعد أن كان إرهاب فئة باغية في إقليم متمرّد، وإرهاب عصابات إجرامية تعتمد أُسلوب الغارات وإشعال الحروب والمكر والخداع.. إنه الملك الأُموي العضوض، بكل أدواته الإرهابية الإجرامية يضرب بجرانه على كل أصقاع البلاد الإسلامية، بعد أن تقاعست الأُمّة عن صدّه وردّه، فذاقت وبال أمرها، وتبدّى جلياً قول السيّدة فاطمة الزهراء عليهما السلام  عندما حذّرت المسلمين من استسهالهم مهادنة أوائل مغتصبي الخلافة قائلةً: «وسيعرف التالون غبَّ ما أسَّس الأوَّلون»[32].

أما الإمامة المعصومة، فكان لها في هذه المرحلة ترتيب جديد في قيادة الأُمة المسلمة، وقد اضطلع الإمام الحسين عليه السلام  بأُسلوبين من العمل استمرّ كل واحد منهما ما يقرب من عشر سنوات:

الأوّل: بمعية أخيه الإمام الحسن عليه السلام  وتحت إمامته وقيادته.

الثاني: بعد شهادة الإمام الحسن المجتبى عليه السلام ، لتكون الإمامة والقيادة بيد الإمام الحسين عليه وعلى جده المصطفى وآله أفضل الصلاة والسلام. وعن تلك المرحلة وعن هذين الأُسلوبين نأمل أن نتعرّض بحديث مفصّل في بحوث قادمة إن شاء الله.

 

 

 

 


[1] ابن عساكر، علي بن الحسن، تاريخ مدينة دمشق: ج14، ص172ـ 173.

[2] من ذلك ما جاء في سورة البقرة، الآية213: (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّـهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ  وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ  فَهَدَى اللَّـهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ  وَاللَّـهُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ )، وسورة آل عمران، الآية19: ( إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّـهِ الْإِسْلَامُ  وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّـهِ فَإِنَّ اللَّـهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ).

[3] ومن الشواهد على ذلك الآية 93 من سورة يونس: (وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّىٰ جَاءَهُمُ الْعِلْمُ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ )، وكذا ما جاء في سورة الأعراف، الآية 168 فما بعدها: (وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا مِّنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَٰلِكَ وَبَلَوْنَاهُم بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ).

[4] والشواهد القرآنية على ذلك كثيرة، ومنها على سبيل المثال الآيتان14 و15 من سورة الشورى: (وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى لَّقُضِيَ بَيْنَهُمْ  وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِن بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ ﴿١٤﴾ فَلِذَٰلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنتُ بِمَا أَنزَلَ اللَّـهُ مِن كِتَابٍ  وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّـهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّـهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ ).

[5] كما في الآية54 وما بعدها من سورة المائدة: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّـهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّـهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّـهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّـهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ)، أو الآية144 من سورة آل عمران: (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّـهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّـهُ الشَّاكِرِينَ).

[6] اُنظر: المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج89، ص48.

[7] اُنظر: الجلالي، محمد رضا، تدوين السنَّة الشريفة: ص274.

[8] اُنظر: البخاري، محمد بن إسماعيل، صحيح البخاري: الحديث رقم 4189، وتكرر في الأحاديث المرقمة 5382، و6492، و6501، كما أخرجه مسلم في صحيحه : باب كراهة التداوي باللدود، رقم الحديث 2213، وإضافة إلى البخاري ومسلم فإن رواة الحديث أطبقوا على تأكيد لدّ عائشة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم  دون رضاه.

[9] اُنظر: البخاري، محمد بن إسماعيل، صحيح البخاري: الحديث رقم 6830. وهذا حديث مشهور جداً في كتب صحاح أبناء السنَّة والجماعة، وصدره حديث عن آية رجم الشيخ والشيخة المزعومة.

[10] ابن أبي الحديد، عبد الحميد، شرح نهج البلاغة: ج2، ص47.

[11] ابن عساكر، علي بن الحسن، تاريخ مدينة دمشق: ج14، ص176. وأخرجه الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد: ج1، ص141، وجاء في جامع الأحاديث ورقمه 30278، وفي كنز العمال ورقمه 37665، وهو مما يرويه ابن سعد، وابن راهويه، وغيرهما.

[12] وممّا نقله ابن عساكر قوله: «فجعلت أقلب حصى بيدي». اُنظر: ابن عساكر، علي بن الحسن، تاريخ مدينة دمشق: ج14، ص176.

[13]    ابن أبي الحديد، عبد الحميد ؛ شرح نهج البلاغة: ج8، ص252.

[14] للتدليل على ذلك تُراجع كتب التاريخ التي تناولت أحداث سنة (35هـ)، ومنها: تاريخ الطبري وتاريخ ابن الأثير.

[15] نهج البلاغة: الخطبة 37.

[16] المصدر السابق: الخطبة 15.

[17] المصدر السابق: الخطبة 3.

[18] المصدر السابق: الخطبة 207.

[19] جاء في كتاب السيرة لابن حبان: ج1، ص521 ما نصّه: «... قال لهما : ارتحلا فقد بلغتكما حاجتكما فاجتمعوا مع عائشة بمكة وبها جماعة من بني أُمية...».

[20] جاء في سورة الأحزاب في الآيتين الثانية والثلاثين والثالثة والثلاثين أمر إلهي يأمر نساء النبي بأن يقرَن في بيوتهن، وأن يحذرن الذين في قلوبهم مرض، وأن يطعن أوامر الله ورسوله، ولو تمّ امتثالهن لما حدثت فتنة حرب الجمل، يقول الله عز من قائل في محكم كتابه المجيد: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا * وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَه﴾.

[21] ابن حنبل، أحمد، مسند أحمد: ج6، ص97.

[22] جاء في كتاب تاريخ الإسلام للذهبي: ج1، ص455: «روى قتادة، عن الجارود بن أبي سبرة الهذلي قال: نظر مروان بن الحكم إلى طلحة يوم الجمل، فقال: لا أطلب ثأري بعد اليوم، فرمى طلحة بسهم فقتله...». وقد شاع هذا في مئات من كتب الحديث والسير والتاريخ، فليراجعها من أراد المزيد من التوثيق.

[23] ابن أبي الحديد، عبد الحميد، شرح نهج البلاغة: ج9، ص112.

[24] الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي: ج5، ص5.

[25] السيوطي، عبد الرحمن، الدر المنثور في التأويل بالمأثور: ج6، ص295.

[26] ابن حيّان، محمد بن يوسف، تفسير البحر المحيط: ج7، ص369.

[27] ابن الأثير، علي بن أبي الكرم، الكامل في التاريخ: ج1، ص389.

[28] المصدر السابق: ج2، ص71.

[29] المصدر السابق: ج3، ص310.

[30] ابن خلكان، شمس الدين، وفيات الأعيان: ج7، ص217- 218.

[31] نهج البلاغة: رسالة 47.

[32] الصدوق، محمد بن علي، معاني الأخبار: ص160.

 
 
البرمجة والتصميم بواسطة : MWD