1439 / ربیع‌الاول / 6  |  2017 / 11 / 25         الزيارات : 484157         صلاة الصبح |         صلاة الظهر والعصر |         صلاة المغرب والعشاء |

تغييب القيم وانتهاكها في سياسات الحُكم الأُموي

{ د. السيّد خالد سيساوي }
تغييب القيم وانتهاكها في سياسات الحُكم الأُموي

 

مقدمة

لا عجب أن تتجاوز النهضة الحسينية المباركة حدود التاريخ وصفحاته؛ لأنّ مشروعها الأساس هو إعادة القيم وإحياؤها بعد أن غيّبتها اليد الأُموية. وعليه؛ يكون إحياؤنا لعاشوراء هو إحياء لتلك القيم في نفوسنا.

وبعبارة أُخرى: ليس جمال كربلاء في تعليمنا (أن نحيى)، إنّما جمالها في (كيف نحيى)، وهنا تتحوّل قيم الحرّية والكرامة والعدالة إلى قيمة واحدة هي (التضحية والشهادة)، تهون عندها النفس والنفيس، وتتحرّر فيها الروح الإنسانية؛ لتترك ذلك الجسد المبضّع شاهداً على مشروع (تغييب القيم).

وهذا ما أشار إليه الإمام الحسين عليه السلام  بقوله: «وإنّي لا أرى الموت إلّا سعادة، والحياة مع الظالمين إلّا برماً»[1].

نعم، إنّ ما يمكن جعل هذه النهضة خالدة باعتبار كونها مدرسة للثائرين على الظلم بشتّى مستوياته، رغم كل المحاولات التي تُحاك لتغييب أهدافها، بدءاً بمظاهر الإجرام التكفيري إلى مهازل الإعلام المأجور الذي خنقته قيم كربلاء؛ لأنّها وببساطة قيم الواقع والفطرة التي تأبى أن يغطّيها مؤتمر يقام هنا أو هناك، أو لقاء مع شخصيات سمحت لها قيم عاشوراء نفسها أن تُعبّر عن رأيها؛ لكنّها أبت إلّا التبعية والخذلان.

تأصيل مفهوم القيم

 إنّ كلمة (القيمة) لها حضور في المجال التداولي اللّغوي؛ كما أنّ مشتقاتها قد استُعمِلَت في القرآن الكريم، كقوله تعالى: (ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ)[2]؛ حيث يشير المعنى إلى مفهوم الاستقامة. وكذلك قوله تعالى: (دِينًا قِيَمًا)[3]، أي: له القيومية على تقويم الاعوجاج عبر آلية شرعية، ألَا وهي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

(القيمة): كلمة مشتقّة من (ق. و. م)؛ بمعنى: ما يقوم مقام الشيء. وقد استُخدِمَ لُغويّاً لإفادة معانٍ متعددة من قبيل:

l قيمة الشيء وثمنه؛ تقول: تقاوموه فيما بينهم[4]، وما له قيمة: إذا لم يَدُمْ على شيء[5]. وهي ما يكون به الشيء ذا ثمن أو فائدة.

l الثبات والدوام والاستمرار: فكل مَن ثبت على شيء فهو قائم عليه[6].

l العدل والاستقامة: أي: الاعتدال، فيقال: استقام له الأمر، ومنه قوله تعالى: (فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ)[7]، أي: في التوجّه إليه دون غيره. وقام الأمر واستقام: اعتدل واستوى، وقد تأخذ القيم أحياناً هذا المعنى للاستقامة. ويُقال: قَوَّمْتُه: عدَّلته، فهو قَويم ومستقيم. فيكون القَوَام هو العدل، كما في قوله تعالى: (وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا)[8]«[9].

l المحافظة والإصلاح، كقوله تعالى:(الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ)[10]، وكذلك قوله تعالى: (    إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا)[11]، أي: ملازماً ومحافظاً.

المفهوم الاصطلاحي

 قد يكتنف مفهوم القيم بمعناه الابستمولوجي هالة من الإبهامات التي تحول دون إيجاد معنى توافقي لدى المدارس المختلفة، لكنّه بلحاظ معناه الأنطولوجي فهو بديهي بداهة مفهوم الوجود؛ لأنّه يحكي تلك المنظومة القيمية التي تفرزها ثلاثية العلاقة بين كينونات ثلاث هي: الله، الإنسان، المجتمع.

إنّ (القيمة) بإيجاز هي: الوجود من حيث كونه مرغوباً فيه، وهي ذاتية للأشياء ومستساغة للنفس الإنسانية؛ لذا تكون موضع تجليل الفرد والمجتمع. أمّا من الناحية السلوكية فهي عبارة عن: أحكام فردية تدور مدار استحسان الأشياء أو استهجانها، يكون الحاكم على إصدارها إمّا خلفيات دينية، أو اجتماعية، أو مرجعيات أُخرى.

وبعبارة أُخرى: إنّ مفهوم القيم يحكي تلك المعايير الحاكمة على المنظومة الدينية بما فيها النظام الأخلاقي والاجتماعي وكذا النسق الثقافي والسياسي، وللعقل الانفراد بإدراك حسنها بنحو الموجبة الجزئية في مقام الثبوت.

نعم، يؤازره الشرعُ في المجال الديني في مقام الإثبات. وبلحاظ ما تنطوي عليه القيمة من فعلية يمكننا القول: إنّها حافز للأفراد من أجل تشخيص الأفضل من بين المفضولات. أمّا وفقاً للمنظور الاجتماعي فالقيم تساهم في ترقية الحسّ الاجتماعي عند الفرد، وتمدّه بالتصوّر العام لما فيه خير وصلاح مجتمعه.

تمثّل القيم (المرجعية الثقافية) للأُمم ملاك التمايز بين المجتمعات المختلفة؛ حيث تتصاغر المنظومة القيمية في بعض المجتمعات، بينما تتضافر في بعضها الآخر. لكن من الطبيعي أن تظل هناك دائرة تقاطع تلتقي فيها كل الأُمم؛ ألَا وهي دائرة قيم الفطرة التي فُطِرَ عليها النوع الإنساني، والتي تحمل الحيثية التكوينية، من قبيل: الكرامة الذاتية، حرمة الإنسان، الحرية، وغير ذلك. أمّا القيم المتولِّدة عن نفس الاجتماع، فهي وليدة الشراكة في المعطى العقدي والتشريعي؛ أو الحقوقي والمعرفي وغيرها.

يرادف هذه الكلمة في اللّغة الإنجليزية كلمة (ETHIQUES) التي تدلّ على مجموعة قواعد السلوك، كما نجد ما يعادلها في اللغة الفرنسية كلمة (VALEURS) الدّالة عن ما يُعتبَر حقّاً وجميلاً وخيراً طبقاً لمعايير شخصية أو اجتماعية، ويكون مرجعاً لمبدأ خلقي، وعليه؛ يكون أقرب المعاني للأصل اللُّغوي المذكور أعلاه هو الاستقامة والثبات والاستمرار على الشيء. كما يحيل على مكانة الإنسان التي يتبوّأها بين النّاس، وشأنه في المجتمع من خلال ثباته واستمراره.

ومن جهة أُخرى، فقد خصَّصت الفلسفة مبحثاً للقيم سمّته بـ(الأكسيولوجيا)[12] إلى جانب مبحث الوجود، ومبحث المعرفة، وناقشت طبيعة تلك المنظومة القيمية من حيث حكايتها عن الواقع أو لا، فإن كانت حاكية عن الواقع فستكون حينئذ قيم ذاتية واقعية، وإلّا فهي نسبية تتغيَّر باعتبار المعتبِر.

وتنطوي (المنظومة القيمية) على ثلاثة مستويات رئيسية:

 أ ـ المستوى المعرفي: يعتمد هذا المستوى على عنصر (الاختيار) الذي زُوِّدت به النفس الإنسانية ليبتدئ مسيرة التعرّف على (القيم)، من حركة معرفية للظفر بمصاديقها، ثمّ النظر في كل منها على حدة، وصولاً إلى اختيار أفضلها.

ب ـ المستوى الوجداني: يتمحور هذا المستوى حول عنصر (التجليل) الذي تعكسه حالة التعلّق الوجداني بالقيمة، الذي يتجلّى عادة في حالة الغبطة الباطنية والرغبة في نقلها للآخرين.

ج ـ المستوى السلوكي: يشير هذا المستوى إلى الممارسة العملية التي تنسجم مع القيمة المرجّحة؛ حيث يتجلّى في الترجمة العملية للقيمة، ثمّ قولبة تلك الممارسات العملية بما ينسجم مع القيمة المنتقاة.

جدلية العلاقة بين القيم والدين

 تتولَّد منظومة القيم في المجتمع الإسلامي تحت مظلّة الدين الذي يمثّل منبعها الأساس، بل تتراتب أيضاً بلحاظ الشدّة والضعف من خلال المنظومة الدينية نفسها التي ترشّح أُيّها أصيل وأُيّها متفرِّع عنه. إذ لا شكّ في أنّ الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم  قد بُعِثَ ليُتمِّم هذه المنظومة القيمية ويرفعها من مقام المكرمة ـ أي: السلوكيات المقبولة لدى العقلاء والممضاة من قِبل العقل الجمعي ـ إلى المقبولية والإمضاء الإلهي وهو مقام التمامية. وهذا ما يجعل المنظومة القيمية في الدين الإسلامي تنطوي على أبعاد تفتقدها الأنماط القيمية الأُخرى، نذكر منها لا على سبيل الحصر:

l البُعد التوحيدي: وهو بُعد يشير إلى (قيمة التوحيد المطلقة) التي تترشَّح عنها باقي القيم؛ بل إنّ كل قيمة تتعارض معها تكون خارجة تخصّصاً عن المنظومة القيمية الإسلامية.

l بُعد الثبات والاستمرارية: قد يلتبس على الكثير ما نقصده من الثبات هنا؛ فقد يُفسِّره البعض بالجمود، وهو تفسير سلبي تبنّته الحركة التنويرية الحديثة. بينما المراد منه هنا هو الدوران حول محور ثابت وهو (التوحيد)، وكل قيمة تكتسب مصداقيّتها عند قربها من هذا الأصل الثابت. وما دام هذا الأصل حاكم على الصيرورة الزمانية، فإنّ القيم التي تدور حوله سيكون لها نفس الوصف؛ أي: إنّها صالحة لكل زمان ومكان.

l بُعد التعميم: ونعني به تجلّي القيم وشمولها لكل مفاصل الحياة الفردية والاجتماعية؛ بدءاً من علاقة الإنسان بربّه وبنفسه؛ وصولاً إلى علاقته بالكون.

l  بُعد الواقعية: القيم التي نادى بها الإسلام ليست قِيَماً مصطنَّعة مثالية، إنّما هي قِيَم تلمس الواقع الوجودي والموضوعي. نعم، هي واقعيات مثالية؛ بمعنى أنّها ترقى بالإنسان إلى أرفع درجات التكامل الوجودي.

القيم بين المثالية والواقعية

 إنّ عنوان (القيم) يحمل بين ثناياه كمّاً هائلاً من المصاديق، تتقاطع تارة وتتزاحم أُخرى، وملاكها في ذلك يدور مدار المصالح والمفاسد؛ ومن هنا يمكننا درك مفهوم التقاطع الذي يقضي ببقاء المصداق القيمي على طبيعته لانتفاء المزاحم، بخلاف مفهوم التزاحم الذي يحمل معه معنى الإرباك في تحديد المصلحة الواقعية؛ وبالتالي فهو يستدعي ترجيح مصداق على آخر في مقام الإثبات؛ فالعدل مثلاً هو قيمة إنسانية راسخة تدعو في مقام الإثبات إلى مدافعة الظلم، لكن يجدر بنا الالتفات بأنّ الإرباك المذكور لا يُلغي الإدراك القبلي لمصاديق تلك القيم في مقام الثبوت.

وكيفما كان، فإنّ الوجه الشاخص للقيم النبيلة التي نادى بها الدين الإسلامي هي انطواؤها على مصالح أكيدة ترتبط بالواقع ارتباطاً وثيقاً. وعليه؛ يكون خرق تلك القيم من خلال غيابها أو تغييبها هو إبطال لمصلحتها الواقعية في زمان ومكان معيَّن، لكنّه لا يعني أبداً الخرق للنظام القيمي التكويني الذي يستمدّ قدسيته من الكينونة الفطرية؛ لذا كانت محاولات الإصلاح وترسيخ مبدأ العود لتلك القيم الفطرية والواقعية حقّاً مشروعاً؛ بل ملاكاً للتمييز بين ما هو تكويني وما هو تقنيني.

ما أردنا قوله: إنّه من الخطأ التنظير لمنظومة قيمية وصفية تتبدّل مصاديقها بتبدّل المصالح الفردية والاجتماعية؛ لأنّ المنظومة القيمة التي نادى بها الدين الإسلامي هي منظومة تكوينية إنشائية، يتجلّى فيها ما هو بالفعل، أي: ما هو كائن بما هو حاكٍ عمّا هو بالفعل، أي: ما ينبغي أن يكون، والعكس صحيح. وما يتردّد من أنّ القيم التي نادى بها الدين الإسلامي هي قيم مثالية لا يمكن تجسيدها واقعاً، إنّما هو مغالطة يرام من خلالها إضفاء المشروعية على مشروع (عولمة القيم)[13]. وكمشروعٍ معاكس يمكننا الإشارة هنا إلى مدى أهميّة تفعيل القيم الإسلامية على جميع مستويات الحياة، خصوصاً ما نراه من شحّة على الصعيد الفقهي الذي اقتصر على دراسة الأحكام دون دراسة تجلّياتها العملية والواقعية بما هي أخلاقيات يُدان بها؛ إذ كما هي أعمال جوانحية فهي جوارحية أيضاً تخاطب الوجدان وترتقي به في سُلَّم تراتبي إلى الكمال.

مفهوم غياب القيم وتغييبها

غياب: مصدر غَابَ؛ ويعني: عدم الحضورِ والتخلّف. أمّا تغييب: مصدر غَيَّبَ كقولك: تغييب الميِّتِ في القبرِ: مُوَارَاتُه، دَفْنُه. وتغييب الحقيقةِ: إِخفَاؤُها[14].

وعليه؛ يكون المعنى اللُّغوي للعنوان الذي اخترناه لهذه المقالة مشعراً بمحتواها في الجملة؛ إذ بتطبيق المعنى اللُّغوي لكلمة (غياب) و(تغييب) يكون المعنى الإضافي (غياب القيم) مشيراً إلى عدم حضورها، كما أنّ (تغييبها) يعنى: دفنها وطمسها وقبرها. وهذا فعلاً ما عمل عليه الحكم الأُموي من خلال سياسة تغييب مرجعية تلك القيم التي يمثّلها أئمّة أهل البيت عليهم السلام . لكن نقولها بفم ملآن: بدلاً من قبرهم لتلك القيم العُليا قد قُبِرَت سياستهم في واقعة كربلاء العظيمة، والتي ما زالت تُدوّي في الوجدان الإنساني، وتقف وراء كل مشروعٍ للإصلاح.

المسوّغ السوسيولوجي لغياب القيم

يؤكّد التعريف السوسيولوجي للقيم في الغرب على خَوصصة القيم[15]؛ بمعنى: أنّ لكل مجتمع تسطير مُثله العُليا وفق المعايير التي تخدم مصلحة أفراده. وهو تعريف يقرّ بنسبية القيم وانفعالها بالمحددات والشروط التاريخية التي تستدعي تغيّرها بتغير المجتمعات والأجيال، كما أنه تعريف يناقض نفسه إذا ما قارناه بحالة المدافعة التي تلاقيها عملية التغيير للنظام القيمي المفتعل داخل المجتمعات، والدّالة على اعتقاد القائمين بها بثبات القيم لا نسبيّتها[16].

إنّ تجلّي هذه النظرة، تشير إليه حالة التناقض الصارخ بين الظاهرة الأخلاقية وظاهرة السلطة المختزنة في معطيات الفكر السياسي الغربي، الذي يرى أنّ أهمّ النواميس هو تحوّل السلطة السياسية إلى سيف على رقاب الناس. وهذا ما اعتمده الأُمويون في إدارة الخلافة المغتصَبة؛ مقننين من خلاله أساليب حكم الرعية، وسياسة تغييب القيم العليا التي تدارسوها جيلاً بعد جيل في مدرسة الدهاء التي أسّسها معاوية بن أبي سفيان (القروينائي)[17]. حيث نظّر هذا الأخير لفرية العقد الاجتماعي التي تتبنّاها المقاربات غير الدينية، ومارسها عملياً من خلال التفكيك الجغرافي بين مكّة والمدينة، وعزل أهلها عن الاحتكاك بغيرهم بحجّة حتّى لا تتخلَّقوا بأخلاقهم. ومن ثمّ إضفاء المشروعية على منظومة القيم الأُموية لعدم مدافعتها من قِبل منظومات أُخرى، والحال أنّ مفهوم القيم يُمثِّل تلك الحقائق التي تنصهر فيها مصاديقها كافّة؛ بغضّ النظر عن تجلّياتها الدينية أو السياسية أو الاجتماعية.

اختلاق القيم.. بضاعة أُموية وهابية بامتياز

 انتهجت السلطة الأُموية وبتبعها الحركات التطرفية سياسة الخداع وتزييف الحقائق؛ كي تصوّر المناهض لها على أنّه جاء ليزعزع مسلَّمات الأُمّة، ويعبث بتراثها القيمي، ويخلخل النظام الاجتماعي. فأبدعت أُسطورة المستبدّ العادل!! ملتمسة في ذلك المراوغة العملية التي كان يمارسها بنو أُميّة أمام الرعية لامتصاص الغضب العام؛ كما مارسها هارون (الرشيد) حتى أثنت عليه صفحات التاريخ المزيَّف، متناسية بطشه الأعمى بآل أبي طالب إلى درجة دفنه الموالين لآل البيت عليهم السلام  أحياءً في أعمدة قصره. بل إنّ الكثير صار يُثني ويمدح الحجّاج السفّاح بداعي تنقيط القرآن، متغافلاً عن أنّ سجونه كانت تضمّ آلافاً مؤلفة من الأبرياء والمظلومين، كما تناقلته المصادر التاريخية[18].

والعجيب أنّ الأُمّة الإسلامية استساغت ذلك؛ لأنّها وببساطة قد تبنّت منظومة انتحرت فيها قيمة العدالة والحرية؛ منظومة قد وضع صرحها الأسلاف، وشرعنها فقهاؤهم ومفتوهم من خلال الحكم (بعدم جواز الخروج على الحاكم وإن جار أو ظلم). وأعجب منه أنّ نفس الحكم المذكور يتغافل عنه (أحمد بن حنبل) حينما يُشرعن الحركة التي قادها معاوية ضد الإمام علي عليه السلام  في إطار ما يُسمّى (الاجتهاد المأجور)، بل لا يجد حرجاً في تقلّد وسام الاستحقاق في الدفاع عن جرائم الحُكم الأُموي، ما دامت قيمة الصلاح التي قنّنها ذلك المشروع الأُموي تُثمَّن من خلال (قيمة الرصيد الروائي المكذوب)، والمؤيِّد للإرهاب الأُموي والعبّاسي؛ وهذا ما جعل ذلك الفقيه الزاهد أثرى حفّاظ الحديث حينما حفظ ألف ألف حديث ممّن رواها أسلافه!!

وفي زماننا هذا قد انبرى أتباعه من الفكر الوهابي التكفيري للدفاع عن مشروع خرق المنظومة القيمية للدين الإسلامي، وإحداث إرباك فيها من خلال أُسلوبه العملي في إرجاع وإرساء القيم المغيَّبة على حدّ تعبيره متغافلاً أنّ أربابه المنظِّرين لهذا الفكر هم مَن يرجع إليهم شرف خرق النواميس القيمية والأخلاقية، ملتمساً في ذلك المدد من حلول واهية، من قبيل: وجوب العود إلى السياق التاريخي والمكاني لعصر السلف، وقراءة ذلك العصر قراءة تقليدية صرفة لا قراءة موضوعية واعية؛ مدّعياً أنّ ذلك العصر هو المنبع الأوّل للقيم. في حين أنّ هذه الدعوى يلزم منها محذوران:

الأوّل: إنّ هذا الحل هو صرف ادّعاء، بل إنّ القراءة التحقيقية التاريخية ـ والتي جاء نزر منها في تنظيراتهم ومؤلفاتهم سهواً منهم أو غشاوة ـ تناقضه.

والثاني: إنّ النص الديني المتجلّي في القرآن والسنّة طبقاً لمفهوم (المعاصرة) هو نص متفاعل مع الواقع، غير خاضع للقولبة (الزمكانية)، أي: إنّ القدسية المكانية والزمانية هي كاشفة عن النظم القيمي بنحو الطريقية لا الموضوعية.

إنّ هذا الطرح الهجين من قِبل الفكر الوهابي قد جعل المتبنّين له يتمرّدون عن كل ما يظنّون مخالفته لعصر السلف، ويبادلونه ردود فعل قاسية؛ ردود أقلّ ما يقال عنها: إنّها خرق للنواميس التكوينية التي أُسِّس على ضوئها النظام القيمي في الإسلام، متمثِّلة في أبشع صور الجرائم التي عرفتها الإنسانية. وبدلاً من أن تكشف عن الوجه التكويني الربّاني للقيم، قد عملت وتعمل على تدمير هذه المنظومة الفطرية؛ من خلال تغييبها التدريجي لمفرداتها، ومن ثمّ استساغة واستسهال إبادة الحاملين للوائها، وعلى رأسهم حامل لواء القيم الإنسانية على مرّ التاريخ الإمام الحسين عليه السلام .

القيم بين آليات التغييب وآليات الترسيخ

لم يُخفِ الحكم الأُموي نزعته العدائية من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم  وأهل بيته الطاهرين، بل سعى إلى جعلها دين يُدان به، وسياسة تُوطِّد عرش سلطانه؛ فراح يتفنّن في تقنيات تغييب القيم التي طالما نادى بها الدين المحمديّ. ومن جملة ما قام به ذلك الحكم لا على سبيل الحصر:

أ ـ التحريف العقدي

لقد وجد الحكم الأُموي في العقيدة الجبرية ضالّته التي يبحث عنها ليسوس المسلمين، دون أن يُسجَّل عليه أيّ اعتراض؛ إذ تقتضي تعاليم تلك العقيدة أنّ كل ما يجري على العباد هو تقدير من الله تعالى. وعليه؛ يكون تنصيب الحاكم وحاكميّته مقدّراً من الله. وهذا ما فسح له المجال ليفتري على الله ورسوله من خلال شراء ذمم فقهاء عصره مقابل ما يضعونه من أحاديث مفتراة، من قبيل: المروي كذباً عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم  أنّه قال: «اللهمّ، علِّم معاوية الكتاب والحساب، وقِه العذاب»[19]؛ ممّا دعا ابن تيمية أن يستميت في تقويته، لكنّه لم يُفلِح[20]. وكذلك ما رواه البعض من القول: «إنّ مَن قام بالخلافة ثلاثة أيّام لم يدخل النار»[21]؛ وهذا ما سوّغ لهشام بن عبد الملك القول حين وليَ الخلافة: «الحمد لله الذي أنقذني من النّار بهذا المقام». وأحضر يزيد بن عبد الملك أربعين شيخاً شهدوا له أنّه ما على الخلفاء حساب وعقاب[22]. وكذلك فقد سوّغ لزياد بن أبيه حينما خطب في أهل البصرة قائلاً: «أُيّها النّاس، إنّا أصبحنا لكم ساسة وعنكم ذادة، نسوسكم بسلطان الله الذي أعطانا، ونذود عنكم بفيء الله الذي خوَّلنا»[23]؛ فظاهر كلامه تفويض ينتهي بالضرورة إلى الجبر.

وكيفما كان، فإنّ الغرض الأساس من تفعيل هذه الآلية هو تكريس آيديولوجية الجبر في الحكم؛ طلباً للشرعية، وشلّ الحركات المناهضة له في ضربة استباقية تُغيَّب فيها قيم الأُمّة الإسلامية.

ب ـ  الابتداع في الشريعة

 لقد سعى الحكم الأُموي إلى شرعنة دين جديد من خلال آلية (الابتداع) التي تقضي بإدخال ما هو أجنبي عن الأحكام الإسلامية، فضلاً عن الممارسات العملية. وهذا ما بيّنه الإمام الحسين عليه السلام  في رسالته إلى زعماء الكوفة التي قال فيها: «وإنّما أدعوكم إلى كتاب الله، وسُنّة نبيّه؛ فإنّ السُّنّة قد أُميتت، وإنّ البدعة قد أُحييت»[24]. ومن خطابه  عليه السلام  لجيش الحرّ: «...ألَا وإنّ هؤلاء قد لزموا طاعة الشيطان وتركوا طاعة الرحمن، وأظهروا الفساد وعطَّلوا الحدود، واستأثروا بالفيء، وأحلّوا حرام الله وحرَّموا حلاله»[25].

وهنا نقف إجلالاً لهذا الخطاب الحسيني، مستلهمين منه آليات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فلم تكن القضيّة عند الإمام الحسين عليه السلام  تتعلّق بشخصٍ أو أشخاص؛ بقدر ما هي نهضة مقابل آيديولوجية أراد لها الأُمويون أن تحلّ محلّ قيم السماء، وهو نفس الخطاب الذي علا في رمضاء كربلاء، وهزّ كيان الحرّ بن يزيد الرياحي، وحرّر روحه الطاهرة لتتعلّق بالمحلّ الأعلى.

ج  ـ النيل من القدوة

 استفاد معاوية من شيطنته بعد أن وقف على مدى تأثُّر المسلمين بقدواتهم في تشويه صورة النبيّ محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، من خلال شراء علماء البلاط لنشر أحاديث كاذبة في ذلك، والتي يُلهَج بها للأسف إلى حدّ الآن، منها: المروي من طريق أبي صالح، عن أبي هريرة، أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم  قال: «اللهمّ، إنّما أنا بشر، فأيُّما رجل من المسلمين سببته أو لعنته أو جلدته فاجعلها له زكاة ورحمة»[26]. وغيرها كثير في قاموس السلطة الأُموية.

لكن أبرز ما قنّنه معاوية تكريساً لهذه الآلية الهدّامة هو النيل من الشخصية الثانية للمسلمين وهو الإمام علي عليه السلام ، فاشترى سَمُرَة بن جندب من بيت المال بأربعمائة ألف درهم على أن يخطب في أهل الشام ويكذب على الله ورسوله بأنّ قوله تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّـهَ عَلَىٰ مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ* وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّـهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ)[27]، قد نزل في علي بن أبي طالب. بينما قوله تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّـهِ )[28]، قد نزل في عبد الرحمن بن ملجم قاتل أمير المؤمنين عليه السلام [29].

ولما استحكم له الأمر كتب إلى عمّاله: «أن برئت الذمة ممّن روى شيئاً من فضل أبي تراب وأهل بيته»[30]. «فقامت الخطباء في كل كورة وعلى كل منبر يلعنون علياً، ويبرؤون منه، ويعقُّون فيه وفي أهل بيته»[31].  

وماذا بعد؟ هل يكتفي معاوية بهذا؟! كلا؛ لأنّ معاوية يُدرك جيداً أنّ إبعاد مصداق القدوة لا ينفي عنوانها المتأصّل في ذهنية العقل الجمعي للمجتمع الإسلامي؛ لهذا شرع في الخطوة الثانية وهي إيجاد بديل لذلك المصداق؛ فراح يقحم نفسه كقدوة للمسلمين مع أن سيرته تتنكّر لذلك!! ملتمساً المدد من ذمم النفوس التي يشتريها من بيت مال المسلمين لتهزّ كيان المسلمين أنفسهم. تلك الأيادي القذرة التي دسّت الأحاديث الكاذبة، وأثنت عليه، وامتدحته كذباً، من قبيل: المروي عن واثلة مرفوعاً أنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم  قال: «الأُمناء عند الله ثلاثة: أنا، وجبرئيل، ومعاوية، وكاد أن يُبعث معاوية نبياً من كثرة علمه وائتمانه على كلام ربّي؛ فغفر الله لمعاوية ذنوبه، ووقاه حسابه، وعلّمه كتابه، وجعله هادياً مهدياً، وهدى به»[32]. نعم، هكذا حاولوا عبثاً تدنيس الساحة القدسيّة لصاحب الرسالة، وكأنّ الأمانة لا يكتمل أداؤها إلّا بأمين ثالث هو معاوية!! لكن هيهات، فللإسلام المحمدي وصيّ اسمه (الحسين) سيحفظ بدمه الطاهر رسالة جدّه المصطفى وسيرة أبيه المرتضى، ويدكّ معاقل الحكم الأُموي.

د ـ سياسة (فرِّقْ تَسُدْ)

 لا يخفى عن الجميع أنّ سياسة (فرِّقْ تَسُدْ) هي سياسة عُرِف بها اليهود. وحتى يُقَوِّض معاوية الحكم له ولمن يليه لم يجد حرجاً في اتّباع هذه السياسة للقضاء على الرسالة المحمدية، فراح يؤجّج نار الفتن بين القبائل؛ حتى يتسنّى له قمع أيّ حركة تعارض سلطته، وهو ما مارسه فعلاً من خلال سياسة الإرهاب بشتّى أنواعه لا سيَّما في المناطق التي صمدت أمام الآليات السابقة؛ حيث يذكر التاريخ أنّه قُتِلَ في المدينة ومكّة ثلاثون ألفاً عدا من أُحرق بالنار، «وكان أشدَّ الناس بلاءً أهلُ الكوفة؛ لكثرة مَن بهم من محِّبي علي، فقتلهم تحت كل حجر ومدر، وقطع الأيدي والأرجل، وأعمى العيون، وصلبهم على جذوع النخل، وطرد الكثير منهم، وشرّدهم عن العراق»[33]. وقد بلغ إرهاب معاوية حدّاً جعل الرجل يفضّل أن يقال عنه: إنّه زنديق أو كافر. ولا يقال عنه: إنّه من شيعة عليّ. كما يكفي شاهداً على ذلك ما رُوي من جرائم فظيعة ارتكبها خليفة زياد بن أبيه على الكوفة سمرة بن جندب، حيث قتل سبعة وأربعين رجلاً ممَّن جمعوا القرآن، وقتل ثمانية آلاف من أهل العراق[34].

هـ ـ الاستبداد السلطوي

 ترتكز فلسفة الحكم في الإسلام على معرفة التركيبة الاجتماعية لأفراد المجتمع وتطلّعات الرعية على جميع الأصعدة؛ بغية تقليص المسافة بين الراعي والرعية. إذ لا شكّ في أنّ استحضار المعية الإلهية تبرز جلياً من خلال القرب المادي والمعنوي بين الحاكم والمحكوم، وتكون ملاكاً لصلاح أمرهما. وبالعكس، كلّما كبرت الهوّة بينهما دلّ ذلك على فتور استحضار تلك المعيّة التي تُكوِّن العامل الأساس في ظهور الفساد بجميع مستوياته. وهذا ما ينطبق فعلاً على الحكم الأُموي والحركات التكفيرية؛ إذ وَجَدَت في آلية (الاستبداد) سبيلاً لنخر الأبنية القيمية التي أسَّسها الإسلام، بدءاً من تكريس سياسة التخلّف، إلى استبعاد مبدأ الحرّية، ووصولاً إلى الاستعباد المادي والمعنوي للرّعية.

في حين تجلَّت التجربة السياسية الواعية للحكم الإسلامي في ولاية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام ؛ حيث كان الإمام تجلّياً عمليّاً للنصّ الديني، من خلال عكسه لصور القيم الإنسانية التي جاء بها النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم ، فكانت تجربته على قصر مدّتها الزمانية زاخرة قيميّاً، ونبراساً يُستضاء به في التاريخ الإنساني. لكن بعد شهادته وسيلان دمه الشريف في بيت القيم (محراب الصلاة)، بدأ العدّ العكسي لانطلاق سياسة (تغييب القيم) التي نادى بها صنّاع السلطة الأُموية البغيضة، فكان أوّل متبني لها (معاوية بن أبي سفيان)؛ حيث يمكننا رصد أبرز مصداق لسياسة الإقصاء وإخراس الرأي الآخر ما جرى على الصحابي الجليل حجر بن عدي الكندي وأصحابه[35] الذين تمّت تصفيتهم بحجّة رفضهم لعن حامل لواء القيم الإنسانية علي بن أبي طالب عليه السلام ، وقد قال فيهم رسول صلى الله عليه وآله وسلم : «يُقتل بمرج عذراء نفر يغضب لهم أهل السماوات»[36]. وقد كان لاعتقال حِجْرٍ وسجنه ثمّ قتله تأثير كبير على المجتمع الإسلامي آنذاك، رغم سيطرة معاوية.

ومن خلال هذا التجرّؤ الشنيع على الصحابة أرّخ معاوية لحقبته الاستبدادية التي صرّح بها في مواقف عديدة بقوله: «والله، ما ولّيتها [أي: الخلافة] بمحبّة علمتها منكم، ولا مسرّة بولايتي، ولكن جالدتكم بسيفي هذا مجالدة، فإن لم تجدوني أقوّم مجتمعكم كله فاقبلوا منّي بعضه...». وقال في خطابه بالنخيلة: «والله، إنّي ما قاتلتكم لتصلّوا ولا لتصوموا، ولا لتحجّوا ولا لتزكّوا، إنّكم لتفعلون ذلك، وإنّما قاتلتكم لأتأمّر عليكم، وقد أعطاني الله ذلك وأنتم له كارهون»[37].

وتوارث هذه العنجهية أغصان شجرة الزقوم جيلاً بعد جيل، حتى قال عبد الملك بن مروان عندما خطب في المدينة : «أَلا وإنّي لا أداوي أدواء هذه الأُمّة إلّا بالسيف؛ حتى تستقيم لي قناتكم...»[38]. حتى قال الجصاص وغيره فيه: «ولم يكن في العرب ولا آل مروان أظلم ولا أكفر ولا أفجر من عبد الملك، ولم يكن في عمّاله أكفر ولا أظلم ولا أفجر من الحجّاج! وكان عبد الملك أوّل مَن قطع ألسنة الناس في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، صعد المنبر فقال: إنّي والله، ما أنا بالخليفة المستضعف [يعني: عثمان]، ولا بالخليفة المصانع [يعني: معاوية]، وإنّكم تأمروننا بأشياء تنسونها منه في أنفسكم، والله، لا يأمرني أحدٌ بعد مقامي هذا بتقوى الله إلّا ضربت عنقه»[39].

إذن؛ فالآلية الأُولى التي يحدّدها الحكم الاستبدادي ويغيّب من خلالها قيمة الحرية والعدالة هي (قوّة السيف) المتفرِّع عنها الخوف والجزع والرهبة في النفوس. أمّا الثانية، فهي نفي لأصل التفاضل في المنظومة الدينية والدين الإسلامي الحنيف، ألَا وهي (التقوى). ومعلوم أنّ تغييب هذه القيمة نسفٌ لسلسلة متراتبة من القيم، من قبيل: الرحمة والمودّة، والشورى، والصفح عن المذنب، والتناصح، والتواصي بالصبر والحق.

وعلى الطرف النقيض نجد القراءة المعصومة لسياسة الحكم تتجلّى في عهد أمير المؤمنين لمالك الأشتر حين ولّاه مِصر؛ من خلال تأصيل التقوى وجعلها الملاك الوحيد للحكم والحاكم حتى يقول له: «إِيَّاكَ وَمُسَامَاةَ اللهِ فِي عَظَمَتِهِ، وَالتَّشَبُّهَ بِهِ فِي جَبَرُوتِهِ، فَإِنَّ اللَهَ يُذِلُّ كُلَّ جَبَّارٍ وَيُهِينُ كُلَّ مُخْتَالٍ، أَنْصِفِ اللَهَ وَأَنْصِفِ النَّاسَ مِنْ نَفْسِكَ وَمِنْ خَاصَّةِ أَهْلِكَ وَمَنْ لَكَ فِيهِ هَوىً مِنْ رَعِيَّتِكَ»[40].

بل إنّ الإمام يشرّح الحكم الأُموي كأفضل محلّل سياسي من خلال قوله: «وَايْمُ اللهِ، لَتَجِدُنَّ بَنِي أُمَيَّةَ لَكُمْ أَرْبَابَ سُوءٍ بَعْدِي؛ كَالنَّابِ الضَّرُوسِ تَعْذِمُ بِفِيهَا وَتَخْبِطُ بِيَدِهَا وَتَزْبِنُ بِرِجْلِهَا وَتَمْنَعُ دَرَّهَا، لَا يَزَالُونَ بِكُمْ حَتَّى لَا يَتْرُكُوا مِنْكُمْ إِلَّا نَافِعاً لَهُمْ أَوْ غَيْرَ ضَائِرٍ بِهِمْ، وَلَا يَزَالُ بَلَاؤُهُمْ عَنْكُمْ حَتَّى لَا يَكُونَ انْتِصَارُ أَحَدِكُمْ مِنْهُمْ إِلَّا كَانْتِصَارِ الْعَبْدِ مِنْ رَبِّهِ وَالصَّاحِبِ مِنْ مُسْتَصْحِبِهِ، تَرِدُ عَلَيْكُمْ فِتْنَتُهُمْ شَوْهَاءَ مَخْشِيَّةً، وَقِطَعاً جَاهِلِيَّةً، لَيْسَ فِيهَا مَنَارُ هُدًى وَلَا عَلَمٌ يُرَى»[41]. بل هذا الكلام تشريح ينطبق أيضاً على كل حكم جائر حيث تترآى معالمه جلية في عصرنا الحاضر من خلال تكريس عوامل التخلّف والجهل، والتلاعب بالعقول، وتشويه أهداف الأُمّة، ومحاربة الثقافة الرسالية، وهذا أعظم خطر على الأُمّة؛ لأنَّ الثقافة الرسالية هي الدعامة الحقيقة التي تحفظ قيم الأُمّة وتفعّلها.

ويؤكّد الإمام عليه السلام  على أهميّة التواصل مع الرعية من خلال بُعد الرحمة، حيث يقول: «وَأَشْعِرْ قَلْبَكَ الرَّحْمَةَ لِلرَّعِيَّةِ، وَالْمـَحَبَّةَ لَهُمْ، وَاللُّطْفَ بِهِمْ، وَلَا تَكُونَنَّ عَلَيْهِمْ سَبُعاً ضَارِياً تَغْتَنِمُ أَكْلَهُمْ؛ فَإِنَّهُمْ صِنْفَانِ: إِمَّا أَخٌ لَكَ فِي الدِّينِ، وَإِمَّا نَظِيرٌ لَكَ فِي الْـخَلْقِ، يَفْرُطُ مِنْهُمُ الزَّلَلُ، وَتَعْرِضُ لَهُمُ الْعِلَلُ، وَيُؤْتَى عَلَى أَيْدِيهِمْ فِي الْعَمْدِ وَالْـخَطَأ، فَأَعْطِهِمْ مِنْ عَفْوِكَ وَصَفْحِكَ مِثْلِ الَّذِي تُحِبُّ وَتَرْضَى أَنْ يُعْطِيَكَ اللهُ مِنْ عَفْوِهِ وَصَفْحِهِ»[42].

البُعد القيمي كما تعكسه كربلاء

قد عكست لنا مرآة كربلاء قيمة القِيَم قبل أن تعكس لنا القِيَم نفسها، فما سرّ تثمين القيم وجمالها يا تُرى؟

يكمن ذلك السّر على الصعيد الاجتماعي في أثر القيم اجتماعياً، وباعتبار ذلك الأثر تكتسب القيمة حسنها وجمالها؛ فالعدل مثلاً يُثمَّن من خلال حالة الاستقرار والأمن السائد في المجتمعات، في حين أنّ الظلم يفضي إلى حالة اللا أمن وتردّي الاستقرار فيكون قبيحاً.

أمّا على الصعيد النفسي، فإنّ معيار حُسن القيم هو حسنها الذاتي، وإن لم يُنظَر إلى أثرها الاجتماعي.

وبعبارة أُخرى: إنّ القيمة تكتسب جمالها من خلال البعد النفسي؛ وكمثال على ذلك: نجد أنّ الصدق حسنٌ وإن أضرَّ بك اجتماعياً.

أمّا على المستوى الفطري، فإنّ قيمة القيم سيكون لها تفسير أعمق بكثير، بمعنى أنّ كل إنسان يمثّل قيمة واقعية، قيمة تشير إليها جبلّته التي خُلِقَ عليها بحيث ينزع نحو القيم التي تنبع من فطرته؛ فيكون سرّ تلك القيم وقيمتها هي بُعدها وحسنها الذاتي الذي فطره الله عليه.

لقد حاولت بعض الأقلام تشويه هذه القناعة من خلال تنظير علمي يقضي بإرجاع القيم الخلقية إلى جذور جينية في الإنسان؛ وهي نيّة مبيَّتة لنسف المرجعية القيمية، حيث ادّعوا أنّ قسر الناس على تغيير طبائعهم يؤدّي إلى خلق ازدواجية في الشخصية الإنسانية، فيظهر الفرد أمام الناس بطبع، ويُبطن طبعاً آخر.

وعليه؛ تقتضي التربية طبقاً لهذه الدعوى أن يُترك الناس على طباعهم، غاية الأمر أنّ هناك قيمة عُليا يقرّها العقد الاجتماعي تستدعي إلزام الجميع بأن لا يتعدّى أحد على آخر.

إصلاح القيم متوقّف على قيم الإصلاح

الإصلاح المجتمعي: هو مشروعُ تَحوّلٍ مقصود من طرف المصلح، ينال بُنية المجتمع وتركيبته وأنساقه. وحتى يتحقّق هذا المشروع على أرض الواقع لا بدّ من توفّر المصلح فرداً كان أم جماعة على ما يفتقده المجتمع من قيم الإصلاح.

الإصلاح في المنظومة الدينية يقابل الفساد، وتترادف معانيه تبعاً لممارسته ضمن خلقيات معيّنة من قبيل:

l الرِّفق، يقول تعالى: (وَقَالَ مُوسَىٰ لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ)[43].

l الإحسان، يقول تعالى: (إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّـهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ)[44].

l الطاعة، يقول تعالى: (وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا  ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ)[45].

l الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، يقول تعالى: (وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَىٰ بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ)[46].

حيث تتجلّى كلّها في النموذج الحسيني لإصلاح قيم النسيج الاجتماعي. وهنا نفتح قوساً لنقول: إنّ أهمّ المشكلات التي تعاني منها حركات التغيير في مجتمعاتنا هي عجز نُخبها عن نفوذ قيمهم إلى ذلك النسيج الاجتماعي؛ لأنّها لم تكن تعبِّر عن مكنوناتهم الذاتية. ففي عالم القيم لا معنى للوقوف عند عقلانية القيم، إنّما الأمر يتعلّق بكونها حُلَل تُلبَس حتى تصير سجايا، لا أفكاراً تُتعقّل ثمّ تتهاوى عند أوّل مدافعة. يقول ابن خلدون: «إذا فسد الإنسان في قدرته على أخلاقه ودينه فقد فسدت إنسانيّته، وصار مسخاً على الحقيقة»[47].

لقد اتّسمت كثير من الثورات بعنصر استنفار مشاعر حاضنيها، وهذا ما يجانب المنظومة القيمية التي تدعو إلى التلبّس بالقيم، لا توظيفها في حشد الأصوات الغاضبة. فالقضية قضية منهج يراد له أن يكون الحاكم على قيم المجتمع الإسلامي، ويأبى سياسة المراوغة أو اللجوء إلى آليات الخصم في تأجيج مشاعر طالبيه، يقول الإمام علي عليه السلام : «أتُريدونني أن أطلب النّصر بالجور فيما ولّيت عليه؟!»[48]؛ فقيمة النصر في مدرسة أهل البيت عليهم السلام  هي (التضحية والشهادة) من أجل رضا الله تعالى.

وهذا ما يجعل حركة الإصلاح القيمي صعبة مستصعبة؛ لأنّ الصعوبة تكمن في الثبات على الهدف الذي يُمثّل روح الانطلاقة الإصلاحية. بل إنّ هذا ما جعل ثورة الإمام الحسين عليه السلام  قد سجّلت أوجّ الالتزام القيمي على أرض المعركة؛ لأنّ المؤسِّس لها هو وجودٌ تُحرّكه العناية الإلهية أينما حلّ. ومن شواهد ذلك حرص الإمام الحسين عليه السلام  على أن لا يقاتل معه رجل وعليه دينٌ، إلى درجة أنّه أمَرَ منادياً في ليلة العاشر من المحرم بأن ينادي بذلك؛ حتّى لا يُقال: إنّ أصحاب الحسين عليه السلام  فعلوا ذلك فراراً من دائنيهم. وهو مشهد لقيم ثورة كربلاء المباركة التي قامت لإعادة تأسيس قيم الإسلام.

قيمة التأسيس والمؤسِّس

تختلف قيمة الشخص بلحاظ الثورات، فتارةً تضفي الثورة على رموزها قيمة معيَّنة، وتارةً تضفي الرموز على الثورة قيمتها؛ وهذا هو المشخَّص في ثورة الإمام الحسين عليه السلام .

فصعصعة بن صوحان مثلاً كان أحد الأفراد الذين تربّوا على يدي علي بن أبي طالب عليه السلام ، وكان مشهوراً بالخطابة والفصاحة، فحينما أراد أن يهنِّئ الإمام عليه السلام  بالخلافة قال شيئاً لم يقله المهنِّئون الآخرون: «والله، يا أمير المؤمنين لقد زِنتَ الخلافة، وما زانتك، ورفعتها وما رفعتك، وهي كانت أحوج إليك منك إليها»[49].

إنّ الفارق بين الناطق بالحق والمتكلِّم باسم الباطل هو مستوى القيمة الإيمانية والاجتماعية والسياسية؛ لهذا يتعيَّن أن يكون المتكلِّم باسم الحق بسعة الحق نفسه، وهذا ما نسمّيه: (قيمة التأسيس) التي أشار إليها القرآن الكريم: (لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَـٰئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا)[50].

وهذا يعني أنّ الفكرة التأسيسية تكتسب قيمتها من قيمة المؤسِّس لها؛ بل هذا هو مفهوم الاصطفاء. وحيث إنّ المشروع الحسيني هو إحياء الحق وإزهاق الباطل؛ فإنّ الحقّ ذاته قد تجلّى في الحسين عليه السلام . والمؤسِّس يدفع ضريبة الحقّ ولا ينتظر أجراً على ذلك، فقد كان الإمام الحسين عليه السلام  ناطقاً بذلك حينما قال: «نفسي مع أنفسكم، وأهلي مع أهليكم، ولكم فيَّ أُسوة»[51]؛ لذلك كانت المنظومة القيمية في كربلاء مختزنة في قيمة (التضحية والشهادة) التي أبت إلّا أن يكون المؤسِّس وعائلته وأصحابه هم الضريبة؛ ضريبة أن يُذبَح الإمام ويُحمَل رأسه على الرمح، وأن يُذبح رضيعه وأولاده وإخوته وأصحابه، وأن تُسبى حرائر بيت النبوّة.

قيمة المحبّة في مرآة كربلاء

إنّ كربلاء أبت أن تحصرها صفحات كتب التاريخ، ويكسوها تراب رفوف المكتبات، معلنة أنّها وُجِدَت لتلج الوجدان الإنساني، وتحرِّك ضمائر الأحرار والمستضعفين في كل بقعة من بقع هذا العالم نحو الارتقاء الفكري والثقافي والاجتماعي. فواقعة الطف حمل لواءها سليل البيت المحمدي، الذي سلّط الوجدان الإنساني على الطغاة المتمثِّلين في بني أُمية، والذين استباحوا دماء الناس، فما كان من الإمام الحسين عليه السلام  إلّا أن يصحّح المسيرة التي أفسدها البيت الأُموي: «وأَنِّي لَمْ أَخْرُجْ أَشِراً وَلَا بَطِراً، وَلَا مُفْسِداً وَلَا ظَالِماً، وَإِنَّمَا خَرَجْتُ لِطَلَبِ الْإِصْلَاحِ فِي أُمَّةِ جَدِّي صلى الله عليه وآله وسلم ، أُرِيدُ أَنْ آمُرَ بِالـْمَعْرُوفِ وَأَنْهَى عَنِ الْمـُنْكَرِ وَأَسِيرَ بِسِيرَةِ جَدِّي وَأَبِي‏ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عليه السلام ، فَمَنْ قَبِلَنِي بِقَبُولِ الْـحَقِّ فَاللهُ أَوْلَى بِالْـحَقِّ، وَمَنْ رَدَّ عَلَيَّ هَذَا أَصْبِرُ حَتَّى يَقْضِيَ اللهُ بَيْنِي وَبَيْنَ الْقَوْمِ بِالْـحَقِّ، وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ»[52].

إنَّ المواقف الحسينية تجعل من المحبَّة آيديولوجية لصناعة الحاضر والمستقبل؛ فهو يُخرجها عن التجربة الذاتية الشخصية كما هي عليه عند أكثر المتصوِّفة؛ ويدفع بها إلى مجال أوسع بكثير، فيبدأ من منطلق المحبّة في نقد الواقع الاجتماعي عملياً؛ أي: إنّه لا يكتفي بالتناصح والحثّ على التكافل، بل يجسّده عملياً، بالإضافة إلى لمس المرض القلبي وتشخيصه. خلافاً لما عليه التيارات التكفيرية اليوم، والتي أبت إلّا أن تظهر (دين المحبَّة والرحمة) على أنّه (دين التكفير والذبح). ولعلَّ أبرز مواقف المُحبّ والتي من شأنها صناعة المستقبل هي (ثقافة التضحية)؛ لأنّ المُحبّ لا يُؤثِر شيئاً مهما غلا على محبّة الله ورضاه. وهنا لا يمكننا أن نجد مصداقاً أبرز من تضحيات الإمام الحسين عليه السلام  في يوم عاشوراء. يقول سيّد الشهداء عليه السلام : «وَأَنْتَ الَّذي أَزَلْتَ الأَغْيارَ عَنْ قُلُوبِ أَحِبّائِكَ حَتّى لَمْ يُحِبُّوا سِواكَ، وَلَمْ يَلْجَؤوا إِلى غَيْرِكَ»[53]. إذ لا ريب في أنّ سيّد الشهداء الإمام الحسين عليه السلام  قد وقف على وحدة الشاهد والمشهود والشهادة؛ فألقى بقلبه الذي يُمثّل الحقيقة الإنسانية في محضر محبوبه.

كربلاء تُجهِض سياسة تغييب القيم

لم يكن الإمام الحسين عليه السلام  يتلقّى أنباء غياب القيم الاجتماعية وسياسة تغييبها عبر القنوات الفضائية أو مواقع الإنترنيت.. إنّما كان يعاينها شهوداً. فحكّام بني أُميّة لم يتوانوا عن إعلان استهتارهم بتعاليم الإسلام، خصوصاً على عهد يزيد بن معاوية، وقد كانت المحطّة الأُولى لتلك السياسة هي نكث معاوية وليد الغدر السفياني للوعد، وخيانته للعهد الذي أوثقه مع الإمام الحسن عليه السلام ؛ وإصداره قرار تولية يزيد خليفة على المسلمين من بعده. هذا على مستوى الخلافة.

أمّا على مستوى الإحسان إلى الرعية، فقد بادر إلى قتل أتباع أمير المؤمنين علي عليه السلام ، وصلبهم على جذوع النخيل. ناهيك عن (العدل) الذي كان مستبعَداً تماماً من أجندة الخلافة الأُموية؛ إذ يشهد على ذلك بيت مال المسلمين الذي يُفترض أن يكون أمانة وعارية بيد الخليفة؛ إلّا أنّ معاوية آثر ضمّه إلى ممتلاكاته، وشَرْعَنَ حيثية التصرّف فيه من خلال فتاوى مَن نصَّبهم في بلاطه كفقهاء، وكان يُغدق عليهم من نفس بيت المال بإزاء كل فتوى تمكّنه من بسط يده على مال المسلمين، وإهداره على أتباعه وجواريه وحشمه وما شابه ذلك.

لقد راقب الإمام مسيرة التهاوي القيمي طيلة عشرين عاماً من الحكم الأُموي البغيض؛ تلك المسيرة التي فعّلتها شيطنة معاوية ودهاؤه، وأعلنت عن غايتها ودركها الأسفل حماقة يزيد وجهره بالسوء من خلال قوله المعروف:[54]

 

       لَعِبَتْ هاشمُ بالمُلكِ فلا

 

:[54]خبرٌ جاءَ ولا وحيٌ نزل

 

 

فقد أعلن الإمام الحسين عليه السلام  ثورته على سياسة التغييب من خلال كلامه المدوّي في وجدان كلّ إنسان حرّ، قائلاً: «والله، لو لم يكن في الدنيا ملجأ ولا مأوى لما بايعت والله يزيد بن معاوية أبداً»[55].

إذ يلاحظ من خلال عبارة «لو لم يكن في الدنيا ملجأ ولا مأوى». أنّ الإمام كان مُذعِناً بعدم تكافؤ القوى في هذه الثورة. مع ذلك آثر بذل مهجته ومُهَج أهل بيته وأصحابه؛ لاستحضار المنظومة القيمية للدين الإسلامي التي تُمثِّل روح الوجود الإنساني. فباتت عاشوراء الحسين مناراً لكل المستضعفين في العالم، ومرآة عاكسة للقيم التي أبى الدم الحسيني إلّا أن تكون حاضرة جيلاً بعد جيل.

وفي المقابل حمل لواء الفكر اليزيدي شرذمة الأُمّة جيلاً بعد جيل، حتى تلقّفه الفكر التكفيري الممثَّل اليوم بداعش ليُشرْعِنَ على أساسه ما يقوم به من سفكٍ وقتلٍ باسم العود إلى سيرة السلف!!

لقد كان يوم الطف نسفاً لهذه السياسة الأُموية التي حمل لواءها يزيد، ويحمل لواءها اليوم كل متهتّك مثل يزيد. فيوم الطف هو يوم انتصار الحق على الباطل، انتصار الدم على السيف، بل هو يوم استرجاع القيم الإنسانية التي غيّبها الحكم الأُموي الغاصب من خلال كشف النماذج الزائفة من المتخاذلين والساكتين عن الحق.

كما حرَّك الدم الحسيني العبيط العاجزين عن النصرة في زمان الواقعة وغيره ليختزنه في وجدانه ويفجّره في وجه كل ظالم على طول الزمان. وهذا ما تجلّى فعلاً في الثورات المتعاقبة بعد فاجعة كربلاء، كما تُمثّل الثورة الجزائرية والثورة الإسلامية في إيران وحرب تموز الغرّاء التي خرجت منها إسرائيل صاغرة ذليلة مصداقها البارز في زماننا المعاصر. يقول عباس محمود العقاد: «ومثل للنّاس في حُلّة من النّور، تخشع لها الأبصار، وباء بالفخر الذي لا فخر مثله في تواريخ بني الإنسان غير مستثنى منهم عربي ولا أعجمي ولا قديم ولا حديث»[56]

عقيلة بني هاشم تلاحق مشروع التغييب

لقد أشرنا إلى أنّ الحكم الأُموي قد مارس استراتيجيّته عبر مرحلتين، الأُولى: العمل على (غياب القيم)، والثانية: (تغييب القيم)؛ ممّا يقتضي نحوين من استراتيجية ردّ الفعل من قِبل الثورة الحسينية المباركة، الأُولى: (إعادة إحياء القيم) من خلال قيم الإصلاح وإصلاح القيم. والثانية: (تعميم تلك القيم) عبر القنوات الإعلامية الأمينة. وقد انبرى للمرحلة الأُولى الإمام الحسين وأهل بيته عليهم السلام ، مجسِّدين ذلك من خلال إعلاء قيمة (التضحية والشهادة).

أمّا المرحلة الثانية فكانت تحتاج إلى شخصية ثانية لا تقلّ شأناً عن مفجّر تلك الثورة، إنّها عقيلة بني هاشم السيّدة زينب عليها السلام  سرّ كربلاء المستور من خلال دورها البطولي، بعد أن أوضحت معالم تلك النهضة الأبدية لتأخذ طريقها إلى كل أحرار العالم. لكن ذلك لم يكن بالأمر السهل لولا أنّ القائم عليها هي وليدة البيت المحمدي؛ إذ لم يكن في ذلك الوقت (هيئة لحقوق الإنسان)، ولا (قنوات إعلامية)، ولا (أُمَمٌ متحدة)!!

قناة زينب عليها السلام  الوحيدة كانت (كلمات)، لكنّها كلمات تجري مجرى التاريخ دون أن تبلى، كلمات كل حرف منها يختزن ثروة من القيم، بل ثورة قيم: «ولئن جَرَّتْ عَلَيَّ الدَّواهي مُخاطبتَك، إنّي لأستصغِرُ قَدْرَكَ، وأستَعظِمُ تَقريَعكَ، وأستَكبرُ تَوبيخَك، لكنّ العيونَ عَبرى، والصدور حَرّى... فكِدْ كَيْدكَ واسْعَ سَعْيَكَ وناصِبْ جُهْدَكَ، فواللهِ، لا تَمحْو ذِكرَنا، ولا تُميتُ وَحيَنا، ولا تُدرِكُ أمَدَنا...»[57]، تبعث روح القيم المحمدية والحسينية في نفوس المستضعفين، وترسّخ قيمة (التضحية والشهادة) في نفوس الأحرار من أبناء الأُمّة الإسلامية.

وبعبارة أُخرى: لقد طاردت المواقف الزينبية في قصر ابن زياد ويزيد، وفي الكوفة والشام مشروع تغييب القيم، ولا زالت تطارده أينما حلّ، خصوصاً في عصرنا الراهن الذي راهنت فيه الحركات التكفيرية في سوريا على تفجير مرقد العقيلة، محاولة عبثاً إخراس تلك الكلمات التي توقظ سهاد أسيادهم، لكن هيهات! فكلمات زينب قد نُقِشَت في القلوب وقُلّدت قلائد في الصدور كتب عليها: (هيهات منّا الذّلة).

خاتمة

إنّ دم الإمام الحسين عليه السلام  تحت حجارة قفار كربلاء، قد قطع الطريق أمام سياسة تغييب القيم التي نادى بها المعسكر الأُموي؛ وأراد من خلالها قبر قيم الإسلام المحمدي الأصيل. وقيمة الإصلاح تكمن في التلبّس بالقيم الحسينية، تلك القيم التي كشفت لنا اليوم عن مشروع تغييبي جديد يحمل لواءه شيطان ذو رؤوس ثلاثة: (داعش، أمريكا، إسرائيل). مشروع يحاول من خلال آلة التدمير (داعش) شَرْعَنة سفك الدماء البريئة باسم الإسلام الأُموي. فماذا ترانا فاعلين؟!

هل نصمت؟ وفي صمتنا هلاكنا!! القضية قضية سِلمٍ اجتماعي وإنساني يُهدَّد من قِبَل وحوش في ثوب البشر، وحوش حملوا هوية يزيد ومعاوية.. أم نقلب صفحات التاريخ لنبحث عن نموذج غير النموذج الحسيني بحجّة أنّ كربلاء تخصّ الشيعة!! كي يكون محفِّزاً لنا في مواجهتنا لهذا الخطر الهدّام، وهل سنجد في التاريخ أعظم من هذا النموذج الحيّ الذي صار رمزاً للإنسانية جمعاء؟!

إنّ تكليفنا الشرعي اليوم هو إجهاض هذا المشروع الثلاثي وهذه المؤامرة الدنيئة على قيم السماء، ولستُ في أحلام اليقظة إذا قلت: إنّنا نتحسّس اليوم تناقص أنفاس الظلمة والطغاة المعلنة عن قرب نهاية الصراع؛ صراع الحق والباطل الذي سيُسفر عن زهوق راية الباطل ورفرفة راية الحق والعدل عالية في عنان السماء.

 

 

 

 


[1] المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج44، ص192.

[2] الروم: آية 30.

[3] الأنعام: آية 161.

[4] اُنظر: ابن منظور، جمال الدين، لسان العرب: الجوهري، إسماعيل، الصحاح في اللغة، مادّة (قوم).

[5] الفيروز آبادي، محب الدين، القاموس المحيط، مادة (قوم).

[6] اُنظر: ابن منظور، جمال الدين، لسان العرب: الجوهري، إسماعيل، الصحاح في اللغة، مادّة (قوم).

[7] فصلت: آية 6.

[8] الفرقان: آية 67.

[9] اُنظر: الزبيدي، محب الدين، تاج العروس: ج17، ص594.

[10] النساء: آية 34.

[11] آل عمران: آية 75.

[12] الأكسيولوجيا بالإنجليزية (Axiology)؛ كلمة يونانية مركَّبة: من (Axia) بمعنى قيمة، و(Logos) بمعنى علم؛ فيكون معنى المركب منهما هو (علم القيم)، وهو مبحث فلسفي مستقل يدرس طبيعة القيم وتصنيفاتها ومعاييرها، حيث يمثّل محوراً أساساً من المحاور التي تتناولها الفلسفة بالبحث، وهي: مبحث الوجود والمعرفة والقيم.

[13] المعنى المطروح لهذا المصطلح اليوم؛ وإن حاول أصحابه إخفاءه هو النظر إلى القيم بلحاظ (آيديولوجيا المصلحة) التي قننتها دول الاستكبار العالمي؛ فكل ما يخدم المصلحة (قيّم) وإن خالف الدين؛ والفطرة الإنسانية.

[14] اُنظر: قاموس المعاني على موقع: www.almaany.com.

[15] الخوصصة لغةً بمعنى: نقل الملكية العامّة للملكية الخاصّة؛ واستخدامها في بحثنا نعني به تضييق دائرة القيم الفطرية إلى ما أقرّه العقد الاجتماعي.

[16] للاطّلاع على أهم الآراء في هذا الباب يُراجَع كتاب سوسيولوجيا الثقافة: د. عبد الغني عماد، المفاهيم والإشكالات من الحداثة إلى العولمة: ص141ـ140.

[17] نسبة إلى المذهب القروينائي الذي أسّسه ارستبوس (435ـ360ق.م) اليوناني في قورينا، ودعا من خلاله إلى السير وراء الشهوات والملذّات، والانصياع إلى الطبيعة البهيمية، وعدم رعاية المثالية القيمية على مستوى الفرد أو الجماعة؛ كما دعا إلى طمس عنصر الإرادة. لمزيد من التفصيل اُنظر: الطويل،
توفيق، فلسفة الأخلاق.

[18] اُنظر: ابن عساكر، علي بن الحسن، تاريخ مدينة دمشق: ج12، ص184. وأيضاً: الذهبي،
تاريخ الإسلام: ج6، ص323.

[19] ابن حنبل، أحمد، مسند ابن حنبل: ج4، ص127.

[20] اُنظر: ابن تيمية، أحمد، منهاج السنّة النبويّة: ج6، ص235.

[21] الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الأُمم والملوك: ج7، ص213.

[22] حسين عطوان، الفِرَق الإسلاميّة في بلاد الشام في العصر الأُموي: ص76. وأوردَه ابنُ عساكر والبلاذري.

[23] ابن الأثير، علي بن أبي الكرم، الكامل في التاريخ: ج3، ص449.

[24] الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الأُمم والملوك: ج4، ص266.

[25] المصدر السابق: ص304.

[26] النيسابوري، مسلم، صحيح مسلم: ج8، ص25.

[27] البقرة: آية 204ـ205.

[28] البقرة: آية 207.

[29] اُنظر: ابن أبي الحديد، عبد الحميد، شرح نهج البلاغة: ج4، ص73. والأميني، عبد الحسين، الغدير: ج11، ص30.

[30] ابن أبي الحديد، عبد الحميد، شرح نهج البلاغة: ج11، ص44.

[31] المصدر السابق.

[32] ابن عساكر، علي بن الحسن، تاريخ مدينة دمشق: ج7، ص322. وقال الذهبي في ميزانه: ج1، ص233ـ: «هذا كذب». وذكره ابن كثير في تاريخه: ج8، ص120، من طريق أبي هريرة وأنس وواثلة ابن الأسقع، فقال: لا يصحّ من جميع وجوهه.

[33] ابن أبي الحديد، عبد الحميد، شرح نهج البلاغة: ج2، ص17.

[34] اُنظر: الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الأُمم والملوك: ج3، ص176.

[35] هو حجر بن عدي بن جبلة بن عدي الكندي، المعروف بحجر الخير، من صحابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم . كان قائداً عسكرياً، أمّاراً بالمعروف، من شيعة أمير المؤمنين علي عليه السلام ، شهد معركة صفّين أميراً. وهو من أعظم قادة الفتوحات الإسلامية، وصفه الحاكم في المستدرك براهب الصحابة؛ لكثرة عبادته. قتله معاوية مع زمرة من أصحابه؛ لأنّه امتنع عن سبّ الإمام علي عليه السلام . اُنظر: الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الأُمم والملوك: ج5، ص253. وأيضاً: ابن كثير، إسماعيل، البداية والنهاية: ج8، ص49.

      واعترف معاوية بجريمته النكراء قائلاً: «ما قتلتُ أحداً إلّا وأنا أعرف فيمَ قتلتُه وما أردت به! ما خلا حجر ابن عدي؛ فإنّي لا أعرف فيمَ قتلته». اُنظر: ابن عساكر، علي بن الحسن، تاريخ مدينة دمشق: ج12، ص231.

[36] اليعقوبي، أحمد، تاريخ اليعقوبي: ج2، ص231. المناوي، محمد، فيض القدير: ج4، ص166.

[37] القرشي، باقر شريف، حياة الإمام الحسين: ج2، ص122.

[38] الجصاص، أحمد، أحكام القرآن: ج1، ص86. واُنظر أيضاً: ابن كثير، إسماعيل، البداية والنهاية: ج9، ص78.

[39] الجصاص، أحمد، أحكام القرآن: ج1، ص86.

[40] خطب الإمام علي عليه السلام ، نهج البلاغة(تحقيق: محمد عبده): ج3، ص85.

[41] المصدر السابق: ج1، ص184.

[42] خطب الإمام علي عليه السلام ، نهج البلاغة(تحقيق: محمد عبده): ج3، ص84.

[43] الأعراف: آية 142.

[44] هود: آية 88.

[45] الأعراف: آية 85.

[46] هود: آية 117.

[47] ابن خلدون، عبد الرحمن، المقدمة: ج1، ص465.

[48] ابن أبي الحديد، عبد الحميد، شرح نهج البلاغة: ج8، ص110.

[49] ابن عساكر، علي بن الحسن، تاريخ مدينة دمشق: ج42، ص445.

[50] الحديد: آية 10.

[51] الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الأُمم والملوك: ج4، ص304.

[52] المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج44، ص330.

[53] لجنة الحديث في معهد باقر العلوم عليه السلام ، موسوعة كلمات الإمام الحسين عليه السلام : ص960 (دعاء عرفة).

[54] اُنظر: الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الأُمم والملوك: ج8، ص188.

[55] ابن أعثم، أحمد، الفتوح: ج5، ص21.

[56] العقّاد، محمود، أبو الشهداء (الحسين بن علي): ص113.

[57] الأمين، محسن، أعيان الشيعة: ج 1، ص617.

 
 
البرمجة والتصميم بواسطة : MWD