1438 / ذي الحجه / 28  |  2017 / 09 / 20         الزيارات : 421340         صلاة الصبح |         صلاة الظهر والعصر |         صلاة المغرب والعشاء |

انتهاك حرمة الأجساد الطاهرة في كربلاء

{ الشيخ أحمد العلي }
انتهاك حرمة الأجساد الطاهرة في كربلاء

 

تمهيد

مهما اختلف تعريف الإرهاب، لم يختلف اثنان في أنّ الذي حدث في كربلاء المقدسة هو من أفظع أنواع الإرهاب، وبجميع أقسامه؛ إذ إنّه قد يكون فردياً، أو جماعياً، وقد يكون منظّماً، أو غير منظّم، فالإرهاب الفكري والضغط النفسي والتسفيه والتحقير والقذف والعنف الجسدي والتكفير والإفتاء بهدر الدم، والقتل الجنائي والتهجير والتصفية الجسدية والتطهير العرقي والمذهبي، وإرهاب الدولة المتمثل بالضغط والمطاردة والحصار الاقتصادي واستخدام القوّة العسكرية والقتل المنظّم للمدنيين[1]، كلها مصاديق جليّة للإرهاب مورست في كربلاء من قِبل الجيش الأُموي.

إنّ خطة البحث المتّبعة في هذه المقالة تكتمل من خلال بيان عدّة مباحث:

الأول: تعريف المُثلة لغةً واصطلاحاً.

الثاني: الحكم التكليفي للمُثلة في الشريعة الإسلامية وبيان مصاديقها (بحث مقارن).

الثالث: المُثلة في القانون الوضعي (الإنساني).

الرابع: البيت الأُموي والمُثلة.

الخامس: مصاديق المُثلة التي جرت على معسكر الإمام الحسين عليه السلام .

السادس: سياسة انتهاك الأجساد وقطع الرؤوس.

وفي ما يأتي تفصيل تلك المباحث:

المبحث الأول: (المُثلة) لغةً واصطلاحاً

أوّلاً: التمثيل (المُثلة) لغةً

للتمثيل لغةً معانٍ متعددة: منها: التنكيل، ومنها: التصوير، ومنها: التشبيه وأداء الدور، وغيرها، ولا يهمنا منها إلّا المعنى الأول؛ لكونه المراد في بحثنا.

والمهم من التعاريف:

ما ذكره ابن منظور قال: «مَثَلْتُ بالحيوان: أَمْثُل به مَثْلاً، إذا قطعت أطرافه وشَوَّهت به، ومَثَلْت بالقتيل إذا جَدَعت أنفَه وأذنه أو مَذاكيره أو شيئاً من أطرافه، والاسم المُثلة، فأمّا مُثّل بالتشديد: فهو للمبالغة»[2].

ومثل ذلك ما ذكره ابن الأثير، ثمّ أضاف قائلاً: «ومنه الحديث: نهي أن يُمثَّل بالدواب، أي: تُنصب فتُرمى، أو تُقطّع أطرافها وهي حيّة»[3].

ثانياً: المُثلة اصطلاحاً

لا يخرج المعنى الاصطلاحي في تعريف المُثلة عن معناه اللغوي:

 فقد عرّفها الشيخ النجفي تعليقاً على عبارة صاحب الشرائع ـ «لا يجوز التمثيل بهم»  ـ قائلاً: «بقطع الآناف والآذان ونحو ذلك»[4].

وعرّفها الخطابي بقوله: «تعذيب المقتول بقطع أعضائه وتشويه خلقه قبل أن يُقتَل أو بعده، وذلك مثل أن يجدع أنفه أو أُذنه، أو يفقأ عينيه. أو ما أشبه ذلك من أعضائه»[5].

ويُستفاد من التعريفات المتقدمة عدّة أُمور:

أ ـ إنّ المثلة تشمل الإنسان والحيوان معاً.

ب ـ إنّ المثلة تشمل الحي والميت معاً.

جـ ـ إنّ المثلة تعني تقطيع أطراف الحيوان وتشويهه.

د ـ إنّ المثلة تتحقق بقطع الأنف والأُذن، والمذاكير، أو شيئاً من أطرافه، أو بجعل الحيوان هدفاً ويُرمى بالسهام وأمثالها، بل عُدّ من المُثلة حلق الشعر من الخدود، أو نتفه أو تغييره بالسواد[6].

هـ ـ إنّ التعريف الاصطلاحي الذي يحرّم المُثلة ينظر إلى المُثلة بأجساد الكفار وأمثالهم. أمّا حرمة التمثيل بأجساد المسلمين، فهي من المسلّمات في الفقه الإسلامي كما سيأتي.

المبحث الثاني: الحكم التكليفي للمُثلة في الشريعة الإسلامية وبيان مصاديقها (بحث مقارن)

المتتبع للفقه الإسلامي يجد أنّ مبحث المُثلة أخذ مساحة واسعة في أبوابه المتنوّعة، وكتبه المتعددة.

ولعلّ أهم مسألة في ذلك هي حرمة المُثلة بالمسلم حياً كان أو ميّتاً؛ لما لها من مساس بوضعنا الحاضر، وما تفعله العصابات الداعشية بالمسلمين باسم الإسلام.

أوّلاً: المُثلة بالإنسان المسلم

إنّ النهي عن التمثيل بالمسلم من الأُمور الثابتة في الشريعة الإسلامية، ولا يُعرف مخالف في ذلك على الإطلاق، بل إنّ من الثابت عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم  النهي عن المُثلة حتى بالكافر.

ومع ثبوت التحريم للكافر يثبت التحريم للمسلم بطريق أوْلى، والأدلة الدالة على الحرمة بصورة عامة كثيرة جداً، بل دعوى الإجماع على حرمة المثلة بالكافر قد صرّح بها أكثر من واحد.

قال الهمداني& في معرض كلامه عن حرمة نبش القبور: «لا يجوز نبش القبور بلا خلاف فيه، بل إجماعاً... واستُدلّ له أيضاً بأنّه مثلة بالميّت وهتك له، ومقتضاه مسلَّميّة حرمة المُثلة وهتك حرمته، ولعلّه كذلك»[7].

وقال النجفي شارحاً لعبارة الشرائع : «(ولا يجوز التمثيل بهم) بقطع الآناف والآذان ونحو ذلك في حال الحرب بلا خلاف أجده فيه؛ لما سمعته من النهى عنه... وأكثر الفتاوى عدم الفرق في ذلك بين حال الحرب وغيره، وبين ما بعد الموت وقبله... بل لا فرق أيضاً بين ما لو فعلوا ذلك بالمسلمين وعدمه»[8].

وصرّح الزمخشري بأنّه: «لا خلاف في تحريم المثلة»[9].

وقال ابن عبد البر بعد أن ذكر الحديث الوارد عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم  القائل فيه: «لا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تُمثِّلوا»: «أجمع العلماء على القول بهذا الحديث، ولم يختلفوا في شيء منه»[10].

وأمّا الروايات الدالة على الحرمة، فهي كثيرة:

منها:ما ورد في وصيّة الإمام علي عليه السلام  لولديه الحسن والحسين عليهما السلام  حينما ضربه ابن ملجم (لعنه الله): «يا بني عبد المطلب... اُنظروا إذا أنا متُّ من هذه الضربة فاضربوه ضربة بضربة، ولا يُمثّل بالرجل؛ فإنّي سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم  يقول: إيّاكم والمُثلة ولو بالكلب العقور»[11].

ومنها: ما في رواية مسعدة بن صدقة، عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام ، أنّه قال: «إنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم  كان إذا بعث أميراً له على سريّة أمره بتقوى الله}... ثمّ يقول:... قاتلوا مَن كفر بالله، لا تغدروا ولا تغلّوا ولا تُمثّلوا»[12].

ومنها: ما رواه عمران بن حصين، قال: «كان رسول الله يحثّنا على الصدقة، وينهانا عن المُثلة»[13].

ومنها: ما ورد عن ابن عمر أنّه قال: «لعن النبيُّ مَن مَثّل بالحيوان»[14].

ومنها: ما عن محمد بن عمرو بن عطاء: إنّ عمر بن الخطاب قال لرسول الله
 ـ صلى الله عليه وسلّم ـ: دعني أنزع ثنية سهيل بن عمرو، يدلع لسانه فلا يقوم عليك خطيباً في موطن أبداً؟! فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلّم ـ: «لا أُمثّل به فيُمثّل الله بي وإن كنت نبيّاً»[15].

وهناك روايات أُخرى يأتي بعضها في مسألة (المُثلة بالكافر).

المستفاد من الروايات

ويُستفاد من الروايات المتقدّمة عدّة أُمور نشير إليها تباعاً:

أ ـ إنّ كثرة الروايات وتنوّعها يرفعها إلى الاستفاضة أو التواتر؛ ومعه لا نحتاج إلى البحث السندي، خصوصاً مع ضم الإجماع المتقدّم ذكره إليها.

ب ـ إنّ الروايات تنقسم إلى طائفتين رئيستين:

الأُولى: الروايات الدّالة على النهي مطلقاً.

الثانية: الروايات الخاصّة بالتمثيل بالكفار.

والاستدلال على حرمة التمثيل بالمسلمين يثبت بكليهما:

أمّا روايات القسم الأول، فهي تشمل المسلمين بإطلاقها؛ إذ دلّت على حرمة التمثيل بهم، خصوصاً وأنّ بعضها ينهى عن التمثيل بمطلق الحيوان.

وأمّا روايات القسم الثاني التي تدلّ على حرمة التمثيل بالكافر، فهي تدلّ على حرمته بالمسلم من باب أوْلى. كما اتضح أنّ التمثيل بالمسلم حرمته مُسلّمة لا يختلف فيها اثنان.

جـ ـ إنّ إطلاق الروايات يؤكد على أنّه لا فرق بين حال الحرب وغيره، وبين ما بعد الموت وقبله، ولا بين ما إذا فعلوا ذلك بالمسلمين أو عدمه، ولعلّ هذا هو مستند قول الشيخ النجفي في التعميم لجميع هذه الحالات. وقد تقدّم ذكر قوله.

د ـ إنّ هذه الروايات تُثبت أنّ النهي عن المثلة قد أكّده النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم  في عدّة مناسبات ومواقف، وهذا يدفع كما سوف يأتي الدعاوى القائلة: بأنّ النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم  مثّل ببعض الأشخاص، وأنّه حينما رأى ما صُنِعَ بعمّه حمزة عليه السلام  توعّد قريشاً بأن يُمثِّل بسبعين رجلاً منهم.

ثانياً: التمثيل بالكافر

إنّ الآداب والأخلاق التي أوصى بها الإسلام لم تقتصر على كيفية المعاملة مع المسلم، بل توسَّعت في ذلك إلى أدب المعاملة مع أهل الذمة وكثير منها ترقى إلى حدّ الإلزام، بل توسَّع الشارع المقدس في ذلك؛ فجعل للحرب مع الكفّار آداباً خاصّة قد عجز عنها العالم المتحضر بكل قوانينه الوضعية المدَّعاة، وإن كشف هذا عن شيء فإنّما يكشف عن السماحة والرأفة لهذا الدين ولهذه الشريعة، فلم يكن الإسلام يوماً من الأيام ذا نزعة عدوانية أو توّاقاً للحرب والدمار، وكذا أتباعه، فأكثر الحروب التي خاضها النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم  وأصحابه كانت حروباً دفاعية، والتي لم تكن كذلك فهي حرب وقائية هدفها إبعاد خطر الكفّار عن الرسالة الفتيّة التي تسعى لتخليص البشريّة من الكفر والظلم والاعتداء.

إنّ الهدف الأساس للدعوة والدعاة هو مخاطبة الخصم أوّلاً بالفطرة السليمة، ثمّ بالحجة والبرهان والدليل؛ فإن حصل له القناعة بها ودخل في أحضان الدعوة فبها، ومَن أبى وتعنّت واختار الطريق الآخر فله خياران:

أحدهما: الدخول في ذمة الإسلام، وإجراء عقد بينه وبين المسلمين، تُحقن به الدماء، وتُحفظ به الأموال، وله الأمان التام بين المسلمين.

وثانيهما: اختيار موقف المواجهة مع المسلمين وإعلان الحرب عليهم، وفي مثل ذلك ليس للمسلمين من مواجهة هذا الخطر القادم بُدٌّ.

ورغم ذلك كلّه، نجد الإسلام المتمثل برسوله الكريم صلى الله عليه وآله وسلم  قد أطّر الحرب مع الكفّار بإطار أخلاقي عام، ولم يُعطِ الحرية الكاملة للمحارب المسلم، ونهاه عن ارتكاب عدّة أشياء، منها قتل الأطفال والنساء وكبار السن والعجزة، ونهاه عن التمثيل بالكفار المقاتلين خصوصاً بعد التمكّن منهم، ووقوعهم أسرى بأيدي المسلمين.

ونحاول هنا بيان آراء الفرق الإسلامية في هذه المسألة، وكذلك معرفة الفروع المترتبة عليها، مع الإشارة إلى الأدلة، والاستثناءات الواردة عليها.

وحاصل الأقوال ما يلي:

القول الأول: حرمة المُثلة بالكفار

وهو ما ذهب إليه الإمامية وجمهور الفقهاء من بقية المذاهب.

إلّا أنّ أصحاب هذا القول وإن اتّفقوا على أصل الحرمة، إلّا أنّ هناك خصوصيات امتاز كل طرفٍ بها عن الآخر.

وسنأتي بهذه الأقوال تباعاً:

رأي الإمامية

لا خلاف بين فقهاء الإمامية في حرمة التمثيل بالكفّار بقطع الآناف والآذان ونحو ذلك في حال الحرب[16]، ويدل على الحرمة:

1ـ الإجماع المدّعى وتقدمت الإشارة إليه وذكر نصوصه.

2ـ الروايات والنصوص الواردة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم  وأهل بيته عليهم السلام ، وتقدّم الكثير منها. ويأتي البعض الآخر عند التطرّق إلى أدلة بقية المذاهب.

3ـ إنّ استعمال المُثلة مع الكفار قد يؤدي بالكفار إلى استعمالها مع المسلمين. وإثارة الكفّار للتمثيل بالمسلمين أمر غير جائز.

وصرّح الجواهري: بأنّ مقتضى النصوص وأكثر الفتاوى عدم الفرق في ذلك بين حال الحرب وغيره، وبين ما بعد الموت وقبله.

بل لا فرق أيضاً بين ما لو فعلوا ذلك بالمسلمين وعدمه.

آراء المذاهب الإسلامية الأُخرى

إنّ المتحصل من كلمات فقهاء المذاهب الأُخرى تبعاً لرواياتهم ثلاثة اتجاهات، وهي تدور بين القول بالحرمة، والقول بالكراهة، والقول بالجواز بشرط.

الاتجاه الأول: حرمة التمثيل بالكفّار

ذهب جمهور فقهاء[17] المذاهب ـ  إلّا الحنابلة ـ إلى حرمة التمثيل بالكفار بعد القدرة عليهم، ووقوعهم أسرى بأيدي المسلمين، والحرمة ثابتة سواء للحيّ منهم والميّت.

وقد صرّح جماعة بدعوى الإجماع على حرمة التمثيل بهم، منهم: الزمخشري، وابن عبد البر[18].

وقد تقدّم نقل كلماتهم في المسألة الأُولى.

واستُدل لهذا القول ـ بالإضافة إلى الإجماع المتقدم وجملة من الروايات السابقة ـ بما نُقِلَ: «عن سليمان بن بريدة عن أبيه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أمّر أميراً على جيش أو سرية، أوصاه في خاصّته بتقوى الله، وبمن معه من المسلمين خيراً. ثمّ قال: اغزوا باسم الله، في سبيل الله، قاتلوا مَن كفر بالله، اغزوا ولا تغدروا ولا تُمثّلوا، ولا تقتلوا وليداً»[19].

والنهي الوارد في الرواية (ولا تُمثِّلوا) ظاهر في التحريم كما أكّد عليه علماء الأُصول واللغة.

وبيّن المباركفوري المراد من الكراهة في قول الترمذي: «وكره أهل العلم المُثلة»[20]: «أي: حرّموها؛ فالمراد بالكراهة التحريم... إنّ السلف رحمهم الله يطلقون الكراهة ويريدون بها التحريم»[21].

وقال الشوكاني: «(ولا تُمثّلوا)، فيه دليل على تحريم المُثلة»[22].

الاتجاه الثاني: كراهة التمثيل بالكفار

وهذا الاتجاه تفرّد به الحنابلة[23]، ولا يختلف الدليل الذي اعتمدوه من الروايات عن الدليل المعتمد في الاتجاه الأول، إلّا أنّهم حملوا النهي الوارد فيها على الكراهة، وليس على التحريم.

قال ابن قدامة: «ويكره نقل رؤوس المشركين من بلد إلى بلد، والمُثلة بقتلاهم وتعذيبهم»[24].

وقال ابن مُفلح: «ويُكره نقل رؤوسهم ـ  أي: الكفّار ـ من بلد إلى آخر، والمُثلة بقتلاهم... قال الشيخ تقي الدين: المُثلة حق لهم؛ فلهم فعلها للاستيفاء وأخذ الثأر، ولهم تركها، والصبر أفضل»[25].

ويأتي في آخر البحث مناقشة هذا القول وبيان ضعفه.

الاتجاه الثالث: جواز المُثلة بشرط

وهذا القول ذهب إليه المالكية[26] وبعض فقهاء المذاهب؛ إذ نصّوا على جواز المُثلة بالكفار إذا مثّلوا بالمسلم معاملة لهم بالمثل.

واستدلوا بقوله تعالى: (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرِينَ) [27]؛ إذ جوّزت الآية المباركة المعاملة بالمثل بدون قيد، فيشمل ما نحن فيه، وهو جواز التمثيل بالكفّار معاملة لهم بالمثل.

وقال محمد السيف: «وقد وصلنا عندما كنّا في أفغانستان فتوى لفضيلة الشيخ محمد ابن صالح بن عثيمين مفادها عندما سُئل عن التمثيل بجثث العدو: إذا كانوا يمثّلون بقتلاكم فمثّلوا بقتلاهم، لا سيّما إذا كان ذلك يوقع الرعب في قلوبهم ويردعهم، والله تعالى يقول: (فَمَنِ اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ)»[28].

وقد جاء في سبب نزول الآية المباركة، عن أُبيّ بن كعب أنّه قال: «لمّا كان يوم أُحد أُصيب من الأنصار أربعة وستون رجلاً، ومن المهاجرين ستة فيهم: حمزة؛ فمثّلوا بهم، فقالت الأنصار: لئن أصبنا منهم يوماً مثل هذا لنُرْبيَنَّ عليهم. قال: فلما كان يوم فتح مكّة فأنزل الله تعالى: (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرِينَ). فقال رجل: لا قريش بعد اليوم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كفّوا عن القوم إلّا أربعة»[29]. رواه الترمذي قائلاً: «حديث حسن غريب من حديث أُبيّ بن كعب»[30].

وأورده الشيخ مقبل الوادعي في (الصحيح المسند من أسباب النزول)[31]، وهناك روايات أُخرى نسبت القول بالتمثيل إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم  وأنّه عَزَم على التمثيل بسبعين رجلاً من الكفار؛ فأنزل الله عليه هذه الآية وخيّره فيها بين الصبر والردّ بالمثل، فاختار الصبر على التمثيل بالكفار[32].

ملاحظات حول الاتجاهين الأخيرين

يلاحظ على الاتجاه الثاني والثالث عدّة ملاحظات:

الأُولى: إنّ الاتجاه الثالث لا يُعدّ قولاً في قبال الأوّل والثاني، بل إنّ أصحاب هذا الاتجاه يصرّحون بالحرمة، نعم الجواز المختار لهم ليس على إطلاقه، وإنما هو مشروط بما إذا مثّل الكافر بالمسلم.

ويرجع في الحقيقة إن قيل بجوازه إلى القصاص بالمثل.

الثانية: إنَّ الاستشهاد بالآية للاستدلال على القول بجواز التمثيل يبتني على أنّ الآية المباركة تجوّز التمثيل مطلقاً، مع أنّ الآية في صدد علاج مسألة أُخرى على
القول بها وهي جواز القصاص بمثل ما قام به الجاني على المجني به، خصوصاً إذا لاحظنا أنّه ليس بالضرورة أنَّ الأسير الذي في أيدي المسلمين من الكفار قد قام بالتمثيل.

الثالثة: إنّ القسم الثاني من الأحاديث الذي نسب الوعيد إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم  بالتمثيل بالكفّار هي بالإضافة إلى عدم نقلها في الكتب المعتمدة، وضعف سندها كما صرّح ابن حجر تنافي ما ورد عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم  من النهي عن المثلة، ويؤكد ذلك فعله الخارجي؛ إذ لم يُعهد منه التمثيل بأحد مطلقاً، وما نُسب إليه من أمره بالتمثيل بأشخاص معينين فهو إمّا حادثة في واقعة معينة، وإمّا جرى ذلك بنحو القصاص منهم، وإمّا لكون رواياتها من الضعاف.

فما روي من وعيد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم  للمشركين قول مرفوض، والصحيح هو ما روي من أنّ أبا قتادة أراد التمثيل بقريش عندما رأى قتلى المسلمين، فمنعه النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم  عن ذلك.

وهذا هو المناسب لأخلاقه وسجاياه صلى الله عليه وآله وسلم ، والذي يشير إليه أيضاً ما ورد في حديث أُبيّ بن كعب المتقدم من قول النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم  بعد نزول الآية المباركة: «نصبر ولا نُعاقب، كفّوا عن القوم إلّا أربعة»[33].

الرابعة: إنّ القول الثاني الذي انفرد به الحنابلة لا يرجع إلى دليل؛ وذلك:

أ ـ إنّ الحنابلة خالفوا جمهور فقهاء المسلمين؛ إذ ذهب كلٌّ من الإمامية والشافعية والمالكية والحنفية إلى حرمة التمثيل بالكافر.

بل هو مخالف لدعاوى الإجماع وحكم السلف بالحرمة، وقد تقدّم نقل النصوص الدالّة على الإجماع.

ب ـ إنّ أهم دليل لدى الحنابلة هو حمل النهي الوارد في الروايات على الكراهة، إلّا أنّ هذا مخالف لما ذهب إليه علماء الأُصول واللغة: من أنّ النهي ظاهر في الحرمة، خصوصاً إذا لاحظنا عدد الروايات الناهية عن التمثيل التي تصل إلى حدّ الاستفاضة أو التواتر.

جـ ـ إنّ مختارهم مخالف لسيرة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم  العملية؛ إذ لم يُلاحظ أنّه صلى الله عليه وآله وسلم  مثّل بأحدٍ أو أمر بالتمثيل بأحد، مع تأكيده على النهي عن ذلك في عدّة مواطن، ولعدّة موضوعات، فتارةً ينهى عن مطلق المُثلة بنحو مطلق، وأُخرى ينهى عن المُثلة بالحيوان، وتارةً أُخرى ينهى عن المُثلة بالطير، وتارةً ينهى عن المُثلة ولو بالكلب العقور، وتارةً ينهى عن المُثلة بالكفّار، فيوصي المحاربين بذلك وينهاهم عنه.

د ـ إنّ تفرّد الحنابلة بذلك وقولهم بكراهة التمثيل كراهةً تنزيهيةً فتح الباب واسعة أمام الفرق المدّعية للجهاد حديثاً ـ مثل: الدواعش، وقبلهم القاعدة ـ لاتخاذ هذه الفتوى وأمثالها مستنداً لهم؛ لارتكاب أبشع أنواع التمثيل في معارضيهم، ولم يُستثنَ أحد من ذلك، فذبحوا الكبار وقطّعوا أوصالهم، وحرّقوا الأطفال والأُسارى، ودفنوا الأحياء، ونبشوا الموتى.

كل ذلك يُفعل بالمسلمين وأهل القبلة من كافة الطوائف والملل الآمنة في ظلّ الإسلام.

وليت ذلك كان مع أعداء الله تعالى، أعني بهم: اليهود ودولتهم اللّقيطة، بل هم آمنون بفضل دعمهم لهؤلاء القتلة المردة، أتباع بني أُمية ـ لعنهم الله ـ ومَن نظّر لهم وأفتى بجواز ذلك.

المبحث الثالث: المُثلة في القانون الوضعي(الإنساني)

 بعد الاطلاع على الحكم الشرعي للمثلة لا بدّ من تبيين أحكامها في القانون الوضعي فنقول:

إنّ التمثيل بالجثث محظور في القانون الدولي الإنساني، بل اعتُبر من جرائم الحرب المعاقب عليها.

ولمعرفة أوسع حول الموضوع لا بدّ من إلقاء نظرةٍ حول نظرية العقاب في القوانين الوضعية، فقد كانت القوانين الوضعية حتى أواخر القرن الثامن عشر تنظر إلى المجرم نظرة تفيض عنفاً وقسوة، وكان من العقوبات المقررة المعترف بها قانوناً الحرق والصلب، وتقطيع الأوصال، وصلم الآذان، وقطع الشفاه واللسان، والوشم بأداةٍ محماة في النار، ووضع أطواقٍ من الحديد، والنفي، والجلد، والحبس.

ولم تكن العقوبات في الغالب تتناسب مع أهمية الجرائم التي قررت لها، فمثلاً كان القانون الإنجليزي حتى آخر القرن الثامن عشر يعاقب على مائتي جريمة بعقوبة الإعدام، ومن هذه الجرائم سرقة أكثر من (شلن) من شخص ما، أي: ما يقابل خمسة قروش تقريباً في العملة المصرية، وكان القانون الفرنسي يعاقب بالإعدام على مائتين وخمس عشرة جريمة معظمها جرائم بسيطة.

وكما كان الإنسان الحي أهلاً للمسؤولية والعقاب فكذلك كان الأموات، بل كذلك كان الحيوان والجماد، فكان القانون يُجيز محاكمة الإنسان حياً، ويُجيز محاكمته ميتاً، ويُجيز محاكمة الحيوان والجماد، وكان الأساس الذي تقوم عليه العقوبة هو الانتقام من المجرم وإرهاب غيره.

أساس العقوبة في القرن الثامن عشر وما بعده

وفي القرن الثامن عشر بدأ الفلاسفة وعلماء الاجتماع يعملون على هدم الأساس الذي تقوم عليه العقوبة، ويحاولون إقامتها على أساس آخر، فمثلاً:

أ ـ يرى (روسو) أنّ الغرض من العقوبة هو حماية الجماعة من المجرم ومنعه من إيذاء غيره.

ب ـ برّر (بكاريا) العقوبة بأنّها حقّ الدفاع يتنازل عنه الأفراد للجماعة، وأنّ الغرض منها تأديب المجرم وزجر غيره.

جـ ـ وبرّر (كانت) العقوبة بالعدالة.

د  ـ ويرى البعض التوفيق بين مذهب المنفعة ومذهب العدالة، فرأى أن لا تكون العقوبة أكثر ممّا تستدعيه الضرورة، ولا أكثر مما تسمح به العدالة.

وتمتاز النظريات السابقة بأنّها تُهمل شخصية المجرم وتنظر إلى الجريمة؛ ولذلك لم تؤدِّ إلى حل مشكلة العقاب حلاً يحسن السكوت عليه.

هـ  ـ ظهرت بعد ذلك النظرية العلمية أو النظرية الإيطالية، وهي تقوم على إهمال الجريمة إهمالاً تامّاً، والنظر إلى شخصية المجرم؛ فيرى أصحاب النظرية أن تكون العقوبة متناسبة مع عقلية المجرم وتكوينه وتاريخه ودرجة خطورته، فالمجرم المطبوع على الإجرام يُبعَد إبعاداً مؤبداً عن المجتمع أو يُحكَم عليه بالإعدام، ولو كانت جريمته بسيطة، أمّا المجرم الذي تجعل منه المصادفات والظروف مجرماً فيعاقب عقاباً هيّناً ليّناً، ولو كانت جريمته خطيرة، أمّا المجرم الذي يرتكب الجريمة تحت تأثير العاطفة فلا ضرورة لعقابه.

ولم تُفلح هذه النظرية العلمية في حل مشكلة العقوبة أيضاً؛ لأنّها تنظر إلى المجرم وتُهمل الجريمة، ولأنّها تفرّق بين المجرمين دون فارق ملحوظ أو محدود.

و ـ إنّ بعض علماء القانون وجدوا أنّ النظريات القديمة قد أخفقت؛ لأنّها تحتفي بالجريمة وتُهمل شأن المجرم، وإنّ النظرية العلمية أخفقت؛ لأنّها تحتفي بالمجرم وتُهمل الجريمة؛ فرأوا أن يدمجوا الفكرتين اللتين تقوم عليهما هذه النظريات ويُقيموا عليهما نظرية جديدة بحيث يتمثل في العقوبة على كل جريمة فكرتان: فكرة التأديب والزجر، وفكرة شخصية المجرم.

ولكنّ هذه النظرية المركّبة فشلت أكثر ممّا فشلت النظريات السابقة؛ لأنّها تقوم على فكرتين تناقض إحداهما الأُخرى في أكثر الأحوال، فالنظر في كل عقوبة إلى شخصية المجرم لا يحقق دائماً فكرة التأديب والزجر؛ أي: حماية المجتمع وعلى الأخص في الجرائم الخطيرة التي تمسّ الأمن والنظام والأخلاق، والأخذ بفكرة حماية المجتمع في كل عقوبة يمنع من الالتفات لشخصية المجرم في الجرائم الخطيرة والبسيطة على السواء.

الشريعة والقانون

يمكن القول: بأنّ نظرية الشريعة تجمع بين كل النظريات الوضعية التي ظهرت ابتداءً من القرن الثامن عشر، فالعقوبات في الشريعة إنّما شُرّعت لمنفعة الجماعة، ولإصلاح الأفراد، ولحماية الجماعة من الجريمة، وتمكينها من الدفاع عن نفسها ضد الإجرام. والعقوبات في الشريعة لا يصح أن تزيد عن حاجة الجماعة، كما لا يصح أن تقلّ عن هذه الحاجة، فهي من هذه الوجهة إجراء تقتضيه العدالة والمصلحة معاً، وهذا ما ادّعاه (روسو) و(بكاريا) و(كانت).

ويمكن القول: بأنّه لا خلاف بين الشريعة والقوانين على المبادئ والأُصول التي تقوم عليها العقوبة، وإنّما الخلاف في الكيفية التي تُطبّق بها هذه المبادئ، والحدود التي تُطبّق فيها، فقد طبّقت الشريعة كل المبادئ التي تعترف بها القوانين الوضعية، ولكنّها لم تجمع بينها في كل العقوبات، ولم تُسوِّ بينها في كل الجرائم، بل جعلت لكل مبدأ منطقة يعمل فيها وحده أو مع غيره.

وهذا بخلافه في القوانين الوضعية، التي حاولت الجمع بين كل هذه المبادئ والتسوية بينها في كل الجرائم والعقوبات؛ مما أدّى بهم إلى الإخفاق في نظرياتهم.

وأخيراً نقول: بأنّنا أشرنا في بداية هذه النقطة إلى ما كان يسير عليه القانون الوضعي قبل القرن الثامن عشر من وحشية وتمثيل وقسوة وعنف، وبعد القرن الثامن عشر أخذ القانون الوضعي بأوّل مبدأ من مبادئ الشريعة الإسلامية؛ إذ أصبحت العقوبة فيه قائمة على أساس التأديب والزجر بقصد حماية المجتمع، ولم تعُد هناك حاجة للتمثيل والتشهير، ولم يعُد منطق القانون يقبل محاكمة الأموات والحيوانات والجمادات؛ وهذا المبدأ الأوّل الذي لم يعرفه القانون إلّا في القرن الثامن عشر قد عرفته الشريعة مع غيره من المبادئ من القرن السابع الميلادي؛ ولذلك تركّزت المسؤولية الجنائية على يوم نزول الشريعة في الإنسان الحي، ولم يجعل غيره أهلاً لها، ولم يُعرف عن الشريعة ما عُرف عن القانون من محاكمة الأموات، بل عُرف عنها أنّها تأباه أشدّ الإباء، فقد نهى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم  عن المُثلة ولو بالكلب العقور، ومَن لا يرضى المُثلة للحيوان فهو دون شك لا يرضاها للإنسان.

ويكفي الشريعة الإسلامية فخراً بعد هذا أنّها سبقت تفكير الإنسان بأحد عشر قرناً، وأنّ العالم يسير على آثارها من قرنين ولا تزال تسبق تفكيره بمراحل[34].

المبحث الرابع: البيت الأُموي والمُثلة

إنّ ما فعله يزيد (لعنه الله) من أفاعيل بأجساد الشهداء في واقعة عاشوراء ـ وهو ما سنتعرّض له لاحقاً عند المبحث الخامس إن شاء الله ـ وما أمر به أن يُنْفَّذ بحقهم على أيدي جلاوزته يُعدّ من أفظع المواقف والأفعال التي تكشف عن عمق ورسوخ هذه النزعة الإلحادية الخبيثة في نفسه، أعني: نزعة التمثيل بأجساد القتلى بعد قتلهم، وهذه النزعة لم تكن ارتجالية طارئة على يزيد، بل هي نزعة ورثها من آبائه وأُمهاته وتجذّرت في نفسه الميّالة إلى الشر.

ومما يزيد هذا التجذّر تربيته التي تلقّاها في البيت الأُموي، وسنقتصر على ما ورثه يزيد من القسوة والعنف المتمثلة بانتهاك الأجساد والتمثيل بها، فله أُسوة بجدّته هند وأبيه معاوية[35].

وإليك بعض ما أورده التاريخ حول ذلك:

هند آكلة الأكباد

الحقد الأُموي أعمى لم يرعَ أيّ حدّ من حدود الإنسانية ولو أدناها، فمَن يصدّق بأنّ امرأة تمثّل بجثث الشهداء، وتحثّ غيرها على التمثيل ببقية الجثث لشهداء معركة أُحد، ولم تكتفِ بذلك، بل عمدت إلى كبد حمزة عليه السلام  عم النبيّ ولاكته، فأصبح في فمها كالصخر.

وهذه الحادثة قد تواتر نقلها، قال المفيد&: «كانت هند بنت عتبة جعلت لوحشيّ جعلاً على أن يقتل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم  أو أمير المؤمنين أو حمزة بن عبد المطلب سلام الله عليهم. فقال: أمّا محمد، فلا حيلة لي فيه؛ لأنّ أصحابه يطيفون به، وأمّا عليّ؛ فإنّه إذا قاتل كان أحذر من الذئب، وأمّا حمزة، فإنّي أطمع فيه؛ لأنّه إذا غضب لم يُبصر بين يديه... وجاءت هند فأمرت بشقّ بطن حمزة وقطع كبده والتمثيل به، فجدعوا أنفه وأُذنيه ومثّلوا به، ورسول الله مشغول عنه لا يعلم بما انتهى إليه أمره»[36].

وفصّل ابن إسحاق في تمثيل هند ومَن معها بشهداء أُحد بقوله: «حدّثني صالح ابن كيسان، قال: وقفت هند والنّسوة اللّاتي معها يُمثّلن بالقتلى من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: يجدّعن الآذان والأنف، حتّى اتّخذت هند من آذان الرجال وأُنُفهِم خِدماً وقلائد، وأعطت خِدمها وقلائدها وقرطها وحشيّاً غلام جبير بن مطعم، وبقرت عن كبد حمزة فلاكتها، فلم تستطع أن تُسيغها فلفظتها، ثمّ علت على صخرة مشرفة، فصرخت بأعلى صوتها، فقالت:

 

نـحن جـزينـاكـم بيـوم بـدر

 

والحرب بعد الحرب ذات سُعْر

ما كان عـن عتبة لي من صَبْرِ

 

ولا أخـي وعـمِّــه وبِـكري

شَفَيتُ نفسي وقَضَيتُ نذري

 

شفيتَ وحشيُّ غليل صدري

فشـُكرُ وحـشيٍّ عـليّ عمـري

 

حـتى تـرمّ أعـظمي في قـبري

 

 

 

ومرّ الحُليس بن زبّان بأبي سفيان وهو يضرب بزجّ الرمح في شدق حمزة بن عبد المطلب ويقول: ذق يا عُقَقُ (يا عاق). فقال الحُليس: يا بني كنانة، هذا سيّد قريش يصنع بابن عمّه ما ترَون! فقال أبو سفيان: اكتمها عنّي فإنّها كانت زلّة!

وقالت هند أيضاً:[37]

 

شفيـت من حمزة نفـسي بأُحُدْ

 

حـتى بقـرتُ بطـنهَ عـن الكبد

أذهبَ عنّي ذاك ما كنتُ أجد

 

من لَذْعة الحزنِ الشديد المعتمد»(1).

 

معاوية قاطع الرؤوس

قساوة أبي یزيد لم تكن أقل من قساوة أُمّه هند، خصوصاً إذا جمعنا الأحداث القاسية التي جرت أيّام حكم معاوية وما فعله من التنكيل والتمثيل بأصحاب الإمام عليّ عليه السلام  وشيعته، وأوضح نصّ على ذلك ما في (تهذيب التهذيب) إذ قال: «كان بنو أُميّة إذا سمعوا بمولود اسمه عليّ قتلوه»[38].

وهذه بعض النماذج التي قام بتطبيقها أزلام معاوية بأمرٍ منه، وتحت إشرافه، وهي كثيرة:

1ـ ما قاله أبو جعفر البغدادي: «وصلب زياد بن أبيه مسلم بن زيمر، وعبد الله ابن نجي الحضرميين على أبوابهما أياماً بالكوفة، وكانا شيعيين؛ وذلك بأمرِ معاوية، وقد عدّهما الحسين بن علي (رضي الله عنهما) على معاوية في كتابه إليه: ألستَ صاحب حجر والحضرميين اللذين كتب إليك ابن سميّة أنّهما على دين عليٍّ ورأيه. فكتبت إليه: مَن كان على دين عليٍّ ورأيه فاقتله وأمثِل به. فقتلهما ومثّل بأمرك بهما، ودينُ عليٍّ وابنُ عمِّ عليٍّ الذي كان يضرب عليه أباك يضربه عليه أبوك[39] أجلسك مجلسك الذي أنت فيه، ولولا ذلك كان أفضل شرفك وشرف أبيك تجشّم الرحلتين اللتين بنا منّ الله عليك بوضعها عنكم؟!»[40].

وعلّق الأميني على ذلك: «هلمّوا معي يا أهل دين الله! هل اعتناق دين عليّ عليه السلام  مما يُستباح به دم مسلم، وتُستحل المُثلة والتنكيل المحظورة في الشريعة المطهّرة، الممنوع عنها ولو بالكلب العقور؟! أليس دين عليّ هو دين محمّد صلى الله عليه وآله وسلم  الذي صدع به عن الله تعالى؟! نعم، هو كذلك. لكن معاوية حايد عن الدين القويم ولا يقيم له وزناً ما، ولا يكترث لمغبّة هتكه، ولا يتريّث عن الوقيعة فيه»[41].

2ـ ما فعله بعمرو بن الحمق بعدما تمكّن هو وجلاوزته منه ومن رفاعة بن شداد في الموصل، وبعد أن نجح رفاعة من الإفلات منهم، فأُخِذ عمرو بن الحمق «فسألوه: مَن أنت؟ فقال: مَن إن تركتموه كان أسلم لكم، وإن قتلتموه كان أضرّ عليكم. فسألوه فأبى أن يُخبرهم، فبُعث به ابن أبي بلتعة عامل الموصل وهو عبد الرحمن بن عبد الله بن عثمان الثقفي، فلمّا رأى عمرو بن الحمق عرفه، وكتب إلى معاوية بخبره، فكتب إليه معاوية: إنّه زُعِمَ أنّه طعن عثمان تسع طعنات بمشاقص كانت معه، وإنّا لا نريد أن نعتدي عليه فاطعنه تسع طعنات كما طعن عثمان. فأُخرج فطُعِنَ تسع طعنات فمات في الأُولى منهنَّ أو في الثانية»[42]. «وبُعث برأسه إلى معاوية، فكان رأسه أوّل رأس حُمل في الإسلام»[43].

ونتساءل مع الشيخ الأميني: «إنّه أيّ مبرِّر لابن هند في أمره بإتمام الطعنات التسع بعد الطعنة المودية به؟! وهل في الشريعة تعبّداً بأن يُفعل بالمقتصّ منه مثل ما فعله بمن يقتصُّ له؟! أو يكتفى بما هو المقصود من القصاص من إعدام القاتل؟ ولعلَّ عند فقيه بني أُمية مسوّغاً لا نعرفه. أضف إلى ذلك حمل رأسه من بلد إلى بلد، وهو أوّل رأس مطاف به في الإسلام»[44].

قال النسّابة أبو جعفر محمد بن حبيب في كتاب (المحبّر): «ونصب معاوية رأس عمرو بن الحمق الخزاعي وكان شيعيّاً، ودير به في السوق، وكان عبد الرحمن بن أُمّ الحكم أخذه بالجزيرة»[45]. وقال ابن كثير: «فطيف به في الشام وغيرها، فكان أوّل رأس طيف به، ثمّ بعث معاوية برأسه إلى زوجته آمنة بنت الشريد وكانت في سجنه فأُلقي في حِجرها. فوضعت كفّها على جبينه ولثمت فمه وقالت: غيّبتموه عنّي طويلاً ثم أهديتموه إليّ قتيلاً، فأهلاً بها من هديّة غير قالية ولا مقيلة»[46].

ولو أردنا تتبع ما فعله معاوية من مجازر وقطع للرؤوس والتمثيل بمعارضيه لبلغ ذلك المئات من الصفحات، فنكتفي بهذه النماذج التي فيها عبرة لمن اعتبر.

المبحث الخامس: مصاديق المُثلة التي جرت على معسكر الحسين عليه السلام

إنَّ «التمثيل بالقتيل بعد الموت يدل على خسة نفس الفاعل وخبثها، فالرجل الشريف النبيل يكتفي عند الظفر بخصمه بقتله إن لم يكن للعفو موضع، وتأنف نفسه ويأبى له كرم طباعه التمثيل بخصمه ولو كان من أعدى أعدائه، بل لا يسلبه ثيابه ولا درعه، كما فعل أمير المؤمنين عليه السلام  حين قتل عمرو بن عبد ودّ، واستدلت أُخته بذلك على أنّ قاتل أخيها رجل كريم، وقال له بعض الأصحاب: هلّا سلبته درعه؛ فإنّها داودية. فقال عليه السلام : كلّا، إنّ عَمْراً رجل جليل وافتخر بذلك فقال:[47]

 

وعففت عن أثوابه ولو أنني

 

 كنت المــقطّر بـزّني أثـوابي»(1).

 

ومن هنا؛ لا بدّ أن نرى ما فعله المعسكر المعادي للحسين عليه السلام  وأصحابه، فهل ترفّع بعد القتل عن سلب الحسين عليه السلام  والتمثيل به، أم كانت خسّة نفوسهم وخبثها داعية لهم للتمثيل بالحسين عليه السلام  وأصحابه؟!

والجواب في ما يلي من مصاديق المُثلة القبيحة عقلاً وشرعاً:

أوّلاً: وطء جسد الحسين عليه السلام

حادثة وطء الجسد الشريف من الأُمور الثابتة في واقعة الطف، وقد تطابقت كلمات العامّة والخاصّة على نقلها، سواء في ذلك كتب السيرة والمقاتل والحديث والرجال، ويُعدُّ ذلك من مصاديق المُثلة المحرّمة، بل أشنعها بعد قطع الرؤوس.

وأقدم مصدر أرّخ لهذه الحادثة هو ما رواه أبو مخنف (لوط بن يحيى بن سعيد)[48]، وهو أخباري موثوق؛ إذ عبّر عنه النجاشي في ترجمته: «وكان يُسكن إلى ما يرويه»[49]؛ مما يعني أنّه يُعتمد عليه فيما دوّنه من أخبار التاريخ، وتحرّيه ضبط الوقائع التي ينقلها، واعتماده على الأُمور الثابتة والمشهورة بالتناقل[50].

وإليك بعض تلك النقول المهمّة:

 1ـ عن المفيد: «نادى عمر بن سعد في أصحابه: مَن ينتدب للحسين فيوطئه فرسه؟ فانتدب عشرة، منهم: إسحاق بن حياة، وأخنس بن مرثد، فداسوا الحسين عليه السلام  بخيولهم، حتى رضوا ظهره»[51].

2 ـ عن الخوارزمي: «ثمّ إنّ عمر بن سعد نادى: مَن ينتدب للحسين عليه السلام  فيوطئه فرسه؟ فانتدب له عشرة نفر، منهم: إسحاق الحضرمي، ومنهم: الأخنس بن مرثد الحضرمي، القائل في ذلك:

 

نحن رضضنا الظهر بعد الصدر

 

بكلّ يعبوبٍ شديد الأسرِ

حتّى عصينـا الله ربَّ الأمـر

 

بصنعنا مع الحسين الطهر

 

 

فداسوا حسيناً عليه السلام  بخيولهم حتى رضّوا صدره وظهره، فسُئلَ عن ذلك فقال: هذا أمر الأمير عبيد الله»[52].

3 ـ عن ابن طاووس : «قال الراوي: ثمّ نادى عمر بن سعدٍ في أصحابه: مَن ينتدب للحسين عليه السلام  فَيُوطِئ الخيل ظهرَه وصدره؟ فانتدب منهم عشرة، وهم: إسحاق بن حوبة الذي سلب الحسين عليه السلام  قميصه، وأخنس بن مرثدٍ، وحكيم بن طفيل السنبسي، وعمر بن صبيح الصيداوي، ورجاء بن منقذ العبدي، وسالم بن خثيمة الجعفي، وواحظ بن ناعم، وصالح بن وهب الجعفي، وهاني بن ثبيت الحضرمي، وأُسيد بن مالك لعنهم الله، فداسوا الحسين عليه السلام  بحوافر خيلهم، حتى رضّوا ظهره وصدره.

قال الراوي: وجاء هؤلاء العشرة حتى وقفوا على ابن زياد لعنه الله، فقال أُسيد بن مالك أحدُ العشرة:   

 

نحن رضضنا الظهر بعد الصدر

 

بكلِّ يعبوبٍ شديد الأسرِ

 

 

فقال ابن زياد لعنه الله: مَن أنتم؟ قالوا: نحن الذين وطأنا بخيولنا ظهر الحسين حتى طحَنّا حناجر صدره.قال: فأمر لهم بجائزةٍ يسيرة.

قال أبو عمر الزاهد: فنظرنا إلى هؤلاء العشرة، فوجدناهم جميعاً أولاد زنا.وهؤلاء أخذهم المختار، فشدّ أيديهم وأرجلهم بسكك الحديد، وأوطأ الخيل ظهورهم حتى هلكوا»[53].

4 ـ وعن سبط ابن الجوزي: «قال عمر بن سعدٍ: مَن يوطئُ الخيل صدره؟ فأوطأوا الخيل ظهره وصدره، ووجدوا في ظهره آثاراً سوداً، فسألوا عنها، فقيل: كان ينقل الطعام على ظهره في الليل إلى مساكن أهل المدينة»[54].

5 ـ عن أبي الفرج: «أمر ابن زيادٍ لعنه الله وغضب عليه أن يُوطأ صدر الحسين عليه السلام  وظهره وجنبه ووجهه، فأُجريت الخيل عليه»[55].

ما يُستفاد من نصوص وطء جسد الحسين عليه السلام

أ ـ إنّ الذي أَمر الجند بوطء جسد الحسين عليه السلام  هو عمر بن سعد، وتبيّن أنّه مأمور من قِبَلِ مَن هو أعلى منه سلطة.

ب  ـ التأكيد على أنّ هؤلاء قاموا برضِّ ظهر وصدر الحسين، وتقديم الظهر فيه إشارة إلى أنّ الحسين عليه السلام  كان مكبوباً على وجهه، وهو ما أشارت إليه بعض المقاتل. أمّا الصدر، فالظاهر أنَّ شدّة الوطء من قِبَل هؤلاء العشرة، جعلت الجسد الطاهر يتقلّب بحيث تمكّنوا من رضّ جهة الصدر بعد جهة الظهر. والقيام بفعل كهذا ينمُّ عن مقدار البغض الدفين لأهل البيت عليهم السلام .

جـ ـ  إنّ ذكر تفاصيل الحادثة، ومَن أمر بها، ومَن قام بها، ووصف حال الوطء لجسد المولى يؤكّد وقوعها.

د ـ تأكيد بعض الروايات على أنّهم كانوا عشرة، كما ذكرت بعض المصادر أسماءهم، وأنّهم بعد الاطلاع على أحوالهم الشخصية كانوا كلّهم أولاد زنا.

هـ  ـ سوء عاقبة أُولئك الأشقياء بإفلاسهم من الحصول على الجائزة التي كانوا يتوخونها من ابن زياد؛ إذ أمر لهم بجائزة يسيرة بالإضافة إلى نيلهم الجزاء الدنيوي على يد المختار.

و ـ دلّت بعض الروايات ـ أي: النصّ الأخير ـ على أنّ وطء الجسد الشريف كان قبل قطع رأسه الشريف.

ز ـ يظهر من هذه الحادثة البشعة أنّ جيش يزيد ـ الذي هو امتداد للجيش الذي كان يرعاه أبوه معاوية ـ كان فيه أُناس على درجة عالية من الإجرام والخبث، إلى درجة أنّهم أقدموا على مثل تلك الأفعال التي تُمثل أعلى درجات الإرهاب على مدى الزمان.

ح ـ  اتفاق نقل الحادثة من العامّة والخاصّة.

ثانياً: التمثيل بقطع الرؤوس والطواف بها في الطرقات وصلبها وإرسالها إلى الشام

وفي ذلك طوائف من الروايات هي:

 الطائفة الأُولى: الروايات الدالة على التصريح بقطع الرؤوس وإرسالها إلى ابن زياد

وهي كثيرة، منها:

أ ـ عن قرّة بن قيس التميمي: «وقطف رؤوس الباقين، فسرّح باثنين وسبعين رأساً مع شمر بن ذي الجوشن، و... حتّى قدِموا بها على عبيد الله بن زياد»[56].

 

ب  ـ عن البلاذري: «واحتُزَّت رؤوس القتلى، فحُمل إلى ابن زياد اثنان وسبعون رأساً مع شمر بن ذي الجوشن، و...»[57].

جـ ـ  عن ابن سعد: «ونزل معه ـ أي: مع سنان بن أنس ـ خوليّ بن يزيد الأصبحيُّ، فاحتزّ رأسه ـ أي: الحسين ـ ثمّ أُتي بهِ عبيد الله بن زيادٍ، فقال: أوقر ركابي فضة أو ذهباً...»[58].

د  ـ عن ابن كثير: «ما قُتل قتيل إلّا احتزوا رأسه وحملوه إلى ابن زياد، ثمّ بعث بها ابن زياد إلى يزيد بن معاوية إلى الشام»[59].

هـ ـ  ما دلّ على قطع رأس مسلم بن عقيل، وهو ما جاء في الإرشاد: «فقال ابن زياد: أين هذا الذي ضرب ابن عقيل رأسه بالسيف؟ فدُعي بكر بن حمران الأحمري، فقال له: اصعد فلتكن أنت الذي تضرب عنقه، فصعد به وهو يُكبّر ويستغفر الله، ويصلّي على رسوله، ويقول: اللّهمّ، احكم بيننا وبين قوم غرّونا وكذبونا وخذلونا. وأشرفوا به على موضع الحذّائين اليوم، فضُربت عنقه، واُتبِع جسده رأسه»[60].

ورواه أيضاً في (الأمالي) للشجري[61]، وفي (الحدائق الوردية)[62].

و ـ ما عن أبي مخنف: «وما هو إلّا أن قُتل الحسين فسُرّح برأسه من يومه ذلك مع خوليّ بن يزيد، وحميد بن مسلم الأزدي إلى عبيد الله بن زياد، فأقبل به خولّي، فأراد القصر، فوجد باب القصر مغلقاً، فأتى منزله، فوضعه تحت إجانة في منزله»[63].

ز  ـ عن المفيد: «سرّح عمر بن سعد من يومه ذلك وهو يوم عاشوراء برأس الحسين عليه السلام  مع خولي بن يزيد الأصبحي، وحميد بن مسلم الأزدي إلى عبيد الله بن زياد، وأمر برؤوس الباقين من أصحابه وأهل بيته فقُطِّعت، وكانت اثنين وسبعين رأساً، وسرّح بها مع شمر بن ذي الجوشن، وقيس بن الأشعث، وعمرو بن الحجاج، فأقبلوا حتّى قدِموا بها على ابن زياد»[64].

وهذه الطائفة ـ بالإضافة إلى دلالتها على قطع الرؤوس ـ تدلّ أيضاً على حمل تلك الرؤوس الزكية إلى الطاغية ابن زياد.

الطائفة الثانية: الروايات الدالة على صَلْبِ الرأس الشريف وجثتي مسلم وهاني

وقد ورد في ذلك الموارد التالية:

أ  ـ ما ذكره الذهبي، عن أبي حمزة الحضرمي: «وقد حدّثني بعض أهلنا أنّه رأى رأس الحسين مصلوباً بدمشق ثلاثة أيام»[65].

ب  ـ عن الخوارزمي قال: «إنّ يزيد أمر أن يُصلب الرأس الشريف على باب داره»[66].

جـ  ـ عن القلقشندي: «وعُلّقَ رأس الحسين عليه السلام  في دمشق عند قتله، في المكان الذي عُلّق عليه رأس يحيى بن زكريا»[67].

د  ـ عن سبط ابن الجوزي : «فآمنه ـ أي: مسلم بن عقيل ـ ابن الأشعث، وجاء به إلى ابن زياد، فأمر به، فأُصعد إلى أعلى القصر، فضُربت عنقه، وأُلقي رأسه إلى الناس، وصُلبت جثّته بالكناسة، ثمّ فُعل بهاني بن عروة كذلك»[68].

هـ ـ  عن ابن أعثم: «ثمَّ أمر عبيد الله بن زياد بمسلم بن عقيل، وهاني بن عروة رحمها الله، فصُلبا جميعاً منكّسَين، وعزم أن يوجِّه برأسيهما إلى يزيد بن معاوية»[69].

و ـ عن سبط ابن الجوزي: «إنّ ابن زياد نصب الرؤوس كلها بالكوفة على الخشب، وكانت زيادة على سبعين رأساً، وهي أوّل رؤوس نُصبت في الإسلام بعد رأس مسلم ابن عقيل بالكوفة»[70].

الطائفة الثالثة: الدوران بالرؤوس في الأسواق والبلدان لأجل زرع الرعب في نفوس الناس

 وقد دلّت عليها بعض الروايات، وهي:

أ ـ  عن أبي مخنف: «إنّ عبيد الله بن زياد نصب رأس الحسين بالكوفة، فجُعل يُدار به في الكوفة»[71].

ب ـ  عن المفيد: «لما أصبح عبيد الله بن زياد بعث برأس الحسين عليه السلام ، فدير به في سكك الكوفة كلها وقبائلها»[72].

جـ ـ  ما عن (الملهوف)، عن علي بن الحسين عليه السلام  أنّه قال: «إنّ الله تعالى وله الحمد ابتلانا بمصائب جليلة وثلمةٍ في الإسلام عظيمة، قُتل أبو عبد الله عليه السلام  وعترته، وسُبي نساؤه وصبيته، وداروا برأسه في البلدان من فوق عامل السنان، وهذه الرزية التي لا مثلها رزية»[73].

د ـ  ما عن (شرح الأخبار): «ثمّ أمر يزيد اللعين برأس الحسين عليه السلام ، فطيف به في مدائن الشام وغيرها»[74].

الطائفة الرابعة: الروايات الدالة على حمل الرؤوس إلى يزيد (الشام)

لم يكتفِ وَاَلْي الكوفة بالأمر ببعث الرؤوس إليه، بل أرسلها إلى طاغيته يزيد بن معاوية، وإليك بعض النصوص الموثقة لذلك:

أ  ـ عن أبي مخنف: «ثمّ دَعَا ابن زياد زحر بن قيس، فسرّح معه برأس الحسين ورؤوس أصحابه إلى يزيد بن معاوية، وكان مع زحر أبو بردة بن عوف الأزديّ، وطارق بن أبي ظبيان الأزديُّ، فخرجوا حتّى قدموا بها الشام على يزيد بن معاوية»[75].

ب  ـ عن سبط ابن الجوزي: «إنّ ابن زياد حطَّ الرّؤوس في يوم الثاني، وجهّزها والسبايا إلى الشام إلى يزيد بن معاوية»[76].

جـ ـ  عن ابن أعثم: «ثمّ دعا ابن زياد زجر بن قيس الجعفي، فسلّم إليه رأس الحسين ابن علي ورؤوس إخوته، ورأس علي بن الحسين، ورؤوس أهل بيته وشيعته رضي الله عـنهم أجمعين، ودعا علي بن الحسين أيضاً، فحمله وحمل أخواته وعماته وجميع نسائهم إلى يزيد بن معاوية»[77].

د  ـ عن المفيد: «لما فرغ القوم من التطواف به ـ أي: برأس الحسين عليه السلام  بالكوفة ـ ردّوه إلى باب القصر، فدفعه ابن زياد إلى زحر بن قيس، ودفع إليه رؤوس أصحابه، وسرّحه إلى يزيد بن معاوية ـ عليهم لعائن الله ولعنة اللاعنين في السماوات والأرضين ـ وأنفذ معه أبا بُردة بن عوف الأزدي، وطارق بن أبي ظبيان في جماعة من أهل الكوفة، حتى وردوا بها يزيد بدمشق»[78].

الطائفة الخامسة: الروايات الدالة على قرع رأس الحسين بالقضيب وشرب الخمر عليه

والروايات الدالة على هذا الفعل المشين والمنحط كثيرة جداً، ابتداءً من مجلس ابن زياد، وانتهاءً بمجلس يزيد بن معاوية، وهي:

أ  ـ عن أنس بن مالك: «لمّا جيء برأس الحسين إلى ابن زياد، وُضع بين يديه في طشتٍ، فجعل ينكت وجنته بقضيب، ويقول: ما رأيت مِثلَ حُسنِ هذا الوجه قطّ. فقلت: إنّه كان يُشبه النبي صلى الله عليه وسلم»[79].

ب  ـ ما رواه ابن سعد: «لمّا وُضعت الرؤوس بين يدي عبيد الله بن زياد، جعل يضرب بقضيب معه على فِيِّ الحسين وهو يقول:

 

يُفلِّقنَ هاماً من أُناس أعزةٍ

 

علينا وهم كانوا أعقّ وأظلَما

 

 

فقال له زيد بن أرقم: لو نحَّيت هذا القضيب؛ فإنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يضع فاه على موضع هذا القضيب»[80].

جـ ـ  عن حاجب عبيد الله بن زياد: «إنّه لما جيءَ برأس الحسين عليه السلام  أمر [أي: ابن زياد] فوُضع بين يديه في طست من ذهب، وجعل يضرب بقضيب في يده على ثناياه، ويقول: لقد أسرع الشيب إليك يا أبا عبد الله. فقال رجُلٌ من القوم: مَه! فإنّي رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم  يلثم حيث تضع قضيبك. فقال: يومٌ بيوم بدر»[81].

د  ـ ما ورد في (الملهوف)، عن زين العابدين عليه السلام  أنّه قال: «لمّا أتوا برأس الحسين عليه السلام  إلى يزيد ـ لعنه الله ـ كان يتخذُ مجالس الشرب، ويأتي برأس الحسين عليه السلام  ويضعه بين يديه ويشرب عليه»[82].

هـ ـ  عن ابن سعد: «لمّا أُتي يزيد بن معاوية برأس الحسين بن علي جعل ينكت بمخصرةٍ معه سِنَّهُ، ويقول: ما كنت أظنّ أبا عبد الله يبلغ هذا السن. قال: وإذا لحيته ورأسه قد نصل من الخضاب الأسود»[83].

و ـ ما جاء في (عيون أخبار الرضا عليه السلام )، عن عبد السلام بن صالح الهروي: «سمعت أبا الحسن علي بن موسى الرضا عليه السلام  يقول: أوّل مَن اتّخذ له الفقاع في الإسلام بالشام يزيد بن معاوية ـ لعنه الله ـ فأُحضر وهو على المائدة، وقد نصبها على رأس الحسين عليه السلام ، فجعل يشربه ويسقي أصحابه، ويقول  ـ لعنه الله ـ: اشربوا، فهذا شراب مبارك، ولو لم يكن من بركته، إلّا أنّا أوّل ما تناولناه ورأس عدونا بين أيدينا ومائدتنا منصوبة عليه، ونحن نأكله ونفوسنا ساكنة، وقلوبنا مطمئنة.

فمن كان من شيعتنا فليتورع عن شرب الفقاع؛ فإنّه من شراب أعدائنا، فإن لم يفعل فليس منّا، ولقد حدّثني أبي، عن أبيه، عن أبائه، عن علي بن أبي طالب عليه السلام ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : لا تلبسوا لباس أعدائي، ولا تسلكوا مسالك أعدائي، فتكونوا أعدائي، كما هم أعدائي»[84].

ز ـ عن ابن نما الحلي: «كان يزيد يتخذ مجالس الشراب واللهو والقيان والطرب، ويُحضر رأس الحسين عليه السلام  بين يديه»[85].

ثالثاً: سلب الأجساد الطاهرة وتركها عارية بدون دفن

إنّ الأخذ بالمعنى اللغوي والعرفي، بل والاصطلاحي، على بعض التفاسير في تعريف المُثلة يجعلنا نعدُّ سلب الإمام الحسين عليه السلام  وأصحابه ـ وكذلك تركهم عراة وبدون دفن ـ من المُثلة المحرمة.

أمّا ما يخص الدفن للجثث الطواهر، فإنّ المصادر القديمة ذكرت بأنّ دفن الشهداء كان بعد يوم من شهادتهم أو أكثر من ذلك.

فإن كان اليوم الحادي عشر كما ذكر المحدِّث القمّي، فمن المستبعد أن تكون هذه الرواية صحيحة؛ لأنّ عمر بن سعد بقي في كربلاء تمام اليوم الحادي عشر أو لا أقل إلى الظهر من ذلك اليوم؛ لأجل دفن القتلى من عسكره، بل بعض الروايات صرّحت بأنّه بقي يومين بعد مقتل الحسين عليه السلام .

كما أنّ أهل الغاضرية من بني أسد، القاطنين كما يُفترض على بُعدٍ من ساحة القتال، يبعد أيضاً أن يجرؤوا أو يتمكّنوا من المجيء خلال هذه الفترة القصيرة، إلّا إذا قلنا: إنّ المراد من اليوم التالي للشهادة هو اليوم الثاني عشر، بل بعض الروايات صرّحت بأنّ رحيله أعني: ابن سعد كان بعد يومين من شهادة الحسين وأصحابه، والمراد باليومين: الحادي عشر والثاني عشر؛ فيكون الدفن في اليوم الثالث عشر.

وإليك بعض تلك الروايات الدّالة على ذلك:

أ ـ عن المفيد: «أقام [أي: عمر بن سعد] بقية يومه واليوم الثاني إلى زوال الشمس، ثمّ نادى في النّاس بالرحيل، وتوجّه إلى الكوفة ومعه بنات الحسين عليه السلام  وأخواته...»[86].

ب ـ  عن الدينوري: «وأقام عمر بن سعد بكربلاء بعد مقتل الحسين يومين. ثمّ أذّن في الناس بالرحيل... وأمر عمر بن سعد بحمل نساء الحسين وأخواته وبناته وجواريه وحشمه في المحامل المستورة على الإبل»[87].

جـ ـ  ابن طاووس: «وأقام [ابن سعد] بقية يومه واليوم الثاني إلى زوال الشمس، ثمّ رحل بمن تخلّف من عيال الحسين عليه السلام  وحمل نساءه صلوات الله عليه على أحلاس أقتاب الجمال بغير وطاءٍ»[88].

وعلى كل حال، سواء تُركت الأجساد يوماً أو يومين أو ثلاثة فهذا كله يُعدّ إهانة لها ونوع مُثلة.

 وأمّا السلب، فأكثر الروايات تؤكّد على سلب جسد الحسين عليه السلام ، وهذا لا يعني أنّ غيره لم يُسلب، كما أنّها تبيّن أسماء مَن سَلَب الجسد الطاهر، وتذكر نوع الشيء المسلوب منه، بل تذكر عاقبة كل مَن انتهب شيئاً من الجسد الطاهر ومن غيره. وهذه بعضها:

أ ـ عن ابن سعد: «لما قُتل الحسين انتُهب ثقله، فأخذ سيفه الفلافس النهشلي، وأخذ سيفاً آخر جميع بن الخلق الأوديُّ، وأخذ سراويله بحر الملعون بن كعب التميمي، فتركه مجرداً، وأخذ قطيفته قيس بن الأشعث بن قيس الكنديّ، فكان يُقال له: قيس قطيفة. وأخذ نعليه الأسود بن خالد الأودي، وأخذ عمامته جابر بن يزيد، وأخذ برنسه وكان من خَزّ مالك بنُ بشير الكندي»[89].

ب ـ  عن المفيد: «ثمّ أقبلوا على سلب الحسين عليه السلام  فأخذ قميصه إسحاق بن حياة الحضرميّ، وأخذ سراويله أبجر بن كعب، وأخذ عمامته أخنس بن مرثد، وأخذ سيفه رجل من بني دارم، وانتهبوا رحله وإبله وأثقاله، وسلبوا نساءه»[90].

جـ ـ عن الخوارزمي: «وقال عبيد الله بن عمّار: رأيت على الحسين سراويل تلمع ساعة قُتل، فجاء أبجر بن كعب، فسلبه وتركه مجرداً...»[91].

والنصوص في ذلك كثيرة جداً اكتفينا باليسير منها.

رابعاً: جرّ الأجساد المطهَّرة في الشوارع والأسواق

إنّ جرّ أجساد الشهداء في الطرقات جريمة أُخرى من جرائم الأُمويين، فبعد قتل مسلم بن عقيل وهاني بن عروة جُرّت تلك الأجساد في السوق، وإليك نصّين في ذلك:

أ ـ  الطبري عن أبي مخنف: «إنّه لما نزل الحسين في الطريق عند منزل يقال له: الثعلبية. قال الأسديّان اللّذان كانا يسايرانه في الطريق: أخبرنا الراكب الذي استقبلك أمس أنّه لم يخرج من الكوفة حتى قُتل مسلم وهاني، وحتى رآهما يُجرّان في السوق بأرجلهما. فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون! رحمة الله عليهما. يردّد ذلك مراراً»[92].

ب ـ عن المفيد في (الإرشاد)[93] وبألفاظ قريبة مما تقدم مع تفصيل كامل عن خبر الأسديين.

خامساً: قطع إصبع الحسين عليه السلام

لقد وصلت الخسة بالبعض من جيش بني أُمية إلى قطع إصبع الحسين عليه السلام  لأخذ الخاتم الذي فيه، وقد نقل لنا ذلك:

أ ـ  ابن طاووس، قال: «وأخذ خاتمه بجدل بن سليم لعنه الله، فقطع إصبعه عليه السلام  مع الخاتم»[94].

ب ـ  وجاء عن ابن أعثم: «ثم أُتي برجل يُقال له: بحر سليم الكلبي. حتى أُدخل على المختار، فقالوا: أُيها الأمير، هذا الذي أخذ خاتم الحسين! فقطع إصبعه مع الخاتم! فقال: اقطعوا يديه ورجليه ودعوه يشحط في دمه»[95].

المبحث السادس: سياسة انتهاك الأجساد وقطع الرؤوس

إنّ ما جرى على الجثث الطاهرة من تمثيل وانتهاك لم يكن أمراً عفويّاً أو ارتجاليّاً جرى على أيدي بعض جنود المعسكر الأُموي أو على أيدي بعض قادة الجند، وإنّما هو سياسة منظّمة وذات أبعاد عديدة، وقد جرى كل ذلك ضمن أوامر صارمة صدرت من القائد العام، وتَمّ تنفيذها من قِبَل الضباط والجنود بشكل منظّم وعلى فترات زمنية، ابتداءً من قطع رأس الحسين عليه السلام  وانتهاءً بنصب الرؤوس في الشام.

 فما هي تلك السياسة وما أسبابها؟

إنّ الأسباب التي يمكن أن تُتصور في ذلك ليس بالضرورة أن تجتمع في جهة معيّنة، بل بعضها يختص برأس الهرم ـ وأعني به: يزيد ـ والبعض الآخر يختصّ بالمعسكر الأُموي، وهكذا، ولكنَّ النتيجة على كل التقادير واحدة؛ لأنّ القيم التي تحكم الرعية هي قيم الحاكم وما جرى منه في تثقيف الأُمة، وخصوصاً أتباعه من الجند الذين حاربوا الحسين عليه السلام  وأهل بيته وأصحابه.

وأهم تلك الأسباب ما يلي:

أوّلاً: نقاتلك بغضاً لأبيك

إنّ ما جرى على الحسين عليه السلام  من قتل وتمثيل بجسده الشريف هو وأصحابه، وسبي نسائه، وقطع الرؤوس وحملها والطواف بها بين البلدان ما هو إلّا حقد منهم على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام ؛ لما فعله بآبائهم وأجدادهم في بدر وحنين وصفّين والنهروان، فالسبب هو الكره والحقد الدفينين في قلوب بني أُمية وأتباعهم على آل البيت عليهم السلام .

ويؤيد ذلك أمران:

1ـ ما ورد في بعض كتب التاريخ من أنّ الحسين عليه السلام  توجَّه نحو القوم، وقال: «يا ويلكم! على مَ تقاتلونني؟! على حقٍّ تركته، أم على سُنّة غيرتها، أم على شريعة بدّلتها؟! فقالوا: بل نقاتلك بغضاً منّا لأبيك! وما فعل بأشياخنا يوم بدرٍ وحنين، فلمّا سمع كلامهم بكى»[96].

2ـ ما رواه الصدوق وغيره: «أنّه لما جيء برأس الحسين عليه السلام  أمر [أي: عبيد الله بن زياد] فوُضع بين يديه في طست من ذهب، وجعل يضرب بقضيب في يده على ثناياه ويقول: لقد أسرع الشيب إليك يا أبا عبد الله. فقال رجل من القوم: مَهْ؛ فإنّي رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم  يلثم حيث تضع قضيبك. فقال: يوم بيوم بدر»[97].

ولا استغراب في قولته هذه، فقد قالها عامل يزيد على المدينة وكذا جدّه أبو سفيان، والأوّل منهما خاطب بها النبي صلى الله عليه وآله وسلم  متوجهاً إلى قبره الشريف[98]، والثاني (أبو سفيان) قالها للمسلمين حينما انتصر جيش الكفر بقيادته في معركة أُحد[99]، وشابههم يزيد في قولتهم تلك عندما قتل الحسين وأصحابه.

ثانياً: إنّ انتهاك الأجساد (بقطع الرؤوس) عمل سياسي ذو صفة انتقامية

رجّح بعض المحققين أن يكون قطع الرؤوس إجراءً انتقامياً له غاية سياسية، وليس غايته الانتقام فقط؛ إذ إنّ رجال النظام الأُموي وعلى رأسهم يزيد بن معاوية كانوا يرون أنّ ثورة الحسين عليه السلام  يمكن أن تقوّض النظام كلّه، وكانوا يرون انتشار (الحالة الثورية) في المجتمع العراقي بصورة كبيرة، وإن كانت بحاجة إلى شرارة لبدء التحرك؛ ولذا فإنّ أيّ تحرّك تقوم به قوة ذات نفوذ إسلامي يمكن أن تجمع تلك الطاقات الثورية، وكان لثورة الحسين ولقائدها مركز معنوي كبير جداً في المجتمع الإسلامي تشكِّل بالنسبة إلى النظام الأُموي خطراً بما يمكن أن تؤدي إليه من تفاعلات ينشأ منها تصعيد الروح الثورية وإعطاء الثائرين في المجتمع الإسلامي أملاً كبيراً في الانتصار.

 كما أنّ رجال النظام الأُموي قد علموا أنّ الجماعة الثائرة مع الحسين عليه السلام  تمثّل في غالبيتها رجالاً قياديين تبوّؤا مراكز زعامة في المجموعات القبلية الجنوبية والشمالية، وأنّ لهؤلاء أتباعاً يتأثرون بمواقفهم؛ لهذا أراد رجال النظام أن يقضوا على كل أمل عند الجماهير بنجاح أيّ محاولة ثورية؛ وذلك بجعل أبطال هذه المحاولة عبرة للآخرين.

ولذا؛ حشّدوا من الجند ما يقارب ثلاثين ألفاً، لأجل القضاء على تلك النهضة وإبادة كل مَن اشترك فيها، ثمّ فعلوا فيهم فعلتهم من التمثيل والسبي وغيرهما.

وهدفهم من ذلك كلّه تبديد الهالة القدسية التي تحيط بالحسين عليه السلام  وأهل البيت، وإفهام الثائرين الذين لم يُتح لهم أن يشاركوا في ثورة كربلاء أنّ إجراءات السلطة في حماية نفسها لا تتوقف عند حدٍّ، ولا تحترم أيّة قداسة وأيّ مقدس وأيّ عرف ديني واجتماعي[100].

 

والدال على ذلك من شواهد النهضة الحسينية ما يلي:

1ـ لا يمكن أن يقال: بأنّ عمر بن سعد قد أقدم على اتّخاذ قرار قطع رؤوس الشهداء من عند نفسه؛ رجاءَ أن تزيد حظوته عند عبيد الله بن زياد، بعد أن فهم بوضوح الرغبة الشرّيرة لدى عبيد الله بن زياد بالمضي في الانتقام إلى آخر ما يمكن تصوره من إجراءات، خصوصاً إذا عرفنا أنّ شخصية عمر بن سعد ذليلة مهتزّة، أُشبعت بحب المنصب بأيّ ثمنٍ كان، فلا بدّ أنّه تلقّى أمراً من جهة عُليا، وهو الكتاب الذي وجَّهه عبيد الله بن زياد إليه مع شمر بن ذي الجوشن، والذي جاء فيه: «فازحف إليهم [أي: للحسين عليه السلام  وأصحابه] حتى تقتلهم، وتمثّل بهم؛ فإنّهم لذلك مستحقون، فإن قُتل الحسين فأوطئ الخيل صدره وظهره؛ فإنه عاقٌّ مشاق، قاطع ظلوم، وليس دهري في هذا أن يضر بعد الموت شيئاً، ولكن عليَّ قول: لو قد قتلته فعلت
 به هذا..
[101].

وهذا الإجراء إنما أَمر به ابن زياد تنفيذاً لأوامر صدرت من مراتب عُليا، أي: من قِبل يزيد، لم تصل إلينا صورته، خصوصاً إذا علمنا بأنّ الكلمات التي جرت على لسان عبيد الله هي مشابهة لكلمات يزيد في بعض ما صدر منه تجاه الحسين عليه السلام .

2ـ إنّ قطع رؤوس القتلى من المسلمين كان في ذلك الحين أُسلوباً جديداً تماماً لم  يُعهد في الثقافة الإسلامية، ولم يُمارس قبل واقعة كربلاء إلّا من قِبل والي معاوية بن أبي سفيان على الموصل حين قطع رأس عمر بن الحمق الخزاعي كما تقدم، ولم يُشتهر أمره، ومما يُشعر بحداثة هذا العنصر في الثقافة الإسلامية ما نقله الطبري عن زِرّ بن حُبيش قال: «أوّل رأس رُفع على خشبة رأس الحسين (رضي الله عنه وصلى الله على روحه)»[102]. وهذا يكشف عن سياسة أُموية مدروسة لإخماد أنفاس المعارضين.

3 ـ إنّ حمل الرؤوس من بلد إلى بلد والطواف بها في المدن وخاصة الكوفة جزء من هذه الخطة العامة، ولتبديد إمكانات الثورة وتحطيم المناعة النفسية لدى المعارضة، وإفهامها بأنّ الثورة قد تمَّ القضاء عليها، ولقطع الطريق على الشائعات بالأدلّة الماديّة الملموسة، وهي رؤوس الثائرين وفي مقدمتها رأس الحسين عليه السلام .

إنّ الذي يشلُّ القدرة الثورية ويسبب الهزيمة النفسية لدى الجماهير هو أن ترى زعماءها وقادتها قد قُتلوا، وتمَّ رفع الدليل المادي على قتلهم، وهو رؤوسهم على أطراف الرماح.

ثالثاً: تقليد بني أُمية للروم في هذا الفعل الشنيع

لعلّ بني أُمية اقتبسوا قطع الرؤوس من الأُمم الأجنبية، وخاصّة الروم؛ إذ تم تقليدهم في كثير من الأُمور حتى قلّدوهم في طريقة حياتهم.

رابعاً: تـوارث هذا الفعل من الجاهلية الأُولى

أو ربّما توارث الأُمويون هذا الأُسلوب قطع الرؤوس من أسلافهم في الجاهلية ومطلع الإسلام، والذي يؤكد ذلك ما تقدم في المبحث الرابع (البيت الأُموي والمُثلة).

خامساً: القيام بهذا الفعل تشفّياً

إنّ قطع الرؤوس قد يكون لأجل التشفّي من المقتول، وقد كان لبني أُمية الباع الطويل في ذلك؛ إذ مرَّ علينا آنفاً كيف أنّ هندَ بني أُمية تشفّت من حمزة(رضوان الله عليه).

سادساً: الخوف من إقامة المراقد على تلك الأجساد الطاهرة

إنّ قطع الرؤوس والأعضاء والتمثيل بالجثث وتوزيعها أشلاء إنّما هو للمنع عن دفنها في مكان واحد؛ خوفاً من تحوّل تلك البقعة التي دُفن فيها الشهيد الثائر إلى بؤرة ثورة تؤلّب النّاس على القاتل، ومن هنا أوصى الإمام علي عليه السلام  إلى الحسن عليه السلام  بأن يُعفي قبره بعد دفنه؛ خوفاً من نبشه وتقطيع أوصاله، وهو ما فعلوه مع زيد الشهيد الثائر، حيث حفروا قبره وقد دُفن أسفل النهر ونبشوه وصلبوه أياماً، ثم أحرقوه هو وجذعه المنصوب عليه[103].

فالقبر الذي يضمّ جسد الشهيد يصبح مشعلاً وهّاجاً لبعث الأمل في قلوب النّاس، للأخذ بالثأر، وإقامة الثورة ضد الظلم والظالمين؛ لذا لم يدّخر المتوكّل العباسي وسعاً في القضاء على قبر الحسين عليه السلام [104].

سابعاً: دناءة النفوس والخسة التي يحملها الأُمويين وأتباعهم

إنّ سبب انتهاك الأجساد من قِبل الأُمويين دليل على دناءة النفوس وخسّتها، والانحطاط الأخلاقي والاجتماعي الذي كان يعيشونه، وإلّا فإن الشريف عندما يتمكن من خصمه يكتفي بقتله خصوصاً إذا كان محقاً، وقد تقدّم موقف عليّ بن أبي طالب عليه السلام  من عمرو بن عبد ودّ؛ إذ اكتفى بقتله.

قال الشيخ محمد حسن المظفّر بعد أن استعرض بعض فجائع بني أُمية ـ: «وبتلك الحوادث بانَ للعالم ما كان عليه أهل البيت من الدين والجهاد في إحياء الشريعة، وما كان عليه أعداؤهم من الدنيا والحرب للدين، واتّضحت نوايا الفريقين، وبانت أقصى غاياتهم من أعمالهم هاتيك، وإلّا فأيّ ذنب للطفل الرضيع وقد جفَّ لبنه وذبلت شفتاه عطشاً أن يُقتل على صدر أبيه، حتى يتركه السهم يرفرف كالطير المذبوح»[105].

ثامناً: القيام بقطع الرؤوس لأثبات النصر والغلبة

لعل أحد أسباب الإقدام على هذه الأفاعيل البشعة هو لأجل إثبات انتصار المعسكر الأُموي الموهوم على معسكر الحسين عليه السلام ؛ فاعتقدوا أن القيام بقطع الرؤوس ورفعها على عالي السنان علامة لهذا النصر[106].

تاسعاً: الاعتقاد بأن قطع الرؤوس يعيد هيبة السلطان الذي أُريد تغييره

أراد يزيد استعادة هيبة حكمه فأمر بحمل رأس الحسين عليه السلام  والتطواف به في دمشق، وأمامه قارئ يقرأ سورة الكهف حتى بلغ قوله: (أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا )[107]، وكان المنهال الطائي الكوفي حاضراً قال: فأنطق الله الرأس فقال بلسان ذلق ذرب: أعجب من أصحاب الكهف قتلي وحملي[108].

 

 

 

 

 


 

1] للتوسعة اُنظر: لونيسي، علي، آليات مكافحة الإرهاب الدولي. وأيضاً: د. هيثم عبد السلام محمد، مفهوم الإرهاب في الشريعة الإسلامية. وأيضاً: د. محمد نور فرحات، الإرهاب وحقوق الإنسان. وأيضاً: عابدين عبد الحميد قنديل، دراسة تحليلية لقانون مكافحة الإرهاب. وأيضاً: البراك، عبد الرحمن، الحرق والتمثيل بجثث الكافرين في القتال(مقالة). وأيضاً: الموسوعة العربية العالمية، مادة (الإرهاب).

[2] ابن منظور، محمد بن مكرم، لسان العرب: ج11، ص615.

[3] ابن الأثير، المبارك بن محمد، النهاية في غريب الحديث: ج4، ص294.

[4] النجفي، محمد حسن، جواهر الكلام: ج21، ص77.

[5] الخطابي، حمد بن محمد، معالم السنن: ج2، ص279. العظيم آبادي، محمد شمس الحق، عون المعبود شرح سنن أبي داود: ج7، ص235.

[6] اُنظر: الزبيدي، محمد بن مرتضى، تاج العروس: ج15، ص683.

[7] الهمداني، رضا بن محمد هادي، مصباح الفقيه: ج5، ص436.

[8] النجفي، محمد حسن، جواهر الكلام: ج21، ص78.

[9] الزمخشري، محمود، الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل: ج2، ص645.

[10] ابن عبد البر، يوسف بن عبد الله، التمهيد: ج24، ص233ـ234.

[11] الحر العاملي، محمد بن الحسن، وسائل الشيعة: ج29، ص128.

[12] المصدر السابق: ج15، ص59.

[13] أبو داود، سليمان بن الأشعث، سنن أبي داود: ج1، ص602.

[14] البخاري، محمد بن إسماعيل، صحيح البخاري: ج6، ص228.

[15] ابن كثير، إسماعيل، البداية والنهاية: ج3، ص378. اُنظر أيضاً: الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الطبري: ج2، ص162.

[16] اُنظر: الطوسي، محمد بن الحسن، المبسوط: ج2، ص19. وأيضاً: الحلي، ابن إدريس، السرائر: ج2، ص21. وأيضاً: النجفي، محمد بن الحسن، جواهر الكلام: ج21، ص77 ـ 78.

[17] السنباوي، محمد بن محمد، جواهر الإكليل: ج1، ص254. ابن عابدين، محمد أمين، حاشية ابن عابدين: ج3، ص224. الزيلعي، عثمان بن علي، تبيين الحقائق: ج3، ص244. النووي، يحيى، المجموع: ج16، ص314.

[18] الترمذي، محمد بن عيسى، سنن الترمذي: ج2، ص431.

[19] النيسابوري، مسلم، صحيح مسلم: ج5، ص139ـ140.

[20] الترمذي، محمد بن عيسى، سنن الترمذي: ج2، ص431.

[21] المباركفوري، محمد عبد الرحمن، تحفة الأحوذي: ج4، ص 553.

[22] الشوكاني، محمد بن علي، نيل الأوطار: ج8، ص75.

[23] اُنظر: ابن قدامة، عبد الله، المغني: ج10، ص565. وأيضاً: ابن مفلح، إبراهيم بن محمد، الفروع: ج6، ص218. وأيضاً: البهوتي، منصور، كشاف القناع: ج3، ص69.

[24] ابن قدامة، عبد الله، المغني: ج10، ص565. ابن قدامة، عبد الرحمن، الشرح الكبير: ج10، ص459.

[25] ابن مفلح، إبراهيم بن محمد، المبدع: ج6، ص218.

[26] السنباوي، محمد بن محمد، جواهر الإكليل: ج1، ص254.

[27] النحل: آية126.

[28] عن مجلة (إرشيف ملتقى أهل الحديث): العدد81، ص398.

[29] الترمذي، محمد بن عيسى، سنن الترمذي: ج4، ص361ـ362. السيوطي، جلال الدين،
الدرّ المنثور: ج4، ص135.

[30] المصدر السابق.

[31] الوادعي، مقبل، الصحيح المسند من أسباب النزول: ج1، ص126.

[32] الحاكم النيسابوري، محمد بن عبد الله، مستدرك الحاكم: ج3، ص197. الهيثمي، علي، مجمع الزوائد: ج6، ص119. الطبراني، سليمان بن أحمد، المعجم الكبير: ج3، ص143.

[33] اُنظر: العاملي، جعفر مرتضى، الصحيح من سيرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم : ج7، ص261ـ272. الأحمدي، علي، الأسير في الإسلام: ص251.

[34] اُنظر: عبد القادر عودة، التشريع الجنائي الإسلامي: ج1، ص621ـ631، باختصار وتصرّف. الموسوعة العربية العالمية، مادة: (عقوبة، عقوبة الإعدام).

[35] اُنظر: ما قاله العقاد حول أخلاق يزيد في كتابه الحسين أبو الشهداء: ص105ـ110.

[36] المفيد، محمد بن محمد، الإرشاد: ج1، ص83.

[37] اُنظر: ابن هشام، عبد الملك، السيرة النبوية: ج3، ص607ـ 608، وأيضاً: اليوسفي، محمد هادي، موسوعة التاريخ الإسلامي: ج2، ص311 فما بعد. وأيضاً: الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الطبري: ج2، ص204 وما بعدها. وأيضاً: الإصفهاني، علي بن الحسين، الأغاني: ج15، ص130فما بعد. وأيضاً: ابن كثير، إسماعيل بن عمر، تفسير القرآن الكريم: ج2، ص135. وأيضاً: القرطبي، محمد بن أحمد، الجامع لأحكام القرآن: ج4، ص187ـ 189. وغيرها.

[38] العسقلاني، ابن حجر، تهذيب التهذيب: ج7، ص319.     

[39] هكذا وردت العبارة في المصدر: ولكن في مصادر أُخرى وردت هكذا «الذي كان يضرب عليه أباك ويضربك». الطوسي، محمد بن الحسن، اختيار معرفة الرجال (رجال الكشي): ص256. والمجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج44، ص213.

[40] البغدادي، محمد بن حبيب، المحبّر: ص479.

[41] الأميني، عبد الحسين، الغدير: ج11، ص61.

[42] الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الطبري: ج4، ص197.

[43] اُنظر: الدينوري، ابن قتيبة، المعارف: ص292. وأيضاً: ابن عبد البر، يوسف بن عبد الله، الاستيعاب: ج3، ص1174. وأيضاً: العسقلاني، ابن حجر، الإصابة: ج4، ص515. وأيضاً: ابن كثير، محمد بن إسماعيل، تاريخ ابن كثير: ج8، ص52. وأيضاً: الإصفهاني، علي بن الحسين، الأغاني: ج17، ص144ـ 154.

[44] الأميني، عبد الحسين، الغدير: ج11، ص59.

[45] البغدادي، محمد بن حبيب، المحبّر: ص490.

[46] ابن كثير، محمد بن إسماعيل، البداية والنهاية: ج8، ص52. وأيضاً لمن أراد التوسعة: الأميني، عبد الحسين، الغدير: ج11، ص7 وما بعدها.

[47] الأمين، محسن، أعيان الشيعة: ج7، ص122. اُنظر: ابن كثير، إسماعيل بن عمر، البداية والنهاية: ج4، ص120ـ122. اليوسفي، محمد هادي، موسوعة التاريخ الإسلامي: ج2، ص498 وما بعدها. ابن هشام، عبد الملك، السيرة النبوية: ج3، ص709.

[48] أبو مخنف، لوط بن یحیى، مقتل الحسین عليه السلام : ص102.

[49] النجاشي، أحمد بن علي، رجال النجاشي: ص320.

[50] اُنظر: المنصوري، لؤي، مقال (هل وطأت الخيل جسد الحسين عليه السلام )، مجلة الإصلاح الحسيني: العدد6، ص197 وما بعدها.

[51] المفيد، محمد بن محمد، الإرشاد: ج2، ص113.

[52] الخوارزمي، الموفق بن أحمد، مقتل الحسين عليه السلام : ج2، ص38.

[53] ابن طاووس، علي بن موسى، اللهوف على قتلى الطفوف: ص 79.

[54] سبط ابن الجوزي، يوسف، تذكرة الخواص: ص254.

[55] أبو الفرج، علي بن الحسين، مقاتل الطالبيين: ص118.

[56] الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الطبري: ج5، ص456.

[57] البلاذري، أحمد بن يحيى، أنساب الأشراف: ج3، ص412.

[58] الزهري، محمد بن سعد، الطبقات الكبرى (الطبقة الخامسة): ج1، ص474.

[59] ابن كثير، إسماعيل بن عمر، البداية والنهاية: ج8، ص190.

[60] المفيد، محمد بن محمد، الإرشاد: ج2، ص63.

[61] الشجري، يحيى بن الحسين، الأمالي: ج1، ص191.

[62] المحلي، حميد بن أحمد، الحدائق الوردية: ج1، ص116.

[63] أبو مخنف، لوط بن يحيى، مقتل الحسين عليه السلام : ص203.

[64] المفيد، محمد بن محمد، الإرشاد: ج2، ص113.

[65] الذهبي، محمد بن أحمد، سير أعلام النبلاء: ج3، ص319.

[66] الخوازمي، موفق الدين بن أحمد، مقتل الحسين عليه السلام : ج2، ص73.

[67] القلقشندي، أحمد بن عبد الله، صبح الأعشى: ج4، ص97.

[68] سبط ابن الجوزي، يوسف، تذكرة الخواص: ص242.

[69] الكوفي، ابن أعثم، الفتوح: ج5، ص105.

[70] سبط بن الجوزي، يوسف، تذكرة الخواص: ص259، نقلاً عن ابن سعد في الطبقات.

[71] أبو مخنف، لوط بن يحيى، مقتل الحسين عليه السلام : ص209.

[72] المفيد، محمد بن محمد، الإرشاد: ج2، ص117.

[73] ابن طاووس، علي بن موسى، اللهوف على قتلى الطفوف: ص229.

[74] المغربي، النعمان بن محمد، شرح الأخبار: ج3، ص159.

[75] أبو مخنف، لوط بن يحيى، مقتل الحسين عليه السلام : ص209.

[76] سبط بن الجوزي، يوسف، تذكرة الخواص: ص260.

[77] الكوفي، ابن أعثم، الفتوح: ج5، ص126.

[78] المفيد، محمد بن محمد، الإرشاد: ج2، ص118.

[79] البلاذري، أحمد بن يحيى، أنساب الأشراف: ج3، ص421.

[80] الزهري، محمد بن سعد، الطبقات الكبرى (الطبقة الخامسة): ج1، ص481.

[81] الصدوق، محمد بن علي، الأمالي: ص229.

[82] ابن طاووس، علي بن موسى، اللهوف على قتلى الطفوف: ص220.

[83] الزهري، محمد بن سعد، الطبقات الكبرى: ج1، ص488.

[84] الصدوق، محمد بن علي، عيون أخبار الرضا عليه السلام : ج2، ص23.

[85] ابن نما الحلي، محمد بن جعفر، مثير الأحزان: ص103.

[86] المفيد، محمد بن محمد، الإرشاد: ج2، ص114. واُنظر: الطبرسي، الفضل بن الحسن، إعلام الورى: ج1، ص470، وأيضاً: ابن نما الحلي، محمد بن جعفر، مثير الأحزان: ص93.

[87] الدينوري، أحمد بن داود، الأخبار الطوال: ص259.

[88] ابن طاووس، علي بن موسى، اللهوف على قتلى الطفوف: ص189. المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج45، ص107.

[89] الزهري، محمد بن سعد، الطبقات الكبرى: ج1، ص479.

[90] المفيد، محمد بن محمد، الإرشاد: ج2، ص112.

[91] الخوارزمي، الموفق بن أحمد، مقتل الحسين عليه السلام : ج2، ص37ـ38.

[92] اُنظر: الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الأُمم والملوك: ج5، ص397 بتلخيص. وأيضاً: التستري، محمد تقي، قاموس الرجال: ج10، ص495ـ 496.

[93] المفيد، محمد بن محمد، الإرشاد: ج2، ص74.

[94] ابن طاووس، علي بن موسى، اللهوف على قتلى الطفوف: ص178. المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج45، ص58.

[95] الكوفي، أحمد بن أعثم، الفتوح: ج6، ص244.

[96] لجنة الحديث في معهد باقر العلوم عليه السلام ، موسوعة كلمات الإمام الحسين عليه السلام : ص593.

[97] الصدوق، محمد بن علي، الأمالي: ص229.

[98] الأميني، عبد الحسين، الغدير: ج10، ص265 عن مثالب أبي عبيدة.

[99] البخاري، محمد بن إسماعيل، صحيح البخاري: ج4، ص27، ج5، ص11. ابن حنبل، أحمد،
مسند أحمد: ج1، ص288.

[100] اُنظر: شمس الدين، محمد مهدي، أنصار الحسين: ص225ـ233 (بتصرف وتلخيص).

[101] الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الطبري: ج5، ص415. المفيد، محمد بن محمد، الإرشاد: ج2، ص88.

[102] الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الطبري: ج5، ص394.

[103] المفيد، محمد بن محمد، المسائل الجارودية: ص3. الزركلي، خير الدين، الأعلام: ج8، ص22. البغدادي، محمد بن حبيب، المحبّر: ص483.

[104] الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الطبري: ج7، ص365 (أحداث سنة236). ابن شهر آشوب، محمد ابن علي، مناقب آل أبي طالب: ج2، ص53.

[105] المظفّر، محمد حسن، الإمام الصادق عليه السلام : ص37.

[106] يعقوب، أحمد حسين، كربلاء الثورة والمأساة: ص38.

[107] الكهف: آية9.

[108] اُنظر: الراوندي، قطب الدين، الخرائج والجرائح: ج2، ص577. السيوطي، محمد بن سابق، الخصائص الصغرى: ج2، ص127.

 
 
البرمجة والتصميم بواسطة : MWD