1439 / ربیع‌الاول / 6  |  2017 / 11 / 25         الزيارات : 484137         صلاة الصبح |         صلاة الظهر والعصر |         صلاة المغرب والعشاء |

سياسة الإمام الحسين عليه السلام في مواجهة الإرهاب الحكومي/ القسم الثاني (دراسة وثائقية)

{ الشيخ قيصر التميمي }
سياسة الإمام الحسين عليه السلام  في مواجهة الإرهاب الحكومي/ القسم الثاني (دراسة وثائقية)

 

مارست الحكومات الأُمويّة سيئة الصيت أبشع ألوان القمع والإبادة والجريمة المنظّمة، وارتكبت أقسى صور العنف ومشاهد الإرهاب بحقّ المواطنين الأبرياء الآمنين في مُختلف البلدان الإسلاميّة، وأضحت تلك السيرة السوداء لبني أُميّة من الثوابت والحقائق الواضحة، الغنيّة عن تجشّم عناء البحث والتنقيب في منابع الإثباتات والوثائق التاريخيّة.

وعلى خطّ المواجهة وفي معترك الصراع بين الحقّ والباطل وقف الإمام الحسين عليه السلام  بحزم؛ ليُعلن عن انطلاق نهضته الإصلاحيّة المباركة، ويكشف للملأ العام أوراق الإرهاب الأُموي، الذي يستهدف سلب إرادة الأُمّة والاعتداء على حريّتها وكرامتها ومعتقداتها الدينيّة. فكيف تصدّى الحسين عليه السلام ؛ لمحاربة هذا اللون من الإرهاب في العصر الأُموي؟ هو التساؤل الذي نسعى للإجابة عنه في هذا المقال.

لكن ما يؤسفني ويؤلمني كثيراً هرطقة الأقلام المصنوعة من نفايات التاريخ، التي كانت ولا زالت تكتب سفهاً عن ازدهار الحياة السياسية في العصر الأُموي، خصوصاً في زمن معاوية بن أبي سفيان وابنه الفاجر يزيد، وتتّهم الحسين عليه السلام  بالضعف في علوم السياسة وأُصول الحكم، وأن منهجه السياسي الخاطئ والضعيف هو الذي قاده إلى مقتله ومصيره المأساوي. إن هذا النمط الأعوج في التفكير هو ما دعانا للكتابة والبحث في إرهاب الحكم الأُموي، استناداً إلى النصوص والمواقف الحسينيّة الخالدة.

وقد وجدنا من تلك الأقلام العارية عن أخلاق البحث العلمي أقلاماً تصنع مجداً أُموياً لا يخطر في بال معاوية ويزيد، وتطعن في حركة الإصلاح العُظمى التي قادها الإمام الحسين عليه السلام  وضحّى في سبيلها، وأكتفي في المقام بمرور موجز على صفحات رسالة بدرجة (ماجستير)، كُتبت في الجامعات السعودية وطُبعت في مطابعها، ونوقشت بتاريخ: 13/7/1413هـ، وأُجيزت بتقدير ممتاز، ووصفها ناشرها في أعلى العنوان بأنّها (من كنوز الرسائل العلمية)!! وجاءت تحت عنوان: (مواقف المعارضة في عهد يزيد بن معاوية)، ونكتفي فيما يلي بعرض جانب من الهذيان والتخريف الذي كتبه صاحب هذه الرسالة في خصوص معارضة الإمام الحسين عليه السلام  وطبيعة تعامله مع الحكم الأُموي، مع رعاية جانب الإيجاز والاختصار، ومَن أراد التفصيل فعليه أن يُلاحظ أصل الرسالة. يؤكّد الكاتب في مُجمل فصول رسالته على:

أنّ الدّولة الأُمويّة قد تميّزت بالحنكة والخبرة السياسيّة العالية، وخصوصاً في زمن معاويّة، وأنّ من أهمّ المواقف السياسيّة الحكيمة والصائبة في تلك الفترة تنصيب معاوية ابنه يزيد خليفة على المسلمين من بعده، ذلك حينما «أنس معاوية من ولده يزيد حرصاً على العدل وتأسّياً بالخلفاء الراشدين»!! خصوصاً وأنّ يزيد كان يمتاز عن غيره «بأعظم ما تحتاج إليه الدّولة، أي: القوة العسكريةّ»!! «ومَن يضع نفسه مكان معاوية يُدرك الخطر المحدق بالأُمّة لو تُرك الأمر من غير اختيار أو تُرك لأبناء علي بن أبي طالب أو غيره، فالفتنة المتربّصة بالأُمّة كانت تحتاج لامتداد حكم معاوية حتى تستقيم أُمور الأُمّة، ولم يكن بُدّ من اختيار ابن معاوية اجتهاداً من معاوية باستمرار عهده وحكمه أملاً في موت الفتن»!! و«لمّا كانت العصبيّة والقوّة في بني أُميّة، فقد أصبح تصرّف معاوية بتولية يزيد أمراً طبيعياً، يُقرّه المنصفون ويحرص عليه العقلاء»!! فـ «معاوية اجتهد للأُمّة؛ خوفاً عليها من الانقسام والفتن»!! وكان تدبيره هذا «أضمن لسلامة الدّولة»، وإن هذا الأمر قد تمّ بعد استشارة أهمّ البلدان الإسلاميّة آنذاك؛ ولأجل الحفاظ على وحدة الأُمّة وسلامتها «نظر معاوية إلى ابنه يزيد على أنه المرشّح الذي سيحظى بتأييد أهل الشام الذين يُمثّلون العامل الأقوى في استقرار الدّولة»، فبدأ باستشارة أهل الشام؛ لأن «أهل الشام الذين انتصروا لقتل عثمان أثبتوا أنهم أُناس مخلصون لمبادئهم وأهدافهم؛ ولهذا حقّق بهم معاوية بإرادة الله انتصاراته على العراق»!! «فمعاوية طرح اسم المرشّح يزيد واستشار المسلمين، فأجمع أهل الشام وكبار أهل العراق وباقي الأمصار على قبوله، ولم يخالف إلّا بعض أهل المدينة لأسباب، بعضها فقهية والأُخرى شخصيّة، وقد عبّرت هذه المصالح الشخصيّة عن نفسها بصورة عملية في فترة لاحقة»، وكان من جملة ذوي المصالح الشخصيّة الحسين عليه السلام ؛ ولذا ترك معاوية استشارته في هذا الأمر «ولعل السبب يعود إلى أن معاوية أدرك أن الحسين طالب رئاسة، وأن أهل العراق يكتبون للحسين يمنّونه بالخلافة من بعد معاوية»!! فتأثّر الحسين أمام «إغراءات زعماء أهل الكوفة له» فـ«لم يبقَ إلّا الحسين كان يُغرّر به أهل الفتن في حياة معاوية، ونهاه الحسن عنهم»!! وحينما مانع الحسين من بيعة يزيد لم يُبد سبباً واضحاً لممانعة البيعة!! ومع ذلك كلّه كان معاوية يوصي ولده يزيد بالحسين، وقد كانت وصيّته «عن معرفة أكيدة... فهو السياسي البارع الذي بلغت الدّولة في عهده أوجها وقوّتها»!! وإنّ «يزيد حاول أن يترسّم خُطى والده في السياسة ويكون حكيماً حتى آخر لحظة، وأن يعمل بوصيّة والده؛ وذلك بالرفق بالحسين ومعرفة حقّه وقرابته من رسول الله»!! وعلى طول الحركة الحسينيّة المعادية للحكومة الأُمويّة، يزيد «كان يجنح إلى استخدام الرفق مع الحسين؛ لذا نجد يزيد لم يُحرك ساكناً، واكتفى بمراقبة الموقف عن بُعد»!! وفي نهاية المطاف يختم هذا الكاتب بحثه حول التواصل الحسيني مع أهل الكوفة بالقول: «وفي نظري أنّ مسلم بن عقيل والحسين بن علي يجهلون كثيراً من أُمور السياسة»!! وأن «ما قصده [الحسين] من تحصيل الخير ودفع الشر لم يحصل منه شيء، بل زاد الشر بخروجه وقتله.. وهذا كلّه مما يُبيّن أن ما أمر به النبيّ من الصبر على جور الأئمة وترك قتالهم والخروج عليهم أصحّ الأُمور للعباد في المعاش والمعاد، ومَن خالف ذلك مُتعمّداً أو مُخطئاً لم يحصل بفعله صلاح، بل فساد»!! [1].

لا تستغرب عزيزي القارئ وأنت تطالع حماقة هذه السطور وصاحبها، ولا تستغرب حينما تقرأ فكراً مقلوباً منكوساً في قعر عقول همجيّة عمياء أُمويّة، فهؤلاء هم دواعش الفكر والعقيدة وصُنّاع فتاوى التكفير، وبهذا الفكر الملغوم وأمثاله يُذبح يوميّاً أحبّاء الحسين عليه السلام  وأتباعه. ولك أن تتصوّر كيف سيكتب هؤلاء الحمقى عن بطولات الخليفة يزيد لولا نهضة الحسين عليه السلام ، فشكراً للحسين عليه السلام  على تضحيته ودوره العظيم في إحياء العقول وتطهيرها من كنيف الفكر الأُموي.

ونحن نحاول فيما يلي أن نعرض الرؤية الصحيحة تجاه النهج الحكومي الأُموي، وأساليبه وممارساته القمعيّة بحقّ الأبرياء، وسُبل مواجهتها، من خلال النظر والتأمّل في كلمات الإمام الحسين عليه السلام  ومواقفه العظيمة؛ ليكون ردّاً واضحاً على تفاهات وأدغال ما جاء في الرسالة المذكورة ونظائرها من الكتب التي عبدت الطاغوت وسجدت أقلامها لبني أُميّة [2]، وقد دوّنا مقالنا هذا في إطار الأبحاث التالية:

البحث الأوّل: عناصر الإرهاب الحكومي الأُموي في كلمات الإمام الحسين عليه السلام

ذكرنا في المقال الماضي مجموعة من العناصر الأساسيّة التي تُساهم في تحديد حقيقة الإرهاب الحكومي بصورة عامّة؛ استناداً إلى بعض التعريفات الإنسانيّة والدينيّة لهذا النوع من الإرهاب، ونحاول فيما يلي أن نتلمّس أهمّ العناصر التي ذكرها الإمام الحسين عليه السلام  للتعريف بالإرهاب الأُموي، والتي استحقّ بموجبها المواجهة؛ لنرى مدى التطابق بينها وبين العناصر الماضية، مع ملاحظة نقاط الافتراق أو الإضافة إن وجدت:

العنصر الأوّل: ممارسة الأساليب العنيفة والمنظّمة في قمع الشعب

ذكرنا في القسم الأوّل من هذا المقال أن من أهمّ العناصر التعريفيّة للإرهاب الحكومي كونه يُمثّل أُسلوباً عنيفاً إيديولوجيّاً مدروساً ومنظّماً، ويُعدّ وسيلة من الوسائل القمعيّة، ذات الطبيعة الإجراميّة وغير القانونيّة، تنشر الذعر والفزع والرعب بين أفراد الشعب الآمنين.

وهذا ما رصده الإمام الحسين عليه السلام  وأعلنه بشكل واضح وصريح في أقواله وخُطبه ومكاتباته ورسائله الخاصّة، حينما تصدّى لمواجهة الإرهاب الحكومي الأُموي، ونحاول فيما يلي أن نطالع بإيجاز بعض النصوص الحسينيّة المرتبطة بهذا العنصر الأساس والمهمّ من عناصر الإرهاب:

1ـ من الأساليب الإجراميّة المنظّمة وغير القانونيّة التي انتهجتها الحكومة الأُموية لإخافة الناس وترويعهم، قتل الأبرياء بالظنّة والشبهة، وأخْذهم واعتقالهم وتعذيبهم لمجرّد الفِرية والتُّهمة، وتهجيرهم وتشريدهم من بلدانهم وأوطانهم، من دون أيّ دليل شرعي أو مُستند قانوني لإدانتهم ومُعاقبتهم، وقد كان الإمام الحسين عليه السلام  يستنكر هذا النهج الأُموي ويُدينه بأشدّ العبارات وأغلظها، خصوصاً في مخاطباته ورسائله المتبادلة مع معاوية، فمن ذلك قوله عليه السلام : «وَاتَّقِ اللهَ يا مُعاوِيةُ! وَاعْلَمْ أَنَّ لِلهِ كِتاباً لا يُغادِرُ صَغيرَةً وَلا كَبيرةً إِلّا أَحْصاها، وَاعْلَمْ أَنَّ اللهَ لَيْسَ بِناس لَكَ قَتْلَكَ بِالظِّنَّةِ، وَأَخْذَكَ بِالتُّهْمَة»[3]. وفي نص آخر يقول عليه السلام : «وَلَيْسَ اللهُ بِناسٍ لأَِخْذِكَ بِالظِّنَّةِ، وَقَتْلِكَ أَوْلِياءَهُ عَلَى التُّهَمِ، وَنَقْلِ أَوْلِيائِهِ مِنْ دُورِهِمْ إِلى دارِ الْغُرْبَة»[4]. ولا شك بأنّ ممارسة السلطة الحاكمة لأساليب العنف المنظّمة والمتنوّعة، باعتقالها الناس وقتلهم وتهجيرهم واضطهادهم لمجرّد الظنّ والتّهمة، بلا مُستند ولا دليل للإدانة، يُعدّ من أبرز عناصر الإرهاب الحكومي، المستنكر والمرفوض في شريعة السماء وحكم العقلاء، والإمام الحسين عليه السلام  قد أدان بكلامه هذا حكومة معاوية بن أبي سفيان لممارستها تلك الجرائم الإرهابيّة بحقّ الأبرياء من المواطنين الآمنين.

2ـ كانت هذه النصوص الآنفة الذكر قد صدرت استنكاراً من الإمام عليه السلام  وإدانةً منه للأعمال الإجراميّة والقمعيّة التي مارسها معاوية بحقّ المؤمنين الصالحين والأبرياء الآمنين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم  وأصحاب علي بن أبي طالب عليه السلام  وأتباعهما ومحبّيهما، الذين تمّ التخطيط لتصفيتهم وقتلهم على المعتقد والهويّة الدينيّة، وهذا ما دوّنه الإمام الحسين عليه السلام  في رسالة شديدة اللهجة، أجاب فيها على كتاب أرسله إليه معاوية، يهدّده فيه بالقتل والاغتيال إن استمرّ على منهجه الصريح في مواجهة السلطة الأُمويّة، ومن جملة ما جاء فيها قوله عليه السلام : «ألَسْتَ الْقاتِلَ حُجْرَ بْنَ عَديٍّ أَخا كِنْدَةَ وَالمصَلّينَ الْعابِدينَ الَّذينَ كانُوا يُنْكِرُونَ الظُّلْمَ وَيَسْتَعْظِمُونَ الْبِدَعَ، وَلا يَخافُونَ فِي اللهِ لَوْمَةَ لائِم، ثُمّ قَتَلْتَهُمْ ظُلْماً وَعُدْواناً مِنْ بَعْدِ ما كُنْتَ أَعْطَيْتَهُمُ الأَيْمانَ المُغَلَّظَةَ، وَالمَواثيقَ المُؤَكَّدَةَ، وَلا تَأْخُذَهُمْ بِحَدَث كانَ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُمْ، وَلا بِإِحْنَة تَجِدُها في نَفْسِكَ؟! أوَ لَسْتَ قاتِلَ عَمْرِو بْنِ الحَمْقِ صاحِبِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم  الْعَبْدِ الصّالِحِ الَّذي أَبْلَتْهُ الْعِبادَةُ، فَنَحَلَ جِسْمُهُ، وَصَفَرَتْ لَوْنُهُ، بَعْدَ ما أَمَّنْتَهُ وَأَعْطَيْتَهُ مِنْ عُهُودِ اللهِ وَمَواثيقِهِ، ما لَوْ أَعْطَيْتَهُ طائِراً لَنَزَلَ إِلَيْكَ مِنْ رَأْسِ الجَبَلِ، ثُمَّ قَتَلْتَهُ جُرْأَةً عَلى رَبِّكَ، وَاسْتِخْفافاً بِذلِكَ الْعَهْدِ... وَلَقَدْ نَقَضْتَ عَهْدَكَ بِقَتْلِكَ هؤُلاءِ النَّفَرِ الَّذينَ قَتَلْتَهُمْ بَعْدَ الصُّلْحِ وَالأَيْمانِ وَالْعُهُودِ وَالمَواثيقِ، فَقَتَلْتَهُمْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونُوا قاتَلُوا وَقَتَلُوا، وَلَمْ تَفْعَلْ ذلِكَ بِهِمْ إِلّا لِذِكْرِهِمْ فَضْلَنا، وَتَعْظيمِهِمْ حَقَّنا، فَقَتَلْتَهُمْ مَخافَةَ أَمْر لَعَلَّكَ لَوْ لَمْ تَقْتُلْهُمْ مِتَّ قَبْلَ أَنْ يَفْعَلُوا، أَوْ ماتُوا قَبْلَ أَنْ يُدْرِكُوا»[5].

والأسباب التي ذكرها الإمام الحسين عليه السلام  لارتكاب معاوية تلك المجازر المدروسة والمنظّمة بحقّ المؤمنين الأبرياء، هي:

أوّلاً: إنّ هؤلاء المؤمنين كانوا يستنكرون الظلم والجور، الذي أضحى منتشراً ومستشرياً في زمن معاوية، ويستعظمون البدع والمنكرات الاجتماعيّة التي شاعت وذاعت في ذلك الزمان ويحاربونها بكلّ شجاعة وبسالة، من دون أن تأخذهم في الله لومة لائم أو طغيان حاكم، وهذا ما يُثير حفيظة معاوية، الذي بنى سياسة حكمه وسلطانه على غير تلك الأخلاق والمثُل والقوانين الإنسانيّة والإسلاميّة، فانتهج القمع أُسلوباً لإسكات معارضيه.

ثانياً: إن هؤلاء المؤمنين كانوا يُذكّرون الناس بفضل أهل البيت عليهم السلام ، ويُعظّمون حقّهم في المجتمع بالطرق والأساليب السلمية، بلا قتل ولا قتال، ما جعل معاوية يخشاهم على سلطانه؛ إذ قد تؤدّي هذه الحركة التثقيفيّة والتوعويّة في الأُمّة إلى ظهور الحقّ ورجوعه لأهله، وتسنّم أهل البيت عليهم السلام  زعامة المسلمين، ولعلّ هذا هو الأمر الذي أبهمه الإمام الحسين عليه السلام  في آخر كلامه.

وقد كان لهذه المسيرة الدامية امتدادها الطبيعي في حكومة يزيد الجائرة، وفي وصف هذه الحقيقة التاريخيّة الواضحة يقول الإمام الحسين عليه السلام : «وَيَزيدُ رَجُلٌ فاسِقٌ، شارِبُ خَمْر، قاتِلُ النَّفْسِ المُحَرَّمَةِ، مُعْلِنٌ بِالْفِسْقِ، وَمِثْلي لا يُبايِعُ لِمِثْلِهِ»[6].

3ـ كانت ملاحقة معاوية لشيعة أهل البيت عليهم السلام  وأتباعهم ومطاردتهم وترويعهم وتشريدهم وقتلهم تحت كلّ حجر ومدر لمجرّد انتمائهم الديني والمذهبي من الذائعات الواضحة، التي لا تحتاج إلى البيان أو برهان؛ وهذا ما نطالعه بصريح العبارة حينما خاطب الإمام الحسين عليه السلام  في زمن معاوية جمعاً من الصحابة والتابعين في مكة المكرّمة بالقول: «أَمّا بَعْدُ، فَإِنَّ هذَا الطّاغِيَةَ [معاوية] قَدْ فَعَلَ بِنا وَبِشيعَتِنا ما قَدْ رَأَيْتُمْ وَعَلِمْتُمْ وَشَهِدْتُمْ»[7]. ولا يخفى ما في لفظ (الطاغية) من معاني الشجب والإدانة والاستنكار لجرائم معاوية، بمحكم القول وجوامع الكلام.

ويؤكّد ذلك أيضاً مضمون الكتاب الذي بعثه أهل الكوفة للإمام الحسين عليه السلام  بعد هلاك معاوية، حيث جاء فيه قولهم: «فالحمد للّه الذي قصم عدوّك الجبّار العنيد، الذي انتزى على هذه الأُمّة، فابتزّها أمرها، وغصبها فيئَها، وتأمّر عليها بغير رضىً منها؛ ثمّ قتل خيارها، واستبقى شرارها، وجعل مال الله دُولة بين جبابرتها وأغنيائها، فبُعداً له كما بعُدت ثمود»[8].

4ـ كان الإمام الحسين عليه السلام  وفي مناسبات كثيرة ينتقد خنوع الأصحاب والتابعين وأعيان الأُمة وكبرائها، وينعى عليهم سكوتهم المذلّ عن الظلم والجور والاستبداد والإرهاب الأُموي، الذي يذهب ضحيّته الأبرياء والفقراء والمساكين في أغلب البلدان الإسلاميّة، ومن جملة ذلك مخاطبته إياهم بالقول: «فَأَسْلَمْتُمُ الضُّعَفاءَ في أَيْديهمْ، فَمِنْ بَيْنِ مُسْتَعْبَد مَقْهُور وَبَيْنَ مُسْتَضْعَف عَلى مَعيشَتِهِ مَغْلُوب... فَالأَرْضُ لَـهُمْ شاغِرَةٌ، وَأَيْديهِمْ فيها مَبْسُوطَةٌ، وَالنّاسُ لَـهُمْ خَوَلٌ لا يَدْفَعُونَ يَدَ لامِس، فَمِنْ بَيْنِ جَبّار عَنيد، وَذي سَطْوَة عَلَى الضَّعَفَةِ شَديد، مُطاع لا يَعْرِفُ المُبْدِئَ المُعيدَ. فَيا عَجَباً! وَما لي لا أَعْجَبُ؟! وَالأَرْضُ مِنْ غاشٍّ غَشُوم ومُتَصَدِّق ظَلُوم، وَعامِل عَلَى الْمؤْمِنينَ بِهِمْ غَيْرِ رَحيم، فَاللهُ الْحاكِمُ فيما فيهِ تَنازَعْنا، وَالْقاضي بِحُكْمِهِ فيما شَجَرَ بَيْنَنا»[9].

5ـ تحدّث الإمام الحسين عليه السلام  كثيراً وفي مواقف ومناسبات مختلفة عن الأساليب الإجراميّة التي مارسها بحقّه جلاوزة يزيد بن معاوية وأعوانه، حتى أضحى خائفاً يترقّب، غير آمن على نفسه الشريفة وعرضه وحرمه الطاهر وماله ومكانته الدينيّة والاجتماعيّة، يلاحقونه في كلّ مكان، وقد أصدر يزيد حكم الإعدام بحقّ الحسين عليه السلام  إن لم يبايع [10]، فخرج من مدينة جدّه خائفاً يترقّب، وهو يقرأ حين خروجه [11] قوله تعالى [حكاية عن خروج موسى وهجرته من مصر]: (فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ )[12]، والنصوص الواردة عن الإمام الحسين عليه السلام  في هذه النقطة متواترة، فمنها على سبيل المثال:

l قوله عليه السلام  على مشارف كربلاء: «اللّهُمَّ، إِنّا عِتْرَةُ نَبيِّكَ مُحَمَّد صَلَواتُكَ عَلَيْهِ وآله، قَدْ أُخْرِجْنا وَأُزْعِجْنا وَطُرِدْنا عَنْ حَرَمِ جَدِّنا، وَتَعَدَّتْ بَنُو أُمَيَّةَ عَلَيْنا، اللّهُمَّ فَخُذْ لَنا بِحَقِّنا وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الظّالِمينَ»[13].

l وقوله عليه السلام  لابن عباس: «يَا بْنَ عَبّاس، فَما تَقُولُ في قَوْم أَخْرَجُوا ابْنَ بِنْتِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم  مِنْ دارِهِ وَقَرارِهِ وَمَوْلِدِهِ، وَحَرَمِ رَسُولِهِ، وَمُجاوَرَةِ قَبْرِهِ، وَمَوْلِدِهِ، وَمَسْجِدِهِ، وَمَوْضِعِ مَهاجِرِهِ، فَتَرَكُوهُ خائِفاً مَرْعُوباً لا يَسْتَقِرُّ في قَرار، وَلا يَأْوي في مَوْطِن، يُريدُونَ في ذلِكَ قَتْلَهُ وَسَفْكَ دَمِهِ، وَهُوَ لَمْ يُشْرِكْ بِاللهِ شَيْئاً، وَلا اتَّخَذَ مِنْ دُونِهِ وَليِّاً، وَلَمْ يَتَغَيَّرْ عَمّا كانَ عَلَيْهِ رَسُولُ الله؟!»[14].

l وقوله عليه السلام  في يزيد وجلاوزته: «إِنَّ هؤُلاءِ أَخافُوني»[15].

l وقوله عليه السلام  لأخيه محمد بن الحنفية حينما ناشده البقاء في مكّة: «يا أَخي، قَدْ خِفْتُ أَنْ يَغْتالَني يَزيدُ بْنُ مُعاوِيَةَ في الحَرَمِ، فَأَكُونَ الَّذي يُسْتَباحُ بِهِ حُرْمَةُ هذَا الْبَيْتِ»[16].

l وأيضاً قوله عليه السلام  لعبد الله بن عمر: «هَيْهاتَ يا بْنَ عُمَرَ! إِنّ الْقَوْمَ لا يَتْرُكُوني
 [وَ] إِنْ أَصابُوني، وَإِنْ لَمْ يُصيبُوني فَلا يَزالُونَ حَتّى أُبايِعَ وَأَنَا كارِهٌ، أَوْ يَقْتُلُوني»[17].

l وقوله عليه السلام  لعبد الله بن الزبير وجمع ممن كان بحضرته: «وَاللهِ، لاَن أُقْتَلَ خارِجاً مِنها [مكّة] بِشِبْر أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُقْتَلَ داخِلاً مِنْها بِشِبْر! وَأَيْمُ اللهِ، لَوْ كُنْتُ في جُحْرِ هامَّة مِنْ هذِهِ الهَوامِّ لاَسْتَخْرَجُوني حَتّى يَقْضُوا فِيَّ حاجَتَهُمْ! وَاللهِ، لَيَعْتَدُنَّ عَلَيَّ كَمَا اعْتَدَتِ الْيَهُودُ في السَّبْتِ»[18].

l وحينما قال له الفرزدق: يا بن رسول الله! ما أعجلك عن الحجّ؟ أجابه عليه السلام  بالقول: «لَوْ لَمْ أُعَجِّلْ لأُخِذْتُ»[19].

l وأيضاً قوله عليه السلام  لأبي هرّة الأزدي: «يا أَبا هِرَّةَ، إِنَّ بَني أُمَيَّةَ أَخَذُوا مالي فَصَبَرْتُ، وَشَتَمُوا عِرْضي فَصَبَرْتُ، وَطَلَبُوا دَمي فَهَرَبْتُ، وَأَيْمُ اللهِ، يا أَبا هِرَّةَ، لَتَقْتُلُنِي الْفِئَةُ الْباغِيَةُ وَلَيُلْبِسُهُمُ اللهُ ذُلّاً شامِلاً وَسَيْفاً قاطِعاً»[20].

والإمام الحسين عليه السلام  قد أكّد في هذه النصوص وغيرها على ثلاثة أُمور مهمّة في هذا العنصر الأوّل من عناصر الإرهاب الحكومي:

الأوّل: إن الحكومة الأُمويّة قد مارست معه عليه السلام  أُسلوب الجريمة المنظّمة والحرب النفسيّة المدروسة بمختلف أشكالها وطرقها، من قبيل محاولات الإخافة والتهديد وممارسة أعمال الرعب والإزعاج النفسي والبدني.

الثاني: الهجرة القسريّة؛ لفقدان الأمن وعدم الاستقرار في الوطن.

الثالث: المطاردة المستمرّة، وإصدار الحكم بالإعدام من دون إدانة بذنب أو جناية، سوى رفض المبايعة ليزيد.

ثم إن تلك المضايقات والتهديدات والممارسات الإجراميّة الكثيرة والمتواصلة قد خُتمت بفاجعة مؤلمة لا نظير لها في التاريخ، حين أقدمت الحكومة الأُموية على قتل الإمام الحسين عليه السلام  وأهل بيته وأصحابه وسبي عياله وسلب أمواله وانتهاك حرمته، في مشهد إرهابي دمويّ مُرعب. هذا والحسين عليه السلام  كان يُمثّل الشخصية الأُولى في الإسلام، وليس على وجه الأرض ابن بنت نبي غيره، فكيف حال سائر المسلمين المعارضين من أفراد الشعب؟! إنّ هذا يعني أنّ مقتل الإمام الحسين عليه السلام قد رسم لنا صورة تعريفيّة بليغة تشرح للأجيال طبيعة الأساليب غير الإنسانيّة التي كانت تُمارسها السلطات الجائرة آنذاك مع المواطنين الأبرياء. وفي هذه النقطة بالخصوص يقول عليه السلام : «يا أُمَّةَ السَّوْءِ! بِئْسَما خَلَّفْتُمْ مُحَمَّداً في عِتْرَتِهِ، أَما إِنَّكُمْ لَنْ تَقْتُلُوا بَعْدي عَبْداً مِنْ عِبادِ اللهِ الصّالحين فَتَهابُوا قَتْلَهُ، بَلْ يَهُونُ عَلَيْكُمْ عِنْدَ قَتْلِكُمْ إِيّايَ»[21].

وقد وقفت عقيلة الهاشميين زينب ابنة علي عليهما السلام  في بلاد الشام وقفة بطولة وشموخ، أدانت فيها إرهاب الطاغية يزيد بن معاوية في مجلسه وعاصمته إدانة مباشرة، وحمّلته مسؤوليّة الجرائم البشعة التي اقترفها بحقّهم، في خطبة طويلة عصماء، تقول فيها: «لعمري، لقد نكأت القرحة واستأصلت الشأفة، بإراقتك دم سيّد شباب أهل الجنّة... اللّهم خذ بحقّنا، وانتقم من ظالمنا، واحلل غضبك على مَن سفك دماءنا ونقض ذمارنا، وقتل حماتنا، وهتك عنّا سُدولنا»[22]. فأغلقت عليها السلام  بذلك الأبواب على كلّ مَن يُحاول أن يبرّئ يزيد من دم الحسين عليه السلام .

العنصر الثاني: تسليط الأجهزة القمعيّة على أفراد الشعب

من العناصر التعريفية الأُخرى لمفردة الإرهاب الحكومي هي: ممارسة الدّولة والحكومة لهذا النحو من الإرهاب بواسطة الأجهزة القمعيّة المرتبطة بها، إمّا من جهة انتسابها إليها، أو الإشراف عليها، أو حمايتها ورعايتها، أو نحو ذلك.

وهذا ما امتازت به الحكومات الأُموية المتعاقبة، وخصوصاً في زمن معاوية، حيث سلّط عُتاة هذه الأُمّة وأجلافها الجفاة على رقاب المسلمين، يسومونهم سوء العذاب، وهذا ما صرّح به الإمام الحسين عليه السلام  في كتابه إلى معاوية، حينما قال: «أوَ لَسْتَ المُدَّعي زياداً فِي الإسْلامِ، فَزَعَمْتَ أَنَّهُ ابْنُ أَبي سُفْيانَ، وَقَدْ قَضى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم : أنّ الولد للفراش، وللعاهر الحجر. ثُمَّ سَلَّطْتَهُ عَلى أَهْلِ الإسْلامِ يَقْتُلُهُمْ، وَيُقَطِّعُ أَيْديَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ مِنْ خِلاف، وُيُصَلِّبُهُمْ عَلى جُذُوعِ النَّخْلِ؟! سُبْحانَ اللهِ يا مُعاوِيَةُ، لَكَأنَّكَ لَسْتَ مِنْ هذِهِ الأُمَّةِ، وَلَيْسُوا مِنْكَ، أَوَ لَسْتَ قاتِلَ الـحَضْرَميّ الَّذي كَتَبَ إِلَيْكَ فيهِ زيادُ أَنَّهُ عَلى دينِ عَليٍّ؟! وَدينُ عَليٍّ هُوَ دينُ ابْنِ عَمِّهِ صلى الله عليه وآله وسلم »[23].

وفي نصّ آخر يخاطبه عليه السلام  بالقول: «أَوَ لَسْتَ المُدَّعي زِيادَ بْنَ سُمَيَّةَ المـَوْلُودَ عَلى فِراشِ عُبَيْدِ ثَقيف.. ثُمَّ سَلَّطْتَهُ علَى الْعِراقَيْنِ، يَقْطَعُ أَيْدِي المُسْلِمينَ وَأَرْجُلَهُمْ، وَيُسَمِّلُ أعْيُنَهُمْ وَيُصَلِّبُهُمْ عَلى جُذُوعِ النَّخْلِ، كَأَنّكَ لَسْتَ مِنْ هذِهِ الأُمَّةِ، وَلَيْسُوا مِنْكَ؟! أَوَ لَسْتَ صاحِبَ الحَضْرَميّينَ الَّذينَ كَتَبَ فيهِمُ ابْنُ سُمَيَّةَ أَنَّهُمْ كانُوا عَلى دينِ عَليّ عليه السلام ، فَكَتَبْتَ إِلَيْهِ: أن اقتل كلّ مَن كان على دين عليّ. فَقَتَلَهُمْ وَمَثَّلَ بِهِمْ بِأَمْرِكَ؟!»[24]. وقد سبقه عثمان بن عفان إلى هذا الأمر، حيث ولّى المجرمين من بني أُميّة وغيرهم على رقاب الناس، وكان ذلك هو السبب الرئيس في ثورة المسلمين وانقلابهم عليه؛ ما أدّى إلى مقتله على يد الثوار، في سابقة هي الأُولى من نوعها، واستمرّ هذا النهج الأُمويّ في زمن يزيد، حينما سلّط عبيد الله بن زياد على العراقَين، والتاريخ شاهد على الجرائم الكبرى التي اقترفها ابن زياد بحقّ الأبرياء من المؤمنين والصالحين في البصرة والكوفة.

العنصر الثالث: غايات الإرهاب الحكومي

إنّ الغاية من ممارسة هذا النوع من الإرهاب هو تغليب الرؤية السياسية الحاكمة، المرفوضة والمستنكرة شعبيّاً، والتي لا تتمكّن الحكومة من تحقيقها بالوسائل المشروعة. ومن الغايات أيضاً فرض السيطرة على المجتمع ومفاصل الدّولة، وتخويف المعارضة وإرغام الشعب على الخضوع والاستسلام للنظام الاستبدادي الحاكم.

ويؤكّد الإمام الحسين عليه السلام  على أنّ هذه الغايات كانت تدور في رأس معاوية، وهي التي دفعته لممارسة أبشع مظاهر العنف والإرهاب الحكومي آنذاك، وقد تضمّنت النصوص السابقة وغيرها التصريح بمثل تلك الغايات، فكانت حكومة معاوية قائمة على أساس الظلم واستحداث البدع والمنكرات في الدين؛ لإضعاف المجتمع الإسلامي، فانتشرت في زمانه ظاهرة الكذب والافتراء على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وإشاعة العقائد والأفكار الباطلة، ومقارفة كبائر المحرّمات، كشرب الخمر والزنا والغناء وغيرها، وكانت هذه الأهداف والغايات تستند إلى رؤيّة سياسيّة مدروسة لدى قيادات الحكم الأُموي، فتصدّى لهذه الممارسات والسياسات المنحرفة ثلّة من المؤمنين والصالحين «الَّذينَ كانُوا يُنْكِرُونَ الظُّلْمَ وَيَسْتَعْظِمُونَ الْبِدَعَ، وَلا يَخافُونَ فِي اللهِ لَوْمَةَ لائِم»، وكانت حركتهم سلميّة توعويّة محضة، فقتلهم معاوية «مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونُوا قاتَلُوا وَقَتَلُوا»[25].

كذلك كانت من الغايات الرئيسة في سياسة معاوية فرض السيطرة على المجتمع ومفاصل الدولة، والحفاظ على كرسيّ الحكم بأيّ ثمن، فكان يقتل الأبرياء الذين يُذكّرون الناس بفضل أهل البيت عليهم السلام  وحقوقهم في الأُمّة؛ شعوراً منه بأن ذلك قد يؤدّي لانقلاب مجتمعيّ ضدّ سلطته الجائرة كما أشرنا، وللحفاظ على حكمه وقمع المعارضة وإسكات صوتها في الأُمّة انتهج معاوية منهج القتل والعنف والإرهاب بحق الشعب المقاوم، وهذا ما أكّده الإمام الحسين عليه السلام  في نصّ سابق، حيث قال: «وَلَمْ تَفْعَلْ ذلِكَ [القتل] بِهِمْ إِلّا لِذِكْرِهِمْ فَضْلَنا، وَتَعْظيمِهِمْ حَقَّنا، فَقَتَلْتَهُمْ مَخافَةَ أَمْر لَعَلَّكَ لَوْ لَمْ تَقْتُلْهُمْ مِتَّ قَبْلَ أَنْ يَفْعَلُوا، أَوْ ماتُوا قَبْلَ أَنْ يُدْرِكُوا»[26].

ثم إنّ الإمام الحسين عليه السلام  مع أنّه كان يُصرّح لحكومة معاوية مراراً وتكراراً بأنّ حركته في الأُمّة سلميّة تثقيفيّة، وليست عسكريّة مُسلّحة، كقوله لمعاوية: «وَما أُريدُ لَكَ حَرْباً وَلا عَلَيْكَ خِلافاً»[27]، مع ذلك كلّه كان معاوية يُرسل للحسين عليه السلام  رسائل الوعيد والتنكيل والتهديد بالقتل، وكان الإمام الحسين عليه السلام  يُجيبه بالقول: «فَكِدْني ما بَدا لَكَ، فَإِنّي أَرْجُو أَنْ لا يَضُرَّني كَيْدُكَ فيَّ، وَأَنْ لا يَكُونَ عَلى أَحَد أَضَرَّ مِنْهُ على نَفْسِكَ»[28].

ويقع في السياق ذاته ممارسة أعمال القمع والإكراه والعنف بهدف أخذ البيعة ليزيد، وإجبار الإمام الحسين عليه السلام  على مبايعته، وفي هذا المجال يقول عليه السلام  مخاطباً قبر جدّه الأكرم محمّد صلى الله عليه وآله وسلم : «لَقَدْ خَرَجْتُ مِنْ جَوارِكَ كُرْهاً، وَفُرِّقَ بَيْني وَبَيْنَكَ حَيْثُ أِنّي لَمْ أُبايِعْ لِيَزيدَ بْنِ مُعاوِيَةَ»[29].

ويقول عليه السلام  أيضاً حينما هدّده عبيد الله بن زياد وخيّره بين القبول بالذلّ والخضوع للحكم الأُموي وبين القتل: «أَلا وَإِنَّ الدَّعِيَّ ابْنَ الدَّعيّ قَدْ تَرَكَني بَيْنَ السِّلَّةِ وَالذِّلَّةِ، وَهَيْهاتَ لَهُ ذلِكَ مِنّي، هَيْهاتَ مِنَّا الذِّلَّة»[30]، ويكشف هذا النصّ عن أنّ من الغايات الأساسيّة التي كان يستهدفها الأُمويّون في ممارستهم جرائم الإرهاب الحكومي، هو السعي لإذلال المعارضين أو القضاء عليهم.

العنصر الرابع: التمييز بين مكوّنات الشعب على أُسس غير قانونيّة

إنّ من جملة الأُسس التي قد يتمّ على أساسها التمييز بين مكوّنات الشعب الواحد، وممارسة القمع والقوّة غير الشرعيّة في حقّ مكوّن دون آخر، هي الأُسس السياسيّة أو الاجتماعيّة أو العرقيّة أو الدينيّة أو الثقافيّة أو المناطقيّة.

ولا شك في أنّ من الأمثلة الواضحة للتمييز المناطقي والديني والثقافي وقمع مكوّن ومحاباة مكوّن آخر من منطلق تلك الأُسس الإثنيّة هي تلك الأساليب القمعيّة التي مارسها معاوية في فترة حكمه، والتي اختصّت ببعض البلدان الإسلاميّة، وذلك حينما أقدم على ترشيح زمرة من الأدعياء المجرمين، وتسليطهم على المناطق التي لا تخضع لإرادته ونظامه السياسي الفاسد، وتحتضن المعارضين والمناوئين والمقاومين لحكومته الظالمة وغير الشرعيّة، كما هو حال العراقين: الكوفة، والبصرة، يقول الإمام الحسين عليه السلام  في وصف هذا العنصر من عناصر الإرهاب الحكومي: «ثُمَّ سَلَّطْتَهُ [زياد ابن أبيه] علَى الْعِراقَيْنِ، يَقْطَعُ أَيْدِي المسْلِمينَ وَأَرْجُلَهُمْ، وَيُسَمِّلُ أعْيُنَهُمْ وَيُصَلِّبُهُمْ عَلى جُذُوعِ النَّخْلِ»[31]، ولم تكن أمثال هذه الجرائم الوحشيّة مألوفة آنذاك في الشام ولا في مكّة ولا المدينة ولا غيرها، بل كان النظام الأُموي يُمارسها في خصوص العراق وأهله على يد المجرم زياد ابن أبيه، ومارسها أيضاً مع أتباع أهل البيت عليهم السلام  ومحبّيهم خاصّة أينما وجُدوا، كما فعل السفّاح بسر بن أرطاة مع المؤمنين من أهل مكّة والمدينة واليمن.

وأيضاً فيما يخصّ التمييز على أُسس دينية وعقديّة، يقول الإمام الحسين عليه السلام  مخاطباً معاوية بن أبي سفيان: «أَوَ لَسْتَ صاحِبَ الحَضْرَميّينَ الَّذينَ كَتَبَ فيهِمُ ابْنُ سُمَيَّةَ أَنَّهُمْ كانُوا عَلى دينِ عَليّ عليه السلام ، فَكَتَبْتَ إِلَيْهِ: أن اقتل كلّ مَن كان على دين عليّ.
فَقَتَلَهُمْ وَمَثَّلَ بِهِمْ بِأَمْرِكَ؟!»
[32].

وأما التمييز في النظام الأُموي على أساس عرقي، فكان أوضح من أن يخفى، حيث اختصّت الأُسرة الحاكمة بالأموال والمناصب والمكانة الاجتماعية، في الوقت الذي يواجه سائر الناس حرماناً واضطهاداً وقمعاً بلا رحمة ولا شفقة، وفي إشارة إلى هذه الحقيقة يقول الإمام الحسين عليه السلام  لمعاوية: «وَلَقَدْ فَضَّلْتَ حَتّى أَفْرَطْتَ، وَاسْتَأثرْتَ حَتّى أَجْحَفْتَ، وَمَنَعْتَ حَتّى مَحِلْتَ، وَجُزْتَ حَتّى جاوَزْتَ، ما بَذَلْتَ لِذي حَقٍّ مِنِ اسْمِ حَقِّهِ بِنَصيب، حَتّى أَخَذَ الشَّيْطانُ حَظَّهُ الأوفَرَ»[33].

العنصر الخامس: تجاوز القوانين الدّولية والعرفية

إن المراد من عدم قانونيّة العنف الذي تُمارسه الحكومة بحقّ شعبها، هو تجاوز القوانين الدّولية والعرفية والإنسانيّة التي تُنظّم علاقة الحاكم بالمحكوم.

ولا شك بأنّ ما أوردناه من أعمال للعنف والقمع والإرهاب، والتي مارسها النظام الأُموي الحاكم بحقّ الأبرياء من المواطنين الآمنين في البلدان الإسلاميّة، منافية بأجمعها للقوانين والمقرّرات الدّولية والعرفية والإنسانيّة، ولا شك أيضاً بأنّ العُرف البشري والقانون الدّولي يستنكر بشدّة:

1 ـ ملاحقة الأبرياء واعتقالهم وتهجيرهم وإصدار أحكام الإعدام بحقّهم وقتلهم لمجرّد التُّهم والافتراءات الباطلة، ومن دون أيّ مُستند قانونيّ أو شرعيّ.

2 ـ قمع المواطنين الآمنين المسالمين، وتصفيتهم بسبب انتمائهم الديني والعقدي.

3 ـ التمييز الاجتماعي والديني والعرقي والمناطقي الجائر وغير المنصف بين مكوّنات الشعب.

4 ـ تسليط المرتزقة والأجهزة الإجراميّة لقمع الأبرياء من أفراد الشعب.

5 ـ فرض نظام الحكم الفاسد والجائر بالقوّة والإكراه.

6 ـ إجبار المواطنين وإكراههم بالعنف والقوّة على مبايعة الفاسدين وغير المؤهّلين لإدارة شؤون الدّولة.

7 ـ قمع كلّ أشكال المعارضة، بما في ذلك المعارضة السلميّة غير المسلّحة.

8 ـ نقض المعاهدات، وخرق المواثيق المبرمة مع الأطراف المعارضة، وعدم احترامها.

هذا وغيره من الجرائم التي ارتكبها النظام الأُمويّ الحاكم بحقّ الأبرياء، تنطبق عليها كلّ العناصر التعريفيّة للإرهاب الحكومي، وتُعدّ منافية للقوانين والأعراف البشريّة، وقد استنكرها وأدانها الإمام الحسين عليه السلام  قديماً بالقول الصريح والموقف الواضح والجريء.

البحث الثاني: عناصر إضافيّة تعريفيّة للإرهاب الحكومي في كلمات الإمام الحسين عليه السلام

هناك مجموعة أُخرى من العناوين المهمّة والعناصر التعريفيّة الإضافيّة لمفردة الإرهاب الحكومي، ذكرها الإمام الحسين عليه السلام  في سياق استعراضه للعناصر التعريفيّة التي عُرِّف بها الإرهاب والعنف الحكومي في زمانه، ووحدة السياق مع ذكر العناصر السابقة تكشف بوضوح عن ارتباط هذه العناصر الجديدة ارتباطاً وثيقاً بمحلّ البحث، لكننا مع ذلك لا نلمس التركيز عليها في التعاريف المتداولة لهذا الصنف من الإرهاب، وفيما يلي بيان موجز لأهمّ تلك العناصر المضافة في كلمات الإمام عليه السلام :

1 ــ  الظلم والجور والعدوان

يُعدّ هذا العنوان المرفوض والمستنكر في المجالين الديني والإنساني من العناوين العامّة والواسعة التي تستوعب في سعتها مجموعة كبيرة من أعمال العنف والقمع غير القانوني، ما قد يشمل بعمومه جملة من العناصر التعريفيّة الماضية، بالإضافة إلى عناصر أُخرى أهملتها تعاريف الإرهاب ستأتي الإشارة إلى بعضها لاحقاً. فكلّ حيف وجور وتجاوز وعدوان وسلب للحقوق العامّة والخاصّة يقع في دائرة هذا العنوان العريض، وهو من العناوين المتكرّرة كثيراً في كلمات الإمام الحسين عليه السلام ، فحيثما كان ينتقد بصورة مُعلنة ومباشرة رأس الحكم الأُموي ويُدين بشدّة كلّ مظاهر الإرهاب الحكومي التي يُعاني منها الشعب آنذاك، كان عليه السلام  يُصرّح أيضاً بأن تلك المظاهر والممارسات واقعة تحت دائرة الظلم والجور والعدوان، وقد أشرنا سابقاً إلى بعض تلك النصوص الحسينيّة المباركة، وكان منها ما ذكره عليه السلام  في ضمن توصيفه الجرائم البشعة التي مارسها معاويّة وعصاباته بحقّ أصحاب النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم  وأمير المؤمنين عليه السلام ، حيث قال عليه السلام : «فَقَتَلْتَهُمْ ظُلْماً وَعُدْواناً»[34]. ومن ذلك أيضاً قوله عليه السلام  مخاطباً الجيش الكوفي في كربلاء: «وَنَحْنُ أَهْلُ البَيْتِ وَأَوْلى بِوِلايَةِ هذَا الأمْرِ عَلَيْكُمْ مِنْ هؤُلاءِ الْمـُدَّعينَ ما لَيْسَ لهمْ، وَالسّائِرينَ فيكُمْ بِالْجورِ وَالْعُدْوانِ»[35]. ومنه أيضاً ما جاء في حديثه عليه السلام  مع كبار الصحابة والتابعين في مكّة المكرّمة، حيث يقول: «فَيا عَجَباً! وَما لي لا أَعْجَبُ؟! وَالأَرْضُ مِنْ غاشٍّ غَشُوم ومُتَصَدِّق ظَلُوم، وَعامِل عَلَى الْمؤْمِنينَ بِهِمْ غَيْرِ رَحيم»[36]. وفي هذا المجال أيضاً استدلاله عليه السلام  على ضرورة الخروج لمواجهة طغيان الحكم الأُموي بقول النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم : «مَن رأى سلطاناً جائراً مستحلّاً لحرم الله، ناكثاً لعهد الله، مخالفاً لسنّة رسول الله، يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان، فلم يُغيّر عليه بفعل ولا قول، كان حقّاً على الله أن يُدخله مدخله»[37].

وهذا هو ذات المنطق والمنهج الإلهي الوحياني الذي نصّت عليه آيات القرآن الكريم، فإنّ الله عزّ وجلّ قد وصف الإرهاب والقمع الحكومي الذي كان يمارسه فرعون وجلاوزته مع طائفة من الشعب، وهم بنو إسرائيل بالظلم، كما في قوله تعالى: (وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَكُلٌّ كَانُوا ظَالِمِينَ)[38]. وفي نصّ قرآني آخر يقول الله تعالى: (فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ)[39]. وحينما اضطرّ موسى للهجرة ومغادرة أراضي الحكومة الفرعونيّة، قال: (قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ)[40]. وأيضاً في المجال ذاته كلام: (امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ)[41]. فالظلم والجور من أهمّ العناوين العامّة والأجناس العالية المعتبرة في تعريف حقيقة الإرهاب الحكومي، وهو ما أكّد عليه الإمام الحسين عليه السلام  في كلامه السابق.

 2 ــ  الفساد في الأرض

إنّ هذا العنوان المهمّ هو أيضاً من العناوين التعريفيّة العامّة، الشاملة بعمومها لعدد وافر من العناصر والأمثلة والتطبيقات البيانيّة المؤثرة في تعريف حقيقة ومعنى الإرهاب الحكومي، وهو كسابقه مُستنكر ومرفوض في المستويين الشرعي والإنساني، وقد أكّد الإمام الحسين عليه السلام  على خطورته وآثاره المدمّرة في سياق استعراضه للعناصر التعريفيّة السابقة واستنكاره لجرائم العنف الأُموي بحقّ الأبرياء في بلاد الإسلام، ومن تلك الموارد الكثيرة قوله عليه السلام  بصدد فضح السياسات الإجراميّة للزمرة الأُمويّة الحاكمة: «إِنَّ هؤُلاءِ قَوْمٌ لَزِمُوا طاعَةَ الشَّيْطانِ، وَتَرَكُوا طاعَةَ الرَّحْمنِ، وَأَظْهَروُا الْفَسادَ في الأَرْضِ، وَأَبْطَلُوا الحُدُودَ، وَشَرِبُوا الخُمُورَ، وَاسْتَأْثروُا في أَمْوالِ الْفُقَراءِ وَالمساكينَ، وَأَنا أَوْلى مَنْ قامَ بِنُصْرَةِ دينِ اللهِ وَإِعْزازِ شَرْعِهِ وَالْجِهادِ في سَبيلِهِ، لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللهِ
 هِيَ الْعُلْيا»
[42].

وقد جاء أيضاً هذا العنصر التعريفي العامّ بشكل واضح وصريح ومتكرّر في مواضع كثيرة من آيات القرآن الكريم، وخصوصاً في مجال الحديث عن الإرهاب الحكومي، ولعلّ من أهمّ الموارد البارزة في المقام ما أشرنا إليه من سياسة فرعون القمعيّة واضطهاده لشعبه من بني إسرائيل، وبهذا الصدد يقول الله تعالى: (إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ  إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ)[43]. ويقول تعالى أيضاً: (فَمَا آمَنَ لِمُوسَىٰ إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ عَلَىٰ خَوْفٍ مِّن فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَن يَفْتِنَهُمْ  وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ )[44]. وهذا يعني أنّ عنوان (الفساد في الأرض) هو الآخر معدود من الأجناس العالية والعناوين العامّة المعتبرة في تعريف مفردة الإرهاب الحكومي، وقد ذكره الإمام الحسين عليه السلام  في السياق ذاته.

 3 ــ  نقض العهود والمواثيق

إنّ من الطبيعي جدّاً أن تواجه الحكومات القمعيّة والأنظمة المستبدّة معارضة ومواجهة شديدة من قبل طبقات الشعب الحرّة والواعيّة، وهذا ما واجهته بالفعل الحكومة الأُموية الظالمة، فالأحرار من الصحابة والتابعين والمؤمنين من أتباع أهل البيت عليهم السلام  كان لهم صوتاً مرتفعاً وموقفاً حازماً مقاوماً بوجه الإرهاب الأُموي، وقد كان لهم تأثيرهم الواضح في الأوساط الشعبية المؤمنة، وهذا ما كان يخشاه معاوية كثيراً، وللقضاء على تلك الأصوات المعارضة وإسكاتها مارس أبشع الجرائم الوحشيّة، وهذا ما اضطر المعارضة في بعض الأحيان للدخول في هُدنة مع السلطة، ومعاوية لخوفه الشديد من تفاقم هذه الحركات المعارضة كان يُعطيهم الأمان والعهود والمواثيق والأيمان المغلّظة بعدم مطاردتهم أو التعرّض لهم، مُقابل جلوسهم وسكوتهم عن التعرّض لحكومته، ومع كلّ ذلك كان معاوية يخون عهده وينقض تلك المواثيق، وكأنّها لم تكن، فيغتال معارضيه ويقتلهم بدم بارد، وقد عُرف معاوية بهذا الأُسلوب وهذه الطريقة من زمن أمير المؤمنين عليه السلام ، حينما خان عهده في مسألة التحكيم المشهورة، وكذلك خيانته المعروفة لبنود صلحه مع الإمام الحسن عليه السلام . والإمام الحسين عليه السلام  وفي سياق ذكره لعناصر الإرهاب الحكومي يُشدّد على مسألة نقض العهود والمواثيق، ويُدرجها في العناصر التعريفيّة للإرهاب الحكومي الذي كان يمارسه معاوية بحقّ معارضيه، وقد أشرنا إلى بعض تلك النصوص الحسينيّة المباركة في البحث السابق، والتي كان منها قوله عليه السلام : «فَقَتَلْتَهُمْ ظُلْماً وَعُدْواناً مِنْ بَعْدِ ما أعْطَيْتَهُمُ المَواثيقَ الْغَليظَةَ، وَالْعُهُودَ المُؤَكَّدَةَ جُرْأَةً عَلَى اللهِ، وَاسْتِخْفافاً بِعَهْدِهِ»[45]. وأيضاً يقول عليه السلام  في نص آخر سابق: «ثُمّ قَتَلْتَهُمْ ظُلْماً وَعُدْواناً مِنْ بَعْدِ ما كُنْتَ أَعْطَيْتَهُمُ الأَيمانَ المُغَلَّظَةَ، وَالمَواثيقَ المُؤَكَّدَةَ، وَلا تَأْخُذَهُمْ بِحَدَث كانَ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُمْ، وَلا بِإِحْنَة تَجِدُها في نَفْسِكَ... وَلَقَدْ نَقَضْتَ عَهْدَكَ بِقَتْلِكَ هؤُلاءِ النَّفَرِ الَّذينَ قَتَلْتَهُمْ بَعْدَ الصُّلْحِ وَالأَيمانِ وَالْعُهُودِ وَالمَواثيقِ»[46]. وتُمثّل هذه النقطة بالخصوص عنصراً مهماً من عناصر الإرهاب الحكومي، لم يتمّ التركيز عليها في التعريفات المتداولة في العصر الحاضر.

4 ــ  سرقة أموال الشعب والاستئثار بالفيء

إنّ سرقة الحكومات الفاسدة لأموال شعوبها والسطو على حقوقهم العامّة كان ولا يزال يُمثّل ظاهرة مألوفة في كثير من البلدان الإسلاميّة والعربيّة وغيرها من البلدان التي تحكمها أنظمة فاسدة ومُستبدّة ودكتاتوريّة، وتُعدّ هذه الظاهرة المقيتة والمدمّرة من أهمّ وأبرز أسباب انتشار الظلم والفقر والتخلّف والجريمة والخراب في المجتمع؛ ولذا نرى أنّ الإمام الحسين عليه السلام  قد أدرج هذا العنصر الحساس في ضمن العناصر التعريفيّة لمفردة الإرهاب الحكومي، فالحكومة التي تعتدي على أموال شعبها حكومة إرهابيّة وداعمة للجريمة والإرهاب في المجتمع، وتُعدّ هذه الفكرة التعريفيّة امتيازاً وسِبقاً معرفيّاً مُستفاداً من كلمات الإمام الحسين عليه السلام ، لم يُلتفت إليها إلى هذه اللحظة، بالرّغم من سعة البحوث والدراسات في هذا المجال، وبخصوص هذا العنصر المهمّ من عناصر الإرهاب الحكومي يقول الإمام عليه السلام  في حديثه مع معاوية، الذي استأثر بأموال المسلمين ومنعها مستحقّيها من الفقراء والمساكين ـ: «وَلَقَدْ فَضَّلْتَ حَتّى أَفْرَطْتَ، وَاسْتَأثَرْتَ حَتّى أَجْحَفْتَ، وَمَنَعْتَ حَتّى مَحِلْتَ، وَجُزْتَ حَتّى جاوَزْتَ، ما بَذَلْتَ لِذي حَقٍّ مِنِ اسْمِ حَقِّهِ بِنَصيب حَتّى أَخَذَ الشَّيْطانُ حَظَّهُ الأَوْفَرَ»[47]. ويقول عليه السلام  أيضاً في المقام ذاته استنكاراً وإدانة للمنهج الأُمويّ الفاسد: «إِنَّ هؤُلاءِ قَوْمٌ لَزِمُوا طاعَةَ الشَّيْطانِ... وَاسْتَأْثَروُا في أَمْوالِ الْفُقَراءِ وَالمَساكينَ»[48]. وفي نص آخر يقول عليه السلام : «وَاسْتَأْثرُوا بِالْفَيءِ»[49]. وقد جاء هذا الشجب والاستنكار في سياق الحديث عن إرهاب السلطة في العصر الأُموي.

ولا شكّ في أنّ الإمام الحسين عليه السلام  يتّبع في هذه الرؤية الدقيقة ذات المنهجيّة القرآنيّة المباركة؛ إذ إنّنا نلاحظ بأنّ القرآن الكريم قد تحدّث وبوضوح عن قصّة الفساد المالي لحكومة فرعون وملئه من المستكبرين في سياق إرهابهم وإجرامهم الحكومي مع شعبهم، حيث كانت الكابينة الفرعونيّة الحاكمة تستأثر بالأموال والامتيازات الخاصّة والعامّة، في الظرف الذي يرزح الشعب فيه من بني إسرائيل تحت خطوط الفقر والعوز والجوع والحاجة، وقد شكّل هذا العنصر بالخصوص أحد الموانع والعقبات الكبيرة التي تقف أمام الإصلاح المجتمعي الذي بُعث به موسى عليه السلام  لقومه؛ ولذا طلب موسى عليه السلام  من الله تعالى بصريح القول أن يُدمّر تلك الترسانة الماليّة الضخمة غير الشرعيّة لفرعون وجلاوزته، والتي وظّفوها بإتقان للقضاء على الحركة الإصلاحيّة لموسى عليه السلام  في المجتمع، كما جاء النصّ على ذلك في قوله تعالى: (وَقَالَ مُوسَىٰ رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَن سَبِيلِكَ  رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَىٰ أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّىٰ يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ)[50]. وقد استجاب الله تعالى دعوة نبيّه قائلاً: (وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ)[51]. والتاريخ شاهد على أنّ هذا الترف والبذخ المالي المبني على أكتاف الفقراء كان من أبشع ألوان الإرهاب في حكومة فرعون الفاسدة، استنكره القرآن الكريم وأدانه بشدّة، وحكومة معاوية قد مارست أيضاً هذا الصنف من أصناف الإرهاب الحكومي بصورة مفرطة، وفي المقابل واجه الإمام الحسين عليه السلام  هذه الظاهرة الوبائيّة بحزم وقوّة، متّبعاً في ذلك ذات النهج الإلهي مع فرعون وحكومته الظالمة.

 5 ــ  تنصيب غير الكفوئين في المناصب السياديّة

إنّ هذا العنصر التعريفي المأثور في كلمات الإمام الحسين عليه السلام  هو الآخر من العناصر المهمّة والمؤثرة في تحديد مفردة الإرهاب الحكومي، وتتجلّى أهمّيته أكثر عندما نطالع ما واجهته وتواجهه الشعوب والبلدان على مرّ التاريخ، من كوارث إنسانيّة مدمّرة؛ نتيجة ترشيح عديمي الكفاءة وتمكينهم من المناصب السياديّة وتسليطهم على رقاب الناس، والإمام الحسين عليه السلام  يرى بأنّ من أمثلة الإرهاب الحكومي البارزة وضع غير الكفوئين في المناصب السياديّة والحسّاسة، وهذا بالتحديد هو ما فعله معاوية حينما ولّى الفاسدين والمجرمين والمنحرفين على مقدّرات وشعوب البلدان الإسلاميّة، من أمثال زياد ابن أبيه وبسر بن أرطاة وغيرهما، وكذلك الحال بالنسبة إلى مسألة أخذ البيعة بالخلافة وولاية العهد من بعده لولده يزيد الفسق والفجور، وقد استنكر الإمام الحسين عليه السلام  هذه الظاهرة الخطيرة وحذّر من تداعياتها، وأدانها بشدّة في مواقف ومناسبات كثيرة، والنصوص الواردة في هذه النقطة بالخصوص متضافرة، فمن ذلك قوله عليه السلام  لمعاوية: «أوَ لَسْتَ المُدَّعي زياداً فِي الاِْسْلامِ... ثُمَّ سَلَّطْتَهُ عَلى أَهْلِ الإسْلامِ يَقْتُلُهُمْ»[52]. وأيضاً قوله عليه السلام  في مسألة أخذ البيعة ليزيد: «لا أعْلَمُكَ إِلّا وَقَدْ خَسِرْتَ نَفْسَكَ، وَبَتَرْتَ دينَكَ، وَغَشَشْتَ رَعِيَّتَكَ، وَأَخْرَبْتَ أَمانَتَكَ»[53]. وهكذا في نصّ آخر يقول عليه السلام : «ثُمَّ وَلَّيْتَ ابْنَكَ وَهُوَ غُلامٌ يَشْرَبُ الشَّرابَ وَيَلْهُ بِالْكِلابِ، فَخُنْتَ أَمانَتَكَ وَأَخْرَبْتَ رَعيَّتَكَ، وَلَمْ تُؤَدِّ نَصيحَةَ رَبِّكَ، فَكَيْفَ تُوَلّي عَلى أُمّةِ مُحَمَّد صلى الله عليه وآله وسلم  مَنْ يَشْرَبُ المُسْكِرَ، وَشارِبُ المُسْكِرِ مِنَ الْفاسِقينَ، وَشارِبُ المُسْكِرِ مِن الأَشْرارِ، وَلَيْسَ شارِبُ المُسْكِرِ بِأَمين عَلى دِرْهَم، فَكَيْفَ عَلىَ الأُمَّةِ؟!»[54]. وبالمضمون ذاته أيضاً قوله عليه السلام : «وَاعْلَمْ أَنَّ اللهَ لَيْسَ بِناسٍ لَكَ قَتْلَكَ بِالظِّنَّةِ، وَأَخْذَكَ بِالتُّهْمَةِ، وَإِمارَتَكَ صَبيّاً يَشْرَبُ الشَّرابَ، وَيَلْعَبُ بِالْكِلابِ، ما أَراكَ إِلّا قَدْ أَوْبَقْتَ نَفْسَكَ، وَأَهْلَكْتَ دينَكَ، وَأَضَعْتَ الرَّعيَّةَ»[55]. وحينما فشل معاوية في إقناع كبار الصحابة والتابعين بخلافة يزيد من بعده، واستشعر وعي الأُمّة ومعرفتها بعدم كفاءة ابنه لمنصب الخلافة وقيادة الأُمّة وإدارة شؤونها، حاول جاهداً أن يُوهم الناس البسطاء بأنّ ابنه هو الأصلح للأُمّة، وأنه يُتقن فنّ السياسة وإدارة الدّولة، وعالم بشؤون الحكم والسلطة، وأقدم على نشر هذه الأفكار بنفسه في مكّة المكرّمة والمدينة المنوّرة، فتصدّى الإمام الحسين عليه السلام  لردّه وردعه بكلام واضح وصريح، لا يدع أيّ مجال لما يزعمه ويدّعيه معاوية من مديح لا يستحقّه ابنه يزيد، حيث خاطبه عليه السلام  بالقول: «وَفَهِمْتُ ما ذَكَرْتَهُ عَنْ يَزيدَ مِنِ اكْتِمالِهِ وَسِياسَتِهِ لأُمّةِ مُحَمَّد، تُريدُ أَنْ تُوهِمَ النّاسَ في يَزيدَ، كَأَنَّكَ تَصِفُ مَحْجُوباً، أَوْ تَنْعِتُ غائِباً، أَوْ تُخْبِرُ عَمّا كانَ مِمَّا احْتَوَيْتَهُ بِعِلْم خاصٍّ، وَقَدْ دَلَّ يَزيدُ مِنْ نَفْسِهِ عَلى مَوْقِعِ رَأْيِهِ، فَخُذْ لِيَزيدَ فيما أَخَذَ بِهِ مِنَ اسْتِقْرائِهِ الْكِلابَ المُهارِشَةَ عِنْدَ التَّحارُشِ، وَالحَمامَ السُّبَّقَ لأِتْرابِهِنَّ، وَالقيّانِ ذَواتِ المَعازِفِ، وَضَربِ المَلاهي، تَجِدُهُ باصِراً، وَدَعْ عَنْكَ ما تُحاوِلُ، فَما أَغْناكَ أَنْ تَلْقىَ الله مِنْ وِزْرِ هذَا الخَلْقِ بِأَكْثَرَ مِمّا أَنْتَ لاقيهِ»[56]. فالإمام الحسين عليه السلام  قد استشرف خطورة تولية يزيد الفاسد على شؤون هذه الأُمّة ومقدّراتها، وكان الأمر كما قاله عليه السلام ؛ إذ لم ترَ الأُمّة من يزيد إلّا مزيداً من مظاهر القتل والظلم والدمار. وفي هذا السياق أطلق الإمام الحسين عليه السلام  كلمته المشهورة: «وَعَلَى الإسْلامِ السَّلامُ إِذْ قَدْ بُلِيَتْ الأُمَّةُ بِراعٍ مِثْلِ يَزيدَ»[57].

ولأنّ الحكم الأُموي المتمثّل بحكم معاوية كان هو الأخطر على الأُمّة الإسلامية كما تبيّن من مُجمل العناصر الماضية للإرهاب الحكومي بحقّ الشعب، خاطبه الإمام الحسين عليه السلام  بالقول: «وَإِنّي لا أَعْلَمُ فِتْنَةً أَعْظَمَ عَلى هذِهِ الأُمَّةِ مِنْ وِلايَتِكَ عَلَيْها»[58].

البحث الثالث: المبادئ والأساليب العامّة في مواجهة الإرهاب الحكومي

لا نريد الخوض في غمار هذا البحث على سعته، وإنّما نسعى لقراءة كلمات الإمام الحسين عليه السلام  الواردة في هذا الشأن بالخصوص، واستطلاع ما ذكره عليه السلام  من مبادئ وأساليب عامّة لمواجهة مخاطر الإرهاب الحكومي، وفي هذا الإطار احتوى كلامه القدسي على أفكار قيّمة وعناوين مهمّة، تفسح المجال واسعاً أمام المفكّرين والباحثين المختصّين بدراسة مظاهر العنف والإرهاب في البلدان والمجتمعات، وتضع في متناول الشعوب المعارضة والرافضة لسياسات حكوماتها القمعيّة المناهج الصحيحة والخطط المحكمة للوقوف بوجه جرائم السلطات الحاكمة ومكافحتها، ونستعرض فيما يلي بإيجاز أهمّ تلك المبادئ والأساليب في دائرة العناوين التالية:

1 ـ الصبر

لا شكّ في أنّ الصبر قرين الأعمال والمشاريع الكبيرة، والحركات الناجحة والمثمرة، وكلّما ازدادت ضخامة العمل والمشروع كان أصحابه أشدّ احتياجاً وفاقة إلى التحلّي بالصبر والتحمّل والثبات، ويُعدّ الصبر من أهمّ الصفات الأخلاقيّة والملكات النفسانيّة التي أوصى الله تعالى بها الأنبياء والمرسلين والأوصياء والمؤمنين كافّة، والآيات القرآنيّة والأحاديث الشريفة التي تعرّضت لهذه الصفة وحدودها ودرجاتها وأهمّيتها وشرائطها وآثارها فوق حدّ الحصر والإحصاء، ولا يسعنا المجال للخوض في تفاصيل مبدأ الصبر ودوره المحوري في تكامل الإنسان وبناء شخصيّته، لكنّنا نؤكّد هنا على أن اختيار خطّ المعارضة ومنهج المواجهة مع السلطات الفاسدة والظالمة بحاجة إلى همّة عالية ودرجات متقدّمة من التحمّل والصبر.

ولأنّ خطّ الأنبياء الرسالي ومنهجهم الإصلاحي في المجتمع كان يستدعي الوقوف بحزم وثبات بوجه الطغاة والمتسلّطين الفاسدين من حكّام الظلم والجور، كان الله تعالى يُوصيهم ويأمرهم بالصبر كثيراً، ويُوصي نبيّه الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم  أن يحذو حذو الأنبياء السابقين، ويتسلّح دائماً بهذه الصفة العظيمة، يقول الله تعالى مخاطباً نبيّنا الكريم محمّداً صلى الله عليه وآله وسلم : ( فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ)[59]. وهكذا يخاطب الله تعالى المؤمنين الذين هم على نهج الأنبياء وخط الرسالة بالقول: (ا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّـهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)[60].

وكان موسى عليه السلام  أيضاً يُوصي قومه من بني إسرائيل بالصبر والتحمّل والثبات؛ للوقوف بحزم وقوّة أمام أشرس إرهاب حكومي مارسه معهم الطاغية فرعون والمستكبرون من قومه، يقول الله عزّ وجلّ بهذا الصدد: (وَقَالَ الْمَلَأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَىٰ وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ  قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ * قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّـهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّـهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ)[61]. وقد أوصى الله تعالى بمبدأ الصبر ومدحه وحثّ عليه في أكثر من مائة مورد في القرآن الكريم، وأمّا الأحاديث فيعجز الباحث عن إحصائها، كلّ ذلك يؤكّد أهمّية الصبر ومحوريّته في الحركات والمشاريع الإصلاحية.

وكان من أبرز الشخصيات الإصلاحيّة الرائدة التي عُرفت في زمانها بمعارضتها الصريحة للفساد والإرهاب الحكومي الصحابي الجليل أبو ذر الغفاري (رضوان الله تعالى عليه)، وخصوصاً في فترة خلافة عثمان بن عفان، حيث انحرفت خلافته كثيراً عن مبادئ الإسلام وأُصوله؛ ما أدّى إلى استياء واسع في الأوساط الشعبيّة، ومعارضة شديدة للجهاز الحاكم وسياسته الظالمة والمجحفة، وكان أبو ذر يقف في الواجهة بقوّة وحزم مُعارضاً لاستبداد عثمان وولاته وتفرّدهم الجائر بالسلطة، وقد دفع ضريبة كبيرة إزاء منهجه المعارض وسيرته الرافضة والمقاومة للجور والظلم، وواجه في سبيل ذلك مُختلف صنوف التعذيب والضرب والإهانة والتهجير والطرد من مدينة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، حتى مات غريباً مظلوماً مهضوماً في صحراء الربذة ورمضائها، وقصّته معروفة ومشهورة، وحينما أصدر الخليفة عثمان قرار طرده وتهجيره خارج المدينة المنوّرة، خرج لمشايعته وتوديعه في مظاهرة سلميّة أمير المؤمنين والحسن والحسين عليهم السلام ، ومعهم عقيل بن أبي طالب وعمّار بن ياسر، وقد حاولوا أن يخفّفوا عنه آلام العنف الذي واجهه في حكم عثمان والغربة المؤلمة التي سيعيشها بقيّة حياته، ضريبة مكافحته للإرهاب، ومن جملة ما تكلّم به الإمام الحسين عليه السلام  في هذا الموقف العصيب هو التأكيد على مسألة الصبر والتحمّل، وأنّ مواجهة الإرهاب الحكومي ينبغي أن يكون مقروناً بملكة الصبر، ولا نصر إلّا مع الصبر، حيث خاطبه عليه السلام  بالقول: «يا عَمّاهْ، إِنَّ الله تَبارَكَ وَتَعالى قادِرٌ أَنْ يُغَيِّرَ ما تَرى، وَهُوَ كُلَّ يَوْم في شَأن، إِنَّ الْقَوْمَ مَنَعُوكَ دُنْياهُمْ وَمَنَعْتَهُمْ دينَكَ فَما أَغْناكَ عَمّا مَنَعُوكَ، وَما أَحْوَجَهُمْ إِلى ما مَنَعْتَهُمْ، فَعَلَيْكَ بِالصَّبْرِ؛ فَإنَّ الخَيْرَ في الصَّبْرِ، وَالصَّبْرُ مِنَ الْكَرَمِ، وَدَعِ اَلجَزَعَ فَإنَّ الجَزَعَ لا يُغْنيكَ»[62].  وفي نصّ آخر قال عليه السلام : «فَاسْأَلِ الله الصَّبْرَ وَالنَّصْرَ، واسْتَعِذْ بِهِ مِنَ الجَشَعِ وَالجَزَعِ؛ فَإِنَّ الصَّبْرَ مِنَ الدّينِ وَالْكَرَمِ، وَإنَّ الجَشَعَ لا يُقَدِّمُ رِزْقاً، وَالجَزَعُ لا يُؤَخِّرُ أَجَلاً»[63].

وكان الإمام الحسين عليه السلام  يلهج دائماً بالصبر في مواجهة الطغاة إلى لحظاته الأخيرة، حينما وقع على تربة كربلاء، وبقي ثلاث ساعات من النهار ملطّخاً بدمه الشريف، رامقاً بطرفه إلى السماء وينادي: «يا إلهي، صبراً على قضائك، ولا معبود سواك، يا غياث المستغيثين»[64]. وفي زيارة الناحية المقدّسة يُخاطبه الإمام المهدي عج الله تعالى فرجه الشريف  بالقول: «وقد عجبتْ من صبرك ملائكة السماوات»[65].

2 ـ  الشجاعة

«الشجاعة بنفسها ملكة يُقتدر بها على خوض الأهوال، ومعاركة الأبطال، وتلزمها جرأة وقوّة قلب»[66]. وفي الحديث عن الإمام الصادق عليه السلام : «جُبلت الشجاعة على ثلاث طبائع، لكلّ واحدة منهن فضيلة ليست للأُخرى: السخاء بالنفس، والأنفة من الذلّ، وطلب الذكر، فإن تكاملت في الشجاع كان البطل الذي لا يُقام لسبيله والموسوم بالإقدام في عصره»[67].

ومن الواضح أنّ الوقوف بوجه الطغاة والظالمين ومواجهة الحكومات الإرهابيّة يتطلّب مستويات عالية من ملكة الشجاعة والجرأة والإقدام، وواضح أيضاً أنّ صفات الضعف والخوف والجبن لا تتوافق أبداً مع اختيار طريق الرفض والمعارضة ومقاومة الأنظمة الاستبداديّة الجائرة، الذي يتطلّب في كثير من الأحيان المواجهة المسلّحة والتضحية بالغالي والنفيس، فالضعيف الخائف الجبان سُرعان ما يتراجع ويخضع أمام إرهاب السلطات القمعيّة؛ ولذا نرى أنّ الله تعالى خاطب نبيّه موسى عليه السلام  حينما أرسله للوقوف بوجه الطاغية فرعون بالقول: (يَا مُوسَىٰ لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ)[68].

وقد تجلّت الشجاعة والرجولة والبسالة بأوضح أشكالها وأعلى درجاتها في كلمات أبي عبد الله الحسين عليه السلام  ومواقفه الحازمة والحاسمة، وخصوصاً في المراحل المتنوّعة لنهضته المباركة، حيث سطّر عليه السلام  على صفحاتها أروع ملاحم البطولة والشجاعة والإقدام والتضحية في سبيل التغيير والإصلاح ومحاربة المفسدين، وكان من جملة تلك المواقف الصامدة والخالدة حديثه الصريح والجريء مع الطاغية معاوية، الذي يُهدّده فيه ويتوعّده عليه السلام  بالثورة ضدّه والخروج المسلّح لإسقاط حكومته إن لم يرتدع عن أعماله العدوانيّة والإجراميّة تجاه الشعب، وقد سبقت الإشارة إلى مقاطع من حديثه عليه السلام  المناهض لظلم معاوية وحكومته الفاسدة، ومن ذلك أيضاً قوله عليه السلام  لمعاوية: «وَإِنّي وَاللهِ، ما أَعْرِفُ أَفْضَلَ مِنْ جِهادِكَ، فَإِنْ أَفْعَلْ فَإنَّهُ قُرْبَةٌ إِلى رَبّي، وَإنْ لَمْ أَفْعَلْهُ فَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِديني، وَأَسْأَلُهُ التَّوْفيقَ لِما يُحِبُّ وَيَرْضى»[69]. وحينما هلك معاوية وأمر يزيد واليه على المدينة أن ينتزع البيعة من الحسين عليه السلام  طوعاً أو كرهاً، أجابه الإمام الحسين عليه السلام  بكلمة ملؤها الرجولة والشهامة والبطولة، حينما قال: «يَزيدُ رَجُلٌ فاسِقٌ، شارِبُ خَمْر، قاتِلُ النَّفْسِ المُحَرَّمَةِ، مُعْلِنٌ بِالْفِسْقِ، وَمِثْلي لا يُبايِعُ لِمِثْلِهِ»[70]. وقال أيضاً عليه السلام : «وَاللهِ، لَوْ لَمْ يَكُنْ فِي الدُّنيا مَلْجَأٌ وَلا مَأْوىً، لَما بايَعْتُ يَزيدَ بْنَ مُعاوِيَةَ أَبَداً»[71]. وفي ساحات البسالة والصمود والتضحية قال عليه السلام : «مَنْ كانَ باذِلاً فينا مُهْجَتَهُ، وَمُوَطِّناً عَلى لِقاءِ اللهِ نَفْسَهُ فَلْيَرْحَلْ مَعَنا؛ فَإِنّي راحِلٌ مُصْبِحاً إِنْ شاءَ الله»[72]. وحينما عرض عليه ابن زياد الخضوع له والبيعة ليزيد وهو عليه السلام  محاصر في كربلاء، قال: «لا أُجيبُ ابْنَ زِيادَ بِذلك أَبَداً، فَهَلْ هُوَ إلّا المَوْتَ، فَمَرْحَباً بِهِ»[73]. ولا شكّ في أنّ هذه هي قمّة الشجاعة والبطولة كما تقدّم عن الإمام الصادق عليه السلام ، ويقول أمير المؤمنين عليه السلام : «معالجة النِّزال تُظهر شجاعة الأبطال»[74].

وهكذا كان أصحاب الإمام الحسين عليه السلام  في قمّة الشجاعة والبطولة، وقد وصفهم هو عليه السلام  لأُخته زينب عليها السلام  بالقول: «أَما وَاللهِ، لَقَدْ نَهَرْتُهُمْ وَبَلَوْتُهُمْ، وَلَيْسَ فيهِمُ إِلّا الأَشْوَسَ الأَقْعَسَ، يَسْتَأْنِسُونَ بِالمَنِيَّةِ دُوني اسْتِئْناسَ الطِّفْلِ بِلَبَنِ أُمِّهِ»[75].

3 ـ  العزّة والإباء

العزّة التي تُقابلها الذلّة من الصفات الإلهيّة الذاتيّة العظيمة، وهي ثانياً وبالتبع من صفات نبيّنا  الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم ومَن سار على هُداه من المؤمنين، قال الله تعالى في الردّ على المنافقين:
(قُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ  وَلِلَّـهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَـٰكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ)[76]. وهذا هو منهج الطغاة والمفسدين وطريقتهم في التعامل مع الفقراء والمستضعفين، يسعون لإذلالهم وتحقيرهم والنيل من كرامتهم بشتّى الوسائل والسُّبل، لكنّ الله تعالى يُخبرنا بأنّ العزّة صفة وملكة نفسانيّة شامخة في البشر، لا يمتلكها إلّا الأماثل من الأنبياء والرُّسل وأتباعهم من المؤمنين والهداة والمصلحين، والمنافقون هم الأذلّاء الذين يخشون كلّ شيء، ويحسبون كلّ صيحة عليهم من الذلّة وشدّة الخوف.

ثمّ إنّ ملكة العزّة من أهمّ شرائط النصر في مواجهة القمع وإرهاب السلطة وفسادها، ولا نصر ولا غلبة على الأعداء إلّا مع صفات العزّة والكبرياء والكرامة، ويبقى الذليل عبداً خانعاً خاضعاً للطغاة، لا نصيب له من الظفر والنصر والفوز على عدوّه.

وقد تجلّت في نهضة الإمام الحسين عليه السلام  وثورته ضدّ الطغاة والمفسدين كلّ مظاهر العزّة والكرامة والإباء، وكانت كلماته عليه السلام  ومواقفه الرشيدة طافحة بتلك الصفات الكريمة في طول مسيرته الإصلاحيّة، كما في قوله عليه السلام : «مَوْتٌ في عِزٍّ خَيْرٌ مِنْ حَياة في ذُلٍّ»[77]. وقوله عليه السلام  حينما نزل أرض كربلاء وأحاطت به الأعداء: «لِيَرْغَبَ الْمؤْمِنُ في لِقاءِ اللهِ مُحِقّاً، فَإِنّي لا أَرىَ المَوْتَ إِلّا شَهادَةً، وَلاَ الحَياةَ مَعَ الظّالِمينَ إِلّا بَرَماً»[78]. وقوله عليه السلام  حينما خيّروه في كربلاء بين القتل أو الخضوع لابن زياد وإعلان البيعة ليزيد بن معاوية: «أَلا وَإِنَّ الدَّعِيَّ ابْنَ الدَّعيّ قَدْ تَرَكَني بَيْنَ السِّلَّةِ وَالذِّلَّةِ، وَهَيْهاتَ لَهُ ذلِكَ مِنّي! هَيْهاتَ مِنَّا الذِّلَّةُ»[79]. وحينما خاطبه قيس بن الأشعث بالقول: أو لا تنزل على حكم بني عمّك؟! أجابه عليه السلام  قائلاً: «لا وَاللهِ، لا أُعْطيهِمْ بِيَدي إعْطاءَ الذَّليلِ، وَلا أُقِرُّ إقْرارَ الْعَبيدِ»[80]. وهكذا أضحت هذه الكلمات المنيرة أناشيد خالدة يُردّدها الأحرار والأُباة من مختلف الألوان والمذاهب والجنسيّات.

وقد بلغت العزّة والكرامة في الحسين بن عليّ عليهما السلام  مبلغها حين أيقن بالقتل، وطلب ثوباً لا يرغب به أحد، يجعله تحت ثيابه، كي لا يُسلب منه، فجاءوه بتبّان[81]، فرفضه، وقال: «ذاكَ لِباسُ مَنْ ضُرِبَتْ عَلَيْهِ الذّلة»[82]، وأخذ ثوباً آخر، فخرّقه وجعله تحت ثيابه.

4 ـ  الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر  (الإصلاح وتوعية الأُمّة بالطرق السلميّة)

لا شكّ في أنّ كوارث المعارك والحروب هي أسوأ ما تواجهه البشريّة في هذه الحياة؛ لما تخلّفه من آثار الخراب والدّمار الشامل وهلاك الحرث والنسل، ومن هذا المنطلق نفهم لماذا أنّ خوض الحروب والمواجهات المسلّحة مع العدو كانت هي الخيار الأخير بيد الهداة والمصلحين، فحيثما كان هناك مجال للسلم والهدنة والصلح، كان هو الحلّ الأسبق المتقدّم على سائر الحلول العسكريّة، وهذه قاعدة سماوية عامّة، يأمر الله تعالى نبيّه الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم  ويُلزمه بها في مسيرة إصلاح الأُمّة وهدايتها، يقول تعالى: (وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّـهِ  إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ)[83].

وهذا هو الأصل الذي كان يحكم مسيرة الإمام الحسين عليه السلام  الإصلاحيّة، حتّى اللحظات الأخيرة، فكان عليه السلام  يرى بأنّ: «الحَرْبَ شَرُّها ذَريعٌ، وَطَعْمُها فَظيعٌ، وَهِيَ جُرَعٌ مُسْتَحْساةٌ»[84]. وكان يؤكّد لمعاوية بأنّ حركته في الأُمّة سلميّة توعويّة، ويكتب له قائلاً: «وَما أُريدُ لَكَ حَرْباً وَلا عَلَيْكَ خِلافاً»[85].

وفي هذا الضوء كان عليه السلام  ينطلق مُنطلقاً سلميّاً في توعية الأُمّة وهدايتها إلى الحقّ، ويؤكّد كثيراً على المبدأ القرآني في هداية الناس، وهو مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حيث يقول عليه السلام  بعد الاستشهاد بطائفة من الآيات القرآنيّة المباركة: «وَقالَ: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ  يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ)[86]، فَبَدَأَ اللهُ بِالأَمْر بِالمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ فَريضَةً مِنْهُ؛ لِعِلْمِهِ بِأَنَّها إِذا أُدِّيَتْ وَأُقيمَتْ اسْتَقامَتِ الفَرائِضُ كُلُّها هَيِّنُها وَصَعْبُها؛ وَذلِكَ أَنَّ الأمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ المُنْكَرِ دُعاءٌ إِلَى الإِسْلامِ مَعَ رَدِّ المَظالِمِ، وَمُخالَفَةِ الظّالِمِ، وقِسْمَةِ الْفَيْءِ وَالْغَنائِمِ، وَأَخْذِ الصَّدَقاتِ مِنْ مَواضِعِها، وَوَضْعِها في حَقِّها»[87]. وقد أطلق عليه السلام  ذلك المبدأ الإلهي شعاراً حينما خرج لإصلاح الأُمّة، قائلاً: «وَأَنّي لَمْ أَخْرُجْ أشِراً وَلا بَطِراً، وَلا مُفْسِداً وَلا ظالِماً، وَإِنَّما خَرَجْتُ لِطَلَبِ الإصْلاحِ في أُمَّةِ جَدّي صلى الله عليه وآله وسلم ، أُريدُ أَنْ آمُرَ بِالمَعْرُوفِ وَأَنْهى عَنِ المُنْكَرِ»[88].

وكان هذا هو أُسلوبه ومنهجه عليه السلام  في مواجهة طغيان معاوية، يُرشده إلى الصلاح ويأمره بالتقوى ويعظه بعاقبة أمره، ويخاطبه قائلاً: «وَاتَّقِ اللهَ يا مُعاوِيةُ، وَاعْلَمْ أَنَّ لِلهِ كِتاباً لا يُغادِرُ صَغيرَةً وَلا كَبيرةً إِلّا أَحْصاها»[89].

وحينما جمع الإمام الحسين عليه السلام  كبار الصحابة والتابعين أيّام الحجّ في مكّة المكرّمة قبل هلاك معاوية، حاول أن يشرح لهم أبعاد نهضته التصحيحيّة، ويُطلعهم على أحقيّته ومنزلته الخاصّة في الإسلام، فخاطبهم قائلاً: «وَإِنّي أُريدُ أَنْ أَسأَلَكُمْ عَنْ شَيْء، فَإِنْ صَدَقْتُ فَصَدِّقُوني وَإِنْ كَذِبْتُ فَكَذِّبُوني، وَأَسْأَلُكُمْ بِحَقِّ اللهِ عَلَيْكُمْ وَحَقِّ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم  وَقَرابَتي مِنْ نَبِيِّكُمْ لمّا سَيَّرْتُمْ مَقامي هذا، وَوَصَفْتُمْ مَقالَتي وَدَعَوْتُمْ أَجْمَعينَ في أَمْصارِكُمْ مِنْ قَبائِلِكُمْ مَنْ أَمَنْتُمْ مِنَ النّاسِ»[90]. وشرع بعدها عليه السلام  في تفصيل الأدلّة الصريحة الدّالة على فضل أهل البيت عليهم السلام  ومنزلتهم وأحقيّتهم بالأمر والخلافة من غيرهم، والتذكير بالمأساة التي تمرّ بها الأُمّة في ظلّ الحكم الأُموي الجائر، محذّراً من تفاقم الأزمة قائلاً: «فَإِنَّكُم إِلّا تَنْصُرُونا وَتُنْصِفُونا قَوِيَ الظَّلَمَةُ عَلَيْكُمْ، وَعَمِلُوا في إِطْفاءِ نُورِ نَبِيِّكُمْ»[91].

ولّما رفض عليه السلام  البيعة ليزيد وأقدم على تغيير الحكم في الكوفة شرح للناس حقيقة الأمر وبصّرهم به قائلاً: «لَعَمْري، مَا الإْمامُ إِلّا الْعامِلُ بِالْكِتابِ، وَالآخِذُ بِالْقِسْطِ، وَالدّائِنُ بِالحَقِّ، وَالْحابِسُ نَفْسَهُ عَلى ذاتِ الله»[92].

وبالمنطق ذاته خاطب عليه السلام  أهل الكوفة في كربلاء قائلاً: «وَإِنْ أَنْتُمْ كَرِهْتُمُونا وَجَهِلْتُمْ حَقَّنا، وَكانَ رَأيُكُمْ غَيْرَ ما أَتَتْني كُتُبُكُمْ وَقَدِمَتْ بِهِ عَلَيَّ رُسُلُكُمْ انْصَرَفْتُ عَنْكُمْ»[93]. فكان عليه السلام  متمسّكاً بالخيارات السلميّة التوعويّة، رافضاً للخيار العسكري، ولم يكن ليبدأ القوم بقتال أبداً.

 5 ـ  الهجرة في سبيل الله

الهجرة في سبيل الله واحدة من أهمّ المبادئ والأُصول القرآنيّة المؤثّرة في مواجهة الإرهاب الحكومي؛ وذلك لأنّ الشعب المستضعف الذي يرزح تحت ظلّ الحكومات والسلطات الإرهابيّة لا يقوى أبداً على المعارضة والسعي للإصلاح والتغيير، فيتحتّم عليه البحث عن ملاذ آمن لمواصلة مسيرته الجهاديّة؛ ومن هنا يدعو القرآن الكريم الشعوب المستضعفة للهجرة والعمل في مقاومة الحكومات الجائرة من الخارج، وذلك لاكتساب القوّة والقدرة على المواجهة، كما في قول الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّـهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا)[94]. ويمدح الله تعالى المهاجرين في سبيله بالقول: (فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ )[95]. وبالقول أيضاً: (وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّـهِ مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ ۚ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ )[96].

ومن هذا المنطلق؛ أمر الله تعالى نبيّه الأكرم محمّداً صلى الله عليه وآله وسلم  بترك مكّة المكرّمة والهجرة مع أصحابه المؤمنين برسالته إلى بلد آمن ينطلق منه للعمل على إصلاح الأُمّة ودعوة الناس إلى دين الله عزّ وجلّ، وبالفعل تحقّقت الإرادة الإلهية، وجاء نصر الله والفتح من بلد الهجرة، المدينة المنوّرة، انطلاقاً إلى سائر البلدان الأُخرى بما فيها مكّة المكرّمة، حاضنة الإرهاب الجاهلي آنذاك.

وهذا تماماً ما قام به الإمام الحسين عليه السلام  حينما هاجر من المدينة إلى مكّة، ومنها إلى الكوفة، كلّ ذلك تحت وطأة الإرهاب الحكومي والمطاردة من قبل الجهاز الحاكم لبني أُميّة، فكانت هجرة الحسين عليه السلام  الشرارة الأُولى التي فجّرت الثورة بوجه الطغاة إلى يومنا هذا.

 6 ـ  الجهاد في سبيل الله (الخيار العسكري المسلّح)

حينما تَفْقد المواعظ والكلمات أثرها، وتعجز الطرق السلميّة والتوعويّة عن إيصال رسالتها، وتعمى الأبصار، وتفقد الآذان سمعها، وتُوضَع على أبواب القلوب أقفالها، ويُصبح الباطل والمنكر معروفاً بين الناس، ويبيت الحقّ والمعروف منكراً مهجوراً لا يُعمل به، ويُمسي الدين مدروسة معالمه، منكوسة أعلامه، مطموسة سننه وأحكامه، حينها لا يبقى أمام الهداة والمصلحين وسيلة للهداية والإصلاح سوى الخيار العسكري والجهاد المسلّح في سبيل الله، وهذا هو المنهج والأُسلوب القرآني في رسم حدود التعامل مع جرائم الإرهاب الحكومي، ومن أمثلة ذلك الآيات القرآنيّة التي أذن الله تعالى فيها للمسلمين أن يقاتلوا ويجاهدوا في سبيله، بعد استنفاد كافّة الطرق التبليغيّة والسلمية في التحاور مع طغاة قريش، كما في قوله تعالى: (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّـهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِير * الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّـهُ)[97].

وكان هذا أيضاً هو ذات المنهج الحسيني المتبّع في التعاطي مع الأزمات التي يمرّ بها المجتمع الإسلامي، جرّاء الأعمال الهمجية والاعتداءات الإجراميّة التي يُمارسها طغاة بني أُميّة مع الأبرياء، فكان عليه السلام  يُهدّد معاوية صريحاً بالخيار العسكري إن استمرّ في منهجه القمعي، حيث يُخاطبه بالقول: «وَإِنّي وَاللهِ، ما أَعْرِفُ أَفْضَلَ مِنْ جِهادِكَ، فَإِنْ أَفْعَلْ فَإنَّهُ قُرْبَةٌ إِلى رَبّي»[98]. وهكذا في المجال ذاته يقول عليه السلام  حينما خرج ثائراً على فساد يزيد وإجرامه وطغيانه: «وَأَنا أَوْلى مَنْ قامَ بِنُصْرَةِ دينِ اللهِ وَإِعْزازِ شَرْعِهِ وَالْجِهادِ في سَبيلِهِ، لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيا»[99]. وقد كان صموده عليه السلام  في كربلاء وجهاده في سبيل الله إلى الرمق الأخير خير شاهد على ما نقول.

7 ـ  التضحية بكل شيء

التضحية بالغالي والنفيس والتفاني في سبيل الحقيقة والعدالة والنزاهة من أهمّ مقوّمات مواجهة الطغاة والمفسدين، فلا يهاب الموت ولا يخشى الفوت مَن يختار العيش في عزّة وكرامة وإباء، وأمّا من يعتزّ بالعيش في الدنيا والبقاء على سطحها بأيّ ثمن، وينشغل بأمواله وأهله وعياله، عزيزاً كان أم ذليلاً، فإنه لا يقوى أبداً على سلوك سبيل المعارضة والمقاومة والنضال والمواجهة بشجاعة وجرأة وإقدام.

والتاريخ يشهد كيف تجلّت معالم التضحية والفداء في الثورة الحسينيّة بأوضح وأروع صورها؛ حيث ضحّى الإمام الحسين عليه السلام  بكل ما يملك في هذه الحياة، نفسه الشريفة المقدّسة، وأهل بيته الطاهرين، وأصحابه الكرام المنتجبين؛ فهو المنادي في الملأ حينما أعلن الثورة والخروج من مكّة إلى الكوفة في خطبته المشهورة: «مَنْ كانَ باذِلاً فينا مُهْجَتَهُ، وَمُوَطِّناً عَلى لِقاءِ اللهِ نَفْسَهُ، فَلْيَرْحَلْ مَعَنا؛ فَإِنّي راحِلٌ مُصْبِحاً إِنْ شاءَ اللّه»[100]. وهو القائل حقّاً وصدقاً حينما أحاطت به الأعداء: «أَلا وَإنَّي زاحِفٌ بِهذِهِ الأُسْرَةِ عَلى قِلَّةِ الْعَدَدِ، وَكَثْرَةِ الْعَدُوِّ، وَخَذْلَةِ النّاصِرِ»[101]. فكان عليه السلام  المثل الأعلى في درب التضحية والفداء، دفاعاً عن كرامة الإنسان وحرّيته.

 8 ـ  السعي لإقامة الحكومة العادلة

واحدة من أهمّ الأهداف المصيريّة والحسّاسة التي قد تسعى المعارضة لتحقيقها هي إسقاط الأنظمة الإرهابية الظالمة، واستبدالها بنظام آخر عادل ونزيه وقويّ، يحفظ لأبناء الشعب حقوقهم بمختلف صنوفهم البشريّة وطبقاتهم الاجتماعيّة، وهذا بالتحديد ما سعى الإمام الحسين عليه السلام  لتحقيقه حينما أجاب أهل الكوفة على رسائلهم بالإيجاب، وبعث إليهم ابن عمّه مسلم بن عقيل رسولاً عنه؛ ليُمهّد له الأُمور، وقد أوصاه عليه السلام  قائلاً: «وَادْعُ النّاسَ إِلى طاعَتي، وَاخْذُلْـهُمْ عَنْ آلِ أبي سُفْيانَ»[102]. وقد فصّلنا الحديث حول هذه النقطة بالخصوص في مقالات ماضية، فلاحظ.

فتحصّل: أن من المبادئ والأهداف المهمّة للنهضة الحسينيّة مكافحة الإرهاب الحكومي الأُموي، الذي كاد أن يقضي على الأُمّة الإسلاميّة، ويُهلك الحرث والنسل، لولا التضحيات الكبيرة التي قدّمها الإمام الحسين عليه السلام  في تلك النهضة المباركة.

 

 

 


[1] اُنظر: الشيباني، محمد بن عبد الهادي بن رزّان، مواقف المعارضة في عهد يزيد بن معاوية.

[2] ستكون لدينا ـ إن شاء الله تعالى ـ  ردودٌ تفصيليّة مُحكمة لأمثال هذه الشبهات والمزاعم الباطلة، وذلك في قسم الردود والإجابات عن الشبهات المثارة حول النهضة الحسينيّة، في مؤسّسة وارث الأنبياء للدراسات التخصصيّة في النهضة الحسينيّة.

[3] الدينوري، ابن قتيبة، الإمامة والسياسة: ج1، ص157.

[4] الطوسي، محمد بن الحسن، اختيار معرفة الرجال (رجال الكشي): ج1، ص257ـ 258.

[5] المصدر السابق: ص252ـ 253.

[6] ابن أعثم، أحمد، الفتوح: ج5، ص14.

[7] الهلالي، سليم بن قيس، كتاب سليم بن قيس الهلالي: ص320.

[8] الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الطبري: ج4، ص261.

[9] الحرّاني، ابن شعبة، تُحف العقول: ص238ـ239.

[10] ابن أعثم، أحمد، الفتوح: ج5، ص10.

[11] الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الطبري: ج4، ص254.

[12] القصص: آية21.

[13] الخوارزمي، الموفق بن أحمد، مقتل الحسين عليه السلام : ج1، ص337.

[14] ابن أعثم، أحمد، الفتوح: ج5، ص24.

[15] المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج44، ص368.

[16] ابن طاووس، علي بن موسى، اللهوف على قتلى الطفوف: ص39.

[17] ابن أعثم، الفتوح: ج5، ص374.

[18] الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الطبري: ج4، ص289.

[19] المصدر السابق: ج4، ص290.

[20] ابن أعثم، الفتوح: ج5، ص71.

[21] الخوارزمي، الموفق بن أحمد، مقتل الحسين عليه السلام : ج2، ص39.

[22] الطبرسي، أحمد بن علي، الاحتجاج: ج2، ص36.

[23] الدينوري، ابن قتيبة، الإمامة والسياسة: ج1، ص156.

[24] الطوسي، محمد بن الحسن، اختيار معرفة الرجال (رجال الكشي): ج1، ص253ـ 256.

[25] المصدر السابق: ج1، ص252ـ 253.

[26] المصدر السابق: ج1، ص253.

[27] المصدر السابق: ج1، ص252.

[28] المصدر السابق: ج1، ص257.

[29] الطريحي، فخر الدين، المنتخب: ص410. وبالمضمون ذاته: القندوزي، سليمان بن إبراهيم، ينابيع المودّة: ج3، ص54.

[30] الطبرسي، أحمد بن علي، الاحتجاج: ج2، ص24.

[31] الطوسي، محمد بن الحسن، اختيار معرفة الرجال (رجال الكشي): ج1، ص 256.

[32] المصدر السابق.

[33] الدينوري، ابن قتيبة، الإمامة والسياسة: ج1، ص208.

[34] الدينوري، ابن قتيبة، الإمامة والسياسة: ج1، ص156.

[35] الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الطبري: ج4، ص303.

[36] الحرّاني، ابن شعبة، تُحف العقول: ص239.

[37] الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الطبري: ج4، ص304.

[38] الأنفال: آية54.

[39] القصص: آية40.

[40] القصص: آية21.

[41] التحريم: آية11.

[42] ابن الجوزي، يوسف، تذكرة الخواص: ص217.

[43] القصص: آية4.

[44] يونس: آية83.

[45] الدينوري، ابن قتيبة، الإمامة والسياسة: ج1، ص156.

[46] الطوسي، محمد بن الحسن، اختيار معرفة الرجال (رجال الكشي): ص252ـ 253.

[47] الدينوري، ابن قتيبة، الإمامة والسياسة: ج1، ص208.

[48] ابن الجوزي، يوسف، تذكرة الخواص: ص217.

[49] الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الطبري: ج4، ص304.

[50] يونس: آية88.

[51] الأعراف: آية137.

[52] الدينوري، ابن قتيبة، الإمامة والسياسة: ج1، ص156.

[53] الطوسي، محمد بن الحسن، اختيار معرفة الرجال (رجال الكشي): ج1، ص 259.

[54] القاضي النعمان، دعائم الإسلام: ج2، ص133.

[55] الدينوري، ابن قتيبة، الإمامة والسياسة: ج1، ص157.

[56] المصدر السابق: ج1، ص160ـ 161.

[57] ابن أعثم، أحمد، الفتوح: ج5، ص17.

[58] الطوسي، محمد بن الحسن، اختيار معرفة الرجال (رجال الكشي): ج1، ص 257.

[59] الأحقاف: آية35.

[60] آل عمران: آية200.

[61] الأعراف: آية127ـ 128.

[62] الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي: ج8، ص207.

[63] الجوهري، أحمد بن عبد العزيز، السقيفة وفدك: ص79.

[64] القندوزي، سليمان بن إبراهيم، ينابيع المودّة: ج3، ص82.

[65] المشهدي، محمد بن جعفر، المزار: ص504.

[66] النراقي، أحمد بن محمد مهدي، مستند الشيعة: ج18، ص88.

[67] الحرّاني، ابن شعبة، تُحف العقول: ص322.

[68] النمل: آية10.

[69] الدينوري، ابن قتيبة، الإمامة والسياسة: ج1، ص156.

[70] ابن أعثم، أحمد، الفتوح: ج5، ص14.

[71] المصدر السابق: ج5، ص21.

[72] الأمين، محسن، لواعج الأشجان: ص70.

[73] الدينوري، أحمد بن داود، الأخبار الطوال: ص254.

[74] الواسطي، عيون الحكم والمواعظ: ص488.

[75] لجنة الحديث في معهد باقر العلوم، موسوعة كلمات الإمام الحسين عليه السلام : ص493.

[76] المنافقون: آية8.

[77] ابن شهر آشوب، محمد بن علي، مناقب آل أبي طالب: ج3، ص224.

[78] الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الطبري: ج4، ص305.

[79] الطبرسي، أحمد بن علي، الاحتجاج: ج2، ص24.

[80] الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الطبري: ج4، ص323.

[81] السروال القصير.

[82] ابن عساكر، علي بن الحسن، تاريخ مدينة دمشق: ج14، ص221.

[83] الأنفال: آية61.

[84] المنقري، نصر بن مزاحم، وقعة صفين: ص115.

[85] الطوسي، محمد بن الحسن، اختيار معرفة الرجال (رجال الكشي): ج1، ص252.

[86] التوبة: آية71.

[87] الحرّاني، ابن شعبة، تُحف العقول: ص237.

[88] المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج44، ص329.

[89] الدينوري، ابن قتيبة، الإمامة والسياسة: ج1، ص157.

[90] الهلالي، سليم بن قيس، كتاب سليم بن قيس الهلالي: ص320.

[91] الحرّاني، ابن شعبة، تُحف العقول: ص239.

[92] الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الطبري: ج4، ص262.

[93] المصدر السابق: ص303.

[94] النساء: آية97.

[95] آل عمران: آية195.

[96] النحل: آية41.

[97] الحج: آية39ـ 40.

[98] الدينوري، ابن قتيبة، الإمامة والسياسة: ج1، ص156.

[99] ابن الجوزي، يوسف، تذكرة الخواص: ص217.

[100] الأمين، محسن، لواعج الأشجان: ص70.

[101] الطبرسي، أحمد بن علي، الاحتجاج: ج2، ص25.

[102] ابن أعثم، أحمد، الفتوح: ج5، ص31.

 
 
البرمجة والتصميم بواسطة : MWD