1439 / محرم / 1  |  2017 / 09 / 22         الزيارات : 422348         صلاة الصبح |         صلاة الظهر والعصر |         صلاة المغرب والعشاء |

الندوة (11) - موقع الإمام الحسين عليه السلام في حركة التاريخ دراسة جديدة في معطيات زيارة وارث - سماحة السيد سامي البدري

{ مؤسسة وارث الأنبياء - قم المقدسة }
الندوة (11) - موقع الإمام الحسين عليه السلام في حركة التاريخ دراسة جديدة في معطيات زيارة وارث - سماحة السيد سامي البدري

منهج البحث:  يقع البحث ضمن النقاط التالية:

النقطة الأُولى: يقوم البحث على اعتماد القرآن وروايات أهل البيت (عليهم السلام)، وقد يستعين أحياناً بغيرها.

النقطة الثانية: عُني القرآن الكريم وكتب الأنبياء الأولين بسرد التاريخ، لأخذ العبرة وتصحيح المعلومات الخاطئة.

النقطة الثالثة: قام الباحث بدراسات تفصيلية لحركة الأنبياء، وفق المصادر المسمارية والتوراتية والأسفار النبوية القديمة، والقرآن وتراث أهل البيت (عليهم السلام) وتوصّل إلى نتائج جديدة، منها:

تشخيص الجودي في قوله تعالى: ﴿وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾، وتفسير الإمام الصادق له أنّه فرات الكوفة، ومعنى ذلك أنّ موضع رسوب السفينة هو نجف الكوفة، ويؤيّده ما جاء بالوثائق المسمارية، من أنّ الجودي اسم للفرات في العهد البابلي، وما جاء في ملحمة جلجامش أنّ بلاد (نيصير) أمسكت سفينة، و(نيصير) هي الحيرة حسب ما تمّ كشفه في الكتابات المسمارية.

ومنها: قوله تعالى: ﴿وطور سينين﴾، وهو الجبل الذي كلّم الله عليه موسى (عليه السلام)، والوادي المقدّس الذي خلع نعليه فيها، قال أمير المؤمنين (عليه السلام) لأهل بيته: «ادفنوني في أوّل طور سينين»، وما جاء في التراث المسماري من أنّ سينين وسيناء من أقدم الأسماء لمدينة بابل، وقبل أن تُسمّى سيناء المصرية باسمها.

ومنها: أنّ النبي إدريس (عليه السلام) كان صاحب كتاب، وأسّس أُمّة تؤمن به وبكتابه، وأورث أهل بيته تراث النبوة، وانقلبت أُمّته على أوّل أوصيائه، وأنّ ثالث أوصيائه هو نوح (عليه السلام)، وقد وُلد في عهده وسمّاه باسمه، وشهد انقلاب الأُمّة على الوصي الأوّل، كلّ ذلك ممّا لم يُعرف عن إدريس (عليه السلام).

كما قام الباحث أيضاً بدراسات تفصيلية لحركة النبي (صلّى الله عليه وآله) وأهل بيته (عليهم السلام) في القرآن والمصادر الإسلامية، ومن الجديد الذي توصّل إليه هو تأكيد القرآن الكريم على منهج المقارنة بين سيرة النبي موسى وأهل بيته (عليهم السلام) وبين سيرة النبي الخاتم (صلّى الله عليه وآله) وأهل بيته (عليهم السلام)، ولما كانت السيرة الأُولى قد قاربت الـ(1450)، فلا بدّ أن تُقارن سيرة النبي وأهل بيته معها في المدّة نفسها لتّتضح جوانب المقارنة، وتوصّل الباحث أيضاً إلى أنّ خلفية وهدف ومراحل مشروع الإمام علي والحسن والحسين (عليهم السلام)، يتطابق مع خلفية وهدف ومراحل نهضة النبي (صلّى الله عليه وآله).

 مبيّناً أنّ هذه الدراسات ضرورية من أجل أن تكون هناك عناوين ومعطيات جديدة في دراسة أنّ الإمام الحسين عليه السلام وارث للأنبياء، ولا يمكن الوصول الى هذه النتائج من دون هذه الدراسات.

 اشتهرت إحدى الزيارات التي يُزار بها الإمام الحسين (عليه السلام) باسم زيارة وارث، نافياً الاعتماد على ما ورد في بعض كتب الأدعية والزيارات المتأخّرة، ممّا يُشير إلى زيارة غير الحسين (عليه السلام) بها، مؤكّداً أنّ لقب (وارث الأنبياء) يُشير إلى أنّ الإمام الحسين (عليه السلام) وارث ستّة من الأنبياء، ووارث علي وفاطمة والحسن (عليهم السلام)، وتحثّ على المقارنة بين الحسين (عليه السلام)، وتلك الذوات المطهرّة التسع، وهذا لا يمنع من إجراء مقارنات أُخرى بين الحسين (عليه السلام) والأنبياء (عليهم السلام)، وقد اهتدى الباحث في المقارنة إلى خصوصيات هادية في سيرة الأنبياء والأئمّة انفردوا بها، تكرّرت في الحسين (عليه السلام)، فصار الحسين (عليه السلام) وارثاً لهم في تلك الخصوصيات، وإن كان لهم خصوصيات أُخرى انفردوا بها.

هدف البحث: استهدف البحث عدّة أُمور:

أوّلاً: استجلاء ما كتبه الله وحتّمه من مسيرة أنبيائه ما أُنجز منها وما بقي، وتشخيص المرحلة التي يعيشها الإنسان فعلاً؛ ليكون على بيّنة من أمره.

ثانياً: اكتشاف شواهد جديدة هي آيات إلَهية إضافية إلى جانب حقّانية نبوّة محمّد (صلّى الله عليه وآله).

ثالثاً: اكتشاف شواهد جديدة هي آيات على حقّانية حركة أهل البيت الاثني عشر (عليهم السلام)، وغيبة التاسع من ذرّية الحسين (عليه السلام) وظهوره وصدق إمامتهم الإلهية، والآية التاريخية هي أعظم من الآية الكونية وأكثر غنىً؛ لأنّ الآية الكونية تُشير إلى وجود خالق خلقها ودبّر أمرها، أما الآية التاريخية فتشير إلى الخالق الذي أوجدها، وإلى أنّ الله اجتبى نبياً أو وصياً يهدي إلى الله تعالى بإذنه، وأعظم آيات الله على الإطلاق هو سيرة خاتم الأنبياء محمّد (صلى الله عليه وآله) وسيرة أوصيائه من أهل بيته، فإنّها إضافة إلى ما تمتلكه من الشواهد الحسّية الخاصّة بها على حقّانيتها تمتلك ظاهرة التناظر والاستنساخ، إذ هي نسخة طبق الأصل في المسار العام لمسيرة موسى وأهل بيته، كما خصّها لنا القرآن الكريم، وأعظم حلقات مسيرة أهل بيت محمّد (صلّى الله عليه وآله) هو الحسين الذي يمتلك ـ بالإضافة إلى الأدلّة على حقّانيته من أحاديث جدّه (صلّى الله عليه وآله) ـ ظاهرة التناظر والاستنساخ التاريخي، فإنّه من خلال نهضته وهدفها، وظاهرة الزيارة إلى قبره، والأئمة التسعة من ذرّيته تاسعهم المهدي صاحب العمر الطويل، الذي يُظهره الله في آخر الزمان، نسخة طبق الأصل من المسار العام للتاريخ البشري، من آدم إلى مسيرة أخيه الحسن المجتبى، وهذا هو فعل الله تعالى الذي يصوّر البشر في الأرحام، والصانع الحقيقي لحركة التاريخ.

سير البحث:

الباب الأوّل: بحث في الباب الأوّل في معنى الوراثة، ثمّ تطرّق إلى الحوادث والمعاني التاريخية، وقسّمها إلى ثلاثة أقسام:

القسم الأوّل: حوادث ومعاني تاريخية لم تتكرّر في التاريخ، وغير قابلة للوراثة، من قبيل خلق آدم وزوجه من تراب خارج الرحم البشري، ثمّ انتشر منها الجنس البشري لم تتكرّر في التاريخ بل حدثت مرّة واحدة، ، وخلق عيسى داخل الرحم من غير رجل ، وبعثة موسى وتأييده بالعصى واليد البيضاء، وبعثة محمّد (صلّى الله عليه وآله) وتأييده بالقرآن الذي يتحدّى البشر بأن يأتوا بمثل سورة من مثله، ومنها أيضاً الحسين بصفته وارث الأنبياء بمعنى كونه وارث خصوصيات رسالية هادية انفرد بها ستّة من الأنبياء وثلاثة من المعصومين، فإنّه لم يتكرّر مثل الحسين (عليه السلام) في التاريخ أبداً.

القسم الثاني: معاني وحوادث تاريخية متكرّرة، كالطهارة والإمامة الإلهية الهادية والثقافة الهادية والشفاعة، فقد تكرّرت في كلّ أصفياء الله تعالى، بل هو مقوّم لشخصيتهم وهو يُورَث من الجميع، وبهذا التكرار صار أصفياء الله من آدم إلى المهدي (عليهم السلام) نسخة واحدة من الشخصية في عبادتها لله وهدايتها إليه، وفي علمها به، وصار المتأخّر منهم يصدّق المتقدّم والمتقدّم منهم يُبشّر بالمتأخّر.

القسم الثالث: معاني وحوادث تاريخية تكرّرت في موردين ، معاني تاريخية مفصلية في مسيرة موسى وأهل بيته، لو أخذنا مسيرة موسى وأهل بيته من زمن موسى إلى عيسى كنموذج (1450) سنة تقريباً، بل إلى نزول عيسى (عليه السلام) في آخر الزمان تقريباً (3500) سنة، وهذه الحوادث المفصلية في مسيرة موسى وأهل بيته تكرّرت في مسيرة النبي محمّد (صلّى الله عليه وآله) وأهل بيته إلى نهاية الزمان، الأمر الذي جعلهما سيرتين متطابقتين في أسماء أئمّة الهدى، آبائه وأبنائه، وفي موقف الأُمّة منهم وفي نهاية المسيرة، حيث تنتهي مسيرته بوَلي إلَهي غيّبه الله تعالى غيبتين، يعقبهما ظهور منتظر في آخر الزمان كأنّ إحداهما قد استُنسخت من الأُخرى.

 وعلى سبيل المثال أعظم بيت في بني إسحاق هو بيت آل عمران وآل هارون، منهم موسى صاحب الكتاب، وآخرهم ـ الذي غيبّه الله تعالى وسيظهره في آخر الزمان ـ عيسى عليه السلام، فعيسى أيضاً كان صاحب غيبتين وفي الغيبة الصغرى مثّله الحواريون، والغيبة الكبرى هي التي تنتهي بظهوره في آخر الزمان.

مبيّناً أنّ أعظم بيت في بني إسماعيل أيضاً هو آل عمران، فعمران في العبرية يعني عمر العلى، أي الفرع الزاكي، من هذا الفرع الزاكي موسى وآل هارون إلى آخر الزمان، وتكرّر ذلك في النبي (صلّى الله عليه وآله) وأهل بيته، فإنّ هاشم لقبه (عمر العلى)، أي الفرع الزاكي، ومنه محمّد (صلّى الله عليه وآله)، وعلي وآلهما (عليهم السلام)، وبنو هاشم أعظم بيت في بني إسماعيل على الإطلاق، وتكرّرت كثيراً الحوادث التفصيلية في أُمّة موسى وهارون وآل هارون في أمّة محمد (صلّى الله عليه وآله) وأهل بيته.

وهناك معاني تاريخية مفصلية في تاريخ الأنبياء وأهل البيت من آدم إلى الحسن المجتبى تكرّرت في الحسين (عليه السلام) الذي انقسمت به المسيرة التاريخية العامّة من آدم إلى آخر الزمان لأصفياء الله إلى قسمين:

القسم الأوّل: يتألّف من المعاني التاريخية الأصلية، وتبدأ من آدم وتنتهي بالحسن المجتبى، ثمّ تبدأ النسخة الأُخرى المستنسخة من الحوادث المكرّرة بالحسين (عليه السلام) من قتله يوم عاشوراء وبخصوصياته إلى آخر الزمان، فكأنّ لوحة التاريخ تكرّرت بالإمام الحسين (عليه السلام).

القسم الثاني: يتألّف من المعاني المستنسخة عن المعاني الأصلية التي هي للحسين (سلام الله عليه)، أوْجَزها في النقاط التالية:

الأُولى: الحسين والأئمة التسع من ذرّيته مع خصوصية التاسع منهم، هو استنساخ لمنظومة آدم (عليه السلام).

الثانية: الحسين (عليه السلام) بكونه الوصي الثالث لمحمّد (صلّى الله عليه وآله) استنساخ لتجربة نوح (عليه السلام) الوصي الثالث لإدريس (عليه السلام). إدريس هو أوّل الرسل، ولا زالت بقية كتابه محفوظة، وطبيعة النبوات أنّها تُخبر بالغيب، وجاء في كتاب إدريس ولا سيّما الفصل (91، و93) برؤية مستقبلية من بعد إدريس إلى آخر الزمان، وقسمّها إلى عشرة أسابيع ومراحل وحقب زمنية، وغالباً ما يقع انقلاب أو ظهور نبي في نهاية الحقبة الزمنية، وتبدأ الحقبة الزمنية بعده بالانقلاب على الأعقاب، فالنظرية في هذا السِّفر تُعطي تفصيلاً للأسبوع السابع، حيث يسوده الجهل، وفي نهايته يبعث الله أبراراً من شجرة الصدق الأبدي، سمّاها في الأسبوع الثالث إبراهيم (عليه السلام)، يعني قال: «يصطفي الله تعالى إنساناً يجعل نسله شجرة الصدق إلى الأبد». ولا يختلف الشرّاح من اليهود والمسيحيين في أنّ المراد به إبراهيم، وبالتالي يكون المراد بهؤلاء الأبرار الذين ينتخبون من شجرة الصدق الأبدي من ذرّية إبراهيم هم محمّد وآل بيته، وفي النصّ: «يعطون من العلم سبعة أضعاف، بهم تُستأصل الضلالات، ثمّ يأتي أُسبوع ثامن ليبدأ بالفتن، يُعطى سيف للإبرار لقتال جميع الكفّار، ثمّ في نهاية هذا الأُسبوع يستلم الأبرار الأرض، ويرثون الأموال الشرعية، ويُبنى بيت الله الأكبر...». والمقطع الأخير من الأُسبوع الثامن يتطابق مع الرواية التي تقول: «إذا ظهر المهدي (عجّل الله تعالى فرجه) وصلّى أوّل صلاة جمعة في الكوفة يضجّ الناس قائلين له: يا بن رسول الله، الصلاة خلفك كالصلاة خلف رسول الله، ولم نصلِّ!».

 فيقول: «أنا مرتاد لكم», ويبني مسجداً في الغري له ألف باب، له أصيص من نور، ثمّ يأتي أُسبوع تاسع ينكشف الحقّ لأبناء الأرض كلّها، هذا ما يجري بعد المهدي (عليه السلام) من أمر الرجعة وظهور أمير المؤمنين (عليه السلام)، والحوار بين الحضارات على أساس الوثائق وإحياء الشهود التاريخيين، هذا بالنسبة إلى كتاب إدريس مهم جدّاً، فنوح يمثّل الوصي الثالث له، ونوح وُلِد في زمن إدريس، فإدريس يشكّل أب لجد نوح، إدريس عنده ولدين: توشيلخ، ولامك، ونوح حفيد توشيلخ، شهد نوح انقلاب أُمّة إدريس على أهل بيت إدريس، الوصي الأوّل والثاني، كذلك شهد الحسين (عليه السلام) انقلاب أمّة محمّد على الوصي الأوّل والوصي الثاني.

الثالثة: حرم الإمام الحسين (عليه السلام) في كربلاء وقبّته التي يُستجاب عندها الدعاء، ويقصده الآلاف والملايين في الزيارة رغبةً في الثواب، استنساخ لحرم إبراهيم في مكّة، الذي يُستجاب عنده الدعاء، ويقصده الآلاف والملايين رغبةً في الثواب.

الرابعة: وهو أيضاً استنساخ لما قام به إبراهيم من تحرير العقل البشري من خرافة الأصنام، كانت البشرية من ذرية نوح قد انتهت إلى أن تعبد مع الله الملائكة بأصنام مختلفة وسادت في الأرض، الذي حرّر العقل البشري من خرافة الأصنام هو إبراهيم، والبشرية مدينة لإبراهيم في هذا الأمر، والأُمّة الإسلامية مدينة للحسين (عليه السلام) حينما حرّرها من خرافة أنّ يزيد خليفة الله، يقود إلى الله والجنّة، ولولا نهضة الحسين (عليه السلام) لكان المسلمون اليوم ينظرون إلى يزيد كنظرتهم إلى الأوّل والثاني والثالث.

الخامسة: قيام الإمام الحسين (عليه السلام) لمواجهة انقلاب بني أُميّة على مشروع علي (عليه السلام) أبي الأسباط، استنساخ لقيام موسى في مواجهة الانقلاب الفرعوني على مشروع يوسف أبي الأسباط، ودراستنا لتاريخ الأنبياء تُظهر الشبه بين علي (سلام الله عليه)، وكونه أبا الأسباط، وبين ويوسف حيث صار انقلاب على يوسف أبي الأسباط، كما صار انقلاب على علي أبي الأسباط، وموسى واجه الانقلاب على يوسف وأسباطه، وأعاد دين إبراهيم مع نسخ قبلة إبراهيم لبني إسرائيل خاصّة، كذلك الإمام الحسين (عليه السلام) قام في وجه الانقلاب الذي أُقيم في وجه علي (عليه السلام) وحرّره فهو نسخة من هذه الناحية.

السادسة: الإمام الحسين (عليه السلام) بحواريه ـ الذين صُلّبوا وقتّلوا قبل واقعة كربلاء كميثم التمّار، وفي واقعة كربلاء ثمّ أهلك الله عدوّهم فأصبحوا ظاهرين ـ استنساخ لتجربة عيسى وحواريه، حيث انفتح الطريق بعد قتل حواري عيسى (عليه السلام) وكان يُعبد الله على طريقة عيسى جهراً، كذلك صار يُعبد الله تعالى على طريقة علي بعد قتل الحسين جهراً، يعني من سنة (50) إلى سنة (60) لا يستطيع المسلم أن يتعبّد على طريقة علي حيث كان يُقتل.

السابعة: الإمام الحسين (عليه السلام) بقيامه بالسيف في وجه قريش الأُموية، التي نكثت شروط الصلح وتحرير الكوفة ـ مركز مشروع أبيه علي في الإمامة الهادية ـ من سيطرة بني أُمية إلى الأبد استنساخ لتجربة جدّه النبي (صلّى الله عليه وآله) حين قام بالسيف في وجه قريش المشركة، التي نقضت شروط الصلح، وتحرير مكّة مركز مشروع أبيه إبراهيم في التوحيد.

الثامنة: رفْض الإمام الحسين (عليه السلام) لبيعة يزيد، وغضبه على قريش الأُموية واستشهاده، استنساخ لرفض أُمّه الصديقة فاطمة (عليها السلام) لبيعة قريش وغضبها عليهم، واستشهادها على ذلك.

التاسعة: إحياء الإمام الحسين (عليه السلام) لفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر التي أماتتها قريش ومعاوية، استنساخ لتجربة علي (عليه السلام) في إحياءه حجّ التمتّع الذي أماتته السلطة القرشية.

العاشرة: إحياء الإمام الحسين (عليه السلام) للمرجعية الدينية المستقلّة عن السلطة، ونشر أحاديث النبي في إمامة أهل بيته في الجيل الجديد في الأمّة التي لم تعرف عن الإمامة شيئاً، يعني في عهد الإمام الحسن (عليه السلام) من سنة (40) أو (41) إلى (50) إحياء مرجعية دينية مع أحاديث النبي في أهل بيته. الحسين (عليه السلام) بقتله أحيا المرجعية الدينية المفصولة عن السلطة، مرجعية السجّاد والباقر والصادق إلى الحسن العسكري، وأيضاً أحيى أحاديث النبي التي غيّرتها السلطة.

كلّ هذه أبحاث مفصّلة ومقارنة، ولكن أعرض الفكرة خاصّة، فالحسين بهذه الخصوصيات يُشكّل بنفسه حادثة أصلية غير مستنسخة في المسيرة التاريخية، ويُعتبر آخر حلقة من حلقات التاريخ التي لم تتكرّر.

الباب الثاني: المسيرات والدورات التاريخية التي يؤشّر إليها الفكر الديني.

الدورة التاريخية الأُولى: هي المسيرة التاريخية بلحاظ عدم التكرار، وهي المسيرة التاريخية العامّة التي تبدأ بآدم وتنتهي بالمهدي (عليه السلام)، وقد أشار سِفر إدريس في الفصلين (93، 92) تحت عنوان رؤية الأسابيع، نبوءة المراحل المستقبلية إلى آخر الدنيا، وهي نفس ما احتفظت لنا به الكنيسة الحبشية، وتبنّته في نسخة الكتاب المقدّس.

ثمّ أوضح أنّ الكتاب المقدّس في الوقت الراهن عبارة عن مجموعة تقدّمها المسيحية، ومجموعة أُخرى تقدّمها اليهودية، فاليهودية تقدّم لنا (39) سفراً، لا بعنوان الكتاب المقدّس، بل بعنوان الكتب المقدّسة، وهي لا تتبنّى تسمية العهد القديم، ولا تتبنّى الكتاب المقدّس، بل كتب مقدّسة عندهم، فتوراة موسى خمسة أسفار، وتبنّى المسيحيون الكتب المقدّسة عند اليهود البالغ (39) سفراً، وسمّوها بالعهد القديم، وأضافوا إليها الأناجيل الأربعة مع أسفار أُخرى وسمّوها بالعهد الجديد، وجمعوا بينهما فصار الكتاب المقدّس، فإذاً اليهودية عندها (39) سِفراً وليس بينها "سِفر أخنوخ" مع أنّه موجود عندهم، حيث جعلوه من الأسفار المنحولة، وهو من أنفس الأسفار التاريخية، أمّا الكنائس المسيحية فقد انقسمت تاريخياً إلى كنيستين: الكاثوليكية والحبشية، فأمّا الكنيسة الكاثوليكية فتعتبر "سفر أخنوخ" سفراً للثقافة، وأمّا الكنيسة الحبشية فتعتبره أحد الأسفار القانونية، التي تُؤخذ منها العقائد، ولولا الكنيسة الحبشية لما وصلنا هذا الكتاب.

وفي ضوء هذا نستطيع أن نفسّر موقف الكنيسة الحبشية الإيجابي من النبي (صلّى الله عليه وآله)، وإسلام النجاشي في وقته، إذاً الدورة التاريخية الأُولى، هي المسيرة التاريخية العامّة.

الدورة التاريخية الثانية: هي المسيرة التاريخية التي تكرّرت حوادثها، وهي مسيرتان كما أشرنا، الأُولى مسيرة موسى وأهل بيته التي تكرّرت حوادثها في محمّد (صلّى الله عليه وآله) وأهل بيته (عليهم السلام)، ويصدق القول على أحدهما أنّها أصل والثانية استنساخ، الأصل حركة موسى باعتبار قدمها، والاستنساخ هي حركة محمّد (صلّى الله عليه وآله) وأهل بيته (عليهم السلام)، ولكن إذا راجعنا سفر رؤيا الأسابيع سفر أخنوخ، وعرفنا الكتاب التفصيلي عند الله تعالى، الذي يُطلع عليه أنبيائه سوف نعرف أنّ الأصل عند الله هو سيرة محمّد (صلّى الله عليه وآله) وأهل بيته (عليهم السلام) واستنسخ عنها سيرة موسى وأهل بيته، يعني حينما نقرأ أو نسمع أنّه لما ولد الحسن والحسين (عليهما السلام) نزل جبرائيل وطلب من النبي (صلّى الله عليه وآله) أن يسمّيهما باسمي ولدي هارون، في الواقع أنا اثير هذا السؤال: أنّه لمّا وُلد شبر وشبير، موسى وهارون أيضاً ما كانا يسبقان الله بالتسمية، فلمّا سألاه بما نسمّي؟ قال: سمّوهما باسمَي ولدي محمّد وعلي وهما: حسن وحسين، وفي العبرية شبر وشبير.

إذاً المسيرة الأُولى: مسيرة موسى (عليه السلام) وأهل بيته تكرّرت.

المسيرة الثانية: مسيرة آدم (عليه السلام) إلى الحسن المجتبى (عليه السلام) تكرّرت بالحسين (عليه السلام)، وأهل بيته.

الباب الثالث: تناول المحاضر تفسير التاريخ بمعانيه الثلاثة والهدف من كلّ واحد منها:

المعنى الأوّل: الهدف من المعاني التاريخية التي لم تتكرّر هو إعطاء هوية التاريخ طولياً؛ لأنّه لا يمكن أن يكون هناك تاريخ طولي إلّا بحوادث غير مكرّرة.

المعنى الثاني: من المعاني التاريخية التي تكرّرت في شخصية كلّ نبي ووصي وصفي هو إعطاء روح ومضمون فكري واحد لتاريخ الأنبياء.

تاريخ الأنبياء طولي الشكل، يتألّف من حوادث غير مكرّرة، وروح هو عبارة عن هذه الخصائص والمعاني التي تكرّرت في الأنبياء والأئمّة، وصارت شخصية واحدة من الأوّل إلى الأخير.

المعنى الثالث: المعاني التاريخية المستنسخة له نسخة بالحسين إلى آخر الدنيا، الهدف من هذا الاستنساخ حفظ خاتمية النبوة من جهة، واكتشاف شواهد هي آيات جديدة تؤيّد النبوة وإمامة أهل البيت (عليهم السلام) بالإضافة إلى الدلائل المتوفّرة، حيث إنّ الحسين له حصة الأسد من حركة التاريخ، من جهة أُخرى.

 هذا هو المختصر للكتاب، ومختصر لمؤتمر ثلاثة أيّام عن الحسين (عليه السلام)، وهذا يفسّر ما يجري اليوم للحسين خلال هذه الـعشرة سنوات، أو الاثني عشر سنة، برز الحسين (عليه السلام) والجمهور الحسيني بظواهر وبخصائص تحتاج إلى تفسير، هل هذه من صنع الشيعة أو هي من صنع الله تعالى كما صنع الظاهرة الإبراهيمية؟

الجمهور الإبراهيمي الذي يطوف حول البيت سنوياً خلال هذه القرون إنّما هو لقانون ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾ وسوف تكون ظاهرة بهذا العمق هي محور الأحداث فيما يأتي من الزمان، وسيتبيّن أنّ حركة التاريخ المستقبلية يكون محورها مقاومة الظاهرة الحسينية؛ لأنّه اليوم حركة الأنبياء وحركة الأئمة لُخّصت في هذا الواقع الحسيني الذي تزخر به الساحة العراقية، بل الساحة الإسلامية عموماً وأيّام الأربعين خصوصاً، ففي هذه الدراسات نفتتح من خلال الحسين (عليه السلام) على حركة التاريخ برمّتها على مصادر حركة التاريخ بكمالها بظهور المسماريات، والذي يبلغ مليون رقيم مسماري يملأ الدنيا، ولغة المسماريات يفهما العالم اليوم عبر علم الآثار في الدنيا، ويعتبرون هذه آخر المصادر عن التاريخ القديم ظهوراً، وهي أقدهما وجوداً، حيث غيّرت مجرى كثير من الدراسات، فيتكوّن هذا النوع من الدراسات من خلال المصادر الإسلامية إلى جنب المصادر العبرية، والآرامية، والسريانية، واليونانية، وأمثالها.

 
 
البرمجة والتصميم بواسطة : MWD