1439 / جمادی‌الآخرة / 4  |  2018 / 02 / 20         الزيارات : 569118         صلاة الصبح |         صلاة الظهر والعصر |         صلاة المغرب والعشاء |

الندوة (7) - شهود عاشوراء (القسم الأول) - سماحة السيد عادل العلوي

{ مؤسسة وارث الأنبياء - قم المقدسة }
الندوة (7) - شهود عاشوراء (القسم الأول) - سماحة السيد عادل العلوي

قال الله تعالى في محكم كتابه الكريم: ﴿يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أُوتوا العلم درجات﴾.

مقدّمة نذكر الشهود عند أهل البيت (عليهم السلام)، ومن ثمّ نعرج إلى الإمام الحسين سيّد الشهداء وما كان من الشهود في كربلاء المقدّسة في يوم عاشوراء وليلة عاشوراء.

بحث الشهود إنّما يتعلّق بعلم العرفان، فنسأل ما هو العرفان الإسلامي؟

الأقوال في العرفان

هناك مَن يخالف العرفان بصورة مطلقة، لا سيّما في حوزاتنا العلمية، وهناك مَن يؤيّد العرفان بصورة مطلقة، وهناك مَن يقول بالمشروطية، أي يقول بالعرفان الإسلامي في الجملة.

هل العرفان الإسلامي من العلوم الإسلامية أو أنّه من العلوم الإنسانية؟

العرفان كمصطلح وكعلم، فإنّ تاريخه يرجع إلى الفلسفة، والفلسفة لها تاريخ قديم في أكاديمية الرومانيين واليونانيين في الغرب، وعند الفهلويين والهند في الشرق، فالحكمة والفلسفة لها تاريخ طويل وعريض جدّاً، وتلامذة المعلّم الأوّل "أرسطو" على ثلاثة أصناف: صنف كان يمشي معه ويأخذ الفلسفة منه وعرفوا بالمشائين، وصنف في المدرسة والرواق أخذوا الفلسفة منه فعرفوا بالرواقين، والصنف الثالث أُولئك الذين كانوا كأنّما ينظرون إلى أُستاذهم ويأخذون منه الفلسفة والحكمة بالنظر والإشراق فعرفوا بالإشراقيين.

من بطن الإشراق وُلد علم العرفان، لذا يرجع علم العرفان إلى الفلسفة وتاريخها، وبهذا سيكون علماً إنسانيّاً حينئذٍ، أي أنّ اللبنة الأُولى التي وضعت كمصطلح وكتدوين علمي إنّما كان بيد الإنسان، طبعاً العلوم كلها من الله سبحانه وتعالى ومن الأنبياء –هذا ما نعتقده- ولكن كتدوين علمي وكوضع علمي إنّما كان بيد الإنسان، ومن العلوم ما كانت بيد الشارع المقدس، كما في الحديث الشريف: «إنّما العلم آية محكمة، أو سنّة قائمة، أو فريضة عادلة»، يعني أنّ العلوم الإسلامية ثلاثة: علم العقائد، علم الأخلاق، وعلم الفقه.

الأقوال في المؤسّس لعلم العرفان

 وقع اختلاف بين المسلمين على أنّه مَن المؤسّس لعلم العرفان؟ فهل هو علم إسلامي أو إنساني؟ من الأعلام مَن يذهب –ولا سيّما من المستشرقين- إلى أنّ علم العرفان الإسلامي إنّما هو ليس من الإسلام، بل هو خليط من العرفان خارج عن عالم الإسلام ودخل في الإسلام، فقيل: إنّه من رهبانية المسيح، وقيل: إنّه من رياضيات الهنود البوذية، فإنّ العرفان دخل في الإسلام من البوذية، ومنهم مَن أرجع ذلك إلى اليهود، ومنهم مَن أرجع ذلك إلى الفلسفة واختلاف الفلاسفة والحكماء في ذلك، ولكنّ ما أعتقده أنّ علم العرفان الإسلامي إنّما هو علم إسلامي، الإسلام أسّس هذا العلم؛ إذ إنّه يختلف من حيث الموضوعية ومن حيث المبادئ والمسالك، كما تعلمون اختلاف العلوم إنّما يكون بالموضوع، تمتاز العلوم بعضها عن بعض إمّا بالموضوعات أو المحمولات أو الأغراض، وموضوع علم العرفان يختلف عن العلوم الأُخرى، العرفان الإسلامي ينقسم إلى مدرستين: المدرسة السنية والمدرسة الشيعية، وذهب جمع كثير وطائفة كبيرة من الأعلام على أنّ العرفان هو التصوّف، والوجه الآخر للتصوّف هو العرفان، ومنهم الشهيد المطهري (عليه الرحمة)، حيث قال في العرفان الإسلامي: إنّ العرفان بالعقل النظري إنّما هو عرفان، ولكن بالعقل العملي إنّما هو تصوف، فالعارف يعني الصوفي، ومن ثمّ تجد هناك من يحارب العرفان والعرفاء، فكان عندهم العرفان هو التصوّف، والتصوّف مردود في مدرسة أهل البيت، أحاديث كثيرة عندنا أنّه من أعان صوفيّاً كأنّما أعان يزيد بن معاوية على قتل سيد الشهداء، وفي العصر الحاضر، ولا سيما بعد الثورة الإسلامية، وقيادة السيد الإمام (رض) نجد أنّه قد فُتحت الأبواب بالنسبة إلى العرفان، ولا بدّ من معرفة العرفان الصحيح الأصيل السليم الصائب، والذي يبتني على الثقلين، يعني إنّما نقول بالعرفان الإسلامي الذي موضوعه هو السير والسلوك إلى الله سبحانه وتعالى، ومبادئه ومسائله كلها تؤخذ من كتاب الله الكريم والسنّة المطهّرة.

لا شكّ أن شرف الإنسان وعظمته إنّما تكون بعقله وقلبه، الله سبحانه وتعالى لما خلق الإنسان في أحسن تقويم، ركّبه بتراب من الأرض لكي يتواضع، كما ركبه بملك من السماء وروح منها لكي يرتفع، فإنه يكون حينئذٍ بين قوسي النزول والصعود، فإنه ينزل من الملأ الأعلى في قوس النزول إلى أن يكون في دار الدنيا الدنية، ثمّ بعد ذلك من هذه الدار الدنيا ومن الترابية والأرض والملكية يعرج إلى الملكوت الأعلى، وإلى السبوحية والقدوسية الإلهية، فيكون في حضرة الله سبحانه وتعالى، إذ العالم هو المحضر الإلهي فلا تعصِ الله في حضرته، فيعرج حينئذٍ في قوسٍ صعودي، في هذين القوسين النزولي والصعودي إنّما يكون العرفان، وخلاصة العرفان إنّما تتجلى في قوله تعالى: ﴿إنا لله وإنّا إليه راجعون﴾، العرفان الإسلامي الصحيح على ضوء الثقلين إنما يكون الحبل المتصل بين العبد وربّه، فالله سبحانه وتعالى خلق الإنسان ونفخ فيه من روحه -والروح هو ملك أعظم من جبرئيل- ونسبه إليه تشريفاً، فكان الإنسان بنشأته الجديدة في أحسن تقويم، وتبارك الله أحسن الخالقين.

ولا أُريد أن أسميه العرفان الشيعي، سواء كان مَن يعتقد به سنيّ أم شيعي؛ لأنّ هناك مَن يأخذ هذا العرفان من أهل البيت (عليهم السلام) كالصوفية؛ إذ أنّهم بين العرفان والتصوّف كما ذكرت، هناك كثير من المسائل متشابهة، ولكن هناك محاور جوهرية هي التي تفرّق بين العرفان الأصيل وبين التصوّف المتراكم في مدارسه، عندنا ما يقارب أكثر من ثلاثمائة مدرسة صوفية الآن، فهذه المدارس تعتقد في تصوفها وفي خرقتها أنّها تؤخذ من المرشد والشيخ، والشيخ يأخذ من شيخه، وتنتهي سلسلة التصوّف إلى البرخي ثمّ إلى الإمام الرضا (عليه السلام)، ثمّ إلى أمير المؤمنين (عليه السلام)، المدارس الصوفية ـ الشيعية والسنية ـ كلّها تُرجع تصوفها في التاريخ إلى أمير المؤمنين على أنّه ولي الأولياء، وأنّه أخذت الخرقة منه، طبعاً أمير المؤمنين أخذ ذلك من رسول الله، والرسول الأعظم أخذ ذلك من الله سبحانه وتعالى، فلذا هناك وجه شبه كثير بين العرفان الأصيل الذي نعتقد به وبين التصوّف، ومن ثمّ ربّما تجد من السنة مَن يأخذ بالعرفان الذي نذهب إليه، وذلك أن يكون على ضوء القرآن الكريم والعترة الطاهرة، لذا نركز دائماً أنّ العرفان الذي نقول به -والذي فتحت أبوابه إن شاء الله للمستقبل بآفاق جديدة؛ حيث إنّ هناك من يحقّق في هذا الباب- إنّما هو العرفان الذي يبتني على القرآن والعترة (عليهم السلام). لو رجعنا إلى تاريخ العرفان الإسلامي وأنّه كأحد العلوم الإسلامية فإنّه ينتمي إلى أحد صنفين من العلوم:

الأوّل: أن ينتمي إلى صنف العلوم التأسيسية التي غرس بذرتها الدين الإسلامي كالعلوم الإسلامية الأُخرى، مثل الفقه وعلم التفسير والحديث وما شابه ذلك.

الثاني: أن ينتمي إلى صنف العلوم الإنسانية التي غرس بذرتها الإنسان وساهم في تنميتها وتهذيبها وإثرائها الإسلام والمسلمون كعلم الطب والفيزياء والفلسفة وما شابه ذلك.

أعتقد أنّ الإسلام دين الله الكامل ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾، ﴿ومن يبتغِ غير الإسلام ديناً فلن يُقبل منه﴾، فإنّ علم الأوّلين والآخرين وما هو الصحيح في كلّ العلوم والفنون إنّما هو في كتاب الإسلام أي في القرآن الكريم.

يستمد نور علم العرفان الإسلامي الصحيح من الثقلين كتاب الله والعترة الطاهرة، فالمصدر الأوّل والأُم لعلم العرفان الإسلامي هو الكتاب والسنّة المطهّرة ومنهاج الأئمّة الأطهار.

 

الخطوط والملامح الأوّلية والأركان الأساسية لعلم العرفان الإسلامي الصحيح

الخطوط والملامح الأوّلية والأركان الأساسية لعلم العرفان الإسلامي الصحيح تبتني على الركائز التالية:

الأُولى: الفطرة الموحّدة، حيث إنّ الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان على فطرة موحدة معصومة، كالقرآن الكريم والوحي وقول المعصومين (عليهم السلام).

الثانية: العقل، الذي هو بمنزلة السراج المضيء، ويمتاز الإنسان عن العجماوات بعقله.

الثالثة: القلب، بوصفه المركز للعواطف والأحاسيس الإنسانية، والجزء النابض الذي يتلقى الإشراقات والوعي والعلم الإلهامي.

الرابعة: الإرادة والاختيار، اللذان يمثّلان ويجسّدان لنا حرية الإنسان واستقلاله في الفعل والترك، إن شاء فعل وإن شاء ترك.

الخامسة: الضمير والوجدان الإنساني، اللذان يمثّلان القانون الأخلاقي والمراقبة في أعماق البشر، والذي يعبّر عنه في المصطلح القرآني بالنفس اللوّامة.

السادسة: مجموع الأهواء والقوى النفسية، أعمّ من أن تكون سلبية أو إيجابية، وهي عبارة عن قوّتي الغضب والشهوة الجاذبية والدافعية، وهذه القوى النفسية والأهواء النفسية إنّما هي طاقات في وجود الإنسان كالطاقة الكهربائية، فيمكن أن يستعمل الإنسان هذه الطاقة النووية كقنبلة ذرّية لا تبقي ولا تذر، ويمكن أن يستعملها في الأغراض السلمية كالكهرباء وما شابه ذلك، فالأهواء النفسانية إن كانت قائدة للعقلانية وللعواطف والأحاسيس التي مركزها القلب تقود ذلك إلى خسران الإنسان، ويكون حينئذٍ ضالاً ومضلاً، وأمّا إذا كانت منقادة فحينئذٍ سيكون الإنسان سعيداً.

 من الفوارق بين العرفان الإسلامي الصحيح والتصوّف هو هذا الموضع، فالصوفية تقول: علينا أن نحارب الأهواء ونطردها من النفس بزهد سلبي، بمعنى الانعزال عن الناس، والتقشف، واللبس الخشن وما شابه ذلك؛ حتى يطردوا هذه الأهواء وهذه القوى النفسية عن أنفسهم، ولكن العرفان الإسلامي الصحيح يقول: لا، بل لا بدّ من تربية وتهذيب ومشروعية هذه الأهواء؛ لأنّ هذه طاقات محرّكة، الشهوة وقوّة الغضب إنّما هي طاقات محرّكة، فلا بدّ منها.

ومن ثمّ العرفان الإسلامي أو الإسلام بصورة عامّة إنّما يهذب لنا هذه القوى النفسية، من هنا يتبين  أنّ الإنسان يدرك بالعقل النظري ومن ثمّ يعمل ما يدركه بالعقل العملي.

إنّ الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان وركبه بهذه المجموعة الروحية والجسدية، وجعل في روحه الفطرة والقلب والعقل والأحاسيس والعواطف، فحينئذٍ إذا غلب العقل والقلب على الأهواء فيكون الإنسان حينئذٍ حكيماً عارفاً، وإذا غلبت الأهواء –عقلي مغلوب وهوائي غالب- فحينئذٍ سيخسر الإنسان الصفقة.

العقل إنّما يكون سراجاً لمعرفة الطريق ـ لوضوح وانكشافية الطريق ـ بالفكر والدرس والتعليم وكثرة التعلّم، يعني في القضايا العقلية الإنسان يحتاج إلى مدرّس ودراسة وإلى تعليم، والعلم في الصغر كالنقش في الحجر، والعلم في الكبر كالنقش على البحر، وأنّه ﴿ومَن نعمّره ننكّسه في الخلق﴾، وأخيراً ربّما الإنسان يفقد هذا العلم الذي كسبه بعقله. كثيراً ما يُبتلى الإنسان بضعف القوّة العاقلة من حيث إدراك العلوم العقلية، تجده في أيّام شبابه نشيطاً بالنسبة إلى الدراسة، ولكن في أيام شيبه تجده يكسل عن ذلك، فالعلوم العقلية إنّما تكون استدلالات منطقية –صغرى وكبرى ونتيجة- وإنّما تكون برهاناً، لذا عندنا برهان وعندنا علم عقلي، هذا إنّما يكون بالفكر والتفكّر والتأمّل بالدراسة، وعندنا قلب، القلب إنّما هو وعاء ومرآة ومجلى لكشف الحقيقة، كما أنّ العقل سراج لكشف الحقيقة، يعني العقل يكشف لنا الحقائق، والقلب أيضاً يكشف لنا الحقائق، إلّا أنّ العقل إنّما يكشف لنا الحقائق من خلال البرهان، ولكن القلب إنّما يكشف لنا الحقائق من خلال الكشف والشهود، وهنا يتبيّن الفارق بين الفلسفة والعرفان، والنزاع بين الحكماء والعرفاء، وأنّه ربّما كلّ واحد ينفي الآخر، ولا يدري أنّ النزاع بينهما إنّما هو نزاع لفظي كما يقال، وليس نزاعًا جوهريًّا.

عندما نقف على حقيقة الأمر، سنجد أنّه لا فرق بين الحكمة والعرفان ـ أي بين الفلسفة والعرفان ـ فكلاهما يصبّان في مصب واحد، إلّا أنّهما يختلفان من حيث الطريقية والأُسلوب؛ حيث إنّ العرفان إنّما يكون بالكشف الشهودي والقلبي، ولكن الفلسفة إنّما تكون بالاستدلال البرهاني، حينئذٍ لا بدّ أن نقف على هذه الحقيقة، القلب إنّما يصل إلى مقام الشهود والكشف، وتتبيّن الحقائق له من خلال صقله، ومن خلال تجلية القلب، ومن خلال الذِّكْر والتقوى والموعظة، والعلوم العقلية إنّما تتحقّق من خلال الفكر والدرس، و العلم القلبي ليس بكثرة التعلّم، كما في حديث عنوان البصري عن الإمام الصادق: «إنما هو نورٌ يقذفه الله في قلب مَن يشاء أن يهديه»، هذا العلم القلبي الإلهامي هو أُس وأساس العرفان الإسلامي الصحيح، مَن يصل إلى هذا المقام سيكون عارفًا بالله سبحانه وتعالى، وتنكشف له الحقائق، ويتكلّم بلسان المعرفة، وإن كان يستدلّ بلسان العقل،  أي لا يستغني عن العقل؛ لأنّ لغته لإيصال ما كشفه بشهوده إنّما تكون بعقله، فلذا لا يمكن أن يُستغني عن العقل، فالذي يصل إلى مقام العرفان إنّما سيكون بالذكر القلبي والحضور؛ لأن الذكر هو حضور المذكور عند الذاكر، بخلاف الزيارة التي هي حضور الزائر عند المزور، فإنّ الله سبحانه وتعالى بالنسبة إلينا أقرب إلينا من حبل الوريد بل يحول بين المرء وقلبه، ولكن الإنسان بينه وبين ربّه حجب نورانية، فإذا خرق هذه الحجب، وفي قوسه الصعودي عرج إلى ربّه –قاب قوسين أو أدنى- حينئذٍ سيكون ملهماً بالعلم اللدني الإلهامي، وهذا هو العرفان، نتيجة العرفان أنّ علومه وإدراكاته إنما تكون إدراكات إلهامية، تنكشف له الحقائق التكوينية والتشريعية، هناك عندما تُذكر أسرار العبادات مثلًا –أسرار الحج وأسرار الصلاة- إنّما تُذكر من هذا المنطلق، من منطلق الكشف والشهود، بمعنى أنّ العارف عندما نسأله عن دليله وبرهانه يقول: إنما هذا من الكشف والشهود. العمدة في هذا الكشف والشهود أنّه لا يكون إلّا بعد أن تكون العقائد كلّها سليمة وصحيحة، وأن تكون الأخلاق فاضلة وحسنة، بالتخلية والتجلية والتحلية، بعد إكمال كلّ مراتب العقائد، أي بعد تكميل العقائد وتكميل الأخلاقيات؛ لأنّ هذا باب كلّ واحد يودّ أن يدّعيه، مقام كلّ واحد يودّ أن يدّعيه، وكثير ممَّن يلتبس عليه الأمر بتبليس إبليس فيدّعي ما ليس فيه. عند ذلك يتولّد العرفان، عند ذلك يكون الإنسان في طي منازله العرفانية ومقاماته وحالاته الواردة عليه، سواء كان ألف منزل أو ثلاثمائة منزل أو مائة منزل، كما هو المعروف والمشهور في كتاب (منازل السائرين) للخواجة عبد الله الأنصاري، فإنّه إنّما يصل إلى العرفان الحقيقي الواقعي بعدما يكمل العقائد وتكون عقائده سليمة.

كثير من الأعلام يذهب إلى أنّ أساس العرفان النظري إنّما هي مأخوذة من محيي الدين ابن العربي، والحال أنّ بنظري هذا غير صحيح؛ لأنّ العرفان الذي تنكشف له الحقائق كما هي، لا أنّه يدّعي كشف الحقيقة؛ لأنّ نتيجة العرفان هو العين والسمع والحواس البرزخية، بمعنى أنّه سيجعل بصره اليوم حديد، كلّ واحد عند الاحتضار ـ حتى الكافر ـ ستُفتح له العين البرزخية ويرى الحقائق كما هي، ولكن قبل الاحتضار إنّما تكون العين البرزخية والكشف والشهود للأوحدي من الناس، لمَن كمل إيمانه وإسلامه ودينه، وأخلاقه عند ذلك يكون الإنسان عارفاً بالله سبحانه وتعالى، مَن لم يعرف إمام زمانه مستحيل أن يكون عارفًا بالله، (اللهم عرّفني نفسك... عرفني رسولك... عرفني حجّتك، فإنك إن لم تعرّفني حجّتك ضللتُ عن ديني)، لذا كلّ العرفان الذي يؤخذ من غير أهل البيت فهو باطل لا شك في ذلك؛ لأنّ أساس العرفان يرجع إلى معرفة الإمام، معرفة الإمام معرفة النبي، معرفة النبي معرفة الله، باعتبار العارف يصل إلى مقام التجريد التوحيدي، والتجريد التوحيدي: أنّه لا يرى في الدير ديار إلّا هو سبحانه وتعالى، وما رأيت شيئاً إلا ورأيت الله قبله ومعه وبعده، بنا عرف الله، وبنا عبد الله، فلا يتمّ إلّا من أهل البيت (عليهم السلام)، لذا العرفان الصحيح الصائب ما كان على ضوء الثقلين، وأمّا غير ذلك إنّما هي كلمات عرفانية، إنّما هي ألفاظ عرفانية وليست حقيقة عرفانية، وإذا كشف له فإنّما كشف ما في باطنه وإن كان الباطن فاسداً، فإذا قال مثلًا في كتابه: رأيت الشيعة على صورة خنازيرـ مع أنّه يدّعى على أنه أحد العرفاء الكبار وأحد المتصوّفة الكبار في الفتوحات المكية، يدعي أنّه رأى الشيعة الروافض بصورة خنازير ـ هذا إنما رأى باطنه وليس يرى الحقيقة، ولكن تبليس إبليس جعله يتصوّر أنها هي الحقيقة، لذا لا بدّ ـ النتيجة تابعة لأخس المقدمات ـ من صحّة المقدمات أوّلاً، أي لا بدّ أن تكون العقائد صحيحة، ولا بدّ أن تكون الأخلاق فاضلة، إذا كان عنده حسد مستحيل أن يصل إلى العرفان، إذا كان عنده الكبر والغرور مستحيل أن يصل إلى العرفان، فلا بد حينئذٍ من إكمال وتكميل الجانب العقائدي والجانب الأخلاقي، ومن ثمّ يصل إلى العرفان وإلى مقام الشهود.

صلب الموضوع نجعله في حلقة أُخرى، لكنّني حاولت هنا أن أُبيّن أنّ العرفان والشهود عندما تُفتَح العيون البرزخية وتُرى الحقائق كما هي، إنّما يكون ذلك عند أهل البيت (عليهم السلام)، ولنا من سيرتهم نماذج، منها الإمام الصادق (عليه السلام)، عندما يقول له أبو بصير في أيّام الحجّ: ما أكثر الحجيج! الإمام يجيبه: أنّه ما أكثر الضجيج وأقلّ الحجيج. وكان أبو بصير بصيراً، فالإمام وضع يده على عينيه فكُشف له الغطاء، فرأى أُولئك الذين يطوفون حول البيت ورآهم بصورهم الحقيقية الحيوانية، إذ الإنسان إذا غلب عليه جانب الحيوانية الشهوانية، فإنّه في عالم المثال تتبيّن تلك الصورة الغالبة، وإن كانت صورته بصورة الإنسان، وإن كان بصورة الشاة، إلّا أنّه تجده إذا كان في قلبه السبعية، إذا كان في نفسه السبعية، فإنه يتمثّل بالذئب حينئذٍ، إذا كان لا يفهم يتمثّل بالحمارية، وهذا ما يذكر بالنسبة إلى أُستاذ أُستاذ السيّد الإمام (رحمة الله عليه) في قصّة معروفة على أنّه كان يذكر ذِكْراً خاصّاً ويقول: أنا لا زلت أعتذر ولا زلت حماراً، فسأله تلميذه: ما هذا الذكر أنّه لا زلت حماراً؟ فأخبره ـ والقصة مفصّلة ـ إنما هي كانت من باب الكشف والشهود، فربّما للأوحد من الناس، وربّما حتى لغير الأوحد إذا أراد الله سبحانه وتعالى أن يجعل العين البرزخية لمَن يريد أن تنكشف له الحقائق كما هي، فأئمتنا (عليهم السلام) سادة العرفاء، عندهم الكشف والشهود، إضافة إلى الجانب العقلي والجانب القلبي والفطري والعصمتي والارتباط بالله سبحانه وتعالى، كعرفان العقل يقول شيئاً والعشق يقول شيئاً آخر، العشق عرفان والعقل برهان مثلاً، في البرهان يقول شيئاً والعرفان يقول شيئاً آخر، فهذا النزاع موجود.

إسكندر ذو القرنين أراد أن يجمع بين الحكماء والعرفاء في عصره، على أن يقول لهم: بينوا الحقيقة ما عندكم، فجعل لكل منهم جداراً أن يكتبوا ويرسموا، أن يجعلوا ما عندهم على الجدار، وجعل بينهم حاجزاً ساتراً، وقال: بعد عام أرجع إليكم حتى أرى ما عندكم، وبعد عام رجع عليهم، فجاء إلى الفلاسفة ابتداءً فقال: ما عندكم من العلم؟ فأروه أنّهم رسموا على الجدار من كل مخلوق رمزاً، مثلًا من الطير طيراً، من الشجر شجراً، من البحر بحراً، وهكذا رسومات عديدة، قال: ما هذا؟ قالوا: نحن نبحث عن الموجود بما هو موجود لكي نميّز الحقيقة عن غير الحقيقة، لذلك يُقال: إنّ موضوع علم الفلسفة هو البحث عن الموجود بما هو موجود على حقيقته، فقالوا: نحن نبحث عن ذلك، رفع الستار كي يرى ما عند العرفاء، فوجد عند العرفاء أيضاً نفس الصورة طابق النعل بالنعل والقذة بالقذة، نفس الصورة موجودة على الجدار الثاني، بإضافته هو إسكندر والجماعة الذين معه، قال: وأنتم ماذا عندكم؟ قالوا: نحن صقلنا هذا الجدار حتى جعلناه كالمرآة، فتنطبع فيها تلك الحقائق التي يقول بها الفلاسفة في مرآتنا، وأفضليتنا على الفلاسفة أنّه تنطبع أيضاً أنت مع قومك على جدارنا وعلى قلوبنا، فنحن نراك على حقيقتك في قلوبنا، فأرادوا بذلك أن يثبتوا أنّ العرفان أفضل من الحكمة والفلسفة، فهذا المعنى موجود، لذا أُستاذي قال لي: ألّا أدرس الفلسفة، فضرب لي هذا المثال، ربما الآن تضحكون على هذا المثال، ولكن أضرب لكم هذا المثال: قال: هناك شخص تاجر كان عنده قطة وببغاء، وبطبيعة الحال أنّ بينهما عداوة، لا يمكن للقطة أن تعيش مع الببغاء، فسمع شخصاً يقول: أفتح كتاباً أفتح فالاً. فدعاه، قال: اعمل لي حرزاً سحراً شيئاً حتى يقع التصالح بين القطة والببغاء، قال: عليّ بكيس، وعليّ بالقطة، وبعد ساعة تعال مع الببغاء، فأخذ القطة مع الكيس في غرفة وبعد ساعة جاء التاجر مع الببغاء، فجعل الببغاء أمام القطة، القطة لم تُبدِ ردّة فعل أمام الببغاء، ففرح التاجر كثيراً على أنّه وقع التصالح بين الحيوانين، فارتاح وأعطاه مالاً وذهب ذلك الرجل فاتح الفال، وبعد مدة رجع التاجر من تجارته إلى البيت، فوجد أنّ القطة قد أكلت الببغاء، ولم يبقَ منه إلا الريش، فتألّم كثيراً، وإذا به يوماً ما يسمع صوت ذلك الرجل فاتح الفال، فدعاه وقال: قضي الأمر، وأُكل الببغاء، ولكن أخبرني ماذا فعلت في تلك الساعة التي رأيت بعيني أنّ القطة قد تسالمت مع الببغاء؟ قال: لم أفعل شيئاً، إنما جعلت القطة في الكيس وأخذت أُدوّر بهذا الكيس، أُدوّر وأُدوّر وأُدوّر إلى أن داخت القطة، فعندما أتيت بالببغاء لم ترَ القطة شيئاً حتى تأكل الببغاء؛ لأنّها دائخة، فبدوختها حينئذٍ تسالمت مع الببغاء، ولكن عندما صحت عرفت أنّ هذا حيوان يُؤكل فأكلته حينئذٍ، لذا قال: أنتم بفلسفتكم هذه تدوخون الطرف المقابل، لا تعطِه الحقيقة إنّما تدوخه، إنّ الوجود عندنا أصيل، دليل مَن خالفنا عليل، وتأتي بالأدلّة والأدلّة إلى أن يؤمن لك على أنّ الوجود هو الأصيل، وإذا به يأتي هذا الإشراقي –هذا المشائي-: إنّ الأصيل عندنا الماهية، دليل مَن خالفنا واهٍ، ويأتي بالأدلّة والأدلّة والأدلّة حتى تؤمن بأنّ الأصيل هو الماهية، إذن ليس إلّا دوخة رأس، أن تدوّخ الطرف المقابل، لا يحق لك أن تدوّخ الطلبة بالفلسفة، ابقَ على الفقه والأُصول، لذا بدأت بالفقه والأُصول وإلى يومنا هذا والحمد لله.

المشكلة أنّه بالنسبة إلى ما ورد في دعاء الأئمة (عليهم السلام) التي هي بلغة عرفانية، عندنا روايات عديدة بأنّ أهل البيت لغتهم لغة فلسفة، عن أمير المؤمنين يهودي يسأله ما هي الفلسفة؟ فالإمام يأتي بحقيقة الفلسفة، وأخيراً اليهودي الفيلسوف آنذاك يعجز في مقابل كلمات أمير المؤمنين (عليه السلام)، ويقول: يا أبا الحسن قد أتيت بكلّ الفلسفة، كلّ ما عندنا أتيت به وزدت على ذلك، لذا بعض الأحيان أئمّتنا (عليهم السلام) عندهم اللغة الفلسفية والعرفانية، هناك مَثل فارسي معروف يقول: مَن لُدغ بحية فإنّه يخاف حتى من الحبل، حبل يتحرّك يتصوّره حية فيقول: هذه حية؛ لأنّه ملدوغ منها، فبما أنّنا لُدغنا بالحكمة الفلسفية وبالعرفانيات، لذا عندما يأتي صدر المتألّهين بالعرفان والحكمة المتعالية، تجد هناك كثير من معاصريه ممَّن خالفه، حتى أنّه أُبعد من أصفهان التي كانت عاصمة إيران آنذاك، أبعده الملك إلى أطراف كاشان، ثمّ بعد ذلك جاء إلى كهك وعاش عشر سنوات فيها وهو غريب مع عائلته، لأنّه تكلّم بلغة ليست لغة حديثية أو لغة قرآنية أو ما شابه ذلك، فيها نوع من اللغة المستوردة من الآخرين، لذا تجد أنّ هناك مَن يخالف، فكلمات أهل البيت (عليهم السلام) عندما يُشمّ منها رائحة التصوّف أو رائحة العرفان أو ما شابه ذلك، تجد أنّ هناك مَن ينكر حينئذٍ، خوفاّ من أن يقع الإنسان فيما هو أخطر منه، ومن ثمّ هناك مَن ينكر هذا الدعاء مثلاً، أو أنّه يشكّك في أصل هذا الدعاء، وأنّ لغته لغة صوفية، والحال هي كلمات من ورائها الواقع والحقيقة، والروايات الأُخرى والآيات الأُخرى تؤكّد ما ورد في هذا الدعاء، كما في الأدعية والزيارات عن أئمّتنا الأطهار (عليهم السلام).

 
 
البرمجة والتصميم بواسطة : MWD