1439 / ربیع‌الاول / 5  |  2017 / 11 / 24         الزيارات : 483716         صلاة الصبح |         صلاة الظهر والعصر |         صلاة المغرب والعشاء |

الندوة (4) - النهضة الحسينية والبعثة النبوية دراسة مقارنة (القسم الرابع) - سماحة السيد سامي البدري

{ مؤسسة وارث الأنبياء - قم المقدسة }
الندوة (4) - النهضة الحسينية والبعثة النبوية دراسة مقارنة (القسم الرابع) - سماحة السيد سامي البدري

استعرض المحاضر في بداية حديثه خلاصة المحاضرات السابقة، وهي المقارنة بين النهضة الحسينية والبعثة النبوية، من جهة الخلفية التي دعت إلى البعثة، وهدف البعثة، ومراحل السير.

موضّحاً أنّ كلّ هدف في الواقع الاجتماعي معقّد ويحتاج إلى مراحل حتّى يتحقّق هذا الهدف، وقد تحدّث عن هذه المراحل في محاضرات سابقة، وهي:

 المرحلة الأُولى: العزلة والعبادة

 إنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مرّ بمرحلة العزلة والعبادة، وكذلك الحسين (عليه السلام)، فهو إمام معصوم اتّخذ موقف العزلة والعبادة.

مشيراً إلى وجود ثلاثة انقلابات فكرية قرشية سياسية، حصلت في الإسلام:

الانقلاب القرشي الأوّل: فهو انقلاب قريش المسلمة، حيث وقفت في وجه الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام).

وخصائص هذا الانقلاب: رفع شعار القرآن، وتطويق سنّة النبيّ (صلى الله عليه وآله)، ومحاصرة أهل البيت (عليه السلام).

الانقلاب القرشي الثاني: انقلاب بني أُميّة ـ وهي قرشية ـ فأسميناه الانقلاب القرشي الأُموي، الذي كان من أبرز معالمه لعن الإمام علي (عليه السلام)، وهو أشدّ من الأول؛ لأنّه أعاد أطروحة الانقلاب القرشي الأوّل؛ «حسبنا كتاب الله»، ولكن مع سنّة محرّفة على أنّها دَين يدان به، ففي الانقلاب القرشي الأوّل كان الناس يفهمون أنّ متعة الحج حرّمها عمر بن الخطاب، ولم يمسّ بسيرة الإمام علي (عليه السلام)، وإنّما حاصره وأبعده، أمّا الأُطروحة الثانية (الأُموية) فهي أن تجعل الإمام علي (عليه السلام) مفسداً في الدين؛ من أجل أن تؤسِّس أمراً خطيراً؛ وهو أنّ سيرة الشيخين هي الدين الصحيح.

ثُمّ لُوحق شيعة الإمام علي (عليه السلام) من خلال مطالبتهم بالبراءة من الإمام علي (عليه السلام)، ولعنه، ومَن يرفض ذلك يُعاقب أشدّ العقوبة.

الانقلاب القرشي الثالث: كان على يد بني العبّاس، حينما تبنّوا المذاهب الأربعة، وطوَّقوا مدرسة أهل البيت (عليهم السلام).

وفي هذه المرحلة اعتزل الإمام الحسين (عليه السلام) وانصرف إلى العبادة؛ من أجل أن تبرز اطروحة بني أُميّة وتأخذ صورتها الحقيقة.

وذكر المحاضر مبرّرين لعدم خروج الإمام الحسين (عليه السلام) على معاوية:

 المبرِّر الأوّل: هو أن تنتهي العهود والمواثيق وذلك بموت معاوية، وتأتي حركته واضحة بينة بلا عهد سابق.

 والمبرّر الآخر: اكتفى الإمام (عليه السلام) بحركة أهل الكوفة بقيادة حجر في إحياء فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

مضيفاً أنّ الذي سيقِف مع الإمام علي (عليه السلام)، الذي انتمى إلى الإمام علي (عليه السلام)، واعتمده الإمام الحسن (عليه السلام) في نشر فكر الإمام علي (عليه السلام) وإمامته في المجتمعات الأُخرى، وكان ردّ فعل المجتمع الكوفي إزاء لعن علي بن أبي طالب (عليه السلام)، رفض لعنه والتبرّي منه خاصّة خلال ثلاث سنوات، تبدأ من وفاة الإمام الحسن (عليه السلام) سنة (50هـ ـ 53هـ)، ثلاث سنوات لم يذُق مجتمع آنذاك ـ أو بلد من كل البلاد الإسلامية ـ كما ذاق أهل الكوفة، من الهوان والظلم، وسفك الدماء، والتشريد، ونصب المشانق، والقتل، والسرُّ في ذلك هو ارتباطهم بالإمام علي (عليه السلام)، ورفضهم لعنه، والتبري منه، فقد هجّر معاوية من الكوفة خمسة وعشرين ألفاً، ومن البصرة خمسة وعشرين ألفاً بعوائلهم قسراً بعنوان الجهاد، غير المشانق والسجون، ولم تكن علاقتهم لقلقة لسان، ومُحصوّا بالبلاء فكثر الديّانون، مستدلّاً بذلك على أنّ أهل الكوفة ليسوا المقصودين بكلام الإمام الحسين، إذا محصوا بالبلاء قلّ الديانون، بل إنّ ذلك قد يصدق على الآخرين كأهل المدينة، ومكة، والشام؛ لأنّهم سابَقوا إلى لعنه والبراءة منه بمجرد أن أصدر معاوية الأمر بلعنه، مشيراً إلى مخالفة أهل العراق.

بيّن المحاضر استراتيجية معاوية في التغيير الديموغرافي لمدينة الكوفة، حيث هجّر من قبيلة مذحج الموجودة في الكوفة الغالب عليها التشيّع إلى الشام، وهجّر من مذحج القاطنين في الشام الغالب عليهم النصب إلى الكوفة، وأسكنهم دور نظرائهم، فالقبيلة هي القبيلة، بقيت هي همدان، ولكن همدان بعد سنة (51هـ) صارت شامية وناصبية، وأكثر سكّانها من النواصب، بعد أن كانت شيعية من سنة (40 هـ ـ 50هـ) التي استُشهد فيها الإمام الحسن (عليه السلام).

مشيراً إلى خطّة معاوية الرهيبة والخطيرة للغاية على أهل الكوفة، ولذلك العجب كلّ العجب أن تعود الكوفة مرّة ثانية تحمل مشروع علي (عليه السلام)، هذه كانت خطة الإمام الحسين (عليه السلام)؛ لأنّه (عليه السلام) بعد قتل حجر والتشريد والتهجير الذين حصل أمر شيعته أن يكونوا أحلاس بيوتهم ريثما يموت معاوية، حفاظاً على العناصر الأساسية، وكانوا كلّهم من العلماء وأصحابه الذين قتلوا معه في كربلاء، ومعظمهم من أهل الكوفة.

المرحلة الثانية: العمل التبليغي السرّي

 حيث اجتمع الإمام بأصحابه الذين اعتمد عليهم في الحركة الثانية، وكلّهم علماء وأضاف إلى علميّتهم أنّه أملى عليهم أحاديث النبيّ (صلى الله عليه وآله) في أهل بيته (عليهم السلام)، فانطلقوا على بيّنة ووضوح اعتقدوا به، واستلموه غضّاً طرياً من الإمام الحسين (عليه السلام).

والعمل التبليغي السري نظير ما كان لجدّه المصطفى (صلّى الله عليه وآله)، وقد بدأ العمل التبليغي السرّي للإمام الحسين (عليه السلام) في سنة (59 هـ)، بعد ظاهرة لعن الإمام علي (عليه السلام) في المجتمع، وإنّ الخلافة الإلهية كانت لمعاوية وليزيد، كالوضوح التام الذي حصل لقريش بعد وفاة عبد المطلب بعد (40 سنة) برزت قريش تعبد الأصنام، وكان البيت الوحيد الذي وقف قبال الأصنام هو بيت هاشم، وعلى رأسهم أبو طالب (عليه السلام).

مؤكّداً أنّ المقارنة بين الإمام الحسين (عليه السلام) والرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله) واضحة جدّاً؛ فإنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله) هناك رفع شعار (لا الله إلّا الله)، فهدم الأصنام بصورة واضحة كاملة، وهنا الإمام الحسين (عليه السلام) قال: لا أُبايع؛ لأنّ البيعة هي أساس الدين.

مضيفاً استغلال بني أُميّة للرواية الصحيحة: «مَن مات ولم تكن له في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية»، واستعاروا هذا الحديث الصحيح ليزيد ولمعاوية، ولمَن يأتي بعد معاوية، بينما الحديث يعني أنّ المرء يموت ميتة جاهلية إذا لم تكن في عنقه بيعة للإمام المنصوب من الله تعالى، والإمام الذي عينّه النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) بأمر منه تعالى.

فالإمام الحسين (عليه السلام) ينهض ليهدم هذا الشعار، فقال (عليه السلام): لا أُبايع. وأشار إلى أنّا نرى الوضوح في الحركة الحسينية، وكذلك هناك وضوح في بدعة المجتمع، وهو يخضع كلّه لهذه البدعة.

المرحلة الثالثة: المرجعية الدينية

 في هذه المرحلة فتح الإمام بيته للزوار وللشيعة، وهي مرحلة المرجعية الدينية، وهو عمل سرّي، كعمل جدّه المصطفى (صلّى الله عليه وآله).

المرحلة الرابعة: المرجعية السياسية

نهض الإمام الحسين (عليه السلام) نهضته في هذه المرحلة، وهي التصدّي للمرجعية السياسية، وهي مرحلة العلن كما صنع جدّه النبيّ (صلّى الله عليه وآله).

موضّحاً أنّ رفض الإمام الحسين (عليه السلام) البيعة ليزيد يؤدّي إلى انقسام المجتمع إلى صنفين:

صنف يريد الدنيا، ويكون خائفاً ويرى الحقّ مع الإمام الحسين (عليه السلام)، ويضمره ولو تغيّر جو الإرهاب سوف ينطلق لسانه بما يحويه ضميره.

وصنف آخر مَن يكون مع الإمام الحسين (عليه السلام) يبيع الحياة الدنيا، ولا يبايع يزيد، ويختار ما اختاره الإمام الحسين (عليه السلام)، والكلّ كان يعلم أنّه سيقتل إذا بقي مصرّاً على عدم البيعة ليزيد.

أفاد المحاضر أنّ الإمام الحسين (عليه السلام) قد خطّط لإعلان موقفه برفض البيعة من مكّة المكرّمة، قاصداً أن تكون مسيرته كمسيرة جدّه المصطفى (صلّى الله عليه وآله)، عندما أعلن من مكّة رفضه للأصنام، لذلك هو يعلن من مكّة رفضه للخلافة المزيّفة.

مؤكّداً أنّ الإمام الحسين (عليه السلام) تلطّف مع السلطة وخرج من ليلته قاصداً مكّة المكرّمة، ومنها أعلن أنّه لا يبايع.

كما أعلن النبيّ (صلى الله عليه وآله) رفضه لعبادة الأصنام، فأعلن بنفسه ذلك، وهذا لا يمثّل إلّا جرماً فكرياً، وليس جرماً سياسياً بنظرهم، حتّى حينما يقول: لا أُبايع ليزيد. مشيراً إلى أنّ سعد بن أبي وقّاص لم يبايع الإمام علي (عليه السلام)، والإمام تركه ولم يصنع معه شيئاً، وكذلك عبد الله بن عمر، فلذا من حقّي أن أرفض البيعة، وأقول: أنا لا أُبايع.

المرحلة الخامسة: عقد مؤتمر النصرة

 إنّ الإمام الحسين (عليه السلام) بقي أربعة أشهر تقريباً في مكّة، وهي شهر شعبان، وشهر رمضان، وشهر شوال، وشهر ذي القعدة؛ لأنّه خرج يوم (8 ذي الحجّة), فقد أُتيحت له (عليه السلام) فرصة كبيرة في أن يلتقي بطوائف من الناس خلال هذه الأربعة أشهر تقريباً.

ويصف الكثير من المؤرّخين ـ ومنهم ابن كثير والطبري ـ أنّ الإمام الحسين (عليه السلام) في مكّة تقوّضت إليه الحلقة، حتّى كان عبد الله بن الزبير من جملة مَن يحضر عنده، ولا يجرؤ أحد أن يؤسّس حلقة في البيت الحرام والإمام الحسين (عليه السلام) عنده حلقة، هذا معناه مرجعية دينية عليا رأيها أن لا بيعة ليزيد، لقد فتح (عليه السلام) الباب على مصراعيه للإثارة الفكرية، للمسلمين بصورة عامّة، وعند هذا الجيل الذي كان يعتقد بالإعلام إنّ البيعة جزء من الدين بالخصوص.

وأوضح أنّ الحسين عقد مؤتمراً ثانياً بأنصاره نظير المؤتمر الذي عقده النبيّ (صلى الله عليه وآله) بأهل المدينة، وهو مؤتمر العقبة، لمّا بعث لهم في المدينة، مستدلّاً على ذلك بما ذكره الذهبي في سير أعلام النبلاء بقوله: «جاء مع الحسين (عليه السلام) لمّا خرج من مكة تسعون شيخاً من أهل الكوفة». نافياً الصدفة في مجيء هؤلاء الشيوخ مع الإمام الحسين (عليه السلام).

 متمّما استدلاله أنّ طبيعة الأشياء تقتضي أن يعقد الإمام الحسين (عليه السلام) مؤتمراً بأنصاره.

مبيّناً أنّ الإمام الحسين (عليه السلام) في المرحلة الخامسة كان يطلب النصرة، ولم يكن إلّا أهل الكوفة، وأهل الكوفة قد محّصتهم المحنة أيّام حجر على أنّهم أوفياء، كما محّصتهم قبل ذلك في زمن أمير المؤمنين (عليه السلام)، حينما نصروه.

مضيفاً أنّ مؤتمر النصرة يعقبه الهجرة إلى بلد النصرة، وقرّر الإمام الحسين (عليه السلام) الهجرة في وضح النهار، في يوم (8) من شهر ذي الحجّة الحرام علناً، بينما قرّر النبيّ (صلى الله عليه وآله) الهجرة، خفيةً؛ لاختلاف الظروف.

مختتماً حديثه قائلاً: انتهت الهجرة بالإمام الحسين (عليه السلام) على أن يطوّق علناً، بينما انتهت الهجرة بالنبي (صلّى الله عليه وآله) أن يطوّق مكان الاختفاء، وقد فكّه الله بالتدخل المباشر وأعمى عيونهم، وانجى النبيَّ (صلّى الله عليه وآله) من قتلٍ محقّق، وهنا لم يتدخل الله سبحانه تعالى «شاء الله أن يراني قتيلاً... شاء الله أن يراهنّ سبايا»، وكان الحسين (عليه السلام) وجهاً لوجه مع هؤلاء الوحوش البشرية، ليُبصر هؤلاء المغفّلون والأُمويون، وليُبصر العالم ما الذي سيصدر من شجاعة وصبر وثبات من الحسين (عليه السلام) وأهل بيته وأصحابه، بل كلّ فضيلة وسمو أخلاقي لم يشهد له التاريخ من قبل ولا من بعد، وما الذي سيصدر من هؤلاء الذين يدّعون الخلافة عن النبيّ (صلّى الله عليه وآله) مع عترة النبيّ (صلّى الله عليه وآله) الكرام البررة، من ظلم وعدوان وحقارة نفس، حتّى تنظروا بأُمّ أعينكم، لتُبصروا صنعَ الله تعالى مع الحسين (عليه السلام)، وكيف جعل هذه الظلامة فتحاً ونصراً مبيناً، وخسراناً على العدوان.

وللبحث تتمّة تأتيكم في ندوة لاحقة.

ثمّ استمع المحاضر إلى مجموعة أسئلة وأجاب عنها.

 
 
البرمجة والتصميم بواسطة : MWD