1439 / ربیع‌الاول / 6  |  2017 / 11 / 25         الزيارات : 484086         صلاة الصبح |         صلاة الظهر والعصر |         صلاة المغرب والعشاء |

الندوة (3) - النهضة الحسينية والبعثة النبوية دراسة مقارنة (القسم الثالث) - سماحة السيد سامي البدري

{ مؤسسة وارث الأنبياء - قم المقدسة }
الندوة (3) - النهضة الحسينية والبعثة النبوية دراسة مقارنة (القسم الثالث) - سماحة السيد سامي البدري

تحدّث المحاضر في الحديثين السابقين في موضوع (النهضة الحسينية والبعثة النبوية، دراسة مقارنة)، وتناول فيهما خلفية النهضة والبعثة، ثُمّ الهدف في كليهما، وانتهى إلى أنّ خلفية البعثة هو تحريف دين النبي إبراهيم (عليه السلام)، وتحويل مسار بيت إبراهيم (عليه السلام) من مركز تصدير التوحيد إلى مركز تصدير عبادة الأصنام من جديد، وفي قبالها خلفية النهضة الحسينية تحريف دين محمّد (صلّى الله عليه وآله)، وأمّا الهدف منها فهو تحرير دين النبي (صلّى الله عليه وآله) من التحريف، وتحرير المركز، الذي انطلق بمشروع الإمام علي (عليه السلام)؛ باعتبار أنّ الإمام الحسين (عليه السلام) لم يكن مؤسّساً للحركة التصحيحية بعد النبيّ (صلّى الله عليه وآله)، وإنّما المؤسّس هو الإمام علي (عليه السلام)، الذي بدأ حركة إعادة السنّة النبوية إلى المجتمع وتحريرها من بدع قريش، ثُمّ استعادت قريش الأُموية هذه التجربة من جديد وعمّمتها.

ونهضة الإمام الحسين (عليه السلام) تستهدف إحياء سنّة النبيّ (صلّى الله عليه وآله)، وإحياء أمر الإمامة، وتحرير مركز مشروع الإمام علي (عليه السلام) من أجل أن ينطلق من جديد في الأُمّة.

وأشار إلى استراتيجية بني أُمية في ترسيخ الضلالة، ونفي الحقّ، والإشادة بالباطل، وتبنّي الأحاديث المكذوبة والموضوعة؛ من أجل تأسيس إمامة منحرفة مبنيّة على الكذب.

وأكّد أنّ الذي نحتاجه لترجع الهداية من جديد إلى المجتمع في مثل هذا الوضع هو أن يفتضح أمر الخلافة المزيّفة والضالّة، من خلال أمرين:

الأمر الأوّل: الفضح الفكري، وإن كان أمر بني أُمية عندنا واضحاً، ولكن في ذلك الزمن كانوا يعتقدون أنّ الخليفة يشفع، وبأمره تُهرق الدماء ويذهب صاحبها إلى الجنّة، وأنّ صاحب هذا الحقّ الذي يقود الجهاد هو الذي يشفع عند الله تعالى؛ عقيدة دعمتها روايات الكذب، فنحتاج أوّلاً إلى هدم فكري بأن يفتضح أمر هؤلاء فكرياً.

الأمر الثاني: مرحلة إزالة صفة القوة عند بني أُميّة.

مؤكّداً أنّ السلطة الأُموية استطاعت أن تُخضع الأُمّة لهذه الأفكار الهدّامة، من خلال إماتة فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ملصقة صفة الخارجي لمَن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، من خلال نشر أحاديث النبيّ (صلّى الله عليه وآله) في قتال الخوارج، ومستغلّةً قضية الخوارج، من أجل إماتة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لذلك الإمام الحسين (عليه السلام) يشبه أباه الإمام علي (عليه السلام) من جهة إحيائه لفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حيث أحيا حجّ التمتّع، ولولا الإمام علي (عليه السلام) ما عَرف المسلمون طوال هذه القرون حجّ التمتّع.

وبيّن أنّ الفضل للإمام علي وللإمام الحسين (عليهما السلام) في إحياء الدين، وإحياء فريضة الجهاد حينما نهض في وجه الظلمة، وأسّس خطّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في المجتمع الإسلامي كلّه، إذ نظرية أهل السنّة حرمة القيام على الحاكم إلّا أن يعلن الكفر أو يترك الصلاة.

وفتح الإمام الحسين (عليه السلام) باب الجهاد؛ لكي يطيح بطغمة بني أُميّة - لا ليقيم دولة - ويوضّح للمجتمع المتديّن ويحرّكه إلى عدم طاعتهم، وهذا هدف مهم جدّاً؛ إذ المجتمع المتديّن صنفان: مجتمع جديد يرى في طاعة بني أُميّة دين، ومجتمع قديم يعرف الحقّ لكنّه لا يستطيع أن ينهض به؛ لخوفه من تهمة الخارجي.

وأفاد أنّ عبد الرحمن بن ملجم هو من رموز الخط الأُموي، وقد كتب عمر إلى عمرو بن العاص اختر له منزلاً بجوار منزلي؛ حتّى يعلِّم الناس القرآن كما أُنزل، وأشار إلى أنّ عمر هو مَن أسّس قراءة القرآن بلا تفسير، وكان عبد الرحمن بن ملجم من القرّاء ومعلّمي قراءة القرآن في مصر، مستنتجاً بذلك أنّ ابن ملجم ليس من شيعة الإمام علي (عليه السلام)، مبيّناً أنّ شيعته هم الذين يقرأون القرآن ويفسّرونه ويعلمونّه للناس، ويحدّثون الناس بأحاديث النبيّ (صلّى الله عليه وآله).

ثمّ استعرض المقارنة بين النهضة الحسينية والسيرة النبوية في ستّ مراحل، لافتاً أنّ ذلك لا يمكن أن يفسّر بغير وجود عهد عند الإمام الحسين (عليه السلام) في أن يقتدي ويقفو أثر جدّه النبيّ المصطفى (صلّى الله عليه وآله) في تلك المراحل، وهي التي تنسجم مع الواقع، وهذا التطابق هو الذي يدخل ضمن المنهج التاريخي لإثبات إمامة الحسين والأئمّة من ذرّيته (عليهم السلام).

المرحلة الأُولى: مرحلة العزلة

 أوّل مرحلة بارزة في سيرة المصطفى (صلّى الله عليه وآله) هي مرحلة العزلة في غار حراء.

 وكان ابتداءً يتعبّد بها النبيّ (صلّى الله عليه وآله) خاصّة، ثمّ شاركه الإمام علي (عليه السلام) وهو ابن ستّ سنوات، حيث بدأ يأخذ معه علياً (عليه السلام) وزير النبيّ (صلّى الله عليه وآله)؛ لأنّهما سيبدئان بحركة تبليغية، وهذه المرحلة ـ من الإعداد الخاص للنبيّ (صلّى الله عليه وآله) ولعلي (عليه السلام) وزيره ـ بتمامها حصلت للإمام الحسين (عليه السلام)، حينما انتقلت إليه الإمامة عندما تُوفّي أخوه الإمام الحسن (عليه السلام).

وأشار إلى الإعلام المعادي لأهل البيت (عليهم السلام)، بدأ يتحرّك للعن الإمام علي (عليه السلام)، وآخر منطقة أُعلن فيها لعن الإمام علي (عليه السلام) هي المدينة، بعد وفاة سعد بن أبي وقاص، وكانت الأُمّة تعيش في مرحلة لعن الإمام علي (عليه السلام)، وفي الكوفة كان المخاض والمحن أكبر، وتعيش حالة ثورة في مواجهة لعن الإمام علي (عليه السلام)، لم يسكتوا وقُطعت الأيدي والأرجل، وقد هُجّر الناس قبل ذلك، بحيث العراق من بعد وفاة الإمام الحسن (عليه السلام) في سنة (51 ـ 53 هـ) تمرّ عليه الفتنة والمحنة بما لم يكن في أي بلد آخر؛ لكثرة مَن كان فيها من شيعة علي (عليه السلام).

وأضاف أنّ الإمام الحسين (عليه السلام) اختار العزلة من سنة (51 هـ)، ودخل بيته لا يخرج منه وانصرف إلى العبادة، ثُمّ بعد قتل حجر (رضوان الله عليه) أمر أصحابه أن يكونوا أحلاس بيوتهم أيضاً للعبادة.

واستمرّت ستّ أو سبع سنوات إلى سنة (59هـ) يعني قبل موت معاوية بسنتين، وهناك تطابق بين النبي (صلّى الله عليه وآله) والإمام الحسين (عليه السلام) في مرحلة العزلة.

 المرحلة الثانية: الحركة التبليغية السرّية

كانت الحركة التبليغية السرّية للنبي (صلّى الله عليه وآله) داخل عشيرته ـ وليس كما هو المشهور إنّه داخل مجتمع مكّة - وانتهت الحركة بأن أعلن في بني هاشم وزارة علي (عليه السلام) وخلافته.

كذلك الإمام الحسين (عليه السلام) كان عنده عمل سرّي قبل أن يعلن نفسه للخارج، وهو العمل التبليغي السرّي، حيث عقد مؤتمراً سرّياً ضخماً بأصحابه قبل موت معاوية بسنتين في مكّة، وذلك في موسم الحجّ، وبالتحديد في مضارب بني هاشم في الجمرة الوسطى، حيث لا يستطيع أن يدخلها غريب إلّا بإجازة منه، ودعا مجموعة أصحاب أبيه وأصحاب أخيه وبعض التابعين، بحيث كان العدد سبعمائة، وكان مؤتمراً ضخماً جدّاً.

وأفاد أنّ مضمون الحديث أنّي خفتُ دروس هذا الأمر الذي ترونه في المجتمع، فهذه عشرة سنوات والكذب على الله وعلى رسوله، وتطويق أحاديث الإمامة، واليوم يعرض بني أُميّة أنفسهم أئمّة هداة، ويعرضون علياً (عليه السلام) إمام ضلالة ومفسد في الدين ويجب لعنه.

فما ترك الإمام الحسين (عليه السلام) حديثاً من أحاديث النبيّ (صلّى الله عليه وآله) يؤسِّس للإمامة الإلهية، إلّا وتلاه وطلب تدوينه، واستشهد بالصحابة الذين سمعوا الرواية؛ من أجل أنّ يروي التابعون الموجودون هذا الحديث عن الصحابة.

كما صنع الإمام علي (عليه السلام)، حيث كان في أيّام الغدير يصعد المنبر ويستنشد الصحابة بحديث الغدير، فيشهدون أنّهم سمعوا ذلك من رسول الله (صلّى الله عليه وآله) من أجل أن يؤسِّس حالة التواتر في الأحاديث.

 ثُمّ أمر الإمام الحسين (عليه السلام) أصحابه بالحركة التبليغية السرّية مع مَن يثقون به من أبناء عشائرهم، كما صنع النبيّ (صلّى الله عليه وآله) في حركته السرّية.

 المرحلة الثالثة: التصدّي للمرجعية الدينية

وذلك بعد انتهاء المؤتمر ورجوع الإمام الحسين (عليه السلام) إلى المدينة فتح بابه متفقاً مع الأعضاء المؤتمرين بدعوة الناس لزيارته، وهو معناه التصدّي للمرجعية الدينية علناً، حيث كان الإمام الحسين (عليه السلام) يمارس عمله الديني، ويستفتيه أصحابه والمسلمون، مجدّدين العهد بزيارته، وبدأت السلطة تشهد هذه الحركة، فكتب مروان إلى معاوية كتاباً يحذّره فيه اختلاف الناس إلى الإمام الحسين، وانّه لا يأمن وثوبه بعد معاوية، وهذا ذكاء سياسي للقرشيين، فكتب معاوية كتاباً لمروان وحذّره فيه من التعرّض له مالم يعارض سلطانه وأمره، بأن يكمن له ويرصده، ولكنّ كتب كتاباً آخر للإمام الحسين يهدّده ويتوعّده من الخروج.

ولمّا وصل كتاب معاوية بن أبي سفيان إلى الإمام الحسين (عليه السلام)، أجابه الإمام بجواب لاذع، يكشف فيه أعمال معاوية المنافية للإسلام وتعاليمه، كقتله لحجر الكندي وأصحابه، من بعد ما أعطاهم الأيمان المغلّظة، والمواثيق المؤكّدة، بأن لا يأخذهم بحدث كان بين معاوية وبينهم، وكقتله لعمرو بن الحمق صاحب رسول الله، من بعد ما آمنه، واستلحاقه لزياد بن سميّة المولود على فراش عبيد ثقيف، فزعم معاوية أنّه ابن أبي سفيان، خلافاً لقول النبي القائل: «الولد للفراش وللعاهر الحجر» ، وتسليط زياد على العراقين يقطع أيدي المسلمين وأرجلهم، ويسمل أعينهم، ويصلبهم على جذوع النخل، وغير ذلك من أفعال معاوية المخالفة للقرآن وسنّة النبي (صلّى الله عليه وآله).

وبعد ذلك بدأت السلطة تضايق الإمام (عليه السلام)، فالوليد بن عتبة منع العراقيين من زيارة الإمام الحسين (عليه السلام)؛ ولذلك قال الإمام (عليه السلام) له: لم ترعَ حقّنا، لمَ تمنع أناساً عرفوا من حقّنا ما جهلته أنت وصاحبك.

المرحلة الرابعة : المرجعية السياسية

 عندما مات معاوية، انتقل الإمام الحسين (عليه السلام) إلى المرحلة السياسية؛ محدّداً موقفه من بيعة يزيد؛ لأنّه مطالب بها من قبل الدولة، والامتناع عنها معناه الانتقال إلى المرجعية السياسية.

مضيفاً أنّ الإمام الحسين (عليه السلام) في مرحلته السياسية - يعني إعلان مرجعيته الدينية بالممارسة السياسية - شخّص موقفاً من السلطة نظير موقف النبيّ (صلّى الله عليه وآله) حينما أعلن موقفه من الأصنام، وقال لهم: قولوا لا إله إلّا الله تفلحوا، فكلمة (لا) من رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في مواجهة الأصنام مقابل كلمة (لا) أبايع من الحسين (عليه السلام) في مواجهة الخلافة المطروحة في المجتمع، على أنّها هي التي تقود إلى الله.

فالإمام الحسين (عليه السلام) رفض هذه الخلافة الأُموية؛ لأنّها ليست على حقّ ودين، فيكون بذلك قد أنقذ المجتمع الجديد، الذي ظُلّل بالإعلام الأُموي.

 وللبحث تتمّة تأتي تباعاً في حلقات لاحقة.

وفي ختام الندوة أجاب المحاضر عن الأسئلة التي طُرحت عليه.

 
 
البرمجة والتصميم بواسطة : MWD