1439 / محرم / 1  |  2017 / 09 / 22         الزيارات : 422674         صلاة الصبح |         صلاة الظهر والعصر |         صلاة المغرب والعشاء |

نجوم في سماء الحسين عليه السلام (الحرّ الرياحي) دراسة استدلالية لحركته العسكرية وموقفه من حادثة الطف

{ السيد شهيد طالب الموسوي }
نجوم في سماء الحسين عليه السلام (الحرّ الرياحي) دراسة استدلالية لحركته العسكرية وموقفه من حادثة الطف

 

مقدّمة

إنَّ كتابة تاريخ الأُمّة ـ أي أُمّة كانت ـ وعلى مرِّ العصور والأجيال لا يعني أنَّه بدرجة من النقاوة، بحيث يُمثّل المعدن النقي بدون شوائب الدسِّ والتحريف، ولا يمكن لأحد أن يدّعي ذلك، وعلى هذا؛ فلا بدَّ أن يخضع تاريخ الأُمّة ـ في مسؤولية دراسته ونقده، ومسؤولية كتابته وخطه ـ إلى دراسة حقيقيّة وموضوعيّة في محاولة استئصال كلّ ما هو غريب قد يطرأ على تاريخ الأُمّة، في الوقت الذي نقول فيه: إنّ تلك الدراسات لتاريخ الأُمّة هي أيضاً خاضعة للنقد والتحليل، وهكذا إلى أن نصل إلى الجوهر الحقيقي الذي لا يمكن أن تطاله يد التغيير والتحريف أو تُحمّله ما لا يحتمله.

ومن هنا؛ سعى علماء الأُمة الإسلاميّة إلى كتابة التاريخ ودراسته، وتحقيقه في مختلف المجالات، وهي أمانة حاولوا إيصالها إلى الأجيال، كونها تُمثّل المدرسة الحقيقية التي يتربى عليها أجيال الأُمّة.

ولنأخذ مثالاً لحادثة مضت وسُطّرت في كتب التاريخ، وعُدّت من أهمّ حوادث الدهر، هي ملحمة وحادثة كربلاء، أو ما تُعرف بواقعة الطفِّ، حيث تُعدُّ من أهمّ الأحداث التاريخية التي مرَّت بها الأُمّة الإسلاميّة، والتي سجلت للأُمّة أروع دروس التضحية والإباء، والوقوف ضدّ الظلم والتمسك بالقيم الإنسانية والدينية، وقد بذل أصحابها الغالي والنفيس في سبيل الله، فقد سُقيت هذه الواقعة بدم ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وآله، وأهل بيته وأصحابه (رضوان الله عليهم أجمعين).

وعندما كتب التاريخ هذه الواقعة المباركة وسطّر أحداثها، أتى الكثير من الباحثين محاولين بيان وتوضيح تلك الدروس وتحليلها، أو نقد ما كُتب من التاريخ في هذه الواقعة، وهكذا تستمر هذه المسيرة لتعطي وتُغذّي الأجيال بنبض الحياة المنبثق من تلك الواقعة، ولعلّ هذا هو ما يُميّز تلك الملحمة عن غيرها، فهي إلى الآن تتجدد لتُعطي صورة حيّة مستمرة عن مبادئها الشامخة، وتعطي الدروس والعبر كلّ حين.

نحن نعلم أن هناك العديد من البحوث والدراسات كتبت عن شخصيات هذه الواقعة وما يحملونه من المبادئ السامية والقيم النبيلة، وما سطّروه من معاني التضحية والفداء؛ لأجل الدين والوقوف مع الحسين عليه السلام ضدّ ظلم وطغيان النفس الأمّارة بالسوء المتمثلة بأذناب بني أُميّة، وفي مقدمتهم يزيد بن معاوية (لعنه الله).

لكنّنا أحببنا أن نُدلي بدلونا، فكانت هذه المحاولة في دراسة شخصية مهمّة من شخصيات تلك الملحمة، وهي شخصية الحرّ بن يزيد الرياحي (رضوان الله تعالى عليه)؛ لعلّنا نستطيع أن نُبيّن جانباً من دروس هذا البطل المقدام، الذي كان له دور متميّز وبارز في تلك الواقعة.

وسنعتمد في هذا البحث على ثلاثة محاور:

المحور الأوّل: سيرة الحرّ بن يزيد الرياحي (تسميته، نسبه، كنيته، عمره، شجاعته)

أوّلاً: تسميته

الحر لغةً: «الحُرُّ، بالضمّ: خلافُ العَبْدِ. والحُرُّ: خِيَارُ كلِّ شيْءٍ وأَعْتَقُه،... ومن ذلك الحُرُّ بِمَعْنى الفَرَس العَتِيق الأَصِيل، يُقَال: فَرَسٌ حُرٌّ...»([1])، فالحر هو ما خلص من غير أصله.

 ومن أهمّ ما يمكن أن نقف عليه هنا في تسميته بهذا الاسم، أنّه ورد عن الإمام الحسين عليه السلام بعد استشهاد الحرّ ووقوفه عليه، حيث قال الإمام الحسين عليه السلام: «والله، ما أخطأت أُمّك إذ سمّتك حراً؛ فأنت ـ والله ـ حر في الدنيا، وسعيد في الآخرة»([2])، ويمكن أن نستفيد من هذه الرواية أمرين:

الأمر الأوّل: إنّ مَن سمّاه بهذا الاسم أُمّه، كما قال له الإمام الحسين عليه السلام ذلك، ويمكن بيان أمر مهم هنا؛ وهو علاقة الأُم في تسمية الولد، ومن ثمَّ العلاقة في تسمية الحرّ من قِبل أُمّه، فإننا نحتمل عدّة توجيهات:

1ـ إنَّ أباه كان ميتاً عند ولادته فسمّته أُمّه، وهو مشابه لما ورد من تسمية عبد المطلب من قِبل أُمّه سلمى رضي الله عنهم، حيث سمّته شيبة الحمد، بعد أن تُوفّي أبوه هاشم رضي الله عنه قبل ولادته، ثمّ سمّاه عمُّه المطلب بعبد المطلب، فقد ذكر ابن أبي الحديد ذلك، فقال: «...وأُمّ عبد المطلب سلمى بنت عمرو بن زيد... وولدت عبد المطلب، فسمّته شيبة الحمد؛ لشعرة بيضاء كانت في ذوائبه حين وُلِدَ»([3]).

2ـ إنّنا نحتمل أنَّ هذه التسمية ـ غير اسمه الحقيقي ـ كانت من أُمّه، أمّا اسمه الحقيقي فلم يرد إلينا، وهناك شاهد على ذلك؛ بأنَّ العرب كانت تستسيغ هذا الأمر، كما ورد ذلك في اسم الإمام علي عليه السلام؛ فإنَّ أُمّه رضي الله عنها قد سمّته حيدرة أو حيدر، كما هو واضح من أُرجوزته المعروفة:

أنا الذي سمّتني أُمّي حيدرة                       كليث غاب في العرين قسورة

أكيلكم بالصاع كيل السندرة([4])

3ـ ويُحتمل أيضاً أنَّ من الأعراف السائدة آنذاك، أنّ تسمية الولد ـ ابناً أو بنتاً ـ مختصة بالأُم دون الأب، فقد ورد في بعض المصادر، كما في تاريخ الطبري، حيث ذكر: «...فقال أبو حصين وهو يحدّثنا هذا: فبلغنا أنَّ فلاناً (الحجاج) قد أمّر على مكة... فقال: يا أبا حصين، قد ـ والله ـ فررت حتى استحييت من الله! سيجيئني ما كتب الله لي. قلت: أظنّك ـ والله ـ سعيداً كما سمّتك أُمك»([5])، أو أنّها من الاستعمالات المجازية التي وُصِف بها كلام العرب؛ لأنَّ الأُم هي مَن تلهج باسم وليدها في كلّ حالٍ وحين.

الأمر الثاني: ومن الأُمور التي نستفيدها من الرواية، أنَّ الحرّ لم يكن اسمه الحرّ فحسب، بل إنَّ الحسين عليه السلام قد نعته بهذه التسمية، فهي كانت صفة إضافة لتأكيد الاسم.

ولا يخفى على مَن يُدقق أنَّ في نعت الإمام عليه السلام للحر بهذه الصفة مداليل واعتبارات، فمن ضمنها:

1ـ إنّه متحرر من كلِّ أنواع التسلّط المفروضة من قِبل السلطة الحاكمة، أو من قِبل العرف الاجتماعي السائد حينئذٍ، وغير خاضع لها بالمقدار الذي يسلبه إرادته في اختيار ما هو على قناعة منه وما هو مؤمن به؛ فكان مستقلاً بآرائه وتوجهاته الاجتماعية والفكرية، بل حتى العسكرية كما سيأتي، ولم يكن ذيلاً من ذيول حكام بني أُميّة وأتباعهم على أمصار البلاد الإسلامية، ونحن نعلم أنَّ الأعراف الاجتماعية ورغبات الأُمراء وعقائدهم لها الدور الأكبر في تحديد سلوك الأفراد؛ لأنَّ الناس على دين ملوكهم كما يقال، فهو من هذه الناحية متحرر من هذه القيود.

2ـ التحرر من قيود النفس الأمّارة بالسوء والطامعة في ملذات الدنيا الزائلة، فعلى ما كان للحر من مقام اجتماعي رفيع حيث تذكر الروايات أنّه كان رئيساً في عشيرته وقائداً عسكرياً، كان الحرّ متحرراً منها، أو على أقل تقدير إنّه استطاع أن يصرع نفسه الأمّارة بالسوء وينحرها في ميدان المعركة عندما قال: إنّي أُخيّر نفسي بين الجنة والنار...  كما سيأتي المزيد من البيان.

ثانيا: نسبه

يمكن حصر ثلاثة أقوال رئيسة في نَسب الحرّ بن يزيد الرياحي، وهي:

القول الأوّل: وهو قول ابن حزم، في جمهرة أنساب العرب، حيث ذكر: «...والحر بن يزيد بن ناجية بن قعنب بن عتاب الردف بن هرمي بن رياح بن يربوع، الذي بعثه عبيد الله بن زياد ليشغل الحسين بن علي (رضي الله عنهما) فمال إلى الحسين، فقُتل معه (رحمة الله عليه)»([6]).

 القول الثاني: ما ذكره البلاذري، في أنساب الأشراف، فقد قال: «الحر بن يزيد بن ناجية بن قعنب بن عتاب بن الحارث بن عمرو بن همام، الذي صار مع الحسين بن علي، وكان من قبلُ من أشدِّ الناس عليه، فقال له الحسين: أنت الحرّ في الدنيا والآخرة. وقُتل معه...»([7]).

القول الثالث: قول الشيخ الطوسي، في رجاله، فذكر: «الحر بن يزيد بن ناجية بن سعيد، من بني رياح بن يربوع»([8]).

أمّا بالنسبة للقول الأوّل والثاني؛ فهناك نوع من التعارض في بعض نسب الحر، فإنّ ابن حزم والبلاذري قد اتفقا في انتساب الحرّ إلى رياح بن يربوع من بني تميم، واختلفا في نسبه إلى أبناء رياح، فابن حزم أوصله إلى هرمي والبلاذري أوصله إلى همام، وكلاهما يتفقان على أنَّهما من أبناء رياح.

نقطة الاتفاق والاختلاف

ووجه الاختلاف الحقيقي يكمن في قعنب بن عتاب، فابن حزم يرى أنَّ قعنب بن عتاب غير قعنب بن عتاب الردف، والدليل أنّه يذكر نسب الأبرد بن المعذر بعد ذكره لنسب الحرّ حيث يقول: «والحر بن يزيد بن ناجية... والأبرد بن قرّة بن نعيم بن قعنب بن عتاب بن الحارث بن عمرو بن همام بن رياح بن يربوع، كان سيّداً»([9]).

 أمّا البلاذري، فيرى الشيء نفسه؛ حيث يذكر عتاب الردف، بقوله: «ومن بني رياح: عتاب بن هرمي بن رياح، وهو الردف، ردف للنعمان بن الشقيقة، وكانت الردافة أن يجلس الملك، فيجلس الردف عن يمينه...»([10])، إلّا أنّ نسب الحرّ عند ابن حزم يعود لعتاب الردف بن هرمي بن رياح، وعند البلاذري إلى عتاب بن الحارث بن عمرو بن همام بن رياح، فـ(عتاب) عند ابن حزم هو رديف النعمان، وهو غيره عند البلاذري.    

أمّا قول الشيخ الطوسي، فإنّنا نحتمل التصحيف في سعيد؛ لاحتمال التقارب في اللفظ مع قعنب، فيكون هو قعنب بن عتاب الردف، وعلى أيّة حالٍ، فقول النسّابة يكون راجحاً على قول غيرهم.

أمّا أبوه، فهو يزيد بن قعنب، قال البلاذري: «...ومن وُلده يزيد بن قعنب بن عتاب كان فارساً»([11]).

 إلّا أنّه ـ كما قدّمنا ـ يذكر الحرّ وينسبه إلى يزيد بن ناجية بن قعنب، أي: هناك ناجية يتوسط بين يزيد وقعنب، وفي المسألة احتمالان:

الأوّل: إنّ جدّه ناجية بن قعنب، وهذا ما لا مستند له.

 والثاني: إنّ (ناجية) اسم لأُمّه، لاحتمال ورود تسميتها في نسبه، وهو أمر تعارفت عليه العرب في الانتساب، وأمثلة ذلك كثيرة في تاريخ الأنساب والرجال، فقد ذكر البلاذري، في نسب غالب بن أُسامة قوله: «...وغالب بن سامة: أُمّه ناجية بنت جرم بن ربان، إليها نسب وُلد زوجها؛ فهم بنو ناجية. ولا عقب لغالب الذي هو ولد ناجية»([12])، وقد أوردنا هذا القول للمثال وليس المقصود من ناجية نفسه الوارد في ذكر نسب الحر.

فيكون اسم أبيه يزيد بن قعنب، كما نحتمل ذلك، والله العالم.

ثالثاً: كنيته

العَلَم ينقسم على ثلاثة أقسام: الاسم، والكنية، واللقب، أمّا الكنية فهي للتعظيم وتُستخدم للتعريف عن الذات في الحروب وغيرها من موارد ذكر الكنى، فقد ورد عن الإمام الكاظم عليه السلام، أنّه قال: «إذا حضر الرجل فكنّوه وإذا غاب فسمّوه»([13]).

وأنّ كتب التاريخ نقلت اسم الحرّ دون كنيته، والمصادر تفتقر إلى أحوال الحرّ قبل واقعة الطفِّ، إلّا أنّ بعض المصادر ذكرت أنّ له ولداً اسمه علي([14])، استُشهد معه في كربلاء مع أخيه مصعب بن يزيد، فإذا كان الغالب من كنية الرجل بابنه؛ فتكون كنيته أبو علي، إذا ثبت أنَّ لديه ولداً في واقعة الطفِّ. وعلى كلِّ حالٍ فتسميته الحرّ هي الغالبة على كنيته أو لقبه.

رابعاً: عمره

لم تذكر المصادر الرئيسة التي ذكرت أصحاب الإمام الحسين عليه السلام عمر الحرّ بن يزيد الرياحي، إلّا أنَّ صاحب كتاب أنصار الحسين عليه السلام، يقول: «...إنّ الحرّ يبدو إلى الشباب أقرب»([15])، ولم يذكر أمارة هذا القول، إلّا أنّنا نستبعد ذلك من عدّة وجوه، ولأجل الاختصار سنذكر اثنين:

الأوّل: إنَّ قيادته العسكرية لجيش قوامه ألف فارس تتطلب الخبرة الميدانية، والتي لا يمكن أن تتأتى له خلال مدّة قصيرة من عمره، ومَن يملك هذه الأهمية في صدارة الجيش لملاقاة الإمام الحسين عليه السلام لا بدَّ أن يتمتع إضافة إلى الحنكة العسكرية بالمنطق والرأي السديد والناضج؛ ليحمل على عاتقه إنجاح هذه المهمّة على أتمّ وجه، خاصّة وأنَّ مهمّته ـ كما سيأتي ـ لم تكن قتال الحسين بمجرد ملاقاته، بل كان مأموراً بأن يُجعجع بالحسين عليه السلام.

ولدينا كلام في ذلك، فهل كانت مهمته الجعجعة بالحسين عليه السلام، أو لا؟ وسيأتي بيانه لاحقاً.

وعلى كلّ حالٍ، فنحن لا نحتمل كونه إلى الشباب أقرب لأجل ما بيّنا.

الثاني: استفاضة الأخبار الدالة على أنّ الحرّ كان شريفاً ورئيساً على قومه من بني رياح، حيث إنّ صاحب الإبصار قد أشار إلى ذلك بقوله: «...التميمي اليربوعي الرياحي. كان الحرّ شريفاً في قومه جاهليةً وإسلاماً»([16])، وإنَّ دلالة «جاهليةً وإسلاماً» ـ وإن كان لعلّه وصف مجازي؛ لأجل التشريف والتعظيم ـ يدلُّ على العمر الطويل، وأنَّ له الباع والخبرة في الحياة الاجتماعية الميدانية، فضلاً عن قيادة العسكر كما قدّمنا.

خامساً: شجاعته

قال أبو مخنف([17]): «حدّثني النضر بن صالح أبو زهير العبسي: أنّ الحرّ بن يزيد لـمّا لحق بحسين، قال رجل من بني تميم من بنى شقرة ـ وهم بنو الحارث بن تميم ـ يقال له: يزيد بن سفيان: أما والله، لو أنّي رأيت الحرّ بن يزيد حين خرج لأتبعته السنان. قال: فبينا الناس يتجاولون ويقتلون والحر بن يزيد يحمل على القوم مُقدماً ويتمثّل قول عنترة:

ما زلت أرميهم بثغرة نحره          ولبانه حتى تسربل بالدم

قال: وإنّ فرسه لمضروب على أُذنيه وحاجبه، وإنَّ دماءه لتسيل، فقال الحصين بن تميم: وكان على شرطة عبيد الله، فبعثه إلى الحسين وكان مع عمر بن سعد، فولّاه عمر مع الشرطة المجففة ليزيد بن سفيان: هذا الحرّ بن يزيد الذي كنت تتمنّى. قال: نعم. فخرج إليه فقال له: هل لك يا حر بن يزيد في المبارزة ؟ قال: نعم قد شئت. فبرز له، قال: وأنا سمعت الحصين بن تميم يقول: والله، لبرز له فكأنّما كانت نفسه في يده، فما لبثه الحرّ حين خرج إليه أن قتله»([18])، وهذا النص يُبيّن لنا موقف الرجال من الحرّ بن يزيد الرياحي، وما مدى شجاعته في ساحات القتال، ولعلّه من أبرز ما يميّز القادة في جيوش الدولة الإسلامية.

إلّا أنّ الشجاعة الحقيقية التي أرادها الإسلام بتعاليمه السماوية السمحة وقيمه النبيلة، هي الوقوف بوجه الباطل بكلِّ صوره، ومنها النفس الأمّارة بالسوء التي تُمثّل أعدى أعداء الإنسان في طريق الكمال، ومن الشجاعة كذلك قول الحقِّ ولو عند حاكم جائر، وهذا ما جسّده الحرّ بأروع معانيه في مواقفه النبيلة مع الحسين عليه السلام، ثمّ في توبته بين يدي الحسين عليه السلام، وبعدها في خطبته، ثمّ ختم رسالته بدم شهادته الطاهر.

المحور الثاني: حركة الحرّ العسكرية، وما جرى من أحداث (خروجه وملاقاته للحسين عليه السلام)

سنتحدث في هذا المحور عن عدّة مواضيع، تتلخّص بحركة الحرّ العسكرية، والمهمة التي وقعت على عاتقه لقتال الإمام الحسين عليه السلام، وكيف التقى بالإمام عليه السلام، وأهمّ المحاورات التي جرت بينهما، وسيكون اعتمادنا في هذا المحور على جهتين رئيستين:

الجهة الأُولى: خروجه من الكوفة

ونعني بها بداية المهمة العسكرية للحر بن يزيد الرياحي لملاقاة الحسين عليه السلام، وإذا لاحظنا الروايات والأخبار الواردة في كيفية خروج الحرّ من الكوفة، وكيف أنّه كان مرتبطاً بها عسكرياً؟ ومن أين يتسلّم الأوامر والتوجيهات فيها؟ فإنّنا نراها ـ أي: الروايات ـ تنقسم على ثلاثة أقسام، وكما يأتي:

القسم الأوّل: هناك أخبار تتحدث عن خروج الحرّ في ألف فارس لملاقاة الحسين عليه السلام، بأمر من عبيد الله بن زياد؛ فقد روى ذلك القاضي النعمان، في أثناء سرده لكيفية مقتل الحسين عليه السلام، وأهمّ المقدّمات التي كانت لأجل قتله، من خلال يزيد (لعنه الله)، فقال: «... وأرسل الحرّ بن يزيد الحنظلي [اليربوعي] في خيل، فلقيَ الحسين عليه السلام بكربلاء، فتوافقا، وأرسل عبيد الله بن زياد بعد ذلك عمر بن سعد بن أبي وقاص في عسكر جحفل، وعُدّة عتيدة. فوافى الحسين عليه السلام، وقد وافقه الحرّ بالطفِّ من كربلاء، ولم يكن بينهما قتال»([19]).

وقد روى الصدوق كذلك، بإسناده عن الإمام الصادق عليه السلام، فقال: «...وبلغ عبيد الله بن زياد (لعنه الله) الخبر، وأنَّ الحسين عليه السلام قد نزل الرهيمة، فأسرى إليه الحرّ بن يزيد في ألف فارسٍ...»([20])، وقد روى المجلسي في البحار مثله([21]).

وهذه الروايات تُشير إلى أنَّ الحرّ قد خرج من الكوفة بأمر من عبيد الله بن زياد؛ الأمر الذي يتطلّب أن تكون مهمّة الحرّ واضحةً وبتوجيه مباشر من ابن زياد، وهذه المهمّة، إمّا أن تكون الجعجعة بالحسين عليه السلام في كربلاء وعدم السماح له بالتوجه إلى مكان آخر، كما هو مضمون رواية القاضي، أو قتال الحسين عليه السلام.

 ويمكن أن نُبيّن أمرين في ذلك:

الأمر الأول: في مهمّة الجعجعة بالحسين عليه السلام، فإنّ الكتاب الذي أمر الحرّ بأن يُجعجع بالحسين عليه السلام قد وصل للحر في كربلاء، وما يدلُّ على ذلك، قول الدينوري: «...وسار الحسين عليه السلام من قصر بني مقاتل، ومعه الحرّ بن يزيد، كلّما أراد أن يميل نحو البادية منعه، حتى انتهى إلى المكان الذي يُسمّى: (كربلاء)، فمال قليلاً متيامناً حتى انتهى إلى (نينوى)، فإذا هو براكب على نجيب، مقبل من القوم، فوقفوا جميعاً ينتظرونه. فلمّا انتهى إليهم سلّم على الحر، ولم يُسلّم على الحسين. ثمّ ناول الحرّ كتاباً من عبيد الله بن زياد، فقرأه، فإذا فيه: أمّا بعد، فجعجع بالحسين بن علي وأصحابه»([22])، فما معنى وصول كتاب ابن زياد إلى الحرّ في كربلاء، إذا كان الحرّ قد خرج بأمر ابن زياد؟

 إلّا أنّه يمكن القول: إنّ الأخبار التي وصلت لابن زياد، تُبيّن أنَّ موقف الحرّ من الحسين عليه السلام لم يكن كما ينبغي، ولم يكن وفق مخطط ابن زياد، ويمكن القول: إنّه تزامن نزول الحسين عليه السلام بكربلاء ووصول كتاب ابن زياد إلى الحر، هذا بالنسبة لما يتناسب مع رواية القاضي النعمان، وتصريح الدينوري.

الأمر الثاني: إنَّ القول بأنَّ الحرّ مأمور بقتال الحسين عليه السلام بعيد؛ لأنَّ الحرّ لم يكن معه سوى ألف فارس، في حين أنَّ ابن زياد كان عازماً على أكثر من هذا العدد بثلاثين ضعفاً؛ لأنّه يعتبرها حاسمة، فضلاً عن أنّه يخاف من الإمام الحسين عليه السلام، وكان يخطط لقمع احتمال انتفاضة الكوفيين عليه؛ فإنّه يكون قد هيأ العُدّة والعدد المناسبين لكلّ هذه الاحتمالات، فلم يكن عبيد الله ليجازف بهذا المقدار من العدد، وإن كان عدد مَن كان مع الحسين عليه السلام قليلاً جداً لا يتعدى المئة، وقد ورد في البحار، رغبة ابن زياد بهذا العدد: «...وقال: أحبُّ أن تشخص إلى قتال هذا الرجل عوناً لابن سعد عليه، فقال: أفعل أيّها الأمير، فما زال يرسل إليه بالعساكر حتى تكامل عنده ثلاثون ألفاً ما بين فارس وراجل»([23]).

القسم الثاني: وهي الروايات التي تروي بأنَّ الحرّ وجيشه الذي قوامه ألف فارس كان في مقدمة أو طليعة الجيش الذي بعثه عبيد الله بن زياد؛ لقطع الطريق على الحسين عليه السلام بإمرة الحصين بن نُمير التميمي، والذي كان قائداً على شرطة بن زياد، فقد نقل هذا الأمر الطبري، فقال:«...وكان مجيء الحرّ بن يَزِيدَ ومسيره إلى الحسَين من القادسية، وذلك أنَّ عُبَيْد الله بن زياد لمّا بلغه إقبال الحسين بعث الحصين بن نُمير التميمي ـ وكان على شرطه ـ فأمره أن ينزل القادسية، وأن يضع المسالح فينظم ما بين القطقطانة إلى خفان، وقدّم الحرّ بن يزيد بين يديه في هذه الألف من القادسية، فيستقبل حسيناً. قال: فلم يزل موافقاً حسيناً حتّى حضرت الصلاة... فقال الحر: فإنّا لسنا من هؤلاء الذينَ كتبوا إليك، وقد أُمرنا إذا نحن لقيناك ألّا نفارقك حتّى نُقدمك على عُبَيْد الله بن زياد... فإذا أبيت فخذ طريقاً لا تدخلك الكوفة، ولا تردّك إلى المدينة...»([24])، ومثله ما رواه الشيخ المفيد في الإرشاد، بقوله: «..وكان مجيء الحرّ بن يزيد من القادسية، وكان عبيد الله بن زياد بعث الحصين بن نمير وأمره أن ينزل القادسية، وتقدّم الحرّ بين يديه في ألف فارس يستقبل بهم حسيناً... وقد أُمرنا إذا نحن لقيناك، ألّا نفارقك حتى نُقدمك الكوفة على عبيد الله»([25]).

والملاحظ من مجموع الروايات في هذا القسم؛ أنَّ الحرّ في طليعة جيش الحصين بن نمير، الذي كان على شرطة ابن زياد، ومأمور بأن يضع المسالح ويقطع الطريق على الحسين عليه السلام، وقدم الحصين بن نمير الحرّ في ألف فارس.

 أمّا طبيعة مهمّة الحر؛ فإنّ رواية الطبري والمفيد تُشير إلى أنّ مهمّته أن يُقدم بالحسين عليه السلام إلى الكوفة، أي: إلى ابن زياد، والغريب أنّ لقاء الحرّ بالحسين عليه السلام بحسب رواية الطبري كان في عذيب الهجانات، وهي منطقة تبعد عن القادسية ثلاثة أميال، حيث يوجد الحصين بن نمير وفرقته التي قوامها أربعة آلاف فارس، فما الذي منع الحرّ من أن يتوجه بالحسين عليه السلام إلى الحصين بن نمير وهو تحت إمرته، ومأمور بأن يُقدم بالحسين عليه السلام إلى الكوفة وفي هذا الطريق مسالح الحصين بن نمير وفرقته؟ فما الذي جعل الإمام الحسين عليه السلام ينعطف بمسيره من عذيب الهجانات ليتوجّه إلى كربلاء؟

 والذي يقرّب الأمر ويكون بمثابة الجواب أنّ الحرّ هو مَن أخبر الحسين عليه السلام بهذه التهيئة، وأشار إليه بها ولو ضمناً بقوله للحسين عليه السلام: «...فخذ طريقاً لا تُدخلك الكُوفَة، وَلا تردّك إلى المدينة...». كما في رواية الطبري، فهي إشارة واضحة من الحرّ للحسين عليه السلام فيها نوع من التورية، فَهِم منها الحسين عليه السلام مراد الحرّ وما هو مُعدٌّ له في حال سلوكه طريق الكوفة.

القسم الثالث: في هذا القسم من الروايات الإشارة إلى أنّ الحرّ التقى بالحسين عليه السلام، وأنّه جاء بألف فارس، ولم تذكر أنّه مرسل من ابن زياد، أو أنّه كان في طليعة جيش الحصين بن نمير، حيث إنَّ الطبري أورد هذا الأمر من خلال رواية عمار الدهني لمقتل الإمام الحسين عليه السلام، فذكر: «...حدّثنا عمار الدهني، قال: قلت لأبي جعفر: حدّثني عن مقتل الحسين حتّى كأنّي حضرته... قال: فأقبل حسين بن علي بكتاب مسلم بن عقيل كان إليه، حتّى إذا كان بينه وبين القادسية ثلاثة أميال، لقيه الحرّ بن يزيد التميمي، فقال له: أين تريد؟ قال: أريد هذا المصر، قال له: ارجع؛ فإنّي لم أدع لك خلفي خيراً أرجوه...»([26]).

وفي الإصابة لابن حجر، قال: «...ولم يبلغ الحسين ذلك حتى كان بينه وبين القادسيّة ثلاثة أميال، فلقيه الحرّ بن يزيد التميمي، فقال له: ارجع؛ فإنّي لم أدع لك خلفي خيراً، وأخبره الخبر، فهمّ أن يرجع»([27]).

ولعدم وضوح الجهة الآمرة، ولعدم بيان هل أنَّ هناك من أمر بذلك أو لا؟ فإنّنا نُورد ما يلي:

1ـ إنَّ عدم بيان الجهة التي أمرت الحرّ بالخروج لملاقاة الحسين عليه السلام يعطي دلالة على عدم وضوح مهمّة الحرّ بالنسبة إلى حركة الحسين عليه السلام، فضلاً عمَّا ورد في الروايتين، فقول الحرّ للحسين عليه السلام في رواية الطبري: «...ارجع؛ فإنّي لم أدع لك خلفي خيراً أرجوه...». دليل على أنَّ الحرّ لم يكن يريد للحسين عليه السلام إلّا الخير.

وكذلك الأمر في رواية ابن حجر، التي يُضيف إليها قوله: «فأخبره الخبر»، وهو خبر وجود الحصين بن نمير على طريق الكوفة؛ الأمر الذي جعل الحسين عليه السلام، يأخذ طريقاً آخر؛ فتوجه إلى كربلاء.

 2ـ أو نحتمل وجود خبر آخر لم يكن لأحد أن يطلع عليه، ولعلّ قائلاً يقول: إنَّ مجرد ذكر خروج الحرّ لملاقاة الحسين عليه السلام من الكوفة كافٍ إجمالاً في بيان هذه الحقيقة ـ وهي أنّه كان مأموراً بأن يأتي للحسين عليه السلام، ويقاتله أو يُجعجع به ـ ولا ضرورة إلى ذكر الجهة التي أمرت الحرّ بالخروج، أو أنّ ذكر بعض الروايات كافٍ في تحديد الجهة التي أمرت الحرّ بذلك، كما في القسم الأوّل أو الثاني، أو مع ضمّ القسمين معاً تكون فيها الكفاية؛ فإنّها بطبيعة الحال تُبيّن الجهة إجمالاً، ولا داعي للتفصيل.

وفي مقام الجواب عن هذا التساؤل والاعتراض، نذكر عدّة نقاط:

الأولى: إنَّنا وإن كنّا نُشكك في تحديد الجهة التي أصدرت الأمر للحر بالخروج، إلّا أنّنا لا نُنكر خروجه أصلاً، فنحن نُؤكد على خروج الحرّ من الكوفة لملاقاة الحسين عليه السلام، إلّا أنَّ الاحتمال الذي أوردناه هو في تحديد الجهة التي أمرت الحرّ بالخروج؛ لأنَّ ذلك سينعكس بشكل مباشر على تحديد مهمّة الحرّ التي اختلفت الروايات في تحديدها، وكذلك اختلاف موقف الحرّ تجاه حركة الحسين عليه السلام.

الثانية: إنَّ احتمال عدم وضوح الجهة التي أصدرت الأمر للحر بالخروج لملاقاة الحسين عليه السلام، وارد جداً للتعارض بين روايات القسم الأوّل والثاني، فضلاً عن عدم ذكر الجهة أصلاً في القسم الثالث، وهذا الاحتمال يُبطل الاستدلال ويسقطه عن حجية الاعتبار؛ الأمر الذي يجعل سبب خروج الحرّ لملاقاة الحسين عليه السلام ـ وتحديد موقف الحرّ من حركة الحسين عليه السلام ـ غير واضح؛ وعليه سوف تختلف طبيعة مواقف الحرّ، وكذلك سيختلف التحليل نتيجةً لهذه التعارضات، خاصّةً في القسم الثاني من الروايات الذي يُؤكد كونه في طليعة جيش الحصين بن نمير، ولم يكن يبعد عن القادسية، حيث كان الحصين بن نمير يضع مسالحه على بعد بضعة أميال؛ الأمر الذي تحصّل منه أنَّ الحرّ كان سبباً في انعطاف الحسين عليه السلام عن اللقاء بالحصين بن نمير، كما أنَّ تصور نتيجة لقاء الحسين عليه السلام وركبه بجيش الحصين بن نمير غير عصية على أدنى متأمل، وهو الذي حال دون حدوثه الحرّ، فهو لم يكن مرتبطاً بالحصين بن نمير وتابعاً لتوجيهاته فعليّاً.

الثالثة: إنَّ رواية الطبري ـ في القسم الثالث ـ تُشير إلى أنَّ الحرّ يسأل الحسين عليه السلام، بقوله: أين تريد؟ ورواية ابن حجر بقوله: وأخبره الخبر. فهذه الطائفة من الروايات، وبحسب أقوال الحرّ في الخبرين، تُشير إلى عدم وجود علاقة فعلية للحر بأمير الكوفة عبيد الله بن زياد، كما هو حال القسم الأوّل من الروايات، أو الحصين بن نمير كما في القسم الثاني.

الجهة الثانية: ملاقاة الحرّ للحسين عليه السلام

اختلفت الروايات في تحديد مكان لقاء الحرّ وجيشه بالحسين عليه السلام عند دخوله إلى أرض العراق، حيث ذكر الطبري في تاريخه روايتين، في هذا الصدد:

 الرواية الأُولى: فقد ذكر الطبري: «...أقبل الحسين عليه السلام حتّى نزل شراف، فلمّا كان في السّحر أمر فتيانه فاستقوا من الماء فأكثروا،...ثمّ إنّ رجلاً قال: الله أكبر! فقال الحسين: الله أكبر ما كبّرت؟ قال: رأيت النّخل. فقال له الأسديّان: إنّ هذا المكان ما رأينا به نخلةً قطّ. قالا: فقال لنا الحسين: فما تريانه رأى؟ قلنا: نراه رأى هوادي الخيل. فقال: وأنا ـ والله ـ أرى ذلك. فقال الحسين: أما لنا ملجأٌ نلجأ إليه، نجعله في ظهورنا، ونستقبل القوم من وجهٍ واحدٍ؟ فقلنا له: بلى، هذا ذو حُسم إلى جنبك، تميل إليه عن يسارك، فإن سبقت القوم إليه فهو كما تريد... قال: فاستبقنا إلى ذي حُسم، فسبقناهم إليه، فنزل الحسين، فأمر بأبنيته فضربت، وجاء القوم وهم الف فارسٍ مع الحرّ بن يزيد التّميميّ اليربوعيّ حتّى وقف هو وخيله مقابل الحسين في حرّ الظّهيرة، والحسين وأصحابه معتمّون متقلّدو أسيافهم، فقال الحسين لفتيانه: اسقوا القوم وارووهم من الماء ورشّفوا الخيل ترشيفاً. فقام فتيانه فرشّفوا الخيل ترشيفاً، فقام فتيةٌ وسقوا القوم من الماء حتّى أرووهم، وأقبلوا يملؤون القصاع والأتوار والطّساس من الماء ثمّ يدنونها من الفرس...»([28]).

 أي: إنَّ لقاء الحرّ بالحسين عليه السلام كان في ذي حُسم، وهي منطقة إمّا جبلية، أو وادٍ فيه ماء، لقول الحسين عليه السلام: «...أما لنا ملجأٌ نلجأ إليه، نجعله في ظهورنا، ونستقبل القوم من وجهٍ واحدٍ؟ فقلنا له: بلى، هذا ذو حُسم إلى جنبك، تميل إليه عن يسارك، فإن سبقت القوم إليه فهو كما تريد...». فأراد الحسين عليه السلام من هذا المكان أن يسدَّ عليهم جهة ظهورهم فيستقبلون القوم من جهةٍ واحدةٍ، وذو حُسم منطقة تبعد عن عذيب الهجانات ـ التي هي قريبة من القادسية، كما سيأتي ـ ثمانية وثلاثين ميلاً بحسب رواية الطبري، وذكرها البكري بقوله: «... ذو حُسم بضمِّ أوّله وثانيه، وبالميم: وادٍ بنجد... وقال الخليل: حُسم وحاسم: موضع بالبادية... فأعلم أنَّ أعلاه قفر غامر، وأسفله نخل عامر»([29]).

إلّا أنَّ الطبري، وفي روايةٍ ثانيةٍ، يقول: «...حدّثنا عمار الدهني، قال:... فأقبل حسين بن علي بكتاب مسلم بن عقيل كان إليه حتى إذا كان بينه وبين القادسية ثلاثة أميالٍ لقيه الحرّ بن يزيد التميمي...»([30]).

وبحسب هذه الرواية؛ فإنّ لقاء الحرّ بالحسين عليه السلام، كان قبل القادسية بثلاثة أميال، وهي منطقة عذيب الهجانات أو الرهيمة.

 وأنَّ الصدوق في أماليه ذكر هذا المكان أيضاً، فقال: «... ثمّ سار حتى نزل العذيب... ثمّ سار حتى نزل الرهيمة... قال: وبلغ عبيد الله بن زياد (لعنه الله) الخبر، وأنَّ الحسين عليه السلام قد نزل الرهيمة، فأسرى إليه الحرّ بن يزيد في ألف فارس...»([31]).

 وهذان الموضعان يدعمان الروايات القائلة: إنَّ الحرّ كان في طليعة جيش الحصين بن نمير الذي نزل القادسية وسدَّ الطرق المؤدية إلى الكوفة؛ مكوّناً بذلك طوقاً أمنيَّاً لسدِّ الطريق على الحسين عليه السلام أو أخذه إلى عبيد الله بن زياد؛ الأمر الذي حال دون وقوعه الحر؛ لأنَّ الرهيمة أو منطقة العذيب قريبتان من القادسية، ولا تبعدان عنها سوى بضعة أميال.

محاورة الإمام الحسين عليه السلام مع الحرّ

ومن المناسب في هذا المحلّ أن نفرد رواية الطبري المفصّلة التي بيّنت ما دار بين الحرّ والإمام الحسين عليه السلام من محاورة، لعلّنا نقف على بعض الحقائق التي تفيدنا في المقام، فقد روى الطبري في تاريخه، قائلاً: «...وقدم الحرّ بن يزيد بين يديه في هذه الألف من القادسية، فيستقبل حسيناً، قال: فلم يزل موافقاً حسيناً حتّى حضرت الصّلاة ـ صلاة الظهرـ فأمر الحسين الحجاج بن مسروق الجعفي أن يؤذن... وقالوا للمؤذن: أقم. فأقام الصّلاة، فقال الحسين عليه السلام للحر: أتريد أن تصلي بأصحابك؟ قال: لا، بل تصلّي أنت ونصلي بصلاتك. قال: فصلّى بهم الحسين.

ثمّ إنّه دخل واجتمع إليه أصحابه، وانصرف الحرّ إلى مكانه الّذي كان به، فدخل خيمة قد ضربت له، فاجتمع إليه جماعة من أصحابه... فلمّا كان وقت العصر أمر الحسين أن يتهيؤوا للرحيل. ثمّ إنّه خرج فأمر مناديه فنادى بالعصر، وأقام فاستقدم الحسين فصلّى بالقوم ثمّ سلّم، وانصرف إلى القوم بوجهه فحمد الله وأثنى عليه، ثمّ قال: أمّا بعد، أيّها النّاس، فإنّكم إن تتقوا وتعرفوا الحقّ لأهله يكن أرضى لله، ونحن أهل البيت أولى بولاية هذا الأمر عليكم من هؤلاء المدعين ما ليس لهم، والسائرين فيكم بالجور والعدوان، وإن أنتم كرهتمونا، وجهلتم حقنا، وكان رأيكم غير ما أتتني كتبكم، وقدمت به عليّ رسلكم، انصرفت عنكم، فقال له الحرّ بن يزيد: إنّا ـ والله ـ ما ندري ما هذه الكتب الّتي تذكر! فقال الحسين: يا عقبة بن سمعان، أخرج الخرجين اللذين فيهما كتبهم إليّ. فأخرج خرجين مملوئين صحفاً، فنشرها بين أيديهم، فقال الحر: فإنّا لسنا من هؤلاء الّذين كتبوا إليك، وقد أمرنا إذا نحن لقيناك ألّا نفارقك حتّى نقدمك على عبيد الله بن زياد، [فقال له الحسين: الموت أدنى إليك من ذلك]، ثمّ قال لأصحابه: قوموا فاركبوا. فركبوا وانتظروا حتّى ركبت نساؤهم، فقال لأصحابه: انصرفوا بنا، فلمّا ذهبوا لينصرفوا حال القوم بينهم وبين الانصراف، فقال الحسين للحر:

ثكلتك أمّك! ما تريد؟ قال: أما والله، لو غيرك من العرب يقولها لي وهو على مثل الحال الّتي أنت عليها ما تركت ذكر أمّه بالثكل أن أقوله كائناً من كان، ولكن ـ والله ـ ما لي إلى ذكر أمّك من سبيل إلّا بأحسن ما يقدر عليه. فقال له الحسين: فما تريد؟ قال الحر: أريد ـ والله ـ أن أنطلق بك إلى عبيد الله بن زياد. قال له الحسين: إذن ـ والله ـ لا أتبعك.

فقال له الحر: إذن ـ والله ـ لا أدعك. فترادا القول ثلاث مرات، ولمّا كثر الكلام بينهما قال له الحر: إنّي لم أؤمر بقتالك، وإنمّا أمرت ألّا أفارقك حتّى أقدمك الكوفة، فإذا أبيت فخذ طريقاً لا تدخلك الكوفة، ولا تردّك إلى المدينة، لتكون بيني وبينك نصفاً حتّى أكتب إلى ابن زياد، وتكتب أنت إلى يزيد بن معاوية إن أردت أن تكتب إليه، أو إلى عبيد الله بن زياد إن شئت، فلعلّ الله إلى ذاك أن يأتي بأمر يرزقني فيه العافية من أن ابتلى بشيء من أمرك. قال: فخذ هاهنا فتياسر عن طريق العذيب والقادسية، وبينه وبين العذيب ثمانية وثلاثون ميلاً. ثمّ إنّ الحسين سار في أصحابه والحر يسايره»([32]).

إلّا أنّنا إذا دققنا في مطلع رواية الطبري، حيث يقول الراوي: «...فلم يزل موافقاً حسيناً حتى حضرت صلاة الظهر»؛ أي: بعد أن سقى أصحاب الحسين عليه السلام الحرّ وجيشه وسقوا دوابهم، نجد أنّه لم تكن هناك أيّ: محاورةٍ بين الحرّ والإمام الحسين عليه السلام إلى وقت الصلاة، وهو أمر غريب، فأين هي مهمّة الحر؟! وأين المبعوث المأمور بأن يأتي بالحسين عليه السلام إلى ابن زياد؟! وبعد حضور صلاة الظهر، صلّى الحرّ وأصحابه خلف الإمام الحسين عليه السلام، وإلى الآن فإن الراوي لم يذكر لنا أيّ شيءٍ لافت للنظر يُبيّن موقف الحرّ تجاه الإمام الحسين عليه السلام.

لقد صلّى الحسين عليه السلام بأصحابه وبالحر ومَن معه، وقام خاطباًَ فيهم، فيعتذر إلى الله وإليهم من قدومه؛ لأنّه كان بحسب طلبهم وتوقيتهم ربما، ومع هذا فبعد الخطبة وإشارة الحسين عليه السلام إلى طلبهم بقدومه، لم يكن هنالك كلام من الحرّ للإمام الحسين عليه السلام.

 وبعدما انصرفوا وحان وقت صلاة العصر أمر الإمام الحسين عليه السلام أن يتهيَّؤوا للرحيل، إلّا أنّه هل أمر أصحابه فقط أو الجميع؟ وهذا ما لم يُبينه الراوي، ثمّ قام خطيباً ثانياً وكرر المضمون نفسه.

وبعدها تكلّم الحر، فأخبرهم بعدم علمه بهذه الكتب، وأنّه لم يكتب أيَّ كتابٍ للحسين عليه السلام، وهو أمر طبيعي؛ لأنَّ هذه الكتب كان لها طابعٌ سرّي لخطورة الموقف، وإذا لم يكن الحرّ ممَّن كتب للحسين عليه السلام، والحسين يعلم بمَن كتب له، فما معنى أن يعرض هذه الكتب ويحتجَّ بها على الحر؟

 فلمّا أراد الحسين عليه السلامالانصراف ـ بحسب تعبير الراوي ولا نعلم أين يُريد الراوي للحسين عليه السلام أن ينصرف ـ حال القوم بينه وبين الانصراف، ودار الكلام بين الحرّ والإمام عليه السلام، والذي يتبيّن منه أنّه كان ذا طابع عدائي بين الطرفين، وهو الأمر الذي انتهى بالحر إلى أن يحول بين جهة انصراف الحسين عليه السلام ـ وهي المدينة بحسب الرواية ـ وبين الكوفة حيث كان الحرّ مأموراً بأن يأتي بالحسين عليه السلام إليها؛ وبسبب ذلك أعطى الحرّ للإمام الحسين خياراً وسطياً ووحيداً، وهو التوجه إلى جهة غير الكوفة والمدينة، ولعل ذلك يتعين بالاتجاه إلى كربلاء، حيث المصرع الذي اختاره الله للحسين عليه السلام وأتباعه، ومنهم الحر.

وهنا تذكر الرواية أنَّ الحرّ كتب لعبيد الله بن زياد، يطلب فيه الحلول؛ لأنَّ الحسين عليه السلام امتنع عن مرافقة الحر، والحر لم يكن مأموراً بقتاله، لكن الرواية تُؤكد على أنَّهم في هذه الحالة وصلوا لعذيب الهجانات، ومنها حصل تغيير مسار الحركة، ولم يكن بين هذه المنطقة وبين القادسية سوى ثلاثة أميال بحسب الرواية، وكان هناك الحصين بن نمير، ولم يكن للحر أيّ قولٍ تجاه الحصين، وكان بإمكانه أن يستوقف الحسين عليه السلام ويبعث للحصين، وهذا ما لم يحصل، وسار الحسين عليه السلام وركبه برفقة الحرّ وجماعته حتى وصلوا إلى كربلاء.

فأتى جواب عبيد الله بن زياد للحر، بكتاب يقول فيه: «...أَمَّا بَعْدُ، فجعجع بالحسين حين يبلغك كتابي، ويقدم عَلَيْك رسولي، فلا تنزله إلّا بالعراء فِي غير حصن وعلى غير ماء، وَقَدْ أمرت رسولي أن يلزمك وَلا يفارقك حَتَّى يأتيني بإنفاذك أمري، والسلام»([33]).

والسؤال الذي يهمنا هنا ـ باعتبار أنَّ كربلاء أرض اختارها الحسين عليه السلام ـ هو: هل اختارها قبل وصول كتاب ابن زياد للحر، أو اختارها الحرّ بعد وصول هذا الكتاب؟

 يقول الطبري في الرواية نفسها: «... فقال له زهير بن القين: يا بن رسول الله، إنّ قتال هؤلاء أهون من قتال من يأتينا من بعدهم، فلعمري ليأتينا من بعد من ترى ما لا قبل لنا به، [فقال له الحسين: ما كنت لأبدأهم بالقتال] فقال له زهير بن القين: سر بنا إلى هذه القرية حتى تنزلها فإنّها حصينة، وهي على شاطئ الفرات، فإن منعونا قاتلناهم، فقتالهم أهون علينا من قتال من يجيء من بعدهم، فقال له الحسين: وأيّة قريةٍ هي؟ قال: هي العقر، فقال الحسين: اللّهمّ، إنّي أعوذ بك من العقر، ثمّ نزل...»([34]).

فللقارئ هنا أن يُجيب عن هذا التساؤل بعد هذه الرواية؛ بأنّ نزول الإمام عليه السلام بكربلاء ليس له علاقة بكتاب ابن زياد أساساً، ولا الحرّ الذي أُمِرَ بأن يُجعجع بالحسين عليه السلام.

وفي رواية أُخرى أيضاً للطبري، ذكرناها ـ فيما سبق ـ قول الحرّ للحسين عليه السلام: «..أين تُريد؟ قال: أُريد هذا المصر. قال له: ارجع؛ فإنّي لم أدع لك خلفي خيراً أرجوه...»([35]).

وكذلك روى ابن نما الحلي، ولم يذكر تعرّض الحرّ للإمام الحسين عليه السلام، بل ذكر أن الحرّ سار بين يدي الإمام عليه السلام، فقال: «...فكان الحرّ يُساير الحسين ولا تعرض له، فنزل عليه السلام قصر أبي مقاتل. قال جابر بن عقبه بن سمعان: ارتحلنا من قصر أبي مقاتل وقد أخذ الحسين عليه السلام طريق عذيب الهجانات»([36]).

المحور الثالث: إعلان توبة الحرّ ومقتله ومحلّ دفنه

سيكون كلامنا في هذا المحور الثالث والأخير، في خاتمة الحرّ الحسنة، التي على أساسها أصبح الحرّ حراً في الدنيا والآخرة، وأنّه مع سيّد شباب أهل الجنة، ويُسقى من كأس النبي محمد صلى الله عليه وآله التي لا ظمأ بعدها، وسنعتمد في بيان هذا المحور على ثلاث جهات:

الجهة الأُولى: توبة الحرّ

باعتبار ما جاء في النبوي: «نية المرء خير من عمله»([37])، «ولكلِّ امرئ ما نوى»([38])، فسيكون لنا تساؤل مهم مفاده:

 هل أنَّ الحرّ عقد النية وهمّ بالتوبة في ساحة القتال، أو قبل ساحة القتال؟

وقت إعلان التوبة

وفي مقام الإجابة عن السؤال السابق، نقول: قد روى الطبري في تاريخه خبر توبة الحر، حيث ذكر: «... إنَّ الحرّ بن يزيد لـمّا زحف عمر بن سعد، قال له: أصلحك الله، مقاتل أنت هذا الرجل؟ قال: إي والله، قتالاً أيسره أن تسقط الرؤوس وتطيح الأيدي. قال: أفما لكم في واحدةٍ من الخصال التي عرض عليكم رضًى. قال عمر بن سعد: أما والله، لو كان الأمر إليَّ لفعلت، ولكن أميرك قد أبى ذلك. قال: فأقبل حتى وقف من الناس موقفاً ومعه رجل من قومه، يقال له: قرّة بن قيس، فقال: يا قرّة، هل سقيت فرسك اليوم؟ قال: لا. قال: إنّما تُريد أن تسقيه. قال: فظننت ـ والله ـ أنّه يُريد أن يتنحَّى فلا يشهد القتال، وكره أن أراه حين يصنع ذلك، فيخاف أن أرفعه عليه. فقلت له: لم أسقه وأنا منطلق فساقيه. قال: فاعتزلت ذلك المكان الذي كان فيه. قال: فو الله، لو أنّه أطلعني على الذي يُريد لخرجت معه إلى الحسين. قال: فأخذ يدنو من حسين قليلاً قليلاً، فقال له رجل من قومه، يقال له: المهاجر بن أوس: ما تُريد يا بن يزيد؟ أتريد أن تحمل؟ فسكت، وأخذه مثل العرواء. فقال له: يا بن يزيد، والله، إنَّ أمرك لمريب، والله، ما رأيت منك في موقف قط مثل شيء أراه الآن، ولو قيل لي: مَن أشجع أهل الكوفة رجلاً ما عدوتك، فما هذا الذي أرى منك، قال: إنِّي ـ والله ـ أُخيّر نفسي بين الجنة والنار ـ ووالله ـ لا أختار على الجنة شيئاً ولو قُطّعت وحُرقت.

ثمّ ضرب فرسه فلحق بحسين عليه السلام، فقال له: جعلني الله فداك يا بن رسول الله، أنا صاحبك الذي حبستك عن الرجوع، وسايرتك في الطريق، وجعجعت بك في هذا المكان، والله الذي لا إله إلّا هو ما ظننت أنَّ القوم يردّون عليك ما عرضت عليهم أبداً، ولا يبلغون منك هذه المنزلة، فقلت في نفسي: لا أُبالي أن أُطيع القوم في بعض أمرهم ولا يرون أنّى خرجت من طاعتهم، وأمّا هم فسيقبلون من حسين هذه الخصال التي يعرض عليهم ـ ووالله ـ لو ظننت أنّهم لا يقبلونها منك ما ركبتها منك، وإنّي قد جئتك تائباً ممَّا كان منِّي إلى ربي ومواسياً لك بنفسي حتى أموت بين يديك، أفترى ذلك لي توبة؟ قال: نعم، يتوب الله عليك ويغفر لك، ما اسمك؟ قال: أنا الحرّ بن يزيد. قال: أنت الحرّ كما سمّتك أُمّك، أنت الحرّ إن شاء الله في الدنيا والآخرة، انزل. قال: أنا لك فارساً خير منِّي راجلاً؛ أُقاتلهم على فرس ساعة وإلى النزول ما يصير آخر أمري. قال الحسين: فاصنع يرحمك الله ما بدا لك...»([39]).

وقد نقل هذا الخبر أيضاً كلّ من الشيخ المفيد في الإرشاد([40])، وابن نما الحلي في مثير الأحزان([41])، وعنه المجلسي في بحار الأنوار([42])، ومشابه له ما رواه الدينوري في الأخبار الطوال([43]).

ولا نستطيع هنا بعد توثيق الأخبار إلّا القطع بأنَّ الحرّ أعلن توبته بعدما رأى القوم عازمين على قتال الإمام الحسين عليه السلام، ولكن السؤال الذي يُطرح بتفريعاته هو:

 هل أنَّ الحرّ لم يكن عالماً بنية القوم على قتال الإمام الحسين عليه السلام، وكذلك لم يكن على معرفة بالمخطط الكبير الذي كان معدّاً لقتال الحسين عليه السلام، أو كان يعلم بذلك؟

وهل أنّه لم يكن يعلم قوام جيش عمر بن سعد، الذي هو أكثر من ثلاثين ألف مقاتل؟

فهل جُمعت هذه الجموع بسرّية تامّة؟ خاصّةً وأنَّ طبيعة العمل في صفوف الجيش لم تكن مستمرة كما هو عليه الحال في عصرنا الحاضر، حيث كانت الجيوش تُندب إلى القتال ويبقى القادة ينتظرون قدوم أفراد الجيش من مناطقهم، وهذه العملية تستغرق أيّاماً طويلة.

فكيف ـ ولو على مستوى الاحتمال ـ يكون الحرّ غير عالم بكلِّ ذلك، وهو قائد عسكري وينتمي إلى هذا الجيش؟

وهل من المعقول أنَّ الجندي يعلم بالخطة والقائد لا يعلم؟!

 كلّ هذه التساؤلات تُنبئ عن شيءٍ واحدٍ، وهو:

إنَّ الحرّ قد التقى بالحسين عليه السلام في مكان بعيد عن الكوفة، وقد استمر مسيره معه لأيّام، وهو نفس الوقت الذي تمَّ به إعداد الجيش وتهيئته، وهذا الاحتمال وارد ـ إن لم يكن الأقوى ـ إذ أوردنا رواية لقائه في منطقة ذي حُسم، وهي الأرض الجبلية التابعة لنجد.

وأمّا إذا لم يكن الحرّ عالماً بالمخطط العسكري الضخم الذي أعدَّه عبيد الله بن زياد، فهو في هذه الحالة لم يكن مأموراً بأن يُجعجع بالحسين عليه السلام، بل غاية الأمر أنّه كان يعلم إجمالاً بالموقف السلبي لحاكم دمشق وواليه على الكوفة من الحسين عليه السلام، ولم يكن الحرّ على مقدّمة الجيش، الذي كان بإمرة الحصين بن نمير؛ لأنَّ ذلك يعني لقاءه بالحسين عليه السلام في عذيب الهجانات، وهذا ما أثبتنا عدم إمكان القطع به؛ لأنّها قريبة عن القادسية حيث يتجحفل معسكر الحصين بن نمير، وهو المأمور فعلاً بقطع الطريق على الحسين عليه السلام، والقبض عليه لو صحَّ التعبير.

أضف إلى ذلك ما أوردناه: من أنَّ وصول كتاب عبيد الله بن زياد للحر في كربلاء، فما معنى جعجعته بالحسين عليه السلام ووصول الكتاب كان في وقت قد وضع كلّ شيء في نصابه، ولم يكن الحرّ ليغير شيئاً؟! فالجيوش بقيادة عمر بن سعد تهيّأت لقتال الحسين عليه السلام، وكربلاء هي ما أراده الحسين عليه السلام.

 نعم، إنَّ هذه الرواية عليها ملامح الوضع، فيستشرف منها أنَّ بني أُميّة كانوا يسعون إلى إشاعة أن موقع شهادة الحسين عليه السلام لم يكن باختياره، بعدما آيسوا من منعه من التوجه إلى كربلاء، وتحقيق نبوءة جدّه صلى الله عليه وآله، فوضعوا هذه الروايات ليقولوا لنا: إنَّ الحرّ هو مَن جعجع بالحسين عليه السلام إلى هذه الأرض، ولم تكن باختياره عليه السلام.

 فإذا صحّ كلّ ذلك، فإعلان توبة الحرّ لم تكن لأجل أنّه جعجع بالحسين عليه السلام، بل لأجل أمر آخر، وهو كما ذكرناه سابقاً، من أنَّ الحرّ كان غارقاً في الجاه والسمعة والسلطان، ورئاسة العشيرة والمركز الوظيفي في جيش الكوفة، ويرى أنّه قضى حياته قائداً عسكرياً يتمتع بامتيازات هذه القيادة مادياً ومعنوياً، وهذا يمكن أن يكون من الأسباب التي جعلت الحرّ يُقبل على التوبة ويقدّمها بين يدي إمام زمانه الحسين عليه السلام، أو أنَّه أدرك بشكل وآخر، بأنَّه لم يكن في الموقع المفترض به أن يكون بحسب الموازين الشرعية التي فرضها الله تعالى، فأهل البيت عليهم السلام أئمة الهدى الذين أمر الله باتباعهم، وهذا ما تبيّن للحر في وقت لاحق، الوقت الذي سبقه فيه حبيب بن مظاهر وزهير بن القين، ولكنّه التحق بهذا الركب الشريف ليشعل لنا مناراً يهتدي به الناس، وهو أنّ باب التوبة مفتوح وعلى الإنسان الطلب والوغول.

الجهة الثانية: مقتله

بعد هذه المسيرة للحر رضي الله عنه برفقة الإمام الحسين عليه السلام والوصول إلى كربلاء، وبعد أن عزم القوم على قتل ابن بنت نبيهم صلى الله عليه وآله وسبطه وريحانته، أبى الحرّ إلّا أن يكون من الأضاحي المقدّسة في كربلاء، وسنُبيّن هذا من خلال ما أورده الطبري كذلك؛ حيث ذكر: «... أنّ الحرّ بن يزيد لـمّا لحق بحسين، قال رجل من بني نُمير من بني شقرة، وهم بنو الحارث بن تميم، يقال: له يزيد بن سفيان: أما والله، لو أنّي رأيت الحرّ بن يزيد حين خرج لأتبعته السنان. قال: فبينا الناس يتجاولون ويقتلون والحر بن يزيد يحمل على القوم مقدماً ويتمثّل قول عنترة:

       ما زلت أرميهم بثغرة نحره                 ولبانه حتى تسربل بالدم

قال: وإنَّ فرسه لمضروب على أُذنيه وحاجبه، وإنَّ دماءه لتسيل، فقال الحصين بن نُمير ـ وكان على شرطة عبيد الله، فبعثه إلى الحسين وكان مع عمر بن سعد، فولّاه عمر مع الشرطة المجففة ـ ليزيد بن سفيان: هذا الحرّ بن يزيد الذي كنت تتمنى. قال: نعم. فخرج إليه فقال له: هل لك يا حر بن يزيد في المبارزة؟ قال: نعم، قد شئت. فبرز له، قال: وأنا سمعت الحصين بن تميم يقول: والله، لبرز له فكأنّما كانت نفسه في يده فما لبثه الحرّ حين خرج إليه أن قتله... قال أبو مخنف: حدّثني نمير بن وعلة: أنّ أيوب بن مشرح الخيواني كان يقول: أنا والله، عقرت بالحر بن يزيد فرسه حشأته سهماً، فما لبث أن أرعد الفرس واضطرب وكبا فوثب عنه الحرّ كأنّه ليث، والسيف في يده وهو يقول:

       إن تعقروا بي فأنا ابن الحرّ                      أشجع من ذي لبد هزبر

 قال: فما رأيت أحداً قطُّ يفرى فريه. قال: فقال له أشياخ من الحي: أنت قتلته؟ قال: لا والله، ما أنا قتلته ولكن قتله غيري... لـمّا قُتل حبيب بن مظاهر هدَّ ذلك حسيناً، وقال عند ذلك: احتسب نفسي وحماة أصحابي. قال: وأخذ الحرّ يرتجز ويقول:

 

 

آليــت لا أُقتـــل حتى أقتــلا

 

ولن أُصـاب اليـوم إلّا مـقـبلا

 

 

أضربهم بالسيـف ضـرباً مقصلا

 

لا نــاكـلاً عـنـهم ولا مـهـللا

 

 

 

وأخذ يقول أيضاً:

 

 

أضرب في أعراضهم بالسيف

 

 عن خير مَن حلَّ مِنى والخيف

 

 

 

فقاتل هو وزهير بن القين قتالاً شديداً، فكان إذا شدَّ أحدهما فإنَّ استلحم شدَّ الآخر حتى يُخلّصه، ففعلا ذلك ساعةً. ثمَّ إنَّ رجّالة شدَّت على الحرّ بن يزيد فقُتل...»([44]).

وإلى هنا أنهى الحرّ مهمّته الحقيقية بعاقبة الخير، وهي شهادته بين يدي إمامه الحسين عليه السلام، فسلام عليه يوم وُلِدَ ويوم استُشهد ويوم يُبعث حياً.

الجهة الثالثة: محلّ الدفن

أمّا مرقده الطاهر، فهو على بعد بضعة أميال من مرقد الإمام الحسين عليه السلام، في منطقة سُمّيت بعد ذلك باسمه، وهي منطقة الحرّ في كربلاء المقدّسة نسبة إليه.

والدليل على محلِّ دفنه الحالي فيه كلام وأقوال، وقد أسعفنا فيها جناب الشيخ الفاضل عامر الجابري في كتابه دفن شهداء واقعة الطفّ، وهي دراسة تاريخية تحليلية عن دفن شهداء الطفّ ورمزية الدفن؛ حيث ذكر الآراء الخاصّة بمحلّ ضريح الحرّ بن يزيد الرياحي وكيفية دفنه، أمّا في موقع الضريح، فقد اعتمد في ذلك على قول السيّد المقرّم في كتابه العباس عليه السلام، والذي بدوره اعتمد في ذلك على أمرين:

 الأمر الأوّل: شياع ذلك بين الشيعة والعلماء والمتدينين من أهل الملّة والمذهب.

 والثاني: مصادقة الشهيد الأوّل على ذلك، وتوافق الشيخ النوري معه، وكذلك قول المجلسي في البحار، وقصة الكرامة التي ظهرت في زمن الشاه إسماعيل([45])، وكلّ هذه المصادر تابعة للمتأخرين من العلماء الأعلام.

 أمّا ما شذَّ عن هذه الآراء، فهو ما نُقل في البحار: من أنَّ الحرّ نُقل ووضع بين يدي الحسين عليه السلام، واستنتج السيّد المقرّم من هذا القول أنّه مدفون مع الأصحاب ضمن الحائر الحسيني؛ فقال: «... تقدّم في نقل البحار أنّ الحرّ الرياحي حُمل من الميدان ووضع أمام الحسين عليه السلام، وعليه؛ يكون مدفوناً في الحائر الأطهر»([46])، إلّا أنَّ ما توصل إليه السيّد المقرّم مَّما نُقل في البحار، وهو ممَّا لا يمكن القطع به، ولم يقطع به السيّد المقرّم نفسه، حيث يستدرك، فيقول في الصفحة نفسها: «...ولكن في الكبريت الأحمر: ج3، ص124، جاءت الرواية عن مدينة العلم للسيّد الجزائري: أنّ السجّاد دفنه في موضعه، منحازاً عن الشهداء، وفي ص75 ذكر أنّ جماعة من عشيرته نقلوه عن مصرع الشهداء؛ لئلا يوطأ بالخيل إلى حيث مشهده، ويقال: إنّ أُمّه كانت معه، فأبعدته عن مجتمع الشهداء»([47])، أي: إنَّّ هناك ثلاثة آراء لكيفية دفنه بحسب ما نقل السيّد المقرّم:

الأوّل: هو أنّ الحرّ (رضوان الله عليه) مدفون في الحائر الشريف، ولم يرتضِ السيّد هذا الرأي، وقد قوّى الرأي الثالث.

 الثاني: وهو أنَّ الإمام السجاد عليه السلام هو مَن أمر بدفنه في هذا الموضع بعد أن أراد بنو أسد نقله ودفنه مع الأصحاب، فأمرهم بدفنه في موضعه.

 والثالث: إنّه قُتل في هذا الموضع أصلاً ـ أي: الموضع الحالي ـ ولم يُنقل؛ لتسليمنا برواية السيّد الجزائري التي أشار إليها السيّد المقرّم؛ لأنَّ هذا يعني أن ساحة القتال كانت واسعة جداً، وهذا ما لا يمكن التفصيل به حاليّاً لخروجه عن مراد البحث، إلّا أنَّه من المواضيع المهمّة التي يمكن أن تكون نقطة بداية لدراسة واقعة الطفّ وفق منظور وقواعد إسلاميّة عامّة، وهذا ما يطول الكلام فيه فلنُرجئه إلى فرصةٍ أُخرى.

 

 

 

 


[1]     الزبيدي، محمد مرتضى، تاج العروس: ج6، ص261.

[2]     القندوزي، سليمان بن إبراهيم، ينابيع المودة لذوي القربى: ج3، ص77.

[3] ابن أبي الحديد، عز الدين، شرح نهج البلاغة: ج15، ص213.

[4]     الأصفهاني، أبو الفرج، مقاتل الطالبيين: ص14.

[5] الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الطبري: ج6، ص488.

[6] ابن حزم، علي بن أحمد، جمهرة أنساب العرب: ج1، ص227.

[7] البلاذري، أحمد بن يحيى، أنساب الأشراف: ج12، ص159.

[8] الطوسي، محمد بن الحسن، رجال الطوسي: ص100.

[9]     ابن حزم، علي بن أحمد، جمهرة أنساب العرب: ج1، ص227.

[10] البلاذري، أحمد بن يحيى، أنساب الأشراف: ج12، ص154.

[11] المصدر السابق: ص159.

[12]    ابن حزم، علي بن أحمد، جمهرة أنساب العرب: ج1، ص173.

[13]    النوري، ميرزا حسين، مستدرك الوسائل: ج8، ص321.

[14]    ذكره شمس الدين في أنصار الحسين عليه السلام: ص84، بقوله: «وتحوله إلى صفوفها أثَّر على موقف ابنه علي بن الحر، وأخيه مصعب بن يزيد، وغلامه عروة». وذكره الشاهرودي في مستدركات علم الرجال: ج5، ص325، بقوله: «علي بن الحرّ بن يزيد الرياحي لم يذكروه، هو شهيد الطفّ، كما ذكره في الناسخ وغيره».

[15]    شمس الدين، محمد مهدي، أنصار الحسين عليه السلام: ص85.

[16] السماوي، محمد، إبصار العين في أنصار الحسين عليه السلام: ص203.

[17] لوط بن يحيى بن سعيد بن مخنف بن سالم الأزدي الغامدي، أبو مخنف، شيخ أصحاب الأخبار بالكوفة ووجههم، وكان يُسكن إلى ما يرويه، روى عن جعفر بن محمد عليهما السلام... وصنّف كُتباً كثيرةً، منها: كتاب المغازي، كتاب السقيفة، كتاب الردّة، كتاب فتوح الإسلام، كتاب فتوح العراق، كتاب فتوح خراسان، كتاب الشورى، كتاب قتل عثمان، كتاب الجمل، كتاب صفّين، كتاب النهر، كتاب الحكمين، كتاب الغارات، كتاب مقتل أمير المؤمنين عليه السلام، كتاب قتل الحسن عليه السلام، كتاب قتل الحسين عليه السلام، كتاب مقتل حجر بن عدي، كتاب أخبار زياد، كتاب أخبار المختار. اُنظر: النجاشي، أحمد بن علي، فهرست أسماء مصنفيّ الشيعة: ص320.

[18]    الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الطبري: ج4، ص330.

[19]    القاضي المغربي، النعمان بن محمد، شرح الأخبار: ج3، ص148ـ 149.

[20]    الصدوق، محمد بن علي، الأمالي: ص 218ـ 219.

[21]    المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج44، ص314.

[22]    الدينوري، أحمد بن داود، الأخبار الطوال: ص251.

[23]    المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج44، ص386.

[24]    الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الأُمم والملوك: ج5، ص301ـ 303.

[25]    المفيد، محمد بن محمد، الإرشاد: ج2، ص78ـ 80.

[26] الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الأُمم والملوك: ج4، ص292.

[27]    ابن حجر، أحمد بن علي، الإصابة في تمييز الصحابة: ج2، ص71.

[28]    الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الأُمم والملوك: ج4، ص302.

[29]    البكري، عبد الله بن عبد العزيز، معجم ما استُعجم: ج2، ص446.

[30]    الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الأُمم والملوك: ج5، ص 389.

[31]    الصدوق، محمد بن علي، الأمالي: ص 218.

[32]      الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الأُمم والملوك: ج4، ص303ـ 304.

[33] المصدر السابق: ج4، ص308.

[34]    المصدر السابق: ج4، ص309.

[35]    المصدر السابق: ج4، ص 292.

[36]    ابن نما الحلي، محمد بن جعفر، مثير الأحزان: ص 34.

[37]      البرقي، أحمد بن محمد، المحاسن: ج1، ص260.

[38]    ابن أبى جمهور، محمد بن علي، عوالي اللآلئ: ج1، ص 81 ـ 82.

[39] الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الأُمم والملوك: ج4، ص324 ـ 325.

[40]  اُنظر: المفيد، محمد بن محمد، الإرشاد: ج2، ص99ـ 100.

[41]  اُنظر: ابن نما الحلي، محمد بن جعفر، مثير الأحزان: ص44.

[42]    اُنظر: المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج45، ص 14.

[43] اُنظر: الدينوري، أبو حنيفة، الأخبار الطوال: ص 251 ـ 256.

[44]    الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الأُمم والملوك: ج4، ص303ـ 336.

[45]    الجابري، عامر، دفن شهداء واقعة الطفّ: ص93ـ 95.

[46]    المقرَّم، عبد الرزاق، العباس عليه السلام: ص261.

[47] المصدر السابق.

 
 
البرمجة والتصميم بواسطة : MWD