1439 / ربیع‌الاول / 2  |  2017 / 11 / 21         الزيارات : 479911         صلاة الصبح |         صلاة الظهر والعصر |         صلاة المغرب والعشاء |

مصرع الحسين عليه السلام وقاعدة نفي السبيل على المؤمنين

{ الشيخ كاظم القره غولي }
مصرع الحسين عليه السلام وقاعدة نفي السبيل على المؤمنين

 

تمهيد

لا يزال الناس على طريقتهم المعتادة في إعطاء أنفسهم ما ليس لها من حقٍّ، وإدخالها فيما هي غير مؤهلة للدخول فيه، والباب الأوسع لذلك باب المعرفة والمعتقد؛ فتجد كثيراً من الناس يتحدَّثون في مسائل فكرية وعقدية عديدة ويبدون آراءهم فيها، ولعل ذلك يرجع إلى ضعف المانع والرادع من الخوض في مثل هذه الأُمور النظرية لعامّة الناس؛ لخفاء الخطأ فيها عادةً على الآخرين، بخلاف الأُمور العملية التي سرعان ما يظهر الخطأ فيها حتى للعامّة، هذا فيما يتعلَّق بنظرة المجتمع إلى مَن يتكلَّم بمثل هذه القضايا. وأمّا بالنسبة لصاحب الرأي نفسه، فضعف الرادع والمانع لديه عن إعمال النظر في غير ما هو متخصص فيه أوضح.

وإن كان النظر والفكر مرتبطاً بالدين، فإنّ الداعي والمقتضي للدخول في الطريق الخاطئ أقوى منه في المجالات الأُخرى، لا أقل من جهة تأثير الشيطان في دفع الإنسان لما يكون معه أقرب إلى الضلال في معتقده وجانبه النظري، والذي يترك أثره بلا شكّ على الجانب العملي في حالات متعددة، وقد يدعم ذلك أنّ التبعية لدين معيَّن تعني القبول بمنظومة أحكامه، وأنّ الإنسان مكلَّف بها. والتكليف من الكلفة التي هي بالضرورة قيد للنفس، والنفس تسعى ما أمكنها للتخلُّص منه، قال سبحانه وتعالى: ﴿بَلْ يُرِيدُ الْإِنسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ ﴾([1]).

فإن لم يرفض الدين من أصله، فإنّه قد يتسامح في التعاطي مع بعض المفردات من حيث لا يشعر. والنفس تداهن كثيراً للتخلّص من تبعة تحديد الموقف العملي الحقّ، كما عبَّرت عن ذلك بعض كلمات أهل البيت علیهم السلام: «وأرى نفسي تخاتلني»([2]). فما أكثر مَن يسعى لمعرفة الحقّ، لكن قد يؤدّي به سعيه الخارج عن الأُسس السليمة للتفكير المنطقي إلى الضلال ﴿ قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا  * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾([3]).

ونتيجة لما تقدَّم؛ فقد أُفرزت حالة من التعاطي الخاطئ مع الأدلّة الشرعية، أو ما يظنّ أنّه كذلك. فتعددت الآراء في المسألة الواحدة وتنوَّعت المذاهب، مع أنّ مستندها في بناء فكرها وتحديد منظومة أحكامها لا يخرج عن الموروث الفكري الديني الذي جاء به النبي محمّد صلى الله عليه وآله.

قاعدة نفي السبيل

ومن تلك الموارد التي وقع الاختلاف فيها، ما يُستفاد من قوله تعالى: ﴿. . . وَلَن يَجْعَلَ اللَّـهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾([4]).

لقد استنبط الفقهاء من هذا المقطع المتقدِّم من الآية الشريفة قاعدة أسموها (قاعدة نفي السبيل)، وطبَّقوها في موارد فقهية عديدة، كالشفعة وملكية الكافر للمؤمن؛ ما يعني أنّ الاستفادة من هذه الآية الشريفة بهذا النحو لا ينافي القواعد العامّة للاستنباط، إلّا أنّ هذه القاعدة تصطدم بعقبة تتمثَّل في أنّ السبيل المنفي مقيَّد بنحو خاصّ، فلا يُستفاد منه إطلاق هذا السبيل المنفي، وهذا ما قد يُفهَم عند ملاحظة الآية بتمامها: ﴿ الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِّنَ اللَّـهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ وَإِن كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُم مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ  فَاللَّـهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ  وَلَن يَجْعَلَ اللَّـهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾([5]).

فالقيد هو قوله تعالى: ﴿ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾، ممّا يوحي بأنّ السبيل المنفي سيكون يوم القيامة، ولا شكّ في أنّه هو القدر المتيقّن من الآية. ولكن قد اشتُهر بين الأصوليين أنّ خصوصية المورد لا تخصِّص الوارد، فالوارد هو نفي السبيل، والمورد هو يوم القيامة والدار الآخرة؛ ممّا يعني أنّ نفي السبيل لا يتحدد ولا يُقيَّد بالآخرة فقط؛ ولذا طبّقوا الآية في بعض الأحكام التي ظرفها الدنيا، ممّا يعني أنّهم لم يأخذوا دخالة المورد في تحديد إطلاق الآية الشريفة.

مقتل الحسين عليه السلام لا ينافي قاعدة نفي السبيل

وقع شيء من اللَّبس عند بعضٍ دعاهم إلى إنكار بعض الوقائع التاريخيّة المهمّة وتوجيهها بالنحو الذي لا يتنافى مع هذه الآية بحسب فهمهم، والمَعلَم الشاخص في ذلك هو قتل الحسين عليه السلام بتلك الطريقة البشعة على أيدي أعدائه، فقد رأى هذا البعض أنّ ذلك منافٍ لقاعدة نفي السبيل؛ وزعموا أنّ الحسين عليه السلام لم يُقتَل وإنّما شُبِّه لهم، كما هو الحال في عيسى عليه السلام، حيث يصرِّح القرآن بأنّهم ـ أي اليهود ـ ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَـٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ﴾([6]) فقالوا في الحسين عليه السلام كما قال القرآن في عيسى عليه السلام.

وقد وردت روايات عديدة عن أهل البيت علیهم السلام تُفنِّد هذا الزعم الباطل، فعن الهروي، قال: «قلت للرضا عليه السلام: إنّ في سواد الكوفة قوماً يزعمون... قال: قلت: يا بن رسول الله، وفيهم قوم يزعمون أنّ الحسين بن علي لم يُقتل، وأنّه أُلقي شبهه على حنظلة بن أسعد الشامي، وأنّه رُفع إلى السماء كما رُفع عيسى بن مريم عليه السلام، ويحتجّون بهذه الآية الْقِيَامَةِ  وَلَن يَجْعَلَ اللَّـهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا ﴾، فقال: كذبوا، عليهم غضب الله ولعنته، وكفروا بتكذيبهم لنبي الله في إخباره بأنّ الحسين بن علي عليهما السلام سيُقتل. والله، لقد قُتل الحسين وقُتل مَن كان خيراً من الحسين، أمير المؤمنين والحسن بن علي، وما منّا إلّا مقتول، وأنا ـ والله ـ مقتول بالسمّ باغتيال مَن يغتالني، أعرف ذلك بعهد معهود إليّ من رسول الله، أخبره به جبرئيل عن ربِّ العالمين.

وأمّا قول الله}: ﴿ الْقِيَامَةِ  وَلَن يَجْعَلَ اللَّـهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا ﴾، فإنّه يقول: ولن يجعل الله لكافر على مؤمن حجّةً، ولقد أخبر الله} عن كفار قتلوا النبيين بغير الحقّ، ومع قتلهم إياهم لم يجعل الله لهم على أنبيائه سبيلاً من طريق الحجّة»([7]).

وفي رواية عبد الله بن الفضل الهاشمي، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال عبد الله بن الفضل الهاشمي: «فقلت له: يا بن رسول الله، فكيف سمّت العامة يوم عاشوراء يوم بركة؟ فبكى عليه السلام ثم قال: لمّا قُتل الحسين عليه السلام تقرّب الناس بالشام إلى يزيد، فوضعوا له الأخبار وأخذوا عليها الجوائز من الأموال، فكان مما وضعوا له أمر هذا اليوم، وأنّه يوم بركة؛ ليعدل الناس فيه من الجزع والبكاء والمصيبة والحزن إلى الفرح والسرور والتبرّك والاستعداد فيه. حكم الله بيننا وبينهم.

قال: ثم قال عليه السلام: يا بن عم، وإنّ ذلك لأقلّ ضرراً على الإسلام وأهله مما وضعه قوم انتحلوا مودتنا وزعموا أنّهم يدينون بموالاتنا ويقولون بإمامتنا، زعموا أنّ الحسين عليه السلام لم يُقتل، وأنّه شُبِّه للناس أمره كعيسى بن مريم. فلا لائِمَةٌ ـ إذاً ـ على بني أُمية ولا عتب على زعمهم، يا بن عم، مَن زعم أن الحسين عليه السلام لم يُقتل فقد كذّب رسول الله وعلياً، وكذّب من بعده من الأئمّة علیهم السلام في إخبارهم بقتله. ومَن كذّبهم فهو كافر بالله العظيم، ودمه مباح لكلِّ مَن سمع ذلك منه. قال عبد الله بن الفضل: فقلت له: يا بن رسول الله، فما تقول في قوم من شيعتك يقولون به؟ فقال عليه السلام: ما هؤلاء من شيعتي وأنا بريء منهم...»([8]).

وقد ورد التوقيع بخطّ مولانا صاحب العصر والزمان عليه السلام على يد محمد بن عثمان العمري: «أمّا مَن زعم أنّ الحسين لم يُقتل فكفرٌ وتكذيبٌ وضلال»([9]).

وأمّا عدم منافاة قتل الحسين عليه السلام ـ على أيدي أعداء الله تعالى ـ لآية نفي السبيل فبيانه: إنّ الآية لو كان فيها دلالة على العموم لمحل الكلام فدلالتها ليست قطعية، وإنّما هي بمستوى الظهور، والظهور حجّة في موردٍ إذا لم تقم القرينة على الخلاف. وليس المورد المبحوث فيه من موارد حجّية الظهور؛ لأنّه لا يُستنبط منه حكم فرعي، ولا تجري حجّية الظهور، بل مطلق التعبُّد في غير الفروع على القول المشهور. ثم لو كان محل الكلام من موارد جريانها فلا مجال لإجرائها؛ وذلك لقيام القرائن القطعية على خلافها، وكثرة النقوض على هذا المعنى، فلا يكاد وليٌ ينجو من استهزاء أو تسلّط الكافر عليه. وليس ببعيد أن يلزم تخصيص الأكثر، وهو قبيح لا سبيل إليه في كلام الشارع المقدَّس. مضافاً إلى تواتر الأخبار بأنّ الحسين عليه السلام قد قُتل على أيدي أعداء الدين، بعد أن حُرِم الماء، ونقض الناس عهودهم معه، فأسلموه إلى عدوِّه، بل ساهموا في قتله. ومع هذا؛ فلا يُصغى لقول مَن يقول: إنّ آية نفي السبيل تنفي أن يكون الحسين عليه السلام قد قُتل.

والذي ينبغي أن نسلِّط الضوء عليه هو أنّ ما جرى به القلم في واقعة عاشوراء وأمثالها موافق تمام الموافقة للنواميس الإلهية والسُّنن التي أجرى الله تعالى عليها هذا الكون ومنها سنّة الابتلاء والامتحان، خاصّة للأولياء والمقرَّبين، هذا أولاً. وثانياً: بيان وجه الحكمة في ذلك، وفي حدود ما تحدَّثت عنه الأدلّة الشرعية. وثالثاً: كشف اللوازم الباطلة لإنكار مقتل الإمام الحسين عليه السلام.

واقعة عاشوراء وسنّة الابتلاء

لقد اقتضت الحكمة الإلهية أن يُستخلف الإنسان في الأرض، وأن يسير في طريق يطلب فيه المعرفة ويتزوّد بالعمل الصالح إلى حين انتقاله إلى جوار ربّه، وقد وفّرت الذات الإلهية المقدّسة للإنسان كلَّ الوسائل التي يمكن أن تُسهم في إيصاله إلى الغاية المنشودة، وشاء الله تعالى أن يكون اختيار الإنسان عنصراً فاعلاً في كلّ خطوة في هذا المسار الطويل. إلّا أنّ السير في ذلك الطريق لنيل تلك الغاية مع توفير المقدمات المساهمة في المسيرة مسألة في غاية التعقيد؛ فقد تخفى علينا جهة الربط بين بعض المفردات والعقبات الموجودة في هذا الطريق ـ كشراك النفس ومزالق الهوى وكيد إبليس ـ وبين الهدف المرسوم سلفاً، وفي كثير من الأحيان نحتاج إلى تأمّل كبير أو إلى مراجعة الروايات الشريفة للوقوف على واقع ذلك الارتباط.

وكيف كان، فقد جُعل الابتلاء مَعْلَماً شاخصاً في هذا الطريق الطويل، ولم يقع الابتلاء على صنفٍ من الناس دون صنفٍ آخر، بل تكاد هذه السنّة الإلهية أن تعمّ سائر الناس بكلّ طبقاتهم وفئاتهم، إلّا أنّ الشيء الماثل للعيان من خلال الروايات والواقع الخارجي هو أنّ هناك تفاوتاً في كمية هذا الابتلاء وشدّته بين فصيل وآخر من المؤمنين، فتجد الأئمّة والأنبياء والأولياء هم أشدّ الناس ابتلاءً واختباراً، وكلّما ازداد إيمان العبد وصَلُح حاله ازداد بلاؤه، وهذا ما نلمسه في النص المروي عن عبد الرحمن بن الحجاج، قال: «ذكر عند أبي عبد الله عليه السلام البلاء وما يخصّ الله} به المؤمن، فقال: سئل رسول الله صلى الله عليه وآله: مَن أشدُّ الناس بلاءً في الدنيا؟ فقال: النبيّون، ثم الأمثل فالأمثل، ويُبتلى المؤمن بعد على قدر إيمانه وحُسْنِ أعماله، فمَن صحّ إيمانه وحَسُنَ عمله اشتدّ بلاؤه، ومَن سخف إيمانه وضعف عمله قلّ بلاؤه»([10]). وأيضاً عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: «إنّما المؤمن بمنزلة كفّة الميزان، كلّما زيد في إيمانه زيد في ابتلائه»([11]).

وعليه؛ فالابتلاء نوع من الحُبّ والاهتمام من الباري} بعبده المؤمن، فعن أبي عبد الله عليه السلام أنّه قال: «إنّ الله إذا أحبّ عبداً غتّه بالبلاء غتّاً»([12]). وعنه عليه السلام أيضاً، قال: «إنّ عظيم الأجر لمَعَ عظيم البلاء، وما أحبّ الله قوماً إلّا ابتلاهم»([13]).

فكان الأنبياء وأهل البيت علیهم السلام والأولياء والصالحون محلّ بلاء الله الشديد، والذي قابلوه بالصبر والصلاة والدعاء والاستعانة بالله والتوكّل عليه سبحانه. روي عن أبي عبد الله عليه السلام أن قال: «إن كان النبي من الأنبياء ليُبتلى بالجوع حتى يموت جوعاً، وإن كان النبي من الأنبياء ليُبتلى بالعطش حتى يموت عطشاً، وإن كان النبي من الأنبياء ليُبتلى بالعراء حتى يموت عرياناً، وإن كان النبي من الأنبياء ليُبتلى بالسقم والأمراض حتى تُتلفه، وإن كان النبي ليأتي قومه فيقوم فيهم يأمرهم بطاعة الله ويدعوهم إلى توحيد الله وما معه مبيت ليلة، فما يتركونه يفرغ من كلامه ولا يستمعون إليه حتى يقتلوه، وإنّما يبتلي الله تبارك وتعالى عباده على قدر منازلهم عنده»([14]).

وعن محنة النبي أيوب عليه السلام ورد عن الإمام الباقر عليه السلام أنّه قال: «إنّ أيوب عليه السلام من جميع ما ابتُلي به لم تنتن له رائحة، ولا قبحت له صورة، ولا خرجت منه مدّة من دم ولا قيح، ولا استقذره أحد رآه، ولا استوحش منه أحد شاهده، ولا تدوّد شيء من جسده. وهكذا يصنع الله} بجميع مَن يبتليه من أنبيائه وأوليائه المكرمين عليه. وإنّما اجتنبه الناس لفقره وضعفه في ظاهر أمره، بجهلهم بما له عند ربّه تعالى ذكره من التأييد والفرج، وقد قال النبي صلى الله عليه وآله: أعظم الناس بلاءً الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل...»([15]).

ومن هنا؛ تعرّض الكثير من الأنبياء لأنواع الفتك والقتل المروّع، كالذبح، والنشر بالمناشير، والصلب على جذوع الأشجار، وسلخ الجلد وفروة الرأس، والإلقاء في النار، والتغييب في مطامير السجون وغياهبها. وأكثر من تلك المحن والابتلاءات ما واجهه رسول الله صلى الله عليه وآله، وقد روي عنه أنّه قال: «ما أُوذي أحد ما أوذيت»([16]). وأهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله كانوا في طليعة من ابتُلوا في هذه الأُمّة؛ لعظم إيمانهم وجليل مكانتهم، فلاقوا ما لاقوا من أعداء الله وأعداء الدين، قال المنهال بن عمر: «كنت جالساً مع محمد بن علي الباقر عليه السلام إذ جاءه رجل، فسلّم عليه، فردّ عليه السلام. فقال الرجل: كيف أنتم؟ فقال له محمد: أوَ ما آن لكم أن تعلموا كيف نحن؟ إنّما مثلنا في هذه الأُمّة مثل بني إسرائيل، كان يُذبح أبناؤهم ويُستحيى نساؤهم، ألا وإنّ هؤلاء يذبحون أبناءنا ويستحيون نساءنا»([17]). فما جرى في يوم عاشوراء وعلى أرض كربلاء غير بعيد عن هذه السنّة الإلهية، ومنسجم تمام الانسجام مع النواميس الإلهية الحاكمة على الكون، خصوصاً مع ملاحظة أنّ الحسين عليه السلام سيد شباب أهل الجنّة وخامس أصحاب الكساء ووارث خاتم الأنبياء، بل وارث جميع الأنبياء. ومَن أوْلى منه بالغتّ بالبلاء وعظيم الامتحان؟!

الحكمة في ابتلاء الأولياء

لا شكّ في أنّ الله تعالى حكيم، وأنّ كلَّ ما أَذِنَ به أو خلقهُ لا يخلو عن وجهٍ للحكمة، ومن ذلك إذنه أو أمره التكويني بأن تجري الابتلاءات العظيمة على أوليائه. هذا على وجه الإجمال، وأمّا على وجه التفصيل فالكلام له وجهة عامّة ووجهة خاصّة بالحسين عليه السلام.

أمّا في الوجهة العامّة، فنذكر بعض الروايات التي تغنينا عن كثير من التأمّل، ولعلّ من أهمّ الروايات في ذلك ما ورد عن السفير، الحسين بن روح(قدَّس الله روحه)، فقد ورد عن محمد بن إبراهيم بن إسحاق الطالقاني، قال: «كنت عند الشيخ أبي القاسم الحسين بن روح (قدَّس الله روحه) مع جماعة فيهم علي بن عيسى القصري، فقام إليه رجل، فقال له: أريد أن أسألك عن شيء. فقال: سل عمّا بدا لك. فقال الرجل: أخبِرني عن الحسين بن علي عليهما السلام أهو وليُّ الله؟ قال: نعم. قال: أخبرني عن قاتله أهو عدوُّ الله؟ قال: نعم. قال الرجل: فهل يجوز أن يُسلِّط الله عدوَّه على وليه؟ فقال له أبو القاسم (قدس الله روحه): افهم عنِّي ما أقول لك، اعلم أنّ الله} لا يخاطب الناس بشهادة العيان، ولا يشافههم بالكلام، ولكنّه} بعث إليهم رسلاً من أجناسهم وأصنافهم بشراً مثلهم» إلى أن يقول بعد استعراض معاجز الأنبياء: «كان من تقدير الله} ولطفه بعباده وحكمته أن جعل أنبياءه مع هذه المعجزات في حالٍ غالبين، وفي أُخرى مغلوبين، وفي حالٍ قاهرين، وفي أُخرى مقهورين، ولو جعلهم} في جميع أحوالهم غالبين وقاهرين ولم يبتلهم ولم يمتحنهم لاتخذهم الناس آلهة من دون الله}، ولما عرف فضل صبرهم على البلاء والمحنة والاختبار، ولكنه} جعل أحوالهم في ذلك كأحوال غيرهم؛ ليكونوا في حال المحنة والبلوى صابرين، وفي حال العافية والظهور على الأعداء شاكرين، ويكونوا في جميع أحوالهم متواضعين، غير شامخين ولا متجبِّرين، وليعلم العباد أنّ لهم علیهم السلام إلهاً هو خالقهم ومدبِّرهم؛ فيعبدوه ويطيعوا رسله، وتكون حجّة الله تعالى ثابتة على مَن تجاوز الحدَّ فيهم وادّعى لهم الربوبية، أو عاند وخالف وجحد بما أتت به الأنبياء والرسل، ليهلك مَن هلك عن بينة ويحيى مَن حيّ عن بينة. قال محمد بن إبراهيم بن إسحاق: فعدت إلى الشيخ أبي القاسم الحسين بن روح (قدس الله روحه) من الغد وأنا أقول في نفسي: أتراه ذكر ما ذكره لنا يوم أمس من عند نفسه؟ فابتدأني فقال: يا محمد بن إبراهيم، لئن أخِرّ من السماء أو تخطفني الطير أو تهوي بي الريح في مكان سحيق أحبُّ إليَّ من أن أقول في دين الله (تعالى ذكره) برأيي ومن عند نفسي، بل ذلك عن الأصل، ومسموع عن الحجّة صلوات الله عليه»([18]).

وجاء في تتمّة الرواية المتقدِّمة عن الإمام الباقر عليه السلام التي تحدَّثت عن محنة أيوب عليه السلام وابتلائه، قال: «...وإنّما ابتلاه الله} بالبلاء العظيم الذي يهون معه على جميع الناس؛ لئلّا يدّعوا له الربوبية إذا شاهدوا ما أراد الله أن يوصله إليه من عظائم نعمه تعالى متى شاهدوه، ليستدلّوا بذلك على أنّ الثواب من الله (تعالى ذكره) على ضربين: استحقاق واختصاص؛ ولئلّا يحتقروا ضعيفاً لضعفه، ولا فقيراً لفقره، ولا مريضاً لمرضه. وليعلموا أنّه يُسقِم مَن يشاء ويشفي مَن يشاء، متى شاء كيف شاء، بأيِّ سبب شاء، ويجعل ذلك عبرة لِـمَن شاء وشقاوة لِـمَن شاء، وسعادة لِـمَن شاء. وهو} في جميع ذلك عدلٌ في قضائه، وحكيم في أفعاله، لا يفعل بعباده إلّا الأصلح لهم، ولا قوّة إلّا بالله»([19]).

والمستفاد من هاتين الروايتين أنّ الحكمة فيما ينزل على الأولياء من بلاء ومحن تكمن في أُمور منها:

1ـ إنّ الابتلاءات تمنع عن الغلو في الأنبياء والأولياء واتّخاذهم آلهة من دون الله}.

2ـ في الصبر على البلاء يظهر فضل الأولياء للناس؛ ممّا يكون أدعى للاعتقاد بهم والسير على نهجهم.

3ـ لا شكّ في أنّ الأنبياء أبعد الناس عن الاعتداد بالنفس والتجبُّر، وأقربهم إلى الشكر والتواضع، ولكن ذلك لا يعني أنّ المشكلة حُلَّت عندهم نظرياً، فانجرّ ذلك إلى التوفيق في مجال التطبيق، دون أن يكون للوقائع التي تحدث أمامهم أو تمرّ بهم أثر في ذلك، بل قد يقال: بأنّ للوقائع أثراً أيضاً في رقي ذواتهم وسموّها، فالبلاءات التي نزلت بهم لها أثرها في اتّجاه ما تدفع نحوه إدراكاتُ عقولهم السليمة، فبمجموع الفكر الذي يحملونه وما يواجههم من المحن والبلاءات يكون الأنبياء متواضعين غير متكبِّرين ولا متجبِّرين. فالمحن التي تواجههم تساهم في صياغة شخصياتهم واصطناعهم؛ ومن هنا جاء الخطاب لموسى الكليم عليه السلام: . . . ثُمَّ جِئْتَ عَلَىٰ قَدَرٍ يَا مُوسَىٰ * وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي ﴾([20])، وجاء قوله تعالى: ﴿ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِي ﴾([21]).

فإنّ الآيتين ـ خصوصاً الثانية ـ ظاهرتان في أنّه عليه السلام صُنِع وتكامل من خلال ظروف مناسبة هيأتها الإرادة الإلهية؛ ممّا يوضِّح أنّ المسألة لم تُعالَج نظرياً فقط عند موسى عليه السلام، وما جرى على موسى عليه السلام لا يُمثِّل استثناءً، بل هذه هي سُنة الله تعالى في خلقه ولن تجد لسُنة الله تبديلاً، ﴿ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّـهِ تَحْوِيلًا ﴾ ([22]).

4ـ بنزول البلاء على الأولياء يتجلّى للناس عملياً ما يقول الأنبياء علیهم السلام من أنّهم لا حول ولا قوّة لهم إلّا بالله، وأنّهم لا يملكون لأنفسهم ضرّاً ولا نفعاً، ولا موتاً ولا حياة ولا نشوراً، وأنّ المالك لأمرهم وأمر جميع الناس هو إلههم وربّهم؛ فتتمّ بذلك حجّة الله على الناس؛ ﴿لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَىٰ مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ﴾([23])، فيتنبهون حينئذٍ إلى ضعفهم وحاجتهم المستمرة إلى الله سبحانه.

كما أنّ للابتلاءات والمحن فوائد أُخرى كثيرة منها:

1ـ تُساهم الابتلاءات في منع إسقاط بعض المبتلين من أعين الناس؛ فلا يُحتقر ضعيف لضعفه، ولا فقير لفقره، ولا مريض لمرضه؛ إذ لو كان المرض وغيره موجباً للاحتقار لما ابتلى الله تعالى به الأنبياء والأولياء.

2ـ إنّ في الابتلاء رفعاً للدرجات، وتكاملاً للنفس وارتقاءً لها، ويوجب استحقاق الثواب من الله تعالى.

3ـ يتعلَّم الناس من ملاحظة ما عليه حال الأولياء عند نزول البلاء، كيف ينبغي أن يصنعوا عند نزول البلاء.

4ـ إنّ الابتلاءات تُذَكِّر الناسَ بالنعم الإلهية التي أنعم الله بها عليهم حين يرون المحروم منها.

5ـ تُظهِر الابتلاءات قدرة الأفراد الحقيقية على الاستجابة للأوامر الإلهية، وتُبرِز مقدار استحقاقاتهم.

6ـ تُكسِب النفس قوّة وقدرة على الثبات والمقاومة أمام مغريات الباطل.

فالابتلاء عنصر لكشف الاستحقاق ولتقوية الإرادة ورقي النفوس وغير ذلك من الفوائد([24]) وهذا ما يجعل الابتلاء من النعم الإلهية، والأَولى بهذه النعمة هم الأقرب إلى الله تعالى، وقد وردت روايات كثيرة في هذا المعنى، فعن أبي عبد الله عليه السلام، قال: «إنّ أشدّ الناس بلاءً الأنبياء، ثمّ الذين يلونهم، ثمّ الأمثل فالأمثل»([25]).

ثمار تضحية الإمام الحسين عليه السلام

وفيما يتعلَّق بالإمام الحسين عليه السلام، فإنّ الحكمة الخاصّة بمقتله عليه السلام يتمثّل خطّها العامّ بصلاح الأُمّة ـ التي نكبت عن الصراط الحقّ وسلكت سُبُل الباطل ـ وتمثل هذا بالإصلاح النظري والعملي، أمّا النظري فلأنّه كشف عن وجوه الشؤم، تلك الأقنعة التي ساهم في وضعها علماء السوء وفقهاء البلاط وطلّاب الدنيا، فظهرت تلك الوجوه على حقيقتها البشعة والبعيدة كلّ البعد عن الدين، كما أظهر للناس جواز الخروج على الحاكم الجائر المستحلّ لحرمات الله تعالى.

وأمّا من الناحية العملية؛ فلأنّ الحرب في عاشوراء كانت بذرة خير أراد الله تعالى أن تسقى بدماء الأطهرين؛ لتنبت شجرة خيرٍ وعطاء تؤتي أُكُلَها كلَّ حين بإذن ربِّها. والكلام في هذا المبحث طويل الذيل، وله فروعه الكثيرة، ليس هنا محلّ ذكرها. ولست أتفاعل مع قول القائل: إنّه كان على الحسين عليه السلام إغاثة الملهوف الذي دعاهُ لنصرته في محاربة باطل الشام، وأنّه لولا ذلك لما انقطع الكلام: لِمَ لم يستجب عليه السلام للناس؟

فإنّه يرد على ذلك قطعاً أنّه حين علم بحال الكوفة وتبدُّل المواقف فيها ورجوع الناس القهقرى عمّا عاهدوه عليه وقتل مسلم رضوان الله عليه، لم يفكِّر ـ ولو للحظة ـ بالرجوع عن مسيره.

نعم، دعوة الناس له كانت لها خصوصية مؤثِّرة في حركته عليه السلام، ولكن لا من جهة لزوم الاستجابة، بل من ناحية أنّ ذلك إذا ضُمَّ إلى نكول القوم وسعيهم لقتل الحسين عليه السلام سيكون أدعى لأن يتفعّل دور النفوس اللوّامة لتأخذ مدًى أوسع في تأثيرها على الوجهة العامّة للناس، التي عذَّب الكثيرَ منهم تأنيبُ الضمير؛ فحاولوا أن يتداركوا ذلك من خلال السعي لنصرة الحقّ ومحاربة الباطل ولو بعد حين.

وبالجملة؛ إنّ ذلك ساهم في سعي الناس لتغيير ما بأنفسهم، فجرى الميزان الإلهي ﴿ إِنَّ اللَّـهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ﴾([26]).

ويشهد لذلك أنّ الحسين عليه السلام قد جمع في كربلاء من العناصر التي تُساهم في إبراز عظم جرم أهل الكوفة وقطع الحجّة عليهم، وكان بعض تلك العناصر قد وفَّره عليه السلام من أوّل حركته حين أخذ النساء والأطفال، معلِّلاً ذلك بمشيئة الله تعالى أن يراهن سبايا.

فلا مجال بعد هذا إلى إنكار مقتل الحسين عليه السلام بحجّة منافاته لقاعدة: أن لا سبيل للكافر والفاسق على المؤمن، مضافاً لوجود لوازم باطلة لهذا الإنكار.

اللوازم الباطلة لإنكار مقتل الحسين عليه السلام

إنّ لهذا القول لوازم باطلة كثيرة، ومن ذلك تكذيب ما ورد في الكتاب الكريم من تعذيب المؤمنين بأيدي الكافرين، وما أكثر هذه المفردات ـ خصوصاً مع ملاحظة أنّ الآية التي ادُّعي دلالتها على ذلك ـ قد وردت بلفظ المؤمنين، وليس بلفظ الأولياء أو الأئمّة أو الأنبياء، وهو باطل بالضرورة.

كما يلزم من ذلك تكذيب النبي صلى الله عليه وآله والأئمّة علیهم السلام والسيدة الزهراء عليها السلام؛ حيث إنّهم أخبروا قبل يوم عاشوراء بما ينزل بالحسين عليه السلام. ولو التفت القائل إلى ذلك لكان مكذِّباً للمعصومين بما فيهم النبي صلى الله عليه وآله؛ والمكذِّب لأحد منهم بمنزلة الكافر ـ لا أقل فيما يرجع إلى النبي ـ ومَن صدر منه ذلك يستحقّ أن يتبرَّأ منه الإمام المعصوم وينفي كونه من شيعته، أعاذنا الله تعالى من القول بلا علم.

ثمَّ أخبر مَن جاء بعد الحسين عليه السلام عن حصول هذا الأمر، وبكاء رسول الله صلى الله عليه وآله عليه في موارد متعددة نقلتها كتب العامّة فضلاً عن كتب الخاصّة، وبكاء علي وفاطمة والحسن علیهم السلام، وبكاء السجاد عليه السلام لأكثر من ثلاثين عاماً، وهكذا بقية الأئمّة علیهم السلام، وبكاء المولى صاحب الزمان عجل الله تعالى فرجه الشريف، فهل كلّ ذلك تأثّراً على حنظلة بن أسعد الشامي الذي قُتل بزعمهم من خلال إلقاء الشبه عليه؟! وهل سلم علي أو الحسن أو بقية الأئمّة علیهم السلام من القتل، أو أنّ الذي قتلهم كان من أولياء الله؟!!

ثمَّ إنّ واقعة كربلاء لم يحصل فيها قتل الحسين عليه السلام فقط، فقد قُتِلَ أبو الفضل العباس وعلي الأكبر عليهما السلام والأكابر من الصحابة، وسُبيت النساء الهاشميات، فهل تُحلّ المشكلة بالقول: إنّ الحسين عليه السلام لم يُقتل وإنّما قُتل شبيهه!

وكيف كان، فالآية تنفي أن يجعل الله تعالى حكماً شرعياً يؤدّي تطبيقه إلى تسلُّط الكافر على المؤمن، كما تنفي أن يكون للكافر سبيلٌ عقليٌّ ـ أي حجّة تامّة ـ على المؤمن فيغلبه في حجّته. وهذا الأخير لا يحتاج إلى مؤونة إثبات؛ لأن المؤمن يفترض به أن لا يعتقد إلّا بالحقّ، وماذا بعد الحقّ إلّا الضلال، فما يعتقد به غير المؤمن ليس إلّا الباطل. وهل يمكن لحجّة الباطل ـ أي: صورة حجّة ـ أن تغلب الحجّة الحقّة على المعتقد الحقّ؟! وإنّما قلنا: صورة حجّة أو برهان؛ لأنّ الباطل لا يمكن أن تُقام عليه حجّة، وما يُساق من كلام لإثبات الباطل، فهو يُصوَّر بصورة البرهان أو الحجّة.

التشديد على مَن أنكر قتل الحسين عليه السلام

بقي أمر وهو: ما هو السرّ في تشديد الروايات الشريفة على القائلين بهذه المقولة؟

والجواب: إنّ عظمة واقعة كربلاء منبثقة من عمق المأساة التي حصلت فيها، والتي ارتكبها أعداء الحسين عليه السلام، حين قطعوا الماء عن سبط رسول الله صلى الله عليه وآله ومنعوه من الذهاب إلى بلاد أُخرى في الطلب الصوري الذي صدر من الحسين عليه السلام، وأحاطوا الثلّة المؤمنة ـ التي وقفت مع إمام زمانها ـ بسيل من البشر لا يُفسّره إلّا جبن الأعداء وخسّة نفوسهم، وحين قتلوا أصحابه الذين هم خيرة الناس، أمثال: حبيب، وزهير، وبرير، وعابس، ومسلم بن عوسجة، وأهل بيته علیهم السلام ـ صنّاع التاريخ وأبطال المجد والمعالم الشاخصة على مرّ التاريخ ـ أمثال: أبي الفضل، وعلي الأكبر. وأيّ موقف يضاهي موقف القاسم؟! إلى بقية أبطال هذه القصّة، بل وقتل الرضيع الذي لا ذنب له، عدا كونه من أهل بيت علي عليه السلام، ثمّ سَحْق الأجساد الطاهرة، وحمل الرؤوس على الرماح، وسبي الهاشميات، وقبل ذلك يُنادى في جمعٍ من أُمّة محمد صلى الله عليه وآله: أن لا تبقوا لأهل هذا البيت باقية، وأحرقوا بيوت الظالمين، وتركوا الجثث في العراء بلا كفن ولا دفن، يضاف إلى ذلك أنّ القاتلين هم مَن دعا الحسين عليه السلام لنصرتهم.

ولعمق هذه المأساة بدأ وقعها يكبر في النفوس، فقد تفاعلت صُوَر تلك المأساة في نفوس القوم، وبدأ النتاج؛ حيث لاحت بوادر التغيير في نفوس الناس، وشرعوا بالسعي للتكفير عن تلك الخطيئة، وعمّ بعد حين إحساس المسلمين بالحَيف من سوء ما حصل، فسعوا إلى الثأر وإتمام الطريق الذي تحددت ملامحه بدم الحسين وأصحابه وأهل بيته. وما زال ذلك المقطع من التاريخ مُلهِماً للأجيال فكرة رفض الظلم، ومردّداً في نفوسهم صرخة الإباء من الحسين عليه السلام: هيهات منّا الذلّة.

فإذا قيل: إنّ المنادي لم يكن هو الحسين عليه السلام، والمقتول ليس إلّا رجلاً شامياً معادياً لأهل البيت علیهم السلام، فهل يبقى بعد ذلك شجًى؟! وهل تبقى المأساة على عمقها؟! وهل ستكون عاشوراء معطاءً كما هي الآن؟!

إنّ هذه المقولة تنسف كلّ جهود وتضحيات الحسين عليه السلام وأهل بيته وأصحابه، وتقلب صفحة سوداء في تأريخ بني أُمّية والخلافة الباطلة، وتُلغي سوادها.

ومن هنا؛ كان ضرر هذه المقولة أشدّ من ضرر مقولة القائل: بأنّ يوم عاشوراء يوم بركة، وافترائه بأنّ عدّة حوادث سعيدة مهمّة في التاريخ قد وقعت فيه.

 

 

 

 

 


[1]     القيامة: آية5 ـ 6.

[2]     الصحيفة السجادية: ص 428.

[3]     الكهف: آية103.

[4]     النساء: آية141.

[5]     النساء: آية141.

[6]     النساء: آية 157.

[7]     المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج44، ص271 ـ 272.

[8]     المصدر السابق: ج44، ص270.

[9]     المصدر السابق: ج44، ص 271.

[10]    المصدر السابق: ج64، ص207.

[11]    الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي: ج2، ص 254.

[12]    المصدر السابق: ج2، ص253.       

[13]    المصدر السابق: ص252.

[14]    المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج64، ص 235.

[15]    المصدر السابق: ج44، ص275.

[16]    ابن حجر، أحمد بن علي، فتح الباري، ج 7، ص 126. السيوطي، جلال الدين، الجامع الصغير: ج2، ص 488. ابن شهر آشوب، محمد بن علي، مناقب آل أبي طالب: ج3، ص 42.

[17]    المجلسي، محمّد باقر، بحار الأنوار: ج64، ص 238.

[18] المصدر السابق:  ج44، ص 273 ـ 274.

[19]    المصدر السابق: ص275ـ 276.

[20]    طه: آية40 ـ 41.

[21]    طه: آية39.

[22]    فاطر: آية43.

[23]    الأنفال: آية42.

[24]    وقد فصّلنا ذلك في كتابنا إقدام المعصوم، فمَن أراد التفصيل، فليراجع.

[25]    الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي: ج2، ص252.

[26]    الرعد: آية11.

 
 
البرمجة والتصميم بواسطة : MWD