1439 / ربیع‌الاول / 6  |  2017 / 11 / 25         الزيارات : 484054         صلاة الصبح |         صلاة الظهر والعصر |         صلاة المغرب والعشاء |

الندوة (14) - الأطراف المسؤولة عن فاجعة الطف ( القسم الثاني) - سماحة السيد رياض الحكيم

{ مؤسسة وارث الأنبياء - قم المقدسة }
الندوة (14) - الأطراف المسؤولة عن فاجعة الطف ( القسم الثاني) - سماحة السيد رياض الحكيم

بدايةً ذكر المحاضر أنّ المجتمعات الأساسية التي كانت في عهد حركة الإمام الحسين (عليه السلام) أربعة أقسام، وذلك على أساس المشتركات، وإلّا المجتمعات أكثر بكثير.

أوّلاً: مجتمعا مكّة والمدينة: بما لهما من ثقل إسلامي وديني، حيث تتّجه أنظار المسلمين إليهما، وفيهما عدد كبير من الصحابة والتابعين والشخصيات البارزة، ولكن ممّا يُلحظ أنّ مجتمعي مكّة والمدينة لم يكن لهما أي دور كمجتمع ـ لا أقصد الأشخاص ـ  في نصرة الإمام الحسين (عليه السلام)، بل لم يعول الإمام الحسين (عليه السلام) على الموجودين في هاتين المدينتين المقدّستين ـ على ما يبدو ـ والشواهد تؤكّد أنّ هذين المجتمعين انصاعا بسهولة إلى السلطة ومبايعة يزيد، بل هناك شيء غريب أيضاً، وهو أنّ واقعة الحرّة وقعت بعد سنة من استشهاد الإمام الحسين (عليه السلام) أي عام 62هـ، والسبب المطروح فيها أنّ وفد أهل المدينة ذهب إلى الشام، فوجد ممارسات يزيد غير المنضبطة، يشرب الخمر، يجمع المغنّيات ويلعب بالقرود ونحو ذلك، رجعوا قدّموا التقرير لأهل المدينة وخلعوا بيعة يزيد.

 لاحظ المفارقة، يزيد يشرب الخمر، يغنّي، يُشارك في مثل هذه الممارسات، يستحقّ العزل، أمّا أنّ يزيد قبل عام قتل الإمام الحسين (عليه السلام)، تلك الفاجعة والاستهتار وسبي العائلة، هذا كأنّه لا يستحقّ شيئاً، يعني إذا كان للتاريخ شيء من المصداقية فهذه الأحداث تكشف عن كارثة، كيف كان يتصوّر هؤلاء وهم جيل مقارب لجيل الصحابة، بل هناك بقايا من الصحابة كانوا موجودين آنذاك، إذاً هذان المجتمعان ما كان لهما أي دور في الوقوف بوجه السلطة ودعم الإمام الحسين (عليه السلام)، وإن لم يُسجّل التاريخ عليهما المشاركة في الفاجعة.

ثانياً: مجتمع الشام: وهو العمود الفقري للطاغية وللسلطة الأُموية، بهم تهدّد السلطة الآخرين وتطمعهم، كما حدث في واقعة الحرّة وغيرها، مثل الحرس الجمهوري في عصر الطاغية حتّى الجيش كان يُهدّد به.

ثالثاً: المجتمعات الإسلامية الأُخرى: لم يُسجّل التاريخ أي موقف داعم أو متفاعل مع حركة الإمام الحسين (عليه السلام) لباقي البلدان الإسلامية، باستثناء ما ورد عن مجموعة من أهالي البصرة واستعدادهم للدفاع عن الإمام الحسين (عليه السلام)، ولكن لم تسنح الفرصة لهم، فلم يكن لهم دور مؤثّر وفعلي.  

رابعاً: مجتمع الكوفة: وهو المجتمع الذي دارت فيه الأحداث، وارتبطت به ارتباطاً مباشراً.

ينبغي أن نُشير إلى خصوصيات هذه المدينة ومجتمعها، الكوفة كانت حديثة التأسيس، حيث إنّ بدايات تأسيس الكوفة عام 17 هجرية، واستشهاد الإمام الحسين (عليه السلام) عام 61هجرية، يعني 44 عاماً تقريباً بين بداية التأسيس وحدوث واقعة الطفّ، طبعاً مدينة حديثة التأسيس لا نستطيع أن نعتبر مجتمعها مجتمعاً متماسكاً، خصوصاً إذا أخذنا بعين الاعتبار أنّها كانت مجتمع الجند وأهاليهم، والجند يجتمعون من قبائل ومناطق شتّى، ولا تجمعهم إلّا الجغرافيا، ولا تجمعهم أيّة هوية أُخرى، وتأسّست الكوفة قبل حكم الإمام علي (عليه السلام)، ومن الطبيعي أنّ المدينة والمجتمع الذي ينمو في عهد حكم معيّن يكون ولائه لذلك الحكم، ثمّ اتّخذ الإمام علي (عليه السلام) قراراً مثيراً في حينه، بأن اتخذ الكوفة عاصمة له، يعني ركّز جهده وحركته التثقيفية على مجتمع الكوفة، فأثّر فيه تأثيراً كبيراً، وكانت الكوفة متميّزة بارتباطها الوثيق بالإمام علي (عليه السلام)؛ بسبب هذه الموقعية التي أعطاها له.

 في نفس هذا المجتمع حدثت حركة الخوارج، حاول معاوية بعد الصلح أن يبني تيّاراً داخل المجتمع يوالي الأُمويين، إذن مجتمع الكوفة من الناحية الواقعية مجتمع متمزّق تتقاذفه الأمواج والأهواء وليس هناك مجتمع واحد.  

وإذا أردنا أن نصنّف مجتمع الكوفة، نستطيع أن نقول هناك ستّة أصناف:

الصنف الأوّل: شيعة أهل البيت (عليهم السلام).

الصنف الثاني: أشياع السلطة الأُموية، كالحصين بن نمير، ومحمد بن الأشعث بن قيس، وعزرة بن قيس، وأسماء بن خارجة، وشمر بن ذي الجوشن، ومسلم بن عمرو الباهلي، وغيرهم، هذه أسماء تؤشّر لمجتمع ولتيّار موجود داخل الكوفة.

الصنف الثالث: الخوارج وهم الذين كانوا يسمّونهم الحرورية، وفي كثير من المصادر التاريخية تأكيد وتسمية لتيّار في الكوفة كانوا يعتبرون من الحرورية، وبعض الروايات تُشير إلى أنّ شبث بن ربعي كان منسوباً إلى هذا التيّار، فهو لم يكن أُموياً وإن شارك في قتل الإمام الحسين (عليه السلام)، ولكنّه ينتسب إلى هذا التيّار، حتّى رُوي عنه قوله : أنّه أوّل مَن حرّر الحرورية.

الصنف الرابع : الموالي، هذا المجتمع الجديد الذي انتسب للإسلام، باعتبار أنّ الكوفة آنذاك تقع في الحدّ الرابط بين فارس والمجتمع العربي.

الصنف الخامس : أصحاب المصالح، وهم الموجودون في كلّ مجتمع، وكان لهم دور في الكتابة للإمام الحسين (عليه السلام)، أمّا الدوافع نتحدّث عنها فيما بعد، بعض من التقى بالإمام الحسين (عليه السلام) في الطريق، ماذا قال له لما سأله الامام عن واقع الكوفة؟ قال: أمّا الأشرار فقد عظمت رشوتهم، وما كتبوا إليك إلّا ليجعلوك سوقاً ومكسباً، وفي روايةٍ أنّ الأمام الحسين (عليه السلام) قال لمحمّد بن الحنفية: «إنّ القوم إنّما يريدون أن يأكلوا بنا، ويستطيلوا بنا، ويستنبطوا دماء الناس ودمائنا».

إذاً هذا تيّار أو مجموعة أو صنف كان له دور مؤثِّر في الحدث، وفي واقع المجتمع الكوفي مثل ما هو موجود في كلّ مجتمع، وهذا لا يقتصر على مجتمع معيّن، ولكن باعتبار أنّ مجتمع الكوفة صار في واجهة الأحداث لذلك نحن أشرنا إلى هذا الصنف.

الصنف السادس: وهم السواد الأعظم، في كلّ مجتمع ميزته أنّه ينقاد ولا يقرّر، مَن يستطيع أن يؤثّر في السواد الأعظم هو الذي يحرّكه، السواد الأعظم قد يشكّل ثمانين بالمائة من كلّ مجتمع أو أكثر، ولكن دوره الانقياد وليس اتّخاذ القرار .

إذاً هذه الأصناف الستة هي الأصناف والمكوّنات الأساسية، طبعاً لا نقصد من حيث العدد، بل من حيث التأثير في مجتمع الكوفة.

ثمّ طرح المحاضر تساؤلاً حاصله: مَن الذي دعا الإمام الحسين (عليه السلام) وكتب له؟

ثمّ أجاب عن السؤال بشكلٍ إجمالي:

 إنّ الذي دعا الإمام الحسين (عليه السلام) صنفان:

 الصنف الأوّل: المخلصون من شيعة أهل البيت (عليهم السلام)، أمثال حبيب بن مظاهر الأسدي، وسليمان بن صرد الخزاعي، ومسلم بن عوسجة، هؤلاء كانوا في مقدّمة الداعين والكاتبين للإمام الحسين (عليه السلام)، ووردت أسمائهم في أكثر من مصدر، وأذكر لكم من المصادر التاريخية المعتبرة، وليست مصادر متأخّرة، لم استند في أي رواية انقلها إلى مصدر متأخّر وحديث.

الصنف الثاني: الناقمون على السلطة الأُموية؛ لأنّ الكوفة لها تاريخ في النقمة على الأُمويين، ولها ثأر مع الأُمويين بعد المعارك العديدة التي خاضوها مع معاوية، خصوصاً أنّ معالم السلطة الجديدة سلطة يزيد هي معالم كانت غريبة عن المجتمع الإسلامي؛ لأنّه يبدأ حكم وراثي صحيح بعد الحكم الجديد، وهذا النظام الجديد لم يستحكم في النفوس والمجتمعات، فهناك فسحة لاعتراض المعترضين عليه.

من دعا الإمام الحسين عليه السلام وكتب له ـ سواء كان مخلصاً أم كان مصلحياً ـ يريد أن تنجح حركته التي يساهم فيها، معتمداً على عدّة أُمور أخذها بعين الاعتبار لنجاح حركته:

العامل الأوّل: ضعف الحاكم الجديد قياساً لحكم معاوية، وقد أشرنا في الندوة السابقة إلى الجهد الكبير الذي قام به معاوية في سبيل تمرير بيعة يزيد وتحكيم يزيد على المسلمين؛ لأنّ هذا الشيء كان غريباً، حيث استخدم البطش والتهديد المفرط داخل المدينة وفي الشام وفي البلاد الأُخرى، ومررنا مروراً سريعاً والشواهد عليه كثيرة؛ لأنّه كان شيئاً غريباً ويزيد شاب لم يُعرف له موقف، وما كان يعرفه المسلمون، خصوصاً في تلك الظروف التي كانت فيها أدوات المواصلات والاتصالات بدائية.

العامل الثاني: حبّ الكثير من السواد الأعظم في الكوفة لأهل البيت (عليهم السلام) والإمام الحسين (عليه السلام) ممّا دعاهم لمكاتبة الإمام الحسين (عليه السلام) وطلب قدومه.

العامل الثالث: الصراع التاريخي بين الكوفة والشام، والحقد الذي في نفوس الكوفيين تجاه الشام للمطالبة بالثأر، خصوصاً أنّ الكوفة بعد استشهاد الإمام علي (عليه السلام) وصلح الإمام الحسن (عليه السلام) تُعتبر منهزمة أمام الشام وسلطة معاوية، والبيعة التي فرضت عليهم ـ على مضض ـ لمعاوية ومن بعده ليزيد.

الأمر الرابع: نجد في نصوص الكتب التي أُرسلت للإمام الحسين (عليه السلام) من قبل الكوفيين، أنّهم يركّزون على نقطة واحدة وهي المبادرة؛ لأنّ حكم يزيد جديد العهد غير متماسك، والوضع مربك، والحكم الجديد ـ بحكم عوامل شتّى ـ غير مسيطر على البلاد الإسلامية العريضة والممتدّة، والولاءات غير مشخّصة، أرادوا أن يبادر الإمام الحسين ويُسرع للوصول إلى الكوفة قبل أن تسيطر السلطة على مجتمع الكوفة، لذلك نلاحظ التأكيد في كتب أهل الكوفة على الإمام الحسين بالاستعجال: «للحسين بن علي من شيعته من المؤمنين والمسلمين، فحيّ هلا فإنّ الناس ينتظرونك ولا رأي لهم في غيرك، فالعجل العجل...». فحقيقة المسألة أنّهم لا يريدون أن تمرّ عليهم فترة زمنية حتّى تسيطر السلطة، يريدون المبادرة؛ لأنّ المجتمع لا زال مرتبكاً والولاء عائم، ولذلك نجد خطّة عبيد الله بن زياد كانت بالعكس تماماً، أن يُبادر هو للدخول على الكوفة ويكسب الموقف في الكوفة، كان مع عبيد الله بن زياد في مسيره من البصرة إلى الكوفة بعض الشيعة وبعض الناقمين على الحكم الأُموي، ولا يؤيدون أن يسيطر الأُمويون على الكوفة، ففي كتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير ورد: «ثمّ خرج من البصرة ومعه: مسلم بن عمرو الباهلي، وشريك بن الأعور الحارثي، وحشمه وأهل بيته، وكان شريك شيعياً، وقِيل: كان معه خمسمائة فتساقطوا عنه ـ يعني حاولوا أن يؤخّروه ـ فكان أوّل مَن سقط شريك، ورجوا أن يقف عليهم بأي عذر من الأعذار يقدّموه لابن زياد حتّى يتأخّر في الطريق؛ عسى أن يبادر الإمام الحسين (عليه السلام) في الدخول إلى الكوفة ويكسب الموقف،  فلم يقف على أحدٍ منهم.

فالقضية إذن لم ترتبط بشخص واحد وهو شريك فقط، وإنّما حتّى الأشخاص المحيطون بابن زياد ـ الذين اختارهم في مسيره أيضاً ـ كان الكثير منهم يريد أن لا يسيطر ابن زياد، بل أكثر من هذا، عندنا عبارة عن النعمان بن بشير يقول فيها: ابن بنت رسول الله أفضل لنا من ابن فلانة، وهو لا زال والياً.   

العامل الخامس: إنّ الكوفيين اعتادوا أن تنفصل السلطة بين العراق والشام، بداية أمرهم ما كانوا يريدون أن يسيطروا على الشام حتّى تكون المهمّة صعبة، هم يرون المهمة سهلة جدّاً، مجتمعات وبلاد مترامية الأطراف، وسائل بدائية، القوة بين العراق والشام متكافئة؛ بشهادة الحروب التي حدثت بين الإمام علي (عليه السلام) وخصومه خصوصاً في صفين، إذاً المهمة سهلة وليست صعبة، حتى هذه النقطة مسجّلة في بعض كتب العراقيين أو أهل الكوفة إلى الإمام الحسين، في بعض هذه الكتب: أنّه ليس علينا إمام فاقبل لعلّ الله أن يجمعنا بك على الحقّ، والنعمان بن بشير في قصر الإمارة لسنا نجتمع معه في جمعة ولا نخرج معه إلى عيد، ولو قد بلغنا أنّك قد أقدمت إلينا أخرجناه حتّى نلحقه بالشام إن شاء الله .

فإذاً ليس هدفهم احتلال الشام، وإنّما يسيطرون على بلدهم مع التكافؤ بين الكوفة والشام، فكلّ حركتهم هو السيطرة على الكوفة ويخرجوا النعمان بن بشير إلى الشام، والشام تبقى تحت سيطرة الأُمويين والكوفة وربّما البصرة لاحقاً تكون تحت سيطرة الإمام الحسين والهاشميين والعلويين، فهذه القضية سهلة، لم تكن القضية معقّدة.

العامل السادس: إنّ التواصل بين الإمام الحسين (عليه السلام) وأهل الكوفة لم يكن وليد الساعة، بل كان في عهد معاوية، هناك عدّة كتب ولقاءات حدثت بين مجاميع من أهل الكوفة والإمام الحسين (عليه السلام). روى البلاذري عن تداعيات صُلح الإمام الحسن (عليه السلام)، قال: وشخص محمد بن بشر الهمداني، وسفيان بن ليلى الهمداني إلى الحسن، وعنده الشيعة الذين قدموا عليه أولاً، فقال له سفيان كما قال له في العراق، فقال له: اجلس لله أبوك، والله، لو سرنا إلى معاوية بالجبال والشجر ما كان إلّا الذي قضى، فالإمام الحسن لم يعطِهم مجال، ثمّ أتيا الحسين، فقال: ليكن كلّ امرئ حلساً من أحلاس بيته ما دام هذا الرجل حيّاً، فإن يهلك وأنتم أحياء رجونا أن يخير الله لنا، ويأتينا رشدنا، ولا يكلنا إلى أنفسنا، إنّ الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون.

إذن هناك أُسس وعوامل استند إليها هؤلاء الكاتبون والذين دعوا الإمام الحسين (عليه السلام) في حركتهم، وليست حركة اعتباطية ووليدة الساعة، لكن ابن زياد اتخذ عدّة إجراءات للسيطرة على الموقف، نعتبرها إجراءات استثنائية، وفي عصرنا نسمّيها ما يشبه بحالة الطوارئ، اعتمد على عدّة خطوات مؤثّرة في الجمهور:

الإجراء الأوّل: الطمع، أوّل خطاب لابن زياد قال: أمّا بعد، فإنّ أمير المؤمنين ولّاني مصركم وثغركم وفيئكم، وأمرني بإنصاف مظلومكم وإعطاء محرومكم، الإحسان إلى سامعكم ومطيعكم كالوالد البر.

وفي خطبة أُخرى له قال: وهذا ابنه يزيد ـ بعدما تحدّث عن معاوية ـ من بعده يكرم العباد، ويغنيهم بالأموال، ويكرمهم وقد زاد في أرزاقكم مائة مائة.

اعتقد أنّ هذا الجانب غير مؤثّر والجانب الآخر وهو المؤثّر؛ لأنّ الكوفة كانت مهيّئة لنصرة الإمام الحسين (عليه السلام) ولو نسبياً، الطمع لا اعتقد كان له دور مهم؛ لأنّهم يعرفون الأُمويين.

الإجراء الثاني: إرعاب الناس، اعتمد عليه ابن زياد بشكل استثنائي، فالأمر الأوّل من خلال الخلفية التي يمتلكها والمنعكسة في أذهان الناس عن شخصه. ابن زياد من الأوّل كان معروف أنّه طاغية، أبوه كان طاغية وقد تلوّعت الكوفة من سطوة زياد من قبل، وابن زياد كان عنده نفس هذه السمة، فنفس شخصه إنّما اختير ليؤدي هذا الدور، لتستغلّ تلك الحالة المحيطة به حالة الرعب والتخويف، والأمر الآخر: التهديد المباشر، قال في الخطبة: «فإنّ أمير المؤمنين ولّاني مصركم وثغركم وفيئكم وأمرني... وسوطي وسيفي على مَن ترك أمري وخالف عهدي، فليبقِ امرؤٌ على نفسه...»، فكلّ شخص لا يشعر بالأمان في عهد ابن زياد.

الإجراء الثالث: تطويق الكوفة، قال للحصين بن نمير مدير الشرطة: ثكلتك أُمّك، إن ضاع باب سكّة من سكك الكوفة وخرج هذا الرجل ـ أي مسلم ـ ولم تأتِني به، فقد سلّطتك على دور أهل الكوفة.

ولذلك تحدّث التاريخ أنّ الأشخاص الذين كان يرسلهم الإمام الحسين (عليه السلام) إلى الكوفة أو مسلم يرسلهم للحسين (عليه السلام)، شخص واحد، ومع ذلك ما استطاع أن يفلت من هؤلاء الشرطة والحرس، في هذه الكوفة الريضة الكبيرة وتمّ القبض عليهم، مثل: قيس بن مسهر الصيداوي وعبد الله بن يقطر.

الإجراء الرّابع: من الإجراءات التي اتخذها ابن زياد اعتقال مجموعة من الشخصيات الشيعية ومَن لم يُحرز ولاءه، وتعدّ هذه الاعتقالات حالة طوارئ، لم يعهد الناس باعتقال أشخاص معروفين بدون سبب، مثل المختار، وسليمان بن صرد الخزاعي وجماعته، وعبد الله بن نوفل بن حارث، ويبدو أن عددهم كان كبيراً، كلّ هذا لخلق الرعب، واحترازاً من أيّ ردّ فعل من المجتمع، وهناك عبارة يرويها الطبري عن ابن زياد نفسه، يقول ليسار بن شريح اليشكري: وكنت أقول يا ليتني كنت أخرجت أهل السجن فضربت أعناقهم.

من هم أهل السجن؟ ليس أصحاب الجرائم العادية، هؤلاء الذين تتوقّع منهم المعارضة، لو كان عددهم خمسة أو عشرة أو عشرين، لا يعبّر عنهم أهل السجن، هذا التعبير يناسب العدد الغفير.

الإجراء الخامس: قتل مجموعة من الشخصيات الشيعية ـ خلال الفترة القصيرة التي دخل فيها ابن زياد للكوفة في ذي الحجّة ـ كميثم التمّار، وعبد الله الكندي، وعبيد الله بن الحارث، وعبد الأعلى الكلبي، والعباس المجدلي، وعمار الأزدي، وغيرهم.

 وخلق قتل هؤلاء بدون أي سبب وبدون أي حركة بل على النوايا والظنة والتهمة، جواً من الرعب في المدينة، وهم من قبائل وانتماءات متنوعة.

الإجراء السادس: استغلال العرفاء، نسمّيهم بعرفنا (المختار)، كلّ شخص كان مكلّفا على منطقة وعلى مجموعة يتعرّف عليهم، عندما يُولد ولد يُسجّل عنده، وعندما يموت شخص يُسجّل عنده، ثمّ العرفاء اليوم صرنا نسمّيه المختار، هؤلاء جمعهم ابن زياد، كما في تاريخ الطبري:

«ثمّ نزل فأخذ العرفاء والناس أخذاً شديداً، فقال: اكتبوا إلى الغرباء، ومَن فيكم من طلبة أمير المؤمنين، ومَن فيكم من الحرورية وأهل الريب الذين رأيهم الخلاف والشقاق، فمَن كتبهم لنا فبرئ، ومَن لم يكتب لنا أحداً فيضمن لنا ما في عرافته ألّا يخالفنا منهم مخالف، ولا يبغي علينا منهم باغٍ، فمَن لم يفعل برئت منه الذمّة، وحلالٌ لنا ماله وسفك دمه، وأيّما عريف وجد في عرافته من بغية أمير المؤمنين أحد لم يرفعه إلينا صُلب على باب داره، وأُلغيت تلك العرافة من العطاء، وسُيّر إلى موضع بعمان الزارة»

إذا أردنا أن نسترجع ما حدث في زمن صدام، ماذا كان يصنع للذي لا يشارك في الحرب؟ يمسكه ويأتي به إلى باب داره ويصلبه أمام أهله، الإخوة الذين كانوا في العراق في حقبة الثمانينيات يعرفون هذا الشيء، الذي يهرب لا يُعدم في المعسكر، لا يُعدم في السجن، يُؤتى به إلى باب داره ويُقتل أمام أعين أهله، هذه إجراءات الطغاة.

الإجراء السابع: التهديد بجيش أهل الشام، وهو جيش منظّم، جيش سلطة. وأهل الكوفة خاضوا حروباً مع الشاميين يعرفون بأنّه جيش منظّم، قبائل ومسؤوليات محدّدة ضدّ إمكانيات كبيرة، الكثير من المصادر ذكرت أنّ ابن زياد وأعوان ابن زياد كانوا يلوحون للمجتمع الكوفي بجيش يزيد، فقالوا: أيّها الناس الحقوا بأهاليكم، ولا تعجلوا الشرّ، ولا تعرّضوا أنفسكم للقتل، فإنّ جنود أمير المؤمنين يزيد قد أقبلت.

يعني تماماً مثل التهديد الذي كان يصير بالحرس الجمهوري، الذين كانوا في الانتفاضة بالعراق، أعوان النظام كانوا يهدّدون المتظاهرين بالحرس الجمهوري، والناس كان عندهم خلفية عن سطوة الحرس الجمهوري بالحرب العراقية الإيرانية.

كيف سيطر ابن زياد على الموظفين الإداريين الذين كانوا في سلطة مترهّلة إبّان إمارة النعمان بن بشير، ففي إحدى الرسائل المكتوبة للإمام الحسين، يقول: النعمان بن بشير في القصر معزول، فلا يتواصل معه الموظفون الرسميون، وجَمَعهم ابن زياد من خلال الإرعاب والتهديد، حيث قال: ألا برأت الذمة من رجل من الشرطة والعرفاء أو المناكب أو المقاتلة صّلى العتمة إلّا في المسجد، فلم يكن إلّا ساعة حتّى امتلئ المسجد من الناس، حتى الموظفون الرسميون ما كانوا يحضرون المسجد وإنّما جمعهم بالتهديد، هذه إجراءات للسيطرة على المجتمع.

الإجراء الثامن: التهديد بالانتقام الجماعي، وذلك بأخذ البريء بالسقيم، أخذٌ على التهمة  والظنة، قال في خطبته: أيّها الناس، الحقوا بأهاليكم وقد أعطى الأميرُ اللهَ عهداً لئن تممتم على حربه ولم تنصروا من عشيتكم أن يحرم ذريتكم العطاء، ويُفرق مقاتلتكم في مغازي الشام، وأن يأخذ البريء بالسقيم والشاهد بالغائب ـ يعني حتى الذي يشارك يأخذه؛ لأنّ واحداً من عائلته لم يشارك، نستذكر تماماً الإجراءات التي اتخذها الطاغية في العراق إبّان سطوته على البلد ـ حتّى لا تبقى له بقية من أهل المعصية إلّا أذاقها وبال ما جَنَت أيديها.  

هذه إجراءات ابن زياد الاستثنائية التي لم تكن متوقّعة ولا مألوفة في مجتمع الكوفة، والتي سيطر بها على المجتمع.

هؤلاء الذين كتبوا للإمام الحسين (عليه السلام) ما الذي أغفلوه؟ كانت هناك أرضية ـ كما قلنا ـ للتفاعل مع حركة الإمام الحسين (عليه السلام)، كان جماعة مهيّئين لمعارضة الحكم والسلطة الأُموية لا بأس بها؛ لسببٍ وآخر، سواء كان ولاء، أو طمع، أو كره للأُمويين، إلى غير ذلك؛ تعصباً لمدينتهم ومجتمعهم.

أمّا ما الذي أغفلوه:

الأمر الأوّل: أنّ هؤلاء تصوّروا، أنّ عملهم ما زال في دائرة السرّية، حيث كانوا يتكتّمون بهذه الخطوات، كانت الرسائل تأتي عن طريق أشخاص ـ وبعضها حتى موقعة من اشخاص ـ وليس جماعات كبيرة، ولكن يمثّلون تيارات ومجتمعات وقبائل، متصوّرين أنّ السلطة لا تعلم بذلك، مع أنّ السلطة حتّى يزيد كان يعلم بشكل وبآخر بهذه الحركة، وبالنار التي تحت الرماد.

الأمر الثاني: يبدو من رسائل هؤلاء أنّهم ما كانوا يتوقّعون تغيير الوالي، كانوا يتعاملون أن الوالي على الكوفة النعمان بن بشير، ففي الرسالة التي أُرسلت: أنّه ليس علينا إمام، فأقبل لعلّ الله يجمعنا بك على الحقّ، والنعمان بن بشير في قصر الإمارة لسنا نجتمع معه في جمعة ولا نخرج معه إلى عيد، ولو بلغنا أنّك قد بلغت إلينا أخرجناه حتّى نلحقه بالشام إن شاء الله.

متوهّمين أنّ خصمهم النعمان بن بشير؛ لأنّ يزيد بعيد، غير متصوّرين أن يأتي والي يختلف عن النعمان بن بشير مائة وثمانين درجة، طبعاً هذه الأُمور والإشكاليات يمكن أن تتجدّد في كلّ عصر.

ففي أحداث الثمانينات في العراق كثير من الأُمور التي حدثت، حدثت هناك بخصوصية مختلفة، الحركة التي بدأت بعد الثورة الإيرانية، والتململ الاجتماعي الذي حدث في المجتمع داخل العراق على أساس أنّ السلطة وقيادة البعث هم المتصدّون الحاليون، ما كانوا يتوقّعون بين عشيةٍ وضحاها أن يتغيّر كلّ شيء، ويأتي الطاغية ويتّخذ تلك الإجراءات الإجرامية الانتقامية والمستهترة، لذلك لما جاء الطاغية واتّخذ تلك الإجراءات أُجهضت الحركة، إذاً تغيير الوالي لم يكن مأخوذاً بعين الاعتبار.

الأمر الثالث: أنّهم لم يدركوا أنّ هذا الولاء الاجتماعي للإمام الحسين هو ولاء عاطفي، والولاء العاطفي السريع كما يحصل بسرعة يزول بسرعة نتيجة تغيّر العوامل؛ لأنّ العقل الجماعي عقل عائم وغير قادر على الصمود والثبات أمام المتغيّرات، ومع كلّ أسف أنّ هذا العامل يبقى يلازمنا بين عصر وآخر.

الفارق بيننا وبين المجتمعات المتحضّرة هناك، حتى لا يكون المجتمع هو الذي يدير، والعاطفة لا يكون لها دور فاعل ومخطط، كوّنوا منظمات المجتمع المدني، اتحادات ونقابات وغير ذلك، اليوم في الغرب كيف تخرج المظاهرات؟ ليس هناك شخص أو مجموعة يقولون نخرج مظاهرة ويخرجون مظاهرة، يوجد اتحاد سياسته معروفة، واستراتيجيته معروفة، أشخاص معروفون، وتوجّه سياسي معروف هو الذي يدعو، المؤمن والمعتقد بسياسة ذلك الاتحاد وتلك النقابة هم الذين يشاركون في تلك التظاهرة.

 وبعبارةٍ أُخرى: دور العاطفة ليس هو رسم الخطة، وإنّما دور العاطفة هو تفعيل حركة المجتمع للخطّة المرسومة، بينما هذا الأمر كان مغفولاً في حركة هؤلاء الذين دعوا الإمام الحسين، واعتمدوا على هذا الولاء الاجتماعي العاطفي، وأخيراً انعدام الخطة لمواجهة المتغيّرات، ما كانت خطّة واضحة ماذا نصنع عندما تصيّر متغيّرات؟ وماذا نصنع عندما يتغيّر الوالي؟ وماذا نصنع عندما يُتّخذ إجراء من قبل السلطة؟ وماذا نصنع عندما يختار يزيد مجموعة مقاتلين؟ ومسلم بن عقيل ما كان دوره القيادة، وإنّما كان دوره الاستكشاف؛ لأنّ مسلم في عقد الأربعين والعلويون غادروا الكوفة منذ عشرين عاماً، هو لا يعرف مجتمع الكوفة، ومهمّته الاستكشاف، والخلل كان من الأهالي الذين لم يستطيعوا أن يتكيّفوا مع الموقف ومع المتغيّرات، وهذه العوامل المعقّدة هي التي أوصلت الحركة إلى ما وصلت إليه.

 وُرّط مجتمع الكوفة على اختلاف تنوّعاته، والذي هو أقرب الناس لأهل البيت، بالتالي في هذه الأزمة والمحنة مثل مجتمعنا الذي عارض سلطة البعث في بداية الثمانينات وصار حطباً للحرب العراقية الإيرانية.

إذن؛ حركة الإمام الحسين وتداعياتها، والظروف التي أحاطت بها تستدعي وقفات وتأمّلات؛ حتّى لا تتكرّر تلك الورطة التي وُرّط بها أُولئك، ولا نتعامل مع القضية تعاملاً ساذجاً، إنّ هؤلاء الجماعة دعوا الإمام الحسين (عليه السلام) وخانوه! المسألة ليست كذلك، الكثير منهم استعدّوا للتضحية وللقتل، التوابون وغيرهم، كثير منهم كانوا معتقلين مضطهدين مراقبين، القضية كانت خطّة غير موفّقة من قبل هؤلاء الداعين، وغير مهيّئين للتغيّرات التي حدثت، طبعاً للحديث فسحة، ولا نقول تكملة وإنّما مجال أخر، نسأل الله سبحانه وتعالى التوفيق والسداد إن شاء الله.

 

 
 
البرمجة والتصميم بواسطة : MWD