1439 / ربیع‌الاول / 5  |  2017 / 11 / 24         الزيارات : 483664         صلاة الصبح |         صلاة الظهر والعصر |         صلاة المغرب والعشاء |

مظلومية الإمام الحسين علیه السلام ومأساة كربلاء في النصّ الديني (دراسة مفهوميّة وثائقيّة)

{ الشيخ قيصر التميمي }
مظلومية الإمام الحسين علیه السلام ومأساة كربلاء في النصّ الديني (دراسة مفهوميّة وثائقيّة)

 

هناك من يُعجبه الالتحاق بركب الظالمين والاصطفاف في طابور الجلّادين والحمقى، ويُعفي عقله؛ ليَتّهم المظلوم بما يُسمّى بـعقدة الشعور بالمظلومية، ويُحذّر الأفراد والشعوب من خطورة الإحساس والإصابة بهذا الشعور، ويصفه بالداء الخطير والجرثومة القاتلة، التي تنشر بينهم عدوى الكراهية والتباغض والاحتراب، وتخلق مجتمعات موبوءة حاضنة للجريمة والإرهاب؛ ولذا ينبغي توخّي الحذر من كلّ مظلوم يشعر بالظلم، لأنه يحمل عُقدة الانتقام من الآخرين، ولا علاج لهذا الداء والمرض الخطير، إلّا باقتلاعه من جذروه، فيتحتّم على كلّ مظلوم ـ كي يتماثل للشفاء ـ ألّا يستشعر آلام مظلوميته، وأن يرمي هذه القمامة في حاويات الذاكرة؛ ليعيش حياته بصحة وعافية واستقرار، وإذا صادفه القدر ووجد نفسه مظلوماً في مستقبل الأيام، فعليه أن يتناسى ويتغاضى ويعيش قَدَره.. وهكذا تدور على المظلوم الدوائر.. فتباً للمظلوميات وأهلها، وليهنأ الظَلَمة بالأمن والسلام.. هكذا يحلو للبعض أن يُفكّر.

وقد يكون لهذا الكلام أسبابه ومبرّراته المعقولة والموضوعيّة، لو كان الشعور بالقهر والمظلومية مجرّد أوهام وعُقد نفسيّة سيكولوجية لا واقعيّة لها، تعيشها بعض الأفراد والمجتمعات الموبوءة والمصابة بداء التخلّف والدونيّة، فتُعيق تقدّمهم ورقيّهم الحضاري، وتُصيبهم بداء الانطوائيّة والتوحّش والانكفاء على الذات... لكننا نعتقد أن الإنسان بطبعه لا يُحب التعايش مع ذلك الشعور أبداً، ويتمنّى الخلاص منه بأيّ صورة وشكل من الأشكال، فمن النادر جدّاً أن تجد شخصاً يرتضي لنفسه أن يكون مظلوماً ويعيش في ظلّ المظلوميّة وذُلّها؛ ولذا كانت المظلوميّة ولا زالت عُقدة الظالم، ومرضه الخبيث، وداءه العضال، وخطيئته التي ينبغي أن يُحاسب ويُلام عليها.. وأما المظلوم، فقد أودع الله تعالى في فطرته مجسّات الشعور بالمظلومية؛ ليتحوّل هذا الإحساس إلى ردّة فعل عنيفة وبركان ثائر في وجه الظالمين.. ولا يمكن أن يُحارَب الظلم أو يُقارَع إلّا بمثل هذا الشعور الغريزي والفطري.. وسيبقى مَن يفتقده قابعاً في دائرة الذُّلّ والهوان مدى الحياة..

إذن؛ نحن بحاجة ماسّة إلى ما قد يُسمّيه البعض بموجب الكراهية والتباغض والانتقام، ومن موجبات ذلك الشعور بالمظلوميّة، ولكن ينبغي أن يكون هذا الإحساس سلاحاً فتّاكاً بوجه الظالم الحقيقي.. وهذه هي ثمرة ذلك الشعور الغريزي.. فينبغي محاسبة الظالم، وتشجيع المظلوم على شعوره هذا، وتنميته ليكون رصاصة قاتلة بوجه الظالمين.. فلا يهنأ الظالم أبداً في مجتمع يشعر بظلمه وجوره.. فالمظلومية «تستصرخ ضمائر الناس وتوقظ وجدانهم، وتدفعهم للوقوف إلى جانب أهل الحقّ المظلومين، كما تستثير نقمتهم وغضبهم ضدّ المعتدين الظالمين»[1].

الصيرورة والتكوّن الأفهومي لمفردة المظلوميّة

المظلوميّة: هي كالظُّلامة والظَّلِيمة والمَظْلِمة في المعنى، وهي اسم يحكي ذات حقيقة الظلم ومعناه لغةً، ولكن مع اختلاف في اللحاظ والاعتبار، فبلحاظ وقوع الظلم على المظلوم وتلبّسه به بتأثير الظالم يتقرّر مفهوم ومعنى المظلوميّة، ويقع ذلك في قبال مفهوم الظالميّة، الذي هو الظلم ذاته أيضاً، ولكن بلحاظ إيقاعه من قِبَل الظالم وكونه فاعلاً للظلم بحقّ المظلوم. وأمّا معنى ومفهوم الظُّلْمُ في اللغة، فهو: «وَضْع الشيء في غير موضِعه... وأصل الظُّلم الجَوْرُ ومُجاوَزَة الحدِّ... والظُّلْم المَيْلُ عن القَصد... وتَظَلَّم منه شَكا مِنْ ظُلْمِه، وتَظَلَّم الرجلُ أحالَ الظُّلْمَ على نَفْسِه... والمُتَظَلِّمُ الذي يَشْكو رَجُلاً ظَلَمَهُ والمُتَظَلِّمُ أيضاً الظالِمُ... وتَظَلَّمَني فلانٌ أي: ظَلَمَني مالي... ويُقال: تَظَلَّمَ فُلانٌ إلى الحاكم مِنْ فُلانٍ فظَلَّمَه تَظْليماً. أي: أنْصَفَه مِنْ ظالِمه وأَعانَه عليه... والظَّلَمةُ المانِعونَ أهْلَ الحُقوقِ حُقُوقَهم... ويُقال: ظَلَمْتُه فتَظَلَّمَ. أي: صبَر على الظُّلْم... واظَّلَمَ وانْظَلَم احْتَملَ الظُّلْمَ، وظَلَّمه أَنْبأَهُ أنه ظالمٌ أو نسبه إلى الظُّلْم»[2].

وحاصل معنى المظلوميّة في اللغة: هو أنّها عبارة عمّا يلحق المظلوم بفعل الظالم من الجور والأذى، والحيف والتجاوز، والابتزاز ونهب الحقوق، والقتل وسلب الممتلكات ونحو ذلك.

وأمّا مفهوم المظلوميّة في العقل والرؤية الفلسفيّة، فهو من مقولة الإضافة، وهي الهيئة الحاصلة من نسبة متكرّرة قائمة بين طرفين متخالفين هما الظالم والمظلوم، وكل واحد من هذين الطرفين يتشارك مع الآخر في صناعة وبناء معنى المظلوميّة ومفهومها وحقيقتها في الذهن.

لكننا حينما نلاحظ مضامين ومُعطيات النصوص الدينيّة في هذا المجال، نراها تصف المظلوميّة في صيرورتها وتكوّنها بما يُشبه الإضافة الإشراقيّة، التي يرتبط ويتعلّق المضاف والإضافة فيها بطرف واحد فحسب، فالمظلوميّة بمعناها ومفهومها الدينيّ تُعبّر عن جريمة نكراء بحقّ الإنسانيّة، وظاهرة مأساويّة في المجتمع البشري، لا يصنعها ولا يتحمّل وزرها إلّا الظالم وحده، ولو ساهم المظلوم مع الظالم وسعى في صناعتها وتكوينها، فإنه سيكون في صفوف الظالمين، لا المظلومين.

مبدأ المظلوميّة في النصّ الديني:

ومن هذا المنطلق؛ نجد بأن النصوص الدينيّة ـ كما سيأتي ـ قد اهتمّت بمفردة المظلوميّة اهتماماً لافتاً، واصطفّت وتضامنت بحماس بالغ مع فئة المظلومين والمضطهدين، ودافعت بقوّة وحزم عن أحاسيسهم ومشاعرهم ومعاناتهم والضغوطات الكبيرة التي يواجهونها بسبب ما يقع عليهم من الإجحاف والظلم والاضطهاد، وسنرى أيضاً كيف احتشدت في مضامين تلك النصوص الدينيّة المتضافرة كل أساليب الإدانة والشجب والاستنكار والتعنيف والتوبيخ للظلمة والمتجبّرين، وتحميلهم مسؤوليّة صناعة المظلوميّة في المجتمعات الإنسانيّة.

المظلومية في القرآن الكريم:

حينما نطالع الآيات القرآنية بهذا الخصوص نراها حافلة بمعاني تلك الحقيقة الإلهيّة المهمّة، وهي ثنائيّة التضامن مع المظلوم والتنديد بالظالم وتحميله كامل المسؤوليّة، ففي قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ* وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ* وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ* إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾[3]، نلمس تعاطفاً وتضامناً واضحاً وصريحاً مع فئة المظلومين، حيث أعطاهم الله تعالى في هذا النصّ القرآني الحقّ الكامل في النهوض للدفاع عن أنفسهم، والتحرّك العسكري المسلّح في سبيل استرجاع حقوقهم والانتصار والغلبة على مَن ظلمهم واعتدى عليهم، مع تجريم الظالمين وهدر دمائهم وأموالهم وتحميلهم المسؤولية الكاملة. وهذا يعني أن دور المظلوم ومسؤوليّته هو محاربة المظلوميّات بكل ألوانها والسعي للقضاء عليها وعلى صُنّاعها، لا أنه يسعى للمشاركة في إنتاجها وصناعتها، بأيّ وجه من الوجوه، ولأيّ سبب من الأسباب.

وبذات البيان والمضمون ما جاء في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآَخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾[4]، فالهجرة بسبب الظلم هجرة في سبيل الله، وهي الخطوة الأُولى في مقارعة الظلم والظالمين، تليها مرحلة الثورة والخروج المسلّح والجهاد في سبيل الله، كما نصّ على ذلك قوله تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ* الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا الله﴾[5]، ويُعدّ هذا النص القرآني المبارك أوّل مرسوم إلهي في الإسلام لإعلان الحرب المفتوحة على الظالمين، وحثّ المظلومين للخروج العسكري المسلّح على صُنّاع الظلم والإرهاب والاضطهاد، فالمظلومية صناعة الظالم وجريرته، وإن وظيفة المظلوم وتكليفه الشرعيّ هو الجهاد في سبيل استئصالها والقضاء عليها، للخروج من واقع المظلوميّة المرير؛ فيجب القضاء على الظلامة والمظلوميّة أينما وُجِدَت، لا المشاركة والسعي في صناعتها.

وفي نصّ قرآنيّ آخر استثنى الله تعالى من زمرة الغاوين ثورة المظلومين على الظالمين، فليست ثورتهم بكل ألوانها ومظاهرها الشرعيّة من أصناف الغواية والبغي، وإنما هي من الحقوق المشروعة والمكفولة للمظلوم في دفاعه عن نفسه ومجتمعه، وذلك ما ورد في قوله تعالى حول ثورة الشعراء الأدبيّة وأنصارها: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ* أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ* وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ* إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللهَ كَثِيراً وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾[6]، فالمظلومون من الذين آمنوا، هم أصحاب المواقف والمبادئ الثابتة والمشروعة، وهم الذين يقولون ما يفعلون، ومسموح لهم أن ينطلقوا في ثورتهم ضدّ الظلم من القول ومحافل الشعر والأدب إلى الفعل والحركة المسلّحة للانتصار على ظالميهم.

وفي طائفة أُخرى من الآيات القرآنية أجاز الله تعالى للمظلوم ما هو ممنوع على الآخرين، من قبيل الجهر بالسوء في حقّ الظالمين، كما في قوله تعالى: ﴿لَا يُحِبُّ اللهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللهُ سَمِيعاً عَلِيماً﴾[7]، ففي مجمع البيان عن أبي جعفر الباقر عليه السلام : «لا يُحبّ الله الشتم في الانتصار إلا من ظُلِم، فلا بأس له أن ينتصر ممن ظلمه بما يجوز الانتصار به في الدين»[8]، وفي تفسير القمي: «أي: لا يُحبّ أن يجهر الرجل بالظلم والسوء ويَظلم، إلّا من ظُلم فقد أطلق له أن يُعارضه بالظلم»[9]. ومن هذا القبيل أيضاً جواز قتل الظالم قاتل النفس البريئة ظلماً وعدواناً، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ الله إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُوراً﴾[10]. فالنفوس المحترمة تفقد احترامها وحصانتها إذا أصبحت ظالمة، ويُقتل الظالم قصاصاً بدم المظلوم.

وفي نص قرآنيّ آخر وُضع الظلم في عداد الفتن الخطيرة التي ينبغي إخمادها والقضاء عليها، وإلّا فإنها ستُصيب أيضاً بشررها وضررها المؤمن المظلوم، الساكت على فتن الجور والظلم والاضطهاد، والمشارك بسكوته في صناعتها، يقول تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾[11]، فالمظلوم مهدّد بخطر الافتتان ما لم يقف بوجه الظالم لدرء فتنة ظلمه وطغيانه.

ومن هذا النصّ القرآني؛ يُفهم أيضاً بأن مَن يسعى ليُصبح مظلوماً يكون شريكاً في صناعة فتنة الظالمين، فلا خيار أمام المؤمن إلّا بمحاربة الظلم والعمل على اجتثاثه واقتلاع فتنته من جذورها.

تخليد ذكرى المظلوميّات في القرآن الكريم

لقد تصدّى القرآن الكريم في آياته لتخليد ذكرى كثير من المظلوميّات المأساويّة والمؤلمة التي شهدها التأريخ البشري، وما ذلك إلّا لإعلان التضامن مع المظلومين، وشجب واستنكار ما اقترفه الظالمون من جرائم وانتهاكات بحقّ الإنسانيّة، ولتبقى تلك المظلوميّات الخالدة دروساً في الحريّة والإباء للأجيال اللّاحقة، ولعلّ من أوائل تلك الظلامات التي خلّدها القرآن الكريم هي الجريمة التي اقترفها قابيل بحقّ أخيه هابيل، حينما أقدم على قتله ظلماً وعدواناً، وقد استنكر الله تعالى هذه الجريمة بالقول: ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [12]. ومن الظلامات الخالدة أيضاً في جملة من النصوص القرآنية مقاتل الأنبياء والمرسلين عليهم السلام  على أيدي الجبّارين والظالمين من أقوامهم وأُممهم، كما ورد ذلك في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآَيَاتِ اللهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾[13]. ومن هذا القبيل أيضاً ظلامة يوسف عليه السلام  مع إخوته الذين ألقوه في البئر بلا رحمة ولا شفقة، وفرّقوا بينه وبين أبيه سنينَ طويلة قاسية، وقد خلّد الله تعالى هذه الظلامة في سورة كاملة من سور القرآن الكريم، وهي سورة يوسف. ومن تلك الظلامات أيضاً ظلامة المواليد من البنات والفتيات التي كانت تُدفن ظلماً وعدواناً، قال تعالى: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ* بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾[14]. وأيضاً ظلامة ناقة صالح، ﴿إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا * فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا * فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا * وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا﴾[15]. وغير ذلك من الظلامات والمظلوميّات التي خلّدها الله تعالى في القرآن الكريم، تُتلى آناء الليل وأطراف النهار، لتبقى صرخة استنكار وتنديد بالظالمين، ودرساً وعبرة خالدة لكلّ المظلومين والأحرار في العالم على مدى العصور والدهور. وفي ضوء هذا النهج القرآني ـ كما سنلاحظ ـ جاء التأكيد في النصوص الدينيّة الحسينيّة على تخليد مأساة كربلاء، ظلامة التأريخ الكبرى، في ضمائر الأجيال المتعاقبة.

متى يستحق المظلوم التضامن والتقدير على مظلوميّته؟

وأما دائرة النصوص والأحاديث الشريفة الواردة في خصوص مبحث الظلم والمظلوميّة، فهي واسعة وكثيرة جدّاً، تفوق حدّ الحصر والإحصاء، ولعلّ أغلبها يدور في فضاء المضامين القرآنيّة المتقدّمة، وسوف نكتفي منها بذكر النصوص والأحاديث المرتبطة بالنهضة الحسينيّة المباركة، تجنّباً للإطالة، وتخصيصاً للبحث بمورده.

ولكن قبل الانتقال إلى ذلك أحببت الإشارة إلى بعض النصوص الدينيّة العامّة التي تضع حدوداً وشروطاً خاصّة للمظلوميّات والظلامات التي تستحقّ التعاطف والتضامن والنصرة الإلهية، وهي كما يلي:

1ـ أن يكون المظلوم مُخلصاً في توجّهه إلى الله تعالى بمظلوميّته، وأن لا يرى ولا يجد له ناصراً على ظالميه إلّا الله عزّ وجلّ، وهذا هو ما نفهمه من قول النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم : «يقول الله عزّ وجلّ: اشتدّ غضبي على مَن ظلم مَن لا يجد ناصراً غيري»[16].

2ـ ألّا يكون المظلوم شريكاً مع الظالم في صناعة مظلوميّته، وهو ظاهر جملة من الآيات القرآنيّة المتقدّمة كما أشرنا.

3ـ ألّا يكون المظلوم متورّطاً بالظلم لغيره من الناس بما يُماثل مظلوميّته، ففي الحديث عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام  أنه قال: «إنّ الله عزّ وجلّ يقول: وعزّتي وجلالي، لا أُجيب دعوة مظلوم دعاني في مَظلَمة ظُلِمَها ولأحد عنده مثل تلك المظلمة»[17].

4ـ ألّا يكون راضياً بظلم الآخرين، ولا مُتضامناً مع الظالمين في ظلمهم، فعن أبي عبد الله الصادق عليه السلام  أنه قال: «مَن عَذَر ظالماً بظلمه سلّط الله عليه مَن يظلمه، فإنْ دعا لم يُستجَب له، ولم يأجره الله على ظلامته»[18].

5ـ ألّا يكون مسرفاً ولا متجاوزاً حدوده الشرعية حينما يدعو على ظالميه بالانتقام، وإنما يتقيّد في دعائه وانتقامه بما أجازه الله تعالى له في الدين، وفي هذه النقطة يقول الإمام الصادق عليه السلام : «إن العبد ليكون مظلوماً، فلا يزال يدعو حتى يكون ظالماً»[19].

المظلوميّة في النصّ الدينيّ الحسينيّ:

حينما نأتي إلى جريمة التأريخ الكبرى ـ مأساة كربلاء ـ نجدها قد حملت في صفحاتها من معاني وصور المظلومية والاضطهاد والقهر ما لم تره العيون إلّا في كربلاء، وانطلاقاً من حجم المظلومية والمأساة يُلاحظ بأن النصوص المحيطة بفاجعة كربلاء قد امتلأت بعبارات ومعاني الظلم والمظلومية، ويُلاحظ أيضاً بأن بعضها عبارة عن أحاديث قدسيّة واردة عن الله تعالى مباشرة، وبعضها الآخر مأثور عن ملائكة السماء، وبعض ثالث جاء على لسان الأنبياء والرسل والأوصياء، وخصوصاً في نصوص الأذكار والأدعية والزيارات، بما يفوق حدّ الإحصاء والاستقصاء، والذي يُفهم من مجمل هذه النصوص: إنّ الله تعالى قد أخبر الصفوة الطاهرة من خلقه بخطورة الموقف والمرحلة، وبيّن لهم عِظم الفاجعة، وحذّر الكون بأكمله من هول ما سيقع، وحمّل الأُمّة بكاملها مسؤولية ارتكاب تلك الجريمة النكراء، وافترض على كلّ مؤمن أن يقف أمام الحسين عليه السلام ؛ ليشهد ويُقرّ له بالمظلومية، ويُدينها ويستنكرها بشدّة، ويتبرأ مما فعله الظالمون، كي لا يكون شريكاً ولا مشمولاً بفتنتهم الكبرى التي سيواجهون الله تعالى بها، حيث سيثأر وينتقم منهم لدم الحسين عليه السلام  شرّ انتقام.

ونحاول فيما يلي أن نستعرض مجموعة من النصوص الدينيّة المختصّة بمظلوميّة فاجعة كربلاء في إطار العناوين التالية:

1ـ التأكيد على عنوان مظلوميّة الحسين عليه السلام في النص الديني

يطالعنا التراث الديني الحسيني بحشد هائل من المضامين، وباهتمام بالغ ومنقطع النظير، في أحاديث ونصوص صريحة ومتنوّعة ومتضافرة، هدفها ترسيخ وتوثيق وتخليد صورة المظلوميّة في النفوس، ما يطبع لها ولكربلاء في أذهاننا ثنائية متلازمة لا تنفك أبداً، ذلك حينما نقرأ في التراث الديني أن الله تعالى والأنبياء والأوصياء قد قرنوا عنوان المظلوميّة بالقضيّة الحسينيّة في أغلب الموارد التي يُذكر فيها الحسين عليه السلام  وثورته المباركة، ولتوثيق هذه الفكرة نستطلع موجزاً بعض النصوص الواردة في هذا المجال:

1ـ ما ورد في الحديث الشريف عن الإمام الرضا عليه السلام  بأن الله تعالى أوحى إلى نبيّه إبراهيم عليه السلام  بالقول: «يا إبراهيم، مَنْ أحبّ خلقي إليك؟ فقال: يا ربّ، ما خلقت خلقاً هو أحبّ إليّ من حبيبك محمّد صلى الله عليه وآله وسلم . فأوحى الله تعالى إليه: أفهو أحبّ إليك أم نفسك؟ قال: بل هو أحبّ إليّ من نفسي. قال: فولَده أحبّ إليك أمْ ولدك؟ قال: بل ولَده. قال: فذبح ولَده ظلماً على أيدي أعدائه أوجع لقلبك أو ذبح ولدك بيدك في طاعتي؟ قال: يا ربّ، بل ذبح ولَده ظلماً على أيدي أعدائه أوجع لقلبي. قال: يا إبراهيم، فإن طائفة تزعم أنها من أُمّة محمّد ستقتل الحسين ابنه من بعده ظلماً وعدواناً كما يُذبح الكبش، ويستوجبون بذلك سخطي. فجزع إبراهيم عليه السلام  لذلك، وتوجّع قلبه، وأقبل يبكي»[20]، ونلاحظ في هذا النص المبارك التأكيد الّلافت والمتكرّر عن الله تعالى على فكرة الظلم والمظلوميّة، ودورها في صناعة الألم والحزن والبكاء على مصيبة الحسين عليه السلام ، كما نلمس بوضوح أيضاً التأكيد على أن الحسين عليه السلام  ستقتله الأُمّة ظلماً وعدواناً، وأنها سوف تستوجب بذلك السخط والغضب والانتقام الإلهي.

2ـ ما يرويه المجلسي في البحار، بأن الله تعالى أوحى إلى آدم حينما جُرحت رجله في كربلاء بالقول: «يُقتل في هذه الأرض ولَدك الحسين ظلماً، فسال دمك موافقة لدمه»[21]، حيث اقترن مقتل الحسين عليه السلام  في هذا النصّ بعنوان المظلوميّة، واستحقّ بذلك مواساة الأنبياء.

3ـ ما يرويه الطوسي بسنده عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام ، أنه قال: «لما كان من أمر الحسين بن علي ما كان، ضجت الملائكة إلى الله تعالى وقالت: يا ربّ، يُفعل هذا بالحسين صفيّك وابن نبيك؟! قال: فأقام الله لهم ظلّ القائم عليه السلام ، وقال: بهذا أنتقم له من ظالميه»[22]، حيث اقترنت في هذا النصّ أيضاً مأساة الحسين عليه السلام  بعنوان الظالميّة، والتي هي المظلوميّة ذاتها كما تقدّم، ولكن بلحاظ فعل الظالمين وما ارتكبوه من جريمة بشعة بحقّ ابن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم ، وستكون هذه المظلوميّة شعار القائم عليه السلام  حينما ينتقم من قتلة جدّه الحسين عليه السلام .

4ـ ما ورد في كامل الزيارات، عن الإمام علي بن الحسين عليهما السلام ، أنه قال: «مرّ بالحسين عليه السلام  أربعة آلاف ملك وهو يُقتل، فعرجوا إلى السماء، فأوحى الله إليهم: يا معشر الملائكة، مررتم بابن حبيبي وصفيّي محمّد صلى الله عليه وآله وسلم  وهو يُقتل ويُضطهد مظلوماً فلم تنصروه[23]، فانزلوا إلى الأرض إلى قبره فابكوه شعثاً غبراً إلى يوم القيامة. فهم عنده إلى أن تقوم الساعة»[24]، وهذا النصّ كما هو واضح يؤكّد على اقتران وتلاحم فاجعة المقتل الحسيني بجُرم الاضطهاد والمظلوميّة؛ لتكتمل به صورة المأساة، ويؤكّد النصّ أيضاً على أن نصرة الحسين المظلوم فرض واجب على أهل السماء قبل أهل الأرض، وأن الخلائق بأجمعها تتحمّل مسؤوليّة التقصير في أداء هذا الواجب المقدّس.

5ـ حينما قام الإمام علي بن الحسين زين العابدين عليه السلام  خطيباً في مجلس يزيد للتعريف بنفسه الطاهرة، وفضح الظالمين أمام الرأي العام، قال في جملة ما جاء في خطبته الشريفة: «أنا ابن المقتول ظلماً، أنا ابن المحزوز الرأس من القفا»[25]، فجاء عليه السلام  بمفردة القتل مقرونة بالظلم؛ ليكشف للجمهور معالم الكارثة والمأساة.

6ـ ما ورد في الحديث الشريف عن الإمام الباقر عليه السلام ، والذي يؤكّد فيه على مشهد المأساة والمظلوميّة في المقتل الحسينيّ، حيث يقول: «إن الحسين صاحب كربلاء قُتل مظلوماً مكروباً عطشاناً لهفاناً»[26].

7ـ ما روي عن الباقر أو الصادق عليهما السلام  ـ والترديد من الراوي ـ أنه قال: «مَن أحب أن يكون مسكنه الجنة ومأواه الجنة فلا يدع زيارة المظلوم. قلت: ومَن هو؟ قال: الحسين بن علي صاحب كربلاء»[27]، حيث اقترنت الزيارة ومطلوبيّتها وثوابها بوصف المظلوميّة، ومعروف أن الوصف مُشعر بالعليّة، بمعنى أن للمظلوميّة مدخليّة وتأثير في محتوى ومضمون هذا النصّ الشريف.

8ـ ما ورد أيضاً من التأكيد على عنوان المظلوميّة الحسينيّة في كلام الإمام الصادق عليه السلام ، حيث يقول: «إن الحسين عليه السلام  قُتل مظلوماً مضطهداً نفسه، عطشاناً هو وأهل بيته وأصحابه»[28].

9ـ ما ورد من التعريف بشخص الإمام الحسين عليه السلام  في إحدى الزيارات الشريفة المرويّة عن الإمام الصادق عليه السلام ، وأن من جملة ما يقوله الزائر: «لبيك داعي الله، إن كان لم يُجبك بدني فقد أجابك قلبي وشعري وبشري ورأيي وهواي، على التسليم لخلف النبي المرسل والسبط المنتجب، والدليل العالم، والوصي المبلّغ، والمظلوم المهتضم»[29]، حيث جاءت المظلوميّة واحدة من مفردات هذا التعريف الشريف.

2ـ لعن الأُمة الظالمة وتحميلها مسؤوليّة ما واجهه الحسين عليه السلام  من مظلوميّة ومأساة

تؤكّد الأحاديث والنصوص الدينيّة على أن الأُمّة الإسلاميّة ـ بل الإنسانيّة بأكملها ـ هي التي تتحمّل مسؤوليّة الظلم والاضطهاد الذي تعرّض له الإمام الحسين عليه السلام  في مسيرته وحركته الإصلاحيّة؛ ولذا ورد في بعض نصوص الزيارة قول الزائر: «ضمنت الأرض ومَن عليها دمك وثارك يا بن رسول الله»[30]، فالإنسانيّة بكافّة ألوانها وأطيافها بين ظالم للحسين عليه السلام  أو راض بظلمه وساكت عنه، وبين رافض متضامن وزائر وثائر مُطالب بدم الحسين عليه السلام ، ولا مجال للحياد أبداً، فإما مع أو ضد[31]. ونستعرض فيما يلي تحت هذا العنوان بعض النصوص الدينيّة التي تؤكّد على الشجب والاستنكار واللعن الدائم والمتواصل للأُمّة الظالمة والأُمم الراضيّة بظلمها والسائرة على نهجها، وهي على طوائف كثيرة، منها ما يلي:

1ـ ما ورد في النصوص والزيارات الكثيرة والمتضافرة، قولهم عليهم السلام  المتكرر: «ولعن الله أُمة ظلمتك»[32]. أو بنصّ آخر: «فلعن الله أُمة قتلتك، ولعن الله أُمة ظلمتك، ولعن الله أُمة سمعت بذلك فرضيت به»[33]. وأيضاً في نصّ ثالث مماثل: «فلعن الله مَن قتلك، ولعن الله مَن ظلمك، ولعن الله أُمة سمعت بذلك فرضيت به»[34]. وفي نصّ رابع: «لعن الله أُمة ظلمتك، وأُمة قتلتك، وأُمة قاتلتك، وأُمة أعانت عليك، وأُمة خذلتك، وأُمة دعتك فلم تُجبك، وأُمة بلغها ذلك فرضيت به، وألحقهم الله بدرك الجحيم»[35]. وفي نصّ خامس: «فلعن الله أُمة أسّست أساس الظلم والجور عليكم أهل البيت»[36]. وورد في زيارة علي بن الحسين عليه السلام : «السلام عليك أيها المظلوم وابن المظلوم، لعن الله أُمة قتلتك، ولعن الله أُمة ظلمتك، ولعن الله أُمة سمعت بذلك فرضيت به»[37]. فإن هذه الطائفة من النصوص صريحة ألفاظها في كلّ معاني ومضامين الشجب والإدانة والاستنكار لفاجعة الدهر الكبرى، والتأكيد على أن النقمة واللعنة الإلهيّة ستحلّ في سواد الأُمّة الظالمة للحسين عليه السلام ، وأن لعنات السماء المؤبّدة ستبقى تُلاحق الأُمّم والأجيال المتضامنة مع تلك الأُمّة، والراضيّة بما اقترفت من الجرم والظلم والاضطهاد في أحداث كربلاء الدامية، وسيبقى كلّ إنسان حرّ زائر للحسين عليه السلام  عارف بقضيّته يستنكر تلك الفاجعة ويُطالب السماء بإنزال المزيد من لعناتها على كابينة الظالمين بكافّة أصنافهم.

2ـ ما ورد في جملة من النصوص والزيارات المستفيضة عنهم عليهم السلام ، قول الزائر: «لعن الله الظالمين لكم من الأولين والآخرين»[38]. وفي نصّ آخر: «ألا لعن الله قاتليك، ولعن الله ظالميك، ولعن الله سالبيك ومبغضيك من الأولين والآخرين»[39]. وفي نصّ ثالث: «اللهم العن أول ظالم ظلم حق محمد وآل محمد وآخر تابع له على ذلك، اللهم العن العصابة التي جاهدت الحسين وشايعت وبايعت وتابعت على قتله، اللهم العنهم جميعاً»[40]. وهذه الطائفة من النصوص صريحة أيضاً في كون المظلوميّة الحسينيّة جريمة عظمى وكارثة كبرى بحق الإنسانيّة، يتحمّل وزرها الأوّلون والآخرون، ممن تلطخّت أيديهم بدماء الصفوة من ذريّة الأنبياء، المؤسّسون منهم، والممهّدون، والفاعلون، والداعمون، والمؤيّدون لتلك الجريمة النكراء، وقد ورد في الحديث الشريف: «العامل بالظلم والمعين له والراضي به شركاء ثلاثتهم»[41].

3ـ ما ورد عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام ، أنه قال: «لما ضُرب الحسين بن علي عليهما السلام  بالسيف، ثم ابتُدر ليُقطع رأسه، نادى منادٍ من قِبل الله ربّ العزة تبارك وتعالى من بطنان العرش، فقال: ألا أيّتها الأُمّة المتحيّرة الظالمة الضالّة بعد نبيّها، لا وفّقكم الله لأضحى ولا فطر»[42]. وفي نص آخر عن الإمام محمد بن علي الجواد عليه السلام ، أنه قال: «إن الناس لما قتلوا الحسين صلوات الله عليه أمر الله تبارك وتعالى ملكاً يُنادي: أيّتها الأُمّة الظالمة القاتلة عترة نبيّها، لا وفّقكم الله لصوم ولا لفطر»[43]. ولا شك بأن سلب التوفيق للطاعة من أبرز مظاهر نزول اللعنة الإلهية على تلك الأُمّة الظالمة.

3ـ مظلومية الحسين عليه السلام  توجب العذاب الأبدي لظالميه

ورد في الحديث عن الإمام الصادق عليه السلام : «أن أعوان الظلمة يوم القيامة في سُرادق من نار، حتى يحكم الله بين العباد»[44]، وهذه هي حال الظالمين أيضاً بالأولويّة القطعيّة، وهو صريح قوله تعالى: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾[45]، وفي هذا الإطار تؤكّد جملة من النصوص والروايات على أن السبب الأساس والحدّ الأوسط لدخول سفّاحي كربلاء النار وخلودهم فيها هو الظلم والمظلوميّة التي اقترفوها بحقّ الإمام الحسين عليه السلام  وصحبه الكرام وأهل بيته الطاهرين، ومن تلك النصوص ما يشهد به المؤمن في زيارته للروضة الحسينية المقدّسة، حينما يقول: «أشهد أنك قُتلت مظلوماً، وأن قاتلك في النار»[46]. وأيضاً ما ورد في خطبة لفاطمة الصغرى‘ في أهل الكوفة، جاء فيها قولها: «ثم تُخلّدون في العذاب الأليم يوم القيامة بما ظلمتمونا، ألا لعنة الله على الظالمين»[47]. وهذا أيضاً ما يدعو به الزائر لقبور شهداء الطف، حيث يجعل المظلوميّة سبباً وموجباً لدعائه بهلاك الظالمين، فيقول: «أسأل الله الذي حملني إليكم حتى أراني مصارعكم، أن يُرينيكم على الحوض رواء مرويين، ويُريني أعداءكم في أسفل درك من الجحيم، فإنهم قتلوكم ظلماً وأرادوا إماتة الحق، وسلبوكم لابن سمية وابن آكلة الأكباد»[48].

4ـ شهادة المؤمن وإقراره بـمظلوميّة الحسين عليه السلام أمام الله تعالى

إن من المفردات الشائعة والمنتشرة بكثرة في زيارات الإمام الحسين عليه السلام  الخاصّة والعامّة، هي شهادة المؤمن الزائر وإقراره ـ حينما يقف للزيارة ـ بأن الحسين عليه السلام  قد قُتل مظلوماً مضطهداً شهيداً في سبيل الله، وما نفهمه من موقف الإدلاء والاعتراف هذا: هو أن الله تعالى يريد من المؤمن بالحسين عليه السلام  وقضيّته أن يقف أمام محكمة العدل الإلهي ليُدلي بشهادته، ويتبرأ ـ بصورة دائمة ومستمرّة وخالدة ـ من وقائع المجزرة التاريخية والمأساويّة التي ارتكبها الظالمون، وأن يجعل نفسه في حرز وبمنأى بعيد عن الظالمين الذين ستشملهم لعنة السماء والثأر الإلهي، ويصطفّ مع أصحاب الثأر والدم الذي لا يُدرك ثأره من الأرض إلّا بأولياء الله. والنصوص الواردة في هذه النقطة بالخصوص مستفيضة ومتضافرة، منها:

قول الزائر: «أشهد أنك قُتلت مظلوماً، وأن الله منجز لكم ما وعدكم»[49]، ولا شكّ في أن هذه الشهادة من أجلى وأوضح صور التخليد لمظلوميّة كربلاء.

ويقول الزائر أيضاً: «أشهد موقناً أنك أمين الله وابن أمينه، قُتلت مظلوماً ومضيت شهيداً»[50]. وفي نصّ مماثل: «أشهد أنك أمين الله وابن أمينه، عشت سعيداً ومضيت حميداً ومُتّ فقيداً مظلوماً شهيداً، وأشهد أن الله منجز ما وعدك ومهلك مَن خذلك ومعذب مَن قتلك، وأشهد أنك وفيت بعهد الله وجاهدت في سبيله حتى أتاك اليقين»[51]، حيث اقترنت الشهادة بالمظلومية، بما يشهد ويقرّ به المؤمن فرضاً، من كون الإمام الحسين عليه السلام  أمين الله وابن أمينه.

ومن ذلك أيضاً قول الزائر: «أشهد أنك قد أقمت الصلاة، وآتيت الزكاة، وأمرت بالمعروف، ونهيت عن المنكر، وجاهدت في الله حق جهاده حتى استُبيح حرمك وقُتلت مظلوماً»[52]. وأيضاً قوله: «وأشهد أنك قد بلّغت ونصحت وصبرت على الأذى، وأنك قد قُتلت وحُرمت وغُصبت وظُلمت، وأشهد أنك قد جُحدت واهتُضمت وصبرت في ذات الله»[53]، فاقترنت الشهادة بالمظلوميّة في هذا النصّ بما يشهد به المؤمن للحسين عليه السلام  في ملحمة كربلاء حينما وقف للتبليغ والدفاع عن أقدس وأهمّ الشعائر والفرائض الدينيّة.

5ـ الصلاة والتسليم على الحسين عليه السلام  وأهل بيته وأنصاره بوصف المظلومية

ومن المراسم الواردة بكثرة أيضاً في نصوص ومفردات الزيارات الحسينية، هي أن يتوجّه الزائر بالصلاة والتسليم على الإمام الحسين عليه السلام  وأهل بيته وأنصاره بوصف الشهادة والمظلومية والاضطهاد، فيقول فيما يتلو من الزيارة: «اللهم صلّ على الحسين بن علي، المظلوم الشهيد قتيل الكفرة، وطريح الفجرة، السلام عليك يا أبا عبد الله»[54]. ويصلّي عليه أيضاً بالقول: «اللهم صلّ على الإمام الشهيد المقتول المظلوم المخذول»[55]. وبالقول أيضاً: «اللهم صلّ على محمد وآل محمد، وصلّ على الحسين المظلوم الشهيد الرشيد»[56].

وكذلك يُسلّم الزائر على الحسين عليه السلام  بوصف المظلوميّة، فيقول: «السلام عليك يا أوّل مظلوم انتُهك دمه وضُيّعت فيه حرمة الإسلام، فلعن الله أُمة أسّست أساس الظلم والجور عليكم أهل البيت»[57]. وأيضاً يقول: «السلام على الحسين المظلوم الشهيد»[58]. ويقول: «السلام على المقتول المظلوم، السلام على الممنوع من ماء الفرات»[59]. ويخصّ الحسين عليه السلام  في تسليمه بالقول: «سلام الله وسلام ملائكته وأنبيائه ورسله والصالحين من عباده وجميع خلقه ورحمته وبركاته على محمد وأهل بيته وعليك يا مولاي الشهيد المظلوم»[60]. ويقول الزائر أيضاً: «السلام على القتيل المظلوم»[61]. و«السلام على المحتسب الصابر، السلام على المظلوم بلا ناصر»[62]. و«السلام عليك يا قتيل الظالمين»[63]. و«السلام على مَن أريق بالظلم دمه»[64]. وأيضاً يقول الزائر في سلامه على أنصار الحسين عليه السلام : «السلام عليكم يا أنصار أبي عبد الله الحسين الشهيد المظلوم»[65]. ولا شكّ بأن في هذا الموقف تخليداً للذكرى وتذكيراً دائماً ومستمرّاً بألوان وآلام المظلوميّة التي واجهها الحسين عليه السلام  في مقتله، وكم هو حزين ومُفجع أن يُصارع عزيزك الموت وهو يتألم، وتقف أنت الشاهد على ذلك!!

ثقافة المظلومية وبناء الدولة!!

يقول أحد الباحثين: «إن ثقافة المظلومية هي بطبيعتها ثقافة معارضة، وليس بمقدورها أن تبني دولة, وما لم يتمّ التراجع عنها وإلغاؤها بكل قوّة، فإن الإنسان الشيعي سيعجز عن تحقيق النُّقلة الثقافية والنفسية من حالة المعارضة إلى حالة القيادة»[66].

ونحن هنا لا نريد الخوض مُفصّلاً في الإجابة عن هذه الرؤية القاتمة حول ثقافة المظلوميّة في الوسط الشيعي، لكننا أحببنا التعليق على ذلك موجزاً في النقاط التالية:

1ـ كانت ولا زالت الدول العظمى والبلدان المتقدّمة والمتحضّرة تفسح المجال واسعاً لثقافة المعارضة في أنظمتها وبرامجها الحكومية، فتجعلها الركن الأساس والمادّة الصُّلبة لبناء مفاصل الدولة الرائدة، مستهدفة بذلك الحفاظ على نزاهة سياساتها، وسلامة أوطانها، وبناء حضارتها، وتحقيق العدالة والرقيّ والتقدّم لشعوبها.

لكن مما يؤسف له أن ثقافتنا العربية والشرق أوسطية يبتني واقعها الاجتماعي والسياسي والحكومي في كثير من بلداننا على حالة من القطيعة والتضادّ بين مشروع بناء الدولة وبين ثقافة المعارضة، وهذا ما انساق معه الكاتب ـ للأسف ـ في تقييمه الخاطئ لثقافة المظلوميّة، حيث حكم بانسجامها مع ثقافة المعارضة دون ثقافة القيادة وبناء الدولة.

ونحن نقول وبوضوح تامّ: أينما حلّ الظلم والفساد والتخلّف والرجعيّة والهمجيّة، وفي أيّ بلد من البلدان، ينبغي أن يكون لثقافة المظلوميّة حضورها الفاعل وصوتها المعارض وصرختها المدوّية؛ ليحافظ ذلك الصوت الحرّ على بناء الدولة ورقيّ المجتمع وتقدّمه، فيجب أن يبقى صوت المظلومين مرتفعاً في كلّ بلد يبحث عن مجده وحضارته. ولا نلوم الكاتب في رأيه وهو يعيش في ظلّ حكومات لا تبني بلدانها إلّا على جماجم المظلومين، وتكميم أفواه المعارضين، فلو أردت بناء هكذا دولة فاسدة فلا مجال أبداً لثقافة المظلوميّة والمعارضة!!

2ـ حينما نطالع تأريخ الحضارات القديمة والحديثة نجدها قد بُنيت على ثقافة المعارضة ومآسي المظلومية والاضطهاد، ولعلّ أوضح شاهد على ذلك ما كُتب حول أحداث الثورة الفرنسيّة وعصر النهضة، الذي منه انطلقت الحضارة الغربيّة المتراميّة الأطراف، حيث ابتنت تلك الثورة على مسالح ثقافة المظلوميّة، حينما نهض المجتمع المظلوم والمضطهد بوجه الظلم الكنائسي، الذي كان يُدار من قِبل طائفة من رجال الدين الفاسدين، فكانت المظلوميّة هي الشرارة الأُولى التي أحرقت أبراج الظالمين وعروشهم، وهي الخطوة الأُولى التي ابتنت عليها حضارة المظلومين، فلماذا التشنيع على أتباع أهل البيت عليهم السلام ، ونحن نشاهدهم اليوم كيف يبنون صروح حضارتهم الساميّة انطلاقاً من مظلوميّاتهم التي تعرّضوا لها عبر التأريخ؟!!

3ـ لو كان المقصود من المظلوميّة مفهومها الارتدادي والسلبي ـ الذي يعني حالة من الانطوائية والانكفاء على الذات والهروب من واقع الظلم المرير والمأساوي ـ حينها يمكننا أن نتصوّر وجهاً معقولاً لما ذكره هذا الباحث، من كون ثقافة المظلوميّة بهذا المعنى غير قادرة على قيادة المجتمع وبناء الدولة. لكن المظلوميّة الحسينيّة والشيعيّة التي نتحدّث عنها ـ كما يشهد التأريخ والموروث الديني والواقع الاجتماعي والسياسي ـ ليست بذلك المعنى السلبي والانطوائي، وإنما لها معناها ومفهومها الإيجابي والمؤثّر الذي تحدّثنا عنه في مطلع هذا المقال، والذي يُمثّل ثورة مسلّحة ضدّ الظالمين، ونهضة تصحيحيّة لإصلاح المجتمع وانتشاله من غياهب الظلم والجريمة والفساد، ولا شكّ بأن ثقافة المظلوميّة التي تحمل في واقعها هكذا مبادئ وأهداف هي الأقدر دوماً على صناعة القادة الأكفّاء وبناء الدولة الفاضلة.

مَنْ يتعلّم كيف يكون مظلوماً لا ينتصر أبداً!!

أشرنا في مستهلّ هذا المقال بأن المظلوميّة في المنطق الديني ـ القرآني والروائي ـ هي فعل الظالم وجريرته، ولا دور للمظلوم في صناعتها، بل لو شارك المظلوم في عملية تصنيع المظلوميّة وانتاجها كان شريكاً في الظلم وليس مظلوماً، فيجب على كلّ مؤمن ألّا يُفكر أو يسعى لبناء شخصيّة مُستضعفة مظلومة تبحث عن النصر بضعفها ومظلوميّتها؛ لأن الله تعالى لا يُريد من العبد المؤمن أن يتعلّم كيف يكون ضعيفاً مظلوماً لينتصر، بل يريد منه أن يبحث دوماً عن أسباب النصر ومبادئ القوة والغلبة على الظالمين، ومَن يتصفّح تراث كربلاء الشموخ يرى وبوضوح أن الإمام الحسين عليه السلام  لم يسعَ أبداً ليكون مظلوماً مضطهداً، ولم يصنع لنفسه أسوار المظلوميّة لينتصر على أعدائه، وإنما خرج عليه السلام  بكلّ قوّة وعزم وحزم وإرادة وثبات وإباء؛ لينتصر على ظالميه حينما واجهوه بالظلم والعدوان، وهكذا ينبغي أن يكون كلّ ثائر ومُصلح يقتدي بالحسين عليه السلام ؛ ليتعلّم من نهضته المباركة كيف يكون قويّاً فينتصر، وهذا هو ما نفهمه من المقولة المشهورة: واقعة كربلاء ثورة المظلوم على الظالم، وفي هذا الضوء أيضاً؛ ينبغي تصحيح المقولة المشهورة القائلة: تعلّمت من الحسين كيف أكون مظلوماً فأنتصر، واستبدالها بالقول: تعلّمت من الحسين عليه السلام  حينما أكون مظلوماً كيف أنتصر؛ لأن الحسين عليه السلام  يُعلّمنا كيف ننتصر على الظلم، وكيف لا نرضى أن نكون مظلومين أبداً، ولا يُعلّمنا كيفيّة الخضوع للظلم؛ لكي نكون مظلومين ضعفاء، نستجدي الرحمة والنصر من قلوب ومشاعر المتعاطفين والمتضامنين مع قضيّتنا ومظلوميّتنا!!

ثقافة توظيف المظلوميّة الحسينيّة في واقعنا الديني والاجتماعي والسياسي

ينبغي أن تبقى مسألة التوظيف لثقافة المظلوميّة وآليّاتها من الملفّات المفتوحة، والمتحرّكة في مُجمل متغيّرات واقعنا الديني والأخلاقي والاجتماعي والسياسي وأمثال ذلك، فالمظلوميّة الحسينيّة من المظلوميّات العالميّة النابضة بالحياة، والمؤثّرة في الوجدان الإنساني بشكل عامّ، ولا معنى لحبس هذه المظلوميّة الخالدة وتطويقها في دائرة مذهبيّة أو دينيّة معيّنة؛ وذلك لأن أهدافها ومبادئها وغاياتها السامية، التي قامت من أجلها، كانت عامّة وشموليّة وواسعة بسعة الإنسان على اختلاف ميوله توجّهاته الدينيّة البشريّة، وعلى سبيل المثال نُشير إلى جانب من تلك التوظيفات، تاركين جملة من التفاصيل إلى المقالات الخاصّة بملفّ هذا العدد:

1ـ توظيف معالم المظلوميّة الحسينيّة في مستواها الديني والأخلاقي: حيث كانت هتافات تلك المظلوميّة الرساليّة الخالدة تصدح بالإنذار والتحذير من خطر الانقلاب على ثوابت ومكتسبات الرسالة المحمديّة الغرّاء، وكانت تتحرّك أيضاً من منطلق فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وواجب الدفاع عن أركان الدين وأُصوله التي بُني عليها، كالولاية والصلاة والزكاة والصيام وغيرها، ووقفت بكلّ حزم وإصرار وشموخ وتحدّي أمام مخاطر التفسّخ والانحلال الديني والخلقي الذي امتاز به النظام الأُموي الفاسد؛ ولذا كان الإمام الحسين عليه السلام  يقول في توصيف معالم هذا اللون من المظلوميّة: «إن الدنيا قد تغيّرت وتنكّرت، وأدبر معروفها واستمرّت جدّاً، فلم يبقَ منها إلا صبابة كصبابة الإناء، وخسيس عيش كالمرعى الوبيل، ألا ترون أن الحقّ لا يُعمل به وأن الباطل لا يُتناهى عنه، ليرغب المؤمن في لقاء الله محقاً، فإني لا أرى الموت إلّا شهادة، ولا الحياة مع الظالمين إلّا برماً»[67]. ويقول أيضاً عليه السلام  في كلمته المشهورة: «وأني لم أخرج أشراً ولا بطراً، ولا مُفسداً ولا ظالماً، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أُمّة جدّي صلى الله عليه وآله وسلم ، أُريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر، وأسير بسيرة جدّي وأبي علي بن أبي طالب»[68]. وكتب عليه السلام  إلى رؤساء أهل البصرة في وصف تلك المظلوميّة: «وأنا أدعوكم إلى كتاب الله وسُنّة نبيّه؛ فإن السُّنة قد أُميتت وإن البدعة قد أُحييت، وأن تسمعوا قولي وتُطيعوا أمري أهدكم سبيل الرشاد»[69]. وأيضاً ما جاء في خطبته الشريفة يوم عاشوراء، قوله عليه السلام : «فبُعداً وسُحقاً لطواغيت هذه الأُمّة، وبقيّة الأحزاب، ونَبَذَة الكتاب، ومُطفئي السنن، ومؤاخي المستهزئين، الذين جعلوا القرآن عضين، وعُصاة الإمام»[70]. ومن ذلك أيضاً ما سبق في قول الزائر للإمام الحسين عليه السلام : «أشهد أنك قد أقمت الصلاة، وآتيت الزكاة، وأمرت بالمعروف، ونهيت عن المنكر، وجاهدت في الله حق جهاده، حتى استُبيح حرمك وقُتلت مظلوماً»[71]. إلى غير ذلك من النصوص المتضافرة التي تؤكّد على توافر الجانب الديني والأخلاقي بصورة متميّزة في مبادئ وأهداف ثورة المظلوميّة الحسينية.

ومن هذا المنطلق؛ تُصبح ثقافة التوظيف الديني والأخلاقي للمظلوميّة الحسينية في واقعنا معناها: وجوب وقوف المظلوم بوجه الطغاة والظالمين والمفسدين بكلّ إباء وحرّيّة؛ للدفاع عن الدين بجميع فصوله وأُصوله وفروعه، وقِيَمه وشعائره وقوانينه، وأهدافه وغاياته.

2ـ التوظيف في المستوى الاجتماعي للمظلوميّة: حيث كانت النهضة الحسينيّة التي خرجت من رحم المظلوميات المتراكمة صرخة مدويّة بوجه الطغاة؛ للحفاظ على نسيج وتماسك المجتمع الإنساني والإسلامي على وجه الخصوص، وقد كان الإمام الحسين عليه السلام  يُطالب الناس بالعودة إلى إنسانيّتهم وعروبتهم وأخلاقهم المجتمعيّة التي نشأوا عليها، وقد خاطب الإمام عليه السلام  الظالمين يوم عاشوراء بالقول: «إِنْ لم يكن لكم دين، وكنتم لا تخافون المعاد، فكونوا أحراراً في دنياكم هذه، وارجعوا إلى أحسابكم إِنْ كنتم عُرُباً كما تَزْعُمون»[72]. وخاطبهم أيضاً عليه السلام  بالقول: «فانسبوني فاُنظروا مَن أنا، ثم ارجعوا إلى أنفسكم وعاتبوها، فاُنظروا هل يصلح لكم قتلي وانتهاك حرمتي؟!... ويحكم أتطلبوني بقتيل منكم قتلته، أو مال لكم استهلكته، أو بقصاص جراحة؟!»[73]. فإن هذه الخطابات وغيرها تستهدف تحريك الجانب الإنساني والاجتماعي في نفوس الظلمة وأعوانهم، وهذا في الحقيقة يفتح باباً واسعاً ومؤثّراً في كيفيّة توظيف ثقافة المظلوميّة في المجالات الإنسانيّة والاجتماعية.

3ـ وأمّا ما يرتبط بتوظيف المظلوميّة الحسينيّة في واقعنا السياسي: فأعتقد بأن هذا من أخطر الملفّات وأهمّها، وقد أشرنا في مقالات ماضيّة إلى ضمور الدراسات التخصصيّة فيما يخصّ هذا الملفّ؛ لأسباب ومبرّرات ذكرنا أهمّها وناقشناها بشيء من التفصيل في أعداد ماضية، ونحن نعتقد بضرورة وحتميّة توظيف تلك المظلوميّة الرائدة في مجالات مواجهة الطغاة ومحاربة المفسدين، والتخطيط لإسقاط أنظمتهم الظالمة والفاسدة، واستبدالها بحكومة إلهيّة عادلة، وهذا اللون من التوظيف له أُسلوبه ومنهجه الخاص والمُفصّل، ولا يسع المجال للوقوف عنده في هذا المقال المختصر، لكننا نوجّه نداءً ودعوة لكل العلماء والباحثين بأن يُكثّفوا الجهود والطاقات والإمكانيات العلميّة؛ لتوظيف المظلوميّة الحسينيّة فيما يرتبط بواقعنا السياسي، بما يضمن لنا محاربة الظلم والفساد بصورة دائمة ومستمرّة ومؤثّرة.

 

 


[1] الصفّار، حسن، المرأة العظيمة: ص178.

[2] ابن منظور، لسان العرب: ج12، ص373، مادّة ظلم.

[3] الشورى: آية 39ـ42.

[4] النحل: آية 41.

[5] الحج: آية 39ـ40.

[6] الشعراء: آية 224ـ 227.

[7] النساء: آية 148.

[8] الطبرسي، مجمع البيان: ج3، ص225.

[9] القمي، تفسير القمي: ج1، ص157.

[10] الإسراء: آية33.

[11] الأنفال: آية25.

[12] المائدة: آية30.

[13] آل عمران: آية21.

[14] التكوير: آية8ـ9.

[15] الشمس: آية12ـ15.

[16] الطوسي، الأمالي: ص405.

[17] الصدوق، ثواب الأعمال: ص272.

[18] الكليني، الكافي: ج2، ص334.

[19] المصدر السابق: ج2، ص333.

[20] الصدوق، عيون أخبار الرضا عليه السلام : ص59.

[21] المجلسي، بحار الأنوار: ج44، ص242.

[22] الأمالي، الطوسي: ص418.

[23] لعلّ المقصود: هو أن هؤلاء الملائكة لم يعرضوا على الإمام الحسين عليه السلام  حين نزولهم استعدادهم للنصرة والقتال بين يديه كما فعل ذلك طوائف أُخرى من الملائكة، فلا ينافي هذا النصّ بعض النصوص الأُخرى الدالّة على أن الحسين عليه السلام  قد رفض مشاركة الملائكة في الأحداث الأخيرة لمعركة الطف.

[24] ابن قولويه، كامل الزيارات: ص226.

[25] ابن شهر آشوب، مناقب آل أبي طالب: ج3، ص305.

[26] ابن قولويه، كامل الزيارات: ص313.

[27] المصدر السابق: ص269.

[28] المصدر السابق: ص289.

[29] المصدر السابق: ص440.

[30] المصدر السابق: ص362.

[31] وأما القاصرين الذين لم يتعرّفوا على الإمام الحسين عليه السلام  ونهضته المباركة، فهم أيضاً بين رافض للظلم بكل ألوانه، بما في ذلك مظلومية الحسين عليه السلام  لو اطّلع عليها، وهذا يكون في زمرة القاصرين المستضعفين الراجين لأمر الله، إمّا أن يعذّبهم أو يتوب عليهم، وبين حامل للواء الظلم أو راض به، فيُدرج في زمرة الظالمين للحسين عليه السلام .

[32] ابن قولويه، كامل الزيارات: ص387.

[33] الطوسي، مصباح المتهجّد: ص721.

[34] الطوسي، تهذيب الأحكام: ج6، ص114.

[35] المصدر السابق: ج6 ص58.

[36] المجلسي، بحار الأنوار: ج98، ص237.

[37] الطوسي، مصباح المتهجد: ص722.

[38] المشهدي، المزار: ص415ـ 416ـ 517ـ 519.

[39] الشهيد الأول، المزار: ص499.

[40] الطوسي، مصباح المتهجد: ص776.

[41] الكليني، الكافي: ج2 ص333.

[42] النيسابوري، روضة الواعظين: ص193.

[43] الكليني، الكافي: ج4، ص169.

[44] المصدر السابق: ج5 ص107.

[45] هود: آية113.

[46] ابن قولويه، كامل الزيارات: ص406.

[47] الطبرسي، الاحتجاج: ج2، ص28.

[48] ابن قولويه، كامل الزيارات: ص422.

[49] الطوسي، مصباح المتهجد: ص725.

[50] المصدر السابق: ص402.

[51] الطوسي، تهذيب الأحكام: ج6، ص114.

[52] المشهدي، المزار: ص422.

[53] الطوسي، تهذيب الأحكام: ج6، ص59.

[54] الطوسي، مصباح المتهجد: ص402.

[55] المجلسي، بحار الأنوار: ج98، ص225.

[56] ابن طاووس، إقبال الأعمال: ص342.

[57] المجلسي، بحار الأنوار: ج98، ص237.

[58] الطوسي، مصباح المتهجد: ص788.

[59] المجلسي، بحار الأنوار: ج98، ص236.

[60] الكفعمي، المصباح: ص501.

[61] المشهدي، المزار: ص498.

[62] المصدر السابق: ص499.

[63] المجلسي، بحار الأنوار: ج98، ص268.

[64] المشهدي، المزار: ص499.

[65] ابن طاووس، إقبال الأعمال: ص65.

[66] جعفر المظفر، مقال بعنوان: المظلومية الشيعية.. ظلم للشيعة قبل أن تكون ظلماً لغيرهم، شبكة الإنترنت، مركز الدراسات والأبحاث العلمانيّة في العالم العربي، بتاريخ: 2012 / 4 / 28.

[67] الطبري، تاريخ الطبري: ج4، ص305.

[68] المجلسي، بحار الأنوار: ج44، ص330.

[69] الطبري، تاريخ الطبري: ج4، ص266.

[70] الطبرسي، الاحتجاج: ج2، ص24.      

[71] المشهدي، المزار: ص422.

[72] ابن طاووس، الملهوف: ص71.

[73] المفيد، الإرشاد: ج2، ص97ـ 98.

 
 
البرمجة والتصميم بواسطة : MWD