1438 / ذي الحجه / 28  |  2017 / 09 / 20         الزيارات : 421306         صلاة الصبح |         صلاة الظهر والعصر |         صلاة المغرب والعشاء |

الخصائص الحسينية خصائص الحسين عليه السلام ومزايا المظلوم

{ آية الله الشيخ جعفر التستري }
الخصائص الحسينية خصائص الحسين عليه السلام ومزايا المظلوم

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى ، ولا سيما محمد المصطفى ، وأهل بيته أعلام الهدى ، صلواته عليهم ما دامت السموات العلى ،،،، أما بعد

انه لما اشتعل الرأس شيبا وامتلأت العيبة عيبا *المراد : موضع سره وثقته - ورأيت أني ذرفت على الستين ولم اظفر بعد على ثمرة ولا حاصل لأيامي الماضية ، ولا طائر للعمل ، وعلمت أن الباقي يمضي على نحو الماضي ، خاطبت النفس الجانية اللاهية ، وشركاءها في هذه الداهية : يا ويحك مضى ربيع الشباب ، فلا تعطف عليه خريف الشيب ، وفاتك الهرف * أي : المناء والزيادة - في المزرعة ، فلا يفتك الافل * أي : الزوال والغياب - ، وقد أسرفت في اتلاف اكرار من البذر ، فلا تُضع الحفنة الباقية من البذر ، وقد ضيعت في المتجر النقود من رأس المال ، فلا تضيع قليل المتاع الكاسد البائر.

ثم ناديتها يا مسافرا بلا زاد ، يا راحلا ولا جواد ، يا زارعا اشرف على الحصاد ، يا طائرا بالموت يصاد ، يا تاجرا لبهرج * أي : الرديء من الشيء - بلا جياد ، يا ظالم النفس والعباد ، هل سمعتِ قول الله تعالى ( إن ربك لبالمرصاد) ! ثم ايقظتها التنبه التنبه فقد شارفت العقبة الكؤؤد والرجل حافية ومالك مركب ! ثم خوفتها الحذر الحذر ، فقد دنوت إلى المنازل المهولة ، ودونها حتوف ( والكف صفر والطريق مخوف ) ثم أزعجتها بقول العجل العجل ، الوحا الوحا * أي : السرعة - فإلى أي زمان تتعامى :

ان قدامك يوما لو به

هددت شمس الضحى عادت ظلاما

فانتبه من رقدة اللهو وقم

وانفِ عن عين تماديك المناما

ثم صحت عليها بقول إمام المتقين عليه أفضل صلوات المصلين : " أيها اليفن الكبير ، قد لهزه القتير ، كيف أنت إذا التحمت أطواق النار بعظام الأعناق ، ونشبت الجوامع حتى أكلت لحوم السواعد " .

ثم نعيتها إلى نفسها ونعيت عليها ، ثم نحت عليها بكل لسان - تارة على أيام الشباب وأخرى على أيام المشيب ، ثم استرحمتها لنفسها وقلت : أما ترحم من نفسك ما ترحم من غيرك ؟

ثم استغثت بها لإغاثة نفسها فقلت لها : الغوث الغوث لنفسك تجهزي للرحيل ، فاستدركي واختلسي الفرصة ، واغتنمي المهلة قبل قدوم الغائب المنتظر ، وقبل أخذة القهار المقتدر .

ثم خاطبتها بكل كتاب ، وبلسان كل نبي وإمام ، ووعظتها بكل الألسنة حتى بلسان الأطفال والحيوانات ، بل ولسان حال جميع المخلوقات.

وبعد ذلك كله حصل لي تنبه يسير ، وتذكر قليل ، مع عزم فاتر ، فتواردت علي حالات خوف وترقب من اليأس ، يتبعها رجاء ، يورث السكون والاطمئنان بهذا التفصيل :

الحالة الأولى : في الإيمان :

لقد نظرت إلى الإيمان الذي هو مدار قبول الأعمال ومناط حصول النجاة من الأهوال فلم أجد في نفسي علامة من علائمه ، ولا أثرا من آثار التمام منه ، ولا من الناقص لا أدنى درجاته الذي هو أن تسوءه سيئته ولا أعلى درجاته الذي هو أن يكون بالنسبة إلى ذكر الله تعالى كمن هو في النزع ، ولم أجد في شيء من أقسامه المقسمة على القلب والأعضاء ! حتى أني خفت عدم وجود الذرة المنجية من الخلود في النار بعد طول العذاب فيها ، وبعد ذلك نظرت إلى الأخلاق الحميدة فرأيت أضدادها ، ثم نظرت إلى الأعمال الحسنة والطاعات والقربات فوجدت لصحتها وقبولها شرائط ، لم أجد التوفيق لها ولو مرة واحدة ، فعند ذلك تحقق الخوف وأوشك أن يغلب القنوط ثم عرضت :

الحالة الثانية : في الوسائل إلى الله تعالى :

وهي أني أمعنت النظر في الوسائل إلى الله فرأيت أني من امة محمدا المصطفى (ص) ، واني من شيعة عليا (ع) واني من الموالين لأهل البيت (ع) وهم السبيل الأعظم والصراط الاقوم والكهف الحصين والعروة الوثقى والفلك التي من ركبها نجى وسعد ، فحصل لي الرجاء ثم تحققت :

 

الحالة الثالثة : الدخول في امة محمد المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم :

وهي أني رأيت الدخول في امة المصطفى (ص) يحتاج إلى ائتمام واقتداء ، وان صدق شيعة علي (ع) يحتاج إلى متابعة له في صفة أو عمل ، فبأي شيء تابعته وشايعته ، وصدق إن الشخص موالٍ ومحب لأهل البيت (ع) يحتاج إلى تحقق أحدى علائم المحبة والولاية ولا أجد واحدة منها فتحقق الاضطراب وغلب الخوف ، ثم طرأت :

الحالة الرابعة : في الوسائل المتعلقة بالأئمة عليهم السلام :

وهي أني أمعنت النظر في الوسائل المتعلقة بالأئمة (ع) فرأيت اجلّها فائدة وأعظمها مثوبة وأعمها نفعا وارفعها درجة وأسهلها حصولا وأكثرها طرقا وأيسرها شروطا وأخفها مؤونة وأعمها معونة ما يتعلق بسيد شباب أهل الجنة ، ووالد الأئمة السيد المظلوم أبي عبدالله الحسين (ع) ، فرأيت له خصوصية في التوسل إلى الله قد تفرد بها ، وامتاز في ذلك حتى عمن هو أفضل منه.

فان للتفاوت في الفضيلة مقاما ولوحدتهم مقاما ، نورهم وطينتهم مقام ، والخصوصيات مقام آخر ، فرأيت في الحسين (ع) خصوصية في الوسيلة إلى الله اتصف بسببها بأنه بالخصوص - باب من أبواب الجنة وسفينة للنجاة ومصباح للهدى . فالنبي (ص) والأئمة (ع) كلهم أبواب الجنان ، لكن باب الحسين أوسع ، وكلهم سفن النجاة ولكن سفينة الحسين مجراها في اللجج الغامرة أسرع ، ومرساها على السواحل المنجية أيسر ، وكلهم مصابيح الهدى ، لكن الاستضاءة بنور الحسين أكثر وأوسع ، وكلهم كهوف حصينة ، لكن منهاج كهف الحسين اسمح وأسهل ، فعند ذلك خاطبت النفس وشركاءها

فقلت : هلموا إلى هذه الأبواب الحسينية ، فــ( ادخلوها بسلام آمنين ) والى مرساة هذه السفينة الحسينية فــ( اركبوا فيها بسم الله مجراها ومرساها . إن ربي لغفور رحيم ) ولتكتحل أعينكم بنور الحسين (ع) الناظر إليكم ، ثم ازدادوا شوقا وصمموا العزم على ذلك ، لأني استشعرت من نفسي علائم الإيمان التي يئست منها سابقا ، وعثرت بهذه الخصائص على الأعمال الصالحة .

أما الأول :

فمن وجوه :

الأول : انه (ع) قال : " أنا قتيل العبرة ما ذكرت عند مؤمن إلا بكى واغتم لمصابي " فوجدت ذلك في نفسي عند ذكر اسمه ، فاستدللت به على وجود شيء من الإيمان لو ذرة على الأقل تنجي من الخلود في النار ، وقد اتصف جميع الأنبياء بالبكاء والاغتمام عند ذكره (ع) .

الثاني : أني وجدت انه إذا دخل شهر المحرم عرضت لي الكربة والحزن والتأثر ، فاستدللت بذلك على اثر من ولاية الأئمة (ع) فإنهم قالوا : " شيعتنا خلقوا من فاضل طينتنا وعجنوا بنور ولايتنا يصيبهم ما أصابنا " ،، وقد دلت الأخبار على ظهور الكآبة والحزن على أئمتنا مع دخول شهر المحرم . فكان الإمام الصادق (ع) لا يُرى ضاحكا في أيامه أبدا ، وكان الإمام الرضا (ع) كئيبا حزينا كاسف اللون في العشر الأوائل يعقد مجلسا للعزاء ، ونساؤه من وراء الستر ، فإذا دخل عليه احد : أمره (ع) بالإنشاد في الإمام الحسين (ع) إن كان منشدا ، كما في قضية دعبل الخزاعي . وإلا ذكر بنفسه من مصائب الحسين (ع) كما في رواية الريان ابن شبيب حين دخل عليه أول يوم من المحرم ! فقال : " يا بن شبيب إن كنت باكيا لشيء فابك الحسين (ع) فانه ذبح كما يذبح الكبش ، وقتل معه ثمانية عشرة رجلا من أهل بيته " ، وهكذا كان دأب سائر الأئمة المعصومين ورسول الله تعالى (ص) سيدهم وأولهم وأكثرهم من عقد تلك المجالس .. فبعروض الانكسار للقلب عند هلال المحرم يستدل على ثبوت العلاقة بهم (ع) ، وبتفاوت التأثر تتفاوت درجات الإيمان ، وعدم عروض ذلك أو عروض خلافه - كجعل هذه الأيام أعيادا دليل على سلب الإيمان ، والعياذ بالله تعالى .

الثالث : نزول الهم والغم الشديد عند دخول كربلاء ، وقد كان هذا من صفات أبيه (ع) وأخته حين دخول ارض كربلاء ، مع انكسار القلب عند النظر إلى قبره وقبر ولده عند رجليه كما في الرواية .

الرابع : جريان الدمع عند شم تربته ، كما هي صفته وصفة جده (ص) المصطفى ونحو ذلك مما يتعلق به ، وسيجيء بيان بعضها إن شاء الله .

وأما الثاني :

فاني رأيت أن أكثر أعمالي يصح سلب اساميها عنها ، لعدم الشروط والإقبال ، فلا ادري أصلاتي وصومي صلاة وصوم أم لا ؟! وهكذا هو حال سائر اعمالي ، ولكن لاحظت انه لا يصح أن يسلب عن بكائي وإبكائي اسم البكاء والإبكاء على صاحب الدمعة الساكبة ، ولا اقل من التباكي ، وقد ورد أن " من بكى أو ابكي أو تباكى وجبت له الجنة " ثم أني لما رأيت علامات الإيمان ووثق رجائي واطمأنت نفسي عرضت :

الحالة الخامسة : في علامة احد أجزاء الإيمان :

وذلك أني تأملت الأمر فقلت لنفسي : إن هذه علامة لوجود جزء من الإيمان ، فلعله لا ينجيك من الخلود في النار بعد الدخول فيها ! وبعد مقامات عذاب يوم الحشر ، وبعد تحمل عذاب يوم البرزخ الطويل ، وأنت تعلم ضعفك عن قليل من بلاء الدنيا وعقوباتها وما يجري فيها من المكاره على أهلها بل وضعفك عن تحمل النعم إذا دامت عليك بالملال منها ، والبطر عليها ! ثم إن الجزء الضعيف من الإيمان لعله يذهب وينطفئ بأدنى صدمة فيزيغ القلب ، فما اطمئنانك به ؟ فاضطربت ثم عرضت لي :

الحالة السادسة : ما يبعث على تكميل الإيمان :

وذلك أني وجدت في وسائله (ع) ما يبعث على تكميل الإيمان وتقويته واستقراره مثل : ( إن من زاره كان كمن زار الله تعالى في عرشه ) فان زيارة الله تعالى كناية عن نهاية القرب إليه تبارك وتعالى ، وهذا لا يكون للايمان المستودع ، والقلب الذي يعلم الله منه الزيغ بعد الهداية .

ومثل مجيء الملَكَ للزائر عند إرادة الانصراف وقوله : " إن ربك يقرؤك السلام ، ويقول لك : استأنف فقد غفر لك ما مضى " ،، فإذا كان الشخص ممن يسلم الله عليه فلا يمكن أن لا يسلمه ، فاطمأننت بذلك ثم عرضت لي :

الحالة السابعة : في الأعمال الحسنة :

وهي أني رأيت إن هذه الوسائل ، أعمال حسنة ، ولكن لعل في أعمالي السيئة ما يحبطها فاضطربت لذلك فعرضت لي :

الحالة الثامنة : في الأعمال الصالحة :

وهي إن ما قد يعرضه الحبط هي أعمال الشخص ، وأما الوسائل الحسينية فهي أعمال صالحة تكتب للمكلفين ، وليست من أعمالهم حتى يتطرق إليها الحبط إذ قد ورد انه يكتب لزائره حجة من حجج النبي (ص) والحج الذي يحجه النبي (ص) ليس من أعمال الشخص نفسه حتى يحبط وإذا كان من أعماله (ص) فلا يتطرق إليه احتمال الاحباط أصلا ،، ومن عجائب تلك الروايات ما رواه الصادق (ع) قال : كان الحسين (ع) ذات يوم في حجر النبي (ص) يلاعبه ويضاحكه ، فقالت عائشة : ما اشد إعجابك بهذا الصبي ؟ فقال لها (ص) : وكيف لا أحبه ولا أعجب به وهو ثمرة فؤداي وقرة عيني ، أما إن أمتي ستقتله ، فمن زاره بعد وفاته كتب الله تعالى له حجة من حججي ، قالت : يا رسول الله حجة من حججك ؟ قال نعم وحجتين من حججي ، قالت حجتين من حججك ؟ قال نعم وأربعة …… قال الصادق (ع) : فلم تزل تزاده ويزيد ويضعف حتى بلغ تسعين حجة من حجج رسول الله (ص) بأعمارها.

الحالة التاسعة : ملاحظة حقوق الناس :

وهي أني خفت أن يذهب بالعمل حقوق الناس فانه قد ورد : انه يحشر من له أعمال تضيء في يوم القيامة فيأخذها أهل المظالم وتحمل عليه ذنوب فيؤمر به إلى النار. ثم طرأت :

الحالة العاشرة : في فضيلة البكاء :

وقد حصلت بملاحظة ما ورد في وسيلة البكاء عليه من انه : قد يترتب على الدمعة ثواب لا حد له فإن مالا حد له لا ينفد ولو اُخذ منه ما اُخذ . ثم عرضت لي :

الحالة الحادية عشرة : تطرق الخوف :

وذلك لأني رأيت في الروايات الكثيرة ، إن شرط قبول الأعمال قبول الصلاة ، فقلت : لعل صلاتي غير مقبولة وإذا ردت رد ما سواها فكيف تقبل هذه الأعمال الحسينية ؟ وحينئذ أشكل عليّ الأمر ، وكاد أن يغلب علي القنوط لورود هذا الاحتمال ، فمنّ الله تعالى علي برجاء انتهى إليه الأمر ، وبه رفع هذا الاحتمال .

الحالة الثانية عشرة : حالة تأكد الرجاء :

إذ قد تتابعت فيها وجوه اطمئنان القلب ، وترادفت وجوه الأمن ، وسكون القلب متابعة تترى ، وذلك بملاحظة خواص عجيبة لهذه الوسائل الحسينية .

منها : إن الشرط لقبول الصلاة التي هي شرط قبول الأعمال : الإقبال وينوب مناب الإقبال : النوافل الرواتب ، فهي تؤثر في قبول الصلاة الواجبة ، فإذا كانت مؤثرة في قبول الفرائض ، فهذه الوسائل التي وردت في فضلها أضعاف الرواتب ، تؤثر في القبول بطريق أولى .

ومنها : إن القبول والحبط إنما يقعان في الأعمال والعبادات التي تقع من الشخص باختيار منه وتكلف ، وفي الوسائل الحسينية تترتب الآثار وان لم يصدر العمل باختيار وقصد ، مثلا : الرقة على مصائبه والبكاء عليه قد يقعان بملاحظة انه إمام مفترض الطاعة وهذان من الأعمال الصالحة ، وقد تحصل الرقة والبكاء عليه من دون ملاحظة ذلك ، فإذا سمعت ما جرى عليه ، ولم تعرف عنه شيئا سوى انه من عباد الله أو انه من المسلمين أو انه مظلوم غريب ، لغلبت عليك الرقة والبكاء على الأقل من ناحية ما أصاب الأطفال الصغار من الموت عطشا أو القتل بالسيف على صدره أو بالسهم على يديه أو من داسته الخيول وكذا هو حالك فيما لو سمعت بنزول هذا المصاب على مخالف للإسلام فإن غاية ما يستحقه إنما هي ضربة أو جرح أو قتلة ، وأما الرض بعد القتل والضرب على الرأس المبارك ، وصلبه في عدة أماكن ، والنبش للقبر بعد مائتي سنة …… إلخ فهو أمر مستنكر يوجب حصول الرقة وجري الدمع بلا اختيار ، ومن أي شخص كان . هذا وقد روي أن يونس (ع) حينما كان في بطن الحوت سأل قارون وهو يعذب في بطن الأرض عن موسى وهارون وكلثم وآل عمران (ع) فلما اخبره بموتهم قال : واأسفاه على آل عمران ، فشكر الله ذلك .

ورفع عنه عذاب الدنيا ، فكيف أخيب مع أسفي على آل إبراهيم (ع) وآل عمران وآل محمد المصطفى صلوات الله تعالى عليهم اجمعين .

ومنها : إن المؤثرات الكلية القوية لو وجدت مع مانع من تأثيرها فإنما يمنع الكلي ولا بد من بقاء جزئي لا محالة
وفي الوسائل بالحسين (ع) تأثيرات قوية إذا منعت صفاتي وأعمالي عن تأثيرها التام فأقنع بتأثير جزئي منها . وذلك يكفيني فأقول : وقد ورد من تأثير بعض زياراته ، إن زائره يكون من الشفعاء في عشرة أو مائة ، أو يقال له خذ بيد من أحببت فادخله الجنة.

وحيث أني أرى نفسي وقد انفتحت علي الأبواب السبعة من النار ، بل وأراها الآن محيطة بسلاسلها وأغلالها ، بل وظهرت علي علائم الخلود فيها فلا اطمع أن أكون من الشفعاء في الحشر ، بل أقنع بأن يأخذ بيدي أحد فيخلصني من أهوال القيامة ، أو اقنع بأن اخرج من النار ولو بعد حين ، فأنجو من الخلود ،، وقد ورد في فضل زيارته عليه السلام : ( إن زائره يكون من محدثي الله تعالى فوق عرشه ) ، فأنا لست منهم ، فاقنع من ذلك بان يكلمني ملك من ملائكة الرحمة ،، وقد ورد في فضل زيارته : ( انه قد يكون الشخص بها من الساقين للكوثر ) وانا لست بأهل لذلك بل أرى نفسي في معرض أن أكون من الذين يقولون في النار لأهل الجنة ( أن افيضوا علينا من الماء ) . فأكتفي من هذه الوسيلة بأن يسقيني أحد الساقين للكوثر.

وقد ورد في فضل زيارته : ( انه قد ينال الشخص بها الأكل مع النبي المصطفى (ص) في الجنة على مائدته ) ، وأنا لست أهلا لذلك فأكتفي بأن أتخلص من أكل شجرة الزقوم . فهذه المؤثرات القوية العظيمة لا يمكن من جهة الموانع أن لا يبقى من آثارها هذه الجزئية .

ومنها : إن الوسائل الكثيرة بالنسبة إليه كما سنذكرها يمكن أن تجتمع كلها في آن واحد ، حتى ما مضى وقته ولم يأت وقته ، وما يمكن الإتيان وما لا يمكن. وجميع المراتب منه - فيمكن للشخص في آن واحد تحصيل جميعا الوسائل من أدناها الذي هو التباكي عليه ، وأعلاها الذي هو الشهادة بين يديه - وبحصولها يحصل على جميع العبادات في آن واحد . وذلك انه لو انعقد مجلس مثلا لذكر مصائب الحسين (ع) وتذكر ما صُنع به ، وحصل فيه ابكاء ، وبكاء وتباك وحزن وهم ورقة وتوجه القلب إليه مسّلما ومصليا عليه مع إشعار القلب بجلالته ، والمعرفة بحقه ، وتصوير حالاته والاستعبار والجزع عليه وتمنى نصرته والشهادة بين يديه ، فقد فاز بثواب كل الوسائل إليه ، وعبد الله بجميع العبادات حتى الشهادة بين يديه ، وسنذكر ما يدل على ذلك من الأخبار ، ومع ذلك كله وعلاوة عليه يتصف ذلك المجلس بجميع صفات المشاهد الشريفة على ما يستفاد من الأخبار فيتصف بأربع عشرة صفة :

الأول : انه مصلى لله تعالى يعني ، محل صلواته على أهله
الثاني : انه مشهد للملائكة المقربين
الثالث: انه محل نيل الدعاء من النبي(ص) والوصي والزهراء والمجتبى (ع)
الرابع: انه منظر الحسين المظلوم(ع)
الخامس: انه محل خطابه لأهل المجلس ومكالمته معهم
السادس : انه محبوب للصادق (ع) بل لجميع أولياء الله تعالى من الأولين والآخرين
السابع : انه عرفة
الثامن : انه مشعر حرام
التاسع : انه حطيم
العاشر : انه مطاف لبيت الله تعالى
الحادي عشر : انه قبة الحسين (ع)
الثاني عشر : انه مخمد للنيران المشتعلة
الثالث عشر : انه منبع لماء في الجنان وهو ماء الحيوان
الرابع عشر : انه يصير تلو مجالس أولها قبل الخلق وآخرها المحشر

وسيجيء تفصيل ذلك إن شاء الله تعالى

إذا تصورت ما قلته فكيف تتصور انك تخرج خاليا آيساً من هذه المشاهد المشرفة المباركة مع هذه الحالات والعبادات واجتماع الصفات ! فلو منعت الموانع من التأثيرات فقليل من أدنى اثر تأثيرات واحدة منها مما يستحيل عدمه :

قليل منك يكفيني ولكن قليلك لا يقال له قليل

وبعد تيقن ذلك ختمت المكالمة مع النفس ، وتحقق الرجاء والواثق الخالص بالوسائل الحسينية ، فتوجهت إلى صاحبها وعقدت معه عقد الوسائل بتأليف كتاب جامع لخصائصه التي امتاز بها من جميع المخلوقات حتى الأنبياء والأئمة سلام الله تعالى عليهم ، وسميته بخصائص الحسين (ع) ومزايا المظلوم (ع) أرجو بفضل ربي عز وجل أن يجعله لي في ظلمات القبر ضياءاً ونوراً ، ومن مخاوف الفزع الأكبر أمناً وسروراً ، وعند إيتاء الكتب - كتاب الحسنات يخرجه لي ألقاه منشوراً ، وفي مخازي ذلك اليوم كرامة وحبوراً ومدى الاعصار ذكراً موفوراً ، بحول منه وقوة ( وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت واليه أنيب ) وفيه مقدمة ومقاصد .

حرره وحققه : السيد جعفر الحسيني

تأليف:

آية الله الشيخ جعفر التستري

 

العنوان الأول
في مجال وجوده من بدء خلق نوره (ع)

 إلى بعد يوم الجزاء وفيه مقاصد

 

المقصد الأول

ما يخصه في ابتداء خلق نوره

في مجال وجوده من بدء خلق نوره (ع) إلى بعد يوم الجزاء

وفيه مقاصد :

المقصد الأول :

ما يخصه في ابتداء خلق نوره : إعلم إنه قد اختلف الحكماء من اليونانيين وغيرهم من العلماء في أول ما صادر عن الأول وفي تعيين أول المخلوقات ، واختلف المتكلمون والمليّون أيضا في ذلك ، واختلفت الأخبار في ذلك أيضا فذهب أكثر الحكماء إلى إن أول المخلوقات العقل الأول ، ثم العقل الأول خلق خلق العقل الثاني ، والفلك الأول ، وهكذا إلى إن انتهى إلى العقل العاشر فهو خلق الفلك التاسع ، وهول العناصر،

وتقريره إن العقل الأول المخلوق لله له ثلاث جهات: وجود من المبدأ الأول ، ووجوب بالنظر إلى المبدأ الأول ، وإمكان من حيث ذاته .

فكان بذلك الوجود سببا لعقل آخر وبذلك الوجوب سببا لنفس فلك ، وبذلك الإمكان سببا لجسم فلك ، وعلى هذا النهج يصدر من العقل الثاني إلى العقل العاشر .

وذهب ثاليس الملطي إلى إن أول المخلوقات الماء ، وذهب بليناس الحكيم إلى إن الله لما أراد إن يخلق الخلق تكلم بكلمة فكانت تلك الكلمة علة الخلق ، وحدث بعد هذه الكلمة العقل ، فدل بالفعل على الحركة ، ودلت الحركة على الحرارة ، والذي دلت عليه الروايات الصحيحة الكثيرة ، إن أول مخلوق هو نور محمد المصطفى (ص) ، ودل على ذلك العقل السليم ، فان العلة في الاشرفية وكثرة الاعتناء والاحبية إلى الله توجب التقدم في الخلقة ، وفي بعض الروايات نوره ونورهم .

وإذا قد تحقق إن الحق هو إن أول المخلوقات هو نور النبي (ص) أو نوره وأنوارهم ، فعلى كلا التقديرين (نقول) إن أول المخلوقات هو نور الحسين (ع) لان النبي (ص) قال : ( حسين مني وأنا من حسين ) وفي رواية أخرى (أنا من حسين وحسين مني ) فهو أول مخلوق وأول ما صدر عن الأول .

فكل مخلوق تابع له فلا غرور أن يبكيه كل مخلوق ، فإذا قلنا بكاه كل مخلوق فلا تتوهم إنه مبالغة ، أو استعارة تمثيلية أو خيال أو بكاء بلسان حال ، أو فرض أو تقدير ، لا بل ذلك حقيقة في الباكين من جميع الموجودات ، من نبي أو ملك أو فلك أو انس أو جن أو شيطان أو شمس أو جنة أو قمر.

لا أقول في هذا العالم فقط بل شموس جميع العوالم وأقمارها وسمأواتها وأراضيها وسكإنها، ففي الرواية : خلق الله ألف ألف عالم وألف ألف ادم وانتم آخر العوالم والآدميين .

وهكذا بكاء كل شيء بكاء حقيقي وان كان في كل بحسبه ، وليس مرادي من بكاء كل شيء بكاؤه بعد قتله فقط ، فان بيان ذلك له أبواب على حدة تذكر بعد باب شهادته ، بل المراد بكاء كل شيء عليه قبل قتله ، كما في زيارة شعبان ، مروية عن القائم صلوات الله تعإلى عليه ، ( بكته السماء ومن فيها والأرض ومن عليها ولما يطأ لابتيها )* أي: مثنى لابة وهي الأرض ذات الحجارة السوداء وليس المراد من بكاء كل شيء عليه قبل قتله حصول ذلك ، في الجملة ، بل أقول : إنه حيث خلق أول ما خلق مظهرا للخشوع والخضوع ، فكل خضوع وانكسار في العالم فله وبه والذي هو في باطنه وحقيقته لله تعإلى وحده الحي القيوم ، و كما قال الحكماء المحققين :

كل انكسار وخضوع به وكل صوت فهو نوح الهواء

وليس مرادي من بكاء كل شيء على قتله إن ما قتل به خارج عن ذلك ، لإنه المبكي عليه .

بل أقول كما قال ذلك الحكيم في قصيدته :

السيف يفري نحره باكيا *** والرمح ينعى قائما وينثني

فالنبل يصيبه ويبكي *** والرمح شائل للرأس يبكي

وليس مرادي من بكاء كل شيء على قتله - إن قتلته خارجون عن ذلك - بل هم بوجودهم العام وماهيتهم يصيبهم الانكسار ويبكون عليه بحقائقهم وفطرتهم ، ولكن بمقتضى صفات أفعالهم الاختيارية التي بها خلدوا في النار ، لا يبكون إلا إذا غفلوا ، فيبكون البكاء الظاهري الاختياري كمعرفة الله تعإلى بالنسبة إلى الذين ( جحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلواً ) فكما إن الزنادقة والدهرية إذا غفلوا عن مقتضى عنادهم وجحودهم نطقوا بالتوحيد ، فكذلك أعداؤه وقاتلوه إذا غفلوا يبكون عليه سلام الله عليه ، بل إذا لم يغفلوا ولاحظوا عدأوته وأرادوا قتله وسلب عياله غلبهم البكاء بلا اختيار ، كما ظهر ذلك من حالة ابن سعد حين أمر بقتله ، وحالة السالب لقرطي فاطمة بنت الحسين (ع) ، وحالة يزيد لعنه الله لما أراد الاسارى فرّق لهم ، وقال : قبّح الله ابن مرجانة .

المقصد الثاني :

خصائص نوره بعد خلقه إلى حين ولادته

إعلم إن الله جل جلاله لم يزل متفردا ، ولم يكن مخلوق ولا زمان ولا مكان ، فلما ابتدأ بخلق أفضل المخلوقات واشتق من نوره نور عليا وفاطمة والحسن والحسين (ع) ، جعل لهم محالا متعددة وعوالم مختلفة ، كما يظهر من مجموع الروايات المعتبرة.

فمنها : قبل خلق الخلق
ومنها : قبل خلق آدم (ع)
ومنها : بعده(ع)

أنوارا تارة ، وأشباح نور تارة ، وظلالا تارة وأنوارا في الجنة تارة ، وعمود نور اُقذف في ظهر ادم (ع) تارة ، وفي أصابع يده أخرى وفي جبينه أخرى ، وفي جبين كل من الأجداد من ادم (ع) إلى والد النبي (ص) عبد الله بن عبد المطلب ، وفي جبين كل جدة عند الحمل ممن هو في ترائبها من حواء إلى أم النبي (ص) آمنة بنت وهب (ع) . ثم لنورهم محالا متعددة قدّام العرش ، وفوق العرش وتحت العرش وحول العرش ، وفي كل حجاب من الحجب الاثنى عشر ، وفي البحار وفي السرادقات ، ولبقائهم في كل محل مدة مخصوصة .

فمدة وجودهم قبل خلق العرش أربعمائة وعشرون ألف سنة ، وزمان كونهم حول العرش خمسة عشر ألف سنة قبل ادم (ع) ، وزمان كونهم تحت العرش إثنا عشر ألف سنة قبل ادم (ع) ، وليس المقام مقام هذه التفاصيل فإنه يحتاج إلى كتاب مستقل . إنما المقصود بيان خصائص الحسين (ع) في نوره ، وامتياز نوره من الأنوار في جميع هذه العوالم والحالات في الظلال والأشباح والذرات ، وحين تجسمه بالشجرة في الجنة ، والقرط في أذن الزهراء عليها السلام وهي في الجنة في إحدى هذه العوالم .

فنقول : إن هذه الأنوار في هذه العوالم مصدرها نور النبي (ص) وامتيازه كون نوره من نوره ، فإنه من حسين وحسين منه (ص) ، وحين افتراقهما كان لنور الحسين (ع) خصوصية في إن رؤيته كانت موجبة للحزن ، كما اتفق لآدم (ع) ، حين ظهرت الأنوار في أصابعه وكان نور الحسين (ع) في الإبهام ، وقد بقي هذا التأثير إلى الآن ، فان من غلب عليه الضحك ، إذا نظر إلى إبهامه غلبه الحزن .

واتفق لإبراهيم (ع) أيضا حين رأى الأشباح فكان شبحه في تلك العوالم ، كما إن التنطق باسمه وسماعه كان مورثا للحزن ، بل سوى ذلك فيما انتسب إلى نوره ، كما في حديث المسامير الخمسة ، التي أتى بها جبرائيل (ع) ليسّمر بها جوانب السفينة ، كل مسمار باسم واحد من الأنوار الخمسة (ع) فلما اخذ المسمار المنتسب إلى نور الإمام الحسين (ع) أشرق وأحس منه رطوبة بلون الدم ، فسأل عن ذلك ! فاُجيب بإنه مسمار الحسين (ع) ، وسبب ظهور الدم منه شهادته بالكيفية الخاصة .

ومن الخصوصيات لنوره (ع) : إن النور الذي كان يظهر على جبين الأمهات عند الحمل بأحد الأجداد للنبي (ص) وعلى جبين آمنة عند الحمل بالنبي (ص) ، فإنما ذلك لعدم كون أنفسهن من هذه الأنوار فإذا حملته ظهر أثره في الجبهة ، وأما إذا كانت الأم بذاتها من الأنوار ، فلا وجه لظهور النور ، ولا يظهر على الوجه بالخصوص نور زائد على ذلك ، فلم يظهر على جبهة الزهراء (ع) حين حملها بالحسين (ع) نور زائد على نور وجهها المبارك ، ولكن خصوصية الحسين (ع) إنها لما حملت بالحسين (ع) قال لها النبي (ص) " أني أرى في مقدم وجهك ضوء ونورا وستلدين حجة لهذا الخلق " ، وقالت عليها السلام : " إني لما حملت به كنت لا أحتاج في الليلة الظلماء إلى مصباح " فخصوصية نور الحسين (ع) إنه يظهر على النور أيضا ، ومن خصوصياته أيضا ، إنه يغلب النور أيضا ، ولذا قال من رآه صريعا وهو في الشمس نصف النهار حين قتله : والله لقد شغلني نور وجهه عن الفكرة في قتله .

ومن خصوصياته أيضا : إنه لا يحجبه حاجب ، كما قال ذلك القائل : أني ما رأيت قتيلا مضمخا بدمه * أي التلطخ بالطيب وغيره والإكثار منه ، أني ما رأيت مضمخا بالدم والتراب أنور وجها منه " فلم يحجب التراب والدم الذي علا على وجهه نوره الذي علا كل نور .

المقصد الثالث :

في خصوصيته بعد ولادته وأول محل حل فيه بعد الولادة ، يدا النبي المصطفى (ص) . فإنه كان واقفا بباب الحجرة ينتظر ولادته المباركة ، فلما سقط ساجدا لله تبارك وتعإلى نادى النبي (ص) يا أسماء هلمي إليّ ابني ، فقالت : إننا لم ننظفه بعد ، فقال : أنت تنظفيه ؟ إن الله قد نظفه وطهره ، فأتته به إليه في خرقة من صوف ، فأخذه بيده ونظر إليه وبكى ، وقال : عزيز عليّ يا أبا عبد الله ، ثم بعد ذلك كانت محاله كتف جبرائيل (ع) ، وعلى عاتقه تارة آخري ، وكتف النبي (ص) تارة ، وظهره تارة ، وصدره أخرى ، وعلى يده رافعا ليقبل فاه تارة ، ورافعا له يريه الناس أخرى ، وعلى هره وهو ساجد تارة ، وعلى يدي عليا وهو يمسكه والرسول يقبل جميع أعضائه تارة ، وكان آخر محل له صدر الرسول (ص) حين احتضاره ، ويقول (ص) : مالي وليزيد ، لا بارك الله في يزيد ....، اللهم صلي على محمد حبيبك وآله المعصومين .

المقصد الرابع :

خصوصية محله عند شهادته وخصوصية محله بعدها قبل أن يدفن، له في ذلك خصائص ، بالنسبة إلى كل نبي وإمام قتيل فان كل قتيل منهم قد قتل أو سم وهو في بيته ، أو في البلد ، أو في المحراب ، أو في الطشت ، ولم يتفق لأحد منهم القتل على التراب وما جرى في تفاصيل مقتله من مصائب ما أعظمها وأجلها . فله خصائص في محل جسده ، وهو إنه لما قتل رفع بجسده إلى السماء الخامسة ، ثم اُرجع إلى ارض كربلاء ، وبقي على الأرض طريحا ثلاثة أيام برمضاء كربلاء .

وله خصائص في محل رأسه : وهي إن له محالا كثيرة ، من كونه في الأيدي وعلى الرماح منصوبا ، وعلى الشجر معلقا ، وعلى باب دار زيد ، وعلى باب دمشق مصلوبا ، وفي الطبق عند ابن زياد ، وفي الطشت عند يزيد موضوعا ، ومن دورإنه في البلاد الكثيرة من كربلاء إلى الشام ، وقيل من الشام إلى مصر ، وقيل من مصر إلى المدينة ، ومن الشام إلى كربلاء ، أو من الشام إلى السماء .

المقصد الخامس :

خصوصية محله في برزخه في الحديث : " إنه في يمين العرش ينظر إلى مصرعه ومن حل فيه ، وينظر إلى معسكره وينظر إلى زواره وهو أعرف بهم وبأسمائهم وأسماء أبائهم وبدرجاتهم ومنزلتهم عند الله تعإلى من أحدكم ، وإنه ليرى من يبكيه فيستغفر له ، ويسأل أباءه أن يستغفروا له ، ويقول : أيها الباكي لو تعلم ما أعد الله لك لكان فرحك أكثر من جزعك " .

المقصد السادس

خصوصية محله في المحشر في الروايات : أن له مجلسا تحت ظل العرش خاصا به له خصوصية ، هي إن أهل مجلسه من الباكين عليه والزائرين له مستانسين بحديثه ، وهم آمنون ، وعند جلوسهم عنده ، يرسل إليهم أزواجهم من الجنة : إنا قد اشتقنا لكم ، فيأبون الذهاب إلى الجنة ، ويختارون حديث الحسين عليه السلام .

ثم إنه (ع) له موقف في المحشر خاص به يوجب اضطراب كل أهل المحشر ، وتشهق فاطمة الزهراء (ع) إذا نظرت إلى موقفه ذلك ، وهو حين يحشر قائما ليس عليه رأس ، وأوداجه تشخب دما وله تفصيل يذكر في محله .

المقصد السابع :

خصوصية محله في الجنة بعد يوم الجزاء اعلم أن لكل إمام محلا خاصا في الجنة ، وله (ع) مع ذلك درجات مخصوصة ، قد أخبره (ص) بها ، بقوله ( وإن لك في الجنان لدرجات لا تنالها إلا بالشهادة ) ، ومع ذلك فهو زينة لكل مواضع الجنة ، فكإنه في كلها وكلها له.

انتهى العنوان الأول

 

Description: C:\Users\f\Desktop\%D9%83%D8%AA%D8%A8 %D9%85%D8%B3%D8%AD%D9%88%D8%A8%D9%87\1\main\images\pa07.gif

 

العنوان الثاني

في صفاته وأخلاقه وعباداته العامة المطلقة

وليس المراد بيان صفات الإمامة فإنها مما لا تصل العقول إلى كنهها ، ولا يحيط ببيانها الأرقام ولا الأقلام ، ويلزم على كل مكلف معرفتها إجمالا للمعرفة بحق الأئمة (ع) ، ولا بيان محض صفاته الممتاز فيها أيضا

إنما المقصود بيان خصوصية في صفات خاصة
وعبادات خاصة وهي على قسمين :

الأول : صفات مطلقة ، وعبادات مطلقة له على مدة الحياة .
الثاني : خصوصية لتلك الصفات، وخصوصية للعبادة في يوم الطف فكل من هذين عنوان مستقل ، وهذا العنوان لبيان خصائصه الدائمة ، وخصوصيات له في صفات خاصة ثابتة له مدة عمره .

فنقول :

منها : إباء الضيم : فله نحو خاص به ، قال (ع) لما أرادوا منه النزول على حكم يزيد ، وابن زياد : " لا والله لا أعطيكم بيدي إعطاء الذليل ، ولا اقر إقرار العبيد. " بل يقال : انه سن اباء الضيم وأن أباة الضيم يتأسون به .

ومنها : الشجاعة : ولها كيفية خاصة به ، ولذا قيل : الشجاعة الحسينية ، فقد ظهرت منه في يوم الطف في حالته ، شجاعة ما ظهرت من احد أبدا ، ولم يتفق مثلها حتى لوالده الكرار (ع) ولا لغيره من المعروفين بهذه الصفة .

ومنها : العبادة : فله منها خصوصية هي أنه اشتغل بها في بطن أمه ، فكانت تسمع منه الذكر والتسبيح إلى إن رُفع رأسه على الرمح ، وسُمع منه الذكر وقراءة القران ، وهذه الخصوصية زائدة على ما قاله السجاد (ع) حين قيل ما اقلّ ولد أبيك ؟ قال : العجب كيف وُلدت له ، كان يصلي في اليوم والليلة ألف ركعة.

ومنها : مراعاة الحقوق : فقد علّم عبدالرحمن السلمي ولد الحسين عليه السلام سورة الحمد ، فلما قراءها على أبيه أعطاه ألف دينار وألف حلة وحشا فاه درا وقال : أين يقع هذا من حقه .

ومنها : العطاء للسائلين : فله (ع) خصوصية وهي الحياء عند العطاء ، فالناس تعرض لهم حالة رد السائل وهو (ع) له حالات عجيبة تعرض له عندما يريد أن يعطيه سؤله ، وتراه يرق على السائل بسبب الذل العارض له ، حين إعطائه له لا لفقره واحتياجه وصعوبة ذلك ، بل لأجل السائل وحيائه منه .

فمن ذلك قضية الأعرابي الذي سأله فدخل البيت وشد له أربعة آلاف درهم في ردائه فأخرجها له من شق الباب حياء من حين أراد إن يعطيه ثم انشد عليه السلام قائلا :

خذها فاني إليك معتذر*** واعلم باني عليك ذو شفقة

لو كان في سيرنا الغذاة عصا*** أمست سحابا عليك مندفقة

لكن ريب الزمان ذو غيّر*** والكف مني قليلة النفقة

ومن هذه الخصوصية : أنه أعطى لسائل أتى إليه ألفا فأخذها ينقدها فقال الخازن : بعتنا شيئا ؟ قال : ماء وجهي فقال الحسين عليه السلام صدق ، أعطه ألفا وألفا وألفا ، الأول لسؤالك ، والألف الثاني لماء وجهك ، والألف الثالث ، لأنك أتيتنا وأعطاه رجل رقعة فقال له : حاجتك مقضيه قبل قراءتها . فقيل له : هلا رأيت ما فيها ! قال عليه السلام : " يسألني الله تعالى عن وقوفه بين يدي حتى أقراها " وهذه الصفة الخاصة قد بلغت فيه بحيث انه يستحي من ذل الجاهل حين يريد أن يعلمه ، لا محض ذل السائل حين يريد أن يعطيه .

كما ورد في الرواية : انه رأى رجلا لا يحسن الوضوء ، فأراد أن يعلمه فاستحى من ذله حين يتعلم ، فقال لأخيه ، نحن نتوضأ قدامه ثم نسأله أي الوضوءين أحسن ؟ ففعلا ذلك ، فقال الإعرابي : كلاكما تحسنان الوضوء ، وأنا الجاهل الذي لا أعرف .

ومنها : رقة خاصة له على أهل الهموم والغموم : حتى انه دخل على أسامة بن زيد وهو محتضر ليعوده ، فتأوه أمامه ، فقال : واغماه ، فقال (ع) ما غمك يا أخي ؟ فقال : ديّن علي ستون ألفا ، فقال (ع) : علي قضاؤها ، قال : أحب أن لا أموت مديونا ، فأمر عليه السلام بإحضار المال ودفعه إلى غرمائه قبل خروج روحه .

ومنها : الصدقات : فقد تحققت منه خصوصية فيها ، ما سمعتها من غيره ، وذلك إنهم رأوا في ظهره يوم الطف ثفنات ، فسئل السجاد (ع) عنها ، فقال (ع) " إن ذلك مما كان ينقله في الليل على ظهره للأرامل والأيتام المساكين ، قال الراثي:

وان ظهرا غدا للبر ينقله
سرا إلى أهله ليلا لمكسور

ومنها : شدة عزم وحزم خاص في التخليص من عذاب الله : ولذا اختار اشد التكاليف ليفوز بدرجة خاصة تؤثر شفاعته في المستوجبين للعقاب ، وليس مقصودي بيان ذلك خاصة، إنما غرضي كيفية اهتمامه بذلك حتى في حفظ أعدائه عن ذلك بالسعي في رفع العذاب عنهم ، حتى أنه لما أتى إليه من أتى لقطع الرأس تبسم (ع) في وجهه ثم وعظه ، وإذا رأى أنه لا يفيد فيهم التخليص الكلي كان يسعى لهم في التخفيف ، كما في قضية هرثمة بن أبي مسلم لما لم تنجع فيه الموعظة ، قال : فامض حيث لا ترى لنا مقتلا ، ولا تسمع لنا صوتا ، وكذلك للجعفي ، كما سيجيء .

ومنها : شدة خوفه من ربه تبارك وتعالى : ولقد كان بحيث إذا توضأ ، تغير لونه وارتعدت مفاصله ، فقيل له في ذلك ، فقال (ع) : حق لمؤمن يقف بين يدي المالك القهار أن يصفر لونه وترتعد مفاصله ، وقد تعجب الناس الذين شاهدوا حالته من شدة خوفه حتى أنهم قالوا : ما أعظم خوفك من ربك ، فقال (ع) : " لا يأمن يوم القيامة إلا من خاف الله في الدنيا "

أقول : فانظر إلى سيد الشهداء يريد الوضوء لعبادة الله كيف ترتعد فرائصه ويصفر لونه ، ونحن نشتغل بالكبائر الموبقة ، ولا يحصل لنا اضطراب بوجه من الوجوه ، فكيف ندّعي إن لنا في الحسين (ع) أسوة ، وهو يرتعد عند أفضل العبادادت ، ونحن لا تأخذنا أدنى واهمة عند اشد المعاصي ، ولا حول ولا قوة إلا بالله .

ومن صفاته الخاصة : مدحه بالنسبة إلى المادحين ، فنقول ، قد مدحه الله تعالى في كتابه العزيز بمدائح : منها - انه النفس المطمئنة ، فكما هو متعارف عند الروايات انها نزلت في امامنا الحسين عليه السلام وانه من أبرز مصاديقها كما انها سورة امامنا الحسين عليه السلام ( يا أيتها النفس المطمئنة ) .

ومنها : انه كفل من رحمته ( اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ) .

ومنها : انه من أعلى أفراد الوالد الذي قضى ربك بالإحسان إليه ( وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا ) ، فهل أحسنت إلى هذا الوالد يوما ؟ ..

ومنها : انه قتل مظلوما غريبا ) ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا ) .

ومنها : انه ذبح عظيم ) وفديناه بذبح عظيم ) ومنها : ( كهيعص ) .
وقد سماه بأسماء :

الأول : الفجر، ( والفجر)
الثاني : الزيتون ، (والتين والزيتون )
الثالث: المرجان ، ( يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان )

وقد كتُب مدحه عن يمين العرش : " إن الحسين مصباح الهدى وسفينــة النجــاة " .. وقد مدحه في الأحاديث القدسية بمدائح :

منها :

ما في حديث وضع اليدين قال تعالى : " بورك من مولود عليه صلواتي ورحمتي وبركاتي " وقد وصفه بأنه : " نور أوليائي وحجتي على خلقي والذخيرة للعصاة " .. كما سيجيء تفصيله في عنوان الألطاف الخاصة .

وقد مدحه رسول الله المصطفى (ص) بمدائح عجيبة:

منها :

انه صلوات الله تعالى عليه وآله قال له يوما : مرحبا بك يا زين السموات والأرض ، وقال أبي بن كعيب : وهل غيرك زين السموات والارض ؟

قال (ص) : يا اُبي والذي بعثني بالحق نبيا إن الحسين بن علي (ع) في السموات أعظم مما في الأرض ، وقد كتب الله في يمين العرش :" إن الحسين مصباح الهدى وسفينة النجاة " ثم اخذ بيده وقال : أيها الناس هذا الحسين بن علي فاعرفوه وفضّلوه كما فضّله الله تعالى " ،، إلى غير ذلك من الأحاديث والروايات الكثيرة المستفيضة .

وقد مدحه جميع الأنبياء والملائكة ، وعباد الله الصالحين ، لكن خصوصيته في الممدوحية انه ممدوح الأولياء ، والأعداء . فقد اختص بمدح أعدائه له ، فقد مدحه معاوية في وصيته ليزيد ، ومدحه بن سعد في بعض أبياته ، ومدحه قتلته حين وقفوا لمبارزته وأشهدهم ، ومدحه شمر قاتله حين قال له : كفء كريم ليس القتل بيده عارا ، ومدحه سنان حين اشتغل بقتله فقال:

أقتلك اليوم ونفسي تعلم علما يقينا ليس فيه مكتم

ولا مجال لا ولاتكتم إن أباك خير من تكلم

ومدحه رافع رأسه حين جاء به إلى ابن زياد

فقال :

املأ ركابي فضة أو ذهبا إني قتلت السيد المحجبا

قتلت خير الناس أما وأبا وخيرهم إذ ينسبون نسبا

وقد مدحه يزيد في مجلسه حين دخلت عليه هند زوجته في مجلس عام حاسرة ، فغطاها فقال لعنه الله تعالى : اذهبي وابكي واعولي على الحسين صريخة قريش ، فقد عجل عليه ابن زياد ، * المصدر : مقتل الخوارزمي 2:74

فإذا كان قول عدوه الفاسق الفاجر يزيد : اعولي عليه فما بالكم ساكتون عن البكاء ، أما تنادون بالعويل على سيد شباب الجنان!

خاتمة * هذه نبذة من أوصافه ومدائحه ، وقد حاولت أمرا صعبا وأنى لي بمعرفة من قال (ص) في حقه بعد جميع ما تبين :

" اعرفوه وفضلوه كما فضله الله تعالى "

فلنقتصر على ذكر صفة خاصة من خصائصه ، وهي من فروع جميع الأضداد في صفاته ، وتلك الصفة الخاصة انه (ع) : موجب للحزن والسرور ، وانه سبب الأسف وسبب الفرح ، بيان ذلك : انه حيث كان سبب الحزن لكل مؤمن بالله تعالى ، ومن أول خلقه إلى يوم البعث لأسباب كثيرة قد اشرنا إلى بعضها ، وسنذكرها بل وقد صار سببا للحزن لأهل تلك النشأة التي هي ليست بدار حزن ، فجعله الله تعالى سبب الفرح والسرور لكل مؤمن جبرا له وفطرة ، وذلك بأن الله تعالى خلق الجنة والحور من نوره حين الاشتقاق من الأنوار كما في رواية عن انس بن مالك عن النبي المصطفى (ص) قال : " إن الله تعالى خلقني وخلق عليا وفاطمة والحسن والحسين قبل أن يخلق ادم حين لا سماء مبنية ولا ارض مدحية ولا ظلمة ولا نور ولا شمس ولا قمر ولا جنة ولا نار."

فقال العباس : كيف كان بدءُ خلقكم ؟ فقال (ص) : يا عم لما أراد الله تعالى أن يخلقنا تكلم بكلمة ، خلق منها نورا ، ثم تكلم بكلمة أخرى خلق منها روحا ، ثم مزج النور بالروح فخلقني ، وخلق عليا وفاطمة والحسن والحسين ، فكنا نسبحه حين لا تسبيح ونتقدسه حين لا تقديس " ، فلما أراد الله تعالى أن ينشيء خلقه فتق نوري فخلق من العرش ، فالعرش من نوري ، ونوري من الله ، ونوري أفضل من العرش ، ثم فتق نور أخي ، فخلق منه الملائكة فالملائكة من نور علي ، وعلي أفضل من الملائكة ، ثم فتق نور ابنتي الزهراء ، فخلق منه السموات والأرض ، فالسموات والأرض من نور ابنتي فاطمة ، ونور ابنتي فاطمة من نور الله تعالى ، وابنتي فاطمة أفضل من السموات والأرض ، ثم فتق نور ولدي الحسن ، فخلق الشمس والقمر من نور ولدي الحسن ، ونور الحسن من نور الله تعالى ، والحسن أفضل من الشمس والقمر ، ففتق نور ولدي الحسين ، فخلق منه الجنة والحور العين ، فالجنة والحور العين من نور ولدي الحسين ، ونور ولدي الحسين من نور الله تعالى ، وولدي الحسين أفضل من الجنة والحور العين . "

والحسين عبرة كل مؤمــــن ، وفرحة كل مؤمـــن ، ومن العجائب : في هذه الخصوصية انه سبب الفرح به وهو الجنة والحور العين - قد صار سببا لعروض الحزن لها - فهو سبب الحزن حين تسبب السرور ، فان الجنة قد بكت عليه لما وقع طريحا ، والحور العين قد لطمت عليه في اعلي عليين . وأعجب من ذلك : انه حيث صار سببا لحزن الجنة ، صار سببا لفرجها أيضا ، فإنها قد طلبت من ربها إن يزينها فزّين الله تعالى أركانها بالحسن والحسين عليهما السلام ، فماست كما تميس العروس فرحا ، والحمد لله رب العالمين

انتهى العنوان الثاني

 

Description: C:\Users\f\Desktop\%D9%83%D8%AA%D8%A8 %D9%85%D8%B3%D8%AD%D9%88%D8%A8%D9%87\1\main\images\pa07.gif

 

العنوان الثالث

في خصائص صفاته واخلاقه وعباداته يوم عاشوراء

لهذه الخصائص خصوصية ظهرت في صفاته وعباداته يوم عاشوراء بالخصوص ، وهي منشأ جميع الخصائص ، ألا وهي امتثاله لخطاب خاص به من الله تعالى قد امتثل بعبادة خاصة به في يوم واحد ، وتحققت بالنسبة اليه ألطاف خاصة في مقابل اجزاء تلك العبادة او لنقل العبودية للرب .

وهي عبادة ما تحققت من احد قبله ، ولا تحصل لاحد بعده ، وهي عبادة جامعة لما يتصور من العبادات البدنية الواجبة والمندوبة ، ظواهرها وبواطنها ، روحها وصورتها ، واتى بأكمل افراد كل واحد منها .

فعَبَد الله تعالى بجميع مفردات تلك الكلمة وتراكيبها ، وبهيئة اجتماعها في ظرف يوم واحد ، واظهر مع ذلك فيه جميع مكارم الاخلاق والصفات الحسنة ، متلائمها ومتضادها ، بأكمل افرادها ، واضاف الى ذلك تحمل اعظم الشدائد والابتلاء الحاصل لكل مبتلى ، والصبر عليها بأكمل انواعه ، بل الشكر عليها بأكمل وجوهه ، وحازت هذه العبادات من كل مزية وخصوصية موجبة للفضيلة ازكاها واسناها ، وزادت على ذلك كل خصوصية للعبادة في الشدة التي هي من خصوصيات بعض الانبياء (ع ( والذين باهى الله تعالى بهم ملائكته .

لذلك حصلت له من جميع ذلك خصوصية عبادة لم يكن له شريك فيها ، وبسببها اختص بنداء خاص بقوله عز وجل : " يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية" ، واختص برضاه عن ربه تعالى ورضاه عنه "راضية مرضية " ، واختص بعبودية خاصة وجنة خاصة منسوبة الى الله تعالى (فادخلي في عبادي وادخلي جنتي ) فلنشرع في تفصيل هذه العبادة بعون الله تعالى .

فنقول : اعلم ان الله جل جلاله كلّف عباده بحسب مراتبهم ، ودرجاتهم ، ومصالحهم ، فجعل لكل نبي شرعة ومنهاجا له ، ولأمته ، ولكل منهم خصائص بالنسبة الى اوصيائهم،

كما جعل الله تعالى الملة الحنيفية السمحة السهلة لنبينا محمدا المصطفى صلوات الله عليه وآله ، ولكن جعل له خصائص كثيرة تبلغ احدى وعشرين او ازّيد، وجعل لاوصيائه (ع) بالنسبة الى ما يتعلق بامامته ودعوته الى الدين احكاما خاصة مثبتة ، ( في صحف مكرمة . مرفوعة مطهرة . بايدي سفرة . كرام بررة ) فجعل لكل واحد في ذلك تكليفا خاصا بيّنه لهم في صحيفة مختومة باثنتي عشرة خاتما من ذهب لم تمسه النار جاء بالصحف جبرئيل (ع) الى النبي (ص) قبل وفاته .

وقال : يا محمـد ! هذه وصيتك الى النخبة من اهل بيتك ، قال (ص) : ومن النخبة ؟ قال (ع) : علي بن ابي طالب ووُلده ، فدفعها النبي (ص) الى سيد الوصيين عليا (ع) وامره ان يفك خاتما منها ، ويعمل بما فيه ، ثم دفعها الى ابنه الحسن (ع) ففك خاتما فعمل بما فيه ، ثم دفعها الى اخيه الحسين (ع) ففك خاتما، فوجد فيه : ان اخرج بقوم للشهادة ، لا شهادة لهم الا معك ، واشرِ نفسك لله تعالى . اي بمعنى : بع نفسك لله ، ثم دفعها الى علي بن الحسين صلوات الله عليهما ففك خاتما فوجد فيه : اطرق واصمت والزم منزلك واعبد ربك حتى يأتيك اليقين.

ولما كان من التكليف المختص بالحسين (ع) " بع نفسك" والمراد به في خصوص يوم القتال ، فلا بد ان يجمع في ذلك اليوم بين كل عبادة بدنية وقلبية وفعلية وتركية ، واجبة ، ومستحبة بانواعها واقسامها واصنافها ، واشخاصها ، المشتركة بين وبين غيره ، والمختصة به (ع) ، فاستحق المعاملة الكلية مع الله تعالى ، وان يعطيه كل ما يمكن ان يعطيه المخلوق ، وقد فعل ذلك .

وحصلت له بإزاء ذلك الطاف خاصة جليلة ، وخفية ، وتفصيل هذه المعاملة ، وبيان هذه العبادة ، إنما يتحقق بأن نعنون للعبادات والأخلاق على نحو ما في كتب الفقه ، ثم نذكر كيفية تاديته لها ، ثم بعض خصوصيات جمعها وتركيبها.

كتاب العبادات البدنية الواجبة

 وفيه أبواب :

الأول : باب الطهارة الظاهرية العامة : فقد اغتسل ليلة شهادته بماء اتى به ولده علي مع علمه بانهم يضطرون اليه ، وهذا من خصائصه فاختص بالجمع بين اقسام الطهارات ، ثم تطّهر بطهور خاص : هو دم قلبه فتوضأ منه بغسل الوجه ، ثم اغتسل غسل ترتيب بدمائه ، فغسل بها رأسه ثم بدنه ثم ثم غسل بها غسل ارتماس تارة اخرى .

واما الباطنية الخاصة : فقد توضأ في يوم العاشر بوضوء خاص ، فملأ كفه من بعض دمائه وغسل بها وجهه وخضبه ، ثم تيمم صعيدا طيبا مباركا فمسح به وجهه واضعا عليه جبهته حينما تهيأ لتسليم ما باعه لله تعالى.

الثاني باب الصلاة : في الزيارة الجامعة ورد : واقمتم الصلاة ، وفي زيارة الحسين (ع) بالخصوص : واقمت الصلاة ، فله اقامة الصلاة المختصة به ، فقد صلى في ذلك اليوم بأربعة أقسام من الصلوات.

القسم الاول : الوداع لصلاة الليل ، وهي التي لها استمهل القوم ليلة عاشوراء.

القسم الثاني : صلاة الظهر في ذلك اليوم على طريقة صلاة الخوف ، بنحو خاص به غير صلاة عسفان وذات الرقاع وبطن النخل * عسفان اي : موضع بين مكة والمدينة ، وذات الرقاع : مخازن بنجد كانت تمسك الماء لبني كلاب ، وبطن النخل : قرية قريبة من المدينة على طريق البصرة.

القسم الثالث : روح الصلاة من اسرار افعالها واقوالها وكيفيتها على ما هو مذكور في كتاب الصلاة.

القسم الرابع : صلى صلاة خاصة به بتكبير خاص وقراءة خاصة وقيام خاص وركوع خاص وسجود وتشهد وتسليم ، احرم لها حين نزل من الفرس وقام حين وقف راجل، وركع حين كان ينوء اي : ينهض ويقوم ، ويكبو اي : يسقط ، وقنت بقوله :

اللهم متعال المكان ، عظيم الجبروت ، شديد المحال ، غنيا عن الخلائـــق ، عريض الكبرياء ، قادرا على ما تشاء ، قريب الرحمة ، صادق الوعد ، سابغ النعمة ، حسن البلاء ، قريبا اذا دعيت ، بمحيطا بما خلقت ، قابل التوبة لمن تاب اليك ، قادرا على ما اردت ، ومدركا ما طلبت ، شكورا اذا شكرت ، وذكورا اذا ذكرت ، ادعوك محتاجا وارغب اليك فقيرا ، وافزع اليك خائفا ، وابكي اليك مكروبا ، واستعين بك ضعيفا واتوكل عليك كافيا ، احكم بيننا وبين قومنا فانهم غرّونا ، وخدعونا وخذلونا وغدروا بنا ، وقتلونا ونحن عترة نبيك ، وولد حبيبك (ص) الذي اصطفيته بالرسالة ، وائتمنته على وحيك ، فاجعل لنا من امرنا فرجا ومخرجا ، برحمتك يا ارحم الراحمين "

ثالثا : باب الصوم : قد وقع التكليف به مختلفا ، وهو اثنا عشر قسما ذكرتها في فصل مستقل ، واعلاها صوم الحسين (ع) ، فقد اتى بصوم امسك فيه عن الطعام وشرب الماء .

واضاف اليهما الامساك عن جميع علائق القلوب والابدان ، ولذا جعل الله تعالى لصومه افطارا خاصا اهداه اليه على يد نبيه صلى الله عليه وآله وسلم ، وهو منتظر لوقت الافطار ، كما اخبره به ولده علي الاكبر عليه السلام ، وقال : هذا جدي بيده كأس مذحورة لك.

رابعا : باب الجنائز : يجب تجهيز الاموات وتغسيلهم وتكفينهم وتحنيطهم الوصلاة عليهم ، الا الشهيد في المعركة ، فيجب الصلاة عليه ودفنه بثيابه ، ويستحب التشييع لجنائزهم وحملها ، والتربيع في حملها ، وغير ذلك ، الا الحسين (ع) لم يتمكن من الواجبات ، ولعله اتى بأقل الواجب من الصلاة حسب الامكان ، واما الدفن فروي انه (ع) حفر لرضيعه بسيفه فدفنه ، لنكات :

الاول : التمكن منه وحده
الثاني : ان لا يقطع رأسه
الثالث : ان لا يبقى مطروحا ثلاثة
الرابع : ان لا يرض بحوافر الخيول
الخامس : عدم القدرة على النظر اليه

ولا ننسى انه روي ان اكثر من رضيع للحسين قتل يوم الطف ، نعم قد فعل ما تمكن منه ، من حمل الاجساد وجمعها ووضع بعضها على بعض ، فاذا وجد من يحمل الجنازة معه فعل ، ومع عدم الوجدان كان (ع) يحمل بنفسه ويشيع ويربع.

خامسا : باب الزكاة والصدقات : فقد ادى زكاة البدن ، وزكاة المال ، لا العشر وربع العشر ، بل جميعه حتى الثوب العتيق الذي لا قيمة له ، ودفع ليلة عاشوراء اثوابا قيمتها الف دينار لفك الرقاب ،وهو كما ورد في اللهوف لابن طاووس 41.

سادسا : باب الحج : قد امتاز حجه من عباداته بخصوصيات ، سنذكرها في عنوان ما يتعلق منه ببيت الله ان شاء الله تعالى.

سابعا : باب الجهاد : في زيارة الجامعة ، وجاهدتم في الله حق جهاده ، وفي زيارة الحسين (ع) بالخصوص: اشهد انك قد جاهدت في الله حق جهاده ، نعم له خصوصية (ع) في الجهاد فاُمر بجهاد خاص في احكامه لم يؤمر به احد قبله.

وذلك من وجوه :

الاول : ان من شرائط الجهاد في اول الاول ان يكون الواحد بعشرة لا اكثر ، فيلزم ثبات كل واحد في مقابل عشرة من الكفار ، ثم خفف الله تعالى عنهم ، وعلم ان فيهم ضعفا فجعل شرط الوجوب ان يكون الواحد باثنين ، فلم يوجب الجهاد اذا كان عدد العدو عشرة اضعاف المجاهدين ، ولكن قد كتب عليه القتال وحده في مقابل ثلاثين ألفا او اكثر .

الثاني: انه لا جهاد على الصبيان ولا على الهرم ، وهو الشيخ الكبير ، وقد شرع الجهاد في واقعته على البيان مثل القاسم (ع) وابن العجوز سلام الله عليهما ، بل على مثل عبدالله بن الحسن (ع) وعلى الشيخ الكبير كحبيب بن مظاهر سلام الله عليه .

الثالث: ان لا يظن الهلاك ، ولكنه (ع) قد علم بأنه يقتل ، فقال لاصحابه : اشهد انكم تقتلون جميعا ولا ينجو احد منكم الا ولدي علي .

ثم ان اعداءه خالفوا في سلوكهم معه حتى الاحكام التي جعلها الله تعالى للقتال مع الكفار وهي كثيرة . منها : عدم القتال في الشهر الحرام ، ولكنهم قاتلوه فيه . ومنها : ان لا يقتل صبي ولا امراة من الكفار ، ولكنهم قتلوا منه صبيانا بل رضعا ، فرضيعا حين اراد تقبيله ورضيعا حين اراد منهم ان يسقوه . ومنها : ان لا يحرق زرعهم ، وقد احرقوا بعض خيامه اثناء حياته ، وأرادوا حرقها مع من فيها فخاب كيدهم ولكنهم احرقوا بعضها الاخر بعد قتله . ومنها ان لا يهجموا دفعة اذ الشرط الوحدة في المبارزة ، ولو مع الكفار. ومنها : ان لا يبدؤا في الهجوم قبل الظهر بل العصر حتى لا تطول المقاتلة ، ويحول الليل بينهم لئلا يستأصلوا . ومنها : ان لا ينقل رأس من المعركة كما جاء في كتاب المبسوط للشيخ السيوطي 2:33 ، وقيل انه يكره نقل رؤوس الكفار الا مع نكاية بهم ، فأصل قطع راس الكافر جائز ونقله في ارض المعركة جائز ، ولكن لا يجوز ان ينقل من الميدان ومحل الحرب الى مكان اخر. ومنها : ان لا يسلب كبير الكفار إلا اذا قتل .

حتى ان عليا (ع) لما قتل عمرا وهو الكفر كله ، لم يسلب منه حتى درعه الذي لم يكن له نظير في ذلك الزمان على ما قيل ولم يكن من لباسه وقد سئل (ع) عن ذلك فقال : انه كبير قوم ولا احب هتك حرمته .

وذلك حينما قال المصطفى (ص) فيه : برز الايمان كله الى الشرك كله ، وبذلك فرحت اخته لما رأت اخاها غير مسلوب ، وعلمت ان قاتله علي عليه السلام ، فكان فرحها لشيئين : احدهما : ان قاتله كفء كريم ، وشخص جليل لذا قالت : لو ان قاتل عمر غير قاتله لكنت ابكي عليه أخر الابد، وثانيها : انه (ع) قد احترمه بعدم سلب درعه ، لذا قالت : " لا رقأت دمعتي ان اهرقتها " ، تعني ان سروري باحترام قاتلك لك قد انساني مصيبة فتلك فلا ابكيك ، بل يقال انها هلهلت فرحا ، وقالت : يا اخي عشت طويلا جليلا مكرما ، وقتلت بيد جليل محترما ، ثم انشدت :

لكن قاتله من لا يعاب له وكان يدعى قديما ببيضة البلد .

فما ادري لو كان قاتل اخيها ابن راعية معزى ، ابقع ابرص من ارذل الناس ، فما كانت تصنع ؟!

ومنها : ان لا يمّثل بقتيل من الكفار حتى ان امير المؤمنين (ع) نهى عن المثلة بأشقى الاشقياء من الاولين والاخرين ، وهو ابن ملجم ، فقال عليه السلام :

اذا متُ فلا تمثلوا به بعدي . وهذا الحكم ثابت عند الكفار، وعبدة الاصنام ايضا في الجاهلية . حتى بالنسبة الى المسلمين الذين قـُتلوا فإن ابا سفيان لما وقف يوم اُحد على الشهداء ، بعد فرار المسلمين في الاطراف ، ورأى جسد الحمزة ، جاء اليه ووضع الرمح على فمه وضعاً وشمت بقتله .

وقال : ذق يا شاق يا عاق .

لكن لما رأى المثلة في اصابعه ، وبطنه واخراج كبده ، صاح بأعلى صوته : يا اتباع محمد ان قتلانا في قتلاكم مثلة ، والله ما امرت بهذا ولا رضيت به .

ولكن قد امر بأعظم المثلة دعيُ ابي سفيان ، فكتب الى بن سعد : " اذا قتلت حسينا (اركب ) الخيل ظهره وصدره .!

ولست ارى ان هذا يضر بعد الموت شيئا ، لكن على قول قد قلته : لو قتلته لفعلت هذا به . " ومنها : الا يُمر بنساء الكفار اذا اسرن على رجالهن القتلى ، ولذا عاتب المصطفى (ص) بلالا حين مر بصفية ، اسيرة على قتلى اليهود ، حتى ارتجف وارتعدت فرائصه ، ولكن عظمة المصيبة بالنسبة الى سبايا آل محمد (ص) ليست في مجرد المرور بهن على قتلاهن مضرجين بالدماء ، بل في اصطحابهن لقتلاهن اياما كثيرة ، تزيز على الشهر ، وكون رؤوس القتلى بمنظرهن . ومنها : ان النساء من الكفار اذا اُسرن واسترققن وكنّ من بنات السلاطين فلا يعرضن للبيع في الاسواق ، ولا يوقفن في المجالس ، ولا تكشف وجوههن كسائر نساء الكفار ، ولكن روي عن الباقر (ع) : انه جيء بسبايانا الى الشام مكشفات الوجوه .

فقال اهل الشام ما رأينا سبايا احسن وجوها من هذه السبايا ومع ذلك فقول الشامي ليزيد : هب لي هذه الجارية ، يقرع الكبد اكثر من العرض للبيع ثامنا : باب الامر بالمعروف والنهي عن المنكر : له (ع) من ذلك قسم لم يكلف به غيره حتى انه تبسم في وجه قاتله ووعظه لما اراد قتله ، ووعظ رأسه الشريف الراهب ودعاه الى الحق فأسلم على يديه .

كتاب العبادات المستحبة

اولا : باب سقي الماء : والظاهر انه مستحب حتى للكفار في حال العطش ، والبهائم وواجب في بعض الاوقات ، واجره اول اجر يُعطى يوم القيامة كما ورد في كتاب من لا يحضره الفقيه 36:2 وقد تحققت منه (ع) انواع السقي كلها حتى السقي للمخالفين له والسقي لدوابهم بنفسه النفيسة ، وسقي ذي الجناح فقال : اشرب وانا اشرب وحصلت منه انواع الاستسقاء كلها حتى بحفر البئر بيده الشريفة ، وبالسؤال منهم بلسانه وبرسوله مقللا لكميته حتى بلغ السؤال لقطرة ايضا.

ثانيا : باب الاطعام : " في يوم ذي مسغبة ، يتيما ذا مقربة ، او مسكينا ذا متربة " ، وكفى في فضله ان الخلاص من العقبة قد حمل عليه في الاية الشريفة ، والحسين (ع) لم يتمكن من هذه العبادة بالخصوص مع ان يوم عاشوراء علاوة انه كان يوما ذا عطش فقد كان يوما ذا مسغبة ايضا.

ان الطعام كان مفقودا عندهم في ذلك اليوم ، ولذا قال السجاد عليه السلام : قتل ابن رسول الله جائعا ، قتل ابن رسول الله عطشان " ، لكن من جهة شدة العطش لم يتحقق ذكر الاستطعام ، لانه مذلة عظيمة لا تتحملها النفوس الأبية ، بل وتستنكف الإطعام وان حصل بدون استطعام في هذه الحالة .

ولذا لما اطعم اهل الكوفة الاطفال التمر والجوز صاحت بهم ام كلثوم (ع) " يا اهل الكوفة ان الصدقة علينا حرام ، واخذت هي وزينب ما في افواه الاطفال ، ورمته اليهم . فإن الطعام في هذه الحالة صدقة فيها اهانة وذلة ، فيحرم عليهم وان لم يكن زكاة .

ثالثا : باب ملاطفة الاباء اولادهم : فانه مستحب ، ولتفريح البنات خصوصية في الفضيلة ، وقد تحقق ذلك منه بأحسن وجوهه ، وذلك بتسلية ابنته الصغيرة سكينة (ع) ، بتقبيل وجهها ومسح رأسها وتسليتها فما ازدادت الا غصة وحزنا.

رابعا : باب رد العادية واغاثة الملهوف : له من هذين المستحبين ما لم يتحقق لغيره منذ صارا من المستحبات ، فقد رد العادية احسن رد لما صرخت النساء حين الاحاطة بهن فقال لهم:

اقصدوني بنفسي واتركوا حرمي

وقد اغاث اثنين وسبعين لهيفا من اصحابه (ع) حين كانوا ينادونه اذا صرعوا ليحضر عندهم ، فأغاثهم كلهم ، وأغاث سبعة وعشرون لهيفا من اهل بيته (ع) ، نعم عزّ عليه ويعز ذلك علينا ان بعض اغاثاته صارت سببا لشدة المصيبة على من اغاثه ، كما اتفق في اغاثته لابن اخيه على ما سيجيء ان شاء الله ، ولذا قال (ع) " ( عزّ والله على عمك ان يجيبك فلا ينفعك ...." .

خامسا : باب ادخال السرور على المؤمن ، وزيارته : وهما من افضل الاعمال ، كما في الروايات ، وقد سعى (ع) في ادخال السرور على المؤمنين والمؤمنات في ذلك اليوم تسليــات وملاطفات وامر بالصبر ووعظ ، لكن حيث ان الميدان ارض كرب وبلاء بذاته وان يوم عاشوراء يوم اسف وحزن بذاته ، لم يمكن ان يحصل سرور في قلوبهم ، واما الزيارة فقد حصلت منه بعناوين مختلفة .

سادسا : باب عيادة المريض : التي ورد فيها : ان عيادة المؤمن بمنزلة عيادة الله جل جلاله ، وقد ظهر منه (ع) عيادة للمرضى والمجروحين حين دعوه اليهم ليعودهم فلم يكتف بمحض المجيء والجلوس عندهم ، بل كان يخص بعضهم بملاطفات خاصة ، وخصوصا الغرباء منهم ، كالعبد الاسود ، والغلام التركي الذي جاء اليه ووجده قتيلا ولكنه (ع) اراد عيادة واحد منهم فلم يتحقق ذلك وهو ابنه ، فانه لادبه لم يدعه ، لكنه لما سمع سلامه جاء اليه عالما بانه لا يدركه حيا، فصاح : يا بني قتلوك . نعم تحققت منه عيادة لولده السجاد (ع) وسؤال عن حاله حين اراد المبارزة ، لكنها كانت اخر عيادة لموت العائد الصحيح قبل المريض المعاد ، وتفصيلها في عنوان الشهادة .

سابعا : باب تلاوة الذكر والدعاء : اما التلاوة فقد كان يتلو كتاب الله تعالى آناء الليل ، واطراف النهار.

ومع ذلك فقد استمهل الاعداء ليلة عاشوراء لأمور فاتح احدها التلاوة : فقد اهتدى بسماع تلاوته ومناجاته ثلاثون رجلا في تلك الليلة ، وعبروا اليه من عسكر ابن سعد ، واستشهدوا بين يديه ، وتلا القران الكريم في يوم عاشوراء في مقامات خاصة : احداها حين وقف لولده قبالة القوم ، وقد دامت تلاوته الى حين رفع رأسه على الرمح ، فسمعت منه سورة الكهف .

واما الذكر: فإن جميع حالاته وافعاله واقواله وحركاته وسكناته من عصر تاسوعاء الى عصر عاشوراء كانت ذكرا لله تعالى ، وتذكراً للميثاق ، وتعاهداً له ، حتى أدى أمانته ، ولم ينشغل بشيء من اللوازم البشرية والجسدية حتى أكل الطعام ، هذا مع انه كان رطب اللسان دائما بالذكر حتى حين يبس لسانه ، وأما الدعاء : فقد اشتغل به من اول الليل ، وهو احد الامور التي استمهل الاعداء لاجلها ليلة عاشوراء ، فاشتغل به في تلك الليلة الى الصباح .

ودعا اول الصبح بقوله : " اللهم انت ثقتي في كل كرب ، ورجائي في كل شدة ، وانت لي في كل امر نزل بي ثقة وعدة ، كم من هم يضعف فيه الفؤاد ، وتقل فيه الحيلة ، ويخذل فيه الصديق ، ويشمت فيه العدو ، انزلته بك وشكوته اليك ، رغبة مني اليك عمن سوال ، ففرجته " ثم كان اخر دعاء دعا به وهو طريح :" اللهم متعالي المكان عظيم الجبروت - والذي مرّ ذكره آنفا.

كتاب العبادات القلبية والصفات الحميدة

اعلم انه (ع) قد ابرز الاعلى من جميع مكارم الاخلاق في ذلك اليوم ، ولنذكر اولا الاخلاق والصفات ، فقد ورد في الرواية : ان الله تعالى قد خص بها رسله وهي اثنتى عشرة صفة كما في بعض الروايات :

منها : اليقين : وقد حصل له اعلاه فان حقيقة اليقين ، ان تصرف النفس عن الدنيا ، وتتجافى عنها ، وقد حصل له يوم خرج من المدينة ، ولما نزل كربلاء كتب الى اخيه وسائر بني هاشم من الحسين بن علي : الى اخيه محمد بن علي ومن قبله من بني هاشم : اما بعد : " فكأن الدنيا لم تكن ، والاخرة لم تزل " فانه جعل الدنيا كأن لم تكن ، وهذا عبارة عن تجافي القلب عنها بالكلية .

ومنها : الرضا : وقد كان عليه الشلام في اعلى درجات الرضا ، فلما اراد الخروج من مكة : " كأني باوصالي تقطعها عسلان الفلوات بين النواويس وكربلاء ، فيملأن مني اكراشا جوفا ، واجربة سبغا ، لا محيص عن يوم خط بالقلم ، رضا الله رضانا اهل البيت ( صلوات الله تعالى عليكم ) نصبر على بلائه ويوفينا اجور الصابرين " فانه رضي باعظم مصائبه وهو تقطع الاوصال اما بالجراح او بالرض ...... الخ

ومنها : السخاء : وقد سخى (ع) لا بجميع ماله فحسب بل وبما يتعلق به .

ومنها : الشجاعة : وقد ورث عن النبي (ص) شجاعته كما في الرواية ، فظهرت منه (ع) في ذلك اليوم شجاعة يضرب بها المثل ، لا اقول انه (ع) اشجع منه ابيه وجده المصطفى صلوات الله تعالى عليهم، بل اقول انه لم يتفق لابيه ولا لجده المصطفى ولا لغيره من الشجعان المشهورين مثل ذلك ، أي : لم يُقدر للنبي المصطفى ولا لاخيه وابن عمه المرتضى علي صلوات الله تعالى عليهما لم يُقدّر ان يكون لهما يوم كيوم الامام الحسين عليه السلام .

وكما قال عبدالله بن عمار : ما رأيت مكثورا اي : الذي كثرت عليه البلايا وعظمت ، ما رأيت مكثورا قط قتل ولده واهل بيته واصحابه أربط جأشا منه ، ولقد كان يحمل عليهم ، وقد تكملوا نيفا وثلاثين ألفا فينهزمون بين يديه كانهم الجراد المنتشر ، فأصل الحملة على ثلاثين ألفا ، ناشيء عن قوة قلب ودال على كمال الشجاعة.

ومنها : الوقار والطمانينة : وقد ظهر منه فرد كامل توحد فيه ، فانه كان كلما اشتد عليه الامر يوم عاشوراء يكثر وقاره ، ويزيد اطمئنانه ويشرق لونه .

ومنها : رقة القلب : فكان يرق قلبه على كل من كان معه ، لشدة ابتلائهم ، ويسعى في رفع المصاعب عنهم ، ولشدة رقة قلبه وروحه الطاهرة ، عظمت مصائبه ، فمن رقة قلبه : انه بمجرد رؤية ابن اخيه مريدا للمبارزة وهو يتيم حائر عطشان مكروب بكى حتى غشي عليه ، فكيف تكون حاله اذا رأى حاله مرضضا قد وطاته الخيول بسنابكها حتى مات من ذلك .

ومنها : الحلم : ويكفي فيه انه مع جميع هذه الحالات تحمّل الضرب والجراحات ، وما دعى عليهم الا اذا جرح باللسان ، جرحا لم يتحمله ، حتى ان بعض من ضربه بالسيف ، وسبه كــ " مالك بن بسر " لم يدعُ عليه حين ضربه بل دعى عليه حين سبّه ، وهذا لا ينافي الحلم ، فإن تحمُـل الاستخفاف اذلال للنفس لا حلم ولذا قال (ع) " الموت خير من ركوب العار " .

\
ومنها : حسن الخلق : وقد ظهر منه (ع) مع ما كان عليه مدة عمره في يوم عاشوراء وليلتها ، كيفيات عجيبة تظهر بملاحظة سلوكه مع كل واحد من الاصحاب والاهل والعيال والخدم والعبيد بحيث يعلم تفرده من لاحظ جزئيات حالاته في ذلك الوقت الموجب لتشتت الفكر.

ومنها : المروءة : وقد ظهر منه (ع) من هذه الصفة معهم من سقي الماء ، وعدم الرضا بنصرة الجن ، ما يقضي منه العجب ، واعجب من ذلك ، انه اراد احد اصحابه ان يرمي شمرا بسهم قبل التحام القتال حين جاء يكلمهم فقال (ع) " لا ترمه فإني لا أبدأ بالقتال .

ومنها : الغيرة : بالنسبة الى النفس ، وبالنسبةالى الاهل ، والعيال ، اما بالنسبة الى النفس فاقواله في ذلك ، شعره ونثره ونظمه حين حملاته معروفة ، وافعاله الدالة على ذلك كثيرة .

لكن قد اقرح القلب واحد منها وهو : انه (ع) لما ضعف عن الركوب لضربة صالح بن وهب نزل او سقط عن فرسه على خذه الايمن ، وقد قيل بطعنه على خاصرته طعنة منكرة ، فلم تدعه الغيرة على العيال وتجنب الشماتة ، ان يبقى ساقطا ، لذا قام صلوات الله عليه ، وبعد ذلك اصابته صدمات اضعفته عن الوقوف ، فجلس صلوات الله تعالى عليه وتحاماه الناس حين جلوسه وعليه جبة خز ، ثم اصابته صدمات اضعفته عن الجلوس ، فجعل يقوم مرة ويسقط اخرى ، كل ذلك لئلا يروه مطروحا فيشمتوا به .

واما بالنسبة الى العيال فقد بذل جهده في ذلك من حفر الخندق واضرام النار فيه وقوله :

(اقصدوني بنفسي واتركوا حرمي) . حتى وصل الامر الى انه صبّ الماء الذي في كفه ، وقد ادناه الى فمه وهو مقطع الكبد والفؤاد من الظمأ والاعياء ، لما سمع قول القائل : انه قد هتكت خيمة حرمك .

ومنها : القناعة : فقد قنع (ع) من الدنيا لاتمام الحجة عليهم ، بأن يذهب الى ثغر من الثغور ، ثم ازدادت قناعته فقنع من جميع الدنيا واموالها بثوب عتيق مخرّق لا يُرغب فيه ولا قيمة له ابدا .

ومنها : الصبر : وهو مناط امام الائمة (ع) ، وسبب جزائهم لقوله تعالى : " وجعلنا منهم أئمة يهدون بامرنا لما صبروا " ، " وجزاهم بما صبروا جنة وحريرا "

وقد روي في مهيج الاحزان بسند معتبر عن الصادق (ع) ما مضونه " انه مما اوحى الله تعالى الى نبيه (ص) ليلة المعراج ، ان الله تعالى يختبرك بثلاث لينظر كيف صبرك فقال (ص) : اُسلم امرك ولا قوة لي على الصبر الا بك ، فأوحى انه لا بد ان تؤثر فقراء امتك على نفسك ، فقال (ص) : اُسلم ذلك واصبر ، ولا بد ان تتحمل الاذى والتكذيب لما يصيب اهل بيتك ، فاما اخوك فيغصب حقه ويظلم ويقهر، واما ابنتك فتظلم وتحرم ويؤخذ حقها غصبا الذي تجعله لها وتضرب وهي حامل ويدخل عليها وعلى حريمها ومنزلها بغير اذن، واما ولداك فيقتل احدهما غدرا ويسلب ويطعن ، والاخر تدعوه اُمتك ثم يقتلوه صبرا ، ويقتلون ولده ومن معه من اهل بيته ، ثم يسبون حرمه . فقال (ص) : انا لله وانا اليه راجعون اُسلم امري الى الله تعالى واسأله الصبر .

اقول : ولقد صبر صلوات الله عليه وآله في جميع ذلك عن كل شيء الا عن الحسين .

فلم يصبر عن البكاء عليه ، فإن البكاء لا ينافي الصبر ، بل هو لازم الشفقة ، ورقة القلب ، ولم يسمع انه ذكر يوما مصيبة نفسه ، او احد اهل بيته وبكى ، لكنه كان كلما ذكر الحسين (ع) او رآه ، غلبه البكاء ، وكان يقول لعلي (ع) امسكه ، فيمسكه فيقبّل نحره فيقول (ع) له : لمَ تبكي ؟ فيقول) ص) " اقبّل موضع السيوف منك وابكي .

وكان اذا رآه فرحا يبكي ، واذا رآه حزينا يبكي ، وكذلك عليا وفاطمة والحسن عليهم السلام ، كانوا يبكون عليه لاجل ذلك ، وقد اوصى (ع) اهل بيته بالصبر حين الوداع ووعظهم ، ونهاهن عن خمش الوجوه اي خدشها ولطمها وضربها ، وشق الجيوب والدعاء بالويل ، ولكن قال (ع) لا امنعكم من البكاء نعم قد منع ابنته عن البكاء حال حياته لئلا يحرق قلبه ، وقال :

لا تحرقي قلبي بدمعك حسرة
مادام مني الروح في جثماني
فاذا قلت فانت اولى بالذي
تاتينه يا خيرة النسوان

نعم انه منعهن من الجزع عليه في حينها كي لا يشمت بهم الاعداء ولكن بعدها ورد ان زينب سلام الله عليها قد ضربت بوجهها المحمل فسال الدم المبارك منها جزعا على الحسين صلوات الله عليه .

نعم ان الجزع حرام ولكن على مصاب اهل البيت وعلى الحسين فليس بحرام ، مادام لا يتلف النفس او به ايذاء شديد، ثم اي ايذاء ياتي من اللطم او الجزع عليهم بل هو الشفاء بعينه كما شوهد على مر العصور ، واما صبره عليه السلام ، فقد ورد ، انه عجِبت من صبره ملائكة السموات ، فتدبر في احواله وتصورها حين كان ملقى على الثرى في الرمضاء جريحا بسهام لا تعد ولا تحصى ، مفطور الهامة ، مكسور الجبهة ، مرضوض الصدر بسنابك الخيول ، مثقوب الفؤاد بذي ثلاث شعب ، فسهم في نحره وسهم في حنكه وسهم في حلقه واللسان مجروح من اللوك ، والكبد محترق ، والشفاه يابسة من الظمأ ، والقلب الطاهر محروق من ملاحظة الشهداء في اطرافه ، ومكسور من ملاحظة العيال والنساء في الطرف الاخر ، والكف مقطوعة من ضربة زرعة بن شريك ، والرمح في الخاصرة ، وهو مخضب اللحية والرأس ، يسمع صوت الاستغاثات من عياله ، والشماتات ، بل الشتم والاستخفاف من اعدائه ويرى بعينه اذا فتحها القتلى الموضوع بعضهم على بعض ، ومع ذلك كله لم يتأوه في ذلك الوقت ، ولم تقطر من عينه قطرة دمع ، وانما قال سلام الله عليه " صبرا على قضائك يا رب لا معبود سواك ، يا غياث المستغيثين ….. الخ " وفي الزيارة : " ولقد عجبت من صبرك ملائكة السموات " .

وروي عن امامنا المظلوم السجاد عليه السلام انه قال : كلما كان يشتد الامر كان يشرق لونه ، وتطمئن جوارحه ، فقال بعضهم : انظروا كيف لا يبالي بالموت ، نعم قد بكى في كربلاء في مواضع ستة ، ستأتي قريبا.

والوجه في بكائه احد امور :

الاول : ان اصل البكاء على مصائب اهل البيت من الطاعات .
والثاني : ان بكائه (ع) على ما كان يراه من اضمحلال الدين وخموده.
والثالث : وهو الاقوى ان الطبائع البشرية موجودة فيهم فيعرضهم الجوع والعطش عند اسبابه ، وتحترق قلوبهم لما يرد عليهم كما قال النبي (ص) عند موت ولده : " يحترق القلب وتدمع العين ولا نقول ما يغضب الرب " فكذلك كان هو عليه السلام فليت شعري أفكان يمكنه حبس الدموع وهو فريد وحيد بعد كثرة الاصحاب والاخوان والاولاد ومضطهد مصاب ، وقد ضاقت عليه الارض برحبها ، ومحصور بين اهل الدنيا وعبيدها في خيام هو وعياله في الرمضاء وعناء السفر ، عطاشى جميعهم وليس فيهم الا اطفال ونساء وعليل يغمى عليه بين الفينة والاخرى مظلوم امام معصوم ، ورأى اهله صرعى وعياله بهذه الحالة من المصائب ، وقد صرعهم العطش بين ميت ومحتضر.

ويريد ان يتركهم ويرحل عنهم ، ويقول لهم : تهيأوا للاسر ، ويامرهم بالصبر ، ويجدّ في اسكاتهم عن البكاء والصراخ في حين الواقعة لئلا يشمت بهم الاعداء .

والمواضع الستة التي بكى بها الامام الحسين الشهيد عليه السلام :

الاول : حين اراد ان يخرج فجاءت ابنته الصغيرة صائحة حاسرة مع شدة حبه لها وتعلقت بثوبه قائلة : مهلا مهلا توقف حتى اتزود من النظر اليك ، فهذا وداع لا تلاق بعده، آه يا حسين ثم قبلت يديه ورجليه ، فجلس واجلسها في حجره ، وبكى بكاءً شديدا ومسح دموعه بكُمّه وجعل يقول (ع) :

سيطول بعدي يا سكينة فاعلمي
منك البكاء اذا الحمام دهاني

فهل يتصور قلب لا يغلب عليه في مثل هذه الحالة ، فهذا احد مواضع بكائه

الثاني : حين وقف على جسد اخيه العباس (ع) فرآه صريعا مع قربة مخرقة ، وكل من يديه المباركتين مطروحة في طرف ، فحينئذ بكى بكاء شديدا ، وقال عليه السلام : الآن انكسر ظهري وقلّت حيلتي .

الثالث : لما أراد القاسم (ع) ان يبرز الى الحرب اعتنقه ، وبكى حتى غشي عليه سلام الله عليه .

الرابع : لما وقف على جسده ورآه رضيضا بحوافر الخيل .

الخامس : حين برز ولـــده علياً الاكبر (ع) ، ارخى عينيه ، واخذ شيبته بيده ، ورفع رأسه المبارك ودعى ربه تعالى .

السادس : حين كان يسلّي اخته زينب الكبرى (ع) عن البكاء والجزع غلب عليه البكاء وقطرت من عينه قطرات ثم حبس نفسه عن البكاء فاذا تأملت هذه الحالات وجدت انه يستحيل لصاحب القلب السليم الرؤوف الرحيم ان لا يبكي عندها ، ووجدت ان من الخصوصيات الصادرة منه في هذه الحال حكمة خاصة ، فحالته عند وداع ابنته الصغيرة.

وحالة الاخ المواسي التي قطعت يداه لقربة ماء ، تقتضي البكاء حتى يغشى عليه ، وهكذا باقي الكيفيات الخاصة.

طبعا هنا ما احصره المؤلف من بكاء الامام في ستة مواضع ليس بالضرورة انها هي تلك فقط المواضع الستة بل قد يعني بها ابرز مواطن بكائه ، والا فان البلاء والمصاب الذي ألمّ بالامام في كربلاء كان شديدا على قلب امامنا بل على جميع اهل بيته ومن معه بل على اولياء الله تعالى من الاولين والاخرين حيث دون تلك المواضع الستة التي ذكرها المؤلف ، هناك مصاب الرضيع القتيل على صدر ابيه الحسين (ع) ومصاب الرضيع الاخر.

ومصاب اصحابه اللذين لم يُعلم على مر التاريخ اصحابا كاصحابه يستانسون بالموت استيناس الطفل لثدي امه ، وايضا مصاب الطفلة المظلومة حميدة حين مسح على رأسها ، وايضا مصاب بناته وحال نسائه وما هنّ مستقبلات له من السبي والضرب على متونهن والاذلال بحيث سيروهن بخيالة قليلة و هزال ، وحرق الخيام ، وحاله مع اهل بيته واطفال حين توديعهم .

وايضا مصاب ابنه العليل المهموم لأبيه (ع) ، وايضا مصاب الامة والتي منها اعدائه الذين فاق عددهم على الثلاثون ألفا والسبعون ألفا بل لم يُعلم عددهم لكثرته في كتب الحديث ، مصابه بهم كيف عميت بصائر كل تلك الجموع من البشر وما هو إلا رحمة منه على أمة جده صلى الله عليه وآله وسلم ، وما هو إلا لطيب نفسه وطهارته وانه من اهل بيت طهّروا تطهيرا.

خاتمة : اعلم ان العنوان السابق خصائص صفاته في طول حياته ، وهذا العنوان خصائص صفاته يوم عاشوراء ، وهذه الخاتمة لخصائص خصائص من صفاته البارزة يوم عاشوراء وحاصلها صفتان عجيبتان :

الصفة الاولى : انه جُمعت في صفاته الاضداد ، ولهذا عزّت له الانداد ، ولنعد الصفات بذكر كل صفة خاصة وضدها مجتمعتين .

فنقول :

كان (ع) اذا زاد اضطراب اطمأن قلبه ، وهدأت جوارحه ، فهو المضطرب الوقور وكان (ع) قد بكى في مواضع كثيرة قد ذكرناها ، ولكن ازداد بذلك صبره الذي عجبت منه الملائكة فهو الباكي الصبور وقد كان (ع) مكثورا احاط به الاعداء من جميع الجهات ولكن لم يضعف قلبه من ذلك فهو رابط الجاش مكثور وقد كان (ع) موتورا قُتل اصحابه واهله وولده واخوانه وهو ومع ذلك ثائر بدمه فكأنه اخذ الثأر من قتلته فهو الثائر الموتور وقد كان فردا وحيدا بلا انصار

لكن :

كأنه وهو فرد في جلالته ** في عسكر حين تلقاه وفي حشم

وانه لما كان يشد عليهم ، ينكشفون انكشاف المعزى اذا شد عليها الذئب ، فهو الفريد ذو العسكر والوحيد ذو الحشم وقد كان (ع) محتضرا غريبا ، وحوله اهله وعياله ، فهو الغريب عند الاهل ، وقد كان (ع) يستغيث لاتمام الحجة عليهم ويغيث كل من ناداه بـــ" أدركني يا أبا عبدالله ، فهو المغيـــث المستغيث وكان (ع) قد فدته نفوس الشهداء ولا زالت تفديه قتلا بين يديه والاحياء جميعا الى يوم الجزاء ، مع انه قد فدى نفسه الشريفة لم ولهدايتهم ونجاتهم،

ولذا انشد بعض الحكماء عن لسان حاله عند مخاطبته لاصحابه:

فديتموني انما انا جئتكم افديكم من لظى ، فهو الفادي المفدى

وكان (ع) حين وقوعه صريعا مطروحا يسعى تخليص اهله ، ومن يجيء اليه فهو المطروح الساعي وكان (ع) قد بلغت شدة عطشه الى اللوك للسانه ، يعي كثرة ادارة لسانه في فمه ، حتى تجرح لسانه من شدة عطشه واعيائه ويبس لسانه ، وكان يسعى في سقي العطاشى حتى انه اراد سقي ذي الجناح قبل ان يشرب ، وما نراه شرب سلام الله تعالى عليه ، حيث سمع بهتك الخيام فألقى بالماء، فهو العطشان الساقي وكان (ع) عاريا بالعراء ، لكن : تحمي اشعته العيون فكلما حاولن نهجا خلنه مسدودا فهو (ع) العاري المستور بنور الشمس ، ونور ذاتي يخرج من بدنه المبارك يشهده العدو والقريب وكان (ع) مضمخا بالدماء والتراب ، ولكن لم ير الناظر اليه قتيلا مضمخا بدمه انور منه (ع) ، حتى قال عدوه لقد شغلني نور وجهه عن الفكرة في قتله فهو المضمخ بالتراب ذو النور الازهر وكان (ع) لم يبق له مأوى ولا مأمن ، وقد وصف به نفسه ايضا ، وكان يأوي اليه كل خائف كما آوى اليه عبدالله بن الحسن عليه السلام وغيره من اهل بيته ، فهو المأوى بلا مأوى وهو الملجأ بلا ملجأ وكان (ع) مسليا عن البكاء ، وهو سبب البكاء ، كما في رواية الغفاريين عبد الله وعبدالرحمن حين استأذنا ، وبرزا اذ كانا يبكيان فقال ما يبكيكما ؟ وانا ارجو ان تكونا بعد ساعة قريري العين ؟ فقالا : ما على انفسنا نبكي ، ولكن نبكي عليك يا سيدنا نراك قد احيط بك ولا نقدر ان نمنع عنك .

وكان (ع) مسكتا عن البكاء وهو يبكي وذلك حين اخذت زينب الكبرى بالبكاء ، لما سمعت ما سمعت ليلة عاشوراء من نعي الامام عليه السلام لنفسه ، فجاءت صارخة حاسرة وقالت : يا اخي هذا كلام من ايقن بالقتل ، قال : نعم يا اختاه ، لا يذهب حلمك ، واصبري ، ثم غلب عليه البكاء .

العجيبة الثانية : من خصائص خصائصه جمعه بين التكليفين المتنافيين ظاهرا .

بيان ذلك : انه قد ثبت ان للنبي المصطفى (ص) خصائص في احكام تكليفية ، ووضعية تخالف الاحكام العامة الثابتة لأمته ، ولك منهم ، بالنسبة الى ما يتعلق يتكليفه وبامامته وسلوكه مسلك الدعوة الى الدين ، والحفظ للشريعة ، احكام خاصة مثبتة . ( في صحف مكرمة . مرفوعة مطهرة . بأيدي سفرة . كرام بررة ) وقد عمل كل من الائمة بمقتضى ما في صحيفته المختومة بخاتم من ذهب لم تمسه النار ، اتى بها جبرئيل (ع) وقد اشرنا اليها ، وحيث ان فيها احكاما تخالف ما ثبت في ظاهر الشريعة لباقي الائمة (ع) . فما ينبغي الاعتراض بعد ذلك بأنه كيف جاز الإقدام على ما يقطع معه بالضرر ، وذهاب الانفس بالنسبة الى بعض الانبياء (ع) والائمة (ع) ، فانهم انما بلغوا هذه المرتبة للتسليم والرضا بل وحب القضاء والقدر بهذا التكليف وقد اختص سيدنا المظلوم الحسين (ع) في قضيته بالجمع بين التكليفين الظاهري الموافق لتكليف سائر الناس ، والواقعي الموافق لتكليفه الخاص.

وهذا ايضا من خصائصه (ع) اما التكليف الواقعي الذي دعاه الى الاقدام على الموت والقتل ، وتعريض عياله ونسائه وابنه العليل ومن معهم من النساء المواسيات للاسر ، واطفاله للذبح ، مع علمه بذلك ، فالوجه فيه ، ان عتاة بني امية ، وخاصة معاوية ، قد اُشرب الناس حبهم ، بحيث اعتقدوا انهم على الحق ، وان عليا واولاده (ع) وشيعتهم على الباطل ، حتى جعلوا سبّ علي (ع) من اجزاء صلاة الجمعة ، وسُنّة واردة ، وبلغ الامر في ذلك ان بعض اتباعهم نساه في صلاة الجمعة حين خطبته ، وسافر وذكره وهو في البرية ، فقضاه في محل تذكره ، فبنوا هناك مسجدا سموه مسجد الذكر تاكيدا لهذا الامر ، فلو كان الحسين (ع) يبايعهم تقية ويسلم لهم لما بقي من الحق من اثر ، فان كثيرا من الناس اعتقدوا انه لا مخالف لهم في جميع الامة وانهم خلفاء النبي (ص) حقا ، فبعد ان حاربهم الحسين (ع) ، وصدر ما صدر الى نفسه وعياله ، واطفاله وحرم الرسول (ص) تنبه الناس لضلالتهم وبأنهم سلاطين الجور حقا وصدقا ، لا حجج الله تعالى ولا خلفاء لحبيبه (ص) ، فظهر دين الحق من جديد بعد ان اخمده الامويون بجورهم وكفرهم .

واما التطبيق على التكليف الظاهري فبيانه ان نقول : انه (ع) قد سعى في حفظ نفسه وعياله بكل وجه ، فلم يتيسر له وقد ضيقوا عليه الاقطار ، ولم يدعوا له في الارض مقرا فكتب يزيد الى عامله في المدينة ان يقتله فيها ، (فخرج منها خائفا يترقب ) ، ولاذ الى حرم الله تعالى الذي جعله مأمنا للوحوش ان تصاد وللطيور ان تنفر ، وللشجر والنبات ان يقطعا ، فارادوا قبضه هناك ، او قتله غيلة وهو مُحرِم فأحلّ وخرج ولم يتمكن من اتمام حجه ايضا ولم يكن له في الارض مقر ، وقد تحقق له التكليف الظاهري بالتوجه الى الكوفة ، لان جميع اهلها كتبوا له بالسمع والطاعة وألقوا اليه الحجة ، ولم يتبين منهم خلاف ذلك خصوصا بعد ان كتب له مسلم بن عقيل ببيعة الناس له ، فلم يكن له عليهم حجة لو لم يأتهم ، ثم لما اتاهم وعلم بنقضهم البيعة لم يمكّنوه من الرجوع ، ومع ذلك كله نقول : لو رجع اين يرجع ؟ لو لم يأتهم فأين كان يذهب .

ملاحظة : ان الحسين لم يكن السبب الحقيقي في خروجه او توجهه للكوفة لسبب بيعة الناس له كلا بل كان خروجه اولا من مكة المكرمة حفاظا منه على ان لا يراق فيها دم ، واما نقض الكوفة لبيعتهم فهو كان يعلم بذلك قبل ان يقدمهم وهذا له بحث طويل مستقل حول علم الائمة المعصومين (ع) ، ولكنه خرج الى الكوفة لأسباب غير بيعة اهلها يُذكر منها : ان بها ارضية واسعة لموالاة اهلها لمحمد المصطفى واله (ص) وغيرها من الاسباب ...... ، وايضا السبب الاساس لخروجه والذي كان واجبا عليه ان يخرج هو حفاظا على ما تبقى من دين جده (ص) ولئلا يمحق ما تبقى من الدين .

ومن احق منه بالخروج على الحكومة الظالمة الحاجدة !! فكان هذا الحديث النبوي الشريف مصداقا لهذا الكلام وهو قول النبي (ص) : ان الاسلام محمدي الوجود حسيني البقــــاء .

لقد ضاقت عليك الارض يا ابا عبدالله الحسين ، وكنت مضطربا حيران على ما ترى من تضييع الحقوق وذهاب الدين المحمدي ، ولم يكن لك بد ولا مفر يا حبيبي يا حسين .

والدليل على ذلك قوله (ع) لاخيه ابن الحنفية ، وقد اشار اليه بأن يذهب الى اليمن او الى البوادي وكهوف الجبال : لو دخلت في جحر هامة من هوام الارض لاستخرجوني حتى يقتلوني .

ويدل على ذلك ايضا ، قوله للفرزدق : وقد قاله له وهو خارج عن مكة داخل الحرم ، بأبي انت وامي يابن رسول الله (ص) ما اعجَلك عن الحج ، فقال (ع) : لو لم اعجل لاُخذت . وقوله لابي هرة الازدي في الثعلبية : وقد قال له : ما الذي اخرجك عن حرم الله وحرم جدك المصطفى (ص) ؟

فقال (ع) " ويحك يا ابا هرة ، ان بني امية اخذوا مالي فصبرت وشتموا عرضي فصبرت ، وطلبوا دمي فهربت " طبعا هنا هرب ليفتدي بنفسه وما يملك فقط لإبقاء دين الله تعالى ويدل على ذلك قوله ايضا لعمرو بن لوذان وهو شيخ من بني عكرمة رآه ببطن العقبة ، قال له : يا بن رسول الله اين تريد ؟

قال (ع) : الكوفة " فقال انشدك الله تعالى لما انصرفت ، فو الله لا تقدم الا على حد السيوف والأسنة ، وان هؤلاء الذين بعثوا اليك لو كانوا كفوك مؤونة القتال ووطأوا لك الاشياء ، فقدمت عليهم كان ذلك رأيا . فقال (ع) " يا عبد الله ليس يخفى علي الرأي ، ولكن الله تعالى لا يُغلب على امره ." ثم قال (ع) " والله لا يدعونني حتى يستخرجوا هذه العلقة من جوفي . "

فانظروا الى قوله (ع) : ولكن الله ، فإنه بيان للتكليف الواقعي الذي تقدم ذكره ، وقوله والله لا يدعونني ، بيان للاضطرار وانه لا يفيد الرجوع ولا الفرار ، وفي تعبيره عن قلبه بالعلقة ، اشارة الى شدة مصيبته ، وانقلاب قلبه دما في تلك الحالة مع كونه اولى بالامر ، ثم اقول انه لو بايعهم لقتلوه ايضا ، كما يدل عليه كلام ابن زياد حيث قال : ينزل على حكمي وحكم يزيد ، يعني يجعل نفسه محكومة لنا فلربما قتلناه او خليناه .

وقول الشمر : فليبايع ثم نرى رأينا فيه، بأبي المستضعف الغريب الوحيد الذي ارادوا ان يقر لهم اقرار العبيد .

ومن جملة كلام له عليه السلام يوم عاشوراء :

والله لا اقر لكم اقرار العبيد ولا اعطيكم بيدي اعطاء الذليل .

بأبي انت وامي يا أبا عبدالله ، نعم والله قتلُك في ميدان الحرب والضرب ، انبل من الاقرار لهم ، وقد قلت انت : " ان مصارعة الكرام احسن من مضارعة اللئام " ولو كنت ترضى بذلك تقية ، وتكليفا ظاهريا فكنت تقر لهم ما خلوك وما تركوك ، حتى يجمعوا لك بين الذلة والقتلة .

ولذا قلت صلوات الله تعالى عليك بنفسي أنت : " القتلة ولا الذلة ، والمنية ولا الدنيّة " .. آه بأبي انت وامي اعززت نفسك واحييت نفسك واحييت العباد بتحملك هذا التكليف .

انتهى العنوان الثالث

 

Description: C:\Users\f\Desktop\%D9%83%D8%AA%D8%A8 %D9%85%D8%B3%D8%AD%D9%88%D8%A8%D9%87\1\main\images\pa07.gif

 

العنوان الرابع

في خصائصه من حيث الالطاف الالهية به والاحترامات الربانية له

وهي على اقسام :

القسم الاول

خصوصيته عليه السلام في التعبير عن اللطف الالهي بالنسبة اليه

من وجوه :

الاول : خصوصيات ما في الروايات المعتبرة المروية في كامل الزيارة عن ابي عبدالله عليها لسلام قال : بينما رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في منزل فاطمةالزهراء عليها السلام والحسين عليه السلام في حجره اذ بكى وخرّ ساجدا ثم قال (ص) " يا فاطمة ان العلي الاعلى تراءى لي في بيتك هذا ، ساعتي هذه ، في احسن صورة واهيء هيأة ، وقال لي : يا محمد اتحب الحسين ؟ قلت : نعم قرة عيني ، وريحانتي وثمرة فؤادي ، وجلدة ما بين عيني ، فقال لي : يا محمد ووضع يده على رأس الحسين (ع) بورك من مولود عليه بركاتي وصلواتي ، ولعنتي وسخطي وعذابي وخزيي ونكالي على من قتله وناصبه وناوءه ونازعه " .

أما انه سيد الشهداء من الاولين والاخرين في الدنيا والاخرة وسيد شباب اهل الجنة من الخلق اجمعين ، وابوه افضل منه ، فأقرأه مني السلام ، وبشّره بأنه راية الهدى ، ومنار اوليائي ، وحفيظي وشهيدي على خلقي وخازن علمي وحجتي على اهل السموات واهل الارضين والثقلين والجن والانس .

والمراد من الترائي : غاية الظهور العلمي ، وبحسن الصورة : ظهور صفات الكمال . ووضع اليد : كناية عن افاضة الرحمة الخاصة على الامام الحسين صلوات الله تعالى عليه .

ففي هذه الرواية ست عشرة خصوصية للحسين (ع) معبرة عن اللطف الالهي ، واخصها وافخرها قوله : وضع الله تعالى يده على رأس الحسين (ع) فانه كناية عن نهاية اللطف بالنسبة اليه بحيث لا يتصور فوقه لطف .

وقد عبّر الله تعالى عن نهاية افاضة اللطف الكامل على النبي (ص) بأنه وضع الله تعالى يده على ظهره ليلة المعراج ، فوضع اليد تعبير عن غاية الافاضة .

لكن في التفرقة بين كونه على الرأس او على الظهر حكمة خاصة ، لا ترتبط بالافضلية ، وفي الحقيقة الوضع على ظهر النبي (ص) هو الوضع على رأس الحسين (ع) .

الثاني والثالث : ان الله تعالى قد تولى قبض روحه عند موته وصلى عليه فهذه التعبيرات كلها ، كنايات عن الالطاف لا يُتصور ازيد منها ، وحاصل معناها انه قد اعطى الله تعالى الحسين من الالطاف كل ما يمكن ان يُعطى .

ونحن بتوسلنــا به (ع) نرجو ان يكون من الطاف الله تعالى عليه صلاح امورنا في الدنيا والاخرة

القسم الثاني

وهو اعطاؤه ما يناسب صفاته ولا اقول شبه او مثل صفاته ، بل اوقول اعطاه انموذجا من صفاته ، وخصّها به

وهي من وجوه :

الاول : ان من صفات الله تعالى ( وإن من شيء إلا يسبح بحمده ) ولها خمسة معان ، وقد اعطى الحسين (ع) ما يناسب ذلك ، فإن من شيء إلا وقد بكى لمصيبته ، ولكن لا نفقه بكاءهم ، كل شيء بحسب حاله ، ولا ينحصر في تقاطر الدمع من العين .

فبكاء السماء : تقاطر الدم ، وبكاء الارض : ان كل حجر يرفع يُرى تحته دما ، وبكاء السمك : خروجه من الماء ، وبكاء الهواء : اظلامه ، وبكاء الشمس: كسوفها ، وبكاء القمر : خسوفه ، كما ورد كل ذلك في الروايات .

الثاني : ان الاقرار بوجود الصانع الحكيم فطري ) فطرة الله التي فطر الناس عليها ) فأهل كل دين حتى عبدة الاصنام يقرّون به والملاحدة والزنادقة عند انكارهم باللسان يثبتونه

وفي الحسين (ع) بالنسبة الى احتراق القلب على مصيبته كذلك حتى من لم يعرفه يبكي عليه ويقيم عزاءه كبعض الهنود المخالفين للاسلام ، بل من عاداه حين اظهار عداوته كان يبكي عليه فكان ابن سعد يبكي عليه حين امر بقتله وكلّمته زينب سلام الله تعالى عليها .

والسالب لفاطمة عليها السلام كان يبكي ، ويزيد قد رقّ لهم حين اُدخلت السبايا والرؤوس الى مجلسه كما عن فاطمة بنت الحسين عليهما السلام ، وسائر قتلته كانوا يبكون في بعض الحالات ويزيد كان يبكي في بعض الليالي .

نعم لم اعثر على رقة وبكاء على حالة من الحالات بالنسبة الى اللعين ابن زياد، لكن عثرت على تغير حالة له في وقت واحد .

وذلك حين امر بقتل السجاد صلوات الله تعالى عليه ، فاعتنقته عمته زينب عليها السلام وقالت : ان قتلته فاقتلني معه ، فنظر الى ذلك وقال : عجبا للرحم ، والله اني لأظنها ودت اني قتلتها معه ، دعوه فاني اراه لما به .

الثالث : ان صفات الله تعالى لا يجري افعل التفضيل فيها حقيقة ، وان جرى ظاهرا كما يشهد به جميع فقرات دعاء البهاء تقول : ( اللهم اني اسألك من بهائك بابهاه ، وكل بهائك بهي ) وكذلك الاسماء فيقال الاسم الاعظم وفي الحقيقة ان كل اسمائه اعاظم على نهج سواء .

وفي الحسين (ع) ايضا ، ما يناسب ذلك ، فقد يقال نريد ان نذكر اعظم مصائبه ، وكل مصائبه عظيمة ، فإذا تأملت اصغر مصائبه ، وجدته اكبرها ، واذا نظرت الى اسهل مصائبه وجدته اصعبها.

الرابع : انه تعالى جعل وسائل القرب اليه ، والرضا عن العباد والغفران لهم كثيرة ، وجعل لهم طرقا في كل فعل وصفة ونية ، وجعل في ايصاله الفسض الى العباد عموما ، وله تسبيبات لا يُدرك ضبطها .

وقد اعطى الحسين (ع) ما يناسب ذلك ، فجعل له تسبيبات كثيرة ، وعمم فيها وجعل لها اعواضا كعباداته ، حيث لم يحرم منها احدا ، وحعل لكل عمل عوضا ، وبدلا حتى انه جعل لنية العمل في بعض الاوقات ثواب العمل .

وكذلك الحال بالنسبة الى الحسين (ع) فجعل لزيارت فضلا ، وجعل بدلها التجهيز اليها ، وجعل بدلها الزيارة من بُعد ، وكذلك لما جعل لبكائه فضلا وافرأً اراد ان لا يحرم احد من هذا الخير فجعل مصائبه مختلفة وما يُبكى عليه انواعا واقساما باختلاف القلوب واختلاف اسباب رقتها .

فان كل قلب لا يرق على كل مصيبة ، فقلب لا يرق على الغريب ، ولكن يرق على العطشان الغريب ، وقلب لا يرق على الجرح ، ولكن يرق على جرح الجرح ، وقلب لا يرق على جرح الجرح ، ولكن يرق على الرض بعد جرح الجرح ، وهذا لا ينتهي الكلام فيه ، فلاحظ كل مصيبة ، ولاحظ اعلاها ثم لاحظ اشد انواع ذلك الاعلى ، ثم اشد ذلك الاشد ، تجده مجتمعا في الامام المظلــوم ، وجعل اسباب الحصول كثيرة ، ولها فصل مستقل والله تعالى المستعان .

الخامس : ان صفاته لا شريك له فيها ، فكل ما ينسب اليه ، ويتعلق به من جميع ما يلاحظ خاصة به ، فهو ممتاز فيها لا شريك له في خصوصياتها.

السادس : من الصفات المنسوبة اليه ان محبته لا تشبه محبة المحبين .

وكذلك محبة الحسين (ع) حتى انها لا تشبه محبة من هو مساوٍ معه ، او افضل منه، فهي كما قال النبي (ص) " محبته مكنونة في بواطـــــــــن المؤمنين .

وقد سئل النبي (ص) عن هذا ، ايضا ، حين ظهرت منه (ص) كيفية خاصة في الملاطفة مع الحسين (ع) على ما روى المقداد رضى الله تعالى عليه .

حيث قال : خرج رسول الله (ص) يوما في طلب الحسن والحسين (ع) فوجدهما نائمين في حديقة على الارض ، فبدأ برأس الحسين يعطفه ، وجعل يرخي لسانه في فمه مرارا حتى ايقظه ، فقال المقداد : كأن الحسين اكبر ؟ فأجابه (ص) بما ذكر .

فقد ظهرت خصوصية للحسين (ع) ، وانكتامها في باطنه زيادة على اخيه ، مع انه في الشرف والمرتبة افضل او مساو له ، لانه بدأ برأسه فرفعه ، وايقظه بارخاء لسانه في فمه مرارا .

وهذا هو حال انكتام محبته في قلوب المؤمنين الخالصين في الايمان ، ففي قلوبهم علامات ، وخصوصيات ، وان كان اللازم ان تكون محبة جده وابيه اكثر منه ، لانهما افضل منه .

لكن لمحبته خصوصيات لا دخل لها بالكثرة.

من تلك الخصوصيات : ان افئدتهم تهوي الى زيارته وترق وتحن اليها اذا سمعوا بها ، او بزواره حين الذهاب ، اوالقدوم ، ازيد مما تهوي الى الحج وغيره من الزيارات .

ومنها : ان من توجه الى زيارة الائمة انما يسميه فقط ، اي ان الزائر الايراني مثلا الذي يروم زيارة العتبات المقدسة في العراق اذا سئل عن مقصده يجيب باني اروم زيارة الامام الحسين عليه السلام مع انه قاصد لزيارة باقي الائمة عليهم السلام ايضا .

ومنها : ان لإسمه الشريف تاثيرا في قلوبهم كما ناداه ابوه : يا عبرة كل مؤمن ، وكما قال هو (ع) " انا قتيل العبرة لا يذكرني مؤمن الا بكى .

ومنها : ان دخول شهره يعني المحرم يملأ القلوب هماً وكمدا وحزنا عميقا في النفوس .

ومنها ان الرقة عليه لا يمل منها بكثرة التكرار على التكرار ، فاذا سمعوا عزائه كل يوم ألف وألف مرة فبمجرد سماعهم انه قتل عطشان مقروحا وقد حُزّ رأسه ، او واقفا على الارض مستغيثا ، او سمعوا حكاية استغاثته ، ارتفعت اصواتهم .

القسم الثـالث

من الالطاف الخاصة به ما اعطاه تبارك وتعالى من كلامه المجيد وتكليماته

اما كلامه المجيد وهوالقران فلما اعطاه منه عنوان مستقل نذكره ان شاء الله تعالى .

واما تكليمه تعالى فقد ذكر مصيبته في تكليم ادم (ع) ومن بعده وفي تكليم الكليم (ع) مكررا ، وغيره من الانبياء (ع)، الى الخاتم كما ذكرنا تفصيله في عنوان مجالس الرثاء .

وسنذكره بعد ذلك ان شاء الله تعالى

واما التكليم الخاص معه فهو كثير ، منه ما قبل شهادته على ما رواه انس بن مالك حيث انه ساير الحسين (ع) فأتى قبر خديجة الكبرى عليها السلام فبكى ثم قال (ع) اذهب عني ، قال انس : فاستخفيت عنه ، فلما طال وقوفه في الصلاة سمعته يقول :

يا رب يا رب انت مولاه
فارحم عبيدا اليك ملجاه
يا ذا المعال عليك معتمدي
طوبى لمن كنت انت مولاه
طوبى لمن كان نادما ارقا
يشكو الى ذي الجلالة بلواه
وما به علة ولا سقم
اكثر من حبه لمولاه
اذا اشتكى بثه وغصته
اجابه الله ثم لبّاه
اذا ابتلى بالظلام مبتهلا
اكرمه الله ثم ادناه

فنودي عليه السلام :
لبيك عبدي وانت في كنفي ،
وكل ما قلت قد علمناه
صوتك تشتاقه ملائكتي
فحسبك الصوت قد سمعناه
دُعاك عندي يجول في حجب
فحسبك الستر قد سفرناه ،، اي: إنا كشفنا الستر عنك
لو هبّت الريح من جوانبه
خرّ صريعا لما تغشاه
سلني بلا رغبة ولا رهب
ولا تخف انني انا الله

ملاحظة : قوله: لو هبت الريح من جوانبه ، الضمير اما راجع الى الدعاء فيكون كناية عن انه يجول في مقام لو كان مكانه رجل لغشي عليه مما يغشاه من انوار الجلال ، ويحتمل ارجاعه اليه (ع) على سبيل الالتفات لبيان غاية خضوعه وولهه في العبادة بحيث لو تحركت الريح لاسقطته .

ومنها نداءات خاصة له يوم شهادته ، اشرفها نداؤه بقوله : " يا أيتها النفس المطمئنة "

القسم الرابــع

فيما اعطاه تبارك وتعالى من افضل مخلوقاته محمدا المصطفى صلى الله عليه واله وسلم

ولبيان ذلك امور :

الاول : بيان ما اعطاه منه بطريق التعداد والتحديد والتعيين مجملا
الثاني : بيان كيفية هذا الاعطاء المحدود
الثالث : بيان ما فوق ذلك

اما الامر الاول : فنقول :

قد اعطاه قلبه الباطني فجعله محل علاقة خاصة له ، وقد اعطاه قلبه الظاهري

فقال :" انه مهجة قلبي "، وقد اعطاه روحه فقا انه روحي التي بين جنبي ، وقد اعطاه فؤاده فجعله له ثمرة .

وقد اعطاه عقله فجعله له طمأنينة .

وقد اعطاه باصرته فقال : اذا نظرت اليه ذهب ما بي من الجوع .

وقد اعطاه شامّــته فقال : هو ريحانتي .

وقد اعطاه عينيه فقال (ص) " هو نورهما ".

وقد اعطاه من بين عينيه فقال (ص) هو جلدة ما بين عيني .

وقد اعطاه قوته فقال (ص) هو قوتي اذا نظرت اليه ذهب ما بي من الجوع .

وقد اعطاه كتفه فجعله له مركبا .

وقد اعطاه ظهره فجعله له مرتحلا .

وقد اعطاه حجره فجعله له حاضنا .

وقد اعطاه لسانه فجعله له راضعا .

وقد اعطاه يده فجعل ابهامه ومسبحته له غاذيا .

وقد اعطاه صدره فجعله له مجلسا ومأمنا .

وقد اعطاه شفتيه فجعلهما مقبّلا ولاثما .

وقد اعطاه كلامه فجعله له مادحا وراثيا وذاكرا له في كل حين .

وقد اعطاه ابنه فجعله له فاديا فكان يقول (ص) مكررا : فديت من فديته بإبني إبراهيما ، كما ورد في المنتخب للطريحي 51

الامر الثاني : في بيان بعض تفاصيل هذه

فنقول :

اما امتياز علاقته معه فيظهر معه من كيفية لقائه له ، وحضوره عنده ومجيئه له ، وذهابه اليه ، فإن العلاقة مع الاولاد خصوصا في حال طفولتهم والاستئناس معهم ، واللعب معهم ، امر معتاد لكن تحقق هذه الكيفية بالنسبة اليه (ص) مع الحسين (ع) خارق للعادة .

فترى النبي (ص) كأنه وهو فرد في جلالته ، في عسكر حين تلقاه وفي حشم ، فكيف بجلالته ووقاره حين هو جالس في اصحابه ، فمع ذلك الوقار الذي علا كل وقار ، ومع تلك السكينة التي انزلها الله تعالى عليه ، ولُقّب بصاحب الوقار والسكينة .

كان اذا رأى الحسين (ع) مقبلا عليه وهو) ص) يحدّث اصحابه يقطع حديثه ، ويقوم من مجلسه ويستقبله ، ويحمله على كتفه المبارك ، ويأتي به فيقعده عنده او في حجره.

واعجب من ذلك انه وهو على المنبر يخطب يقطع خطبته وينزل ويستقبل ويقول كلاما يقضى منه العجب ، وذلك في رواية ابن عمر: انه قال (ص) : " والذي نفسي بيده ما دريت اني نزلت من منبري " .

وكيف يكون هذا الكلام على حقيقته بل هو كناية عن شدة الحب والعلاقة بحيث كان كذلك .

واعجب من كل ذلك ما رواه ابن ماحة في السنن والزمخشري في الفائق قالا : رأى النبي محمد (ص) الحسين بن علي (ع) وهو يلعب مع الصبيان في السكة .

فاستقبل النبي (ص) امام القوم ، فبسط احدى يديه فطفق الصبي يفر مرة من هنا ومرة من هاهنا ، ورسول الله (ص) يضاحكه ،

ثم اخذه فجعل احدى يديه على ذقنه والاخرى على فأس رأسه ، وأقنعه وجعل فاه على فيه فقبّله ، وقال (ص) " انا من حسين وحسين مني ، احبّ الله تعالى من احبّ حسينا ، حسين سبط من الاسباط " ،، ورواه غيرهما ايضا .

توضيح : ان فأس الرأس يعني : طرف مؤخرة المشرف على القفا .

تنبيه : هذه المحبة لم تكن للحسين وحده ، بل كانت لمن احبه ايضا ، ويُشهد الله تعالى على ذلك ويقول (ص) " اللهم اني احبه واحب من يحبه ، " وكان يدعو لمحبه بأن يحبه الله تعالى فيقول (ص) " احبّ الله من احبّ حسينا "

وقد رأى (ص) يوما صبيا في الطريق فجلس واخذه وتلاطف معه ، فسئل عن ذلك فقال (ص) " اني احبه لانه يحب ولدي الحسين (ع) ، لاني رأيت انه يرفع التراب من تحت قدميه ويمسح به وجهه وعينيه ، واخبرني جبرئيل عليه السلام انه يكون من انصاره في وقعة كربلاء .

فالآن نحن نرجو ان كنا محبين لامامنا الحسين عليه السلام ، ان يحبنا النبي (ص) ويحبنا الله تعالى ، بدعائه (ص) لنا واذا احبنا ان يغفر لنا ويعفو عنا .

واما كون ظهره له مركبا فقد اتفق كثيرا ، وليس هو من العادات كما يتفق لكثير من الناس في حق اولادهم ، بل خارق للعادات ،

وذلك انه قد كان يتفق انه يركب ظهر جده وهو في السجود في صلاة الجماعة فيطيل السجود ولا يرفع رأسه المبارك حتى يقوم هو أي: الحسين باختياره .

وقد تعجب الذين كانوا يصلون معه ، فسألوه : انه هل نزل وحي ؟ قال صلى الله عليه وآله : لا ولكن ابني ارتحلني .

واما كون كتفه محملا فلقد كان يفعل من ذلك مالا يفعله الرجل الجليل ، يحمل صبيا على كتفه ، ويمشي في الاسواق والطرق وكلما يريد اصحابه ان يحملوه او يحملوا اخاه ، يقول (ص) " نعم الراكبان انتما ، نعم قد كان يحمله عنه جبرئيل (ع) وقد كان يحمله وهو في الصلاة .

واما كون حجره له حضنا ، فانه (ص) قد تولى من ذلك مالا يتولاه الا النساء ، وقد حضنه بمجرد ولادته المباركة.

فنادى يا اسماء هلمي اليّ بابني ، فقالت : لم ننظفه بعد ، فقال (ص( " انت تنظفيه ان الله تعالى قد نظفه وطهّره" .

فأخذه وتولى حضانته ورضعه من ابهامه ، وكان يلاعبه كالنساء ويقرأ له نغوتهن ، ويكلمه بلسان الاطفال ، ونو ذلك مما يُستغرب .

حتى انكر عليه بعض ازواجه كعائشة بل بعض اصحابه ، فقال (ص) " ما خفي عليك اكثر ، فعلم ان ذلك من امر الهي وحكم رباني ، وقد صرح (ص) معتذرا بذلك فقال : إن الله تعالى قد أمرني بحبهمــا .

فعدم قيامه من السجود حين ارتحله بامر الهي ، وحمله على كتفه بأمر الهي ، والركض معه في الطريق بأمر الهي ، وقيامه واستقباله بأمر الهي .

والوجه في هذا أمران سنذكرهما ان شاء الله تعالى في محلهما .

واما كون شفتيه(ص) لاثمتين ومقبلتين فلا عجب من ذلك ولا من كيفية تقبيلهما فكان يضمهما اليه ويشمهما ويقبّل كلاً منهما لنصف ساعة ، ويقول " هما ريحانتاي " ، وقد يقبل احدهما وهو في الصلاة ويده في يده .

وقد اشتهر انه قبّل فم الحسين ونحر الحسيــن ، فتألم الحسين من ذلك ، واظهره لأمه الزهراء (ع) ،حيث انه (ص) قبّله في نحره وقبّل اخيه الحسن (ع) في فمه في يوم ما ، لكن لم اعثر لذلك على رواية ، انما الذي عثرت عليه في الروايات المتواترة : انه (ص) كان يقبّل الحسين (ع) تارة من نحره وتارة م جبينه ، وتارة من جميع بدنه ، وتارة يكشف عن بطنه فيقبّل فوق سرته على قلبه ، وتارة يقبّل اسنانه وتارة يقبّل شفتيه ، وكان يكثر من جميع ذلك ، ولقد كان في تخصيصه لهذه معجزة له .

وكان يذكر سبب البعض ، فيقول عند تقبيل جميع البدن : اقبّل وضع السيوف وابكي ، ولكن لم يذكر السبب في تقبيل الثغر والاسنان وتقبيل فوق السرة حتى عُلم السبب بعد وقوع ما وقع .

واعلم ان تخصيصه للاحترامات الخاصة لوجوه ثلاثة :

الاول : بيان مرتبته وعظم درجته وكرامته .

الثاني : مقابلة كل خصوصية احترام بما يقع عليه من هتكها ليعلم عظم المصيبة فيما يقع عليه فاذا لاحظت من يستقبله الرسول (ص) وهو طفل تعلم عظم المصيبة .

وانه يبلغ به الحال في خذلان الناس له : انه كان لا ينازله احد فيمن يصادفه في الطريق لئلا يستنصره ، كما في رواية زهير واذا استقبل واحدا في الطريق ليسأل منه يعدل عن الطريق معرضا عنه وكما في قضية الاسديين .

الوجه الثالث : ادخال السرور عليه جبرا لحزنه وكربه وظلمه ، فاذا اراد الجبر لهذا الفرد من الحزن والكرب فلا بد ان يكون بهذا المقدار حتى يقع التلافي ، فهل لكم فيه اسوة ؟ تجبرون القلب المكسور ، وتفرجون عن المكروب : ببكاء عليه وسلام عليه وتحية له وزيارة له بل وبشكل عام وتلبية له .

الامر الثالث : في بيان اعلى من ذلك وابلغ بأن تقول انه تعالى قد اعطاه نبيه المصطفى (ص) فكان النبي (ص) منه ، ولا اقول ذلك مبالغة ولا شططاً ، بل قال هو صلى الله عليه وآله وسلم " حسين مني وأنا من حسين " .

القسم الخامس

فيما اعطاه تبارك وتعالى من اعظم المخلوقات اعني العرش

ولهذا الاعطاء كيفيات :

الاولى : في خصوصيات من العرش له (ع) ، فنقول :

انه قد اعطاه من العرش ظله فجعله له مجلسا يجلس فيه يوم القيامة ، ومعه زواره والباكون عليه ، فيرسل اليهم ازواجهم من الجنة فيأبون ويختارون مجلسه وحديثه.

وقد اعطاه تعالى وتعالى يمين العرش فجعله مقرا له في برزخه ، فانه عن يمين العرش دائما ينظر الى مصرعه ، ومرحل فيه وينظر الى زواره والباكين عليه ، ويستغفر لهم ويخاطبهم ، ويسأل جده وأباه ان يستغفروا لهم .

وقد اعطاه تعالى فوق العرش محل حديث لزائره ، واي حديث ! فقد ورد في بعض اقسام زياراته انه يكون من محدثي الله تعالى فوق عرشه.

فالعرش مجلس حديث لزواره ظله لمن يحدثه ، وفوقه لمن يحدثه الله تعالى وقد اعطاه نظير العرش من اصناف الملائكة المحدقين والطائفين ، كما سنبينه ان شاء الله تعالى

الثانية : كيفية اعلى من ذلك وابلغ بأن نقول : انه قد اعطاه العرش فكأنه كله له ، لانه اذا كان مع اخيه عليهما السلام زينة له وقرطا وشنفاً فكل شيء بزينته فلو تكلم العرش لقال : أنا من حسين .

 

القسم السادس
فيما اعطاه من احسن المخلوقات وهو الجنــة

وله ايضا كيفيتان :

الاولى : في الخصوصيات ، فنقول :

اعطاه من الجنة شجرة خاصة ، وقصرا خاصا ، وجعل من الحور العين قابلة له ، وجعلهن لاطمات عليه ، وخلق حورية مخصوصة له (ع) ، واعطاه منها باب مستقـلا اسمـــه باب الحسين (ع) وهو اكبر ابوابها .

الثانية : في كيفية اعلى من ذلك وابلغ ، فنقول قد اعطاه الجنة كلها ، فإنها خُــلقت من نوره المبارك كما في الروايات ، فالجنة كلها من الحسين وانها تشتاق الى الحسين سلام الله تعالى عليه كما في الروايات الصحيحة ، فلو تكلمت لقالت بلسان الحقيق : انا من الحسين.

القسم السابع
فيما اعطاه الله تعالى من باقي مخلوقاته من الخصوصيات

فاستمع لذلك :

فنقول : قد اعطاه من كل مخلوق افضله ، واجمل ما يمكن ان يعطي منه لواحد ، ولنذكر اجمال ذلك في ابواب ، ثم نفصلها :

باب ما اعطاه الله تبارك وتعالى من الملائكة
باب ما اعطاه من الانبياء عليهم السلام
باب ما اعطاه من الازمنة
باب ما اعطاه من السماء
باب ما اعطاه من الهواء والفضاء
باب ما اعطاه من المـــاء
باب ما اعطاه من الاشجار
باب ما اعطاه من الانهار
باب ما اعطاه من البحار
باب ما اعطاه من الانس
باب ما اعطاه من الجن
باب ما اعطاه من الطير والوحش
باب ما اعطاه من الجبال
باب ما اعطاه من الظاهرية في هذه النشأة

هذا مجملها ، وفهرسها فلنشرع في التفصيل فنقول :

باب السماء :

اعلم ان الله تعالى قد اعطاه من السموات خصائص خاصة ، فجعلها مصعدا لجسد الحسين (ع) يوم قتله ، وجعلها باكية عليه بالدم والتراب الاحمر والحمر .

ثم انه اعطى كربلاء من الخصائص الظاهرية والمعنوية خصائص افضل مما اعطى السماء .

ثم ان للحسين (ع) على وفق ما اعطى السموات السبع وما فوقهن ، افضلها ، فلاحظ الصفات المعنوية تارة ، وانظر الى ما فيه من الموجودات الظاهرية الاخرى ، واستمع لما يُتلى عليك .

ولاحظ التطبيق عند بيان كل واحدة ، فلنتكلم اولا عن الصفات المعنوية للسماء.

فنقول :

السماء: معدن الفيوض الربانية ، والحسين (ع( معدنها بنحو اسهل حصولا وايسر اسباب واعظم تأثيرا .

السماء: محل صعود الدعاء واستجابته ، والحسين (ع) اسمه محل استجابة الدعاء ، كما تحقق ذلك في دعاء آدم النبي وزكريا ويوسف وغيرهم من الانبياء بتوسلهم الى الله تعالى بالخمسة اصحاب الكساء .

السماء: يصل اليها صراخ المظلوم ، وكربلاء قد ارتفع منها صراخ المظلومين بنحو خاص لا مثيل له .

السماء : يصل اليها انين الايتام ، خصوصا اذا بكوا ، بل خصوصا اذا كان بكاءهم ليلا ، فيهتز لهم العرش ، وكربلاء ارتفع منها انين ايتام قد اختصوا بكيفية خاصة بهم .

السماء : فيها البراق اوصلت راكبها المبارك (ص) الى قاب قوسين ، وكربلاء فيها ذوالجناحين ، فرس الامام الحسين (ع( اوصل راكبه المبارك الحسين (ع) الى مرتبة انا من حسين ، لكن بسقوطه عنه .

السماء: معراج الانبياء عليهم السلام ، وكربلاء معراج الملائكة وارواح الانبياء والاولياء صلوات الله عليهم

السماء : فيها اوضاع مؤثرة في الهواء والارض ، وكربلاء فيها اوضاع اثرت في السماء والعرش والكون بل وجميع المخلوقات بأسرها الى يوم القيامة .

السماء : فيها زجل اي : الصوت الرفيع العالي. زجل التسبيح والتهليل والتكبير والتحميد واصناف من القائمين والراكعين والساجدين والقانتين ، وكربلاء قد علا فيها زجل الضجيج والعويل والانين والاستغاثة من : يا أباه ويا أخاه ويا ولداه وواأباه ، وواأخاه وواسيداه ويا سيداه وواعماه ....... وهي احب الى الله تعالى في عالم العبودية والتسليم من زجل الملائكة بالتسبيح .

السماء: قد سجدت فيها الملائكة كلها لادم (ع(، كربلاء قد صلت فيها جميع الملائكة والانبياء على جسد الحسين المقطع اربا اربا المرضوض قبل الموت وبعده المضمخ بدمائه الزاكيات .

السماء : قد وصفها الله تعالى بالسقف المحفوظ ، والحسيـــن)ع) قد جعله تعالى سقفا حافظا لمن لاذ به .

السماء : قد وصفها الله بالسقف المرفوع ، والحسين المظلوم (ع) قد جعله الله تعالى رافعا لدرجات من توسل به (ع) .

السماء: قال الله تعالى عنها " وأنزل من السماء ماءً طهوراً " ،، والحسين (ع) قد انزل الله تعالى به ذلك الماء الطهور اذ به (ع) ينزل الغيب ، وقد نزل به ايضا الغيث عند الاستسقاء فسقى مما خلق انعاما وزروعا واناسي كثيرا ، فقد خصّه بأن انزل به طهور جميع الارجاس والبليات المعنوية يذهب به رجز الشيطان ، وبذلك الماء يطفيء النيران ، وذلك الماء بعينه يكون من مياه الجنان كما ذكرناه وسنذكره.

السماء : قال تعالى بحقها " وفي السماء رزقكم وما توعدون " ،، فرزق الحياة الزائلة في السماء .

والحسين (ع) فيه رزق الحياة الدنيا والبرزخ بل والاخرة الدائمة ، وما توعدون به من الفوز بالجنان ورفع الدرجات والرضوان والخلود بالنعيم .

ثم لنتكلم ثانيا في الحياة الظاهرة ، فنقول قوله تعالى " أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيّنــّاها "

ونقول : أفلم ينظروا الى الحبيب الحسين (ع) في ارض كربلاء كيف كان موقفه ومشهده ومصابيحه حوله ممن كان معه سواء الانصار او اهل بيته او عياله ونساءه ، وكيف كان رجومه للشياطين ، ونوره وضياؤه .

فارجع البصر ثم ارجع البصر كرتين الى حالة ينقلب اليك البصر خاسئا وهو حسير ، ودمعه غزير ، انظر الى الحسين عليه السلام ، وانظر اولا الى السماء في اوضاعها وزينتها وتاثيراتها ومن حل فيها ، ثم انظر الى الحسين (ع) ومدفنه كربلاء .

ففي السماء عرش عظيم : وفي كربلاء زينة العرش العظيم .

السماء: مسكن الملائكة ، والحسين (ع ( مختلف الملائكة.

السماء : معراج الانبياء (ع) ، وكربلاء معراج الملائكة .

السماء : ذات البروج ، والحسين (ع) ذو البروج كما في الرواية فانه امام واخو امام او بو التسعة الائمة المعصومين .

السماء : فيها الصراخ ، كما في الحديث ان الله تعالى امر ملكا من الملائكة ان يجعل له بيتا يسمى بالصراخ ، قبل البيت المعمور ، يطوف به كل يوم سبعون ألفا ولا تقع لهم النوبة بعد ، والحسين امامنا (ع) له صريخ ، قد وكل به سبعون ألفا لا يُستبدلون كل يوم.

السماء فيها الجنة : والحسين (ع) زينة ، وخلقت من نوره الجنة ، وقبره تــُرعة من ترع الجنة ، وهو سيد شباب اهل الجنة .

والسماء : فيها جبرئيل الملك (ع) وفي كربلاء مخدوم جبرئيل عليه السلام .

السماء : اُسري اليها النبي (ص) ليلا ، كربلاء اسري اليها النبي (ص) نهارا كما قال (ص) هو : اُسريت الى موضع يقال له كربلاء .

السماء : فيها موسى (ع) وكربلاء فيها شجرة موسى عليه السلام

السماء : فيها عيسى عليه السلام وكربلاء ولد فيها عيسى النبي عليه السلام .

السماء : فيها جبرئيل (ع) وكربلاء فيها مخدوم جبرئيل (ع) ونزل في مدفنه جبرئيل عليه السلام.

السماء: فيها الشمس ويعرضها الكسوف ، وشمس وجه الحسين (ع) ضحاها حين اشتد عليه الامر ، وكام كلما قرب الامر اشرق لونه وازدهرت انواره بهاء وهيبة .

السماء : فيها اقمار ، وكربلاء فيها قمر بني هاشم وقد انخسف حين حيل بينه وبين اخيه في ميدان الحرب ، وهو القمر الذي اول ما تطالب بحقه الزهراء البتول (ع) في المحشر يوم القيامة ، فاعرف من يكون وما هو قدر هذا القمر الازهر.

السماء: فيها كف الخضيب ، والحسين (ع) له الرأس الخضيب والوجه الخضيب والبدن الخضيب …….. ولذا أثرت في استجابة الدعاء الى الله تعالى .

السماء : فيها السيارات السبع ، وكربلاء فيها سيارات سبع من اولاد علي عليه السلام ، واثنان وسبعون غيرهم قد ساروا برؤوسهم المباركة .

السماء : فيها نجوم ظاهرة ألف وخمسة وعشرون ، وخفيات لا تعد ، ولكل واحد تأثير مخصوص ، والحسين (ع) في بدنه اربعة آلاف ظاهري من السيف والرمح والسهم ….. الخ . والخفيات لا تعد ولكل واحد تأثير خاص موجب لالطاف خاصة ، كما لا ننسى الرض على الرض والجرح على الجرح والضربة فوق الضربة .

السماء : فيها القطب وبنات نعش تدور حوله ، كربلاء فيها بدن قطب الامامة وبناته يدرن حوله واطفاله ونساءه ، بالنوح والعويل .

السماء: فيها حامل الرأس ، وكربلاء فيها الرؤوس الزاكيات المحمولة.

السماء : فيها البيت المعمور وهو قبال الصراخ والكعبة يطوف به كل يوم سبعون الف ملك يُخلقون في ذلك اليوم ، ثم لا تقع عليهم النوبة .

والحسين (ع) له ايضا من الملائكة الطوافين حول قبره نفس هذا العدد ، كما سنذكره في عنوان الملائكة ان شاء الله

السماء : فيها المجرة وهي البياض المعترض في السماء ، يقال انها اثر كبش فداء اسماعيل (ع) ، والحسين (ع) فيها مجرة يبقى اثرها حتى انه يحشر مع ذلك الاثر يوم القيامة من خصائصه وتأثيرات في ذلك لخلاص العاصين بواسطته.

باب الارض :

قد اعطاه الله تعالى منها ارضا شرّفها بخصوصيات على الارضين كما سيجيء في باب الاحترام لمدفنه وقد جعل له صفات الارض ، وخصوصياتها كلها .

فنقول :

الارض : فيها معدن الجواهر والذهب والفضة ، والحسين)ع) معدن القصور من اللؤلؤ والياقوت الذهب والفضة .

الارض : قد انبث الله تعالى فيها من كل زوج بهيج للناس ، والحسين)ع) قد انبت له كل فرد بهيج ممتاز لا ينال بغيره .

كما سيظهر في العنوان الاتي .

الارض : قد جعلها الله تعالى للناس مهادا وكفاتا، اي: المنازل ، يستقرون عليها اياما احياء وامواتا .

والحسين(ع( : قد جعله الله للاستقرار الدائم مهدا ومهادا ، وجعل مدفنه المبارك كفاتا لشيعته احياء وامواتا .

باب ما اعاطاه تعالى من الهواء والفضاء :

قد اعطاه الله تعالى من هذين ما بين قبره والسماء بل ما بين الحائر والسماء

فجعل له اوصافا :

الاول : بأن جعله مختلف الملائكة ، كما ورد " ما بين قبر الحسين (ع) الى السماء مختلف الملائكة " ،، ومعراجا يعرج فيه باعمال زواره ، وجعل اسماعيل (ع) صاحب الهواء يحضر ذلك الفضاء كل يوم ويسأل ملائكة الحائر ويسألونه .

الثاني : جعله مصعد عمل لم يصعد مثله .

الثالث : جعله مهبط رحمة خاصة لم يهبط مثلها .

الرابع : انه محل صعود الفيض من الارض لاهل السماء فانه معراج الملائكة .

باب ما اعطاه من الماء :

اعلم انه حيث منع من الماء الذي له فيه حق الشرب كسائر الناس قد اعطاه الله تعالى من الميـــاه اربعة انواع :

الاول : الكوثر جعله حقا له لعطشه وعطش شهدائه ، ارواهم منه في الطف حين وقوعهم على الارض ، بل قبل خروج ارواحهم كما في رواية عليا الاكبر عليه السلام حين وقع طريحا : يا أبت هذا جدي (ص) قد سقاني بكأسه الأوفى شربة لا أظمأ بعدها أبدا "

وجعله حقا لمن بكى عليه يرويه منه يوم العطش الاكبر ، كما في رواية مسمع ، وهذا في كثير من الاعمال الحسنة ، لكن خصوصية الحسين (ع) ان الكوثر ليفرح بشرب الباكي عليه منه .

الثاني : ماء الحيوان في الجنان يمزج بدموع الباكين عليه فيزيد عذوبته كما في الرواية المعتبرة .

الثالث : ماء الدموع جعله الله تعالى له ، فانه صريع الدمعة ، وانه قتيل العبرة ، فهو على اثر سمه ، وعلى اثر ما هو باسمه ، وعلى ذكر مصيبته ، وعلى اثر نظره ، وعلى اثر شم تربته ، كما ذكر تفصيل ذلك في الفصول السابقة .

الرابع : كل ماء بارد عذب يشربه احبته ، فإن للحسين عليه السلام فيه حق الذكر

فإنه عليه السلام قال :

* شيعتي شيعتي ما إن شربتم عذب مـاء فاذكرونـي *

وقال الصادق (ع) " اني ما شربت ماء باردا الا وذكرت الحسين (ع) ." والحكمة في تربيع الحقوق المتعلقة بالماء له يمكن ان تكون على احد وجهين :

فأولا : انه منع عن حقوق اربعة في الماء :

الاول : من حيث الاشتراك مع الناس في حق الماء : فان الناس كلهم في الماء والكلأ ، ولا جاز الشرب من الانهار المملوكة وان لم يأذن المالك ، بل لعل من ذلك استحباب سقي الكفار ، اذا كانوا عطاشى ،كما في رواية مصادف عن الصادق (ع) في طريق مكة .

الثاني : من حيث الاشتراك مع ذوات الارواح في حق الماء ، فإن لكل ذات روح حقا فيه ، ولذا يلزم التيمم مع الخوف من العطش على الحيوانات المملوكة وغيرها.

الثالث : من حيث ثبوت حق السقي له (ع) على اهل الكوفة بالخصوص ، فإنه قد سقاهم ثلاث مرات : في الكوفة مرة حين الجدب ، وفي صفين تارة ، وفي القادسية تارة حين الملاقاة مع عسكر الحر .

والتفصيل في كتاب المراثي.

الرابع : من حيث ثبوت حق له (ع) في الفرات بخصوصه ، فإنه من نحلة الله تعالى لفاطمة الزهراء عليها السلام ، حين تزويجها بعلي عليه السلام .

فلم يرعوا واحدا من هذه الحقوق ، حتى سألهم عن ذلك قطرة لطفله وأراهم الطفل يتلظى في الرمضاء فلم يرحموه.

ثم سألهم ذلك لنفسه فلم يعطوه ، ومات عطشان ومن معه صلوات الله تعالى عليهم وعلى شيعتهم الصادقون اصحاب الايمان المستقر لا المستودع .

ما خلت قبلك بحرا مات من ظمأ كلا ولا أسدا ترديه اجمال

وثانيا : ان عطشه عليه السلام قد اثر في اربعة اعضاء ، فالشفة ذابلة من حر الظمأ ، والكبد مفتت لعدم الماء ، كما قال هو صلوات الله عليه حين كان واقفا وقد يئس من حياته بحيث علِم انهم يعلمون انه لا يعيش بعد ذلك فأظهر عطشه وقال (ع) " الان اسقوني قطرة من الماء فقد تفتت كبدي من الظمأ " ،، واللسان مجروح من شدة اللوك ، آه واإماماه وامظلوماه ، وهو قد جاء في الحديث .

والعين مظلمة من العطش كما في حديث جبرئيل لادم عليهما السلام في بحار الانوار 44: 244, ولو تراه يا آدم وهو

يقول :

" واعطشـــاه" ، حتى يحول العطش بينه وبين السماء كالدخان ، فقد اعطي الماء لاجل كل عضو قد اثر العطش فيه ، فلا يبخل عليه بالماء الذي هو بأيدينا :

إبكوا شهيـــدا بالدماء مزمـــلا بدم بكته اعين المدثر
ابكو لمظلوم مدحه لم يحص لو كانت له جريا مياه الابحر

باب الاشجار :

وافضل الاشجار الشجرة التي نودي منها النبي موسى عليه السلام ، " إني أنا اللــه " وقد ورد في الروايات انها كانت محل قبر الامام الحسين عليه السلام ، وافضل النخل نخلة مريم المقدسة سلام الله عليها ، وولد عندها عيسى النبي عليه السلام ، وقد ورد انها كانت في كربلاء .

باب البحار :

له منها خصوصية وهي انه (ع) لما قتل نادى ملك البحار على اهلها : يا أهل البحار البسوا ثوب الحزن ، فإن فرخ الرسول المصطفى مذبــوح .

باب الجبال :

اشرفها طور سينــاء ، وقد روي انه محل قبر الحسين عليه السلام ، وهو الجودي الذي استوت عليه سفينة نجاة العالمين.

فإذا تأملت حالنا الان وجدتها كما قال الامير عليا عليه السلام " احذركم الدنيا ، تميد بأهلها ميدان السفينة ، تقصفها العواصف في لجج البحار ، فمنهم الغرق الوبق ، ومنهم الناجي على بطون الامواج ، فما غرق منها فليس بمستدرك ، وما نجا منها فإلى مهلك " ، وما ندري إنّا اذا اُغرقنا ان نكون من الذين اُغرقوا فاُدخلوا ناراً، فهذه السفينة المائدة ، أي : المتحركة المضطربة اذا قضيّ الامر ما ندري ما حالها لكن اذا استوت على جودي الحسين عليه السلام بأحد وجوه الاستواء رجونــــا السلامة والنجـاة ، يا الله

باب الجن والإنس :

اما الانس فقد اعطاه بالخصوص ، منهم اصحابا قد وصفهم هو (ع) لا أحد ابّر ولا أوفى منهم ، كما يظهر من ملاحظة حالهم واستيناسهم بالمنية استيناس الطفل لثدي امه ، واعطاه منهم شيعة ، لهم بالنسبة اليه (ع) محبة خاصة اضطرارية لا تدخل تحت ملاحظة التقرب الى الله تعالى ايضا ، بل لو قلت لهم : ان هذا معصية لله لم يصغوا الى ذلك ، كما يظهر من بعض حالاتهم في اللطم والجرح لانفسهم في حياتهم وفي عاشوراء خاصة .

بل في الخدمة للائمة عموما وللحسين خصوصا من بعض الشيعة مما يراها غير المحب تعبا ونصبا لا داعي له ولكن عند الشيعي الصادق لذة لا يفوقها شيء .

وقد حكى لي بعض من يوثق به ان في بعض بلاد ماجين طائفة من الشيعة ، لهم كيفية خاصة في اللطم والضرب على الصدور في عاشوراء ، وذلك بأنهم يحفرون اخدوداً يملأونه حطبا ويضرمون فيه النار ، ثم يخوضون فيها عند الضرب على الصدور بالمرور مكررا ، ويقولون إنا لا نحس بحرارة النار ، وهذا واقع حيث نار الحزن والغم لمصاب اهل البيت وحبيب المصطفى صلوات الله عليه واله هو اشد من اي نار مادية او معنوية ، وهو لا يتحقق الا لمن فنى في حبهم واتباع نهجهم فكان وليا لله تعالى في السر والعلن .

واما الجن ، فقد اعطي منهم الحسين (ع) انصارا جاؤوا اليه يوم خروجه من المدينة ، فقال لهم (ع) " الموعد حفرتي وبقعتي ، فإذا وردتها فأتوني زوّراً " .

ومنهم من جاؤوا اليه يوم عاشوراء فاختار لقاء الله تعالى ولم يأذن لهم في المحاربة .

ومنهم انصار جاؤوا اليه ليلة الحادي عشر ، فرأوه قتيلا ، وكان منهم راثين وناعين عليه رجالهم ونساءهم وبناتهم ، ولهم عليه مراث ونثرا في كربلاء حول جسده ، وفي المدينة وفي البصرة وفي الكوفة وفي بيت المقدس وتحت العوسجة وانظر قصتها في البحار ، الجزء 45والصفحة 233ايضا234 ، وكان منهم منادون بقتله ، ناعون له في جميع الاقطار والجهات ، وكانت نساء الجن نائحــــات حول جسده المبارك ليلا حينما كان مطروحا فسمع منهن:

نساء الجن يبكين
من الحزن شجيات
ويندبن حسينا
عظمت تلك المصيبات
ويلبسن الثياب السود
يعد القصيبات

وايضا كانت الجن تنوح :
مسح الرسول جبينه
فله بريق في الخدود
ابواه من عليا قريش
وجده خير الجدود

باب خصائص الوحوش :

قد جعل الله تعالى الوحوش راثية له (ع) في كربلاء قبل دفنه ، كما في رواية الظباء التي كلمت النبي عيسى بن مريم عليهما السلام في كربلاء ، والسبع الذي رآه النبي عيسى (ع) ، كما سيجيء ، وجعلها في ليالي طرحه مادة اعناقها على جسده يبكينه حتى الصبـــاح .

باب خصائص الطيور :

قد جعل الله تبارك وتعالى الطيور نائحة عليه (ع) وناشرة اجنحتها على جسده المبارك ، ونائحة له في المدينة عند قبر جده المصطفى (ص) ، ومخبرة لغيرها من الطيور بشهادته .

باب ما خصه من الخيل والابل:

قد خصه الله تعالى بفرس رسوله الحبيب المصطفى (ص) المرتجز ، ولعله المسى بذي الجناح ، والذي كان متأسيا بصاحبه في العطش ، مؤثرا له على نفسه في ذلك .

فإنه لما ورد الماء عند التحام القتال وضع ذو الجناح فمه في الماء ، وقال له : انا عطشان وانت عطشان ، والله لا اشرب حتى تشرب ، فرفع رأسه يعني يا مولاي لا اشربه حتى تشربه ، فقال الامام الحسين (ع) " اشرب فأنا اشرب .

ثم مدّ يده الى الماء وصار ما صار مما يأتي في محله ، وجعله متظلما من قتلته مناديا : " الظلمية الظليمــة من امة قتلت ابن بنت نبيهــا" ، وجعله ناعيا له الى اهله واطفاله مجاهدا عنه بعد قتله ، كما في الرواية .

وخصّه من الابل بناقة له قد ركبها صبح عاشوراء ، وخطب عليها ثم نزل عنها ، وقال لعقبة بن سمعان ، اعقلها فظلت معقولة الى ان قتل ، فضربت رأسها على الارض حتى ماتت .

باب ما خصه سبحانه وتعالى من الاوضاع الدنيوية :

لم يرد الله تعالى الدنيا لأوليائه ، ولكن قد خصّ الحسين (ع) حيث منعوا عنه الماء والطعام وتركوه مطروحا بلا دفن ، باعطاء ثلاثة اشياء من جنس ما منعوه ، فجعل الله تعالى له سقاية ، واطعاما ، وعمارة متصلة دائمة الى يوم القيامة .

اما السقاية : فانه جعل ثوابا خاصا للسقي عند قبره لسلة عاشوراء ، فقد ورد ان من سقى الماء ليلة عاشوراء عند قبره كان كمن سقى عسكر الحسين (ع) ، وقد استنبط من ذلك ان معظم اجر سقي الماء الذي هو اول اجر يُعطى يوم القيامة انما يكون للحسين المظلوم العطشان عليه السلام .

ولذا فقد سبّل شيعته الماء في كل مكان ، وجعلوه بإسم الحسين فقامت السقايات طوال السنة في كل مكان ، خصوصا في عاشوراء باسم الحسين ، اي ثوابه للحسين ، وجعل تسبيل الماء كأنه مختص بما كان للحسين عليه السلام .

وكذلك الاطعام : في تعزيته قد استمر دائما خصوصا في شهر محرم ، فلعل ايام السنة اذا لاحظتها يصل مصرف الاطعام في مجالس عزائه ، لو قسمت على الايام كل يوم اكرارا الحساب المتعارف ، واكرارا اي : جمع كر ، وهو كيل معروف مقداره بالوزن 2160 كغم تقريبا كما يفهم من اهل اللغة .

واما العمارة : فانه حيث طرحوه على الارض عوضه الله العلي القدير ، كما اخبر به جبرئيل (ع) عن الله سبحانه ، وروته زينب (ع) عن السجاد صلوات الله عليهم ، " وينصبون لهذا الطف علمَا لقبر ابيك سيد الشهداء لايندرس اثره ، ولا يعفو رسمه ، على كرور الليالي والايام ……… " ، فجعل تبارك وتعالى عوض هذه ، قبة عالية تزداد علوا ورفعة دائما تزدهر بنور الله تعالى الى يوم القيامة فترى بيت الله ، والمشاهد كلها قد تمت عمارتها لكن حرم الحسين عليه السلام من يوم بني الى ان هدمه المتوكل ، ثم بناه الهادم بنفسه ، قد اشتغل الخلفاء والسلاطين ببنائه .

ولا ينتهي عمل البنائين والنقاشين والمزينين بالذهب والبلور فهم مشغولوان دائما ، واني من اول مقامي هناك وانا عمري خمس سنين الى الان ، وانا ابن ستين سنة ، لم ار ولم اسمع بعدم الاشتغال فيه ، اما بالعمارة او الزينة ولو يوما واحدا والظاهر استمرار ذلك الى يوم القيامة للنكتة التي ذكرناها .

القسم الثامن :

الاحترامات الخاصة به (ع) وبجميع ما يتعلق به من الحمل الى يوم القيامة

فأولها :

الاحترام الخاص للزهراء عليها السلام اثناء الحمل به عليه السلام ، وقول النبي صلوات الله عليه وآله لها : اني ارى في مقدّم وجهك نورا ، وستلدين حجة لهذا الخلق ، والقراءة عليها مكررا والقراءة على الماء ورشّه .

وقولها عليها السلام " كنت لا احتاج ايام حملي به في البيت المظلم الى مصباح " ، وقولها (ع) " كنت اسمع التقديس والتسبيح منه في بطني ، وقولها " اني كلما نمت رأيت في المنام شخصين نورانيين يقرءان عليّ "

وثانيها : الاحترام الخاص للتهنئة بولادته فقد صدرت خمسة اقسام من الوحي عندها ، فأوحى الله الى رضوان خازن الجنان : أن زخرف الجنة ، وطيّبها كرامة لمولود ولد لمحمد (ص) ، واوحى الله الى الملائكة : ان قوموا صفوفا بالتسبيح والتحميد والتمجيد والتكبير ، كرامة لمولود ولد لمحمد صلوات الله عليه وآله وسلم .

واوحى الله تعالى الى جبرئيل (ع) " ان اهبط الى النبي (ص) في ألف قبيل - والقبيل ألف ألف ملك ، على خيول بٌلق مسرجة عليها قباب الدر والياقوت معهم الروحانيون بأيديهم حراب من نور ان هنئوا محمدا (ص) بمولوده " فتأمل في هذه الكيفية والجمعية الخاصة لهذه التهنئة.

ثالثها : الاحترام الخاص لتسميته فانه قال تعالى لجبرئيل (ع) بعد ذلك ، واخبره : " اني سميته الحسين " ، فالتسمية منه تعالى بالخصوص ، وقد سمّاه في كتابه المجيد ووصفه باوصاف خاصة ، وجعل تعالى له (ع) في السموات اسماء خاصة كما في الروايات .

رابعها : الاحترام الخاص لتعزيته فانه قال تعالى بعد التسمية بالحسين (ع) لجبرئيل (ع) بعد التهنئة : عزّه وقل له : ان امتك ستقتله .

خامسها : الاحترام الخاص لقابلته ، فانه تعالى قد ارسل حورية خاصة ، فائقة على الحور عند ولادته ، فكانت قابلة له هي ومن معها من الحور العين .

سادسها : الاحترام الخاص لمهده ، فقد عاذ الملك فطرس بمهده عليه السلام .

سابعها : الاحترام الخاص لتحريك مهده ، حرّكت مهده الملائكة ، وميكائيل .

ثامنها : احترام خاص لمناغاته في المهد ، فجعل يناغيه في المهد جبرئيل عليه السلام .

تاسعها : احترام خاص لرضاعه فجعله من لسان نبيه وابهامه ، مع ان لثدي الزهراء عليها السلام شرافة لا اشرف منها .

لكن حيث ان النبي المصطفى (ص) اشرف وافضل تحقق له بالنسبة اليه مصداق ما في زيارة جابر له حين قال " غذتك يد الرحمة ورضعت من ثدي الايمان وربيت في حجر الاسلام " .

عاشرها : احترام خاص للباسه ، فاهدى اليه بالخصوص لباسا ، قال فيه النبي (ص) حين البسه : هذه هدية اهداها إليّ ربي تعالى للحسين ، وانا اُلبسه اياها ، وان لحمتها من زغب جناح جبرئيل "

حادي عشرها : احترام خاص لقبره المبارك ، فزاره قبل دفنه كل نبي من آدم الى الخاتم (ص) ، ولم يُسمع ابدا بقبر قبل دفن صاحبه فيه .

ثاني عشرها : الاحترام الخاص لدمعه ، كما في رواية الخشف من الغزالة ، وسنذكرها .

ثالث عشرها : احترام خاص لدمه ، فجعل الله تعالى حبيبه المصطفى (ص) يحيء فيلتقطه ويجمعه في قارورة خضراء ، قد جاء بها ملك من الملأ الاعلى لاجل ذلك .

رابع عشرها : الاحترام الخاص للدمع الجاري عليه ، فجعل الملائكة يجمعونه ويدفعونه الى خزنة الجنان ، ثم خزنة يمزجونه بماء الحيوان .

خامس عشرها : الاحترام الخاص لمحل سيلان الدمع ، فلا يرهقه قتر ولا ذلة .

سادس عشرها : الاحترام الخاص لمجلسه ، كما سيجيء ذكره عند خواص المجلس المبارك.

سابع عشرها : احترام خاص من الله تعالى لشفاعته ، بأن جعله شفيع الملائكة ، وجعل وقتها يوم ولادته ، وشفاعة غيره انما هي للناس يوم القيامة ، فأعطاه هذه علاوة على تلك .

ثامن عشرها : الاحترام الخاص للتربة المحيطة بقبره الشريف بتفاوت القرب اليه من خمسة وعشرين ذراعا الى اربعة فراسخ ، فلها فضائل متفاوتة بتفاوت القرب الى موضع مرقده ، وقد اختارها لمدفنه يوم دحي الارض كما قال ذلك عليه السلام حين اراد الخروج من المدينة المنورة ، فجعل الله تعالى لها خصوصيات .

الاولى : انها شرُفت على الكعبة المكرمة ،كما ورد في بحار الانوار الجزء 44 الصفحة 331

فمن حديث كربلا والكعبة لكربلابان علو الرتبـــة

وقد يقال انها افضل من ارض الغري ، وان لم تكن افضل من اصل مرقد امير المؤمنين علياً عليه السلام.

الثانية : انه ورد عن الباقر (ع) بأسانيد معتبرة ، انه خلق الله تعالى هذه الارض قبل ان يخلق الكعبة باربعة وعشرين الف عام ، وقدّسها وبارك عليها .

الثالثة : روي عنه عليه السلام ايضا باسانيد كثيرة ، انه مازالت كربلاء قبل اخلق الله تعالى الخلق مقدسة مباركة ، ولا تزال كذلك حتى يجعلها الله افضل ارض في الجنة ، وافضل منزل ومسكن يسكن الله تعالى فيه اولياءه في الجنة .

الرابعة : انه جعل هذه التربة ترعة من ترع الجنـــة.

الخامسة : عن السجـــاد صلوات الله عليه : انه اذا زلزلت الارض زلزالها ، وسيّرها ، رفعت كربلاء كما هي بتربتها النورانية صافية ، فجُعلت في افضل روضة من رياض الجنة ، وانها لتزهر بين رياض الجنة كما يزهر الكوكب الدري بين الكواكب ، يغشى نورها ابصار اهل الجنة ، وهي تنادي انا ارض الله المقدسة الطيبة المباركة التي تضمنت سيد الشهداء وسيد شباب اهل الجنـــة .

السادسة : ان التسبيح والاستغفار بحبات صنعت من تربته موجبان لتضاعف ثواب التسبيح لسبيعين .

السابعة : ان ادارة السبحة المباركة من تربة كربلاء بلا تسبيح توجب ثواب التسبيح .

أكرم بها من سبحة لحامل يحملها مسبحهِ .

الثامنة : انه اذا اخذ السبحة منها وقال صباحا : " اللهم اني اصبحت اسبحك واهللك واحمدك عدد ما اُدير به سبحتي " كتب ذلك ما دامت في يده ، وكذا اذا قال حين نومه ، واضعا لها تحت رأسه ، كما في الرواية عن الامام السجاد صلوات الله تعالى عليه .

التاسعة : ان السجود على ترابها يخرق الحجب السبعة ، ومعنى هذا الحديث اما خرق السموات للصعود ، او المراد بالحجب: المعاصي السبع ، التي تمنع قبول الاعمال ، على ما في رواية معاذ بن جبل ، وان السجود عليها ينوّر الارضين السبع

مسألــة : هل الفضل في السجود على التراب منها ؟ او يشمل المصنوعة من الطين المتعارفة ؟ روي معاوية بن عمار ان الصادق (ع) كانت له خريطة ، اي : كيس او هميان ، فيها تراب كان يفرشه ، ويسجد عليه ، وهذا يدل على افضلية التراب ، ويدل عليها غيره من العمومات .

العاشرة : ان اكل كل طين حرام ، وفي الرواية عن الصادق عليه السلام انه كلحم الخنزير ومن اكل فمات فلا يُصلى عليه .

الا من اكل طين قبر الحسين صلوات الله عليه للشفاء ، والذي له شروط واداب بالنسبة الى مكان اخذه واخذه وموضع امساكه واكله والنية فيه ، وعمدة ذلك النية ، وفي الحديث عن ابي يعفور باسانيد كثيرة .

قال قلت لابي عبدالله عليه السلام : ياخذ الانسان من طين قبر الحسين (ع) فينتفه به ، ويأخذه غيره فلا ينتفع به ، قال (ع) : لا والله الذي لا إله الا هو ، ما ياخذه احد وهو يرى ان الله تعالى ينفعه به ، الا نفعه الله تعالى به ، وكذا يذهب اثره عدم الختم عليه فيتسمح به الجن والشياطين ويذهب اثره ، كما في الروايات ، وللختم عليه طرق .

الحادية عشرة : ان حمل طينه عوذة وحرز للمخاوف اذا حمله بهذه النية كما في الحديث.

الثانية عشرة : ان جعل طينه في المتاع للتجارة موجب للبركة فيها ، كما في الرواية في كامل الزيارات 278

الثالثة عشرة : انه ورد: حنّكوا اولادكم بتربة قبر الحسين عليه السلام فانها امان ،، ايضا نفس المصدر الآنف الذكر.

الرابعة عشرة : انه اذا جُعل مع الميت في قبره كان له امانا ، كما ورد ، وقد ورد ان امراءة كانت تزني وتحرق اولادها فلما ماتت ودفنت قذفتها الارض مرارا فجُعل معها بتعليم احد الائمة تربة الحسين عليه السلام ، فلم يقذفها المدفن بعد ذلك .

الخامسة عشرة : انه يستحب خلط الحنوط بتربة كربلاء ، كما في تهذيب الاحكام الجزء السادس صفحة 76

السادسة عشرة : ان الدفن فيها موجب لدخول الجنة بغير حساب .

السابعة عشرة : ان الحور العين تستهدي التربة من الملائكة النازلين الى الارض للتبرك بها .

الثامنة عشرة : ان هذه التربة قد حملها كل ملك واهداها الى النبي (ص) وقد اخذ النبي محمدا (ص) منها بنفسه وقد اخذ الحسين عليه السلام منها بنفسه ، ايضا كما سنذكره.

التاسعة عشرة : انه قد دفن فيها قبل الحسين (ع( مائتا نبي ومائتا وصي ومائتا سبط كلهم شهداء كم في الرواية المعتبرة في كامل الزيارات 270 .

العشرون : ان شمّها موجب لاراقة الدموع والعبرات ، وقد تحقق ذلك قبل دفنه ايضا للنبي (ص) وبالنسبةالى الحسين نفسه (ع) ، كما سنذكره في بيان اسباب البكاء .

الحادية والعشرون : ان هذه التربة قد انقلبت دما ، اينما كانت عند انصباب دم الحسين صلوات الله عليه ، كما يظهر من روايات كثيرة منها رواية التربة التي كانت عند ام سلمة والتي رواها العامة والخاصة ، وقد اعطاها النبي المصطفى (ص) لها حين اتى بها جبرئيل (ع) الى النبي (ص) وحين اُسري به (ص) هناك .

فأتى بها (ص) بيده الشريفة واعطاها الى ام سلمة وهي تربة حمراء ، فقال لها (ص) " احتفظي بها ، فإذا صارت دما فإن ابني قد قُتل " قالت : فوضعتها في قارورة ز وكنت انظر اليها كل يوم ، وابكي ، حتى صار يوم العاشر من المحرم ، نظرت اليها وقت الصبح فوجدتها على حالها .

ثم عدت اليها بعد الزوال فاذا هي دم عبيط ، فصحت وصرخت ، قالت ام سلمة : رأيت القارورة بين يديها ودمها يغلي.

وقد روي ان ام سلمة صلوات الله تعالى عليها ماتت يوم العاشر من المحرم حزنا على ولدها الحسين صلوات الله تعالى وسلامه عليه،وذلك بعد ان اقامت العزاء عليه مع جمع من نساء المدينة المنورة .

الثانية والعشرون : ان دخوله موجب للحزن الشديد كما هو مُشاهد بالوجدان ، خصوصا اذا دنوت من القبر ، خصوصا اذا نظرت الى قبر ابنه عند رجليه ، في الرواية انه يرحمه من نظر الى قبر ابنه عند رجليه ، كما جاء في كامل الزيارات 61 ، فهل ترحمه كذلك اذا تصورت حالهما .

الثالث والعشرون : ان هذه التربة مقبوضة بيد كل ملك زار النبي المصطفى (ص) ففي الرواية ان كل ملك اتى النبي (ص) كان معه شيء من تربة كربلاء ، وكل نبي زار كربلاء فقد قبض منها وشمّها ومسّ جلده ترابها المبارك ، فهي مقام كل الانبياء عليهم السلام الى يوم القيامة .

الرابعة والعشرون : من الاحترامات الاحترام الخاص الذي قدّره الله تعالى لها مقارنا مع هتك حرمته من كل هاتك اراد اذلاله فقرنه بإعزاز واحترام ، إما من الهاتك نفسه ، وإما من غيره مقارنا لهتكه بحيث يغلب على هتكه .

وقد لاحظت هذا المعنى من قضايا عديدة تقرب الى اربعين قضية ، والحمد لله على إلهامه ذلك ، وان اردت تصديق ذلك فلاحظ قضايا هاتكي حرمته والمجترئين عليه صلوات الله تعالى عليه .

فنقول : ان الاذلال والهتك للحرمة عنوان ، والقتل والجرح عنوان اخر ، وحيث ان من اللطف الواجب على الله تعالى ان لا يذل اولياءه ذلا ينفر عنهم القلوب .

فقد جعلهم مع الضعف والفقر والخصاصة الظاهرية يملأون العيون غنى وصولة وهيبة ووقارا وتمكينا في القلوب .

وقد جعل لسيدنا المظلوم في ذلك خصوصية فاول من احب قتله وهو معاوية أمر بإحترامه ، وذلك عند وصيته ليزيد

وقوله له : اني اخاف عليك من الحسين عليه السلام ، لكن اذا ظفرت به راع حقه ، فانه فلذة كبد رسول الله تعالى صلى الله عليه وآله وسلم .

واول من اُمر بقتله ، وهو الوليد حاكم المدينة ، قال : اعوذ بالله تعالى ان ابتلي بدمه.

وقد احترمه ابن سعد عليه اللعنة ، حين عزم على حربه ، فأنشد أبياتا منها :

ءأترك ملك الري والري منيتي
او اصبح ماثوما بقتل حسين
وقي قتله النار التي ليس دونها
حجاب ولكن لي في الري قرة عين

وقد احترمه شمر حين امر الناس بالهجوم عليه ، فقال : انه كفء كريم ليس القتل عنده عاراً .

وقد احترمه من اشتغل بقتله بأقوال منها : اقتلك وأعلم ان الخصل العلي الاعلى ، وقد احترمه حامل رأسه الى ابن زياد لعنه الله تعالى ، فقال :

املأ ركابي فضة او ذهبا
اني قتلت السيد المهذبا
قتلت خير الناس اما وابا
وخيرهم اذا يُنسبون نسبا

فأمر ابن زياد بقتله

وقد احترمه الراضّون لجسده بأبيات عظّموه فيها ، انظر الى اللهوف الصفحة 59

وقد احترمه يزيد لعنه الله تعالى ، بمدحه له (ع) ورأسه المبارك بين يديه ،

وان الاحترامات المقارنة للهتك اذا لم تحصل من الهاتك نفسه ففي قضايا كثيرة من الذين هتكوا حرمته بألسنتهم :

منها قول من قال له يوم عاشوراء : يا حسين ابشر بالنار ، فقارنه الله تعالى بأن عثرت فرسه فتعلقت رجله بالركاب فجرّته الفرس الى خندق النار في ساعته . ومنها : قو من قال له ذلك اليوم : يا حسين اي حرمة لك من رسول الله (ص) ، فابتلى تلك الساعة بأن خرج للحدث فلدغته حية وهو يتغوط وتلوث بحدثه ومات في ساعته.

ومنها : قول من قال له : انظر الى الماء حتى تموت عطشا فقال الحسين عليه السلام " اللهم أمته عطشا " فعرضت له حالة كان ينادي العطش فيُسقى قربة ، ثم ينادي العطش حتى انقّدت بطنه ومات عطشا.

الخامسة والعشرون : الاحترام الخاص لاكله فانه قد اتحف من الجنة بثمرات حين اشتهاها ، وهي في مواضع ، منها حديث الرطب ، والسفرجلة ، والتفاحة ، وكل طعام اهدي من الجنة الى جده (ص) وابيه وامه واخيه (ع) كانت عمدة استدعائه منه او لأجله.

السادسة والعشرون : التشريفات الخاصة للباسه ، قد خصّ الله تعالى الحسن والحسين عليهما السلام ، بأن اُهدي اليهما من ألبسة الجنة مرارا واختلاف اللونين في لباسهما . والسر فيه مشهور وعلى كل لسان مذكور ، لكن خصّ الله تعالى الحسين عليه السلام بلباس خاص به

قالت ام سلمة : رأيت رسول الله صلوات الله عليه وآه يُلبّس ثوبا للحسين (ع) لم أر مثله في الدنيا فسالته فقال : هذه هدية اهداها ربي تعالى للحسين وانا اُلبّسه اياها ، وان لحمتها من زغب جناح جبرئيل عليه السلام .

ثم ألبسه الله تعالى بعد ذلك عند عرائه ألبسه من حلل الجنة بيد الملائكة كما سيجيء تفصيلها ان شاء الله تعالى.

انتهـى العنوان الرابـع

 

Description: C:\Users\f\Desktop\%D9%83%D8%AA%D8%A8 %D9%85%D8%B3%D8%AD%D9%88%D8%A8%D9%87\1\main\images\pa07.gif

 

العنوان الخامس

في بيان اللطف الرباني الخاص بالامام الحسين عليه السلام

الذي عبّر عنه بقوله " فوضع الله تعالى يده على رأس الحسين عليه السلام" وحيث انه كناية عن نهاية نظر الرحمة اليه فقد ظهر هذا في شيئين كما في الروايات الصحيحة :

الاول : ما ناله هو في نفسه .
الثاني : ما ينال الناس به .

اما الاول : فانه مرتبة خاصة من القرب لا نقدر على تقريرها بل ولا على تصورها ، ومن فروعها جعل الامام في ذريته .

واما الثاني : فاُمور كثيرة : منها جعل الشفاء في تربته ، والاجابة تحت قبته ، وعمدتها واجّلها واعظمها ، ان الله تعالى قد خصّه بصيرورته سببا عاما لرحمته على عباده وقد خلقهم لها فجعله بذلك عمدة التسبب ، وحيث كان نبيه رحمة للعالمين جعل الحسين من النبي وجعل النبي المصطفى منه ، ولذا قال (ص) " حسين مني وانا من حسين " .

فهو محل وضع يد الرحمة ، ومن الرحمة ، وغذته يد الرحمة ، ورُبيّ في حجر الرحمة ، ورضع من لسان الرحمة ، ونبت لحمه ودمه وذاته روحه الزاكية من الرحمة ، ونور بصر الرحمة ، وهو جلدة ما بين عيني الرحمة ، وريحانة الرحمة ، ومجلسه صدر الرحمة ، ومركبه كتف الرحمة ، ومرتحله ظهر الرحمة ، ومسيره الى الرحمة ، ومعدن خاص للرحمة ، ومجمع لاسباب الرحمة ، وجامع وسائل الرحمة ، ومنبع عيون الرحمة ، ومشرع الواردين للرحمة ، ومترع مناهل الرحمة ، ومغرس حدائق الرحمة ، ومظهر ثمرات الرحمة ، ومنبت اغصان الرحمة ، ومحرك مواد الرحمة ، وسحائب فيوض الرحمة ، وبه يتحصل الكون في موضع العفو و الرحمة ، والدخول في سعة دائرة الرحمة ، وبالرحمة عليه يتحقق كتب واسع الرحمة ، وهو الرحمة الموصولة ، والرحمة المرحومة ، فهل في قلبك له عليه السلام رحمة فتكون من الباكين عليه رحمة فيصلي عليك رب الرحمة تبارك وتعالى ؟ ، ويقال لك صلى الله تعالى عليك يا صاحب الرحمة ، وهذا العنوان لبيان وسائل الرحمة به اجمالا وكثرتها وعمومها وبيان معادتلها مع كل الاعمال الشرعية والصفات الدينية .

ولنذكر اولا مقدمتين :

المقدمة الاولى : " أيحسب الإنسان أن يترك سدى " ، لا تحسب ايها الانسان انك جئت سدى ، ولا تحسب انك تترك سدى ، ولا تحسب انك تذهب سدى ، فان خالقك حكيم قادر غني منزه عن العبث واللهو ، وقد وجدت بخطابات تكوينية بعد ان لم تكن شيئا مذكورا ، فكنت ترابا بخطاب ، ثم نطفة بخطاب ، ثم علقة بخطاب ، ثم عظاما بخطاب ، ثم مكسوا بلحم بخطاب ، ثم انسانا بخطاب ، ثم افيض عليك العقل والقوى بخطاب من الله تعالى .

وهذه كلها خطابات تكوين منه تعالى لك ، فلما تكونت بمقتضاها توجهت اليك اقسام من الخطابات التكليفية ، وتفرعت عليها اقسام خطابات لك ، واقسام خطابات بالنسبة اليك .

بيان ذلك : انك مخاطب الان باعتقادات ، وبصفات وبفعل واجبات ومندوبات ، بدنيات وماليات ، وبترك صفات وافعال واقوال واموال ، وبخطابات تعلمها اولا ثم تعمل بها ، ثم انه قد توجهت اليك بعد ذلك خطابات ارشادية بالطاعات ، والاستباق الى الخيرات ، ابتغاء الوسيـــلة الى الله تعالى ، واتخاذ السبيل الى الله ، واجابة داعي الله تعالى ، والتزود الى الله ، واقراض الله ، و تقوى الله ، والمجاهدة في سبيل الله ، والمسارعة الى مغفرة الله تعالى ونحو ذلك .

وبعد توجه هذه الخطابات اليك ، تتوجه اليك خطابات تكوينية يتحقق مؤداها بمجرد توجهها عند انقضاء اجلك .

فتخاطب روحك ممن له الامر بالمفارقة ، وجسدك بالوقوع وقواك بالسقوط ، وعينك بالظلام ، وسمعك بالصم ، ولسانك بالخرس ، ويقال لك : اترك كل ما في يدك ومالك وما تراه بعينك كله دفعة واحدة .

فيتحقق كلٌ بمجرد الخطاب بهما ، ولا تقدر على عدم اجابة هذا الداعي الالهي .

واذا تحقق ذلك فتصير معرضا لخطابات .

هي اثار الخطابات التكليفية الموتجهة اليك ، وتختلف حالتك فيها باختلاف حالاتك في امتثالها .

فمنها خطابات : تتوجه اليك بعد تفرق اجزاء وجودك من روحك وجسمك باجتماع اجزاء جسدك وعود الروح كما انت الان ، وهذه ايضا تتحقق الاجابة عليها بمجرد النداء بها ،

ومنها : خطابات تتوجه اليك : بــ( إقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً ) فتأخذه اما بيمينك او بشمالك او وراء ظهرك ، فتقرأه ، فإما ان تقول : " يا ليتني لم اُوت كتابيه ، ولم أدر ما حسابيه " ، وإما ان تقول : " هآؤم اقرؤا كتابيه ، إني ظننت أني ملاقٍ حسابه " .

ومنها : خطابات تتوجه من الله تعالى : فمنهم من يخاطب : " يا عبادِ لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون : ، ومنهم من يُخاطب : " وامتازوا اليوم أيها المجرمون " .

ومنها : خطابات تتوجه الى ملائكة المحشر بالنسبة الى اهلها : فمنها " وقفوهم إنهم مسؤلون ، ومنها بالنسبة الى المؤمنين حي تتلقاهم الملائكة " أبشروا بالجنة التي كنتم توعدون ". .

ومنها : بالنسبة الى بعض المذنبين : " خذوه فغلوه " ، فياله من ماخوذ لا تنجيه عشيرته ، ولا اهله ،

ومنها : " ثم الجحيم صلّوه " .

ومنها : " ثم في سلسلة ذرعها سبعون ذراعاً فاسلكوه " ، وما ادراك بمعنى فاسلوكه ، ان معناه ان يُسلك الشخص في حلقات السلسلة ، لا كسلاسل يشد بها الشخص على ما هو المتعارف .

ومنها : خطابات الى الملائكة بالنسبة اليك: أما : " سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين " أو " خذوه فاعتلوه الى سواء الجحيم ، ثم صبوا فوق رأسه من عذاب الحميم " .

ومنها : خطابات تتوجه اليك تعجيزية : منها : " يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السموات والأرض فانفذوا " .

ومنها : " أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون على الله غير الحق " .

ومنها : خطابات تهكمية : منها : " اصلوها فاصبروا او لا تصبروا سواء عليكم " .

ومنها : ذق إنك انت العزيز الحكيم " .

فهذه الخطابات السبعة الاخيرة فروع للخطابين الاولين التكليفي والارشادي ، فلاحظ نفسك أيها امتثلا او تهيؤاً لها .

المقدمة الثانية : اعلم انك الان مصاب بمصيبة عظيمة ما اعظمها لو تصورتها .

وذلك من جهات :

الاولى : انك رمية المصائب العارضة واسير المنايا وهدف البلايا في حلقوم الرحى الدائرة ، مساق الى الموت كل ساعة في النزع ، وفي سفينة طوفانية ما تدري اي ساعة تغرق قد احاط بك الاخلاط التي لا بد ان تُقتل بأحدها ، واحدق بك الاعداء كل يجرك الى طرف.

الثانية : مصيبة لك لا تحس بها ابدا ولكن كان عليا عليه السلام اذا ذكرها يتململ تململ السليم ويبكي بكاء الثكلـى ، وهي ان السفر بعيد ، والمنازل مخوفة مهولة ، والمورد عظيم خطير ، والزاد قليل ، والرجل حافية ، ومالك موكب ، والكف صفر ، والطريق مخوف.

الثالثة : قد عظم بلاؤك ، وافرط سوء حالك، فانت المحترق بالنيران المتعددة ، انت الذي اشتغل قلبك وبدنك ولسانك وبطمك ورجلك بشعلات المعاصي ، انت المقتول في معركة الذنوب ، انت المأسور للنفس الامارة والشيطان ، اعضاؤك مشتعلة النيران ، قد توقدت على الظهور والبطون ، والقلوب قد تقطعت اجزاء انسانيتها ، وقد جرحت بمائة الف جرح من المعاصي ، وقد وطأت خيول الضلال اعضاء هدايتك .

الرابعة : بلية عظيمة لا مناص عنها ولا خلاص ، وهي انه ان بقيت هنا ، فانت الان ، اما فقير او غني ، فان كنت فقيرا وكبرت سقطت قواك ، وان كنت غنيا لم تلتذ بما عندك، فاجتمعت عليك مصائب الفقر الى من كان فقيرا اليك ، وتأذى احب الناس اليك منك ، فيرجو موتك من ترجو حياته ، وينزعج كل واحد لاستبطاء موتك ، فان ذهبت من هنا فالى قبر لم تمهده لرقدتك ، ولم تفرشه للعمل الصالح لضجعتك ، فاذا دخلته وبقيت فيه فوجه كالح والكالح هو التكشّر في عبوس او التعبس المفرط ، وجسد خاوٍ ، واعضاء معطلة مسودة ، ومصاحبة للنمل والدود والعقارب والخنافس ، وان خرجت ، فالى محشر ارضه نار ، وسقفه نار من الشمس ، والجوانب نار من المعاصي ، فان بقيت فكيف تبقى ؟ وان ذهبت فالى اين ؟

فلو عرفت انك مصاب بهذه المصائب ، للبست السواد ، وفرشت الرماد، وتركت الاهل والمال والاولاد .

قال عليا عليه السلام : " انكم لو تعلمون ما اعلم مما طُوي عنكم غيبه اذاً لخرجتم الى الصعداء تبكون اعمالكم وتلتدمون على انفسكم ، ولتركتم اموالكم لا حارس لها ولا خالف عليها ، ولهمّت كل امريء منكم نفسه " ، فاشغلتكم هذه المصيبة عن كل مصيبة ، ولو كانت في نفسك وولدك واخوانك .

تبيان : المراد بالصعداء هنا : الصحاري ، والالتدام : ضرب النساء صدورهن او وجوههن للنياحة ، وهمته اي : شغلته

واذا تمهدت المقدمات ، فاعلم : ان خامس اهل الكساء ، وسيد الشهداء ابا عبد الله الحسين عليه التحية والثناء .

قد امتثل لله تعالى خطابا خوطب به في صحيفة مكتوبة له خاصة ، جاء بها جبرئيل عليه السلام من الله تعالى واودعها عند نبيه محمدا صلوات الله عليه واله ، ثم سلمها (ص) الى عليا (ع) ثم علي الى الحسن (ع) ثم سلّمها الحسن المجتبى الى اخيه الحسين عليهما السلام عند وصيته ، فامتثل خطابا خاصا من تكاليفه الخاصة ، والخطاب الخاص هو : " اخرج بقوم الى الشهادة فلا شهادة لهم الا معك واشتر نفسك لله عز وجل " ، نعم فامتثل عليه السلام خطابا خاصا من تكاليفه الخاصة .

حصل لمن توسل بوسائله ، اطاعة التكاليف الارشادية ، وامتثال الخطابات التكليفية ، وتحمل مصيبة اُعطى بها اجر حصل لمن تمسك به ارتفاع جميع المصيبات ، وتفرع على ذلك النجاة من العقبات ، خوطب عند امتثاله ذلك التكليف الخاص بخطاب ارتفع به عن المتوسل به ، التهكمية ، والتعييرية من الخطابات .

ففي وسائله يحصل امتثال الامر بالطاعات ، والامر بالصلاة والصيام والصدقات والحج والعمرة والجهاد والرباط ، ويحصل ثوابها ، ويحصل لك اعلى افرادها الذي يتصور وقوعه منك، وزيادة على ذلك انه قد يحصل لك اعلى افراد مالا يتصور وقوعه منك ، مثل الصلاة والحج و الجهاد مع الني محمدا صلوات الله عليه واله ، وزيادة على ذلك انه قد يحصل لك بحسب العدد والكم ما يستحيل وقوعه منك، مثل ان تحج مائة حجة .

وفي الوسائل الحسينية ما تحصل لك مائة الف حجة ، وقد يحصل لك ما يستحيل وقوعه في نفسه لا منك خاصة ، فالتشحط بالدم قتيلا لا يمكن الا دفعة واحدة ، وفي الوسائل ما تكون الف مرة متشحطا بدمك في سبيل الله تعالى فبها ترتفع المصيبات المتحققة فيك الان وانت لا تشعر بها ، وتندفع البليات التي انت معرض لورودها ، وبها يحصل تسهيل العقبات التي انت مشرف عليها ، وبها يحصل الامن من الاهوال والمخاوف في جادتك التي انت الان ماش عليها ، وبها يحصل امتثال التكليفية والارشادية من الخطابات ، وتحصل المحمودة من الصفات ، وترفع تأثيرات المهلكات من الصفات ، وبها تحصل المغفرة للعصيان الحاصل بارتكاب المنهيات ، والفتح لما سدّ الشخص على نفسه من ابواب الجنان ، وسدّ ما فتحه من ابواب النيران واطفاء ما احاط به الان من النيران ، وبها حصول الدرجات ، وبها ارتفاع الدرجات ، وبها ارفع الدرجات ، وفيها مالا يُتصور من الدرجات ، ولتوضيح هذا المطلب نذكر عائدة

" تعِيَها اذن واعية " فيها عود وتكرر وتوضيح فاحضر قلبك واستمع .

واحترس ، فانه قد توجهت اليك الان من ربك خطابات كثيرة انت في عهدتها

فالافاقة الافاقة ، فلك بعد ايام ، حالة قيامة صغرى عليك ، تتوجه بالنسبة اليك خطابات تجري عليك ، ما اصعبها .

الحذر الحذر ، فلك بعد ذلك حالة تجري عليك ما اصعبها ، الحذر الحذر ، فلك بعد ذلك حالة وهي القيامة الكبرى تقوم عليها تتوجه بالنسبة اليك خطابات ما اعظمها وافظعها واهولها ، فبالحسين يحصل امتثال خطابات لك ، وبالحسين عليه السلام يسهل جريان خطابات ، وبالحسين دفع ورفع لخطابات ، فهنا ثلاث كيفيات :

الكيفية الاولى :

تفصيل لتحصيل امتثال الخطابات وهي على اقسام :

الخطاب الاول : خطاب العبادة ، قال الله تعالى " يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون "

وهذا خطاب ورد على لسان مائة والف وعشرين الف نبي وعلى لسان الاوصياء والصلحاء والملائكة والحكماء والعرفاء واهل الملل ، فلاحظ نفسك هل عبدته بعبادة مطابقة لاحدى الملل السابقة ، او لهذه الملة التي تدعيها الان ؟ .

ثم لاحظ زمانا لها ، فهل عبدته في طول عمرك ، او نصف عمرك ، او بعض عمرك ، او سنة من عمرك ، او شهر او يوم او ساعة .

ثم لاحظ نفسك من اي عبّاده انت ، فلست من عباده المكرمين ولا من عباده المصطفين ولا من عباده المخلـَصين ولا من الذين قال تعالى فيهم : " إن عبادي ليس لك عليهم سلطان " .

ولا من عباده المؤمنين اذا لا صفة لك من صفاتهم .

ولا من عباده المتقين اذ لا علامة فيك من التقوى .

ولا من عباده المسرفين الذين قال تعالى فيهم : " لا تقنطوا من رحمة الله " ، فإنه قال :" وأنيبوا إلى ربكم " ، ولست من المنيبين المخاطبين ، بــ ( لا تقنطوا ) .

ثم لاحظ عبادتك له تعالى ، وليست عبادتك عبادة الاخلاص الخاص .

بل ولا كعبادة العبيد تكون خوفا من ناره .

بل ولا عبادة الاُجراء تكون طمعا في جنته .

وليتنا اكتفينا بعدم عبادته تبارك وتعالى بقسم من الاقسام ، بل عبدنا من دونه عدونا وعدوه ، ولسنا اكتفينا بواحد بل عبدنا الهوى وعبدنا الدينار والدرهم .

وعبدنا ما لا يحصى عدده ، وليتنا اكتفينا بقسم من اقسام العبادة ، بل عبدناه بجميع ما يُتصور من اقسامها.

فاذا عرفت حالتك بالنسبة الى عبادة ربك تعالى فاعلم انه يمكن ان تنال بالحسين الشهيد عليه السلام دخولك في جميع اقسام العبادات وعبادتك طول عمرك ، ويمكنك ان تنال به (ع) مرتبة العبودية بجميع انواعها واقسامها ، وبيان ذلك :

فيه مطالب :

الاول : اذا زرت الحسين (ع) حصلت لك من مراتب عبادة المكرمين ، وهم الملائكة ، وذلك ان علو مراتبهم انما هو بمراتب عبادتهم ، وقد يحصل لزائر الحسين (ع) صلاة الملائكة وتسبيحهم وتقدسيهم وطول عبادتهم الى يوم القيامة ، وفوق ذلك تكون الملائكة نوّابا عنه في زيارة الحسين (ع) الى يوم القيامة ، وسنذكر الروايات بعد ذلك ان شاء الله .

وبهذا يظهر لك معنى الروايات ان من زار الحسين (ع) كان من عباد الله تعالى المكرمين .

الثاني : اذا زرت الحسين (ع) حصلت لك من مراتب عباده المصطفين ، وهم الانبياء سلام الله عليهم اجمعين ، فإن من بعض خواصها الكون مع النبي صلوات الله عليه وآله ، والاوصياء في درجاتهم والاكل معهم على موائدهم ومصافحتهم ودعاءهم لك وحديثهم معك وسلامهم عليك ، وسنذكر تفصيل الروايات في ذلك .

الثالث : بخصوصيات وسائل الحسين (ع) تحصل لك من مراتب عبادة الصالحين والمخلصين والمؤمنين والزاهدين والخائفين ، كما سيظهر تفصيلها من الروايات الخاصة ، وكما يحصل بها لك من مراتب العباد كلهم يحصل لك ثواب العبادات كلها من خطابات الصلاة ، والزكاة والحج والعمرة والجهاد ، والمرابطة ، والوقوف والصدقات والمستحبات، وثواب اعلى الدرجات و النيات وثواب عبادة العمر كله لا بل الدهر كله ، كما يتبين ذلك عند ذكر التفصيلات .

الرابع : من الوسائل الحسينية ما يحصل لك منها خصوصية نداء العباد المسرفين المنيبين المخاطبين بقوله تعالى " لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً " ، فإنه تحصل بالبكاء عليه سلام الله عليه ويحصل من الزيارة له مغفرة الذنوب جميعا ، لا الذنوب الماضية فقط ، بل قد تحصل مغفرة الذنوب المستقبلة ، لا ذنوبك جميعا ، بل قد تحصل مغفرة جميع ذنوب والديك ، لا ذنوب والديك معا ، بل قد تحصل مغفرة ذنوب من احببت جميعا ، كما جاء في كتاب كامل الزيارات 152و154و166 وبحارالانوار جزء 98الصفحة 26

وسيُعلم هذا عند ذكرالروايات في التفصيل ان شاء الله تعالى

الخطاب الثاني : " يا أيها الناس اتقوا ربكم " ، وهذا كالخطاب الاول ، خلاصة كلام كل نبي بل هو وصية كل نبي ومضمون كل كتاب سماوي ، وهو على اقسام ، وتحصل بوسائل الحسين (ع) ثمرات جميع اقسامه واعلاها ، اي خطاب المتقين يوم القيامة بقوله تعالى " يا عبادِ لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون " . .

اذ بمثل هذا يُخاطب من زار الامام الحسين عليه السلام عارفا ، كما سيجيء بيانه عند التفصيل في العنوان الاتي

الخطاب الثالث : الانفاق في سبيل الله تعالى ، " وأنفقوا في سبيل الله " ، وقد يحصل بالحسين (ع) جميع افراد الانفاق ، من الاعطاء والاطعام والسقي والزكوات والصدقات وكل معروف هو صدقة ، بل يحصل منه ما يستحيل حصوله بغيره عليه السلام ، ففي بعض خصوصيات وسائله ما يكتب لك بها ثواب سقي عسكر الحسين المظلوم صلوات الله تعالى عليه وفي يوم عاشوراء ، وذلك بالنسبة لمن سقى الماء في عاشوراء عند قبره المبارك .

فهل تحبون ان تسقوا عسكر العطشان الان وان لم تكونوا عند قبره ولم يكن ليل عاشوراء :

فكل موضع يرى قبره وكربلا كل مكان يرى

فاذا تصورته واحترق قلبك على حالاته صار قلبك موقفه ومدفنه ، فاسق عنده الماء من عينيك وبذلك تكون قد سقيته وسقيت عسكره وعياله واطفاله ومن كان معه .

الخطاب الرابع : خطابات الجهاد " وجاهدوا في الله حق جهاده " ، وهو قسمان : اكبر واصغر ، والقاتل سعيد فيهما فالمقتول في الاول شهيد ، لكن المقتول في الثاني طريد ، ولست بقاتل ولا مقتول في الاول ، ولا في الثاني ، ولكن يمكن ادراك ذلك بالحسين الشهيد عليه السلام .

وفيه مطالب :

الاول : اذا تمنيت ان تكون شهيدا مع الامام الحسين عليه السلام وقلت : يا ليتني كنت معكم ، كان لك من الثواب مثل من اسشهد معه ، كما جاء في امالي الصدوق الصفحة 112و113 وكذلك في بحار الانوار .

اقول : هنا يتحقق هذا الامر مع الحب والاتباع والتأثر الصادق بولائهم عليهم السلام ، والناس في هذا مراتب ودرجات متفاوتة كلٌ بحسب قابليته وتعلمه وايمانه وقبل كل شيء توفيق الله تعالى له ولطفه عليه ، وليس حديثا نجريه على اللسان .

الثالني : اذا احببت عمل الشهداء شاركتهم ، كما في رواية جابر قال : نعم اشهد لقد شاركناكم فيما دخلتم فيه.

الثالث : اذا زرت الحسين (ع) في ليلة عاشوراء وبتّ عنده حتى الصباح لقيت الله تعالى ملطخا بالدم كمن قتل معه .

الرابع : وهو يفوق اصل الجهاد ، فإن الجهاد قد تحصل به الشهادة وقد لا تحصل ، وفي هذه الوسائل ما يحصل من ثواب الجهاد والشهادة والتشحط بالدم .

الخامس : ما فاق على ذلك ، فان التشحط بالدم في سبيل الله تعالى انما يتحقق مرة واحدة ، وفي الوسائل ما يحصّل ذلك مرات عديدة .

الخطاب الخامس : " وتزودوا فإن خير الزاد التقوى " ، واحسن الزاد ما طاب وبلغ المنزل .

وزيارة الحسين (ع) نِعم الزاد لهذا السفر الطويل ، فانه نافع في كل منزل ، وطيب ، قد فاق كل زاد وليس هو زاداً لك وحدك ، بل زاداً لغيرك ايضا ، فانك قد تأخذ بيد من احببته فتدخله الجنة .

الخطاب السادس : " وأقرضوا الله قرضاً حسناً " ، والوسائل بالحسين عليه السلام قرض حسن لله تعالى ، وقرض حسن لحبيبه المصطفى صلوات الله عليه وآله ، وقرض حسن لعلي بن ابي طالب عليهما السلام ، وقرض حسن للزهــــراء البتول فاطمة سلام الله تعالى عليها ، وقرض حسن للمظلوم المسموم الحســــن المجتبى عليه السلام وقرض حسن للحسين الشهيد سلام الله عليه ، ويضاعف الله تعالى لك في كل قرض لكل واحد منهم اضعافا كثيرة لا يعلم عددها الا الله تعالى .

الخطاب السابع : " استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لِما يحييكم " وقد دعانا رسول الله محمد (ص) فيما يتعلق بالحسين (ع) ، الى اسباب لحصول الحياة الابدية الحقيقية ، من المحبة له (ع (والنصرة والبكاء والزيارة واحياء امرهم بذكرهم ...... الخ . بالتفاصيل السابقة واللاحقة .

الخطاب الثامن : " وقدّموا لأنفسكم " ، وهذا تقديم للنفس ، وتأخير لها ايضا ، يلحق ويتجدد حصول ثوابه لعد موتك .

الخطاب التاسع : " وسارعوا إلى مغفرة من ربكم " ، و" استبقوا الخيرات " ، ويحصل بالحسين عليه السلام اسرع المغفرة ، فان الذنوب تـُغفر بالبكاء عليه بمجرد دوران الدمع في الحدقة ، وبزيارته بمجرد النية والعزم .

الخطاب العاشر : خطابات الدعاء " اُدعوا ربكم تضرعاً وخـُفية " ، وتـُنال بوسائله ثمرات الدعاء لكل حاجة تدعو لها ، وينال به (ع) مع ذلك اذا زرته دعاء رسول الله تعالى محمد (ص) ، ودعاء عليا وفاطمة والحسن والائمة عليهم السلام ، ودعاء الملائكة .

وفي الرواية الاخرى : ان زائره لا يضع قدمه على شيء الا دعا له ، وانه عليه السلام يسأل الله تعالى لك الدعاء اذا زرته ، وبكيت عليه من حدّه وابيه ، وقد دعى الامام الصادق ) ع) في ايام حياته وهو ساجد باك لمن قلّب خده على قبر الامام الحسين (ع) ولمن جرى دمعه عليه ، ولمن صرخ لأجله .

الخطاب الحادي عشر : " كونوا أنصار الله " ، والله تعالى اجّل من أن يحتاج الى نصرة ، انما هو الغني المطلق الخالق الباريء ، لكن من سعة رحمته جل جلاله ان جعل نصرة اوليائه ودينه هي نصرته تبارك وتعالى ، وكلما كان المنصور من اوليائه مستضعفا مقهورا مظلوما ، كان تحقق نصرة الله تعالى فيه اظهر واجلى .

قال الامام الصادق (ع) " بابي المستضعف الغريب بلا ناصر " ، فزيارة هذا الغريب الشهيد (ع) نصرة له ، والبكاء نصرة له ، واقامة عزائه نصرة له وتمني نصرته نصرة له ، بل اقول السجود على تربته نصرة له ، والتسبيح بسبحة تربته نصرة له ، فان الفضيلة المجعولة فيهما من الاعواض الخاص التي اعطاها الله تعالى له)ع) كما سنذكرها في عنوانها ان شاء الله تعالى .

الخطاب الثاني عشر : " أجيبوا داعي الله " ، وداعي الله تعالى هو النبي محمدا (ص) الذي دعى الى الاسلام ، ويتلوه الحسين (ع) الذي دعى الى الايمان ، واظهر الدعوة الى الايمان ، وأبان الامر عن بطلان ما اعتقده الناس من خلافة اهل العصيان ، وجميع وسائله اجابات لِما دعى اليه ، كما يظهر بالتأمل فيها حتى اني اقول : ان الاستشفاء بتربته اجابة لدعوته فتأمل في ذلك لتفهم .

الخطاب الثالث عشر : " يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة " ، والحسين الشهيد عليه السلام اعظم وسيلة نبتغيها ، فإن وسائله عظيمة ميسرة سهلة الحصول ، فيها ما هو غاية المأمول وفوق المأمول .

الخطاب الرابع عشر : " فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيــلاً " ، والحسين امامنا (ع) السبيل الاعظم والصراط الاقوم وأنهج السبل ، وهذه المذكورات انموذجا وقانون .

فقس عليها غيرها من الخطابات الالهية ، وجميع ما في القرآن من قبيل ذلك ، كالخطابات بالتجارة المنجية والرابحة ، فقس مالم نذكرعلى ما ذكرنا ، ولا تتوهم اغراقا ولا مبالغة .

الكيفية الثانية

تصوير انه يسهل بالحسين (ع) جريان الخطابات التكوينية عند قيام القيامة الصغرى عليك اعني موتك وايامها ، اعني برزخك .

فنقول :

ان من وسائله الاستعبار عليه ، وتغيير الاحوال عند تذكر ما صُنع به ، بحيث لم يتهنأ من طعام ولا شراب ، ومن خواص ذلك انه يحضره النبي (ص) والائمة (ع) ، ويلقونه بشارة وتحية يفرح بها فرحة تبقى في قلبه الى يوم القيــامة .

فيسهل بها جميع ما يرد عليه من خطابات الاحتضار ، والبرزخ الى غير ذلك ، من كيفيات التسهيل التي نبينها في التفصيل .

الكيفية الثالثة :

كيفية رفه الخطابات التهكمية والتعجيزية ، وخطابات الاخذ والجر والغلّ والسلك في السلسلة ، وغير ذلك .

وينال بالوسائل الحسينية تبديلها بخطابات الملاطفة والمرحمة ، او دفعها او رفعها ، وذلك ان النبي (ص) قد ضمن انه يزور من زاره يوم القيامة ، فقال (ص) " ضمنت على الله تعالى وحق عليّ ان ازور من زاره يوم القيامة .

فقال صلوات الله عليه واله : فآخذ بعضده فأنجيه من اهوال القيامة وشدائدها ، حتى اصيّره في الجنة " ، ومع عظم هذه الكيفيات فلا يكتفى بها بل وزيادة على ذلك فهي الباقيات الصالحات ، والاعمال المقبولات اللاحقات .

فبالحسين الشهيد عليه السلام قد اطفئت النيران ، وبه (ع) قد فـُتح باب عظيم للجنـــان ، سمي بباب الحسين (ع) به يحصل الدخول من كل باب ، فهو الباب والمفتاح لابواب الجنان ، والمغلاق لطبقات النيران ، فهلموا الى الوسائل الحسينية وابشروا فان فيها مع ما ذكرناه علاوة عجيبة ، وطريفة مبشرة ، ونعمة عظيمة ، ومنة من الله تعالى جسيمة ، وذلك ان في التسبيبات الحسينية خصوصية اخرى تفوق على جميع التسببات وتزيد على جميع الاعمال الصالحات .

من جهات :

الاولى : ان نهاية ثمرة الاعمال الخلاص من النار ، وقد فاقتها ثمرة التسبيبات بأنه يحصل بها التخليص للغير من النار ايضا .

الثانية : نهاية ثمرتها دخول الجنة ، وقد فاقت هذه بأن فائدتها ادخال الغير الى الجنة ايضا .

الثالثة : نهاية ثمرتها ان يُرزق الشرب من الكوثر ، فيصير الشخص شاربا منه ، وهذه قد فاقت بأنه قد يحصل بها كون الشخص ساقيا عند الكوثر .

الرابعة : نهاية ثمرة الاعمال الصالحة ان ترقى اعمالك في كتاب الحسنات ، فتؤتى كتابك بيمينك تقرؤه ، وقد فاقت بأنه قد يحصل بها ان يكتب في كتابك من اعمال افضل العابدين لله تعالى ، اعني من اعمال نبيه المصطفى صلوات الله تعالى عليه واله ، وهو افضل المخلوقات .

الخامسة : نهاية ثمرتها ان لا يحال بينك وبين محمداً (ص) يوم القيامة ، فتستشفع به الى الله تعالى ، وهذه قد يحصل منها ان النبي (ص) يتفحصك ويطلبك ويأخذ بعضدك وينجيك من اهوال القيامة .

السادسة : نهاية ثمرة الاعمال الجنة والحو ر الرضوان ، ولكن في بعض الروايات: انه يثاب الباكون عليه (ع) بان يجلسوا تحت العرش في صحبته ويتحدثوا معه ، فتـُرسل الحور اليهم : إنا قد اشتقناكم ، فيأبون الذهاب ويختارون حديث الحسين (ع) على الجنة والحور .

السابعة : نهاية ارتفاع الدرجات ان ترتفع درجة الشخص على بعض المؤمنين والوسائل الحسينية قد فاقت على ذلك بأنها توجب ان يكون الشخص مع افضل النبيين (ص ( وامير المؤمنين (ع) في درجاتهم ويأكل معهم على موائدهم .

الثامنة : نهاية الاعمال الصالحة حصول الرضوان من الله تعالى ، وهو اكبر واعظم من الجنان ، وهذه فاقت بأنه قد يحصل منها ام يكون من محدثي الله تعالى فوق عرشه ، كناية عن شدة القرب .

التاسعة : نهاية ما يحصل لك في تجهيزك بعد موتك ان يغسلك صالح جيرانك ، وان تكفن بخالص حلالك ويصلى عليك من حسن ظاهره من العلماء ، او الصلحاء ، وفي تسبيبات الحسين (ع) ما يوجب ان يصلي على جنازتك الروح الامين مع الملائكة المقربين (ع) ، ويكفنوك بأكفان الجنة ، ويحنطوك بحنوط منها .

العاشرة : نهاية الاثار والاعمال اللاحقة للشخص والباقيات الصالحات التي لا ينقطع عمله منها : ان تبقى مدة مديدة بعد موته ، فيعمل النائب عنه من الناس ، او يهدي اليه من اعمال الناس فيصل اليه عشر ثوابه لو كان صحيحا ، او ينتفع شخص بعلمه او فرسه او مائه او مسكنه او قنطرته .

او يكون له ولد صالح يستغفر له ، وهذه لا تبقى بحسب العادات أزيد من ألف سنة ، فان الزمان وحالاته متبدلان متغيران ، ولكن في هذه الوسائل ما يوجب ان تكون الملائكة بعد موتك نوابا في العمل عنك الى يوم القيامة ، فكل ثوابهم يكتب لك ، ولا يستبدل باوضاع الزمان .

الحادية عشرة : نهاية الترقي لك ان تكون من عباد الله الصالحين ، وفي الوسائل الحسينية ، ما يجعل الشخص من ملائكة الله المقربين ، لا بل ان لا تعجب اقول من الكروبيين ، وهم سادات الملائكة المقربين ، كما دلت عليه الروايات المعتبرة ، وسيجيء تشخيص مصاديق هذه في عنوان التفاصيل بعون الملك الجليل .

الثانية عشرة : نهاية الاعمال الصالحة ثبوث اجر متصور ، وفي هذه اجر لا يتصور اذ لم يتبين لاحد ، فهو درجة من ارفع الدرجات ، ولا شيء فوقه ، فلنكتف بهذا الاجمال .

ولنشرع في التفصيل وحيث ان عمدة هذه الوسائل تأثر القلب بالبكاء عليه ، وتوجه القلب اليه بالزيارة فنذكرهما في عنوانين ونجعل لباقي الوسائل كلها عنوانا ثالثا فنقول بحول الله وقوته .

انتهى العنوان الخامس

 

Description: C:\Users\f\Desktop\%D9%83%D8%AA%D8%A8 %D9%85%D8%B3%D8%AD%D9%88%D8%A8%D9%87\1\main\images\pa07.gif

 

العنوان السادس

في خوصياته (ع) المتعلقة بالخشوع لتذكّره والرقة والبكاء عليه

واقامة مجالس المآتم والرثاء

وفيه مقدمة ، ومقاصد :

قال الله تعالى " ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق " ، يعني بعد ما اتاكم من العقل والتدبير وبعدما شاهدتم الايات في الانفس والافاق والسماوات والارض ، وفي كل ذرة وورقة ، وبعد ما رأيتم العبر والغِيَر في الغافلين وبعد ما تليت عليكم الايات ، وبعد ما عمرتم ، ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير من بين ايديكم ومن خلفكم ، وتكاثرت عليكم الاصوات المنادية الواعظة لكم ، وبعد ما مرّ عليكم دهر في الاسلام وادعائكم وانتحالكم له ، ألم يئن ان تخشع قلوبكم لذكر الله تعالى ، فاذا ذكرتموه كنتم من المؤمنين ، " الذين إذا ذُكر الله وجلت قلوبهم " ، وكففتم عن المعاصي .

ألم يئن للذين آمنوا وعرفوا عظمة ربهم تعالى ان تخشع قلوبهم لذكر الله اذا قاموا بين يديه وخاطبوه فيكونوا من المؤمنين " الذين هم في صلاتهم خاشعون " ، فقد انتهى العمر ولم تصل ركعتين خشوعا لله تعالى ، فصل لربك صلاة واحدة ، فلعلها تكون صلاة وداع.

ألم يئن للذين امنوا وعرفوا ان لا نافع الا الله تعالى ، ولا ملجأ الا له تعالى ، ان تخشع قلوبهم لذكر الله ، فلا يكونوا من الذين لا يرون شيئا الا ويرون الله بعده ، او الذين لا يرون شيئا الا ويرون الله تعالى معه ، او قبله .

ألم يئن للذين امنوا اذا اُفنيت اعمارهم يوما في البعد عن الله ، ولم يذكروه يوما ولا ساعة ذكرا نافعا ، ان تخشع قلوبهم لذكر الله آناً واحدا لغلبة خوف واضطراب ، فلعله يكون توبة الى ربهم .

ورجوعا اليه بعد انقطاعهم عنه ، فيكون لهم وصل بعد الاعراض والقطع ، ولا يموتون حين هم عن ربهم محجوبون .

ألم يئن للذين امنوا بالله ورزقهم الله معرفة اوليائه ، ان تخشع قلوبهم لذكر الحسين الشهيد (ع) فيبكون عليه فانه من خشوع القلب لذكر الله .

كما ان من والاه فقد والى الله ، ومن عاداه فقد عادى الله ، ومن احبه فقد احب الله ، ومن اعتصم به فقد اعتصم بالله ، ومن زاره فقد زار الله ، ومن خشع قلبه لذكره فقد خشع قلبه لذكر الله تعالى ، ومن انكسر قلبه لمصابه ومصاب اولياء الله تعالى فانه يكون صاحب قلب يحبه الله تعالى فيفيض عليه من عنايته الخاصة .

ألم يئن ذلك خصوصا اذا دخل المحرم وهلّ عاشوراء ، اما ترى الناس ذوي كربة قد خُنقت منهم القلوب بالبكاء ، فيا ايها الذين امنوا هذا اول خشوع القلب لذكر الامام الحسين (ع) الراجع الى ذكر الله تعالى ، فاذكروا الله ذكرا كثيرا بذكر الحسين (ع) ذكرا راجعا الى ذكر الله تعالى ، واقامة عزائه بما يرجع الى خشوع القلب لذكر الله تعالى .

والمراد بقولي : الراجع الى ذكر الله سبحانه ، ان خشوع القلب لذكر الحسين عليه السلام

:له اقسام

منها ما يرجع الى ذكر الله ، ويكون لله تعالى ، والفرد الكامل منه لمن خلص ايمانه ، يكون خشوع قلبه للحسين (ع) من القسم الراجع الى خشوع القلب لذكر الله ، نظير اصل ذكر الله ، والتسبيح بحمده والخضوع له ، فان كل مخلوق يسبح بحمد ربه تبارك وتعالى ، ويخضع له ، ويسجد له سجودا تكوينيا ، ولكن الفضيلة للتكليفي الجامع للشرائط ، وكذلك خشوع القلب له (ع) ومسألة بطلان الصلاة بالبكاء على الحسين (ع) وحكمه يتوقفان على تشخيص هذه الاقسام .

فكل بكاء على الامام الحسين عليه السلام يكون من خشوع القلب لذكر الله تعالى لا يبطل الصلاة ، وما كان لمحض الرقة البشرية ففيه اشكال فتأمل .

ولنفصّل الكلام في بيان هذا المطلب الشريف ببيان اقسام خشوع القلب للحسين (ع) وبيان ما يتعلق بالرثاء له في ضمن مقاصد بعون الملك الوهاب .

المقصد الاول : في المنشأ الباطني للخشوع وسبب حصوله .

المقصد الثاني : في البواعث الخارجية الموجبة للبكاء المختصة به .

المقصد الثالث : في كيفيات الرقة والرجزع والبكاء عليه .

المقصد الرابع : في المجالس المنعقدة لذكر مصيبته والبكاء عليه .

المقصد الخامس : في صحف الرثاء والكتب التي رثته قبل شهادته وعندها .

المقصد السادس : في خواص مجالس البكاء .

المقصد السابع : في خواص البكاء من حيث الصفات .

المقصد الثامن : في فضائل البكاء وتأثيره وثوابه .

المقصد التاسع : في خواص البكاء لنيل الاجر والثواب .

المقصد العاشر : في خواص العين الباكية.

المقصد الحادي عشر : في خواص الدمع الجاري .

المقصد الثاني عشر : في خاتمة المقاصد ، والحمد لله .

المقصد الاول

في المنشأ الباطني للبكاء وسبب حصوله

اعلم ان منشأ البكاء قد يكون سببا ملحوظا للباكي ، وقد يكون غير ملحوظ .

فهو نوعان :

النوع الاول : ما كان بلحاظ سبب ملحوظ واقسام البكاء بالسبب الملحوظ ثمانية :

القسم الاول : لعلقة مع صاحب العزاء ، واعظم العلقات الابوة ، ولذا قرن الله تعالى حق الوالدين بالتوحيد ، قال تعالى " وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحساناً " ، وذلك لانهما علة الايجاد الصوري لك .

فاذا كان حق علة الايجاد الصوري بهذه المرتبة فلعله الايجاد الصوري والمعنوي احق بهذا الحق ، فالوالد الحقيقي النبي والوصي سلام الله عليهما ، وقضى ربك بالاحسان اليهما ، وكما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لعليا المرتضى عليه السلام " يا علي انا وانت أبَوَا هذه الامة " ، ولا ريب ان اقامة العزاء والبكاء على الحسين (ع) احسان الى النبي والوصي والزهراء صلوات الله عليهم ، بل في بعض الروايات في تفسير قوله تعالى " وبالوالدين إحساناً " ، ان الوالدين الحسـن والحسين عليهما السلام ، ، فالبكاء عليه احسان الى الوالد ابتداءً .

والوجه في ان البكاء احسان : ان الاحسان ايصال النفع وعمدة النفع الاعزاز والاحترام ، والبكاء اعزاز للاموات والمقتولين.

ولذا سأل النبي إبراهيم عليه السلام ربه تعالى في ابنة تبكيه بعد موته ، ولما سمع النبي صلى الله عليه وآله نساء الانصار يندبن قتلى اُحد قال صلوات الله عليه ووعلى آله " اما حمزة فلا بواكي له " فأمر الانصار نساءهم ان يندبن حمزة فسمع النبي محمداً المصطفى (ص) فدعا لهن .

وقد جاء ايضا : انه مرّ النبي (ص) بنسوة من الانصار يبكين ميتاً فزجرهن عمر فقال النبي (ص) دعهن يا عمر ، فإن النفس مصابة ، والعين دامعة ، والعهد قريب ، ولما بكت نساء اهل المدينة على قتلى اُحد قال النبي (ص) " لكن حمزة لا باكية له " ، فسمع ذلك اهل المدينة فلم يقم لهم ماتم بعدها الى اليوم إلا ابتدأ النساء فيه بالبكاء على حمزة ....... " .

نكتة : حمزة سيد الشهداء عليه السلام تحققت له بعض اجزاء تجهيز الموتى من الكفن والصلاة والدفن والتشييع وغير ذلك الا النوادب ، فعظم ذلك على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .

ولكن الامام الحسين (ع) سيد الشهداء لم يكن له شيء من ذلك الا النوادب ، بل قد زيد في ابتلائه مقابل ابتلاء الحمزة عليهما السلام خلاف التمثيل بالجسد باستخراج كبد الحمزة ، فقد زاد بلاء الحسين على الحمزة بالرض قبل وبعد الشهادة و تقطيع الجسد المبارك اربا اربا فكان الجرح على الجرح والطعنة فوق الطعنة وتكسير الضلوع والبدن السليب وقطع الاصبع وضرب الجبهة والغدر والموت عطشا وتقتيل اهل بيته واولاده واخوته وابناء اخوته وابناء عمومته قبل شهادته ...........، حتى نادت اخته المباركة زينباً الكبرى عليها السلام بصوت حزين اخذت تنادي رسول الله صلى الله عايه وآله وسلم ليشهد الندبة ، لكن قد منعوهن فيها ، بل ومن البكاء ، بل ومن اجراء الدمع ، حتى اشبعوها ومن معها من الاطفال والنساء ضربا بالسياط حتى اسودت اجسامهم من شدة الضرب والزجر لهن وللاطفال

فهلم نبكي عليه وعلى مصاب محمداص وأهل بيته الاطياب (ع) بكاء قرابة حقيقية ان كنا من الموالين بأدنى درجات الولاء والانسجام معهم ومع خطهم القويم ، فمن لا يبكي كذلك فهو عاق قاطع الرحم .

القسم الثاني : الرقة لعلقة الالتحام التي هي من اعظم القرابة نظير العضو من الانسان اذا عرضه مرض ووجع يكون الوجع في الكل ، ومن هذه الجهة بكاء الحور العين ، ولطمهن على الامام الحسين (ع) في الجنان التي هي دار السرور وذلك لان لكل من المخلوقات مادة ، وقد خلقت الحور العين من نور الحسين (ع) ، فهي ملتحمة به (ع) ومع ذلك كيف يمكن ان يكون واقعا على الارض تحت سنابك الخيل ورأسه المبارك على الرمح ودمه الطاهر مسفوك على الارض وفؤداه مثقوب وكبده مقرح وقلبه محترق ونساءه واطفاله مسبيات قد حرقت خيامهن قبل شهادته وسبين بعد شهادته ......... ، وتبقى الحور في القصور بأنعم بال واحسن حال !! .

ومن جملة اقسام البكاء : بكاء الشيعة عليه هذا القسم ايضا ، وذلك في رواية عن الصادق (ع) قال : " شيعتنا منا وقد خُلقوا من فاضل طينتنا ، وعُجنوا بنور ولايتنا ، ورضوا بنا ائمة ، ورضينا بهم شيعة ، يصيبهم ما اصابنا ، ويبكيهم ما ابكانا ، ويحزنهم حزننا ، ويسّرهم سرورنا ، ونحن ايضا نتألم بتألمهم ، ونطلع على احوالهم ، فهم معنا لا يفارقونا ونحن لا نفارقهم " ، ثم قال (ع " (اللهم ان شيعتنا منا فمن ذكر مصابنا وبكى لأجلنا ، استحى الله تعالى ان يعذبه بالنار " .

وفي حديث الاربعمائة عن امير المؤمنين (ع) " ان الله تبارك وتعالى اختارنا ، واختار لنا شيعة ينصروننا ، ويفرحون لفرحنا ويحزنون لحزننا ، ويبذلون انفسهم واموالهم فينا ، اولئك منا والينا " .

فدّلت هذه الرواية على ان مخلصي الشيعة اختارهم الله تعالى كما اختار الشهداء ، بل شهادتهم .

وفي ذلك علامات كما استدل الرسول الاكرم (ص) من المحبة الخاصة للطفل الذي رآه يلعب مع الامام الحسين (ع) على انه يكون من انصاره في واقعة كربلاء .

فلاحظ علاقة الشيعة في نفسك وهلمّ نبكي عليه لذلك فان من لا يبكيه ولا يواليه ولو بأدنى درجات الولاء ، فانه يكون لا علاقة له معه ، ومقطوع عنه ، فهلمّ نتألم لمصابه .

فالحسين (ع) يتألم لآلامنا ايضا وكفى بذلك عزة لنا وفرجا ، وانه عليه السلام يصلنا ايام تالمنا في احلك عواقب حالاتنا ، اللهم صلي على محمداً حبيبك المصطفى وآله الاطهار المعصومين وعجّل في فرجهم يا الله .

القسم الثالث : الرقة على المصيبة ، لكون المصاب صاحب حق عليك ، والحقوق كثيرة .

منها : حق الايجاد : وهو حق الوالدين والاجداد ، والحسين (ع) له علينا هذا الحق ، فإن وجودنا ووجود آبائنا ببركة وجوده .

ومنها : حق الاسلام والايمان : وهو ثابت لكل مسلم على كل مسلم ، فكيف يكون حق من صار سببا لهدايتنا الى الايمان .

فإن الحسين (ع) قد فدى نفسه لهذا الدين ، ومعنى هذا انه لو لم يتحمل تلك المصائب والمصاعب لما كان هناك اسلام ولا مسلمين ، ولا نقول الا كما قال المصطفى (ص) " الاسلام محمدي الوجود حسيني البقاء " ، وهكذا اقتضت حكمة الله تعالى ان يكون دوام الاسلام وحفظه بالحسين عليه السلام ووكما جاء ايضا بالحديث المبارك ان الله تعالى أبى أن بجري الامور الا باسبابها " والحمد لله عز وجل .

وذلك انه لما استولت بنو امية ، لعنهم الله ، على البلاد ، واظهروا الفساد ، سعوا جاهدين في اخفاء الحق حتى شبّهوا الامر على الناس ، بحيث جعلوا سبّ الامام امير المتقين علي عليه السلام من اجزاء الصلاة ، وادخلوا في اذهان الناس ان بني امية ائمة الاسلام حقا ، ورسخ هذا الباطل في اذهان الناس منذ طفولتهم ، حيث انهم اجبروا المعلمين على ان يلقّنوا الاطفال والاجيال في مكاتبهم ومدارسهم هذا الامر فاعتقد الناس ان هؤلاء ائمة الدين ، وان مخالفتهم ضلالة .

فلما قتل الحسين عليه السلام ومن معه بهذه الكيفية ، وسبيّ من سبيّ بهذه الطريقة المخصوصة ، تنبه الناس والتفتوا الى ان هؤلاء لو كانوا ائمة حق ما فعلوا ذلك ابدا .

ورأوا ان فعلهم هذا لا يطابق دينا ولا مذهبا ولا عدلا ، بل ولا يطابق جور الجائرين على مر التاريخ .

فعدلوا عن الاعتقاد بهم ، وتبرؤوا منهم ، وعدل - من هداه الله - الى الحق وظهرت الشيعة بشكل جليّ وواضح بعد ان كانوا مستضعفين مظلومون .

واما السنة فعدلوا عن اعتقاد خلافتهم ، وعلموا انهم حكّام جور ، وجوّزوا لعنهم ، والحقيقة ان الاهتداء الى الدين الحق بعد ذلك الانحراف بدأ من ثورة الحسين عليه السلام .

ومنها : حق الزاد والملح فإن به حياة كل شيء : وبه ينزل الغيث وينبت النبات ، فجميع طعامك وشرابك انما هو ببركته

ومنها : حق الإحياء : اوليست حياتنا الحقيقية اعني الروحية والايمانية هي ببركة الحسين عليه السلام ، ؟ اوليست اعمالنا كلها بهدايته لنا ؟ !

ومنها : حق الاسلام : وسلامتنا الحقيقية مرجوة من الحسين عليه السلام .

ومنها : حق الوداد : فهل يودّ شخص شيعته مثل الحسين (ع) ؟! الذي هو الى يمين العرش ينظر الى زواره والى الباكين عليه ؟ كما جاء في الروايات المعتبرة .

ومنها : حق التعب : فلو ان شخصا اصابه صدع او جرح يسير بسببك لكنت خجلا منه ابدا ، وبصدد تدارك تعبه ، افلا تكون بصدد تعب الحسين عليه السلام وما اصابه ؟ وليت شعري بأي شيء نتدارك تعبه لنا ؟ ابهذه القطرات من الدمع ؟ ام بالسير الاعتقادي والعملي على نهجه المحمدي القويم ؟ وهل نحن صادقين بهذا ؟

فهلّموا نبكي عليه لأداء حقوقه علينا ، فمن لا يبكيه لا عهد له ولا وفاء ، ولا ننسى ان البكاء عليه هو ادنى درجات الوفاء لهم .

القسم الرابع : الرقة على المصاب ، لانه كبير وجليل ، فان لمصاب الكبير ، خصوصية توجب رقة القلوب عليه ولو كان اجنبيا بل ولو كان كافرا بل ولو كان عدوا ، وبذلك جرت سيرة الملوك ايضا كما في قضية ذي القرنين مع دارابن دارا


وقد جرى حكم الشارع ايضا على ذلك ، ولذا رمى النبي المصطفى (ص) ثوبه لعدي ابن حاتم زمن كفره ليجلس عليه وقال : اكرموا عزيز قوم ذل ، ولأجل هذا لم يسلب علي (ع) ثياب عمرو بن عبد ود لما قتله ، بل ولا نزع درعه ، مع انه لم يكن له نظير ، فقيل له في ذلك فقال (ع) " انه كبير في قومه وما اُحب هتك حرمته في بقائه عاريا " .

ولأجله ايضا جعل الشارع لبنات ملوك الكفار اذا اُسرن واسترققن حكما اخر من الاحترام فيخّيرن ولا يعرضن على البيع في الاسواق .

فهلمّوا نبكي عليه بكاء العبد على سيده ، وبكاء له لانه جليل وكبير هتكت حرمته وسلب ثوبه ودير بحريمه واطفاله اسارى من بلد الى بلد حتى طُمِعَ فيهن كالجواري ، فمن لا يبكيه كذلك لا مقام له ولا يعرف قدر احد .

القسم الخامس : " الرقة على من كان ذا صفات حميدة ، فإن حسن الصفات ومحمودها توجب الرقة على المتصف بها وان لم تعرفه ، بل قد ورد عن الشرع احترامه ولو كان كافرا ، كما اوحى الله تعالى الى موسى النبي عليه السلام : لا تقتل السامري فانه سخي .

وكما نزل جبرئيل عليه السلام من الله تعالى بالنهي عن قتل احد اسرى الكفار لكونه يطعم الطعام .

فمصاب صاحب الصفات الحسنة يؤثر في القلب اياً كان هذا الشخص ، خصوصا المصاب بما يقابل مقتضى هذه الصفات .

فاذا رأيت من كان يهب الألوف قد احتاج الى لقمة خبز يسأل الناس عنها لرق قلبك عليه بالخصوص ، كذا من كان ذا حياء مهانا في ملأ من الناس وهكذا .

فاذا لاحظت صفات سيد الشهداء وخصوصياتها ونظرت الى التطابق بينها وبين خصوصيات مصائبه كان ذلك موجبا لرقة خاصة عليه وبكاءً مخصوصا عليه .

فهلمّوا نبكي عليه بكاء مقابلا لصفاته الحميدة العليّة ، فاستمع لمصائب خاصة في مقابلة صفات خاصة :

الاولى : ان لسانه قد ذكر الله تعالى قبل خلق السموات والارض ، وهلل الله فتعلمت الملائكة منه التسبيح والتحميد ، ثم ذكر الله تعالى في عالم النور والاشباح والظلال ، ثم في بطن امه الزهراء (ع) والتي كانت تسمع منه التسبيح والتهليل ، ثم حين ولادته المباركة ، ثم ايام صغره وصباه وكبره ، ثم حين شهادته ، ثم حين كون رأسه على الرمح ، أفيحق ان يقرع وجهه الشريف بالخيزران بيد مثل يد يزيد وابن زياد في تلك الحالة ويضحكا ويشمتا به بمحضر أهله ؟

الثانية : انه عليه السلام رأى اعرابيا لا يحسن الوضوء فاتفق مع اخيه الحسن المظلوم (ع) على ان يتوضا كل منهما بمحضره .

فقال الحسين (ع) للاعرابي أيُنا يحسن الوضوء ؟ فقال الاعرابي : كلاكما تحسنانه ، روحي لكما الفداء، ولكن انا الذي لا احسنه .

فهو (ع) قد تحرج من ان يقول للجاهل ، انت جاهل ، لئلا يكسر قلبه مع انه جاهل حقيقة ، فكيف حاله هو حين خوطب بخطابات لا تليق الا بأعداء الله تعالى ؟ فقد قال له قائل : تعجلت بنار الدنيا ، وقال له الحصين بن تميم : حين اراد الصلاة : انها لا تقبل منك ، لعن الله اعداء اولياءه .

الثالثة : اعطاه رجل رقعة ، فقال له الامام (ع) فورا حاجتك مقضية ، فقيل له : لولا قرأتها ، فقال (ع) :) يسألني الله تعالى يوم القيامة عن ذل مقامه بين يدي حين اقرأ رقعته .) يعني انه قد يتردد بين الخوف والرجاء حتى اقرأ الرقعة فيصيبه ذل بين يدي ولا اُحب ذلك .

فكيف كان حاله حيث وقف بين ايدي اهل الكوفة يسألهم امورا يعلم انهم لا يفعلونها ، فطلب الانصات لكلامه حينما اراد ان يتكلم معهم فكانوا يتصايحون ، فقال (ع) " ويلكم الا تسمعون الا تنصتون" .

الرابعة : حضر عليه السلام عند اسامة بن زيد حالة احتضاره ، فتأوه اسامة وقال يا غماه ، فقال (ع) " يا اخي لِما تأوهت وما غمك ؟ قال اسامة : عليّ دّين مقداره ستون الف درهم ، قال الامام الحسين (ع) " عليّ قضاؤه " ، قال : اٌحب ان يقضى وانا حي ، فقضاه في مجلسه .

افيحق لمثل هذا الرحيم الرؤوف الامام المعصوم (ع) ان يتأوه ويتلهف ويلتمس في حالة احتضاره امورا هينة يسيرة ، ولا يُقضى له منها حتى قطرة من الماء ؟ واأسفاه وواغماه ووالهفاه وواكرباه عليك يا مولاي وسيدي الحسين .

الخامسة : وقف اعرابي عليه وهو يصلي فقال :

لم يخب الان من رجاك ومن حرّك من دون بابك الحلقة

فدخل الدار وشدّ اربعة آلاف دينار في ردائه ودفعها اليه من رواء الباب حياءً منه وقال :

خذها فإني اليك معتذر
واعلم بأني عليك ذو شفقة
لو كان في سيرنا الغداة عصا
امست سمانا عليك مندفقة
لكن ريب الزمان ذو غِيَرٍ
والكف مني قليلة النفقة

فبكى الاعرابي ، فقال له (ع) " استقللت العطاء ؟ قال : لا ولكن كيف يأكل التراب جودك .

فبكاء الاعرابي كان على دفن يده في التراب ، ولا ننسى ان تلك اليد في حينها لم تكن مدماة قطيعة الاصبع حمراء تشخب دماً زاكيا .

ولكن نحن نبكي على الذي كان حياؤه بمرتبة يخجل معها حتى عند عطائه لمبلغ كثير من المال لسائل غير مضطر .

فكيف يكون خجله اذا سأله احد المضطرين شيئا ولم يعطه لعدم تمكنه وهو الكريم الرحيم على عباد الله تعالى وعلى خلقه ، أم كيف كان حاله حين سالته ابنته الصغيرة شربة ماء ، وهو يرى حالها من العطش ، وسالته زوجته قطرة ماء لولده الرضيع ، بل ولرضيع ثانٍ ، واعظم من ذلك انه طلب منه ابن اخيه ان يحضر على جسده حال وقوعه فجاء ولم يدركه حياً.

فلذا قال (ع) " يعز على عمك ان تدعوه فلا يجيبك او يجيبك فلا ينفعك " .

السادسة : وُجد يوم الطف في ظهره اثرا ، فسألوا السجاد عليه السلام عن سببه ، فقال (ع) " ذلك مما كان ينقل على ظهره من الطعام قي الليالي للارامل والايتام والفقراء والمساكين " .

فهل من الانصاف ان يمنع من سقي طفل له رضيع قطرة من الماء ؟

السابعة : مرّ يوما على مساكين وقد اخرجوا كسرات من الخبز ليأكلوا فدعوه الى طعامهم فثّنى وركه وجلس يأكل معهم ، وهو يقول : ان الله لا يحب المستكبرين ، ثم قال : قد اجبتكم فاجيبوني ، فقالوا : نعم ، فأتوا منزله فقال للجارية : اخرجي ما كنت تدخرين ، فجاءت بأطيب الطعام ، فجلس يأكل معهم سلام الله عليه ليطيّب قلوبهم .

وقد سعى (ع) كثيرا في ان يطيب قلوب نساء واطفال عطاشى بشربة من الماء فلم يمكنوه من ذلك .


القسم السادس : البكاء للتبعية ، فانه قد يتحقق البكاء تبعا للباكين مع قطع النظر عن المبكى عليه ، فابك تبعا للنبي صلى الله عليه وآله وسلم فلكم فيه اسوة حسنة ، لا بل تبعا للانبياء والاوصياء ، لا بل تبعا للسموات والارضين او الوحوش او الطيور او الجنة او النار او ما يُرى وما لا يُرى او الجن او الملائكة ، او ابك تبعا للاشجار او تبعا للحجار .

فأي قلب هو اقسى من الحجر ، او تبعا للحديد فقد بكى مسمار سفينة نوح النبي عليه السلام دماً كما جاء دليل ذلك كله في الاحاديث والروايات ، فابك دماً تبعا له .

القسم السابع : الترحم للجنس ، فإنه يوجب الرقة مع قطع النظر عن كل صفة وحق وعلاقة ، مثلا اذا سمعت ان رجلا بلا تقصير اتى الى برية ومعه اولاد اطفال ونساء وشباب واخوان واصحاب واقارب فجرى عليه ما جرى لاحترق قلبك اسىً وألما عليه .

بل لو سمعت ان رجلا مقصرا ، او محللا للحرام او محرما للحلال ، او عدوا لك ، او كافرا بالله تعالى ، صُنع به ما صُنع مع امامنا الحسين عليه السلام لرحمته ورأفت بحاله ، وقد كان يقول (ع) " هل تطالبوني بقتيل قتلته ؟ او بمال لكم استملكته ؟ او شريعة بدلتها ؟ "

اقول : فدتك نفسي لو كنت كذلك لما كنت مستحقا لما وقع عليك ، فليست هناك جناية هذه عقوبتها ، بل انه ليس متعارفا لدى القساة الفسقة المنافقون في طول تاريخ البشرية جريمة كما فـُعل بك يا حسين يا حسين .

فهلمّوا نبك عليه بكاء ترحم عليه فمن لا يبكيه كذلك لا مروّة له ولا انسانية سوية .

القسم الثامن : البكاء لهذه الصفات بأجمعها ، بل ولغيرها من صفات حسنة للامام لم نذكرها بل لم يكتبها التاريخ من الصفات والمواقف الحسنة النورانية .

فالحسين (ع) والدك حقيقة وانت ملتحم به ، وهو كبير في السموات والارض ، صاحب كل الحقوق عليك ، صاحب الصفات الحميدة ، بكى عليه جميع الخلق ، وهو من البشر ولا ذنب له ولا جرم ، وقد وقع عليه كل ذلك ، فمن لا يبكيه كذلك فهو عاق شاق بلا وفاء وبلا عهود ، ولا يعرف قدرا ولا مروة له ، وهو خارج عن الحقيقة الانسانية .


النوع الثاني : البكاء من غير سبب ملحوظ وله افراد :

الاول : كل خضوع وانكسار وخشوع وهم وغم يعرض للناس فإن مرجع الكل الى الحسين (ع) ولهذا المطلب مقدمات ليس هنا محل بيانها .

الثاني : الرقة عليه بالفطرة التي فـُطر الناس عليها من غير اختيار ، مع التفات الباكين الى انه رقة على المبكي عليهم ، ويكون ذلك في احبائهم وفي اعدائهم ، مع الغفلة عن بغضهم فيغلب جانب الرقة بحيث يوجب الغفلة عن البغض .

وذلك كبكاء يزيد حين رأته هند ، وبكاء معاوية على علي عليه السلام ، وهذا القسم لا نحتاج فيه الى ان نقول : هلمّ وابك على اي شيء ، بل نقول : اقطع النظر عن كل شيء ، فافرض انك لا تعرف الحسين الشهيد عليه السلام ، ولا تعرف قرابة ولا حقوقا ولا صفات ولا جلالة ، وافرض انه لا ثواب للبكاء عليه ولا اجر ولا تبعية لاحد ، فلاحظ هل يجري الدمع بلا اختيار ام لا ؟

الثالث : فطرة توجب الرقة بلا اختيار مع الالتفات الى جهة البغض ومنع النفس عن الرقة وتشجيعها على التصبر ، فمع ذلك يغلب البكاء كبكاء ابن سعد ، وبكاء اخنس ابن زيد ، وبكاء خولي وبكاء السالب لحلي فاطمة بنت الحسين عليهما السلام ، وبكاء العسكر كله حين عرضت عليهم حالات ابكتهم مع منع انفسهم عن البكاء ، والتفاتهم الى جهة بغضهم ، وعدم رغبتهم في البكاء ، ومنافاته لما هم فيه وبصدده من مواجهة امام زمانهم ومعاداته وقتاله.

ولكنه غلب على كل حالاتهم ، حتى على شقاوتهم وخبث طينتهم ، وفيهم ما فيهم من اولاد زنا وكفر ونفاق وشقاق وكفر .

فاذا اردت ان تعرف هذه الحالة المبكية لمن كان عدوا له مع التفاته لعداوته ومنع نفسه عن البكاء ، فاستمع ثم امنع نفسك عن البكاء تجد انه يغلب عليك البكاء تلو البكاء بلا اختيار .

فلنذكر الان بعضها ولا نقول : هلمّوا لنبكي ، بل نقول : امنعوا انفسكم عن البكاء واضبطوها وتجلدوا فانظروا هل تقدرون حقا على ذلك حينا ما ؟

فمن تلك الحالات ، ما كان فيها واقفا في الميدان وفي بدنه ألف وخمسمائة اصابة ، الضربة فوق الضربة والجرح على الجرح والرض على الرض والضرب على الضرب .......، والرأس مشقوق والقلب مقسوم ظاهرا من السهم ، وباطنا من ملاحظة العيال والنساء والاهل ومن معهم من الارامل والمواليات واليتامى ، بل وابناه الرضيعان .

ومحترق ظاهرا من العطش وباطنا من الفراق وضياع الاسلام ، بل ومن هلاك مقاتليه بأن يكون مصيرهم الى النار بسببه ، وهذه رحمة لا تتوفر عادة الا لدى الانبياء واوصياء الانبياء عليهم السلام وما هذا إلا لنعلم عظم قدرهم وحكمة الله تعالى في خلقهم .

نعم وباطنا من الفراق ، وفي هذه الحالة يُضرب بالسيف على مذبحه ، وهو يستسقي ماء ، فامنع نفسك عن البكاء فقد بكى ابن سعد على هذه الحالة وسالت دموعه على لحيته .

ومنها حالة ادخال النساء والعيال والرؤوس المنصوبة على الرماح على يزيد ، اذ وضعت الرؤوس ، ووقفت البنات والنساء والارامل والعليــــل الامام المعصوم (ع) مقيدون ، فحصلت هيئة فظيعة اوجبت غلبة الرقة على يزيد لعنه الله حتى قال : قبّح الله ابن مرجانة .

المقصد الثاني

في البواعث الخارجية والموجبة للبكاء المختصة به

وهي عشرة :

الاول : رؤية شبحه وظله في عالم الاشباح والظلال ، بل رؤيته في عالم القدس ، كما اتفق ذلك لادم عليه السلام حين شاهد الذر في عالم الذر ، فمثّل الله تعالى له قضية كربلاء فبكى لذلك ، ولما رأى ابراهيم (ع) ملكوت السموات والارض ، رأى الاشباح الخمسة تحت العرش فأبكته رؤية الخامس .

الثاني : سماع اسمه ، كما قال عليه السلام ما ذُكرت عند كل مؤمن ومؤمنة الا بكى واغتم لمصابي فهو سبب بكاء لكل مؤمن .

الثالث : النطق باسمه ، كما قال الانبياء ادم وزكريا عليهما السلام ، في ذكر الحسين عليه السلام ، تسيل عبرتي وينكسر قلبي ، بل ما ذكره نبي او سمع باسمه الا واعتبر .

الرابع : النظر اليه ، وقد تحقق هذا بالنسبة الى جده حينما رآه عند ولادته وبعدها ، وقد قال ابوه عليه السلام ايضا حين نظر اليه وبكى : يا عبرة كل مؤمن ، قال : انا يا ابتاه ؟ قال : نعم يا بني .

فان كنا لم ننظر اليه في زمانه ، فهل نظرنا اليه والى حالاته في كل مراحلها بل والى بهائه ببصائر قلوبنا ؟ فان لم ننظر اليه فهو ينظر الينا ، رحمة من الله تعالى الحكيم والرؤوف ، بل وله عليه السلام نظرات خاصة الى شيعته ومواليه ممن تولوه بصدق وإقبال مرضي لدى الله تعالى .

ففي الصحيح : ان الحسين (ع) على يمين العرش ، ينظر الى مصرعه والى زواره ، وانه لينظر الى من يبكي عليه . ولا غرور من ان لا يحجب نظره البعد والجدران والدور.

الخامس : النظر الى مدفنه ، كما قال الصداق (ع) " الحسين (ع) غريب بأرض غربة ، يبكيه من زاره ، ويحزن عليه من لم يزره ، ويحترق له من لم يشهده ، ويرحمه من نظر الى قبر ابنه عند رجليه ،" فهل ترون مدفنه ، قال العارف :

وكل بلدة فيها قبره وكربلاء كل مكان يرى


السادس : يمس بدنه وتقبيله ، فانه مبك ، ولقد تحقق هذا بالنسبة الى جده (ص) المصطفى ، وفي مواضع خاصة ، فقد كان (ص) يقبّل نحره فيبكي ، ويقبل فوق قلبه فيبكي ، وجبهته ويبكي ، ويقبل اسنانه فيبكي ، ويقبل كل بدنه ويبكي ، فيقول (ع) " يا أبت لِمَ تبكي؟ قال (ص)) " اُقبل مواضع السيوف منك وابكي .

ولو سئل عن بكائه (ص) عند تقبيل ثناياه ، لقال : اقبّل موضع نكث الخيزران ، وأقبّل ما يتبسم ضاحكا عند رؤيته ابن زياد ، وابكي لضحكه ، ولو سئل (ص) لم تقبل فوق قلبه ؟ لقال : موضع السهم المثلث.

ولكن قد ارادت اخته زينب عليها السلام في وقت ما تقبيل المواضع التي كان يقبلها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلم تتمكن ، لان الاعضاء كانت ممزقة ، خصوصا بعد تحقق الرض بالخيول ، بل ولو لم يتحقق فقد رض بالسهام والسيوف والرماح والحجر والتقطّع كما قال عليه السلام : كأني بأوصالي تقطعها عسلان الفلوات ، ولذا قيل على لسان السيدة زينب (ع) بالفارسية :

خاك عالم بسرم كز اثر تير وسنان
جاي يك بوسه من در همه اعضاى تونيست

نعم قد قبّلت موضعا واحدا من بدنه المبارك ، ولم يقبّله المصطفى (ص) ، فانها قبّلت النحر المنحور ، والودج المقطوع ، اي باطن ما قبّل النبي (ص) ظاهره .

ولذلك نادته حين وضعت وجهها على نحره المبارك ، واخبرته بأن هذا حسين مقطّع الاعضاء ، ثم اخبرته بأن هذا الحسين محزوز الرأس من القفا ، ولكن من اين علمت بذلك ؟

فيه وجوه :

الاول : ان تكون قد شاهدت ذلك حين ذبحه ، لكنه خلاف ما يظهر من الروايات الدالة على انه (ع) امرها بالرجوع الى الخيام .

الثاني : ان تكون قد سمعت بذلك من الناس الذين حضروا ونقلوه او نادوه بذلك فسمعته ، وهو بعيد ايضا.

الثالث : ان تكون قد استنبطت ذلك حين رأت الجسد الشريف ، فإنها رأته مطروحا بكيفية علمت انه قد حزّ رأسه من القفا ، وذلك انها رأته مكبوبا على وجهه ، فعظمت مصيبتها بذلك ، وان كانت مصيبتها بعُريه عليه السلام اعظم من اصل القتل ، فلهذا نادت جدها الحبيب (ص) مخبرة بقتله وبأنه محزوز الرأس من القفا .

السابع : الانتساب اليه ، فانه يورث للحزن والبكاء ، حتى ان مسماره كان له تأثير في البكاء .

وذلك انه لما اتى جبرئيل (ع) بمسامير السفينة كلٌ على اسم نبي فسمّر بالمسامير كلها السفينة ، الى ان بفيت خمسة مسامير لمقدمة السفينة ، فلما اخذ نوح(ع) الاول بيده انار واشرق ، فقال : هذا على اسم خاتم الانبياء محمد (ص)، وهكذا تحقق بالنسبة الى الثلاثة الاخرى ، والتي كانت باسم عليا والزهراء والحسن عليهم السلام ، فلما اخذ الخامس بيده ظهر منه دم ، وتلطخت يده به ، فقال جبرئيل (ع) هذا على اسم الحسيــــن عليه السلام .

فاذا كان الحديد الحسيني يدمى ، فلمَ لا تدمى القلوب اذا كانت حسينية ؟

ثم من العجب ان تكون اسباب الفرح والسرور بالنسبة اليه كأسباب البكاء .

فحوريته الخاصة به في الجنان باكية ، وعيده ولبسه الجديد فيه مبك لجده (ص) ، ولعبه مبك ، وفتحه في الحرب مبك لابيه (ع) ، واكله طعاما طيبا مبك، بل الحمل به مبك ، وولادته مبكية ، والتهنئة بها مبكية ، كما ورد كله في الروايات ، الى ما غير ذلك .


الثامن : دخول شهر شهادته ، اعني المحرم ، فانه يورث الكربة واختناق العبرة في قلوب من والاه ، اما ترى التأثير في شهره فغص شرب الماء على من رعى ، او غصصت بالماء وشرقت او وقف في حلقك فلم تكد تسيغه ؟

التاسع : ورود ارض مدفنه ، فانه باعث كبير على الحزن والبكاء ، وقد تحقق ذلك بالنسبة الى كل نبي ورد تلك الارض ، وورد انه ما من نبي الا وقد زار كربلاء ، وقال : فيك يدفن القمر الازهر

وكل منهم كان اذا ورد اعتلّ وضاق صدره ، واصابغ الغم ، واصابته بلية حتى يسأل ربه تعالى عن ذلك ، فيوحى اليه : ان هذه كربلاء وان الحسين يقتل فيها .

وقد تحقق ذلك ايضا بالنسبة الى اهل بيته لما وردوا كربلاء ونزلوا ، قالت ام كلثوم (ع) " يا اخي هذه بادية مهولة ، فقال الحسين عليه السلام : ان ابي نام في هذه الارض فاستيقظ باكيا وقال : رأيت ولدي الحسين في بحر من الدم يضطرب ، ثم قال : يا ابا عبدالله كيف تكون اذا وقعت الواقعة هاهنا .

العاشر : سماع اسم ارض مدفنه ، وقد تحقق ذلك بالنسبة اليه (ع) ، فانه لما ورد ارض كربلاء وسأل عن اسمائا ، اخبروه باسماء عديدة ، ثم قالوا : انها تسمى كربلاء ، فاغرورقت عيناه المباركتان بالدموع وقال : اللهم اني اعوذ بك من الكرب والبلاء ، هاهنا مناخ ركابنا ومحط رحالنا ، ومسفك دمائنا ، ومذبح اطفالنا ، فيها يراق دمي ، وفيها تـُرى حرمي حواسرا عليهن من ثوب الذل سربال ، وفيها تقتل ابطالي ، وتذبح ، وتستعبد الاحرار ارذال ".

حطوا الرحال بها يا قوم وانصرفوا
عني فمالي عنها قط ترحال

الحادي عشر : شرب الماء البارد، وقد كان هذا من المبكيات دائما للامام الصادق وغيره من الائمة عليهم السلام ، كما ورد عن داوود الرقي ، قال : كنت عند الصادق (ع) فشرب ماء ، واغرورقت عيناه المباركتين بالدموع ، فقال عليه السلام : ما انغص ذكر الحسين للعيش ، اني ما شربت ماء باردا الا وذكرت الحسين (ع) " الى اخر الحديث.

وقد نقل عن الحسين عليه السلام :

شيعتي شيعتي ما ان شربتم عذب ماء فاذكروني ،
او سمعتم بغريب فاندبوني

الثاني عشر : شم تربته ، فقد ابكى ذلك جده محمداً (ص) حين دخل عليه علي (ع) فرأى عينيه تفيضان.

فقال : دخلت على رسول الله (ص) وعيناه تفيضان ، فقلت : بأبي انت وأمي يا رسول الله مالعينيك تفيضان ؟ اغضبك احد؟ قال (ص) " لا ، بل كان عندي جبرئيل (ع) فاخبرني ان الحسين يقتل بشاطيء الفرات ، وقال لي : هل اٌشِمُكَ من تربته ؟ قلت نعم ، فمدّ يده فأخذ قبضة من تراب فأعطانيها ، فلم املك عيني ان فاضتا ، واسم الارض كربلاء .

وكذلك الامام الرضا عليه السلام كما ورد عن ابي بكار ، قال : زرت كربلاء واخذت من عند الرأس طينا أحمر ، فدخلت على الرضا (ع ( فعرضته عليه فأخذه في كفه ، ثم شمه ثم بكى حتى جرت دموعه ، ثم قال (ع) " هذه تربة جدي .

الثالث عشر : سماع مصيبة لشهيد او غريب او مظلوم ، فانه مذكر بالحسين (ع) وقد قال عليه السلام :

او سمعتم بغريب او شهيد فاندبوني ،

الرابع عشر : مصيبة عند سماعها او تصورها والتفكر فيها ،
ولتأثير هذا الوجه كيفيات عديدة وتختلف باختلاف السامعين ، وتفصيلها في الفصل الاتي ان شاء الله تعالى .

المقصد الثالث
في كيفيات الرقة والجزع والبكاء عليه

وهي اقسام :

الاول : بكاء القلب بالهم والغم ، وهو اول المراتب ، وثمرته انه يجعل النـَفـَس تسبيحا لله تعالى، كما قال عليه السلام : " نفس المهموم لظلمنا تسبيح "

الثاني : وجع القلب ، وفي الحديث ان الموجع قلبه لنا ليفرح عند موته فرحة لا تزال تلك الفرحة في قلبه حتى يرد علينا الحوض .

الثالث : دوران الدمع في الحدقة بلا خروج ، وهذه هي التي توجب الرحمة من الله تعالى ، كما في الرواية عن الصادق (ع) " في الباكي انه يرحمه الله قبل ان تخرج الدمعة من عينه.

الرابع : خروجه من العين مع اتصاله به ، ولو بقدر جناح بعوضة ، وهذا هو الذي ورد فيه انه يوجب غفران الذنوب ولو كانت كزبد البحر .

الخامس : تقاطر الدمع من العين ، وهذا هو الذي تظهر فيه خاصية بيّنها الصادق (ع) " فاذا خرجت الدمعة من عينه فلو ان قطرة منها سقطت في جهنم لاطفأت حرها ."

السادس : سيلانه على الوجه والصدر واللحية ، وهذا هو جانب من بكاء الصادق (ع) حين سماعه الرثاء ، فقال بعده عليه السلام : لقد بكت الملائكة كما بكينا او اكثر ، ولقد اوجب الله لك الجنة بأسرها .

السابع : الصراخ والنحيب والشهقة وازهاق النفس لذلك .

فالاول : قد دعى الصادق (ع) لمن عمل ذلك ، وقال في دعائه : اللهــــم ارحم تلك الصرخة التي كانت لنا .......، الى اخر دعائه المبارك

والثاني : شأن الزهراء عليها السلام كل يوم ، فإنها تشهق كل يوم شهقة لولدها الحسين عليه السلام ، حتى يسكتها ابوها صلوات الله عليه وآله .

بل انها عليها السلام لتشهق شهقة في ارض المحشر يوم القيامة حينما تنظرالى ولدها الحسين وهو مضرجا بدمائه الزاكية ، فتشقه شهقة يبكي كل من في المحشر لاجلها .

والثالث : قال عنه ابو ذر لما اخبر الناس بمقتل الحسين عليه السلام ما معناه : انه لو علمتم بعظم تلك المصيبة لبكيتم حتى تزهق انفسكم

الثامن : العويل ، ولا ادري كيف اذكر من امر به ، فانه من العجائب ، فأقول ان يزيد قاتل الحسين عليه السلام قد امر باقامة عزاء للحسين والعويل عليه ، فقال لزوجته هند : اعولي عليه يا هند ، وابكي فانه صريخة قريش ، عجّل عليه ابن زياد لعنه الله فقتله قاتله الله .

وكان ذلك في وقت خاص ، وتفصيله في الروايات الاتية ان شاء الله .

التاسع : الضرب على الرأس والوجه : وهذا صنعه عبدالله بن عمر لما بلغه خبر قتل الحسين عليه السلام ، وكان ينادي لا يوم كيوم الحسين ، الى ان سكته يزيد بما سكته .

العاشر : التشبه بالباكي ، وهو التباكي الذي ورد فيه بالخصوص : ان من تباكى فله الجنة ، يعني اذا كان القلب قاسيا لا يحترق عليه ، فليطأطيء رأسه وليتشبه بالمصاب في الانكسار واظهاره ، وما ادري كيف يقسو القلب ؟! ولا يحترق على ذكر المظللوم الغريب الحبيب الذي يبكيه الصابر ، لو تحقق الصبر على مصابه ؟ ومنشأ هذه القساوة امران :

الاول : الخوض في طلب الفضول من الدنيا فإن في ذلك تأثيرا حتى ورد في الادعية : " اللهم اني اعوذ بك من علم لا ينفع ومن قلب لا يخشع ومن عين لا تدمع ومن بطن لا يشبع "

الثاني : كثرة الكلام فيما لا يعني كما في الرواية ، وعلاج هذه القساوة : مسح رأس اليتيم ، فقد ورد انه يرفع القساوة ، مع ما فيه من الاجر .

الحادي عشر : البكاء بلا دمع ، لجمود الدمع من كثرة الخروج ، وقد اتفق ذلك لنسائه بعد رجوعهن الى المدينة المنورة ، واقامة العزاء ، فعالجن ذلك ، بما يجري الدمع : من السويق ، كما ورد في بحارالانوار واصور الكافي .

الثاني عشر : البكاء بحيث يظهر اثره على الشخص فيمتنع من الطعام والشراب او الالتذاذ بهما او بغيرهما من مظاهر الحياة .

وهذا قد ورد في رواية مسمع بن عبد الملك ، حيث انه لما اخبر الصادق عليه السلام بعروض هذه الحالة له عند ذكر الحسين عليه السلام ، وتذكر ما صنع به ، قال له : " رحم الله دمعتك " ، ثم ذكر له الاجر الحاصل له من اول احتضاره الى انقضاء يوم الجزاء ، على ما سنبين تفصيله عند بيان خواص البكاء ان شاء الله تعالى.

المقصد الرابع
في المجالس المنعقدة لذكر مصيبته والبكاء عليه

وهي خمسة انواع :

الاول : ما انعقد قبل خلق النبي آدم عليه السلام .
الثاني : ما انعقد بعده وقبل ولادة الحسين عليه السلام .
الثالث : ما انعقد بعدها قبل شهادته .
الرابع : ما انعقد بعد شهادته في الدنيا .
الخامس : ما ينعقد بعد فناء الدنيا يوم القيامة .

النوع الاول
مجلسا وان كان التعبير بالمجلس مجازاً

الاول : محل تقديره حين قدّره الله تعالى وقضاه وكتبه بالقلم على اللوح فحزن عليه القلم واللوح .

الثاني : حول العرش قبل خلق آدم (ع) " إذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة " ، على الخلق الذين كانوا قبل النبي آدم (ع) ، " قالوا أتجعل فيها من يُفسد فيها ويسفك الدماء " ، ففي بعض التفاسير انهم لاحظوا في ذلك قتل الحسين عليه السلام ، فقالوا هذا تحزّنا وتحسّرا ، قال الله تعالى " إني أعلم ما لا تعلمون " .

النوع الثاني

وهو ستة عشر مجلساً

المجلس الاول : عرفات ، حين نظر ادم (ع) الى ساق العرش ورأى اسماء الخمسة ولقّنه جبرئيل (ع) ان يقول " يا حميد بحق محمد ، ويا عالي بحق علي ، ويا فاطر بحق فاطمة ، ويا محسن بحق الحسن والحسين ومنك الاحسان ، فلما ذكر الحسين (ع) سالت دموعه وخشع قلبه .

فقال : يا اخي في ذكر الخامس ينكسر قلبي ، وتسيل عبرتي ، فأخذ جبرئيل (ع) في بيان السبب راثيا للحسين (ع) ، وآدم والملائكة الحاضرون هناك يسمعون ويبكون ، فقال : ولدك هذا يصاب بمصيبة تصغر عندها المصائب ، قال(ع ( وما هي ؟ قال جبرئيل (ع) يقتل عطشان غريبا ، وحيدا فريدا ، ليس له ناصر ولا معين ، ولو تراه يا أدم وهو يقول " واعطشاه واقلة ناصراه ، حتى يحول العطش بينه وبين السماء كالدخان ، فلم يجبه احد الا بالسيوف ، وشرر الحتوف ، فيذبح ذبح الشاة من قفاه ، ويُنهب رحله ، وتشهر رؤوسهم في البلدان ، ومعهم النسوان ، كذلك سبق في علم الواحد المنان . "

المجلس الثاني والثالث : الجنة وقد انعقد فيها مجلسان

الاول : الراثي فيه حورية والسامع رسول الله صلى الله عليه واله وسلم والملك جبرئيل عليه السلام .

الثاني : الراثي فيه جبرئيل (ع) والسامع رسول الله (ص) والحور العين .

اما الاول : فقد روي في البحار عن النبي (ص) قال : لما اسري بي اخذ جبرئيل (ع) بيدي فأدخلني الجنة وانا مسرور ، فاذا انا بشجرة من نور مكللة بالنور ، في اصلها ملكان يطويان الحلي والحلل الى يوم القيامة ، ثم تقدمت فاذا انا بتفاح لم أر اعظم منه ، فأخذت واحدة ، ففلقتها فخرجت علي منها حورية ، كان اجفانها مقاديم النسور ، قلت : لمن انت ؟ فبكت وقالت : لابنك المقتول ظلما الحسين بن علي بن ابي طالب (ع( .

واما النوع الثاني : فقد روي ان الحسن المجتبى (ع) لما دنت وفاته ، جرى السم في بدنه ، واخضر لونه ، فقال له الحسين (ع) مالي أرى لونك قد اخضر ؟ فبكى وقال (ع) " يا أخي لقد صدق حديث جدي فيّ وفيك ، ثم اعتنقه وبكيا كثيرا ، فسأل عن ذلك ، فقال (ع) " اخبرني جدي المصطفى (ص) قال " لما دخلت ليلة المعراج الجنة ، رأيت قصرين عاليين متجاورين على صفة واحدة ، احدهما من الزبرجد الاخضر ، والاخر من الياقوت الاحمر ، فسألت جبرئيل لمن هذان القصران ؟

فقال : احدهما للحسن والاخر للحسين ، فقلت : فلم لم يكونا على لون واحد ؟ فسكت جبرئيل ، فقلت : لم لا تتكلم ؟ قال : حياء منك ، فقلت : سألتك بالله تعالى الا ما اخبرتني ، فقال : اما خضرة قصر الحسن فإنه يموت بالسم ، ويخضّر لونه ، واما حمرة قصر الحسين ، فإنه يقتل ، ويحمر وجهه بالدم ، فعند ذلك بكيا ، وضجّ الحاضرون بالبكاء والنحيب . "

المجلس الرابع : مجلس ادم (ع) في كربلاء ، وذلك لما كان يطوف في الارض فعند وصوله الى مقتل الحسين عليه السلام عثر برجله ، ووقع وسال الدم من رجله ، فرفع رأسه الى السماء وقال : إلهي هل حدث ذنب اخر فعاقبتني ؟

فأوحى الله تعالى اليه ، لا ولكن يقتل في هذه الارض ولدك الحسين ظلما فسال دمك موافقة لدمه ، فقال : من القاتل له ؟ فأوحى الله تعالى اليه : انه يزيد فالعنه ، فلعنه اربعا ، ومشى خطوات الى جبل عرفات .

المجلس الخامس : سفينة نوح (ع) لما وصلت فوق ارض قتل الحسين (ع) ومحل طوفان سفينة اهل البيت اخذتها الارض ، فخاف نوح الغرق فقال : الهي طفت الدنيا وما اصابني فزع مثل ما اصابني في هذه الارض ، فنزل جبرئيل (ع) بقضية الحسين (ع) ، وقال يقتل في هذا الموضع ، فبكى نوح واصحاب السفينة ولعنوا قاتله ومضوا. " .

المجلس السادس : مجمع البحرين حين التقى موسى مع الخضر ، فحّدثه عن آل محمد وعن بلائهم ، حتى اذا بلغ الى حديث الحسين (ع) علت اصواتهم بالبكاء على ما في الرواية .

المجلس السابع : بساط سليمان وجنوده من الجن والانس والطير ، وذلك انه لما كان على البساط في الهواء وصار محاذيا للمقتل ، ادارت الريح البساط ثلاث مرات ، وانحطت على الارض فعاتب الريح فأخذت الريح ترثي وتقول : يا نبي الله تعالى ان في هذا المكان مقتل الحسين (ع) الى اخر الحديث كما ورد في اكثر من مصدر كالمنتخب للطريحي صفحة 50

المجلس الثامن : شاطيء حرزان لابراهيم (ع) ، حين اُري ملكوت السموات والارض ، ورأى شبح الحسين عليه السلام فبكى عليه.

المجلس التاسع : مجلس ثان لابراهيم (ع) حين اراد كسر الاصنام ، فقال : اني سقيم ، يعني لما يحل بالحسين .

المجلس العاشر : مجلس ثالث لابراهيم (ع) حين فدى ولده بالكبش ، قال الرضا (ع) : لما امر الله عز وجل ابراهيم عليه السلام ان يذبح ابنه اسماعيل عليه السلام الكبش الذي انزله عليه تمنّى ابراهيم (ع) ان يكون قد ذبح ابنه اسماعيل عليه السلام بيده ، وانه لم يؤمر بذبح الكبش مكانه ، ليرجع الى قلبه ما يرجع الى قلب الوالد عليه بيده ، فيستحق بذلك ارفع درجات اهل الثواب على المصائب .

اوحى الله تعالى اليه : يا ابراهيم من احبّ خلقي اليك ؟

فقال (ع) " يا رب ما خلقت خلقا هو احبُ اليّ من حبيبك محمد صلى الله عليه وآله وسلم .

فأوحى الله تعالى اليه : افهو احب اليك ام نفسك ؟

قال : بل هو احب اليّ من نفسي .

قال الله تعالى : فولده احب اليك ام ولدك ؟

قال ) ع) " بل ولده .

قال الله تعالى : فذبح ولده ظلما على ايدي اعدائه اوجع لقلبك او ذبح ولدك بيدك في طاعتي ؟

قال) ع) " يا رب بل ذبحه على ايدي اعدائه اوجع لقلبي .

قال الله تعالى : يا ابراهيم فإن طائفة تزعم انها من امة محمد (ص) ستقتل الحسين ابنه من بعده ظلما وعدوانا كما يذبح الكبش ويستوجبون بذلك سخطي .

فجزع ابراهيم (ع) بذلك ، وتوجع قلبه ، واقبل يبكي .

فأوحى الله تعالى اليه ، يا ابراهيم قد فديت جزعك على ابنك اسماعيل ، لو ذبحته بيدك ، بجزعك على الحسين عليه السلام وقتله واوجبت لك ارفع درجات اهل الثواب على المصائب ، وذلك قول الله تعالى ( وفديناه بذبح ) .

المجلس الحادي عشر : مجلس رابع لابراهيم خليل الله عليه السلام في كربلاء حين وصل الى اهله راكبا ، فعثرت به فرسه ، وسقط عن الفرس ، وشج رأسه ، فقال : الهي ما حدث مني ؟ فقالت فرسه : عظمت خجلتي منك ، السبب في ذلك انه هنا يقتل سبط خاتم الانبياء (ص) لذا سال دمك موافقة لدمه.

اقول : ولعل محل سقوطه عن الفرس هو محل سقوط الحسين (ع) عن فرسه ايضا ، فلاحظ الفرق بين السقوطين .

المجلس الثاني عشر : مجلس اسماعيل ذبيح الله تعالى في شريعة الفرات ، وذلك ان اغنامه كانت ترعى بشاطيء الفرات ، فأخبره الراعي انها لا تشرب من هذا الماء منذ ايام .

فسأل ربه تعالى عن ذلك ، فأوحى تعالى اليه : سل غنمك ، فسألها : لم لا تشربين من هذا الماء ؟ فقالت بلسان فصيح : قد بلغنا ان ولدك الحسين سبط محمد صلوات الله عليه وآله يقتل هنا عطشان فنحن لا نشرب من هذه المشرعة حزنا عليه .

المجلس الثالث عشر : مجلس لعيسى بن مريم عليهما السلام ، في كربلاء ، الراثي له الظباء والباكي هو الحواريون كما روي ابن عباس وسنذكر الرواية .

المجلس الرابع عشر : في طور سيناء وفي مرات عديدة ، وذاكر المصيبة الوحي من الله رب العالمين ، والسامع موسى النبي عليه السلام ، فمن ذلك ان موسى (ع) رآه اسرائيلي مستعجلا ، وقد كسته الصفرة ، ترجف فرائصه ، وجسمه مقشعر ، وعينه غائرة ، فعلم انه دعي للمناجاة .

فقال : يا نبي الله قد اذنبت ذنبا عظيما فاسأل ربك تعالى ان يعفو عني ، فلما وصل الى مقامه ، وناجى .

قال (ع) " يا رب انت العالم قبل نطقي ، فإن فلانا عبدك اذنب ذنبا ، ويسألك العفو.

قال الله تعالى : يا موسى اغفر لمن استغفرني الا قاتل الحسين ، قال : يا رب ومن الحسين ؟

قال تعالى : الذي مرّ ذكره عليك بجانب الطور.
قال : ومن يقتله ؟

قال تعالى : تقتله امة جده الباغية الطاغية ، في ارض كربلاء ، وتنفر فرسه وتصهل ، وتقول في صهيلها : الظليمة الظليمة من امة قتلت ابن بنت نبيها .

فيبقى ملقى على الرمال بغير غسل ولا كفن ، وينهب رحله ، وتسبى نساؤه في البلدان ، ويقتل ناصروه ، وتشهر رؤوسهم مع رأسه على اطراف الرماح ، يا موسى صغيرهم يميته العطش ، وكبيرهم جدله منكمش ، يستغيثون فلا ناصر ، ويستجيرون فلا فاخر ، *اي : لا مجير ، فبكى موسى عليه السلام .

فقال سبحانه : يا موسى اعلم انه من بكى عليه او ابكى او تباكى حرّمت جسده على النار .

اقول : هنيئا للذين كانوا ثابتين على الايمان ، مشافهين كليم الرحمن ، كلما عرضت لهم حاجة ، او طلبوا مغفرة ، سألوا موسى عليه السلام ، ليعرض ذلك في مقام المناجاة .

لكن اقول : نحن ايضا ، لنا كليم لله تعالى صاحب يد بيضاء ، وعصا وآيات ، وهو واقف دائما في مقام المناجاة على يمين العرش ، لا على جبل سيناء ، وهو يستغفر لنا بلا سؤال منا ، ولكن كليمنا لم تكسه الصفرة ، بل كسته الحمرة ، وليست فرائصه راجفة ، بل هو مقطع الاوصال والاعضاء مرمل في صحراء كربلاء صهرته الشمس ثلاثة ايام وبكى عليه كل شيء ………..،الخ

المجلس الخامس عشر : بيت المقدس المشير مجملا الى المصيبة هو الله تعالى ، والنادب النبي زكريا عليه السلام ثلاثة ايام .

وذلك في رواية عن امامنا الحجة المهدي عليه السلام ، قال : ان زكريا سأل ربه تعالى ان يعلمه اسماء الخمسة فأهبط عليه جبرئيل فعلمه اياها ، وكان زكريا (ع) اذا ذكر محمدا وعليا وفاطمـــــة والحسن صلوات الله عليهم اجمعين ، سُريّ عنه الهم ، وانجلى كربه ، واذا ذكر اسم الحسين عليه السلام خنقته العبرة ، ووقعت عليه البُهرة ، اي : تتابع النفس وانقطاعه من شدة الاعياء ، فقال زكريا (ع) ذات يوم : إلهي مالي اذا ذكرت اربعة منهم تسليت بأسمائهم من همومي ، واذا ذكرت الحسين (ع) تدمع عيني ، وتثور زفرتي ؟

فأنبأه الله تعالى عن قصته فقال : ( كهيعص ) فالكاف اسم كربلاء ، والهاء هلاك العترة ، والياء يزيد لعنه الله ، وهو ظالم الحسين (ع) ، والعين عطشه ، والصاد صبره .

فلما سمع ذلك زكريا (ع) لم يفارق مسجده ثلاثة ايام ، ومنع فيهن الناس من الدخول عليه ، واقبل على البكاء والنحيب.

وكان رثاؤه : الهي اتـُفجع خير جميع خلقك بولده ؟ الهي اتـُنزل بلوى هذه المصيبة الرزية بفنائه ؟ الهي اتلبس عليا وفاطمة ثياب المصيبة ؟ الهي اتحل كربة هذه المصيبة بساحتهما ؟ ثم كان يقول : اللهم ارزقني ولدا تقر به عيني على الكبر ، فإذا رزقتنيه فافتنّي بحبه ، ثم افجعني بحبه كما تفجع محمداً صلى الله عليه وآله وسلم حبيبك بولده عليه السلام ، فرزقه الله تعالى يحيى عليه السلام ستة اشهر ، وحمل الحسين عليه السلام كذلك ستة اشهر .

المجلس السادس عشر : مجلس ثان لعيسى بن مريم عليهما السلام ، في كربلاء ، ذاكر المصيبة اسد والسامع عيسى والحواريون .

وذلك انهم لما مروّا بكربلاء ، لا في سياحتهم رأوا اسداً كاسراً اي : يكسر ما يصيده ، قد اخذ الطريق فاقدم عيسى عليه السلام وقال : لم جلست على طريقنا لا تدعنا نمر فيه ؟ قال : اني لا ادعكم تمرون حتى تلعنوا يزيد قاتل الحسين (ع) سبط محمد المصطفى (ص) النبي الاميّ وابن علي الولي ، سلام الله عليهما

 

النوع الثالث :
المجالس المنعقدة لرثائه (ع) بعد ولادته قبل شهادته

وهي ثلاثون مجلسا :

الاول : فوق السماوات عند سدرة المنتهى ليلة ولادته ، المبين للمصيبة هو الله تعالى ، والسامع جبرئيل وألف قبيل من الملائكة ، كل قبيل ألف ألأف حين امرهم بالنزول لتهنئة النبي (ص ( بولادته (ع) فقال تعالى : اذا هنأته فعزّه وقل له ان ولدك هذا يقتل مظلوما .

الثاني : حجرة الزهراء فاطمة عليها السلام

الثالث : حجرات ازواج النبي المصطفى صلى الله عليه واله وسلم .

الرابع : مسجد النبي (ص) الراثي فيها تارة هو ، وتارة جبرئيل (ع) ، وتارة ملك القطر ، وتارة اثنى عشر ملكا أتوا لزيارته بصور مختلفة فرثوا الحسين له ، وتارة كل ملك ، ففي الحديث ، انه لم يبقى ملك الا ونزل الى النبي يعزّيه بالحسين ، اللهم صلي على محمد حبيبك واله الاطهار.

وهذه مجالس لا تدخل تحت عدد وكلما اردت عداً وضبطا لهذه المجالس النبوية حالة ومكانا وزمانا وباكيا وراثيا وهكذا ..... ، لم اقدر ، لقد ظهر لي من تتبع الاحاديث ، انه منذ ولد الحسين عليه السلام ، بل منذ حملت به امه الزهراء (ع) كانت مجالس النبي (ص) رثاء له ، ليلا ونهارا ، في المسجد ، وفي البيوت ، وفي البساتين ، وفي ازقة المدينة ، سفرا وحضرا ، نوما ويقظة .

وكان رثاؤه تارة ببيانه لاصحابه ، وتارة باسماعه الملائكة ، وتارة يتذكر فيتأوه ، وتارة يتصور حالاته ، فمرة يقول (ص) " كأني به يستغيث فلا يغاث "

وتارة يقول : " كأني بالسبايا على اقطاب المطايا " وتارة يقول (ص) " كأني برأسه اُهدي الى يزيد لعنه الله فمن نظر الى رأسه وفرح بذلك خالف الله تعالى بين لسانه وقلبه " ، وتارة يقول (ص) "صبرا يا أبا عبد الله " ، وتارة يرى قاتله فيتغير وجهه المبارك .

وكان المبكي له (ص) مجرد النظر اليه (ع) تارة ، وحمله تارة ، وتقبيله اخرى ، واقباله عليه تارة ، وذهابه من عنده اخرى ، وهكذا فلبسه لباسا جديدا مبك له (ص) ، وفرحه بالعيد مبك له ، ولعبه مبك له ، وأكله طعاما لذيذا مبك له ، وجوعه مبك له ، وبكاؤه مبك له ...... ، فكان (ص) كلما مرّ على بيت فاطمة (ع) وسمع بكاءه بكى وجاء اليها وقال : سكّتيه اما علمتِ ان بكاءه يؤذيني ، وشم تربته مبك له وقد اتاه بها كل ملك وبكى في كل مرة ، وتارة يذكر قاتله ويبكي .

هذا مجمل الكلام في مجالسه ، واما التفصيل ، فانه لما آن الحمل بالحسين (ع) ، انعقدت مجالس الرثاء حينئذ عنده صلوات الله عليه وآله ، بحيث يتعذر عدّها الى يوم وفاته .

بيان ذلك انه لما اُخبر بأن فاطمة عليها السلام تلد الحسين (ع) اُخبر ايضا بشهادته ، فبكى (ص) ، فلما وضعته واُتي به اليه في تلك الساعة ، وهو ملفوف في خرقة من صوف بيضاء ، اذّن في اذنه اليمنى واقام في اليسرى ، ثم وضعه في حجره ، ونظر اليه ورثاه وبكى .

وهو يقول (ص) " سيكون لك حديث ، اللهم العن قاتله . " ، ثم لما اتى عليه سبعة ايام ، عقّ عنه كبشا املح ، وحلق رأسه وتصدق بوزن الشعر ورقا ، وخلّق رأسه بالخلوق ، اي : طيب مركب متخذ من الزعفران وغيره ، ثم وضعه في حجره ، ورثاه وبكى ، وهو يقول (ص) " يا ابا عبدالله عزيز عليّ ، ثم بكى ، ثم قال : اللهم اني اسألك فيما سألك ابراهيم (ع) في ذريته ، اللهم اني احبهما واحب من يحبهما . " .

ثم لما اتت عليه سنة كاملة اخذت الملائكة بالهبوط اليه للتعزية ، فأول من هبط اثنا عشر ملكا على صور مختلفة ، احدهم على صورة بني ادم منشورة اجنحتهم وهم يرثونه ويعزونه ، ثم نزل ملك القطر فعزّاه وبعد ذلك نزلوا حتى لم يبق ملك الا ونزل اليه (ص) وهو يعزّيه بالحسين (ع) ويذكر قتله له كما في الروايات المعتبرة ، وذلك ليفوزوا بثواب التعزية لروسل الله (ص) وإلا فالإخبار حصل بأول مرة .

ثم ان الملائكة كانت تحمل تربته اليه ، واول من حملها اليه جبرئيل (ع) قال علي (ع) دخلت على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وعيناه تفيضان ، فقلت : بأبي انت وامي ما لعيناك تفيضان ؟ اغضبك احد ؟

قال (ص) " لا ، ولكن اخبرني جبرئيل (ع) ان ولدي الحسين (ع) يقتل في ارض كربلاء واشّمني من تربته ، ولم املك عيني ان فاضتا ، واسم الارض كربلاء .

ولما اتت عليه سنتان ، خرج النبي (ص) الى سفر ، فوقف في بعض الطريق ، واسترجع ودمعت عيناه.

فسئل عن ذلك : فقال (ص) " هذا جبرئيل يخبرني عن ارض بشط الفرات ، يقال لها كربلاء ، يقتل بها ولدي الحسين ، وكأني انظر اليه والى مصرعه ، ومدفنه بها ، وكأني انظرالى السبايا عل اقتاب المطاب ، وقد اُهدي رأس الحسين عليه السلام الى يزيد لعنه الله ، فوالله ما ينظر احد الى رأس الحسين ، ويفرح ، الا خالف الله تعالى بين قلبه ولسانه ، وعذبه الله عذابا اليما .

ثم رجع النبي (ص) من سفره مغموما مهموما كئيبا حزينا ، فصعد المنبر واصعد معه الحسن والحسين (ع) وخطب ووعظ الناس فلما فرغ من خطبته .

وضع يده اليمنى على رأس الحسن ، ويده اليسرى على رأس الحسين

وقال :

اللهم ان محمدا عبدك ورسولك ، وهذان اطائب عترتي ، وخيار ارومتي ، وافضل ذريتي ، ومن اُخلّفهما في امتي ، وقد اخبرني جبرئيل ان ولدي هذا مقتول بالسم والاخر شهيد مضرج بالدم ، اللهم فبارك له في قتله واجعله من سادات الشهداء ، اللهم ولا تبارك في قاتله ، وخاذله ، واصله حرّ نارك ، واحشره في اسفل درك من الجحيم.

قال : فضجّ الناس بالبكاء والعويل.

فقال لهم النبي (ص)) " ايها الناس اتبكونه ولا تنصرونه ، اللهم فكن انت له وليا وناصرا ، ثم قال : يا قوم اني مخلف فيكم الثقلين ، كتاب الله وعترتي وارومتي ومزاج مائي ، وثمرة فؤادي ، ومهجتي ، لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض ، الا واني لا اسألكم في ذلك الا ما امرني ربي تعالى ان اسألكم عنه اسألكم عن المودة في القربى ، فاحذروا ان تلقوني غدا على الحوض وقد آذيتم عترتي وقتلتم اهل بيتي وظلمتموهم .)

ثم قال صلى الله عليه واله وسلم :

الا انه سيرد عليّ يوم القيامة ثلاث رايات من هذه الامة :

الاولى : راية سوداء مظلمة ، قد فزعت منها الملائكة فتقف عليّ ، فاقول لهم : من انتم ؟ فينسون ذكري ، ويقولون : نحن اهل التوحيد من العرب ، فأقول لهم : انا احمد (ص) نبي العرب والعجم ، فيقولون : نحن من امتك ، فأقول : كيف خلفتموني من بعدي في اهل بيتي وعترتي ، وكتاب ربي تعالى ؟ فيقولون : اما الكتاب فضيّعناه ، واما العترة فحرصنا ان نبيدهم من حديد الارض ، فلما اسمع منهم ذلك اعرض عنهم بوجهي ، فيصدرون عطاشى مسودة وجوههم .

ثم ترد عليّ راية اخرى اشد سوادا من الاولى ، فأقول لهم : كيف خلفتموني من بعدي في الثقلين ، كتاب الله تعالى ، وعترتي ؟ فيقولون : اما الاكبر فخالفناه ، واما الاصغر : فمزقناهم كل ممزق ، فأقول : اليكم عني ، فيصدرون عطاشى مسودة وجوههم .

ثم ترد عليّ راية تلمع وجوههم نورا ، فأقول لهم : من انتم ؟ فيقولون : نحن اهل كلمة التوحيد والتقوى ، من امة محمد المصطفى (ص) ونحن بقية اهل الحق ، حملنا كتاب ربنا تعالى ، وحلّلنا حلاله ، وحرّمنا حرامه ، واحببنا ذرية نبينا محمد (ص) ، ونصرناهم من كل ما نصرنا به انفسنا ، وقاتلنا معهم من ناوءهم ، فأقول لهم : أبشروا فأنا نبيكم محمد المصطفى (ص) ، ولقد كنتم في الدنيا كما قلتم ، ثم اسقيهم من حوضي ، فيصدرون مروّيين مستبشرين ، ثم يدخلون الجنة خالدين فيها أبد الآبدين .

والحمد لله رب العالمين .

 

Description: C:\Users\f\Desktop\%D9%83%D8%AA%D8%A8 %D9%85%D8%B3%D8%AD%D9%88%D8%A8%D9%87\1\main\images\pa07.gif

 

ثم بعد ذلك كله كثرت مصيبته (ص) به (ع) فكان يرثيه في بيته ، ومسجده ، وعلى منبره ، وفي سفره ، وحضره ، وقيامه ، وقعوده ، وكانت رؤيته له وحمله له مصيبة ، وتقبيله له موجبا للعبرة ، واقعاده في حجره مفجعة ، والنظر اليه رثاء ، واسبابا سروره احزانا .

وتفصيل ذلك انه لما كان يحمله ورأسه متكيء كان يذكر رأسه الذي على الرمح ، فيبكي ويقول لاصحابه : " كأني انظر الى السبايا على اقتاب المطايا ، وقد اُهدي رأس ولدي الى يزيد " .

ولما كان (ص) يقعده في حجره ينظر الى وجهه ، فيبكي ويقول (ص) " يابن عباس كأني به وقد خضب شيبه من دمه ، فيدعو فلا يجاب ، ويستنصر فلا ينصر ، " وكان يراه في العيد ، لابساً جديدا فيبكي ، لانه يتذكر عراءه في طف كربلاء ، بل وانه يطلب من اخته زينب ثوبا عتيقا كي لا يطمع به القوم حين يسلبوه يلبسه تحت ثيابه .

وكان يراه جالسا معه ، ومع ابيه وامه واخيه ، ثم يأخذ في البكاء ، لانه يتذكر او يذكّره جبرئيل : ببقائه وبقاء اطفاله وقد اسودت الدنيا بأعينهم ، ثم تفرقهم بعد ذلك قتلى واسرى ......، مظلومون حيارى .

ولما كان يقبّل نحره يبكي ، وكان يقول لعلي (ع)) " امسكه يا علي ، فيمسكه فيكشف جسده ، ويقبله ويبكي ، فكان يقول (ص) " اقبّل مواضع السيوف وأبكي " .

وكان يقبل شفتيه واسنانه ، ويبكي لانه يتذكر قرعه بالخيزران في مجلس يزيد وابن زياد لعنهما الله تعالى ، وكان قد رأى ذلك زيد بن ارقم ، ثم حضر يوم الكوفة ، ورأى ابن زياد يقرع ثنايا الحسين (ع) ويطعن في فمه المبارك وانفه .

فقام وقال : ارفع قضيبك عن هاتين الشفتين ، فوالله الذي لا اله إلا هـــــو ، لقد رأيت ثنايا رسول الله تعالى صلى الله عليه وآله وسلم ترشف ثناياه .

وكان في يوم جالسا في المسجد ، فدخلت جماعة من قريش معهم عمر بن سعد ، فتغير وجهه صلوات الله عليه وعلى آله ، فقالوا : يا رسول الله ما أصابك ؟ فقال (ص) " اني ذكرت ما يلقى اهل بيتي من قتل وضرب وشتم وتطريد وتشريد ، وان اول رأس يحمل على الرمح رأس ولدي الحسيــــــن " .

فاستمرت هذه الحالة به (ص) وغيرها من الحالات طول حياته المباركة ، في ليله ونهاره ، حواضره واسفاره ، الى حين احتضاره ، وهو لا تفارقه ذكرى ولده الحسين الغريب الشهيد (ع) ، وكان احتضاره ايضا مجلس رثاء لابي عبدالله عليه السلام .

وذلك انه لما دنت وفاته (ص) واشتد به المرض ، ضمّ ولده وحبيبه وعزيزه الحسين (ع) الى صدره المبارك، فسال من عرقه عليه ، وهو يجود بنفسه ، ويقول : مالي وليزيد لا بارك الله تعالى في يزيد ، اللهم العن يزيد ثم غـُشيّ عليه (ص) فأفاق ، وجعل يقبّل الحسين (ع) ، وعيناه تذرفان ، ويقول " اما ان لي ولقاتلك مقاما بين يدي الله عز وجل " ، وهذه كلها في المدينة المنورة .

الخامس : مجلس الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في كربلاء ، قال (ص) " لما اُسريّ بي الى موضع يقال له كربلاء ، ورأيت فيه مصرع الحسين (ع) واصحابه ، فعُقد هناك مجلسا لعزائه .

السادس : مجلسه (ص( في مجمع المدينة وكربلاء ، وذلك حين انخفضت له الارض ، ورأى مصرع الحسين عليه السلام ، وأخذ من تربته ، ولعل هذه التربة هي التي دفعها الى ام سلمة ، وقال لها : احتفظي بها فإذا صارت دما فاعلمي ان الحسين قد قتل .

وقد دفع اليها الحسين عليه السلام مثلها وبهذه الكيفية كما سيجيء ان شاء الله تعالى .

السابع : مجلس علي (ع) في المدينة والكوفة وغيرهما ، فلقد كان (ع) يرثي الحسين (ع) على المنبر ، وفي المسجد بعناوين كثيرة مختلفة ، ويبكي كثيرا عند رثائه ، ويذكر حالاته بكيفيات مختلفة نظما ونثرا، في بعضها :

كأني بنفسي واعقابهــا وبكربلاء ومحرابهـــا
فتخضب منا اللحى بالدماء خضاب العروس بأثوابها

ومن تلك المجالس : مجلسه في محراب المسجد ، وهو مطروح مشقوق الرأس ، قال (ع) " يا ابا عبدالله انت شهيد هذه الامة " فهو الراثي والحسين (ع) الباكي ، والمستمع اهل الكوفة.

وله (ع) بعد هذا مجلس هو اخر مجالسه ، الراثي هو (ع) ، والمستمع ابنته زينب (ع) ، حيث اخبرها (ع) وهو مضطجع على فراشه يوم وفاته ، ومشقوق الرأس مصفر اللون ، فقال لها ، يا بنية ، كأني بك وبنساء اهل بيتك اسارى في هذا البلد ، اذلاء خاشعين تخافون ان يتخطفكم الناس "……. الى اخر الحديث .

واما مجالسه (ع) في المدينة فكان كلما رآه بكى ، وناداه : يا عبرة كل مؤمن ، فيقول : انا يا ابتاه ؟ فيقول : نعم .


الثامن : مجالس ثلاثة له في كربلاء :
الاول : ما رواه مجاهد عن ابن عباس قال : كنت مع امير المؤمنين (ع) عند خروجه الى صفين ، فلما نزل نينوى ، وهو بشط الفرات ، قال بأعلى صوته : يابن عباس ، اتعرف هذا الموضع ؟ قلت له : ما اعرفه يا امير المؤمنين ، قال علي (ع) " لو عرفته كمعرفتي لم تكن تجوزه حتى تبكي كبكائي.

قال : فبكى (ع) طويلا حتى اخضلّت لحيته ، اي : نديت حتى ترشش نداها وابتلّت ، وسالت الدموع على صدره ، وبكينا معه وهو يقول : اوهّ اوهّ مالي ولآل ابي سفيان ، مالي ولآل حرب حزب الشيطان واولياء الكفر ، صبراً يا أبا عبدالله فقد لقي ابوك مثل الذي تلقى منهم .

ثم دعا بماء فتوضأ وضوء الصلاة ، فصلى ما شاء الله ان يصلي ، ثم ذكر نحو كلامه الاول ، إلا انه نعس عند انقضاء صلاته وكلامه ، فنام ساعة ثم انتبه فقال : يابن عباس ، قلت : ها انا ذا ، فقال (ع) " ألا احدّثك بما رأيت في منامي آنفا عند رقدتي ؟ فقلت : نامت عيناك ورأيت خيرا يا امير المؤمنين .

قال (ع) " رأيت كأني برجال قد نزلوا من السماء معهم اعلام بيض ، قد تقلّدوا سيوفهم وهي بيض تلمع ، وقد خطوا حول هذه الارض خطة ، ثم رأيت كأن هذه النخيل قد ضربت بأغصانها الارض ، تضطرب بدم عبيط ، وكأني بالحسين)ع) سخلي ، * والسخل هو المولود المحبب الى ابويه ، سخلي وفرخي ومضغتي ومخي قد غرق فيه ، يستغيث فيه فلا يغاث ، وكأن الرجال البيض قد نزلوا من السماء ينادونه ويقولون : صبرا آل الرسول فإنكم تقتلون على ايدي شرار الناس ، وهذه الجنة يا ابا عبدالله اليك مشتاقة.

ثم يعزونني ويقولون : يا أبا الحسن ابشر ، فقد اقرّ الله تعالى به عينك يوم يقوم الناس لرب العالمين .

ثم انتبهت هكذا ، والذي نفس علي بيده ، لقد حدّثني الصادق المصدّق ابو القاسم (ص) أني سأراها في خروجي الى اهل البغي علينا ، وهذه ارض كرب وبلاء ، يدفن فيها الحسين (ع) ، وسبعة عشر رجلا من ولدي وولد فاطمــة عليها السلام ، وانها لفي السماوات معروفة تذكر بارض كرب وبلاء ، كما تذكر بقعة الحرمين وبقعة بيت المقدس .

ثم قال (ع) " يا بن عباس ، اطلب حولها بعر الظباء ، * اي رجيعها ، فوالله ما كذبت ولا كُذبت ، وهي مصفرّة لونها لون الزعفران .

قال ابن عباس : فطلبته فوجدته مجتمعا ، فناديته : يا اميرالمؤمنين قد اصبتها على الصفة التي وصفتها لي ، فقال علي عليه السلام : صدق الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم .

ثم قام (ع) يهرول اليها فحملها وشمها وقال : هي هي بعينها ، اتعلم يابن عباس ما هذه الابعار ؟ هذه قد شمّها النبي عيسى (ع) وذلك انه مرّ بها ومعه الحواريون ، فرأى هاهنا الظباء مجتمعة وهي تبكي ، فجلس عيسى (ع) وجلس الحواريون معه ، فبكى وبكى الحواريون ، وهم لا يدرون لمَ جلس ولمَ بكى .

فقالوا : يا روح الله تعالى وكلمته ما يبكيك ؟ قال (ع) " اتعلمون اي ارض هذه ؟ قالوا : لا ، قال (ع) " هذه ارض يقتل فيها فرخ الرسول (ص) احمداً ، وفرخ الحرة الطاهرة البتول (ع) ، شبيهة امي (ع) وتلحد فيها طينة ، اطيب من المسك ، لانها طينة الفرخ المستشهد (ع) ، وهكذا تكون طيبنة الانبياء واولاد الانبياء (ع) ، فهذه الظباء تكلمني وتقول : انها ترعى في هذه الارض شوقا الى تربة الفرخ المبارك ، وزعمت انها آمنة في هذه الارض.

ثم ضرب بيده هذه البعرات فشّمها ، وقال (ع) " هذا بعر الظباء على هذا الطيب لمكان حشيشها ، اللهم فأبقها ابداً حتى يشمّها ابوه فتكون له عزاء وسلوة .

قال : فبقيت الى يومنا هذا ، وقد اصفرت لطول زمانها ، وهذه ارض كرب وبـلاء .

ثم قال بأعلى صوته : يا رب عيسى بن مريم عليهما السلام ، لا تبارك في قاتله ، والمعين عليه والخاذل له ، ثم بكى بكاء طويلا ، وبكينا معه (ع) حتى سقط لوجهه وغــُشيّ عليه طويلا ، ثم افاق واخذ البعر فصرّه في ردائه وأمرني ان اصرّه كذلك .

ثم قال (ع) " يا بن عباس اذا رأيته تنفجر دما عبيطا ، ويسيل منها دم عبيط ، فاعلم ان ابا عبدالله قد قتل بها ودفن.

قال ابن عباس : فوالله لقد كنت احفظها اشدّ من حفظي لبعض ما افترض الله تعالى عليّ ، وانا لا احلّها من طرف كُمّي فبينما انا نائم في البيت ، اذ انتبهت فاذا هي تسيل دما عبيطا ، وكان كمي قد امتلأت دم عبيط ، فجلست وانا باك .

وقلت : قد قتل والله الحسين بن علي عليهما السلام ، والله ما كذبّني علي عليه السلام قط في حديث حدثني ولا اخبرني بشيء قط انه يكون الا كان كذلك ، لان رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ، كان يخبره باشياء لا يخبر بها غيره .

ففزعت وخرجت وذلك عند الفجر ، فرأيت والله المدينة كأنها ضباب لا يستبين منها اثر عين ، ثم طلعت الشمس فرأيت كأنها منكسفة ، ورأيت كأن حيطان المدينة عليها دم عبيط ، فجلست وانا بـــــاكٍ ، فقلت : قد قتل والله الحسين عليه السلام ، وسمعت صوتا من ناحية البيت وهو يقول :

اصبـروا يا آل الرسول قتل فرخ البتول
نزل الروح الاميـــن ببكاء وعويــل

ثم بكى بأعلى صوته ، وبكيت ، فأثبتُ عندي تلك الساعة ، وكان شهر المحرم يوم عاشوراء ، لعشر مضين منه ، فوجدته قتل يوم ورد علينا خبره وتاريخه كذلك ، فحدّثت هذا الحديث اولئك الذين كانوا معه ، فقالوا : والله لقد سمعنا ما سمعنا ونحن في المعركة ، ولا ندري ما هو ، فكنا نرى انه الخضر عليه السلام .

الثاني : ما عن هرثمة بن ابي مسلم ، قال : غزونا مع علي بن ابي طالب (ع) صفّين ، فلما انصرفنا نزل كربلاء فصلى بها الغداة ، ثم رفع اليه من تربتها فشمّها ، ثم قال (ع) " واهاً لك ايتها التربة ليحشرن منك اقوام يدخلون الجنة بغيـــر حساب .

فرجع هرثمة الى زوجته وكانت شيعة لعلي (ع) فقال : الا احدّثك عن وليّك ابي الحسن (ع) نزل كربلاء فصلى ، ثم رفع اليه من تربتها فقال : واهاً لك ايتها التربة ليحشرن منك اقوام يدخلون الجنة بغير حساب ؟ فقالت : ايها الرجل فان امير المؤمنين عليه السلام لم يقل الا حقاً .

فلما قدم الحسين (ع) قال هرثمة : كنت في البعث الذين بعثهم اليه عبيد الله بن زياد لعنهم الله ، فلما رأيت المنزل والشجر ذكرت الحديث ، فجلست على بعيري ثم صرت الى الحسين (ع) فسلمت عليه واخبرته بما سمعت من ابيه عليه السلام في ذلك المنزل الذي نزل به الحسين (ع) فقال : معنا انت ام علينا ؟

فقلت : لا معك ولا عليك ، خلّفت صبية اخاف عليهم عبيد الله بن زياد ، قال (ع) " فامض حيث لا ترى لنا مقتلا ولا تسمع لنا صوتا ، فوالذي نفس الحسيــــن بيده ، لا يسمع اليوم واعيتنا احد إلا اكبه الله تعالى في نار جهنم .

الثالث : ما روي عن الباقر عليه السلام ، قال : مرّ علي (ع) بكربلاء في اثنين من اصحابه ، فلما مرّ بها ترقرقت عيناه بالبكاء ثم قال : هذا والله منـــاخ ركابهم ، هذا ملقى رحالهم ، وهاهنا تهــــراق دماؤهم ، طوبى لك من تربة عليك تهراق دمــــاء الاحبة .

التاسع : مجالس الزهراء عليها السلام في المدينة ، وهي لا تعد لكثرتها ، فانها كلما اُخبرت بذلك لجهات عديدة عقدت مجلس بكاء ورثاء له عليه السلام .

العاشر : مجلس ام ايمن في المدينة ، وهي الراثية ، والمستمعة زينب العقيلة عليها السلام ، حين ذكرت لها الحديث عن النبي صلى الله عليه واله وسلم .

وهو حديث طويل فيه بيان مقتل الامام الحسين عليه السلام ، ومصرعه وكيفية تجهيزه ، وهذا هو الحديث الذي ذكرته زينب للسجاد عليهما السلام في المقتل لتسليته حين بقيت الاجساد المباركة مطروحة فأخذوهم الى الكوفة .

الحادي عشر : مجلس الحسن المجتبى المظلوم عليه السلام ، لرثاء الحسين اخيه سلام الله عليه، في المدينة ، هو الراثي والحسين واهل بيته المستمعون.

وذلك حين حضره الموت ، وظهر السم في جميع اعضائه ، وخرج كبده مقطعا ، فأتى اليه الحسين عليهما السلام واعتنقه ، وجعل يبكي ، فقال له الحسن (ع) " ما يبكيك يا ابا عبد الله الحسين ؟

قال (ع) " ابكي لما صنع بك، فقال الامام الحسن (ع) " لا يوم كيومك يا ابا عبدالله ، يزدلف اليك ثلاثون الف رجل يدّعون انهم من امة جدنا (ص) وينتحلون دين الاسلام ، ويجتمعون على قتلك وسفك دمك ، وانتهاك حرمتك ، وسبي ذراريك ونسائك ، فعندها تمطر السماء دما ورمادا ، ويبكي عليك كل شيء ، حتى الوحوش في الفلوات والحيتان في البحار .".

الثاني عشر : مجلس لرسول الله (ص) على قبره الشريف ، الراثي هو صلى الله عليه واله وسلم ، والسامع الحسين عليه السلام ، وذلك لما اراد الخروج من المدينة بعدما اصر عليه الوليد بالبيعة ليزيد ، فخرج من منزله ذات ليلة سلام الله تعالى عليه ، واقبل الى قبر جده المصطفى (ص) فقال : السلام عليك يا رســــول الله ، انا الحسين بن فاطمة ، فرخك وابن فرختك ، وسبطك الذي خلّفتني في امتك ، فاشهد عليهم يا نبي الله انهم قد خذلوني ، وضيّعوني ولم يحفظوني ، وهذه شكواي اليك حتى ألقاك" .

اللهم صلي على محمد وال محمد وعجل في فرحهم يا لله.

ثم قام عليه السلام فصفّ قدميه ، ولم يزل راكعا ساجدا ، وارسل الوليد الى منزل الحسين (ع) لينظر اخرج من المدينة ام لا ، فلم يصبه في منزله ، الحمد لله خرج ولم يبتلي بدمه ، ورجع الحسين عليه السلام الى منزله عند الصبح .
فلما كانت الليلة الثانية خرج الى القبر ايضا ، وصلى ركعات فلما فرغ من صلاته جعل يقول : اللهم هذا قبر نبيك محمد صلى الله عليه واله وسلم ، وانا بن بنت نبيك عليها السلام ، وقد حضرني من الامر ما قد علمت ، اللهم اني احب المعروف وانكر المنكر ، وانا اسألك يا ذا الجــلال والاكرام بحق القبر ومن فيه الا اخترت لي ما هو لك رضى ولرسولك رضى .

ثم جعل يبكي عند القبر ، حتى اذا كان قريبا الصبح ، وضع رأسه المبارك على القبر فأغفى .

فاذا هو برسول الله صلى الله عليه واله وسلم قد اقبل في كتيبة من الملائكة عن يمينه وعن شماله وبين يديه حتى ضمّ الحسين عليه السلام الى صدره ، وقبّل بين عينيه ، وقال (ص) " حبيبي يا حسين كأني أراك عن قريب مرملا بدمائك ، وانت مع ذلك عطشان لا تسقى ، وظمآن لا تروى ، وهم مع ذلك يرجون شفاعتي ، لا انالهم الله تعالى شفاعتي يوم القيـــــامة ، حبيبي يا حسيـــن ان اباك وامك واخاك قدموا عليّ وهم مشتاقون اليك ، وان لك في الجنان لدرجات لن تنالها الا بالشهادة " .

قال فجعل الحسين عليه السلام في منامه ينظر الى جده (ص) المصطفى .

ويقول : يا جداه لا حاجة لي في الرجوع الى الدنيا فخذني اليك ، وادخلني معك في قبرك ، فقال له رسول الله(ص)) " لا بد لك من الرجوع الى الدنيا ، حتى ترزق الشهادة وما كتب الله تعالى لك فيها من الثواب العظيم ، فانك واباك واخاك وعم ابيك تحشرون يوم القيامة في زمرة واحـــــدة ، حتى تدخلـــوا الجنة."

قال فنتبه الحسين (ع) من نومته فزعا مرعوبا ، فقصّ رؤياه على اهل بيته ، وبني عبد المطلب فلم يكن في ذلك اليوم في مشرق ولا مغرب قوم اشد غما من اهل بيت رسول الله (ص) ولا اكثر باك وباكية منهم صلوات الله عليهم احمعين

الثالث عشر : مجلس أم سلمة خارج المدينة ، هي الراثية والمستمع الحسين (ع) ، ثم كان الراثي الحسين (ع( والمستمع هي ، وهو مجلس عجيب ، فيه تصوير وإراءة لقضية كربلاء ، وان كربلاء مجمع للمدينة وكربلاء .

وهو ان الحسين لما عزم على الخروج من المدينة اتته ام سلمة رضي الله عنها ، وقالت : يا بني لا تحّزني بخروجك الى العراق ، فاني سمعت جدك المصطفى (ع) يقول " يقتل ولدي الحسين بأرض العراق في ارض يقال لها كربلاء ، " فقال لها الحسين عليه السلام : يا أماه وانا والله اعلم بذلك ، واني مقتول لا محالة ، وليس لي من هذا بدٌ، واني والله لأعرف اليوم الذي اقتل فيه ، واعرف من يقتلني ، واعرف البقعة التي ادفن فيها ، واني اعرف من يقتل من اهل بيتي وقرابتي وشيعتي ، واذا اردت يا اماه اريك حفرتي ومضجعي .

ثم اشار عليه السلام الى جهة كربلاء فانخفضت الارض ، حتى أراها مضجعه ومدفنه وموضع عسكره ، وموقفه ومشهده ، فعند ذلك بكت بكاءً شديداً .

وسلّمت امره الى الله ، فقال لها : يا اماه قد شاء الله تعالى ان يراني مقتولا مذبوحا ظلما وعدوانا ، وقد شاء ان يرى حرمي ورهطي ونسائي مشردين واطفالي مذبوحين مظلومين مأسورين مقيّدين ، وهم يستغيثون فلا يجدون ناصرا ولا معينا .

وفي رواية اخرى : قالت ام سلمة : عندي تربة دفعها اليّ جدك (ص) في قارورة ، فقال الامام الحسين عليه السلام : والله اني مقتول كذلك ، وان لم اخرج الى العراق يقتلوني ايضا ، ثم اخذ تربة فجعلها في قارورة ، واعطاها اياها ، وقال : اجعليها مع قارورة جدي ، فإذا فاضتا دما فاعلمي اني قد قتلت.

الرابع عشر : مجلس عمّات الحسين عليه السلام خارج المدينة ، وهو انه (ع) لما همّ بالشخوص الى المدينة ، اقبلت نساء بني عبد المطلب ، فاجتمعن للنياحة حتى مشى فيهن الحسين (ع) ، فقال : انشدكن الله تعالى ، ان تبدين في هذا الامر معصية لله ولرسوله (ص) ، قالت له نساء بني عبدالمطلب : فلمن نستبقي النياحة والبكاء ؟ ، فهو عندنا كيوم مات رسول الله (ص) وعلي (ع) وفاطمـــة الزهراء (ع) ورقية وزينب وام كلثوم (ع) ، فننشدك الله جعلنا الله فداك من الموت فيا حبيب الابرار من اهل القبور ، واقلبت بعض عمّاته تبكي وتقول : اشهد يا حسين لقد سمعت الجن ينوحون بموتك وهم يقولون :

وان قتيل الطف من آل هاشـــم
اذلّ رقابا من قريش فذلت
حبيب رسول الله لم يك فاحشا
ابانت مصيبتــــك الاُنوف وجلّت

وقالوا ايضا :

ابكوا حسينا سيدا ** ولقتله شاب الشعر
ولقتله زلزلتم ** ولقتله انكسف القمر
واحمّرت افاق السما ** في العشية والسحر
وتغيرت شمس البلاد** بهم واظلت الكور
ذاك ابن فاطمة المصاب ** به الخلائق والبشر
اورثتنا ذلاً به ** جدع الانوف مع الغرر

تبيان : معنى الكور : كالغرف ، جمع الكورة ، كالغرفة وهي المدائن والنواحي .

المجلس الخامس عشر : مجلس الحسين (ع) لما سار من المدينة ، والمستمع الملائكة ، وهو انه (ع) لما سار من المدينة لقيته افواج من الملائكة المسوّمة ، في ايديهم الحراب ، على نجب من نجب الجنة ، فسلّموا عليه .

وقالوا : يا حجة الله على خلقه بعد جده وابيه واخيه ، ان الله سبحانه امدّ جدك بنا في مواطن كثيرة ، وان الله امدّك بنا.

فقال لهم : الموعد حفرتي وبقعتي التي استشهد فيها ، وهي كربلاء ، فاذا اٌوردتها فأتوني ، فقالوا : يا حجة الله ! مُرنا نسمع ونُطع ، فهل تخشى من عدوٍ يلقاك فنكون معك ؟ فقال : لا سبيل لهم عليّ ولا يلقوني بكريهة أو اصل الى بقعتي.

السادس عشر : مجلس الحسين (ع) لما سار الى المدينة ، والمستمع الجن وهو انه (ع) لما سار الى المدينة اتته افواج مسلمي الجن .

فقالوا : يا سيدنا ، نحن شيعتك وانصارك ، فمُرنا بأمرك وما تشاء ، ولو امرتنا بقتل كل عدو لك وانت بمكانك لكفيناك ذلك.

فجزّاهم الحسين (ع) خيرا، وقال لهم : اوما قرأتم كتاب الله تعالى على جدي (ص) في قوله تعالى " أينما تكونا يٌدرككم الموت لو كنتم في بروج مشيدة " ، وقال سبحانه " لبرز الذين كُتب عليهم القتل إلى مضاجعهم " واذا اقمت بمكاني فبماذا يبتلى هذا الخلق المتعوس * اي : المكبوب على وجهه ، فبماذا يُبتلى هذا الخلق المتعوس ؟ وبماذا يُختبرون ؟ ومن ذا يكون ساكن حفرتي بكربلاء ؟ وقد اختارها الله تعالى يوم دحى الارض وجعلها معقلا لشيعتنا ، * اي : ملجأ لهم ، ويكون لهم لمان في الدنيا والاخرة ، ولكن تحضرون يوم السبت ، وهو يوم عاشوراء الذي آخره اُقتل ، ولا يبقى بعدي مطلوب من اهل بيتي ، وتسبى اخواتي واهل بيتي ، ويُسار برأسي الى يزيد لعنه الله . "

فقالت الجن : نحن والله يا حبيب الله وابن حبيبه ، لولا ان امرك طاعة ، وانه لا يجوز لنا مخالفتك ، قتلنا جميع اعدائك قبل ان يصلوا اليك .

فقال صلوات الله عليه : نحن والله أقدر عليهم منكم ، ولكن ليهلك من هلك عن بيّنة ، ويحيى من حي عن بينة .

السابع عشر : مجلس في المسجد الحرام ، المستمع الحجاج ، والراثي الامام الحسين (ع) ، يرثي فيه اعضاءه المقطعة .

فإنه صلوات الله تعالى عليه لما عزم على الخروج الى العراق قام خطيبا
فقال :
"
الحمد لله وما شاء الله ، ولا حول ولا قوة الا بالله ، وصلى الله على رسوله وسلم .

خط الموت على وُلد ادم مخط القلادة على جيد الفتاة ، وما اولهني الى اسلافي اشتياق يعقوب الى يوسف ، وخيّر لي مصرع انا لاقيه ، كأني بأوصالي تقطعها عسلان الفلوات ، بين النواويس وكربلاء ، فيملأن مني اكراشا جوفا واجربة سغبا ، لا محيص عن يوم خط بالقلم ، رضى الله تعالى رضانا اهل البيت ، نصبر على بلائه ويوفينا اجور الصابريـــن ، لن تشذ عن رسول الله (ص) لحمته ، وهي مجموعة له في حظيرة القدس ، تقر بهم عينه ، وينجز بهم وعده ، من كان فينا باذلا مهجته ، موطنا على لقاء الله تعالى نفسه ، فليرحل معنا ، فإني راحل مصبحا ان شــاء الله تعالى " .

الثامن عشر : مجلس خارج مكة ، المستمع محمد بن الحنفية ، والراثي هو الحسين (ع) وهو انه جاء محمد بن الحنفية الى اخيه الحسين عليه السلام ، في الليلة التي اراد الحسين (ع) الخروج في صبيحتها عن مكة المكرمة .

فقال له : يا اخي ان اهل الكوفة قد عرفت غدرهم بأبيك واخيك (ع) ، وقد خفت ان يكون حالك كحال من مضى ، فإن رأيت ان تقيم فانك اعز مَن بالحرم وامنعه .

فقال (ع) " يا اخي قد خفت ان يغتالني يزيد بن معاوية بالحرم ، فأكون بذلك اول من تستباح به حرمة البيت.

فقال له ابن الحنفية : فان خفت ذلك فصر الى اليمن ، او بعض نواحي البر فانك امنع الناس به ، ولا يقدر عليك احد .

فقال عليه السلام : انظر فيما قلت .

فلما كان السحر ، ارتحل الحسين (ع) فبلغ ذلك ابن الحنفية فأتاه ، واخذ بزمام ناقته ، وقد ركبها ، وقال : يا اخي ألم تعدني النظر فيما سالتك ؟ قال عليه السلام : بلى ، قال : فما حداك على الخروج عاجلا .

قال : أتاني رسول الله صلوات الله عليه وآله ، بعدما فارقتك ، فقال (ص) " يا حسين اخرج فان الله قد شاء انيراك قتيلا، فقال ابن الحنفية : إنا لله وانا اليه راجعون ، فما معنى حملك هؤلاء النساء معك وانت تخرج على مثل هذا الحال ؟ فقال عليه السلام : قال لي (ص) " ان الله قد شاء ان يراهن سبايا ، فسلّم عليه ومضى ."

التاسع عشر : مجلس ايضا خارج مكة المكرمة ، الراثي الحسين (ع) والمستمع عبدالله بن عمر تارة ، وعبدالله بن الزبير تارة اخرى ، هو انه لما خرج الحسين (ع) من مكة جاء عبدالله بن العباس وعبدالله بن الزبير فأشار عليه بالامساك .

فقال لهما : ان رسول الله (ص) قد امرني بأمر وانا ماض فيه ، فخرج ابن عباس وهو يقول : واحسيناه .

ثم جاء عبدالله بن عمر واشار اليه بصلح اهل الضلال ، وحذره من القتل والقتال ، فقال (ع) " يا ابا عبدالرحمن اما علمت ان من هوان الدنيا على الله تعالى ، ان رأس يحيى بن زكريا (ع) اُهدي الى بغي من بغايا بني اسرائيل ؟ اما تعلم ان بني اسرائيل كانوا يقتلون بين طلوع الفجر الى طلوع الشمس سبعين نبيا ؟ ثم يجلسون في اسواقهم ، كأن لم يصنعوا شيئا ، فلم يعجّل الله تعالى عليهم ، بل أخذهم اخذ عزيز ذي انتقام ، اتق الله يا ابا عبدالرحمن ولا تدع نصرتي .

العشرون : مجلس في الخزيمية ، الراثي الجن ، والمستمع ، زينبا الكبرى سلام الله عليها ، وهو انه لما نزل الحسين عليه السلام الخزيمية اقام بها يوما ، فلما اصبح اقبلت اليه اخته زينب (ع) ، فقالت : يا أخي ألا اخبرك بشيء سمعته البارحة ؟ فقال الحسين (ع) وما ذاك ؟

فقال (ع) " خرجت في بعض الليل لقضاء حاجة فسمعت هاتفا يهتف وهو يقول :

ألا يا عين فاحتفلي بجهدي ** ومن يبكي على الشهداء بعدي
على قوم تسوقهم المنايا ** بمقدار الى انجاز وعدي
فقال الحسين (ع) " يا أختاه ، كل الذي قضي فهو كائن .

الحادي والعشرون : مجلس الثعلبية ، الراثي عبدالله بن سليمان ، والمنذر بن المشمعل الاسديان ، لمسلم بن عقيل ، والسامع الحسين عليه السلام ، ثم الراثي الحسين (ع) والسامع اهل بيته (ع) واصحابه سلام الله عليهم اجمعين .

وهو انهما قالا : لما قضينا حجتنا ، لم تكن لنا همة الا اللحاق بالحسين (ع) في الطريق لننظر ما يكون من امره فأقبلنا ترقل * وترقل يعني : تسرع ، فأقبلنا ترقل بنا نياقا مسرعين ، حتى لحقناه بزرود * وهو موضع على طريق حاج الكوفة بين الثعلبية والخزيمية .

فلما دنونا منه اذا نحن برجل من اهل الكوفة وقد عدل عن الطريق ، حتى رأى الحسين (ع) كأنه يريده ، ثم تركه ومضى ، ومضينا نحوه ، فقال احدنا لصاحبه : اذهب بنا الى هذا لنسأله فان عنده خبر الكوفة .

فمضينا اليه ، فقلنا : السلام عليك ، فقال : وعليكما السلام ، قلنا ، ممن الرجل ؟ قال : اسدي ، قلنا له : ونحن اسديان فمن انت ؟ قال : انا بكر بن فلان ، فانتسبنا له ، ثم قلنا له : اخبرنا عن الناس وراءك قال : نعم لم اخرج من الكوفة حتى قتل مسلم بن عقيل وهانيء بن عروة .

ورأيتهما يُجران بأرجلهما في السوق ، فأقبلنا حتى لحقنا بالحسين )ع) فسايرناه ، حتى نزل الثعلبية ممسيا ، فجئنا حين نزل ، فسلّمنا عليه فرد علينا السلام ، فقلنا له : يرحمك الله تعالى ان عندنا خبرا ان شئت حدّثناك به علانية ، وان شئت سرا ، فنظر الينا والى اصحابه ، ثم قال : ما دون هؤلاء ستر .

فقلنا له : رأيت الراكب الذي استقبلته عشيّ امس ؟ فقال : نعم ، قد اردت مسألته ، فقلنا : قد والله استبرأنا لك خبره ، وكفيناك مسألته ، وهو امرؤ منا ذو رأي وصدق وعقل ، وانه حدّثنا انه لم يخرج من الكوفة حتى قــُتل مسلم وهانيء ، ورآهما يجران في السوق بأرجلهما .

فقال عليه السلام : انا لله وانا اليه راجعون ، رحمة الله عليهما ، يردد ذلك مرارا.

قلنا له : ننشدك الله في نفسك واهل بيتك الا انصرفت من مكانك هذا ، فانه ليس لك بالكوفة ناصر ولا شيعة ، بل نتخوف ان يكونوا عليك ، فنظر الى بني عقيل ، فقال : ما ترون ؟ وقد قــُتل مسلم .

فقال : والله ما نرجع حتى نصيب ثأرنا او نذوق ما ذاق ، فأقبل الحسين (ع) فقال : لا خير في العيش بعد هؤلاء ، فعلمنا انه قد عزم رأيه على المسير.

فقال له اصحابه ، انك والله ما انت مثل مسلم بن عقيل ، ولو قدمت الكوفة لكان الناس اسرع اليك ، فسكت ثم انتظر حتى اذا كان السحر قال لفتيانه وغلمانه : " أكثروا من الماء " ، فاستسقوا واكثروا ثم ارتحلوا .

وقال السيد (ره) اتاه خبر مسلم في (زبالة) ثم انه سار فلقيه الفرزدق فسلّم عليه ، ثم قال : يا بن رسول الله كيف تركن الى اهل الكوفة وهم الذين قتلوا ابن عمك مسلم بن عقيل وشيعته قال : فاستعبر الحسين (ع) باكيا ، ثم قال : رحم الله مسلما ، فلقد صار الى روح الله وريحانه ، وتحيته ورضوانه ، اما انه قد قضي ما عليه ، وبقي ما علينا ، ثم انشأ :

فإن لم تكن الدنيا تعد نفيسة ** فدار ثواب الله أعلى وانبل
وان تكن الابدان للموت انشئت ** فقتل امريء بالسيف في الله افضل
وان تكن الارزاق قسما مقدرا ** فقلة حرص المرء للرزق اجمل
وان تكن الاموال للترك جمعها ** فما بال متروك به الحر يبخل

الثاني والعشرون : مجلس في بطن العقبة الراثي الحسين (ع) والمستمع عمرو بن لوذان ، كيفيته انه لقى الحسين عليه السلام في بطن العقبة.

وقال له : اين تريد يا ابا عبدالله ؟ قال له الحسين (ع) " الكوفة ، " فقال له عمرو : انشدك الله لما انصرفت ، فوالله ما تقدم الا على الاسنة ، وحدّ السيوف ، وان هؤلاء الذين بعثوا اليك لو كانوا كفوك مؤونة القتال ووطأوا لك الاشياء ، فقدمت عليهم كان ذلك رأيا ، فاما على هذه الحال التي تذكر فاني لا ارى لك ان تفعل ، فقال له : يا عبدالله ليس يخفى عليّ الرأي ، ولكن الله تعالى لا يغلب على امره .

ثم انه (ع) شرع في هذا المجلس وبعده الى الثلاثين ، في رثاء نفسه ، وكل مجلس في هذه المجالس لمصيبة خاصة يرثي نفسه فيها .

فرثى نفسه في مكة المكرمة ، بالنسبة الى اعضائه المقطعة ، وقد مر ، ورثى نفسه في هذا المجلس لم يجري عليه في مهجته ، اي دم قلبه ، فقال (ع) بعد كلامه المذكور : " والله لا يدعونني حتى يستخرجوا هذه العلقة من جوفي " .

ومراده من العلقة الاشارة الى انقلاب القلب دما ، لما يجري عليه من المصائب صلوات الله تعالى عليه .

ومراده من استخراج العلقة جريان دم القلب ، لعلمه بورود سهم ذي ثلاث شعب عليه وسيلان دمه وامتلاء يده المباركة من دمه المبارك مرات ، حين اخذه بكفه ولطخ بكفه ولطخ به الوجه والرأس .

بأبي انت وامي قد احرقت مهج شيعتك بقولك هذا ، واقرحت اكبادهم ، فجرت الدموع من عيونهم فيا له من كلام مفجع ، خاصة قولك " يستخرجوا هذه العلقة من جوفي " .

الثالث والعشرون : مجلس المنازل عند الحل والترحال ، فكأن يرثي نفسه بالنظر الى ما يجري عليه في رأسه الشريف واهدائه .

فكان يذكر يحيى (ع) ويقول : " من هوان الدنيا ان رأس يحيى اهدي الى زانية ، ويبكي عند ذلك ."

الرابع والعشرون : مجلس خاص له قرب كربلاء قبل ورودها ، فقد رثى نفسه فيه بالنسبة الى اهل بيته وولده خاصة بمرثية عجيبة .

وكيفية هذا المجلس : انه لما نزل اخر منزل ونصبوا الخيام جمع ولده واخوته واهل بيته في مكان خاص ، فنظر اليهم وبكى ساعة وما يجري عليهم ، فانه لم يبقى لهم مأمن ، وقد اُزعجوا عن موطنهم ، وعن كل مأمن ، حتى حرم الله تعالى الذب هو مأمن للمسلمين بل للكفار والحيوانات والاشجار والنباتات .

فلذا بكى ، وشكى ذلك الى الله تعالى فقال : اللهم إنا عترة نبيك محمد (ص) قد طردونا وازعجونا وتعدت بنو امية علينا ، اللهم فخذ لنا بحقنا وانصرنا على القوم الظالمين " .

الخامس والعشرون : مجلس له خارج الخيام عصر تاسوعاء : اذ كان جالسا امام بيته محتبئا اي : جامعا بين ظهره ورجليه بالسيف ليستند ، نعم كان محتبئا بسيفه اذ خفق برأسه على ركبتيه ، وسمعت اخته الصيحة فدنت من اخيها

وقالت : يا اخي اما تسمع هذه الاصوات قد اقتربت ، فرفع الحسين رأسه (ع) ، فقال : اني رأيت رسول الله (ص) الساعة في المنام وهو يقول (ص) " انك مقبل علينا ! فلطت اخته وجهها ونادت بالويل .

فقال لها الحسين (ع) " ليس لك الويل يا اختاه ، اسكتي رحمك الله تعالى .

وفي رواية السيد قال : يا اختاه اني رأيت الساعة جدي (ص) محمداً ، وابي وامي واخي الحســـــن (ع) وهم يقولون : يا حسيـن انك مقبل علينا من قريب .

وفي بعض الروايات (غدا) ، قال : فلطمت زينب على وجهها وصاحت ، فقال لها الحسين (ع) " مهلا لا تشمتي القوم بنا " .

السادس والعشرون : مجلس له في خباء له ، وقد اعتزل فيه ليلة عاشوراء ليرثي نفسه ، ويتذكر مصائبه وقتله ، ويصلح اسلحته ، ولم يكن هناك سامع ، بل سمعه زين العابدين عليه السلام ، واخته العقيلة زينب عليها السلام ، كما يأتي ، نعم هو)ع) لم يقصد مخاطبتهما ظاهرا لهذا الرثاء ، فكان يخاطب الدهر تارة
فيقول :

يا دهر اف لك من خليل ** كم لك بالاشراق والاصيل
من طالب او طالب قتيل ** والدهر لا يقنع بالبديل
وانما الامر الى الجليل ** وكل حي سالك سبيلي

قال سيد الساجدين (ع) " فلما اعادها مرتين او ثلاثا ، فهمتها وعرفت ما اراد ، فخنقتني العبرة فرددتها ولزمت السكوت ، وعلمت ان البلاء قد نزل .

واما عمتي زينب (ع) فانها سمعت ما سمعت وهي امرأة ، ومن شأن النساء الرقة والجزع ، فلم تملك نفسها ان وثبت تجر ثوبها وانها لحاسرة.

حتى انتهت اليه (ع) فقالت: واثكلاه ، ليت الموت اعدمني الحياة ، اليوم ماتت امي فاطمة ، وعلي، واخي الحسن ، (ع) ، يا خليفة الماضي ، وثمال الباقي ، فنظر اليها الحسين (ع) ، وقال لها : يا اختاه لا يذهبن بحلمك الشيطان ، وترقرقت عيناه بالدموع ، وقال : لو تــُرك القطا لنام .

ويقال ان القطا هو طائر لا يكون سهرانا الا اذا كان هناك خطر عليه
فقالت : يا ويلتاه ، افتغتصب نفسك اغتصابا ؟ فذلك اقرح لقلبي واشد على نفسي ، ثم لطمت وجهها واهوت الى جيبها وشقته وخر مغشيا عليها سلام الله عليها.

فقام اليها الحسين (ع) فصب على وجهها الماء ، وقال لها : يا اختاه ، اتقي الله وتعزي بعزاء الله ، واعلمي ان اهل الارض يموتون واهل السماء لا يبقون ، وان كل شيء هالك الا وجه الله تعالى ، الذي خلق الخلق بقدرته ، ويبعث الخلق ويعودون ، وهو فرد وحده ، جدي خير مني ، وابي خير مني ، وامي خير مني واخي خير مني ، ولي ولهم ولكل مسلم برسول الله (ص( اسوة

فعزاها بهذا ونحوه ، وقال لها : يا اختاه ، اني اقسمت عليك ، فأبرّي قسمي ، لا تشقي عليّ جيبا ولا تخمشي عليّ وجها ، ولا تدعي عليّ بالويل والثبور اذا انا هلكت ، ثم جاء بها حتى اجلسها عندي .

اقول : ان امامنا الحسين عليه السلام لم يعهد من قبل ان اخته العقيله عليها السلام تتمنى الموت ، ولم تعهد زينبا عليها السلام ان اخاها ينعى نفسه او تشهد بنفسها هذا الموقف منه ، فصلوات الله تعالى عليكم يا اهل بيت النبوة .

السابع والعشرون : مجلس له في خيمة جمع فيها اصحابه ليلة عاشوراء وخطب فيهم راثيا نفسه وجميع اصحابه ، ثم اذن لهم فبايعوه البيعة الثانية في هذا المجلس ، على ان يــُقتلوا .

بل بايعه بعضهم على القتل ألف مرة بعد الحرق واذراء الرماد ، وقال لو كانت الدنيا باقية لاخترت ذلك ايضا .

الثامن والعشرون : مجلس له بين الخيام والمقتل : رثى فيه نفسه لابنته الصغيرة سكينــة عليهما السلام ، بأبيات منها :

سيطول بعدي يا سكينة فاعلمي ** منك البكاء اذاالحمام دهاني
لا تحرقي قلبي بدمعك حسرة ** ما دام مني الروح في جثماني

التاسع والعشرون : مجلس له في المقتل ، رثى فيه بعض اصحابه تارة ، وابنه تارة ، وابن اخيه تارة ، وجميعهم تارة ، واهل بيته تارة ، ورضيعه تارة ، ورضيع له اخر تارة ، جالسا تارة ، وواقفا تارة ، وسيجيء تفاصيله في بيان الوقائع .
الثلاثون : مجلس له في الخيام ، وقت السحر من يوم عاشوراء ، رثى فيه نفسه بما رثاه به في ذلك الوقت رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ، ففي المناقب : فلما كان وقت السحر خفق الحسين (ع) برأسه خفقة .

ثم استيقظ فقال : اتعلمون ما رأيت في منامي الساعة ؟ فقالوا : وما الذي رأيت يا بن رسول الله ؟ فقال (ع) " رأيت كأن كلابا قد شدّت عليّ لتنهشني ، وفيها كلب ابقع ، رأيته اشدّها عليّ ، واظن ان الذي يتولى قتلي رجل ابرص من بين هؤلاء القوم." .

ثم اني رأي بعد ذلك جدي (ص) المصطفى ، ومعه جماعة من اصحابه وهو يقول لي : يا بني انت شهيد آل محمد ، وقد استبشر بك اهل السماوات واهل الرفيق الاعلى ، فليكن افطارك عندي الليلة ، عجّل ولا تؤخر ، فهذا ملك قد نزل من السماء ليأخذ دمك في قارورة خضراء .

فهذا ما رأيت وقد ازف الامر واقترب الرحيل من هذه الدنيا ، لا شك في ذلك .

خاتم هذه المجالس : مجلس متوحد في الراثي والحلة والتفجع ، والسامع له هو الله رب العالمين ، فقد سمع الله تعالى لهذا الرثاء ، وهو مجلس له (ع) في المقتل ، وهو مطروح مقطع الاعضاء ، قد سكنت حواسه ، وخمدت انفاسه ، رثى فيها حالته وحالة اهل بيته في ذلك الوقت فنادى ربه عز وجل :

اللهم متعالي المكان ، عظيم الجبروت ، شديد الكبرياء ، إنا عترة نبيك ، وولد حبيبك محمد (ص) ، قد خذلونا وطردونا وغدروا بنا ، وقتلونا ...... " الى اخر الحديث وهذا اخر مجالس الرثاء والحمد لله والشكر.

النوع الرابع

المجالس المنعقدة بعد شهادته

وهي اقسام :

الاول : مجلس لرسول الله (ص) في المدينة ، وهو الراثي بهيئة خاصة ، والمستمع ام سلمة .

وذلك في رواية عن ابن عباس قال : بينما انا راقد في منزلي اذ سمعت صراخا عظيما عاليا من بيت ام سلمة ، زوجة النبي (ص) فخرجت متوجها الى منزلها ، حيث اقبل اهل المدينة اليها ، رجالا ونساءً ، فلما انتهينا اليها .

قلت : يا ام المؤمنين مالك تصرخين وتغوثين ؟ فلم تجبني وأقبلت على النسوة الهاشميات ، وقالت : يا بنات عبد المطلب اسعدنني وابكين معي ، فقد قتل والله سيدكن وسيد شباب اهل الجنة ، فقد والله قتل سبط رسول الله (ص) وريحانته الحسين (ع) ، فقلت : يا ام المؤمنين : ومن اين علمت ذلك ؟

قالت : رأيت رسول الله (ص) في المنام الساعة شعثا مذعورا ، فسألته عن شأنه هذا ؟ فقال (ص) " قتل ابني الحسين واهل بيته اليوم فدفنتهم الساعة وفرغت من دفنهم .

وفي رواية ، قالت : رأيته (ص) واثر التراب على رأسه ولحيته ، فقلت : مالك ؟ قال (ص) " وثب الناس على ابني فقتلوه الساعة وقد شهدته قتيلا ، قالت : فاقشعر جلدي ، فقمت حتى دخلت البيت ، وانا لا اكاد ان اعقل فنظرت فإذا بتربة الحسين (ع) التي اتى بها جبرئيل (ع) من كربلاء الى النبي المصطفى (ص) وقال له : اذا صارت هذه التربة دما فقد قتل ابنك واعطانيها النبي (ص) فقال : اجعلي هذه التربة في زجاجة ، او قال في قارورة ولتكن عندك فاذا صارت دما عبيطا فقد قتل الحسين (ع) ، فرأيت القارورة الان وقد صارت دما عبيطا يفور .

قال : فأخذت ام سلمة من ذلك الدم فلطخت به وجهها ، وجعلت ذلك اليوم مأتما ومناحة عل الحسين (ع) فجاءت الركبان بخبره وانه قتل في ذلك اليوم .

الثاني : مجلس عام ، وهو العالم كله لكل متمكن في كل مكان مع المكين ، وبغير مكين ولجميع الخلق في جميع الامكنة ، وللامكنة بنفسها ولاهل الزمان ولنفس الزمان ولِما يرى ولِما لا يرى فهو مجلس لما سوى الله من جميع اصناف المخلوقات ، من السماء وسكنتها والعرش العظيم وحملته ، والسماوات السبع وملائكتها ، ونجومها وكواكبها وما فيهن وما بينهن وما تحتهن والعناصر والارضين ومواليدها والجنة ورضوان وسكنتها وحورها وقصورها واشجارها وانهارها وثمارها والنار وخزنتها ومن يتقلب فيها .

فهذا مجلس في زمان خاص حصل الانقلاب فيه لما سوى الله في مأتم الحسين امامنا (ع) بتغير الاحوال ، وبحصول التأثير في كل شيء بحسب حاله .

فأهل العيون بالدموع والسماء بالموج وبمطر الدم ، والحمرة ، والشمس بالانكساف وبالحمرة والملائكة باختلال الصفوف والكف عن عبادتهم .

اقول : بل بكاءهم وكربهم على الحسين عليه السلام وحزنهم هو عبادة واي عبادة .

والاشجار بخروج الدم منها ، والفضاء بظلمته والارض بالتزلزل والجبال بالميد والاضطراب والطيور في الهواء بالوقوع والسمك بالخروج من الماء، والبحار بالانشقاق ودخول بعضها في بعض والجن بالنوح في الاقطار ، والانس باضطراب الاحوال ، وكـــلٌ جاء من الروايات المعتبرة.

وهذا المجلس العام والخاص قد اتفق في زمان خاص ، وهو انه وكما عبره الصادق (ع) حين ضرب الحسين عليه السلام بالسيف ثم ابتدر اليه ليقطع رأسه . بيان هذا انه ضرب (ع) بالسيوف في حالات ثلاث ، حين كان راكبا ضُرب بسيف واحد، ولما كان جالسا ضرب بعدة سيوف ، وحينما كان مطروحا صلوات الله عليه ومكبوبا ضرب بسيف واحد مرارا على مذبحه ، ثم ارادوا قطع الرأس فارتفعت نداءات وتقارنت صيحات ، فنادى هو (ع) ءاُقتل عطشان وجدي محمد المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم؟

ونادى بأمر الله ملك من بطنان العرش : يا أيتها الامة المتحيرة الضالة بعد نبيها لا وفقتم لفطر ولا اضحى .

ونادى ملك من ملائكة الفردوس الاعلى ناشرا اجنحته على البحار : يا أهل البحار ألبسوا اثواب الحزن ، فان فرخ الرسول مذبـــوح .

ونادى جبرئيــل عليه السلام : صارخا ، قد قتل الحسين عليه السلام بكربلاء .

وضجت الملائكة دفعة واحدة إلهنا وسيدنا يُفعل هذا بالحسين صفيك وابن صفيك .

ونادت زينب (ع) متوجهة من الخيام الى المقتل : يا أخاه يا سيداه .

ونادى ذو الجناح متوجها من المقتل الى الخيام : الظليمة الظليمة من امة قتلت ابن بنت نبيها .

فعند ارتفاع هذا الضجيج ، المتقارن وقع الانقلاب في العالم ، وحصل التأثير في اجواء الموجودات كلها.

افلا تنقلب احوالكم عند هذا الذكر بنوع من الانقلاب ، وتغير الاحوال ، فقد قال ابو ذر بعد بيان ذلك : انكم لو تعلمون بما دخل على اهل العالم عند ذلك لبكيتم حتى تزهق انفسكم.

افلا اذلال وازهاق لانفسكم ، افلا صراخ ؟ افلا ضجيج ؟ افلا دمعة تفيض على خد ؟ افلا دمعة تدور في عين ؟ افلا تأثر في قلب حي ؟ أفلا تباك لمن قسى قلبه ؟ اللهم اني اعوذ بك من قلب لا يخشع ، وعين لا تدمع ، عند هذا المجلس العام الخاص ، يا اللــه .

الثالث : مجلس الطيور ، الراثي طير ابيض ، كما جاء في اللهوف 58 وغيره.

الخامس : مجلس الوحوش : ليلة الحادي عشر حينما كانت مادة اعناقها على جسده المبارك ترثيــــه الى الصباح .

السادس : مجلس الجن ، حول جسده المبارك .

السابع : مجلس نساء الجن ، حول جسده المبارك .

الثامن : مجلس الجني ، في قرية شاهي ، والسامع خمسة من اهل الكوفة ، جاؤوا لنصرة الحسين (ع) فلم يدركوه .

التاسع : مجلس الجن ، كلهم في جميع الاماكن في كل مكان بمراث خاصة ، وسنذكر تفصيل كل واحد من هذه المجالس في محله الخاص .

العاشر : مجلس ازقة الكوفة ، حول الرؤوس والاسارى ، الذاكر للمصيبة اربعة ، زينب وام كلثوم وفاطمة الصغرى والامام السجاد عليهم السلام ، والباكون اهل الكوفة كلهم رجلا ونساء .

وقد اخذوا بالصياح والعويل والضرب على الصدور ، ونثر التراب على الرؤوس ونتف اللحى ، والشعور من النساء ، وقد قيل انه لم يُر اكثر من ذلك اليوم باك ولا باكية وسنذكر تفصيله في محله .

الحادي عشر : مجلس اهل بيت الحسين عليهم السلام كلهم ، في كل وقت وفي كل مكان من كربلاء الى الشام ، ومن الشام الى كربلاء ، ومن كربلاء الى المدينة ، وفي المدينة ، طول اعمارهم المباركة.

وكانت مدة مجلس الامام السجاد صلوات الله تعالى عليه اربعين سنة ، فكان يبكي فيه ويفيض دمعه حينما يأكل الطعام او يشرب الماء ، فيقول : قتل ابن رسول الله (ص) جائعا ، عطشانا .

الثاني عشر : مجلس يزيد لرثاء الحسين (ع) ، والراثي ذلك اللعين نفسه ، والسامع جميع رؤساء عسكره .

فقال لعنه الله تعالى لزوجته هند : ياهند ابكي على الحسين بن فاطمة ، واعولي عليه فانه صرخة قريش عجل عليه ابن زياد قاتله الله ، ونحن نقول قاتلهما الله أعني يزيد وابن زياد وجميع اعداء الله تعالى من الاولين والاخرين ، وسنذكر تفصيل هذا المجلس في محله ان شاء الله تعالى .

الثالث عشر : مجلس في الجامع الاموي بالشام ، الراثي سيد الساجدين عليه السلام ، بعد ان استأذن وصعد المنبر ، والمستمع فيه يزيد وجميع رؤساء بني امية واهل الشام .

فخطب (ع) خطبة حمد الله تعالى فيها ، ثم ذكر النبي المصطفى (ص) ووصفه واثنى عليه ، ثم ذكر فضائل جده علي بن ابي طالب عليهما السلام ، ثم اخذ في رثاء ابيه المظلوم الغريب صلوات الله عليه ، وذكر ما جرى عليه .

فلما قال : انا ابن المحزوز من القفا ، انا ابن مسلوب العمامة والرداء انا انا……. الى اخر خطبته المباركة .

ضج اهل الشام وبنو امية كلهم بالبكاء حتى قطع المؤذن كلامه بإشارة من يزيد ، فقال : الله اكبر، رغبة في كف الناس عن البكاء الشديد .

فاذا كانت بنو امية واهل الشام يضجون بالبكاء بسماع ذبح الحسين (ع) من القفا ، وسلب العمامة من رأسه والرداء من جسده .

فماذا ينبغي ويجب لشيعته ومحبوه وموالوه فعله اذا سمعوا ذلك وتصوروا كيفية سلب العمامة من رأسه وفي أي حالة كانت واي وقت ؟

هذا مع عدم نسيان مدى ارتباط شيعته به وولاءهم له ومتابعته ونصبهم ايام دهرهم لنصرته وهو كلٌ بحسبه ودرجته وصدقه ،

فعلى ذلك فليضج الضاجون وليعج العاجون وليصرخ الصارخون ، اللهم ارزقنا الصدق بطاعتك يا كريم .

الرابع عشر : مجلس النساء في بيت يزيد ، الراثيات والنادبات زينب وام كلثوم وبنات الحسين عليهم السلام ، والصارخات واللاطمات على الخدود زوجة يزيد وبناته وبنت بنو امية ، بعد ان اذن لهم يزيد في ذلك ، فأقاموا المأتم وذلك في سبعة أيــام .

الخامس عشر : مجلس نساء في البرية قرب المدينة ، في فسطاط ضُرب ليسد الساجدين عليه السلام ، وهو على كرسي ودموعه جارية ، وبيده ما يمسح به دموعه ، وهو لا يتمالك العبرة ، فلما نظر اليه اهل المدينة من الرجال والنساء الخارجين للاستقبال ضجوا ضجة واحة ، فكان النظر اليه رثاء ، والناس من كل ناحية يعزون ، فضجت تلك البقعة ضجة شديدة ، فأومأ عليه السلام ان اسكتوا فسكنت فورتهم .
فقال عليه السلام :

الحمد لله رب العالمين ، الرحمن الرحيم ، مالك يوم الدين ، باريء الخلق اجمعين ، الذي بعُد فارتفع في السماوات العلى ، وقرب فشهد النجوى ، نحمده على عظائم الامور ، وفجائع الدهور ، وألم الفجائع ، ومضاضة اللواذع ، وجليل الرزء ، وعظيم المصائب الفاظعة الكاظة ، الفادحة الجائحة .

ايها الناس : ان الله وله الحمد ابتلانا بمصائب ، وثـُلم الاسلام ثلمة عظيمة ، قـُتل ابو عبد الله الحسين عليه السلام ، وعترته ، وسُبيت نساءه ، وصبيته ، وداروا برأسه في البلدان من فوق عالي السنان ، وهذه رزية التي لا مثلها رزية .

ايها الناس فأي رجالات منكم تسرون بعد قتله ؟ أم أي فؤاد لا يحزن من اجله ؟ ام اي عين منكم تحبس دمعها وتضن عن انهمالها ؟ّ ! فقد بكت السبع الشدائد لقتله ، وبكت البحار بأمواجها ، والسماوات بأركانها ، والارض بأرجائها ، والاشجار بأغضانها ، والحيتان في لجج البحار ، والملائكة المقربون ، وأهل السماوات اجمعون .

ايها الناس أي قلب لا ينصدع لقتله ؟ ام اي فؤاد لا يحن اليه ؟ ام اي سمع يسمع هذه الثلمة التي ثلمت في الاسلام ولا يصم ؟

ايها الناس اصبحنا مطرودين مشردين ، مذودين (مطرودين) شاسعين عن الامصار ، كأنـّا اولاد ترك او كابل ، من غير جرم اجترمنا ، ولا مكروه ارتكبنا ، ولا ثلمة في الاسلام ثلمناها ، ما سمعنا بهذا في آبائنا الاولين ، ان هذا الا اختلاق .

والله لو أن النبي (ص) المصطفى تقدم اليهم قي قتالنا ، كما تقدم اليهم في الوصاية بنا لما زادوا على ما فعلوا بنا ، فإنا لله وإنا إليه راجعون من مصيبة ما اعظمها واوجعها وافجعها واكظها وامظها وامرّها وافدحها ، فعند الله نحتسب فيما اصابنا وما بلغ بنا ، انه عزيز ذو انتقام .

آه يا زين العابدين صلوات الله عليكم يا مظلوم يا علي يا علي يا علي .

السادس عشر : مجلس قرب المدينة عند تبّين سوادها لام كلثوم ، هي الراثية نظما ، والمستمع سيد الساجدين عليه السلام وباقي اهل بيته والاطفال عليهم السلام .

فخاطبت المدينة اولا ، ثم رسول الله (ص) ، ثم الزهراء ثم الحسن المجتبى عليهم السلام ، وسيجيء تفصيله ان شاء الله تعالى .

السابع عشر : مجلس الملائكة ، كل يوم عند قبره الى يوم القيامة ، ولهم في ذلك كيفيات مذكورة في عنوان ما يتعلق بالملائكة .

الثامن عشر : مجلس في السماوات ، لفاطمة الزهراء عليها السلام ، كل يوم الى يوم القيامة ، فيه رثاء وبكاء وشهقة وصيحة .

ويستفاد من ذلك ان كل يوم من ايام السنة يناسب اقامة عزاء الحسين عليه السلام ، ولا يستنثي منه عيد ولا غيره .

وكيفية هذا المجلس مجملا انها تنظر كل يوم الى مصرع الحسين (ع) فتشهق شهقة يضطرب لها اركان الموجودات من السماوات والارض والبحار والملائكة حتى يجيء النبي (ص) فيسكتها ، ثم تدعو بعد ذلك لزوار ولدها .

التاسع عشر : مجلس الائمة عليهم السلام ، وهي كثيرة منها : ما كان الراثي والناظم فيها الصادق عليه السلام.

ومنها: ما كان الناظم فيها جعفر بن عفان
ومن رثائه :

لبيك على الاسلام من كان باكيا ** فقد ضُيعت احكامه واستحلت
غداة حسين للرماح رزية ** فقد نهلت منه السيوف وعلت

وهذا رثاء لكثرة ما ضُرب بالسيوف وعددها بضع وسبعون ضربة .

ومنها : مجلس اخر له (ع) الناظم والراثي فيه عبدالله بن غالب ، ومن رثائه :

لبلية تسفي حسينا ** بمسفاة الثرى غبر التراب

وكلمة سفت : اي : سفت الريح التراب ذرّته او حملته.

ومنها : مجلس اخر له (ع) ، الراثي والناظم ابو هارون المكفوف ، قال(ع) عليه السلام انشدني كما تنشدون ، فانشد له :

أمرر على جدث الحسين ** وقل لأعظمه الزكية

فبكى عليه السلام ، وامسك الراثي ، ثم قال : زدني فقرأ له قصيدة :

يا مريم قومي واندبي مولاك** وعلى الحسين فاسهدي ببكائي

الى اخر قصيدته المباركة
فبكى ، وتهايج بكاء حرمه .

ومنها : مجلس للرضا عليه السلام ، الناظم والراثي فيه دعبل الخزاعي ، وصاحب المجلس هو عليه السلام ، فقام من مكانه وضرب سترا وقال للنساء : اجلسن وراء الستر ، فأمر دعبل بالقراءة .

وقال : من ذرفت عيناه على مصاب جدي حشره الله تعالى معنا وفي زمرتنا يوم القيامة .
فقال دعبل :

أفاطم ! لو خلت الحسين مجدلا ** وقد مات عطشان بشط فرات
إذن للطمت الخد فاطم عنده ** وأجريت دمع العـين في الوجنات

الى اخر القصيدة المباركة ، فكان الرضا عليه السلام يبكي والنساء تعلوا اصواتهن بالندبة والبكاء .

العشرون : مجالس الملائكة : كل يوم بطريق خاص مذكور في عنوان الملائكة.

الواحد والعشرون : مجالس شيعته لعزائه .

وهي دائمة الى يوم القيامة ، ومن خصوصياتها : انه ومع عدم الملل من هذه المجالس يزداد رواجها وعزتها وبهاؤها ويتحسن حالها كل سنة ، وهذا من عجائب خواصه .

حتى انه لا يوجد بلد من بلاد المنافقين والمخالفين والاسلام والكفر الا ويقام فيه مجلس عزاء الحسين عليه السلام ، حتى انه في هذه السنين قد شاع التجاهر بهذه المجالس في بغداد وقسطنطينية ومصر والشام .

النوع الخامس
مجلس اهل المحشر يوم القيامة

الراثية الزهراء البتول صلوات الله تعالى عليها ، وبيدها المباركة قميص الحسين عليه السلام ، والصارخ هي ثم المصطفى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ثم جميع الملائكة .

والحاضر في المجلس الحسين (ع) والباكي جميع الملائكة والانبياء والمؤمنين من الاولين والاخرين ، وسيجيء تفصيل ذلك كله ان شاء الله تعالى .

المقصد الخامس
في صحف الرثاء والكتب التي رثته قبل شهادته وعندها

وهي عشرة كاملة :

الاول : اللوح المحفوظ حين كتب بحكم الجبار ما قدّر على الحسين عليه السلام ، وقد جرى القلم بلعن قاتليه قبل الاذن كما في الرواية ، انظر كتاب العوالم 17:102 ونقله العلامة المجلسي في البحار 44:243 روي مرسلا

الثاني : القران المجيد وفيه ايات قد ذكرناها في عنوان القران .

الثالث : التوراة في بعض اسفارها .

الرابع : كتاب ارميا باسوق من السيمان السادس والاربعون وفيه : كي ذبح لدوناي الوهيم صواووث بارض صافون ال نهر برات ، ( يعني : يذبح ويضحى لرب العالمين شخص جليل في ارض الشمال بشاطيء الفرات ) .

الخامس : كتاب لخمان.

السادس : مصحف شيث وفيهما اشارات الى واقعة كربلاء .

السابع : صحيفة كتبت له عليه السلام خاصة ، وفيها : يا حسين إشر نفسك لله تعالى ، واخرج بقوم لا شهادة لهم الا معك ، وقاتل حتى تقتل .

الثامن : كنيسة للنصارى ، وجدت فيها كتابة يعود تاريخها الى ما قبل بعثة النبي (ص) المصطفى ، بثلاثمائة عام
وهي :

أترجو أمة قتلت حسينا ** شفاعة جده يوم الحساب
فلا والله ليس لهم شفيـع ** وهم يوم القيامة في العذاب

وكذلك كتب هذه الابيات على حائط دير بقلم من حديد في طريق الشام حين نصبوا الرأس هناك واحاطوا به .

التاسع : درٌ النثار الذي وُجد في مسجد الكوفة
وكان فيه :

أنا درٌ من السماء نثروني ** يوم تزويج والد السبطين
كنت اصفى من اللجين بياضا ** صبغتني دماء نحر الحسين

وكذلك الحصى وُجد فيها رثاؤه بلون احمر كالدم في مواضع كثيرة .

المجلس العاشر : قلوب احبائه وخالص شيعته ، فانهم كما كتب في قلوبهم الاحزان والاشجان ، فكأن سوداوات قلوبهم لوح نقشت فيه قضاياه ومصائبه ، ولذا تستعبر بمجرد ذكر اسمه او سماعه .

المقصد السادس
في خواص مجالس البكاء

وهي ثمان :

الاولى : انه عليه السلام قال : من جلس مجلسا يحيي فيه امرنا لم يمت قلبه يوم تموت القلوب .

الثانية : ان المجلس مصعد التسبيح فان نفس المهموم لهم عليهم السلام تسبيح .

الثالثة : انه محبوب للصادق عليه السلام ، فهو محبوب لرسول الله صلى الله عليه واله وسلم ، وبالتالي محبوب لله تعالى .

الرابعة : ان المجلس منظر الحسين عليه السلام ، فانه عن يمين العرش ينظر الى موضع معسكره ومن حل به من الشهداء وزواره ومن بكى عليه سلام الله تعالى عليه .

الخامسة : انه مشهد ملائكة الله تعالى المقربين ، وذلك لما روى من ان جعفر بن عفان لما دخل على الامام الصادق عليه السلام قرّبه وادناه ، ثم قال : يا جعفر قال : لبيك جعلني الله فداك .

قال : بلغني انك تقول في الحسين عليه السلام وتجيد ، قال له : نعم جعلني الله فداك ، قال (ع) ، قل ، فأنشده حتى بكى صلوات الله عليه ، ومن حوله ، وحتى سالت الدموع على وجهه ولحيته .

ثم قال : يا جعفر ، والله لقد شهدت ملائكة الله المقربون هاهنا ليسمعوا قولك في الحسين عليه السلام ، ولقد بكوا كما بكينا او اكثر ، ولقد اوجب الله تعالى لك يا جعفر في ساعتك هذه الجنة بأسرها ، وغفر الله لك .

ثم قال : يا جعفر ، ألا ازيدك ؟ قال : نعم يا سيدي .

قال : ما من احد قال في الحسين عليه السلام فبكى او ابكى الا واوجب الله تعالى له الجنة وغفر له .

السادسة : ان مجلس العزاء قبة الحسين عليه السلام ، وذلك لان قبته ليست مختصة بالبنيان الخاص .

بل قبة الحسين عليه السلام الخضوع والخشوع ايضا ، فكل مجلس خضوع ، خصوصا لذكر الحسين (ع) ، هو قبة الحسين ولذا قال بعض العرفاء :

وكل بلدة يُرى قبره ** وكربلا كل مكان يُرى

فللمجالس تاثير قبة الحسين (ع) في اجابة الدعاء .

السابعة : انه معراج للباكي ، فانه محل نزول صلوات الله تعالى ، والرحمة الخاصة من الله تعالى بمغفرة الذنوب ، ورفع الدرجات .

فاذا تحقق ذلك لباك واحد او لمتباك واحد من اهل مجلس عام لرجونا السراية للجميع من حيث ان المجلس كصفقة واحدة .

الثامنة : انه قال لمجالس شريفة لا مجلس واحد اقدم منها ، ولا افخر ولا اخص منها ، ولا اجل منها ، ولا اعز منها ، فحبذا مجلس ، يكون معطوفا على تلك المجالس وداخلا في عدادها ، وسنذكرها مفصلة .

المقصد السابع
في خواص البكاء من حيث الصفات

وهي ثمان : الاولى : انه صلة لرسول الله صلى الله عليه واله وسلم .

الثانية : انه اسعاد للزهراء سلام الله تعالى عليها ، فإنها تبكيــه كل يوم ، وقد قال الصادق (ع)) " اما تحب لن تكون ممن يسعد فاطمة عليها السلام ؟ " ( .

الثالثة : انه اداء لحق الرسول المصطفى (ص) والائمة الاطهار (ع) ، ففي الرواية ان الباكي قد ادى حقنا .

الرابعة : انه نصرة للحسين عليه السلام ، فان النصرة في كل وقت بحسبه .

الخامسة : انه اسوة حسنة بالانبياء صلوات الله تعالى عليهم ، والملائكة وجميع عبدا الله تعالى المخلصين .

السادسة : انه اجر الرسالة ، فإنه من المودة في القربى .

السابعة : ان تركه جفاء للحسين عليه السلام.

الثامنة : انه يسلي عن البكاء في كل مصيبة واقعة على اي شخص كيفما كان ، قال الرضا عليه السلام " يابن شبيب ان كنت باكيا لشيء فابكِ الحسيـــن عليه السلام ، فإنه ذبح كما يذبح الكبش ، وقتل معه ثمانية عشر رجلا من اهل بيته عليهم السلام ، ما لهم في الارض من شبيه . ".

والنكتة في جعل الامام الحسين عليه السلام مذبوحا وجعل سائر اهل بيته (ع) مقتولين : انهم انما ماتوا بعد الوقوع على الارض بسبب الجراح .

واما الحسين عليه السلام فهو وان وقع على الارض وهو يجود بنفسه بسبب الجراح التي كات تكفي لقتله الا انهم لم يكتفوا بذلك بل ذبحوه كما يذبح الكبش .
 

المقصد الثامن
في فضائل البكاء وتأثيره وثوابه

أي الامور التي فضّل بها على غيره من الاعمال وزاد عليها ،
وهي خمسة :

الاول : انه يصح ان يقال للمتصف بها : صلى لله عليك وصلوات الله عليك .

ففي الرواية النبوية ، قال صلى الله عليه واله وسلم : " ألا وصلى الله على الباكين على الحسين رحمة وشفقة " ، وهذا يحتمل الاخبار والدعاء واي ما كان فالمطلوب ثابت .

الثاني : انه قد يبلغ فضله الى فضل أصعب الأعمال وأحمزها .

وهو ذبح الولد قربانا لله تعالى ، ويظهر ذلك من رواية عن الرضا عليه السلام وفيها ان ابراهيم النبي عليه السلام لما ذبح الكبش فداء ، تمنى ان يذبح ولده لينال ارفع الدرجات .

فأوحى الله تعالى اليه بواقعة الحسين عليه السلام في كربلاء ، فجزع وجعل يبكي ، فأوحى الله تعالى اليه : قد فديت جزعك على ابنك اسماعيل لو ذبحته بيدك بجزعك على الحسين وقتله ، واوجبت لك ارفع درجات اهل الثواب على المصائب.

ومعنى قولنا : قد يبلغ ، ان كل واحد لا يبلغ بذلك هذه المرتبة العظيمة الا من كان اعزاز الحسين (ع) عنده كإعزازه عند ابراهيم عليه السلام .

والوجه في هذا القيد ان في تلك الرواية : يا ابراهيم من احب خلقي اليك ؟

قال : يا رب ما خلقت خلقا هو احب اليّ من حبيبك محمد صلواتك عليه وآله.

فاوحى الله تعالى اليه : يا ابراهيم هو احب اليك ام نفسك ؟

قال : بل هو احب الي من نفسي .

قال تعالى : فولده احب اليك ام ولدك ؟ قال : بل ولده.

قال الله سبحانه : فذبح ولده ظلما على ايدي اعدائه اوجع لقلبك او ذبح ولدك بيدك في طاعتي ؟

قال : ذبح ولده ظلما على ايدي اعدائه اوجع لقلبي .

فأوحى الله تعالى اليه عند ذلك بواقعة الطف فجزع لها ، فأوحى الله تعالى اليه : قد فديت بمقدار اعزازك اياه .

فافهموا يا أيها الذين يجدون في انفسهم ان الحسين عليه السلام اعزّ من ولدهم ، وان ذبحه على ما حكاه الله لخليله من انه يذبح كما يذبح الكبش ظلما اوجع لقلوبهم من ذبح اعز اولادهم قربانا لله تعالى .

فابشروا لانكم اذا جزعتم على الحسين عليه السلام فلكل جزع ثواب ذبح ولد قربانا لله تعالى .

الثالث : انه لا حد له من حيث القلة ، ولكل عمل اقل مسمى لا يتحقق بدونه ، ولا حد لثوابه من حيث الكثرة.

الرابع : وهو من العجائب انه اذا لم يتحقق في الخارج ، ولكن تشبّه به حصل ثوابه يعني اذا لم يتحقق البكاء عنده فليتباك : أي يشبّه نفسه بمن يبكي .

فلينكّس رأسه مثلا ، ويظهر صوت البكاء ، وعلامات الرقة والتأثر ، فيحصل له الثواب ، وذلك حين يتحقق التباكي لله تعالى ، لا ان يفعل ذلك ليرائي به الناس ، فالتباكي هو عمل يشترط فيه الخلوص ايضا .

الخامس : انه فائق على جميع اقسام الايمان والاعمال الصالحات من جهات عديدة ، قد ذكرنا بعضها ، وسنبين بعضها في العناوين الاتية ان شاء الله تعالى .

المقصد التاسع
في خواص البكاء لنيل الاجر والثواب

وهي على انواع :

النوع الاول : ما يتعلق بالنجاة من العقاب والاهوال ، وتفصيله في امور :
الامر الاول : خروج الروح عقبة عظيمة وهول شديد وعذاب أليم

قال الامام علي عليه السلام :

" وان للموت لغمرات هي افظع من ان تُستغرق بصفة ، او تعتدل على عقول اهل الدنيا " ، والبكاء على الحسين عليه السلام ينجي منه .

فان الصادق عليه السلام قال لمسمع بن عبد الملك : يا مسمع انت من اهل العراق ، اما تأتي قبر الحسين عليه السلام ؟ قلت : لا ، لان اعدائي النواصب كثيرون ، فأخاف ان يرفعوا حالي عند الوالي فيمثلون بي .

قال عليه السلام : أفما تذكر ما صُنع بالحسين عليه السلام ؟ قلت : نعم ، قال (ع) " أفتجزع ؟ " قلت : اي والله وأستعبر ، ويرى اهلي اثر ذلك عليّ ، وامتنع من الطعام ، قال عليه السلام : اما انك سترى عند موتك حضور آبائي لك ، ووصيتهم ملك الموت بك ما تقرّ به عينك . "

آه يا الله فارزقنا ذلك وهنئنا يا الله ربنا .

الامر الثاني : مشاهدة ملك الموت هول شديد وعقبة عظيمة مخوفة موحشة خصوصا لاهل المعصية .

والبكاء على الحسين عليه السلام ينجي من هذا ، فإن الصادق عليه السلام قال بعد ذلك القول لمسمع ، فملك الموت ارق عليك من الام الشفيقة على ولدها ، فهل تكون رؤية الام الشفيقة موحشة ؟

الامر الثالث : النزول في القبر عذاب اليم ، ومصيبة عظيمة ، وعقبة مهولة ، ولذا يستحب ان ينقل الميت بثلاث دفعات ليأخذ اُهبته .

والبكاء على الحسين عليه السلام ينجي من ذلك لانه قد ورد في الروايات الكثيرة : ان السرور الذي تدخله في قلب المؤمن يخلق الله تعالى منه مثالا حسنا ليتقدم على الشخص في القبر ويتلقاه
فيقول له : ابشر يا ولي الله بكرامة من الله تعالى ورضوان ، ويؤمنه ويؤنسه حتى ينقضي الحساب .

فإذا ادخلنا السرور على قلب نبي المؤمنين صلوات الله تعالى عليه واله ، وعلى قلب امير المؤمنين عليه السلام ، وعلى قلب الزهراء فاطمـــة عليها السلام ، وعلى قلب المجتبى الحسن عليه السلام ، وعلى قلب سيد الشهداء الحسين عليه السلام ببكائنا ، وسررناهم بذلك فانهم قد قالوا : ان ذلك صلة منكم لنا واحسان واسعاد ، فكيف يكون حسن صورة المعاد الذي يُخلق من سرورهم ؟! وكيف يكون جمال صورة خلقت من صفاتهم تلقانا عند دخول قبرنا وتؤنسنا ؟!

الامر الرابع : البقاء في القبر والبرزخ عذاب أليم ، ومصيبة عظيمة ، وعقبة مهولة ، أوما سمعت ما نقله امير المؤمنين عليه السلام عن لسان حال اهل القبور ؟ كل آن : " تكاءدنا ضيق المضجع وتوارثنا الوحشة ، وتهكمت علينا الربوع فانمحت محاسن اجسادنا ، وتنكّرت معارف صورنا ، وطالت في مساكن الوحشة اقامتنا ، ولم نجد من كرب فرجا ، ولا من ضيق متسعاً !....... " . الخ

والبكاء على الامام الحسيـــن عليه السلام يُفرح الباكي عند الموت فرحة تبقى في قلبه الى يوم القيامة .

الامر الخامس : الخروج من القبر مصيبة عظيمة ، وهول عظيم ، وعقبة مهولة ، قد أبكى سيد الساجدين عليه السلام .

فكان يبكي (ع) ويقول " ابكي لخروجي من قبري عريانا ذليلا حاملا ثقلي على ظهري ، أنظر مرة عن يميني وأخرى عن شمالي ، اذ الخلائق في شأن غير شأني ، وجوه يومئذ مسفرة ضاحكة مستبشرة ، ووجوه يومئذ عليها غبرة ترهقها قترة وذلة " .

والبكاء على الامام الحسين الشهيد صلوات الله تعالى عليه ، يوجب الستر والعفة ، وخفة الظهر من الثقل ، فإذا كان الخوف من كون الوجه عليه غبرة ترهقه قترة وذلة .

فقد ورد في الباكي على الحسين عليه السلام انه يخرج من قبره والسرور على وجهه والملائكة تتلقاه بالبشارة لما أعد الله تعالى له .

الامر السادس ) : إن زلزلة الساعة شيء عظيــم ( ، وهي الداهيــة العظمى ، ولها مواطن ومواقف وحالات وشدائد ، ولها اسماء عدة ، على حسب الحالات التي فيها .

فهي القيامة في حالة ، والغاشية في اخرى ، والساعة في حالة ، والزلزلة في اخرى ، والحاقة في صفة ، والقارعة في اخرى ، وهي يوم الفصـــل في حالة ، ويوم الدين في اخرى ، ويوم العرض الاكبر ، يوم الحساب ، هي الطامة الكبرى ، وهي الصاخة ، هي الواقعة ، هي يوم الفرار ، هي يوم البكاء ، يوم التناد ، يوم التغابن ، هي يوم الآزفة ، هي يوم يكون الناس كالفراش المبثوث ، ولا يسأل حميم حميما .

والخلاص من كل هذه العقبات والمواقف يحتاج الى اعمال وصفات واحوال واخلاق ومجاهدات صعبة ، وبذل للنفوس والاموال ، وتهجدات وعبادات ، وترك للراحة ، وزهد في الدنيــا .

والبكاء على الحسين عليه السلام يجيء بكل هذا ، فإن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قال لفاطمة الزهراء عليها السلام لما سألته عمن يبكي على ولدها الامام الحسين عليه السلام ومن يقيم عزاء له فأخبرها (ص) فقال لها " انه اذا كان يوم القيامة فكل من بكى على مصائب الحسين عليه السلام أخذنا بيده وأدخلناه الجنة .

فمن أخذ بيد رسول الله المصطفى (ص) لا تقرعه القارعة ، ولا تطّمه الطامة ، ولا تجري عليه تلك الصفات ، فهو ضاحك ولا تكون القيامة يوم بكائه .

وهو مستبشر بنعيم الجنة ليست القيامة يوم حزنه او خوفه ، وهو آمن في يوم الفزع الاكبر وهو مرتاح في يوم التغابن - وهو في مجمع الحسين عليه السلام فلا يكون كالفراش المبثوث .

والحسين عليه السلام يتفقد حاله فهو ذلك الحامي الحميم يسأل عن الباكي عليه والموالي والمتبع له والمحب والصادق معه ، والمتعب نفسه لأجله قربة لله تعالى والخادم له عليه السلام .........الخ . فهو (ع) يسأل عليه وعن احواله ، رحمة من رب العالمين .
الامر السابع : قراءة الكتب عند الحساب هول عظيم ، فإن امام المتقين وسيد الصدّيقين عليا عليه السلام كان يخرج الى البراري في نصف الليل فينوح ويبكي عند تصور هذه الحالة .

ويقول : آه إن أنا قرأت في الصحف سيئة أنت محصيها وأنا ناسيها ، فتقول : خذوه ، فياله من مأخوذ لا تنجيه عشيرته ، فيبكي ويتململ تململ السليم ، اي : الملدوغ* ، حتى يقع مغشيا عليه صلوات الله تعالى عليه ، كالخشبة اليابسة .

والبكاء على الحسين عليه السلام ينفع عند قراءة الصحف ، ونداء إقرأ كتابك ، فإن الباكين عليه (ع) يكونون في ظل العرش مشغولين بحديث امامهم الحسين عليه السلام ، والناس في الحساب .

الامر الثامن : العبور على الصراط هول عظيم ، ولا بد من المرور عليه ، فإنه ( كان عل ربك حتماً مقضياً ) والناس يمرون عليه مختلفين .

فمنهم كالبرق ، ومنهم حبواً سالماً ، ومنهم الواقع في النار عند العبور عليه ، والناس يتهافتون فيه كتهافت الفراش *( الفراش بالفتح جمع فراشة ، وهو صغار البق يتهافت على النار ) مع ان النبي المصطفى صلوات الله تعالى عليه وآله واقف يستغيـث بالله عز وجل : يا رب سلّم سلّم ، لكن الباكي على الحسين عليه السلام يأخذ النبي (ص) بيده فيعبره وينجيه من عقباته كما في الروايات المعتبره .

الامر التاسع : الاخذ الى جهنم اعظم الاهوال ، واشد افراد العقبات ، وهوالفزع الاكبر .

والبكاء على الحسين عليه السلام يدفعه ، كما في الروايات المعتبرة .

الامر العاشر : الوقوع في النار اعظم البليات ، وافظع العقوبات ، وهو مما لا تقوم له السماوات والارض .

لكن البكاء على الامام الحسين الشهيد (ع) ينجي منه ، والقطرة منه مطفئة لحرها ، كما في الرواية .
وهو كناية عن خروج الباكي المستحق للنار منها .

النوع الثاني : ما يتعلق بتكفير الخطيئات وفي الروايات الكثيرة ان القطرة تكفر ما كان بقدر زبد البحر وعدد النجوم .

النوع الثالث : ما يتعلق بحسن الحالات ، ولا حالة احسن من ان يُنال دعاء النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلّم ، والوصي المرتضى علي ، والزهراء البتول ، والحسن والحسين عليهم السلام اجمعين ، وهذه حالة تحصل بالبكاء على الحسين الغريب الشهيد عليه السلام .

النوع الرابع : ما يتعلق بحصول اجر الجنات ، وقد ورد في الروايات ان اجر كل قطرة ان يبوءه الله تعالى بها الجنة حقبا ، كناية عن الدوام والخلـــود .

النوع الخامس : ما يتعلق برفع الدرجات ، ولا درجة اعلى من درجة افضل المخلوقات ، واهل بيته الائمة الهداة صلوات الله تعالى عليهم اجمعين .

وقد ورد في الباكي على الامام الحسين عليه السلام انه يكون معهم في درجتهم ، والى مثل ذلك فليرغب الراغبون ، وليتنافس المتنافسون ، ولنستبق الى الخيرات هذه الواضحة الطريق.

ولنختم المقصد بالامور التي تُنال به فانه لا مقصد اعلى منه وهو غاية المسؤول ونهاية المأمول .
 

المقصد العاشر
في خواص العيــن الباكية التي جرى منها الدمع

وهي امور تظهر من الروايات :

الاول : انها احبُ العيون الى الله تبارك وتعالـى .

الثاني : ان كل عين باكية يوم القيامة لشدة من الشدائد إلا عين بكت على الامام الحسين عليه السلام ، فإنها ضاحكة مستبشرة بنعيم الجنـة .

الثالث : ان تلك العين لا بد ان تنعم بالنظر الى الكوثر ، لا أن تنظر فحسب وإلا فكل شخص ينظر الى الكوثـــر .

الرابع : ان العين تصير محل مسّ الملائكة فإنهم يأخذون الدمع منها ، كما جاء في الاحاديث .

المقصد الحادي عشر
في خواص الدمـع الجاري في عزاء الحسين الشهيد عليه السلام

وهي خمس ، مجموعة من الروايات :

الاولى : انها احب القطرات الى الله تعالى كما في الرواية.

الثانية : ان قطرة منها لو سقطت في جهنم لأطفأت حرها .

الثالثة : ان الملائكة لتلقى تلك الدموع وتجمعها في قارورة.

الرابعة : انها تـُدفع الى خزنة الجنان فيمزجونها بماء الحيوان الذي هو من الجنة في عذوبته ألف ضعف .

الخامسة : انه لا تقدير لثوابها فكل شيء له تقدير خاص الا اجر الدمعة .
 

المقصد الثاني عشر

في خاتمة المقاصد

واذا سمعت هذه الكيفيات والخواص العجيبة مع العلاوة التي وردت في الرواية : من ان لكل شيء ثوابا الا الدمعة فينا .

اي لم يبين بعد ثوابها اذ لا حدّ يذكر لها ، فلا تتعجب ولا تستكثر هذا المقدار الكثير من الثواب والخواص والفضائل على هذا العمل القليل .

فإن هذا في الحقيقة ليس عطاء لهذا الباكي على هذه القطرة من حيث هي هي !، بل عطاء للحسين عليه السلام على ما بذله.

ولا تستكثر منه ذلك عليه السلام ، فانك قد سمعت في اخبار اسخياء الملوك انهم بذلوا علة خدمة جزئية او على مدحهم بقصيدة ما بقي اعجوبة الدهر .

فقد اعطى معن بن زائدة مائة الف درهم لمن مدحه ببيت واحد وهو قوله :

فيا معن ناج معنا بحاجتي ** فليس الى معن سواك شفيع

ثم ضعفه في اليوم الثاني ، ثم ضعفه في اليوم الثالث ، ثم ارسل اليه في اليوم الرابع ، فقالوا : انه فرّ خوفا من ان تسترد عطيتك .

فقال : لو بقي لصرفت جميع خزائني في عطائه ، فاذا اعطى معن بن زائدة خزائنه كلها التي لا يملك سواها وهو فقير اليها لمن مدحه ببيت شعر لسانا لا قلبا !

فكيف لا يعطي من لا تنفذ خزائنه ولا تزيده كثرة العطاء إلا كرما وجودا مثل ذلك لمن بذل فيه روحه وجسده ويده ورأسه وجميع جوارحه واوصاله واعضاءه واولاده وراحته وحياته .

وهو مع ذلك مكروب عطشان ومتحير في امور عياله واطفاله ونسائه والجروح متواترة عليه من السنان واللسان والسهام والشتم والسيوف والسب والاحجار والرض والطعن والغدر والضرب وانتهاك حرمه وحرق خيامه .

وحكي ايضا ان معشوقة هشام واسمها خالصة اعطت جميع حليها والجواهر المتزينة بها لشاعر بدل حرفا من حروف الهجاء فبدل هجائها بمدحها في قوله :
كما ضاع درّ على خالصة
فقال قلت :

كما ضاء در على خالصة

فاذا اعطت خالصة جميع ما تملك واعز اموالها لتبديل حرف ، فكيف عطاء خالق الخلق والسماوات والارض ؟! وهو الاجود من كل جــــواد لمن بذل جميع وجوده في سبيله تبارك وتعالى .

فاذا اعطى الله تعالى الحسين عليه السلام خاصة كل ما يـُتصور ، وكل ما يمكن ان يعطيه لاحد ، فلا غلو ولا عجب ولاتنكر شيئا مثل ذلك من عطاء الله عزوجل ، فان في ذلك تبخيلا للجواد ، وكسرا لقلب الزهراء البتول عليها السلام ، كما يظهر من الرؤيا التي رآها السيد علي الحسيني ورواها المجلسي وغيره ، في منتخب الطريحي 366 وبحار الانوار جزء 44 صفحة 293 .

وفي ذلك تنقيص لقدر الحسين عليه السلام ، وتقليل لاجر الحسين صلوات الله تعالى عليه ، فكل ذلك من اجر الحسين الشيهد الغريب (ع) فانك اذا تأثر قلبك ، وجرت دمعة من عينك لان الحسين امامك قد اُزعج من وطنه ، فالاجر الذي يعطى لك على ما وصفناه ليس اجرا لدمعتك حتى تستكثر .

انما هو اجر لكيفية ازعاجه التي اختص بها (ع) حيث اُزعج وشرد من كل مكان في الدنيا ، حتى انهم لم يدعوا رأسه المقطوع ولا جسده المطروح ان يستقرا .

واذا تأثر قلبك لانه عطشان وجرت دمعة من عينك فالأجر الذي يعطى لك ليس اجر جريان دمعة ، ولا اجر عطشه وانما هو اجر تفتت كبده ، وجرح لسانه من اللوك ، وذبول شفتين طالما قبّلهما رسول الله (ص) ، وللحيلولة بينه وبين الماء فكانت السماء كالدخان من العطش .

مضافا الى نار احرقت قلبه حين قالوا : لا نسقيك حتى ترد الحامية وتشرب من حميمها .

وهذا هو حال ما روي من ان الدمعة لو سقطت في جهنم لأطفأت حرّها ، فان الاجر انما هو على احتراقه لا على دمعتك .

كذا اذا تأثر قلبك على كثرة الجروح في اعضائه فدارت دمعة في عينك ، فان الاجر الذي يحصل لك انما اجر الجروح الواردة على جروح سابقة .

بل الجرح على الجرح والطعنة على الطعنة والضرب على الضربة والرض بعد الرض ……. الخ ، فإن بدناً طوله سبعة اشبار اذا صار صدره هدفا لاربعة آلاف سهم وبضعة وسبعين رمحا ، لا يكون الا كذلك ، فلتجر الدماء بدل الدموع ، ولتـُقرح العيون حرى على الحسين الشهيد عليه السلام .

كما ان اجر تأثر قلبك على قتله صبرا ، واجر فيض الدموع من عينك ، انما هو اجر له لا لمجرد قتله ولا لاجل انه ذبح كما يذبح الكبش ، بل لانه (ع) ذبح بالضرب بالسيف كما يذبح الكبش بالجر على نحره ، فيالها من مصيبة ما اعظمها في السماوات والارضين ، يا الله .

واخيرا هناك ملاحظة من اللازم تبيانها وهو انه قد مرّ ان اعداء الامام عليه السلام بكوا عليه وجرت منهم الدموع ، ولكن ليس هذا بنافعهم في شيء او منجيهم من عذاب محتوم ، وليس مجال كلامي الان ما هو منشأ تلك الدموع وهم القساة الطغاة.

ولكن اقول ان القران الكريم وهو الثقل الاكبر يخبرنا انه لا يزيد الظالمين او المكذبين او ماشابه الا خسارة وبعدا عن الله تعالى وضلالا ، وهكذا ايضا الحال مع دموع وبكاء هؤلاء المنافقين العتاة ، والحمد لله رب العالمين .

انتهى العنوان السادس

 

Description: C:\Users\f\Desktop\%D9%83%D8%AA%D8%A8 %D9%85%D8%B3%D8%AD%D9%88%D8%A8%D9%87\1\main\images\pa07.gif

 

العنوان السابع

في خصوصيات زيارته التي هي اعظم الوسائل الحسينية

وهي تذكر في ابواب :

الباب الاول : في فضائلها الخاصة ، وهي من جهات عديدة .
الباب الثاني : في فضيلة خاصة تذكر وحدها مستقلة لامتيازها .
الباب الثالث : في الصفات الخاصة الحاصلة للزائرين .
الباب الرابع : في صفة خاصة للزائرين ، تذكر وحدها لامتيازه .
الباب الخامس : في احكامها الشرعية .
الباب السادس : في شروطها وادابها الشرعية .
الباب السابع : في الاثار المترتبة على تركها .
الباب الثامن : في زياراته المخصوصة بالاوقات .
الباب التاسع : في الابدال المجعولة بالاوقات .

الباب التاسع : في الابدال المجعولة لزيارته لطفا من الله .
الباب العاشر : في الخطابات المخصوصة به في الزيارات .
الباب الحادي عشر : في بيان زواره قبل شهادته .
الباب الثاني عشر : في بيان زواره بعد شهادته .

الباب الاول
في فضل الزيارة الخاصة

وهي من احدى عشرة جهة :

الجهة الاولى : الجامعية

اعلم ان الله سبحانه قد اقتضت حكمته البالغة ان يكلف عباده باعمال خاصة ، واجبات ، ومندوبات لها في حصول التقرب اليه اثار خاصة ، نحو الاغذية للابدان بالنسبة الى طعومها وخواصها فلا يغني احدها عن الاخر .

ولذا ذكر بعض المحققين : انه لا ينبغي ان يطلب الانسان الافضل من العبادات المندوبة ويقتصر عليها ، لفوات الخصوصيات .

وقد خص هذه الطاعة بأن جمع لها خواص كل عبادة واجبة ومندوبة قولية وفعلية بدنية ، وقلبية وان لم يسقط التكليف بواجباتها فإن ذلك امراً اخر.

اما الصلاة : التي هي افضل الاعمال وعمود الدين فحصولها بطريقين :

الاول : ما يتحصل من الصلوات عند قبره اذا زرته ، وتضاعفها بلا نهاية .

الثاني : ما يحصل بصلوات سبعين ألفا من الملائكة ، الذين تعدل صلاة كل واحد منهم صلاة ألف من الادميين ، كما في الروايات فانهم يصلون عند قبره ، وثواب صلاتهم للزائرين له .

واما الزكاة : فانه يحصل له بكل زيارة ثواب الف زكاة متقبلة ، كما في الرواية .

واما الحج : الذي هو افضل الاعمال حتى من الصلاة ، فان فيه صلاة ايضا ، وقد ورد انها حجة واحدة ، واثنتان ، وعشر وعشرون واثنتان وعشرون وثمانون ومائة ومائة وألف وكل خطوة بحجة وكل رفع قدم بعمرة . وفي رواية بشير الدهان في زيارة عرفة : " ان الرجل منكم ليغتسل على شاطيء الفرات ثم يأتي قبر الحسين عليه السلام عارفا بحقه فيعطيه الله تعالى بكل قدم يرفعها ويضعها مائة حجة مقبولة ، ومائة عمرة مبرورة."

وقد زادت هذه المعادلة في بعض الروايات بكون الحجة مع رسول الله المصطفى (ص) ففي بعضها حجة مع الرسول مقبولة زاكية . وفي بعضها اثنتان كذلك ، وبعضها عشر ، وفي بعضها ثلاثون مع الرسول محمد (ص) متقبلة زاكية ، وفي بعضها خمسون معه ، وفي بعضها مائة معه (ص) ، ثم قد زادت المعادلة زيادة اعجبت العقول وهي انها تبلغ حج الرسول (ص) بنفسه ، لا الحج معه ، لا واحدة من حججه (ص) فقط بل ازيد ، وذلك في رواية عائشة وقد ذكرت سابقا ، وفياخرها : قال المصطفى (ص) من زاره كتب الله له تسعين حجة من حججي بأعمارها.

وهذا الاختلاف محمول على اختلاف مراتب الزائرين بحسب قوة ايمانهم ، ودرجات معرفتهم بالله عز وجل وبحق النبي محمد (ص) وأهل بيته (ع) وبحق الحسين (ع ( بالخصوص ، ومقدار اليقين بفضيلته وخصائصه التي من جملها خصوصية قوله (ص) " وانا من حسين.

فيتفرع على ذلك ببعض الوجوه ان زيارته تعادل حج النبي (ص) ، ولعل من جملة الوجوه ان زيارته تعادل حج النبي المصطفى (ص) ولعل من جملة الوجوه للمعادلة بحج النبي (ص) ان الزائر اذا توجه اليه شوقا وحبا لرسول الله صلى الله عليه واله وسلم فقد حج البيت الحقيقي لله تعالى بقلب يناسب قلب النبي (ص) في حبه ، ويرتبط به لذلك فاذا حضر عند قبره ، او وجّه قلبه اليه من بُعد البلاد ، وزاره بكربة قلبه لما جرى عليه فكأنه قد قصده بقلب النبي (ص) فاذا كان قلب النبي (ص) يرق عليه حين يركب على ظهره وهو ساجد ، وينزل من على ظهره برفق الى الارض ، فليتصوره زائره حين يقع الحسين عليه السلام على الارض بضربة رمح من صالح بن وهب المزني ، وليجبر قلبه بسلامــــه عليه ويتحفه بذلك ، فيكون كقصد النبي (ص) اياه ، كذلك وحيث ان الحسين )ع) اعظم واكرم على الله تعالى من البيت بفضيلة تصل الى التسعين وبتفاوت درجات الايمان ، والوقوف على التسعين من الاسرار التي خصّت بالنبي صلوات الله تعالى وسلامه عليه.

واما الصدقة : فان في زيارته ثواب الف صدقة مقبولة ، كما في الرواية الصحيحة.

واما الصوم : فان في زيارته ثواب الف صائم ، كما في الحديث الصحيح .

واما الاعانة في سبيل الله تعالى فان من زاره يكون كمن حمل على الف فرس في سبيل الله مسرجة ملجمة .

واما الجهاد والغزو : فان في زيارته اجر الف شهيد من شهداء بدر ، بل ويحصل منها التشحط بدمه في سبيل الله .

واما العتق : فان في ثواب زيارته عتق الف نسمة اُريد بها وجه الله ، وقد ورد ان من زار قبر الحسين عليه السلام ماشيا كتب الله بكل قدم يرفعها وكل قدم يضعها عتق رقبة من ولد اسماعيل .

واما الذكر والتسبيح : فقد ورد انالله يخلق من عرق زوار الحسين (ع) كل عرقة سبعين الف ملك يسبحون الله ويقدسونه ومنها التسبيح والتهليل والذكر بغير ذلك وفي زيارة الحسين (ع( ادراك ثواب الذاكرين لله تعالى من الملائكة المقربين.

ومنها الصلة للرحم والاحسان الى اهل الايمان : وزيارته صلة لرحم رسول الله (ص) الذي هو الوالد الحقيقي ، واحسان الى رسول الله (ص) وعلي وفاطمة والحسن والحسين والائمة من وُلد الحسين (ع( ، واحسان الى الحسين (ع) الذي هو الاحسان .

ومنها الاطعام في يوم ذي مسغبة : يتيما ذا مقربة او مسكينا ذي متربة اذا زرته بقولك : السلام على المطروح بالعراء .

ومنها الزيارة للمؤمن : والسلام عليه واكرامه ولو بمتكأ ، او مجلس ، او تعظيم ، وهذا سيد المؤمنين وزيارته اتحاف له بتحفة المحبة والتعظيم.

ومنها القرض له قرضا حسنا : وقد سمى الله تعالى القرض للمؤمن المضطر قرضا لله ، فاذا اقرضت امام المؤمنين المضطر الغريب عن الوطن ، والذي هجره الناس كلهم عن كل شيء ، حتى بقي جسده لا يقربه احد ، بقصدك اليه ، والى قربه وزيارته ، فهذا اعظم قرض لله ، وما ادري كيف يضاعفه الله وماذا يبلغ الاجر الكريم الذي وعده لقرضه قرضا حسنا.

ومنها عيادة المريض : وقد جعل الله عتاب تركها ان يقول لتاركها : عبدي قد مرضت ما عدتني ، وزيارة الحسين عليه السلام اذا تأملت في حقيقتها فهي عبادة ، وليست عيادة مريض اصيب بحمى او بصداع لتتفقد حاله ! وانما هي عيادة لجريح عطشان ، لا بل عيادة لمكروب لهفان ، لا بل عيادة للمرضضة اعضاؤه ، وقد ذكرت الزهراء عليها السلام هذا المضمون في زيارتها له وهي

على قبره في الرؤيا الصحيحة :

أيها العينان فيضا ** واستهلا لا تغيضا
وابكيا بالطف ميتا ** ترك الصدر رضيضا
لم امرّضه قتيلا ** لا ولا كان مريضا

فاذا قصدته عند قبره فاقصد عيادته فكأنك مرّضته قتيلا ، وعدته مطروحا ، واذا دخلت روضته ترى ذلك في تأثيرات النظر الى قبره الشريف .

ومنها التجهيز للمؤمن خصوصا الغريب : وفضله لا يحصى ، وزيارة قبر الحسين (ع) تشييع للجنازة المطروحة ، وغسل وتكفين للبدن العاري ، ودفن في القلب ، فتـُحصّل له قبرا باطنا اذا توجهت اليه عند قبره عليه السلام .

ومنها ادخال السرور في قلب المؤمن : الذي هو افضل الاعمال وهو المثال عند جميع الاهوال ، وقد ورد في زيارته عن الصادق عليه السلام : لو يعلم زائر الحسين ما يدخل على رسول الله (ص) وما يصل اليه من الفرح ، والى امير المؤمنين والى فاطمة والى الائمة (ع) والشهداء منا اهل البيت ، وما يصيب من دعائهم له في ذلك من الثواب في العاجل والاجل والمذخور له عند الله تعالى ، لاحبّ ان يكون ما ثَمّ داره .

بيان : قوله : ما ثم داره ، بالثاء المثلثة او بالتاء المثناة ، ومعناه على الاخير ماتم في داره ، يعني ما استقر في داره .

ومنها زيارة الحسين عليه السلام : ومن العجائب انه تحصل بزيارة الحسين (ع) زيارة الحسين (ع) بل بزيارته مرة زياراته الى يوم القيامة ، وذلك في رواية صحيحة عن صفوان سنذكرها بعد ذلك .

الجهة الثانية : انقسام الخواص والفضائل على حالات الزائر ، فان زائره ينال في كل حالة من حالاته فضيلة تفوق الفضائل ، وقد جمعت من الاحاديث الصحيحة المعتبرة وهو ست عشرة فضيلة

في ست عشرة حالة :

الاولى : اذا همّ بزيارته : قال الصادق (ع) " ان لله ملائكة موكلين بقبر الحسين (ع) فاذا همّ الرجل بزيارته اعطاهم الله ذنوبه، فاذا خطى محوها ، ثم اذا خطى ضاعفوا له حسناته ، فلم تزل حسناته تضاعف حتى توجب له الجنة ، واذا اغتسل حين همّ بزيارته ناداه محمد المصطفى (ص) يا وافدا لله تعالى ابشر بمرافقتي في الجنة ، وناداه علي المرتضى (ع( انا ضامن لقضاء حوائجكم ، واكتنفا عن يمينه وشماله حتى ينصرف " . هذا لفظ الرواية عن الصادق عليه السلام .

الثانية : اذا اخذ في جهازه تباشر به اهل السماء .

الثالثة : اذا انفق في جهازه يعطيه الله تعالى بكل درهم انفقه مثل احد من الحسنات ، ويخلف عليه اضعاف ما انفق ، ويصرف عنه من البلاء مما قد نزل ليصيبه .

وفي رواية ابن سنان يجب لهم بالدرهم الف والف والف حتى عدّ عشرة ، ثم قال : ورضا الله خير له ، ودعاء محمد صلى الله عليه واله وامير المؤمنين ودعاء الائمة (ع) خير له .

الرابعة : اذا خرج من منزله شيّعه ستمائة ملك في جهاته الست .

الخامسة : اذا مشى لا يقع قدماه على شي الا دعى له ، فاذا خطى كان له بكل خطوة خطاها الف حسنة ، واذا كان في سفينة وانكفأت بهم نودوا ألا طبتم وطابت لكم الجنة ، واذا رفعت دابته يدها كان له بكل يد رفعتها الف حسنة .

السادسة: اذا اصابته الشمس اكلت ذنوبه كما تأكل النار الحطب ، كما عن الصادق عليه السلام .

السابعة : اذا عرق من الحر او التعب ، فقد روي في المزار الكبير: انه يخلق من عرق زوار الحسين عليه السلام في كل عرقة سبعون الف ملك ، يسبحون الله ويستغفرون لزوار الحسين (ع) الى ان تقوم الساعة .

الثامنة : اذا اغتسلوا بماء الفرات للزيارة تساقطت ذنوبهم ، ثم ناداهم محمدأً المصطفى (ص) " يا وافدا لله تعالى ابشر بمرافقتي في الجنة ثم ناداهم علي امير المؤمنين (ع) انا ضامن لقضاء حوائجكم ورفع البلاء عنكم في الدنيا والاخرة . "

التاسعة : اذا مشى بعد الغسل ، كتب الله تعالى له بكل قدم يرفعها او يضعها مائة حجة مقبولة ، ومائة عمرة مقبولة ، ومائة عزوة مع نبي مرسل الى اعدى عدو له .

العاشرة : اذا دنى من كربلاء استقبلته اصناف الملائكة ، منهم الاربعة الاف جاؤوا لنصرته يوم عاشوراء ، ثم اُمروا بمجاورة قبره ومنهم سبعون الفا ، ومنهم اعداد اُخر ، قد ذكرنا تفصيلها في عنوان ما يتعلق بالملائكة.

الحادية عشرة : اذا زار القبر نظر اليه الامام الحسين عليه السلام ثم دعى له ، ثم يسأل اباه وجده ان يستغفروا له ، ثم تدعوا له الملائكة ، ثم يدعو له جميع الانبياء والرسل ، ثم يكتب له جميع ما ذكرنا من ثواب مجموع العبادات ، ثم تصافحه الملائكة ، ثم يوسم بوجهه من نور العرش ، هذا زائر ابن خاتم الانبياء (ص) وسيد الشهداء(ع. (

الثانية عشرة : اذا رجع الى اهله شيعته اصناف من الملائكة ، فيشيعه بالخصوص جبرئيل وميكائيل واسرافيل ، ويشيعه الاربع الاف ، ويشيعه السبعون الفا ، ويشيعه بالخصوص ملكان ، فاذا انصرف ودعّاه وقالا له : يا ولي الله مغفور لك ، انت من حزب الله ، وحزب رسوله (ص) وحزب اهل بيته (ع) والله لا ترى النار بعينك ابدا ، ولا تراك ولا تطعمك ابدا ، ثم ناداه مناد : طوبى لك طبت وطابت لك الجنة .

الثالثة عشرة : اذا مات بعد ذلك بسنة او سنتين شهدوا جنازته ، واستغفروا له بعد موته ، ثم يزوره الحسين عليه السلام ، وزيارته يمكن ان تكون اول الموت ، او عند وضعه في القبر ليلة الوحشة ،

فيا غرباء القبور ، يا اهل الوحدة فيه ، يا اهل الوحشة فيه ، يا من يعلم انه اذا خرجت روحه فلا يزوره احد زيارة مواجهة ، بل لو زارك شخص يقف عليك بفاصلة ذراعين من الطين بينك وبينه ، يا من تنقطع الصلة بينه وبين الناس جميعا فلا يراهم ولا يرونه .

اذا زرت الحسين (ع) فانه يجيء اليك في ذلك الوقت ، مجيء مواجهة تراه ويراك ، فهل تحتمل ان تبقى في قلبك - بعد زيارته لك وقوله لك : السلام عليك - وحشة او خوف او كربة !؟؟

وبمقدار زيارتك له وتكرارها ، وشوقك اليه وتعلقك به وادخال السرور على قلبه وموالاته بصدق قولا و عملا سوف يزورك ويؤنسك في وحشتك.

اللهم يسر لنا سبل رضوانك وحبك ومعرفتك يا كريم

الرابعة عشر : اذا مات في طريق الزيارة ، فقد ورد عن الصادق (ع) انه قال : " تشيعه الملائكة وتأتيه بالحنوط ، والكسوة من الجنة ، وتصلي عليه اذا كفن ، وتكفنه فوق اكفانه ، وتفرش له الريحان تحته ، وتدفع الارض حتى تصور من بين يديه مسيرة ثلاثة اميال ، ومن خلفه مثل ذلك ، وعند رجليه مثل ذلك ، وعند رأسه مثل ذلك ، ويفتح له باب من الجنة الى قبره ، ويدخل عليه روحها وريحانها حتى تقوم الساعة " .

الخامسة عشرة : اذا حبس وهو في طريقه ، او ضرب ، فقد ورد في ذلك عن الصادق (ع) ان له بكل يوم يحبس ويغتم ، فرحة الى يوم القيامة ، قلت له : فان ضرب بعد الحبس في اتيانه ؟ قال (ع " (له بكل ضربة حوراء ، وبكل وجع يدخل عليه الف الف حسنة ، ويمحى بها عنه الف الف سيئة ، ويرفع له بها الف الف درجة ، ويكون من محدثي رسول الله (ص) حتى يفرغ من الحساب ، ويصافحه حملة العرش ، ويقال له سل ما احببت ، ويؤتى بضاربه للحساب فلا يسأل عن شيء ، ولا يحتسب بشيء ، ويؤخذ بضبعيه اي : بعضديه حتى ينتهي به الى ملك يحبوه اي : يعطيه ويتحفه بشربة من الحميم وشربة من الغسلين ، ويوضع على جبال في النار ، ويقال : ذق ما قدمت يداك فيما اتيت الى هذا الذي ضربته ، والمتضرر من سبيل الحسين (ع" : ( هو وفد الله تعالى ووفد رسوله (ص) ويؤتى به الى باب جهنم ويقال انظر الى ضاربك وما قد لقي ، فهل شفيت صدرك ؟ وما قد اقتص لك منه ؟ فيقول : الحمد لله الذي انتصر لي ولولد رسوله منه .

السادسة عشر : اذا قتل في سبيله ، فقد ورد في الحديث عن الصادق (ع) انه قال : ( اول قطرة من دمه يغفر له بها كل خطيئة ، وتغسل طينته التي منها خلق الملائكة حتى تخلص كما خلصت الانبياء والمخلصين ، ويذهب عنها ما كان خالطها من اجناس طين اهل الكفر ، ويغسل قلبه ويشرح صدره ويملأ ايمانا ، فيلقى الله تعالى وهو مخلص من كل ما تخالطه الابدان والقلوب ، وتكتب له الشفاعة في اهل بيته ، ولألف من اخوانه ، وتُولى الصلاة عليه الملائكة مع جبرئيل وملك الموت ، ويؤتى بكفنه وحنوطه من الجنة ، ويوّسع قبره عليه ، وتوضع له مصابيح في قبره ، ويفتح له باب من الجنة ، وتأتيه الملائكة بالتحف من الجنة ، ويرفع ثمانية عشر يوما الى حظيرة القدس ، فلا يزال فيها مع اولياء الله تعالى حتى تصيبه النفخة التي لا تبقي شيئا ، فاذا نفخت النفخة الثانية ، وخرج من قبره كان اول من يصافحه رسول الله (ص) وامير المؤمنين(ع) والاوصياء صلوات الله تعالى عليهم ، ويبشرونه ويقولون له : إلزمنا ، ويقيمونه على الحوض ، فيشرب منه ، ويسقي من احب . (

الجهة الثالثة : انها تخلص من الذنوب تخليصا خاصا ، قد عبّر عنه فيما يقرب الى اربعين حديثا من الصحاح المعتبرة ، بأنه يغفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ، وفي احاديث اُخرى انه يصير كيوم ولدته امه ، وفي بعضها يمحص من الذنوب كما يمحص الثوب الوسخ في الماء.

ومن عجائب ذلك انه قد ورد في رواية اخرى ان ذلك كله بأول خطوة ، ثم يقدس بكل خطوة بعدها ، ثم تبلغ مرتبته بأن يناجيه الله بقوله : " عبدي سلني اعطك " .

وفي رواية : " انه يجيئه ملك بعد صلاة الزيارة ، فيقول له : ان رسول الله صلوات الله عليه واله ، يقرؤك السلام ويقول : قد غفر لك ما مضى فاستأنف العمل .

الجهة الرابعة : انه يصير مع ذلك سببا لخلاص غيره ايضا ، ففي الرواية ، عن سيف التمار عن اب عبدالله عليه السلام قال: زائر الحسين (ع) مشفع يوم القيامة لمائة رجل كلهم قد وجبت لهم النار .


الجهة الخامسة : ان كل عمل ينقطع وان بقي ثوابه ، وزيارة الحسين (ع) بحسب الوقوع ايضا متصلة الى يوم القيامة لا تنقطع عن الزائر.

بيان ذلك : انه روى صفوان عن ابي عبدالله (ع) : ان الرجل اذا خرج من منزله يريد زيارة قبر الحسين (ع) شيّعه سبعمائة ملك من فوق رأسه ومن تحته وعن يمينه وعن شماله ومن خلفه ، حتى يبلغوا به مأمنه ، فاذا زار الحسين عليه السلام ناداه مناد : قد غُفر لك ، فاستأنف العمل ، ثم يرجعون معه مشيعين الى الى منزله ، فاذا صاروا الى منزله قالوا : استودعك الله تعالى ، فلا يزالون يزورونه الى يوم مماته ، ثم يزورون قبرالحسين (ع) في كل يوم وثواب ذلك للرجل

الجهة السادسة : انه يدرك بها ما يستحيل وقوعه ، وهو ثواب الحج مع المصطفى محمد (ص) وذلك في روايات عديدة ، ألطفها ما رواه موسى بن القاسم الخضرمي ، قال : قدم ابو عبدالله (ع) في اول ولاية ابي جعفر وهو المنصور الدوانيقي الخليفة العباسي فنزل النجف ، فقال : يا موسى اذهب الى الطريق الاعظم فقف على الطريق ، وانظر فانه سيجيئك رجل من ناحية القادسية ، فاذا دنى منك ، فقل له هاهنا رجل من ولد رسول الله (ص) يدعوك فسيجيء معك .

قال : فذهبت حتى اقمت على الطريق ، والحر شديد ، فلم ازل مقيما حتى كدت اعصي وانصرف وادعه ، اذ نظرت الى شيء مقبل شبه رجل على بعير ، قال : فلم ازل انظر اليه حتى دنى مني ، فقلت له : يا هذا هاهنا رجل من ولد رسول الله (ص) يدعوك ، وقد وصفك لي ، قال : اذهب بنا اليه ، فجئت به حتى اناخ بعيره ناحية قريبا من الخيمة ، قال : فدعى به فدخل الاعرابي اليه ، فدنوت انا فصرت الى باب الخيمة اسمع الكلام ولا اراهما ، فقال ابو عبدالله (ع) : من اين قدمت ؟
قال : من اقصى اليمن ،
قال : انت من موضع كذا وكذا ؟
قال : نعم انا من موضع كذا وكذا ،
قال : فبما جئت هاهنا ؟
قا : جئت زائرا للحسين عليه السلام .
فقال ابو عبدالله (ع) ، فجئت من غير حاجة ليس الا الزيارة ؟؟
قال : جئت من غير حاجة ليس الا ان اصلي عنده وازوره واسلم عليه وارجع الى اهلي .
قال له ابو عبدالله (ع) : وما ترون في زيارته ؟
قال : نرى في زيارته البركة في انفسنا واهلينا واولادنا واموالنا ومعائشنا وقضاء حوائجنا .
قال له ابو عبدالله : افلا ازيدك من فضله فضلا يا اخا اليمن ؟
قال : زدني
قال : ان زيارة ابي عبدالله (ع) تعدل حجة مقبولة زاكية مع رسول الله (ص) فتعجب من ذلك ، فقال : اي والله وحجتين مبرورتين زاكيتين مع رسول الله (ص) فتعجب ، فلم يزل ابو عبدالله يزيد حتى قال : ثلاثين حجة مقبولة مبرورة زاكية مع رسول الله صلى الله عليه واله وسلم .

الجهة السابعة : انه يدرك بها ثواب ما يستحيل وقوعه في نفسه ، وهو ان يكون حجك حج الرسول نفسه (ص) وقد ورد في رواية عن عائشة قد ذكرناها سابقا .

الجهة الثامنة : انه قد حلف الله تعالى ان لا يخيب من زاره ، وذلك في رواية ابن محبوب عن ابي جعفر الباقر عليهما السلام ، قال : ان الحسين (ع) صاحب كربلاء قتل مظلوما عطشانا لهفانا ، فالى الله عزوجل على نفسه ان لا يأتيه لهفان ولا مكروب ولا مذنب ولا مغموم ولا عطشان ولا به من عاهة ثم دعى عنده وتقرّب بالحسين عليه السلام الى الله تعالى الا نفـّس الله كربته ، واعطاه مسألته ، وغفر ذنوبه ، ومدّ في عمره ، وبسط في رزقه ، فاعتبروا يا اولي الالباب.

الجهة التاسعة : خصوصية مخصوصة هي لها نهاية المأمول ، وهي التي ورد في الرواية : انه اذا رآه الله ساهر الليل تعب النهار ، نظر اليه نظرة توجب له الفردوس الاعلى .

الجهة العاشرة : تأثيراتها الخاصة :

فمنها : ما في الروايات الكثيرة من انها تزيد في الاعمار ، وتزيد في الارزاق ، وورد في زيارة عرفة انها تورث الاطمئنان في العقائد الحقة ، ورفع الشبهات ، وهذا الاثر اعلى من كل اثر فإن كل اثر يتوقف عليه .

ومنها : انها تدفع مدافع السوء وبعض ميتات السوء .

ومنها : انه يدخل في من يضمنه النبي (ص) ، وذلك في خمسة عشر حديثا ، مضمونها انه ضمن لمن زاره او اباه او اخاه او امه ان يزوره يوم القيامة ويخلصه من اهوالها وشدائدها.

الجهة الحادية عشر : غرائب فضائلها :

فمنها : انها افضل من زيارة الامام اذا كان حيا ، وزيارته في حياته ، فاذا كان الصادق (ع) مثلا حيا ، وذهبت لخدمته وتكلمت معه وتكلم معك ، فزيارة الحسين (ع) الان افضل من ذلك ، كما ان ابن ابي يعفور قال : قلت لابي عبدالله عليه السلام لما زرته : دعاني الشوق اليك أن تجشمت اليك على مشقة ، فقال لي : لا تشك بربك تعالى ، فهلا اتيت من كان اعظم حقا عليك مني ، فكان قوله : فهلا اتيت من كان اعظم حقا عليك مني ، اشد علي من قوله لا تشك بربك ، قلت : ومن هو اعظم علي حقا منك ؟

قال (ع) : الحسين بن علي (ع) ، الا اتيت الحسين فدعوت الله تعالى عنده وشكوت اليه حوائجك ؟

ومنها : ان الباقر (ع) كان يزور من قدم من زيارة الحسين (ع) فروي عن حمران قال : زرت قبرالحسين (ع) فلما قدمت جاءني ابو جعفر (ع) ومعه عمرو بن علي بن عبدالله بن علي (ع) فقال لي ابو جعفر (ع) : ابشر يا حمران فمن زار قبور شهداء ال محمد (ص) يريد بذلك وجه الله تعالى ، خرج من ذنوبه كيوم ولدته امه .

ومن عجائب فضلها ان لحظات الرحمة من الله تعالى لها خصوصية بالنسبة الى زوارالحسين (ع ( ففي الحديث : بعد ذكر لحظات الرحمة الالهية كل يوم ، قال : ويغفر لزائري قبرالحسين )ع) خاصة ، ولاهل بيته ولمن يشفع له يوم القيامة ، كائنا من كان ، وان كان مستوجبا للنار .

وزمن لطائف فضائلها ان لهم خصوصية في دخول الجنة ، لا بد ان يدخلوها قبل اهل الجنة بأربعين عاما ، وان كل شيء يتمسح بزائره ، ويرجو في النظر الى زائره الخير لنظره الى قبره المبارك.

ومن غرائب فضائلها انه يظهر من كثير من الاخبار ان فضيلتها ما بينت تمام البيان للناس ، ففي الرواية الصحيحة ، لو يعلم الناس ما في زيارة الحسين عليه السلام من الفضل لماتوا وتقطعت انفسكم عليها مرات .

وفي رواية اخرى : لو علموا فضائلها لأتوه حبواً من اقصى البلاد.

الباب الثاني
في فضيلة خاصة للزيارة تذكر وحدها لامتيازها

وبيانها يحتاج الى مقدمة :

اعلم ان جميع ما يذكر في ثواب الاعمال وخواصها ، فانما ذلك لبيان مقتضاها من حيث هي ، كما في خواص الادوية ، ولكل منها موانع تدفع مقتضاها ، وذلك لا ينافي ثبوت الخاصية ، فالسكنجين مثلا قاطع للصفراء ، فاذا لم يقطع الصفراء لعروض المانع فيما يؤكل قبله او بعده ، او لانقلاب في المزاج فلا ينافي كونه قاطعا للصفراء .

فجميع ما يذكر في فضائل الاعمال والادعية ونحوها ، قد تقابلها موانع تدفع خاصيتها وترفعه ، والمانع قد يدفع اثرها بالكلية ، وقد يبقى منه شيء ، وبذلك يختلف حال الناس في محشرهم فقد يكون لهم مقدار من الايمان والاعمال تنجيهم من العقاب في اول احتضارهم ، وقد تنجي بعد عذاب الاحتضار ، وقد تنجي بعد عذاب مدة في البرزخ ، وقد تنجي بعد البرزخ اول المحشر . وقد تنجي في اثناء يوم القيامة وفي احد مواطنها ، وقد يغلب المانع فلا تحصل النجاة الا بعد عذاب البرزخ ، او بعد عذاب المحشر ايضا ، او بعد عذاب جهنم ايضا ، ثم تحصل النجاة ، وقد لا يتحقق ذلك ايضا لسلب الايمان فيخلد في النار والعياذ بالله تعالى ، اللهم اني اعوذ بك من ذلك .

وهذا كلام جار في جميع الاعمال والمثوبات .

فاذا عرفت هذه المقدمة فاعلم ان لزيارة الحسين (ع) فضيلة خاصة فاقت كل الفضائل ، وهي انه لو تحققت الموانع من تأثيراتها التي تقدم ذكرها ، فلا يمكن ذهاب كل تأثيراتها ، ولو مع جميع الموانع ، لان طرق التخليص بها ومحاله كثيرة ، فكلما حصل مانع من احد تاثيراتها ، حصل مقتض اخر لتأثير اخر ، واذا حصل لها - ايضا- مانع او بطل بمقتضاه ، تحقق مقتضٍ اخر .

توضيح هذا المطلب ان كلا من الاعمال المنجية قد قرر الله تعالى لظهور اثرها مقاما خاصا من حالات النشأة البرزخية او المحشرية ، فاذا منع مانع من ظهور لاثر في المحل المقرر ولا جرم بطل الاثر بالكلية ، ولا يظهر ثانيا في مقام اخر من مواطن الاحتياج ، ولكن زيارة الحسين (ع) لا يبطل اثرها ، وكلما منعت الذنوب من تأثير لها في محل اخر ، من الاحتضار الى بعد انقضاء يوم القيامة ، ودخول كل من المغفور والمعذب الى محله .

وتدل على هذا المطلب الروايات المجتمعة في فضل زيارته اذا لوحظ مفاد مجموعها من حيث المجموع . وقد صرح بهذا المطلب في رواية عن الامام الحسين عليه السلام سنذكرها .

وقد بين هذا المطلب جابر بن عبدالله الانصاري رضوان الله تعالى عليه ، حين توجه الى زيارة الحسين عليه السلام يوم الاربعيـن وزاره بطريق خاص يذكر في محله ، ثم اخذ يبين فضل ذلك .

ومن جملة ما قال : انه اذا زلّت قدم محبّه وزائره من الذنوب في مقام ، ثبت له قدم اخر في مقام اخر .

فلنبين كيفية ذلك ، فنقول: ان زائر الحسين (ع) اذا ترتبت على زيارته الاثار والفضائل الثابتة له من الجهات التي ذكرناها ، خرج من الدنيا كيوم ولدته امه ، ووصل بذلك الى اعلى الدرجات الحاصلة للزائرين : ومن كونه في اعلى عليين ، او من الكروبيين ، او نحو ذلك ، فيالها من فضيلة ونعمة جليلة .

وان منعت كثرة الذنوب عن حصول هذه المراتب والجهات فمات مذنبا مؤاخذا رجونا له ان يصلح امره بزيارة الحسين عليه السلام له عند وفاته ، واول برزخه ، فان تأخر ذلك لخصوصية في عظمة ذنوبه رجونا له ان يزوره الحسين) ع) في ايام برزخه ، ويكون التأخير والتعجيل في ايام البرزخ على ماهو مقرر في القابليات والموانع .

واذا سقط عن قابلية ذلك واشتدت الموانع المقررة ، ظل معذبا في ايام برزخه كلها ، فاذا حشر الناس ، وجاء النبي صلوات الله تعالى عليه واله ، ومعه جبرئيل (ع) يتصفحان وجوه اهل المحشر لانتخاب زوار الحسين (ع) ويعرفانهم بما وسم في جبهتهم بميسم النور ، هذا زائر خير الشهداء ، فمن وجدا في سيماه ذلك ، اخذا بعضده وخلّصاه من اهوال القيامة ، وشدائدها .

فاذا لم يكن في الشخص قابلية لذلك ايضا ، وقد محت ظلمة الذنوب ميسم هذا النور ، وانمحت تلك السطور في جبهته فبقي مبتليا في المحشر فيحصل الرجاء بخلاصه بطريق اخر وهو انه ينادى يوم القيامة : أين شيعة آل محمد ، فيقوم عنق من الناس لا يحصيهم الا الله تعالى ، ثم ينادى : اين زوار الحسين بن علي عليهما السلام ، فيقوم اناس فيقال لهم : خذوا بيد من احببتم وانطلقوا بهم الى الجنة ، فيأخذ الرجل بيد من احدبّ ، حتى انه يقول له رجل من الناس انا قمت لك يوم كذا فيأخذه غير مدافع .

واذا لم تكن فيك هذه القابلية ايضا ، ولا قابلية للاخذ بيدك فهنا رجاء لخلاصك بطريق اخر ، وهو حين يأتي نداء خاص اخر ، فقد ورد في الحديث المعتبر عن الصادق عليه السلام ، قال : اذا كان يوم القيامة نادى مناد : أين زوار الحسين (ع) ؟ فيقوم عنق من الناس لا يحصيهم إلا الله تعالى ، فيقول لهم : ماذا اردتم بزيارة قبر الحسين عليه السلام ؟ فيقولون : يا رب اتيناه حبا لرسول الله (ص) وحبا لعلي وفاطمة) ع) ورحمة له مما ارتـُكب منه ، فيقال لهم : هذا محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين صلوات الله تعالى عليهم ، فالحقوا بهم فأنتم معهم في درجتهم ، الحقوا بلواء رسول الله (ص) فيكونوا في ظله وهو في يد عليا عليه السلام ، حتى يدخلوا الجنة جميعا فيكونوا امام اللواء وعن يمينه وعن يساره ومن خلفه .

اقول : يا معشر المذنبين ، اذا كنتم من زوار الحسين (ع) ، وسقطتم عن قابلية ان يجيء اليكم النبي الاكرم (ص) وجبرئيل الملك (ع) ، ويأخذا بأعضادكم للنجاة من الأهوال يوم القيامة ، وان تأخذوا بيد أحد فتدخلوه الجنة ، فأجيبوا هذا النداء ، وقوموا انتم بأنفسكم والتحقوا باللواء بعد ان يؤذن لكم ، ولو خلفه او آخر من يكون خلفه.

واذا لم تحصل القابلية ، ولم يأت احد يأخذ بيدك ، ولم تكن لك قدرة لاجابة ذلك المنادي ، لكون الذنوب قد اثقلت ظهرك وطرحتك ، وقعدت بك اغلالك ، فلا تخيبن بعد من آثار زيارة الحسين (ع) ووسائله ايضا ، وانتظر لخلاصك حالة اخرى تقع في المحشر ،هي حالة رجاء عظيمة .

بيانها ان لفاطمة البتول عليها السلام كيفية خاصة لمجيئهـــا الى المحشر ، فلها خصوصية في لباسها فهي في حلة خاصة اسمها (حلة الكرامة ) قد عجنت بماء الحياة ، وعلى تلك الحلة ألف حلة من حلل الجنان ، مكتوب عليها بخط اخضر .

وكذلك لفاطمة الزهراء عليها السلام خصوصية فيما جعل فوق رأسها من النور الالهي ، كالقبة يرى ظاهرها وباطنها من ظاهرها ، والتاج من النور له سبعون ركنا ، كل ركن مرصع بالدر والياقوت ، يضيء كما يضيء الكوكب الدري .

ولها عليها السلام خصوصية عند مجيئها راكبة الى المحشر ، على ناقة من نوق الجنة مدبجة الجنبين ( أي : مزينة الاطراف ) قوائمها من الزمرد الاخضر ، ذنبها من المسك الاذفر ، عيناها ياقوتتان حمراوان .

ولها خصوصية في خطام ناقتها ، وفي قائد الخطام ، وفي الهودج الذي على الناقة ، اما الخطاب فمن لؤلؤ رطب ، وطوله فرسخ من فراسخ الدنيا ، والقائد جبرئيل (ع) وهو آخذ ينادي بأعلى صوته : غضوا أبصاركم حتى تجوز فاطمـــة بنت محمـد عليها السلام .

واما الهودج فمن ذهب .

ولها خصوصية في المستقبلين لها من الجنان ، ففي الرواية : انه يستقبلها من الفردوس ألف حوراء لم يستقبلن احدا قبلها ولا احدا بعدها ، على نجائب من ياقوت اجنحتها وازمّتها اللؤلؤ ، عليها رحائل من در ، عل كل راحلة منها نمرقة * اي وسادة ، من سندس ، وركائبها من زبرجد ، بيد كل واحدة منها محمرة من نور ، وعليهن أكاليل الجواهر .

ثم تستقبلها مريم بنت عمران عليها السلام ، في سبعين الف حوراء ، ثم تستقبلها امها خديجة الكبرى عليها السلام ، في سبعين الف ملك ، بأيديهم ألوية التكبير ، ثم تستقبلها حواء وآسية عليهما السلام في سبعين ألف حواء .

ولها خصوصية في مجلسها فانه ينصب لها منبر من النور ، وفيه سبع مراقٍ ، بين المرقاة الى المرقاة صفوف الملائكة .

ولها خصوصية فيما معها من ذلك الوقت ، ففي الروايات الكثيرة : ان معها ثيابا مصبوغة بالدماء ، وفي بعضها ان معها قميص الحسين عليهما السلام ، ملطخـــا بدمه .

ولها خصوصية في كيفية تظلّمها - فانه عند توسطها ارض المحشر ، تقول سلام الله تعالى عليها : يا ربي ارني الحسن والحسين (ع) فيمتثل لها الحسين (ع) قائما ليس عليه رأس ، واوداجه تشخب دما ، فاذا رأته صرخت صرخة وزخّت نفسها من الناقة . و معنى زخّه بتشديد الخاء : اي : دفعه قال رسول الله (ص) عند بيان هذا : واصرخ لصرختها ، وتصرخ الملائكة لصراخنا .

وفي بعض الروايات : يقبل الحسين عليه السلام ورأسه بيده ، فاذا رأته شهقت عليها السلام شهقة لا يبقى في الجمع ملك مقرب ولا نبي مرسل ولا مؤمن إلا بكى ، ثم تأخذ في التظلم وترفع القميص بيدها وتقول : الهي هذا قميص ولدي .

اقول : وهذه الكيفية من خصائص الحسين (ع) ، فان يوم القيامة هو يوم الجزاء عما مضى في ايام الدنيا ، لكن الحسين عليه السلام وحده يمتثل قائما بلا رأس واوداجه تشخب دما ، كما اتفق له (ع) في الدنيا ، وهو الذي احرق قلب الطاهرة الزهراء عليها السلام بمظلوميته وخصائصه التي انفرد بها في تاريخ البشرية .

اضافة لما عليه (ع) من خروق السيوف والسهام والرماح في اثار قميصه ، او لانه سلب من بدنه ، فان ذلك اعظم من الجروح اذا تدبرت المصاب ، فعند ذلك ينتقم الله تعالى من قتل الحسين عليه السلام واولادهم واولاد اولادهم الراضين بافعال آبائهم ، بانتقامات من القتل مرارا ، ثم تخرج زبانية سود من جهنم تلتقطهم كما يلتقط الطير الحب ، وتأخذهم الى ما اُعدّ لهم في جهنم .

ثم ان لها عليها السلام ، خصوصية في شفاعتهــا . قد ذكرنا الحديث لاجله وهي موضع حاجتنا ، فانها تنادى حينئذ : يا فاطمـة سلي حاجتك ، فتقول (ع) : يا رب شيعتي ، فيقول الله تعالى : قد غفرت لهم ، فتقول : شيعة شيعتي ، فيقول الله تبارك وتعالى : انطلقي فمن اعتصم بك فهو معك ، فتسير ويقوم كل هؤلاء يسيرون معها فيما من زار ولدها وساعدها في بكائه ووصلها ، ان لم يخلصك اخذ النبي (ص) بيدك لعدم قابليتك ، ولا امكنك النهوض عند نداء المنادي ، فانك لا تبقى في الشدائد عند هذه الحالة لوجود الشفاعة الفاطمية ، فاذا قالت : شيعتي ، شملتك ، وان لم تشملك ، فقولها عليها السلام : شيعة شيعتي ، وان لم يشملك ذلك ، شملك قوله تعالى لها : من اعتصم بك ، فان اشد الاعتصام بها زيارة ولدها الحسين (ع) والبكاء عليه والاهتمام بما يتعلق بالحسين (ع) فلا أظنك تبقى في ارض المحشر بعد مسيرها الى الجنة ولا تمشي معها عليها السلام وانت زائرٌ للحسين عليه السلام .

فاذا خفت من شدة تأثير ذنوبك مع ذلك ، فلا ينتابك اليأس في تلك الحالة ولاتظنن انك ستبقى بعدها في المحشر معدبا مخلدا ، وان لم يكن مناص من اخذك الى النار ، وابتلائك بها والعياذ بالله ، فانه لا بد ان يأتيك الحسين (ع) وانت في النار .

فان هذا اخر اوقات زيارته لمن زاره ، فقد روي عنه (ع) انه قال بعد قوله : من زارني زرته بعد وفاته : وان وجدته في النار اخرجته ، فهذه اخر حالة خلاص لادنى الزائرين درجة ، واعظمهم ذنبا ، والحمد لله رب العالمين .

الباب الثالث
من الصفات الخاصة الحاصلة للزائرين

وهي كثيرة :

منها : ما روي عن الصادق عليه السلام من ان الله تعالى يباهي بزائر الامام الحسين (ع) حملة العرش وملائكته المقربين ويقول جل وعلا : ألا ترون زوار قبر الحسين (ع) أتوه شوقا .

ومنها : انه ممن نظر الله اليه بالرحمة .

ومنها : انه دليل المحبة للحسين (ع) كون الشخص زوّاراً له (ع) اي كثير الزيارة .

ومنها : ان يكون ممن يحدّثه الله تعالى فوق عرشه .

ومنها : ما في عشر روايات من انه يكتب في عليين .

ومنها : ان يكون في الجنة في جوار النبي (ص) واهل بيته (ع) . يأكل معهم على موائدهم .

ومنها : انها ان كان شقيا كتب سعيدا .

ومنها : انه يحسب من الكروبيين ومن سادة الملائكة .

ومنها : انه مساعد للزهراء عليها السلام فانها تزور الحسين (ع) كل يوم .

ومنها : انه يصبح كل واحد من وجهه وخده وعينه وقلبه محل دعاء لصادق (ع) ، فانه كان يدعو وهو باك في سجوده

ويقول : اللهم ارحم تلك الوجوه التي تقلبت على حفرة ابي عبدالله (ع) وارحم تلك الاعين التي جرت دموعها ، وارحم تلك القلوب التي جزعت واحترقت لنا ، وارحم تلك الصرخة التي كانت لنا .

ومنها : ان الزائر يصير وديعة للصادق (ع) عند الله تعالى ، فانه كان يقول كثيرا : اللهم اني استودعك تلك الابدان ، حتى توفيهم على الحوض عند العطش .

ومنها : انه زائر الله تعالى وزائر رسوله (ص) كما في الروايات .

ومنها : ان كل من له درجة يوم القيامة يتمنى ايضا ان يكون من زوار الحسين عليه السلام مما يرى من كرامتهم الخاصة بهم .

الباب الرابع

في اجر عجيب وصفة خاصة ممتازة يترتبان على زيارته عليه السلام

ينبغي افرادهما بالذكر .

اما الاجر العجيب : فهو ما في رواية مروية بأسانيد معتبرة رواها الصدوق والسيد ابن طاووس والكفعمي ومؤلف المزار الكبير ، وحاصلها: ان كاتب الاعمال الحسنة واجرها يشتغل بالكتابة من حين عزم الشخص على الزيارة الى يوم ينفخ في الصور فهي من الاعمال الصالحة المستمرة حقيقة لا حكما ، وذلك من اعلى افراد الباقيات الصالحات ، وليس محض اثار حكمية كغيرها من الصدقات الجاريات والاثار اللاحقات ، وهذا كله علاوة على صفات خاصة تحصل له حتى بالنسبة الى المتولي لقبض روحه .

ومما تنبهر له العقول ست عشرة فضيلة خاصة في كل واحدة منها اكثر من مائة فضيلة .

احدها اعطاء كفل من الرحمة في كل كلمة من الزيارة التي فيها . واعجب من ذلك كله بعض اجرها وثوابها ففي الرواية الشريفة العجيبة انه سأل الصادق (ع) او جابر الجعفي : كم بينك وبين قبر الحسين (ع) ؟ قلت : بأبي انت وامي يوم وبعض يوم ، قال : فتزوره ؟ قلت : نعم جُعلت فداك ، فقال : ألا ابشرك ؟ ألا افرحك ببعض ثوابه ؟ قلت نعم جعلت فداك ، قال (ع) " ان الرجل منكم ليأخذ في جهازه ، ويتهيأ لزيارته ، فيتباشر به اهل السماء ، فاذا خرج من باب منزله ، راكبا او ماشيا ، وكّل الله تعالى به اربعة آلاف من الملائكة يصلون عليه حتى يوافي الحسين عليه السلام ، يا مفضل ، اذا اتيت قبرالحسين (ع) فقف بالباب وقل هذه الكلمات فان لك بكل كلمة كفلا من رحمة الله تعالى ، فقلت : ما هي جعلت فداك ؟ قال (ع) فتقول :

السلام عليك يا وارث ادم صفوة الله ، السلام عليكم يا وارث نوح نبي الله ، السلام عليك يا واراث ابراهيم خليل الله ، السلام عليك يا وارث موسى كليم الله ، السلام عليك يا وارث عيسى روح الله ، السلام عليك يا وارث محمـــد حبيب الله ، السلام عليك يا وارث وصي رسول الله ، السلام عليك يا وارث الحسن الرضي ، السلام عليك يا وارث فاطمـــــة بنت رسول الله ، السلام عليك ايها الشهيد الصدّيق ، السلام عليك ايها الوصيّ البر التقي ، السلام عليك وعلى الارواح التي حلّت بفنائك ، واناخت برحلك ، السلام على ملائكة الله تعالى المحدقين بك ، اشهد انك قد أقمت الصلاة وآتيت الزكاة ، وأمرت بالمعروف ونهيت عن المنكر ، وعبدت الله تعالى مخلصا حتى أتاك اليقين ، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته .

ثم تسعى فلك بكل قدم رفعتها او وضعتها كثواب المتشحط بدمه في سبيل الله تعالى ، فاذا استلمت القبر فاستلمه بيدك وقل : " السلام عليكم يا حجة الله تعالى في سمائه وارضه " .

ثم تمضي الى صلاتك ، ولك بكل ركعة ركعتها عنده كثواب من حج واعتمر الف حجة والف عمرة واعتق الف رقبة ، وكأنما وقف الوقوف في سبيل الله : اي : هو الجهاد في سبيله تعالى في سبيل الله ألف مرة مع نبي مرسل .

فاذا فرغت من عند قبرالحسين (ع) ناداك مناد لو سمعت مقالته لاقمت عمرك عند قبر الحسين (ع) وهو يقول : طوبى لك ايها العبد قد غنمت وسلمت ، قد غفر لك ما سلف فاستأنف العمل ، فاذا مات هو في عامه او في ليلته او يومه لم يلِ قبض روحه الا الله تعالى ، ويقبل الملائكة معه ، ويستغفرون له ، ويلون عليه حتى يوافي منزله ، فتقول الملائكة : يا رب هذا عبدك قد وافى قبر ابن بنت نبيك ، وقد وافى منزله فأين نذهب ؟ فيناديهم النداء : يا ملائكتي قفوا عند قبر عبدي ، وسبّحوا وقدّسوا واكتبوا ذلك في حسناته الى يوم القيامة .

واما الصفة الخاصة التي تحصل للزائر بمقتضى الاخبار ، وينبغي ذكرها مستقلة فهي : ان من زارالحسن (ع) فقد زار الله تعالى في عرشه ، وهو كناية عن نهاية القرب الى الله تعالى والترقي الى درجة الكمال .

وفوق هذه الصفة صفة اخرى ، انه يدرك بها زيارة الرب فانه قد ورد انه يزوره الله تعالى كل ليلة جمعة ادرك زيارة الرب له ، وزيارته للرب .

وزيارة الرب له كناية عن افاضة خاصة من الرحمة عليه في ذلك الوقت فمن ادركها لا يمكن ان يصير محروما منها ، ولا يتصور ان لا يناله نصيب منها ، وزيارته للرب تعالى كناية عن نهاية القرب اليه ، فاذا اجتمعا حصلت له خصوصية مرتبة من شمول الرحمة الالهية .

وفي رواية اخرى : انه من اراد ان ينظر الى الله تعالى يوم القيامة فليكثر من زيارة الحسين عليه السلام .

فهذه ثلاث عبارات : زيارة الله تعالى والزيارة مع الله تعالى والنظر الى الله تبارك وتعالى .

وهي عبارة عن نهاية ما يتصور للمخلوق من الترقي الى درجات القرب ، ولهذا جعلت هذه الصفة بابا مستقلا فانها تقابل جميع القضايا وتفوق عليها .

الباب الخامس
في احكام خاصة لزيارته

وهي كثيرة

فمنها : ان كل عمل يسقط وجوبه او استحبابه مع الخوف ، ولكن قد روي في هذا العمل روايات تدل على خلاف ذلك ، فقد عثرت على تسع روايات بأسانيد معتبرة رويت في البحار ، وغيرها عن معاوية بن وهب عن ابي عبدالله (ع) " انه قال : يا معاوية ، لا تدع زيارة قبر الحسين (ع) لخوف ، فان من تركه يرى من الحسرة ما يتمنى ان قبره كان ، أي تبلغ حسرته يوم القيامة الى درجة : انه يقول : يا ليتني كنت مقيما عند قبره فأزوره حتى يدركني الموت .

وفي رواية عاشرة : عن محمد بن مسلم عن ابي جعفر (ع) قال : هل تأتي قبر الحسين (ع) ؟ قلت : نعم على خوف ووجل ، فقال (ع) " ما كان من هذا اشد فالثواب فيه على قدر الخوف ، ومن خاف لخوفنا آمنه الله تعالى روعته يوم يقوم الناس لرب العالمين ، وانصرف بالمغفرة ، وزاره النبي (ص) ودعى له ، وانقلب ( بنعمة من الله لم يمسسهم سوء ) ، " والحمد لله رب العالمين .

وفي رواية اخرى : عن الاصم بن بكير عن ابي عبدالله (ع) قال : قلت له اني انزل الارجان ( الارجان مدينة ايرانية جنوب محافظة شيراز ) وقلبي ينازعني الى قبر ابيك ، فاذا خرجت فقلبي مشفق وجل حتى ارجع ، خوفا من السلطان والسعاة واصحاب المصالح ، قال (ع) " يابن بكير ، اما تحب ان يراك الله تعالى فينا خائفا ؟ اما تعلم انه من خاف لخوفنا اظله الله تعالى في ظل عرشه ، وكان محدّثه الحسين عليه السلام تحت العرش ، وآمنه من فزع يوم القيامة ، فإن فزع قوّته الملائكة وسكّنت قلبه بالبشار " .

الباب السادس
في شروطها وآدابها الشرعية

اما الشروط : فقد دلّت الروايات - زيادة على ما في سائر العبادات - على خصوصية في ذلك بأن تكون الزيارة خالصة لوجه الله تعالى ، وان يكون محتسبا لا اشّرا ولا بطرا ولا لسمعة او عجب او رياء .

فقد جاء ان من زارالحسين (ع) محتسبا لا اشرا ولا بطرا ولا رياء ولا سمعة محصت عنه ذنوبه كما يمحص الثوب بالماء " او تكون صلة لرسول الله صلى الله عليه واله وسلم ، او تكون رحمة للحسين عليه السلام ، فيقصد بها جبر ما ورد على قلبه الطاهر بزيارته تلك .

وتفاوتت التأثيرات بتفاوت المعرفة بحق الامام الحسين (ع) فقد ورد في الروايات التقييد بكونه عارفا بحق الامام الحسين صلوات الله تعالى عليه .

واما الاداب : ففي البحار وثواب الاعمال والتهذيب والكامل بأسانيد كثيرة معتبرة مستفيضة عن الامام الصادق عليه السلام : اذا زرت ابا عبدالله (ع) فزره وانت حزيـن كئيـــب مكروب شعث مغبر جائع عطشان فإن الحسين عليه السلام " قتل كئيبا حزينا مكروب شعثا مغبرا جائعا عطشـــانا غريبا مضكخا بدمائه الزاكية "

وقال (ع) : " بلغني ان قوما اذا زاروا الحسين (ع) حملوا معهم السفرة فيها الحلاوة والاخبصة (* وهي حلوى معروفة ) واشباهه ولو زاروا قبور احبّئهم ما حملوا معهم هذا" .

وفي رواية اخرى : قال لهم (ع) " تتخذون لذلك سفرة ؟ قالوا : نعم ، قال : لو اتيتم قبور آبائكم وامهاتكم لم تفعلوا ذلك ، قالت : اي شيء نأكل ؟ قال (ع) " الخبز باللبن " .

وفي الكامل باسناد معتبر عن المفضّل ، قال : قال ابو عبدالله (ع) الصادق : تزورون خير من ان لا تزوروا ، ولا تزوروا خير من ان تزوروا ، قال قلت : قطعت ظهري ، قال (ع) : تالله ان احدكم ليذهب الى قبر ابيه كئيبا حزينا ، وتأتونه انتم بالسفر ، كلا حتى يأتونه شعثا غبرا . "

ومن الآداب: ما في كيفية زيارة جابر له وستأتي في كيفية زيارته في يوم الاربعيــن ، واهم ادابها الغسل بماء الفرات .

الباب السابع
في الاثار المترتبة على تركها

وهي كثيرة :

الاول : ما في رواية الحلبي عن الصادق (ع) " ان من ترك زيارته ، وهو قادر على ذلك فقد عقّ رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم ، وعقـّـنا .

الثاني : ما في رواية عبدالرحمن بن كثير عنه (ع) ، قال : لو ان احدكم حج دهره ثم لم يزر الحسين بن علي عليهما السلام ، لكان تاركا حقا من حقوق رسول الله صلى الله عليه واله وسلم .

وفي اخرى لو ان احدكم حج الف حجة ثم يأت قبر الحسين عليه السلام لكان تاركا حقا من حقوق الله تعالى .

وهنا لا ننسى الحديث النبوي الشريف : " الاسلام محمدي الوجود حسيني البقاء. "

الثالث : ما في رواية محمد بن مسلم عن ابي جعفر عليه السلام قال : من لم يأت قبر الحسين من شيعتنا ، كان منتقص الايمان ، منتقص الدين ، وكذا غيرها من الروايات .

الرابع : انه جفاء للحسين عليه السلام ، وكما في روايات كثيرة ، منها ما عن امير المؤمنين عليه السلام حيث قال بأبي الحسين المقتول في ظهر الكوفة ، كأني بالوحوش مادة اعناقها عليه ترثيه الى الصباح ، فاذا كان كذلك فإياكم والجفاء .

الخامس : في رواية علي بن ميمون الصائغ ، انه قال : قال لي ابو عبدالله (ع) " بلغني ان اُناسا من شيعتنا تمر بهم السنة والسنتان واكثر من ذلك لا يزورون الحسين بن علي بن ابي طالب عليهم السلام ، قلت : جعلت فداك اني لأعرف اُناسا كثيرين بهذه الصفة ، فقال : أما والله لحظّهم اخطأوا ، وعن ثواب الله تعالى زاغوا ، وعن جوار محمد صلى الله عليه واله وسلم في الجنة تباعدوا ، قلت : فان اخرج عنه رجلا أيجزي عنه ذلك ؟ قال : نعم ، وخروجه بنفسه اعظم اجرا وخير له عند ربه تعالى ، وقد رود صدق هذه العناوين على القادر البعيد اذا تركه ثلاث سنين .

السادس : انه ينقص الاعمار كما في روايات كثيرة ، وفي بعض الروايات ان تركها مؤثر في نقص سنة من العمر ، بنحو لا تخلف فيه .

السابع : ان تارك زيارته : " ان دخل الجنة فهو دون كل مؤمــن " ، على ما في رواية : " ومن ضيفان الجنة " ، على ما في اخرى و : " بعيد عن جوار محمد المصطفى صلى الله عليه وآلــــه وسلــم " ، وهي في كامل الزيارات في الصفحة 295 وايضا بحار الانوار جزء 98الصفحة 12 .

الثامن : انه ليس بشيعة لهم (ع) كما في رواية دالة صراحة على ذلك رويت عن احدهما ، عن الصادق عليه السلام : " من لم يأت قبر الحسين عليه السلام وهو يزعم انه لنا شيعة حتى يموت فليس هو لنا شيعة " .

التاسع : انه من اهل النار ويُحمل على التارك تهاونا واستخفافا ، وقد مال المجلسيان الى وجوبها على القادر في العمر مرة واحدة لهذه الاخبار .

 

Description: C:\Users\f\Desktop\%D9%83%D8%AA%D8%A8 %D9%85%D8%B3%D8%AD%D9%88%D8%A8%D9%87\1\main\images\pa07.gif

 

الباب الثامن
في زيارته المخصوصة بالاوقات

اعلم ان زيارة الحسين (ع) خير موضوع فمن شاء استقل الخير ، ومن شاء استكثر الخيـر .

وهي على قسمين :

مطلقة في كل الاوقات : ويترتب عليها ما ذكرناه من الخواص والفضائل .
ومخصوصة بأوقات تزيد فضيلتها بخصوصية الوقت على اصل الفضيلة المطلقة ، مع انه لا يتصور زيادة منها وهي تقرب الى ثلاثين مخصوصة ، بالنسبة الى الزمان والاوقات ، وخصوصيتها في زيادة الاجر معلومة ، ولكن لكل واحدة ايضا اثرٌ خاص ، وفضيلة خاصة ، نبينها عند ذكر كل واحدة .

الاولى : كل جمعة مرة لمن كان بعيدا عنه بيوم ونحوه فإن تركه كان شديد الجفاء ، ومن خواص ذلك ما في رواية داود بن يزيد عن ابي عبدالله (ع) انه يغفر له البتة ولم يخرج من الدنيا وفي نفسه حسرة ، ومنها : ويكون مسكنه في الجنة مع الحسين بن علي عليهما السلام .

الثانية : كل شهر مرة فعن الصادق عليه السلام قال : ان من زاره في كل شهر مرة فله ثواب مائة الف شهيد مثل شهداء بدر ، وقال : اما القريب فلا اقل من شهر ، فإن كان قريبا وتركه اكثر من شهر فقد سمّاه الحسين عليه السلام بنفسه جفاء وذلك في رواية عن عقبة .

الثالثة : كل سنة مرتين وقد ورد عن الامام الصادق عليه السلام : انه حق على الغني ان يأتيه في السنة مرتين ، وفي رواية ثلاث مرات .

الرابعة : كل سنة ثلاث مرات وفيها مع خواص اصلها انها تؤمن من الفقر .

الخامسة : كل سنة مرة ، فقد ورد في خمسة عشر حديثا، انها حق على الفقير القادر على الزيارة ، فإذا تركها سنة فهذا اول مراتب الجفاء للحسين عليه السلام .

السادسة : كل ثلاث سنين مرة للبعيد فاذا تجاوز الثلاث دخل في عقوق رسول الله المصطفى محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، اللهم اعذنا من هذه الافة والاثم الكبير .

السابعة : في كل عيد كما في بعض الروايات ، فيدخل فيه النيروز والمبعث والمولود والغدير وغير ذلك .

الثامنة : مخصوصات الشهور ، ولنذكر كل شهر على حدة ، ولكل منها فضائل كثيرة ، لكن نقتصر على ذكر خصوصية فضيلة كل شهر مخصوص .

فنقول : في شهر رجب الأصب اربع او خمس : اول ليلة . واول يوم ، وليلة النصف . ويومها ، وخصوصية فضلها زيادة على الثواب تساقط الخطايا كيوم ولدته امه ، وفي اول رجب زيادة حتمية وهي المغفرة فإن الله تعالى قد اوجبها على نفسه تبارك وتعالى .

وفي شعبان ثلاث مخصوصات : يوم الثالث منه ، وليلة النصــــف ، ويومها ، وعمدة فضيلتها التشرف بمصافحة مائة واربعة وعشرين الف نبي ، منهم اولو العزم صلوات الله تعالى عليهم ، واذا زاره ثلاث سنين متوالية في النصف من شعبان كان له تأثير خاص في رفع الذنوب زيادة على اصلها ، ومن خواصها ان المنادي ينادي بالمغفرة له من اول شعبان .

وفي شهر رمضــــان المبارك بخصوصه ، كما في رواية ابن الفضل قال : سمعت جعفر بن محمد عليهما السلام .

يقول : من زار قبر الحسين عليه السلام في شهر رمضان ومات في الطريق لم يعرض ولم يُحاسب ، وقيل ادخل الجنة آمنا " ولا ننسى هنا الحديث ما مضمونه : ان من حوسب هلك " يعني كفى بالحساب من موقف مهول عظيم .

الثانية والثالثة والرابعة : اول ليلة منه اي من شهر رمضان ، وليلة النصف ، واخر ليلة منه ، كما في الرواية عن الصادق عليه السلام .

والستة الاخرى : ليالي القدر الثلاث ، وايامها ، ففي الروايات الكثيرة انه اذا كانت ليلة القدر التي يفرق فيها كل امر حكيم ، ينادي مناد من بطنان العرش الى السماء السابــــعة : ان الله عزوجل قد غفر لمن أتى قبر الحسين عليه السلام .

وفي شهر شوال ، ليلة العيد ، ويومها ، وخصوصية فضيلته مغفرة الذنوب ما تقدم وما تأخر .

وفي شهر ذي الحجة ، ثمان مخصوصات ، او عشر مخصوصات : ليلة عرفة ويومها ، وليلة الاضحى ويومها ، وايام التشريق ، ويوم نزول سورة الدهر " هل أتى " ، ويوم الغديـر ، بناء على خصوصية الزيارة له (ع) في كل عيد ، وخصوصية الفضل في عرفة ان يسميه الله تعالى صدّيقا ، ويسميه كروبيا ، والحمد لله .

واصل الزيارة يعادل مع الحج وكذا الخطوات التي يخطوها بعد غسله من الفرات او مطلقا ، فتبلغ معادلة اصل الزيارة الى الف الف حجة مع القائم صلوات الله تعالى عليه وعلى آبائه و عجل الله فرجه .

وألف ألف عمرة مع رسول الله المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم ، وبالنسبة للخطو نحو الزيارة يكتب الله تعالى له بعد الغسل والتوجه ، بكل خطوة يخطوها حجة بمناسكها ، وفي بعض الزيارات ، كل قدم مائة حجة ، كما مر .

وخصوصية فضيلة عيد الاضحى : وقاية شر سنة في الدنيا ومغفرة الذنوب ما تقدم منها وما تأخر .

وفي المحرم ليلة عاشوراء ويومها ، ولا يبعد ان تكون زيارة يوم الثالث عشر مخصوصة ايضا ، فإنه يوم دفنه صلوات الله تعالى عليه ، وعلى الارواح التي حلّت بفنائه .

وخصوصية فضل زيارة عاشوراء الدخول في زمرة الشهداء ، والتلطخ بدم الامام الحسين عليه السلام واذا زار ليلة عاشوراء وبات عنده وسقى عنده الماء في ذلك الوقت كان كمن سقى عسكر الحسين عليه السلام ، يوم عاشوراء .

وفي شهر صفر ، يوم العشرين منه ، وهو المسمى بالاربعين خصوصية فضل زيارته هذه تعد من علائم الايمان.

مسألة : ما الافضل من هذه الزيارات ؟
اقول : كلما نظرت الى كل واحدة من هذه الفضائل رأيت فيها خصوصيات ، ليست على نهج واحد ، فلا يعلم الفاضل من المفضول فإذا لاحظت كل واحدة يمكن ان يقال : انها الافضل .

وفي بعض الروايات ان الافضلية في النصف من شعبان ، والنصف من رجب ، ولعلها من حيثية خاصة .

والذي يظهر من ملاحظة مجموع الفضائل افضلية عرفة وعاشوراء والذي يترجح ان خصوصية زيارة عاشوراء التي ورد فيها - ان زائره يُحشر ملطخا بدم الحسين عليه السلام ، في زمرة الشهداء - اعلى من كل خصوصية حتى مائة الف حجة ، والف الف حجة مع رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ، فإن في زيارة عاشوراء قد ورد ايضا مع هذه الخصوصية - خصوصية اخرى وهي : انه قد زار الله تعالى في عرشه . وهذا من احد معانيه انه يكون في لطف الله تعال وولايته ومعرفته ، فيكون متنعما برحمته الخاصة – الرحمة الرحيمية .

الباب التاسع
في الابدال المجعولة لزيارته لطفا من الله تعالى ، لئلا تفوت فضيلة

وهي على اقسام :

الاول : الاستنابة لزيارته اما : من البلد ، او بأن يجعل له نائبا يزور عنه هناك ، فإن في ذلك اجر الزيارة ، وان كان خروجه بنفسه اعظم اجرا .

الثاني : التجهيز لزيارته ، وان لم يكن بعنوان النيابة عنه ، فإن اصل تجهيز زائره واعطائه النفقة او الدابة او نحو ذلك مما يوجب ثواب الزيارة بنفسه كما دلت عليه الاخبار .

الثالث : زيارته من بُعد ، فانها بدل عن زيارة القرب في الاجر والثواب ، ورافعة للجفاء الحاصل بترك زيارته عليه السلام ، كما وصف به غير المتمكن في الاخبار .

واما المتمكن التارك فانها رافعة لشدة الجفاء منه ايضا ، ولها كيفيات متفاوتة في الفضيلة :

الاولى : ان يصعد فوق سطحه بقصد الزيارة ، ثم يلتفت يمينه وشماله ، ويرفع رأسه الى السماء ، ثم يتحرى اي : الاجتهاد في الطلب نحو قبر الامام الحسيـــن عليه السلام، ويقول :

" السلام عليــــك يا أبا عبدالله ، السلام عليك يا بن رســول الله صلى الله عليه وآله وسلّم ، السلام عليك ورحمة الله تعالى وبركاته" .

الثانية : أن يصعد أعلى منزله بنية الزيارة ويصلي ركعتين ويؤم بالسلام الى الحسين عليه السلام .
الثالثة : ان يغتسل للزيارة ويلبس أفخر ثيابه وأطهرها ويصعد الى أعلى موضع ، أو الى الصحراء فيستقبل القبلة ، ثم يتوجه الى القبر فيقول :

السلام عليك يا مولاي وابن مولاي ، وسيدي وابن سيدي ، السلام عليك يا مولاي الشهيد بن الشهيد والقتيل ابن القتيل ، السلام عليك ورحمة الله وبركاته ، أنا زائرك يا بن رسول الله بقلبي ولساني وجوارحي ، وان لم ازرك بنفسي مشاهدةً ، فعليك السلام ، السلام عليك يا وارث آدم صفوة الله ، السلام عليك يا وارث نوح نبي الله ، السلام عليك يا وارث إبراهيم خليل الله ، السلام عليك يا وارث موسى كليم الله ، السلام عليك يا وارث عيسى روح الله ، السلام عليك يا وارث محمدٍ صلى الله عليه وآله وسلم حبيب الله ونبيه ورسوله ، ووارث علي أمير المؤمنين ، ووصي رسول الله وخليفته ، ووارث الحسن بن علي ، وصي امير المؤمنين ، لعن الله قاتلك ، وجدّد عليهم العذاب في هذه الساعــــة ، وكل ساعة ، انا يا سيدي متقرب الى الله عزوجل ، والى جدّك رسول الله ، والى ابيك امير المؤمنين ، والى اخيك الحســن ، واليك يا مولاي عليكم سلام الله ورحمته بزيارتي لك بقلبي ولساني وجميع جوارحي ، فكن يا سيدي شفيعي لقبول ذلك مني ، وانا بالبرائة من اعدائك واللعنة لهم وعليهم اتقرب الى الله واليكم اجمعين ، فعليك صلوات الله تعالى ورضوانه ورحمته " .

ثم تتحرك الى يسارك قليلا وتحول وجهك الى قبر علي بن الحسين (ع) وهو عند رجل أبيــه ، وتسلّم عليه مثل ذلك .

ثم ادع الله تعالى بما احببت من أمر دينك ودنياك ، ثم تصلي اربع ركعات ، فإن صلاة الزيارة ثمان ، او ست ، او اربع ، او ركعتان .

ثم تستقبل القبلة نحو قبر ابي عبدالله (ع) وتقول : " أنا مُودّعُــك يا مولاي وابن مولاي وسيدي وابن سيدي ، ومودعك يا سيدي وانبن سيدي ، يا علي بن الحسين ، ومودعكم يا ساداتي يا معشر الشهداء ، فعليكم سلام الله ورحمته ورضوانه " .

الرابع : زيارة زائره حين القدوم او استقباله فإن ذلك مما يحصل به ثـــــواب الزيارة ، كما دلت عليه الاخبار .

الباب العاشر

الخطابات المأثورة المختصة بزيارة الامام الحسيـن عليه السلام


وهي خطابات مأثورة مختصة بزياراته ، ليست بمأثورة في زيارة غيره من الانبياء والائمة صلوات الله تعالى عليهم اجمعين .

وهي اصنــاف :

الصنف الاول : تخصيصه في وصفه غالبا بصفات مصيبته عند قتله ، فإن ذلك دليل على ان الفضيلة الخاصة به لأجل مصيبته .

الصنف الثاني : تخصيصه باصناف خاصة الى الله تعالى مثل : ثار الله ، وقتيل الله ، وذبيح الله ، ووتر الله عز وجل .

الصنف الثالث : تخصيصه بالسلام على الانبياء عند السلام عليه (ع) بخصوصية اسمائهم وصفاتهم ، لكونه مظهرا لهم ، كما ذكرناه في عنوان ما يتعلق منه بالانبياء عليهم الصلاة والسلام .

الصنف الرابع : تخصيصه في زيارته بالتلبية له (ع) ، ففي بعض زياراته بعد السلام عليه " لبيك داعي الله " وتكرير ذلك سبعا ، والوجه في التلبية له انه الداعي الثاني الى الله تعالى بعد جدّه المصطفى (ص) دعى الى الاسلام والشهادتين .

فأظهرهما الله بنصره برعب القلوب وذلك بإمداد الملائكة ، وبحسام أسد الله الغالب (ع) ، وبإعانة بعض أصحابه المجاهديــــن بين يديه .

والحسين (ع) داعي الله الثاني ، دعى الى الايمان والاعتقاد بالامام الحق ، والائمة الراشدين عليهم السلام ، ودعاؤه الى ذلك بشهادته ومظلوميته ، وبكيفية خاصة جرت عليه ، كما اوضحناه في باب دعوته الى الدين .

فهذا الداعي ايضا لابد من اجابته بالتلبية له ، ولما دعى اليه قولا وفعلا ، فلهذا استحبت التلبية له عليه السلام .

ويحسن هنا ذكرالحديث المبارك : " الاسلام محمدي الوجود حسيني البقاء " فلولا تلك النهضة المباركة لما بقي مسلم على وجه الارض ، هكذا شاءت الحكمة الالهية ، والارادة الربانية ، وكي ننهل اكثر من رحمة الله الواسعة والتي يودعها في اوليائه من الاولين والاخرين ، وكما هو بين ايدينا بركات نور واحد من بين انوار اربعة عشر زاهرة وهو النور الحسيني العظيم .

واما تكرار التلبية سبعا ففيه وجوه :

الوجه الاول : ملاحظة حالات المجيب ، فإن الاجابة : بالبدن واليد واللسان والسمع والبصر والقلب وبالرأي والهوى والحب ، فتكون كل تلبية لإجابة .

كما يظهر من عبارة الزيارة ، بعد قوله " لبيك داعي الله " سبعا : " إن كان لم يجبك بدني عند استغاثتك ، ولساني عند استنصارك ، فقد اجابك قلبي وسمعي وبصري ورأيي وهواي " .

يعني اجابك قلبي بحبك ، وسمعي بسماع مصيبتك ، وبصري بالبكاء عليك ، ورأيي بأن احببت عمل من اجابك ، وبدني الان بالمجيء اليك راغبا بكم ، ولساني الان بالسلام عليكم سلام مشتاق لهفان حزين لاجلكم .

الوجه الثاني : ان التلبيات السبع ، اجابات سبع ، لاستنصارات سبعة وقعت منه عليه السلام :

الاستنصار الاول : خاج مكة لما رحل (ع) منها مصبحا ، جاءه العبادلة الاربعة : عبدالله بن عباس ، وعبدالله بن جعفر ، وعبدالله بن الزبير ، وعبدالله بن عمر ، ليمنعوه من التوجه الى العراق ، فكلم (ع) كل واحد بطريق ، واجابهم عليه السلام : بأني مأمور بأمر أنا ماض فيه .

ثم استنصر ودعاهم الى نصرته ، فبعث عبدالله بن جعفر معه ابنيه عونا ومحمداً ، وقال : اني ألحق بكم بعدكم ، وقال عليه السلام : لابن عمر : يا أبا عبدالرحمن اتق الله تعالى ، ولا تدع نصرتي ، فاعتذر بعذر ، وودعه ، فقال : يا ابا عبدالله اكشف لي عن الموضع الذي كان يقبله رسول الله (ص) ، فكشف عن بطنه ، فقبّل فوق قلبه ، وبكى وودعه ومضى .

الاستنصار الثالث : في الطريق من مكة الى كربلاء ، اذ كان يستنصر من يلقاه ، لاتمام الحجة على الناس ، وكان استنصاره تارة بلسانه ، وتارة بإرسال رسول .

ولما علم الناس قلة متابعيه ، وانه يستنصرهم ، أخذ بعض منهم بالاعتذار بتجارته وشؤونه وبضائعه . كما اتفق لبعض من رآه في الطريق وطلب منه النصرة .

وبعض بالاعتذار بضيعته وعياله ، كما اتفق لبعض اخر ، والبعض الاخر وعده بالمجيء بعد ذلك ، وكان بعض الناس اذا علموا انه (ع) نزل منزلا اجتنبوا ذلك المنزل لئلا يطلب منهم النصرة . كما عن جماعة من فزارة وبجيلة
قالوا :
التحقنا بالحسين (ع) بعد الحج ، وكنا نسايره ، فما كان شيء ابغض الينا من ان ننازله في منزل ، وكان اذا نزل على ماء نزلنا على غيره ، وكنا اذا لم نجد بداً من ان ننازله في منزل نزلنا في جانب اخر من ذلك المنزل ، لئلا يدعونا الى نصرته .

اقول : واذا تأملت هذه الحالة رأيتها أعظم مصائبه ، واعظم من ذلك انه كان في بعض الاوقات يراه المترددون في الطريق مستقبلا لهم ، فيتنكبون الطريق ، ويعدلون عنه جانبا ، لئلا يراهم ويكلفهم بنصرته ، كما اتفق لبعض اهل الكوفة .

آه وانما هي من المصائب العظام ، لانه عليه السلام خرج لاجل بقاء الاسلام بل لاظهار الدين الاسلامي بعد ان انمحى او كاد ان يُمحى اثره بالكليه بفعل ائمة الجور والطغيان ، وان جهل الناس بموقفهم هذا من الامام كان مصيبة كبيرة على قلبه الطاهر سلام الله عليه ، ذلك القلب المفطور من تمزق الامة وجهلها وتضييع اتعاب رسول الله جده المصطفى صلوات الله تعالى وسلامه عليه وعلى آله الاطهار .

واعظم من هذا كلام قاله عبيدالله بن الحر الجعفي حين استنصره عند وصوله الى قصر بني مقاتل فنزل هو بفسطاط مضروب .

فقال عليه السلام : لمن هذا الفسطاط ؟ فقيل : لعبيد الله بن الحر الجعفي ، قال عليه السلام : ادعوه إليّ ، فلما أتاه الرسول قال له : هذا الحسين بن علي (ع) يدعوك ، فقال عبيد الله : إنا لله وإنا إليه راجعون ، والله ما خرجت من الكوفة إلا كراهة ان يدخلها الحسين وانا فيها ، والله ما اُريد ان اراه ولا اُريد ان يراني ، فأتاه الرسول فأخبره ، فقام الحسين عليه السلام حتى دخل عليه وسلّم وجلس ، ثم دعاه الى الخروج معه ، فأعاد اليه عبيدالله بن الحر تلك المقالة واستقاله مما دعاه اليه .

ثم قال له الحسين (ع) " ايها الرجل انك مذنب خاطيء ، وان الله عزوجل آخذك بما انت صانع ان لم تتب الى الله تبارك وتعالى في ساعتك هذه فتنصرني ويكون جدي شفيعك بين يدي الله تبارك وتعالى .

فقال : يا بن رسول الله لو نصرتك لكنت اول مقتول بين يديك ولكن هذه فرسي خذها اليك فوالله ما ركبتها قط وانا اروم شيئا إلا بلغته ولا ارادني احد الا نجوت عليها ، فدونك فخذها .

فأعرض عنه الامام الحسيـن عليه السلام بوجهه ثم قال (ع) " لا حاجة لنا فيك ولا في فرسك وما كنت متخذ المضلين عضدا ، ولكن فرّ ، فلا لنا ولا علينا ، فإنه من سمع واعيتنا أهل البيت ثم لم يجبنا كبّه الله على وجهه في نار جهنم ، وفي بعض الاخبار انه قال : لاحاجة لي بفرسك فإني لا افر من احد ولا الحق مدبرا .

ثم قام الحسين (ع) من عنده حتى دخل رحله ، ثم تداخله الندم بعد ذلك حتى كادت نفسه ان تفيض
فقال :

فيا لك حسرة مادمت حيا ** تردد بين حلقي والتراقي
حسيــن حين يطلب بذل نصري ** على اهل الضلالة والنفاق
غذاة يقول لي بالقصر قولا ** اتتركنا وتزمع (تعزم) بالفراق
ولو اني اواسيه بنفسي ** لنلت كرامة يوم التلاقي
مع ابن المصطفى نفسي فداه ** تولّى ثم ودّع بانطلاق
فلو فلق التلهف قلب حي ** لهمّ اليوم قلبي بانفلاق
فقد فاز الالى نصروا حسينـاً ** وخاب الاخرون ذوو النفاق

ولم تؤثر استنصاراته عليه السلام في الطريق إلا في زهير بن القين فإنه كان من فزارة وبجيلة يجانبون الامام الحسين (ع) حتى نازلوه في منزل ونزلوا عنه جانبا .

قال اصحابه : فبينا نحن نتغدى من طعام لنا اذ أقبل رسول الحسين (ع) وسلّم ، ثم دخل ، والتفت الى زهير فقال : يا زهير بن القين ان ابا عبدالله الحسين (ع) بعثني اليك لتأتيه ، فطرح كل انسان منـّا ما في يده ، حتى كأنما على رؤوسنا الطير ، كراهية ان يذهب زهير الى الحسين (ع) ، فقالت له امرأته : قال السيد وهي ديلم او دلهم بنت عمرو : سبحان الله ، ايبعث اليك ابن رسول الله (ص) ثم لا تأتيه ؟! ، لو أتيته فسمعت كلامه ثم انصرفت .

فأتاه زهير بن القين ، فما لبث ان جاء مستبشرا قد اشرق وجهه ، فأمر بفسطاطه وثقله ومتاعه فقوض ( اي نزع اعواده واطنابه ) وحمل الى جهة الحسين عليه السلام .

ثم قال لامرأته : انت طالق إلحقي بأهلك ، فإني لا احب ان يصيبك بسببي إلا خيراً ، وقد عزمت على صحبة الحسين عليه السلام لأفديه بروحي وأقيه بنفسي ، ثم اعطاها مالها وسلّمها الى بعض بني عمومتها لوصلها الى اهلها . فقامت اليه ، وبكت وودعته ، وقالت : خار الله لك ، أسألك ان تذكرني يوم القيامة عند جد الحسين عليه السلام .

ثم قال لاصحابه : من احبّ منكم ان يتبعني ، والا فهو اخر العهد مني سأحدثكم حديثا : إنا غزونا البحر ففتح الله علينا ، واصبنا غنائم ، فقال لنا سلمان الفارسي رضوان الله تعالى عليه وصلواته : افرحتم بما فتح الله عليكم ، واصبتم من الغنائم ؟ فقلنا : نعم ، فقال لنا : اذا ادركتم سيد شباب آل محمد )ص) فكونوا اشدّ فرحا بقتالكم معه مما اصبتم اليوم من الغنائم ، فأما أنا فأستودعكم الله تعالى" .

قالوا : ثم والله مازال في القوم حتى قـُتل رضوان الله عليه .
الاستنصار الرابع : استنصاره بإرسال الكتاب الى اعيان اهل البصرة وكان اسم الرسول سليمان ، وكنيته ابو رزين والكتاب هذا :

بسم الله الرحمن الرحيــم ، من الحسين بن علي الى أشراف البصرة ووجوهها ، إني ادعوكم الى كتاب الله عزوجل والى سنة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم ، وان السنّة قد اُميتت وان البدعة قد اُحييت، فإن تجيبوا دعوتي وتطيعوا امري اهدكم الى سبيل الرشاد والسلام .

فلما بلغ الكتاب اليهم ، جمع يزيد بن مسعود النهشلي من تميم وبني قحطبة وبني سعد ، وخطب فيهم ووعظهم ، وكان من خطبته لهم :

هذا الحسين بن علي (ع) ابن رسول الله (ص) ذو الشرف الاصيل ، والرأي الأثيل ( الاصيل ) له فضل لا يوصف ، وعلمٌ لا ينزف (لا يفنى) وهو أولى بهذا الامر ، لسابقته وقدمه وقرابته ، يعطف على الصغير ، ويحسن الى الكبير ، فأكرم به راعي رعية ، وإمام قومٍ وجبت لله به الحجة ، وبلّغت به الموعظة ، فقد تحملتم ذنوبا يوم الجمل فاغسلوها بنصرة ابن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .

فأجابوه وعزموا على الخروج اليه ، فلما تجهز للمصير بلغه قتله عليه السلام قبل ان يسير .

الاستنصار الخامس : استنصاره من اشراف الكوفة ممن كان يظن انه على رأيه وهو :

بسم الله الرحمن الرحيم
من الحسين بن علي (ع) الى : سليمان بن صرد الخزاعي ، والمسيب بن نجية ، ورفاعة بن شداد ، وعبدالله بن وال، وجماعة المؤمنين .

اما بعد فقد علمتم ان رسول الله (ص) قال في حياته : " من رأى سلطانا جائرا ، مستحلا لحرام الله ، ناكثا لعهد الله ، مخالفا لسنّة رسول الله (ص) ، يعمل في عباد الله تعالى بالاثم والعدوان ، ثم لم يغيّر بقول ولا فعل ، كان حقيقاً على الله تعالى ان يُدخله مدخله .

وقد علمتم ان هؤلاء القوم قد لزموا طاعة الشيطان ، وتولّوا عن طاعة الرحمن ، وأظهروا الفساد ، وعطّلوا الحدود ، واستأثروا بالفيء ، وأحلّوا حرام الله ، وحرّموا حلال الله ، واني احقُ بهذا الامر لقرابتي من رسول الله (ص) وقد اتتني كتبكم ، وقدمت عليّ رسلكم ببيعتكم ، انكم لا تسلموني ولا تخذلوني ، فإن وفيتم ببيعتكم ، فقد اصبتم حظكم ورشدكم ، ونفسي مع انفسكم ، واهلي وولدي مع اهاليكم واولادكم ، فلكم بي اسوة ، وان لم تفعلوا ونقضتم عهودكم وخلعتم بيعتكم ، فلعمري ما هي منكم بنكر ، لقد فعلتموها بأبي وأخي وابن عمي ، والمغرور من اغتر بكم ، فحظكم اخطأتم ونصيبكم ضيّعتم ، ومن نكث فإنما ينكث على نفسه ، وسيغني الله عنكم والسلام .

ثم طوى الكتاب وختمه ودفعه الى قيس بن مُسهِر الصيداوي فلما قارب دخول الكوفة اعترضه الحصين بن نمير التميمي ، فقبض عليه ليفتشه ، فأرخرج قيس الكتاي فخرّقه اي مزّقه ، فحمله الحصين الى ابن زياد لعنه الله ، فلما مثل قيس بين يديه قال له : من انت ؟ قال : انا رجل من شيعة امير المؤمنين بن ابي طال عليهما السلام وابنه الامام الحسين علسه السلام ، قا ابن زياد : لماذا خرّقت الكتاب ؟ قال قيس " لئلا تعلم ما فيه ، قال ابن زياد : وممن الكتاب ؟ والى من ؟ قال قيس : من الحسين بن علي (ع) الى جماعة من اهل الكوفة لا اعرف اسماءهم .

فغضب ابن زياد ، وقال له : والله لا تفارقني حتى تخبرني بأسماء هؤلاء القوم او تصعد المنبر وتلعن الحسين بن علي واباه واخاه ، والا قطّعتك اربا اربا ، فقال قيس : اما القوم ، فلا اُخبرك بأسمائهم .

واما لعنة الحسين وابيه واخيه فأفعل ، فصعد المنبر وحمد الله تعالى واثنى عليه ، وصلى على النبي صلى الله عليه واله وسلم ، واكثر من الترحم على علي ووُلده صلوات الله تعالى علهم اجمعين ، ثم لعن عبيد الله بن زياد لعنه الله ، ولعن اباه لعنه الله ، ولعن عتاة بني امية عن اخرهم .

ثم قال :

انا رسول الحسيــن عليه السلام اليكم ايها الناس ، ان الحسين بن علي خير خلق الله ، وابن فاطمة الزهراء بنت رسول الله عليها السلام ، وانا رسوله اليكم ، وقد خلّفته بالحجاز فأجيبوه وقد خلفته بموضع كذا فأجيبوه.

فأمر به عبيد الله بن زياد ان يُرمى من فوق القصر ، فرُمي به صلوات الله عليه فتقطع .

وروي : انه وقع على الارض مكتوفا فتكسرت عظامه وبقي به رمق ، فأتاه رجل يقال له عبدالملك بن عمير اللخمي فذبحه ، فقيل له في ذلك وعِيب عليه ، فقال : اردت أن اُريحه .

الاستنصار السادس : استنصاره عليه السلام من الذين جاؤوا لقتاله ، لاتمام الحجة عليهم ، فاستنصر الحر وعسكره حين تلقوه وحبسوه عن الرجوع تارة ، واستنصر عمر بن سعد لعنه الله في الليلة السادسة .

اما الاول فانه (ع) لما استقبلوه سقاهم ، ثم سايروه ، ولم يزل الحر موافقا للحسين (ع) حتى حضرت صلاة الظهر .

فأمر الحسين (ع) الحجاج بن مسروق الجعفي ان يؤذن بالناس ، فأذّن الحجاج ، فلما حضرت الاقامة خرج الحسين عليه السلام في ازار ورداء ونعلين متكئا على قائم سيفه .

فاستقبل القوم وحمد الله واثنى عليه

ثم قال : ايها الناس ، اني لم آتكم حتى أتتني كتبكم ، وقدمت عليّ رسلكم ان اقدم علينا فإنه ليس لنا امام ، ولعل الله أن يجمعنا واياكم على الهدى والحق .

فإن كنتم على ذلك ، فقد جئتكم ، فاعطوني ما أطمئن به من عهودكم ومواثيقكم ، وان لم تفعلوا وكنتم لقدومي كارهين انصرفت عنكم الى المكان الذي جئت منه اليكم .

فسكتوا عنه ، ولم يتكلموا كلمة ، فقال (ع) للمؤذن : أقم ، فأقام الصلاة ، فقال الحسين (ع) للحر : أتريد ان تصلي بأصحابك ؟ قال الحر : لا ، بل تصلي انت ونصلي بصلاتك .

فصلى بهم الامام الحسين عليه السلام وبعد فراغه دخل الخيمة ، فاجتمع اليه اصحابه ، وانصرف الحر الى مكانه الذي كان فيه ، ودخل خيمة قد ضُربت له ، واجتمع اليه خمسمائة من اصحابه .

وعاد الباقون الى صفهم الذي كانوا فيه فأعادوه ، ثم أخذ كل منهم بعنان فرسه وجلس في ظلها من شدة الحر .

ولما كان وقت العصر ، أمر الحسين (ع) ان يتهيئوا للرحيل ، ففعلوا ثم أمر مناديه فنادى بالعصر ، واذنّ واقام .

فاستقدم الحسين (ع) ، فقام وصلى بالقوم صلاة العصر ، ثم سلّم وانصرف بوجهه اليهم ، فحمد الله واثنى عليه ،
فقال :

" أما بعد ، ايها الناس انكم ان تتقوا الله ، وتعرفوا الحق لاهله ، يكن ارضى لله عنكم ، ونحن اهل بيت محمد صلى الله عليه واله وسلم ، وأولى بولاية هذا الامرعليكم من هؤلاء المدّعين ما ليس لهم ، والسائرين فيكم بالجور والعدوان ، وان أبيتم إلا الكراهية لنا والجهل بحقنــــا ، وكان رأيكم الآن غير ما أتتني به كتبكم وقدِمت به عليّ رسلكم ، انصرفت عنكم"

فقال الحر : انا والله ما ادري ما هذه الكتب والرسل التي تذكرونها ؟

فقال الحسين عليه السلام لبعض اصحابه : اخرج الخُرجين اللذين فيهما كتبهم إليّ ، فأخرج خرجين مملوئين فنثرت بين يديه .

فقال له الحر : لسنا من هؤلاء الذين كتبوا اليك ، وقد اُمرنا أنّا إذا لقيناك لا نفارقك حتى نُقدمك الكوفة على عبيد الله بن زياد .

فقال الحسين عليه السلام : الموت ادنى اليك من ذلك .

واما استنصاره ابن سعد - لعنه الله -، فان الامام الحسين صلوات الله تعالى عليه ارسل اليه اني اُريد ان اكلمك فالقني الليلة بين عسكري وعسكرك .

فخرج اليه ابن سعد - لعنه الله - في عشرين ، وخرج اليه الامام الحسين عليه السلام في مثل ذلك ، فلما التقيا امر الحسين (ع) اصحابه ، فتنحوا وبقي أخوه العبــــاس وابنه علياً الاكبر عليهما السلام ، وامر عمر بن سعد لعنه الله اصحابه فتنحوا عنه ، وبقي معه ابنه حفص وغلام له .

فقال له الحسين (ع) " ويلك يا بن سعد ، اما تتقي الله الذي اليه معادك ؟
اتقاتلني وانا ابن من علمت ؟! ذر هؤلاء القوم وكن معي ، فإنه اقرب لك الى الله تعالى .

فقال عمر بن سعد لعنه الله : اخاف ان تهدم داري .

فقال الحسين عليه السلام : انا اخلفك عليك خيرا منها ، من مالي بالحجاز .

فقال عمر : لي عيال بالكوفة ، واخاف عليهم .

فقال الحسين عليه السلام : انا اضمن سلامتهم ، ثم سكت عمر ولم يجبه بشيء .
فانصرف الحسين صلوات الله عليه عنه ، وهو يقول : مالك ؟ ذبحك الله على فراشك سريعا ، عاجلا ولا غفر لك يوم حشرك ونشرك ، فوالله اني لأجو ان لا تأكل من بر العراق الا يسيرا .

فقال ابن سعد - لعنه الله - في الشعير كفاية عن البر ، مستهزءاً بذلك القول .

اقول : ان الامام الحسين لا حاجة له لأحد ، فكيف باعدائه ، ولكن ذلك الموقف وغيره لإلقاء الحجة عليهم في الدنيا .

الاستنصار السابع : استنصار له (ع) بعد ما حوصر في كربلاء ، وبلغ عدد الخيل والرجال ثلاثين الفا ، وحالوا بينه وبين الماء .

فجاء حبيب بن مظاهر صلوات الله عليه الى امامه الحسين صلوات الله عليه ، وقال له : " يا بن رسول الله ، ان هنا حياً من بني اسد بالرب منا ، أتأذن لي بالمصير اليهم فأدعوهم الى نصرتك ؟ فعسى الله ان يدفع بهم عنك بعض ما تكره " ؟ قال الحسين عليه السلام : قد اذنت لك .

فخرج اليهم في جوف الليل سراً ، حتى صار اليهم ، فعرفوا انه من بني اسد .

فقالوا له : ما حاجتك ؟ قال اني قد اتيتكم بخير ما اتى به وافد الى قوم ، اتيتكم ادعوكم الى نصرة ابن بنت نبيكم ، فانه في عصابة من المؤمنين ، الرجل منهم خير من ألف رجل ، لن يخذلوه ولن يسلّموه ابداً ، وهذا عمر بن سعد - لعنه الله - قد احاط به ، وانتم قومي وعشيرتي ، وقد اتيتكم بهذه النصيحة ، فأطيعوني اليوم في نصرته تنالوا به شرف الدنيا وحسن ثواب الآخرة .

فإني اُقسم بالله تعالى لا يُقال منكم في سبيل الله مع ابن بنت رسول الله (ص) صابرا محتسبا إلا كان رفيق محمد المصطفى صلى اله عليه وآله وسلم في أعلى عليين .

فوثب اليه رجل من بني اسد يقال له عبدالله بن بشير فقال له : أنا اول من يجيب الى هذه الدعوة ، فعجّل يرتجز و هو يقول :

قد علم القوم اذا تواكلوا ** واحجم الفرسان اذ تثاقلوا
أني الشجاع البطل المقاتل ** كأنني ليث عرين باسل

ثم تبادر رجال اخرون ، حتى التأم منهم تسعون رجلا فأقبلوا يريدون الحسين إمامهم عليه السلام .

وخرج رجل في ذلك الوقت من الحي وصار الى عمربن سعد - لعنه الله - فأخبره بالحال ، فدعى ابن سعد رجل من اصحابه يقال له الازرق بن الحرث الصداوي ، فضم اليه اربعمائة فارس ووجّه به الى حي بني اسد .

فبينما اولئك القوم قد اقبلوا في جوف الليل مع حبيب يريدون عسكر الحسين عليه السلام ، اذ استقبلتهم خيل ابن سعد لعنه الله ، على شاطيء الفرات .

وكان بينهم وبين عسكرالحسين (ع) اليسير ، فتناوش الفريقان ( اي اخذ بعضهم بعضا ) واقتتلوا قتالا شديدا ، فصاح حبيب بن مظاهر بالازرق : ويلك مالك وما لنا انصرف عنا ودعنا يشقى بنا غيرك .

فأبى الازرق ان يرجع ، وعلمت بنو اسد انه لا طاقة لهم بالقوم ، فانهزموا راجعين الى حيّهم ، ثم انهم ارتحلوا في جوف الليل خوفا من ابن سعد - لعنه الله - ان يبيتهم ، ( اي : يصيبهم ويأخذهم بغتة في الليل ) .

ورجع حبيب بن مظاهر صلوات الله تعالى عليه ، الى الحسين صلوات الله عليه ، فأخبره بذلك ، فقال الامام الحسين عليه السلام : لا حول ولا قوة الا بالله .

وهذا اخر استنصاراته ، وقد يئس بعد ذلك من الناصر ، وعلم انه لا ينصره احد ، وان الجهاد الذي هو للانتصار والظهور على الاعداء قد سقط عنه ، وانه قد تمحض تكليفه بجهاد خاص ، وهو الجهاد والقتال ليقتل ، فجمع اصحابه يخبرهم بأنه لا ناصر له ، وان التكليف بالجهاد للنصر واحتمال الغلبة قد ارتفع ، وانه لا تكليف عليهم بذلك .

فقام خطيبا فيهم عليه السلام ، وهو مكسور القلب ، منقطع الرجاء
فقال لهم :

انه قد نزل من الامر ما ترون ، وان الدنيا قد تغيّرت ، وأدبر معروفها ........ الى اخر ما قال سلام الله عليه .

ومضمونه انه لا رجاء لي بعد في الاستنصار من اي احد ، بل قد يئست من نصرة الناس ، وقد خذلني جميع الناس ، ولا ذمام عليكم مني في التكليف بالجهاد معي للانتصار ، ولا الظهور على الاعداء ، واحتمال الغلبة ، بل قد قدّر الله تعالى القتل لي ، ولمن معي .

فمن وطّن نفسه على ذلك فليبايع للقتل معي ، ومن لا يرغب في ذلك فلينصرف في هذا الليل البهيم ، فلا مقصود للقوم غيري .

فتكلم اصحابه بكلمات عجيبة ، نذكر تفصيلها في عنوان الشهداء ، وبايعوه البيعة الثانية على ذلك .

الوجه الثالث : ان التلبيات السبع ، اجابات سبع ، لاستغاثات سبع ، كانت لامور خاصة ، لم يغثه احد فيها .

فأولا : استغاث لسقي جميع اهله واصحابه .

وثانيا : استغاث لسقي انساء والاطفال ، وقال عليه السلام : انهن ليس عليهن جناح ، او انهن لن يقاتلنكم .

وثالثا : استغاث لسقي الطفل الرضيع (ع) فقط ، فقال عليه السلام : اما من احد يأتينا بشربة من الماء لهذا الطفل ؟ ثم قنع بأن يسقوه ، فقال : اسقوا هذا الرضيع .

ورابعا : استغاث لئلا ينهبوا حرمه ، مناديا " يا شيعة آل أبي سفيان .......... " مقولته المشهورة .

وقال عليه السلام : " اقصدوني بنفســــي واتركوا حرمي " .

وخامسا : استغاث لا لئلا ينهبوا الخيام بل لان يمهلوهم ساعة فقال : رحلي لكم عن ساعة مباح .

وسادسا : استغاث وهو مطروح لئلا يحرقوا اهله وحرمه ، فانه سمع شمرا لعنه الله يقول : عليّ بالنار اُحرقه على من فيه ، فاستغاث عليه السلام ونادى : يا بن ذي الجوشن انت الداعي بالنار لتحرق الخباء على اهلي .

وسابعا : استغاث صلوات الله تعالى عليه وهو في اخر رمق لقطرة من الماء ، فحزوا رأسه وهو في هذه الاستغاثة .

فإذا لم يجبه احد لهذه الاستغاثات السبع ، ناسب ان يلّبوا له (ع) اولياؤه بعددها ، فيفوزوا بثواب اغاثته عليه السلام في تلك الحالات اذا لاحظوها في تلبيتهم .
الوجه الرابع : وما أدراك ما الوجه الرابع ، ان التلبيات السبع ، اجابات سبع ، لاستغاثات سبع ، وقعت منه ، لاصل حالته ، وخذلان الناس عنه ، وعدم الاعتناء به ، وكربته ، وغربته ، ووحدته ، بلا طلب شيء خاص من احد .
وهذه هي التي سماها بالواعية ( الواعية اي : الصارخة ) وقد حصل لها تأثيرات خاصة .

فكل واحدة من هذه الاستغاثات ، لها تحريك خاص ، وتأثير خاص ، وحصل بها انقلابات ، وتغير اوضاع مخصوصة ، فاستمع لها فانها الى الان تدور على اسماع محبيه ، والموالين له .

فاذا علت اصوات الاستغاثة فاستمعوا لها ، وانصتوا ، واجيبوا داعي الله بالتلبية رحمة له عليه السلام لعلكم ترحمون .

الاستغاثة الاولى : حين التقى العسكران ، انزل الله تعالى النصر على الحسين عليه السلام ، وكانت رايات النصر ترفرف على رأسه ، فاختار لقــــــاء الله تبارك وتعالى .

ثم استغاث لاتمام الحجة ، فأحدثت هذه الحالة همّة خاصة ، وحركت عزما خاصا لاصحابه ، علاوة على بنائهم وعزمهم على المقاتلة .

فصاروا يتهافتون على ذهاب الانفس ، وحصل لهم كيفية استعجــال وتلهب ، وتأسف وبكاء ، وانقلاب حال سنذكره في عنوان الشهداء .

فلبوا تأسيا بهم وقولوا : إن كان لم يجبك بدني مثل الشهداء حين استغاثتك ، ولساني عند استنصارك ، فقد أجابك قلبي بحب عملهم ، وبصري بالبكاء ، الى آخر ما في الزيارة ، فإذا لبيت لذلك فتهيأ لاستماع :

الاستغاثة الثانية : فقد علا صوته المبارك عليه السلام لما اشتد الامر عليه ، واستحر القتل في الاصحاب ، والاضطراب في النساء ، وصعب الامر عليه

فصاح مستغيثا : " هل من ذاب يذب عنا " ، فأثر ذلك في النساء اللاتي كن معهم ، فحركت هذه الاستغاثة همة النساء ، فبذلن اولادهن ورجالهن وانفسهن حتى قتل بعضهن ، كما سيجيء ذلك في عنوان الشهداء إن شاء الله .

ثم هذه الاستغاثة الاولى حركت همة العجائز ، فأجبنه بالتلبية ، ببذل الأعز من أنفسهن ، أعني شبابهن وأفلاذ أكبادهن .

أفلا تتحرك همتك اذا زرته!! ، وتصورت ذلك ؟ فتجيب الاستغاثة الاولى بالتلبية الاولى

وتقول : لبيـــك يا داعي الله تعالى ، إن لم يجبك بدني عند استغاثتك ولساني عند استنصارك ، فقد اجابك قلبي ، فإذا لبيت الثانية فاستمع
فقد علت :

الاستغاثة الثالثة : لما قتلوا جميعا ، وبقي صلوات الله عليه وحده ، وخرج عازما على لقاء الله تعالى ، جاء قبال القوم ، وهو راكب فرسه ، فنظر عن يمينه فلم ير أحدا ، وعن شماله فلم ير أحدا .

ورأى قدّامه أصحابه وأهل بيته صلوات الله عليهم اجمعين مطروحين ، ووراءه عياله واطفاله ومن معه من النسوة بتلك الحالة .

فصاح سلام الله عليه : اما من مغيث يغيثنا لوجــه الله عزوجل ؟ هل من معين يرجو ما عند الله في إعانتنا ؟

فأثرت هذه الاستغاثة في نفاذ صبر النساء لما سمعن ذلك ، فأخذن بالعويل والصراخ كلهن دفعة واحدة ، الى ان بلغ صوتهن موقفه ، فرجع عليه السلام وقال : مهلاً لا يشمت القوم بنا ، فإن البكاء امامكن .

فهذه الاستغاثة قد اخرجت اصوات نسائه ، فصعب عليه ذلك ، حتى رجع اليهن لاسكاتهن ، فهل تلبّون له صارخين بالعويل ؟ فانه عليه السلام يفرح بذلك ، ويجبر قلبه ذلك ، فلبّ له قائلا بقلبك ولسانك : لبيك داعي الله ، ملاحظاً هذه الاستغاثة.

وبعد ذلك لما اشتدت الحالات منه (ع) ، وتواردت المصائب متتابعة الى ان وقع طريحا جريحا مصاباً ، علت :

الاستغاثة الرابعة : منه ، فأثرت في حالة الامام سيد الساجدين علياً عليه السلام تأثرا أقامه من فراشه ، مع انه مريض ولا يقدر على ان يقبل بنفسه ، وليس عليه جهاد .

لكن حرّكته خصوصية تأثير هذه الاستغاثة ، فأخ بيده عصا يتوكأ عليها ، وسيفاً يجره في الارض ، فخرج من الخيام .

وخرجت ام كلثوم خلفه تنادي : يا بني ارجع ، وهو يقول : يا عمتاه ذريني أقاتل بين يدي ابن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم ، فقال الحسين عليه السلام : خذيه لئلا تبقى الارض خالية من نسل آل محمـــد صلوات الله عليه وآله ، فأرجعته أم كلثوم عليها السلام .

فلبّ انت لأجل المصيبة الرابعة ، وعجّل فقد تتابعت المصائب عليه (ع) ، وعلا منه صوت :

الاستغاثة الخامسة : وهو (ع) طريح جريح مرمل مدمى عطشان قد اعياه حر الجراح والشمس والبلايا ، فأثرت في الاطفال فخرج طفـــــــلان من الخيام لاغاثته سلام الله عليه.

احدهما طفل : خرج وفي اُذنيه درّتان ، وهو مذعور ، يلتفت يمينا وشمالا فلما بعُد قليلا من الخيام ، ضربه هانيء بن ثبيت لعنه الله ، علي رأس ذلك الطفل المحمدي فقتله هناك ، وامه تنظر اليه ولا تتكلم كالمدهوشة .

وثانيهما : عبدالله بن الحسن عليهما السلام ، وهو ابن احدى عشرة سنة ، لما رأى عمّه طريحا مستغيثا لبّى له وخرج اليه.

فنادى الحسين عليه السلام : يا أختاه احبسيه ، فأرادت حبسه ، فقال : والله لا اُفارق عمّي ، فذهب اليه ، وجاهد عنه ، حتى قطعت يده المباركة ، ثم قـُتل على ما سيجيء تفصيله في عنوان اهل البيت صلوات الله عليهم .

فإذا لبيت له التلبية الخامسة ، فعجّل
فإنه قد علت منه :

الاستغاثة السادسة : لما تهيؤوا لقتله عليه السلام وهو طريح ، فأثرت هذه الاستغاثة في زينب الكبرى عليها السلام اخته ، واخرجتها الى المقتل صائحة، وقيل : حاسرة حافية .

واعظم من ذلك انها جاءت تستنصر ابن سعد لعنه الله تعالى ، فقالت صلوات الله عليه : يا ابن سعد ، أيقتل أبو عبدالله ، وانت تنظر اليه ؟ وهذه الحالة أبكت ابن سعد لعنه الله ، حتى فاضت دموعه على لحيته ، وصرف وجهه عنها .

فلبّ السادسة أنت ، فقد اشتد الامر ، وبلغت الشدة نهايتها ، وتحققت من كل الاستغاثات :

الاستغاثة السابعة : وقد علا صوتها بطريق خاص ، وعبارة خاصة ، ونحو خاص ، ووقت خاص ، وحالة خاصة وخيمة ، فأثرت لا في أشخاص خاصين ، كالاستغاثات السابقة .

بل أثرت في جميع الموجودات ، وحركت جميع المخلوقات ، وذعُر لها الناس وخضعوا ، وزلزلت جميع العالمين من السماوات والارضين ، وما فيهن وما بينهن ، وأخرجت كل مستقر من مستقره ، وحركت كل ساكن من مسكنه ، والعرش العظيم وما حوله ، ومن حفّ به وما فوقه وما بينهن ، وحركت اجزاء الجنة ومن فيها ، والنار ومن فيها ، وجميع ما يُرى وما لا يُرى .

ونفضي بيان خصوصياتها في عنوان شهادته بإشارة ، وإلا فيعزّ عليّ ان اُحرره ببياني ، او اُقرره بلساني ، أو أتصوره في جناني ، فإذا لاحظتها بنحو الإجمال ، فأقتد بجميع ما خلق الله تعالى ، ولبّ له الان السابعة :

لبيــــك داعي الله تعالى ، إن لم يجبك بدني عند استغاثتك ، فإني اجيبك الان ، بقلبي ، وسمعي ، وبصري ، ونحيبي ، وزفرتي ، وعويلي ، وشهيقي ، وبكائي ، وانقلاب أحوالي ، وجميع ما يتعلق بي ، يا حسين يا إمامــــي ،

وحقق ذلك من نفسك ختاما - هو مسك - اذا تحققت منك التلبيات السبع ، للاغاثات السبع ، وأغثته بتلبيتك له ملاحظاً ما ذكرناه .

فاعلم إن الاغاثة بالاغاثة ، والاجابة بالاجابة ، بل التلبية بالتلبية ، فأن لك حالات سبع ، لك فيه استغاثات سبع ، لا مغيث لك فيها ، ولا تجد لاستغاثاتك مغيثا ابدا ، نعم اذا أجبت الامام الحسين عليه السلام ، ولبّيت له كما فصلناه ، فهو ايضا يغيثك ، ويجيبك ، بل يلبي لك في استغاثاتك السبع ، بإغاثات تنفعك ، وتخلصك من تلك الحالات الباعثة على :

الاستغاثة الاولى : من استغاثتك في حالة احتضارك ، ( إذا بلغت التراقي ، وقيل من راقٍ ، وظن أنه الفِراق ، والتفت الساق بالساق ) فمن حالاتك حينئذ الاستغاثة ، بنصرة الحفدة ، والاقرباء ، والآباء ، والابناء ، والاعزة والقرناء ، والاصداق ، والاطباء ، ولا ينفعك احدهم ابدا ، فاذا كنت قد لبيت استغاثة هذا الداعي الى الله تعالى ، فلعله عليه السلام يحضرك ليغيثك ، من دون استغاثة ، ويسكن اضطرابك ، بل يلبي لك تلبية صادقة منجية سريعة نافعة ،
الاستغاثة الثانية : لك حين خروجك من قبرك عاريا ذليلا حاملا ثقلك على ظهرك ، تنظر عن يمينك واخرى عن شمالك ، فلا ترى احدا تستغيث به ، فاذا كنت ملبيا استغاثة هذا الذبيح لله ، فلعلك حين تنظر تراه قدامك ، او تراه وهو يتفحص عنك ، أو ترى جدّه صلى الله عليه واله وسلم والروح الامين عليه السلام يتفقدانك ، ليأخذا بيدك فلا تنظر يميناً وشمالاً بعد ذلك ،

وكما جاء :" من سرّه ان ينظر الى الله تعالى يوم القيامة وتهون عليه سكرة الموت وهل المطلع فليكثر من زيارة قبر الامام الحسين عليه السلام فإن زيارة الحسين (ع) زيارة قبر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم " ،
الاستغاثة الثالثة : لك استغاثتك من العطش الاكبر في يوم مقداره خمسون ألف سنة ، والشمس تصهر الرؤوس في ذلك الزمان ، اذ لا مغيث لها .

فاذا كنت لبيت لساقي الحوض عند استغاثته من العطش ، فلا بد أن يلبى لك عند استغاثتك من العطش ، فيسقيك بشربة لا تظمأ بعدها ابداً .
وقد جاء : إن الزائر له لا يتناهى له دون الحوض وامير المؤمنين (ع) قائم على الحوض يصافحه ويرويه الماء ...... " .

الاستغاثة الرابعة : حين يدور عليك خصماؤك ، وتفر من كل ذي حق ، وتفر من اخيك واك وابيك ، اللذين هما أرأف الناس بك .

فتستغيث فتبقى مأيوسا من كل أحد ، وتتحير حينئذ بمن تستغيث بعد ما تفر من امك وابيك .

فاذا كنت ملبيا لاستغاثة صاحب المصيبة الرابعة فلعلك تراه يغيثك هناك، ويصلح لك أمرك مع خصمائك ، ومطالبيك بالحقوق حتى والديك .
الاستغاثة الخامسة : اذا صدر الامر من الله سبحانه بالامتيار ، ونودي : ( وامتازوا اليوم أيها المجرمون ) وحصلت لكل واحد من المجرمين سمة ، يمتاز بها . فلعل نور ميسم زائر الحسين عليه السلام يمنع ظلمة سمة المجرم الحاصلة عند الامر بالامتياز ، وانقطاعه عن الاستغاثة .
الاستغاثة السادسة : اذا صدر الحكم من الله الواحد القهار ، بالاخذ الى النار ، إما بالخطاب الى الملائكة : خذوه ، أو الى النار : خذيه ، فيُبكم لسانه عن الاستغاثة .

فلعلك اذا لبّيت لاستغاثته يُلبّي لك حين تريد الاستغاثة ، ولا ينطلق لسانك بها .

الاستغاثة السابعة : لك اذا لم يحصل لك ما يخلصك في محشرك ، ودخلت النار ، والعياذ بالله ، وهي بأحد كيفيات دخولها ، فعند ذلك تستغيث تارة بالخزنة ، وتارة بمالك ، وتارة بالمتكبرين الذين دخلت النار بسببهم ، ولا تنفعك هذه الاستغاثات ، بل يزيدك جوابهم لك عذابا ، مع ان الاستغاثة الجزئية لتخفيف يوم ، وبمالك لأن يقضي عليك بالموت ، وبالمتكبرين ليغنوا عنك من الله تعالى من شيء ، ولو ساعة ، او نوعا من العذاب .

لكن الامام الحسين عليه السلام بحسب وعده يزور زائره ، فاذا تأخرت الى ذلك الزمان لبعض الحكم والتأثيرات التي لا تغيّر ولا تبّدل ، فلا بد أن يزورك هناك ، فتنطفيء بزيارته لك النيران المتوقدة عليك ، ويرتفع عنك العذاب ، ويأخذك معه الى دار الثواب وحسن المآب .

الصنف الخامس : من الخطابات المختصة بالحسين عليه السلام عند زيارته هو السلام على أعضائه واحداً واحداً والوارد في سائر الزيارات السلام على المزور بذكر اوصافه ، وفي بعضها السلام على روحك وبدنك .

ولكن من خصوصيات الامام الحسين عليه السلام : السلام الخاص على اجزاء بدنه بالخصوص ، فيسلّم على رأسه المبارك على حدة ، وعلى وجهه الازهر على حدة ، وعلى خذه التريب على حدة ، وعلى شفتيه مستقلا ، وعلى ثغره على حدة ، وعلى شيبه على حدة ، وعلى دمه الزاكي على حدة ، وعلى صدره مستقلا ، وعلى ظهره مستقلا ، وعلى قلبه على حدة ، وعلى كبده على حدة .
ومن خصوصياته في هذه خصوصية : ان السلام على كل جزء منه يقع على وجوه :

ففي الســلام على رأسه الشريف قد يقال : السلام على الرأس المرفوع ، وقد يقال السلام على الرأس المقطوع ، وقد يقال السلام على الرأس المنصوب ، وقد يقال السلام على الرأس المقطوع ، وقد يقال السلام على الرأس الموضوع ، وقد يقال السلام عل الرأس المُدّمـــى ، وقد يقال السلام على الرأس المسلوب ، وقد يقال السلام على الرأس الأزهـــر الأنور الأبهج الهادي لدين جده المصطفى محمداً صلوات الله عليه وآله وسلم .

وفي السلام على النحــــر: قد يقال النحر المنحور ، وقد يقال النحر المقطوع ، وقد يقال النحر المضروب ، وقد يقال النحر المرضوض بحوافر الخيل وقد يقال النحر الأقدس .

وفي السلام على الجسد : قد يسلم على الجسد التريب ، وقد يسلم على الجسد الخضيب ، وقد يسلّّم على الجسد السليب ، وقد يسلم على الجسد المجروح المطروح ، وقد يسلم على الجسد المقطع المُدمى ، وقد يسلم على الجسد المرضض تكرارا وتكرارا ، وقد يسلم على الجسد المتفرق ، وقد يسلم على الجسد المشرق نوراً كالشمس يطغى على رؤيته .

ومن خصوصياته في هذه الخصوصية : ان كل جزء يسلم عليه بصفات خاصة ، فبكل واحدة من الصفة الخاصة ايضا يقع السلام عليه بوجوه :

فإذا قلت الرأس المصلوب فقد يقال المصلوب على الشجرة ، وقد يقال المصلوب على باب دمشق ، وقد يقال المصلوب على باب دار يزيد .

واذا قلت الرأس الموضوع فيقال : الموضوع قدام يزيد ، او الموضوع قدام ابن زياد لعنهما الله تعالى .

والوجه في هذه التسميات الخاصة عليه : ان كل واحدة من هذه المصائب تسليم خاص منه عليه السلام لأمــــر الله تعالى ، لم يتففق لغيره ابداً ، فلا بد أن يجعل الله تعالى بإزائه رحمة خاصة به وهو العزيز الحكيم .

والمراد بالسلام عليه ان يسلم الله له ما جعله له ، بأن يجعله حرما آمناً لمن توســــل به ، وتمسك به ، واستشفع به ، وحصّل علاقة ورابطة به ، صلوات الله عليه ، فإن ذلك احد معاني السلام على النبي المصطفى والائمة الهداة صلوات الله عليهم اجمعين .

وفيه رجاء عظيم اذا سلمنا عليه بهذه التسليمات الخاصة بأعضائه الشريفة المباركة ، وبكينا على كل واحدة واحدة ، ورجونا أن تنطفي بكل سلام نار موقدة على اعضائه قد أوقدتها الذنوب المحيطة المستغرقة لأعضائنا .

الباب الحادي عشــر

في خصوصية زواره عليه السلام قبل شهادته وبعدها قبل ان يُدفن

فمنها مطلبان :

المطلب الاول : في زواره قبل شهادته وهم اقسام :

الاول : الملائكة ، ففي الحديث عن الامام الصادق عليه السلام : ألا وإن الملائكة زارت كربلا ألف عام من قبل أن يسكنه جدّي الحسين عليه السلام .

الثاني : سفينة نوح عليه السلام ، وبساط سليمان ، وغنم اسماعيل ، والظباء التي كلّمت عيسى بن مريم ، صلوات الله عليهم اجمعين .

فهذه كلها قد زارته بطرق خاصة ، وقد مرّ تفصيل احاديثها في مجالس البكاء .

الثالث : الشهداء الذين اسشهدوا بين يديه حالة تهيؤهم للمقاتلة ، فانهم قد زاروه زيارة مخصوصة فإذا اراد احدهم المبارزة راكبا او راجلا جاء عنده ووقف بين يديه.

وقال : السلام عليك يا أبا عبد الله ، السلام عليك يا بن رسول الله ، فيقول له عليه السلام : وعليكم السلام ، ونحن خلفك ( فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر ، وما بدّلوا تبديلاً ) .

والوجه في اهتمامهم بهذه الزيارة انهم ارادوا ادراك فيض الزيارة ، وهم احياء ، فيضاف ذلك الى اجر شهادتهم .

نعم ، لبعض الشهداء في كيفية هذه الزيارة خصوصيات ، وزياراتهم مخصوصة ، فمنهم الاخوان ، عبدالله وعبدالرحمن الغفاريان ، جاءا لزيارته ، فوقفا قدّامه بعيدا منه .

وقالا : السلام عليك يا أبا عبد الله .

فقال لهما (ع) " ادنوا مني ، فدنيا ، ووقفا قريبا منه .

وقالا : يا أبا عبدالله السلام عليك ، جئنا لنـُقتل بين يديك .

فقال عليه السلام : وعليكما السلام ورحمة الله وبركاته .

وجاء الفتيان الجابريان حسيناً عليه السلام فدنيا منه ، وكانا يبكيان بكاءاً شديداً .
فقال (ع) لهما : يا ابني اخي ما يبكيكما ؟ فوالله اني لأرجو ان تكونا بعد ساعة قريري العين .

فقالا : جعلنا الله فداك ، والله ما على انفسنا نبكي ، ولكن نبكي عليك ، نراك وقد اُحيط بك ، ولا نقدر ان ننفعك .

فقال صلوات الله عليه : جزاكما الله يا ابني اخي بوجدكما من ذلك ، ومواساتكما اياي بأنفسكما أحسن جزاء المتقين .
*
معنى وجدكما اي : حزنكما .

ومن ذوي الخصوصية لهذه الزيارة المخصوصة علي بن الحسين عليهما السلام ، فقد جعل سلامه بعد مبارزته ومقاتلته .

ووقوعه على الارض مجدّلاً وقد أعياه نزف الدماء وحرارة الشمس ، فتوجه في ذلك الوقت الى زيارة والده الحسيـــن عليه السلام ، فقال (ع) " يا أبتــــاه ، عليك مني السلام ، " فكانت له خصوصية في وقت السلام ، وكيفيته وجوابه .

أما سبب تأخيره الى ذلك الوقت فلأن الحسين عليه السلام كان جالساً او واقفاً امام الخيمة حين اراده سائر الشهداء للمبارزة

فكانوا يسلمون عليه على حسب العادة ولإدراك ثواب زيارته ، وهم احياء كما ذكرنا .

واما علي (ع) فانه لما اراد المبارزة جاء الحسين (ع) اليه ومشى ورائه ، ولم يستقر حتى يخاطبه بالسلام .

واما سبب السلام بعليك السلام لا بالسلام عليك : فلأن سلامه كان سلام وادع وانصراف ، لا سلام تحية .

واما خصوصية الجواب : فإنه (ع) لم يجب هذا السلام ، لانه لم يكن سلام تحية يجب رده ، ولأنه عرضت له حالة عند سماع هذا السلام أسقطت جميع قواه ، وغيّرت أحواله فأجايبه بندائه : يا بني قتلوك ، وسيجيء تفصيل الحال إن شاء الله في عنوان شهادته عليه السلام .

المطلب الثاني : في زواره بعد شهادته قبل دفنه .
فنقول :

اول من زاره بعد الشهادة هو الله تعالى العلي العظيم ، كناية عن توجه خصوصيات الألطاف الخاصة الكثيرة اليه ، والرحمات الالهية ، والفيض الرباني له .

ثم زاره رسول الله المصطفى محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وأعطاه الكأس المذخورة له ، وهي التي أخبر بها علي ولده .

فيُعلم من ذلك انها كانت في يده قبل شهادته ، وقد سقاه بعدها بلا فاصلة ، واذا كان رسول الله (ص) زائرا قطعا ، فعلي وفاطمة والحسن عليهم السلام معه ايضا .

ثم زاره بعد ذلك الملائكة الذين نزلوا انصره ، فلم يدركوه ، فاُمروا بأن يقوموا عند قبره يزورونه الى يوم القيامة ، كما مرّ تفصيل ذلك في عنوان الملائكة .

ثم زاره بعد ذلك ذو الجناح ، " فرسه ".

ثم الطيور نهارا ، والوحوش ليلا ، والجن ونساء الجن ، لكل منهم زيارة خاصة .

واما زواره من الناس فأولهم الامام السجاد زين العابدين عليه السلام ، وزينب الكبرى عليها السلام ، وسائر اهل بيته الاسرى عليهم السلام ، وأحد عشر طفلا من أهل البيت ، وقد اجتمع هؤلاء الزوار ، فقصدوا زيارته.

وأتوا بجميع آداب الزيارة بالطريق الذي ورد بالخصوص في آداب زيارته التي ذكرناها ، فأتوه مغبرين ، جائعين ظامئين ، حزينين باكين ، وزيادة على ذلك انهم حفاة عراة حاسرون .

ومنهم من زاد على ذلك بالاغلال ، والجامعة في العنق الدامي الذي تآكل من شدة الجامعة التي في عنقه المبارك .

نعم ، قد فاتتهم احدى الآداب للزيارة ، وهي الغسل بماء الفرات ، أو الوضوء للزيارة .

لكن قد استبدلوا ذلك بتيممهم دما طيبا زاكياً ، فمسحوا وجوهمم وأيديهم منه ، فصار هذا التيمم أفضل من الغسل بالفرات ، ثم شرعوا في الزيارة ، وكانت الزيارة على نحو ما ورد في زياراته : من الابتداء بالسلام على النبي وعلي وفاطمة والحسن عليهم السلام ، ثم السلام على الامام الحسين الغريب الشهيد عليه السلام .

وكان أصل الزيارة لزينب الحوراء عليها السلام ، وباقي الزوار يقرأون معها ، ولم ينقل عن الامام السجاد عليه السلام بأحد أنواع السلام مع أنه أولى بذلك ، والوجه في ذلك أنه عليه السلام ، مع أنه كان عليـــلاً ، وصار مغلولاً ، وكانت الجامعة في عنقه الدامي ، وما مكنوه من الزول من الجمل الراكب عليه ، قد عرضت له (ع) في ذلك الوقت حالة ، اذ كان يجود بنفسه ، وصار محتضرا .

فتبينت منه ذلك زينباً الكبرى عليها السلام ، وسألته فأجابها بما أجابها مما سنذكر تفصيله إن شاء الله تعالى ، فلهذا لم يزر زيارة خطاب وسلام ، واختص ذلك بباقي أهل البيت عليهم السلام ، لكن لم يدعوهن ليتممن الزيارة ففرقوا بين الزوار والمزور ، وقربوا الاظعان ، وجروهن قهرا من فوق الاجساد ، وجعلوهن على اقتاب المطايا يُسار بهن الى الكوفة .

الباب الثاني عشــر
في زواره عليه السلام بعد دفنـه

وهم انواع :

منهم من زاره (ع) زيارة مستمرة دائمة ، أو في وقت معين دائم ، فالمستمرون ، زيارتهم الى يوم القيامة دائمة ، ما اتصل الليل والنهـار لا يفترون ، وهم صنف من الملائكة ، وقد تبيّن في عنوان الملائكة .

وأما الدوام بحسب الأوقات ، فالذي يجل عن المكان ، والمجيء والذهاب وتغير الاحوال ، وهو الله العظيم يزوره كل ليلة جمعة ، أي يفيض الله تعالى عليه لطفاً خاصاً يعبّر عنه بالزيارة .

ويزروه - ايضا - مستمرا في كل ليلة جمعة الأنبياء (ع) كلهم ، والاوصياء صلوات الله عليهم اجمعين .

وكذلك يزوره الانبياء عليهم الصلاة والسلام بأجمعهم ليلة النصف من شعبان ، وليلة القدر من كل سنة دائما .

وأما الملائكة جبرئيل واسرافيل وميكائيل عليهم السلام فلهم اوقات مخصوصة لزيارتهم طول السنة دائما .

وأما أهل هذه النشأة فأول من زاره بعد دفنه سيد الساجدين عليه السلام حين دفنه بعد ثلاثة ايام ، مع جماعة من بني أسد ، على التفصيل الذي نذكره في عنوان التجهيز الخاص به .

فلما سوى القبر زار والده بسلام خاص ، وكلمات مخصوصة ، واضعاً كفه على القبر ، كما سيجيء في ذلك العنوان ان شاء الله تعالى .

وبعد ذلك زارته القبائل المحيطة بكربلاء ، حتى روي أنه زاره بعد دفنه في سنة او سنتين مائة ألف امرأة ممن لا يلدن .

وممن زاره بعد دفنه بأيام عقبة بن عمرو السهمي ، ويقال انه اول شاعر رثى الامام الحسين عليه السلام ، حاء قبره المبارك ووقف على قبره وأنشد
يقول :

مررت على قبر الحسين بكربلا ** ففاضت عليه من دموعي غزيرها
فما زلت أرثيه وأبكي لشجوة ** ويسعد عيني دمعها وزفيرها
وبكيت من بعد الحسين عصائب ** أطافت به من جانبيها قبورها
سلام على اهل القبور بكربلا ** وقل لها مني سلام يزورها
سلام بآصال العشي وبالضحى ** تؤديه نكباء لرياح ومورها
ولا برح الوفــّاد زوار قبره ** يفوح عليهم مسكها وعبيرها

* النكباء : اي : الريح المنحرفة عن مهاب الرياح القـُوّم ووقعت بين ريحين او بين الصبا والشمال . * المور : بالضم الغبار .

واول من زاره (ع) قاصدا اليه من بُعد البلاد ، هو جابر بن عبد الله الأنصاري صلوات الله تعالى عليه ، ولزيارته كيفية خاصة نذكرها في محلها إن شاء الله تعالى .

ثم بعد ذلك جعل الله تعالى أفئدة من الناس تهوي اليه عليه السلام ، فقصدته الشيعة من الاطراف في زمن بني أمية ، فمنعوا من ذلك .

وجعلوا المراصد والحرس لمنع ذلك ، وأمروا بالقتل والصلب ، وقطع الايدي والأرجل ، لك من زاره ، فلم يزد ذلك إلا كثرة زائريـــه والى مدى الدهور . ثم ان المتوكل من بني العباس لعنه الله ، لشدة عداوته ، بالخصوص مع الزهراء البتول فاطمة صلوات الله تعالى عليها وبنيها ، منع من الزيارة أشد المنع ، ولما رأى ذلك لا يفيد أمر بتخريب القبر الشريف .

ثم لما رأى ان ذلك لا يفيد ، أمر بمحو أثره بالحرث والنبش وإجراء الماء فجعل الله تعالى من خصائص الحسين عليه السلام ان هذا الذي خرب القبر ، وحرثه ونبشه ، واجرى الماء عليه - أمر بتعمير القبر ، ونادى المنادي بإذنه في زيارة الامام الحسيـن صلوات الله تعالى عليه .

وتفصيل ذلك كما في الاخبار ، ان المتوكل لعنه الله ، من خلفاء بني العباس ، كان كثير العدواة ، وشديد البغض لأهل بيت رسول الله المعصومين عليهم السلام .

وهو الذي أمر الموكلين بحرث قبر الحسين (ع) بأن يخربوا بنيانه ، ويخفوا آثاره ، ولا يقف على خبره أحد ، وتوعد بالقتل من زار قبره ، وجعل رصدا من اجناده ، واوصاهم بقتل كل من وجدوه يريد زيارة الحسين عليه السلام .

يريدون بذلك اطفاء نــــور الله تعالى ، واخفاء آثار ذرية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، بل ومحو الاسلام دين الله تعالى الذي ارتضاه لعباده .

فبلغ الخبر الى رجل من اهل الخير يقال له ( زيد المجنون ) وكان ذا عقل سديد ، ورأي رشيد ، وانما لقـّب بالمجنون ، لانه افحم كل لبيب ، وقطع حجة كل أريب ، وكان لا يعيى من الجواب ، ولا يمل من الخطاب .

فسمع بخراب بنيان الامام الحسين عليه السلام ، وحرث مكانه ، فعظم ذلك عليه ، واشتد حزنــــــه وتألمه ، وتجدد مصابه بسيده الحسين عليه السلام ، وكان مسكنه يومئذ بمصر .

فلما غلب عليه الحزن والوجد لحرث قبر الامام (ع) خرج من مصر ماشياً هائما على وجهه ، شاكيا همه وكربه الى ربه تعالى ، وبقي حزينا كئيبا ، حتى بلغ الكوفة .

وكان بهلول يومئذ فيها فلقيه زيد المجنون ، فسلم عليه فرد عليه السلام ، فقال له بهلول : من اين لك بمعرفتي ؟ ولم ترني قط ؟ فقال زيد : يا هذا اعلم ان قلوب المؤمنين جنود مجندة ، ما تعارف منها ائتلف ، وما تناكر منها اختلف .

فقال له بهلول : يا زيد ما الذي اخرجك من بلادك بغير دابة ومركوب ؟ فقال : والله ما خرجت الا من شدة وجدي وحزني ، وقد بلغني ان هذا اللعين أمر بحرث قبر الامام الحسين عليه السلام ، وتخريب بنيانه ، وقتل زواره ، فهذا الذي اخرجني من موطني ، ونغص عيشي ، واجرى دموعي ، وأقل هجوعي ، ( الهجوع : النوم الخفيف ) فقال بهلول: وانا والله كذلك ، فقال له قم بنا نمضي الى كربلا ، لنشاهد قبور اولاد علي المرتضى عليهم السلام .

قال فأخذ كل بيد صاحبه حتى وصلا الى قبر الحسين (ع) ، فاذا هو على حاله لم يتغير ، وقد هدموا بنيانه ، وكلما أجروا عليه الماء غار وحار واستدار بقدرة العزيز الجبار ، ولم تصل قطرة واحدة الى قبر الحسين عليه السلام .

وكان القبر الشريف اذا جاءه الماء ترتفع ارضه بإذن الله تبارك تعالى ، فتعجب زيد المجنون مما شاهده وقال : انظر يا بهلول يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره المشركون ، قال ولم يزل المتوكل يأمر بحرث قبر الحسين صلوات الله عليه مدة عشرين سنة ، والقبر على حاله لم يتغير ، ولا تعلوه قطره من الماء .

فلما نظر الحارث الى ذلك ، قال : آمنت بالله تعالى ، وبمحمد رسول الله (ص) ، والله لأهربن على وجهي ، وأهيم في البراري ، ولا أحرث قبر الامام الحسين عليه السلام ابن بنت رسول الله (ص) ، واني منذ عشرين سنة انظر آيات الله تعالى ، واشاهد براهين آل بيت رسول الله (ص) ، ولا اتعظ ولا أعتبر .

ثم انه حل النيران وطرح الفدان ، وأقبل يمشي نحو زيد المجنون ، فقال له : من اين اقبلت يا شيخ ؟ قال : من مصر ، قال : ولأي شيء جئت الى هنا ؟ وإني لأخشى عليك القتل ، فبكى زيد وقال : والله قد بلغني حرث قبر الحسين عليه السلام فأحزنني ذلك ، وهيّج حزني ، ووجدي ، فانكب الحارث على اقدام زيد يقبلهما ، وهو يقول : فداك ابي وامي .

فقال : يا شيخ منذ اقبالكم عليّ اقبلت عليّ الرحمة ، واستنار قلبي بنور الله تعالى ، واني آمنت بالله وبرسوله ، واني ومنذ عشرين سنة ، وانا احرث هذه الارض ، وكلما اجريت الماء الى قبر الحسين (ع) غار وحار واستدار .

ولم يصل الى قبر الحسين (ع) منه قطرة ، وكأني كنت في سكر ، وأفقت الان ببركة قدومك اليّ ، فبكى زيد وتمثل بهذه الابيات
فقال :

تا اللــه ان كانت امية قد أتت ** قتل ابن بنت نبيها مظلوما
فلقد أتى أبيه بمثله ** هذا لعمرك قبره مهدوما
اسفوا على ان لا يكونوا شاركوا ** في قتله فتتبعوه رميما

فبكى الحارث ، وقال : يا زيد قد ايقظتني من رقدتي ، وارشدتني من غفتلي ، وها أنا الان ماض الى المتوكل بسر من رأى أعرّفه بصورة الحال ، إن شاء يقتلني ، وإن شاء يتركني ، فقال له زيد : أنا ايضا اسير معك البتة ، وأساعدك على ذلك .

قال فلما دخل الحارث على المتوكل وخبّره بما شاهد من برهان قبر الامام الحسين (ع) استشاط غيظا ، وازداد بغضا لاهل بيت رسول الله (ص) وأمر بقتل الحارث ، وأمر ان يشد في رجله حبل ، ويُسحب على وجهه في الاسواق ، ثم يصلب في مجمع الناس ، ليكون عبرة لمن اعتبر ولا يبقى احد يذكر اهل البيت عليهم السلام بخير ابدا .
واما زيد المجنون فانه ازداد حزنه ، واشتد عزاؤه ، وطال بكاؤه ، وصبر حتى انزلوه من الصلب ، وألقوه في زبالة هناك ، فجاء اليه زيد فاحتمله الى نهر دجلة فغسله وكفنه ز وصلى عليه ودفنه ، وبقي ثلاثة ايام لا يفارق قبره ، وهو يتلو كتاب الله تعالى عنده .

فبينما هو ذات يوم جالس اذ سمع صراخا عاليا ، ونوحا شجيا ، وبكاء عظيما ، ونساء كثيرات منتشرات ، مشققات الجيوب ، مسودادت الوجوه ، ورجالا كثيرين يندبون بالويل والثبور ، والناس في اضطراب شديد ، واذا بجنازة محمولة على اعناق الرجال .

وقد نشرت لها الاعلام والرايات والناس من حولها افواج ، وقد انسد الطريق بالرجال والنساء ، قال زيد : فظننت ان المتوكل قد مات ، فتقدمت رجلا منهم ، فقلت له : من يكون هذا الميت ؟، فقال : هذه جنازة جارية المتوكل ، وهي جارية سوداء حبشية ، وكان اسمها ريحانة ، وكان يحبها حبا شديدا ، ثم انهم علموا لها شأنا عظيما ، ودفنوها في قبر جديد وفرشوا فيه الورد والرياحين والمسك والعنبر ، وبنوا عليها قبة عالية .

فلما نظر زيد الى ذلك ازدادت اشجانه ، وتصاعدت نيرانه ، وجعل يلطم وجهه ، ويمزق اطماره ( اطمار: جمع طمر بالكسر كحمل واحمال وهو الثوب الخلق والكساء البالي ) ويحثوا التراب على رأسه .

وهو يقول : واويلاه وواأسفاه عليك يا حسين اتقتل بالطف غريبا وحيدا فريدا ظمآن شهيدا ، وتسبى نساؤك وبناتك وعيالك ، ويذبح اطفالك ، ولم يبك عليك احد من الناس ، وتدفن بغير غسل ولا كفن ويحرث بعد ذلك قبرك ، ليطفئوا نورك ، وانت ابن علي المرتضى ، وابن فاطمة الزهراء ، ويكون هذا الشأن العظيم لموت جارية سوداء .

ولم يكن الحزن والبكاء لابن محمد المصطفى صلى الله عليه واله وسلم ، فلم يزل يبكي وينوح حتى غشي عليه ، والناس ينظرون اليه ، فمنهم من رق له ، ومنهم من حنى عليه ، فلما افاق من غشيته ، انشد يقول :

أيحرث بالطف قبر الحسيـن ** ويعمر قبر بني الزانية
لعل الزمــان بهم يعود ** ويأتـــي بدولتهم ثانية
ألا لعن الله أهل الفســاد ** ومن يأمــن الدنيا الفانية

ثم ان زيدا كتب هذه الابيات في ورقة ، وسلّمها لبعض حجاب المتوكل ، قال فلما قرأها اشتد غيظه ، وأمر باحضاره فاحضر ، وجرى بينه وبينه من الوعظ والتوبيخ ما أغاظه حتى أمر بقتله صلوات الله عليه ، فلما مثل بين يديه .

سأله عن أبي تراب (ع) من هو ؟ استحقارا له ، فقال زيد : والله انك عارف به وبفضله وشرفه وحسبه ونسبه فوالله ما يجحد فضله الا كافر مرتاب ، ولا يبغضه الا منافق كذاب .

وشرع بعرض فضائله ومناقبه حتى ذكر منها ما أغاظ المتوكل لعنة الله تعالى عليه ، فأمر بحبسه ، فحبس فلما أسدل الظلام ، وهجع ، جاء الى المتوكل هاتف رفسه برجله ، وقال له : قم واخرج زيدا من حبسه ، وإلا اهلكك الله تعالى عاجلاً .

فقام هو بنفسه لعنة الله عليه ، واخرج زيدا صلوات الله عليه من حبسه ، وخلع عليه خلعة سنية ، وقال له : اطلب ما تريد ، قال : أريد عمارة قبر الامام إمامنا الحسين عليه السلام ، وان لا يتعرض أحد لزوراه عليه السلام ، فأمر له بذلك ، فخرج من عنده فرحا مسرورا وجعل يدور في البلدان وهو يقول : من أراد زيارة الحسين صلوات الله تعالى عليه ، فله الأمان طول الأزمان .

انتهى العنوان السابع

 

Description: C:\Users\f\Desktop\%D9%83%D8%AA%D8%A8 %D9%85%D8%B3%D8%AD%D9%88%D8%A8%D9%87\1\main\images\pa07.gif

 

العنوان الثامن

في خصائصه المتعلقة بالقرآن المجيد والكلام العزيز

وفيه مقاصد :

الاول : في أنه كلام الله تعالى .

الثاني : في أنه شريك القرآن الكريم ، وقد اعطاه الله تعالى لأجل ذلك خصائص القرآن وصفاته .

الثالث : فيما نزل من مرثيته بالخصوص في القرآن المجيد .

الرابع : فيما أعطاه لذلك من خصائص فاتحة القرآن ، وهي السبع المثاني المعادلة للقرآن الكريم وصفاته ، وما أعطاه من خصائص البسملة التي هي عنوان سور القرآن .

الخامس : مقصد لطيف شريف جامع لما يتعلق به جميع القرآن الكريم .

السادس : مقصد طريف ، نذكر فيه السور من أولها الى آخرها مع بيان ما يتعلق منها بالامام الحسين عليه السلام .

 

المقصد الاول

في أنه القرآن

وانه كلام الله حقيقة ، فانه متكلم ناطق حقيقي ، وجوده على نحو وجود الكلام لله تعالى ، ومبّين لكلام الله الصامت ، وانهما لن يفترقا ، وانهما الثقلان اللذان خلفهما رسول الله المصطفى محمد صلى الله عليه وآله وسلم .

وقد خصّ الحسين (ع) باستيداعه للاُمة باُمور خاصة ، فأخذه معه على المنبر وقال (ص) " أيها الناس هذا الحسين بن علي (ع) فاعرفوه وفضلوه " ، وقال صلوات الله عليه وآله " اللهم اني استودعه إياك ، وصالح المؤمنين " ،فهو وديعة نبوية عند أمته .

حتى بالنسبة لمن لم يكن في ذلك الزمان ، فهو وديعة عندنا ايضا ، فانظروا كيف حفظكم لها يا امة محمد المصطفى صلوات الله تعالى عليه وآله .

المقصد الثاني

في بيان شراكته للقرآن من جميع الصفات والخصائص والفضائل

فاستمع اولا لبيان كل واحدة ، ثم للتطبيق بنحو أنيق

فنقول :

القرآن المجيد : هدى للناس الى الاسلام ، وبينات من الهدى والفرقان .

والحسين عليه السلام : هدى للناس الى الايمان - كما بيناه مفصلا في محله - وبينات من الهدى والفرقان بين أهل الحق والباطل عند عزمه على محاربة خلفاء الجور ، ويوم شهادته .

القرآن المجيد : ليلة نزوله ليلة القدر المباركة .

والحسين عليه السلام : ليلة ولادته المباركة تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم لهذا الأمر ، سلام هي من الله تعالى بلسان الملك جبرئيل عليه السلام بالتهنئة له حتى مطلع الفجر .

القرآن المجيد : شافع لمن يتلوه ويداوم عليـــه .

الحسين عليه السلام : شافع لمن يزوره ويبكي عليه .

القرآن المجيد : معجزة باُسلوبه ، وبمعانيه العميقة الواسعة .

والحسين عليه السلام : معجزة برأسه وبدنه ونوره وترابه ومفتله وذاته وخصائصه ، كما يظهر من الكرامات الظاهرة لكل واحد في قضايا عديدة .

القرآن المجيد : جديد لا يبلى ، ولا يمل بكثرة التكرار مدى الازمان .

الحسين عليه السلام : مصابه جديد في كل سنة ، ولا يمل بكثرة الذكر والتكرار والالتجاء اليه والتمسك به .

القرآن المجيد : قراءته عبــــادة ، واستماعه عبادة ، والنظر اليه عبــادة .

الحسين عليه السلام : رثاؤه عبادة ، واستماع رثائه عبادة ، والجلوس في مجلسه عبادة ، والهم له عبادة ، والبكاء له عبادة ، والإبكاء عليه عبادة ، والتشبه بالباكي عبادة ، وزيارته عبادة ، والسلام عليه من بعيد عبادة ، وزيارة زائره عبادة ، وتمني الشهادة معه عبادة ، وحبه مؤداه الى محبة الله تعالى لمحبه ومتبعه عليه السلام .

القرآن المجيد : له احكام في احترامه بأن لا يهجر ، ولا يترك عليه الغبار ، وأن لا يمسه إلا المطهرون ، وأن لا يكون كالأمتعة الدنيوية تقع عليه المعاملات العوضية .

الحسين عليه السلام : له احكام في احترامه كذلك ، لكن قد سفت عليه السوافي ( سفت الريح التراب : اذا ذرته ) واحاطت بجسده ، ومسته الأرجاس ، وباعوا دينهم بقتله عليه السلام بثمن بخس ، دراهم معدودة ، وولاية مفقودة ، كما ان هجر زيارته لها اثار وضعية بالدنيا واثار سيئة بالاخرة وتفصيله قد تقدم فيما سبق من هذا الكتاب .

القرآن المجيد : كلام الله سبحانه الصامت .

الحسين عليه السلام : كلام الله تعالى الناطق .

القرآن المجيد : كريم شريف مجيد حكيم عزيز ………، الى اخره

والحسيــــن عليه السلام : كريم شريف مجيد (شهيد) بل هو القرآن والقرآن هو ، انه الحسين صلوات الله عليه .

القرآن المجيد : فيه قصص الأنبياء عليهم السلام وحالاتهم ، وما أصابهم بالبيان .

والحسين عليه السلام : في حالته وموقفه تكمن قصة كل نبي عليه السلام ، وحالته بالعيان ، بل قد زاد على كل حالة بخصائص اختص بها وامتاز بها .

القرآن المجيد : آياته الظاهرة ستة آلاف وست مائة وست وستون .

الحسين عليه السلام : آياته الظاهرة في بدنه ألف وتسعمائة ، وقيل أربعة آلاف ، واذا عددت الجرح على الجرح والضرب على الضربة والطعنة على الطعنة ، وما أصابه من الرضّ بلغت الى ستة آلاف وستمائة وست وستين .

القرآن المجيد : فيه البسملة في مائة واربعة عشر مكاناً .

الحسين عليه السلام : في بدنه السيف مثل البسملة مائة وأربعة عشر .

القرآن المجيد : له اجزاء وسور وسطور وحروف ونقط وإعراب ومعاني واعجاز .

الحسين عليه السلام : لبدنه المبارك اجزاء ، وله سور ، وله سطور ، وفيه كلمات ، وحروف ونقط وإعراب ومعاني واعجاز ظاهري وملكوتي ، وله جاه ومقام عند رب العالمين لا ينقص عن جلالة القرآن وهيبته .

القرآن المجيد : أربعة اقسام : طول ، ومئين ، ومثاني ، ومفصل .

والحسين عليه السلام : أربعة اقسام : رأس على الرماح مسافر ، وجسد في كربلاء مطروح ، ودم زاكي على اجنحة الطيور ، وفي القارورة الخضراء عند الملك القهار ، ومفصل من صغار أعضاء أطراف الجسد المشريف ، ومتفرق في الصحراء على رمضاء كربلاء ثلاثاً .

القرآن المجيد : ثلاثون جزءاً ، وقد جعل كل نصف جزء جزءً على حدة .

الحسين عليه السلام : لا أدري ما أقول بالنسبة الى هذا التطبيق .

ثم ان القرأن المجيد قد سمّاه الله تعالى بأسماء تبلغ اثنين وثلاثين ، وكذلك تلك الاسماء تصدق على الامام الحسين عليه السلام .

فنقول بعون الله تبارك وتعالى :

القرآن المجيد : سماه الله تعالى مباركاً : " هذا ذكر مبارك " ، وقد سمى الله تعالى ايضا موضع تكليم موسى عليه السلام ، بالبقعة المباركة ، وشجرة الزيتونة في آية النور ، مباركة .

وعيسى عليه السلام مباركا كما قال :" وجعلني مباركاً " ، وماء المطر مباركا قال تعالى : " ونزلنا من السماء ماءً مباركاً " ، وليلة القدر مباركة قال تعالى : " في ليلة مباركة " .

وقد سمى الله تعالى حبيبه الحسين عليه السلام في تسميته مباركا ، بوحي الى نبيه المصطفى صلوات الله عليه وآله بلا واسطة في رواية عجيبة ، تنبيء عن فضيلة غريبة ، من جملة ألفاظها : ( بورك من مولود عليه صلواتي وبركاتي ورحمتـــي ) وقد ذكرناها في عنوان الألطاف .

القرآن المجيد : شفاء ورحمة للمؤمنين.

الحسين عليه السلام : ذكره وحبه والتمسك به وولايته شفاء للامراض الباطنة المهلكة ، وتربته شفاء للامراض الظاهرة ، وهو رحمة للمؤمنين فأكثر فوزهم يكون به عليه السلام .

القرآن الكريم : نور عظيم لا ينفذ .

والحسين عليه السلام : نور حين تضمخ جسده بالتراب والدم ، ونور في السماوات والارض ، ونوره واعجازه لا ينفذ .

والقرآن المجيد : روح للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وللناس ، كما في الاية الشريفة : ( وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا م كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نوراً نهدي به من نشاء من عبادنا ، وإنك لتهدي إلى صراطٍ مستقيم ( .

الحسين عليه السلام : ريحانة لرسول الله (ص) ، وراحة للناس كما في الحديث ، بل الاحاديث والروايات .

القرآن المجيد : حكيم يعالج القلوب ويهديهم الى الطاعة .

والحسين عليه السلام : حكيم عالج قوما بهدايتهم الى الطاعة ، وعالج العاصين بالشفاعة ، بل لولا نهضته المباركة لما بقي هناك مسلم ، وقد جاء في الروايات والاحاديث : ان الاسلام محمدي الوجود حسيني البقاء .

القرآن المجيد : بشير ونذير .

والحسين عليه السلام : بشير ونذير .

القرآن المجيد : كتاب مبين .

والحسين عليه السلام : إمام مبين حق ، أبان أهل الحق عن الباطل ، قديما وحديثا والى قيام يوم الدين .

القرآن المجيد : ذكر لكل مؤمن ومؤمنة .

الحسين عليه السلام : ذكر النبي (ص) الاكرم ، وورده طول عمره .

القرآن المجيد : فيه آية الكرسي ، وآية النور .

الحسين عليه السلام : فيه الكرسي الذي هو معدن العلم الإلهي ، وفيه آية النور فلم يطفأ بظلمات الليل ، ولا بالتراب والدم وما جرى عليه من الكروب والبلايا الجسام .

القرآن المجيد : فيه آيات الشفاء، وآيات الرجاء العظيمة، وآيات الرحمة، وآيات للهداية الأبدية لمن كان له قلب سليم .
الحسين عليه السلام : فيه آيات وصفات للشفاء ، واسباب للرجاء عظيمة ، وعلل تامة للرحمة والبركات الجليلة .

 

القرآن المجيد : له أربعة عشر منزلا من أول حدوثه - كما هو الحق - الى استقراره في الجنة ، فإنه شخص مخلوق جليل ، له كلام ومنازل ونزول ، وشفاعة وخصومة .

وهي :

الاول : منزل حدوثه وايجاده في اللوح ، الذي هو جسم خاص أو ملك .

الثاني : قلب اسرافيل الملك عليه السلام الناظر الى اللوح .

الثالث : قلب ميكائيل الملك عليه السلام اذا قرأه عليه اسرافيل عليه السلام .

الرابع : قلب الملك جبرئيل عليه السلام اذا قرأه عليه اسرافيل عليه

السلام .

الخامس : نزوله في البيت المعمور في ليلة القدر المباركة .

السادس : نزوله جملة على قلب النبي الاكرم صلى الله عليه وآله وسلم ، ليعلمه هو ، لا ليتلوه على الناس ، وذلك في أول شهر رمضان المبارك .

السابع : نزوله عليه لتلاوته في اول المبعث النبوي المبارك .

الثامن : نزوله في كل ليلة للقدر على امام زمانه عجل فرجه وصلوات الله تعالى عليه وعلى ابائه المعصومين ، (سلام هي حتى مطلع الفجر ) ، في سورة القدر.

التاسع : منزله في الأسماع .

العاشر : منزله في اللسان وهو القراءة .

الحادي عشر : منزله في القرطاس.

الثاني عشر : منزله في القلوب الطاهرة المؤمنة المصدّقة به العاملة بما جاء فيه .

الثالث عشر : منزله يوم المحشر بهيئة عجيبة نورانية جليلة .

الرابع عشر : منزله في الجنـــة ، وله درجات يقال لقارئه اقرأ وارقه ، فيقرأ ويرقى حتى يبلغ كل رجل منهم منزلته التي هي له فينزلها ، ارق : اصعد ، والهاء في وارقه للوقف .


كل ذلك من الروايات المجتمعة ، ولكيفية هذه المنازل تفصيل في مقام آخر ، ويحتاج الى زيادة تحقيق لها .

وقد ذكرت في روضات الجنات ، أسأل الله التوفيق لإتمامها ، إنما المقصود - الان - هو ان الحسين عليه السلام ايضا له اربعة عشر منزلا في فضائله .

وله ايضا اربعة عشر منزلا في مصائبه :

ولنفصل الاربعة عشر الاولى ، ثم الاربعة عشر الثانية بتوفيق الملك الأكبر .

فنقول :

في بيان منازل مراتبه .

المنزل الاول : منزل خلقه نوراً قبل خلق الخلق .

المنزل الثاني : منزله المتعلق بالعرش ، وله منه حالات : محدقاً به ، وعن يمينه ، وفوقه ، وحامله ، وقدامه ، وظله ، ومجلسه ، وقرطه ، وشنفه ، وزينته ، ومجموع ذلك في الروايات جاء في كشف الغمة ومعاجز آل البيت وبحار الانوار.

المنزل الثالث : منزله المتعلق بالجنة ، وله فيها كيفيات ، من كونه شجرة فيها ، وثمرة الجنة ، وقرطاً لاُدن الزهراء عليهما السلام ، وزينة للجنة ، وقرطيها وزينة لاركانها ، وان الجنة تشتاق اليه ، وله فيها حورية مخصوصة ، وان الجنة خـُلقت من نوره عليه السلام كما مرّ في الرواية .

المنزل الرابع : منزل كونه نوراً في الاصلاب الشامخة

المنزل الخامس : منزل كونه نوراً في الأرحام المطهرة، خصوصا عند الحمل به من الطاهرة الزهراء عليها السلام .

فانها قالت : لما حملت به ما كنت احتاج الى المصباح في الليالي المظلمة .

المنزل السادس : على يدي لعياء الحورية ، التي ارسلت قابلة له مع الحورالعين .

المنزل السابع : منزله في جسد النبي الاكرم محمد (ص) ، وله في هذا المنزل مجالس : عاتقه الشريف ، وكتفه المكرم ، وحجره المحترم ، وصدره المعظم ، وظهره المفخم ، ويديه المباركتين ، ولكل كيفية خاصة ذكرناها في محلها ، وكذلك لأعضاء النبي (ص) على جسد الحسين (ع( منازل خاصة ، فمنزل لسانه فم الحسين يرضعه ، ومنزل ابهامه حلقه ليغذيه ، واما شفتاه فإن لهما على جسده منازل .

أحدها : جبينه .
ثانيها : نحره ، وكان أكثر نزولهما فيه .
ثالثها : ما فوق سرته ، فانه كان يخصه بالتقبيل .

المنزل الثامن : صدر الزهراء البتول صلوات الله تعالى عليه .

المنزل التاسع : يدا علي عليه السلام حين كان يحمله على يديه ، فيقبل رسول الله (ص) كل اعضائه ويبكي ويقول له : يا أبت لم تبكي ؟ فيقول : اُقبل مواضع السيوف وأبكي .

المنزل العاشر : كتف الملك جبرئيل عليه السلام ، وعاتقه ، لمرات عديدة حينما كان يأخذه من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .

ولا ننسى ان جبرئيل (ع) قد كان يهز مهد الحسين صلوات الله تعالى عليه ويتبرك بقربه .

المنزل الحادي عشر : منبر رسول الله الاعظم (ص) ، فانه لم يصعد معه على المنبر احد قط الا علي عليه السلام حين رفعه يوم الغدير ، وقال : من كنت مولاه ، فهذا علي مولاه .

ولكنه (ص) أخذ الحسين (ع) معه ، وأجلسه وهو على المنبر قدامه ، أو في حجره المبارك ، فقال : أيها الناس هذا الحسين بن علي فاعرفوه ؟، وفضلوه كما فضــّله الله تبارك وتعالى .

ثم أخبر بقتله ، ثم دعى على قاتله وخاذله ، ثم استودعه عند كل مؤمن ، حتى انه قد استودعكموه ايضا .

فانه (ص) عمّمَ في قوله : اللهم اني استودعك وصالح المؤمنين ، فبكى الناس ، فقال : اتبكون ولا تنصرونه .

أقول : فأنـّكم تسمعوا هذا الحديث ، وأنتم صامدون .

المنزل الثاني عشر : قلب النبي (ص) فان له فيه منزلا خاصا ، وموقعا خاصا ، قد وصفه هو بأنه لم يقع موقعه أحد فيه .

المنزل الثالث عشر : صدر النبي المصطفى (ص) في زمن خاص ، وهو حين كان يجود بنفسه الشريفة ، فقد كان الحسين (ع) على صدره المبارك ، وهو يبكيه ، ويذكر مصابه في تلك الساعة .

المنزل الرابع عشر : قلبه (ص) المتحسر في تلك الحالة عليه (ع) ، فكان (ص) وهو في حال الاحتضار يتذكر حالات الامام (ع) حتى قال في ذلك الوقت : مالي وليزيد لا بارك الله في يزيد .

ثم رحل الى الرفيق الأعلــى ، وفارقت الروح الشريفة الجسد المطهّر وفجعت الامة بفقده ، وعزّ علينا فقده في كل آن وحين ، وخاصة ونحن في هذا الزمان العسير الذي طغى فيه كل طاغ وباغ وفاجر.

المنزل الخامس عشر : قلوب المؤمنين فإن له فيها محبة قد عبّر النبي (ص) عنها بأنها " مكنونة في بواطنهم " ، فلاحظ نفسك لتقول : صدق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .

ثم نقول :

في بيان منازله في مصائبه أو مصائبه في منازله :

الاول : المنزل الاصلي - أعني المدينة - حين اُزعج عنها ، فصعُب عليه ودعى ربه عز وجل تارة .

فقال : " اللهم إنا عترة نبيك قد ازعجونا ، وشكى الى نبيه (ص) " أنا الحسين بن فاطمة قد خذلوني وضيّعوني " .

الثاني : منزله في المأمن لكل شيء : من الانسان ، والحيوان ، والطير ، والوحش ، والشجر ، والنبات ، اعني الحرم الشريف ، حرم مكة المكرمة ، فصار المأمن مخافة له أرادوا قتله فيه فارتحل عنه .

الثالث : ما بين مكة والكوفة ، نزل مراحلها بتخويف له من كل من يلقاه ، وخذلانٍ له من كل من يراه ، فكانوا يتحاشونه لئلا يكلفهم نصرته سلام الله تعالى عليه .

الرابع : كربلاء لها بقصد الاقامة ، ونية التوطن ، فقال للجمّالين

الذين معه :

حطّوا الرحال بها يا قوم وانصرفوا ** عني فمالي عنها قط ترحال

الخامس : مركز له في ميدان الحرب ، كان يرجع اليه كلما اراد الاستراحة من الطعن والضرب . ويقول حين نزوله فيه كثيرا : " لا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم " .

السادس : مصرع له قال فيه : " خـُـيّر لي مصرع أنا لاقيه " ، نزل على ظهره أي على وجه الارض ثلاثة أيام أو اربعة ، ثم ارتحل الى بطنها ، وهو القبر الشريف المعظم .

السابع : منزل رأسه ، نزله ليلة الحادي عشر في دار خولي بن يزيد ، وفي الحديث نزل تحت اجانة ولكن المشهور على الالسنة ان ذلك النور نزل على التنور .

الثامن : منزل رأسه عليه السلام في مجلس ابن زياد - لعنه الله - ، فكان في طبق موضوعا قدامه ، وهو فرح من نزول هذا الرأس المبارك ذلك المنزل ، والأعظم مصيبة انه لما رآه نازلا عنده كذلك تبسم ، ولعل هذا التبسم منه أعظم من قرعه بالخيزران ، والضرب على أنفه وعينيه .

التاسع : منزله في الكوفة ، وهو مصلوب على شجرة .

العاشر : نزوله في الطريق ما بين الكوفة والشام ، على الرمح تارة ، وفي الصندوق اخرى ، فيالها من منازل كثيرة في بلدان عديدة.

وفي كل منزل نزله (ع) من كل بلدة علامة شاخصة الى الان ، صلوات الله تعالى عليه .

الحادي عشر : نزوله دير الراهب وهو منزل إكرام وتحنيط ، وفرش للفراش اللطيف ، وتطييب للضيف بالمسك والكافور ، وتحية له بالسلام ، وجواب منه عليه السلام وتفصيله في محله إن شاء الله تعالى .

الثاني عشر : نزوله برأسه - في طشت من ذهب في مجلس يزيد - لعنه الله - بالشام ، وقد اجتمعت عليه المصائب وهو في هذا المنزل تزيد على العشرين ، منها حادثة في ذلك المجلس ، ومنها عائدة فقد عادت المصائب كلها ، وتجددت .

وتفصيلها في محلها .

الثالث عشر : نزوله (ع) مصلوبا على باب دار يزيد لعنة الله عليه ، ولم تتحمل ذلك زوجة يزيد حتى خرجت حاسرة مكشوفة الرأس وصاحت بيزيد : " أرأس الحسين بن فاطمة مصلوب على فناء بابــي " فقام يزيد وغطّاها وأرجعها الى حرمه ، وأمر بأن ينزل الرأس وقال لها : اذهبي يا هند واعولي على ابن رسول الله (ص) وصريخة قريش .


الرابع عشر : نزوله مصلوبا - ايضا - على باب دمينة دمشق وهي التي لم يُطقها صبر الامام السجاد صلوات الله تعالى عليه ، حتى نفذ صبره .

فعلى الرغم من انه (ع) لم يتكلم عند رؤيته لنكث الرأس الشريف بالخيزران إلا انه عليه السلام لما علم بأن الرأس قد صلب على باب البلد صاح ، وقال (ع) " يا يزيد أما تستحي أن يكون رأس ابن فاطمة مصلوبا على باب مدينتكم ؟ وهو وديعة رسول الله صلى الله عليه وآله " . !!

 

وله عليه السلام بعد هذه المنازل - كالقرآن الحكيم - منازل خاصة في مدفنه ، محشره بهيئة خاصة ، وانتهاء منازله الى محله الخاص في الجنان في الدرجات التي قال عنها جده المصطفى (ص) " وان لك لدرجات لن تنالها إلا بالشهادة " ، وأعلاها ما في الحديث من إلحاق الله تعالى إياه بنبيه المصطفى (ص) في منزلته ودرجته .

وتفصيل كل ذلك في محله ان شاء الله تعالى .

المقصد الثالث

في الآيات القرآنية النازلة في رثائه عليه السلام

وهي آيات :

الآية الاولى : في بيان الحمل به وولادته ، وهي قوله تعالى : " ووصينا الإنسان بوالديه إحسانا . حملته أمه كرهاً ووضعته كرهاً . وحمله وفصاله ثلاثون شهراً . حتى إذا بلغ أشدّه وبلغ أربعين سنة قال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت عليّ وعلى والديّ وأن أعمل صالحاً ترضاه وأصلح لي في ذريتي . إني تبت إليك وإني من المسلمين " .

ففي كامل الزيارات ، والبحار ، بأسانيد معتبرة ، أنه لما حملت فاطمة عليها السلام بالحسين (ع) ، نزل جبرئل فقال: يا محمد إن الله يقول السلام عليك ، ويبشرك بمولود يولد من فاطمة (ع) تقتله امتك من بعدك .

فقال : وعلى ربي السلام ، لا حاجة لي في مولود يولد من فاطمة تقتله امتي من بعدي ، فعرج ثم نزل وقال كم قال ، فأجاب كما أجاب .

ثم عرج ثم نزل ايضا ، وقال : إن الله يبشرك انه جاعل في ذريته الامامة والولاية والوصية .

فقال النبي الاكرم صلى الله عليه واله وسلم : قد رضيت .

ثم ارسل الى فاطمة بما جاء به جبرئيل اولا ، فقالت : لا حاجة لي في مولود تقلته امتك من بعدك ، فبشرها بما بُشر ، فقالت : قد رضيت . " فحملته كرهاً " لأنه مقتول . " ووضعته كرهاً " بأنه مقتول . " وحمله وفصاله ثلاثون شهراً . حتى إذا بلغ أشدّه وبلغ أربعين سنة قال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت عليّ وعلى والديّ وأن أعمل صالحاً ترضاه وأصلح لي في ذريتي " فلو انه قال : واصلح لي ذريتي ، لكانت ذريته كلهم ائمة ، ولم يرضع الحسين عليه السلام من فاطمة الزهراء عليها السلام ، ولا من أنثى ، ولكنه كان يؤتى به النبي (ص) فيضع ابهامه في فيه فيمص منه لبناً ما يكفيه اليومين والثلاثة ، فنبت لحم الحسين من لحم رسول الله (ص) ، ودمه من دمه ، ولم يولد مولود لستة اشهر إلا يحيى بن زكريا عليهما السلام ، والحسين بن علي عليهما السلام .

اعلم : ان معنى قوله : كرهاً : هو الحزن والاسف عليه في حمله ، ووضعه ، وحضانته ، وارضاعه ، وتربيته ، واللعب معه في طفولته ، وفي ادخال السرور عليه من قبل جده او ابيه او امه .

وقد مات جده وهو حزين آسف عليه ، وماتت امه ومات ابوه واخوه كذلك ، كما نطقوا به عند موتهم ، وقد خلته اخته في المقتل وذهبت عنه كرهاً ، وأي كره هو ، واي حزن ! وأي أسف ! وأي صراخ ! وأي عويل ! وأي صبر جميل ، وأي حكمة تلك حكمة زينباً الكبرى صلوات الله تعالى عليها وعلى أخيها .

الاية الثانية : في بيان خروجه من المدينة وهي قوله تعالى : " اُذن للذين يقاتلون بأنهم ظُلموا وأن الله على نصرهم لقدير ، الذين اُخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله " ، فعن أبي عبدالله (ع) انها نزلت في علي وجعفر وحمزة وجرت في الحسين عليهم السلام .

بيان ذلك : ان عليا وجعفرا وحمزة ، قد اخرجوا من ديارهم ، وقتلوا ولا ذنب لهم ، ولا حق لأحد عليهم ، الا انهم قالوا : ربنا الله عزوجل ، واستقاموا على ذلك.

ولكن قد جرت جريانا خاصا في الامام الحسين عليه السلام ، فانه اخرج من دياره ، واخرج من كل مقر ، ولم يبق له مقر ولا مفر ، حتى انه قال : لو دخلت في حجر هامة من هوام الارض لاستخرجوني حتى يقتلوني .

ثم قتل قتلا خاصا ، وظلموه هو وابناءه ونساءه واطفاله واصحابه وانصاره ظلما خاصا ، بل وجرى ذلك على شيعته من بعده الى يومنا هذا ، وهو الذي ظهرت فيه قدرة الله تعالى لنصره.

الاية الثالثة : في قلة أنصاره صلوات الله عليهم ، وهي قوله تعالى : " ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكوة فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية وقالوا ربنا لِمَ كتبت لينا القتال لولا أخرتنا إلى أجل قريب " .

فعن الحسن بن زياد العطار قال : سألت أبا عبدالله (ع) عن قوله عزوجل " ألم تر إلى الذين " ، قال : نزلت في الحسن المجتبى (ع) أمره الله تعالى بالكف ، قال قلت : " فلما كتب عليهم القتال " قال : نزلت في الحسين بن علي كتب الله عليه وعلى أهل الارض ان يقاتلوا معه عليه السلام .

قال علي بن سباط ، ورواه بعض اصحابنا عن ابي جعفر (ع) ، وقال: لو قاتل معه اهل الارض كلهم لقتلوا كلهم .

تفسير العياشي ، عن ادريس مولى لعبدالله بن جعفر عن ابي عبدالله (ع) في تفسير هذه الاية " ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم " ( مع الحسن عليه السلام ) " وأقيموا الصلاة . وآتوا الزكوة " ، فلما كتب عليهم القتال ( مع الحسين عليه السلام )، " وقالوا ربنا لِمَ كتبت لينا القتال لولا أخرتنا إلى أجل قريب " الى خروج القائم عجل فرجه ، فان معه النصر والظفر ، قال الله تعالى " قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى " .

الاية الرابعة : في مجمل بيان شهادته ومكانه وحالاته ، وهي قوله تعالى " كهيعص " ، كما ورد في حكاية زكريا عليه السلام لما اُوحي اليه بقضية كربلاء ، واهلاك يزيد للعترة الطاهرة ، وعطشهم وصبرهم . وقد ذكرنا الرواية في عنوان مجالس الرثاء .

الاية الخامسة : فيما نادى الله تعالى به عند قتله ، وهي قوله عزوجل " يا أيتها النفس المطمئنة . ارجعي إلى ربك راضية مرضية . فادخلي في عبادي . وادخلي جنتي " .

فعن ابي عبدالله (ع) قال : يعني الحسين بن علي عليهما السلام ، فهو ذو النفس المطمئنة الراضية المرضية .

اقول : بيان ذلك أن من عرف الله وعظّمه ، أحبه ورضي بكل ما يكون من جانبه تبارك وتعالى ، فلا تصيبه كراهة وتزلزل ، بل كلما ترد عليه الشدائد من قبل ربه تعالى تحصل له طمأنينة شديدة ورضا ، وقد ظهر مصداق ذلك فعلا في الامام الحسين عليه السلام .

كما بيّن تفصيله في العنوان السابق وسيأتي .

الاية السادسة : في طلب ثاره في الرجعة ، وهي قوله تعالى : " ومن قـُتل مظلوماً " ، فعن أبي جعفر (ع) قال : هو الحسين بن علي عليهما السلام قتل مظلوما " فقد جعلنا لوليه سلطانا ً " ، قال : وليه القائم عجل الله فرجه وصلوات الله تعالى عليه ، " فلا يُسرف في القتل " ، يعني لا يسرف قاتله ، " إنه كان منصوراً " ، يعني ان الامام الحسين عليه السلام كان منصوراً ، هكذا في بعض الروايات .

وفي بعضها ان ضمير يسرف راجع الى الولي ، وكذا ضمير انه ، والمراد لا يسرف بقتل غير قاتله ، ولا يراد النهي عن قتل اعدائه الكثيرين ، وفي بعضها يسرف بالرّفع .

اقول : اولا ان المعنى الظاهري للاية المباركة ، حكم عام لجميع الناس ، وهو ان من قتل مظلوما فلوليه قصاص القاتل ، ولا يسرف في قتل غيره .

فنقول بناء على هذا المعنى : ان لولي الحسين القصاص من قاتله ، واذا اردنا تعيين قاتله .

فنقول : هل قاتله يزيد او ابن زياد او ابن سعد او شمر او سنان ، او غيرهم كصالح ابن وهب الذي طعنه فانقلب عن الفرس ، او صاحب السهم المثلث الذي وقع على قلبه وقال : بسم الله وبالله ، او غيرهم ؟

الحق ان هذا المقتول له مائة ألف قاتل ، لا بمعنى الاشتراك ، بل بمعنى ان كل واحد هو قاتله حقيقة لو انفرد ، فله مائة ألف قاتل مستقل ، فهو قتيل يزيد .

ولذا ورد في اخبار الانبياء ، ان قاتله يزيد ، وهو قتيل ابن زياد ، ولذا قال يزيد قتله ابن مرجانة ، وهو قتيل ابن سعد .

ولذا كان اصحاب النبي (ص) حين يرونه وهو صغير يقولون هذا قاتل الحسين عليه السلام ، وهو قتيل الشمر ، وهو قتيل سنان ، وهو قتيل خولي ، وهو قتيل رامي السهم المثلث .

وما يتمم الكلام هو قتيل الظمأ ، وقتيل الغيرة وقتيل العبرة .

لكن حقيقة الامر ما قاله هو : قتلت مكروبا ، يعني قتلني كربة قلبي ، ولذا سميّ بصاحب كربلاء ، فلفظ كربلا إشارة الى سبب قتله .

ثم اقول : ان لقوله قتل مظلوما معاني اُخر ، وكلها منطبقة على الحسين (ع) وهو حقيقتها فلنذكر موضعها .

فنقول :

المعنى الاول : قتل مظلوما أي في حالة قد تعدى عليه فيها ، واُخذ منه كل شيء ، الولاية والمال والاصحاب والاخوان والاولاد والجارحة الظاهرية والباطنية فقد غير الطعن منه كل جارحة حتى نحره الشريف ، واستولوا على ماله ، وعياله ، واطفاله ، وهو طريد غريب فريد ، فقتلوه بهذه الحالة .

فمن قتل مظلوما - بلحاظ كل شيء - هو الحسين (ع) وحده ، لانحصار هذا الكلي فيه ، ولذا سميّ المظلوم ، وجعل علما للحسين (ع) بعد ما كان صفة .

ولذا ورد في الدعاء : اُنشدك بدم المظلوم .

وفي الحديث لا تدع زيارة المظلوم ، فقال الراوي : من المظلوم ؟ فقال : أوما تدري ؟! هو الحسين صاحب كربلاء .

المعنى الثاني : ومن قتل مظلوما في اصل قتله وبلا جرم ، بأن لم يكن مستحقا له لقصاص ، او حدّ ، او فساد .

وأظهر افراده الحسين (ع) ولذا قال : ويحكم أتطلبوني بقتيل منكم قتلته ، أو مال استملكته ، او بقصاص من جراحة ، او شريعة بدّلتها .

المعنى الثالث : ومن قتل مظلوما ، في كيفية قتله ، فان الله تعالى قد وضع الاحسان في كل شيء ،فحدّ الشفرة في الاضحية احسان ، وعدم نظرها الى قتيل من جنسها احسان ، وعدم تكتيفها واسالها للنزع احسان ، وعدم ارائتها الشفرة احسان ، وعدم المثلة بها احسان ، وسقيها عند قتلها احسان .

وقد يقتل القتيل المظلوم باحسان اليه في كيفية قتله ، وحاله ، او يقتل مظلوما في هذه ايضا ، والحسين (ع) قتل بنحو ظالم لم يكن فيه احسان .

المعنى الرابع : ومن قتل مظلوما حين قتله ، قد تعدى عليه باحدى وجوه التعدي ، او ببعضها ، او بكلها ، وذلك منحصر في مقتول واحد وهو الشهيد المظلوم صلوات الله تعالى عليه .

المعنى الخامس : ومن قتل مظلوما بعد قتله يسلبه ، او قطع اعضائه ، او رضّ جسده ، او طرحه بلا دفن وكفن ثلاثا ، وهذا المعنى ايضا له فرد واحد .

وهو الحسين عليه السلام المظلوم بعد قتله حتى انه سلب ثوبا عتيقا ممزقا لا يُنتفع به .

الاية السابعة : في الانتقام له يوم القيامة ، وهي قوله تعالى : " وإذا الموءودة سُئلت . بأي ذنب قـُتلت " ، عن ابي عبدالله عليه السلام انها نزلت في الحسين بن علي عليهما السلام .

اقول : حيث ان الاية الشريفة في تلو الوقائع العظيمة من تكوير الشمس ، وانكدار النجوم ، وتسيير الجبال .

فلا بد ان يكون السؤال الذي يذكر في تلو هذه الوقائع العظيمة ذا خصوصية في عظم السؤال عنه ، وتقلب احوال اهل المحشر فيه ، بحيث يعمّ جميع الناس ، حتى يخوّف كل الناس به ، كمعطوفاته .

والقتل بهذه الكيفية من الدفن احياء ، وان كان امرا عظيما .

ولكن السؤال من المأخوذ المضيق عليه ، المخنوق المأخوذ بنفسه وهو حي - أعني الحسين عليه السلام ، واولاده وعياله ونساءه ومن معه ، وانهم بأي ذنب قـُتلوا كذلك ؟ - أعظم فلعل ذلك هو الوجه في قوله (ع) انها نزلت في الحسين بن علي عليهما السلام .

وتحقيق ذلك : ان الموءودة قد حصلت في الحسين (ع) وعياله واطفاله يوم عاشوراء قبل ان يستشهدوا ، فانه قد حصل خنقهم والأخذ بأنفاسهم يوم عاشوراء قبل ان يستشهدوا ، كمن يدّس في التراب وهو حي من العطش ، والمحاصرة ، والتضييق ، وتوارد المصيبة ، واعظم منه انه يؤخذ بنفسه .

وقد دام الوأد من الصبح الى العصر ، بلا راحة بالموت ، فهم الموءودة ، وهذه الموءودة ممن يسأل منها بأي ذنب قتلت ؟ بأي ذنب هكذا قتلت ؟ بأي ذنب قتلت صغارها هكذا ؟

الاية الثامنة : ( وفديناه بذبحٍ عظيم ) فقد ورد ان الذبح العظيم هو الحسين (ع) ولا يلزم منه كون مرتبة المفدى اعظم ، بل المعنى وفديناه بسبب الذبح العظيم الذي يخرج من صلبه ، او المعنى انه تبدل فداؤه لربه بفداء اخر اعظم .

وحصلت هذه المرتبة العظمى - من جعل النفس فداء في سبيل الله - للحسين عليه السلام .

المقصد الرابع
في ثبوت خصائص سورة الحمد والبسملة بالخصوص له عليه السلام

فنقول :

سورة الحمد : فاتحة الكتاب .

والحسين عليه السلام: فاتح مصحف الشهادة .

سورة الحمد: ام الكتاب

والحسين عليه السلام : ابو الائمة الاطايب.

سورة الحمد: كنز للاطاعة .

والحسين عليه السلام : كنز لأسباب الشفاعة .

سورة الحمد: وافية .

والحسين عليه السلام : واف بأسباب المغفرة والفلاح .

سورة الحمد : شافية .

والحسين عليه السلام: تربته شافية ، ودمه شفاء كما في قضية ابنة اليهودي .

والدمع الذي يسكب عليه شفاء يطفيء النيران الباطنة ، والنيران الظاهرة ، فان قطرة منه لو سقطت في جهنم لاطفأت حرّها كما في الحديث ، وذكره ومولاته شفاء لما في القلوب وأي شفاء.

سورة الحمد : كافية .

والحسين عليه السلام : محبته كافية .


سورة الحمد: عدل القرآن.

والحسين عليه السلام: شريك القرآن وعدله في استيداع النبي (ص) إياه .

سورة الحمد : سبع مثان ، لانها نزلت مرتين .

والحسين عليه السلام : له خصوصية وهي انه اُنزل من السماء مرتين ، واُصعد مرتين ، فنزل بروحه عند ولادته ، ووفاته كسائر الائمة والانبياء (ع) ، واُصعد بجسده .

ثم اُهبط وهذا من خصائصه ، ففي الرواية انه لما قتل الحسين (ع) ، ورفعوا رأسه ، هبطت الملائكة ، وأخذت بجسده الى السماء الخامسة بتلك الحالة ، واوقفته مع صورة علي (ع) في السماء الخامسة.

ونظروا اليه متشحطا بدمه الزكي ، ولعنوا قاتله ، ثم نزلت به الى محله في كربلاء ، وهي هذه الامور حكمة مخفية لا نصل الى كنهها ، والله تعالى العالم بها .

سورة الحمد : من قرأها مؤمنا بظاهرها وباطنها ، اعطاه الله بكل حرف حسنة ، افضل من الدنيا بما فيها كما في الحديث .

والحسين (ع : (من ذكره وبكى عليه ، اعطاه الله تعالى بكل دمعة حسنة افضل من الدنيا وما فيها ، ومن زاره اعطاه الله تعالى بكل حرف حسنة افضل من الدنيا وما فيها ، كما مرّ تفصيل ذلك .

البسملة: عنوان السور وصدرها .

والحسين (ع) : عنوان الشهداء وسيدهم .

البسملة : وردت في مائة واربعة عشر ، منها اجزاء القران .

والحسين (ع : ( مائة واربعة عشر تسبيبا موجبا للغفران .

البسملة : تذكر عند الذبح والنحر تكليفا .

والحسين (ع :(يتذكره المؤمن عند كل ذبح ونحر وقتل من حيث شدة قتله ونحره من كل قتل ونحر ، كما في الحديث النبوي .

بل يتذكره المؤمنون الصادقون عند كل ألم ومصاب فتهون بذلك كل مصيبة ، ويتذكره شيعته كلما سمعوا بمظلوم او علموا بغريب وحيد فريد مظلوم ،بل وكلما سمعوا الاذان فهو سبب استمرار هذا الاسلام ولولا ثورته لما بقي من الاسلام باقية ، فاعرفوا ما انتم فيه من العز والكرامة عند الله تعالى ايها الشيعة المتعاهدون مجالس امامكم الحسين (ع) وما هذا الا ان كنا صادقين مع الله تعالى في خدمة الحسين بل بشرف خدمة محمد المصطفى واله المعصومين صلوات الله تعالى عليهم اجمعين

المقصد الخامس
مقصد لطيف فيه جامع لما يتعلق به من القرآن

منها ما ينطبق عليه عموما من الايات والكلمات التي وردت فيه ايضا بالاشارة ، ومنها ما لم يرد بالخصوص .

ولكن استنبطناه من الصفات الواردة في القرآن المكتوب الثابتة فيه .

فنقول :

القرآن الكريم : فيه ايات ، لها اسماء وصفات وخواص خاصة ، كآية النور ، واية التطهير ، واية الكرسي ، وايات لخواص مخصوصة ، وايات الشفاء ، وايات السجدة .

والحسين عليه السلام : فيه الكرسي الرفيع الذي عمّ السموات والارض علمه ، والحسين (ع) فيه آيتا نور فآية لرأسه وآية لجسده .

فالآية الاولى : ظهرت لكثير ممن كانوا في طريق الشام ، وظهرت لزيد بن ارقم حين مروا بالرأس على غرفته ، فرأى الشعاع الداخل من شباك غرفته في الطريق ، فتعجب فنظر فاذا النور من الرأس المرفوع ، وسمع منه قرآءة سورة الكهف المباركة من رأسه المبارك المعجر.

والاية الثانية : رآها الزارع الاسدي ، الذي جاء في الليل ليلاحظ القتلى ، فقال : رأيت فيها جسدا يضيء في الليل كالشمس اذا طلعت ، ورأيت اسدا يجيء فيجلس عنده .

والحسين (ع) : في محبته ايات الشفاء من الامراض المعنوية ، وفي تربته ايات الشفاء من الامراض الظاهرية .

والحسين (ع) : في جسده ايات اربع ، هي العزائم الاربع ، يحق لمحبيه لدى ملاحظتها ، الوقوع على الارض ، والكبوة على الوجه كما يلزم السجود عند قراءة العزائم .

فآية منها : أثر سهم على قلبه الطاهر قد نفد فخرج من ظهره .

واية منها : اثر سيف مالك بن اليسر على رأسه الشريف الذي قطع العمامة والبرنس والرأس ، ولذا كشف رأسه وألقى العمامة والبرنس.

واية منها : اثر رمح على خاصرته من صالح بن وهب المزني فانقلب عن فرسه الى الارض.

واية منها اثر السيف على النحر المنحور من القفا وقد انفصل الرأس منه .

فهذه ايات اربع ، هي ايات العزائم الثابتة على الجسد الشريف ، تعزم على محبيه عند تصورها او سماعها ، تضعضع الاركان ، وتهدّ القوى ، وتقوّس القامة ، وتوجب السقوط على الارض ، والتعفير في التراب ، ووضع التراب على الرأس أسىً وحزنا وتألما وبكاء شديدا على المقتول بكربلا .

واما الايات المخصوصة للخواص المخصوصين : فان في الحسين (ع) آيات وتسبيبات ، ووسائل الى كل مطلوب من مطالب الدنيا والاخرة بأقسامها .

المقصد السادس

مقصد طريف لطيف جديد نذكره في عنوان السرور ، من اولها الى اخرها ، من الفاتحة الى المعوذتين ، مع بيان ما يتعلق منها بالحسين (ع) بالاشارة او المناسبة او الباطن

فنقول :

سورة الفاتحة قد ذكرناها مستقلة في المقصد السابق .

سورة البقرة :

فيها اول رثاء للحسين (ع) وهو قوله تعالى " قالوا أتجعل فيها من يُفسد فيها ويسفك الدماء " ، ففي الحديث انهم لاحظوا مقتل الحسين عليه السلام واصحابه في كربلاء ، وقد علموا بذلك لادلة دلتهم على ذلك .

سورة آل عمران :

قد تلا (ع) منها حين توجه ولده علي (ع) الى القتال " إن الله اصطفى آدم ونوحاً وآل عمران على العالمين. ذرية بعضها من بعض . والله سميع عليم " .

سورة النساء :

فيها الاية الثانية من ايات رثائه وهي " إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلاً " ، فان اظهر افرادهم الذين كانوا معه ، فما لكم لا تقاتلون في سبيلهم .

سورة المائدة :

له (ع) مائدة تنطبق على مائدة الطعام ، وهي مائدة من شراب الكوثر نازلة له ولاصحابه لرفع عطشهم ، ولم يقل اصحابه " أنزل علينا مائدة من السماء تكون لنا عيدا ً " ، وانما رضوا بكل عطش وكل جوع وكل جرح وكل قتل ، وكان اهنأ عليهم من كل طعام وشراب .

سورة الاعراف :

هو (ع) من الاعراف على بعض المعاني الورادة في معانيها وهو من الرجال . " وعلى الأعراف رجال يعرفون كلاً بسيماهم " ، وللحسين عليه السلام معرفة خاصة بسيماء زائره ، فانه له سيماء بخصوصه يوم القيامة ، كما ذكرناه في خواص الزيارة

سورة الانفال :

الأنفال حقه ، وحق التسعة من ذريته " واعلموا أنما غنمتم من شيء فإن لله خمسه وللرسول ولذي الربى واليتامى والمساكين وابن السبيل " ، وقد مُنع منه ، ومنعوا منه وغصب منه ومنهم (ع) .

لكنه قد اختص بمنع المشترك بين جميع ذوات الارواح ، وهو الماء الذي هو ليس من الانفال بل فيه حق شرب لكل من فيه روح حتى الكفار والحيوانات .

سورة برائة :

تنطبق كل ايات الجهاد فيها على جهاد اصحابه حقيقة

وفيها اية الاشتراء من الله تعالى " إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يُقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويُقتلون وعداً عليه حقاً في التوراة والإنجيل والقرآن ، ومن أوفى بعهده من الله ، فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم " .

وقد عامل في سوق هذه المعاملة جميع عباد الله تعالى بأصنافهم .

وللحسين (ع) بالنسبة الى ذلك معاملة خاصة ، وتسليم ثمن بنحو مخصوص، ونقل متاع وكَيله ووزنه وحفظه وبذله بنحو مخصوص ، كما يظهر من جميع خصائصه عند التدبر .

سورة يونس عليه السلام :

للحسين (ع) من يونس صورة وصفة وسيرة حين نُبذ " بالعراء وهو سقيم "

أسفي لعارٍ مثل يونس بالعراء **** يقطينه فيها جناح الأنسر

وان شئت فقل : يقطينه فيها سيوف تشهر ، او قل : رماح تشرع .

سورة هود عليه السلام :

قد تلا منها ايات خاصة حين وقف في الميدان قبالة القوم وخطبهم ، فقرأ في خطبته : " قال إني اُشهد الله واشهدوا أني بريء مما تشركون . من دونه فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون . إني توكلت على الله ربي وربكم ما من داية إلا هو آخذ بناصيتها . إن ربي على صراط مستقيم " .

سورة يوسف عليه السلام:

في روايات العامة انها تزلت على النبي (ص) تسلية له بما جرى على ولده الحسين (ع) وفيها تطبيقات اُخر ايضا .

سورة الرعد :

قال تعالى : " ويُسبح الرعد بحمده " ، وفي الحديث ما من سحابة تمر وترعد وتبرق الا ولعنت قاتل الامام الحسين صلوات الله تعالى عليه .

سورة إبراهيـــم عليه السلام :

في سورة إبراهيم قصة اسكان ابراهيم لذريته " بواد غير ذي زرع " ، وينطبق عليه كيفية اسكانه (ع) ذريته في كربلاء ، وكيفية وداعه لهم .

ومن المفجعات العجيبة تطبيق مكالمة ابراهيم اهله - حين اسكنهم في ذلك الوادي - مع مكالمة الحسين (ع) حين حلّ بأهله في وادي كربلاء حرّك أهله بوادي كربلاء.

سورة الاسراء:

للحسين (ع) معراج خاص من ارض كربلاء ، أثر في جعله معراجا للملائكة ، واسراءً خاصا لجده (ص) المصطفى ، حيث قال اُسري بي الى موضع يقال له كربلاء ، رأيت فيه مصرع ابني الحسين واصحابه .

سورة الكهف :

كان رأسه المطهّر - وهو على الرمح - يتلو سورة الكهف المباركة ، فسمع زيد بن ارقم في الكوفة اية " أم حسبت أن أصحاب لاكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجباً " ، وسمع منه آخرون في الشام " إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدىً " ولقراءة أصل السورة حكمة خاصة .

ولخصوص قراءة الاولى في الكوفة حكمة خاصة ، ولقراءة الاية الثانية في الشام حكمة خاصة .

سورة مريم عليه السلام :

في حديث زكريا (ع) ان " كهيعص " اشارة الى كربلاء ، وهلاك العترة من يزيد في حال العطش مع الصبر .

وقد ذكرنا الحديث سابقا عن التهذيب والبحار عن الامام السجاد عليه السلام وفيه قوله : " فحملته فانتبذت به مكاناً قصياً " ، قال : خرجت من دمشق حتى أتت كربلاء ، فوضعته في موضع قبر الحسين عليه السلام ثم رجعت من ليلتها .

سورة طــه :

فيها مناسبات له (ع) في حكاية موسى (ع) " إذ رأى ناراً فقال لأهله امكثوا إني آنست ناراً " والحسين (ع) رأى من جانب كربلاء نوراً وهو في المدينة ، فقال لاهله : تعالوا معي ، وأجاب لما سئل عن ذلك في مكة فقال : ان الله قد شاء ان يراهن اُسارى .

وفي السور بعد طه ايضا مناسبات خاصة له ، ولهذا قرأ بعض الايات من سورة القصص عند خروجه من المدينة ، وبعض الايات عند دخوله مكة .

وسنذكر تفصيلها في عنوان الهجرة من خصائصه .

وقد قرأ بعض اصحابه ايات من سورة المؤمن عند مبارزته ، كما سيجيء في عنوان الشهداء .

والمقصود بيان انموذج من التطبيقات ، فلنكتف بذلك ولنذكر بعض المناسبات لعموم السور

فنقول :

السور المصدرة بالحروف المقطعة من : الطواسين " و " والحواميم " و " يس" و " ص " و " الم " و"ق" و "ن"

لصورها في النقش تأثيرات واشارات بالنسبة الى عددها بحساب الحمل ، وتأثير في حروفها ، واشارات الى اسماء الله ، ورموز لا يهتدي اليها الا من خوطب بها .

والحسين (ع : ( في جسده حروف مقطعة من أثر السيوف ، لها هيئات في آحادها ، ومثانيها ، وثلاثها ورباعها وخماسها ، ولكل هيئة خاصة ، وهي رموز في عالم التسليم والرضا .

وقد اهتدى الى تلك الرموز من اهتدى ( النبي واله ) صلوات الله تعالى عليهم اجمعين الى رموز الحروف المقطعة في اوائل السور .

ولذا كان يقبّل بالخصوص بعض المواضع من بدنه ، يقبّل جميع البدن ، حين يقول لعلي (ع) " أمسكه فيمسكه ويقبل جميع مواضع الحروف المقطعة ويبكي صلوات الله عليه واله اوائل التسبيحات من مناسبات الصفات الالهية التي قد منحه الله انموذجا منها كما بيّناه في العناوين الاحترامات الالهية .

سورة المدثر :

له من هذه السورة باطنها ، كما انه لا يخرج من معناها الظاهر فان النبي (ص) منه وهو منه .

سورة المزمل :

وهو (ع) المخاطب بها من حيث انه (ص) المخاطب ، وهو (ع) به (ص) ومنه ، وهو المزمل بدمائه الذي قام ليلة الضلال فكشفها وجعلها ضياء ، وأوضح نور الحق ، واصحابه المزملون كأصحاب النبي (ص) الذين قال في حقهم يوم أحد " وزملوهم بثيابهم ودمائهم ، فانا الشهيد عليهم " .

سورالاقسام العظيمة :

لها بواطن تنطبق على الامام الحسين (ع) وحالاته ، وشهادته ، ووجهه ، وروحه ، وجسده ، وقلبه ، واصحابه وحالاتهم .

فاستمع لما يتلى عليك منها :

" والصافات صفا . فالزاجرات زجرا . فالتاليات ذكرا " هي تنطبق على الحسين (ع) وعسكره ، لصفهم في القتال ، وصفهم للحماية ، وصفهم في الصلاة ، وصفهم في الاجساد المطروحة ، وصفهم في الرؤوس المقطوعة ، وصفهم في الدفن فانهم دفنوا في حفيرة واحدة .

ايضا :" والفجر . وليالٍ عشر . والشفع والوتر . والليل إذا يسر " ، الحسين (ع) هو الفجر بنور هدايته ، ولياليه في مصائبه هي العشر ، هو وأخوه : الشفع ، وهو بقي وحيدا : الوتر ، واما الوتر الموتور والنفس المطمئنة في اخر هذه السورة : فهي روحه الشريفة ، حين رجوعها الى ربها كما ورد ذلك في الروايات .

ايضا : " والطور . وكتاب مسطور . في رق منشور . والبيت المعمور . والسقف المرفوع . والبحر المسجور " ، فالطور محل شهادته بمعنيين ، ظاهري كما في الحديث ، ومعنوي ، والكتاب المسطور : بدنه الشريف ، والبيت المعمور : رأسه ، والبحر المسجور : ميدان كربلاء يوم وقع القتال .

ايضا : " والنجم إذا هوى " ، بيان لكيفية وقوعه .

ايضا : " والضحى " ضحى نور وجهه المنير ، او نور اظهار الايمان به ، فانه مجدد ما انمحى من الاسلام ولولا نهضته لما بقي مسلم قط على وجه هذه الارض ،وهذا من معاني الحديث النبوي المبارك : وانا من حسين .

وايضا : " والسماء ذات البروج " هو الحسين (ع) حقيقة : فانه سماء له تسعة بروج ، بل له ثلاثة عشر برجا .

ايضا : " والسماء والطارق . وما أدراك ما الطارق . النجم الثاقب " الذي يشع ضوؤه المنير من السموات ، والحسين (ع) : نجم ثاقب ، يثقب نوره الظلمات الارضية ايضا .

وايضا : " والشمس وضحاها . والقمر إذا تلاها . والنهار إذا جلاها " ، الشمس : هي وجه الحسين (ع) ، لانه الشمس حقيقة ، فان الشمس يذهب شعاعها بقطعة سحاب ، وهو قد تضمخ وجهه الكريم بالدم والتراب والجراح تلو الحراج ولم ينقص من نوره .

بل كان جسده في الليالي الثلاث يضيء كالشمس .

وايضا : " والمرسلات " ، الملائكة المرسلة لما يتعلق بالحسين عليه السلام .

وايضا : " والنازعات غرقاً " ، وما بعده الارواح المطهرة للحسين عليه السلام واصحابه .

ايضا : " والذاريات ذروا . فالحاملات وقرا " لهما في بعض التفاسير تطبيق على اصحابه وجهادهم يوم الطف .

ايضا : " والتين والزيتون " قد ورد ان الزيتون هو الحسين عليه السلام .

ايضا : " والعاديات " لخيلهم حين تركض .

سورة القيامة :

كلها منطبقة على قيامة أهل البيت (ع) التي قامت يوم عاشوراء ، فهي الواقعة العظيمة وهي " الحاقة " و " الصاخة" حقيقة ، وهي " الطاة الكبرى " حقيقة ، فانها قد علت على كل مصيبة ، وهي " القارعة " التي قرعت قلوب الابرار والفجار وكل شيء ، وهي التي " زلزلت الارض زلزالها " وهي الغاشية التي يقال فيها " هل أتاك حديث الغاشية " ! فهل أتاكم حديثها ؟ وهي التي تحقق فيها " إذا السماء انشقت " و " إذا السماء انفطرت " حين ضرب بالسيف على رأسه الشريف ، وقوله تعالى " إذا الشمس كورت ، وإذا النجوم انكدرت " منطبق على يوم عاشوراء ، والتكوير للشمس الظاهرية والشمس الباطنية ظاهرا وباطنا .

ولكل من هذه تفصيل ذكرته في كتاب روضات الجنات في المواعظ بالقرآن الكريم ، وفقني الله تعالى لاتمامه بمنه وحوله وقوته .

سورة القدر :

قد ثبتت للحسين (ع) فضائل ليلة القدر كما سيجيء في عنوان خصائصه المتعلقة بالازمنة الشريفة .

سورة الاخلاص او التوحيد :

هو قد اظهر في الخارج ، التوحيد الحقيقي وهو توحيد علاقة القلب ، اي تجريد العلائق القلبية من كل ما سوى الله تعالى ، وله بيان وتفصيل في عنوانه .

سورة الجحد :

اي: الجحد لدين الكفار ، وهو قد اظهر الجحد لاهل النفاق والخلاف ، وتبّرأ منهم ، وقال ( لكم دينكم ولي دين ) صلوات الله تعالى عليه

سورتا المعوذتين :

عوذتان له ولاخيه كما في روايات الخاصة والعامة .

انتهى العنوان الثامن

 

Description: C:\Users\f\Desktop\%D9%83%D8%AA%D8%A8 %D9%85%D8%B3%D8%AD%D9%88%D8%A8%D9%87\1\main\images\pa07.gif

 

العنوان التاسع

في خصوصياته المتعلقة ببيت الله الحرام

وفيه مطالب :

الاول : انه بيت الله حقيقة .

الثاني : انه عظّم الكعبة المكرمة تعظيما خاصا ، فجعل الله له بذلك احترامات خاصة على طبق احترامات الكعبة وفضائلها ، وخصّه بزيادات في ذلك على البيت .

الثالث : انه قد جعل الله تعالى لزيارته تأثيرا خاصا في المعادلة للحج والعمرة ، وذلك لسرٌ معنوي ، ونكتة عجيبة لطيفة .

فنقول ، بعون الله تعالى :

المقصد الاول
انه بيت الله الحقيقي

اعلم ان الله تعالى يجلّ عن المكان ، والحلول ، والسكنى ، والمسكن ، واتصاف بعض الامكنة بكونه بيتا لله تعالى .

انما هو لشرافة خاصة له من حيث جعله محل عبادة الله تعالى ، او كثرة العبادة فيه ، او الامر بالتوجه اليه حين العبادة ، او كونه محاذيا لمحل عبادة ، او لنزول فيض خاص ، او لكونه صعب المنازل .

فيخلص فيه القصد الى الله ، كما اجتمع ذلك كله في مكة المعظمة ، وتحقق بعض ذلك في المساجد ، وفي بيوت أذن الله ان ترفع ويذكر فيها اسمه ، وهذه كلها بيوت الله ظاهرا .

واما بيت الله الحقيقي فهو ما في الحديث القدسي ) : لا تسعني أرضي ولا سمائي ، ولكن يسعني قلب عبدي المؤمن ( ، وقد أوحى الله تعالى الى نبيه داود عليه السلام : ( فرّغ لي بيتا أسكن فيه ، فقال : يا رب إنك تجل عن المسكن ، فأوحى إليه : (فرّغ لي قلبك ( ، وايضا جاء ) القلب حرم الله تعالى فلا تسكنوا حرم الله إلا الله تعالى ( ، فكل قلب لم تكن فيه سوى محبة الله تعالى وذكره فهو بيت الله تعالى حقا .

فقلب المؤمن الكامل بيت الله حقيقة ، لانه خال عن التعلق بغيره ، فليس فيه فكر ولا ذكر ولا هم الا الله تعالى .

وقد ينتهي الامر الى انه لا يبصر الا بالله تعالى ، ولا يسمع الا بالله ، وهذا احد معاني قوله تعالى في الحديث القدسي " حتى أكون سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به "…… .

واذا تحقق ذلك وتأملت حق التأمل ، ظهر لك ان بيت الله الحقيقي الاكبر هو قلب الحسين عليه السلام .

فانه فرّغه تفريغا حقيقيا صادقا خالصا ، اذ لم تبق فيه علاقة لغير الله عزوجل ، حتى العلائق التي لا تنافي العلاقة مع الله تعالى ، وذلك لان قطع العلاقة عن كل شيء لله - خصوصا مع شدة العلقة به - دليل على شدة العلقة مع الله تعالى .

وقطعها كلها دليل انحصارها ، والشرائع مبتنية على ذلك ، والتدين بالدين انما بمقدار قطع العلاقة عن غير الله لله تعالى .

والدرجات المختلفة انما هي باختلاف العلائق شدة وضعفا ، ومقدار تركها زمانا ، وكيفية امتثال امر الله تعالى .

اذا تحقق ذلك ، فاعلم ان الحسين (ع) حين توجه اليه الامر في الصحيفة الالهية بخطاب : " إشر نفسك لله " ، قد قصد من اول هجرته من المدينة الى مكة ، ثم الى كربلاء ، امتثال هذا الامر متقربا بجميع ما سيقع عليه .

فكان جميع ذلك منويا له موطّنا عليه نفسه الزكية حتى تقطيع اوصاله وطّن نفسه عليه وهو في مكة المكرمة ، كما نوى (ع) التقرب بتحّمل ذبح اصحابه ، واولاده ، واهل بيته صلوات الله تعالى عليهم اجمعين .

بل اكثر من ذلك ، فقد وطّن نفسه بتحّمل ذبح طفله الرضيع على يديه بل وطفل رضيع اخر له ، بل اُري صورة الواقعة ومحلها لأم سلمة مشاهدة بالعين .

فقد أخلــى قلبه من التعلق بالوطن ، والديار والمساكن ، ومن التعلق بالاموال حتى اللباس والسلطنة والراحة والرئاسة .

ومن التعلق بالعيال والاطفال والاولاد والاخوان والعشيرة والاصحاب ، فقدّمهم امامه ذبحا واسراً ، ومن التعلق بجميع ما في الدنيا حتى الماء ، وحتى قطرة منه للمحتضر الغريب .

ومن تعلق الرأس بأجزاء البدن وعظامه ولحمه ودمه ، ومن اتصاله وبقاء صورته وتركيبه وهيئته ، حتى انه قطع علاقة قلبه المبارك مع صورة القلب التي في الصدور ، ومع مهجة القلب التي هي دم القلب .

فشبك قلبه سهم مسموم ذو ثلاث شعب ، وقع عليه وسال دمه جاريا خارجا كالميزاب يتدفق ، فأخذه بيده المباركة وخضّب به رأسه ولحيته ، ففي الزيار ة : " وبذل مهجته فيك " .

فلما بذل فيه قلبه الظاهري ومهجته ، وجميع علائق قلبه ،

تمحض القلب المعنوي لله تعالى ، وصار خاليا عن غير الله ، وفارغا عن جميع ما سوى الله تعالى وصار بيت الله الحقيقي التحقيقي الذي ليس فيه سوى الله تعالى ( ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً ) ومن ذلك يظهر قوله (ص) " من زار الحسين (ع( كان كمن زار الله تعالى في عرشه ) .

المقصد الثاني

ان هذا البيت الحقيقي قد خص كالكعبة بتعظيم خاص

فخصّه الله تعالى بخصائص الكعبة ،

مع تفصيل فيها :

تفصيل ذلك انه (ع) لما ورد مكة يوم الجمعة لثلاث مضين من شعبان وبقي فيها الى موسم الحج ، واحرم بحج او بعمرة التمتع على اختلاف الروايات ، بلغه بأن يزيد قد بعث ثلاثين رجلا من شياطين بني امية ليقتلوه غيلة ، ووجه جيشا مع عمر بن سعد بن العاص لقبضه .

فأحل من احرامه بعمرة مفردة ، وعزم على الخروج يوم التروية ، او يوم عرفة ، فأتاه محمد بن الحنفية في تلك الليلة فقال له : " يا أخي إن أهل الكوفة قد عرفت غدرهم بأبيك وأخيك ، وقد خفت أن يكون حالك كحال من مضى ، فان رأيت أن تقيم فانك أعزّ من في الحرم وأمنعه " . .

فقال (ع) له : يا أخي قد خفت أن يغتالني يزيد بن معاوية في الحرم ، فأكون أنا الذي يستباح بي حرمة هذا البيت " .

فقال ابن الحنفية : " فان خفت ذلك ، فسر الى اليمن ، او بعض نواحي البر ، فانك امنع الناس به ، ولا يقدر عليك احد. " .

فقال عليه السلام : " أنظر فيما قلت " .

فلما كان وقت السحر ارتحل الحسين عليه السلام ، فبلغ ذلك ابن الحنفية ، فأتاه وأخذ بزمام ناقته وقد ركبها .

فقال : يا أخي ألم تعدني النظر فيما سألتك ؟

قال عليه السلام : بلى .

قال : فما حداك على الخروج عاجلا ؟

فقال عليه السلام : أتاني رسول الله (ص) بعد ما فارقتك ، فقال : اخرج فان الله قد شاء ان يراك قتيلا .

فقال ابن الحنفية : إنا لله وإنا إليه راجعون ، فما معنى حملك هؤلاء النسوة معك ؟ وانت بمخرج على مثل هذا الحال ؟

فقال (ع) " ان الله قد شاء ان يراهن سبايا " .

وقال ايضا لاخيه ابن الحنفية : يا اخي لو كنت في حجر هامة من هوام الارض لاستخرجوني منه حتى يقتلوني .

ثم جاء عبدالله بن الزبير ، وعبدالله بن العباس ، وعبدالله بن عمر ، فمنعوه ذلك .

فأجاب ابن الزبير بأني لا أحب أن تهتك بسبب حرمة البيت .

وأجاب ابن عمر بكلام ذكر فيه هوان الدنيا ، وقتل يحيى (ع) ، وقتل بني اسرائيل كل يوم سبعين نبيا ما بين طلوع الفجر الى طلوع الشمس ، وقد ذكرناها فيما سبق .

واجاب ابن عباس : بأن رسول الله (ص) قد أمرني بأمر أنا ماض فيه ، فسّلم الكل عليه ، وودعوه وبكوا.

فقال ابن عمر : اكشف عن الموضع الذي كان يقبله رسول الله (ص) فكشف عن سرّته فقبلها ، وبكى وودعه وخرج صلوات الله تعالى عليه مقبلا الى العراق .

اقول : ايها العارف البصير تأمل في فعل هذا الامام الجليل ، وقوله صلوات الله عليه أخاف أن تستباح بي حرمة البيت الحرام ، وكيف عظّم جلال ربه ، وتأدب حيث رضي بما يجري على نفسه الشريفة.

ولم يرض بأن يكون ذلك بقرب البيت الذي عظمّه الله تعالى فجعله محترما ، فبسط احترامه في الانظار ، مع انه (ع) اعظم من البيت واشرف وأجل .

ولهذا ينظر الله تعالى يوم عرفة الى زواره قبل ان ينظر الى أهل عرفات ، ولأجل تعظيمه بهذا التعظيم ثبتت له جميع الخصائص التي خصّ الله تعالى بها الكعبة ، والكرامات التي أكرمها الله بها.

ولنعدّ منها خمسين فضيلة ، ثم نبين كيفية الموازنة والتطابق بعون الله تعالى جل جلاله .

وله الحمد على هذا الإلهام :

الاولى : انه اول بيت وضع للناس دون غيره من المساجد ، والمقامات .

والحسين (ع( : حيث انه من النبي (ص) والنبي منه .

فهو اول بيت وضع للناس ، فان اول المخلوقات نور النبي المصطفى (ص) ، وقد كان الحسين (ع) مع نور جده وابيه وامه واخيه - مخلوقا قبل السموات والارضين .

فهو اول بيت وضع للناس والملائكة وجميع المخلوقات .

الثانية : كونه ببكة ، وهو اشرف المواضع .

والحسين عليه السلام : بأشرف المواضع نسباً ، وفي كربلاء مدفنا ،

ومن حديث كربلا والكعبة *** لكربلا بانَ علو الرتبــــة

الثالثة : ان الله تعالى أمر خليله (ع) ببنائه بيده ، فهو بناء يد الخليل .

والحسين عليه السلام : قد نبت لحمه ودمه من لحم الحبيب ودمه كما مرّ تفصيله ، والحبيب رتبته أعلى من الخليل .

الرابعة : ان الله تعالى جعله مباركا لزواره ومجاوريه .

وهو عليه السلام : ذو بركة إلهية من جهة الفيوضات الواردة على الناس بسببه ، فمنهم من دخل الجنة بالشهادة بين يديه ، ومنهم بالبكاء عليه ، ومنهم باقامة العزاء عليه ، ومنهم بالابكاء عليه ، ومنهم بالتباكي عليه ، ومنهم بتذكره حين شرب الماء ، او حين الجوع ، او حين الكربات والبلايا الطارئة على النفوس في هذه الدنيا ، ومنهم بالتحسر القلبي على عدم استشهاده ونصرته حين استنصاره لمحبيه وشيعته ، ومنهم بزيارته ، ومنهم باعانة زواره ، ومنهم بالدفن في تربته ، ومنهم بتأليف الكتب واظهار فضائله للناس ، ومنهم بسقي الماء ويالها من عبادة كبرى حبيبة الى الله تعالى واولياءه ، او بنحو اعم تأليف كتبا ايمانية واخلاقية وعقائدية تنشر الفكر الاسلامي القويم ، ومنهم بخدمته بشتى انواع الخدمة الى غير ذلك من وجوه بركته في الارزاق والفيوضات الواردة بسببه على من له نسبة اليه بمجاورة ، او قراءة تعزية ، او حضور مجلس ونحو ذلك .

الخامسة : جعله تعالى هدى للعالمين كما في الاية الشريفة ، " إن أول بيت وضع للناس لَلذي ببكة مباركا وهدى للعالمين " .

والحسين عليه السلام : ايضا هدى للعالمين ، وسبب هدايته ، لانه (ع) قد فدى بنفسه دين محمد المصطفى صلوات الله عليه واله .

وانه جاء في الحديث النبوي المبارك " ان الاسلام محمدي الوجود حسيني البقاء " وقد شاءت ارادة الله تعالى ان يأتي عصر حكومة يزيد الفسق فيقضي على كل بذروة من بذور الاسلام وان يكون تجدد ذكر الاسلام وبزوغه بسبب حجته على خلقه انذاك الامام الحسين عليه السلام .

ولا ننسى الحديث المبارك ما مضمونه : " ان الله تعالى أبى ان يجري الامور الا بأسبابها " وايضا قد ورد في زيارة الاربعين عن الصادق (ع) في حق الامام الحسين الشهيد (ع) : " وبذل مهجته فيك ليستنقذ عبادك من الجهالة وحيرة الضلالة " .

السادسة : جعل سبحانه له حرما من أطرافه ، لا يصطاد صيده بل لا ينفر ، ولا يعضد شجره " اي : يقطع شحره "ولا يختلى خلاله ولا يلتقط لقيطه الا المنشد .

وهو عليه السلام : قد جعل الله تعالى لمدفنه حرما من أطرافه ، فجعل تربته المباركة محترمة ، وأحلّ اكلها بمقدار خاص للشفاء ، وجعل حرمه المبارك فرسخ .

وفي رواية اربعة فراسخ من جوانبه ، وفي رواية خمسة ، وحملت على الاختلاف في الفضيلة.

ولكن قد اختلفت كلماتهم في التحديد بالنسبة الى جواز الاكل فقيل : بجواز اكل تربة الحرم مطلقا ، وقيل تربة نفس القبر الشريف ، وما يقرب منه على وجه يلحق به عرفا ، وهو المناسب لقاعدة الاقتصار على المتيقن .

وربما استظهر من بعض الروايات ، وفي بعض الاخبار التحديد بالميل ، وبأربعة اميال ، وبسبعين ذراعا .

وللاستشفاء آداب وشروط مذكورة في محلها ، بل ذكر بعضهم ان الاستشفاء بها في غاية الصعوبة وذلك لاجل كثرة ما اعتبر فيه ، وكأنه فهم الشرطية ، ولعل الاظهر انها آداب .

السابعة : جعله الله تعالى مأمنا لا يحل دم من يأوي اليه .

وهو (ع : ( ايضا لا يحل دم من يأوي اليه ، لكن هتك بنو امية حرمة البيت بالنسبة الى ذلك.

وهتكوا حرمته بالنسبة الى من آوى اليه حتى بالنسبة الى الصغيرين صلوات الله عليهما ، اللذان كان احدهما في يده فآواه من العطش ،

والاخر على صدره عليه السلام حين قطعوا يده فاستغاث بعمه ، فآواه الى صدره ، فضرب بسهم وقتل على صدره.

وكما نفرت طيور الحرم عنه حين دارت عليه للنوح ، فضربت سكينة (ع) وجرّت عنه واصطيدت من هذا الحرم ، وربطت بالسلاسل ، وركبت على اقتاب المطايا .

الثامنة : جعله قبلة حبيبه المصطفى محمد صلى الله عليه وآله وسلم في صلواته التي هي اشرف وافضل عباداته ، " فول وجهك شطر المسجد الحرام ، فهو قبلة وجه النبي صلى الله عليه واله وسلم .

ولكن مولاي الحسين عليه السلام مهجة قلب النبي (ص) ، وثمرة فؤاده ، وريحانته كما وصفه هو بذلك .

بل هو نفس النبي (ص) كما قال : حسين مني وانا من حسين .

ومع هذا فهو ايضا قبلة وجه النبي (ص) فقد كان يتوجه اليه ويلاحظه كلما جاء اليه او نظر اليه وان كان في اثناء الخطبة ، او في الصلاة ، حتى يحمله حينها .

التاسعة : جعل طوافه ركنا من اركان الاسلام فقال " ولله على الناس حج البيت " ، ومن لم يأت به فقد نقص ركنا من أركان الاسلام .

بل قد جاء ان من لم يحج بعد الاستطاعة تهاونا منه او تكاسلا او تسويفا وما الى ذلك فانه عند الممات يُقال له : مت ان شئت يهوديا او نصرانيا .

والحسين عليه السلام : قد جعلت زيارته ركنا من اركان الاسلام والايمان ، فقد قيل في الحديث : ان تارك زيارته منتقص الايمان ، قاطع لحرمة رسول الله الله ورحمه (ص) ، وقد عقّ رسول الله المصطفى .

وفي رواية : " ليس بشيعة " وفي رواية " ان كان من اهل الجنة فهو من ضيفانهم " وفي رواية : " تارك حقا من حقوق الله تعالى ولو حج ألف حجة ، وفي رواية : " محروم من الخير " ، وفي رواية : " بعد ان سمع احدهم: " ان جماعة من الشيعة تأتي عليهم السنة والسنتان لايزورونه قال (ع) : حظهم أخطأوا ، وعن ثواب الله تعالى زاغوا ، وعن جوار محمد المصطفى صلى الله عليه واله تباعدوا .

ولكن قد ذكرنا هناك امور معوضة لمن لا يستطيع الذهاب للزيارة راجعوها في ما سبق من هذا الكتاب .

نذكر منها ان الزيارة من بعد مجزية ومانعة من هذه الاثار المهلكة ، ان لم يكن بالاستطاعة زيارته عليه السلام .

العاشرة : جعله الله تعالى مغناطيس الافئدة ، يجذب القلوب اليه من المواضع البعيدة ، فالقلوب مشتاقة دائما اليه والى اهله تواقة الى النزول في رحابه ، لقوله تعالى : " فاجعل افئدة من الناس تهوي اليهم "

والحسين عليه السلام : مغناطيس قلوب الشيعة والمحبين الصادقين المتبعين ، ولا يقل عن مقدار جذب القلوب للبيت الحرام ، بل قد يزيد بكثير .

ولا ننسى ان حرمة المؤمن عند الله تعالى اعظم من حرمة الكعبة ، فترى لقلوبهم الطاهرة الزكية ميلا مخصوصا به عليه السلام والى ذكره وزيارته وخدمته .

بل ممتازا عن محبة غيره من الائمة عليهم السلام ، وهذا امر وجداني ، وقد عثرت على رواية كاشفة عن ذلك ، فقد روي في البحار وغيرها عن المقداد بن الاسود الكندي : ان النبي (ص) خرج في طلب الحسن والحسين عليهما السلام ، وقد خرجا من البيت ، وانا معه ، فرأيت أفعى على الارض ، فلما احسّت بوطء النبي (ص) قامت ونظرت ، وكانت اعلى من النخلة ، واضخم من البَكر " اي : الفتى من الابل " يخرج فيها من النار ، فهالني ذلك.

فلما رأت رسول الله (ص) صارت كأنها خيط ، فالتفت اليّ رسول الله (ص) فقال: اتدري ما تقول هذه يا اخا كندة ؟

قلت : الله تعالى ورسوله اعلم .

قال (ص) " قالت الحمدلله الذي لم يمتني حتى جعلني حارسة لابني رسول الله صلى الله عليه واله وسلم .

وجرَت في الرمل رمل الشعاب ، فنظرت الى شجرة ، لا اعرفها ، ولا رأيتها قبل ، ولم ارها بعد ذلك حين طلبتها ، وكانت الشجرة اظّلتهما ، وجلس النبي (ص) بينهما ، فبدأ بالحسين (ع) فوضع رأسه على فخذه الايمن .

ثم وضع رأس الحسن عليه السلام على فخذه الايسر ، ثم جعل يرخي لسانه في فم الحسين عليه السلام ، فانتبه الحسين عليه السلام وقال : يا ابه ، وعاد في نومه .

وانتبه الحسن عليه السلام : وقال : يا ابه وعاد في نومه .

فقلت : كأن الحسين اكبر .

فقال النبي (ص) " ان للحسين في بواطن المؤمنين معرفة مكتومة ، سل أمه عنه .

فلما انتبها حملهما على منكبيه والحديث طويل ، انظر بحار الانوار جزء 43 صفحة 271

الحادية عشرة : ان فيه مقام ابراهيم الخليل (ع) اي : موضع قدمه ، وقد أثر في الصخرة .

والحسين عليه السلام : قد أثر فيه فم الحبيب المصطفى (ص) ، فإن جبينه ونحره كانا يضيئان لكثرة ما يقبلهما رسول الله (ص) ، كما في الروايات . وايضا ان كان مقام بدن الخليل عليه السلام عند البيت ، فكان مقام الحسين عليه السلام كتف النبي المصطفى صلوات الله عليه واله .

وايضا ظهره وصدره ......، الخ . فبدن النبي (ص) هو مقام الحسين عليه السلام .

ومن تتبع الروايات الواردة في كيفية حمله ماشيا على كتفه ، ونائما على الصدر ، وساجدا على الظهر ، ومطيلا للسجود لاجل ذلك ، وماشيا على اليدين والرجلين وهو على ظهره.

لوجد دلالة على محبة عجيبة ، وعلاقة غريبة لم تتفق لغيره كما يظهر بالتأمل والتدبر .

الثانية عشرة : جعل له كرامة ظاهرة ، وآية بينة وهي : ان الطير لا يطير فوقه ، ولا يقع على حيطانه المباركة .

والحسين عليه السلام: جعلت له كرامة ظاهرة ، حيث ان الماء لم يقع في قبره ، ولم تمش الثيران حين ارادوا حرثه ، ليمحو اثره ، ونوره القدسي .

وقد امر المتوكل لعنه الله بمحو اثر قبره في عشرين سنة بالنبش والحرث واجراء الماء عليه .

فنبشوا قبره الشريف مرة فوجدوا بدنه المطهّر كأنه مدفون الان ، فجعلوه على حاله ، ثم أداروا الماء عليه فارتفع القبر ، ولم يصل اليه الماء .

وارادوا حرثه بالبقر والفدان فكان كلما ضربوا البقر لم تحرث القبر الشريف ، وكانوا يرون جماعة يرمونهم بالسهام بعض الاوقات ، واذا رموهم رُدّ السهم الى الرامي .

نعم وقعت طيور على بدنه الشريف ، وتفصيل ذلك ما روي من انه لما قتل وبقي جسده مطروحا ، فاذا بطائر قد أتى وتمسح بدمه الزاكي وذهب ، والدم يقطر منه فرأى طيورا تحت الظلال على الغصون والاشجار .

فقال لها : ايتها الطيور تأكلين وتتنعمين ، والحسين في ارض كربلاء في هذا الحر على الرمضاء طريح ، ظام ، والنحر دامٍ ، ورأسه مقطوع وعلى الرمح مرفوع ، والنساء سبايا حفاة عراة .

فتطايرت الى كربلاء ، فرأته ملقى على الارض جثة بلا رأس ولا غسل ولا كفن قد سفت عليه السوافي ، وبدنه قد هشمته الخيول بحوافرها ، زواره وحوش القفار ، وندَبَته جن السهول والاوعار ،

قد اضاء التراب من انواره ، وأزهر الجو من إزهاره وهيبته ، فتصايحت وتواقعت على دمه الشريف تتمرغ فيه ، وطار كل واحد منها الى ناحية ، وقصد طير منها مدينة رسول الله (ص) وجاء يرفرف والدم منه يتقاطر دائرا حول قبر الرسول (ص) ، قائلا بلسانه :

ألا قتل الحسين بكربلا *** ألا ذبح الحسين بكربلا

واجتمعت الطيور عليه وكان من امره شفاء ابنة يهودية وقد ركضت طيور البر وهي بنات الاعوجية والسكوت اولى :

عقرت بنات الاعوجية هل درت ** ما يستباح بها وماذا يصنع

الثالثة عشرة : جعله مطافا للناس ، وجعل ثواب الطواف جزيلا بالنسبة الى اشواطه وخطواته .

وقد زادت زيارة الحسين عليه السلام على ذلك اضعافا كثيرة كما تبين في عنوان الزيارة .

الرابعة عشرة : جعله مطافا للملائكة ، فقد ورد انه لما بنى جبرئيل (ع) الكعبة بأمر من الله تعالى ، طافت حولها الملائكة ، وهم سبعون ألف ملك كانوا يحرسون الخيمة التي أنزلت من الجنة ، وبنيت على قواعد البيت التي بناها الملائكة قبل خلق ادم عليه السلام .

ورفعت قواعدها بازاء الاضرحة والبيت المعمور والعرش ، ولما نحيت الخيمة ، وبنى جبرئيل البناء الثاني ، طافت تلك الملائكة حوله .

فنظر ادم وحواء عليهما السلام اليهم فانطلقا وطافا سبعة اشواط .

والحسين (ع : ( كان مطافا للملائكة حين كان نورا مع الانوار المحدقة بالعرش ، وكان شفيعا للملائكة كما في حديث صلصائيل ودردائيل اللذين دعى لهما النبي (ص( رافعا الحسين (ع) على يده ، وفطرس الذي تمسح به او بمهده وكان مخدوما لافضل الملائكة كجبرئيل وميكائيل (ع) حين ناغاه في المهد .

وقد كافأه فطرس له بأن لا يزوره زائر ، ولا يسلم عليه بسلام ، ولا يصلي عليه الا أبلغه اياه ، كما في الحديث . ومع ذلك فقبره مطاف للملائكة ، ومزارهم ...

وهم بالنسبة الى ذلك اصناف : منهم : اربعة الاف ملك شعث غبر ، موكلين بقبره ، شغلهم البكاء ، لا يفترون عن ذلك ، وهم يستقبلون زائره ، واذا مرض يعودونه ، واذا مات شهدوا جنازته ، وهؤلاء لا يبرحون ، وقد كانوا نزلوا يوم عاشوراء لنصرته ، فرأوه قد قتل ، فأوحى الله تعالى اليهم أبكوا عليه لما فاتكم من نصرته ، وانصروه عند خروجه للرجعة .

واسم رئيسهم منصور ، كما جاء في كامل الزيارات والبحار وايضا العوالم .

ومنهم: سبعون ألف ملك وكلّهم الله بقبره يصلون عليه كل يوم منذ قتل الى يوم قيام القائم عجل فرجه وصلوات الله عليه .

ومنهم : اربعة الاف ملك يبكون عليه من طلوع الفجر الى زوال الشمس ، واذا زالت الشمس هبط اربعة الاف ، وصعد اربعة الاف ، ولا يزالون يبكون حتى يطلع الفجر .

ومنهم : ملائكة الليل والنهار والحفظة ، فإنهم يحضرون الحائر كلما هبطوا ويصافحون ملائكة الحائر ، وبحفون زواره بأجنحتهم ، ويدعون لهم .

ويباركون عليهم بأمر من النبي (ص) وعلي وفاطمة والحسن والائمة (ع) وكل ذلك ثابت في الاخبار ، بل الاخبار ببعضه مستفيضة .

ومنهم : خمسون الف ملك كما عن الصادق (ع) قد مروّا به وهو يقاتل ، فرجعوا الى السماء فأوحى الله تعالى اليهم : مررتم بابن حبيبي وهو يقتل فلم تنصروه .

فاهبطوا الى الارض فاسكنوا عند قبره شعثا غبرا الى ان تقوم الساعة .

ومنهم : المذكورون في الحديث النبوي برواية زينب عليها السلام عن ام ايمن وعن ابيها والحديث طويل .

وفيه انه تحـّفه ملائكة من كل سماء مائة الف ملك في كل يوم وليلة ، ويصلون عليه ، ويسبحون الله تعالى عنده .

ويستغفرون الله لزواره ويكتبون اسماء من يأتيه متقربا الى الله تعالى ورسوله بذلك ، واسماء ابائهم وعشائرهم وبلدانهم ، ويوسمون في وجوههم بميسم نور عرش الله تعالى ، هذا زائر قبر خير الشهداء ، وابن خير الانبياء (ص) ، فاذا كان يوم القيامة سطع من وجوههم من اثر ذلك الميسم ما تغشى منه الابصار ، ويدل عليه ، ويُعرفون به.

قال جبرئل عليه السلام للنبي المصطفى صلى الله عليه واله وسلم : " وكأني بك يا محمد بيني وبين ميكائيل ، وعلي عليه السلام أمامنا .

ومعنا من ملائكة الله ما لا يحصى عدده ، ونحن نلتقط من ذلك الميسم في وجهه من بين الخلائق ، حتى ينجيهم الله من هول ذلك اليوم وشدائده .

وذلك حكم الله وعطاؤه لمن زار قبرك يا محمد او قبر اخيك او قبر سبطيك ……. " ، الحديث .

ومنهم : سبعون الف ملك في وقت كل صلاة ثم لا تصل اليهم النوبة الى يوم القيامة ، رواه في البحار عن كامل الزيارة عن الرضا عليه السلام .

الخامسة عشرة : ان الكعبة منزلة من السماء فقد قال الامام الصادق عليه السلام : " ان الله انزل البيت من السماء وله اربعة ابواب ، على كل باب قنديل من ذهب معلق " .

واقول : ان كانت الكعبة قد شرّفت بنزولها ، فالحسين عليه السلام مع انه كان قبل ان تُخلق السماء ، بل في الحديث ان اللوح والكرسي خلقا من نوره ، وهو اجّل منهما.

قد اُصعد الى السماء حين قتل ، ففي الرواية انه صعد بجسمه متشحطا بدمه واُوقف مع صورة علي عليه السلام التي في السماء الخامسة ، وعليها اثر ضربة ابن ملجم لعنه الله .

ونزلت الملائكة من فوقها وهم ينظرون اليه .

وفي رواية ان الحسين عليها لسلام عن يمين العرش ينظر الى مصرعه ، ومدفنه ، وزواره ، والباكين عليه ، وقد ذكرناها في خواص البكاء .

السادسة عشرة : جعله معظما مجللا في الجاهلية والاسلام ، بل من لدن ادم الى هذا اليوم وقد عظمه وقصده وزاره وتقرب به اهل الملل كلها حتى اهل الكفر والشرك .

والحسين (ع( : ايضا كان معظما مبجلا حتى عند اعدائه والمنافقين وعند الاشقياء ، واهل الملل الاخرى من النصارى او اليهود .

وكما يظهر من رواية فيها ان الحسن والحسين عليهما السلام : قـُذف حبهما في قلوب المنافقين والكافرين .

ومن حديث تكلمه مع ابي بكر في طفولته ، ومن تكلمه مع معاوية ، وغلظته عليه وعلى ابن العاص ، واحترامهما له ، ووصية معاوية به ، ومكالمة عتبة ابن الوليد معه ، وقوله حين امر يزيد بقلته ، ونزول سعد بن الوقاص ، والحجاج حين نزل يمشي في طريق مكة الى يوم عاشوراء ، وركوب عمر بن سعد حين نزل الحسين عليه السلام ، ووزع مطروحا ، ثم امر بركوب العشرة الراضة .

* ملاحظة من المحقق : غير ان ركوب عمر بن سعد والعشرة لعنهم الله ، ليس من التعظيم في شيء فكان على المؤلف ان لا يذكره .

السابعة عشرة : ان الكعبة باقية مادامت السموات والارض ، وهي من اعلام الدين .

وقبر الحسين (ع( : كذلك كما في رواية زينب عن ام ايمن وعن ابيها ، وقد ذكرناها في اوائل الكتاب .

الثامنة عشرة : انه يجوز الاتمام في الصلاة للمسافر اذا صلى فيما احاط به ، اعني المسجد الحرام ، على الاقوى والاشهر .

وكذلك يجوز الاتيان بالنوافل الساقطة في السفر فيه ، وذلك تشريفا للكعبة وامتيازا لها .

والحسين (ع( : ايضا تجوز الصلوة عنده تماما للمسافر ، اذا صلى فيما احاط بقبره الشريف من الحائر على الاقوى ، وقيل بسريان هذا الحكم الى حرم الحسين عليه السلام ، وقد مرّ الكلام فيه ، وقيل في البلد ، وكذلك تجوز النوافل الساقطة في السفر هناك .

وقد اختلف اصحابنا في تحديد الحائر ، فقال ابن ادريس المراد به ما دار سور المشهد والمسجد عليه دون ما دار سور البلد عليه ، لان ذلك هو الحائر حقيقة . لان الحائر في لسان العرب الموضع المطمئن الذي يحار فيه الماء .

وقد ذكر ذلك شيخنا المفيد في الارشاد في مقتل الامام الحسين عليه السلام لما ذكر من قـُتِل معه من اهله ، والحائر محيط بهم ، الا العباس صلوات الله عليه ، فانه قتل على المسناة ، واحتج عليه ايضا بالاحتياط ، لانه المجمع عليه .

** المسناة : اي : تراب عالٍ يحجز بين النهر والارض الزراعية .

وذكر الشهيدان في هذا الموضع ان الماء حار لما أمر المتوكل لعنه الله ، باطلاقه على قبر الحسين (ع) ليعفيه فكان لا يبلغه ، وذهب بعضهم الى ان الحائر مجموع الصحن المقدس ، وبعضهم الى انه القبة السامية ، وبعضهم الى انه الروضة المقدسة وما احاط بها من الرواق والمقتل والخزانة وغيرها .

وقال المجلسي رضوان الله عليه : الاشهر عندي انه مجموع الصحن القديم ، لا ما تجدد منه في الدولة الصفوية .

واحتج على ذلك بالاخبار الدالة على انك اذا دخلت الحائر فقف وقل واذكر الدعاء ، ثم تمشي قليلا وتكبر سبع تكبيرات ثم تقوم بحيال القبر وتقول ، الى ان قال : ثم تمشي قليلا وتقول ، الى قوله ثم ترفع يديك ، ثم تضعهما على القبر ، ونحو ذلك مما فيه الامر بالمشي مرتين ، وتقصير الخطى بعد دخوله ، فانها تدل على نوع سعة في الحائر .

وهذا قوي ويدل عليه اصل مسألة الصلاة هناك ، وعنوانها ، فانها تدل على نوع سعة ، لكن الضبط والتحديد غير معلوم ، والاحوط الاقتصار على الروضة المقدسة .

التاسعة عشرة : ان الكعبة مطاف الانبياء (ع) من ادم الى الخاتم (ص) ، كما دلت عليه الروايات الكثيرة المتواترة .

وقد ثبت مثل ذلك للحسين عليه السلام ، بالنسبة الى جسده الطاهر تارة ، وبالنسبة الى رأسه الشريف تارة ، وبالنسبة الى قبره المنيف تارة بل ورد ان من زاره ليلة النصف من شعبان صافحه مائة واربعة وعشرون ألف نبي .

وعن كعب الاحبار ما من نبي الا وقد زار ارض كربلاء .

وقال : فيك يدفن القمر الازهر ، وتفصيل كل في محله من العناوين .

العشرون : انه قد زينها الله تعالى بالحجر الاسود ، الذي هو ياقوتة من يواقيت الجنـة .

وقد كان اشد بياضا من اللبن ، فاسوّد من مسّ الكفار واهل الذنوب .

والحسين عليه السلام : قد زينت الجنة به تارة ، وما هو اجلّ من الجنة ، اعني العرش اخرى .

ففي الحديث عن النبي الاكرم (ص) انه سألت الجنة ربها ان يزينها فأوحى الله تعالى اليها : أني زينت اركانك بالحسن والحسين ، فماست كما تميس العروس فرحا . وفي رواية : فزادت الجنة سرورا بذلك ، كما في البحار .

وفي خبر عنه (ص) اذا كان يوم القيامة زين عرش الرحمن بكل زينة .

ثم يؤتى بمنبرين من نور ، طولهما مائة ميل ، فيوضع احدهما عن يمين العرش ، والاخر عن يسار العرش ، ثم يؤتى بالحسن والحسين عليهما السلام فيزين الرب تبارك وتعالى بهما عرشه كما يزين المرأة قرطاها ، وعنه (ص) : الحسن والحسين شنفا العرش وليسا بمعلقين " .

هذا ومن فضائل الحجر الاسود انه اُلقم ميثاق الخلائق ، لانه اول ملك أقر بما اخذ عليه من الميثاق ، ولم يكن فيهم اشد حبا لمحمد وآل محمد (ص) منه .

فجعل جوهرة وانزل الى ادم (ع) ، وكان انيسه ، يحمله ادم على عاتقه لما جاء الى مكة المكرمة .

ولا يخفى ان الميثاق هو الاقرار لله بالربوبية ، وللنبي (ص) بالنبوة ، ولعلي والحسن والحسين صلوات اله عليهم بالوصية.

بل اقول انه نفس الرسول (ص) فقد قال (ص) اني كنت اول من آمن بربي ، واول من اجاب حين أخذ الله تعالى ميثاق النبيين ، واشهدهم على انفسهم ، فقد نال الحجر ما نال ببركة الحسين عليه السلام .

الواحدة والعشرون : انه أوجب لطوافه صلاة عند المقام فقال : " واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى " ، فتجب عند مقام الخليل (ع) ركعتان احتراما للخليل (ع) وللبيت الحرام .

وقد صلى الحبيب المصطفى (ص) ركعتين شكرا عند ولادة الحسين (ع( بعد المغرب ، وصلى كذلك عند ولادة الحسن المجتبى (ع) نافلة للمغرب ، وسنّة الى يوم القيامة .

فكان الناس كلهم يصلون هاتين الركعتين شكرا لوجودهما واحتراما لهما عليهما السلام .

وفي رواية معتبرة في الكافي باسناده عن ابي جعفر (ع) قال : لما عرج رسول الله (ص) نزل بالصلاة عشر ركعات ركعتين ركعتين .

فلما ولد الحسن والحسين (ع) زاد رسول الله (ص) سبع ركعات شكرا لله ، فأجاز الله له ذلك .

الثانية والعشرون : ان الكعبة كانت مضيئة كضوء الشمس والقمر ، كما في رواية عيسى بن عبدالله الهاشمي عن ابيه عن ابي عبدالله (ع) قال حتى قتل ابناء ادم احدهما صاحبه فاسوّدت .

وفي رواية كان موضعها ياقوتة حمراء يبلغ ضوؤها موضع الأعلام فعلمت الاعلام على ضوئها فجعلها تعالى حرما.

اقول : فان كانت الكعبة مضيئة ونقص ضوؤها ، فقد كان الحسين (ع) نورانيا يضيء وجهه وجبينه بل وجسده كالشمس .

ولم يؤثر عليه شيء في نقص ذلك النور الازهر البهي ، فقد قال هلال بن نافع : كنت في عسكر عمر بن سعد ، اذ صرخ صارخ ابشر ايها الامير فهذا شمر قد قتل الحسين ، فبرزت بين الصفين ، وانه ليجود بنفسه .

فوالله ما رأيت قتيلا مضمخا بدمه أنور وجهاً منه ، ولقد شغلني نور وجهه عن الفكرة في قتله ، وكان يستسقي في ذلك الوقت ماء .

وان كان قد اضاء نور الكعبة من نور الياقوتة ، فبلغ ضوؤها الاعلام ، فقد اضائت كربلاء من نور التجلي في الشجرة المباركة ، فانها الوادي الايمن ، والبقعة المباركة التي رآى موسى (ع) فيها نورا ، فبلغ ضوؤها عنان السماء ، واقطار العالم .

وايضا فقد كان بدنه (ع) يضيء بالليل كالشمس كما في رواية الاسدي ، بل وحوله فتية تدمي نحورهم مثل المصابيح يملأون الدجى نورا واشعاعا .

الثالثة والعشرون : ان مكة المكرمة ام القرى .

والحسين عليه السلام : ابو الائمة النجباء (ع) ، وقد عوّضه الله تعالى بذلك عن قتله في جملة ما اعطاه ، كما في الروايات الكثيرة .

الرابعة والعشرون : ان الكعبة سيدة البيوت .

والحسين (ع( : سيد شباب اهل الجنة ، مع انهم شباب كلهم .

وقد رويت هذه العبارة عن النبي (ص) متواترة في احاديث العامة والخاصة ، حتى ان عمر بن الخطاب قد رواها ايضا عن النبي الاكرم صلى الله عليه واله وسلم .

الخامسة العشرون : انها تجبى اليها ثمرات كل شيء ، مع انها في واد غير ذي زرع ، ببركة دعاء ابراهيم عليه السلام .

والحسين عليه السلام : تجبى اليه اعظم الثمرات اعني ثمرات الجنة ، كما ورد في روايات عديدة .

منها ما رواه في البحار : عن ابن شاذان عن سلمان قال : اتيت النبي (ص) وسلّمت عليه ، ثم دخلت على فاطمة (ع) فقال : يا ابا عبدالله هذان الحسن والحسين جائعان يبكيان ، فخذ بأيديهما ، واخرج بهما الى جدهما .

فأخذت بأيدهما فحملتهما حتى اتيت بهما الى النبي (ص) الاكرم ، فقال : ما لكما يا حسناي ؟ قالا : نشتهي طعاما يا رسول الله.

فقال النبي المصطفى " اللهم اطعمهما " ثلاثا ، قال : فنظرت فاذا بسفرجلة في يده (ص ( شبيهة بقـُلة من قلال هجر أشد بياضا من الثلج .

ففركها بيده وصيّرها نصفين ، ثم دفع الى الحسن (ع) نصفا والى الحسين (ع) نصفا ، فجعلت انظر الى النصفين في ايديهما وانا اشتهيهما .

قال : يا سلمان لعلك تشتهيهما ؟ قلت : نعم ، قال (ص) : هذا من طعام الجنة لا يأكله احد حتى ينجو من الحساب ، وانك لعلى خير ان شاء الله .

ومنها حديث الرطب الذي اشتهاه الحسين (ع) ، فأتي في طبق بلور ، مغطى بمنديل من السندس الاخضر ، وهو حديث طويل مشهود ذكره في البحار وجلاء العيون .

ومنها : ما رواه في البحار عن الحسن البصري ، وام سلمة ، : من ان الحسن والحسين عليهما السلام دخلا على رسول الله (ص) وبين يديه جبرئيل (ع) فجعلا يدوران حوله ، يشبهانه بدحية الكلبي ، فجعل جبرئيل يوميء بيده كالمتناول شيئا .

فاذا في يده تفاحة وسفرجلة ورمانة ، فناولهما ، وتهللت وجوههما ، وسعيا الى جدهما ، فأخذ منهما وشمهما .

ثم قال : سيرا الى امكما بما معكما ، وبدؤكما بابيكما أعجب ، فصارا كما أمرهما ، فلم يأكلوا حتى صار النبي صلوات الله عليه واله اليهم .

فأكلوا جميعا ، فلم يزل كلما اكل منه عاد الى ما كان حتى قبض رســول الله صلى الله عليه واله وسلم .

قال الحسين (ع) : فلم يلحقه التغير والنقصان ايام فاطمة بنت رسول الله (ص) فلما توفيت(ع) فقدنا الرمانة ، فلما استشهد امير المؤمنين (ع) فقدنا السفرجلة .

وبقي التفاح على هيئته للحسن (ع) ، وبقيت التفاحة الى وقت الذي حوصرت فيه عن الماء ، فكنت اشمها اذا عطشت فيسكن لهيب عطشي ، فلما اشتد عليّ العطش عضضتها وايقنت بالفناء .

قال علي بن الحسين عليهما السلام : سمعت ابي يقول ذلك قبل مقتله بساعة .

فلما قضى نحبه وجد ريحها في مصرعه ، فاُلتِمسَت فلم ير لها اثر فبقي ريحها بعد الحسين (ع ) ، ولقد زرت قبره فوجدت ريحها تفوح من قبره .

فمن اراد ذلك من شيعتنا الزائرين للقبر فليلتمس ذلك في اوقات السحر فانه يجده اذا كان مخلصا .

السادسة والعشرون : انه من عظمة حرمة البيت ان جعل اسماعيل بن ابراهيم (ع) موكلا بكسوة البيت وزينته ، فكانت العرب تهدي وامه وامرأته تصلحان ذلك ثوبا وكان هو يكسو البيت ، ثم كساه سليمان بن داوود (ع) ثم الملوك في كل زمان .

وقد عظمت حرمة الحسين (ع ( في هذه المرتبة الخاصة ، اذ كان الله تعالى هو المُــهدي ، وكان النبي (ص) هو المُـكسي .

كما في رواية ام سلمة قالت : رأيته (ص) يُلبس الحسين (ع) ثوبا من ثياب الدنيا ، فسألته:

فقال : هذا هدية أهداها ربي للحسين وان لحمته من زغب جناح جبرئيل .

وحينما طلب (ع) جديدا للزينة ليلة العيد كان رضوان يهدي ، وفاطمة تــُلبسه وأخاه ، كما في حديث مشهور ذكرته في بعض الفصول السابقة .

وفي حديث اخر انه طلب الثوب ليلة العيد فكان الله تعالى يهدي و جبرئيل يصبغ بالحمرة في الطشت والنبي (ص) يلبسه ، ثم يبكي جبرئيل .

واخيرا : فقد طلب ثوبا ، ولكن لم يجد جديدا ليتزين له ، ولا في العيد ، بل كان عتيقا في عاشوراء ، كي لا يرغب فيه احد .

وقد أتته به اخته عليها السلام ، فكان يخرّقه ويلبسه ، ثم صبغته دماؤه الطاهرة باللون الذي صبغ به جبرئيل ثوبه .

وكان تراب كربلاء يعفّره ، والرماح والسيوف مطروحا بالعراء ، فرأته بعد ذلك اخته عليها السلام فنادت : هذا حسين مرمل بالدماء .

السابعة والعشرون : " ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل " ، حين ارادوا تخريب البيت ، " ألم يجعل كيدهم في تضليل ، وأرسل عليهم طيراً أبابيل ، ترميهم بحجارةٍ من سجيل " ، أتى بها من جهنم .

وكانت كل واحدة بقدر عدسة ، تصيب ادمغتهم فتخرج من ادبارهم ، " فجعلهم كعصفٍ مأكول " .

وقد اراد اصحاب الكلب والخنزير تخريب بيت الرسول (ص( بقتل الحسين (ع) ، فإن كان الله تعالى قد امهلهم قليلا لمصالح عديدة ، فقد جعل بعد ذلك كيدهم في تضليل ، فأرسل عليهم في الدنيا من يتتبعهم ويقتلهم اشد قتلة ، ويمّثل بهم اعظم مثلة .

فاحرق المختار بالنار كثيرا منهم فاصبحوا كعصف مأكول ، وحرّق اجسادهم كما صنع بجسد ابن زياد ، واحرقهم بالزيت ، ايضا وبنار العطش كما في حكاية اخنس بن زيد .

وروي عن حاجب ابن زياد انه كان يشتعل وجهه في بعض الاوقات فيطفئه ، وروي ان يزيد بات سكران فاصبح ميتا كأنه مطلى بالقار.

بل واحترق كل ما نهبوه فصار كلحم الابل والورس والزعفران ، فلتلاحظ تفاصيل ذلك ان شاء الله تعالى ، وان جميع ما سبق ذكره قد جاء في الروايات ، وكتب الحديث .

والورس : هو نبات اصغر يزرع باليمن ويتخذ للصبغ *

الثامنة والعشرون : ان النظر الى الكعبة المكرمة ممن عرف حق الائمة (ع) يوجب مغفرة الذنوب كلها ، وكفاية همّ الدنيا والاخرة .

وكذلك النظر الى الحسين صلوات الله عليه ، من اعظم العبادات ، فان النبي المصفطى صلى الله عليه وآله وسلم كان ينظر الى الحسين (ع) متعمدا .

بل كان في بعض الاوقات اذا جاع يقول : أذهب فانظر الى الحسن والحسين عليهما السلام فيذهب ما بي من الجوع ، و كذلك كان .

وكان لمجرد النظراليه في غلبة البكاء والرقة ، وكذلك النظر الى قبره الشريف عبادة ، ويوجب غلبة الرقة ، فيرحمه من نظر الى قبر ابنه عند رجليه كما ورد كل ذلك في الرواية .

التاسعة والعشرون : انه قد ورد في الحج انه يحسب له بكل درهم انفقه ألف ، وقد سأل ابن سنان الصادق (ع) : انه يحسب كل درهم في الحج بألف درهم ، فكم يحسب لمن ينفق في المسير الى قبر ابيك الحسين عليه السلام ؟

فقال : يا بن سنان يحسب له بالدرهم ألف ألف حتى عدّ عشرا ، ويرفع له من الدرجات مثلها ، ورضا الله تعالى خير .

الثلاثون : ان الله تعالى خلق مكة حرما قبل دحو الارض .

ولكن قد رود في كربلاء : عن علي بن الحسين صلوات الله عليهما انه قال : اتخذ الله تعالى كربلاء حرما آمنا مباركا قبل ان يخلق الله ارض الكعبة ويتخذها حرما بأربعة وعشرين ألف عام ، وأنه حين زلزل الله تبارك وتعالى الارض وسيّرها رفعت كما هي بتربتها نورانية صافية ،

فجُعلت في افضل روضة من رياض الجنة ، وافضل مسكن في الجنة ، لا يسكنها الا النبيون والمرسلون ، او قال اُولوا العزم من الرسل .

وانها لتزهر بين رياض الجنة كما يزهر الكوكب الدري بين الكواكب لاهل الارض ، يغشى نورها ابصار اهل الجنة جميعا .

وهي تنادي : انا ارض الله المقدسة الطيبة المباركة التي تضمنت سيد الشهداء وسيد شباب اهل الجنة .

الواحدة والثلاثون : ان مكة المكرمة قد تكلمت وتفاخرت بكرامة الله تعالى لها ، فقالت : من مثلي ؟ وقد بني بيت الله على ظهري ، يأتيني الناس من كل فج عميق .

ولكربلاء فضل على مكة - فإن مكة لما تفاخرت - أوحى الله تعالى اليها : أن كفي وقرّي ، ما فضلت به فيما أعطيت أرض كربلاء إلا بمنزلة الابرة غمست في البحر فحملت . ولولا تربة كربلاء ما فضلتك ، ولولا ما تضمه ارض كربلاء ما خلقتك ، ولا خلقت البيت الذي به افتخرت ، فقرّي واستقري ، وكوني ارضا متواضعة ذليلة مهينة ، غير مستنكفة ولا مستكبرة لأرض كربلاء ، وإلا سخت بك ، وهويت بك في نار جهنم .

ثم ان لكربلاء مفاخرة في هذه النشأة ، قد رضي الله تعالى بها وما ردها عليها .

ولها مفاخرة اخرى بعد القيامة في الجنان ، اما مفاخرتها في هذا العالم فهي : انه لما قال الله تعالى لها : تكلمي بما فضلك الله ، قالت : أنا ارض الله المباركة المقدسة ، الشفاء تربتي ومائي ولا فخر ، بل خاضعة ذليلة لمن فعل بي ذلك ، ولا فخر على من دوني ، بل شاكرة لله .فاكرمها الله تعالى وزادها بتواضعها ، واكرمها بالحسين عليه السلام ، واصحابه .

ثم قال ابو عبدالله عليه السلام : من تواضع لله رفعه ، ومن تكبر وضعه الله تعالى .

الثانية والثلاثون : انه البيت العتيق ، أعني السالم من الطوفان ، أو عتيق الطواف به من سابق الازمان .

والحسين (ع) : هو البيت العتيق الذي سلم حائره من طوفان ، ومن جريان الماء عليه ، وهو عتيق الاحترام قبل خلق السموات والارض ، وهو المعتق من النار ، وسبب العتق منها .

الثالثة والثلاثون : ان البيت له حطيم يحطم به ذنوب العباد .

وبالحسين إمامنا عليه السلام: تغفر الذنوب ما تقدم منها وما تأخر ، وقد يصير الشخص به كيوم ولدته أمه .

الرابعة والثلاثون : ان البيت له مستجار ، يستجير به الخائف من العذاب .

والحسين عليه السلام : من يوم وُلد كان مُستجارا للملائكة ، ثم للناس الى يوم القيامة .

الخامسة والثلاثون : جعل حجر اسماعيل الذبيح عليه السلام متصلا به ، وجعل ذلك من البينات كما في الرواية .

وفيه ايضا قبره وقبر بناته ، وفي طرف آخر منه - أعني بين الركن والمقام - قبر سبعين نبيا ، ماتوا جوعا وضراً ، كما في الرواية .

وللحسين عليه السلام : قبر متصل بقبر الذبيح الثاني بلا فداء ، كاتصال حجر اسماعيل (ع) بالبيت.

وفي طرف قبره مما يلي رجليه قبر اثنين وسبعين صدّيقا ، قـُتلوا عطشا وجوعا وغربة وظلما وطغيانا ودفنوا جميعا في حفيرة واحدة والحائر محيط بهم .

ومع ذلك فقد دُفن فيه مائتا نبي ومائتا وصي ، كما في الرواية الصحيحة .

السادسة والثلاثون : ان اطرافه أمكنة معظمة ، كمنى والمشعر ، وعرفات ، والصفا والمروة.

وبأطراف قبر الحسين (ع : ( ايضا أمكنة مشرفة معظمة ، فان شرف منى ان كان باعتبار انه مكان تل اسماعيل للجبين .

فالمقتل مكان قتل مثل : الحسين (ع) وعلي وعبدالله والعباس والقاسم (ع) ، وان كان باعتبار انه محل ذبح الهدي والضحايا ، فالمقتل محل ذبح الشهداء ، الذين قال الرسول (ص) في حقهم : انهم سادات شهداء أمتي .

وان كان شرف المشعر الحرام باعتبار ان بإبراهيم (ع) رأى فيه انه مامور بذبح ابنه ، فالمكان الذي يرى فيه الابن مذبوحا وفي اليقظة أفضل .

السابعة والثلاثون : انه تعالى جعل خليله إبراهيم عليه السلام مؤذنا للبيت ومناديا لاتيانه ، حيث قال له : " وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالاً وعلى كل ضامر يأتين من كل فجٍ عميق " ، فصعد على المقام ونادى : هلمّوا للحج.

وقد جعل تعالى حبيبه محمداً صلى الله عليه وآله وسلّم مؤذنا ومناديا للحسين عليه السلام ، فقال : " لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى " .

فرقى المنبر (ع) مراراً وقال : " أيها الناس إني تارك فيكم الثقلين ، كتاب الله تعالى وعترتي أهل بيتي " ، وأذن لاتيان الحسين (ع) ونصرته مرارا .

ففي رواية عن حذيفة بن اليمان ، قال رسول الله المصطفى (ص) وهو آخذ بيد الحسين (ع) : ( أيها الناس هذا الحسين بن علي فاعرفوه ، فوالذي نفسي بيده انه لفي الجنة ومحبيه في الجنة ، ومحبي محبيه في الجنة ( .

ثم انه) ع) قد أذن في الناس بالحج اليه والإتيان لنصرته مراراً ، في المدينة ومكة وما بينهما ، وفي كربلاء ، بأذان وخطبة واستنصار واستغاثة وداعية وإلقاء الحجة على الناس جميعا ، كما سيجيء تفصيله .

فأتوه رجالاً وعلى كل ضامر ، ونصره بعض من لم يدرك ذلك في أيامه ، وهم شيعته الذين يتمنون الشهادة بين يديه ، وبعض زواره ، وبعض الباكين عليه ، والخدام له والصادقين غي خدمته وموالاته عليه السلام .

الثامنة والثلاثون : انه تعالى قد قرر للكعبة هديا بالغا ، كما في الاية الشريفة : " هدياً بال الكعبة " ، وذلك تعظيم لها وتشريف .

وقد منّ الله تعالى على الامام الحسين عليه السلام بتشريف وتعظيم أكثر من ذلك ، حيث انه أمر الله تعالى بأن تهدي خشفها بالغا الى الحسين عليه السلام قبل ان يبكي ، وذلك حين جاء اعرابي وقال : يا رسول الله لقد صدت خشفة غزالة ، وأتيت بها اليك ، هدية لولديك الحسن والحسين (ع)، فقبلها النبي (ص) ودعى له بالخير .

فاذا الحسن عليه السلام واقف عند جده (ص) فرغب اليها ، فأعطاها إياه ، فما مضى ساعة إلا والحسين عليه السلام قد أقبل ، فرأى الخشفة عند أخيه يلعب بها.

فقال : يا جدّاه أعطيت أخي خشفة ، ولم تعطني مثلها ، وجعل يكرر القول على جده ، وهو ساكت ، لكنه ظلّ يسلي خاطره ويلاطفه بشيء من الكلام ، حتى أفضى من أمر الحسين عليه السلام الى أن همّ يبكي .

فبينما هو كذلك اذ نحن بصياح قد ارتفع عند باب المسجد ، فنظرنا فإذا ظبية ومعها خشفها ، ومن خلفها ذئبة تسوقها الى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وتضربها بأحد أطرافها ، حتى أتت بها الى النبي صلوات الله عليه وآله .

ثم نطقت الغزالة بلسانها وقالت : يا رسول الله قد كانت لي خشفتان ، احداهما صادها الصياد وأتى بها اليك ، وبقيت هذه الاخرى ، وانا بها مسرورة .

واني كنت الان اُرضعها ، فسمعت قائلا يقول : اسرعي اسرعي يا غزالة بخشفتك الى النبي (ص) المصطفى ، واوصليه سريعا ، لأن الحسين (ع) واقف بين يدي جدّه ، وقد همّ أن يبكي .

والملائكة بأجمعهم قد رفعوا رؤوسهم عن مواضع العبادة ، ولو بكى الحسين (ع) بكت الملائكة المقربون لبكائه ، وسمعت ايضا قائلا يقول : اسرعي يا غزالة قبل جريان الدموع على خد الحسين (ع) ، وان لم تفعلي سلطت عليك هذه الذئبة تأكلك مع خشفتك .

فأتيت بخشفتي إليك يا رسول الله ، وقطعت مسافة بعيدة ، ولكن طويت الارض حتى أتيتك سريعة ، وانا احمد الله ربي قبل جريان دموع الحسين (ع(على خده .

فارتفع التكبير والتهليل من الاصحاب ، ودعى النبي صلى الله عليه واله وسلم للغزالة بالخير والبركة ، وأخذ الحسين (ع) الخشفة ، وأتى بها الى امه الزهراء عليها السلام ، فسرت بذلك سرورا عظيما .

التاسعة والثلاثون : أنه عيّن لحجّ البيت أفضل الاشهر الحرم ، وجعلها مخصوصة له سوى ما سنّه من العمرة في كل ايام السنة .

وقد عيّن لزيارة الحسين عليه السلام هذا الوقت ايضا ، بل ينظر تبارك وتعالى الى زواره قبل النظر الى اهل عرفات ، سوى الاوقات الشريفة التي جعلها مخصوصة له ، مع ندب المطلقة في سائر الاوقات .

الأربعون : أن الصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة ، كما في روايات ، وقد ورد انها في مسجد الرسول صلى الله عليه واله وسلم بألف صلاة ، ولما كانت في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة ، وفي المسجد النبيوي بألف صلاة ، فتصير مائة ألف وألفاً .

وقد روى شعيب العرقوفي ، عن الصادق عليه السلام قال : يا شعيب ما صلى أحد عند الحسين عليه السلام الصلاة إلا قبلها الله تعالى منه ، قال : ولك بكل ركعة ركعتها عنده كثواب من حج ألف حجة ، واعتمر ألف عمرة ، واعتق ألف رقبة ، وكأنما وقف في سبيل الله تعالى ألف مرة مع نبي مرسل .

الواحدة والاربعون : انه سبحانه أوجب على قاصديها الاحرام ، وترك المال والعلائق من النساء والطيب والزينة والاكتحال والتظليل واللباس .

وقد استحب لمن زار الامام الحسين عليه السلام ان يكون جائعا عطشانا ، تاركا للطيب ولذائذ الاطعمة في زاده الى كربلاء حزنا عليه موالاةً له .

وفي بعض الروايات ان يأتوه شعثا غبراً ، وايضا يستحب ان يأتوه مشاةً مكروبين.


الثانية والاربعون : انها مولد الرسول (ص) المصطفى ، ومولد الوصي عليا المرتضى عليه السلام .

وقد خصّ الحسين (ع) : بأن مدفنه مزار الرسول (ص) وامير المؤمنين) ع) في اكثر اوقات السنة.

الثالثة والاربعون : انها مبدأ ظهور الاسلام ، والامتياز عن المشركين والمنافقين .

وقد خصّ الحسين (ع) : بأن كربلاء مبدأ بزوغ الايمان ، والامتياز عن المخالفين ، ولذا سميت في بعض الروايات قـُبّة الاسلام.

وقد أعدّ فيما يتعلق بالحسين عليه السلام أكثر من مائة وعشرين ألف رحمة خاصة ، كما تبين عند ذكر الوسائل .

الخامسة والاربعون : ان منها معراج الرسول المصطفى صلى الله عليه واله وسلم ، مرة او مرتين من بيت ام هانيء او الشعب .

والحسين عليه السلام : مدفنه معراج ثان له ، فانه (ص) قال : " اُسري بي الى موضع يقال له كربلاء ، رأيت فيه مصرع ابني الحسين" وهو مع ذلك معراج له يوم عاشوراء ، وهومع ذلك معراج الملائكة .

السادسة والاربعون : انه محل اسكان الخليل ذريته وعياله ، فاُمر بأن يترك عياله عند البيت وحدهم ، ويذهب عنهم .

والحسين عليه السلام : اُمر بان يترك عياله ونساءه ومن معهن في كربلاء عند مدفنه ومقتله ، حيارى عطاشى فرادى غرباء وبين اعدائهن ولقد اقبلوا لحرق الخيام عليهم ظلما وعدوانا .

لكن الخليل دعى لهم : " ربنا أني أسكنت من ذريتي بوادٍ غير ذي زوع عند بيتك المحرم ، ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات " ، والحسين عليه السلام ترك عياله بتلك الحال التي ذكرناها ، ولكن قال لهم جميعا : " تهيؤوا للأسر واصبروا على البلايا المتوجهة اليكم .

السابعة والاربعون : أن الله تعالى قد أمر من هو أفضل منها أعني أشرف مخلوقاته محمداً صلى الله عليه واله وسلم بأن يستلم أركانها ويقبلها ، خصوصا بعضها ، وهذه فضيلة خاصة تفوق الفضائل ،

وقد ثبت نظيرها لسيدنا المظلوم (ع . ( فإن النبي (ص) كان يلتزمه ، ويستلمه ، ويقبّل جميع أعضائه ، ويكثر من تقبيل نحره وقلبه وجبينه وشفتيه.

وكما ان استلام النبي (ص) الركن والشامي بالخصوص له أسرار وحِكم ، مثل انها عن يمين العرش وغير ذلك ، فكذا استلامه وتقبيله لجميع اعضاء الحسين عليه السلام ، فلأكثرية تقبيله لهذه المواضع الخاصة أسرار ومعجزات وإخبارات .

اما السر في اكثرية تقبيل النحر فمعلوم .

واما الجبهة فيمكن ان يقال لانها موضع اصابة الحجر الذي هشمها ،

وأسال الدم الزاكي على وجهه المبارك عليه السلام .

او السهم الذي اصاب الجبهة .

ويمكن ان يقال لانه موضع السجود.

ولذا كانت الجبهة موضع النور من المؤمن ، كما في رواية التقبيل لجبهة المؤمن ، والحسين عليه السلام اعظم في ذلك فإن له سجدة خاصة هي من خصائصه .

بيان ذلك ان حالة السجود بنفسها أفضل حالات التقرب الى الله عزوجل صورة ومعنى ، كما يدل عليه قوله تعالى : " واسجد واقترب " .

وقوله : أقرب ما يكون العبد الى الله تعالى وهو ساجد.

وللحسين عليه السلام سجود خاص ، حين أخذ يترقى في درجات القرب الى الله تعالى ، من اول خروجه من وطنه الى حالة السجود ، حين وضع جبهته على التراب بقصد السجود ، ولم يرفعها بعد .

كما يدل على ذلك انه : " المذبوح من القفا " فكان النبي الاكرم (ص) يقبّل وجهه بالخصوص لذلك .

واما تقبيله فوق القلب فانه موضع السهم المثلث الذي اصابه .

وكان ذلك السهم قاتله حقيقة ، بل وقاتل محبيه وشيعته وانصاره حين سماعهم بهذه الفاجعة الأليمة .

فياليته أصابنا مرارا وتكرارا ولم ترى منه أثراً يا حسين يا حسين .

واما تقبيله شفتيه وثغره فقد ظهر أحد اسراره عند قول زيد بن ارقم للعين ابن زياد " عندما كان يضرب شفتيه بقضيب من قصيب " : ارفع قضيبك من هاتين الشفتين ، فلقد رأيت رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يقبّلهما مراراً .


الثامنة والاربعون : ان الكعبة لا تبقى بغير طائف ابدا ، لا في الليل و لا في النهار .

والحسين عليه السلام من يوم استشهد الى الان لم يبق زائر من البشر او الملائكة او الوحوش او الجن من اهل الدنيا ، او من اهل العوالم الاخرى .

كما دلت الروايات على ذلك ، في كامل الزيارات 113 وايضا بحار الانوار

التاسعة والاربعون : ان الله تعالى اختبر العالمين بهذا البيت ، كما بينه الامام علي عليه السلام

بقوله :

ثم وضعه بأوعر بقاع الارض حجرا ، وأقل نتائق الدنيا مدرا ، واضيق بطون الاودية قطرا ، بين جبال خشنة ورمال دمثة وعيون وشلة وقرى منقطعة ……الخ . ابتلاء عظيما ، وامتحانا شديدا ، واختبارا مبينا ، وتمحيصا بليغا ...... " الى اخر الخطبة في نهج البلاغة 192/54-59

واما هذا البيت الحقيقي أعني الحسين عليه السلام ، فقد اختبر العالمين به ايضا إذ وقف مستغيثا في أضيق بقاع الارض ، بين احاطة الاعداء ، والسيوف المسلولة ، والرماح المرفوعة ، والسهام الماطرة ، والاحجار المتواترة .

وحوله اعضاء مضطربة ، ووجوه مصفرة ، وعيون غائرة ، وصياح وعويل ، وقتلى مضرجة بدمائها ، فاختبر جميع الناس ، وأمرهم بنصرته والتلبية له في تلك الحالة وذلك الزمان ، كما ذكرنا كيفيتها في باب زيارته .

الخمسون : ان الله تعالى قد عبّر عمن ترك الحج بالكافر إن استطاع اليه سبيلا ، مبالغة في عظم عقابه ، مع كونه واجبا ، وهو كما جاء في سورة ال عمران الاية 97 وايضا في الروايات

ما مضمونه: ان من ترك الحج وهو مستطيع له ولا مانع لديه فانه حين الموت يقال له مت ان شئت يهوديا او نصرانيا .

وقد عبّر عن التارك لزيارة الحسين عليه السلام مع كونها مندوبة بأنه ليس بمؤمن ، وناقص الايمان ، وليس من شيعة الائمة ، عاق لرسول الله صلى الله عليه واله وسلم ، وغيرها الكثير من الامور قد مر التفصيل عنها .

   

Description: C:\Users\f\Desktop\%D9%83%D8%AA%D8%A8 %D9%85%D8%B3%D8%AD%D9%88%D8%A8%D9%87\1\main\images\pa07.gif

 

المقصد الثالث

في انه قد جعل الله تعالى لزيارته تأثيرا خاصا في المعادلة للحج والعمرة وبيان الحكمة في زيادة مدخلية الحج بالنسبة
الى المعادلة في زيارته (ع) أكثر من غيره

إعلم ان للحسين عليه السلام في فعل الحج مدخلية خاصة ، فإنه بيت الله تعالى ، وقد حجّ حجّات خاصة ، لم يسبقه اليها سابق ، ولا يلحقه لاحق ، ولكل من حججه تركيب خاص ، ومواقف خاصة ، ومناسك مخصوصة ، ولهذا البيت الحقيقي حجاج مخصوصون به ، لهم مناسك خاصة .

وهم اصناف :

الاول : الانبياء الملائكة صلوات الله عليهم اجمعون .
الثاني : الشهداء صلوات الله عليهم .
الثالث : أهل بيته صلوات الله عليهم .
الرابع : شيعته .

فهاهنا عدة مطالب :

المطلب الاول
في حج الحسين عليه السلام

إعلم ان من خصائص الحسين عليه السلام انه قد حج لله تعالى

ثمانية انواع من الحج :

النوع الاول : انه حج خمسا وعشرين حجة للكعبة ماشيا على قدميه ، منها مع اخيه الحسن المجتبى المظلوم عليه السلام ، ومنها بعد وفاة اخيه الحسن الزكي عليه السلام .

وقد كان امير الحجاج في بعض حججه سعد بن أبي وقاص ، فلما وصل الركب في الطريق الى الحسن والحسين عليهما السلام وهما يمشيان نزل الامير وجميع الحجاج ، ومشوا معهما ، ثم جاء سعد وقال : ان المشي قد أتعب الناس ، ويثقل علينا الركوب وانتما تمشيان ، وعرض عليهما الركوب والجنائب تقاد بين ايديهما فأبيا ذلك

وقالا : إنا قد جعلنا على أنفسنا ان نمشي الى بيت الله تعالى فلا نركب ، وإنما نأخذ ناحية ، فأخذا عن الطريق ناحية ، ومشيا متنكبين الطريق ، صلوات الله عليهما ، ثم ركب الحاج .

النوع الثاني : حج قلبي ، باطني لُبّي روحاني ، أعني حقائق الحج ، التي هذه الاعمال عنوانها ودوال عليها وقشورها .

وذلك لان للاحرام معنىً قلبياً ، ولكل من نزع الثياب واللبس والتلبية والطواف والسعي والوقوفين والنحر والحلق والرمي والبيتوتة روح وباطن وحقيقة .

وضعت هذه الصورة لاجلها وقد بيّن تفصيلها في اسرار الحج ، وايضا في رواية الشبلي حين كان عائدا من الحج ، وحديث الامام زين العابدين عليه السلام له عن حقائق الحج الباطنية.

وقد حج الحسين عليه السلام باطن كل اعمالها ، وحقيقة مناسكها ، وبواطن ظواهرها ، وروح اشباح هذه الاعمال ، وحقائق صورها في عبادته التي امتثل فيها الخطاب الوارد عليه ، كما يظهر للعارف المتدبر البصير .

فان روح ارادة الحج ومناسكه مجملا هو تجريد للقلب ، وتوديع للدنيا والراحة والخلق ، وتسليم للقضاء ، وترك للعلائق حتى ماعلى البدن ، وحل لكل عقدة بالاحرام ، ووقوف بباب بعد باب ، واستئذان وسعي في خدمة المولى ، وهرولة الى خدماته ، ودفع اعدائه ، واستجارة به ، ولواذ بأعتابه ، ونحو ذلك .

وقد صدرت من الحسين (ع) جميع هذه الحقائق ، فهو الذي تحققت منه حقيقة الحج الحقيقي صريحا ، إشارة اليها كما في مناسك الحج فهو صور المشار اليه و أو جده في الخارج .

النوع الثالث : حج أحرم به تمتعا لما كان في مكة ، ثم لما علم انه : اذا اتمّ الحج قتلوه غيلة في الحرم عدل الى عمرة مفردة ، أتى بمناسكها واحلّ ، ثم احرم بحج اخر .

وهذا الاحرام والاحلال ، ثم الاحرام من خصائصه العجيبة .

فنقول في بيانها انه :

أحل : من حج مناديه الخليل حين نادى : عباد الله هلم الى الحج ، فاجابه من في الاصلاب ممن قدّر له الحج .
أحرم : بحج مناديه الخليل حين نادى قبل خلق السموات : يا حسين إشر نفسك لله تعالى .

أحلّ : من حج ميقاته مسجد الشجرة .
أحرم : بحج ميقاته الشجرة المسموع منها : إنني أنا الله لا إله إلا أنا.

أحلّ : من حج ميقاته نزع الثياب ، ولبس ثوبين أغبر وأحمر ، ولبس ثوب آخر عتيق حين قال لأخته زينب : آتيني بثوي عتيق لا يرغب فيه ، أجعله تحت ثيابي : لئلا اجرد بعد قتلي .

آه وقد جرده اسحاق بن حويه لعنة الله عليه .

ويمكن ان يقال لبس ثوبا اخر وهو السربال الذي لبسه بعد التــّبان ، وقد اراد أخذ تكته الجمّال - لعنه الله - فوضع عليه السلام يده اليمنى عليها ، فقطعها اللعين بالسيف من الزند .

ثم حاول حلّها ثانية فوضع عليه السلام يده اليسرى عليها فقطعها كذلك ، فعند ذلك نزل رسول الله وعلي وفاطمة الى اخر الحديث ، في المنتخب للطريحي 92 وايضا في المقتل للخوارزمي جزء ثاني صفحة 102

أحلّ : من حج من تروكه ، ترك الخضاب للوجه واليدين والرجلين بالحناء .
أحرم : من افعاله ، خضاب الوجه واللحية والرأس بالدماء الزاكيات .

أحلّ : من حج احرامه ، ترك التظليل سائرا .
احرم : بحج ترك فيه التظليل سائرا وواقفا ونائما .

احل : من حج احرامه كشف الرأس.
احرم : بحج احلاله قطع الرأس.

احل : من حج من اعماله اطعام الطيور حب الحنطة او الشعير .
احرم : بحج من اعماله اطعام الطائر حبة الفؤاد .

احل : من حج يجنب الميت فيه الكافور .
احرم : بحج فيه السدر والكافور الوقراح .

احل: من حج التمتع.
احرم : بحج هو عمرة تمتع وافراد ، وحج تمتع وقران وافراد .

احل : من حج اكثر العابدين لله قبل ادم بثلاثين ألف عام .
احرم : بالحج الخاص به (ع) الذي لم يحجه أحد غيره .

احل : من الحج الاصغر .
احرم : بالحج الاكبر .

احل : من الحج الظاهري .
احرم : بحج ظاهري وباطني بالنسبة الى الحالات .

احل : من حج قد استطاع اليه كثير من الناس .
احرم : بحج لله تعالى ما استطاع احد اليه سبيلا ، الا هو عليه السلام .

او الاحرى قل :

احرم : بحج قد خصّه الله تعالى به وحده دون سائر المخلوقات .

احل : من حج أمر به الله تعالى في القرآن الكريم المنزل على لسان نبيه المصفطى (ص) لجميع الجن والانس .

واحرم : بحج أمر الله تعالى به في رسالة خاصة الى الحسين عليه السلام ، ورسالته منسكه ، صحيفة مختومة بخاتم من ذهب ، لم تمسه النار.

وهي واحدة من اثنتي عشرة صحيفة ، قد أتى بها جبرئيل (ع) الى النبي الاكرم صلى الله عليه واله وسلم .

فيها : للحسين عليه السلام : يا حسين إشر نفسك لله تعالى ، واخرج بأقوام لا شهادة لهم إلا معك ، وقاتل حتى تـُقتل .

أحل : من حج مؤذنه إبراهيم (ع) الخليل حين خوطب بقوله " وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالاً وعلى كل ضامر " .

أحرم : بحج ، المؤذن له رسول الله (ص) ، ومأذنته عند قبره المطهر .

وذلك حين ناداه في النوم تارة حين جاء لوداعه وشكى حاله ، فغلب عليه النوم ، وجعل رأسه على القبر فأغفى . فرأى رسول الله (ص) قد ضمه اليه ، وقبّل ما بين عينيه ، وأمره بالخروج للشهادة ، وأخبره بما يجري عليه .

وفي اليقظة تارة اخرة ، حين قال له جابر في المدينة : اني أحب لك ان تصالح بني امية ، كما صالح اخوك ، فانه كان موفقا .

فقال له الحسين عليه السلام : انظر ، فنظر فرأى رسول الله (ص) وعليا والحسن (ع) وهم يقولون له ما مضمونه " انه يفعل ما اُمر به ، ولا شك في أمره " .

احل : من حج له قسم واحد ، يحصل احلاله عند الفراغ من مناسكه.
احرم : بحج مركب من خمس حجات ، كلما فرغ من مناسك حجة واحل من احرامها احل باخرى واحرم لها.

بيان ذلك مجملا : -

اولا : احرم من ميقات المدينة ، ولبى بحج الكليم الذي قصده بقوله " عسى ربي أن يهديني سواء السبيل " ، حتى ترك فرعون وقومه

ولذا قال ": فخرج منها خائفا يترقب ، قال رب نجني من القوم الظالمين " ، وعند خروجه من المدينة ، قرأ " ولما توجه تلقاء مدين قال عسى ربي ان يهديني سواء السبيل " .

ثانيا : ولما احل وفرغ من مناسكه تلك احرم من مكة بحج الخليل الذي نواه بقوله : " أني ذاهب إلى ربي سيهدين " ، فلبى له .

ثالثا : ولما احل وفرغ من هذه المناسك ، احل واحرم من الخيام ، ولبى بحج خاص له ، ولاهل بيته صلوات الله عليهم .

رابعا : ولما احل وفرغ من المناسك السابقة لبى واحرم من الموقف الذي هو مركزه في ميدان الحرب .

خامسا : ولما فرغ من ذلك احل ولبى واحرم من المقتل الذي هو مصرعه ، ولبى بحج خاص بعد انفصال روحه من جسده المبارك .

ولكل من الحجج الخمس مؤذن خاص اذن فيها ، وكلها اذان دعاء لامتثال امر خاص من اوامر الصحيفة المختصة به المذكورة سابقا .

** بيان ذلك انه (ع) : لما سمع اذان رسول الله (ص) في حجه من ميقات قبره لبى له ، وخرج من المدينة ، ولما فرغ من مناسكه ، سمع في مكة أذانا ثانيا ، فلبى له واحرم وفرغ من مناسكه حين وصوله كربلاء الى عصر تاسوعاء .

فسمع عند الخيام الاذان الثالث لحج ثالث اصعب ، فلبى له .

ولما فرغ من مناسكه بعد الزوال يوم عاشوراء.

سمع الاذان الرابع للحج الرابع الاكبر ، فقاتل حتى قتل.

والمؤذن له ولده بلسان جده فلبى له واحرم من الموقف .

ولما فرغ من مناسكه حين وقع ذبيحا وقطع رأسه الشريف نودي للحج الاعظم بالاذان الخامس :

والمنادي له وبلا واسطة هو الله تعالى العظيم ، فلبى له في تلك النشأة .

وحج الحج الذي اختص به ، وهو في هذا الحج وحده لا شريك له ،

وبيان هذا تفصيلا : انهم لما ارادوا منه مبايعة فرعون الامة يزيد بن معاوية خرج من المدينة ، فترك الوطن ، وخرج خائفا يترقب .

وما خوفه الا كخوف موسى عليهما السلام ، خوفا على الدين والعقيدة ان يضيعا فلا يكون في الامة ولا يكثر بها الا الهمج الرعاء اتباع كل ناعق وما كان في ذلك العهد الا هؤلاء ، اما الصالحون ذوو البصائر وهم قلة فكانوا مستضعفين مظلومين ، فكان حجة الله تعالى اولى بهذا الامر من غيره ، فقام لتثبيت معالم الدين المحمدي القويم حبا لله تعالى وتسليما مطلقا لامره عز وجل .

فلبى لربه في امره بعدم المبايعة ، واظهار المخالفة لهم ، مع فقد الانصار ، والعلم بأن الناس يخذلونه ، ولا ينصرونه ، فأحرم لمخالفتهم ، ومقاتلتهم ، وترك البقية ، وجاء الى مكة يدعو الناس الى الحق ، والى ان بني امية على الباطل ، وانه تجب مقاتلهتم .

ولما اتمّ اعمال هذا الحج اهلّ بحج الخليل (ع) واحرم له :

ميقاته : مكة .
وقت احرامه : يوم عرفة.
حجه : قران.
هديه : مسلم بن عقيل صلوات الله عليه .
إشعاره : قتله في ذلك اليوم ، فإنه أشعر بمصائب الحسين (ع ( ومن معه من الشهداء .
مؤذنه : رسول الله (ص) في المنام في مكة ، بقوله : أخرج يا حسين فإن الله تعالى قد شاء أن يراك قتيلا ، وخذ معك نساءك فإن الله تعالى قد شاء أن يراهن أسارى.
تلبيته : لبيك اللهم لبيــك ، خرجت بنفسي واولادي واخوتي وبني اعمامي وخواص اصحابي ، للقتل في سبيلك ، وخرجت بنسائي واخواتي وبناتي ، للأسر في سبيلك ، لبيك اللهم في أمرك أخرج بأقوام لا شهادة لهم الا معي .

فأحرم عن المأمن ، فان مأمن الناس لم يصر له مأمنا ، ومأمن الطيور والوحوش لم يصر له مأمنا ، ومأمن الاشجار والنبات لم يصر له مأمنا ، ومأمن الكفار والمشركين والمنافقين لم يصر له مأمنا .

فأحرم من الأمن ، فانه كان يخوّفه في اليقظة كل من يلقاه في الطريق ، ويقول له : تقدم على حد السيوف ، وكانت الهواتف تهتف بقتله في كل منزل ينزله .

كما عن السيدة زينبا ً سلام الله عليها في منزل الخزيمية ، لما سمعت الهاتف نصف الليل في البر ينادي بأشعار منها :

الى قوم تسوقهم المنايا *** بمقدار الى انجاز وعد

فحكت ذلك لاخيها (ع) فقال لها : يا اختاه كل ما قدّر الله تعالى فهو كائن ، وكذا كان يحصل له التخويف في المنام كلما نام ، حتى استيقظ يوما باكيا .

فقال له ولده علي عليه السلام : ما يبكيك يا أبه ؟

قال عليه السلام : سمعت في النوم قائلا يقول : القوم يسيرون والمنايا تسير بهم.
فقال : يا أبتاه ألسنا على الحق ؟
قال عليه السلام : بلى ، والذي اليه مرجع العباد .
قال : فما نبالي بالموت ، وفي رواية : اذاً ما نبالي ان نموت محقين ، ولا نبالي اوقعنا على الموت او وقع الموت علينا .

فجزّاه الحسين صلوات الله تعالى عليه خيرا وقال بارك الله بك يا بنيّ

ملاحظة : قد يُفهم من هذا ان الامام الحسين عليه السلام كان خائفا من الموت او القتل او ما يمارسه الطغاة وحكومة يزيد في حق الحسين واهل بيته وانصاره ، كلا ، بل أوليس هو القائل : خـُط الموت على ابن ادم مخط القلادة على جيد الفتاة. !

وما اعظمه وصفه من تعبير ينم عن شوقه الى الموت ولقاء الله تعالى ، وهذا هو حال اولياء الله تعالى في تمنيهم للقائه بشوق لا يعدله شوق ولا يصفه الواصفون .

ولكن هذه المواقف التي تدل ظاهريا على ان الحسين كان يبكي وايضا خرج خائفا ، ما هي الا لتبيان مدى مظلومية امامنا المعصوم صلوات الله تعالى عليه ولتبيان مدى انتشار الظلم والاستعباد في ذلك العهد الاموي الجائر .

واحرم عن رجاء نصرة الناس له ، وان كان يستنصر أحيانا لإتمام الحجة عليهم .

واحرم عن رجاء الحياة ، فقال لعمرو بن لوذان لما خوّفه من المحاربة مع بني امية : إنه لا يخفى عليّ ذلك ، وانهم لا يدعوني حتى يستخرجوا هذا العلقة من جوفي .

فشرع في مناسك هذا الحج ، واحرم عن كل الاماكن والبلاد ، وحصل منه السعي الى صفا كربلاء.

وحطّ الرحال فيها للوقوف ، واحرم فيها عن كل طعام .
ثم احرم عن شرب الماء قرب عاشوراء ، وشرع في اتمام مناسكه ، والخروج بأقوام قد امر بان يخرجهم معه ، ويأخذ الميثاق منهم .
ميقاته : الخيام في كربلاء .
المنادي به : رسول الله تعالى صلى الله عليه واله وسلم ، وعلي وفاطمة والحسن صلوات الله عليهم ، ومعهم ملك من الله تعالى في يده قارورة من زمردة خضراء .
وقته : عشية الخميس ليلة عاشوراء ، حين خفق ورأسه على ركبتيه محتبئا بسيفه .
أذانه قوله (ص : ( يا بني أنت شهيد آل محمد ، وقد استبشر بك أهل السماوات واهل الصفح الاعلى ، فعجل افطارك عندي الليلة ، وهذا ملك قد نزل من السماء ليأخذ دمك في هذه القارورة الخضراء.
فاستبشر هو ولبى لذلك ، واهلّ بهذا الحج ، لكن لما اطلعت زينب (ع) على الاذان وسمعت صوت التلبية والتسليم من اخيها في ليلة عاشوراء ، كشفت رأسها وجاءت الى اخيها حاسرة حافية ، ولطمت وجهها .

وصاحت : يا أخاه ليت الموت أعدمني الحياة ، يا أخاه هذا كلام من أيقن بالقتل ، واستسلم له .

قال لها : نعم يا أختاه .

يعني اني قد استسلمت لذلك ، ولا علاج له ، وقد انقطعت اسباب الخلاص منه .

فقالت : ذاك أقرح لقلبي ’ انك لا تجد بدا ولا علاجا ، وأهوت الى جيبها فشقته ، ووقعت مغشية عليها ، فجلس (ع) عندها ، وصب الماء على وجهها حتى افاقت ، واخذ يعظها ويصبّرها .

أقول : ان امامنا الحسين لم يسمع اخته زينب قط تتمنى الموت وتتكلم بهذا الكلام فيغمى عليها ، وكذا زينبا عليها السلام لم تعهد من الحسين عليه السلام من قبل انه ينعى نفسه ، فتأمل كيف هي مظلومية اهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .

ثم اشتغل بمناسك هذه الحجة الثالثة

وفيها :

طواف لبيت محبة الرب الجليل بالعبادة ، والصلاة وتلاوة القرآن ، وجعل ذلك طواف وداع .

ثم قدّم هديه وضحّاه ، لا من البُدن التي هي من شعائر الله تعالى، ولا من الغنم التي هي فداء لاسماعيل (ع) بل من اصفياء الله وأودائه .

ومن الافضل من اسماعيل عليه السلام خلقا وخـُلقا ومنطقا ؟، ومن انوار العيون؟ ، ومن القوى للظهور ؟، فجعلهم نسكا وهدايا وضحايا لله تعالى .

واخذ يسعى لهم في تلك الحال اكثر من سبعين شوطا ، يهرول في بعضها ، ويتأتى في بعضها .

ثم بعد فراغه من اعمال هذا الحج ، وقضائه مناسكه علا وارتفع صوت
الاذان الرابع :

والمؤذن لهذا الحج : شبيه المصطفى على لسان المصطفى حين وقع في الميدان مجدّلا .

فأذن لوالده في حجٍ : الآمر به هو الله تعالى في قوله : وقاتل حتى تـُقتل، وهو الحج الاكبر .

أذانه : يا أبتاه هذا جدي رسول الله (ص) المصطفى ، يقول لك : العجل العجل .

ووقته : ظهر عاشوراء .

فلبى بهذا الحج في ميقاته وهو موقفه في الميدان

قائلا : لبيك اللهم لبيك ، قدمت أمامي اولادي واخواني وبني اعمامي ، فلم يبقى احد منهم .

ثم ودّع نساءه وبناته واخواته قائلا : لبيك اللهم لبيك ، خلفت ورائي نسائي وصبية عطاشى حيارى .

ثم لبس ثوبا للاحرام عتيقا ، وخرّقه في مواضع كثيرة .

ثم ركب جواده ووقف في موقف عجيب ، ما وقفه احد مثله في خدمة ربه تعالى في عرفة ولا منى ولا مشعر ، ولا وقف احد في ميدان ولا مبارزة مثله .

قائلا :

لبيك اللهم لك لبيك ، وحدك لا شريك لك لبيك .
جئت وحدي اليك.
احرم لك قلبي عن كل علاقة لسواك .
فلا غربتي توجب الكربة .
ولا وحدتى تورث الوحشة .
ولا قتل اولادي يضعف كبدي .
ولا اضطراب عيالي يغيّر حالي .
ولا قتل رجالي يغيّر احوالي .
ولانور بصري يذهب عطشي.
ولا يعرضني الخوف لكثرة اعدائي .
ولا اضطراب لشدة بلائي .

فلذا اطمأنت جوارحه ، وهدأت نفسه الزكية ، وردت قواه ، واحمّر وجهه ، حتى تعجب بعض من التفت الى ذلك .

لبيك اللهم لبيك.
احرم لك رأسي عن الاتصال ببدني.
وبدني عن القيام على رجلي .
ويدي عن أخذ شيء بها .
لبيك اللهم لبيك .
احرم لك كبدي عن الماء .
وبشري عن سلامة مقدار شعرة .
وشعري عن خضاب الزينة ، وعن بقاء لونه.
واوصالي عن الاتصال ، ففارقتها مقطعة ،.
ولحمي عن الالتئام بالعظام .
وعظمي عن التركيب .
وقلبي عن الاستقرار ، ومن بقاء صورته .
ودم قلبي عن الثبوت في شغافه .
واوداجي عن التعلق برأسي .
ووتيني عن الوصل برقبتي .
ثم طاف البيت حول بيت الله وسعى .

ثم وقف (ع) في مواقف هو مركزها ما وقفه احد من عباد الله تعالى .
فكانت له عرفة ومشعرا حقيقة .
ثم رمى الجمرات الثلاث بحملات ثلاث ، سيجيء تفصيلها في باب شهادته عليه السلام .

ثم صار في منى لا لحلق رأس ، وذبح هدي ، او نحره ، بل لقطع الرأس الشريف ، وجعل النفس الزكية اُضحية مذبوحة ، وهديا منصوبا معا .

وأتم البيتوتة فيه الى الثالث من احرام هذا الحج تحقق النداء من معدن العظمة والكبرياء ، في الحج الاعظم الاخص

وهو :

القسم الخامس : من حجه (ع) وهو حج لم يحجه احد قبله ولا يحصل لاحد بعده ، فهو الذي استطاع الى هذا الحج سبيلا.

واذان هذا الحج من قبل الله تعالى بلا واسطة بقوله تعالى ) يا أيتها النفس المطمئنة ، ارجعي إلى ربك راضية مرضيــــــة ( ، فإن المخاطب به هو الامام الحسين عليه السلام ، كما في الروايات ، وهو النفس المطمئنة.

وقت احرامه: عصر عاشوراء بعد مفارقة الروح.
وميقاته : المقتل .
واعمال هذا الحج : التلبية لداعي الحق ، لا كما يلبي هذا الداعي كل واحد قهرا ، بل تلبية خاصة عبّر عنها بقوله : " راضية مرضية " فإنه (ع( مع هذه الحالة العظمى ، والمصيبة الكبرى ، خرجت نفسه الطاهرة الزكية راضية .

لا صابرة فقط ، بل في نهاية الرضا ، بل ومُحبة مشتاقة لقضاء الله تعالى وقدره ، وهو غاية التكامل الانساني .

حتى انه تعالى قدم صفة رضاه (ع) عن ربه على كونه مرضيا عنده .

فتأمل في هذه الدقيقة تنكشف لك امور عجيبة .

ثم رمى السلاح ، ونزع اثوابه جميعا ، حتى ثوب الاحرام الذي لبسه في الحج السابق .

نعم لبس ثوبين اخرين من نسج الرياح المغبرة الحمراء ، ثم ترك الزينة ، لا الخاتم وحده ، بل موضع الخاتم معه ايضا .

ثم كشف عن الرأس وبقـّاه مكشوفا ميتا ، كما هو حكم من مات محرما ، ثم فصله عن البدن .

ثم ترك النساء والعيال والاولاد ، ثم ترك الانس باجمعهم .

الذي لم يطفه احد قبله - بعد الطواف الاول بالبيت المعمور حين اُصعد الى السماء -

ثم بات : ببدنه ثلاثا في موضع التشريق .

ثم سعى : بالرأس من صفا كربلاء الى الكوفة ، ثم من الكوفة الى الشام ، ثم من الشام الى المدينة ، ثم الى الصفا في كربلاء .

ثم ذكر الله تعالى بتلاوة كتابه في مواضع .

ثم احرم للرأس ، لا عن الظل وحده ، بل عن الموضع في الارض فعلى الرمح تارة ، وعلى الشجر تارة اخرى ، وعلى باب دمشق تارة ، وباب دار يزيد اخرى .

نعم لم يكن في هذا الحج احرام عن الخضاب ، بل احرامه بتخضيب اللحية بخضاب ، والوجه بخضاب ، والرأس بخضاب ، وليس فيه احلال فإنه قال : هكذا حتى ألقى الله تعالى وأنا مخضب بدمي .

ومراده لقاؤه يوم القيامة ، فإنه يُحشر واوداجه تشخب دما وهو مخضب بدمائه الزاكية المباركة.

وهكذا لم يكن فيه اجتناب لصيد الوحوش ، والطيور ، بل صاد الوحوش كلها ، فمدت اعناقها على جسده الطاهر تبكيه وترثيه ليلا حتى الصباح نائحة عليه .

وصارت الطيور تقع على جسده الشريف ، وتلطخ اجنحتها بدمه وتتفرق نائحة له في كل ناحية .

خاتمة : لما تحقق اختصاصه بالحج ، خصوصا هذا الحج الخامس ، الذي ما عبد الله تعالى عابد بمثله ، فلا غرو ان يجعل الله تعالى اجر زيارته ما يعادل الحج والعمرة .

بل اكثر من ذلك كما سبق ذكره وتفصيله ، فان ذلك اجر المرور لحجه هذا .

ولا عجب من مضاعفته في خصوصيات الزيارة بحسب خصوصياتها ، الى ان تبلغ مئات الألوف ، وآلاف الألوف ، والى ان يكون لكل قدم او خطوة ما يعادل ذلك او اكثر وكلٌ بحسب درجته وايمانه ، فلا عجب من ذلك لان خالقنا هو الواسع العليم ، والوهاب الودود الكريم .

ولا عجب من ان يُعطى زائره اجر الحج مع النبي الاكرم صلى الله عليه واله وسلم ، او القائم صلوات الله عليه وعُجّل فرجه ، ولا تعجب من مضاعفة ذلك .

ثم لا تعجب من ان يعطى زائره او مريد زيارته ولا يقدر لسبب ما ، ان يعطى اجر تسعين من حجج النبي المصطفى (ص) ، فإن ذلك اجر لحج الامام الحسين الشهيد الغريب صلوات الله عليه .

المطلب الثاني
في بيان حجاجه المخصوصين بحجه

من الملائكة والانبياء وغيرهم من الحجاج ، له من البشر ، وفيهم رجال ونساء .

اما الرجال فأولهم النبي المصطفى (ص) فله حج ومناسك خاصة بالنسبة اليه ، وله تفصيل نبيّته ان شاء الله.

ثم الشهداء معه فانهم قد حجوا له حقيقة، ألم تر انهم احرموا له عن كل عادة ؟ وعطفوا عليها النساء والاطفال والاموال والحياة ؟! وباتوا في مناه ثلاثة ليال ؟! ونزعوا المخيط من الابدان ؟! وبعضهم نزع الكفين وبعضا ضحى بالعينين وبعضا ضحى بالرأس ومن هذه الفئة الرضيع المنحور ، فدفنوا بلا اكفان ؟! وتركوا التظليل سائرين ؟! وعطفوا غير التظليل واقفين ؟! .

وكيفية حجهم مختلفة باختلاف مناسكهم ازاء هذا البيت الحقيقي، فلهم حوله طواف ، ليس بطواف دوران فقط ، ولهم سعي ، لا سعي مشي فقط ، ولهم معه وقوف لا مجرد كونهم في الموقف فقط ، ولهم عنده صلاة ، ليست صلاة طواف فقط .

ونيتهم في هذه المناسك ليست كنّيات سائر الحاج ، وليست كنيات سائر الشهداء ، بل هي نية خالصة لها خصوصيات .

وعرضت لهم مع هذه النية حالة لا يمكن تقريرها ، لما رأوا من حالة الحسين عليه السلام وكيفية وحدته وحقيقة غربته ومظلوميته التي ابكت اعدائه العتاة لعنهم الله تعالى .

بل و واضطراره وحال عياله واطفاله وحيرتهم فتهافتوا على ذهاب الانفس ، واختلفت اعمالهم ومناسكهم .

فمنهم : من احرم ولم يتمكن من اكمال باقي المناسك .
كالذين قتلوا في اول يوم عاشوراء .

ومنهم : من اقتصر بعد الاحرام على الطواف حول البيت الحقيقي ، كسعيد بن عبدالله الحنفي حتى قتل .

ومنهم : من طاف ووقف وسعى .
ومنهم : من صلى صلاة طواف مع البيت عنده .

ولبعضهم خصوصيات في استلامهم اركان البيت عند الطواف
فبعضهم قد استلم البيت وقبّل اركانه كالغلام التركي .

ولكن البيتوتة ايام التشريق في منى ، قد تحققت من جميعهم وتفصيل هذا في عنوان الشهداء.

واما الحاجّات له من النساء اللاتي قد حججنه ، فهن نساء كن معه في كربلاء ، قد تحقق منهن حج خاص.

لهذا البيت :

الاولى : أم وهب وهي نصرانية جديدة على الاسلام ، احرمت لحج البيت بعد الاستطاعة ، فوقفت في المشعر بشعور .

وعلمت ان الحسين عليه السلام إمامها تجب نصرته ، والامر بنصرته ، وانه بيت الله تعالى يجب الهدي اليه ، فقدمت هديها . وأتت الى ولدها ، وقالت له : يا بني قم ، وانصر ابن بنت رسول الله صلى الله عليه واله وسلم .

فقال : افعل ذلك يا اماه ، ولا اقصّر ، فخرج مرتجزا ، فقتل سبعة عشر فارسا ، واثني عشر راجلا .

فرجع ووقف امام امه وزوجته وقال أرضيت يا أماه ؟

قالت : لا ، حتى تقتل بين يدي ابن بنت رسول الله (ص(، وحتى يكون شفيعا لك يوم القيامة ، فارجع يا بني الى القتال .

ثم انها رضوان الله عليها وعلى وابنها ، رمت الاعداء بجمرة لم يرم احد مثلها ، كما سيجيء بيانها.
الثانية : زوجة وهب هذا ، فإنها لم تعرف هذا البيت اولا ، ولا احرمت لحجه ، بل منعت زوجها باديء الامر.

فقالت : وهي متمسكة متعلقة بزوجها ، لا تفجعني بنفسك .

فقالت له امه : لا تسمع قولها .

ثم عرضت لزوجته هذه حالة من مشاهدة حال إمامها الحسين عليه السلام .
لذا احرمت لهذا الحج .

فنادت زوجها : قاتل دون الطيبيــن ، وطافت حول البيت ، وهرولت هي الى القتال ، حتى قتلها غلام لشمر ، وطرحت قتيلة ، وهذه قد اختصت بالبيتوتة في منى ثلاثا ، وهي قتيلة مع الشهداء ، ولا يعلم هل اخذوا رأسها ام لا ؟!
الثالثة : امرأة اخرى قتل زوجها ولها ولد لم يبلغ الحلم .
فرأى الحسين عليه السلام ان ابنها قد برز .
فقال (ع( : هذا غلام قد قـُتل ابوه ، ولعل امه تكره خروجه .

فقال الغلام : يا بن رسول الله (ص) ان امي قد امرتني بذلك ، وقالت لي : يا بني قم وقاتل بين يدي ابن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم .

فقدمت ابنها بين يديها هديا ، واُضحية ، والتزمت رأسه بعد أن رموه اليها وقبّلته ثم رمته اليهم .

ولكن حقيقة الحج للحج للحسين عليه السلام قد تحققت في حج حاجّة ، ما ادى مناسكه احد قبلها ولا بعدها ، وما ادراك من الحاجة المخصوصة ، انها زينب الكبرى صلوات الله عليها ، وما ادراك ما كان حجها ، وكيف كانت مناسكها واحرامها ، وما أدراك ما هي كعبتها وركنها ومستجارها .

وسيجيء تفصيل ذلك في عنوان خاص بها في عناوين المجلد الثاني ان شاء الله تعالى .

المقصد الرابع
في خصائصه المتعلقه بالملائكة

وفيه مطالب :

الاول : فيما اعطاه الله عز وجل من الملائكة .
الثاني : فيما اعطاه من صفات الملائكة .
الثالث : فيما أعطي الملائكة منه عليه السلام .

المطلب الاول
فيما اعطاه الله تعالى من الملائكة

فنقول قد اعطاه من الملائكة ثلاثة اصناف :

الصنف الاول : الخادمون له ايام حياته .
فقد ورد في الروايات : انه تفاخر اسرافيل على جبرئيل بأنه صاحب حملة العرش والصور ، وانه اقرب الملائكة مكانا ، فافتخر جيرئيل بأنه أمين الوحي ، والرسول الى الرسل ، وصاحب القذف والخسف والصيحة والزلازل ، فتحاكما الى الله تعالى ، فأوحى اليهما : اسكتا ، فوعزتي وجلالي لقد خلقت من هو خير منكما .

فقالا : أيكون ذلك وقد خلقتنا من نور عظمتك ؟

فنظر الى ساق العرش فاذا هو عليه " لا إله إلا الله محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين خير خلق الله " فعند ذلك خجلا .

فقال جبرئيل : يا رب أسألك بحقهم عليك الا جعلتني خادمهم ، فاستجاب الله له ، فكان خادما لهم ، وخاصة بالنسبة للحسين عليه السلام فانه كان يحرك مهده المبارك ويناغه .

ويقول :

ان في الجنة نهرا من لبن *** لعلي ولزهراء وحسين وحسن
كل من كان محبا لهم *** يدخل الجنة من غير فتـــــن

وكان يأتي اليه بالثمار وبالحلي من الجنة مرارا ، ويصبغ له ثوبه ، وينزل بعزائه ، ويحمل تربته المباركة .

وقد نزل الى الارض لأجله حين قتل مع انه لم ينزل بعد النبي (ص) ، ففي الرواية عن السجاد عليه السلام انه لما قتل الحسين عليه السلام أتاهم وهم في العسكر فصرخ ، فقيل له : مالك تصرخ ، فقال : كيف لا اصرخ ورسول الله قائم ينظر الى الارض مرة ، وينظر الى حزبكم مرة ، وانا اخاف ان يدعو الله على اهل الارض فأهلك فيهم ، فتنبه عند ذلك كثير منهم .

وقال عليه السلام : ذلك الصارخ جبرئيل ، اما انه لو اُذن له فيهم لصاح فيهم صيحة يخطف بها ارواحهم ، لكن امهلهم الله تعالى الى اجل معلوم .

هذا في بيان افضلهم خدمة ، واما غير جبرئيل من الملائكة فقد وكلّ الله تعالى منهم خداما كثيرين له .

منهم : حملة تربته الى جدّه صلى الله عليه واله وسلم.

ومنهم : النازلون لتهنئته ، وغير هؤلاء ممن يُعلمون من تضاعيف الحكايات والروايات .

الصنف الثاني : الانصار له (ع) فإن الملائكة قد جاؤوا لنصرته

في مواضع :

الاول : خارج المدينة ، فانه لما سار منها لقيته افواج من الملائكة المسوّمة ، في أيديهم الحراب ، على نجب من نجب الجنة ، فلسّموا عليه.

وقالوا : يا حجة الله على خلقه بعد جده وابيه واخيه ، إن الله سبحانه امدّ جدك بنا في مواطن كثيرة ، وان الله امدك بنا .

فقال لهم : الموعد حفرتي وبقعتي التي أستشهد فيها وهي كربلاء ، فاذا اُوردتها فأتوني .

فقالوا : يا حجة الله مُرنا نسمع ونطع ! فهل تخشى من عدو يلقاك فنكون معك ؟

فقال عليه السلام : لا سبيل لهم عليّ ولا يأتوني بكريهة أو أصل بقعتي .

الثاني : في مكة ، كما عن الواقدي وزرارة بن صالح ، قالا : لقينا الحسين بن علي عليهما السلام ، قبل خروجه الى العراق بثلاثة ايام ، فأخبرناه بهوى الناس بالكوفة ، وان قلوبهم معه ، وسيوفهم عليه ، فأومأ بيده نحو السماء ، ففتحت أبواب السماء ، ونزل من الملائكة عدد لا يحصيهم الا الله تعالى .
فقال عليه السلام : لولا تقارب الاشياء ، وحبوط الأجر ، لقاتلتهم بهؤلاء ، ولكن أعلم يقيناً ان هناك مصرعي ومصرع اصحابي ، ولا ينجو منهم الا ولدي علي .
 

الثالث : في كربلاء ، فإنه لما ضاق الامر أتوه ، ورفرف النصر على رأسه عليه السلام ، فخير بين النصر ولقاء الله تعالى ، فاختار لقاء الله تعالى .

الصنف الثالث : المشتغلون بخدماته والامور المتعلقة به عند قبره الطاهر ، ولهم اعمال ومشاغل مختلفة

وهم في ذلك فرق عديدة :

الفرقة الاولى : المجاورون لقبره الشريف شعثا غبرا الذين شغلهم البكاء عليه ، فهم يبكونه الليل والنهار لا يفترون ، وهم أربعة آلاف .

الفرقة الثانية : المنادون على قبره كل صباح : " يا باغي الخير أقبل الى خالصة الله ، ترحل بالكرامة ، وتأمن الندامة ، فتنعطف عليه الملائكة " .

الفرقة الرابعة : المنادون لزائره اذا انقلب من عنده : طوبى لك ايها العبد ، قد غنمت وسلمت وقد غفر لك فاستأنف العمل .

الفرقة الخامسة : زواره وبُكاته الذين يأتون اليه ويبقون عنده ، ثم يصعدون ، وهم ايضا اربعة الاف في كل يوم غير السابقين لهم .

الفرقة السادسة : المصلّون عليه وهم مائة ألف ملك من كل سماء في كل يوم وليلة .

الفرقة السابعة : الذين شغلهم الاستغفار لزواره .

الفرقة الثامنة : المصافحون لملائكة الحائر ، وهم ملائكة الليل والنهار من الحفظة يحضر ملائكة الحائر فيصافحونهم ثم يصعدون .

الفرقة التاسعة : المبلّغ لسلام البعيد اليه ، وهو فطرس قد خصّه الله تعالى بذلك من يوم عاذ بمهده .

الفرقة العاشرة : المصلّون على زواره .

الفرقة الحادية عشر : الموسمة لزواره بميسم نور الله تعالى هذا زائر قبر خير الشهداء ، فيُعرفون يوم القيامة بهذا النور ، فيأخذ النبي الاكرم) ص) وجبرئيل (ع) بأعضادهم .

الفرقة الثانية عشر : الآخذون بدموع الباكين عليه عليه السلام .
ففي الحديث : ان الملائكة يتلقون الدموع المصبوبة فيمزجونها بماء الحيوان فيزيد في عذوبته .

الفرقة الثالثة عشر : القائمون المرتعدة مفاصلهم الى يوم القيامة فزعا من مرور الحسين عليه السلام ، وهم في كل سماء سبعون ألفا ، على ما في حديث أبي ذر الغفاري رضوان الله تعالى عليه .

الفرقة الرابعة عشر : الانصار له في رجعته ، وهم الذين استأذنوا الله تعالى في نصرته لما اشتد الامر عليه فأذن لهم .

فمكثوا يستعدون ويتأهبون ، فلما نزلوا رأوه قتيلا

فقالت الملائكة : يا رب أذنت لنا في الانحدار ونصرته فاعذرنا وقد قبضته .

فأوحى الله تعالى اليهم : الزموا قبته حتى توارونه ، واذا خرج فانصروه ، وابكوا عليه على ما فاتكم من نصرته ، فمكثوا هناك يبكون ، فإذا خرج كانوا من أنصاره.

أقول : اذا بكى أحد من شيعته فالبكاء نصرة له ، لذا ارجو ان يكون الباكي من هذه الملائكة.

الفرقة الخامسة عشر : الذين يبلغون السلام من رسول الله صلى الله عليه واله وسلم على الزائر له ، كما في الرواية .

الفرقة السادسة عشر : ما في رواية عقبة ، عن ابي عبدالله (ع) قال : سمعته يقول : وكلّ الله تعالى بقبر الحسين عليه السلام سبعين ألف ملك يعبدون الله عنده ، الصلاة الواحدة من صلاة أحدهم تعدل ألف صلاة من صلاة الآدميين ، يكون ثواب صلاتهم لزوار الامام الحسين عليه السلام .

الفرقة السابعة عشر : الذين يشيّعون زواره بأمر من الله تعالى ،

ثم يقولون : ربنا هذا عبدك قد وصل داره ، فيؤمرون بأن يكونوا عند باب داره يعبدون الله عنه ، فيفعلون ذلك ، حتى اذا مات ذلك الزائر
يقولون : ربنا إن عبدك قد مات ، فيوحي الله تعالى اليهم : أن زوروا الحسين عليه السلام عنه الى يوم القيامة .

الفرقة الثامنة عشر : الذين يبقون بعد وفاة الزائر مجاورين لقبره الشريف يستغفرون له الى يوم القيامة .

الفرقة التاسعة عشر : الحافــّون حول حرمه المبارك ، وهم كل يوم ألف ملك الى يوم القيامة .

الفرقة العشرون : الضاجّون الى الله تعالى في أمره ، وهم جميع الملائكة دفعة بضجيج واحد .

وذلك لما وقع صلوات الله تعالى عليه وكان طريحا ، ثم قطع رأسه الشريف .

فعن أبي جعفر (ع) قال : انه لما ضجت الملائكة كلهم ضجة واحدة بالبكاء والنحيب ، وقالوا : إلهنا وسيدنا هذا الحسيـــن صفـّيك وابن نبيك وخيرتك من خلقك .

فأوحى الله اليهم : قرّوا ملائكتي ، فوعزتي وجلالي لأنتقمن منهم ولو بعد حين .

ثم كشف الله تعالى عن الأئمة من وُلد الحسين عليه السلام ، فأقام الله لهم ظل القائم عُجّل فرجه وصلوات الله عليه ، وهو قائم يصلي ، فقال الله لذلك القائم : انتقم منهم .

الفرقة الحادية والعشرون : الذين حملوا تربته المباركة بعد قتله الى السموات ، وذلك ان ملكا من ملائكة الفردوس نزل على البحر ، ونشر أجنحته على كل البحار ، ثم صاح يا أهل البحار البسوا أثواب الحزن ، فإن فرخ الرسول مذبوح ، ثم حمل من تربته على اجنحته الى السموات ، فلم يبقى ملك إلا شمها وصار عنده منها أثر.

الفرقة الثانية والعشرون : الملائكة الذين نزلوا لتجهيزه وغسله وحنوطه وتكفينه ، على ما سنذكره في عنوان إقامة التجهيز له (ع) إن شاء الله تعالى .

المطلب الثاني
فيما اتصف به (ع) من صفات الملائكة

وليس المقصود انه اتصف بصفة واحدة منهم ، فإن ذلك ليس بفضيلة بالنسبة اليه عليه السلام ، بل إن المراد أنك اذا لاحظت مجموع الملائكة الذين هم أكثر من جميع المخلوقات ، ولاحظت مجموع عباداتهم بأنحائها المختلفة التي لا تحصى ، من اول خلقهم الى أبد الدهر ، تجد أن الامام الحسين عليه السلام قد جمع اعمال ملائكة الله تعالى في يوم واحد.

فاستمع لبعض صفات الملائكة كما بيّنها الامام امير المؤمنين علياً عليه السلام في بيان اصناف الملائكة :

" منهم سجود لا يركعون ، وركوع لا ينتصبون ، وصافون لا يتزايلون ، ومسبحون لا يسأمون ، لا يغشاهم نوم العيون ، ولا سهو العقول ، ولا فترة الابدان ، ولا غفلة النسيان ، ومنهم أمناء على وحيه ، وألسنة الى رسله ، ومختلفون بقضائه وأمره ، ومنهم الحفظة لعباده ، والسدنة لأبواب جنانه ، ومنهم الثابتة في الارضين السفلى أقدامهم ، والمارقة من السماء العليا أعناقهم ، والخارجة من الاقطار أركانهم ، والمناسبة لقوائم العرش أكتافهم " .

فاقول : اذا لاحظت السيد المظلوم ، الامام الغريب الشهيد ، وجدته عابداً بعبادة جميع الملائكة الذين لكل منهم مقام معلوم ، ونوع واحد من العبادة ، فجمعها عليه السلام كلها .

فقد سجد لله تعالى سجودا لم ينتصب منه وركع لله تعالى ركوعا بقي على هيئته لا يتزايل ، وقام في ليلة عاشوراء يعبد ربه تعالى لا يغشاه نوم العيون ، ولا سهو العقول ، وأتعب نفسه يوم عاشوراء بمتاعب أعمال وافعال ، وذهاب وإياب ، وحرب وضرب ، وكرّ وحملات ، ونداءات وإغاثات واستغاثات بالاضافة على إلقاء الحجة للقوم .

ولم يعرضه عليه السلام في ذلك فترة الأبدان ، كأن هذا البدن ليس من عالم هذه الاجسام .

واذا لاحظته عليه السلام واصحابه - من وصفهم في طاعته على ماذكرناه في اشارة سورة الصافات - علمت ان الامام الحسين (ع) واصحابه هم الصافون لا يتزايلون .

وقال امير المؤمنين صلوات الله عليه في بيان صفات الملائكة

ايضا :

" قد ذاقوا حلاوة معرفته ، وشربوا بالكأس الروية من محبته ، وتمكنت من سويداء قلوبهم وشيجة خيفته ، فحنَوا بطول الطاعة اعتدال ظهورهم ، ولم يُنفد طول الرغبة اليه مادة تضرعهم ، ولا اطلق عنهم عظيم الزلفة ربق خشوعهم ، ولم يتولهم الاعجاب فيستكثروا ما سلف منهم ، ولاتركت لهم استكانة الاجلال نصيبا في تعظيم حسناتهم ، ولم تجر الفترات فيهم على طول دؤوبهم ، ولم تغض رغباتهم فيخالفوا عن رجاء ربهم ، ولم تجف لطول المناجاة أسلات ألسنتهم ، ولا ملكتهم الأشغال فتنقطع بهمس الجؤار اليه أصواتهم ، ولم تختلف في مقاوم الطاعة رقابهم ، ولا تعدو على عزيمة جدهم بلادة الغفلات ......الخ "

اقول : اذا نظرت بعين الحقيقة وجدت ان حلاوة المعرفة هي التي ذاقها الامام الحسين عليه السلام ، وكأس المحبة هي التي شربها امامنا الحسين صلوات الله تعالى عليه .

فقد ذاق (ع) حلاوة معرفة لم يجد معها مرارة ما اجتمع عليه من جميع مرارات الدنيا ، قلباً وروحاً وجسداً ، ظاهرا وباطنا ، فقال عليه السلام : قد طاب لي الموت .

وقد شرب كاساً روية من محبته ، فلم يؤثر في حبة قلبه الطاهر العطش المؤثر في شفتيه حتى يبّسهما ، وفي لسانه حتى حصل اللوك فيه فتجرح من كثرة اللوك ، وفي كبده حتى تفتت ، وفي عينيه حتى حال بينه وبين السماء كالدخان ، فكان (ع) بيد الرسول (ص) معدّاً له ، على ما خابره به ولده علي الاكبر (ع) ، كان من نوع ماء هذا الكأس الروية ، او جمعا للماء الظاهري والباطني .

واذا تأملت بعين البصيرة قوله (ع) في صفة المائكة : " وحنوا بطول الطاعة اعتدال ظهورهم " ، لعلمت افراده وأحق مصاديقه الحسين عليه السلام .

فإنه الذي قد حنى بطاعة في ضمن ساعة اعتدال ظهره ، وهو الذي حنى قامته بتحمل سهم مثلت مسموم ، نفذ من قلبه واخرجه من ظهره ، حتى خرج الدم المبارك الطاهر منه كالميزاب ، وأضاف الى حنو ظهره في طاعته فصل أوصاله وتقطعها جميعا .

واذا تدبرت حق التدبر وجدت ان اعظم مصاديق قوله (ع) : " ولم ينفد طول الرغبة اليه مادة تضرعهم " : هو الامام الحسين عليه السلام ، فان معناه : انهم لا يلاحظون حصول مطلبهم لتقطع مادة تضرعهم كسائر أهل المطالب ، وانما يريدون التضرع ويحبونه لنفسه ، ماداموا أحياء .

وللحسين عليه السلام خصوصية في هذه الصفة الخاصة فاقت الملائكة ، وهي انه لم يُرِد انقطاع تضرعه مادام حياً ، بل قد تحمل لله تعالى حصول المصائب حتى بعد وفاته بجسده بأنواع المصائب ، وبرأسه بأنواعها ، وبقبره بأنواعها ، وقد نوى ذلك في حياته .

فلاحظ الرضّ لجسده وقطع يديه منه بعد وفاته ، والقرع على شفتيه ولسانه ، والإدارة برأسه في البلدان وجعل كل ذلك من عباداته كما يظهر من كلماته ، وهذه ذرة في المقام من المقال ، وبقي الباقي في الخيال ، والله المتعال .
 

المطلب الثالث
فيما أعطي الملائكـة منه صلوات الله تعالى عليه

وهي أمور :

الاول : أنه جُعل شفيع من أذنب منهم ، فشفعه في فطرس ودردائيل .
الثاني : انه جعل قبره معراجا لهم ، كما في الرواية .
الثالث : انه جعل منبع فيض لهم ، ينالون بخدماته مالا ينالونه في تسبيحهم وتقديسهم .
ولذا قال لهم تبارك وتعالى : اني اعلم مالا تعلمون لما قالوا " ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك " ، فكان حصول الفيض لهم - ايضا - مما خفي عنهم ثم علموه بعد ذلك .

ثم انه سبحانه وتعالى قد جعل لهم اسبابا لعلوّ درجتهم مما يتعلق بالامام الحسين عليه السلام بطرق مختلفة بالنسبة الى البكاء عليه (ع ( وزيارته وزواره ومزاره ، كما عُلم من تفاصيل ما أعطاه للملائكــة .

واخيرا : يوجد هناك ملاحظة لا بد من تبيانها : وهو ان لا ننسى بعد ما تقدم ان هناك حديثا ما مضمونه : ان الانسان بإمكانه ان يكون افضل من الملائكة او ان يكون دون البهائم وهو لانه يمتلك عقلا وشهوة والملائكة لا يمتلكون الشهوة انما خـُلقوا من النور ، والحيوانات تمتلك الشهوة فقط ، فإذا غلبت الشهوة على عقل الانسان فانه دون البهائم والبهائم تمتاز عليه .

فاذا غلب عقل الانسان على شهوته فإنه افضل من الملائكة حيث الملائكة في طاعة الله تعالى ولا شهوة لها ، فكيف بمن هم معصومون مطهرون بنص من القران المجيد والسنة النبوية ، وصلى الله على محمداً المصطفى وآله الأطهار .

انتهى العنوان التاسع

 

Description: C:\Users\f\Desktop\%D9%83%D8%AA%D8%A8 %D9%85%D8%B3%D8%AD%D9%88%D8%A8%D9%87\1\main\images\pa07.gif

 

العنوان العاشر

في خصائصه مما يتعلق بأنبياء الله تعالى العظام

وفيه مقاصد :

الاول : فيما اعطاه من صفاتهم .

الثاني : فيما اعطاهم منهم عموما .

الثالث : فيما خصه من فضائلهم الخاصة وابتلاءاتهم المخصوصة وفي هذا المقصد ابواب .

الرابع : فيما اعطاهم من الحسين عليه السلام .

المقصد الاول
فيما اعطاه من صفاتهم

من صفاتهم في الروايات ان الله تعالى قد خصّ انبياءه بإثتني عشرة صفة ، وقد ذكرنا في صفات الحسين (ع) انها ثابتة له على اكمل وجه ، ومن جملة صفات الانبياء : ان الله قد ابتلى عباده ، بأن جعلهم ضعفاء فيما يرون من حالات ابتلاءاتهم ، ولم يجعل معهم اوضاعا دنيوية ، وقد اجتمعت جميع حالات ابتلاءاتهم ، في وقوف الحسين (ع) يوم عاشوراء بتلك الحالات ، وقد تقابل هذا الابتلاء للناس باجتماع حالات في الحسين (ع) يتبين فيها حقيقة الاخلاص لله تعالى ، وانه لا يشوبه شائبة من غير الله تعالى .

ولذا اتصف اتباعه : بأنهم سادات الشهداء واولياء الله واصفياؤه وأوداؤه .

ومن جملة خصائص الانبياء : انه ما عاش اي منهم الا وقد ابتلي بفقر او جوع او عطش او عُري او ضرب او قتل او اذى او استخفاف ، وقد ابتلي كل واحد بواحدة من هذه الصفات ، ففيهم من مات جوعا ، وفيهم من مات عطشا .

وقد اجتمعت جميع هذه الصفات في الحسين عليه السلام ، ولم تجتمع في غيره ، ولو اجتمع في بعضهم اكثرها فقد سلم من بعضها الاخر ، وقد اختص الحسين (ع) بأنه لم تكن له صفة سلامة من بلاء ابدا .

ومن صفات الانبياء جميعهم ، انه لم يستشم من ابدانهم رائحة السفرجل ، كما في الحديث.

والحسين (ع) كانت رائحته التفاح ، لحديث التفاحة التي كانت معه الى أوان شهادته ، والى الان تستشم من قبره المبارك رائحة التفاح ، يجدها المخلص من شيعته ، خصوصا وقت السحر ، كما في الرواية .

 

المقصد الثاني

فيما اعطاه منهم عموما

وهو من وجوه :

الاول : انهم زاروا مدفنه ، ففي الحديث انه ما من نبي الا وقد زار كربلاء ، ومن لم يذهب هناك فقد أسري به اليه ، كما قال النبي المصطفى (ص) : اسري بي في هذا الوقت الى موضع من العراق ، يقال له كربلاء ، فاُريت فيه مصرع الحسين بن علي .

الثاني : ان لهم في جميع الدهر اوقاتا مخصوصة ، يزورونه جميعهم الى يوم القيامة ، منها ليلة القدر ، ومنها ليلة النصف من شعبان .

المقصد الثالث
فيما خصه به من فضائل الانبياء ، وابتلاءاتهم واحدا واحدا

وفيه ابواب :

اعلم انه قد خوطب في زيارته (ع) بكونه وارثا لبعض الانبياء مع ذكر اسمائهم ، وزيارة الوارث مشهورة ، وقد ورد في بعض زيارته ،السلام على الانبياء باسمائهم ، وصفاتهم الممتازة.

فاذا شرعنا في تفصيل هذا العنوان ، فسنذكر في بعضهم وجوه الارث ، وكيفيته ، ونذكر في بعض عنوان السلام على ذلك النبي الخاص ، ونبين انه يمكن ان يراد بهذا الاسم ذلك النبي ، ويمكن ان يقصد به الامام الحسين عليه السلام ، فإنه لكثرة مناسبته له صار كأنه ثانٍ له ، ويسمى باسمه ، مثلا :

اذا سلمنا على أيوب الصابر ، يمكن ان يراد به النبي المعهود ، ايوب عليه السلام ، ويمكن ان يراد به الحسين (ع) ، فانه ايوب صابر - ايضا - بلا شك

واذا سلمت على يحيى المظلوم عليه السلام ، فيمكن ان تقصده بنفسه ، ويمكن ان تقصد الحسين عليه السلام ، فانه يحيى مظلوم - ايضا - ، وهكذا فنقول :-

ارث الامام الحسين من النبي آدم عليه السلام

آدم (ع) : سجد له الملائكة كلهم اجمعون ، يعني انه كان قبلتهم .
الحسين (ع) : صلت عليه الملائكة ، وطافت حول قربه وقبره معراجهم .

آدم (ع :( أسكنه الله تعالى الجنة
الحسين (ع) : خلق من نور الجنة والحور العين

آدم (ع) : تزين بلباس الجنة
الحسين (ع) : زينة الجنة

آدم (ع) : قد اجتباه الله تعالى
الحسين (ع) : قد اصطفاه الله تعالى

آدم (ع) : ابتلي بقتل ولده هابيل ، فرأى منه دما قد شربته الارض
الحسين (ع) : مبتلى بتقطيع ولده الاكبر اربا اربا ، وابنه الرضيع وهو في بين يديه المباركة محمولا ، وغيرها من الفجائع العظام

آدم (ع) : ابتلي عن اكل شجرة فنسي ولم يُرَ له عزم
الحسين (ع) : ابتلي بالنهي عن كل علاقة ومأكل ومشرب ، ولم ينس ووُجد له عزم لم يوجد في غيره

آدم (ع) : صفوة الله تعالى من خليقته في الصور ، فان بني ادم صفوة
الحسين (ع) : صفوة هذه الصفوة في عالم المعاني فانه من الصفوة والصفوة منه

آدم (ع) : افتخر عليه الشيطان بقوله : انا خير منه لما رأى خلقه من الطين اللين المنخفض الساكن
الحسين (ع) : افتخر عليه يزيد لعنه الله تعالى لما رأى نفسه على كرسي المُلك ورأى اتباعه متزينين بألوان من اللباس ورأي عياله في القصور وراء الستور يرفلون في الذهب والحرير وعيال الحسين عليه السلام في المجلس بلباس مقطع خلق مقرنون في الحبال

وافتخر لعنه الله تعالى ايضا لما رأى ولديه خالدا ومعاوية جالسين حوله في أحسن زينة وبهاء مع الأسلحة والجواهر

ورأى ولدي الحسين عليه السلام عليا الاكبر وعليا زين العابدين عليهما السلام قدّامه ، احدهما رأس بلا جثة والاخر مغلول مريض ورأى نفسه والتاج على رأسه وهو على السرير .

والامام الحسين (ع) في مجلسه وهو رأس بلا جثة موضوعا على الارض قدامه كؤوس اخوته واصحابه والمجلس غاص باعداء الحسين (ع) ومشايخ بني امية على الكراسي.

فاقبل في مثل هذه الحالة على اهل مجلسه واخذ يشمت به ويذمه ويفتخر عليه !

فقال وهو يشير الى الراس الشريف المبارك : ان هذا كان يفتخر علي ، ويقول ابي خير من ابي يزيد ، وامي خير من امه ، وجدي خير من جده وانا خير منه فهذا الذي قتلته .

واما قوله ابي خير من ابي يزيد فلقد حاج ابي اباه فقضى الله لابي على ابيه . واما قوله امي خير من ام يزيد ، فلعمري لقد صدق فان فاطمة بنت رسول الله خير من امي

واما قوله جدي خير من جده فليس لاحد يؤمن بالله تعالى واليوم الاخر ان يقول بانه خير من محمد صلى الله عليه واله وسلم .

واما قوله بانه خير فلعله لم يقرأ هذه الاية ( قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء ) فتأمل يا صاحب الغيرة في قوله هذا وكيف اراد اذلاله في تلك الحالة .

فاعزوه يا شيعة يا ارباب الهمة والحمية والغيرة والمروة فقد احرق القلب قوله : المقصود به التحقير

فنقول : هذا زينة السموات والارض هذا زينة عرش الله تعالى هذا عزيز الله تعالى وعزيز الرسول (ص) وعزيز اولياء الله تعالى ، هذا الذي صعد به الرسول (ص) على المنبر وقال هذا الحسين بن علي فاعرفوه هذا عزيز الزهراء عليها السلام لكن القائل انما يقول هذا الكلام هنا لا هناك .

نعم قد قاله شخص هناك فقال الحبر اليهودي ما قال وقال رسول الروم ما قال وقالت زينب الكبرى سلام الله عليها ما قالت وتفصيله في محله ان شاء الله تعالى .

ثم انظر الى تطابق عمل ابليس ويزيد في ان ابليس لاحظ تواضع الطين ولينه وذلته الظاهرية وحدة النار وحرارتها واستعلائها واحراقها ، فتخيل فضله عليه .

ولم يلحظ ما في الطين من كونه منبت الزهور والورود والرياحين والحبوب والثمار والاشجار ومعدن كل الفلزات وانواع الجواهر وخازن الماء الذي به قوام الحياة وغير ذلك .

ويزيد ايضا راى نفسه جالسا على السرير ورأس الحسين عليه السلام مقطوعا موضوعا على الطشت قد خمدت انفاسه وسكنت حركاته ، وراى اتباعه مزينين بانواع الزينة والالبسة الفاخرة مسلحين بكامل اسلحتهم واقفين لخدمته فتخيل فضله عليه واحتج بذلك على ان الله تعالى قد آتاه الملك وانه قد اعزه بذلك وانه قد اذل الحسين عليه السلام .

ولذا قرأ هذا الاية ولم يلتفت اللعين الى انه بهذه الحالة هو الذليل وان الحسين عليه السلام بهذه الحالة هو العزيز وان الله تعالى قد اتى الملك للحسين عليه السلام بحالته هذه ، ونزع الملك من يزيد بفعله ما فعل ، ولذا أجاز سبه كل المخالفين الذين لا يجوزون سب أي واحد من الخلفاء .

وقد ملك الحسين عليه السلام قلوب اهل الدنيا كلهم بما جرى عليه ، فترى قلوب الكفار منكسرة عليه ، وراغبة اليه ، فاذا اردت ان تعرف مصداق ( تعز من تشاء وتذل من تشاء ) فانظر الى قبر ابي عبدالله الحسين عليه السلام واحترامه وزيادة زينته واوضاعه وعمارته في كل يوم ، من يوم قتله والى ابد الدهر .

وانظر الى قبر يزيد في الشام من يوم قبر فيه والى الان ، فكل من يمر عليه لا بد ان يرجمه بالحجارة وكل من يريد المرور عليه يحمل الحجارة من بعيد يفعل ذلك الشيعة والسنة واليهود والنصارى وقد جرب ان كل من لم يضربه بحجر لم تقض حاجته وقد صار تلا عظيما من احجار الرجم .

وقد نبهته على بطلان تخيله هذا ، زينب بنت على بن ابي طالب عليهما السلام في كلامها معه وكلامها عجيب قد ذكر له المؤلف عنوانا مستقلا في كتابه هذا وهو الخصائص الحسينية .

آدم (ع) : ابتلي بمفارقة الجنة بغتة ودفعة لا تدريجا فخرج من ذلك الانس ورياض القدس الى ارض المقبرة معدن الافات اولشرور والسباع والمؤذيات فقال :

تغيرت البلاد ومن عليها فوجه الارض مغبر قبيح
تغير كل ذي طعم ولون وقلّ بشاشة الوجـه المليح

الحسين (ع) : قد ابتلي بمثل ذلك ، فخرج دفعة واحدة من جنة اجتماع الاحباب والاولاد والاخوان ففي الرواية انه لما لم يبق احد خرج غلام من الابنية وفي اذنيه درتان وهو مذعور يلتفت يمينا وشمالا ، فجاء هانيء بن ثبيت فضربه بالسيف فقتله ولم يبق احد يستانس به.

لذا قال لاخته : اتيني بولدي فاتته به وجرى ما جرى
ولما لم يبق حتى هذا الولد ايضا ، لم يجد احدا يتكلم معه الا النساء فيناديهن ولما خرج من عندهن ومشى وحده ورأى البلاد مغبرة لا احد معه وحيدا فريدا ، انشأ كما انشأ ادم عليهما السلام وانشد كما انشد ، ودعى ربه تعالى كما دعى ادم عليه السلام عند فراق الجنة .

أدم (ع) : بكى كثيرا فروي انه بكى 200 سنة .
الحسين (ع) : بكى في يوم واحد وهو يوم عاشوراء ، في مواضع خاصة ، ولكن بكاءه لا يقاس ببكاء ادم .

فان بكاء ادم بكاء فراق لاجل نفسه ، وبكاؤه عليه السلام بكاء رقة وترحم على حال من كان يبكي عليه ، لا لأجل نفسه

بكاء ادم (ع : ( كثير طويل جرت الانهار من دموعه .
بكاء الحسين (ع : ( كان قصيرا لكن بالدم من ينبوع قلبه .
بكاء ادم (ع : (كان مقرونا بالتسلية .
بكاء الحسين (ع( : كان مجروا عنها .
بكاء ادم (ع) : لولد واحد قتيل .
بكاء الحسين (ع) : لاخوته واولاده وبني اعمامه واصحابه واهل بيته وعياله واطفاله ، وضياع الاسلام وجهل أمة جده المصطفى صلوات الله تعالى عليه واله .

ادم (ع) : قد ابتلي بتحصيل القوت لزوجته ولنفسه بما لم يبتل به احد ، اذ لم يكن في الارض من اسباب تحصيله شيء فكان يجهد في تحصيل علم اسبابه وعملها بلا معاون من ابناء جنسه وهذا شيء متعسر نهاية العسر، ولولا تأييد من قبل الله تعالى لكان متعذرا .

والحسين (ع) : ابتلي بتحصيل اسباب الماء لدفع عطش عياله واطفاله ، لما منعوهم الماء المبذول الجاري الموجود ، فتعب في ذلك اشد التعب وتحمل انواع المشقة البدنية النفسية .

فتارة يعظهم بنفسه ، وتارة بغيره ، وتارة بارسال من يطلب الماء منهم ، وتارة بالارسال سترا ليلا وتارة بحفر الماء وتارة بالاستسقاء لعياله النساء فقط وتارة بالاستسقاء لطفله فقط وتارة باراءته اياهم وهو يتلظى عطشا وتارة باستسقائه لنفسه وهو محتضر يجود بنفسه .

ادم (ع) : قد حصل بعد التعب على الطعام .
الحسين (ع) : مع هذه المتاعب والصعاب قتل عطشانا ارواح العالمين له الفداء .

ادم(ع) : ابتلي بان قتل قابيل هابيل ودفنه ولم ير دمه ، لان الارض شربت دمه .
الحسين (ع) : رأى عليا اربا اربا غير مدفون ولا مكفن ، فهدمت قواه .

ادم (ع) : بكى على هابيل اربعين يوما وليلة فاوحى الله تعالى اليه اخلفك عنه هبة الله فولد له .
الحسين (ع) : بكى على ولده نصف ساعة الا انها تعدل اربعين سنة في هدم قواه ، ثم اصيب بعد ذلك بعلي اخر ثم فارق بعد ذلك عليا اخر .

ارث الامام الحسين(ع) من نبي الله ادريس (ع)

ادريس (ع) : رفعه الله تعالى مكانا عليا بين السماء الخامسة والرابعة .
الحسين (ع) : رفع جسده مكانا عليا روحه مكانا عليا ودمه مكانا عليا ومثاله مكانا عليا وتربته مكانا عليا .

ولكل له تفصيل في كتابه هذا الخصائص الحسينية .

ادريس (ع) : شفع في ملك واحد .
والحسين (ع) : شفع في ملكين فطرس ودردائيل .

ادريس (ع) : قد ابتلي بالفرار من السلطان وتفرق الاعوان وجوعه ثلاثة ايام .
الحسين (ع) : قد امتحن بالفرار لكي لا يقتل في الحرم ، احتراما له وامتحن بالقتال ايضا وابتلي بالعطش ثلاثة ايام ، حتى ندبته اخته (ع) : ( بأبي العطشان حتى مضى (

باب نبي الله تعالى نوح عليه السلام

نوح (ع) : شيخ امرسلين
والحسين (ع) : سيد شباب اهل الجنة اجمعين

نوح (ع) : شرّف الله تعالى بيته وهو مسجد الكوفة
والحسين (ع) : شرّف الله تعالى مدفنه على مسجد الكوفة من جهات

نوح (ع) : قال الله تعالى فيه (سلام على نوح في العالمين ) فان نجاة الناس من الطوفان بسببه
والحسين (ع) : سلام على الحسين في العالمين ، فان نجاة الناس من النيران بسببه

نوح (ع) : صاحب السفينة الجارية على امواج الماء
الحسين (ع) : صاحب السفينة الناجية الجارية التي من ركبها نجى من طبقات النار

نوح (ع) : لبث في قومه الف سنة إلا خمسين عاما فكانوا يضربونه حتى يغمى عليه ثلاثة ايام ويجري الدم من اذنه
والحسين (ع) : لبث في قومه نصف نهار يدعوهم ، فضربوه في نصف النهار حتى بقي ثلاثة ايام مطروحا بلا رأس يسيل الدم من جميع اعضائه ، وكان ضربه في ساعة اكثر من ضرب الف سنة الا خمسين عاما

باب ابراهيم عليه السلام

ابراهيم (ع) : اذا قلت السلام على ابراهيم خليل الله تعالى
فاذا شئت قصدت الخليل الذي قرّب نفسه لله تعالى وعرضها لنار علوها فرسخ ، ولم يقبل اعانة الملائكة ولم يدعو ربه تعالى ايضا للخلاص منها وقال حسبي من سؤالي علمه بحالي .

وان شئت قصدت الخليل اي الحسين عليه السلام الذي قرب نفسه وعرضها لفراسخ من السيوف والرماح ، ولم يقبل اعانة الملائكة فجعل النار على امة كثيرة بردا وسلاما

وان شئت قصدت الخليل الذي قرب ولده اسماعيل وتله للجبين .

او قصدت الحسين الخليل (ع) : الذي قرب ولده عليا الاكبر وتله مقطع الاعضاء على الارض وباقي اولاده وابناء اخوته واخوته واصحابه وانصاره .

ان شئت قصدت الخليل الذي ارادت سارة منه دقيقا فاستحيى من ان يرد الحمل خاليا فملأ العدل رملا وحوله الله تعالى دقيقا .
او اقصد الخليل الحسين (ع) الذي ارادت منه سكينة ماء فخرج ورجع خاليا ولم يقل لها الا يعز علي تلهفك وعطشك .

ان شئت قصدت الخليل الذي اسكن اهله بواد غير ذ زرع وعندهم قبة ماء فقط ، فرجع واخذ باب الكعبة وقال ( رب إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع ) ثم دعى لهم بقوله ( فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات ) .

او اقصد الخليل الذي خلى نساءه وعيالاته بواد لا ماء فيه ولا طعام عطاشى حيارى وقال عند مفارقتهن : تهيأن للاسر وتقنعن .

ان شئت اقصد الخليل صاحب الملة
او الخليل منبع الرحمة

ان شئت قصدت الخليل محب الضيفان
او الخليل الرؤوف باهل العصيان الذي ما خاب من تمسك به والذي يبكي لأمة (جماعة) خرجت لقتاله تدخل النار بسببه .

باب النبي يعقوب عليه السلام

في زيارة الحسين (ع) : السلام على يعقوب الذي رد الله تعالى عليه بصره برحمته فان شئت فاقصد يعقوب عليه السلام ابن اسحاق ابا اثني عشر ولدا وقد نادوه كلهم وهم اصحاء احياء واقفون في خدمته فقالوا : يا ابانا ان واحدا منا اكله الذئب فتقوس ظهره وذهبت عيناه من الحزن .

وان شئت اقصد يعقوب أبا ولد وحيد ليس له مثيل فهو أشبه الناس خلقا وخـُلقا ومنطقا برسول الله تعالى (ص) وقد سمع نداءه وهو يقول : يا ابتاه عليك مني السلام سلام مودع يعني اني قد فارقتك فلما أتاه إمامنا الحسين عليه السلام وجده وقد فارقت روحه الدنيا .

ان شئت اقصد يعقوب الذي رأى ثوب يوسف ملطخا بالدم غير مخرق فقال : لقد كان ذئبا رفيقا .
وان شئت اقصد يعقوب الذي رأى ولده اربا اربا لم يبق من ثوبه ولا جسده موضع سالم ابدا .

يعقوب (ع) : ارادوا منه يوسف ليرتع ويلعب معهم ، فمنعهم وقال ( وقال إني ليحزنني أن تذهبوا به ) .
الحسين (ع) : لما مشى ولده عليا منعته النساء وتعلقن به (ع) فقال الامام الحسين (ع) : دعنه فانه قد اشتاق الى جده (ص) ساعد الله قلبك يا ابا عبدالله .

يعقوب (ع) : جاءه البشير بثوب يوسف فارتد بصيرا
الحسين (ع) : سمع صوت ابنه فاظلمت عيناه

باب النبي يوسف عليه السلام

يوسف (ع) : ارادوا اهلاكه بعد ان فرقوا بينه وبين ابيه ، فقالوا لا تقتلوه ( وألقوه في غيابت الجب ) فالقي فيه
والحسين (ع) : بعد قتل اصحابه واولاده واخواته وابناء اخوته وابناء اخته وابناء عمومته وبعد جراحات السهام والرماح السيوف في بدنه التي كانت كافية في قتله ، لا بل كان بعضها كافيا في قتله بل كان واحد من جملة السهام كافيا في قتله ، نادوا عليه بصوت عال : اقتلوه ثكلتكم امهاتكم .

فحمل جماعة لقتل المقتول لذبح المذبوح لنحر المنحور وبطريقة لا يجري لوصفها قلم التحرير ولا يطيقها التصوير .

يوسف (ع) : بعد الالقاء في غيابت الجب التقطه بعض السيارة واخذ اسيرا وداروا به سوق مصر لبيعه
الحسين (ع) : بعد الالقاء طريحا مضرجا بدمه المبارك التقط السيارة رأسه المبارك ونصبوه على الرمح اسيرا داروا به اسواق الكوفة والشام وازقتها .

يوسف (ع) : ادخلوه قهرا على العزيز لكن جعله عنده عزيزا مكينا امينا .
والحسين (ع) : ادخلوا الرأس المبارك الرتل لآيات ربه تعالى ادخلوه على يزيد فجعل يشمت ويستهزيء ويضرب ثناياه .

باب النبي صالح عليه السلام

صالح (ع) : صاحب الناقة المبتلى بسقياها
الحسين (ع) : صاحب العيال والاطفال والابناء والاهل والاصحاب والنساء المبتلى بسقياهم


صالح (ع) : اراد للناقة شرب يوم كامل بحيث لا يشرب غيرها ففعلوا ذلك اياما كان لهم شرب يوم ولها شرب يوم
الحسين (ع) : اراد للاطفال والنساء والاصحاب والعيال عدة قرب ثم اراد قربة ثم اراد للطفل جرعة ثم لكبده قطرة فمنعوه من اول الامر .

صالح (ع) : لما عقروا ناقته زاغ فصيلها وصعد الجبل والى الان يتوحش المار على ذلك الجبل .
والحسين (ع) : لما اصيب طفله بالسهم صاح صيحة كانت نفسه فيها ، قائلا (ع) : اللهم لا يكون هذا اهون عليك من فصيل ناقة النبي صالح (ع) فانتقم لنا ، اللهم ان كنت حبست عنا النصر من السماء فاجعل ذلك لما هو خير لنا .

تبيان : طبعا هنا المقصود من النصر النصر الآني الظاهري الذي يراه الجاهل في حينه هزيمة لأولياء الله تعالى وانما هو في الحقيقة والباطن والظاهر نصر وعزة وخلودا وتأييدا لاولياء الله تعالى ومنهم انذاك الحسين عليه السلام واهل بيته والثلة المباركة الذين هم معه .

ويقول المؤلف الشيخ جعفر التستري : خير من الانتقام العاجل ما منحه الله تعالى واعطاه من اغاثة الضاجين في المحشر والضاجين في المواقف والضاجين في النار خصوصا اذا علا الضجيج الآن على صياح هذا الطفل ومصيبته العظمى .

باب نبي الله تعالى شعيب عليه السلام

شعيب (ع) : ابو البنتين اللتين رآهما موسى (ع) على ماء مدين ومعهما غنمهما فـــ ( وجد عليه امة من الناس يسقون ووجد من دونهم امرأتين تذودان قال ما خطبكما ) يعني لم لا تسقيان اغنامكما ( قالتا لا نسقي حتى يصدر الرعاء ) ولا قوة لنا على السقي مع الناس ( وأبونا شيخ كبير ) لا يقدر على المجيء معنا.

فرحمهما موسى (ع) لما رأى من منع الماء عنهما وعلم بضعف ابيهما وانه شيخ كبير ( فسقى لهما ) فجزاه الله تعالى خيرا كبيرا .

الحسين (ع) : له بنات واخوات كثيرات وهن بنات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وابو الاطفال الصغار وصاحب الاخوان والاولاد .

ورد ماء الفرات فوجد عليه الناس يسقون والحيوانات تشرب واليهود والنصارى والكلاب والخنازير ترد الماء ولا تـُمنع ، ورأى اطفاله وعياله يمنعون حتى بعد صدور هؤلاء كلهم وقد صرعهم العطش وابوهم سيد كبير افضل من كل العالمين .

باب النبي ايوب عليه السلام

قال الله تعالى فيه ( إنا وجدناه صابرا نعم العبد إنه أواب) وهو النبي ايوب عليه السلام
الحسين (ع) : قد وجده الله تعالى صابرا بل شاكرا بل راضيا ، ولذا وصفه بالنفس المطمئنة الراضية ولم يكتف بوصفه بأنه نعم العبد .

بل وصفه الله بقوله : بورك من مولود كما جاء في كامل الزيارات 67ونقله العلامة المجلسي في البحار 44:238، وادخله في عباده المخصوصين ، بل جعله من عبده الذي قال تعالى في حقه : ( سبحان الذي أسرى بعبده) .

والحسين (ع) : هو الأواب إلى الله حقيقة فإنه كلما امتثل طاعة شرع في أخرى أشق منها ، وأشوق ، والأواب حقيقة هو أيوب كربلاء .

باب النبي يحيى عليه السلام

اعلم ان ليحيى عليه السلام خصوصية من ثلاثة وجوه :

الاول : انه قد ورد بالخصوص ان للحسين (ع) موازاةً مع يحيى (ع) في اشياء كثيرة ،، بحار الانوار 14:168،،وايضا في مرجع قرب الاسناد :48

الثاني: انه ورد عن النبي (ص) ان في النار منزلة لا يستحقها احد من المخلوقين الا قاتل يحيى بن زكريا وقاتل الحسين صلوات الله عليهما

الثالث : ان الامام الحسين (ع) في سفره الى كربلاء كان يذكر النبي يحيى كلما حل في منزل ، وكلما ارتحل عنه .

ولاجل هذه الخصوصيات نذكر في التطبيق امورا ثلاثة :

الامر الاول : في بيان ما ساواه به .
الامر الثاني : ما كان يذكر منه في حله وترحاله .
الامر الثالث : في بيان ما زاد عليه من خصوصيات مصائبه ، وذلك بذكر يحيى بن زكريا المظلوم اولا ، ثم يحيى بن الزهراء المظلوم ثانيا

الامر الاول : في بيان المساوات الواردة في الروايات ، فنقول في بيانها يحيى والحسين عليهما السلام ، قد بشر بهما قبل ولادتهما فبشارة الاول : ( يا زكريا إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى . وبشارة الثاني ) : يا محمد ان الله تعالى يبشرك بمولود من فاطمة ) ولكن البشارة بالنبي يحيى (ع) اوجبت فرحا ، والبشارة بالامام الحسين (ع) اوجبت حزنا فان امه حملته كرها ووضعته كرها ، اذ في الحديث المراد بالأم هي الزهراء عليها السلام .

يحيى والحسين (ع) : قد ولدا لستة اشهر .
يحيى والحسين (ع) : قد سماهما الله تعالى بنفسه ، فقال في يحيى عليه السلام : ( إنا نبشرك غلام اسمه يحيى) وقال في الحسين (ع) على لسان الملك جبرئيل (ع) : اني سميته الحسين .
يحيى والحسين (ع) : لم يرتضعا من الثدي غالبا ، فيحيى(ع) ارضع من السماء ، والحسين (ع) ارضع من العرش العظيم اعني لسان النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وفي بعض الروايات من ابهام المصطفى صلى الله عليه وآله.

يحيى والحسين (ع) : كان جبينهما يضيئان.
يحيى والحسين (ع) : لم يريا فرحين طول عمرهما ولو اتفق لهما تبدل حزنا .
يحيى والحسين (ع) : قاتلاهما ولدا زنى
يحيى والحسين (ع) : ورد عن النبي ( ص) في حق قاتليهما ان في النار منزلا لا يستحقها احد الا قاتلا يحيى والحسين (ع).
يحيى والحسين (ع) : بكت السماء عليهما دما .
يحيى والحسين (ع) : بكت الارض عليهما دما.
يحيى والحسين (ع) : تكلم رأساهما بعد القتل فيحيى قال للملك : اتق الله تعالى ، والحسين (ع) قرأ القرآن مكررا ، وسُمع منه : لا حول ولا قوة الا بالله .

يحيى (ع) قتل صبرا ، والحسين (ع) : مع انه في ميدان القتال فقد قتل صبرا ولذا قال الامام السجاد صلوات الله عليه : " انا ابن المقتول صبرا " .

الامر الثاني : ان الامام الحسين (ع) كان يذكر قتل يحيى في كل منزل ويذكر بالخصوص اهداء الراس ، ولو تاملت بعين البصيرة وجدت ذلك اصعب مصيبة ، فإن شماتة العدو من بُعد اي: لو اتفق بان عدوا قد شمت بك وهو بعيد عنك فانك سوف تتاثر لا محالة ، واذا كان عن قرب وانت في حالة ضعف جسدي فيكون التاثير اعظم من الاول .

ولكن كيف تكون المصيبة برؤية الراس مقطوعا موضوعا بين يدي العدو يقلبه كيف يشاء ، كما اتفق ذلك لامامنا المظلوم وقد صعب ذلك على النبي (ص) بالخصوص فدعى على من نظر الى رأس الحسين(ع) وفرح بذلك .

الامر الثالث : في خصائص عظمة مصيبة هذا المظلوم على ذلك المظلوم ولنجعل ذلك في ضمن السلام على يحيى (ع) فان الحسين (ع) كان يسلم عليه حين يذكره في كل منزل يحل فيه ويرتحل عنه ولنا فيه اسوة حسنة ، فلنسلم عليه في منازل التطبيق .

فتقول كما في زيارة الحسين (ع) السلام على يحيى الذي ازلفه الله تعالى بشهادته .

فان شئت اقصد به يحيى الذي قتل صبرا اي الذي مسك حين القتل فقطع راسه .
او اقصد به يحيى الذي لم يبق له حراك من الجراح وانبعاث الدم حينما قطعوا راسه المبارك .
ان شئت اقصد به يحيى الذي وضع راسه بين الايدي برفق فقطع .
او اقصد يحيى الذي وقع من الفرس على الارض في حر الظهيرة بطعن الرمح على خاصرته ثم قطع راسه .

ان شئت اقصد به يحيى الذي سكنت عداوة قاتليه بذبحه .
وان شئت اقصد يحيى الذي لم يكتفوا باصابته باربعة الاف رمية ومائة وبضع ضربة ومائة وبضع طعنة فكانت الطعنة فوق الطعنة والرمح على الرمح وضرب السيف على ضربة السيف .....الخ . وما اصيب من القطع والنحر والرمي .

وما اصاب الجسد الشريف بعد القتل من الرض والمثلة ، بل ظهرت العداوة بالنسبة الى الراس بعد رفعه وادارته وصلبه ، ولم يكتفوا بذلك كله ، بل جعلوا يضربون ثناياه وشفتيه في مجالس عديدة .

ان شئت اقصد يحيى الذي اهدي راسه من بيت الى بيت مرة واحدة .
او اقصد يحيى الذي ادير راسه في بلاد كثيرة واُهدي تارة ثم اخرى ثم اخرى وابكي عليه.