1439 / محرم / 1  |  2017 / 09 / 22         الزيارات : 422280         صلاة الصبح |         صلاة الظهر والعصر |         صلاة المغرب والعشاء |

معين الخطباء - ج 2

{ الشيخ كاظم البهادلي }
معين الخطباء - ج 2

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي أكرمنا بسيّد أنبيائه وأشرف

أصفيائه محمد، والنجباء من عترته وأوصيائه، حجج الله

في أرضه وسمائه، صلوات الله عليه وعليهم ما استنارت

بحبّهم قلوب أحبّائه، وانشرحت بولائهم صدور أوليائه.

وبعد، هذا هو الجزء الثاني من كتابي مُعين الخطباء.

 

 

المحاضرة الأُولى: التوبة

 

يا قتيلاً أصبحتْ دارُ العُلى
ما حسبنا أن نرى مِن بَعدهِ
لا خـطـت بعـدكَ فرسـانٌ ولا
ما نعتك الخلقُ لكن قد نعت
بأبي المقتـول عطشاناً وفي
بأبي العـاري ثـلاثاً بالعَـرى
وإذا عـاينت أهليه تـرى نُوَبَاً
من أسيرٍ وسدّتهُ البزل حلساً
وبـنـفسي من غدت نـادبةً
جـدّ لو تنظـرنا إذ قَرَّبـوا
لرأَت عينـاك خَطْبَـَاً فادحـاً

 

بعده قفرًى وربعُ الجُود مَحْلا
للتُقى مغنًى وللجـود محـلاّ
جرّد الشجعان يومَ الرّوعِ نصلا
فيك إحساناً ومعروفاً وبذلا
كفّه بحر يروّي الخلق جملا
ولقد كان لأهلِ الأرضِ ظِلاً
فيها رزايا الخلقِ تُسلى
وقتيـلٍ وسَّـدته البيـدُ رملا
جَدّها والدمعُ في الخدّ استهلاّ
نحونا للسير أنقاضاً وهُزلاً
جلَّ أنْ يلقى لهُ الناظرُ مثْلا[1]
 

 

هذا لسان حال العقيلة زينب عليها السلام مع جدّها الرسول صلى الله عليه وآله. أمّا لسان حال الموالين مع بعضهم البعض في مثل هذه الليلة كمايصفه الشاعر:

بحراني

إلبس اثياب السود واهمل دمعة العين
 

 

 

هلّ الـهلال البيه راح ابكربله احسين
 

هلّ الهلال وبيه مرتسمه الحمره
 

 

 

من دم أبو السّجاد يوم اگطعوا نحره

اگصـد الماتم بالبكى اوساعد الزهـره
 

 

 

اوكثّر يهل ترجه الشفاعة اهناك الونين
 

هل يوم يحضـر ماتم المظلـوم جـدّه
 

 

 

يسمع الناعي لونعه اويبچي الفگده
 

ويصيـح آيبـني البگـه معـفـور خـدّه
 

 

 

فوك التراب وچبدته امن العطش نصّين
 

يحسين ما تبرد الجمـره ابصـبّ الدمـوع
 

 

 

ليل اونهار أنحب اوگلبي اعليك موجوع
 

يحسين خيل الرضرضت صدرك والضلوع
 

 

 

رضّت اضـلوعي ريـت دونك بالميـادين
 

     
 

***

قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ[2].

عرّف العلماء التوبة بأنّها: الرجوع من الذنب القولي والفعلي، أو هي ترك المعاصي في الحال، والعزم على تركها مستقبلاً، وتدارك ما سبق من التقصير. وهي ضدّ الإصرار[3].

وتورُّط الإنسان في معصية الله تبارك وتعالى نوع من أنواع الضعف؛ لأنَّ الذنب دليل الضعف والقصور، فمثلاً شخصان يعيشان في جوٍّ واحدٍ، وهما أخوان من أب وأُمّ، ويعيشان في بيتٍ واحدٍ، ولكنّ أحدهما يعاني من الضعف فيتورّط في المعصية؛ لأنَّ إيمانه ضعيف، والآخر عنده مناعة تجاه المعصية وإيمانه قويّ فلا يتورّط بها.

ومَن يُذنب فإنّ له أحد موقفين: موقف الإصرار وتكرار الذنب، وموقف آخر هو موقف العودة والتوبة. قد يذنب الإنسان يوماً، ولكنّه يعود وينتزع نفسه من مخالب المعصية.

ومن هنا كان على الإنسان اتّخاذ الموقف الثاني، وهو موقف العودة والتوبة والندم والاستغفار، وهكذا يصنع كُلّما أذنب، حتّى لو تكررت منه المعصية، عليه أن يعود ويستغفر، ويسأل الله تبارك وتعالى العون والمساعدة على اجتناب المعاصي.

 روي أنَّه قال رجل للنبي صلى الله عليه وآله: يا رسول الله إنّي أذنبت، فقال: «استغفرِ الله. فقال: إنّي أتوب ثُمَّ أعود. فقال: كُلّما أذنبت استغفر الله. فقال: إذن، تكثر ذنوبي، فقال: عفو الله أكثر، فلا تزال تتوب حتّى يكون الشيطان هو المدحور»[4].

ولكن على الإنسان المؤمن أن لا يؤخّر التوبة؛ فإنّ تأخير التوبة اغترار كما روي عن صادق العترة الطاهرة صلوات الله عليهم أجمعين[5].

ثمّ لو تأمّلنا في الآية نجدها تأمر الذين آمنوا، حيث قالت: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا.

فهل هذا الأمر محمولٌ على وجوب التوبة، أم محمولٌ على استحبابها وندبها؟

الجواب: إنَّ التوبة واجبة بالإجماع بين المسلمين، وهي واجبة سواء كانت من الذنوب الكبيرة أم من الذنوب الصغيرة، بلا فرق في ذلك.

ويمكن الاستدلال على وجوبها بما يأتي:

أولاً: الدليل القرآني، وهو عبارة عن مجموعة من الآيات الشريفة،كقوله تعالى: وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ[6]، وقوله تبارك وتعالى: وَأَنِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ[7]، مضافاً للآية التي صدّرنا بها المحاضرة.

ثانياً: الدليل الروائي، فقد روي عن إمامنا الرضا عليه السلام أنَّه قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وآله اعترفوا بنعم الله، وتوبوا إلى الله من جميع ذنوبكم...»[8].

 ثالثاً: الدليل العقلي، وهو ما ذُكر في عدّة كتب، منها: الباب الحادي عشر، حيث قال الشارح: «أو هي [التوبة] واجبة لوجوب الندم إجماعاً على كلّ قبيح وإخلال بواجب... لكونها دافعة للضرر، ودفع الضرر ـ وإن كان مظنوناً ـ واجب، فيندم على القبيح...»[9]. وعليه فالإجماع مع الأدلّة الشرعيّة والعقليّة قائمٌ على وجوب التوبة[10].

ثمّ الآية قالت: نصوحاً، فما معنى نصوح؟

وردت هذه الكلمة في التفاسير، وكانت مورد بحث واهتمام المفسرّين، والذي كادوا أن يتفقوا عليه هو أنَّ المراد من التوبة النصوح: التوبة بإخلاص.

وأمّا كيف أنَّ الإنسان يحصل على التوبة النصوح؟ أي كيف يُحقّق هذا الأمر وهو التوبة النصوح؟ فهذا هو المهم وهذا هو المطلوب.

ولعلَّ ذلك يتحقق بما ورد عن أمير المؤمنين عليه السلام في نهج البلاغة أنَّ قائلاً قال بحضرته عليه السلام: استغفر الله، فقال له: «ثكلتك أُمُّك! أتدري ما الاستغفار؟ إنَّ الاستغفار درجة العليّين، وهو اسم واقع على ستة معانٍ، أولها: الندم على ما مضى. الثاني: العزم على ترك العود إليه أبداً. والثالث: أن تؤدّي إلى المخلوقين حقوقهم حتّى تلقى الله سبحانه أملس ليس عليك تبعة. الرابع: أن تعمد إلى كلّ فريضة عليك ضيّعتها فتؤدّي حقّها. والخامس: أن تعمد إلى اللحم الذي نبت على السحت، فتذيبه بالأحزان حتّى تلصق الجلد بالعظم وينشأ بينها لحم جديد. والسادس: أن تذيق الجسم ألم الطاعة كما أذقته حلاوة المعصية؛ فعند ذلك تقول استغفر الله»[11].

فيتّضح من خلال هذا الحديث الشريف الوارد عن أمير المؤمنين عليه السلام شروط التوبة النصوح، فإذا حقَّقها الإنسان بإخلاص، فقد أدّى وامتثل الأمر بوجوب التوبة النصوح وعُدَّ تائباً نصوحاً، وإلاّ فلا. ويمكن تفصيل الشروط المتقدِّمة كالتالي:

أولها: الندم على ما مضى، كما عبّر الإمام زين العابدين عليه السلام في مناجاته: «إلهي إن كان الندم على الذنب توبة، فإنّي وعزتك من النادمين»[12].

ثانيها: العزم على ترك العود إليه أبداً، بأن يتعهّد أن لا يعود إلى ما ارتكبه سابقاً.

وثالثها: أن يؤدّي إلى المخلوقين حقوقَهم بأن لا يترك حقّاً من حقوق الناس عليه، سواء كانت ماليّة أم غيرها من غيبة أو غير ذلك حتى يأتي يوم القيامة أملس ليس عليه تبعة للآخرين.

ورابعها: أن يعمد إلى كلِّ فريضةٍ عليه ضيّعها فيؤدّي حقّها، من صلاة أو صوم أو حجّ، إلى غير ذلك ممّا في ذمته.

وخامسها: أن يعمد إلى اللّحم الذي نبت على السحت فيُذيبه بالأحزان، بأن يسهر ليله ويظمأ في نهاره إلى أن يذيب ذلك اللحم الذي نشأ على لقمة الحرام.

وسادسها: أن يُذيق الجسم ألم الطاعة كما أذاقه حلاوة المعصية. فالإنسان المذنب كما استأنس بالمعصية وحلاوتها سابقاً يأتي الآن ليذيق الجسم والروح آلام الطاعات، بأن يُتعب نفسه في العبادات والطاعات والصبر عليها.

فإذا تمّت هذه الشروط الستُّ عندئذ يتمكّن الإنسان أن يقول: أستغفر الله، ويكون قد حقّق التوبة التي أرادها الله تبارك وتعالى.

فإذا حقَّق الإنسان ذلك سوف تترتّب ثمرات ونتائج مهمّة، أشارت الآية المباركة إلى بعضها، وتركت البعض الآخر لتشير إليه آياتٍ أُخر، بالإضافة إلى الأحاديث الواردة عن المعصومين عليهم السلام.

وأما الثمرات المترتّبة على التوبة النصوح في هذه الآية، فهي:

الأُولى: تكفير السيئات؛ إذ قالت الآية: عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ.

 الثانية: دخول الجنات، حيث صرّحت الآية: وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ.

وهناك ثمرات ونتائج أُخرى قد تناولتها بعض الآيات الكريمة والروايات الشريفة.

 منها: تبديل السيئات بالحسنات، أشارت إليه الآية المباركة: إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ[13].

ومنها: حبُّ الله لهم؛ إذ قال تعالى: إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ[14].

ومنها: نزول الرحمة على التائب، وقد أشار إلى ذلك الإمام أمير المؤمنين عليه السلام بقوله: «التوبة تستنزل الرحمة»[15].

ومنها: طهارة القلب، فعن الإمام أمير المؤمنين عليه السلام: «التوبة تطهّر القلوب، وتغسل الذنوب»[16]. إلى غير ذلك من الثمرات والنتائج الدنيوية والاُخروية.

ولا فرق حينئذٍ بين أن يتوب الإنسان قبل سنة من موته، وبين توبته حينما تظهر علامات الموت؛ لِمَا ورد عن النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله أنّه قال: «مَن تاب إلى الله قبل موته بسنة تاب الله عليه، ثُمَّ قال: ألا وسنة كثير، مَن تاب إلى الله قبل موته بشهر تاب الله عليه، وقال: شهر كثير، مَن تاب إلى الله قبل موته بجمعة تاب الله عليه، قال: وجمعة كثير، مَن تاب إلى الله قبل موته بيوم تاب الله عليه، قال: ويوم كثير، مَن تاب إلى الله قبل موته بساعة تاب الله عليه، ثُمَّ قال: وساعة كثير، مَن تاب إلى الله قبل أن يغرغر بالموت تاب الله عليه»[17].

المهم أنَّ الإنسان يخلص في توبته إلى الله تبارك وتعالى، ويخرج من الدنيا وهو نادم على ما عمله من أعمال لم تُرضِ الله تبارك وتعالى.

 ومصداق التائب توبةً نصوحاً، النادم قبل أن تغرغر روحه بالموت، الحرّ بن يزيد الرياحي يوم جعجع بالحسين عليه السلام في ألف فارسٍ ليحبسه عن الرجوع، حينها استقبلهم الإمام الحسين عليه السلام، فحمد الله وأثنى عليه، وقال: «إنّها معذرة إلى الله عزّ وجلّ وإليّكم، وإنّي لم آتكم حتّى أتتني كتبكم وقدمِت بها عليَّ رسُلُكم: أن أقدم علينا فإنَّ ليس لنا إمام، ولعلَّ الله يجمعنا بك على الهدى. فإن كنتم على ذلك فقد جئتكم، فأعطوني ما أطمئنّ به من عهودكم ومواثيقكم».

فقال الحرّ: ما أدري ما هذه الكتب التي تذكرها؟ فأمر الحسينُ عقبة بن سمعان، فأخرج خرجين مملوءين كتُباً، وهي كُتب أهل الكوفة تشكو للحسين ظلم يزيد، ويدعونه للقدوم عليهم ليكون إمامهم.

ولم يقتنع الحرّ بكلِّ هذا الكلام، وصمّم على قطع المسير على أبي عبد الله عليه السلام، إلى أن وصل يوم عاشوراء، ورأى القوم مُصرّين على قتال الحسين عليه السلام، حينئذٍ قال لعمر بن سعد: أمقاتل أنت هذا الرجل؟ قال: إي والله، قِتالاً أيسره أن تسقط الرؤوس، وتطيح الأيدي. فأخذ الحُرّ يقول: إنّي أُخَيِّر نفسي بين الجنّة والنار، فو الله، لا أختار على الجنّة شيئاً، ولو قُطّعت وحُرّقت، ثُمَّ ضرب فرسه، فلحق بالحسين، وجاز على عسكر ابن سعد واضعاً يده على رأسه، وهو يقول: اللَّهُمَ إليك أنبتُ فتب عليَّ، فقد أرعبت قلوب أوليائك، وأولاد نبيّك، ثُمَّ قال للحسين عليه السلام: جُعلت فداك أنا صاحبك الذي حبستك عن الرجوع، وسايرتك في الطريق، وجعجعت بك في هذا المكان، وما ظننت أنّ القوم يردّون عليك ما عرضته عليهم، وأنا تائب إلى الله ممّا صنعت، فهل ترى لي من توبة؟ فقال له الحسين عليه السلام: «نعم يتوب الله عليك»[18].

وعندما رمى ابن سعد سهماً نحو مخيم الحسين عليه السلام وصاح: اشهدوا ليَّ عند الأمير إنّي أول مَن رمى. فرمى أصحابه كلّهم، فلم يبقَ من أصحاب الحسين أحد إلاّ أصابه سهمٌ من سهامهم، فقال الحسين عليه السلام لأصحابه: «قوموا رحمكم الله إلى الموت الذي لا بدّ منه، فإنَّ هذه السهام رُسل القوم إليكم... فقال له الحرّ: يا بن رسول الله، كنت أوّل خارج عليك فأذن لي لأكون أوّل قتيل بين يديك، وأوّل مَن يصافح جدَّك غداً»[19].

فأذن له الحسين عليه السلام، فتقدّم وهو يقول:

إنّي أنا الحرّ ومأوى الضيفِ
 

 

أضرب في أعناقكم بالسيفِ
 

 

عن خيرِ مَن حلَّ بأرض الخيفِ

فقاتل قتالاً شديداً حتّى قتل أكثر من أربعين فارساً وراجلاً، وبعدما عُقِر فرسه، بقي يُقاتل راجلاً، فحملت عليه الرجّالة وتكاثروا عليه حتّى قتلوه، فاحتمله أصحابُ الحسين ووضعوه بين يديه، فجعل الحسين يمسح وجهه ويقول: «أنت الحرّ كما سمتك أُمّك، وأنت الحرّ في الدنيا والآخرة»[20].

هُوه او جاه او وگف يمّه المشـكّر
مسح وجهه وگله أنت صدگ حرّ
 

 

وشافه اعلى الثره مرمي امعفر
ورد المـركـزه والـدمـع منثور
 

 

لكن لو سألتني عن بُعد قبر الحرّ عن سائر الشهداء، لأجبتك: إنّ السبب في ذلك أنّ الحرّ لم يُقطع رأسُه كما قُطعت رؤوس أصحاب الحسين عليه السلام، بل حملته عشيرته عندما أمر ابن سعد بفصل الرؤوس عن الأجساد، قامت بنو رياحٍ وقالت: والله، لا يُقطع رأسُ زعيمنا وأيدينا على قوائم سيوفنا، فقال ابن سعد: احملوا جسد شيخكم، فحملته عشيرته ودفنوه في هذا المكان.

هذا وزينب واقفة تنظر إلى الحرّ وقد حملته عشيرته، والحسين عليه السلام مُلقى على وجه الأرض، وكأنّي بها تنادي: وا حسيناه، وا غريباه[21].

 

العشيره شالته ابحر الظهـيره
بـس ظـلوا الماعـدهـم عشـيره
والله العشيره اشلون تنفع
اوحالاً على الروس ايتشيّع
كلّ منهم اعلى الثرى موزع
 

 

الكلّ منهم عليه شالته الغيره
ضحايه بالشمس من غير تغسيل
منها اليطيح اعليه تفـزع
وانه اخـوتي وين المشعشـع
جسمه وچتل حتّى الرضَّـع
 

 

وبلا دفـن خلـوهم اجمـع

أبوذية

يحـادي لا تسج بالظعن بيـداي
ريّض خل اغسل احسين بيداي
 

 

دليلي الفگد أبو السجّاد بيداي
وادفنـه لا يظـل جسمـه رمـيّـه
 

 

***

ليس الغريب غريب الأهل والوطـن
 

 

بل الغريبُ غريب الغسلِ والكفنِ
 

 

***

إنّا لله وإنّا إليه راجعون، ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله العليّ العظيم،

وسيعلم الذين ظلموا آل مُحَمّد أيَّ مُنقلبٍ ينقلبون

والعاقبة للمتّقين.

المحاضرة الثانية: التقوى

لستُ أنساهُ مُفرداً بين جمعٍ
يحطمُ الجيشَ رابطَ الجأشِ حتّى
لم يزلْ يحصدُ الروؤسَ بعضبٍ
وإذا بالنـداء عَجـّلْ فلبّى
عجباً للسماء لم تهـوِ حزناً
عجباً للمهادِ كيف استقـرّتْ
عجباً للنجومِ كيف استنارت
حيثُ لولا وجودُه لأُهيلت
ومُثيـرُ الأشجـان رزءُ الأيـامى
برزت للقـاء تعثر في الـذَّيلِ
فرأت سرجـه خـليّاً فنـادت
وغدت وُلَّهاً بغير شعورٍ
فرأت في الصعيد مُلقىً حمـاها
فـدعت والعيـون عـبرى وفي
أَحِمى الضايعـات بعـدك ضِعنا
أوَ ما تنظرُ الفواطمَ في الأسرِ
ثُكّلاً ما ترى لها من كفيلٍ
ثمّ تدعـو فما ترى من مجيـبٍ
 

 

أبرزوا فيه كامِنَ الأحقـادِ
صَبغَ الأرضَ مِنْ دماء الأعادي
أبداً للدماءِ في الحربِ صادي
وهوى للسجودِ فوقَ الوهادِ
فوقَ وجهِ البسيط بعد العمادِ
ونظام الوجود تحت العوادِي
لم تغبْ بعد نورِهـا الوقّـادِ
ولساختْ وبُرقِعت بسـوادِ
مُذ وعت بالصهيل صوت الجوادِ
ودامي الدموعِ شبه الغوادي
تلك وا والدي وذي وا عمادي
نحو مثوى بقيّة الأمجـادِ
هشّمت صدرَه خيولُ الأعادي
القلب لهيبٌ من الأسى ذو اتّقادِ
في يد النائبات حسرى بَوادي
وستر الوجوه منها الأيـادي
حُسَّراًً بين عُصبة الإلحادِ
لِنداها غيرَ الصَدى في الوادي[22]
 

 

تصيح بصوتها يحسين وينك
يخـويه ذاب گلبي من ونينـك
 

 

جاوبني وصِـد ليَّ ابعينك
يخويه ما هوگلبي صخر مرمر
 

***

ناداها ابضعيف الصوت يختي
ينـور العين خليّني ابمهجـتي
 

 

مهو حچيچ كسر گلبي اسكتي
أعـالجها ترى گلبي تـمرمر
 

***

يخويه يابس امن العطش چبـدي
 

 

يخويه والشمس حرِّگت خدّي
 

يخويه والترابه احرگت زندي
 

دفيلي بطرف ثوبچ عن الحَـرّ
 

***

         
 

قال تعالى: وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُواْ اللّهَ[23].

التقوى معناها: أن لا يراك الله حيث نهاك، ولا يفقدك حيث أمرك[24]. أو بمعنى آخر: هي الخشية والخوف من الله عزّ وجلّ، فهي أيضاً اتّقاء ما يجرُّ الإنسان إلى النار من خلال امتثال أوامر الله واجتناب نواهيه، والتخلّي عن كلّ رذيلةٍ، والتحلّي بكلّ فضيلةٍ.

ومن هنا جعل النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله الكفَّ عن المحارم ثمرة الدين، وذلك عندما قال صلى الله عليه وآله: «جاءني حبيبي جبرئيل، وقال: يا أحمد، إنّ مثلَ هذا الدين كمثل شجرةٍ ثابتة، الإيمان أصلها، والصلاة عروقها، والزكاة ماؤها، والصوم سعفها، وحسن الخلق ورقها، والكفّ عن المحارم ثمرها، فلا تكمل الشجرة إلاّ بالثمر، كذلك الإيمان لا يكمل إلاّ بالكفّ عن المحارم»[25].

وروي أنَّ رجُلاً استوصى رسولَ الله صلى الله عليه وآله، فقال صلى الله عليه وآله: «... وقد أجمع الله ما يتواصى به المتواصون من الأوّلين والآخرين في خصلةٍ واحدةٍ وهي التقوى، قال الله عزّ وجلّ: وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُواْ اللّهَ، وفيه جماع كلّ عبادةٍ صالحةٍ، وبه وَصَلَ من وَصَلَ إلى الدرجات العلى، والرتبة القصوى، وبه عاش مَن عاش بالحياة الطيبة والأُنس الدائم، قال الله عزّ وجلّ: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ»[26].

ثُمَّ إنّ المراد بالآية أنَّ الأمر بتقوى الله شريعة عامّة لجميع الأُمم لم يلحقها نسخ ولا تبديل، بل هو وصية الله في الأولين والآخرين[27].

فالوصية بتقوى الله أمر ضروري بحيث أكّدت الآية أنّ اليهود والنصارى وكلّ مَن كان له كتاب سماوي قبل المسلمين قد طُلب منهم جميعاً ـ كما طُلب مِنكم أيها المسلمون ـ مراعاة التقوى.

فهذه الآية على غرار بعض الآيات الأُخرى التي تُشير إلى ثبوت بعض الأحكام في الشرائع السابقة،كما في قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [28].

وللتقوى درجات متعدّدة تختلف باختلاف قوّة الإنسان وضعفه، فنجد البعض من الناس له من التقوى ما يُؤدّي به إلى الاجتناب عن كلّ ما يلزم منه ويؤدّي بصاحبه إلى الفساد، وتجد البعض منهم يجتنب عن كُلِّ شبهة؛ لاحتمال وجود الفساد فيها.

والبعض الآخر يترك ما لا بأس به مخافة ما به بأس.

وتجد البعض منهم يملك من مراتب التقوى الدرجات العليا، فيجتنب عن كلّ ما ليس لله تبارك وتعالى.

والله سبحانه وتعالى يُعطي من الأجر على قدر مرتبة التقوى عند الإنسان، فالتقوى التي يمتلكها بعض العلماء كالشيخ مرتضى الأنصاري رحمه الله ـ صاحب المصنّفات الدقيقة التي ربّت مئات العلماء، بل عشرات المئات ـ هي من النوع العالي، بل العالي جدّاً.

في أحد الأيام جاءه رجلٌ وقال لـه: شيخنا، لقد رأيت البارحة في المنام عجباً! قال له الشيخ: ما رأيت؟

قال الرجل: لقد رأيت الشيطان وعلى رأسه قلنسوة ملونة بألوانٍ مختلفة، ورأيتُ بيده حبالاً غليظةً، وحبالاً دقيقة، وسلاسل من حديد طويلة وقصيرة، ورأيت سلسلةً طويلة مقطّعة في سبع مواضع منها، فتقدّمت إليه، وقلت لـه: ما هذه الألوان التي تحملها معك؟ وما هذه الحبال والسلاسل التي بيدك؟

قال الشيطان: هذه هي مصائدي التي أصيد بها الناس، وأجرّهم بها إلى المهالك؛ فإنسان يأتيني باللون الأحمر، وآخر باللون الأخضر، وثالث باللون الأزرق، ورابع لا أتمكن أن أجرّه بالألوان، فأجرّه بالحبال الدقيقة، وآخرون بالحبال الغليظة، وآخرون من الزهاد والعُبّاد والعلماء بالسلاسل القصيرة والطويلة.

قال الرجل: فقلت لـه: فما هو اللون الذي تجلبني به؟ وأين الحبل الذي تسحبني بسببه؟

فقال الشيطان: إنّك وأمثالك لا تحتاجون إلى حبال، ولا إلى ألوان، وإنّما أجلبكم بإشارة خفيفةٍ.

فسأله الرجل قائلاً: وما هذه السلسة المقطّعة في مواضع متعددة منها؟

قال الشيطان: إنّها سلسلة الشيخ مرتضى، فإنّي قد جذبته ليلة البارحة سبع مرات بهذه السلسلة، وهي أغلظ سلاسلي وأطولها، وفي كلّ مرةٍ يقطع الشيخ السلسلة تقطيعاً، ويصرعني وينفلت من حبائلي، والآن أنا آيس منه، ومتحيّر ماذا أصنع معه؟!

فلمّا انتهى ذلك الرجل من نقل منامه إلى الشيخ، تبسّم الشيخ وقال: الحمدُ لله ربِّ العالمين. ثُمَّ قال الشيخُ: نعم، لقد كان من قصّتي البارحة: أنّ زوجتي أخذها الطلق وألم المخاض والولادة، ولم يكن عندنا في البيت شيء يُكتفى به لأجل هذا الأمر، ففكّرت ماذا أصنع في أمرها؟

فتذكّرت بأنّ هناك أمانة كانت لأحد الناس قد أودعها عندي، ويمكنني التصرّف فيها بالفحوى ـ فإنّه وإن لم يصرّح لي بالإذن في التصرّف فيها إذناً صريحاً، لكنّ ظاهر حاله أنّه يأذن لي إذناً فحوائياً بالتصرّف فيها ـ ثُمَّ إرجاعها بعد الوسع إلى مكانها، ومن جهة ثانية كنت مضطرّاً إلى الاستفادة منها.

وعلى ذلك عزمت على التصرّف في المال وقمت لأخذه حتّى أتصرّف فيه، لكنّي رجعت وقلتُ: لعلّ الله يُيَسِّرُ الولادة بدون حاجة إلى التصرّف في هذا المال، ثُمَّ بعد مدّة عاودتني الفكرة من جديد، فعزمت ثانية على التصرّف في المال، لكنّي رجعت أيضاً دون أن آخذ المال، وفي مرّة ثالثة عاودتني الفكرة وعزمت من جديد على أخذ المال والتصرّف فيه، لكنّي رجعت للمرّة الثالثة وانصرفت عن عزمي، وهكذا تردّدت إلى سبع مرات.

ثُمّ عزمت أخيراً على غضّ النظر عن المال والانصراف عن التصرّف فيه، حتّى إذا كان قريباً من الفجر سهّل الله سبحانه وتعالى على المرأة أمر الولادة، فولدت بسلامة وعافية من دون حاجة إلى أن آخذ من المال شيئاً.

فهذا نوع من أنواع التقوى، لكن من أعلى مراتبها وأنواعها، وهو ترك ما لا بأس به خوفاً من الانجرار إلى ما به البأس، ولذا ترى أنَّ الباري عزّ وجلّ رتّبَ نتائج على التقوى، منها:

أولاً: المخرج والرزق من دون احتساب، قال تعالى: وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ [29].

 ثانياً: إنَّ الله تبارك وتعالى يجعل للإنسان المتَّقي فُرقاناً؛ إذ قال تعالى: يِا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إَن تَتَّقُواْ اللّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً[30]، والفرقان على ما جاء في كلام المفسّرين هو الشيء الذي يفصل بين الحقّ والباطل[31].

 ثالثاً: العزّ والهيبة حسبما جاء في كلام مولى الموحّدين أميرِ المؤمنينَ  عليه السلام حيث قال: «مَن أراد عِزاً بلا عشيرة، وهيبةً بلا سُلطانِ، فليخرج من ذلِّ معصية الله إلى عزِّ طاعته»[32].

 رابعاً: تعليم الله للمتّقين وإلهامه لهم، قال تعالى: وَاتَّقُواْ اللّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللّهُ [33].

 خامساً: إتيان الله لصاحبها الرحمة والنور، قال تبارك وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ [34].

والعلم في الآية المتقدّمة في المورد الرابع هو نفسه النور في هذه الآية. وأمّا الشرط فنفسه، وهو التقوى.

والناس المتّقون لا يختلف عندهم الحال سواء في السراء أم الضراء؛ لذا لمّا صار الظهر من يوم عاشوراء، ولم يبقَ من أصحاب الحسين عليه السلام إلاّ القليل وبقية أهل بيته، التفت إليه ذلك العبد الصالح أبو ثمامة الصيداوي المتقي المحبّ لله ولرسوله ولإمامه، اُنظر ماذا يريد في التفاتته هذه، قال: يا بن رسول الله، إنَّ العدو قد اقترب منك، وإنّك لا تُقتل حتّى نُقتل دونك، وأُحبُّ أن أصلي معك هذه الصلاة، وقد دنا وقتها، فرفع الحسين طرفه نحو السماء ونظر إلى الشمس وقد زالت، فقال عليه السلام: ذكرت الصلاة جعلك الله من المصلّين الذاكرين. نعم، هذا أول وقتها، فاسألوهم أن يكفّوا عنا حتّى نصلي، فرفض العدو.

وصاح الشمر لعنة الله عليه: يا حسينُ، إنّها لا تُقبلُ. فقال لـه حبيب: أزعمت لا تقبل صلاة ابن رسول الله، وتُقبل صلاتك؟! فوقف الحسين عليه السلام يُصلّي صلاة الظهر بعد أن وقف رجلان من أصحابه أمامَه، مواجهين للعدو؛ ليدرأوا السهام عنه، لأنّ العدو ما كف عن رشق الحسين بالسهام، فوقف سعيد بن عبد الله الحنفي رضوان الله عليه أمام الحسين عليه السلام يتلقّى السهام بصدره وبنحره إلى أن صلّى الحسين عليه السلام، فلمّا فرغ عليه السلام من الصلاة سقط سعيد بن عبد الله إلى الأرض، وفيه ثلاثة عشر سهماً، وهو يجود بنفسه، فقال للحسين عليه السلام: سيدي أوفيتُ يابنَ رسول الله؟! فقال الإمام الحسين عليه السلام: نعم أنت أمامي في الجَنّة، إقرأ جدي رسول الله عني السلام، وقل له: إنّي تركت الحسين وحيداً فريداً.

قد صلّى الإمام الحسين عليه السلام صلاةَ الخوف بأهل بيته وبمَن بقيَ من أصحابه، ولكن هل صلّى صلاة المغرب والعشاء؟ نعم صلاها في أول وقتها، وطالت صلاته، ولكن على وجه الأرض، خدّه على وسادة التراب.

اختلف العسكر في حالة الحسين هل هو حيّ أم ميت؟ لأنّه لا حراك فيه، فيخافون أن يدنوا منه، فصاح عمر بن سعد لعنه الله: إذا أردتم أن تعرفوا حال الحسين هل هو حيٌّ أم ميّت فاهجموا على نسائه وعياله؛ لأنّه إذا سمع صراخ الأطفال لا يتمالك نفسه، فهجم الجيش نحو مخيم الحسين، خرجت زينب عليها السلام وقفت على التل وصاحت: نور عيني يا حسين، يا بن أُمّي يا حسين، عزيزي يا حسين، إن كنت حيّاً فأدركنا، فهذه الخيل قد هجمت علنيا، وإن كنت ميتاً فأمرك وأمرنا إلى الله.

ما هي إلاّ ساعات وإذا بها تنظر إلى رأس أخيها الحسين عليه السلام على رمحٍ طويل، صاحت وا أخاه وا حسيناه.

لمّن شافته صفگت بديها
مـا تنـلام من شافت وليهـا
سالت عينها بدموعها عليه
خفگ ويلي گلبها وأومـت عليه
يشايل راس حامينه وولينه
ليش إحسين ساكت عن ونينه
يا شيال نعش المـات مظلـوم
تحوم گلوبنا فوك النعش حوم
 

 

وشگت ثوبها ويلي عليها
فوك الرمح راسه ايلوح بالبرّ
وشالت راسها وتّلفتت ليه
وصاحت باچيه إبصوت المذعر
ريّض خلّي تودعه اسكينـه
گـلي تعـب يوجـرحه تخـدّر
عله الشاطي وعن الماي محروم
أخوي الطاح مثل النجم من خرّ
 

 

 

تغريد الحزين

إنعمت عيني ولا شوفك
وأصحابك وأهل بيتـك
عساها اتعگرت هلخيل
 

 

ذبيح ويجري دم نحـرك
ضحايه مطرّحه إبكترك
ولا داست على صدرك
 

 

بعد الذبح يا خـويه داسـوك
 

 

ولا راعوا لعد جدك ولا بوك
 

 

چنت ذخري وتحت الخيل خلّوك

فلو علمتْ تلكَ الخيولُ كأهلِها
 

 

بأنَّ الذي تحتَ السنابِك أحمدُ
 


 

لثارت على فُرسانِها وتمرّدت
 

 

عليهم كما ثاروا بها وتمرّدوا
 

 

***

إنّا لله وإنّا إليه راجعون، ولا حول ولا قوّة إلا بالله العليّ العظيم،

وسيعلم الذين ظلموا آل مُحَمّد أيَّ مُنقلبٍ ينقلبون

والعاقبة للمتّقين.

المحاضرة الثالثة: الاستغفار وآثاره

 

لم أنسَ زينبَ بعد الخدرِ حاسرةً
مسجورةَ القلبِ إلاّ أنَّ أعيُنَها
تدعو أباهَا أميرَ المؤمنين ألا
وغاب عنّا المُحامي والكفيلُ فمَن
إن عسعسَ الليلُ وارى بذْلَ أوجُهِنا
ندعو فلا أحدٌ يصبو لدعوتِنا
قُم يا عليُّ فما هذا القعودُ وما
وتنثني تارة تدعو عشيرتَها
قُوموا غضاباً من الأجداثِ وانتدبوا
ويل الفراتِ أباد اللهُ غامرَه
لم يُطفِ حرَّ غليلِ السبطِ باردُهُ
لم يُذبح الكبشُ حتّى يُروَ من ظمًأ
 

 

تُبدي النياحةَ ألحاناً فألحاناً
كالمُعصراتِ تصبُّ الدمعَ عقيانا
يا والدي حكمت فينا رعاينا
يحمي حمانا ومَن يؤوي يتامانا
وإن تنفّسَ وجهُ الصُبح أبدانا
وإن شكونا فلا يُصغى لشكوانا
عهدي تغضُّ على الأقذاء أجفانا
من شيبةِ الحمدِ أشياخاً وشُبّانا
واستنقذوا من يد البلوى بقايانا
وردَّ واردَه بالرغمِ لهفانا
حتّى قضى في سبيلِ اللهِ عَطشانا
ويُذبحُ ابنُ رسولِ اللهِ ضمآنا[35]
 

 

***

يجدّي گوم شوف احسين مذبوح
 

 

على الشاطي وعلی التربان مطروح
 

يجدّي من الطبر ما بگت بيه روح
 

 

يجدّي من العطش گلبه تفطّر
 

يجدي الرمح بفاده تثنّه
 

 

يجدي بالوجه للسيف رنّه
 

يجدي الخيل صدره رضرضنّه
 

 

ولا مفصل بجسمه عيب مهشوم
 

 

قال تعالى: فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا[36].

«نستفيد من الآيات المختلفة في القرآن، ومنها الآيات التي هي محل بحثنا، أنَّ الإيمان والعدالة سبب لعمران المجتمعات، والكفر والظلم والخطايا سبب للدمار، نقرأ في الآية 96 من سورة الأعراف: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ، وفي الآية 41 من سورة الروم نقرأ: ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ، وفي الآية 30 من سورة الشورى: وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ، وفي الآية 66 من سورة المائدة: وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيهِم مِّن رَّبِّهِمْ لأكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم. وآيات أُخرى من هذا القبيل.

هذه الرابطة ليست رابطة معنوية فحسب، بل هناك رابطة مادّية واضحة في هذا المجال أيضاً...

والحقيقة أنّ الحرمان في هذا العالم سببه العقوبات على الذنوب، وفي الوقت الذي يتوب فيه الإنسان ويتَّخذ طريق الطهارة والتقوى، يصرف الله تعالى عنه هذه العقوبات»[37].

إذن هناك رابطة وثيقة بين الذنوب وآثارها من جهة، وبين الأعمال الصالحة وآثارها من جهة أُخرى.

ولو رجعنا إلی قصّة هذه الآيات الثلاث في سورة نوح عليه السلام، نجد أنّها جاءت بعد دعوات وإنذارات كثيرة تحدَّثت عنها السورة المباركة المسمّاة باسم نبي الله نوح عليه السلام وبشتّى أنواع الإبلاغ وأساليبه، حتّى وصل بهم المقام أن يضعوا أصابعهم في آذانهم؛ كي لا يسمعوا الحقيقة التي لا تندمج مع أهوائهم، كان صبره عليه السلام عجيباً، وأعجب ما فيه رأفته، همّتُه واستقامتُه الفريدة كانتا رأسَ مالِه في السير ومواصلة طريق الدعوة إلی دين الحقّ.

والأعجب من ذلك أنَّه عليه السلام طيلة دعوته التي دامت 950 عاماً لم يؤمن به إلاّ ثمانون شخصاً، ولو قسّمنا هذه المدة على عدد الأنفار يتّضح لنا أنَّ مدة هدايته لكلّ فرد دامت اثنتي عشرة سنة تقريباً!![38].

«يستمر نوح عليه السلام في تبليغه المؤثِّر لقومه المعاندين العصاة، ويعتمد هذه المرّة على عامل الترغيب والتشجيع، ويوعدهم بانفتاح أبواب الرحمة الإلهية من كلّ جهة إذا ما تابوا من الشرك والخطايا، فيقول: فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا»[39].

والآيات الشريفة المباركة جاءت لتحل مشاكل تعرّض لها قوم نوح عليه السلام بسبب عصيانهم وجحودهم الحقَّ ومخالفته، بل روي أنّ ذلك الأمر منه عليه السلام إنّما جاء بعد أن حبس الله عنهم المطر، وأعقم أرحام نسائهم أربعين سنة[40]، عندها جاء الأمر بحلِّ هذه المصائب والبلاءات عن طريق الاستغفار والتوبة إلی الله عزّ وجلّ.

ولو لاحظنا جانباً آخر من حياة الأنبياء عليهم السلام نجد أنّ هذا الأمر قد تكرَّرَ مع نبيِّ الله هود عليه السلام، حيث عصوه وعبدوا الأصنام، وابتلاهم الله عز وجل، إذ يقول: وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلاَ تَتَوَلَّوْاْ مُجْرِمِينَ[41].

5.حقيقة الاستغفار

ولكي ننعم بهذه النعم المترتّبة والمتفرّعة على الاستغفار كان من اللازم علينا التعرّف على حقيقة الاستغفار لكي نعمل به؛ لأنّ العمل فرع العلم، فما هو الاستغفار، وما هي حقيقته؟

أمّا الاستغفار فهو: «طلب من الله بالقلب واللسان، مثل اللَّهُمَّ اغفر لنا، وعدم الإصرار يكون كناية عن التوبة»[42].

وقد يُفرّقُ بين الاستغفار والتوبة بـ«أنَّ الاستغفار طلب المغفرة بالدعاء والتوبة أو غيرهما من الطاعة، والتوبة الندم على الخطيئة مع العزم على ترك المعاودة، فلا يجوز الاستغفار على الإصرار؛ لأنّه مسلبة لله ما ليس من حُكمه ومشيئته ما لا تفعله»[43].

وقد جعل البعض بين توبة العبد، وهي انقطاع العبد إليه بالكلّية، وبين طلب المغفرة بوناً بعيداً[44]، وهو غريبٌ! ووجه الغرابة فيه: أنّ طلب المغفرة مقدّمة موصِلة إلی انقطاع العبد بالكليّة إلی الله عزّ وجلّ، وهو التوبة بحسب ما ذكره.

وأمّا الاستغفار بحسب ما حدّه لنا أهل بيت العصمة والطّهارة عليهم السلام، الذين لا يزاد على كلامهم، ولا يُتمّم من نقصٍ إن حدّوا ووصفوا، فيبينُه ما جاء على لسان مولى المتَّقين الإمام أمير المؤمنين عليه السلام حيث قال ـ لقائلٍ قال بحضرته: استغفر الله ـ: «ثكلتك أُمّك أتدري ما الاستغفار؟ الاستغفار درجة العلييّن، وهو اسم واقع على ستة معانٍ:

أوّلها: الندم على ما مضى. والثاني: العزم على ترك العود إليه أبداً. والثالث: أن تؤدّي إلی المخلوقين حقوقَهم حتّى تلقى الله أملس ليس عليك تبعة. والرابع: أن تعمد إلی كُلِّ فريضة عليك ضيّعتها فتؤدي حقّها. والخامس: أن تعمد إلی اللحم الذي نبت على السحت، فتذيبه بالأحزان حتّى تلصق الجلد بالعظم، وينشأ بينهما لحم جديد. والسادس: أن تذيق الجسم ألم الطاعة كما أذقته حلاوة المعصية، فعند ذلك تقول: أستغفر الله»[45].

وهذه الكلمة الشريفة صارت هي الأصل الذي تؤخذ عنه حقيقة الاستغفار والتوبة، حتّى أنَّ ابنَ أبي الحديد في شرحه على النهج بعد ذكره لهذه الكلمة قال: «وينبغي أن نذكر في هذا الموضع كلاماً مختصراً ممّا يقوله أصحابنا في التوبة، فإنَّ كلام أمير المؤمنين هو الأصل الذي أخذ منه أصحابنا مقالتهم، والذي يقولونه في التوبة فقد أتى على جوامعه عليه السلام في هذا الفصل على اختصاره»[46].

فلكي نحصل على حقيقة الاستغفار علينا أن نُحقّقَ هذه المعاني الستّة، وهي وإن كانت في غاية الوضوح إلاّ أنّها ليست سهلة الإمتثال، بل تحتاج إلی عزيمة شديدة، وإرادة أكيدة، ولعلّ ما في دعاء كميل رحمه الله يشترك مع هذه المعاني لتحقق التوبة النصوح، إذ يقول الدعاء: «وقد أتيتك يا إلهي بعد تقصيري وإسرافي على نفسي، معتذراً نادماً، منكسراً مستقيلاً، مستغفراً منيباً، مقرّاً مُذعناً معترفاً، لا أجدُ مفرّاً ممّا كان منّي، ولا مفزعاً أتوجّه إليه في أمري...»[47].

6.آثار الاستغفار

ثمَّ إنّه إذا تحقّق الاستغفار بشروطه المتقدّمة، ومعانيه الستّة الآنفة الذكر، فستحصل الآثار المترتّبة عليه، وهي آثار مهمّة يُبذل من أجلها كُلّ غالٍ ونفيس، وهي ستّة أيضاً، وهذه من نعم الله تبارك وتعالى التي تفضّل بها على خلقه، بأن يُضاعف لهم في أفعالهم كما يُضاعف الحسنات، حيث يقول عزَّ وجلَّ: مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا[48].

7.الأثر الأوّل: غفران الذنوب

بمعنى أنّ المستغفر يحصل على أوضح أثر من آثار عمله، وهو ما سُلخ من نفس العمل، وهو غفران الذنوب والمعاصي، كقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ[49].

فالآية رتّبت على التوبة تكفيرَ السيئات، ثمَّ دخول الجنَّات، وهذا أمر طبيعي، فكلّ فعلٍ يصدر لا بدَّ من تحقّق أقرب آثاره إليه، وأقرب آثاره إليه شموله إلی نفس الفعل الصادر، كما هو معلوم بالوجدان.

والملفت للنظر أنَّه تبارك وتعالى لم يقل: «إنّه غفّاراً»، بل قال: «إنّه كان غفّاراً»؛ لأنّه كان غفّاراً في حقّ كُلِّ مَن استغفره، كأنَّه يقول: لا تظنّوا أنّ غفّاريّته إنّما حدثت الآن، بل هو أبداً هكذا كان، فكأنّ هذا هو حرفته وصنعته[50].

وعبّرت الآية بـغفّاراً، ولم تعبر بـغافراً، أو غفوراً لمزيد العناية في كثرة المغفرة، وغفّار من غفر، والغفر هو التغطية، ومنه قولهم: غفرت المتاع أي: جعلته في الوعاء[51].

ويؤيّد هذا المعنى اللغوي الروايات الشّريفة في باب التوبة من الذنوب والاستغفار.

ففي الكافي الشريف، عن معاوية بن وهب، قال: «سمعتُ أبا عبد الله عليه السلام يقول: إذا تاب العبد توبةً نصوحاً أحبّه الله فستر عليه. فقلت: وكيف يستر عليه؟ قال: يُنسي ملكيه ما كانا يكتبان عليه، ويوحي [الله] إلی جوارحه وإلى بقاع الأرض: أن أكتمي عليه ذنوبه، فيلقَ الله عزّ وجلّ حين يلقاه وليس شيءٌ يشهد عليه بشيء من الذنوب»[52].

ولا معنى للستر عليه إذا لم يكن تغطية لذنوبه حتّى يصير التائب والمستغفر لا ذنب عليه، كما روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنّه قال: «والتائب من الذنب كمَن لا ذنب له»[53].

هذا هو الأثر الأول للإستغفار، وهو غفران الذنوب، وهو أثر معنوي، بخلاف الخمس البواقي الآتية.

8.الأثر الثاني: كثرة الأمطار

 الأثر الثاني من آثار الاستغفار كثرة المطر فلا يغفر لكم ذنوبكم وحسب، بل يرسل السماء عليكم مدراراً، وهي من صيغ المبالغة أيضاً، فيفيض عليكم بأمطار الرّحمة،كما ينسكب الحليب من صدر الأُمّ؛ ولذا لم تقل الآية: ينزل عليكم المطر أو الماء، كما في قوله تعالى: وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ[54]، وإنّما عبّرت الآية بـيرسل السماء؛ فالسّماء تكاد أن تهبط من شدّة هطول الأمطار، وبما أنّها أمطار رحمة وليست نقمة؛ فلذا لا تُسبب خراباً وأضراراً، بل تبعث على الإعمار والبركة والحياة[55].

من هنا ذكر العلماء في مسألة صلاة الاستسقاء المتابعة في الدعاء والاستغفار.

قال المحقّق الحلّي رحمه الله: «يبالغ في الدُعاء و الاستغفار، ويُعاودون إن تأخرت الإجابة، أمّا تأكيد الاستغفار؛ فلقوله تعالى: َقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارًا»[56].

 والأمطار الغزيرة هنا أمطار رحمة وبركة، كما يدلّ عليه قوله تعالى: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ[57]، فواحدة من بركات السماء التي ينزلها عزّ وجلّ عندما يؤمن أهل القُرى ويتّقوا هي أمطار الرحمة[58].

فمن علَّلَ الجدوبة وقلّة الأمطار بكثرة الذنوب والمعاصي، يرى أنَّ الاستغفار يرفعها ويزيلها، ويثبت ما هو ضدها، وهو الخصب، ونزول المطر الكثير النافع.

9.الأثر الثالث: المدُّ المالي

والأثر الثالث المترتّب على الاستغفار هو المدّ المالي الذي ارتفع وانقطع، أو ضعف بسبب الذنوب والمعاصي، فإنّه يعود مرّة أُخرى إليكم بعد أن تتابعوا الاستغفار والتوبة، فمَن ضاقت عليه معيشته أو قُدِرَ عليه رزقُه فعليه بكثرة الاستغفار، فعن نصر بن زياد، قال: «كُنتُ عند جعفر بن محمّد ـ يعني الإمام الصّادق عليه السلام ـ فأتاه سفيان الثوري، قال: يا ابن رسول الله، حدِّثني فقال: يا سفيان. إذا استبطأت الرزق فأكثر من الاستغفار»[59].

فلاحظ كيف ترتّب على التوبة «إيتاء الفضل في الآخرة، وناسبَ كلَّ جوابٍ لِما وقع جواب له؛ لأنَّ الاستغفار من الذنوب أوّل حال الراجع إلی الله، فناسب أن يرتّب عليه حال الدنيا، والتوبة هي المنجية من النار، والتي تُدخِل الجنّة»[60].

10.الأثر الرابع: المدّ بالبنين

والأثر الرابع المُترتّب على الاستغفار، المدُّ بالبنين، وهو أثر لا يقلّ أهمّية من المدِّ المالي، إن لم يكن أهم، كما نرى في حياتنا اليوميّة الكثير من الناس ممّن لهم الاستعداد في أن يبذلوا كلَّ ما عندهم من أموال في سبيل أن تكون لهم ذريّة، مع أنَّ المال والبنين كليهما زينة الحياة الدنيا، كما قال تعالى: الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا[61] لكنّنا نسمع من هنا وهناك الكثير حول هذا الموضوع، لا قيمة للمال إذا لم يكن عندك عيال وهذا ممّا ابتلى به الباري عزّ وجلّ عبادَه، حيث يقول جلّت أسماؤه: لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاء يَهَبُ لِمَنْ يَشَاء إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَن يَشَاء الذُّكُورَ * أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَن يَشَاء عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ[62]. وهذه الآية الشريفة تعبيرٌ واضحٌ عن هذا المصير، حتّى وردت روايات كثيرة عن سؤال بعض المؤمنين للإمام المعصوم عليه السلام في تعليمهم ما يُمكّنهم من الحصول على الذريّة، وسأنقل هنا شواهد على الثلاثة الأخيرة، أعني: الجدوبة، والفقر، وعدم البنين.

فقد روُي أنّ رجلاً أتى الإمامَ الحسنَ عليه السلام فشكا إليه الجدوبة، فقال الحسن عليه السلام: «استغفر الله»، وأتاه آخر فشكا إليه الفقر، فقال له: «استغفر الله»، وأتاه آخر فقال له: ادعُ الله أن يرزقني ابناً، فقال له: «استغفر الله»، فقلنا له: أتاك رجالٌ يشكون أبوابا،ً ويسألون أنواعاً، فأمرتهم كُلَّهم بالاستغفار؟ فقال: «ما قلت ذلك من ذات نفسي، إنّما اعتبرت فيه قول الله: فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا[63]»[64].

11.الأثر الخامس والسادس: جعل الجنّات والأنهار

وهذان الأثران من الآثار المترتّبة على الاستغفار لاحقاً في الدار الآخرة، وبمعنى آخر: إنَّ رحمة الله تبارك وتعالى المترتّبة على الاستغفار تعدّت محيط الحياة الدنيا؛ لتنتقل إلی سعادتين أُخريين تنتظران المستغفرين، وهما سعادة الجنات والأنهار، بمعنى دخول الجنّة، وليست الجنّة بأدنى مراتبها ـ مع أنّها أفضل من الدنيا بما لا يُعدُّ ولا يُحصى ـ بل الجنّات المشتملة على الأنهار، وأي جنّات هذه التي قسّمتها هذه الأنهار!! وأيّ حدائقٍ هذه التي جُعلت فيها الأنهار لتزيدها بهاءً وحُسناً!!.

فلا شكّ أنّها حدائق ذات بهجة، إلاّ أنّها ليست حدائق دنيوية، كما قال تعالى: وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ السَّمَاء مَاء فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ[65]، بل هي حدائق أُخروية.

ومن تلك الأنهار التي يتنعّم بها المؤمنون يومَ القيامة في الجَنّة نهر الفرات[66]، ولعلّه لأجل أن يتذكّر المؤمنون وهم في الجَنّة تلكَ المُصيبةَ التي جرت على أبي عبد الله عليه السلام على شاطي الفرات.

ينقل شيخنا المنصوري رحمه الله:

إنّ الله تعالى فتح باباً للزهراء عليها السلام يوم عاشوراء، وهي في مكانها المعدّ لها بعد الوفاة لتنعم به، فتح لها باباً لمشاهدة ولدها الحسين عليه السلام فرأته صريعاً يتلظّى عطشاً، قعدت به كثرة الجراح من الحركة، وكان أملُها أن يُداوى أو يُسقى ماءً، ولكن لمّا أقبل الشمر ومكّن السيف من نحره، لم تطق النظر إليه، ولكن توجّهت إلی مَن معها من الحور العين، وكأنّي بها عليها السلام تخاطبُ الحورَ العين:

يالحور گوموا زيّنوا جنّة الفردوس
 

 

باچر تجي ليكم جنايز ما لها روس
 

منهم جنازة الصدر منها ابخيل مديوس
 

 

جنازة حبيب الله انذبح بالغاضرية
 

 

ثمَّ تلتفت إلی الأمين جبرئيل عليه السلام:

جبريل وين أجسادهم دلّيني بيها
 

 

گلها يزهره اشلون بيكِ اتشاهديها
 

گلها بلايه روس واحزني عليها
 

 

ظلت وزينب والحرم راحت سبيّه[67]
 

 

***

إنّا لله وإنّا إليه راجعون، ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله العليّ العظيم،

وسيعلم الذين ظلموا آل مُحَمّد أيَّ مُنقلبٍ ينقلبون

والعاقبة للمتقين.

 

المحاضرة الرابعة: عداوة الشيطان لبني آدم

أحلماً وكادت تموتُ السُنن
وأوشكَ دينُ أبيكَ النَبيِّ
وهذي رَعاياكَ تَشكو إليكَ
تناديكَ مُعلنة بالنحيب
فمذ عمّنا الجَورُ واستحكموا
شَخَصنا إليكَ بأبصارنا
أتنسى مصائبَ آبائِكَ التي
مصابَ النبيَّ وغصبَ الوصيِّ
ولكنَّ لا مثلَ يومِ الطفوف
غداةَ قضى السِّبطُ في فِتيةٍ
تفانَوا عُطاشى فليتَ الفراتَ
وأعظمُ ما نالكم حادثٌ
هُجومُ العدوِّ على رَحلِكم
تدافعُ بالساعدين السِّياط
 

 

لِطولِ انتظارِك يا بنَ الحَسَن
يُمحى ويَرجَعُ دينُ الوَثن
ما نالها مِنْ عَظيمِ المِحَن
إليكَ ومُبدية للشَجَن
بأموالِنا واستَباحوا الوطن
شخوصَ الغَريقِ لِمرِّ السفن
هَدّ ممّا دَهاها الرُكن
وذبحَ الحسين وسُمَّ الحَسن
في يومِ نائبةٍ في الزّمن
مصابيحِ نورٍ إذا الليل جَن
لِما نالَهُم ماؤهُ قد أجَن
لهُ الدمعُ ينهلُّ غيثاً هَتن
وسَلبُ العَقائِلِ ابرادِهِن
وتَسترُ وَجهاً بفضـل الرُدُن[68]
 

 

***

طبّوا للخيام وفرهدوهـــا
اوچم طفلة النبيهم روّعوها
عگب ما فرهدوا ذيچ الصواوين
اوطلعت هايمه ذيچ النساوين
 

 

وعزيزات النبوّة سلّبـــــوها
اوفرت من خِيَمها اتحوم واتدور
شبّوا نارهم بخيام الحسين
يتاماها تعثر بين الصخور
 

 

***

قال تعالى: إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ[69].

من السُنن الإلهية في هذه الحياة الدنيا سُنّةُ الإبتلاء والإمتحان، وهي سُنّةٌ عامّةٌ أكيدةٌ، وقد أشارَ القُرآنُ الكريمُ إلى عموميّة هذه السُنة في آياتٍ عديدةٍ، كقوله تعالى: أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ[70].

 وهذهِ السُنَنُ لا تتخلّفُ من جيلٍ إلى آخر، وإن كانت تختلف في صورها وأشكالها، فتتصوّر تارةً بالفقر، وأُخرى بالشَّك، وثالثة بالوسوسة، وهكذا.

 وخيرُ شاهدٍ على ذلك قوله تعالى: وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَونَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِّن الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ[71].

ومن الفتن والابتلاءات: الأموال والزوجة والأولاد، وقد يصل الأمر إلى حدّ أن تصبح الزوجة والأولاد هم العدوّ الذي يصدُّ عن الله وذكره.

قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ[72].

ومن أشدّ الأعداء ـ مع ابتلاءات الدنيا وعقوباتها، والنفس والأولاد والزوجة ـ إبليس عليه اللعنة.

ورحم الله القائل:

«ابليسُ والدُنيا ونفسي والهوى

 

كيفَ الخلاصُ وكُلّهُم أعدائي»[73]

 

 هذا العدو الذي أقسم لأبينا آدم وأُمنّا حوّاء بأعظم الأقسام ولم يكن صادقاً، كما حكاه لنا القرآن الكريم، حيث يقول تبارك وتعالى: وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ[74] فهولعنه الله مع القَسم والتأكيد بالنصيحة يخادع ويمكر، فكيف معنا نحن البشر، الذين تعهد بأنّ لا يتركنا طرفة عينٍ، وأقسم بعزّة الله أن يغوينا؟! كما حكى القرآن الكريم ذلك على لسانه.

قال تعالى: قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ [75].

وهذا تحذيرٌ رهيبٌ و إشارةٌ خطيرةٌ ؛ إذ مع النصيحة يخدعُ ويمكرُ، فكيف نتصورُ حالَنا مع الأقسام المغلّظة بالإغواء والخديعة، فلا شكَّ سيكونُ الأمر أخطر وأمرّ!!

والنتيجة هي عذاب السعير، كما في الآية التي افتتحنا بها الكلام، وهكذا في قوله تعالى: كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَن تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ[76].

فهو لعنه الله بعد أن تمَّ طرده من ساحة القدس والجلال، طلب من الله أن ينظره إلى يوم القيامة.

قال تعالى: فَسَجَدَ الْمَلآئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى أَن يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ * قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلاَّ تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ * قَالَ لَمْ أَكُن لِّأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ * قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ * وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ * قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ * إِلَى يَومِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ[77].

وبعد هذا الخسران الذي أصاب إبليس، وخيبة الأمل التي تعرّض لها، اتّخذ طريقاً للإغواء والمخادعة لبني البشر، كما حكى لنا القرآن الكريم كلَّ ذلك، حيث يقول: قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ * ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ * قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْؤُومًا مَّدْحُورًا لَّمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ لأَمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنكُمْ أَجْمَعِينَ[78].

ولكن مع شديد الأسف، هذا الشيطان الرجيم صار عند الإنسان من أقرب أصدقائه الحميمين، لايبارحنا نحن البشر وقد اتّخذناه بدلاً عن الهداية والاستقامة، فاستبدلْنا الذي هو أدنى بالذي هو خير.

قال تعالى: َفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاء مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا[79].

13.إبليس عدوٌ لا كالأعداء

هذا العدو يختلف عن باقي الأعداء ؛ لأنَّ المُحتملات في كلّ الأعداء ثلاثة:

إمّا أن تتغلّبَ عليه، أو يتغلّب عليك، أو تكون هناك هدنة أو صلح، بخلاف عدوّنا إبليس، فالموجود إحتمالان اثنان لا ثالث لهما، وهما: إمّا أن يستسلم على أيدينا ونتغلّبَ عليه، أونستسلم على يديه ويتغلّب علينا، ولا يوجد احتمال الهدنة؛ بعد أن سمعنا أقسَامَه المُغلّظة بالغواية المستمرّة لنا.

من هنا سُئل رسول الله عندما ذكر أنَّ لكلّ إنسانٍ شيطان، فقيل له: وأنت يا رسول الله ألك شيطان؟

فقال صلى الله عليه وآله: «إنَّ الله أعانني على شيطان حتى أسلم على يدي»[80].

وباستسلام إبليس وعدم قدرته على غوايتنا نكون أفضل من الملائكة، وإلاّ فنحن والبهائم على حدٍّ سواء، فالمسأله جدُّ خطيرة.

فقد روي عن عبد الله بن سنان، قال: سألت أبا عبد الله جعفر بن محمد الصادق عليها السلام، فقلت: الملائكة أفضل أم بنو آدم؟ فقال: «قال أمير المؤمنين عليُّ بنُ أبي طالب عليه السلام: إنَّ اللهَ عزَّّ وجلَّ ركّبَ في الملائكة عقلاً بلا شهوةٍ، وركّبَ في البهائم شهوةً بلا عقلٍ، وركّب في بني آدم كليهما، فمَن غَلَبَ عقلُه شهوتَه فهو خيرٌ من الملائكة، ومَن غَلبَتْ شهوتُه عقلَه فهو شرٌّ من البهائم»[81].

14.طُرُق الشيطان وخطواته

 والشيطان له طُرُقه الخاصّة به وبأبالسته، وهي المُعبّر عنها بالخطوات، التي نهانا اللهُ تبارك وتعالى عن إتّباعها، كما صرّح بذلك القُرآن الكريم، حيث يقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَاء وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ[82]، والخطوات جمع خطوة وهي المرحلة التي يقطعها الشيطان للوصول إلى هدفه، وهو التغرير بالناس. وعبارة لا تتّبعوا خطوات الشيطان، تكرّرت خمس مرات في القُرآن الكريم، وكانت في موضعين بشأن الاستفادة من الأطعمة والرزق الإلهي، وهي تحذير من استهلاك هذه النعم الإلهية في غير موضعها، وحثٌّ على الاستفادة منها على طريق العبودية والطاعة، لا الفساد والطُغيان في الأرض؛ للنهي عن إتّباع خطوات الشيطان في استثمار مواهب الطبيعة، توضحه آيات أُخرى تنهى أيضاً عن الإفساد في استثمار ما وهبه الله للناس، كقوله تعالى: كُلُواْ وَاشْرَبُواْ مِن رِّزْقِ اللَّهِ وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ[83]، وكقوله سبحانه: كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ[84]، هذه المواهب والإمكانات ينبغي أن تكون طاقةً دافعةً نحو الطاعة، لا وسيلة لارتكاب الذنوب، وعبارة إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ تكرّرت في القُرآن الكريم عدّة مرات بعد الحديث عن الشيطان؛ كي تحفّز الإنسان، وتجعله متأهباً لمُجابهة هذا العدو اللدود الظاهر، والآية التالية تؤكّد على عداء الشيطان، وعلى هدفه المتمثّل في شقاء الإنسان، وتقول: إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاء وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ.

 ومنهج الشيطان يتلخّص في ثلاثة أبعاد هي:

 السوء، والفحشاء، والتقوّل على الله الفحشاء من الفُحش ، وهو كلّ عمل خارج عن حدّ الاعتدال، ويشمل كلّ المنكرات والقبائح المبطّنة والعلنية، واستعمال هذه المفردة حالياً بمعنى الأعمال المنافية للعفّة هو من قبيل استعمال اللفظ الكلّي في بعض مصاديقه[85].

فأُسلوب الشيطان هو التدرّج في أخذ الإنسان إلى الهاوية، فيبدأ معه رويداً رويداً إلى أن يرميه في الهاوية، وفي وادٍ سحيقٍ نسألُ اللهَ العونَ والهدايةَ والتنبّهَ من الغفلة.

ويمكن تلخيص دعوته إلى السعير بعدّة مصاديق، نذكر منها:

1ـ زرع الفتن والبغضاء والعداوة بين الناس، وإشعال نار الحقد والعداء بين بني البشر، وقد أشار القرآن الكريم إلى ذلك في عدّة آيات:

منها: قوله تعالى: ِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء[86].

وقوله تعالى: وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ[87].

وقوله تعالى: مِن بَعْدِ أَن نَّزغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي[88]، وعن الإمام الصَّادق عليه السلام أنَّه قال: «يقول إبليس لجنوده: ألقوا بينهم الحسد والبغي، فإنهما يعدلان عند الله الشرك»[89].

 2ـ تزيين العمل القبيح لصاحبه، وهذا من أشدِّ الأخطار على الإنسان حذرّنا منه القُرآن الكريم: فَلَوْلا إِذْ جَاءهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ وَلَكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ[90].

 3ـ الوعود والأُمنيات الكاذبة والمخادعة الباطلة التي يفضحها لنا الباري عزّ وجلّ؛ إذ يقول: يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُورًا[91].

ومن هنا يُسئل إمامنا الصَّادق عليه السلام عن قوله تعالى: وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ[92]، فيقول: «لمّا نزلت هذه الآية صعد إبليس جبلاً بمكة يُقال له ثور، فصرخ بأعلى صوته بعفاريته فاجتمعوا إليه. فقالوا: يا سيدنا، لِمَ دعوتنا؟ قال: نزلت هذه الآية، فمَن لها؟ فقام عفريت من الشياطين، فقال: أنا لها بكذا وكذا. قال: لست لها، فقام آخر فقال مثل ذلك، فقال: لست لها. فقال الوسواس الخنّاس: أنا لها، قال: بماذا؟ قال: أعدهم وأمنيهم حتى يواقعوا الخطيئة، فإذا واقعوا الخطيئة أنسيتهم الاستغفار، فقال: أنت لها، فوكّله بها إلى يوم القيامة»[93].

وهذا هو الذي حصل مع أُخوة يُوسُف عليه السلام بعينه كما قصَّ لنا القرآن الكريم ذلك، حيث يقول: اقْتُلُواْ يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُواْ مِن بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ [94].

ولكن الذي يقتل نبيّاً أو وصيّاً أو وليّاً هل يوفّق للتوبة؟!

ونفس هذا المعنى تكرّرَ مع ابنِ سعدٍ ـ لعنه الله ـ حيث غرّته الأماني ووسوس له الشيطان بأنّه إذا قتل الإمام الحُسينَ عليه السلام سوف يتوب بعد ذلك، عندما عُرضت عليه إمارة الرّي كان في البدء متردّداً في الخروج، ثمَّ ذهب إلى منزله وأخذ يمشي في فناء الدار وينشد:

فواللهِ ما أدرى وإنّي لصادقٌ
 

 

أفُكّرُ في أمري على خطرينِ
 

أأتركُ مُلكَ الريّ والريُّ مُنيتي
 

 

أم أصبحُ مأثوماً بقتلِ حُسينِ
 

حُسينُ ابنُ عمّي والحوادثُ جمّةٌ
 

 

ولكن لي في الري قُرةُ عيني
 

يقولون إنَّ اللهَ خالقُ جنّةٍ
 

 

ونارٍ وتعذيبٍ وغلِّ يدينِ
 

فإنْ صدقوا ممّا يقولون إنّني
 

 

أتوبُ إلى الرَّحمنِ من سنتينِ
 

وإنْ كذبوا فُزنا بدنيا عظيمةٍ
 

 

ومُلكٍ عقيمٍ دائمِ الحَجِلَين[95]
 

 

وهذا اللعين هو أوّلُ مَن رَمى مُخيّمَ الحُسينِ ومُعسكرِه مُفتخِراً بذلك.

يقولُ ابنُ أعثمَ الكوفي: «وتقدّم عُمرُ بنُ سعدٍ حتّى وقف قبالة الحُسين على فرسٍ له، فاستخرج سهماً فوضعه في كبد القوس، ثمَّ قال: أيُّها النَّاس! اشهدوا لي عند الأمير عُبيدِ الله بن زياد أنّي أوّل مَن رمى بسهمٍ إلى عسكر الحُسين بن عليّ! قال: فوقع السهم بين يدي الحُسين، فتنحّى عنه راجعاً إلى ورائه، وأقبلت السهام كأنّها المطر، فقال الحسين لأصحابه: أيها الناس، هذهِ رسُلُ القومِ إليكم، فقوموا إلى الموت الذي لا بدَّ منه»[96].

هذا مبدأ أعماله وأمّا خاتمةُ الأعمال التي قام بها ابنُ سعدٍ ـ لعنه الله ـ فهي أدهى وأمرّ!!

ماذا صنع؟ الأمرُ شديدٌ، وسماعُهُ مُحرِقٌ للقُلوبِ، ومُقرحٌ للجفون، فاستعد لسماعه لتُشارِكَ الزهراءَ في لوعتها ومُصابها.

«نعم نادى ابنُ سعدٍ ـ لعنه الله ـ: هلمّوا ودُوسوا صدرَ الحُسين.

ثمَّ أمر النبيُّ صلى الله عليه وآله بحمزة أن تمدَّ عليه برقته، وهو في القبر وكانت قصيرةً وكانوا إذا خمروا بها رأسه بدت رجلاه، وخمروا بها رجليه انكشف وجهه فبكى المسلمون، وقالوا: يا رسول الله، عمّ رسول الله يُقتل فلا يوجد له ثوب؟ فقال: بلى. فلمّا دفن القتلى انصرف رسول الله صلى الله عليه وآله إلى المدينة، وخرجت نساء المدينة؛ لأنَّ إبليس صاح ألا قد قُتل محمد، فخرجن النساء باكيات صارخات، فأُخبرن بأنَّ النبيَّ صلى الله عليه وآله حيٌّ ولم يصبه شيء فحلفنَ أن لا يرجعن إلى خدورهن حتى يرين رسول الله صلى الله عليه وآله، وهن واقفات حتى دخل رسول الله، فلما رأينه ولولن وبكين، ثمَّ دخلن خدورهن، وإلى هذا أشار بشير بن جذلم في قوله: يا أهل يثرب لا مقام لكم بها.

يعني لو كنتم صادقين في دعواكم أن لا تُسكن بيوتُنا حتى نرى النبيَّ فيحقّ الآن أن لا تسكنوا المدينة؛ لأنَّ الحُسينَ عليه السلام قد قُتل. فمرَّ النبيُّ صلى الله عليه وآله ببعض بيوتات الأنصار، فسمع بكاء النوائح على قتلاهن، فترقرقت عينا رسول الله صلى الله عليه وآله وبكى، ثمَّ قال: لكن حمزة لا بواكي له اليوم. فلمّا سمعه سعد بن معاذ قال: لا تبكين امرأة حميمها حتى تأتي فاطمة فتسعدها في البكاء على حمزة. فاجتمعن النساء عند فاطمة وهن يسعدنها على حمزة، ومَن أسعد فاطمة في البكاء على الحسين؟! أسعدها ألف نبي، وألف صدِّيق، وألف شهيد، وألف ألف من الكروبيين، وهم يسعدونها في البكاء على الحسين عليه السلام. ولمّا لم يكن لحمزة نوائح ناحت عليه نساء المهاجرين، والحسين كانت له نوائح، لكن إن دمعت من إحداهن عين قرع رأسها بالرمح»[97].

وكأنّي بها عليها السلام تخاطب أخاها أبا عبد الله عليه السلام:

بس ما غبت وگفيت يحسين
خذوني يسيرة وتدمع العين
للكوفة يو للشام ناوين
أنصار يو أخوه المبينين
أباري الظعن ماليش تمكين
دليلي بجور سيف الدهرينشاف
زينب طولها الماچان ينشاف
 

 

عن كربلا صرنه مضعنين
ومدري وجوه الـگوم لا وين
والدرب تدري يريد إله اثنين
ولوياي ما غير النساوين
عاد أرضه والله يريحني البين

ولي ناظر يكت ما بعد ينشاف
يسيره تروح لولاد الدعية
 

 

 

وأعظم ما يشجي الغيور دخولها
يقارعها فيه يزيد مسبّة
 

 

إلى مجلس ما بارح اللهو والخمرا
ويصرف عنها وجهه معرضاً كبرا
 

 

***

إنّا لله وإنّا إليه راجعون، ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله العليّ العظيم،

وسيعلم الذين ظلموا آل مُحَمّد أيَّ مُنقلبٍ ينقلبون

والعاقبة للمتّقين.

* * *  

المحاضرة الخامسة: هَجْرُ القرآن

إن كانَ عندكَ عَبرةٌ تُجريها
فعسى نبلُّ بها مضاجِعَ صفوةٍ
ولقد مررتُ على منازلِ عصمةٍ
فبكيتُ حتّى خلتُها ستُجيبُني
وذكرتُ إذ وقفت عقيلَةُ حيدرٍ
بأبي التي ورثتْ مصائبَ أُمّهِا
لم تلَهُ عن جمعِ العيالِ وحفظِهم
لم أنسَ إذ هتكوا حماها فانثنت تدعو فتحترقُ القُلوبُ كأنّما
هذي نساؤُكَ مَن يكون إذا سرت
أيسوقُها زجـرٌ بضـربِ متُونِها
 

 

فانزلْ بأرضِ الطَّفِّ كي نُسقيها
ما بُلّتِ الأكبادُ من جاريها
ثقلُ النبوّةِ كان أُلقيَ فِيها
بُبكائِها حُزناً على أهليها
مذهولةً تُصغي لصوتِ أخيها
وغدتْ تُقابلُها بصبرِ أبيها
بفراقِ إخوتِها وفقدِ بنيِها
تشكو لواعجَها إلی حاميها
يرمي حَشاها جمرُهُ مِن فيها
في الأسرِ سائقُها ومَن حاديها
والشمرُ يحدوهـا بسبِّ أبيها[98]
 

 

وكأنّي بها عليها السلام:           

ودعّتك الله يا عيوني
زجر وخوّله اليباروني
يهل الحميّة ما تجوني
 

 

يردون عنّك ياخذوني
نخيت إخوتي وما جاوبوني
من إيد الأعادي تخلصوني
 

 

***

يحادي لا تسج بالضعن بيداي
ريّض خل أغسل حسين بيداي
 

 

وگلبي الفگد أبو السجّاد بيداي
ودفنه لا يضل جسمه رميّه
 

 

***

قال تعالى: وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا * وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِّنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا[99].

هناك جملة من المخلوقات تشتكي إلی الله يومَ القيامة، وتطالب بالحقوق والمظلوميات التي أصابتها وتعرّضت لها.

وأفضل هذه المخلوقات وأكملها الإنسان، الذي فضّله الله عزّ وجلّ على جميع المخلوقات، حيث يقول: وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ[100].

وأفضل بني آدم بما فيهم جميع الأنبياء والرسل هو النبيُّ الأكرم محمّد صلى الله عليه وآله.

وشهادة الرسول صلى الله عليه وآله حقيقة قرآنية، لا يمكن انكارها؛ للتصريح بها في غير واحدة من الآيات، حيث يقول عزّ وجلّ: فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاء شَهِيدًا[101].

وقال تعالى: وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا ثُمَّ لاَ يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ[102].

وقال تبارك وتعالى: وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاء[103].

«وقول الرسول صلى الله عليه وآله هذا، وشكواه هذه، مستمران إلی هذا اليوم من فئة عظيمة من المسلمين، يشكو بين يدي الله أنّهم دفنوا القرآن بيد النسيان، القرآن الذي هو رمز الحياة، ووسيلة النجاة، القرآن الذي هو سبب الانتصار والحركة والتفوّق»[104].

وقد يسأل سائل ويقول: كيف يشكو رسول الله صلى الله عليه وآله قومَه ويشهد ضدهم، وفيهم من أهل القرآن والدين الكثير؟

والجواب: «إنَّ هذه الشكوى والشهادة لا تعمّ جميعَ أُمّة النبيِّ صلى الله عليه وآله، وإنّما البعض. كيف! وفيهم أولياء القرآن، ورجال لا تلهيم تجارة ولا بيعٌ عن ذكر الله»[105].

وممّا لا إشكال فيه أنّ المراد بالرسول هنا هو شخص النبيّ الأكرم محمّد صلى الله عليه وآله بقرينة ذكر القرآن، وعبّر عنه بالرسول تسجيلاً لرسالته، وإرغاماً لأولئك القادحين في رسالته وكتابه... وهذا القول ممّا يقوله الرسول يوم القيامة لربه على طريق البثّ والشكوى، وعلی هذا فالتعبير بالماضي بعناية تحقق الموضوع، والمراد بالقوم عامّة العرب، بل عامّة الأُمّة لكن بلحاظ الكفرة والعصاة منهم، فليس الأمر فيهم على حدّ سواء[106].

ومن طريف القول ما وقع من النزاع بين رجلين من أُمّة النبيِّ الأكرم على الله عليه وآله في ذلك، والأوّل هو معاوية بن أبي سفيان، حيث كان يفتخر بأنّه من قريش، حيث يقول أمامَ الرَّجُل الثاني ـ وهو رجل من الأنصارـ: «فضّل الله قريشاً بثلاث:

1ـ  وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ[107]، ونحن الأقربون.

2ـ وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ[108]، ونحن قومه.

3ـ و لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ[109].

فقال الرجل الأنصاري: على رَسْلِكَ يا معاوية، قال الله: وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ[110] وأنت من قومِه، و إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ[111] وأنت من قومه، وإِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا[112] وأنت من قومه، فهذه ثلاث بثلاث، ولو زدتنا لزدناك. فأفحمه»[113].

نعود إلی أصل البحث، وهو اتّخاذ القرآن مهجوراً؛ حتّى نعرف ما هو الهجر الذي يسبب الشكوى؛ لكي نجتنبه ولا نكون ممَّن يتّصف به.

16.الهَجْر لغة:

الهَجْر في اللغة: هو قول الخنا والإفحاش في المنطق[114]، أو قول غير الحقّ، مثل قول المريض[115] أو الهذيان[116].

وعليه نزّل بعض المُفسّرين تفسير الآية المباركة، حيث قال: «واختلف أهلُ التأويل في معنى اتّخاذهم القرآن مهجوراً، فقال بعضهم: كان اتّخاذهم ذلك هجراً قولهم فيه السيء من القول، وزعمهم أنّه سحر، وأنّه شِعْر»[117].

وفي تفسير الثعلبي قال: «...وقال الآخرون: هو من الهجران، أي: أعرضوا عنه وتركوه، فلم يؤمنوا به ولم يعملوا بما فيه»[118].

ومن هنا نعرف «أنَّ هذا الهجر لا يكون إلاّ بعد وصل، فالمشركون لم يأتوا إلی القرآن، ولم يدخلوا في ظلّه؛ ليهجروه بعد ذلك، بل هو في بعض أُمّة محمّد صلى الله عليه وآله»[119].

هذا ما وقفت عليه من كلمات أهل اللغة.

17.الهَجر اصطلاحاً

وأمّا الهَجر اصطلاحاً، فيمكن أن يتحقّقَ في الخارج بأحد الأنحاء التالية:

النحو الأول: عدم قراءته

قد يكون أوضح مصداق لهَجْر القرآن الكريم هو عدم التلاوة والقراءة له، وهذا صريح في روايات أهل البيت عليهم السلام، فقد روي عن الإمام أبي الحسن الرضا عليه السلام أنّه قال: «أُمر الناس بالقراءة في الصلاة؛ لئلا يكون القرآن مهجوراً وضيعاً، وليكون محفوظاً مدروساً»[120].

وهذا هَجرٌ للقرآن باللسان، فقد يكون قلب الإنسان متعلّقاً بالقرآن الكريم لكنّه لم يتعاهده ولم يقرأه؛ لانشغاله بأمور دنيوية أو معاشية واجبة أو مستحبة.

ولذا قسّم الراغب الأصفهاني الهَجر إلی هَجْرِ القلب، وهَجْرٍ بالقلب واللسان[121].

ومن هنا ورد الحثُّ الأكيد، والثواب الجزيل على تلاوة القرآن الكريم وتعاهده؛ لكي لا تحصل القطيعة بين العبد وبين دستوره الأساس القرآن الكريم.

ففي الكافي الشريف عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام أنَّه قال: «القرآن عهد الله إلی خلقه، فقد ينبغي للمرء المسلم أن ينظر في عهده، وأن يقرأ منه كُلَّ يوم خمسين آية»[122].

وفيه أيضاً عن أبي جعفر عليه السلام قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وآله: مَن قرأ عشر آيات في ليلةٍ لم يُكتب من الغافلين، ومَن قرأ خمسين آية كُتب من الذاكرين، ومَن قرأ مائة آية كُتب من القانتين، ومَن قرأ مائتي آية كُتب من الخاشعين، ومَن قرأ ثلاث مائة آية كُتب من الفائزين، ومَن قرأ خمسمائة آية كُتب من المجتهدين، ومَن قرأ ألف آية كُتب له قنطار من تبر؛ القنطار خمسة عشر ألف مثقال من ذهب، والمثقال أربعة وعشرون قيراطاً أصغرها مثل جبل أُحد، وأكبرها ما بين السماء إلی الأرض»[123].

النحو الثاني: عدم التدبّر فيه

ومن مصاديق هَجْر القرآن الكريم عدم التدبّر في معانيه، وعدم التأمّل في مضامينه، فقد لا يكون العبد متّصفاً بالنحو الأول من الهَجر ـ عدم التلاوة ـ بل كان يُكثر من القراءة له، لكنّها قراءة غير متدبّرة، بل قراءة عابرة لا تزيد على لقلقة اللسان.

وقد ذمّ الله عزّ وجلّ أقواماً لم يتدبّروا القرآن، حيث يقول تبارك وتعالى: أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا[124].

وعن النبيِّ صلى الله عليه وآله أنّه لما نزلت بعض الآيات، قال: «ويلٌ لمَن لاكها بين فكّية، ولم يتأمّل فيها»[125].

وعن الإمام أمير المؤمنين عليه السلام أنَّه قال: «ألا لا خيرَ في قراءةٍ لا تدبُّر فيها»[126].

بل ورد في الأدعية المرويّة عن أهل البيت عليهم السلام الدعاء برفع الغشاوة عن البصر والقلب؛ لأجل فهم الآيات المباركة، والتدبّر في معانيها، والتأمّل في مضامينها.

فعن الإمام الصَّادق عليه السلام أنَّه كان إذا قرأ القرآن يأخذ المصحف ويقول: «... اللَّهُمّ أنّي أشهد أنَّ هذا كتابك المنزل من عندك، على رسولك محمّد بن عبد الله... ولا تطبع عند قراءتي على قلبي، ولا على سمعي، ولا تجعل على بصري غشاوةً، ولا تجعل قراءتي قراءةً لا تدبُّر فيها، بل اجعلني أتدبّر آياته وأحكامه، آخذاً بشرائع دينك»[127].

وقال بعض الأكابر: «... وأمّا مَن وفّقه الله تعالى لتلاوته بتفكّر وتدبّر وتفهّم لمعانيه واستنباط لأحكامه، فلا مرية أنَّ تلاوته وإن قلّت أفضل من ختمات»[128].

ولا يخفى أنّ الثمرة من هذا الحثّ الأكيد، والطلب الشديد على التدبّر في التلاوة مرجعها إلی القاريء نفسه أولاً، فهو المستفيد الأول من هذه القراءة التي تدبَّر فيها، فكم من عاصٍ اهتدى بآيةٍ، وكم من قاطع طريق اهتدى بتدبّرٍ في استماعه لقارئٍ لآيةٍ من القرآن الكريم. حتّى روي أنّ رجلاً ـ وهو الفضيل بن عياض ـ كان يقطع الطريق، وأنَّه عشق جاريةً وارتقى جداراً لها، فسمع تالياً يتلو أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ[129] فتاب ورجع، فورد مكة وجاور بها الحرم ومات بها سنة 187هـ[130].

فلو لم يكن قد تأمّل في هذه الآية التي تطلب الرجوع إلی الله عزّ وجلّ، والخشوع أمام عظمته وجبروته؛ لما اهتدى ولما تاب، بل مضت الآية كغيرها من آلاف الآيات التي قُرأت وسُمعت في آناء الليل وأطراف النهار.

وقد ضرب أهل البيت عليهم السلام أروع أمثلة التدبّر في القرآن الكريم، فعن الإمام الرضا عليه السلام أنّه قال: «لو أردتُ أن أختُمَ في أقلّ من ثلاث لختمتُ، ولكن ما مررتُ بآيةٍ قطّ إلاّ فكّرت فيها، وفي أيِّ شيءٍ أُنزلت، وفي أي وقتٍ، فلذاك صرت أختمه في ثلاث»[131].

النحو الثالث: عدم التطبيق وترك العمل بالمضمون

النحو الثالث من أنحاء الهَجْر هو عدم العمل بالمضمون، فقد يكون العبد كثير التلاوة والتدبّر، لكن ما إن ينتهي من تلاوته وتدبّره تنتهي عنده حالة التفاعل مع المضمون الذي تدبّر فيه، فلا ينزله إلی الواقع الخارجي ولا يعمل بمضمونه.

فمثلاً نجد قارئاً للقرآن الكريم يقرأه على أحسن وجه، ويتدبّر جيداً في قوله تعالى: هَذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ[132]، ويتدبّر فيها جيداً، ويعلم أنّ القرآن لا يفوته شيء لا صغير ولا كبير، حيث يقول عزّ من قائل: وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا[133] لكنّه في التطبيق الخارجي تارةً يسخر من هذا، وأخرى يكذب على ذاك، فيُملي على حافظيه كتاباً مملوءاً بالذنوب والمعاصي.

 وهذا النحو من الأنحاء الثلاثة هو أكثر ما يقع به الناس، بل أكثر ما يتورّط به أهلُ الدراية والفهم، فللأسف الشديد تجد الكثير من هؤلاء ممَّن ينطبق عليه عبارة يعرف ويحرف فلعلَّكَ لا تجده يفارق القرآن الكريم وتلاوته، ولا يفارق التدبّر فيه وفي مضامينه العالية، لكنّه ما إن ينتهي حتّى تجده يرتكب عين ما قرأه، وعين ما تدبّر فيه، وهذه مصيبة عظمى، ورزية كبرى، سواء كانت المخالَفة على مستوى العقائد أم على مستوى الأحكام والآداب، فهو يقرأ قول تعالى: إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا [134]، وبصوتٍ حسنٍ، ويتأمّل فيها ويتدبّرها جيداً، لكن عندما يريد أن يصل إلی العمل بمضمونها تراه يتردّد؛ لأنها لا توافق معتقده ومزاجه المُرّ، ونفسه الخبيثة.

 وفي نفس السياق هناك آية أُخرى، وهي قوله تعالى: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِّنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا.

وقد ورد قريب من هذا المعنى في قوله تبارك وتعالى: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ[135].

والمعنى الإجمالي للآية الشريفة هو التسلية لقلب رسول الله صلى الله عليه وآله «أي: كما جعلنا هؤلاء المجرمين عدوّاً لك، كذلك جعلنا لكلّ نبيٍّ عدوّاً منهم، أي: هذه من سنتنا الجارية في الأنبياء وأُممهم، فلا يسؤنَّكَ ما تلقى من عداوتِهم، ولا يشقّنَّ عليكَ ذلك، ففيه تسلية للنبيِّ صلى الله عليه وآله...ومعنى جعل العدوّ من المجرمين:أنّ الله جازاهم على معاصيهم بالختم على قلوبهم، فعاندوا الحقّ وأبغضوا الداعي إليه، وهو النبيُّ، فلعداوتهم نسبه إليه تعالى بالمجازاة، وقوله: وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا معناه ـ على ما يعطيه السياق ـ لا يهولنَّكَ أمر عنادهم وعداوتِهم، ولا تخافنَّهم على اهتداء الناس، ونفوذ دينك فيهم وبينهم، فحسبك ربُّكَ كفى به هادياً، يهدي مَن استحق من الناس الهداية واستعدَّ له... فظهر أنَّ صدر الآية مسوق لتسلي النبيِّ صلى الله عليه وآله، وذيلة للاستغناء عن المجرمين من قومه»[136].

ولذا لم تنتهِ العداوة بشخص النبيِّ الأكرم صلى الله عليه وآله، بل تتبّعتْ كلّ مَن له صلة وثيقة به صلى الله عليه وآله من أهل بيته الأطهار عليهم السلام؛ بيت عليّ وفاطمة عليها السلام، فكان القوم أبناء القوم، بالأمس كان العدو للرسول الأكرم هو أبو جهل، وأبو لهب، وأبو سفيان، واليوم معاوية، ومروان، ويزيد، وأضرابهم.

ومن هنا نرى أنَّ معاوية لمّا قدِمَ المدينة صعد المنبر، فخطب ونال من عليّ عليه السلام، فقام الحسن، فحمد الله وأثنى عليه، ثمّ قال: «... إنّ الله لم يبعث نبيّاً إلاّ جعل له عدوّاً من المجرمين، قال الله وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِّنَ الْمُجْرِمِينَ فأنا ابنُ عليٍّ وأنت ابنُ صخرٍ، وأُمّك هند وأُمّي فاطمة، وجدتُك قتيلة وجدتي خديجة، فلعن الله ألأمَنا حَسَبَاً، وأخملنا ذكراً، وأعظمنا كفراً، وأشدَّنا نفاقاً».

فصاح أهلُ المسجد: آمين، آمين، فقطع معاوية خطبته ودخل منزله[137].

واستمرّت عداوة المجرمين، وشياطين الجنّ والإنس تأجّج نار العداوة والبغضاء، حتّى تجلّت بأبشع صورها، وأشدّ مظاهرها على جسد أبي عبد الله الحسين عليه السلام، يعني على جسد رسول الله صلى الله عليه وآله؛ لأنَّه جدّ الحسين وهو القائل: «حُسينٌ منّي وأنا من حُسين»[138]، فقتّلت ذرية رسول الله بأيدي أعداء الله وأعداء رسوله، والأدهى من ذلك أنّهم يقتلون أولاد الأنبياء، ويتكلّمون بكلام الصدّيقين، كما قالها ابن عفيف الأزدي أمامَ عبيد الله بن زياد في الكوفة[139]، بل يتكلّمون بكلام الله عزّ وجلّ، وهو ما أمر به تبارك وتعالى من تكبير وتهليل.

وكما يقول الشاعر:

ويُكبّرون بأن قُتلتَ وإنّما
 

 

قتلوا بكَ التكبيرَ والتهليلا[140]
 

 

بل قتلوا القرآن ونحروه وضيّعوه، ولذا تقرأ في زيارة الإمام الحسين عليه السلام المطلقة: «...فقُتلتَ مظلوماً، وأصبح رسولُ اللهِ صلى الله عليه وآله بكَ موتوراً، وأصبح كتابُ اللهِ من أجلِكَ مهجوراً»[141].

نعم، أصبح كتاب الله مهجوراً بكلّ أنحاء الهَجر الثلاثة؛ فلم يقرؤوا الحسين ولم يتدبّروه، ولم يعملوا بمضمونه ومداليله التي تخرجهم من الظلمات إلی النور، فو الله لحظهم أخطأوا، وعن ثواب الله زاغوا، وعن جوار محمّدٍ صلى الله عليه وآله تباعدوا[142].

وساعد الله قلب أُمّه فاطمة الزهراء عليها السلام، كأنّي بها تناديه:

مني حاضرة يحسين يبني
اِسعدني على ابني يالتحبني
 

 

يمَن ريت ذبّاحك ذبحني
صوابه تره بگلبي وشعبني
 

 

ونسّاني الضلع وسواد متني

أنا الوالدة والگلب لهفان
أويلي على ابني المات عطشان
 

 

وأدوِّر عزه ابني وين ما چان
ولعبت عليه الخيل ميدان
 

 

وأما الموالي فينادي:

ما هو لأجل الثواب ابجيت واجره
 

 

لا جن نار بصميم الگلب وجره
 

إمصاب حسين أبد ما صار وجره
 

 

فرض كلّ يوم ننصبله عزيّه
 

اليمّة تنصب بعاشور عـشره
 

 

على الداست ضلوعه خيول عـشره
 

ولا تنسه الشبجت على الراس عـشره
 

 

تنادي حسين خويه الحگ عليَّ
 

 

إنّا لله وإنّا إليه راجعون، ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله العليّ العظيم،

وسيعلم الذين ظلموا آل مُحَمّد أيَّ مُنقلبٍ ينقلبون

والعاقبة للمتّقين.

المحاضرة السادسة: التوسّل حقيقة قرآنية

 

دُمْ يا حُسينُ مدى الزّمانِ مُخلَّّدا
هذا طريقُك وهو سيفٌ قاطعٌ
يا سيّد الأحرار يا رمزَ الإبا
شيّدتَ دينَ محمّدٍ وأقمتَه
وبذلتَ ما ملكتْ يَدَاكَ لنصره
تاللهِ لا ننساكَ يا ابنَ المُصطفى
رضوا بجُردِهُمُ قِراكَ وأضرموا
قَتَلوكَ ضمآناً كأن لم يعلموا
وسبوا إليكَ كرائماً سبيَ الإما
ولمجلسِ الطاغي جُلبن حواسراً
 

 

نوراً وصوتَ هدايةٍ لن يُخمدا
فيه نُحطِّمُ مَن عليه تمرّدا
لولاكَ ما وجد الزمانُ موحّدا
لمّا سللتَ على الضلالِ مُهنّدا
حتّى استوى رَغمَ العدوّ مُشيّدا
فوقَ الصَّعيدِ مُبضّعاً ومُجرَّدا
ناراً بأخبيةِ المكارمِ والنَّدى
قتلوا بقتلِكَ في الطفوفِ مُحمّدا
للشام في ركبٍ به الحادي حدا
يَندُبنَ يا جدّاه ما بين العدا[143]
 

طبيت والديوان والناس
يهود ونصارى وكفر وأرجاس
 

 

متّجمعه من كلّ الأجناس
من شاهدوني مهبّطة الراس
 

صاحوا يا زينب وين عبّاس

 

***

قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَابْتَغُواْ إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُواْ فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ[144].

القرآن الكريم دستور متكامل، وكتاب هداية، يأخذ كلّ قارئ له بما يستوعبه عقلُه، ويُحيط به فهمُه، ففيه العبارة، ولديه الإشارة، وفي طياته اللطائف، وفي أعماقه الحقائق.

فقد يدرك البعضُ منه الأكثرَ، وقد يُدركُ القليلُ منه الكثيرَ، ولكن يحيط بفهمه مَن كان عِدلاً وترجماناً له، وهم مَن أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا[145]، فإنّه لا يمسّه إلاّ المطهرون[146]، ولا يصل إلی حقائقه وفهمه المذنبون والمغفّلون والظالمون، بل العلم والحفظ لا يؤتاه عاصي، كما في آداب المتعلّمين[147].

ومن هنا روي عن الإمام الصَّادق عليه السلام أنَّه قال: «كتاب الله عزّ وجلّ على أربعة أشياء: على العبارة، والإشارة، واللطائف، والحقائق، فالعبارة للعوام، والإشارة للخواص، واللطائف للأولياء، والحقائق للأنبياء»[148].

وقد اشتملت هذه الآية المباركة على أكثر هذه الأشياء الأربعة، التي أشار إليها الإمام أبو عبد الله الصَّادق عليه السلام.

والخطاب في هذه الآية موجّه للمؤمنين: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ...، وأمرَهم أن يتَّقوه ويجتنبوا معاصيه، ويبتغوا إليه الوسيلة ويجاهدوا في سبيله لأجل الفلاح، فالآية مشتملة على أوامر ثلاثة: التقوى، وابتغاء الوسيلة، والجهاد في سبيله وبما أنّ كلَّ واحدةٍ من هذه الثلاث تحتاج إلی بحثٍ مفصّل، سأقتصر في حديثي هنا على واحدة فقط، مع الإشارة إلی إرتباطها بالاثنتين، والواحدة هي الوسيلة والتوسّل وابتغاؤها الذي أمرنا به القرآن الكريم.

19.الوسيلة لُغةً

قال الجوهري: «الوسيلة ما يُتقرّب به إلی الغير، والجمع الوسيل والوسائل، والتوسّل واحد، يُقال: وسل فلان إلی ربّه وسيلةً، وتوسّل إليه بوسيلة، أي: تقرّب إليه بعمل»[149].

وفي لسان العرب: «الوسيلة: المنزلة عند الله، والوسيلة الدرجة، والوسيلة القربة، ووسل فلان إلی الله وسيلةً إذا عمل عملاً تقرّب به إليه، والواسل الراغب إلی الله»[150].

فالوسيلة تشبه الذريعة إلاّ أنّه يوجد بينهما فرق.

قال في الفروق اللغوية:

«الفرق بين الوسيلة والذريعة: أنّ الوسيلة عند أهل اللغة هي القربة، وأصلها من قولك: سألت أسأل، أي: طلبت، وهما يتساولان أي: يطلبان القربة التي ينبغي أن يُطلب مثلها، وتقول: توسّلت إليه بكذا، فتجعل كذا طريقاً إلی بغيتك عنده، والذريعة إلی الشيء هي الطريقة إليه، ولهذا يُقال: جعلت كذا ذريعة إلی كذا، فتجعل الذريعة هي الطريقة نفسها، وليست الوسيلة هي الطريقة، فالفرق بينهما بيّن»[151].

وكلام أهل اللغة لا يخرج عن هذا المعنى في بيان الوسيلة، وما ذكرته خلاصة ما يمكن أن يقال في الوسيلة لغةً.

20.الوسيلة اصطلاحاً

وأمّا الوسيلة عند المفسّرين في الآية المباركة ـ بعد اتفاقهم على أنّه شيء يُتوصل به إلی الله عزّ وجلّ ـ فقد وقع الخلاف في بيانها على أقوال:

القول الأول: أنّ المقصود من الوسيلة في الآية المباركة محل البحث، وفي الآية الأُخرى التي وردت فيها هذه المفردة، وهي قوله تعالى: أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ[152] هو القربة، ولعل هذا مشهور مفسِّري الجمهور، كالطبري[153] والسمرقندي[154] والسمعاني[155] وصاحب زاد المسير[156] في أحد قوليه، والحاكم في المستدرك[157].

والذي يؤاخذ على هؤلاء أنّهم لم يفسّروا الماء ـ بعد الجهد ـ إلاّ بالماء؛ فإنّهم لم يزيدوا على بيان الوسيلة شيئاً، فما هذه القربة التي يُتقرَّب بها إليه عزّ وجلّ، فهل هي الصلاة، أم الصوم، أم ماذا؟

وعلی سبيل المثال، فالطبري قال ما نصّه: «واطلبوا القربة إليه بالعمل بما يرضيه»[158]، ولعلّه يقصد كلّ ما يرضيه، وحينئذٍ يكون قوله كالقول الثاني الآتي.

القول الثاني: أنّ المقصود بالوسيلة الواردة في القرآن الكريم، هو: كلّ شيء يُتوسّل به إلی الله من قرابةٍ أو صنيعة أو غير ذلك، كما نصّ عليه النسفي في تفسيره[159].

والأمر حينئذٍ يكون واضحاً من دونِ حاجةٍ للإكثار من ذكر المصاديق، فعلى هذا القول كلّ ما يمكن التقرُّب بهِ إلی الله عزّ وجلّ، من صلاة، أو صيام، أو تقوى، أو ترك غِيبة، أو إحسان وما شاكل ذلك، فهو من الوسيلة التي أمر بها اللهُ عزّ وجلّ.

قال الراغب الأصفهاني: «وحقيقة الوسيلة إلی الله تعالى مراعاة سبيله بالعلم والعبادة، وتحرّي مكارم الشّريعة، وهي كالقربة، والواسل الراغب إلی الله تعالى»[160].

وقال ابن عربي في تفسيره: اتَّقُواْ اللّهَ بالتزكية، وَابْتَغُواْ إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ بالتحلية، وَجَاهِدُواْ فِي سَبِيلِهِ بمحو الصفات والفناء بالذات لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ من ظهور بقايا الصفات والذات[161].

القول الثالث: شخصُ النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله أو الإمام المعصوم عليه السلام، وقد دلّت على ذلك روايات من الفريقين.

منها: ما ذكره في الإنصاف، قال: «قال الإمام أحمد للمروزي: يتوسّل بالنبيِّ صلى الله عليه وآله في دعائه، وجزم به في المستوعب وغيره، وجعله الشيخ تقي الدين كمسألةِ اليمين به، قال: والتوسّل بالإيمان به، وطاعته ومحبّته، والصلاة والسلام، وبدعائه وشفاعته، ونحوه، ممّا هو من فعله أو أفعال العباد المأمور بها في حقّه، مشروع اجماعاً، وهو من الوسيلة المأمور بها في قوله تعالى: اتَّقُواْ اللّهَ وَابْتَغُواْ إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ[162].

ومنها: ما في العهود المحمديّة، عن عائشة، قالت: «فمفتاح قضاء الحاجة الهدية بين يديها، فإذا حمدنا الله تعالى رضي عنّا، وإذا صلّينا على النبيّ صلى الله عليه[وآله] وسلم شفع لنا عند الله في قضاء تلك الحاجة، وقد قال تعالى: اتَّقُواْ اللّهَ وَابْتَغُواْ إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ.

وتأمّل بيوت الحُكّام [ والكلام لصاحب العهود المحمدية ] تجدها لا بدّ لك فيها من الواسطة الذي له قرب عند الحكّام، وإدلال عليه؛ ليمشي لك في قضاء حاجتك، ولو أنّك طلبت الوصول إليه بلا واسطة لم تصل إلى ذلك.

وإيضاح ذلك: أنَّ مّن كان قريباً من الملك، فهو أعرف بالألفاظ التي يخاطب بها الملك، وأعرف بوقت قضاء الحوائج، ففي سؤالنا للوسائط سلوك للأدب معهم، وسرعة لقضاء حوائجنا، ومن أين لأمثالنا أن يعرف أدب خطاب الله عزّ وجلّ. إذا سألتم الله حاجة فاسألوه بمحمد صلى الله عليه [وآله] وسلم وقولوا: اللَّهُمَّ إنا نسألك بحقّ محمد أن تفعل لنا كذا وكذا، فإنَّ لله مَلَكاً يبلغ ذلك لرسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم ويقول له: إنَّ فلانا سأل الله تعالى بحقّك في حاجة كذا وكذا، فيسأل النبيَّ صلى الله عليه [وآله] وسلم ربه في قضاء تلك الحاجة فيجاب؛ لأنَّ دعاءَه صلى الله عليه [وآله] وسلم لا يُردّ. قال: وكذلك القول في سؤالكم الله تعالى بأوليائه، فإنَّ الملَك يبلغهم فيشفعون له في قضاء تلك الحاجة»[163].

ومنها: ما في مجمع البيان عنه صلى الله عليه وآله أنّه قال: «سلوا الله الوسيلة، فإنّها درجة في الجَنّة لا ينالها إلاّ عبد واحدٌ، وأرجو أن أكون أنا هو»[164].

ومنها: ما أخرجه البخاري من أنَّ عمر بن الخطاب كان إذا قحطوا استسقوا بالعباس بن عبد المطلب، فقال: «اللهم إنا كنّا نتوسّل إليك بنبينا صلى الله عليه [وآله] وسلّم فتسقينا، وإنّا نتوسّل إليك بعمِّ نبينا فاسقنا. قال: فيُسقون» وعلّق عليه ابن حجر في فتح الباري قائلاً: «ويستفاد من قصّة العبّاس استحباب الإستشفاع بأهل الخير والصلاح، وأهل بيت النبوّة»[165].

وروى الشّيخ الصّدوق رحمه الله عن الإمام الباقر عليه السلام رواية تنهى عن سؤال الحاجة من المخالفين، وقد علّل الإمام عليه السلام ذلك بقوله: «لا تسألوهم الحوائج؛ فتكونوا لهم الوسيلة إلی رسول الله يوم القيامة»[166].

وأمّا الروايات الواردة في خصوص طرقنا في معنى الوسيلة، وأنّها الإمام المعصوم عليه السلام، فهي كثيرةٌ، ووردت بألسن متعددة.

منها: ما عن رسول الله صلى الله عليه وآله: «نحن الوسيلة إلی الله»[167].

منها: ما ورد بلسان أمير المؤمنين عليه السلام «أنا وسيلته»[168].

ومنها ما ورد في بعض الأدعية والزيارات، كما في قوله عليه السلام: «وجعلْتَهُم الوسيلةَ إلی رضوانِكَ»[169]، أو «وجعلْتَهُم الذرائعَ إليكَ، والوسيلةَ إلی رضوانِكَ»[170] كما في دعاء الندبة.

وفي دعاء الإمام السّجاد عليه السلام في عرفة: «وجعلْتَهُم الوسيلةَ إليكَ، والمسلكَ إلی جنّتكَ»[171].

ولنِعمَ ما قال الشاعر:

آلُ النبيّ ذريعتي
أرجو بأن أُعطى غداً
 

 

وهُم إليهِ وسيلتي
بيدِ اليمين صحيفتي[172]
 

 

ورحم الله السيّد الحميري حيث يقول:

وإذا الرجال توسّلوا بوسيلةٍ
 

 

فوسيلتي حبّي لآل محمدٍ[173]
 

 

ويكفيك إذعاناً بذلك مراجعة سبب نزول قوله تعالى: وَآخَرُونَ اعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُواْ عَمَلاً صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ[174]، فالمروي عن المعصوم عليه السلام أنّها نزلت في أبي لُبابة بن عبد المنذر، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله لمّا حاصر بني قريظة، قالوا له: ابعث إلينا أبا لبابة نستشيره في أمرنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: «يا أبا لُبابة، أئتِ حلفاءَك ومواليك» فأتاهم، فقالوا له: يا أبا لُبابة، ما ترى ننزل على حكم محمّد؟ فقال: أنزلوا واعلموا أنَّ حكمه فيكم هو الذبح! وأشار إلی حلقه، ثمَّ ندم على ذلك، فقال: خنتُ الله ورسوله، ونزل من حصنهم، ولم يرجع إلی رسول الله صلى الله عليه وآله، ومرّ إلی المسجد، وشدَّ في عُنقِهِ حبلاً، ثمَّ شدّه إلی الإسطوانة التي تُسمّى إسطوانة التوبة، وقال: لا أحلّه حتّى أموت، أو يتوب الله عليّ، فبلغ رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: «أمّا لو أتانا لاستغرفنا الله له، فأمّا إذا قصد إلی الله ربه فالله أولى به». وكان أبو لبابة يصوم النهار ويأكل بالليل ما يمسك به رمقه، فكانت ابنته تأتيه بعشائه، وتحلّه عند قضاء الحاجة، فلمّا كان بعد ذلك ورسول الله صلى الله عليه وآله في بيت أُمّ سلمة، نزلت توبته، فقال: «يا أُمّ سلمة، قد تاب الله على أبي لبابة»، فقالت: يارسول الله، أفأوذنه بذلك؟ فقال: لتفعلِن، فأخرجت رأسها من الحجرة، فقالت: يا أبا لبابة، أبشر! قد تاب الله عليك، فقال: الحمد لله، فوثب المسلمون ليحلّوه، فقال: لا والله، حتّى يحلّني رسول الله، فجاء رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: «يا أبا لبابة، قد تاب الله عليك توبةً لو ولدت من أُمّك يومك هذا لكفاك»[175].

هذا ؛ لأنَّ أبا لبابة لم يقتل نبيّاً، ولاحجةً من حجج الله، وإلاّ لما قُبِلت توبته؛ لما روي في الكافي الشريف: «... فأمّا ما يجب فيه النار فرجلٌ يقصد لرجل مؤمن من أولياء الله فيقتله على دينه متعمّداً، فقد وجبت فيه النار حتماً وليس له إلى التوبة سبيلٌ، ومثل ذلك مثل مَن قتل نبياً من أنبياء الله عزَّ وجل، أو حجّة من حجج الله على دينه، أو ما يقرب من هذه المنازل فليس له توبة...»[176].

والذين تكاثروا على الإمام الحسين عليه السلام فقتلوه، لم يكتفوا بقتله فحسب، بل مثّلوا بجسده الطاهر، وسبوا عياله من بلدٍ إلى بلد، وكأنّي بالحوراء زينب عليها السلام تنادي أُمّها فاطمة عليها السلام:

يا فاطمة يمّ الميامين
 

 

يلگبرچ خفي ما يندره وين
 

أخبرچ بالجره والصار بحسين
 

 

ظل علثره من غير تكفين
 

وعبّاس البطل مگطوع الايدين
 

 

واتسلّبت كلّ النساوين
 

وأنــا ادخــلـت يــمّــه الـدواويــن

 

***

إنّا لله وإنّا إليه راجعون، ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله العليّ العظيم،

وسيعلم الذين ظلموا آل مُحَمّد أيَّ مُنقلبٍ ينقلبون

والعاقبة للمتّقين.

المحاضرة السابعة: الصبر

حكمُ المنيّةِ في البريةِ جاري
بينا يُرى الإنسانُ فيها مُخبـراً حتّى
طُبعتْ على كَدَرٍ وأنتَ تُريدُها
ومكلّفُ الأيامِ ضـدَّ طبـاعِها
وإذا رجوتَ المستحيلَ فإنّما
فالعيشُ نومٌ والمنيّةُ يقظةٌ
والنفس إنْ رضيتْ بذلك أو أبتْ
إيِّاك أن تغترَّ بالدهر الـذي
نُحرت نحورُهم بعرصة كربلا
أبكيهم تحت العَجاج وبينهم
لم أنسَهُ والسبطُ جاثٍ حولَه
يا كوكباً ما كان أقصرَ عُمـره
عجل الخسوفُ عليهِ قبلَ أوانه
فكأنَّ قلبي قبره وكأنّـه
جاورتُ أعدائي وجاور ربّه
 

 

ما هـذه الدُنيـا بـدارِ قـرارِ
يُرى خبراً مِنَ الأخبارِ
صفـواً من الأقذاءِ والأكـدارِ
متطلبٌ في الماءِ جذوةَ نارِ
تبني الرجاء على شفيرٍ هارِ
والمرءُ بينهما خيالٌ سـارِ
منقـادةٌ بأزمّةِ الأقـدارِ
أودى بآل المُصطفى الأبرارِ
عطشاً وماء النهر فيها جاري
ثاوٍ شبيهُ المصُطفى المُختـارِ
يدعو بدمعٍ هـاطـلٍ مـدرارِ
وكذا تكونُ كواكبُ الأسحارِ
فطواه قبـلَ مظنّةِ الإبدارِ
في طيّهِ سرٌ من الأسرارِ
شتان بينَ جوارهِ وجـوارِِ[177]
 

 

أبوذية

شـافه والنبـل نابـت عليّ راح
وگام وصاح يا زينب علي راح
 

 

گعد عنده وصفگ راح على راح
يختي أظلّمت الدنيـا عليَّ
 

 

***

قال تعالى: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ[178].

22.الصبر

هو حبس النفس عمّا تُحب وترك الجزع عندما تكره. وهو أيضاً تحمّلُ الإنسان لحالة حدثت له تستدعي فيه التحمّل والهدوء، ومعالجة الأُمور بتعقّل ولو طالت مدّة هذه الحالة.

مثل تحمّل المريض لمرضه، وصاحب المصيبة لمصيبته، وأيضاً تحمّل الإنسان لترك الذنوب، وتحمّل البقاء على شكر الله عند حصول النعمة، والاستمرار في طاعته وعدم معصيته.

والصبر من فروع الرضا بقضاء الله وقدره، وهو من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد، وضده الجزع الذي هو عدم الصبر على البلاء.

وقد قُسّم الصبرُ إلى أقسامٍ وأنواع منها:

1 ـ الصبر على الطاعة

بمعنى أن يتحمّل المداومة التي تحتاجها الطاعة، فترى البعض من الناس ليس عنده القدرة على تحمّل ركعتي صلاة الصبح، بل أكثر من ذلك، البعض لا يستطيع أن يتحمّل الزمان الذي يستغرقه الآذان أو تستغرقه الإقامة.

حُكي أنّ أحد الولاة ـ ولعلّه معاوية بن يزيد بن معاوية ـ سمع أحدَ الرعيّة يدعو عليه بالهلاك، ويقول: اللَّهُمَ خلّصنا منه. فخرج هذا الوالي، وقال لـه: عَلامَ أنت تدعو عليَّ وأنا لم يكن لي معكم إلاّ بعض الأيام، فما لكم قد مللتموني؟!

قال الرّجل: أيّها الوالي! إنني أبتدأ بالأذان وأشرع حتّى إذا بلغت وسطه مللتُ فقطعته[179].

فهذا نموذج من الناس تراهم ليس لهم القابلية على تحمّل أبسط الأُمور، وهذه الحالة تعتري الكثير من بني البشر.

فالصبر على المداومة على الطاعة ـ بالحقيقة ـ هو صبر على النعمة التي أنعم الله بها على الإنسان؛ بأن يصبر على الشكر لصاحب النعمة، وهو الله فيسير في طريق الإستقامة، فيصبر على الطاعة كما يصبر على أن لا يعصي خالقه، ويستمر في العبادة والصلاة لوقتها وصوم شهر رمضان وغير ذلك، وهو بتوفيق الله تعالى والمداومة يصبح يسيراً، وعن الإمام أمير المؤمنين عليه السلام: «إنِّا وجدنا الصّبرَ على طاعةِ اللهِ أيسرَ من الصّبرِ على عذابه»[180].

2 ـ الصبر على عدم معصية الله

بأن يصبر أن لا يغتاب، ولا يكذب، ولا يتكبّر، ولا يرتكب المحرّمات، وغيرها، فعن الإمام أمير المؤمنين عليه السلام أنّه قال: «اصبروا على عملٍ لا غنى لكم عن ثوابه، واصبروا على عملٍ لا طاقة لكم على عِقابه»[181].

وهذا النوع من الصبر من الأنواع التي تحتاج إلى المجاهدة والرياضة النفسية العالية، حتّى قيل: إنّ الصبر على عدم المعصية أفضل من كلّ مراتب الصبر[182].

3 ـ الصبر على البلاء والمصائب

وهذا هو محل الكلام، فكلّ إنسان يُعاني من هذه الأُمور، فإنْ أراد الراحة في الدنيا والثواب في الآخرة، فعليه أن يصبر ويسلّم أمره إلى الله، ويتوكّل عليه ويرضى بقضاء الله وقدره، ويحاول أن يعالج البلاء بتعقُّل وهدوءٍ.

فعن الإمام الباقر عليه السلام أنّه قال: «الجَنّةُ محفوفةُ بالمكاره والصبر، فمَن صبر على المكاره في دار الدنيا دخل الجَنّة، وجهنم محفوفة باللَّذات والشهوات، فمَن أعطى نفسَه لذّتَها وشهوتَها دخل النار»[183].

ولوتأمّلنا في الآيات التي افتتحنا بها المحاضرة، نلاحظ عدّة امتحانات وبأشكال مختلفة، فتارةً يكون الامتحان عن طريق الخوف، وأُخرى عن طريق الجُوع، وثالثة عن طريق النقص في الأموال والأنفس من خلال الموت وما شاكله، فالآية تعرّضت للاختبار الإلهي العام، ولمظاهره المختلفة، باعتباره سُنّة كونية لا تقبل التغيير، وكما كان الانتصار في هذه الاختبارات لا يتحقّق إلاّ في ظل الثبات والمقاومة، قالت الآية بعد ذلك: وبشّر الصابرين، فالصابرون هم الذين يستطيعون أن يخرجوا منتصرين من هذه الامتحانات لا غيرهم.

ثُمَّ الآية التي بعدها تُعرِّفُ الصابرين، وتقول: الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ، فالإقرار التامّ بالعبودية المطلقة لله يعلّمنا أن لا نحزن على ما فاتنا؛ لأنّه سبحانه مالكنا ومالك جميع ما لدينا من مواهب، إن شاء منحنا إيّاها، وإن استوجبت المصلحة أخْذَها سَلَبَها مِنّا، وفي المنحة والمحنة مصلحة لِنا.

والالتفات المستمر إلى حقيقة عودتنا إلى الله سبحانه وتعالى، يشعرنا بزوال هذه الحياة، وبأنَّ نقص المواهب المادية وتوفرها عَرض زائل، ووسيلة لارتقاء الإنسان إلى سُلّم تكامله، فاستشعار العبودية والعودة في عبارة إنا لله وإنا إليه راجعون له الأثر الكبير في تعميق روح المقاومة والاستقامة والصبر في النفس[184].

ومن الواضح أنَّ المقصود من قول هذه العبارة ليس ترديدها باللسان فقط، بل استشعار هذه الحقيقة، والالتفات إلى ما تنطوي عليه من توحيد وإيمان[185].

وقد يسأل سائل: لماذا هذا الاختبار الإلهي وبأشكاله المختلفة؟ من عادتنا نحن البشر أن نختبر الأفراد؛ لنفهم ما نجهله عنهم، فهل الله سبحانه وتعالى بحاجة إلى مثل هذا الاختبار لعِباده، وهو العالم بكلّ الخفايا والأسرار؟! وهل هناك شيء خَفِيَ عنه سبحانه وتعالى حتّى يظهر له من خلال ذلك؟!

والجواب: إنّ مفهوم الاختبار الإلهي يختلف عن الاختبار البشري؛ لأنَّ اختبارات البشر بعضهم للبعض الآخر غايتها ـ كما ذُكر آنفاً ـ لرفع الإبهام والجهل، وأمّا الاختبار الإلهي فالأمر فيه ليس كذلك، بل المقصود منه التربية.

فالاختبار الإلهي يشبه عمل مُزارعٍ خبيرٍ، ينثر البذور الصالحة في الأرض الصالحة؛ كي تستفيد هذه البذور من مواهب الطبيعة، وتبدأ بالنمو، ثُمَّ تصارع هذه البذور كلّ المشاكل والصعاب بالتدريج، وتقاوم الحوادث المختلفة كالرياح العاتية، والبرد الشديد، والحرّ اللاّفح؛ لتخرج بعد ذلك نبّتة مزهرة أو شجرة مثمرة، تستطيع أن تواصل حياتها أمام الصعاب.

وهذا هو سرّ الاختبارات الإلهية، فقد قال سبحانه وتعالى: وَلِيَبْتَلِيَ اللّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحَّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ[186]، فمع أنّه تبارك وتعالى عليم بذات الصدور، ولا تخفى عليه خافية في السموات ولا في الأرض، وما تسقط من ورقة ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلاّ وهو تعالى مطّلع عليه وحاضر لديه، إلاّ أنّه يبتلي عباده لا ليفهم ويطّلع، بل ليربي ويروّض.

ومن هنا يقول أمير المؤمنين عليه السلام في نهج البلاغة مبيِّناً سبب الاختبارات الإلهية «... وإن كان سبحانه أعلم بهم من أنفسهم، ولكن لتظهر الأفعال التي بها يُستحقُ الثواب والعقاب»[187]، أي أنّ الصفات الكامنة لا يمكن أن تكون وحدها معياراً للثواب والعقاب، فلا بدَّ أن تظهر من خلال أعمال الإنسان، والله يختبر عِباده؛ ليتجلّى ما يضمرونه في أعمالهم، ولكي تنتقل قابليّاتهم من القوّة إلى الفعل، وبذلك يستحقّون الثواب أو العقاب.

فإذا صبر الإنسان على ما ابتلاه به الله تبارك وتعالى من خوف، أو جوعٍ، أو نقصٍ في الثمرات، أو الأنفس، أو غير ذلك، أعطى الصبرُ نتائجَه؛ لأنّ لكلّ زرعٍ ثمراً، ولكلّ فعل ردَّ فعل.

وأوّل نتائج الصبر هذا هو ما ذكرته الآية الأخيرة من الآيات التي صدّرنا بها المحاضرة، وهي قوله تعالى: أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ، هذه الصلوات والرحمة تجعل هؤلاء على بصيرةٍ من أمرهم، في مسيرتهم الحياتية المحفوفة بالمزالق والأخطار؛ لذلك تقول الآية: وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ [188].

والنتيجة الثانية المترتبة على الصبر هي: الراحة في دار الدنيا، والثواب العظيم في الآخرة.

والنتيجة الثالثة هي: حبّ الله تبارك وتعالى للصابرين، حيث قال تعالى: وَاللّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ [189].

والنتيجة الرابعة هي: كون الله تبارك وتعالى معهم، إذ قال تعالى: وَاللّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ [190].

والنتيجة الخامسة هي: التحيّة والسلام من الله عزّ وجلّ، قال تعالى: سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ [191].

وهذا فيض من غيضٍ، وقطرة من بحر متلاطم، من النتائج المترتّبة على التمسُّك بالصبر، وإلاّ فالآياتُ عديدة، والروايات كثيرة وكثيرة جداً في الصبر وأجره وما أعدَّه الله للصابرين، ممّا قد يخرج عن حدّ الإحصاء.

 لقد روي أنّ نبيّ الله عيسى عليه السلام: «مرَّ برجلٍ أعمى وأبرص ومقعد، مضروب الجنبين بالفالج، قد تناثر لحمه من الجذام، وهو يقول: الحمد لله الذي عافاني ممّا ابتلى به كثيراً من خلقه. فقال لـه نبيّ الله عيسى عليه السلام: يا هذا، وأيّ شيء من البلاء تراه مصروفاً عنك؟ فقال: يا روح الله، أنا خير ممَّن لم يجعل الله في قلبه ما جعل في قلبي من معرفته، فقال: صدقت، هات يدك. فناوله يده، فإذا هو أحسن الناس وجهاً، وأفضلهم هيئةً، قد أذهب الله عنه ما كان به»[192].

هذا الرجل الذي سمعتم حكايته كان يحمد الله على معرفته به، ولكن مِنَ المقطوع به أنّه لم يُصب كما أصاب الدهر أبا عبد الله الحسين عليه السلام، صاحب المصيبة والرزية العظمى، حيث ورد عنه عليه السلام أنّه قال بعد أن تفاقم الخطب أمامه في كربلاء، واستُشهد أصحابه وأهل بيته: «هوّن عليّ ما نزل بي أنّه بعين الله»[193].

 ما أعظمكم يا آل مُحَمّدٍ! انظروا ما يقول: بأبي وأُمّي: إنَّ الذي خفّف عليَّ هذه المصائب، وهذه الرزايا والمحن كونها في منظر الله تبارك وتعالى، فهو يعلم بها، ويحتسبها عنده ليومٍ لا ريب فيه.

ولكن يقول كما يقول جدّه المصطفى صلى الله عليه وآله: «العين تدمع، والقلب يحزن... وإنّا بفراقِك يا إبراهيم لَمحزونون»[194]، وكذلك: وإنّا بفراقك يا عليّ الأكبر لمحزونون، وخاصّة أنّه أشبه الناس خَلقاً وخُلقاً ومنطقاً بالنبيِّ الأعظم صلى الله عليه وآله، فالحسين يوم عاشوارء ـ بالحقيقة ـ فقد النظر إلى رسول الله صلى الله عليه وآله، وهذا ما يعظّم الخطب.

ولذا قالوا: إنّ أبا عبد الله الحسين عليه السلام صار في حالة احتضار عند مصرع ولده عليّ الأكبر، زينب تعلم بأنّه إذا بقي الحسين عند مصرع ولده علي واضعاً خدَه على خدِه سوف تفارق روحه الدنيا، فأرادت زينب عليها السلام أن تحافظ على حياة أخيها الحسين، وأن تشغله عن مصيبة ولده؛ لذا خرجت من الخيمة تنادي وا علياه وا نورَ بصراه وا ثمرة فؤاداه، لمّا سمع الحسين صوت زينب قام إليها قائلاً: أُخيه زينب ارجعي إلى الخيمة، لا تُشمتي بنا الأعداء، فرجعت عليها السلام، ولكن لمّا جيء به إلى الخيمة أقبلت حتّى رمت بنفسها على جسده، وهي تنادي: وا علياه.

هوت فوگه تحـب خـدّه وتشمـه
عسه إبعيد البلـه تگلـه يعمّـه
 

 

وغدت تصبغ وجهها إبفيض دمه
عله التربان نايم ليش بالحَرّ
 

 

بعد ذلك جاءت إليه أُمُّه ليلى ـ بعدما أتوا به إلى المخيم ـ وقعت عليه، احتضنته، وهي تشمّه وتضمّه، وأحاطت به عمّاته وأخواته يبكينه ويندبنه، وكذلك حضر والده الحسين عليه السلام، وكأنّي به يخاطب ولده الأكبر عليه السلام:

يبـويه إشلـون ما تبچي الزچيـه
يبـويه جـدك اوجـدتك هيـه
يبـويه يا لفجعـني ابفـگـدك البين
اشحال أُمّك الظلـت بالصـواوين
 

 

اوگطع يبني الدهر وصلك عليَّ
أعتنوا يبني يعزوني على فگدك
يا روحي اوچبدتي اوشوفت العين
تهل اعيونها اوتربي اعله دربك
 

 

***

أمّا أُمّه ليلى فكأنّي بها تخاطبه:

گلبي ابيا سبب يبني وداعي
أنا ما أطلـب بحگي وداعي
 

 

تصد عنّي اولا تسمع وداعي
گلي اوداعة الله اوهاي هيه
 

 

***

يا كوكباً ما كان أقصرَ عمره
 

 

وكذا تكون كواكب الأسحارِ

 

 

***

إنّا لله وإنّا إليه راجعون، ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله العليّ العظيم،

وسيعلم الذين ظلموا آل مُحَمّد أيَّ مُنقلبٍ ينقلبون

والعاقبة للمتّقين.

 

المحاضرة الثامنة: العبادة

 

خـانَ الزمـانُ بنا فشتتّنا كما
لم أنسـَهُ بينَ العِـدى وجبينُه
أفديهِ من بطلٍ مهيبٍ إنْ سطا
شهمٌ دعته إلى البسالة هـاشمٌ
حتّى إذا مـا أثخـنـوه بالضُّـبا
جاءوا إلى ابن زياد فيه فمُذْ رأى
قال اصعدوا للقصرِ وارموا جسمَه
صعدوا به للقصرِ وهو مكبّـلٌ
قتـلوه ظـامٍ لم يبل فـؤادَه
دفعوه من أعلى الطّمار إلى الثرى

 

خانت بنو صخرٍ ببيعةِ مُسلمِ
كالبدرِ في ليلِ العَجاج المظلمِ
لفَّ الجمـوعَ مؤخّـراً بمقـدّمِ
والشبلُ للأسدِ المجرّب ينتمي
ضرباً وفي وسط الحفيرة قد رُمي
للقصْـر قـد وافاهُ غـير مُسلّمِ
ومـن الوريـدين اِخضبـوه بالدّمِ
تجري دماهُ من الجوارحِ والفمِ
أفديهِ من ظامِ الحشا متضرّمِ
فتـكسّرت منه حنايا الأعـظمِ[195]
 

 

 

يمسلم وين ذاك اليوم عبّاس
اويشوفك يوم صابك نذل الأرجاس
يمسلم وين ذاك اليوم عمّك
وحيـد ومحّـد من الناس يمّك
 

 

يجيك بشيمته ومفـرّع الراس
وهـويت من الگصـر فوك الوطيـه
يجيك إيعاينك غارج إبدمك
غريب إبهل البلد مالك تچيه
 

 

 أبوذية

عدوك چيف يا مسلم تجـاره
لمصـابـك دمـع عيـني تجـاره
 

 

ابحبل جسمك يشدونه تجاره
اوعليك الروح يا مسلم شجيه
 

 

***

قال تعالى: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [196].

إنّ الغاية من خلق السماوات والأرَضين وجميع المخلوقات، هي العبادة والخضوع للخالق العظيم بنيّةٍ خالصةٍ عن طريق معرفته عزّ وجلّ.

ومن أهمِّ الأسئلة التي تختلج في صدر كلّ إنسان: لِمَ خُلقنا؟! وما الهدفُ من خلق الناس، والمجيء إلى هذه الدنيا؟!

لا شكّ أنّ كلّ فردٍ عاقلٍ وحكيمٍ حين يقوم بعمل ما فإنّما يهدف من وراء عمله إلى هدف معيّن، فكيف بالله تعالى، وهو الحكيم العليم الذي لا ينبغي قياسه بأيّ شيءٍ، ما هو هدفه من خلق الإنسان؟!

فهل كان يشعر بنقصٍ ـ أعوذ بالله ـ فارتفع ذلك النقص بخلق الإنسان؟!

أوكان محتاجاً ـ نستجير به تعالى ـ إلى شيء فارتفع الاحتياج بخلقنا؟!

وعليه فلا بدّ لله تبارك وتعالى من هدف؛ لأنّه سيّد العقلاء ولا يخلق شيئاً عن عبث، فلا بدّ من هدف لله تبارك وتعالى وراء خلقه للإنسان.

وبحكم كونه تبارك وتعالى يمثل الكمال المطلق، وليس هناك من شيء يزيده أو ينقصه، لزم أن يكون الهدف عائداً للإنسان نفسه.

24.فما هو الهدف إذن؟

الهدف هو ما صرّحت به الآية المباركة، وهو العبودية، عبودية الإنسان الناقص للكامل المطلق، عبادة المحدود للاّمحدود.

إلاّ أنّنا لو تأمّلنا في بعض الآيات القرآنية الأُخرى، لرأينا أنّها تشير إلى أهداف أُخرى، ففي بعضها يصرّح القرآن الكريم بأنّ الهدف من الخلق هو الامتحان.

كما جاء في قوله تعالى: الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا [197].

 وفي آية أُخرى نجد أنَّ الهدف من خلق الإنسان هو حتّى يعلم بقدرة الله تبارك وتعالى وعلمه عزّ وجلّ.

كما في قوله تعالى: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا[198].

وآية ثالثة تشير إلى أنّ الهدف من الخلق هو الرحمة ـ رحمة الله ـ. قال تبارك وتعالى: وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ [199].

وأمّا الآية التي هي محل البحث فهي ـ كما ذكرنا ـ صريحة بأنَّ الهدف من خلق الله تبارك وتعالى للإنسان هو العبادة، بل إنّها تحصر علّة وسبب الخلق في العبادة، فما هو الوجه في الحصر، ونحن نجد الآيات الأُخرى تذكر أسباباً أُخرى هي السبب في الخلق، وخاصّة الآية الثالثة فهي صريحة جداً في تعيين سبب الخلق، حيث قال تعالى: وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ.

ولو تأمّلنا قليلاً في مفهوم هذه الآيات وما شابهها نرى أنّه لا تضاد ولا اختلاف بينها، ففي الحقيقة بعضها تشير إلى هدف مُقدّمي، وبعضها إلى هدف متوسط، وبعضها إلى هدف نهائي، وبعضها إلى النتيجة.

فالهدف الأصل هوالعبودية، وهو ما أُشير إليه في الآية التي هي محل البحث، أمّا العلم والامتحان وأمثالهما فهي أهداف ضمن مسير العبودية لله، ورحمة الله الواسعة نتيجة العبودية لله تبارك وتعالى.

وهكذا يظهر لنا بكلّ وضوح أنّنا خُلقنا لعبادة الله تبارك وتعالى، لكنَّ المهم أنّ نعرف ما هي حقيقة هذه العبادة؟!

فهل المراد منها أداء المراسم أو المناسك اليوميّة وأمثالها من صوم وصلاة إلى غير ذلك؟ أو هي حقيقة وراء هذه الأُمور وإن كانت المناسك كلّها واجدة للأهميّة؟!

وللإجابة على هذا السؤال ينبغي معرفة معنى كلمة العبد والعبودية وتحليلها، فالعبد لغةً: هو الإنسان المتعلّق بمولاه وصاحبه من قَرنه إلى قدمه، وإرادته تابعة لإرادته، وما يطلبه ويبتغيه تبع لطلب سيده وابتغائه، فلا يملك في قباله شيئاً، وليس لـه أن يُقصّر في طاعته[200].

 وهذا مفهوم عام يشمل حتّى العبيد مع مواليهم العرفييّن؛ ولذا يُذكر أنَّ عبداً شاهد مولاه مهموماً، فقال هذا العبد ـ وكان مؤدبّاً وعاقلاً ـ لمولاه: لماذا أنت مهموم؟

قال المولى: إنّي مديون والتفكير في الديون سلبني الراحة، فقال الغلام: حسناً، خذني إلى سوق الرقيق، وأعرضني للبيع وبثمني سدد ديونك.

قال: إنّ لديَّ قروضاً كثيرة وثمنك لا يكفي لعُشْر قروضي.

قال الغُلام: سعّرني بنفس المقدار الذي أنت مدين به.

قال المولى: إنّهم لا يشترونك بهذا السعر، قال الغلام: قل للزبائن إنّ هذا الغلام لديه صفة حسنة جداً وارتفاعُ سعره ناجم عن حيازته تلك الصفة، و هي أنّه يعرف جيّداً أسلوب العبودية.

جاء المولى بالغلام ـ ولم يفهم مقصود الغلام جيداً ـ إلى سوق الرقيق، وسعّره بسعرٍ يعادل عشرة أضعاف سعره الطبيعي، مثلاً إذا كان السعر المتعارف لهذا الغلام عشرة آلاف دينار كان يقول إنّي أبيع هذا الغلام بمئة ألف دينار. وكان كلّ مَن يسمع ذلك يضحك، إلى أن سأله إنسان عاقل عن سبب ارتفاع سعر الغلام.

قال المولى: إنّ ارتفاع سعر الغلام يرجع إلى أنّه يعرف طريقة العبودية جيداً.

قال الرجل: إذا كان كما تقول فقيمتُه أكثر من ذلك، إني اشتري هذا الغلام بشرط هذه الصفة، وإذا لم أجدها فيه يحقّ لي فسخ المعاملة.

وخلاصة الأمر: دفع هذا الرجل المبلغ وهو مئة ألف دينار، وأخذ الغلام للبيت، ومن أجل أن يعلم معرفة الغلام طريقة العبودية أمرَ بضربه بالسوط، والغلام لا يبكي ولا يتأوه، ولا يسأل عن سبب ضربه بالسوط!

أمر الرجل بترك الغلام، ثُمَّ قال له: ألم تكن تشعر بالألم؟ قال: نعم، قال: ألم تكن تعلم أنّك تضرب بدون سبب؟ قال الغلام: نعم، قال الرجل: إذن لماذا لم تحتجّ على ذلك؟

قال الغلام: أنا عبد وأنت مولى، ولا يليق أن يسأل العبد عن سبب تصرّفات مولاه، فالعبد يجب أن يكون مطيعاً لمولاه مئة بالمئة، إذا أنعمت عليّ فأنا مطيع لك، وإذا ضربتني بالسوط أنا مطيع لك[201]، وهذا هو معنى العبد والعبودية، فهي تعني منتهى الخضوع والتسليم للمعبود.

والمعبود الوحيد الذي له حقّ العبادة على الآخرين هو الذي بذل منتهى الإنعام والإكرام، وليس ذلك سوى الله سبحانه وتعالى.

ثمَّ إنّ العبادة على أقسام، فمنها: عبادة المحبّين والملتذّين والعارفين إلى غير ذلك من أنواع العبادة التي تختلف باختلاف درجات القُرب من المولى عزّ وجلّ، ومن هنا قسّم الإمام أمير المؤمنين عليه السلام العبادة إلى أقسام ثلاثة، قال عليه السلام: «إنّ قوماً عبدوا الله رغبةً فتلك عِبادة التجار، وإنّ قوماً عبدوا الله رهبةً فتلك عِبادة العبيد، وإنّ قوماً عبدوه شكراً فتلك عِبادة الأحرار»[202].

وللعبادة عدّة شروط مذكورة في محلها، أهمها:

1 ـ النية الخالصة لله: فليس الهدف من العِبادة إرضاء الناس أو الحصول على مكسب دنيوي، بل يعبد الله قربة إلى الله.

2 ـ حضور القلب: فبدون حضور القلب تعتبر العِبادة ناقصة، والطريق إلى إكمالها هو الإتيان بالنوافل، كما أشارت إليه بعض الروايات الشريفة[203].

3 ـ العِلم: فعن الإمام أمير المؤمنين عليه السلام، أنّه قال: «لا خير في عِبادة لا فقه فيها»[204].

4 ـ الصلاة على محمّد وآل محمّد: فقد ورد أنّ الدعاء محجوب حتّى يصلّي العبد على محمّد وآل محمّد[205].

ومن هنا قال الشافعي:

يا أهلَ بيتِ رسولِ اللهِ حُبُّكُمُ
كَفاكُمُ من عظيمِ القَدرِ أنَّكمُ
 

 

فَرضٌ من اللهِ في القرآنِ أنزلَهُ
مَنْ لم يُصَلِّ عَليكُمْ لا صلاةَ لَهُ[206]
 

 

5 ـ اليقين: فعن رسول الله صلى الله عليه وآله، أنّه قال: «لا عبادة إلاّ بيقين»[207].

فإذا جاء الإنسان بهذه الشروط توقّع من الله عزّ وجلّ حينئذٍ الثمار المترتّبة على العبادة، وأهم هذه الثمرات الفوز بالآخرة والحياة السعيدة المطمئنة الأبدية، وغيرها من الثمرات الدنيوية والأُخروية. وأعبَد عبادِ الله الأنبياء والأوصياء، ثُمَّ الأمثل فالأمثل.

وإذا أردنا أن نتعلّم العبادة وحقيقتها وكنهها، فلا بدّ أن نراجع سيرة أهل البيت عليهم السلام وأولادهم والذين نشأوا في بيوتهم وتربَّوا في كنفهم.

كانوا يقضون أيامهم بالعبادة، أمّا اللّيل فصافّون أقدامهم تالين لآيات القرآن، وأمّا النهار فصائمون حُلماء أبرار.

ومن هذه البيوت، ومن هؤلاء الذين تغذّوا من ثدي الإمامة وعاشوا في كنفها، مسلم بن عقيل بن أبي طالب عليه السلام، كان في بيت طوعة، وقُبَيل الفجر جاءت إليه بماءٍ ليتوضأ به قائلةً: يا مولاي ما رأيتك رقدت البارحة ـ حيث قضى تلك الليلة قائماً وقاعداً، راكعاً وساجداً ـ فقال لها: اعلمي أنّي رقدت رقدة فرأيت في منامي عمّي أمير المؤمنين عليه السلام وهو يقول: الوحى الوحى، العجل العجل، وما أظن إلاّ أنّه آخر أيامي من الدنيا.

 فتوضّأ وصلّى صلاة الفجر، وكان مشغولاً بدعائه إذ سمع وقع حوافر الخيول وأصوات الرجال، فعرف أنّه قد أُتي إليه، فعجّل في دعائه، ثُمَّ لبس لامةَ حربه، وقال: يا نفس، اخرجي إلى الموت الذي ليس له محيص.

فقالت المرأة: سيدي أراك تتأهب للموت! قال: نعم، لا بدّ لي من الموت وأنتِ قد أدّيتِ ما عليك من البرّ والإحسان، وأخذتِ نصيبكِ من شفاعة رسول الله صلى الله عليه وآله، فاقتحموا عليه الدار وهم ثلاثمائة، وقيل: سبعون فارساً وراجلاً، فخاف مسلم أن يحرقوا عليه الدار، فخرج وشدّ عليهم حتّى أخرجهم من الدار، ثُمَّ عادوا إليه، فحمل عليهم وهو يقاتلهم ويقول:

هو الموتُ فاصنعَ ويكَ ما أنتَ صانعُ
فصبراً لأمـر الله جـلَّ جـلالُه
 

 

فأنت بكأسِ الموتِ لا شكّ جـارعُ
فحكم قضاء الله في الخلق واقعُ
 

 

حتّى قتل منهم واحداً وأربعين رجلاً، وكان من قوّته أنّه يأخذ الرجل بيده فيرمي به فوق البيوت، وبعدما أكثر القتل فيهم، طلب قائد الجيش محمّد بن الأشعث النجدة من عبيد الله بن زياد قائلاً: أدركني بالخيل والرجال، فأنفذ إليه ابن زياد يقول: ثكلتك أُمّك وعدموك قومك. رجل واحد يقتل هذه المقتلة العظيمة! فكيف لو أرسلتك إلى مَن هو أشدّ بأساً؟ ـ يعني الحسين عليه السلام ـ فأرسل إليه ابن الأشعث يقول: تظنّ أنّك أرسلتني إلى بقّال من بقّالي الكوفة؟ أو إلى جرمقان[208] من جرامقة الحيرة؟ وإنّما وجهتني إلى بطل همام، وشجاع ضرغام، من آل خير الأنام. فأرسل إليه بالعساكر وقال: إعطه الأمان فإنّك لا تقدر عليه إلاّ به.

وقد أُثخن مسلم بالجراح لأنّهم أحتوشوه من كلّ جانبٍ ومكان؛ ففرقة ترميه من أعالي السطوح بالنار والحجارة، أُخرى بالسيوف، وثالثة بالرماح، ورابعة بالسهام، وكان قد اشتبك مسلم عليه السلام مع بكر بن حمران فضربه بكر على فمه الطاهر فقطع شفته العليا، فقال له ابن الأشعث: لك الأمان يا مُسلم لا تقتل نفسك، فقال: أيّ أمانٍ للغدرة الفجرة؟ وأقبل يقاتلهم وهو يقول:

أقسمـت لا أقتـل إلاّ حُـرّاً
كلُّ إمـرئٍ يوماً مُلاقٍ شرّاً
 

 

وإنْ رأيتُ الموتَ شيئاً نُكرا
أخـاف أن أُخـدَعَ أو اُغـرّا
 

 

وكان قد أُثخن بالجراح حتّى عجز عن القتال، فأسند ظهره إلى جنب جدار فضربوه بالسهام والأحجار، فقال: مالكم ترمونني بالأحجار كما تُرمى الكفار؟ وأنا من أهل بيت النبيّ المختار: ألا ترعونَ رسول الله في عترته؟

قال السيد ابن طاووس رحمه الله: «...وتكاثروا عليه بعد أن أُثخن بالجراح، فطعنه رجل من خلفه فخرّ إلى الأرض، فأُخذ أسيراً»[209].

وقيل: قد حفروا لـه حفيرة فوقع فيها أثناء القتال. هذا وكانت طوعة واقفة وهي تخاطب القوم بلسان الحال:

بحراني

ظلت تناديهم يهـل كوفـان أرحـموه
 

 

 

هذا ابن أخو الكرار حيدر لا تسحبوه
 

خلـوه يمشي براحتـه گلبـه شعبتـوه
 

 

 

خافوا من الله مالكم مذهب ولا دين
 

صاحـت يمسلم يا عظمهـا خجلتي بيـك
 

 

 

شبيدي وأنه حرمه وضعيفه مگدر أحميك
 

لو يتـركـونـك چـنت أفـت گـلـبي وداويـك
 

 

 

إنچان اسلمت من كيدهم سلِّم على احسين
 

گَلها يطوعه اليوم ما تحصل سـلامه
 

 

 

أوصيچ چان ابهل البلد طبو يتامه
 

گـولي تـره مسلم يبلغكـم سـلامه
 

 

 

واجرچ على الله والنبي سيد الكونين
 

     
 

أركبوه على بغلة، وأخذوه إلى ابن زياد، فجعل يبكي، فقال لـه عبيد بن العباس: إنَّ مَن يطلب مثلَ الذي تطلب إذا نزل به مثل ما نزل بك لم يبكِ.

قال: والله، ما لنفسي بكيت ولكن أبكي لأهلي المقبلين، أبكي للحسين وآل الحسين عليه السلام.

نعي مجاريد

وين الذي يوصل إبهالحين
مسلم وحيد أوماله إمعين
 

 

لرض المـدينـة ويخـبر إحسين
ودارت عليه الگوم صوبين
 

 

چتفوه أوظل يدير بالعـين

 نصاري

يمسلـم ريـت لن هاشـم زلمهـا
لاچن حيـف ما واحـد عـلمها
 

 

تجي أويخفج على راسك علمها
وحيد أنت وغريب أدير العيون[210]
 

 

***

إنْ كنتَ تحزنُ لاّدكار قتيلِ

 

 فاحزن لذكرى مُسلمِ بنِ عقيلِ

 

***

إنّا لله وإنّا إليه راجعون، ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله العليّ العظيم،

وسيعلم الذين ظلموا آل مُحَمّد أيَّ مُنقلبٍ ينقلبون

والعاقبة للمتّقين.

 

المحاضرة التاسعة: عبادة الحَرْف

 

أناعيَ قتلى الطّفِ لازلتَ ناعيا
أعدْ ذكرَهُم في كربلاءَ إنَّ ذكرَهم
ودعْ مقلتي تحمرُّ بعدَ ابيضاضها
ستنسى الكرى عَيني كأنَّ جُفونَها
وتُعطي الدموعَ المستهلاّتِ حقَّها
وأعضاءُ مجدٍ ما توزّعت الضُبا
لئن فرّقتها آلُ حربٍ فلم تكن
وممّا يُزيلُ القلبَ عن مستقرّه
وقوفُ بناتِ الوحي عند طليقِها
 

 

تُهيج على طُولِ الليالي البواكيا
طوى جزعاً طيَّ السجّل فؤاديا
بعَدِّ رزايا تتركُ الدمعَ داميا
حلفن بمَن تنعاهُ أن لا تلاقيا
محاجرُ تبكي بالغوادي غواديا
بتوزيعها إلاّ الندى والمعاليا
لتجمعَ حتّى الحشِر إلاّ المخازيا
ويتركُ زندَ الغيظِ للحشر واريا
بحالٍ بها يُشجين حتّى الأعاديا[211]
 

من طبّت وشافت الديوان
ما بيهم الينغر وعوّان
ويزيد على تخت المُلك سلطان
وكام يتنشّد على النسوان
من شافها عليها الحزن بان
 

 

مشحون من كلّ بلد وامچان
كلّهم لأهل هالبيت عدوان
متنومس وبالنصر فرحان
گصده ايعرف زينب الخَوّان
تشمّت وسبّ داحي البيبان
 

 

حنّت وسال الدمع وديان

***

قال تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ[212].

لقد بُعث النبيُّ الأكرم صلى الله عليه وآله إلی مجتمع تسوده عادات كثيرة نابعة من صميم الجاهلية، وتحكمه ثقافات متنوّعة، وأطياف متعدّدة، وألوان يتلوّن بها بحسب المصالح والمفاسد، وليس هذا الأمر على مستوى المجتمع بما هو مجموعة من الأفراد، بل الأمر أساساً كان منعكساً على الفرد بما هو فرد، حتّى على مستوى العقيدة، فضلاً عن المستوى العبادي.

وما هذه الآية الشريفة إلاّ بيان موجز عن هذه الحالات التي كانت متأصّلة في هذا المجتمع، فجاءت لِتُبيّنَ لنا هذه الحالة، وتحذّرنا في نفس الوقت من التورّط فيها والتعاطي معها.

وقد ذكر الواحدي أنّها نزلت في أعرابٍ كانوا يقدمون على رسول الله صلى الله عليه وآله المدينة مهاجرين من باديتهم، وكان أحدُهم إذا قدم المدينة فإن صحَّ وعاش معافى بها، ونتجت فرسُه مُهراً حسناً، وولدت امرأته غلاماً، وكثر ماله وماشيته، آمن به واطمأنّ، وقال: ما أُصبت منذ دخلت في ديني هذا إلاّ خيراً، وإن أصابه وجع المدينة، وولدت امرأته جارية، وأجهضت دوابه، وذهب ماله، وتأخّرت عنه الصّدقة، أتاه الشيطان، فقال: والله ما أُصبت منذ كنت على دينك هذا إلاّ شراً، فينقلب عن دينه، فأنزل الله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ [213].

فمن أجل هكذا أُناس من أهل المصالح العبادية، أمكن تقسيم المجتمع في كلِّ زمانٍ ومكان إلی مجموعاتٍ ثلاثة:

المجموعة الأُولى: المتّقون

وهم الذين تقبّلوا الإسلام في جميع أبعاده، وفي السّراء والضّراء.

المجموعة الثانية: الكافرون

ويقعون في النقطة المقابلة للمُتّقين، ويعترفون بكفرهم، ولا يأبون أن يظهروا عداءهم للإسلام في القول والعمل.

المجموعة الثالثة: المنافقون

ولهم وجهان، فهم مسلمون ظاهراً أمام المسلمين، وكفّار أمام أعداء الدين، وشخصيتهم الأصلية هي الكفر طبعاً وإن تظاهروا بالإسلام.

وهذه المجموعة الثالثة تضرّ بالإسلام أكثر من المجموعة الثانية؛ ولذا نرى أنَّ القرآن يقابلهم بشدةٍ أكثر من الكفّار[214].

وأكثر هذه المجموعة والمجموعة الثانية كانوا يعبدونَ الله على حرفٍ،كما وصفتهم الآية محل البحث، فهي وما بعدها تتحدّث عن هذه المجموعة، وهم ضعاف الإيمان، الذين لم يدخل الإيمان إلی قلوبهم، وكان على طرف اللسان فقط، وقلوبهم لم ترَ بصيصَ الإيمان إلاّ الشيء القليل، حيث كانت هذه المجموعة تعيش على هامش الإيمان والإسلام لا في عمقه، لأنَّ أحد معاني الحَرف ـ كما سيأتي ـ هو حافة الجبل أو حافة الأشياء الأُخرى، والذي يقف على الحافّة لا يمكنه أن يستقرّ. فهو قلق في موقفه هذا، يمكن أن يقع بهزّة خفيفة، وهكذا ضعاف الإيمان الذين يفقدون إيمانهم بأدنى سبب.

إنّهم يطمئنون إذا ضحكت لهم الدنيا وغمرتهم بخيراتها، ويعتبرون ذلك دليلاً على أحقيّة الإسلام، إلاّ أنهم يتغيّرون بسرعة، ويتّجهون إلى الكفر إن اُمتُحنوا بالمشاكل والقلق والفقر، فالدين لديهم وسيلة للحصول على ما يبتغون في هذه الدنيا، فإن تمّ ما يبغونه كان الدين حقّاً، وإلاّ فلا[215].

وهؤلاء وأمثالهم تجد الدين عندهم أشبه ما يكون بالمتاع الذي يُشترى ويُباع؛ لذا روي عن أبي سعيد الخدري أنّه قال: «أسلم رجلٌ من اليهود فذهبَ بصرُه ومالُه وولدُه وتشاءم بالإسلام، فأتى النبيَّ صلى الله عليه [وآله] وسلم فقال: أقلني، فقال: إنَّ الإسلام لا يُقال، فقال: إنّي لم أُصب في ديني هذا خيراً، أُذهب بصري ومالي وولدي، فقال: يا يهودي، إنَّ الإسلام يسبك الرجال كما تسبك النارُ خبث الحديد والفضة والذهب، قال: ونزلت وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ»[216].

26.ما هو الحرف؟

لأجل أن لا نقع في عبادة الحَرْف يلزمنا التعرُّف على ماهيّة الحَرف وحقيقته.

ففي الصّحاح: «على حَرْف، قالوا: على وجهٍ واحدٍ، وهو أن يعبده على السراء دون الضرّاء، والحَرف الناقة الضامرة الصلبة شبّهت بحَرْفِ الجبل... وكان الأصمعي يقول الحَرْف: الناقة المهزلة»[217]، وقريب منه ما قاله ابن فارس[218].

وفي لسان العرب: «على حَرْفٍ أي: على شكٍّ، فهو على حرف من دينه غير متوسّط فيه ولا متمكّن، فلمّا كان وسط الشيء أفضله وأعدله جاز أن يقع صفة، وذلك في مثل قوله تعالى وتقدّس: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا، أي عدلاً»[219].

وقال الراغب الأصفهاني: « وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ: مُفسر ذلك بقوله بعده فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ الآية، وفى معناه: ُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ، وانحرف عن كذا وتحرّف واحترف، والإحتراف طلب حرفة للمكسب، والحرفة حالته التي يلزمها في ذلك نحو القعدة والجلسة، والمحارف المحروم الذي خلا به الخير، وتحريف الشيء إمالته، كتحريف القلم، وتحريف الكلام أن تجعله على حرف من الإحتمال يمكن حمله على الوجهين، قال عزّ وجلّ: يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ ـ مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ ـ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ.

والحرف ما فيه حرارة ولذع كأنّه محرف عن الحلاوة والحرارة، وطعام حريف. «نزل القرآن على سبعة أحرف»[220].

«وقيل: الحَرف، الشرط، أي: ومن الناس مَن يعبد الله على شرطٍ، والشرط هو قوله: فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ أي: خير دنيوي من رخاء وعافية وخصب وكثرة مال... وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ أي شيء يفتتن به من مكروه يصيبُه في أهله أو ماله أو نفسه انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ أي: ارتدّ ورجع إلی الوجه الذي كان عليه من الكفر...»[221].

والخلاصة: المقصود من الحَرف في الآية أحد معانٍ ثلاثة:

الأوّل: الوجه الواحد، كأن يعبده تبارك وتعالى في حالة السَّراء دون الضراء.

الثاني: الشكّ، فهو يعبد الله تبارك وتعالى وهو على شكّ في دينه.

الثالث: الشرط، يعبد الله بشرط السرّاء دون الضرّاء مثلاً ويمكن أن يكون هناك وجه آخر في تفسير الحَرف، أو وجوه لم أتعرّض لها؛ لرجوعها إلی ما ذكرناه، مثل الضعف في العبادة، والذي أشار إليه بعض العلماء[222].

27.ما هو السبب في عبادة الحرف؟

لقد تعرّفنا على معنى الحَرْف والعبادة الحَرفية المضطربة، أو قل: عبادة المصالح والشكّ والشروط، والآن نريد أن نُعالج المشكلة، ولا ريب أنَّ علاج هكذا مشكلة يستدعي أوّلاً: بيان السبب فيها، فما هو السبب لهكذا عبادة حَرفية؟

السبب المهم في هكذا عبادة يعود إلی نفس السبب الذي جاء به للعبادة، فإن كان السبب قويّاً صار خروجه منها صعباً، والعكس بالعكس أيضاً.

قال المازندراني رحمه الله: «لأنّه كان داخلاً فيه بغير علم ولا يقين، فلذلك صار خروجه بغير علمٍ ولا يقين، وقد قال العالم عليه السلام: مَن دخل في الإيمان بعلم، ثبت فيه ونفعه إيمانُه، ومَن دخل فيه بغيرِ علمٍ خرج منه كما دخل فيه. وقال عليه السلام: مَن أخذ دينه من كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وآله زالت الجبال قبل أن يزول، ومَن أخذ دينه من أفواه الرجال ردّته الرجال. وقال عليه السلام: مَن لم يعرف أمرنا من القرآن لم يتنكّب الفتن»[223].

وقال الرازي: «على حَرْف أي: على طرفٍ من الدين لا في وسطه وقلبه، وهذا مَثلٌ؛ لكونهم على قلقٍ واضطرابٍ في دينهم لا على سكون [و]طمأنينة، كالذي يكون على طرفٍ من العسكر، فإن أحسَّ بغنيمة قرَّ واطمأنّ، وإلاّ فرَّ وطار على وجهه؛ لأنَّ الثبات في الدين إنّما يكون لو كان الغرض منه إصابة الحقّ وطاعة الله والخوف من عقابه، فأمّا إذا كان غرضه الخير المعجّل، فإنّه يُظهر الدين عند السرّاء، ويرجع عنه عند الضراء، فلا يكون إلاّ منافقاً مذموماً، وهو مثل قوله تعالى: مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ»[224].

إذن السبب في عبادة الحرف يعود إلی ضعف الإيمان بالله تعالى، وضعف السبب الذي أوصله إلی الله عزّ وجلّ، فإن كان السبب قوياً صار الخروج من ربقة هذا الإيمان صعباً جداً.

فمن هنا تبيّن السبب وبه يتبيّن العلاج، وهو أن يقوّي الإنسانُ عقيدتَه بالله تبارك وتعالى عن طريق أخذه للمعارف الإلهية من منشأها الأصلي وطريقها الصحيح الذي يربط هذا الخلق بالحقّ جلّ وعلا.

فبعض الناس يريدون الدين ـ وللأسف ـ كما يشتهون وكما يحلو لهم.

قال السيّدُ ابن طاووس رحمه الله: «فإنّ المستخير على غير ثقةٍ ويقين بالاستخارات، بل إن جاءت كما يريد عمل بها، وإن جاءت بخلاف ما يريد توقّف عنها، ونفر منها، وقدح في الروايات، ما يُؤمّنهُ أن يَدخُلَ تحت عموم تهديد ووعيد سُلطان العالمين في قوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ»[225].

والحاصل: إنّه لا يدخل في الدين متمكنّاً مستقرّاً[226].

وقال الشيخ الطوسي: «وكلّ ذلك من عدم البصيرة»[227].

فهؤلاء جعلوا عبادتهم كصفقةٍ في سوق تجارة، فإن أصابه خير في دنياه اطمأنّ، وقال: إنّ دينَنا فيه الخير، فها هو يجلب النفع، ويدرّ الضرع، وينمي الزرع، ويكفل الروّاج، وإن أصابته فتنة وابتلاء لم يتماسك له، انقلب على وجهه خاسراً الدنيا والآخرة[228].

ثمَّ قالت الآية: فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ.

28.ما المقصود من الخير والفتنة في الآية الشريفة؟

المقصود من الخير في الآية الشريفة هو ما تقدّمت الإشارة إليه في سبب نزول الآية المباركة.

فالمروي عن أبي جعفر عليه السلام فيه، قال: «فإن أصابه خير، يعني عافية في نفسه وولده اطمأنّ به، ورضي به، وإن أصابته فتنة، يعني بلاء في جسده أو ماله تطيّر وكره المقام على الإقرار بالنبيّ صلى الله عليه وآله فرجع إلی الوقوف والشكّ، فنصب العداوة لله ولرسوله، والجحود بالنبيِّ وما جاء به»[229].

فالخير هنا: الصحّة في الجسم والسعة في المعيشة كما فسّره العيني في العمدة، وبخلافه الفتنة، فهي البلاء في الجسم والضيق في العيش[230].

وقال البعض: الفتنة هي العذاب أو المصيبة[231].

وقد تسائل الفخر الرازي قائلاً: «كيف قال: وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ؟

وأجاب: مثل هذا كثير في اللغة؛ لأنّ النعمة بلاء وابتلاء لقوله فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ، ولكن إنّما يُطلق اسمُ البلاء على ما يشتمل على الطبع، والمنافق ليس عنده الخير إلاّ الخير الدنيوي، وليس عنده شرّ إلاّ الشرّ الدنيوي؛ لأنّه لا دين له، فلذلك وردت الآية على ما يعتقدون، وإن كان الخير كله فتنة، لكن أكثر ما يُستعمل فيما يشتدّ ويثقل»[232].

وقال ابن زمنين: «هو المنافق، إن رأى في الإسلام رخاءً وطُمأنينة طابت نفسه بما يُصيب من ذلك الرّخاء وقال: أنا منكم وأنا معكم، وإذا رأى في الإسلام شدّة، أو بليّةً لم يصبر على مصيبتها، وانقلب على وجهه كافراً وترك ما كان عليه»[233].

29.الخُسران المبين

ثمَّ إنّ هذا المتلوّن والمضطرب في عبادته إن أصابته الفتنة انقلب إلى وجهه الحقيقي وهو الكفر، وبهذا الإنقلاب عبّرت الآية بأنّه خسر الدنيا والآخرة، وهو الخسران المبين.

فانقلب على وجهه وارتدّ، ورجع إلی وجهه الذي كان عليه من الكفر، والْخُسْرَانُ الْمُبِينُ الضلال الظاهر[234].

أمّا خسرانه في الدنيا؛ لأنّه يخسر فيها العزّة والكرامة، وإصابته الغنيمة، وأهليّة الشهادة، والإمامة والقضاء، ولا يبقى ماله ودمه مصوناً.

وأمّا في الآخرة فيفوته الثواب الدائم، ويحصل له العقاب الدائم، وذلك ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ [235].

وبعبارةٍ مُختصرة: يخسر الجنّة وتحصل له النار[236].

وأمّا أنّه ظاهر واضح «فلأنّه لا خسران أعظم وأظهر منه؛ لأنّ الخسران إمّا بفوات المرغوبات الدنيوية، أو بفوات المثوبات الأُخروية، أو بفواتهما جمعياً، وهذا أظهر وأبين من الأولَينِ»[237].

«فخسر دنياه التي كان يحبّها، فخرج منها، ثمَّ أفضى إلی الآخرة وليس له فيها شيء»[238].

وقد روي في معنى قوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ، عن ابنُ مردويه: «بأسانيده عن سويد بن غفلة أنّه قال: كنتُ مع أبي موسى على شاطئ الفرات، فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: إنّ بني إسرائيل اختلفوا فلم يزل الاختلاف بينهم، حتّى بعثوا حَكَمين ضالّين، ضلَّ مَن اتّبعهما. فقلت: أعيذُك بالله أن تكون أحدهما، قال: فخلع قميصه، فقال: برّأني الله من ذلك، كما برّأني من قميصي. ولمّا جرى ليلة الهرير صاحوا يا معاوية! هلكت العرب، فقال معاوية: يا عمرو نفرُّ أو نستأمن؟ قال: نرفع المصاحف على الرماح ونقرأ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوْتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ، فإن قبلوا حُكمَ القرآن رفعنا الحرب ورافعنا بهم إلى أجلٍ، وإن أبى بعضهم إلاّ القتال فَلَلنا شوكتهم، وتقع بينهم الفرقة وآمر بالنداء...»[239].

الكثير من الناس إيمانهم هكذا، مجرّد لقلقة لسان، لا ثبات له في الجنان أبداً.

ومن العجيب أن يوصف بهذا الوصف سيّد شباب أهل الجَنّة أبو عبد الله الحسين عليه السلام من قِبَلِ أعداء الله، حيث كان يقول عليه السلام: «أوَ لم يبلغكم ما قال رسول الله لي ولأخي: هذان سيدا شباب أهل الجنّة؟! فإن صدّقتموني بما أقول وهو الحقّ، والله ما تعمّدت كذباً منذ علمت أنّ الله يمقت عليه أهله، وإن كذبتموني فإنّ فيكم مَن لو سألتموه عن ذلك أخبركم، سلو جابر بن عبد الله الأنصاري، وأبا سعيد الخدري و... و.. أما في هذا حاجزٌ لكم عن سفك دمي؟!!

فقال له شمر بن ذي الجوشن: هو يعبد الله على حرفٍ إن كان يدري.

فقال له حبيب بن مظاهر: والله، إنّي لأراك تعبد الله على سبعين حرفاً، وأنا أشهد أنّك صادق ما تدري ما يقول، قد طبع الله على قلبك»[240].

نعم، لقد طبع الله على قلوب هؤلاء بحيث أصبح عندهم قتال ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وأصحابه من أعظم القربات

قست القلوبُ فلم تمل لهدايةٍ             تبّت لهاتِيكَ القلوب القاسية

ومن ثَمَّ روّعوا الأطفال وعطّشوهم، بل أماتوهم خوفاً وعطشاً وجوُعاً؛ لذا لما جمعت السيّدة زينب عليها السلام الأطفال والعيال في مكان واحدٍ افتقدت يتيمتين، فذهبت تفتش عنهما، فوجدتهما في حفيرة وقد ماتتا من العطش، والحادثة المؤلمة، وهناك حَفَرَتا حفرةً رجاء أن يظهر لهما الماء ليرتويا منه، فماتتا من العطش بعد أن وضعت إحداهما يدها على رقبة الثانية، ولفظتا نفسيهما، وقفت الحوراء زينب عليها السلام على مصرع الطفلتين ـ ساعد الله قلبها ـ تأكّدت من وفاتهما نادت: أُخيّة، أم كلثوم، إليّ إليّ. فأقبلت مسرعة، فقالت: ما الذي جرى؟ قالت: كما ترين، وأشارت إلی الطفلتين، وبعد إخراجهما من الحفيرة حملت السيّدة زينب بين يديها طفلةً، وأم كلثوم الأُخرى. هذا والقوم مشرفون يرون بأمِّ أعينهم ما جرى، فأقبلوا إلی ابن سعد، وقالوا: إمّا أن تأذن لنا بسقي الأطفال وإلاّ سقيناهم دون إذنك، فخشى من العاقبة، قال: اسقوهم. فهبّ إلی الفرات منهم أربعون رجلاً، ملئوا القرب وأقبلوا بها والماء يتقاطر منهم، فلمّا شاهدَ الأطفال القرب وقد توجّه بها القوم إليهم هربوا، والقوم من خلفهم، فصاحوا: يا أطفال الحسين، والله ما جئنا لنضربكم ولا لنسلبكم، وإنّما جئنا لننقذ حياتكم، جئنا بالماء فقفوا واشربوا.

قالوا: نحن ما هربنا من الضرب، ولا من السلب، ولا نهرب حتّى من القتل بعد أن قُتل الحسين، ولكن هربنا من الماء!!

قالوا: لماذا؟! كان الماء مُحرّماً فحلّله لكم الآن الأمير، فضجّ الأطفال ببكائهم وكأنّي بهم:

اشلون الماي لينه تحللّونه
گظه وللعلگمي شابح إعيونه
 

 

وگبل ساعة على أبينا اتحرّمونه
وذنّي اثنين ماتن من هالبنات
 

 

أقبل القوم إلی زينب، قائلين لها: زينب، اشربي الماء لعلَّ الأطفال يشربون إذا شربتي [كأنّي بها]:

تلتفت إلی أخيها الحسين وهو على رمضاء كربلاء:

من مرّت الناگة على جسمك
انعاك وبنحرك اشمّك
يابن أُمّي بس ابهاي أعلمك
 

 

حبّيت اظل يحسين يمّك
لكن أخاف أحچي وهظمك
خذاني ابضرب السوط خصمك[241]
 

 

***

إنّا لله وإنّا إليه راجعون، ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله العليّ العظيم،

وسيعلم الذين ظلموا آل مُحَمّد أيَّ مُنقلبٍ ينقلبون

والعاقبة للمتّقين.

المحاضرة العاشرة:  عباد الرحمن

 

أبا صالحٍ يامُدركَ الثأرِ كم تُرى
وهل يَمْلُكُ الموتورُ صبراً وحولَه
أتنسى أبيَّ الظيمِ في الطفِّ مُفرداً
أتنساهُ فوقَ التُربِ منفطرَ الحشا
وربَّ رضيعٍ أرضعتهُ قسيُّهُمْ
فلهفي لهُ مُذْ طوَّقَ السَّهمُ جيدَهُ
ولهفي لهُ لمّا أحسَ بحرِّهِ
هفا لِعناقِ السبطِ مُبتَسمَ اللُّما
ولهفي على أُمِ الرضيعِ وقَدْ دجى
بني أفِقْ من سكرةِ الموتِ وارتضع
 

 

وغيضُكَ وارٍ غيرَ أنّكَ كاظمُه
يروحُ ويغدو آمنَ السربِ غارمُه
تَناهَبُهُ سُمرُ الرّدى وصوارمُه
تحومُ عليهِ للوداعِ فواطمُه
من النّبلِ ثدياً درُّهُ الثَّرُّ فاطمُه
كما زينتهُ قبلَ ذاكَ تمائمُه
وناغاهُ من طيرِ المنيةِ حائمُه
وداعاً وهلْ غيرُ العناقِ يلائمُه
عليها الدّجى والدوحُ ناحتْ حمائمُه
 بثديكَ علَّ القلبَ يهدأُ هائمُ[242]
 

 

تغريد الحزين

الرباب اتصيح يا زينب
وليدي وحَن عليه گلبي
تگلها بعد مايرضع
 

 

عبد الله أريدنه
وأريد الساعة أرضعنه
صاحت بس أشمنه
 

وأعالج سهم البنحره
 

إن چان أكدر على جرّه
 

أجره واجذب الحسره
 

ونت ويلي اوطاحت
 

 

اوهيّة امغيّره الحاله
 

تلوج اوتِوِّن يم زينب
واتگول اشلون عبد الله
عليّه شوفته بعدت
 

 

اونوب اعله الزمان اتلوم
عن صدري صبح مفطوم
ما شفته من امس لليوم
 

 

اشلون أگدر اعوفنه
 

وامشي او لا اودعنه
 

رجواي انگطع منه
 

 

بس كصدي أريد الساع
 

 

 

أشوفه وأنظر الحاله
 

 

                       
 

***

قال تعالى: وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا[243].

الميزان والضابطة عندنا نحن البشر في إضافة الصفات الحسنة أو سلبها عن الآخرين، هي الحبّ والبغض لهم، فنصف زيداً بأنَّه من نواة المجتمع، وأنَّه من الأخيار إذا أحببناه، ولم نبغضه، وإلاّ فهو من أرذل خلق الله، هذا هو الشائع المعروف، وهذا لا ينافي أن تكونَ هُناك حالات أُخرى عند البعض لها ضابطها الخاص أُسلوبها المُعيّن.

لو نظرنا إلى المجتمع البشري ولاسيّما الإسلامي، لوجدنا هُناك شخصيات خرجت من الدُنيا وقد سُلبت صفاتُها ووُضِعت لآخرين، وهناك صفات حسنة وُصِفَ بها اُناسٌ إذا رجعنا الى تأريخهم وجدناه أسودَ لا صلةَ له بالخير، لا من قريبٍ ولا من بعيد.

وهناك أُناس تسلّطوا على رقاب الآخرين، وأخذوا الأوصاف الحسنة والأسماء المثيرة ووضعوها لأنفسهم، كما تجد ذلك صريحاً في أسماء والقاب بني العبّاس، مثل: المتوكّل على الله، المعتصم بالله، المعتمد على الله، وغيرها الكثير.

ومن طريف القول أنَّ أحداً جاء لجُحا مستاءً أنّه ليس له من هذه الأسماء والألقاب، فأراد من جُحا أن يختار له اسماً مُناسباً من هذهِ الأسماء والألقاب، فقال له جُحا: لايناسبك إلاّ أعوذ بالله.

والواقع أنَّه كذلك، فالكُلُّ أعوذ باللهِ، لكن اتّخذوا لهم ألقاباً وأسماءً تُلفت النظر؛ بُغية التغطية على جرائمهم وأفعالهم.

وهذا القُرآن يذكر لنا عينَ ما نُريدُ قولَه، ففرعون الذي عرفَتْه البشرية يصف نبيَّ اللهِ موسى بأنَّه مُفسدٌ، وصاحبُ بدعةٍ يجب أن يُقتل، فقال تعالى: وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ [244].

وهذا هو ديدن الطغاة وأُسلوبهم في كلّ عصر، كيل التُهم للآخرين، والافتراء عليهم؛ حتى يقطعوا صلة الناس بهم ويسقطوهم في أعينِ مَن يعتبرونهم القدوة لهم.

والعجيب أنَّ طُغيانَ هؤلاء يصل أحياناً إلى مرتبةٍ لا يروا فيها سوى أنفسهم، وأنَّ قوام الكون بهم، ولولاهم لفسدت الحياة ومَن عليها، ويُنزلون أنفسَهم منزلةَ اللهِ تبارك وتعالى، بل يُصرّحون بذلك أحياناً، كما فعل ذلك فرعون وحكاه لنا القُرآنُ الكريم، حيث يقول: وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لِّي صَرْحًا لَّعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ[245].

كم هو عجيبٌ هذا الإنسان كيف يضع نفسه بدل جبّار السماوات والأرض؟!

والخلاصة: وصف الإنسان للآخر أو لنفسه، على غير القياس أو القاعدة الواقعية التي يصف بها الله تبارك وتعالى الأشياء.

31.وصف الله تبارك وتعالى:

إذا وصف اللهُ تبارك وتعالى أحداً فإنّه يصفه بوصفه اللائق به، سواء كان هذا الوصف ذمّاً أم مدحاً؛ لأنَّ من صفاته الثابتة له تبارك وتعالى الواقعيّة والصدق، كما في قصصه التي يقصّها على الأنبياء والمرسلينَ، وهذا نحو منها.

فهو تبارك وتعالى ليس عنده ما عندنا نحن البشر من المُداهنةِ أو التملّق، بل هو الحقّ تبارك وتعالى، ولعلَّ ما نقوله يثبت بمجرّد التأمّل في هذه الآيات المُباركات التي يبيّن فيها هذا المعنى في أحبِّ الخلق عليه النبيِّ الخاتم مُحمّدٍ صلى الله عليه وآله حيث يقول: وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ * فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ[246].

وكان سبب نزول هذه الآيات الشريفة هو تكذيب البعض لرسول الله عندما أخبرهم بأنَّ عليّاً خليفته من بعده، فاتّهموه أنّه كذب على الله، وأنّه وصف ابنَ عمّه بغير مايُريد اللهُ تبارك وتعالى.

فقد روى مُعاوية بن عمّار عن الإمام الصّادق عليه السلام في خبرٍ: «لمّا قال النبيُّ صلى الله عليه وآله: مَن كُنتُ مولاه فعليٌّ مولاه. قال العدوي: لا والله، ما أمره بهذا، وما هو إلاّ شيء يتقوّله، فأنزل الله تعالى: وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ إلى قوله: عَلَى الْكَافِرِينَ يعني مُحمّداً...»[247].

والخلاصة: أوصافُه تبارك وتعالى هي الحقّ، فعندما يصف فرعونَ بهذا الوصف: وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ[248]، يعني: هو كذلك واقعاً، ولم يكن هناك أيُّ شكٍ أو شُبهةٍ.

وكذلك عند ما يصف نبيَّه موسى عليه السلام حيث يقول: وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَّبِيًّا[249].

وعندما يصف النبي الخاتم مُحمّداً صلى الله عليه وآله يقول عنه: وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ [250]، فالأمر كذلك وصفاً وواقعاً.

ومن الأوصاف القُرآنية، التي جاءت لتبيّن لنا طائفةً خاصّة اتّصفوا بأوصاف تليق بهم، وهي واقعيّة وصادقة كذلك ـ كما ذكرناه آنفاً ـ هذه الآية الشّريفة التي تتحدّث عن عباد الرحمان، والذي يريد أن يكون من هؤلاء العباد عليه أن يتّصف بهذه الصفات التي ذكرتْها الآيةُ الشريفة، والتي هي بمثابة أوسمة على الصدور، وتيجان على الرؤوس.

32.الصفة الأُولى: عباد الرحمان

تُبيّن هذه الآيات ـ الآية محل البحث وما بعدها ـ اثنتي عشرة صفة من صفات المؤمنين الخاصّة، حيث يرتبط بعضها بالجوانب الإعتقادية، فمنها أخلاقي، ومنها ما هو اجتماعي، بعضٌ منها يتعلّق بالفرد، وبعضٌ آخر بالجماعة، وهي أولاً وآخراً مجموعة من أعلى القيم الإنسانية، يقول تعالى: وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا[251]، وأوّل هذه الصفات أنّهم عباد الله ويالها من مرتبةٍ عظيمة أن يكون الإنسان قد اتّصف بهذه الصفة: عبدُ الله! ونحن نذكرُ كُلَّ يوم: أنّ مُحمّداً صلى الله عليه وآله عبدُهُ ورسولُهُ، وقد أمرنا أن نُقدّم الشهادة بالعبودية على الشهادة بالرسالة، وهذا إن دلَّ فإنّه يدلُّ على عِظمِ هذهِ الصفة المُضافة له تبارك وتعالى.

وقد وصف اللهُ جلّت قُدرتُه أنبياءَه بهذه الصفة، حيث يقول: وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ * وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ[252].

وهذا هو المعنى الذي اختاره رسول الله صلى الله عليه وآله عندما خُيِّرَ بينه وبين غيره، ففي الكافي الشّريف عن مُحمّد بن مسلم قال: «سمعت أبا جعفر عليه السلام يذكر أنّه أتى رسول الله صلى الله عليه وآله ملك، فقال: إنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ يُخيّرُك أن تكون عبداً رسولاً متواضعاً، أو ملكاً رسولاً، قال: فنظر إلى جبرئيل وأومأ بيده أنْ تواضع، فقال: عبداً متواضعاً، رسولاً، فقال الرسولُ مع أنَّه لا ينقُصُكَ ممّا عند ربِّكَ شيئاً، قال: ومعه مفاتيحُ خزائنِ الأرض»[253].

وكذا كان وصف عيسى بن مريم عليه السلام عندما عرّف نفسَه للمُرجفين بأُمّه الصدّيقة، حيث يحكي لنا ذلك القرآنُ الكريم: َا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا * فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا * قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا * وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا[254].

وهو الوصف نفسه الذي فقأ أميرُ المؤمنينَ بهِ عينَ البلاغة، كما روى ذلك الشعبي، حيث قال: «تكلّمَ أميرُ المؤمنينَ عليه السلام بتسع كلمات ارتجلهن ارتجالاً، فقأْنَ عُيونَ البلاغة وأيتمْنَ جواهرَ الحكمة، وقطعْنَ جميعَ الأنامِ عن اللحاق بواحدةٍ منهنَّ، ثلاث منها في المُناجاة، وثلاث منها في الحكمة، وثلاث منها في الأدب، فأمّا اللاتي في المُناجاة، فقال: إلهي كفى لي عزّاً أن أكونَ لك عبداً وكفى بي فخراً أن تكونَ لي ربّاً أنت كما أُحب فاجعلني كما تُحبّ»[255].

وهي نفس الصفة التي أنكرتها جاريةُ بشر الحافي،كما روى العلاّمةُ الحلّي رحمه الله حيث قال: «وعلى يده الإمام الكاظم عليه السلام تاب بشر الحافي؛ لأنّه عليه السلام اجتاز على داره ببغداد، فسمع الملاهي وأصوات الغناء والقصب تخرج من تلك الدار، فخرجت جاريةٌ وبيدها قمامة البقل، فرمت بها في الدرب، فقال لها: يا جارية، صاحبُ هذه الدار حُرٌ أم عبدٌ؟ فقالت: بل حُرٌ. فقال: صدقتِ، لو كان عبداً خاف من مولاه! فلمّا دخلت قال مولاها ـ وهو على مائدة السكر ـ: ما أبطأك علينا؟ فقالت: حدّثني رجُلٌ بكذا وكذا، فخرج حافياً حتى لقيَ مولانا الكاظم عليه السلام، فتاب على يده»[256].

فالصفة الأُولى ـ إذن ـ العبودية لله وكفى بها من صفةٍ، وكفى العباد فخراً حيث يتّصفون بها.

33.الصفة الثانية: التواضع

وثاني هذه الصفات بعد صفة عباد الرحمن تأتـي صفة نفي الكبر والغرور والتعالي، الذي يبدو في جميع أعمال الإنسان حتى في طريقة المشي؛ لأنَّ الملكات الأخلاقية تظهر نفسها في حنايا أعمال وأقوال وحركات الإنسان، بحيث يصبح من المُمكن جداً تشخيص بعض أخلاقه بدقة من كيفية مشيته. نعم، إنّهم متواضعون، والتواضع مفتاح الإيمان، في حين يعتبر الغرور والكبر مفتاح الكفر، لقد رأينا بأُمّ أعيُنِنا في الحياة اليومية، وقرأنا مراراً في آيات القُرآن: أنَّ المتكبّرين المغرورين لم يكونوا مستعدّين حتى ليصغوا إلى كلام القادة الإلهيين، وكانوا يتلقّون الحقائق بالسخرية، ولم تتجاوز رؤيتهم أبعد من أطراف أنوفهم، ترى أيُمكنُ أن يجتمع الإيمان في هذه الحال مع الكبر؟![257].

وبالجملة فاعلم أنَّ التواضع مفتاح كلّ خير ٍ، والتكبّر مفتاح كلّ شرٍ؛ لأنّه يمنع صاحبه من تحصيل الفضائل، وتجنّب الرذائل، ولتفصيل الكلام في ذلك مقام آخر.

والتواضع أمرٌ إضافي، تتعدّد أقسامُه بحسب ما يُضاف إليه،كالتواضع لله تعالى ولأنبيائه ولأوليائه، والتواضع للمشايخ، والتواضع للوالدين، وللمعلّم، وللمتعلّم، وللمؤمنين، وللشرفاء، وللعلماء، والتواضع في المسكن، وفي المجلس، والمطعم والمشرب، والملبس، والمنكح، والمشي، والكلام، إلى غير ذلك من الأقسام، ولكلّ من هذه الأقسام فوائد عظام، يوجب ذكرها الإطناب في الكلام والخروج عمّا هو المقصود في هذا المقام[258].

والهون ـ كما في المفردات ـ «الهوان على وجهين: أحدهما تذلل الإنسان في نفسه لما لا يلحق به غضاضة فيمدح به، نحو قوله: وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا، ونحو ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله: المؤمن هيّن ليّن. الثاني: أن يكون من جهة متسلّط مستخفّ به فيذمّ به»[259].

وبعبارةٍ مُختصرةٍ: الذين يمشون على الأرض متواضعين لله عزَّ وجلَّ، ومتواضعين للناس غير مستكبرين، والتواضع لله يكمن في إطاعة أوامره والتذلل في عبادته، فيرفعه الله عزّ وجلّ، فعن النبيِّ الأكرم صلى الله عليه وآله أنَّه قال: «مَن تواضع لله رفعه الله»[260].

وعن النبيِّ صلى الله عليه وآله: «ثلاثة لا يزيد الله بهن إلاّ خيراً: التواضع لا يزيد الله به إلاّ ارتفاعاً، وذلّ النفس لا يزيد الله به إلاّ عزاً، والتعفّف لا يزيد الله به إلاّ غناً»[261].

وهذه الصفة هي التي رفع الله بها بعضَ عباده المتّصفين بها، وأذلَّ آخرين بتركها والتلبّس بلباس التكبّر الذي نهى الله عن ارتدائه، ففي الحديث القُدسي إنَّ الله يقول: «الكبرياءُ ردائي فمَن نازعني ردائي قصمتُه»[262].

وهذا الذي حصل لإبليس لعنه الله، حيث طرده الله من الجنّة بالتكبّر والتمرّد على أوامر الله تبارك وتعالى، قال تعالى مبيّناً قصته: إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِن طِينٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ * فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنْ الْكَافِرِينَ * قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ * قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ * قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ * وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ * قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ * إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ * قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ * قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ * لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ [263].

ويقول الإمامُ أميرُ المؤمنينَ عليه السلام بعد هذا المضمون القُرآني: «اعترضَتْه الحميّة، فافتخر على آدم بخلقه، وتعصّب عليه لأصله، فعدو الله إمام المتعصّبين، وسلف المستكبرين، الذي وضع أساس العصبية، ونازع الله رداءَ الجبرية. وأدرع لباس التعزّز، وخلع قناع التذلل، ألا ترون كيف صغّره الله بتكبّره، ووضعه بترفّعه، فجعله في الدنيا مدحوراً، وأعدَّ له في الآخرة سعيراً، ولو أراد الله أن يخلق آدم من نور يخطف الأبصار ضياؤُه، ويبهر العقول رواؤ[264]، وطيب يأخذ الأنفاس عرفه لفعل، ولو فعل، لظلت له الأعناق خاضعة، ولخفت البلوى فيه على الملائكة، ولكنَّ الله سبحانه يبتلي خلقه ببعض ما يجهلون أصله تمييزاً بالاختبار لهم ونفياً للاستكبار عنهم، وإبعاداً للخيلاء منهم، فاعتبروا بما كان من فعل الله بإبليس إذا أحبط عمله الطويل وجهده الجهيد، وكان قد عبد الله ستّة آلاف سنة لا يُدرى أمِنْ سني الدنيا أم سني الآخرة عن كبر ساعة واحدة، فمَن ذا بعد إبليس يسلم على الله بمثل معصية؟ كلا، ما كان الله سبحانه ليُدخل الجنّة بشراً بأمر أخرج به منها ملكاً، إنَّ حكمه في أهل السماء وأهل الأرض لواحد، وما بين الله وبين أحد من خلقه هوادة في إباحة حمى حرّمه على العالمين، فاحذروا عباد الله أن يعديكم بدائه، وأن يستفزَّكم بندائه، وأن يجلب عليكم بخيله ورجله...»[265].

وعن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال: «أوحى اللهُ عزَّ وجلَّ إلى موسى عليه السلام: أن يا موسى أتدري لِمَ اصطفيتُك بكلامي دونَ خَلقي؟ قال: يا ربِّ ولِمَ ذاك؟ قال: فأوحى الله تبارك وتعالى إليه: أن يا موسى إني قلّبتُ عبادي ظهراً لبطنٍ فلم أجد فيهم أحداً أذل لي نفساً منك، يا موسى إنّك إذا صلّيت وضعت خدَّك على التُراب. أو قال: على الأرض»[266].

هذا كلّه في التواضع لله عزّ وجلّ، وأمّا التواضع للناس وعباد الله فيكفيك ما قصّه لنا القرآن الكريم في موعظة لقمان لابنه، حيث يقول: وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ و تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ[267].

وفي صفة المؤمنين يقول تبارك وتعالى: َا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ[268].

كما أنَّ الله تبارك وتعالى يأمر خاتم الأنبياء والمرسلين صلى الله عليه وآله بقوله تعالى: وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ[269]، وهكذا كان رسول الله صلى الله عليه وآله أكثر الناس تواضعاً، كما جاء في وصفه صلى الله عليه وآله: «ويردف خلفه عبده أو غيره، ويركب ما أمكنه من فرس أو بغلة أو حمار، ويركب الحمار بلا سرج وعليه العذار، ويمشي راجلاً وحافياً بلا رداء ولا عمامة ولا قلنسوة، ويشيّع الجنائز ويعود المرضى في أقصى المدينة، يجالس الفقراء ويواكل المساكين ويناولهم بيده، ويكرم أهلَ الفضل في أخلاقهم، ويتألّف أهل الشرف بالبرّ لهم، يصل ذوي رحمه من غير أن يؤثرهم على غيرهم إلاّ بما أمر الله، ولا يجفو على أحد، يقبل معذرة المعتذر إليه»[270].

34.علامات المتواضعين:

للمتواضعين علامات يُعرَفون بها قد ذكرها لنا الأئمة عليهم السلام، فعن الإمام أمير المؤمنين عليه السلام أنَّه قال: «ثلاث هُنَّ رأس التواضع، أن يبدأ بالسلام مَن لقيه، ويرضى بالدون من شرف المجلس، ويكره الرياء والسمعة»[271].

وعن الإمام الصَّادق عليه السلام أنَّه قال: «إنَّ من التواضع أن يرضى الرجل بالمجلس دون المجالس، وأن يُسلّم على مَن يلقى، وأن يترك المراء وإن كان محقّاً، ولا يُحبّ أن يُحمدَ على التقوى»[272].

الصفة الثالثة: اللامبالاة المقترنة بالعزّة، وليست الناشئة من الضعف، هذه هي الصفة الثالثة التي أشارت اليها الآية المباركة في قوله تعالى: وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا.

فالسلام دليل عدم المقابلة بالمثل حيالَ الجهلة، وليس السلام هنا بمعنى التحية التي هي علامة المحبّة والرابطة للصداقة والإخلاص، يقول الله تبارك وتعالى: وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ[273].

 هذا هو رد نبيِّ الله إبراهيم الخليل عليه السلامكما أشار إليه قوله تعالى: قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا[274].

وذهب العلاّمة الطباطبائي رحمه الله في بيان ذلك إلى القول: «أي إذا خاطبهم الجاهلون خطاباً ناشئاً عن جهلهم ممّا يكرهون أن يخاطبوا به أو يثقل عليهم، كما يستفاد من تعلُّق الفعل بالوصف، أجابوهم بما هو سالم من القول، وقالوا لهم قولاً سلاماً خالياً عن اللغو والإثم، قال تعالى: لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا * إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا الواقعة: 26، ويرجع إلى عدم مقابلتهم الجهل بالجهل. وهذه ـ كما قيل ـ صفة نهارهم إذا انتشروا في الناس، وأمّا صفة ليلهم فهي التي تصفها الآية التالية قوله تعالى: وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا»[275].

ومن طريف الرؤيا ما ذكره في المناقب حيث قال: «كان إبراهيم بن المهدي شديد الانحراف عن أمير المؤمنين عليه السلام، فحدّثَ المأمونَ يوماً، قال: رأيتُ عليّاً في النوم فمشيت معه حتى جئنا قنطرةً، فذهب يتقدّمني لعبورها، فأمسكته وقلتُ له: إنّما أنتَ رَجُلٌ تدّعي هذا الأمر بأمرةٍ، ونحن أحقّ به منك، فما رأيتُه بليغاً في الجواب، قال: وأيُّ شئٍ قال: لك؟ قال: ما زادني على أن قال: سلاماً سلاماً. فقال المأمون: قد والله، أجابك أبلغ جواب، قال: كيف؟ قال: عرفك أنَّك جاهلٌ لا تُجاب، قال الله عز وجل: وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا »[276].

وللسلام مظاهرٌ وتجلياتٌ يظهر بها، مثل الصبر والحلم وسعة الصدر، خصوصاً إذا كان الإنسان مُتصدّياً وقائداً، فعن الإمام أمير المؤمنين عليه السلام أنَّه قال: «آلةُ الرئاسةِ سعةُ الصدر»[277]، وكم هو صعب أن يعفو الإنسان عمّن ظلمه، ويُقابلُه بالإحسان بعد مقابلته له بالإساءة، قال تعالى: وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ * وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ »[278].

وهذا الخُلُق هو الذي قابل به رسول الله صلى الله عليه وآله أهلَ مكّة عند الفتح، كما رواها لنا التاريخ ورواه أهل الحديث، قال العلاّمة المجلسي رحمه الله: «وسعى أبو سفيان إلى رسول صلى الله عليه وآله، وأخذ غرزه فقبله، وقال: بأبي أنت وأُمّي، أما تسمع ما يقول سعد؟ إنه يقول:

اليوم يوم الملحمة
 

 

اليوم تُسبى الحُرمة
 

 

فقال صلى الله عليه وآله لعليٍّ عليه السلام: أدركه فخذ الراية منه، وكن أنت الذي يدخل بها، وأدخلها إدخالاً رفيقاً. فأخذها عليٌّ عليه السلام وأدخلها كما أمر، ولمّا دخل رسول الله صلى الله عليه وآله مكّةَ، دَخلَ صناديدُ قُريشٍ الكعبةَ وهم يظنّون أنَّ السَّيفَ لا يُرفع عنهم، فأتى رسولُ الله صلى الله عليه وآله ووقف قائماً على بابِ الكعبةِ، فقال: لا إله إلاّ الله وحده، أنجزَ وعدَه، ونصرَ عبدَه، وهزمَ الأحزابَ وحدَه، ألا إنَّ كلَّ مالٍ ومأثرةٍ ودمٍ يُدعى تحتَ قدميَّ هاتين إلاّ سدانة الكعبة، وسقاية الحاجّ، فإنّهما مردودتان إلى أهليهما، ألا إنَّ مكَّةَ مُحرّمةٌ بتحريم الله، لم تحلّ لأحدٍ كان قبلي، ولم تحلّ لي إلاّ ساعة من نهار، وهي مُحرّمةٌ إلى أن تقوم الساعة، لا يختلى خلاها، ولا يقطع شجرها، ولا ينفر صيدها، ولا تحلُّ لقطتها إلاّ لمنشد. ثمّ قال: ألا لبئس جيران النبيِّ كُنتم، لقد كذّبتم وطردتم وأخرجتم وآذيتم، ثمّ ما رضيتم حتى جئتموني في بلادي تقاتلوني، اذهبوا فأنتم الطلقاء»[279].

فكأنَّ هذه العبارة صارت علماً لهؤلاءِ من ذلك اليوم، ويُقال لأبي سفيان ومعاوية وغيرهم من قريش: الطُلقاء، يعني طلقاء رسول الله صلى الله عليه وآله، وإلى هذا أشارت الحوراء زينب عليها السلام في خطبتها في مجلس يزيد بقولها عليها السلام: أمِنَ العدل يا بن الطلقاء ـ يعني يا يزيد ـ أتعرف مَن أنت ومَن أبوك وجدك؟ أوَ تدري ما صنع جدّي مع جدّك وأبيك في يوم فتح مكة حين مكّنه الله ُمن رقابهم وسلّطه عليهم وأخذهم أُسراء؟ فكلّ ما أراد أن يفعل بهم كان له أن يفعل، ومع ذلك عفى عنهم وأطلقهم، وقال اذهبوا فأنتم الطلقاء، يا يزيد، فهذا جزاؤه! بأن قتلتَ حُسيناً وقتلتَ أصحابَه وأهلَ بيتِه وسبيتَ نساءَه وعيالَه وأطفالَه من بلدٍ إلى بلدٍ![280] وهونفس الإستغراب والتعجّب الذي نقله لنا ابنُ خلِكان في وفيات الأعيان، حيث يقول: «وقال الشَّيخ نصر الله بن مجلي مشارف الصناعة بالمخزن وكان من ثقات أهل السنّة: رأيتُ في المنام عليَّ بن أبي طالب رضي الله عنه، فقلتُ له: يا أميرَ المؤمنين تفتحون مكّة فتقولون من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ثمّ يتمُّ على ولدِك الحُسين يوم الطَّف ما تمَّ! فقال: أما سمعتَ أبياتَ ابنِ الصيفي في هذا؟ فقلت: لا. فقال: اسمعها منه. ثمّ استيقظتُ فبادرتُ إلى دار حيص بيص، فخرج إليَّ فذكرتُ له الرؤيا فَشهِقَ وأجهش بالبُكاء وحلف بالله إنْ كانت خرجتْ من فمي أو خطي إلى أحدٍ، وإنْ كُنتُ نظمتُها إلاّ في ليلتي هذه، ثمّ أنشدني:

ملكنا فكان العفوُّ منا سجيةً
وحللتُمُ قَتَلَ الأُسارى وطالما
فحسبكُمُ هذا التفاوتُ بيننا
 

 

فلمّا ملكتُم سالَ بالدمِ أبطحُ
غدونا على الأسرى نعفُ ونصفحُ
وكلُّ إناءٍ بالذي فيهِ ينضحُ»[281]
 

 

نعم، ماترك الطُلقاء شيئاً إلاّ وفعلوه، حتى الطفل الرضيع، جاءت الحوراء زينب عليها السلام لأخيها الحُسينِ عليه السلام وهي تحمل بيدها ولدَه الرضيعَ، فقالت له: «يا أخي، إنَّ ولدَك عبدَ الله ما ذاق الماء منذ ثلاثة أيام، فاطلب له من القوم شربة تسقيه. فأخذه ومضى به إلى القوم، وقال: يا قوم، لقد قتلتم أصحابي وبني عمّي وإخوتي وولدي، وقد بقي هذا الطفل، وهو ابنُ ستةِ أشهُر، يشتكي من الظمأ، فاسقوه شربةً من الماء.

 فبينا هو يخاطبهم إذ أتاه سهم فوقع في نحر الطفل فقتله...يقول الحسين عليه السلام: اللهم إنَّك شاهدٌ على هؤلاء القوم الملاعين، إنَّهم قد عمدوا أن لا يبقوا من ذرية رسولك صلى الله عليه وآله. وهو يبكي بُكاءً شديداً»[282]

وكأنّي بأُمّهِ الرباب تواسي أباه الحُسين عليه السلام ببكائها:

مياتم للحزن ننصب ونبني
الطفل عاده يفطمونه ونبني
 

 

رماني حرمله ابسهمه ونبني
انفطم ياناس بسهام المنيه
 

 

 

ورضيعه بدم الوريـ
 

 

ـد مخضب فاطلب رضيعه
 

 

 

***

إنّا لله وإنّا إليه راجعون، ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله العليّ العظيم،

وسيعلم الذين ظلموا آل مُحَمّد أيَّ مُنقلبٍ ينقلبون

والعاقبة للمتّقين

المحاضرة الحادية عشرة: الإيثار

 

 

حامي الظعينة أينَ منهُ ربيعةٌ
ما راعهم إلاّ تقحّمُ ضيغـمٍ
صبغَ الخيولَ برمحهِ حتّى غدتْ
عـَرفَ المواعـظَ لا تفيدُ بمعشـرٍ
فانصاع يحطِبُ بالجماجمِ والكُلا
وهوى بجنبِ العلقميِّ فليته
ومَشى لمصرعِهِ الحسينُ وطرفُه
ألفاه محجوبَ الجمالِ كأنّه
فأكبَّ مُنحنياً عليه ودمعُـه
قد رامَ يلثمُه فلم يرَ موضِعاً
نادى وقد ملأ البواديَ صيحةً
أأُخيَ من يحمي بنـاتِ محمّـدٍ
هونّت يا بن أبي مصارعَ فتيتي
هذا حسامُك من يذبُّ به العدى
 

 

أم أينَ من عليا أبيـهِ مكـدّمُ
غضبان يعجمُ لفظَه ويُدمدمُ
سيّـان أشقرُ لونِها والأدهَـمُ
صمّوا عن النبأ العظيمِ كما عمُوا
فالسيـفُ ينثـرُ والمثقّـفُ ينظـمُ
للشاربينَ به يُدافُ العلقـمُ
بـين الخيـامِ وبينـه متقسـِّمُ
بدرٌ بمنحطِمِ الوشيج مُلثّمُ
صبغَ البسيطَ كأنّما هو عَندَمُ
لم يُدمِه عضُّ السـلاح فيُلثمُ
صـُمّ الصخـورِ لهـولهـا تتألمُ
إن صِرنَ يسترحمنَ مَن لا يرحم
والجُرحُ يسكنُه الذي هوآلمُ
ولِواكَ هـذا من بهِ يتقـدّمُ[283]
 

نـاده احسين يعبـاس هذا لـواك
 

 

 

 

ظل يندب ومهرك بالحرب ينعاك
 

 

إنكسر ظهري ولا أگدر لفرگاك
 

 

 

 

وافراگك يبو فاضل علي يصعب
 

 

 

 

يعبـاس حسّ احسـين يمّك
 

 

 

 

يبچي وخلط دمعه بفيض دمّك
 

 

وحايـر يبو فاضـل ابلمـك
 

 

 

 

وسكنه تسلي الطفل باسمك
 

 

             
 

تگــله ســاعه ويجيب المــاي عمّــك

يخويه أيست سكنه من المـاي
 

 

 

تجي يمي ذليله وتوگف احذاي
 

يخويه من العطش رادت تجي اوياي
 

 

 

تگـلك ويـن وعدك يلمـشـكـر
 

     
 

قال تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ وَاللّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ[284].

36.الإيثار:

هو أرفع درجات الجود والسخاء، وهو أنْ يجود الإنسان بما لديه من مالٍ، أو نفسٍ، أو غيرهما ممّا هو نفيس؛ ليُقدّم غيرَه عليه.

روى الثعلبي ـ وهو من مفسّري العامّة المعروفين ـ في تفسيره: أنّ النبي صلى الله عليه وآله لمّا أراد الهجرة إلى المدينة خلّف عليَّ بنَ أبي طالب بمكة؛ لقضاء ديونه وأداء الودائع التي كانت عنده، وأمره ليلة خروجه من الدار وقد أحاط المشركون بها بأن ينام على فراشه، وقال له: اتَّشح ببردي الحضرمي الأخضر، ونم على فراشي، وإنّه لا يصل منهم إليك مكروهٌ إن شاء الله تعالى. ففعل ذلك عليّ فأوحى الله تعالى إلى جبرائيل وميكائيل: إنّي آخيتُ بينكما، وجعلت عُمرَ أحدِكما أطول من الآخر، فأيكُّما يؤثرُ صاحبه بالحياة؟ فاختار كلاهما الحياة، فأوحى الله تعالى إليهما: أفلا كنتما مثل علي بن أبي طالب، آخيت بينه وبين محمّد، فبات على فراشه يُفدّيه بنفسه ويؤثره بالحياة؟! انزلا إلى الأرض فاحفظاه من عدوه.

فنزلا فكان جبرائيل عند رأسه وميكائيل عند رجليه، وجبرائيل يُنادي: بخ بخ، مَن مثلك يا علي، يباهي الله تبارك وتعالى بك الملائكة، فأنزل الله على رسوله وهو متوجه إلى المدينة في شأن علي هذه الآية[285].

37.ولهذا سُمّيت هذه الليلة التاريخية بليلة المبيت.

ويقول أبو جعفر الإسكافي: إنَّ حديث الفراش قد ثبت بالتواتر، فلا يجحده إلاّ مجنونٌ وغيرُ مخالطٍ لأهلِ الملة[286].

هذا نوع من أنواع الإيثار، والذي يُعتبر من أهمّ أنواع الإيثار؛ لأنّه إيثار بأعزّ شيء وهو النفس، وكان مصداقه في الآية الشريفة أمير المؤمنين عليه السلام.

والجود بالنفس أقصى غاية الجود[287]

وهناك نوع آخر من الإيثار، وهو نوعٌ مهم لا تقلّ أهميّته عن سابقه، وهو ما أكّد عليه النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله، وعمل به الأنصار مع المهاجرين،، حتّى نزلت فيهم آية، بل آيات.

قال عزّ من قائل: وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ[288].

يقول ابن عباس: «إنَّ الرسول صلى الله عليه وآله بيّن للأنصار ـ يوم الانتصار على يهود بني النضير ـ إذا كنتم ترومون المشاركة في حصّة المهاجرين من الغنائم فشاطروهم بتقسيم أموالكم وبيوتكم، وإذا أردتم أن تبقى بيوتكم وأموالكم لكم فلا شيء لكم من هذه الغنائم.

فقال الأنصار: علامَ نتقاسم بيوتنا وأموالنا معهم؟ نقدّم المهاجرين علينا ولا نطمع بشيء من الغنائم. فنزلت هذه الآية تعظّمُ هذه الروح العالية»[289].

نعود للآية، فهي بالرغم من أنّها تتعلّق ـ كما ذكرنا آنفاً ـ بحادثة هجرة النبيّ صلى الله عليه وآله وتضحية الإمام علي عليه السلام ومبيته على فراشه صلى الله عليه وآله، ولكنَّ مفهومها ومحتواها الكلّي عامّ وشامل، وفي الحقيقة إنّها تقع في النقطة المقابلة للآيات السابقة عليها[290]، التي تتحدَّث عن المنافقين الذين يحاولون أن يحقّقوا لأنفسهم في المجتمع عزّةً وكرامةً عن طريق النفاق، ويتظاهرون بالإيمان بأقوالهم، بينما أعمالهم ليس فيها سوى الإفساد في الأرض، وإهلاك الحرث والنسل.

أمّا الطائفة الثانية الذين يشرون أنفسهم، فتعاملهم مع الله وحده، حيث يُقدّمون أرواحَهم رخيصةً في سبيله ولا يبغون سوى رضاه، ولا يطلبون عزّةً ولا رفعةً إلاّ بالله، وتضحيات هؤلاء تصلح أمر الدين والدنيا، ويستقيم بها شأن الحقّ والحقيقة، وتصفو ببركتها حياة الإنسان وتثمر شجرة الإسلام.

وممّا يُلفت النظر: أنَّ البائع هوالإنسان والمشتري هو الله تعالى، والبضاعة هي النفس، وثمنها رضوان الله تعالى، في حين نرى في مواردَ أُخرى أنَّ ثمن مثل هذه المعاملات هوالجنّة الخالدة والنجاة من النار، من قبيل قوله تعالى: إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ [291].

هذه الآية وحين الإلتفات إلى سبب النزول المذكور آنفاً نجدها تقدّمُ أعظمَ الفضائل للإمام أمير المؤمنين عليه السلام، وإن كانت فضائله قد جاوزت الحصر والعدّ، ولكنّ هذه الفضيلة كانت في صدر الإسلام من الوضوح بمكان، دعت معاوية العدو اللدود للإمام أمير المؤمنين عليه السلام أن يُرشي سمرة بن جُندب بأربعمائة ألف درهم؛ كي يروي حديثاً مختلَقاً يثبت فيه فضيلة هذه الآية لعبد الرحمن بن ملجم، وقد اختلق هذا المنافق الجاني هذه الفِرية[292]، ولكنّ أحداً لم يقبل منه حديثه المجعول.

وهناك نوع ثالث من الإيثار، وهو الإيثار بالطعام والشراب، وهو كسابقيه؛ الإيثار بالنفس والإيثار بالأموال ونحوه، وكان من أبرز مصاديق هذا الإيثار، بل المعلّم له هو النبيّ الأعظم صلى الله عليه وآله وأهل بيته عليهم السلام.

ولذا روى الثعلبي، وغيرُه من المفسِّرين: «إنَّ الحسن والحسين عليها السلام مرضا فعادهما جدّهما رسول الله صلى الله عليه وآله، وعادهما عامّة العرب، فقالوا: يا أبا الحسن، لونذرت لولديك نذراً، فقال عليه السلام: إنّ برئ ولداي ممّا بهما صمت ثلاثة أيام شكراً لله تعالى. وقالت فاطمة: مثل ذلك، وقالت جاريتها فضة: إن برئ سيِّداي ممّا بهما صمت ثلاثة أيام شكراً لله تعالى عزّ وجلّ. فاُلبسا العافية، وليس عند آل محمّد صلى الله عليه وآله لا قليل ولا كثير، فآجر علي عليه السلام نفسه ليلة إلى الصبح يسقي نخلاً بشيء من شعير وأتى به إلى المنزل، فقسّمته فاطمه عليها السلام إلى ثلاثة، فطحنت ثلثاً، وخبزت منه خمسة أقراص، لكلّ واحد منهم قرص، وصلّى أميرُ المؤمنين عليه السلام صلاة المغرب مع رسول الله، ثُمَّ أتى المنزل فوضع الطعام بين يديه، فجاء مسكين فوقف بالباب، وقال: السلام عليكم يا أهل بيت محمّد، مسكين من مساكين المسلمين، أطعموني أطعمكم اللهُ من موائد الجنّة، فسمعه علي عليه السلام فقال: أطعموه حصّتي. قالت فاطمة عليها السلام: كذلك، والباقون كذلك فأطعموه الطعام، ومكثوا يومهم وليلتهم لم يذوقوا إلاّ الماء القراح. فلمّا كان اليوم الثاني طحنت فاطمة عليها السلام ثلثاً آخر وخبزته، وأتى أمير المؤمنين عليه السلام من صلاة المغرب مع رسول الله صلى الله عليه وآله فوضع الطعام بين يديه، قال: فجاء يتيم من أيتام المهاجرين، وقال: استشهد والدي يوم العقبة، أطعموني أطعمكم الله من موائد الجّنة، فسمعه عليٌّ وفاطمة عليها السلام والباقون، فأطعموه ومكثوا يومين وليلتين لم يذوقوا إلاّ الماء القراح. فلمّا كان اليوم الثالث قامت فاطمة عليها السلام إلى الثلث الباقي وطحنته وخبزته، وصلّى علي عليه السلام مع النبيّ صلاة المغرب، ثُمَّ أتى المنزل فوضع الطعام بين يديه، فجاء أسير فوقف بالباب، وقال: السلام عليكم يا أهل بيت محمّد، تأسروننا ولا تطعموننا أطمعكم الله من موائد الجنّة، فإنّي أسير محمد صلى الله عليه وآله، فسمعه علي عليه السلام فآثره وآثروه معه، فمكثوا ثلاثة أيام بلياليها لم يذوقوا إلا الماء القراح، فلمّا كان اليوم الرابع، وقد وفوا بنذرهم أخذ علي عليه السلام الحسن بيده اليمنى والحسين بيده اليسرى وأقبل نحو رسول الله صلى الله عليه وآله، وهم يرتعشون كالفراخ من شدّة الجوع، فلمّا بصر بهم النبي صلى الله عليه وآله قال: يا أبا الحسن، ما أشدّ ما يسوؤني ما أرى بكم، انطلق بنا إلى ابنتي فاطمة. فانطلقوا إليها وهي في محرابها تصلي وقد لصق بطنها بظهرها من شدّة الجوع، فلمّا رآها النبي صلى الله عليه وآله قال: وا غوثاه، أهل بيت محمّد يموتون جوعاً! فهبط جبرائيل عليه السلام وقال: خذ يا محمّد، هنّأك الله في أهل بيتك. قال: وما آخذ يا جبرائيل؟ قال: هل أتى على الإنسان، إلى آخر السورة»[293].

وقد جُمِعَ الإيثار بأنواعه المتقدّمة بالنفس وبالمال والطعام والشراب، أقول: جمع كُلّ ذلك ابنُ أمير المؤمنين عليه السلام، أبوالفضل العباس عليه السلام الذي كان يلازم الحسين مثل الخادم الملازم لسيده، ويتمنّى أن يقوم بخدمة للحسين عليه السلام، يقول الشيخ الكاشي رحمه الله: كان أبو الفضل عليه السلام جالساً في مجلس فيه أمير المؤمنين عليه السلام فعطش الحسين عليه السلام، فطلب من قنبر أن يأتيه بالماء، فقام العباس عليه السلام مسرعاً ـ وكان صبياً آنذاك ـ إلى أُمّه أمِّ البنين عليه السلام منادياً: أمّاه! إنّ أخي الحسين عطشان، وقد طلب الماء من قنبر، وأحبّ أن أوصل إليه الماء قبل قنبر، قامت أُمّ البنين ملأت ركوةً ووضعتها على رأس العباس، جاء العباس والإناء على رأسه والماء يراق على كتفيه.

لما رآه أمير المؤمنين عليه السلام صاح: «إيهٍ يا عبّاس، هذا يوم تحمل الماء إلى أخيك فيراق الماء على كتفيك، ويوم آخر تحمل الماء إلى أخيك فيراق مخّ رأسك على كتفيك»[294].

نعم تناثر مخّ رأسه على كتفيه على أثر ذلك العمود؛ لأنّ العبّاس وقف متحيّراً لا يدري ما يصنع، يده اليمنى مقطوعة، ويده اليسرى مقطوعة، الماء أُريق على وجه الأرض، لحظات حرجة مرّت على العبّاس، لا يدري ما يفعل يستمرّ في سيره نحو الخيام؟ حينها كيف يواجه سُكينة وهي واقفة بانتظاره؟ وقد وعدها بالماء، والماء قد أُريق، يُقاتل كيف يقاتل وقد قطعت يداه؟

بينما هو في تلك الحال، جاء لعين من القوم، قال لـه: يا عباس أين شجاعتك؟ أين بسالتك؟ فقال لـه العباس عليه السلام: يا هذا جئتني إلآن ويداي مقطوعتان، فقال لـه اللعين: يا عباس، إن كانت يداك مقطوعتين فيداي سالمتان، آجركم الله! فضربه بعمود من حديد على أُمِّ رأسهِ ففلق هامته، ووقع من على ظهر فرسه منادياً: أ خي يا أبا عبدالله، ادركني[295].

أيّس وگف عاف العمر من ساسه

 

رايـد ممـاتـه ولا غـدر نومـاسه

ضربوا ابعامـود الضغـاين راسـه

 

طـاح ونخـه سيد شبـاب الجنـة

حين الوصل لحسين صوت إعميده

 

جـاه وگـف عنـده ونـده لعضـيده

عبـاس عگبـك للعُمر ما ريـده

 

شيفيـدني ومِنك گطعت الظنّـه

سمع حسـه الحسـين وركـب وارزم

 

وعدى إعله الخيل وطلعها إمن المخيم

ردّ يمّه وشافه سابح إبدم

 

تخوصر فوگ راسه والدمع خر

 

لمّا صُرع العبّاس صار الحسين عليه السلام بين أمرين، أولاً: نداء العباس أخي يا أبا عبد الله، ادركني، ثانياً: الجيش زحف على مخيم الحسين؛ لأنّه بمجرّد أن سقط العباس زحف جيش العدو إلى مخيم الحسين، كأنّهم استضعفوا جانب الحسين بمصرع أبي الفضل العبّاس فلا يدري أيدفع الجيش عن المخيم، أم يلبّي نداء العباس؟!

أخيراً رأى دفع العدو عن الخيام أولى، فحمل على الجيش وأبعدهم وهو يقول: إلى أين تفرون وقد قتلتم أخي؟ ولمّا أبعد الجيش عن الخيام توجّه نحو مصرع أبي الفضل العبّاس، وأراد الحسين حمله ولكنَّ العبّاس أبى، وهذا الإيثار الثاني، فالأوّل: كان في شرب الماء قبل الحسين عندما ملك المشرعة، والثالث: أنّه كلمّا أراد الحسين عليه السلام وضع رأس أبي الفضل عليه السلام في حجره لم يرضَ أبو الفضل، قال لـه الحسين: أخي يا أبا الفضل، مالي كلّما جعلت رأسك في حجري أخذته ومرّغته في الأرض؟! قال أبو الفضل عليه السلام: أخي، إن جعلت رأسي في حجرك فمَن الذي يجعل رأسك في حجره. لا حظوا الإيثار، الله أكبر!!

صاح احسين يا خويه يا عباس
خويه أنت الدرع والسيف والطاس

 

يا نور العين يا تاجي عله الراس
اشلـون اتروح وأنا أبگى امـحيّر

 

جواب أبي الفضل العباس عليه السلام بلسان الحال:

يگله احسين يا زهرة اخيامي
درخصني أريد الحگ عمامي

 

يا خويه نحّلت سكنه عظـامي
أريـد الثـار گلبي دم إيفـوّر

 

وكأنّي بأخته العقيلة عليها السلام تناديه:

يعبّاس يا نور العيون
واللي سبونه ما يرحمون
وسياطهم تلعب على متون

 

رحت عنك سبّية ويه الظعون
طول الدرب بينه يضربون
خواتك يبو الغيرة يمزيون

 

***

او تشتكي العطشَ الفواطمُ عنده

 

وبصدرِ صعدتِه الفُراتُ المفعمُ

 

***

إنّا لله وإنّا إليه راجعون، ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله العليّ العظيم،

وسيعلم الذين ظلموا آل مُحَمّد أيَّ مُنقلبٍ ينقلبون

والعاقبة للمتّقين.

المحاضرة الثانية عشرة: الرحمة

طمعتْ أن تسـومَه القـومُ ضيمًا
كيف يلـوي علی الدنيةِ جيدًا
فأبی أن يعيـشَ الا ّعـزيزًا
زوّج السـيفَ بالنـفـوسِ ولـكـن
بأبي كالئاً عـلی الـطف خِدرًا
قطعوا بعده عُـراه ويا حـبل
قوّضـي يا خـيامَ عـليا نِزار ِ
واملئي العـين يا أُمـيةُ نوماً
وسروا في كرائم الوحي أسری
فترفـّقْ بها فما هي إلا ّ
 

 

وأبی اللهُ والحِسامُ الصـنيعُ
لسوی اللهِ مالـواه الخضوعُ
أو تجـلّی الكفاحُ وهوصـريعُ
مهرُها الموتُ والخضابُ النجيعُ
هو في شـفرة الحُـسام منيعُ
وريد ِالإسـلام أنت القطـيعُ
فلـقـد قـوّض العمادُ الرفيعُ
فحسـينٌ علی الصّعيد صريعُ
وعِـداك ابن أُمّها التقريعُ
ناضرٌ دامـعٌ وقلبٌ مَـروعُ[296]
 

 

***

عگب الخدر ذاك ودلالي
وراسـك يشـيلونه اگبالي
 

 

أمشي بيسر يحسين تالي
يا محـنتي ومحنة أطفالي
 

***

 

مشـينه علی الهزل ومچتفينه
 

 

اوخذونه بها اليسر غصبن علينه
 

اويَاكم نضل لو يحصل بدينه
 

 

لمن يحسـين يلفينه المحتّم
 

       
 أبوذية

يخويه تعـلم بحالي وداري
سـمية دورها تزهي وداري

 

بگيت أرعی يتاماكم وداري
عگـبكـُم يخوتي ظلت خليه

 

***

عن الإمام الباقر عليه السلام أنّه قال: «أربع مَن كُنَّ فيه بنی اللهُ له بيتاً في الجنّة: مَن آوی اليتيمَ، ورَحِمَ الضّعيف، وأشفقَ علی والديِه، ورَفِقَ بمملُوكِه»[297].

39.الرَّحمة:

هي مبعث الخيرات، ومعدن الفضائل؛ فبالرحمة تتجمعُ الصِلات، وتتوحّد البشرية، بها يبرُّ الولدُ أباه، وبها يصلُ المرءُ قريبَه، وبها يألفُ الزوجان أحدهما الآخر، وبها يُكفل اليتيم، ويُشبع الجائع، ويُكسی العُريان، ويهتمّ حتّی بالحيوان.

والرحمة شعورٌ طيّب، به يُشارك الإنسان الآخرين آلامهم، مُحاولاً أن يُخفِّفَ عنهم وطأتها، وينسيهم أثقالها.

40.رحمة الله عزّ وجلَّ لمخلوقاته:

فعن الإمام الكاظم عليه السلام قال: «... ماظنّك بالرؤوف الرحيم الذي يتودّد إلی مَن يؤذيه بأوليائه، فكيف بمَن يؤذَى فيه، وما ظنّك بالتوّاب الرحيم الذي يتوب علی مَن يعاديه، فكيف بمَن يترضّاه ويختار عداوة الخلق فيه»[298].

ولذا روي أنَّ إبليس يطمع في رحمة الله عزّ وجلَّ يوم القيامة.

فقد حُكي أنّ نبيَّ الله موسی علی نبينا وآله وعليه السلام التقی بإبليس لعنه الله فدار بينهما حديث، ثمَّ قال نبيّ الله موسی عليه السلام: ستری ماذا سيحلُّ بك غداً؟!

قال إبليس: وأنت أيضاً ستری ماذا سأفعل غداً؟!

قال موسی: وما أنت فاعل؟

قال إبليس: أُطالبُ اللهَ بوعده،‌ واحتجُّ بقوله: وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ[299] وأنا شيءٌ، فوجب أن تتسع لي رحمته، وإذا كنتُ أنا لا شيء فاللاشيء لا يُحاسب ولا يُعاقب.

قال موسی عليه السلام: «إنّ رحمةَ اللهِ تتسّعُ لِمن فيهِ الأهلية والقابلية لها، وأنت بعيد عنها كلّ البعد»[300].

ولذا نری أنَّ رحمة الله وإن كانت واسعة يطمع فيها حتّی إبليس، لكن الذي ليس أهلاً لها وليس فيه القابلية علی استلامها فلا تشمله، فهي قريبة ٌ من مستحقّيها، ولذا قال تبارك وتعالی: إِنَّ رَحْمَتَ اللّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ [301].

41. موجبات الرَّحمة؟

هناك عدّة أُمور تسبب الرحمة الإلهية، بحيث إنَّ الإنسان لوفعلها صار محلاً لرحمة الله تبارك وتعالی، أو قل: موجبات لنزول الرَّحمة، ومنها:

1ـ الطاعة: فعن النبي صلى الله عليه وآله أنَّه قال: «تعرّضوا لرحمة الله بما أمركم من طاعته»[302].

2ـ الذكر: عن أمير المؤمنين عليه السلام أنَّه قال:«بذكر الله تـُستنزل الرحمة»[303].

3ـ إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والطاعة للرسول صلى الله عليه وآله، قال تعالی: وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ[304].

4ـ رحمة خلق الله ورحمة النفس: فعن النبيّ صلى الله عليه وآله أنّه قال: «الراحمون يرحمهم الرحمن يوم القيامة، إرحم مَن في الأرض يرحمُك مَن في السماء»[305].

5ـ معرفة الإنسان نفسه: فعن أمير المؤمنين عليه السلام أنّه قال: «رَحِمَ الله امرءاً عرف قدره ولم يتعدَّ طوره»[306].

42. موانع الرَّحمة؟

1ـ رحمة مَن لا يرحم: فعن الإمام أمير المؤمنين عليه السلام أنّه قال: «رحمة مَن لا يرحم تمنع الرحمة»[307].

2ـ منع الرحمة: فعنه عليه السلام أنّه قال: «مَن لم يرحم الناس منعه الله رحمته»[308].

43.الأمر الأول: رحمة الأيتام

 رُوي أنّه كان النبيّ صلى الله عليه وآله يتكفـّلُ يتيماً، ‌وكان كُلـّما يجلس علی طعامه يحضره ويأكل معه، فلمّا مضی زمان مات اليتيم فلم يأكل النبيّ في الليلة طعاماً، وكان يتأسّف علی فوته، فقال له أصحابُه: كم تُحزن قلبَك بفوته وحرمانك منه؟! نحن سنأتيك بيتيمٍ آخر فتكفله، قال صلى الله عليه وآله: «هذا اليتيم كان سيِّء الخـُلق، وأنا كنتُ تحمّـلتُ سُوءَ أَخلاقه، فلا يحصل لي من غيره ما يحصل من الفيض»[309].

وهكذا تكون مسألة اليتيم من المسائل التي اهتمَّ بها النبيّ الأكرم  صلى الله عليه وآله لأجل إهتمام الباري عزّ وجلَّ، حتی أنّه تبارك وتعالی جعل أكل مال اليتيم أكلاً للنار، حيث قال عزَّوجلَّ: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا[310].

وقد يغفر الله تبارك وتعالی للإنسان ذنوباً كبيرة؛ لأجل اهتمامه بالأيتام،

فقد حدّث بعض الثقات أنَّ رجلاً من المنهمكين في الفساد مات في نواحي البصرة، فلم تجد امرأته مَن يعينها علی حمل جنازته؛ لتنفّر الطباع منه، فاستأجرت مَن حمل الجنازة إلی المُصلّى فما صلّی عليه أحد، فحُمل إلی الصحراء للدّفن، وكان علی جبلٍ قريبٍ من الموضع زاهدٌ مشهورٌ، فرَأَوه كالمنتظر للجنازة، فقصدها ليُصلّي عليها، فانتشر الخبر في البلد أنَّ فلاناً الزاهد نزل يُصلّي علی فلان، فخرج أهلُ البلد فصلّوا معه عليها، وتعجّب الناس من صلاة الزّاهد، وقيل له في ذلك، فقال: رأيتُ في المنام مَن أمرني أن انزل إلی الموضع الفلاني تری فيه جنازة ليس معها أحد إلاّ امرأة فصلِّ عليها فإنّه مغفور له، فازداد تعجّب الناس من ذلك، فاستدعی الزاهد امرأة الميّت وسألها عن حاله، فقالت: كان طول نهاره مشتغلاً بشرب الخمر، فقال: هل تعرفين له شيئاً من أعمال الخير؟

فقالت: نعم، ثلاثة: الأوّل: كان كلّ يوم يفيق من سكره وقت الصُبح، فيبدّل ثيابه ويتوضأ ويُصلي الصُبح.

الثاني: أنّه كان لا يخلو بيته من يتيمٍ أو يتيمين، وكان إحسانه إليهم أكثر من إحسانه إلی أولاده.

الثالث: أنّه كان يفيق من سكره في أثناء الليل فيبكي، ويقول: يا ربِّ أي زاويةٍ من زوايا جهنم تـُريد أن تملأها بهذا الخبيث[311].

ومن هنا كان إيواء اليتيم يشكّل ركناً من الأركان الأربعة التي يبني الله تبارك وتعالی بها بيتاً في الجنّة للعبد الذي يتّصف بها، كما تقدّم في الحديث عن الإمام الباقر عليه السلام.

44.الأمر الثاني:رحمة الضعيف

وهي لا تختصُّ بالإنسان، بل تشمل حتّی الحيوان؛ فرحمة الله تبارك وتعالى عامّة وشاملة لجميع المخلوقات: وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ [312]، ولكن أهمّ شيء أن يرحم الإنسان أخاه الإنسان، ويهتمّ به، خاصّةً إذا كان ضعيفاً من الناحية البدنية والمادية، بل وحتّی المعنوية.

فإذا رحم الإنسان أَخاه الإنسان المسلم سوف ينزل الله تبارك وتعالی رحمته عليهما.

وقد يصل الإنسان إلی منزلةٍ دنيويةٍ وأُخرويةٍ عاليةٍ بسبب رفقه بالحيوانات ورحمته للضعيف منها.

نُقل أنَّ السلطان المقتدر سبكتكين كان صيّاداً من سُكّان نيشابور، ولم يكن له من متاع الدنيا إلاّ فرس، فركبه يوماً وذهب للصيد كعادته، فرأی ظبياً معه فصيلهُ فقصدهما، ففرّ الظبي واصطاد الفصيل، فشدّه علی رديفه ورجع، فلمّا ذهب قدراً من الطّريق نظر إلی خلفه، فرآی الظبي يسير خلفه وينظر إليه نظر حسرة، فعلم من حاله أنّه يطلب فصيله، ولهذا يمشي خلفه فرّق وأشفق عليه في نفسه، وقال محدِّثاً نفسه: الصيد وإن كان حلالاً ومباحاً لي، لكنّ الترّحم علی هذا الظبي أولی من هذا الصيد، فوضعه علی الأرض فأخذ مع أمه بطريقهما، وكان السبكتكين ينظر إليهما فرأی الظبي قد رجع، وهو ينظر إليه كأنّه يدعو له، وفي تلك الليلة رأى رسولَ الله صلى الله عليه وآله في منامه وهويقول له: يا سبكتكين، إنّ الله أعطاك السلطنة والدولة العظمی بشفقتك وترحمّك علی الظبي، فيجب عليك أن تراعي ذلك في رعيتـك لتدوم دولتك، فما مضی زمان حتّی استقر على سرير الملك الكبير[313].

45.الأمر الثالث:الشفقة على الوالدين

 وهذا هو الركن الثالث والمهم في الحديث، وهو أنَّ الإنسان يشفق علی والديه ويرحمهم وينظر إليهم نظرة ًرحيمة، فإنّ: «رضا الله مع رضا الوالدين، وسخط الله مع سخط الوالدين»[314].

وهما الباب الذي إذا أراد الإنسان أن يرضي الله تبارك وتعال‍ی يرضيه عن طريقهما حتّی قرن سبحانه وتعالی عبوديته بالإحسان إليهما، حيث قال عزَّ وجلّ: وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا[315].

سُئل أبو عبد الله الصّادق عليه السلام عن قول الله عزَّ وجلَّ: وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا [316]، ما هذا الإحسان؟ فقال: «الإحسان صُحبتهما، وأن لا تكلفُّهما أن يسألاك شيئاً ممّا يحتاجان إليه وإن كانا مستغنين. أليس يقول الله عزّ وجل: لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ»[317].

فمن حقّنا أن نعرف ويعرف كلُّ ذي لُبٍّ: أنّ الأب وإن عظم حقّه لما يقوم به للولد من بذل ٍ في سبيل تثقيفه وتأديبه، فيما ليس بأمكان الأُمّ أن تقوم بالبعض منه إلا ّ‌ نادراً هوأقلَّ‌ منها حقاً علی الولد، كيف ولماذا؟! لأنـّها تحمّـلت في حمله والمخاض به في ساعات الطلق الموصوفة بسكرات الموت، تحمّلـت ما لم يستطع الوالدُ لوكـُلّف تحمُّلَ بعضه، إضافةً إلی ما تحمله الأُمّ للولد من حنانٍ فائق.

هذا أمير المؤمنين عليه السلام ووصيُّ رسولِ ربِّ العالمين يُخاطبُ ولده الحسن الزكيّ عليه السلام مظهراً شدّة حبّه له: «[بنيَّ] وجدتـُك بعضي، بل وجدتـُك كـُلـّي، حتّی كان شيئاً [أو سهماً] لو أصابك أصابني، ولو أنَّ الموت أتاك أتاني»[318]، يخاطبُه بهذا الخطاب والحسن عليه السلام يومها بتمام الصحّة وريعان الشباب لم يُصب بشيءٍ، لكن الإمام عليه السلام يصف شفقته عليه وتألُّمَه لأجله، لوقـُدّر أنّه يُصابُ بسهمٍ أو بجرحٍ يقول له الإمام عليه السلام: إنَّ ذلك السهم باللحظة نفسها سيصيبني، وما ذلك إلاّ من شدّةِ الحُبّ والصفاءِ والولاء الذي بينهما، فصار ما يُؤلمه يُؤلم الإمام وما يُصيبه يُصيب الإمام عليه السلام.

وقال حُكماء العرب: إصابة ُ السَّهم أخفُّ ألماً من إصابة الهمِّ والغمِّ.

ولذا يقف الإمام الحسين عليه السلام على ابن أخيه القاسم بن الإمام الحسن عليه السلام، وكأنّما وقف الإمام على ولده؛ لأنّه هو الذي ربّاه واعتنى به، وكأنّي به يخاطبه[319]:

 صاح يا جسّام أوعد راسه گعد
يبن أخوي العرس چا المن بعد
 

 

ويل گلبي ينحب اوگلبه انمرد
اوهامتك من سيف الأزدي مشرگه
 

 

ثمّ أخذ عمُّه الحسين يناشده:

يعمّي اشگالت من الطبر روحك
لون أبكي يعمّي چنت أنوحك
 

 

يجاسم ما تراويني اجروحك
بگلب مثل الغضة وبدمع مُحمر
 

 

***

إن يبكه عمّه حزناً لمصرعه
 

 

فما بكى قمرٌ إلاّ على قمرِ
 

 

***

إنّا لله وإنّا إليه راجعون، ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله العليّ العظيم

وسيعلم الذين ظلموا آل مُحَمّد أيَّ مُنقلبٍ ينقلبون

والعاقبة للمتّقين

 

المحاضرة الثالثة عشرة: القناعة

راحلٌ أنتَ والليالي نُزولُ
لا شجاعٌ يبقی فيعتنقَ الـ
غاية النّاس في الزمان فـناء
إنّما المرء للمنيةِ مَخبوء
عادةٌ للزمان في كـلِّ يوم ٍ
كلُّ باكٍ يُبكى عـليه وإن
أيُّ يوم ٍأدمی المـدامع فيه
يومُ عاشورٍ الذي لا أعان
يا بن بنت النبيّ ضيَّعتِ العهدَ
ما أطاعوا النبيَّ فيكَ وقد
أتراني ألـذ ّ ماءً ولـمّا
أتراني أُعيرَ وجهيَ صـوناً
 

 

ومضرٌّ بك البقاء الطـويلُ
بيضَ ولا آملٌ ولا مأمولُ
وكذا غاية ُالغصون ِالـذبولُ
وللطعن تـُسـتـَجَمُّ الخيولُ
تنتيء جيرةٌ وتـُبكی طـُلولُ
طال بقاؤه والثاكل المـثكولُ
حادثٌ رائعٌ وخطبٌ جليلُ
الصحبُ فيه ولا أجارَ القبيلُ
رجالٌ والحافظون قليلُ
مالت بأرماحها إليك الذحولُ
يُروَ من مهجة الإمام الغليلُ
وعلی وجهه تجولُ الخُـيولُ[320]
 

من سـحگت عليه الخيل
اويلي عـليك يابن أُمّي
بعد هاي المصيبة اشلون
عمت عيني يخويه حسين
 

 

طلعت زينب تنادي
ويا روح النبـي الهادي
تبرد جمرة أفادي
عسه ولا شاهدت عيني
 

 

         
 

***

عن الإمام جعفر الصّادق عليه السلام أنّه قال: «مَن قنع من الله باليسير من المعاش رضي الله منه باليسير من العمل»[321].

47.القناعة:

هي الاكتفاء بقدر الحاجة والضرورة من المال وغيره من أُمور الدنيا، وهي صفة فاضلة، ومن أعظم الوسائل للوصول إلی السعادة الأبدية، والقنوع مرتاح البال، متفرغٌ لأمر الدين وسلوك طريق الآخرة[322].

48.فضل القناعة:

عن الإمام الصّادق عليه السلام أنَّه قال: «خمسٌ مَن لم تكنْ فيهِ لم يتهنّأ بالعيش: الصّحة، والأمن، والغنی والقناعة والأنيس الموافق»[323].

قيل لبعض الحكماء: رأيتَ شيئاً أفضل من الذّهب؟ قال: نعم، القناعة. وإلى هذا ينظر قول بعض الحكماء: اِستغناؤك عن الشيء خيرٌ من استغنائك به.

كان ديوجانس الكلبي من أساطين حكماء اليونان، وكان متقشّفاً زاهداً لا يقتني شيئاً ولا يأوي إلی منزل، دعاه الإسكندرُ إلی مجلسه فقال للرسولِ: قل له: إنَّ الذي منعك من المسير إلينا هو الذي منعنا من المسير إليك، منعك إسغناؤك عنَّا بسُلطانك، ومنعني استغنائي عنك بقناعتي[324].

هذهِ هي القناعة وضدّها الطمع، وهو تمنّي ما في أيدي النّاس، وأن يحصل على ما عندهم، وبعبارة أُخرى: اشتهاء الشيء والرغبة فيه والحرص عليه، وهو من الرذائل المهلكة [325].

إلا ّ أنّه يُمدح في بعض الموارد، وهي:

1ـ الطمع بعفو ورحمة الله عزَّ وجلَّ.

2ـ الطمع بنعيم الآخرة وسعادتها.

وأمّا مطلق الطمع فهو مذموم أشدَّ الذمّ؛ لأنّه يؤدّي في بعض الأحيان إلی قتل الإنسان.

رُوي: «أنَّ المسيح عليه السلام خرج يوماً إلی البرية ومعه ثلاثة من أصحابه، فلمّا توسّعوا في البرية رأوا لبنة من ذهب مطروحة في الطريق، فقال عيسی عليه السلام: هذا الذي أَهلك من البرية مَن كان قبلكم، إيّاكم ومحبّة هذا، فمضوا عنها فما مضی ساعة حتّی قال واحد منهم: يا روح الله، ائذن لي في الرجوع إلی البلد فإنّي أَجدُ الأَلم، فأذن له، فأتی إلی اللّبنة ليأخذها فجلس عندها.

فقال الثاني: يا روحَ الله، ائذن لي في الرجوع فأذن له، وكذلك الثالث، فاجتمعوا عند تلك اللبنة ليأخذوها، فقالوا: نحنُ جياع، فليمضِ واحد منـّا إلی البلد ليشتري لنا طعاماً حتّی ندخل البلد، فمضی واحد فأتی إلی السوق واشتری طعاماً فقال في نفسه: إنّي أجعل فوقَه سُمّاً فيأكلان فيموتان، فتبقی تلك اللبنة لي وحدي، فوضع في الطعام سُمّاً.

وأمّا الآخران فتعاقدا علی أن يقتلاه ويأخذا اللبنة، فلمّا جاء بالطعام بادرا إليه وقتلاه وجلسا يأكلان الطعام، فما أكلا قليلاً حتی ماتا فصاروا كلُّهم أمواتاً حول تلك اللبنة، فلمّا رجع عيسی عليه السلام مرّ علی تلك اللبنة، فرأی أصحابه أمواتاً فعلم أنّ تلك اللبنة هي التي قتلتهم، فدعا الله فأحياهم لأجله، فقال لهم: أما قـُلتُ لكم: إنَّ هذا هو الذي أهلك مَن كان قبلكم فتركوا اللبنة ومضوا»[326].

49.نتائج القناعة:

هناك عدّة نتائج للقناعة منها:

1ـ العزّ: فعن الإمام أمير المؤمنين عليه السلام أنّه قال:«ثمرة القناعة العزّ»[327].

2ـ الاكتفاء والرضی بما عنده.

3ـ صلاح النفس: فعن الإمام أمير المؤمنين عليه السلامأنّه قال: «أعوَن شيءٍ علی صلاح النفس القناعة»[328].

4 ـ القناعة راحة: فعن الإمام الحسين عليه السلام أنّه قال: «القُنوع راحة الأبدان»[329].

5 ـ سهولة الحساب ويسره يوم القيامة.

50.من قصص القناعة:

عن أبي بصير قال: سمعتُ أبا عبد الله عليه السلام يقول: «أرسل عثمان إلی أبي ذرّ رضي الله عنه موليين له و معهما مئتا دينار، فقال لهما: انطلقا إلی أبي ذرّ فقولا له: إنَّ عثمان يقرئك السلام، ويقول لك: هذه مئتا دينار فاستعن بها علی ما نابك. فقال أبو ذر: هل أعطی أحداً من المسلمين مثل ما أعطاني؟ قالا: لا، قال: إنّما أنا رجلٌ من المُسلمين يسعني ما يسع المُسلمين. قالا له: إنّه يقول: هذا من صُلب مالي وبالله الذي لا إله الا ّهو ماخالطها حرام ولا بعث بها إليك إلاّ من حلال. فقال: لا حاجة لي فيها وقد أصبحتُ يومي هذا وأنا من أغنی الناس. فقالا له: عافاك الله وأصلحك، ما نری في بيتك قليلاً ولا كثيراً ممّا يُتمتع به، فقال: بلی، تحت هذا الأكاف الذي ترون رغيفا شعيرٍ قد أتی عليهما أيّام، فما أصنع بهذه الدنانير، لا والله حتّی يعلم الله أنّي لا أقدر علی قليل ولا كثيرٍ، وقد أصبحتُ غنيّاً بولاية علي بن أبي طالب عليه السلام وعترته الهاديين المهديين الراضين المرضيين الذين يهدون بالحقّ وبه يعدلون. وكذلك سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وآله يقول: فإنـَّه لقبيحٌ بالشيخ أن يكون كذّاباً، فرُدّاها عليه وأعلِماهُ: إنّي لا حاجة لي فيها ولا فيما عنده حتّی ألقی الله ربّي فيكون هو الحاكم فيما بيني وبينه»[330].

فهكذا تعلّم أبو ذرّ الغفاري من النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله ومن الإمام أمير المؤمنين عليه السلام، تربّی على أن لا يكون عبداً مسترقّاً، وإن كلَّفه ذلك أن يموت وحيداً وغريباً، وكذا تربّی وعاش أبو الفضل عليه السلام على أن لا يكون مسترقّاً فقد تعلّم الصرخة الحسينيّة: هيهات منّا الذلة...

ولذا تری أنّه عليه السلام لمّا جاء إليه الشمر لعنه الله ومعه كتاب من ابن زياد فيه الأمان للعباس وإخوته، بحيث لو رضي به العباس وإخوته لحصل الشمر علی جائزة من عبيد الله بن زياد لعنه الله. فصاح الشمر: أين العباس وإخوته؟ وكان العباس وقتئذٍ جالساً بين يدي الحسين عليه السلام، فأطرق برأسه حياءً من الحسين، فصاح الشمر ثانياً وثالثاً، فالتفت الحسين عليه السلام إلی أخيه أبي الفضل العباس عليه السلام قائلاً: أجبه يا أخي ولوكان فاسقاً.

 ركب أبو الفضل عليه السلام جواده، وأتی نحو الشمر وقال: ما تريد يا بن ذي الجوشن؟ فقال: يا أبا لفضل هذا كتاب من ابن زياد، يذكر فيه بأنّك أنت وإخوتك آمنون وأنت الأمير علی هذا الجيش، فلا تعرّض نفسك للقتل! فقال له العباس عليه السلام: لعنك الله ولعن آمانك، أتـُؤمننا وابن رسول الله لا أمان له، ويلك، أفبالموت تخوفني؟! وأنا المميت خواض المنايا، أأَترك مَن خلقني الله لأجله وأدخل في طاعة اللعين وأولاد اللعناء[331].

 نعم كيف يترك إمام زمانه وسيده ومولاه، ولذا نراه قد وفى لسيد الشهداء عليه السلام، فقدّم كلَّ مايمكن أن يقدّمه مأموم لإمام زمانه، إلى أن وقع على رمضاء كربلاء، ونادی: أخي يا حسين أدرك أخاك.

أقبل أبو عبد الله عليه السلام نحو مصرعه، كشف الأعداء عن جسد أبي الفضل العباس عليه السلام.

يقول حميد بن مسلم: لمّا وصل بالقرب من العباس طأطأ رأسه إلی التراب وحمل شيئاً وقبّله، نظرنا وإذا هي يمين العبّاس، بعد ذلك طأطأ رأسه مرّة ثانية وحمل شيئاً آخر وقبّله، وإذا هي شمال العباس عليه السلام، بعد ذلك أخذ شيئاً آخر وقبّله، نظرنا وإذا بها عمامة العباس ملطخة بالدماء... وصل إليه أخذ رأسه وضعه في حجره أرجعه أبوالفضل وعفّره بالتراب، أرجعه الحسين مرّة ً ثانية إلی حجره، أرجعه العباس إلی التراب، وهكذا ثالثةً، فالتفت إليه الحسين عليه السلام قائلاً: الوداع الأخير يا بن والدي!

فقال العباس: أخي أبا عبد الله يا بن الزهراء، الآن أنت تأخذ برأسي تضعه في حجرك، ولكن روحي فداك أبا عبد الله مِن بعدي مَن الذي يأخذ برأسك؟ مَن الذي يمسح الدم والتـُراب عن وجهك؟[332]

 

 

خويه من يغمضلك اعيونك
عله افراگي أشوف انخطف لونك
يا عباس لمن صـدّت العين
دمهن يسـيل اوشـفت چفين
واحـد نواعـي اوواحد ونين
 يعـباس آنه اعضيدك احسـين
 

 

يا هو اللّي يگف يحسين دونك
وتضل بعدي يبو سكنه محيّر
منـي لعـد ايـديـك الاثـنـيـن
فوگ الثری ناديت صوتـين
يعباس صارت طـيحـتك وين
 مگدر علی افراگك يلحنين
 

 

وســـفه يفـــرگ بيـــنه البيــن

 أبوذية

چنت عوني ونه بالكـون عونك
لچن يا هو من أصيح يصيح عونك
 

 

گضيت اللي عليك اوفزت عونك
يخويه حسـين بس آمر عـليَّ
 

 

***

ما خلتُ بعدَك أن تشلَّ سواعدي
 

 

وتكفَّ باصرتي وظهري يُقصمُ
 

 

***

إنّا لله وإنّا إليه راجعون، ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله العليّ العظيم،

وسيعلم الذين ظلموا آل مُحَمّد أيَّ مُنقلبٍ ينقلبون

المحاضرة الرابعة عشرة: الرضا بقضاء الله

 

يا مَن يلومُ على البكاء عيوني
مَن مُبلغٌ أُمَّ البنين رسالةً
لا تسأل الرُكبان عن أبنائها
أوَ ما درت بفعالهم يومَ الوغى
فلتأتِ أرضَ الطَّفِ تنظرُ وِلدَها
ومُوسَّدين على الصعيد فديتُهم
وقضوا ضحايا كالحسين زعيمهم
 

 

دعها تُخفِّف لوعتي وشجوني
مِنْ والهٍ بشجونه مرهونِ
في لوعــــةٍ لفراقهم وحنينِ
في كربلاءَ وهُم أعزُّ بنينِ
ثاوين بين مقطَّعٍ وطعينِ
صرعى بلا غُسلٍ ولا تكفينِ
ما بلَّلوا أحشائهم بمعين[333]
 

 

 بحراني

بالله استعـدي للبـواچي يمّ البنـين
 

 

 

ردوا يتامى وانذبح عبّاس واحسين
 

يمّ البنين اتـذبحـوا كلّـهم على الگـاع
 

 

 

وحسين ظل امجرّد ومكسور الأضلاع
 

ومخدرة حيدر علي فرت بلا اقناع
 

 

 

ويه الحرم والنار تسعر بالصواوين
 

يمّ البنين الأربعة أنذبحوا ظمايا
 

 

 

وظـلوا ثلث تيّـام بالغـبره عـرايا
 

ليتچ نظرتي عالنهر صـاحب الراية
 

 

 

مفضوخ راسه إمگطعه إشماله واليمين
 

     
 

وكأنّي بها صاحت:

قطيفي

يا ليت عندي من الولد سبعين مولود

 

 

بالمرجله كلّـها مثل عبـّاس وتـزود

تنذبح وابن المصطفى لدياره يعود

 

 

سـالم ولا تنظام زينب والخواتين

     
 

عن النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله أنّه قال: «يَقولُ اللهُ عزّ وجلَّ: مَن لَم يرضَ بقَضائي، ولَم يشكُرْ لِنعمائي، ولم يَصْبِر على بَلائي، فلْيتخذْ ربّاً سوائي»[334].

الرضا بقضاء الله تبارك وتعالى معناه أنَّ الإنسان يترك الاعتراض والسخط على قضاء الله وقدره.

والرضا بقضاء الله وقدره متعلّقٌ بالحبّ، فإذا حصلت المحبّة بين الإنسان وربّه حصل الرضا بالقضاء النازل من المولى عزّ وجلّ؛ لأنَّ الحبيب لا يتوقع من حبيبه إلاّ الخير، بل يحمل جميعَ أفعالِه وما يَصنع به على أحسنها وأتمّها وأقومها. والرضا بقضاء الله هو أحد أركان الإيمان على ما ورد في بعض الروايات.

منها: ما رُوي عن النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله أنّه سأل طائفةً من أصحابه، فقال: «ما أنتم؟ فقالوا: مؤمنون. فقال: ما علامة إيمانِكم؟ فقالوا: نصبر عند البلاء، ونشكر عند الرخاء، ونرضى بمواقع القضاء. فقال صلى الله عليه وآله: مؤمنون وربِّ الكعبة»[335].

وحُكي أنَّ أحد الصالحين كان لـه ولدٌ مريضٌ، فرآه صاحبه في حالة من الحزن والارتباك والخوف على طفله، وشاهده يدخل ويخرج من باب بيته، ويدعو الله عزّ وجلّ أن يشفيه، وبعد ساعاتٍ مضت، رآه وقد خرج من منزله وهو مرتاح، فظنَّ أنّ الطفلَ شُوفي فقال لـه: الحمدُ لله على شفاء الولد، فقال لـه الرجل الصّالح: لقد مات الطفل! فتعجّب الرجل وقال لـه: رأيتك أثناء مرضه وأنت حزين خائف مرتبك، والآن وقد مات أراك مرتاحاً.

فقال له الرجل الصالح: كان علينا أن ندعو الله عزّ وجلّ أثناء مرضه، وأن نأتي بالطبيب والدواء، ولكن الطفل قد مات وقد رضينا بقضاء الله وقدره[336].

ثمّ إنّه لا شك أنّ هناك أُموراً تساعد الإنسان على الرضا بقضاء الله وقدره. وأوّل هذه الأُمور هو المعرفة والعلم، فالإنسان الذي يعلم أنَّ الله عادل وحكيم، ولا يقدّر لعبده إلاّ ما هو خير له، لا يسخط على أمر الله عزّ وجلّ، فالطفل حينما يهرب من الطبيب لا يعلم أنَّ هذا الطبيب سوف يعالجه، وذلك لمصلحته، وكذلك الجاهل بقدرة الله وعظمته وحكمته يغضب ويسخط إذا ما أصابه قضاء الله.

فعن الإمام الصّادق عليه السلام أنّه قال: «إنَّ أعلم الناس بالله أرضاهم بقضاء الله عزّ وجلّ»[337].

إذن، المعرفة والعلم هما الأمران اللّذان يُساعدان الإنسان على الوصول إلى الدرجات العالية، ويجعلانه يرضى بقضاء الله وقدره.

ومِن ثَمَّ أنّ هناك أُموراً حتمية لا مجالَ لتغييرها.

فالموت ـ مثلاً ـ قضاءٌ محتّم، ولا مدخل فيه للإرادة الإنسانية، فينبغي للإنسان أن يُسلّم للإرادة الإلهية، وفوق التسليم أن يرضى بقضاء الله وقدره، ولا يغضب لذلك.

نعم، بعض الأُمور تحتاج إلى السعي مثل ذهاب الإنسان المريض إلى الطبيب، وطلب الرزق، وغير ذلك، أمّا نفس الموت، فماذا يصنع له الإنسان وقد قال تعالى: فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ[338].

لكن في كلّ الأحوال الواجب علينا هو الرضا بقضاء الله وقدره؛ ولذا ترى النبيّ الأعظم صلى الله عليه وآله عندما توفي إبنه إبراهيم عليه السلام حزن وبكى، وروي عنه صلى الله عليه وآله أنّه قال: «العين تدمعُ، والقلبُ يحزن ولا نقول إلا ما يُرضي ربّنا»[339].

وكيف لا؟ وقد قال تعالى عنه: وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ [340]. فمن هنا ينبغي لنا نحن المسلمين الاقتداء بالنبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله.

وإذا رضي الإنسان بقضاء الله وقدره وصبر على ما ابتلاه به المولى عزّ وجلّ، سوف يشعر حينئذٍ بالثمرات التي يلمسها بيده، ويحسّها بقلبه، ويحصل على تلك النتائج الباهرة بصورةٍ ملموسةٍ وظاهرةٍ.

وأوّل هذه النتائج وأهمّها الراحة، فقد ورد عن أمير المؤمنين عليه السلام أنّه قال: «مَن رضي بما قُسم له استراح بدنُه»[341].

ومنها: ذهاب الحُزن، فلم يحزن على ما فاته، ويكون قريباً من الله تبارك وتعالى.

إلى غير ذلك من النتائج العالية التي يلمسها الإنسان في الحياة الدنيا.

وأمّا ما أعدّه الله تبارك وتعالى له في الآخرة فهو الجنّة بإذنه عزّ وجلّ.

ومن عجيب قصص الرضا بقضاء الله وقدره، ما رواه ذو النون المصري، حيث قال: دخلت المقبرة فرأيتُ امرأةً شابّةً جالسةً، وبين يديها قبور أربعة، وهي تنشد هذه الآبيات:

صبرتُ وكان الصبر خير مطيّةٍ
صبرت على ما لو تحمّـل بعضَه
فسالت دمـوعُ العَـين ثُمَّ رددتهـا
 

 

وهل جزع يجدي تراه فأجزعُ
جبالٌ برضوى أصبحت تتصدعُ
إلى ناظري والعينُ في القلب تدمع
 

 

فقلت: ما الذي نزل بكِ، وما شأنكِ؟

قالت: أعجب شأنٍ، أصبحت ولي بنون ثلاثة ولي زوج عطوف، وأمسيت وقد فارقتهم جميعاً، أفنتهم أيدي الزمان.

 قلت: وكيف ذلك؟

قالت: إنّ بعلي قام إلى شاةٍ لنا في البيت فذبحها، وكان لي ابنان صغيران جعلا ينظران إلى ما فعل أبوهما، فلمّا خرج أبوهما قال أحدهما للآخر: هَلُمَّ يا أخي حتّى أذبحك كما ذبحَ أبوك الشاة، فقال: نعم، قام إليه وأخذ السكين وذبحه، وأنا كنت مشغولةً ببعض الأُمور، فلمّا أتيتُ إذا به يخور في دمه، ويتمرّغ فيه، فصحت به ويلك ما صنعت بأخيك، ذبحته، أفٍ لك! فارتعد واضطرب، وخاف وهرب إلى الصحراء، فدخل أبوهما ووقف على الأمر ثُمَّ خرج إلى الصحراء يطلب ابنه، وإذا هو بذئبِ قد وثب على الغُلام ومزّقه، وتناول لحمه، وبقي بعض أعضائه، فحمله أبوه ليدفنه، فبينما هو يسير أصابه عطشٌ شديد، وقد اشتّد حُزنه على ولديه، فسقط ومات، فبينما أنا باكية حزينة على ولدي المذبوح، إذا أخبرت وأُنبئتُ بموت زوجي وولدي الآخر، فخرجت لأستبين الخبر وإذا هو كما قالوا، ولمّا رجعت إلى الدار إذا بولد آخر لي، وهو طفل صغير قد أقبل إلى القدر وهو على النار فوقع في القدر ونضج ومات، وهذه قبورهم، وأنا أصبر على ذلك؛ لأنّي أعلم أنّ الصبر أحجى وأجمل.

ذكّرني حالُ هذه المرأةِ الصالحةِ الصابرةِ حالَ أُمِّ البنين، كانت تأتي إلى البقيع، وتصنع أربعة قبور رمزية، وبين يديها يتيمان لقمر بني هاشم العبّاس بن علي عليه السلام، وهما عبد الله والفضل، وتندب بنيها أشجى ندبة وترثيهم[342].

ولذا لمّا رجعت عائلةُ الحسين عليه السلام إلى المدينة قالت زينب عليها السلام: لا أُريد أحداً يدخل عليَّ إلاّ مَن فقدت لها عزيزاً في كربلاء. وجلست في منزلها، وجعلت جاريتها على الباب، وإذا بالباب تُطرق، فقالت الجارية: مَن على الباب؟ فإنّ سيدتي زينب لا تُريد أحداً يدخل عليها إلاّ مَن فقدت لها عزيزاً في كربلاء.

فقالت لها: قولي لسيدتك: إنّي شريكتُها في هذا العزاء، وأُريد أن أدخل عليها وأساعدها، فإنّي مثلها في المصاب، فلمّا أخبرت الجارية زينب. قالت: سليها مَن هي حتى تكون مثلي في المصاب، ثُمَّ قالت: إن صدق ظنّي فإنّها أُمُّ البنين، فرجعت الجارية وقالت لها: سيدتي تقول مَن أنتِ التي مثلها في المصاب؟

قالت: أنا الثاكلة!! قالت: أوضحي لي من تكونين؟ قالت: أوَ ما عرفتيني، أنا أُمّ البنين، قالت الجارية: لقد صدقت سيدتي في ظنّها، وإنّك والله كما تقولين أُمُّ المصيبة العظمى والفاجعة الكبرى:

صاحت صوت آيا فگد الأطياب
إهناك اوسمعن الصرخة على الباب
 

 

والله إشموحشه يا دور الأحبـاب
أنـا أُمّ عبـاس جيتـچ لا تفتـرين
 

 

ثمّ فتحت لها الباب، فلمّا دخلت استقبلتها زينب، واعتنقتها وقالت:

عظّم الله لك الأجر في أولادك الأربعة.

فأجابتها أُمّ البنين: وأنتِ عظّم الله لك الأجر في الحسين عليه السلام[343].

بچت زينب اونادت تلگنها
هـاي أُمّ البنـين الـراح منـهـا
بچت زينب اوصاحت آيحزني
تصيح ابصوت آيحسين يبني
اشلون أُمّ البنين اصياح صاحت
تلگنها الحرم عجّت او ناحت
 

 

بالله اوياي گومن ساعـدنها
صنايد أربعة او بالحرب نفلين
اولفتها أُمّ البنين ابضـلع محـني
هاي امصيبتك بچّت الدارين
اهنا يحسين يبني روحي راحت
زينب بالعزه كسرت الصـوبين
 

 

أبوذية

على الأولاد زيـدي النـوح يمهُـم
أحب أگصد وجاور كون يمهم

 

ابفرد ساعة الدهر بالطبگ يمهم
أجـاورهم لمـا اتجيني المنيـة

 

 

تخميس

يا ميّتاً ترك الألبابَ حائرةً
وأعظم الخطبِ في الإسلام داهيةً
 

 

تناوشتْه سهامُ البغي راميةً
عارٍ تجولُ عليه الخيلُ عاديةً
 

 

حاكت له الريح ظافي مئزرٍ وردا

***

إنّا لله وإنّا إليه راجعون، ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله العليّ العظيم،

وسيعلم الذين ظلموا آل مُحَمّد أيَّ مُنقلبٍ ينقلبون

والعاقبة للمتّقين.

المحاضرة الخامسة عشرة: برّ الوالدين وعقوقهما

ماتَ التصبّرُ في انتظاركَ
فانهضْ فما أبقى التحمّلُ
كـم ذا القـعودُ ودينُكـم
تنعى الفروعُ أصولَـه
ماذا يهيجُك إن صبرت
أتـرى تجـيُء فجيـعـةٌ
حيث ُالحسـينُ على الثـرى
قَتـَلَـتْهُ آلُ أميـةٍ
ورضيعُـهُ بـدمِ الوريـدِ
ماهزَّ اضلُعَكـم حِدَاءُ القوم

 

 

أيّها المُحيي الشـريـعـه
غـيرَ أحشاءٍِ جـزوعـه
هُدِمتْ قواعدُه الرفعيه
وأصولُه تنعى فروعَه
لوقعةِ الطـفِّ الفظيعـه
بأمضَّ من تلك الفجيعه
خيلُ العِدى طحنتْ ضُلُوعَه
ظامٍ إلى جنبِ الشريعَه
مُخضبٌ فاطلبْ رضيعَه
بالعيس الظليعه[344]
 

 

***

نصاري

مشينـه اعـله الهـزل وامچتفينه
 

 

 

اوخذونه ابها اليسر غصباً علينه
 

اوياكم نضل لو يحصل بدينه
 

 

 

لمـن يحسين يلفينه المحتـم
 

مشت فوك الظعـن والحـرم تنحـب
 

 

 

اوعليها أسياط شمر اوزجر تلعب
 

حتّه الظعن للكوفة تگرب
 

 

 

لا بن زيـاد لمـبشر تجـدّم
 

     
 

فايزي

من گال للكوفة العقيـلة اميسّـرة اتروح

 

 

فوك الجمال الظالعة أو بين العده اتنوح

اتعاين الروس إخوانها جـدامها اتلـوح

 

 

فـوك الرمـاح ابديرة الكوفـة ادخلوها

     
 

وكأنّي بزينب تخاطب حامل الرأس:

يشايل راس حامينه اوولينه
ليش حسين ساچت عن ونينه

 

 

ريّض خلي اتودعـه إسكينه
گلـي تعب يو جـرحـه تخـدّر
 

 

***

أبوذية

حرت ما بين هالنسوه والأيتـام
لون عبّاس يبرالي والأيتام
 

 

او بگينه أبيسر ما عِدنه وليتام
ما واحد كفو يجسـر عليَّ
 

 

***

قال تعالى: وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا[345].

برُّ الوالدين هو الإحسان إليهما، وهو من أفضل القُربات إلى الله عزّ وجلّ.

وضده عقوق الوالدين، وهو الإساءة إليهما.

وكلا الأمرين يتحقق بالأعم من القول أو الفعل، بل أحياناً نجد أنّ الإيذاء باللسان أقوى تأثيراً من الإيذاء بالفعل الخارجي؛ فقد تكون كلمة تصدر من الإنسان أشدّ من جرح السيوف.

 قال الشاعر واصفاً ذلك:

جراحاتُ السنانِ لها التئامُ
 

 

ولا يلتامُ ما جَـرحَ اللّسانُ[346]
 

 

وهذا الموضوع ـ برُّ الوالدين وعقوقهما ـ من الموضوعات التي اهتمّ بها الباري عزّ وجلّ اهتماماً منقطع النظير، حتّى أنّه تبارك وتعالى قرن برّ الوالدين والإحسان إليهما بالتوحيد، وكأنّه عزّ وجلّ يريد أن يقول للمجتمع: إنّ درجة برّ الوالدين درجة بالغة الأهميّة، تكاد تصل إلى درجة الإيمان بي.

ولذا، تجد أنَّ أربع آيات في الكتاب العزيز قرنت برَّ الوالدين بالتوحيد.

الآية الأُولى: في سورة البقرة آية 83، حيث قال تبارك وتعالى: وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً.

والآية الثانية: في سورة الأنعام آية 151، حيث قال عزّ وجلّ: قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا.

والآية الثالثة: في سورة النساء حيث قال عزَّ من قائل في آية 36 من السورة المذكورة: وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا.

بالإضافة إلى الآية المذكورة في صدر المحاضرة والتي هي محل البحث.

فهذه الآيات قرنت بين الإيمان بالله تبارك وتعالى وبين برّ الوالدين.

 وأمّا الآيات التي حثّت على برّ الوالدين بصورة عامّة من غير القرن بالتوحيد فهي كثيرة، منها في سورة لقمان آية 15، ومنها في سورة الأحقاف آية 150، وغيرها. وهذا كلّه ترغيب وحثٌ مؤكدٌ من القرآن الكريم.

وأمّا ما ورد في الحثّ على برّ الوالدين والتجنّب عن عقوقهما على لسان النبيّ الأعظم صلى الله عليه وآله، وأهل بيته عليهم السلامفي أحاديثهم الشريفة فكثير، إذ ورد عنهم عليهم السلام: «إذا كان يوم القيامة كشف غطاء من أغطية الجنّة فوجد ريحَها من كانت له روح من مسيرة خمسمائة عام إلاّ صنفٌ واحدٌ، قلت: مَن هم؟ قالَ العاقّ لوالديه»[347].

ولهذا أكّد الحقّ سبحانه وتعالى على قضية الإحسان لهما، فتراه جلّت عظمته تارةً يوصي، وتارةً ينذر، وأُخرى ينهى حفظاً لعباده من العقوق وعاقبته السيئة، ألا ترى أنّه أمر بذلك بعد نهيه عن عبادة سواه، وهذا نفسه دليل واضح على ما لهذا الأمر من قيمة راجحة عنده تعالى، هذا والمصلحة في كلا الأمرين ترجع للعبد لا إلى المعبود سبحانه وتعالى، وهكذا الإحسان للأبوين أو لغيرهم تعود الفائدة الكبرى منه للمحسن، وهذا القرآن وهذه حكمته ناطقة بذلك معبّرة عمّا هنالك، يقول عزّ وجلّ: إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا[348].

فإحسان الولد لأبويه وبرُّهما إنّما يرجع إليه سواء كان عاجلاً في دار الدنيا أم آجلاً في دار الآخرة التي هي الحياة الأبدية: وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ[349].

لذا روي عن ابن عباس رضي الله عنه: أنّه كان في بني إسرائيل رجل صالح له ابنٌ طفل وكان لـه عِجلَة، فأتى بها إلى غيضة مزرعة وقال: اللَّهُمَ إنّي استودعك هذه العجلة لأبني حتّى يكبر، ومات الرجل فشبّت العِجلَة في الغيضة وصارت عواناً متوسطة السن، وكانت تهرب من كلّ مَن رامها، فلمّا كبر الصبي كان بارّاً بوالدته، وكان يقسّم الليلة ثلاث أثلاث، يصلي ثلثاً، وينام ثلثاً، ويجلس عند رأس أُمّه ثلثاً، فإذا أصبح انطلق واحتطب على ظهره، ويأتي السوق فيبيعه بما شاء، ثُمَّ يتصدّق بثلثه، ويأكل ثلثله، ويعطي والدته ثلثاً.

فقالت له أمُّه يوماً: إنّ أباك ورَّثك عِجلةً وذهب بها إلى غيضة كذا واستودعها، فانطلق إليها وادعُ إله إبراهيم وإسماعيل وإسحاق أن يردّها عليك، وإنّ من علامتها أنّك إذا نظرت إليها يُخّيل إليك أنّ شعاع الشمس يخرج من جلدها، وكانت تسمى المذهبّة لحسنها وصفرتها وصفاء لونها، فأتى الفتى الغيضة فرآها ترعى فصاح بها، وقال: أعزم عليكِ بإله إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب فأقبلت تسعى حتّى قامت بين يديه، فقبض على عنقها وقادها، فتكلّمت البقرة بإذن الله تعالى، وقالت: أيُّها الفتى البارّ بوالدته اركبني فإنّ ذلك أهون عليك، فقال الفتى: إنّ أُمّي لم تأمرني بذلك، ولكن قالت: خذ بعنقها، قالت البقرة: بإله إسرائيل بنبيّ إسرائيل لو ركبتني ما كنت تقدر عليَّ أبداً، فانطلقْ فإنّك لو ركبتني أمرت الجبل أن يقتلع من أصله وينطلق معك لفعل؛ لبرّك بوالدتك. فسار الفتى بها فاستقبله عدو الله إبليس في صورة راعٍ، فقال: أيُّها الفتى إنّي رجل من رعاة البقرة اشتقت إلى أهلي، فأخذت ثوراً من ثيراني فحملت عليه زادي ومتاعي حتّى إذا بلغت شطر الطريق ذهبت لأقضي حاجتي فقد أوسط الجبل وما قدرت عليه، وإنّي أخشى على نفسي الهلكة، فإن رأيت أن تحملني على بقرتك وتنجيني من الموت، وأعطيك أجرها بقرتين مثل بقرتك، فلم يفعل الفتى، وقال: اذهب فتوكّل على الله، ولو علم منك اليقين لبلَّغك بلا زاد ولا راحلة، فقال إبليس: إن شئت فبعنيها بحكمك وإن شئت فاحملني عليها وأعطيك عشرة مثلها، فقال الفتى: إنّ أُمّي لم تأمرني بذلك، فبينما الفتى كذلك إذا طار طائر بين يدي البقرة فهربت البقرة في الفلاة وغاب الراعي، فدعا الفتى باسم إله إبراهيم فرجعت البقرة إليه، فقالت: أيها الفتى البارّ بوالدته لا تمرّ إلى الطائر الذي طار؛ فإنه إبليس عدو الله اختلسني، أما أنّه لو ركبني لما قدرت عليه أبداً، فلمّا دعوت إله إبراهيم جاء ملك فانتزعني من يد إبليس وردني إليك ببرّك بأُمّك وطاعتك لها.

فجاء الفتى إلى أُمِّه، فقالت له: إنّك فقير لا مال لك، ويشقّ عليك الاحتطاب بالنهار والقيام بالليل، فانطلق فبع هذه البقرة وخذ ثمنها، قال لأُمّه: بكم أبيعها؟ قالت: بثلاثة دنانير ولا تبعها بغير رضاي ومشورتي، وكان ثمن البقرة في ذلك الوقت ثلاثة دنانير، فانطلق الفتى إلى السوق، فعقبه الله سبحانه ملكاً ليرى خلقه وقدرته؛ ليختبر الفتى كيف برّه بوالدته وكان الله به خبيراً، فقال له الملك: بكم تبيع هذه البقرة؟ قال: بثلاثة دنانير واشترطُ عليك رضاء أُمّي فقال له الملك: ستّة دنانير ولا تستأمر أُمّك. فقال له الفتى: لو أعطيتني وزنها ذهباً لم آخذه إلا برضاء أُمّي. فردّها إلى أُمّه وأخبرها بالثمن، فقالت: ارجع فبعها بستة دنانير على رضايتي فانطلق بالبقرة إلى السوق، فأتى الملك، فقال: أستامرت والدتك؟ فقال الفتى: نعم، إنّها أمرتني أن لا أنقصها عن ستة دنانير على أن أستأمرها، قال لـه الملك: تأتي أعطيك اثنى عشر على أن لا تستأمرها فأبي الفتى ورجع إلى أُمّه وأخبرها بذلك، فقالت: إن ذلك الرجل الذي يأتيك هو ملك من الملائكة يأتيك في صورة آدمي؛ ليجرِّبك، فإذا أتاك فقل له: أتأمر أن نبيع هذه البقرة أم لا؟ ففعل ذلك، فقال الملك: اذهب إلى أُمّك وقل لها: امسكي هذه البقرة، فإن موسى يشتريها منك لقتيل يُقتل في بني إسرائيل فلا تبيعوها إلا بملء جلدها دنانير، فأمسكوا تلك البقرة، وقد أراد الله تعالى من بني إسرائيل ذبح البقرة بعينها، مكافأة على برّه بوالدته فضلاً منه ورحمة، فطلبوها فوجدوها عند الفتى، فاشتروها بملء مسكها ـ جلدها ـ ذهباً[350].

هذا نموذج بسيط زائل في الحياة الدنيا لمن برَّ بوالدته، وأمّا ما أعدَّ الله له في الآخرة فلا يعلمه إلاّ هو عزّ وجلّ.

والآية التي افتتحنا بها المحاضرة جامعة مانعة، قالت: وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ أول ما حكمت به وألزمت وفصلت ووضعت الحدّ والنهاية في أن لا تعبدوا إلاّ الله تبارك وتعالى، أمر منه عزّ وجلّ بأن لا نعبد إلاّ إيّاه جلّ جلاله، ونخلص العبادة لـه عزّ وجلّ؛ لأنّها أوجب الواجبات، كما أنَّ معصيتَه وهو الشرك بالله سبحانه أكبر الكبائر الموبقة، وإلى الشرك تعود جميع المعاصي بحسب التحليل، ولعظم هذا الأمر قدّمه الباري عزّ وجلّ على جميع الأحكام الخطيرة شأناً، كعقوق الوالدين ومنع حقوقهما، والتبذير، وقتل الأولاد، والزنا، وقتل النفس المحترمة، إلى غير ذلك. ثُمَّ انتقلت الآية ـ بعد الأمر بالتوحيد ـ إلى حكم آخر يأتي بالمرتبة الثانية من الأهميّة بعد التوحيد لله تبارك وتعالى، وهو وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ، بمعنى وقضى ربُك ألاّ تعبدوا إلاّ إياه، وقضى ربُك بأن تُحسنوا بالوالدين إحساناً، والإحسان يقابل الإساءة كما هو معلوم، وهذا بعد التوحيد لله الذي هو من أوجب الواجبات، كما أنّ عقوقهما من أكبر الكبائر، كما وردت الإشارة إلى ذلك في عدّة مواضع من كلامه تبارك وتعالى.

ثُمَّ انتقلت الآية إلى أمر آخر، وحقيقة أُخرى، حيث قالت: ِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا بلوغ الكبر يعني بلوغ كبر السن، وأُفّ كلمة تفيد الضجر والإنزجار[351] وقد ورد عن الإمام الرضا عليه السلام عن أبيه عن جدّه أبي عبد الله عليه السلام، قال: «لو علم الله كلمة أوجز في ترك عقوق الوالدين من أفٍ لأتى بها» وفي رواية أُخرى، قال: «أدنى العقوق أفٍ ولو عَلِمَ الله شيئاً أيسر وأهون منه لنهى عنه»[352].

وتخصيص حالة الكبر بالذكر؛ لكونها أشقّ الحالات التي تمرّ على الوالدين فيحسّان فيها بالحاجة إلى إعانة الأولاد لهما، وقيامهم بواجبات حياتهما التي يعجزان عن القيام بها، وذلك من آمال الوالدين التي يأملانها من الأولاد حين يقومان بحضانتهم وتربيتهم في حال الصغر، وفي وقت لا قدرة لهم على شيء من لوازم الحياة وواجباتها. فالآية تدلّ على وجوب إكرامهما ورعاية الأدب التام في معاشرتهما ومحاورتهما في جميع الأوقات، وخاصّة في وقت تشتدّ حاجتهما إلى ذلك، وهو وقت بلوغ الكبر من أحدهما أو كليهما[353].

هذا كلّه في برّ الوالدين في حياتهما.

وأمّا بعد وفاتهما وانتقالهما إلى الدار الآخرة فهناك عدّة طرق لبرّهما،

منها: أن يصلي صلاة برّ الوالدين، وهي ركعتان يقرأ في الركعة الأُولى ـ بعد سورة الحمد ـ عشر مرات «رب إغفر لي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب»، وفي الركعة الثانية ـ بعد الحمد أيضاً ـ عشر مرات: «رب إغفر لي ولوالدي ولمَن دخل بيتي مؤمناً وللمؤمنين والمؤمنات»، ويقول بعد التسليم والانتهاء من صلاته عشر مرات: «رب ارحمهما كما ربَّياني صغيراً»[354]، وأن يتصدّق عنهما وأن يقضي ما فاتهما من صلاة وصيام، وما عليهما من ديون، ويحجّ عنهما ويزور المراقد الشريفة، ويدعو لهما في صلاة الليل وصلاة الفريضة، فإن فعل ذلك فقد فتح لنفسه أبواب الرحمة والسعادة في النشأتين وتمّت أعماله بحسن العاقبة وذلك منتهى الغاية، ويتعهّد بزيارة قبورهم، يدعو لهم، يرضيهم بأية حالٍ من الأحوال، وإلاّ إذا انتقل الإنسان من هذه الدنيا إلى الحياة الأُخروية، الله يعلم ماذا سيجري عليه هناك؛ ولذا يُروى: أنّه كان رسول الله صلى الله عليه وآله جالساً في أحد الأيام في المسجد، وفُجأةً هبط عليه جبرئيل الأمين وقال له: السلام عليك يا رسول الله، انقل أقدامك الشريفة إلى المقبرة، لكي تتبرك القبور بتراب أقدامك، ولكي يشمّ حبيسو هذه القبور الضيقة المظلمة نسيم رحمتك الذي سيهبّ عليهم بقدومك عليهم، فقام رسول الله صلى الله عليه وآله مع طائفة من أصحابه، ويممّوا وجوههم نحو المقبرة، وكان أصحابه يحيطون به عن يمينه وعن شماله، وفي الأثناء وصل أمير المؤمنين عليه السلام إلى هناك وسأل الرسول صلى الله عليه وآله عن نيتهم في هذا المسير، فقال له: نريد أن نذهب إلى مقبرة البقيع، وعندما وصلوا إلى هناك تداعى إلى أسماع الرسول صلى الله عليه وآله صوت شخص يستغيث ويقول: الأمان يا رسول الله، فانتبه سيد الرسل إلى هذا الصوت وقال: يا صاحب القبر، أخبرني عن سبب عذابك؟

فأجابه: يا شفيع المذنبين وقدوة المؤمنين، إنّ سخط والدتي عليّ سبّب لي هذا العذاب؛ لأنني أذيتها في حياتي، الأمان الأمان يا رسول الله، فأمر الرسول صلى الله عليه وآله بلالاً أن ينادي في المدينة على الناس بأن يجتمعوا فنادى بلال بصوت جهوري: يا أيها الناس، اجتمعوا على قبور الآباء والأُمّهات والأقرباء بأمر من رسول الله صلى الله عليه وآله، وعندما سمعوا نداء بلال هبّوا مسرعين إلى المقبرة، فغصّت المقبرة بالناس، ومن بين الحضور كانت عجوزٌ محدودبة الظهر تتوكأ على عصاها، جاءت ووقفت بالقرب من رسول الله صلى الله عليه وآله فسلّمت عليه وقبّلت التراب بين يديه وقالت: يا رسول الله ما الخبر؟

فقال: أيتّها العجوز هذا ولدك؟

فأجابت: نعم يا رسول الله.

فقال لها صلى الله عليه وآله: إنّ ولدك الآن في محنة وعذاب، اغفري له وارضي عنه. فقالت العجوز: يا رسول الله، لا أغفر له ولا أرضى عنه أبداً!!

فقال لها: لماذا؟

قالت: لقد غذيته من لبني، وعاش في كنفي، وتحمّلتُ من أجله الصعاب، فلمّا كبر واشّتد عوده فبدلاً من أن يحسن لي أخذ يتلذذ بأذيتي وعذابي.

فقال لها رسول الله صلى الله عليه وآله اعطفي عليه وارحميه لينجو من عذابه، ورفع رسول الله صلى الله عليه وآله يديه بالدعاء وقال: إلهي بحق الخمسة من آل الكساء أسمع هذه الأُمّ صوت استغاثة ولدها؛ كي يرقَّ قلبها عليه وتعطف عليه وتغفر له، عندها أمر العجوز بأن تضع أذنها على قبر ولدها وتسمع صوت ولدها يئن بألم وحسرة، فلم تتمالك عن البكاء وقالت: يا سيد المرسلين وشفيع المذنبين، إنّه يستغيث، ويقول: فوقي نار وتحتي نار وعن يميني نار وعن شمالي نار وبين يديّ نار، الأمان الأمان الأمان!!!

عندها رقّ قلبُ العجوز بسبب سماعها استغاثة ولدها وقالت: إلهي لقد عفوت عن تقصير ولدي، فألبَسه الله سبحانه وتعالى لباس رحمته وعفا عنه فوراً، فنادى الولد: أيتّها الوالدة عفا الله عنك كما عفوت عني[355].

هكذا كان أثر دعاء الوالدة لولدها، ولذا ترى أنّ الإمام الحسين عليه السلام يوصي أُمَّ علي الأكبر بقوله: ليلى ادعي لولدك، إنّي سمعت جدّي رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: «دعاء الأُمّ مستجاب بحقّ ولدها»، وبالفعل دخلت ليلى إلى الفسطاط، نشرت شعرها، رفعت يديها إلى السماء قائلةً: إلهي بغربة أبي عبد الله، إلهي بعطش أبي عبد الله، يا رادّ يوسف إلى يعقوب، أردد إليَّ ولدي علي. ما هي إلاّ لحظات وإذا بعليّ الأكبر يرجع سالماً، واستجاب الله دعاء ليلى بحقّ ولدها، ولكنّ المـصيبة الكبرى عندما وقع القضاء، وشاء الله أن تراه على رمضاء كربلاء مقطع إرباً إرباً[356].

وكأنّي بأُمّه ليلى تخاطبه:

ردتك ذخر ليام شيبي
 

 

يوسفـه إنگطـع مِنـك نصيبي
 

 

 مجاريد

فجيـدة يا علي يبني فجيـدة
المـد ايـده عليـك انشلّت ايـده
 

 

بعيدة شوفتك صارت بعيدة
اوشرابه لا هنه ولا طاب له الزاد
 

***

يا علي يبني النوب ذليت
عمود الوسط يا شايل البيت
 

 

والموت ياخـذني تمنيت
يبني بعـد عنـدي اشخـلّيت
 


 

 

 

أبوذية

ردتك ما ردت دنيه ولا مال
 

 

تحضـرني لو وگـع حملي ولا مـال
 

يالكبر خابت إظنوني والأمال
 

 

عنـد الضيج يبني إگطعت بـي
 

***

رجوتُك يا علي تعيش بعدي
 

 

وتوسد جثتي رَمسَ اللحُـود
 

         
 

***

إنّا لله وإنّا إليه راجعون، ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله العليّ العظيم،

وسيعلم الذين ظلموا آل مُحَمّد أيَّ مُنقلبٍ ينقلبون

والعاقبة للمتقين.

 

المحاضرة السادسة عشرة: صِلَة الرَحِم

البدارَ البدارَ آل نِزار
سوِّموا الخيلَ واطلقوها عِراباً
وابعثوها ضُوابحاً فأُمَيُّ
لا تلد هاشميةٌ علوياً
أنزارُ نضُّوا برود التهاني
لا تمدُّوا لكم عن الشّمس ظِلاً
لا تذوقوا المعينَ واقضوا ظَمايا
حقَّ أن لا تكفّنوا هاشمياً
لا تشقّوا لآل ِ فهرٍ قبوراً
طأطئِوا الرُّؤوسَ إنَّ رأسَ حُسينٍ
 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

قد فُنيتُم ما بينَ بيضِ الشِّفارِ
واتركوها تشق بيد القفارِ
وسمت أنفَ مجدِكم بالصّغارِ
إن تركتم أُميَّة ً بقرارِ
فحسينٌ علی البسيطة عاري
إنَّ في الشمس مهجةَ المختارِ
بعدَ ظام ٍ‌ قضی بحدِّ الغِرارِ
بعدما كفّنَ الحُسينَ الذاري
فابنُ طه مُلقیً بلا إقبارِ
رفعوه فوق القنا الخطّارِ[357]
 

 

***

فعندما رأت العقيلة زينب عليها السلام رؤوسَ إخوتِها وأولادِها وأولادِ عمومتِها علی القنا، تذكّرت عزّها وتوجّهت نحوكافلها أبي الفضل العباس.

بحراني

صـاحـت دخـيلـك يالمگطع بالشريعة

 

 

جـاهـا الـنده ردي تری اچفوفي گطيعه

لـلـخـيـم ردي لـلـيـتـامى يـالـوديـعة

 

 

 تـدريـن بـيه امـگطعه ايميني واليسار

امطبّر ومن جوفي انزفت كلّ هاي الدموم

 

 

روحي العلي الأكبر يزينب بلچن يگوم

أيّست مـنه اوبـاليتامی ردّت تحوم

 

 

اتـنـخـي اومن كثر النواخي گلبها طار

         
 

***

صاحت صوت ياعـبـاس وينك

 

گـوم اوجـرّد الـمـاضـي بـيـمينك

وخـلـها تـصـد واتشوف عينك

 

آيا حمانا الفـاگـديـنك

قال تعالی: وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا[358].

لقد دعا الإسلام إلی الأُلفة والمحبّة بين جميع الناس، وأوصاهم أن يتعارفوا ويتآلفوا، وأكّد علی ذلك، وشدّد عليه في حقّ القرابة المعبّر عنها بالرحم، التي أوصی الله بصلتها، ونهی عن قطيعتها، وحذّر الأرحام من التدابر والتقاطع.

وليس معنی ذلك أن تصبح القرابة صنماً يتحكّم بعواطف الناس وعقائدها، وتتحوّل الأرحام إلی آلهة تجرف في طريقها كلّ عدلٍ وحقٍّ، ويتحوّل علی أساسها الباطل إلی حقّ والحقّ إلی باطل... بل معناها أن يكون بين الأرحام تواصلٌ وتعاطف وتوادّ في الله ومن أجل الله، فتتحول هذهِ الصلة إلی طـُهر ونزاهة، يجتمع فيها الأرحام علی طاعةِ الله وتقواه، ولا يفصمها ولا يزلزلها حادث عابر، أو قضية تافهة، ومن هُنا كان للأرحام حقوق أشدّ وأقوی من حقوق سائر المسلمين، يحسن بنا أن نمرّ عليها ونتدبرها[359].

فقد ابتدأت الآية المباركة بالأمر بالتقوی، قائلةً: واتقوا الله، وذلك لأهميّة التقوی ودورها في بناء قاعدة المجتمع الصالح، الأمر الذي اقتضى أن تذكر مجدّداً في نهاية الآية محل البحث، وأن يدعو سُبحانه الناس إلی التزام التقوی، غاية الأمر أنّه تعالی أضاف إليها جملة أُخری؛ إذ قال: وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ.

بمعنی: اتقوا الله العظيم، الذي تذكرون اسمه عندما تطلبون حقوقكم وحوائجكم فيما بينكم.

إنَّ ذكر هذا الموضوع هنا يدلّ أوّلاً علی الأهميّة الفائقة التي يُعطيها القـُرآن الكريم لمسألة الرحم ووشيجة القربی إلی درجة أنّه يذكر اسم الأرحام بعد ذكر اسم الله سُبحانه، وفيه إشارة ـ ثانياًـ إلی الأمر الذي ذُكر في مطلع الآية، وهو قوله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء، وهو أنّكم جميعاً من أبٍ واحدٍ وأُمٍّ واحدة، وهذا يعني: أنَّ جميع أبناء آدم أقرباء وأرحام، وهذا الارتباط والترابط يستوجبُ أن يتحابّ الجميع، ويتوادّوا دون تفريق أوتمييزٍ بين فردٍ وآخر، وقبيلة وأُخری، تماماً كما يتحابّ أفراد القبيلة الواحدة[360].

54.مَن هم الأرحام؟

الأرحام مفهومٌ يُعيّـنه العرف[361]، والقدر المتيقّن منه الآباء والأبناء والإخوة والأعمام والأخوال وأولادهم المُباشرون، وهؤلاء أمرنا اللهُ بصلتهم وفرضَ علينا التعاون معهم ونحفظهم ونرعاهم.

رُوي عن الإمام الصّادق عليه السلام، أنّه قال: «أوّل ناطقٍ من الجوارح يوم القيامة الرحم، تقول: يا ربّ مَن وصلني في الدُنيا فصل اليوم ما بينك وبينه ومَن قطعني في الدنيا فأقطع اليوم مابينك وبينه»[362].

55.آثار قطيعة الرحم:

وإنَّ من الذنوب الكبيرة والجرائم العظيمة أن يقطع الإنسان رحمه وينصب له العداء، ويقف في وجهه شاهراً لسانه مُعلناً غضبه، إنَّ قطيعة الرحم من الكبائر، وهي لا تجوز بأي شكل من الأشكال في قاموس المسلمين.

وقد يترتّب علی قطع الرحم آثار سيِّئة وعُقوبات جسيمة، وعذاب من الله شديد، وإليك بعض آثار قطيعة الرحم:

1ـ إنَّها تدخل النار، وتـُغضب العزيز الجبّار؛ فإنَّ الله توعّد عليها بعذاب أليمٍ لمَن قطع رحمه.

فعن النبيّ صلى الله عليه وآله أنّه قال: «أخبرني جبرائيل أنَّ ريحَ الجنّة توجد من مسيرة ألف عام مايجدها عاقّ، ولا قاطع رحم، ولا شيخ زان»[363].

2ـ من آثارها أن تتحوّل الأموال إلی أيدي الأشرار.

فعن الإمام الباقر عليه السلام: «إذا قُطعت الأرحام جُعلت الأموال في أيدي الأشرار»[364].

3ـ قطيعة الرحم من الذنوب التي تُعجّل الفناء، ففي خطبة لأمير المؤمنين عليه السلام يقول: «أعوذ بالله من الذنوب التي تُعجّل الفناء... فقام إليه عبد الله بن الكواء اليشكري، فقال: يا أمير المؤمنين، أوَ يكون ذنوب تُعجّل الفناء؟ فقال: نعم ـ ويلك ـ قطيعة الرحم»[365].

وعن الإمام الصّادق عليه السلام: «الذنوب التي تُعجّل الفناء قطيعة الرحم»[366].

4 ـ قطيعة الرحم سببٌ لحلول النقم، فعن أمير المؤمنين عليه السلام أنّه قال: «حلول النقم في قطيعة الرحم»[367].

5 ـ قاطع الرحم لا تنزل عليه الرحمة ولا علی الذين معه، كما ورد مرويّاً عن النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله أنّه قال: «إنَّ الرحمة لا تنزل علی قومٍ فيهم قاطع رحم»[368].

6ـ قاطع الرحم لا تنزل عليه الملائكة ولا علی القوم الذي هو فيهم، كما ورد بنفس المضمون المتقدّم: «إنّ الملائكة لا تنزل علی قومٍ فيهم قاطع رحمٍ»[369].

7 ـ تعجيل العقوبة الدنيوية، فعن الرسول صلى الله عليه وآله أنّه قال: «ما من ذنبٍ أجدر من أن يعجّل الله تعالی لصاحبه العقوبة في الدُنيا مع ما يدّخر له في الآخرة من قطيعة الرحم والخيانة والكذب»[370].

هذا كلّه في آثار قطيعة الرحم، وفي المقابل هناك آثار إيجابية كثيرة وعظيمة لصلة الرَحِم، جدير بكـُلّ إنسانٍ عاقل أن يتدبّرها، ويكتبها ويبحث عنها، ويوفرّها لنفسه، خصوصاً وأنـَّها في متناول يده، وتحت سُلطانه، ممّا يجعل حججه ومعاذيره غير مقبولةٍ علی الإطلاق.

56.آثار صلة الرحم

 من أبرز هذه الآثار:

1ـ طاعة الله عزّ وجلَّ امتثالاً لأمره، وهذا المعنی هو غاية مطمح أنظار المؤمنين؛ فإنـَّهم يبحثون عن رضاه باستمرار، ويعتبر ذلك من أهمّ عوامل إدخال السرور عليهم، والراحة لنفوسهم.

2ـ صلة الرحم تزيد في العُمر، فعن أمير المؤمنين عليه السلام مخاطباً أحد أصحابه واسمه نوف: «يا نوف، صِلْ رحمك يزيدُ الله عُمُرَك»[371].

وعن الإمام الصّادق عليه السلام: «إنَّ الرجُل ليصل رحمه، وقد بقي من عُمُره ثلاث سنين فيصيّرها الله عزَّوجلَّ ثلاثين سنة، ويقطعها وقد بقي من عُمُره ثلاثون سنة فيصيّرها الله ثلاث سنين. ثُمَّ تلا: يَمْحُو اللّهُ مَا يَشَاء وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ»[372].

3ـ صلة الرحم تهوّن سكراتِ الموت، وكذا شدائده، وتقي من ميتة السوء؛ فعن الإمام الصّادق عليه السلام أنّه قال: «مَن أحبَّ أن يُخَفَّف اللهُ عزَّ وجلَّ عنه سكرات الموت، فليكن لقرابته وصولاً، وبوالديه بارّاً، فإذا كان كذلك، هوّن الله عليه سكرات الموت، ولم يُصبه في حياته فقرٌ أبداً»[373].

وعن إمامنا الهادي عليه السلام: «فيما كلّم الله تعالی به موسی عليه السلام: قال موسی: فما جزاءُ مَن وصل رحمه؟ قال: ياموسی، اُنسيءُ له أجله، وأُهوّن عليه سكرات الموت»[374].

 وعن النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله: «صلة الرحم تُهَوِّن الحساب، وتقي ميتة السُوء»[375].

4 ـ صلة الرحم تنفي الفقر، وتجلب الخير، كما روي عن النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله: «صلة الرحم تزيد في العمر وتنفي الفقر»[376].

5 ـ صلة الرحم تزيد في الرزق، فعن الإمام الحُسين عليه السلام أنّه قال: «مَن سرّه أن يبسط الله له في رزقه ويُنسأَ له في أجله، فليصل رحمه»[377].

وغيرها من الآثار المخفيّة علی الكثير من الناس.

57.أقل ما يتحقق به صلة الرحم

 لو أعوز الإنسان المال، ولم يسعفه ذات يده أن يبسطها إلی أرحامه، ويمدهم بما أعطاه الله من فضله، فلا يبخل عليهم بما تقدر عليه من زيارةٍ لهم، أو التردد عليهم، ولا أقل من السلام عليهم؛ فإنَّ صلتهم بهذا المقدار القليل يُطيّبُ قلوبهم، ويرقّق مشاعرهم، ويزرع الحبَّ والثقة في نفوسهم، وهذا المقدار ينمو ويربو ويُعطي أفضل الثمار.

فعن النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله أنّه قال: «صِلوا أرحامكم ولو بسلام»[378].

وعن أميرالمؤمنين عليه السلام أنّه قال: «صلوا أرحامكم ولو بالتسليم، إنَّ الله يقول: وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا»[379].

58.أفضل صور صلة الرحم

وأفضل صلة الرحم وأعظمها فيما لو كان أحد الأرحامِ قاطعاً لها؛ فإنَّ صلتها لوجه الله حينئذٍ ستكون خالصةً لوجه الله، صافيةً من جميع شوائب الرياء والتعصب.

فإنَّ في حالة الرضا والوفاق تتدخّل المصالح والمنافع والقرابة، ولكن إذا كان رحمك قاطعاً لك تستطيع أن تصله، وبعملك هذا تخرجُه عن عدائه؛ لتضمّه إلی جانبك في حُبٍّ ورضی... بل الإسلام يفرضُ عليك عدم مقاطعة أرحامك، وإن كادوك ونصبوا لك العداوة، وحاولوا الإضرار بك.

فعن أبي عبد الله الصّادق عليه السلام: «إنّ رجُلاً أتی النبيّ صلى الله عليه وآله فقال: يا رسولَ الله، إنَّ أهل بيتي أبوا إلاّ توثُّباً عليَّ وقطيعةً لي، فأرفضهم؟

فقال: إذاً يرفضكم الله جميعاً.

قال: فكيف أصنع؟

قال: تصل مَن قطعك، وتعطي مَن حرمك، وتعفو عمّن ظلمك، فإنـَّك إذا فعلت ذلك كان لك من الله عزَّ وجل ظهير»[380].

ومن هُنا كان الرحم الكاشح وهو المعادي، هوالمصداق الأفضل للصدقة وللوصل؛ لعله يرّق قلبِه؛ ولذا تری سيد الشهداء عليه السلام يأمر أخاه أبا الفضل العباس عليه السلام أن يجيبَ الشمر وهو عدو الله، قال له: أخي يا أبا الفضل، أجبه وإن كان فاسقاً. ولكنّ الشمر صاح بأعلی صوته ـ بعد ما وعظهم أبو الفضل العبّاس عليه السلام ـ يا بن أبي ‌تراب لو كان وجه الأرض كلـّه ماءً، وهو تحت أيدينا لما أسقيناكم منه قطرة ! فرجع العباس إلی أخيه يخبره بجواب القوم، فسمع الأطفال يتصارخون ويُنادون: العطش العطش.

أوَ تشتكي العطش الفواطم عنده
 

 

 

وبصدر صعدته الفـُراتُ المُفعمُ
 

 

فركب جواده ومعه اللواء، وأخذ القربة، وقصد الفـُرات، فأحاط به أربعة الآف، ممَّن كانوا موكّلين بالفـُرات، ورموه بالنبال، فكشفهم وقتل منهم جماعة.

وثنی أبو الفضل الفوارس نكّصاً
مـا كرّ ذو بـأسٍ لـه مـتـقـدّمـاً
 

 

فرأوا أشدَّ ثباتهم أن يُهزموا
إلاّ وفـرَّ ورأسُـهُ الـمـتـقّـدِمُ
 

 

حتّی وصل إلی المشرعة، ركز لواءه ونزل إلی الماء، فلمّا أحسَّ ببرد الماء وقد كظّه العطش، اغترف غُرفةً ليشرب، لكنه تذكـّر عطش الحسين عليه السلام، فرمی الماء من يده، وقال: لا والله، لا أشربُ وأخي الحُسين عطشان، ثُمَّ جعل يقول:

يا نفسُ من بعدِ الحُسين هوني
هـذا حـسيـنٌ واردُ الـمـنـونِ
 

 

وبَعَده لا كنتِ أن تكوني
وتـشـربـيـن بـارد المَعين
 

 

***

غرف غرفه إبيمينه اوراد يشرب
ذكر چبدة عضيده والدمع صب
اشلـون أشـرب وَرد ريّان عنـك
يـنهـر الـعـلـگـمـي عـگـبه عسّـنك
اشلون أشرب وخوي احسين عطشان
وظـن گـلب الـعـلـيل الـتـهـب نيران
 

 

وگلبه إمن العطش نيران يلهب
ذبـه أاوعـليّ گال الماي يحـرم
وخوي احسين ورده إنـمـنع منك
وردك لاهـنـه ويـصـيـر عـلـگـم
وسكنه والحرم وأطفال رضعان
يريت الماي بعده لا حله اومر
 

 

فهذا موقف أبي الفضل العباس عليه السلام لأخيه أبي عبد الله الحُسين عليه السلام، وأمّا موقف أبي عبد الله عندما رآه علی نهر العلقمي نادی: «الآن إنكسر ظهري».

فايزي

ظهري انكسر يا خويه وانته اللي كسرته

 

 

ماني أخوك اشلون أخوك اليوم عفته

انـتـه الـتـجـيب الماي وانته الكافل انته

 

 

اتـخـلـي العقيلة بلا ولي بين آل أمية

اشـلـون أردّن للـخـيـم والـخـيـم ظـلـمة

 

 

عـبّاس خـويـه نـومتك علگاع هظمه

مابـيـن طـفـل الـيـرتـجـيك وبين حرمة

 

 

كلسا تگول اسـا يـجـيب الماي ليّه[381]

 

عباسُ تسمعُ زينباً تدعوك مَن
 

 

لي ياحماي إذا العدى نهروني
 

 

***

إنّا لله وإنّا إليه راجعون، ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله العليّ العظيم،

وسيعلم الذين ظلموا آل مُحَمّد أيَّ مُنقلبٍ ينقلبون

والعاقبة للمتّقين.

 

المحاضرة السابعة عشرة: وجوب تنصيب الإمام

عِشْ في زمانِِكَ ما استطعتَ نَبيلاً
ولعزِّك استرخصْ حياتَك إنَّه
تعطي الحياةُ قيادَها لك كلمّا
العزُّ مقياسُ الحياةِ وضلَّ مَن
قل كيف عاش ولا تقلْ كم عاشَ مَنْ
لاغرو إنْ طوتِ المنيّةُ ماجداً
ما كان للأحرارِ إلا ّ قدوةً
بعثته أسفارُ الحقائق آيةً
يدوي صداها في المسامع زاجراً
لا زال يقرؤها الزمان مُعَظِّماً
 

 

واترُك حديثَك للرواةِ جَميلا
أغلی وإلا ّ غادرتْكَ ذليلا
صيَّرتها للمَكرُماتِ ذَلولا
قدْ عدَّ مقياسَ الحياةِ الطولا
جَعَل الحياةَ إلی عُلاه سَبيلا
كَثُرتْ‌ محاسنه وعاش قليلا
بطلٌ توسَّد في الطفوف قتيلا
لا تقبلُ التفسيرَ والتأويلا
مَن عَلَّ ضيماً واستكان خُمولا
في شأنها ويزيدها ترتيلا [382]
 

 

***

سيدي:

فليت أكـُفـّاً حاربتكَ تقطّعتْ
 

 

وأرجُلَ بغيٍ جـاوبتك جُذامُ
 

 

إنــّها الأكــُفُ الأثيمة، والأرجلُ التي سعت إلی أعظم جريمة،‌ أبكت عين رسول الله وأمير المؤمنين عليهما السلام، وتركت أُمَّك الزهراء عليها السلام تقيم مأتمها إلی جنب جسدك الطاهر ليلة الحادي عشر، وهي تلثم نحرك وتطالِبُـك بحقوق الأُمومة.

تگلك يا عزيز الروح يا سبّاح
يبني ما تگلي وين راسك راح
 

 

گـلبي وياظيا بالعـين أُمَّك لاح
آيحسين يومك بيش أوصفـنـَّه
 

 

***

ماني أُمّك وجيت أطلب إبحگ إرباي
أنَه الكسروا ضلعها گوم واحچي اوياي
إشكثر يبني اتعبت برباك أنه اولوليت
يبني امن المدينة الكربله اتعنيت
اگعد شوف جدك گاعد اگبالك
يبني من گطع يمناك وشمالك
يُمّه إبياذنب چتلتك هالعدوان
يم شاطي الفرات اوتنذبح عطشان
يبني وهاي جيتي انشوفك إبياحال
اوحمل زينب دگلي اعلی الجمل لومال
 

 

يماي العين يلّي ما شربت الماي
ولهانه إعلی صوتك وارد أسمعنه
ياشمعة إعيوني اوياعمود البيت
دسولفلي عليك إشصار يمچّنه
ينادي احسين يبني اشصاير ابحالك
اوصدرك ليش يبني الخيل رضنّه
يبني اوليش جسمك عالترب عريان
أريد أعرف اعليمن تنحرم منه
اوياهو اللي يباري البگه امن الأطفال
ياهو اللي يعدله اوليه يتدنه
 

 

***

 

عن الإمام أمير المؤمنين عليه السلام أنـّه قال: «اللَّهُمّ بلی، لا تخلو الأرضُ من قائمٍ لله ِبحُجّةٍ، إمّا ظاهراً مشهوراً وإمّا خائفاً مغموراً، لئلا تبطلَ حججُ اللهِ وبيّناتُه»[383].

هذا المقطع من كلام أميرالمؤمنين عليه السلام سيد البلغاء والمتكلّمين الذي كلامه أمير الكلام؛ بل كلّ شيء فيه أميرٌ، وهو الذي فقأ عيون البلاغة، وأيتم جواهر الحكمة،كما عبّر الشعبي، حيث قال: «تكلّم أمير المؤمنين عليه السلام بتسع كلمات أرتجلهن ارتجالاً، فقأن عيون البلاغة، وأيتمن جواهر الحكمة، وقطعن جميع الأنام عن اللحاق بواحدة منهن، ثلاث منها في المناجاة، وثلاث منها في الحكمة، وثلاث منها في الأدب، فأمّا اللاتي في المناجاة فقال: إلهي كفى لي عزّاً أن أكون لك عبداً، وكفى بي فخراً أن تكون لي رباً، أنت كما أحب فاجعلني كما تحب. وأمّا اللاتي في الحكمة فقال: قيمة كلّ امرئ ما يحسنه، وما هلك امرء عرف قدره، والمرء مخبو تحت لسانه. وأمّا اللاتي في الأدب فقال: أمنن على مَن شئت تكن أميره، واحتج إلى مَن شئت تكن أسيره، واستغنِ عمّن شئت تكن نظيره»[384].

وهذا المقطع من كلامه الشريف كان من ضمن الحِكَم التي وجّهها لكميل بن زياد النخعي، وهي من الحكم الجامعة لمحاسن الكلام، وقد خرج بكميل نحو الجبّانة، أي: المقبرة، ثُمَّ أصحر به، أي: أخذه نحو الصحراء، فلمّا وصلا تنفّس الصُّعَداء، ثُمَّ قال: «يا كميل، إنَّ هذه القلوب أوعية فخيرها أوعاها، فاحفظ عني ما أقول لك».

وبدأ يتدرّج معه في الحديث، إلی أن وصل به المقام إلی بيان ضرورة وجود الإمام، في قوله: «اللَّهُمَ بلی، لا تخلو الأرضُ من قائمٍ لله ِبحُجّةٍ، إمّا ظاهراً مشهوراً وإمّا خائفاً مغموراً، لئلا تبطلَ حججُ اللهِ وبيّناتُه».

قال ابن أبي الحديد في شرح النهج: «كيلا يخلو الزمان ممَّن هو مهيمن لله تعالی ومسيطر عليهم؛ وهذا يكاد يكون تصريحاً بمذهب الإمامية، إلاّ أنّ أصحابنا يحملونه علی أنّ المراد به الأبدال الّذين وردت الأخبار النبوية عنهم؛ أنـّهم في الأرض سائحون»[385]، وهذا صرف لكلام أمير المؤمنين عليه السلام عن ظاهره بلا قرينة حالية، ‌أو مقالية، فلا يُعتنی به، ولا يُلتفت إليه.

فكلّ إنسان عاقل يفهم من كلام الأمير عليه السلام حاجة الأُمَّة إلی الإمام؛ إذ التعليل الذي ذكره الإمام عليه السلام لا يناسب إلاّ ذلك.

وذلك عند قوله «لئلا تبطل حجج الله وبيناته»، فهو يناسب أن يكون هناك مَن يكون قوله حجّة لله تعالی، وليس هناك مَن يكون قوله حجّة علی الناس إلاّ حجج الله، ومَن جعلوه هم، فمن هنا اتَّضح أنَّ المقصود هو الإمام عليه السلام.

أضف إلی ذلك ما ورد في نصوص عديدة عن الأئمة عليهم السلام بأنّهم حجّة الله علی العباد، كما ورد في كتاب الكافي الشريف روايات وروايات بهذا الخصوص في كتاب الحجّة منه والذي يأتي بعد كتاب التوحيد مباشرةً.

ومن هذهِ الروايات ما روي عن أبي عبد الله الصّادق عليه السلام أنــّه قال: «إنّ الحجَّة لا تقوم لله عزَّ وجلَّ علی خلقه إلاّ بإمام حتّی يُعرف»[386].

61.الإمامة عند الشيعة:

إنّ الإمامة عند الشيعة تختلف في حقيقتها وجوهرها عمّا لدی أهل السُـنّة، فهي عندنا إمرة إلهية، وإستمرار لوظائف النبيّ والنبوة، سوی تحمّل الوحي الإلهي، ومقتضی هذا اتّصاف الإمام بالشروط المشترطة في النبي، وعلی هذا سوف يَنحصر طريق ثبوت الإمامة بتنصيص من الله، وتنصيبٍ من النبيِّ الأكرم صلى الله عليه وآله، أو الإمام السابق.

أمّا عند غير الشيعة فهي لا تخضع إلی ميزان، بل ليس لها ميزان، فتارةً يعتمدون علی تعيين السابق للاّحق، وأُخری علی الشوری، وثالثة علی السيف، إلی غير ذلك. وهي ليست عندهم من الأُصول الاعتقادية، أمّا عندنا فهي أصل من الأُصول الاعتقادية.

62.الأدلّة على هذا الأصل

الدليل الأول: الآيات و الروايات

إنّ النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله‌ لم تكن مهمّته مقتصرة علی تلقّي الوحي الإلهي وتبليغه إلی الناس، بل كان يقوم بعدّة أُمور:

 منها: تفسيره للكتاب العزيز، وشرح مقاصده، وكشف أسراره، وهذا ما يبيّنه قوله سبحانه وتعالی: وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ[387].

 ومنها: بيان أحكام الموضوعات التي تحدث في زمن دعوته صلى الله عليه وآله.

 ومنها: دفع الشبهات، والجواب عن التساؤلات العويصة المريبة التي كان يثيرها أعداء الإسلام من يهود ونصاری.

 ومنها: أنّه صلى الله عليه وآله كان يصون الدين من التحريف والدسِّ، ويراقبُ ما أخذه عنه المسلمون من أُصولٍ وفروعٍ، حتّی لا تزلَّ فيه أقدامهم.

هذه جملة من الأُمور التي مارسها النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله أيام حياته الشريفة، ومن المعلوم أنَّ رحلته ستخلـّف فراغاً هائلاً في الوظائف المتقدّمة.

فلا بُدّ من وجود مَن يسدّ هذا الفراغ الهائل؛ لأنّ الأُمَّة تحتاج إلی مَن يراقبها، ويوضّح لها، ويأخذ بها إلی الطريق المستقيم في كُلِّ زمانٍ وفي كُلّ مكانٍ.

وإلاّ كيف يترك الله تبارك وتعالی هذهِ الأُمَّة بلا شخصٍ يرشدها، ويفسِّر لها، ويرد الشبهات التي تعرِض لها، أو التساؤلات التي تتلقّاها.

خصوصاً إذا علمنا أنَّ الأُمَّة لم تصل إلی مقام العصمة في زمن النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله حتّى تعرف مصلحتها أو ما تحتاج إليه، فكيف بها بعده صلى الله عليه وآله؟!

وعليه فلا يمكن أن يكون هذا الفراغ الهائل دون أن يوجد مَن يشغله، فلا بُدّ ـ إذن ـ من وجود مَن يستودعه النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله كُلّ ماتلقّاه من المعارف والأحكام، وأن تكون هذهِ الشخصية شخصية مثالية، لها كفاءة وقدرة على تقبُّلِ هذهِ المعارف والأحكام وتحمُّلِها.

الدليل الثاني: الأُمّة الإسلامية ومثلث الخطر المحدق بها

إنّ الدولة الإسلامية التي أسّسها النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله كانت محاصرةً حال وفاته صلى الله عليه وآله من جهتي الشمال والشرق بأكبر إمبراطورتين عرفهما تاريخ تلك الفترة، وكانتا علی جانبٍ كبير من القوّة والبأس، وهُما: الروم والفرس، الروم من الشمال، والفرس من الشرق.

ويكفي في بيان خطورة إمبراطورية الفرس، ما كتبه ملكها إلی عامله باليمن ـ وذلك بعد أن وصلت إليه رسالة النبيّ صلى الله عليه وآله تدعوه إلی الإسلام وقام بتمزيقها ـ: «ابعث إلی هذا الرجل بالحجاز، رجلين من عندك جَلْدَينِ فليأتياني به»[388].

هذه ‌هي الأخطار الخارجية التي تواجهها الأُمَّة الإسلامية، وأمّا من الداخل، فقد كان الإسلام والمسلمون يعانون من وطأة مؤامرات المنافقين الذين كانوا يشكــّـلون جبهة عُدوانية داخلية، حتّی أنّ الباري عزَّ وجلَّ أنزل فيهم سورة خاصّة.

إذن، عدوّان خارجيان، وعدوٌّ داخلي، فالمثلّث تامٌّ، ومن المحتمل جداً أن يتّحد هذا المثلث، ليزلزل مابناه النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله، فما هي الوظيفة مع وجود هذا الخطر العظيم؟

هل الوظيفة هي تنصيب قائدٍ عارف حكيم له القدرة علی قيادة الأُمَّة ووظائفها حتّی يجتمع المسلمون تحت رايته، ويكونوا صّـفاً واحداً في مُقابل ذاك الخطر؟

أو أنَّ الوظيفةَ والمصلحة العامّة تقتضي تفويض الأمر إلی الأُمَّة حتّی يختاروا لأنفسهم أميراً، مع ما يحكيه لنا التاريخ من سيطرة الروح القبلية عليهم؟[389]

والجواب هو: إنَّ القائد العارف البصير هو مَن يعتني بالأوضاع الاجتماعية لاُمَّته، ويلاحظ الظروف المحيطة بها، ويرسم علی ضوئها مايراه صالحاً لمستقبلها، وعليه فلا بدّ من تعيين القائد والمدّبر، لا دفع الأمر إلی الأُمَّة، ومتی عرفت الأُمَّة مصلحتها؟!

الدليل الثالث: نصب الإمام لُطفٌ إلهي

 والدليل الثالث والمهم في المقام هو ما سلكه السيد المرتضی رحمه الله في الاستدلال حيث قال: إنَّ نصب الإمام لطف من الله علی العباد، واللُّطف واجبٌ علی الله تعالی لما تقتضيه حكمته؛ وذلك لأنَّ اللُّطف مايُقرِّب إلی الطاعة ويُبعّد عن المعصية، ولو بالإعداد وبالضرورة أنَّ نصبَ الإمام كذلك؛ لما به من بيان المعارف والأحكام الإلهية، وحفظ الشريعة من الزيادة والنقصان، وتنفيذ الأحكام، ورفع الظلم والفساد ونحوها.

وأمَّا كونه واجباً عليه تعالی؛ فلأنَّ ترك اللُّطف من الله سبحانه وتعالی إخلال بغرضه ومطلوبه، وهو طاعة العباد له، وترك معصيته، فيجب نصبه لئّلا يُخِلَّ بغرضه[390].

ولذا استدلّ أصحاب الإئمة عليهم السلام بأدلّة قويّة لبيان أهميّة الإمام، منها هذه الرواية الشريفة: روى عليُّ بن إبراهيم عن أبيه عن الحسن بن إبراهيم عن يونس بن يعقوب، قال: كان عند أبي عبد الله عليه السلام جماعة من أصحابه، منهم حمران بن أعين، ومحمد بن النعمان، وهشام بن سالم، والطيّار، وجماعة فيهم هشام بن الحكم ـ وهوشابٌّ ـ فقال أبوعبد الله عليه السلام: «يا هشام، ألا تخبرني كيف صنعت بعمرو بن عبيد، وكيف سألته؟ فقال هُشام: يا بن رسول الله، إنــّي أُجِلُّكَ وأستحييك، ولا يعمل لساني بين يديك، فقال أبو عبد الله: إذا أمرتكم بشيء فافعلوا.

قال هشام: بلغني ما كان فيه عمرو بن عبيد وجلوسه في مسجد البصرة، فعظم ذلك عليّ، فخرجتُ إليه ودخلتُ البصرة يوم الجُمعة، فأتيتُ مسجد البصرة، فإذا أنا بحلقةٍ كبيرة فيها عمرو بن عبيد وعليه شملة سوداء متّـزر بها من صُوفٍ، وشملةٌ مرتدٍ بها، والناس يسألونه، فاستفرجتُ الناس، فأفرجوا لي، ثُمَّ قعدتُ في آخر القوم علی ركبتيّ، ثُمَّ قُلتُ: أيُّها العالم، إني رجلٌ غريبٌ، تأذن لي في مسألةٍ؟ فقال لي: نعم. فقلتُ له: ألك عينٌ؟ ‌فقال: يا بنيَّ أيَّ شيء هذا من السؤال؟ وشيء تراه كيف تسأل عنه؟ فقلتُ هكذا مسألتي، فقال: يا بني سَلْ وإن كانت مسألتك حمقاء، قـُلتُ: أجبني فيها، قال لي: سل.

قـُلتُ: ألك عينٌ؟ قال: نعم، قُلتُ: فما تصنع بها؟ قال: أری بها الألوان والأشخاص، قـُلتُ: فلك أنفٌ؟ قال: نعم، قُلتُ: فما تصنع به؟ قال: أشمُّ به الرائحة، قـُلتُ: ألك فمٌّ؟ قال: نعم، قـُلتُ: فما تصنع به؟ قال: أذوقُ به الطعام، قُلتُ: فلك أُذُنٌ؟ قال: نعم، قُلتُ: فما تصنع بها؟ قال: أسمعُ بها الصوت،‌ قلتُ: ألك قلبٌ؟ قال: نعم، قلتُ: فما تصنع به؟ قال: أُميِّز به كلَّما ورد علی هذه الجوارح والحواسّ.

قُلتُ: أوَ ليس في هذهِ الجوارح غنیً عن القلب؟ فقال: لا، قـُلتُ: وكيف ذلك وهي صحيحة سليمة. قال: يا بنيّ، إنَّ الجوارح إذا شكّت في شيءٍ شمّـته أو رأته أو ذاقته أو سمعته، ردتـَّه إلی القلب، فيستيقن اليقين ويُبطل الشكّ.

قال هشام: فقُلت له: فإنّما أقام الله القلب لشكّ الجوارح؟ قال: نعم، قُلتُ: لا بُدّ من القلب وإلاّ لم تستيقن الجوارح؟ قال: نعم، فقلتُ له: يا أبا مروان، فالله تبارك وتعالی لم يترك جوارحك حتّی جعل لها إماماً يُصحّحُ لها الصحيح ويُتيقن به ما شُكّ فيه، ويترك هذا الخلق كـُلّهم في حيرتهم وشكّهم واختلافهم لا يقيمُ لهم إماماً يردوّن إليه شكّهم وحيرتهم، ويقيمُ لك إماماً لجوارحك تردُّ إليه حيرتك وشكّك؟ قال: فسكت ولم يقُلْ شيئاً.

ثمّ التفت إليَّ فقال لي: أنت هُشام بن الحكم؟ فقلتُ: لا، قال: أمن جُلسائه؟ قُلت: لا، قال: فمن أين أنت؟، قال: قُلتُ من أهل الكوفة، قال: فأنت إذاً هو، ثُمَّ ضمنــّي إليه، وأقعدني في مجلسه وزال عن مجلسه وما نطق حتّی قُمت.

قال: فضحك أبوعبد الله عليه السلام وقال: ياهشام، من علـَّمكَ هذا؟ قُلتُ: شيءٌ أخذته مِنْكَ وألَّفته، فقال: هذا والله، مكتوبٌ في صُحف إبراهيم وموسی»[391].

فهكذا هو حال الإمام المعصوم عليه السلام، بمثابة قلبِ الإنسان، فالعالم بلا إمامٍ كالإنسان بلا قلبٍ، وكيف يعيش الإنسانُ إذا كان بلا قلبٍ أو تعرّضَ قلبه لجرح أو عارضٍ معيّن، بل كيف نتصور إنساناً يخترق قلبَه سهمٌ مثلث له ثلاث شعب.

قال أربابُ المقاتل: كان الحسين عليه السلام يقول عندما برز إلی القتال:

أنا الحسينُ بنُ عليّ
 

 

آليـتُ أن لا أنثنـي
 

أحمي عـيالاتِ أبي
 

 

أمضي علی دينِ النبيّ
 

 

وأخذ يضرب فيهم يميناً وشمالاً، حتّی قتل منهم خلقاً كثيراً.

فلّما نظر الشمر إلی ذلك أقبل إلی عمر بن سعد، وقال: أيُّها الأمير، إنَّ هذا الرجل يفنينا عن آخرنا مبارزةً، قال: كيف نصنعُ به؟

قال: نفترق عليه من كلِّ مكان، فافترقوا عليه: فرقةٌ ترميه بالنبال والسهام والحجارة، وفرقة يطعنونه بالرّماح، وفرقة يضربونه بالسّيوف، حتّی أثخنوه بالجراح، قال في اللُّهوف: حتّی أصابته إثنتان وسبعون جُراحة، فوقف يستريح ساعة ً، وقد ضعف عن القتال، فبينما هو واقفٌ إذ أتاه حجرٌ فوقع في جبهته، فسالت الدماء علی‌ وجهه ولحيته.

فأخذ الثوب ليمسح الدم عن وجهه، إذ أتاه سهمٌ محدّد له ثلاث شُعب فوقع في قلبه[392]، ثُمَّ أخذ السهم وأخرجه من وراء ظهره، فانبعث الدم كالميزاب، فوضع يده تحت الجرح، فلمّا إمتلأت رمی بها إلی السماء، فما رجع من ذلك الدم قطرة، ثُمَّ وضع يده مرّة أُخرى، فلمّا امتلأت دمّاً لطّخ بها رأسه ولحيته، وقال: «هكذا والله أكونُ حتّی ألقی جدّي محمداً، وأنا مخضوبٌ، وأقولُ: يارسولَ الله، قتلني فلان وفلان»[393].

هذا وزينب عليها السلام تنظر أخاها بلا معين ولا مؤازر ولا عشيرة بعد ماخرجت مع أهل بيتها:

دنظر للعشيرة إشكثر حــــلوه
 

 

تحل الموزمة اوتكشف البلوه
 

أدوا لبو اليمة اشروط الإخوّة
 

 

اوسوّوا يوم إله للحشر تذكار
 

الـفـواطـم لو اثـلاثـة من زلمها
 

 

عگب احسين كون احضرت يمّها
 

 

چا مـحـد جـســر يحرﮒ خيمها
 

 

ولا سـلـبـوا يـتـيمه ولا نهب صار
 

أنه اتمنيت هالنهضة انهضوها
 

 

إلـزينب يوم اجوها إيـسلـبّوها
 

وإلذيج اليـتـيـمـه الــروّعـــوها
 

 

ابـضـربـها اوتـلـتهب بذيالها النار
 

 

بحراني

فرّت يتيمة امـدوهنة امن إخيام الحسين

 

 

تبچي اوتنادي يا خلگ درب الغري مـنين

گـلها عدو امن الگوم اسمعي يا حزينه

 

 

ابعيد الـغـري ويـنـچ يهالـحـرّه اوويـنه

ممـشه ثـلث تـيام چـانچ تـوصليـنه

 

 

واشلون بـس وحدچ ابـهذا البر تسيرين

گالت أبوي حـسين دليني بـجـسـمه

 

 

إيگولون من فوگ الثری إمخضّب إبدمـــه

إبيا كتر صارت طيحته أرد أصل يمّه

 

 

بلچت يحاچيني امن أنادي ابصوت يحسين

     
 

***

أحبايَ لو غيرُ الحِمامِ أصابَكُم
 

 

عتبتُ ولكِنْ ما على المَوتِ مَعْتَبُ
 

 

***

إنّا لله وإنّا إليه راجعون، ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله العليّ العظيم،

وسيعلم الذين ظلموا آل مُحَمّد أيَّ مُنقلبٍ ينقلبون

والعاقبة للمتّقين.

المحاضرة الثامنة عشرة: سورة العصر

أروحُكَ أم روحَ النبوّةِ تصعدُ
ورأسُكَ أم رأُسُ الرسولِ على القنا
وصدرُك أم مستودَعُ العلمِ والحِجى
وشاطرتِ الأرضُ السّماءَ بشجوِها
وقد نَصبَ الوحيُّ العزاءَ ببيتهِ
يلوح له الثقلان ثقلٌ مُمزّقٌ
فعترتُه بالسّيفِ والسهمِ بعضُها
فأيُّ قتيلٍ أصلتِ الشّمسُ جسمَه
وأيُّ ذبيحٍ داستِ الخيلُ صدرَه
ألم تكُ تَدري أنَّ رُوحَ مُحمّدٍ
فلو عَلمتْ تلكَ الخُيولُ كأهلِها
لثارتْ على فُرسانِها وتمرّدت
وأعظمُ ما يُشجي الغيورَ حرائرُ
فمِن مُوثَقٍ يشكو التشدُّدَّ من يد
كأنّ رسولَ الله قال لقومهِ
 

 

من الأرضِ للفردَوسِ والحورُ سُجّدُ
بآيةِ أهلِ الكهفِ راحَ يردّدُ
لتحطيمهِ جيشٌ من الجهلِ يَعمدُ
فواحدةٌ تبكي وأُخرى تُعدّدُ
عليكَ حِداداً والمُعزّى مُحمّدُ
بسهمٍ وثقلٌ بالسّيوفِ مُقدَّدُ
شهيدٌ وبعضٌ بالفلاةِ مُشرّدُ
ومشهدُها من أصلهِ مُتولّدُ
وفُرسانُها من ذكرهِ تَتَجمّدُ
كقُرآنهِ في سِبطه مُتجسّدُ
بأنَّ الذي تحتَ السَنابكِ أحمدُ
عليهم كما ثَاروا بها وتمرّدوا
تُضام وحاميها الكفيلُ مُقيّدُ
وموثَقةٍ تبكي فتلطُمها اليدُ
خُذوا وتْرَكُم من عترتي وتشدّدوا[394]
 

 

***

طبّوا للخيام وفرهدوها
وچم طفلة إلنبيهم روّعوها
 

 

وعزيزات النبوّة سلبوها
اوفرّت من خيمها تحوم واتّدور
 

 

***

عگب ما فرهدوا ذيج الصواوين
اوطلعت هايمة ذيچ النساوين
 

 

شبّوا نارهم بخيام الحسين
يتاماها اتّعثّر بين الصخور
 

 

***

بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ*[395].

64.القَسَم ومعناه:

لقد احتلّ القَسَم في القرآن الكريم مجالاً واسعاً، فصارت مواردُه مثيرة للاهتمام، فما هو القَسَم إذن؟

«القَسَم: هو اليمين، ويُجمع على أقسام، والفعل أُقسم»[396].

وفي الصحاح: «أقسمت: حلفت، وأصله من القسامة، وهي الأيمان تقسّم على الأولياء في الدم»[397].

وفي الفروق اللغوية: «الفرق بين القسم والحلف: أنَّ القَسَم أبلغ من الحلف؛ لأنّ معنى قولنا أُقسم بالله أنّه صار ذا قسمٌ بالله، والقسم النصيب، والمراد: أنَّ الذي أقسم عليه من المال وغيره قد أحرزه ودفع عنه الخصم بالله، والحلف من قولك سيف حليف أي: قاطعٌ ماضٍ فإذا قلت: حلف بالله فكأنّك قُلت قطع المخاصمة بالله، فالأوّل أبلغ؛ لأنّه يتضمّن معنى الآخر مع دفع الخصم، ففيه معنيان، وقولنا: حلف يفيد معنى واحد، وهو قطع المخاصمة فقط...»[398].

65.أركان القسم:

إنّ القسم من الأُمور ذات الإضافة، وهو فعلُ فاعلٍ مُختار له إضافة إلى أُمور أربعة: أ. الحالف، ب. ما يحلف به، ج. ما يحلف عليه، د. الغاية من القسم.

أمّا الأوّل: فالحلف عبارة عن فعل الفاعل المختار، فلا يصدر إلاّ منه سواء أكان واجباً، كالله سبحانه، أم ممكناً، كالإنسان وغيره.

وأمّا الثاني ما يحلف به فإنّ لكلِّ قوم أُموراً مقدّسة يحلفون بها، وأمّا القرآن الكريم فقد حلف سبحانه بأُمور تجاوز عددها الأربعين مُقسماً به.

وأمّا الثالث ما يحلف عليه والمراد هو جواب القسم الذي يُراد منه التأكيد عليه وتثبيته وتحقيقه، وهذا ما يقال القصد بالقسم تحقيق الخبر وتوكيده.

وثمّة ركن رابع، وهو الغاية المتوخّاة من القسم، فنقول: إنّ الغاية إمّا هي تحقيق الخبر ودعوة المخاطب إلى الإيمان والإذعان به، كما هو الغالب، أو إلفات النظر إلى عظمة المُقسَم به، وما يكمن فيه من أسرار ورموز، أو لبيان قداسته وكرامته، ومن خلال هذا البيان، يتّضح الجواب على ما ربما يُقال من أنّ قَسَمه سبحانه إن كان لأجل المؤمن فهو يصدّقه بلا حلف، وإن كان لأجل الكافر فلا يفيده، فيكون هذا القَسَم لغواً.

والجواب: إنّ إيمان المؤمن بصدق إخباره سبحانه لا ينافي تأكيده بالحلف، مضافاً إلى ما عرفت من أنَّ حلفه سبحانه بشيء إشارة إلى كرامته وقداسته، أو إلى عظمته وما يكمن فيه من أسرار ورموز[399].

66.القسم في سورة العصر:

لم يُقسم الباري عزّ وجلّ في كلِّ القُرآن الكريم بالعصر إلاّ في هذه السورة المباركة، التي لخّصت جميع المعارف القرآنية وجمعت شتات مقاصد القرآن في أوجز بيان، كما عبّر عنها صاحب التفسير العظيم الميزان[400].

وعلی ضوء ما تقدّم في أركان القَسم يأتي الكلام في تطبيقها على هذه السورة المباركة: فالمُقسِم هو الله تبارك وتعالى، والمُقسَم به هو العصر، وجواب القسم هو كون الإنسان في خسر، والغاية هي تأكيد الجواب.

ولا شكّ ـ بحسب ما ذكرنا ـ أنّ الشيء الذي يقسم به لا بدّ أن يكون من الأُمور المهمّة المُقدّسة حتّى يثبت الجواب والغاية.

67.ما هو العصر:

الأقوال والتفاسير في ذلك مختلفة قد تصل إلی السبعة، أذكر بعضها، وهي: أنّ العصر الذي أقسم به الباري عزّ وجلّ هو:

1 ـ عصر النبي صلى الله عليه وآله.

2 ـ أنّه الدهر.

3 ـ وقت العصر.

4 ـ صلاة العصر.

5 ـ عصر ظهور الإمام المهدي عليه السلام[401]، ولكلّ قولٍ يوجد قائل وناصر له. والأشياء المذكورة كُلُّها مهمّة ومقدّسة، وتستحقّ أن يُقسم بها لإثبات جواب القسم الآتي بعد القسم، وهو: إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ، وقد تسأل وتقول: من أين نشأت أهميّة هذه الأشياء المذكورة حتّى أقسم بها الباري عزّ وجلّ؟

والجواب:

أمّا الأول: وهو عصر الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله؛ «فلكونه عصر طلوع الإسلام على المجتمع البشري، وظهور الحقّ على الباطل»[402].

أو «لأنَّ المنهج ذا المواد الأربعة في ذيل هذه السورة: [الإيمان، وعمل الصالحات، والتواصي بالحقّ، والتواصي بالصبر] نزل في هذا العصر»[403].

ويؤيّد عظمة هذا العصر خطبة الزهراء عليها السلام، حيث تقول: «وكُنتم على شفا حُفرةٍ من النار، مُذقة الشارب، ونهزة الطامع، وقبسة العجلان، وموطي الأقدام، تشربون الطرق وتقتاتون القدّ، تخافون أن يتخطفكم الناس من حولكم فأنقذكم الله تبارك وتعالى بمُحمّد صلى الله عليه وآله»[404].

أو كما يقول أمير المؤمنين عليه السلام: «وأنتم معشرَ العرب على شرّ دين وفي شر دار متنخون، بين حجارة خشن، وحيّات صُم، تشربون الكدر، وتأكلون الجشب، وتسفكون دماءكم، وتقطعون أرحامكم، الأصنام فيكم منصوبة، والآثام بكم معصوبة»[405].

فهكذا عصر يشعّ على ظلمة العصر الذي سبقه فينوّرها، يستحق أن يُقسَم به، ويُذكر آناء الليل وأطراف النهار.

وأمّا الثاني: وهو الدهر؛ «لما فيه من عجائب الحوادث الدالّة على القدرة الربوبية وغير ذلك»[406]، أو «لأنّ فيه عبرة لأولي الأبصار»[407]، أو «لما في مروره من أصناف العجائب»[408].

وأمّا الثالث: وقت العصر «الطرف الأخير من النهار؛ لما فيه من الدلالة على التدبير الربوبي، بإدبار النهار وإقبال الليل وذهاب سلطان الشمس»[409]، أو «أنّ هذا الوقت معظّم... فكما أقسم في حقّ الرابح بالضحى فكذا أقسم في حقّ الخاسر بالعصر؛ وذلك لأنّه أقسم بالضحى في حقّ الرابح وبشّر الرسول أنَّ أمره إلى الإقبال، وهاهنا في حقّ الخاسر توعدّه أنّ أمره إلی الإدبار»[410].

وأمّا الرابع: وهو صلاة العصر، وذلك «أنّه تعالى أقسم بصلاة العصر؛ لفضلها بدليل قوله والصَّلاَةِ الْوُسْطَى... [و] التكليف في أدائها أشقّ؛ لتهافت الناس في تجاراتهم ومكاسبهم آخر النهار، واشتغالهم بمعايشهم... [و] أنّ صلاة العصر بها يحصل ختم طاعات النهار، فهي كالتوبة بها يُختم الأعمال، فكما تجب الوصيّة بالتوبة كذا بصلاة العصر؛ لأنّ الأُمور بخواتيمها، فأقسم بهذه الصلاة تفخيماً لشأنها، وزيادة توصية المكلف على أدائها، وإشارة منه أنّك إن أدّيتها على وجهها عاد خسرانك ربحاً»[411].

وأمّا الخامس: وهو عصر ظهور الإمام صاحب العصر والزمان عجل الله فرجه الشريف.

فعن المفضّل بن عُمر قال: سألت الصّادق جعفر بن محمّد عليها السلام عن قولِ الله عزّ وجلّ وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ قال عليه السلام: «العصرُ عصر خروج القائم»[412].

وقد يقال: ما هو الشيء المقدّس في هذا العصر حتّى يُقسِمَ به الباري عزّ وجلّ؟

والجواب: إنّه عصر يشبه عصر رسول الله صلى الله عليه وآله في رجوع الناس إلی صلب الدين وصحيحه، بعد هذا البعد والفراق لأئمة الدين وهداته، ويكفي تصديقاً بعظمة هذا العصر ما ورد عن إمامنا الصادق عليه السلام في حديث حول سيرته عند قيامه عجل الله فرجه الشريف قال: «... ولا يترك بدعة إلاّ أزالها، ولا سنّة إلاّ أقامها»[413].

فتصل الناس في ذلك العصر إلی الكمال الذي ليس بعده كمال يرجى في هذه النشأة.

وأنّه عجل الله فرجه الشريف يسير فيهم بسنّة رسول الله صلى الله عليه وآله، ويعمل فيهم بعلمه... إذا قام القائم عجل الله فرجه الشريف دعى الناس إلی الإسلام جديدا،ً وهداهم إلی أمرٍ قد دثر، وضلّ عنه الجمهور[414].

والخلاصة: إنّ الله تبارك وتعالى أقسم بأحد هذه المقدّسات الخمسة وبذلك «تتّضح... عظمة آيات القرآن وسعة مفاهيمها، فكلمة واحدة تتحمّل من المعاني العميقة ما يجعلها صالحة لكلّ هذه التفاسير المتنوّعة»[415].

68.جواب القسم في السورة المباركة:

وبعد معرفتنا بالآراء في تفسير ما أقسم به الباري عزّ وجلّ يأتي الدور الآن للتعرّف على جواب هذا القسم، فما هو الجواب المراد تأكيده لنا؟

الجواب بالغ الأهميّة، والإخبار به نتيجة صعبة القبول، وهو: إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ.

قال الراغب الإصفهاني: «خسر: الخسر والخسران انتقاص رأس المال، وينسب ذلك إلى الإنسان، فيقال: خسر فلان، وإلى الفعل، فيقال: خسرتْ تجارته، قال تعالى: تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ، ويستعمل ذلك في المقتنيات الخارجة، كالمال والجاه في الدنيا، وهو الأكثر، وفي المقتنيات النفسيّة كالصحّة والسلامة والعقل والإيمان والثواب، وهو الذي جعله الله تعالى الخسران المبين... وكل خسران ذكره الله تعالى في القرآن، فهو على هذا المعنى الأخير، دون الخسران المتعلق بالمقتنيات الدنيوية والتجارات البشرية»[416].

ثمّ إنّ المراد بالإنسان هنا جنسه[417]، فيكون المعنى كلّ إنسان في خُسر «والإنسان إذا لم يَستعمل نفسَه وعُمرَه فيما يوجب له الربح الدائم، فهو في خسران؛ لأنه عمل في إهلاك نفسه وعمره، وهما أكبر رأس ماله»[418].

وفي التفسير الصافي: «لفي خسران في مساعيهم، وصرف أعمارهم في مطالبهم»[419].

«يخسر هذا الإنسان ثروته الوجودية شاء أم أبى، تمرُّ الساعات والأيام والأشهر والأعوام من عمر الإنسان بسرعة، تضعف قواه الماديّة والمعنوية، تتناقص قدرته باستمرار. نعم، إنّه كشخص عنده ثروة عظيمة، وهذه الثروة يؤخذ منها كلّ يوم شيء باستمرار رغم إرادته، هذه طبيعة الحياة الدنيوية طبيعة الخسران المستمرّ، القلب له قدرة معينة على الضربان، وحين تنفد هذه القدرة يتوقف القلب تلقائياً دون علّة من عيب أو مرض، هذا إذا لم يكن توقف الضربان نتيجة مرض»[420]، فهو أشبه ما يكون بذلك الرجل بائع الثلج الذي يصيح ويقول: ارحموا مَن يذوب رأسُ ماله، حتّى قال البعض تعلّمت معنى الخسران من بائع الثلج[421].

وقال الشّيخ الطّوسي: «إنّ الإنسان لفي خسر جواب القسم، وفيه إخبار من الله أنّ الإنسان يعني الكافر لفي خسر أي: لفي نقصان بارتكاب المعاصي وكفره بالله، والخسر هلاك رأس المال للإنسان، وبارتكاب المعاصي في هلاك نفسه خسران، وهو أكبر من رأسه ماله»[422].

والخلاصة: كُلّ الناس في هذه الدنيا في خسر، فتكون الآية والقول المنسوب لرسول الله صلى الله عليه وآله وهو: «الناس كلّهم هلكى إلاّ العالمون، والعالمون كلّهم هلكى إلاّ العاملون والعاملون كلّهم هلكى إلاّ المخلصون، والمخلصون على خطر عظيم»[423] يحملان مفهوماً واحداً.

69.الإستثناء في السورة المباركة:

بعد تأكيد الجواب بالقسم وبأدوات أُخرى من قبيل إنّ المفيدة للتأكيد، واللام كذلك، جاء الدور الآن لتفريج هذه الكربة وتضييق دائرة الخسران، وتوسيع دائرة الربح، فاستثنت السورة المباركة أربعة طوائف حيث قالت: إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ، فلنتعرف على هذه الطوائف الأربعة؛ حتّى نسعى جاهدين لنكون منهم إن شاء الله تعالی.

الطائفة الأُولى: الَّذِينَ آمَنُوا، هذه هي الطائفة الأُولى، والتي تمثّل العنوان المستثنى من الخسران الذي أقسم عليه الباري عزّ وجلّ وأكّده.

وفي أضواء البيان: «هذا هو المستثنى من الإنسان المتقدّم، ممّا دلّ على العموم كما قدّمنا، والإيمان لغةً التصديق وشرعاً الإعتقاد الجازم بأركان الإيمان»[424].

وقال السّيد العلاّمة: «والمستثنون هم الأفراد المتلبّسون بالإيمان والأعمال الصالحة، فهم آمنون من الخسر؛ وذلك أنَّ كتاب الله يبيّن أنّ للإنسان حياةً خالدةً مؤبّدةً لا تنقطع بالموت، وإنّما الموت انتقال من دار إلى دار... ويبيّن أنَّ شطراً من هذه الحياة وهي الحياة الدنيا حياة امتحانية... وقد سمّى الله تعالى ما سيلقاه الإنسان في الآخرة جزاءً وأجراً في آيات كثيرة، ويتبيّن بذلك كلّه أنّ الحياة رأس مال للإنسان يكسب به ما يعيش به في حياته الآخرة، فإن اتّبعَ الحقّ في العقد والعمل فقد ربحت تجارته، وبورك في مكسبه، وأمن الشر في مستقبله، وإن اتّبع الباطل وأعرض عن الإيمان والعمل الصالح فقد خسرت تجارته، وحرم الخير في عقباه، وهو قوله تعالى: إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ.

والمراد بالإيمان الإيمان بالله، ومن الإيمان بالله الإيمان بجميع رسله والإيمان باليوم الآخر، فقد نصّ تعالى فيمّن لم يؤمن ببعض رسله أو باليوم الآخر أنّه غير مؤمن»[425].

الطائفة الثانية: وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وهذه هي الطائفة الثانية: استثناء من جملة الناس الذين خسروا في هذه الحياة الدنيا.

ولكن ما هو عمل الصالحات؟ هل هو أداء الفرائض[426]، أو مواساة الإخوان[427]، أو أنّه الموافق لكتاب الله وعملَه صاحبُه خالصاً لوجه الله، وكونه صادراً من مؤمن بالله[428] أو أنّه العمل بالطاعات[429].

والظاهر أنَّ بيان الأعمال الصالحة في هذا الإستثناء ينطبق على ما ذُكر هنا، فأداء الفرائض، ومواساة الإخوان، والعمل بالطاعات وما شاكل ذلك، كلّها من الأعمال الصالحة، ولكن هذا من باب ذكر المصاديق، فهو إذن كلّ الأعمال الصالحة.

قال في الميزان: «التلبّس بجميع الأعمال الصالحة»[430]، ولا أظن أنّ الأعمال الصالحة تحتاج إلی بيان أكثر بعد ما ذُكر في كتاب الله وسنّة رسول الله صلى الله عليه وآله.

فكلّ ما أمر به كتاب الله وسنّة رسوله صلى الله عليه وآله هو من الصالحات سواءً بلغ رتبة الوجوب أم الاستحباب، ومصاديق هذه الكبرى كثيرة لا تُعدُّ ولا تحصى؛ لذا لم أعثر على مفسّر عدّها أو أحصاها.

الطائفة الثالثة: وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ هذه هي الطائفة الثالثة المستثناة من الخُسر، وهم مَن تواصوا بالحقّ.

«قال بعضهم: التواصي بالحقِّ هو المقام مع الحقّ، والقيام بأوامره على حدود الاستقامة»[431].

وقال الفيض الكاشاني: «بالثابت الذي لا يصحّ إنكاره من اعتقاد أو عمل»[432].

وهذا أيضاً من باب ذكر الكُبرى التي لها مصاديق كثيرة، فمن التواصي بالحقّ التواصي بجميع أُصول الدين وفروعه، ومنه التواصي بالإهتمام بالعمل على طبق الفروع، مثل أداء الفرائض، والمواظبة عليها، ومنه برّ الوالدين، وغيرها الكثير.

فمن هنا يرد هذا التساؤل وهو: أليس أنّ التواصي بالحقّ داخل في وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ، فعلامَ ذُكر مرّةً أُخرى، وكذا التواصي بالصبر؟!

والجواب: نعم، هو داخل فيه، لكنّه ذُكر مرّة أُخرى للتأكيد.

قال العلاّمة الطّباطبائي: «ثمَّ التواصي بالحقّ من العمل الصّالح، فذكره بعد العمل الصالح، من قبيل ذكر الخاص بعد العام؛ اهتماماً بأمره، كما أنّ التواصي بالصبر من التواصي بالحقّ، وذكره بعده من ذكر الخاص بعد العام؛ اهتماماً بأمره، ويؤكّد تكرار ذكر التواصي، حيث قال: وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ولم يقل: وتواصوا بالحقِّ والصّبر»[433].

وفي أضواء البيان: «وقيل: إنّ التواصي: أن يوصي بعضهم بعضاً بالحقّ. وقيل: الحقّ كلّ ما كان ضد الباطل، فيشمل عمل الطاعات وترك المعاصي... وقيل الحقّ هو القرآن؛ لشموله كلّ أمر وكلّ نهي وكلّ خير»[434].

وعلی القيل الأخير ـ الحقّ هو القرآن ـ لماذا يستغرب البعض من تفسير الآية بأوضح مصاديق الحقّ والالتزام به، ألا وهو أمير المؤمنين عليه السلام، كما في تأويل هذه الآيات الشريفة والمروية عن الأئمة الأطهار عليهم السلام، أو مطلق الإمامة والولاية[435] بعد تواتر الحديث عن المصطفى صلى الله عليه وآله: «عليٌّ مع القرآن والقرآن مع علي، لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض»[436].

وقد ورد بألفاظ أُخرى، والحديث متواتر معنىً، بل روى الحاكم النيسابوري عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنَّه قال:« إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ هو أبو جهل بن هشام إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ قال: هم عليّ وشيعته»[437].

الطائفة الرابعة: والطائفة الرابعة المستثناة من الخُسر هم مَن تواصى بالصبر بعد التواصي بالحقّ، سواءً كان التواصي بالصبر من مصاديق التواصي بالحقّ أم من مصاديق العمل الصالح، فهو من عطف الخاص بعد العام، ولو ذكر بعده وتواصوا بالصوم لكان عطف الصوم على الصبر من باب عطف الخاص بعد العام أيضاً؛ لأنَّ الصوم من مصاديق الصبر إن لم يكُن هو الصبر بعينه، كما في اطلاقات بعض الآيات الشريفة كقوله تعالى: وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ[438]، فعن الإمام الصّادق عليه السلام قال: «يعني بالصبر الصوم»[439].

وذهب بعض المفسّرين إلی كون المقصود بالصبر هنا هو: الصبر على تحمّل المشاق في طاعة الله، والصبر عن معصيته[440].

لكن حملها على الجميع لا ضير فيه بعد إطلاق الكلام؛ ولذا قال العلاّمة الطباطبائي رحمه الله: «وقد أُطلق الصبر، فالمراد به أعمّ من الصبر على طاعة الله والصبر عن معصيته...والصبر عند النوائب التي تصيبه بقضاء من الله وقدر»[441].

وفي بعض التفاسير عن أئمّة الهدى عليهم السلام: وصّوا ذراريهم ومَن خلفوا من بعدهم بالولاية وبالصبر عليها[442]، وفي بعضها الآخر علي بن أبي طالب[443]. أو العترة[444].

لكن هل المسلمون فعلاً عملوا بوصية القرآن ووصية الرسول الأكرم على الله عليه وآله بمواصلة العترة وعدم مقاطعتهم، أو عملوا بعكس ما أوصاهم القرآن والرسول الأعظم صلى الله عليه وآله؟!

يجيبنا على هذا السؤال سليل العترة الطاهرة عليهم السلام وزين عبادها الإمام السّجاد عليه السلام في خطبته حيث قال فيها: «... قُتل أبو عبد الله وعترته، وسُبي نساؤه وصبيته وداروا برأسه في البلدان من فوق عامل السنان، وهذه الرزية التي لا مثلها رزية، أيّها الناس أصبحنا مطرودين مشرَّدين، مذودين شاسعين عن الأمصار، كأنّا أولاد ترك وكابل، من غير جرم أجرمناه، ولا مكروه ارتكبناه، ولا ثلمة في الإسلام ثلمناها، ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين، إن هذا إلاّ اختلاق، والله لو أنَّ النبيَّ على الله عليه وآله تقدَّم إليهم في قتالنا، كما تقدّم إليهم في الوصاية بنا، لما زادوا على ما فعلوا بنا، فإنّا لِلّهِ وإنا إليه راجعون...»[445].

بلى والله...

كأنَّ رسولَ الله قال لقومه
 

 

خذوا وتْرَكم من عترتي وتشدّدوا
 

 

ولذا كانت تنظر الحوراء زينب عليها السلام إلی الأشلاء المقطّعة على رمضاء كربلاء، وكأنّي بها تنادي:

خوية اشلون أسوي وهاي الظعون
وما ندري ابعزمهم وين يردون
ناداها العدو بسچ من النوح
تشوفينه جسد علگاع مطروح
 

 

بس انودعك ساعة ويرحلون
عدوان وكره بين مظهرين
المن تشتجين حسين مذبوح
دگومي الناگتچ محنه مجيمين
 

 

***

إنّا لله وإنّا إليه راجعون، ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله العليّ العظيم،

وسيعلم الذين ظلموا آل مُحَمّد أيَّ مُنقلبٍ ينقلبون

والعاقبة للمتّقين.

المحاضرة التاسعة عشرة: قسوَة القلوب

سلامٌ على الحوراء ما بقي الدهرُ
سلامٌ على القلبِ الكبيرِ وصبرِه
جرى ما جرى في كربلاء وعينُها
لقد أبصرتْ جسمَ الحُسينِ موزّعاً
رأتْهُ ونادت يا ابن أُمّي ووالدي
أخّي إنّ في قلبي أسىً لا أُطيقُهُ
عليّ عزيزٌ أن أسير مع العِدى
أخي إن سرى جسمي فقلبي بكربلا
أخي كُلُّ رُزءٍ غير رُزئِك هيّنٌ
أخي أنت عن جدّي وأُمّي وعن أبي
متى شاهدت عيناي وجهَك شاهدتْ
ومُذ غبت عنّي غاب عنّي جميعهُم
 

 

وما أشرقت شمسٌ وما طلعَ البدرُ
بما قد جرت حُزناً له الأدمعُ الحُمرُ
ترى ما جرى ممّا يذوب له الصخرُ
فجاءت بصبرٍ دون مفهومهِ الصبرُ
لك القتلُ مكتوباً ولي كُتبَ الأسرُ
وقد ضاق منّي في تحمّله الصدرُ
وتبقى بوادي الطّف يصهُرك الحرُ
مقيمٌ إلی أن ينقضي منّي العمرُ
وما بسواه اشتدّ واعصوصب الأمرُ
وعن أخي المسموم سلوى ولي ذخرُ
وجوهَهَم الغرّا وكان بك اليُسرُ
ففقدك كسرٌ ليس يرجى له جبرُ[446]
 

 

***

أنه زينب اليحجون عنّي
مصايب حسين الدوهنني
 

 

سليت المصايب ما سلني
نزلن على عيوني وعمنّي
 

 

قال تعالى: ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاء وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللّهِ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ[447].

لقد وصف الله تبارك وتعالى نفسه بصفاته اللائقة به ومن صفاته الجمالية أنّه حليمٌ تباركت أسماؤه، وأنّه يُمهل عبادَه ولكن لا يُهملهم حتّى ولو عصوه، فيصبر عليهم، بل هو الصبور تبارك وتعالى، ولكن بعد أن يرى أنّ هؤلاء العباد لا يريدون إصلاح أنفسِهم، ولا يغيّرون ما فيها، يرفع عنهم فيضه، قال تعالى: إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ[448]، ولو رجعنا إلی الواقع لرأينا ذلك بوضوح، فهذه الآية تُحدّثنا عن حصول القسوة في قلوب أقوامٍ بعد مرور زمان من الحلم الإلهي والفيض والنعم.

وهؤلاء القوم هم بنو إسرائيل، والآية المباركة جاءت «بعد قصّة البقرة التي ذبحها بنو إسرائيل وكانوا يُجادلون موسى عليه السلام بغية التخلّص من ذبحها، ولكن قاموا بذبحها وما كادوا يفعلون، وكان ذبح البقرة؛ لأجل تحديد هوية القاتل الذي قام بقتل ابن عمّه غيلةً، واتُّهِم بقتله شخصاً آخر من بني إسرائيل، فصاروا يتدارؤون ويدفعون عن أنفسهم هذه التهمة، فرجعوا في أمره إلی موسى عليه السلام وشاء الله أن يُظهر حقيقة الأمر بنحو مُعجزٍ، فقال لهم موسى عليه السلام: إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً فلمّا ذبحوها ـ بعد محاولات طويلة ـ أمر سبحانه أن يضربوا المقتول ببعض البقرة حتّى يحيى المقتول ويُعيّن هوية القاتل، قال سبحانه: فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ، ومع رؤية هذه المعجزة الكبرى التي كان من المفروض أن تزيد في إيمانهم وانصياعهم لنبيهم موسى عليه السلام لكن ـ وللأسف ـ قست قلوبهم بنحو يحكي سبحانه شدّة تلك القسوة ويقول: ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً»[449].

71.قسوةُ القلوبِ وأسبابها:

القسوة في اللغة: الغلظة، وقست غلظت ويبست[450]، وأصلها: الصلابة في كلّ شيء، ومن المجاز قسا الدرهم يقسوا قسواً، زاف أي: ردأ فهو قسيّ[451]. وبالتأمّل في الآية الشريفة نرى أنّها جاءت في مقام ذمّ بني إسرائيل على هذه القسوة وتشبيه قلوبهم بالحجارة، ثمَّ الإعتذار للحجارة، وهذا دليل على أنّ لهم الدور الكبير في عروض هذه القسوة على قلوبهم، وإلاّ لم يصح ذمّهم على قسوتهم، قال تعالى: فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ[452]، فالآية المباركة تُعلّل القسوة بسبب نقضهم الميثاق؛ «ولأجل ذلك جعل سبحانه قلوبهم قاسية لا يتأثّرون بوعظ الأنبياء وإنذارهم، ولا يكترثون من تحريف الدين وغيره، والآيتان ـ الآية محل البحث وهذه الآية ـ تعبّران عن دور العبد في مصيره، وأنّه سبحانه غبَّ فعل العبد، يعاقبهم بلعنهم، وجعلِ قلوبهم قاسية، وله نسبتان إلی العبد وإلى الله»[453].

إذن قسوة القلوب ناشئة من أفعال العبد نفسه، ومن هنا صار لزاماً علينا أن نتعرّف على أسباب القسوة بحسب ما روي في ذلك:

فقد روي عن النبيِّ صلى الله عليه وآله أنَّه قال: «يا علي، ثلاث يقسين القلب: إستماع اللهو، وطلب الصيد، وإتيان باب السلطان»[454].

وعن أبي عبد الله عليه السلام أنّه قال: «قال أمير المؤمنين صلوات الله عليه: «لُمتان: لمّة[455] من الشيطان، ولمّة من الملك، فلمّة الملك الرقّة والفهم، ولُمّة الشيطان السهو والقسوة»[456].

وفي الكافي الشريف في مناجاة موسى عليه السلام: «يا موسى، لا تطوّل في الدنيا أملك فيقسو قلبك، والقاسي القلب منّي بعيد»[457].

وعن الإمام الصّادق عليه السلام أنّه قال: «أنهاكم أن تطرحوا التراب على ذوي الأرحام؛ فإنَّ ذلك يورث القسوة، ومَن قسا قلبُه بَعُدَ مِن ربّه عزّ وجلّ»[458].

وعنه صلى الله عليه وآله أنّه قال: «لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله؛ فإنّ كثرة الكلام بغير ذكر الله قسوة للقلب، وأنَّ أبعد الناس من الله القلب القاسي»[459].

وعن إمامنا الصّادق عليه السلام أنّه قال: «وليس شيء أضرَّ لقلب المؤمن من كثرة الأكل، وهي مورثة لشيئين: قسوة القلب، وهيجان الشهوة»[460].

وروي عن نبي الله عيسى بن مريم عليه السلام أنّه قال: «قسوة القلب من جفوة العيون، وجفوة العيون من كثرة الذنوب، وكثرة الذنوب من حُبِّ الدنيا، وحبّ الدنيا رأسُ كُلِّ خطيئة»[461].

وعن أمير المؤمنين عليه السلام أنّه قال: «ما جفّت الدموع إلاّ لقسوة القلوب، وما قست القلوب إلاّ لكثرة الذنوب»[462].

وخلاصة هذه النصوص الشريفة أنّ موجبات قساوة القلب عدّة أُمور:

الأوّل: استماع اللهو، ويمكن أن يقصد به الغناء، أو مطلق ما يشغل من هوى أو طرب[463]، أو هو لعب لا يعقب نفعاً، وسميّ لهواً؛ لأنّه يشغل عمّا يعني من قولهم: ألها في الشيء أي: شغلني، كمّا فسره أبو هلال العسكري[464].

الثاني: طلب الصيد، والمقصود به صيد اللهو الذي هو محرّم عند المشهور، ودخوله في سفر المعصية كما صرّح به السيد الخوئي رحمه الله[465].

الثالث: إتيان باب السلطان، ويطلق على الحاكم الجائر، كما روي ذلك في فقه الرضا عليه السلام «وإذا فزعت من سلطان أو غيره فقل: حسبي الله...»[466].

الرابع: طول الأمل في الدنيا.

الخامس: طرح التراب على الأرحام عند الدفن.

السادس: كثرة الكلام بغير ذكر الله تعالى.

السابع: كثرة الأكل.

الثامن: كثرة الذنوب، وهي تجمع الكثير من الأسباب المتقدّمة.

هذه بعض أسباب وموجبات قسوة القلب، ويبقى ما هو المطلوب منا إزاءها؟!

ممّا لا شكّ فيه أن تجنّب هذه الموارد يؤثّر تأثيراً إيجابياً في ارتفاع قسوة القلب، ولا نقول أنّه العلاج، بل هو الوقاية، وهي خير من العلاج، كما اشتهر عند الأطباء ذلك، وعن أمير المؤمنين عليه السلام: «ترك الذنب أهون من طلب التوبة»[467].

وأمّا ما يوجب رقّة القلب، فقد روي: «أنّ بعض أنبياء بني إسرائيل شكا إلی الله تعالى قسوة القلب وقلّة الدمعة، فأوحى الله إليه أن كُلِ العدس، فأكلَ العدس، فرقّ قلبُه وكثُرت دمعته»[468].

ومن العلاج أيضاً مسح رأس اليتيم، فقد روي عن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله أنَّه قال: «مَن أنكر منكم قساوة قلبه فليُدن يتيماً فيلاطفه وليمسح رأسه، يلين قلبُه بإذن الله عزّ وجلّ، فإنَّ لليتيم حقّاً»[469].

72.قلوبٌ تشبه الحجارة:

ثمَّ تنتقل الآية الشريفة لتعرّفنا على حقيقة تلك القلوب القاسية، وعلى مدى تلك القسوة وشدّتها.

فيأتي الجواب المفزع بأنّ قساوة تلك القلوب بلغت الذروة، فهي كالحجارة أو أشدّ قسوة، أي: لا تنقص قسوتها عن قسوة الحجارة.

 وقد يسأل سائل عن معنى أو هنا، وظاهرها يفيد الشكّ الذي لا يجوز عليه؟

وقد أجاب العلماء عن ذلك بوجوه:

الوجه الأول: أن تكون للإباحة، كقولهم: جالس الحسن أو ابن سيرين، فيكون معنى الآية: إن شبّهتم قلوبهم بالحجارة أصبتم، وإن شبّهتموها بما هو أشدّ أصبتم، وإن شبّهتموها بالجميع فكذلك.

الوجه الثاني: أن تكون أو للتفصيل، فيكون معنى الآية: أنَّ بعضهم قلوبهم كالحجارة، وبعضهم أشدّ منها.

الوجه الثالث: أن تكون أو هنا مبهمة بالنسبة للمخاطب، وإن كان الله تعالى عالماً بذلك، فيكون معنى الآية: إنَّ قلوبهم كأحد هذين لا يخرج عنهما، كقولهم: أكلت بسرة أو تمرة، وهو يعلم ما أكل على التفصيل، إلاّ أنّه أبهمه على المخاطب، وكذلك الآية؛ لأنّ الغرض فيها أن يخبر تعالى عن شدّة قسوة قلوبهم، وأنّها ممّا لا تنثني لوعظ ولا تصغي لحقّ، فسواء كانت في القسوة كالحجارة أم أشدّ منها، فقد تمَّ ما أريد إليه من الغرض في وصفها وذمّها.

الوجه الرابع: أن تكون بمعنى بل، كقوله تعالى: وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ[470]، وتكون فائدة هذا أنَّ قلوب هؤلاء في بعض الأحوال مع القسوة والعدول عن تصوّر الحقّ والتفكير فيه ربما لانت بعض اللين، وفي حال أُخرى تكون في نهاية البعد عن الحقّ وكادت تصغي إلی الحقّ، فتكون في هذه الحال كالحجارة التي ربما لانت، وفي حالٍ أُخرى ربما تكون في نهاية البعد عن الحقّ والنفور عنه، فتكون في هذه الحال أشدّ قسوة من الحجارة[471].

وقد أضاف الشيخ الطوسي وجهين آخرين يمكن رجوعهما إلی ما ذُكر[472].

73.الحجارةُ ألين من قلوبِ بني إسرائيل:

ثمّ نجد أنّ القرآن الكريم عذر الحجارة، ولم يعذر قلوب بني إسرائيل القاسية، وعلّل ذلك بأُمور ثلاثة:

الأمر الأول: وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ أي: تفجر الأنهار من الحجارة كالعيون الجارية من الجبال الصخرية[473]، وقوبل فيه بين الحجارة والماء؛ لكون الحجارة يضرب بها المثل في الصلاة، ككون الماء يضرب به المثل في اللين، فهذه الحجارة على كمال صلابتها يتفجّر منها الأنهار على لين مائها، وتشقّق فيخرج منها الماء على لينه وصلابتها، ولا يصدر من قلوبهم حال يلائم الحقّ، ولا قول حقّ يلائم الكمال الواقع[474].

فأعذر الحجارة وعاب قلوبهم بقساوتها حين لم تلن بذكر الله ولا بالمواعظ، وقيل: أراد به حجراً مخصوصاً، وهو حجر موسى عليه السلام الذي كان تخرج منه العيون[475].

وبالفعل بعض الحجارة ينبع منها الماء؛ لذا روي: «أنّ رسول الله على الله عليه وآله اجتاز بحجر ينبعُ منه ماء كثير، فتعجّب من ذلك، فسأل الله انطاقه، فقال له: لِمَ يخرج منك الماء الكثير معَ صغرك؟! فقال: من بكاء حزنٍ، حيث سمعت بقولك: نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ[476]، وأخاف أن أكون من تلك الحجارة. فأجابه الله وبشّره النبي بذلك، ثمّ تركه ومضى، ثمّ عاد إليه وبعد وقت رآه ينبع كما كان، فقال: ألم يأمنك الله؟ فقال: فذلك بكاء الحزن وهذا بكاء السرور»[477].

الأمر الثاني: وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاء «كالعيون الحادثة عند الزلازل المستتبعة للإنشقاق والانفجار المتعقّب لجريان الأنهار»[478].

وفي تفسير القرطبي: «قال مجاهد: ما تردّى حجر من رأس جبل، ولا تفجّر نهر من حجر، ولا خرج منه ماء، إلاّ من خشية الله، نزل بذلك القرآن الكريم. ومثله عن ابن عباس وجريح»[479].

وهذا معناه أن: «لا امتناع عند الحجارة ممّا يحدث فيها من أمره وإن كانت قاسية، بل هي متصرّفة على مراده لا يعدم شيء ممّا قدر فيها، وبنو إسرائيل مع كثرة نعمه عليهم، وكثرة ما أراهم من الآيات يمتنعون عن طاعته، ولا تلين قلوبهم لمعرفة حقّ، بل تقسو وتمتنع من ذلك»[480].

الأمر الثالث: وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللّهِ.

والأمر الأخير الذي تمتاز به الحجارة على تلك القلوب القاسية أنّها تهبط من خشية الله، وهذا أروع مدح لها، وأعلى ذمّ لهاتيك القلوب القاسية. وهبوط هذه الحجارة كما يحصل من الجبال العالية إلی الأودية المنخفضة من خشية الله، ولا مانع من أن يكون للهبوط علّة طبيعية كالصواعق التي تهبط بها الصخور، وعلّة معنوية كشف عنها الوحي وهي: الهبوط من خشية الله.

وعلی ضوء ذلك فالحجارة على الرغم من صلابتها تتأثّر طبقاً للعوامل السالفة الذكر، وأمّا قلوب بني إسرائيل فهي صلبة لا تنفعل أمام وحيه سبحانه وبيان رسوله، فلا تفزع نفوسهم، ولا تخشع لأمره ونهيه.

ومن عجيب الأمر أنَّ بني إسرائيل رأوا بأُمِّ أعينهم ليونة الحجارة، حيث استسقى موسى لقومه، فأمر بأن يضرب بعصاه الحجر، فلمّا ضربه انفجرت منه اثنتا عشرة عيناً بعدد الأسباط.

ثمّ إنّ ظاهر الآية نسبة الشعور إلی الحجارة، حيث إنّها تهبط من خشية الله، وهذه حقيقة علمية كشف عنها الوحي وإن لم يصل إليها الإنسان بأدواته الحسيّة[481]، فقال تعالى: وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ[482].

قال العلاّمة الطباطبائي رحمه الله: «وبالجملة فقوله: وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ بيان ثانٍ لكون قلوبهم أقسى من الحجارة، فإنّ الحجارة تخشى اللهَ تعالى، فتهبط من خشيته، وقلوبهم لا تخشى الله تعالى ولا تهابة»[483].

وهذا صريح قوله سبحانه: لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ[484].

وقال الفخر الرازي: «أي: ومن الحجارة ما ينزل وما ينشقّ ويتزايل بعضه عن بعض عند الزلازل؛ من أجل ما يريد الله بذلك من خشية عبادٍ له، وفزعهم إليه بالدعاء والتوبة»[485].

فيكون معنى هذا الأمر: «من الحجارة ما يشقّق فيقطر منه الماء، وقلوبكم لا يجيء منها الكثير من الخير ولا القليل، ومن الحجارة إن أقسم عليها باسم الله تهبط، وليس في قلوبكم شيء منه، فقالوا: يا مُحمّد: زعمت أنّ الحجارة ألين من قلوبنا وهذه الجبال بحضرتنا، فاستشهدها على تصديقك فإن نطقت بتصديقك فأنت المحقّ، فخرجوا إلى أوعر جبلٍ، فقالوا: استشهده. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: أسألك بجاه مُحمّدٍ وآله الطيبين الذين بذكر أسمائهم خفّف الله العرش على كواهل ثمانية من ملائكته بعد أن لم يقدروا على تحريكه. فتحرّك الجبل وفاض الماء، ونادى أشهد أنّك رسول ربّ العالمين، وأنَّ هؤلاء اليهود كما وصفت أقسى من الحجارة...»[486].

وهناك روايات عديدة يطول المقام بذكرها في حديث الأحجار والأشجار مع رسول الله صلى الله عليه وآله، فقد روي عنه صلى الله عليه وآله أنّه قال: «إنّ حجراً كان يُسلّم عليّ في الجاهلية إنّي لأعرفه الآن»[487].

ثمّ ختمت الآية هذا التشبيه الرائع والتقريع اللاذع بقوله تعالى: وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ فالمعنى: «أنّ الله تعالى بالمرصاد لهؤلاء القاسية قلوبهم، وحافظ لأعمالهم محصي لها، فهو يجازيهم بها في الدنيا والآخرة، وهو كقوله تعالى: وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا، وفي هذا وعيد لهم وتخويف كبير لينزجروا»[488].

«والغفلة عن الشيء تركه على وجه السهو والنسيان، فأخبرهم الله تعالى أنّه غير غافل عن أعمالهم السيئة ولا ساهٍ عنها»[489].

ولذا نجد رسول الله صلى الله عليه وآله كلّما بالغ في إكرام هؤلاء القوم القاسية قلوبهم والإحسان إليهم بالغوا في إيذاء عترته، والإساءة إليهم، وهظمهم وسبّهم، وشتمهم، وقتلهم وحبسهم وتشريدهم ونفيهم في البلدان، حتى قال الشاعر واصفاً قلوبهم تلك:

قست القلوب فلم تمل لهدايةٍ

 

تباً لهاتِيكَ القلوب القاسية[490]

 

وبالفعل كانت قلوب القوم في معركة الطف كالحجارة، أو أشد قسوة، لم تنتفع بالمواعظ، بل كانوا يجعلون أصابعهم في آذانهم كلّما وعظهم سيّد الشهداء عليه السلام، فتحوّلت قلوبهم كما قال تعالى: قُلُوبُنَا غُلْفٌ[491]، أي: عليها غشاوة وأغطية لا تفقه ما تقول[492].

فالحسين عليه السلام يخطب والأشعث بن قيس يقول: نحن لا ندري ما تقول، ولكن انزل على حكم بني عمّك؛ فإنّهم لا يرونك إلاّ ما تحب.

فقال له الحسين: لا والله لا أعطيكم بيدي إعطاء الذليل، ولا أفرّ فرار العبيد. ثمّ قال: ألا وإنَّ الدعيَّ ابن الدعي قد ركز بين اثنتين؛ بين السلّة والذلّة، وهيهات منّا الذلّة[493].

***

إنّا لله وإنّا إليه راجعون، ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله العليّ العظيم،

وسيعلم الذين ظلموا آل مُحَمّد أيَّ مُنقلبٍ ينقلبون

والعاقبة للمتّقين.

المحاضرة العشرون: الدعاء سلاح المؤمن

مدارسُ آيات خلت من تلاوةٍ
لآلِ رسولِ اللهِ بالخيف من منى
ديارُ عليٍّ والحسينِ وجعفرٍ
ديارٌ عفاها جورُ كلِّ منابذ
أفاطمُ لو خلتِ الحُسينَ مجدّلاً
إذن للطمتِ الخدَّ فاطمُ عنده
أفاطمُ قومي يا ابنة الخير واندُبي
قبورٌ بكوفانٍ وأُخرى بطيبةٍ
قبورٌ بجنبِ النهر من أرضِ كربلا
تُوفوا عُطاشا بالفراتِ فليتني
إلى الله أشكو لوعةً عند ذكرِهم
سأبكيهُمُ ما حجَّ للهِ راكبٌ
سأبكيهُمُ ما ذرَّ في الأُفقِ شارقٌ
ديارُ رسولِ الله أصبحْنَ بَلقعاً
وآلُ زيادٍ في القُصورِ مصونةً
 

 

ومنزلُ وحيٍّ مقفرُ العَرصاتِ
وبالبيتِ والتعريفِ والجمراتِ
وحمزةَ والسّجادِ ذي الثَفَناتِ
ولم تعفُ للأيام والسنواتِ
وقد مات عَطشانا بشطِ فراتِ
وأجريتِ دمعَ العينِ في الوجناتِ
نجومَ سماواتٍ بأرضِ فلات
وأُخرى بفخٍ نالها صلواتي
مُعرَّسهم منها بشطِ فراتِ
تُوفيتُ فيهم قبلَ حين وفاتي
سقتني بكأسِ الثَّكل والفظعات
وما ناحَ قُمريٌ على الشجراتِ
ونادى منادِ الخيرِ بالصّلواتِ
وآلُ زيادٍ تسكُنُ الحُجراتِ
وآلُ رسولِ اللهِ في الفَلواتِ[494]
 

 

قال تعالى: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ[495].

لقد خلق الله تبارك وتعالى الإنسان وحثّه على العبادة والتفكّر، وهو غنّي عنهما، حيث يقول عزَّ من قائل: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ[496]، وقال: وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ[497]، وقال جلّ وعلا: ِن تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِن تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ [498].

وبيّن له طُرقاً إليه، وسبلاً يسلكها حال الشدّة والرخاء، ليس فيها من العناء لا عينٌ ولا أثر، وغايته تبارك وتعالى: أن يشدّنا إليه، وأن يجعلنا دائمين الصلة به.

ومن هذه الطرق والسبل الدعاء، وهو: «السؤال الذي أمر الله عباده في كتابه، وأذِنَ لهم ورغّبهم إلی أن يدعوه ويسألوه، حتّى أنّه عدّ تركهم له اعتداء منهم إيّاه، وغفلةً من حضرة ربوبيته، ووعدهم بالإستجابة وأوعد بالاستكبار عنه»[499].

«[و] من عجائب علوم الإسلام وحقائق القرآن المبين أنَّه سبحانه رخَّصَ عبادَه، بل أمرهم أن يُكلّموه ويسرّوا إليه أسرارَهم، وسرائرَ قلوبهم. ووعدهم سبحانه أن يجيبهم ويقبلهم، وينظر إليهم نظرةً كريمة، يجيب بها دعوتهم، ويكشف بها كربتهم، وأمرهم أن يسألوه إجابة دعائهم بكلّ بيان وبكلّ لسان»[500].

«والذي عليه أكثر الخلق من المسلمين، وسائر أهل الملل وغيرهم: أنَّ الدعاء من أقوى الأسباب في جلب المنافع ودفع المضارّ، وقد أخبر تعالى عن الكفّار أنّهم إذا مسّهم الضرّ في البحر دعوا الله مخلصين له الدين، وأنَّ الإنسان إذا مسّه الضرّ دعاه لجنبه، أو قاعداً أو قائماً، وإجابة الله لدعاء العبد مسلماً، كان أو كافراً، وإعطاؤه سؤله من جنس رزقه لهم، ونصره لهم، وهو ممّا توجبه الربوبية للعبد مطلقاً»[501].

75.سبب نزول الآية المباركة

تشكّل أسباب النزول قرينةً على فهم الآية القرآنية، ولو قرينة ناقصة لكشف الستار عن محتوى الآية بشكل أكبر، وفي هذه الآية الشريفة ذكر أكثر المفسّرين في سبب نزولها: أنّ سائلاً سأل النبيَّ على الله عليه وآله: أقريب ربُّنا فنناجيه، أم بعيدٌ فنناديه؟ فنزلت الآية: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ[502].

وقال المقدّس الأردبيلي رحمه الله: «النداء للبعيد المحتاج إلى رفع الصوت، والمناجاة للقريب الذي لا يحتاج إلى ذلك، والخطاب له على الله عليه وآله، والتقدير فقل لهم: إني قريب ـ وهو تمثيل لكمال علمه بأفعال العباد، وإطلاعه على أحوالهم ـ بحال من قرب مكانه منهم، يعني إذا سألك عبادي ـ وفي هذه الإضافة تشريف لهم ـ عن كيفيّة أحوالي من جهة القرب والبعد، فقل: إنّي عليم أعلم دعاءكم، ولو كان في غاية الخفاء، كما يسمع القريب إذا قرَّبَ فمه إلى أذنه يناجيه، بل أقرب من حبل الوريد، فأقبل دعاء الداعي إذا دعاني»[503].

76.أُسلوب الآية وبيانها

للأُسلوب القرآني ما يشعر السامع والقارئ رقّة الخطاب وشدّته، بحسب اللحن الذي تأتي به الآية الشريفة.

فمثلاً قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ[504].

قال عنه إمامنا الصادق عليه السلام: «لذّة ما في النداء أزالت تعب العِبادة والعناء»[505].

ولذّة ما في النداء هي قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ، إذ هكذا خطاب من الطبيعي أن يُخفّفَ آلامَ الصوم وشدّته، وهكذا قوله تعالى: كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ فهكذا أُسلوب وبيان يخفّف من شدّة العناء.

وفي حياتنا اليومية رقّة الأُسلوب وجماليته لهما الأثر الكبير في مطاوعة الآخرين لك في الرأي، أو في إنجاح الحاجّة المقصودة.

وكذلك العكس، فنرى القرآن الكريم يستعمل أُسلوباً آخر مع الكفّار والمنافقين ويزجرهم أشدّ الزجر، وأمثلة ذلك في الكتاب العزيز كثيرة، منها قوله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ[506].

فبالتأمّل في هذه الآية نرى أنَّ أُسلوبها وبيانها اشتمل على ألفاظ هي بذاتها تحمل ألواناً من الشدّة مثل: جاهد، اغلظ، مأواهم جهنم، وبئس المصير.

77.الخلاصة:

إنّ الله عزّ وجلّ ـ كما هو مقتضى حكمته تبارك وتعالى ـ يستعمل اللفظ بحسب المخاطَب وشأنه، بل نفس المخاطب قد يخاطبه تارةً بخطاب وأُخرى بخطاب آخر، وما هذه الآية الشريفة إلاّ مثالاً واضحاً على ما ذكرناه؛ لذلك أخذت مأخذاً كبيراً في أبحاث علماء التفسير.

قال العلاّمة الطباطبائي رحمه الله: «أحسن بيان لما اشتمل عليه من المضمون، وأرقّ أُسلوب وأجمله، فقد وضع أساسه على التكلّم وحده دون الغيبة ونحوها، وفيه دلالة على كمال العناية بالأمر، ثُمَّ قولُه: عبادي. ولم يقل: الناس وما أشبهه يزيد في هذه العناية، ثُمَّ حذف الواسطة في الجواب، حيث قال: فإنّي قريب، ولم يقل: فقل إنّه قريب. ثُمَّ التأكيد بـ إنّ، ثمّ الإتيان بالصفة دون الفعل الدال على القرب؛ ليدلّ على ثبوت القرب ودوامه، ثُمَّ الدلالة على تجدد الإجابة واستمرارها؛ حيث أتى بالفعل المضارع الدال عليهما، ثُمَّ تقييده الجواب، أعني قوله: أجيب دعوة الداع. بقوله: إذا دعان، وهذا القيد لا يزيد على قوله: دعوة الداع المقيّد به شيئاً، بل هو عينه، وفيه دلالة على أنَّ دعوة الداع مجابة من غير شرط وقيد، كقوله تعالى: ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ المؤمن: 60، فهذه سبع نكات في الآية تنبئ بالإهتمام في أمر استجابة الدعاء والعناية بها، مع كون الآية قد كرر فيها ـ على إيجازها ـ ضمير المتكلم سبع مرّات، وهي الآية الوحيدة في القرآن على هذا الوصف»[507].

78.القُرب الإلهي

كيف نتصور قرب الله إلينا وقربنا منه تبارك وتعالى، وهو الذي لا يحدّه زمانٌ ولا مكان ولا جهة، فهو «الذي لم يسبقه وقتٌ ولم يتقدّمه زمانٌ، ولم يتعاوره زيادة ولا نقصان، ولم يوصف بأين ولا مكان»[508].

لذا أجاب علماؤنا الأبرار ـ قديماً وحديثاً ـ عن هذا فبيّنوا القُرب الإلهي وحقيقته.

قال الشيخ الطوسي رحمه الله: «قوله: فَإِنِّي قَرِيبٌ قيل في معناه قولان: أحدهما: إنّي قريب الإجابة: سريع الإجابة، فجاز ذلك لمشاكلة معنى قريب لسريع.

الثاني: قريب؛ لأنّه يسمع دعاءهم كما يسمعه القريب المسافة منهم، فجاز لفظة قريب، فحسن البيان بها. فأمّا قريب المسافة، فلا يجوز عليه تعالى؛ لأنّه من صفات المحدثات»[509].

وقال العلاّمة الطّباطبائي رحمه الله: «فهو سبحانه الحائل بين الشيء ونفسه، وهو الحائل بين الشيء وبين كلّ ما يقارنه، من ولدٍ أو زوجٍ أو صديقٍ أو مالٍ أو جاهٍ أو حقٍّ، فهو أقرب إلى خلقه من كلّ شيء مفروض، فهو سبحانه قريب على الإطلاق، كما قال تعالى: وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَكِن لَّا تُبْصِرُونَ الواقعة: 85، وقال تعالى: وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ ق:16، وقال تعالى: أَنَّ اللّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ الأنفال:24»[510].

79.شروط استجابة الدُعاء

لم تتعرّض الآية المباركة لأي شرطٍ في استجابة الدعاء سوى لشــرط

ِذَا دَعَانِ، وكما تقدَّم عن العلاّمة الطّباطبائي أنّ هذا القيد لا يزيد على قوله دعوة الداع مجابة، بل هو عينه، وقال: «وفيه دلالة على أنَّ دعوة الداع مجابة من غير شرط وقيد».

لكن لا ينكر أحدٌ بأن الكثير من أدعيتنا لا تُجاب، والذي يُجاب هو القليل، بل لو انعكس الأمر، وقلنا: إنَّ أكثر أدعيتنا تُجاب وبعضها لا يُجاب لا يضرُّ بأصل الإشكال، وهو أنَّ الآية تقول: أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ونحن ندعو فلا نرى الإجابة ولو في بعض أدعيتنا، وأمّا الآية الأُخرى فهي أصرح، وهي قوله تعالى: ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ[511].

وقد طُرِحَ هذا الإشكال على الإمام الصّادق عليه السلام من قِبَلِ بعضِهم، قال: «آيتان في كتاب الله أطلبهما ولا أجدهما. قال عليه السلام: وما هما؟ قلت: قول الله عزّ وجلّ: ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ فندعوه فلا نرى إجابةً، قال عليه السلام: أفترى الله أخلف وعده؟! قلت: لا، قال: فَلِمَ ذلك؟! قلت: لا أدري، قال عليه السلام: ولكنّي أُخبُركَ، مَن أطاع الله فيما أمره، ثمّ دعاه من جهة الدعاء أجابه. قلتُ: وما جهة الدعاء؟ قال عليه السلام: تبدأ فتحمد الله، وتذكر نعمه عندك، ثمَّ تشكره، ثُمَّ تُصلّي على النبيِّ وآله على الله عليه وآله،ثُمَّ تذكر ذنوبك فتقرّ بها، ثُمَّ تستغفر الله منها، فهذه جهة الدعاء...»[512].

إذن الآية الشريفة مطلقة، ولكن يقيّد هذا الإطلاق بيان معنى الدعاء الحقيقي، أو بعبارةٍ أُخرى: «إنّني أجيب دعوة الداعي إذا دعاني على الوجه الصحيح، وبالشرط الذي يجب أن يقارن الدعاء»[513].

وقال الشّيخ الطّوسي رحمه الله: «فإن قيل: إذا كان لا يجيب كلَّ مَن دعاه فما معنى الآية؟ قلنا: معناه أنّ مَن دعا على شرائط الحكمة التي قدّمناها واقتضت المصلحة إجابته اُجيب لا محالة»[514].

وقال الشّيخ الكفعمي: «إن قلت: نرى كثيراً من الناس يدعون فلا يُجابون فما معنى قوله تعالى أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ؟ قلت: سبب منع الإجابة الإخلال بشرطها من طرف السائل، بأن يكون قد سأله غير مقيد بآداب الدعاء، ولا جامعاً لشرائطه، وإمّا بأن يكون قد سأل ما لا صلاح فيه، فربما توهم السائل صلاح أمر وفيه فساده، فلو عجّل الله إجابته لهلك به، قال سبحانه وَلَوْ يُعَجِّلُ اللّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُم بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ»[515].

وقد مثّل بعض المتأخرين للدعاء الذي يعلم الله عزّ وجلّ أنّه لا مصلحة فيه، بالولد الذي يطلب من أبيه الشراب وهو يتصوّر أنّه نافع، ولكنّه في الواقع سُمّاً، فإنَّ إجابة الوالد للولد تقتله، ومنعه عنه يؤذيه[516].

 ولذا نقرأ في دعاء الإفتتاح: «ولعل الذي أبطأ عنّي هو خير لي؛ لعلمك بعاقبة الأُمور، فلم أرَ مولىً كريماً أصبر على عبدٍ لئيمٍ منك عليّ يا ربِّ»[517].

وبإختصار: إنَّ الذي يدعو من دون إستجماعه للشرائط لايسمّى داعياً حقيقةً، بل الداعي الحقيقي الذي يُجاب إذا دعا هو مَن كان جامعاً للشرائط، وحينئذٍ لانحتاج إلى تخصيص وتقييد لإطلاق الآية، فالآية تقول: أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ، وهذا لم يدعو وإنّما كان لاهياً، والله لايستجيب دعاءً من قلبٍ لاه[518].

إذ هناك شرائط لاستجابة الدعاء يمكن تلخيصها بما يلي:

أوّلاً: البدء بحمدِ الله تبارك وتعالى، والثناء عليه، وذكر نعمه عزّ وجلّ علينا، ثُمَّ نشكره، وقد أشار إمامُنا الصَّادقُ عليه السلام في الرواية المتقدّمة إلى ذلك، وأنّه من جهة الدعاء التي لا بدّ أن نبدأ بها. والملاحظ في أكثر أدعية المعصومين عليهم السلام ذلك، ويكفيك أن تراجع بعض أدعية الصّحيفة السّجادية؛ لتدرك تلك الحقيقة.

ثانياً: الصَّلاة على النبيِّ وآله عليهم السلام، فإنّها من شرائط استجابة الدعاء، كما في الرواية المتقدّمة أيضاً، وأنّ الدُعاء محجوب حتّى يُصلّى على محمّدٍ وآلِ محمّد، فعن الإمام الصَّادق عليه السلام أنّه قال: «لا يزال الدعاء محجوباً عن السّماء حتّى يصلّي على النبيِّ وآله»[519].

وعنه عليه السلام: قال: «إيّاكم إذا أراد أحدكم أن يسأل من ربّه شيئاً من حوائج الدنيا والآخرة حتّى يبدأ بالثناء على الله عزّ وجلّ والمدح له، والصلاة على النبيِّ صلى الله عليه وآله، ثمَّ يسأل الله حوائجه»[520].

ويكفيك تصديقاً لذلك ما جاء في قصّة حمّاد بن عيسى مع الإمام الكاظم عليه السلام حيث قال: «دخلتُ على أبي الحسن موسى بن جعفر عليه السلام بالبصرة، فقلتُ له: جُعلت فداك ادعُ اللهَ تعالى أن يرزقني داراً وزوجة وولداً وخادماً، والحجّ في كلِّ سنةٍ. قال: فرفع يده، ثمَّ قال: اللَّهمَّ صلِّ على مُحمّدٍ وآلِ مُحمّدِ، وارزق حمّاد بنَ عيسى داراً وزوجة وولداً وخادماً والحجّ خمسين سنة».

«قال حمّاد: فلمّا اشترط خمسين سنة علمت أنّي لا أحجُّ أكثر من خمسين سنة.

قال حمّاد: وقد حججت ثمانية وأربعين سنة، وهذه داري قد رزقتها، وهذه زوجتي وراء الستر تسمع كلامي، وهذا ابني وهذه[521] خادمي، وقد رزقت كلَّ ذلك، فحجّ بعد هذا الكلام حجتين، فلمّا صار في موضع الإحرام دخل يغتسل، فجاء الوادي فحمله فغرق، فمات رحمنا الله وإيّاه قبل أن يحجّ زيادة على الخمسين، وقبره بسيّاله»[522].

ثالثاً: «أن يسعى الداعي إلی تطهير أمواله من كلّ غصب وظلمٍ، وأن لا يكون طعامه من حرام، فعن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: «مَن أحبّ أن يُستجاب دُعاؤه فليطب مطعمه وملبسه»[523].

فبأكله للطعام الحرام، أو غصبه لأموال الآخرين، أو بإتيانه مطلق الذنب والمعصية، يكون قد عرّض نفسه لسخط الله، واستوجب حرمانه، فعن الإمام أبي جعفر الباقر عليه السلام قال: «إنّ العبد يسأل الحاجة من حوائج الدنيا فيكون من شأن الله قضاءها إلی أجل قريب، أو وقتٍ بطيء، فيذنب العبد عند ذلك ذنباً، فيقول الله للملَك الموكّل بحاجته: لا تنجز حاجته واحرمه إيّاها؛ فإنّه تعرّض لسخطي، واستوجب الحرمان منّي»[524].

الرابع: أن يدعو بالمأثور ولا يخترع دُعاءً من عند نفسه، فللأسف نرى الكثير من الناس يدعون بأدعيةٍ مختَرَعةٍ، مع أنّ أدعية القرآن الكريم والنبيِّ العظيم وأهل بيته الأطهار عليهم السلام كثيرة جداً، وفيها أعلى مراتب الأدب، وها هي الصّحيفة السّجادية للإمام زين العابدين عليه السلام فيها كلّ ما يخطر على بال الداعي.

قال السيد علي الخراساني: «أليس من الحريّ بنا أن نأخذ أُصول الدعاء وفروعَه وآدابه وألفاظه من الذي يُجمع المؤرّخون على أنّه كان أعبد أهل زمانه، وأشخصهم، ومَن كان له قصب السبق في هذا المضمار، لا يجاريه أحد؟! أليس من الحريّ بنا أن نأخذه ممَّن لم يُنقل عن أحدٍ ما نُقل عنه، من عبادة وزهد حقيقيين...؟! كيف لا، وهو الإمام زين العابدين عليُّ بن الحسين بن عليِّ بن أبي طالب، الرابع من أئمة أهل البيت عليهم السلام وخلفاء النبيِّ في إمامة المسلمين»[525].

وقد نهى الأئمة عليهم السلام أصحابهم أن يخترعوا دعاءً من عند أنفسهم، فعن عبد الرحيم القصير قال: «دخلتُ على أبي عبد الله عليه السلام فقلت: جُعلتُ فداك إنّي اخترعت دُعاءً، قال: دعني من اختراعك، إذا نزل بك فافزع إلی رسول الله...»[526].

وقد يخطأ المخترع في اختراعه، فيدعو بما لا مصلحة فيه، أو ما فيه المفسدة، كما في حال ذلك الرجل الذي دعا وهو عند الإمام أمير المؤمنين عليه السلام قائلاً: «اللَّهُمَّ إنّي أعوذ بك من الفتنة، فقال عليه السلام: أراك تتعوّذ من مالك وولدك، يقول الله عزّ وجلّ: إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ ، ولكن قل: اللَّهُمَّ إنّي أعوذ بك من مُضلاّت الفتن»[527].

فعلى المؤمن أن يلجأ إلی أبواب رحمة الله تبارك وتعالى، ويتعلّم منهم كيفيّة الدعاء، ولذا ترى في أكثر الكُتب الفقهية ـ إن لم تكن كلّها ـ تركيز الفقهاء على كلمة وأن يدعو بالمأثور[528]؛ لأجل الخلاص من هذه المحاذير.

الخامس: العمل والسعي مع الدعاء، فلا ينبغي له أن يتوقّع الإجابة من دون عملٍ دؤوب، وإن كانت رحمته تبارك وتعالى واسعة، ففي الكافي الشّريف رُوي عن النبيِّ صلى الله عليه وآله أنَّه قال: «إنّ أصنافاً من أُمّتي لا يُستجاب لهم دعاؤهم: رجلٌ يدعو على والديه، ورجل يدعو على غريمٍ ذهب له بمال فلم يكتب عليه ولم يُشهد عليه، ورجلٌ يدعو على امرأته وقد جعل الله عزّ وجلّ تخلية سبيلها بيده، ورجلٌ يقعد في بيته ويقول: ربّ ارزقني ولا يخرج ولا يطلب الرزق، فيقول الله عزّ وجلّ له: عبدي! ألم أجعل لك السبيل إلی الطلب والضرب في الأرض بجوارحٍ صحيحةٍ، فتكون قد أعذرت فيما بيني وبينك في الطلب لاتّباع أمري؛ ولكيلا تكون كلاًّ على أهلك...»[529].

وعن الإمام أمير المؤمنين عليه السلام قال: «الداعي بلا عمل كالرامي بلا وتر»[530].

قال الشيخ محمّد عبده: «الرامي من قوس بلا وتر يسقط سهمه ولا يصيب، والذي يدعو الله ولا يعمل لا يجيب الله دُعاءَه»[531].

فالوتر بطبيعة حركته يدفع السهم نحو الهدف، وهكذا دور العمل في الدعاء. و«من مجموع شروط الدعاء المذكورة نفهم أنّ الدعاء لا يُغنينا عن التوسل بالعوامل الطّبيعية، بل أكثر من ذلك يدفعنا إلى توفير شروط استجابة الدعاء في أنفسنا، ويحدث بذلك تغييراً كبيراً في حياة الإنسان وتجديداً لمسيرته، وإصلاحاً لنواقصه. أليس من الجهل أن يصف شخص الدعاء بهذا المنظار الإسلامي أنّه مخدِّر؟!»[532].

وهناك شروط أُخرى وأركان مهمّة يطول المقام بذكرها، مثل الكون على الطهارة، واستقبال القبلة، والإلحاح، وما شاكل ذلك.

قال الشيخ الكفعمي رحمه الله: «واعلم أنّ للدعاء أركاناً وأسباباً وأوقاتاً وأجنحةً، فأركانه ستّة: حضور القلب، والرقّة، والإستكانة، والخشوع، وتعلّق القلب بالله وقطعه عن الأسباب، وأسبابه: الصلاة على مُحمّدٍ وآلهِ، وأوقاته: الأسحار، وأجنحته: الصدق، فإذا وافق أركانَه قَوِيَ، وإن وافق أسبَابه أنجح، وإن وافق أوقاتَه فاز، وإن وافق أجنحته طار»[533].

80.الاستجابة لله والإيمان به عزّ وجلّ

ثمَّ تختم الآية الشريفة بقوله تعالى: فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ «أي: فليجبوني وليصدّقوا رسُلي»[534]، أو «اقبلوا أنتم أيضاً دعوتي إذا دعوتكم وأمرتكم بالطاعات والدعاء، فاطلبوا واسألوا تضرعاً وخفية لا بقلب ساه وغير متوجّه ومتعقّل لمعنى ما تقولون، لا جهراً ورياءً، فإنّ الله لا يحب المعتدين، واطلبوا ولا تستكبروا ولا تتركوا الدعاء استكباراً وتجبّراً، وعدم اعتقاد الإجابة وعدم علمه بالسماع وقدرته على الإجابة، فإنَّ مَن فعل ذلك يدخل النار مقيماً فيها.. وَلْيُؤْمِنُواْ بِي أمر بتحصيل الإيمان، أي: التصديق بجميع ما جاء به الأنبياء لمَن لا إيمان له، وبالثبات والإستمرار للمتّصف به، أو التصديق بأنّه قادر على الإجابة لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ راجين في ذلك كلّه الرشد، يعني إصابة الحقّ والخير»[535].

فكلّ مَن استجاب لِلّهِ في أن يدعوه، وآمن به إيماناً حقيقياً، ودعا الله عزّ وجلّ بشروط الدعاء أجابه الله تبارك وتعالى، ولو كان في أوساط الغيران والجبال، فقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال: «بينما ثلاثة نفر من بني إسرائيل يسيرون إذ أخذهم المطر فآووا إلى غارٍ في جبلٍ، فانطبقت عليهم صخرة فسدّت الغار، فقالوا: تعالوا! فليسأل الله عزّ وجلّ كلُّ رجل منّا بأفضل عمله، فقال أحدُهم: اللَّهُمَّ إن كنت تعلم أنّه كانت لي ابنة عمٍّ جميلة، وكنت أهواها، فدفعت إليها مائة دينار، فلمّا جلست منها مجلس الرجل من المرأة، قالت: اتقِ اللهِ يا ابن العم ولا تفض الخاتم إلاّ بحقٍ، فقمت عنها وتركت لها المائة دينار. اللَّهُمَّ إن كنت تعلم أنّي فعلتُ ذلك خشية منك وابتغاءً لما عندك فافرج عنّا، فانفرج عنهم ثلث الصخرة.

وقال الآخر: اللَّهُمَّ إن كنت تعلم أنّه كان لي أبوان، شيخان، كبيران، فكنت أغدو عليهما بصبوحهما، وأروح عليهما بغبوقهما، فغدوت عليهما يوماً فوجدتهما نائمين، فكرهت أن أوقظهما، وكرهت أن أنصرف عنهما فيفقدان غداءهما فوقفت حتى استيقظا، فدفعت إليهما غداءهما. اللَّهُمَّ إن كنت تعلم أنّي إنَّما فعلت ذلك ابتغاء ما عندك، وخشية منك فافرج عنّا، فانفرج عنهم الثلث الثاني.

وقال الثالث: اللَّهُمَّ إن كنت تعلم أنّني استأجرت أجيراً، فلمّا دفعت إليه أجرته، قال: عملي أوفى من هذا، وترك لي أجرته، وقال: بيني وبينك يوم يؤخذ للمظلوم فيه من الظالم ومضى، فابتعت له بأُجرته غنماً، فلم أزل أرعاها ونمت حتى تزايدت وكثرت، فلمّا كان بعد مدّةٍ من الدهر أتاني، فقال: يا هذا إنَّ لي عندك أجرةً، عملت لك كذا وكذا، في وقت كذا وكذا، فقلت له: خذ الغنم فهي لك، فقال تمنعني أجرتي وتهزأ بي؟ فقلت: خذها فإنّها لك، فأخذها ودعا لي. اللَّهُمَّ إن كنت تعلم أنّي إنّما فعلت هذا خشيةً منك، وابتغاءً لما عندك، فافرج عنّا، فانفرج عنهم باقي الصخرة وخرجوا يتماشون»[536].

فهؤلاء النفر إنما فرّج الله عنهم؛ لأنهم دعوا الله بأوثق الوسائل، وتوسّلوا إليه بأحبّ الأعمال، فاستجاب الله دَعاءَهم، وكذلك كان أدعية أهل البيت عليهم السلام فإنّهم يتوسّلون إلی الله بأحبّ خلقه إليه، وكذا مَن سار على نهجهم وتربّى في كنفهم؛ ولذا توسّلت ليلى أُمّ علي الأكبر بأحبّ السبل إلى الله تعالى، دخلت إلى خيمتها، رفعت يدَيها إلى السماء قائلة: إلهي بغربة أبي عبد الله، إلهي بعطش أبي عبد الله، إلهي بوحدة أبي عبد الله، يا رادّ يُوسف إلى يعقوب، اردُد إليّ ولدي عليّ.

ردت الخيمتها الغريبة
وتوسّلت لله بحبيبه
يا رادّ يوسف من مغيبه
 

 

تبچي على ابنيها ابريبة
بالحسين وشما بيه من مُصيبة
اليعقوب ومسچن نحيبة
 

 

أريـدك عـليّ سـالـم تـجيـبـه

فاستجاب الله دُعاء ليلى لولدها، ونصر علياً الأكبر على بكر بن غانم، فقتله واحتزّ رأسه، وجاء إلى أبيه الحسين وهو يقول:

صيدُ الملوك أرانب وثعالب

 

 وإذا برزتُ فصيديَ الأبطالُ

 

يا أبة هل من جائزةٍ؟ فقال له أبوه الحُسين: بُني عليّ، وأيُّ جائزةٍ تُريدُ من أبيك؟ فقال: يا أبة، فهل من شربةٍ من ماء سبيل أتقّوى بِها على الأعداء، فقال له أبو عبد الله عليه السلام: بُني عليّ، اصبر قليلاً سيسقيك جدُّك المُصّطفى بكأسه الأوفى شُربةً لا تظمأ بعدها أبداً، فرجع عليُّ الأكبر يُقاتل حتى قتل تمام المائتين، إلى أن وقع صريعاً، الله أكبر.

وكأنّي بالحوراء زينب عليها السلام هوت على ذاك الجسد الطاهر تلثمه تقبيلاً:

هوت فوگه تشم خدَّه وتحبّه
او تفتح زيگ ثوبه او تجس گلبه
 

 

أو تطبگ طبرة الراس وتعصبه
لگت دمّه من افاده يفوّر[537]
 

 

*** 

إنّا لله وإنّا إليه راجعون، ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله العليّ العظيم

وسيعلم الذين ظلموا آل مُحَمّد أيَّ مُنقلبٍ ينقلبون

والعاقبة للمتّقين.

 

المحاضرة الحادية والعشرون: أنصار الله عزّ وجلّ

 

أرى العُمرَ فيَ صرفِ الزمانِ يَبيدُ
فكُنْ رَجُلاً إن تنضَّ أثوابُ عيشهِ
وإيّاكَ أن تـشري الحياةَ بذلّةٍ
لِذاكَ نضى ثوبَ الحياةِ ابنُ فاطمٍ
وليس لديهِ ناصرٌ غيرَ نيّفٍ
سطت وأنابيبُ الرماح كأنّها
ترى لهُمُ عندَ القراعِ تباشُراً
ومابرحوا عن نُصرةِ الدينِ والهُدى
 

 

ويذهبُ لكن ما نَراهُ يعودُ
رثاثاً فثوبُ الفخر مِنهُ جديدُ
هيَ الموتُ والموتُ المُريحُ وجودُ
وخاضَ عُبابَ الموتِ وهو فريدُ
وسبعينَ ليثاً ما هُناكَ مزيدُ
أُجامٌ وهم تحتَ الرّماحِ أُسودُ
كأنَّ لهم يومَ الكريهةِ عيدُ
إلی أن تفانى جمعُهم وأُبيدُ[538]
 

 

***

وقف عليهم أبو عبد الله الحسين عليه السلام كأنّي به يخاطبهم:

يشبّان بالله لا تونّون
تهدّون حيلي من تلوجون
مدري يبعد أهلي شتريدون
 

 

بونينكم گلبي تگطعون
يا ثمرة فوادي متحجون
بعيونكم ليَّ تديرون
 

 

تشعبون گلبي من تلوجون

قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونوا أَنصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ فَآَمَنَت طَّائِفَةٌ مِّن بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَت طَّائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ [539].

لقد أرسل الله تبارك وتعالى الأنبياء والمرسلين لهداية البشر، وإخراجهم من الظلمات إلی النور؛ ولذا ترى أنَّ بلاغات الأنبياء والمرسلين وصلت إلی منتهى العطف واللين مع أقوامهم، حتّى إذا بلغت أرواحهم القُدسيّة أعلى درجات النصرة لله عزّ وجلّ، بدأوا يحذّرون أقوامهم من العذاب والسخط الذي ينتظرهم إذا ما خالفوا دعواتهم الإلهية، وهداياتهم الربّانية، وأمثلة ذلك كثيرة جداً، فقد جاء على لسان نبيِّ الله نوح عليه السلام ما قصّه لنا الباري عزّ وجلّ: قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا * فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا * وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا [540]، ثمّ يدعو نوح عليه السلام على قومه بعد اليأس من هدايتهم: وَقَالَ نُوحٌ رَّبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا * إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا [541].

ولم يختلف الأمر في بقية الأنبياء والمرسلين عليهم السلام؛ لأنَّ المصدر للإرسال واحد، وهو الباري عزّ وجلّ، وأهدافهم واحدة، وأخلاقهم وسجاياهم كذلك، إلاّ ما اقتضت الظروف من أساليب الهداية والتبشير، وهذا ما يعبّر عنه بـتنوّع الأدوار والهدف الواحد.

وهذا صريح قوله تعالى: لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ[542].

ولمّا نطالع القصص القرآني ونمرّ بحياة نبي الله عيسى بن مريم عليه السلام نجد هذا الأُسلوب غاية في الوضوح، حيث يقول عزّ وجلّ: وَلَمَّا جَاء عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُم بِالْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُم بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ * فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِن بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ [543].

وبالعودة إلی الآية الشريفة نجد أنّ الله تبارك وتعالى يطلب من المؤمنين عين ما طلبه نبي الله عيسى عليه السلام لكونه مطلب حقّ، وكأنَّما الباري عزّ وجلّ أيّد هذه الدعوة المباركة التي أطلقها هذا الرسول العظيم، وهي الدعوة لنصرة الله تبارك وتعالى.

ومن هنا ينبغي لنا أن نشير إلی بعض النقاط:

الأُولى: «أنه لا ريب في عدم حاجة القادر المتعال إلی نصرة أحد، فإنّه تعالى بوجوب وجوده غنيّ بالذات، والخلق محتاجون إليه، كما قال تعالى شأنه: يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاء إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ [544].

فالمراد بنصرته كما ذكره المفسّرون ودلت عليه الأخبار هو نصرة دينه، ونصرة النبيِّ والأئمة الأطهار، والأولياء الأبرار.

وبعبارة أُخرى: كلّ مَن يكون في نصرته يكون في رضا الله تعالى، فنصرته نصرة الله. وهذا المطلب في غاية الوضوح بمكان، لا يحتاج إلی شاهد وبرهان.

الثانية: أنّ المراد بنصرته هو الإقدام والمساعدة في كلّ أمر عُلم تعلّق غرضه بوقوعه، ولهذا تتفاوت كيفيّة النصرة بحسب تفاوت الأزمان والأحوال والأمكنة»[545].

الثالثة: لقد جاءت كلمة أنصار الله في القرآن الكريم ثلاث مرات؛ اثنان منها في الآية محل البحث، وواحدة في قوله تعالى فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللّهِ[546].

وورد في موضع آخر بشارة من الله عزّ وجلّ لمَن يقدّم النصرة له تبارك وتعالى بنحو الشرط والجزاء، وهو قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ * وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَّهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ[547].

ولو أردنا أن نجمع بين هذا الموضع والآية محل البحث لكان الكلام بهذا النسق الجميل ..يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونوا أَنصَارَ اللَّهِ... ..إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ....

ولأجل هذا الجزاء المهم لمَن ينصر الله عزّ وجلّ، كان حريّاً بكلّ إنسان أن يتعرّف على المراد بهذه النصرة زيادةً على ما تقدَّم إجمالاً.

83.كيف نكون أنصار اً لله عزّ وجلّ

بعد وضوح ما تقدّم في النقطة الأُولى، وهي: إنّ الله تبارك وتعالى غنيٌّ عن العالمين، وكما يقول أمير المؤمنين عليه السلام: «.. فلم ينصركم من ذُلٍ... استنصركم وله جنود السماوات والأرض، وهو العزيز الحكيم.. أراد أن يبلوكم أيّكم أحسن عملاً»[548].

إذن ما هذه النصرة حتّى نحاول أن نتَّصف بها؛ لنكون ممَّن يحصل على الجزاء الوافر، وهو نصرة الله تبارك وتعالى له؟

هناك عدّة آراء للمفسّرين، أذكر أهمّها:

الرأي الأول: إنّ الكلام فيه حذف للمضاف، والمضاف المحذوف هو إمّا أن يكون الدين، أو الرسول، أو الوحي، أو الطريق، أو شيء من هذا القبيل، كما عليه جملة من المفسّرين[549].

ونصرة الدين تكون بإظهار شعائره، ونصرة الرسول بمواساته والصبر على ما أصابه، كما صبر هو إذ كُسِرَتْ رُباعيتُه، وجُرِحَ وجهُه، وقُتل عمُّه، وأوذي بضروبٍ من الأذى، فواساكم مع ذلك بنفسه، فافعلوا أنتم كذلك أيضاً[550].

ونصرتنا له تبارك وتعالى بنصرة عباده، والقيام بحفظ حدوده، وإعانة عهوده، وامتثال أوامره، واجتناب نواهيه[551].

الرأي الثاني: وهناك مَن ذهب إلی أنّ المقصود بـأنصار الله: أنّهم أعانوا الله على هؤلاء الكفار، أي: مع معونة الله، وأنّهم جند لله في الأرض، يتوجّهون إلی نصرة الله[552].

وعلی هذا يكون هناك فرق بين قول عيسى عليه السلام مَنْ أَنصَارِي وقولهم نَحْنُ أَنصَارُ اللّهِ، والفرق هو «أنّ نَحْنُ أَنصَارُ اللّهِ نحن الذين ينصرون الله، ومعنى مَنْ أَنصَارِي مَن الأنصار الذي يختصّون ويكونون معي في نصرة الله»[553]، فلذا لاحظنا «أنّ الحواريين لم يقولوا: نحن أنصارك، بل لكي يُعربوا عن منتهى إيمانهم بالتوحيد، وليؤكدّوا إخلاصهم، ولكي لا يشمّ من كلامهم أيّ رائحة للشرك قالوا: نحن أنصار الله ننصر دينه»[554].

وخلاصة هذين الرأيين هناك مَن يُقدّر حذف مضاف، بحسب ما يستفيده من القرائن، بأن يكون المضاف المحذوف الدين، أو الرسول عيسى، أو السبيل، أو الطريق، أو الوحي، كما ذكرناه في الرأي الأول.

أو لا يكون هناك مضاف محذوف، بل الكلام يكون على ما هو عليه، وأنَّ النصرة لله تبارك وتعالى تكون بتحقيق مطلوبه عزّ وجلّ، ومطلُوبُه في هذه الآية مثلاً قتل الكافرين، فنصرته بقتلهم، كما يشير إليه ذيل الآية الشريفة: فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ، فالنصرة نصرة حقيقيّة «فالشيطان عدو الله يجتهد في تحقيق الكفر، وغلبة أهل الإيمان، والله يطلب قمع الكفر وإهلاك أهله، وإفناء مَن اختار الإشراك بجهله، فمَن حقَّقَ نصرة الله حيث حقَّقَ مطلوبه...»[555].

84.مَن هم الحواريون؟

الحواري أصله من الحور، وهو شدّة البياض، ولم يستعمل القرآن الكريم هذا اللفظ إلاّ في خواص عيسى عليه السلام من أصحابه[556]، وحواري الرجل صفوته وخالصته[557]، وقد كان عددهم اثني عشر رجلاً، قيل: «سُمّوا بذلك؛ لأنّهم كانوا نوارنيين عليهم أثر العبادة، أو لنقاء قلوبهم كما ينقى الثوب بالتحوير»[558].

وقيل: «إنّهم كانوا قصّارين، فمرّ بهم عيسى عليه السلام، وقال: مَن أنصاري إلی الله، أي: مع الله، قالوا: نحن أنصار الله. ويُقال: أنَّه مرّ بهم وهم يغسلون الثياب، فقال لهم: إيش تصنعون؟ قالوا نُطهّرُ أنفسنا من هذه الذنوب، فبايعوه. ويقال: إنّهم كانوا صيادين فمرّ بهم وقال: ألا أدلّكم على اصطياد أنفع لكم من هذا؟ قالوا: نعم، فقال: تعالوا نصطاد أنفسنا من شرّ إبليس، فبايعوه»[559].

فكأنَّما عيسى عليه السلام دعاهم بقوله تعالى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ[560].

ويؤيد أنّهم كانوا يغسلون الثياب أنّ الذي يغسل الثياب يسمى بلغة النبط هواري، وهو القصّار، فعُرِّبَت هذه اللفظة فصارت حواري[561].

وروي عن الإمام الصادق عليه السلام أنه قال: «..إنّ حواري عيسى عليه السلام كانوا شيعته.. وإنّ شيعتنا حواريونا، وما كان حواري عيسى عليه السلام بأطوع له من حوارينا لنا، وإنّما قال عيسى عليه السلام للحوارين: مَن أنصاري إلی الله قال الحواريون نحن أنصار الله، فلا والله، ما نصروه من اليهود ولا قاتلوهم دونه، وشيعتنا والله، لم يزالوا منذ قبض الله عزّ ذكرُه رسولَه صلى الله عليه وآله ينصرونا ويقاتلون دوننا ويحرقون ويعذبون ويُشردون في البلدان جزاهم الله عنّا خيراً»[562].

85.حواريّو الإسلام وأنصاره

نستطيع أن نقول إنَّ لكلِّ نبيٍّ يوجد خواص ومقرّبون وشيعة، وبالتالي يمكن تسميتهم بحواريه، كما جاء في تصريح الرواية السابقة، وحواريو الإسلام هم أقرب الناس إلی دعوة رسول الله صلى الله عليه وآله وأنصار دينه، فمّن دافع عن هذا الدين، وجاهد في سبيل إعلاء كلمته حتّى استشهد دونه، أو بقي مدافعاً عنه إلی أن توفّاه الله تبارك فهو من أنصاره؛ ولذا جاء في زيارة قبور شهداء معركة أُحد: «السَّلامُ عليكم يا أنصارَ اللهِ وأنصارَ رسولِهِ عليهِ وآلهِ السَّلام»[563].

وما روي في حقّ شيعة الإمام أمير المؤمنين عليه السلام عن رسول الله على الله عليه وآله: «يا علي شيعتُك شيعةُ اللهِ، وأنصارُكَ أنصارُ اللهِ»[564].

وأوضح من ذلِكَ كُلِّه أصحابُ الإمامِ الحُسين عليه السلام حيث ورد فيهم في الزيارة الشَّريفة على لسان الإمام الصَّادق عليه السلام:

«السَّلامُ عليكُم يا أولياءَ اللهِ وأحبائَه، السَّلامُ عليكُم يا أصفياءَ اللهِ وأودّائَه، السَّلامُ عليكُم يا أنصارَ دينِ اللهِ، السَّلامُ عليكُم يا أنصارَ رسولِ اللهِ، السَّلامُ عليكُم يا أنصارَ أميرِ المؤمنينَ، السَّلامُ عليكُم يا أنصارَ فاطمةَ سيّدةِ نساءِ العالمينَ، السَّلامُ عليكُم يا أنصارَ أبي محمّدٍ الحسنِ بنِ عليٍّ الولي الناصح، السَّلامُ عليكُم يا أنصارَ أبي عبدِ اللهِ»[565].

هذه الطائفة هم أنصار الله، وأنصار رسوله، وأنصار أمير المؤمنين، وأنصار الإمام الحسن المجتبى، والحسين شهيد كربلاء، هم حواريو الإسلام وأنعِم بهم وأكرِم، وهناك حواريو الضلال والكفر والعناد، وهذا ما أشارت إليه الآية المباركة، حيث قسّمت الحواريين إلی طائفتين، حيث يقول عزَّ من قائل: فَآَمَنَت طَّائِفَةٌ مِّن بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَت طَّائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ.

وفي تفسير هذه الآية المباركة أنّ الطائفة التي كفرت هي التي قتلت شبيه عيسى وصلبته، والأُخرى هي التي آمنت وقبلت أن يقتل شبيه عيسى بدلاً عن نبي الله عيسى عليه السلام، فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا ، وهي التي لم تقتل شبيه عيسى على الطائفة الأُخرى، عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ [566].

وبقولهم هذا: نحن أنصار الله أصابوا الفضل من الله[567]، ويكفيك الجزاء الذي ذكره تعالى إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ[568].

وهكذا كان أصحاب أبي عبد الله الحسين عليه السلام، فطوبى لهم نصروا ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وآله، ورحم الله الشاعر حيث يقول:

نصروا ابنَ بنتِ نبيِهم طُوبى لهم
قد جاورُوه ها هنا بقبورهم
 

 

نالوا بنُصرتِه مراتبَ سامية
وقصورُهُم يوم الجزاء متحاذية [569]

 

وفي كامل الزيارات:

«خرج أمير المؤمنين عليه السلام يسير بالناس حتّى إذا كان في كربلاء على مسيرة ميل أو ميلين تقدّم بين أيديهم، حتّى صار بمصارع الشهداء، ثم قال: قبض فيها مائتا نبيّ، ومائتا وصي، ومائتا سبط كلهم شهداء باتباعهم، فطاف بها على بغلته خارجاً رجله من الركاب، فانشأ يقول: مناخُ رُكّابٍ، ومصارعُ شُهداء، لا سبَقَهُم مَن كانَ قبلَهُم، ولا يلحقُهُم من أتى بعدَهم»[570].

وهكذا دافعوا بكلّ غالٍ ونفيس عن دينهم، وقرآنهم، وإمامهم:

گظوا حگ العليهم دون الخيام
لمن طاحوا تفايض منهم الهام
هووا ما بين من گطعوا وريده
أو بين إمسبّح ابرميه شديده
 

 

ولا خلّوا خوات حسين تنظام
أو تهاووا مثل مهوى النجم من خرّ
ووگع راسه وبين الطاحت ايده
أوبين الصار للنشاب مكسر
 

 

يذكر بعضُ الخطباء أنَّه لمّا جاء حبيب إلی أبي عبد الله عليه السلام كلّمته زينب، وقالت له: عمّ يا حبيب، لا تقصّر في نصرة أبي عبد الله الحسين المظلوم الغريب!

قالت له ذلك، ودموعها على خديّها، ودموع حبيب على خدّيه، فلمّا كان يوم العاشر من محرّم وبدأ القتال وقف أمام خيمتها وهو يقول: آهٍ لوجدك يا زينب، وأنت تُحمَلين على بعير ضالع.

وبرز حبيب للقتال، وكان يقاتل قتال الأبطال، ويضرب في القوم يميناً وشمالاً، والحسين ينظر إليه، وبعد برهة من الزمن يرجع حبيب وقد أدار وجهه ولم يرد أن يرى الحسين عليه السلام وجهه، فاستدار الحسين؛ ليرى ما به، فنظر إليه فرأى دموعه تتحادر على خدّيه، فقال له الحسين عليه السلام: حبيبي يا حبيب، هل ذكرت الأهل والأوطان؟

فقال: لا،يا أبا عبد الله، ولكن اُنظر إلی باب الخيمة!

فنظر الحسين إلی باب الخيمة، وإذا بها زينب متّشحة بوشاح أُمّها فاطمة، فانكسر قلب شيخ الأنصار حبيب، ثمَّ قال للإمام الحسين عليه السلام: سيّدي يا أبا عبد الله، قل لزينب ترجع إلی الخيمة، فقد كسرت قلبي.

جاء الإمام الحسين عليه السلام لأُخته زينب، فقال لها: أُخيَّ زينب، ارجعي فقد كسرتي قلب حبيب بوقوفك! ارجعي فهو وأصحابه لا يقصّرون.

وبالفعل حتّى الذي يقع فيهم يوصي الآخر بالغريب المظلوم؛ لهذا عندما جاء الإمام الحسين عليه السلام مع حبيب، ووقفا عند رأس مسلم بن عوسجة، كان مسلم يوصي حبيب بالحسين عليه السلام.

مسلم بالمعارة حارب وطاح
لگو مسلم طعين الموت بيه لاح
 

 

اجه حسين وحبيب بصحبته راح
وگف يمّه حبيب يهل العيون
 

 

86.***

المنية لو وجه منها بعيده
حبيب تريدني عندي وصيّه
أوصيك بغريب الغاضريه
 

 

چا وصّيتني بكل التريده
شبيدي حالت عليّ المنية
بحسين عنه لا تگصرون
 

 

***

نصروا ابن بنت نبيهم طوبى لهم
 

 

نالوا بنصرته مراتب سامية
 

 

***

إنّا لله وإنّا إليه راجعون، ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله العليّ العظيم،

وسيعلم الذين ظلموا آل مُحَمّد أيَّ مُنقلبٍ ينقلبون

والعاقبة للمتّقين.

 

المحاضرة الثانية والعشرون: إحياء الموتى

 

فِداءٌ لِمَثْواكَ مِنْ مَضْجَعِ
بِأَعبَقَ مِن نَفَحَاتِ الجِنانِ
وَرَعياً لِيَومِكَ يَومِ الطُّفُوفِ
وَحُزناً عَلَيكَ بِحَبسِ النُّفُوسِ
وَصَوْناً لِمَجْدِكَ مِنْ أنْ يُذالَ
فَيا أيُّها الوِترُ فِي الخالِدِينَ
تَعالَيتَ مِنْ مُفْزِعٍ لِلحُتُوفِ
تَلوذُ الدُّهورُ فَمِنْ سُجَّدٍ
شَمَمْتُ ثَراكَ فَهَبَّ النسيمُ
وَعَفَّرْتُ خَدّي بحيثُ استراحَ
وَحَيثُ سَنابكُ خَيلِ الطُّغَا
وَطُفْتُ بِقَبْرِكَ طَوفَ الخيا
كأنَّ يداً من وراءِ الضريحِ
تمدُّ إلى عالمٍ بالخنوع
 

 

تَنَوَّرَ بِالأبْلَجِ الأرْوَعِ
رَوْحاً وَمِن مِسْكِها أضوَعِ
وَسَقياً لأِرضِكَ مِنْ مَصْرَعِ
عَلَى نَهْجِكَ النَّيِّرِ المَهْيَعِ
بِما أنْتَ تَأْباه مِنْ مُبدِعِ
فَذّاً إلى الآنَ لَمْ يُشفَعِ
فَبُورِكَ قَبْرُكَ مِنْ مَفْزَعِ
عَلَى جانبيهِ ومِنْ رُكَّعِ
نَسيمُ الكرامةِ مِنْ بَلقَعِ
خَدٌّ تَفْرَّى وَلَمْ يَضرَعِ
ةِ جَالت عَلَيهِ وَلَمْ يَخشَعِ
لِ بِصَومَعَةِ المُلْهَمِ المُبْدِعِ
حمراءَ مبتورةِ الإصبعِ
والظيمُ ذي شَرقٍ مترع[571]
 

 

 

 

يم گبرك يبو السجاد دوم الدوم نتمنَّه


 

 

نِطوف او من نطوف انطوف چنَّه ابروضة الجنة

     
 

 

وعنك مِن يِبَّعدنَّه
 

الزمان انعيش بالوَنَّه
 

وبالزفره او بالحسره
 

اونندب أُمّك الزهره
 

نگلها ابظلعچ اوكسره
 

نقسم على الباري كون
 

 

نوصـــل گبـر أبو اليـمّه

 

 

 

گبرك كعبة الوفَّاد بيه امرادنه يحصل


 

 

نِشم طيب التراب اللّي اعلى گبرك كبل لا نوصل

ومن نوصل نگول اشلون جسم ابن النبي اتفصَّل

 

بسيوف اوسمر وبزان

     
 

***

قال تعالى: وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ[572].

ليس من المعيب أنّ الإنسان يسأل حتّى يعلم، أو يسأل حتّى يتيقّن، وإنّما المعيب أن يبقى على جهله وشكّه، فلا يرفعهما بالسؤال.

والحال أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وأهل بيته الأطهار عليهم السلام أمرونا بالسؤال، فعن إمامنا الصّادق عليه السلام أنّه قال: «العلمُ خزائن والمفاتيح السؤال، فاسألوا يرحمكم الله، فإنّه يؤجر أربعة: السائل، والمتكلّم، والمستمع، والمحبّ لهم»[573].

وقد يسأل السائل ويرتفع جهلُه وشكّه بمجرّد الجواب، وقد يُنظَّر له، وقد تصل الحالة إلی المعاينة والمشاهدة، فيرتفع عنه كُلُّ جهلٍ وشك بجميع مراتبه؛ لأنّه يرى ما سأل عنه يتحقّق أمامَ عينيه، أو يحال على مسألة تشبه ما سأل عنها، وهي عنده من اليقينيات، فتورثه اليقين أيضاً.

وعلی أساس وراثة اليقين الذي لا يتطرّق إليه أيُّ احتمالٍ آخر، ولأجل معرفة الحقيقة جاء سؤال الخليل عليه السلام لربّه تبارك وتعالى، وطلب منه المشاهدة لعملية إحياء الموتى، إذ قال: أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى.

88.السؤال طلباً لليقين

تقدّم قريباً أنَّ سؤال إبراهيم الخليل عليه السلام لربِّه عزّ وجلّ لم يكن ناشئاً من عدم إيمان الخليل، فإحياء الموتى إنَّما كان لطلب اليقين، وكان هناك مبررٌّ لهذا السؤال.

ففي الكافي الشّريف عن الإمام الصّادق عليه السلام في حديث قال: «...ثمّ التفتَ إبراهيمُ عليه السلام فرأى جيفةً على ساحل البحر، نصفها في الماء ونصفها في البر، تجيء سباع البحر فتأكل ما في الماء ثم ترجع، فيشدّ بعضها على بعض فيأكل بعضها بعضاً، فعند ذلك تعجّب إبراهيم عليه السلام ممّا رأى وقال: رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قال: كيف تخرج ما تناسل، التي أكل بعضُها بعضاً؟ قال: أَوَلَمْ تُؤْمِن قال: قَالَ بَلَى وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي، يعني حتّى أرى هذا كما رأيتُ الأشياء كُلَّها، قال: قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا فقطّعهنَّ واخلطهنَّ كما اختلطت هذه الجيفة في السباع التي أكل بعضها بعضاً، فخلط ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا، فلمّا دعاهن أجبنه، وكانت الجبال عشرة»[574].

و ذكرت بعض المصادر سبباً آخر لهذا السؤال، وهو أنّه لما حاجّ نمرود في ربّه، قال إبراهيم عليه السلام: « رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ، قال نمرود: َنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ وموّه على الأغبياء، ودلّس على الضعفاء بإطلاق مَن أراد قتله من السجن، وقتل مَن برئَ من عِرضِ الناس، فلمّا بهت لقوله تعالى: فَإِنَّ اللّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ، طالبه نمرود بإحياء الموتى، فأخذ أربعة من الطير»[575].

وما سأل عنه إبراهيم عليه السلام بقي شبهة في أذهان الكثير من المعاندين، وإلى زماننا، وفي زمان الأئمة عليهم السلام أخذ الكثير من الزنادقة يصرخون بها في أزقّة المُدن، وهي ما يعبّر عنه بشبهة الآكل والمأكول.

وخلاصتها: أنّ الإنسان يعود يوم القيامة بهذا الجسد المادي، وتعود روحه أيضاً، فإذا استحال جسد الإنسان إلی تراب وامتصّته جذور الأشجار والنباتات، وأصبح ثمرٌ أكله إنسان آخر، وغدا جزءاً من جسده، أو أنَّ إنساناً أكل لحمّ إنسانٍ آخر، فإلى أيِّ جسدٍ ستعود هذه الأجزاء المأكولة؟![576].

والجواب: «إنَّ الروح لا تستطيع أن تتفاعل تفاعلاً كاملاً إلاّ مع الجسد الذي تربّت وتكاملت معه، لذلك ففي البعث لا بدّ من حضور الجسد السابق نفسه، لكي تستطيع الروح الإندماج به، وتستأنف نشاطها في عالم أسمى، ولتجني ثمارَ أعمالِها»[577].

وفي زمان الإمام الصّادق عليه السلام روى هشام بن الحكم أنّه قال الزنديق للإمام الصّادق عليه السلام: «أنّى للروح بالبعث؟! والبدن قد بلى، والأعضاء قد تفرّقت، فعضو في بلدةٍ تأكلها سباعُها، وعضو بأُخرى تمزّقه هوامّها، وعضو قد صار تُراباً بني مع الطين حائط! قال: إنّ الذي أنشأه من غيرِ شيءٍ، وصوّره على خير مثالٍ كان سبق إليه قادر أن يعيده كما بدأه. قال أوضح لي ذلك. فأوضح له»[578].

والخلاصة: إنّ سؤال إبراهيم عليه السلام ربّه أن يريه إحياء الموتى إنّما كان لأجل اليقين أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي.

89.هل الواقعة على نحو الحقيقة أو المثال؟

ثمَّ إنّه قد وقع الخلاف بين المفسّرين في أنّ الأمر بالذبح هل كان على نحو الحقيقة أو مجرّد مثال قرّب به للخليل إبراهيم عليه السلام؟ المشهور بين المفسّرين وما دّلت عليه الروايات والنقول التاريخية هو: أنّ هذه الحادثة كانت على نحو الحقيقة، وأنّها وقعت أمام عيني خليل الله إبراهيم عليه السلام.

ولكن البعض من المفسّرين ذهب إلی الرأي الآخر، وأنّه ليس في هذه الآية ما يدلّ على أنّ إبراهيم عليه السلام ذبح الطيور، وبعد ذلك عادت إلى الحياة من جديد بأمر الله تعالى، بل أنّ الآية في صدد بيان مثال لتوضيح مسألة المعاد، يعني أنّك يا إبراهيم خُذْ أربعةً من الطّير، فضمّها إليك حتى تستأنسَ بك بحيث تجيب دعوتك إذا دعوتها، فإنّ الطيور من أشدِّ الحيوانات استعداداً لذلك، ثمَّ اجعل كلَّ واحدةٍ منهنّ على جبل، ثمَّ أدعُها، فإنّها تُسرع إليك، وهذه المسألة اليسيرة بالنسبة لك تماثل في سهولتها ويسرها مسألة إحياء الأموات، وجمع أجزائها المتناثرة بالنسبة إلى الله تعالى.

فعلى هذا يكون أمر الله تعالى لإبراهيم عليه السلام في الطيور الأربعة لا يعني أن يقدم إبراهيم على هذا العمل حتماً، بل إنّه مجرّد بيان مثالٍ وتشبيه، كأن يقول شخص لآخر ـ لبيان سهولة الأمر عليه ـ: اشرب هذا القدح من الماء حتى اُنهي هذا العمل، ويريد بذلك بيان سهولته، لا أنَّ الآخر يجب عليه أن يشرب الماء.

واستدلّ أنصار النظرية الثانية بكلمة فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ، وقالوا: إنّ هذه الجملة إذا كانت متعدية بحرف إلى فتكون بمعنى الأنس والميل، فعلى هذا يكون مفهوم الجملة: خذ هذه الطيور وآنسهى بك مضافاً إلى أنَّ الضمائر في صُرهنَّ و منهنَّ و ادعُهنَّ كُلّها تعود إلى الطّيور، وهذا لا يكون سليماً إلاّ إذا أخذنا بهذه النظرية؛ لأنّه على التفسير المشهور تعود بعض الضمائر على نفس الطيور، ويعود البعض الآخر منها على أجزاء الطيور، وهذا غير مستساغ في الإستعمال.

الجواب عن هذه النظرية:

أولاً: إنّ إبراهيمَ عليه السلام طلب من الله تعالى المُشاهدة الحسّية للمعاد والبعث؛ لكي يطمئن قلبه، ولا شك أنَّ ضربَ المثل والتشبيه وتقريب الصورة لا يجسّد مشهداً، ولا يكون مدعاة لتطمين الخاطر، فنبيُّ الله مؤمن بالمعاد عقلاً ومنطقاً، ولكنّه كان يريد أن يُدرِك ذلك عن طريق الحسِّ أيضاً.

وثانياً: لقد كان المقصود أن يشاهد إبراهيم عليه السلام نموذجاً من البعث وعودة الأموات إلى الحياة بعد أن تلاشت أجسادها، وهذا لا يتناسب مع تفسير كلمة صرهن بـآنسهن أو صح بهنَّ وذلك لقوله تعالى ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا فهذا التعبير قرينة قوية على الرأي المشهور في وقوع الحادثة على نحو الحقيقة لا المثال والتقريب؛ لأنّ هذا أوضح لإبراهيم عليه السلام أنّ المعاد يوم القيامة سيكون كذلك على شكلٍ واسع ومقياسٍ كبيرٍ جدّاً[579].

90.الطيور الأربعة

لقد اختلفت بعض الروايات في مصاديق الطيور الأربعة ما هي؟ ففي بعض الروايات المرويّة عن إمامنا الرضا عليه السلام أنّها كانت «نسراً وطاووساً وبطاً وديكاً»[580].

وبعض التفاسير ذكرت كانت «طاووساً وديكاً وغراباً وحمامة»[581].

وفي رواية الخصال عن أبي عبد الله الصّادق عليه السلام أنّها كانت: «هدهداً وصرداً وطاووساً وغراباً»[582]. ولعلَّ غيرها ذكر غير ذلك، والملاحظ في هذه التفاسير الثلاثة للطيور أنّ الطاووس كان عُنصراً مشتركاً.

فقد تكرّر في جميعها، والطاووس عندهم له تفسيره الخاص، فهو علامة الزينة والخيلاء والتكبّر والفخر بالنفس والغرور بها، حتّى أنَّ الإمام أمير المؤمنين عليه السلام أشار إلی ذلك في خُطبةٍ له في وصفه جاء فيها: «... ومن أعجبها خلقاً الطاووس الذي أقامه في أحكم تعديل، ونضد ألوانه في أحسن تنضيد، بجناحٍ أشرج قصبه، وذنب أطال مسحبه. إذا درج إلى الأنثى نشره من طيه، وسما به مطلاً على رأسه كأنّه قلع داري عنجه نؤتيه. يختال بألوانه، ويميس بزيفانه. يفضي كإفضاء الديكة، ويؤر بملاقحة أرَّ الفحول المغتلمة في الضراب... يمشي مشي المرح المختال، ويتصفح ذنبه وجناحيه فيقهقه ضاحكاً؛ لجمال سرباله وأصابيغ وشاحه، فإذا رمى ببصره إلى قوائمه زقا معولاً بصوت يكاد يبين عن استغاثته، ويشهد بصادق توجّعه؛ لأنّ قوائمه حمش كقوائم الديكة الخلاسية»[583].

وقال المازندراني رحمه الله: «فإنَّ قتل الطاووس إيماءً إلى ترك الزينة، وقتل الديك: إلى ترك الصولة والشهوة، وقتل الغراب: إلى ترك الخسّة وبعد الأمل، وقتل الحمامة: إلى ترك الترفّع والمسارعة إلى الهوى، فإنَّ مَن أمات هذه الصفات عن نفسه فقد أحياها بحياة طيبة أبدية»[584].

وكيف كان، فالطيور الأربعة مختلفة، والاختلاف بينها كبير، وجواب فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْر، جواب عمّا سأله إبراهيم عليه السلام بقوله: رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى ومن المعلوم وجوب مطابقة الجواب للسؤال، فبلاغة الكلام وحكمة المتكلم يمنعان عن اشتمال الكلام على ما هو لغو زائد لا يترتّب على وجوده فائدة عائدة إلی الغرض المقصود من الكلام، وخاصّة القرآن الذي هو خير كلامٍ، ألقاه خيرُ متكلّم إلی خيرِ سامعٍ واعٍ، وليست القصّة على تلك البساطة التي تتراءى منها في بادي النظر، ولو كان كذلك لتمّ الجواب بإحياء ميّتٍ ما كيف كان، ولكان الزائد على ذلك لغواً مستغنى عنه، وليس كذلك، ولقد أُخذ فيها قيودٌ وخصوصيات زائدة على أصل المعنى، فاعتُبر في ما أريد إحيائه أن يكون طيراً، وأن يكون حيّاً، وأن يكون ذا عدد أربعة، وأن يُقتل ويُخلط ويُمزج أجزائها، وأن يُفرّق الأجزاء المختلطة أبعاضاً، ثمّ يوضع كلُّ بعضٍ في مكانٍ بعيد من الآخر، كقُلة هذا الجبل وذاك الجبل، وأن يكون الإحياء بيد إبراهيم عليه السلام نفس السائل بدعوته إياهنّ، وأن يجتمع الجميع عنده. فهذه كما ترى خصوصيات زائدة في القصّة، هي لا محالة دخيلة في المعنى المقصود إفادته.

وبالجملة فأجابه الله تعالى بأن أمره بأن يأخذ أربعةً من الطير، ولعلَّ اختيار الطير لكون هذا العمل فيها أسهل وأقل زماناً، فيشاهد حياتها ويرى اختلاف أشخاصها وصورها، ويعرفها معرفةً تامّةً، ثمّ يقتلها ويخلط أجزائها خلطاً دقيقاً، ثمَّ يجعل ذلك أبعاضاً، وكلّ بعضٍ منها على جبل؛ لتفقد التميّز والتشخّص، وتزول المعرفة، ثمَّ يدعوهنّ يأتينه سعياً... فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْر إنّما أمر بذلك ليعرفها فلا يشك فيها عند إعاده الحياة إليها، ولا ينكرها، وليرى ما هي عليه من الإختلاف والتميّز أوّلاً وزوالهما ثانياً[585].

91.ظهور الإعجاز وتجليّه لإبراهيم عليه السلام

لا يشك أحد بأنّ إحياء الميت بعد تقطيعه وخلطه وتقسيمه أمرٌ خارق للعادة ومعجز لا غبار عليه، فكيف تجمّعت هذه الأوصال المقطّعة والدماء الممزوجة من الجبال، وتطايرت تلك الأجزاء بعضها إلی بعض حتّى استوت الأبدان، وجاء كلُّ بدنٍ حتّى انضم إلی رقبته ورأسه التي كانت بين أصابع خليل الله إبراهيم عليه السلام فخلّى إبراهيم عن مناقيرِهنَّ فطرْنَ، ثمّ وقفن فشربن من ذلك الماء والتقطن من ذلك الحب، وقلن يا نبيَّ الله أحييتنا أحياك الله، فقال إبراهيم عليه السلام: بل الله يحيي ويميت وهو على كلِّ شيءٍ قدير، كما جاء ذلك في سؤال المأمون لإمامنا الرضا عليه السلام وجوابه عن هذه الحادثة[586].

والملفت للنظر أنّ الآية عبّرت بـادْعُهُنَّ، أي: ادع الطيور، يا طاووس، ويا فلان، ويا فلان، ويمكن أن يُستفاد ذلك ـ مضافاً إلى دلالة ضمير هن الراجعة إلى الطيورـ من قوله: ادْعُهُنَّ، فإنَّ الدعوة لو كانت لأجزاء الطيور دون أنفسها كان الأنسب أن يقال: ثمّ نادهن؛ فإنّها كانت على جبالٍ بعيدة عن موقفه عليه السلام، واللّفظ المستعمل في البعيد خاصّة هو النداء دون الدعاء، وقوله: يَأْتِينَكَ سَعْيًا، أي يتجسّدنَ واتصفن بالإتيان والإسراع إليك[587].

«فإن قيل: فما معنى قوله تعالى: ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا، وهل أمره بدعائهن وهنَّ أحياء أو أموات؟ وعلى كل حال فدعاؤهن قبيح؛ لأن أمر البهائم التي لا تعقل ولا تفهم قبيح. وكذلك أمرهن وهنّ أعضاء متفرقة أظهر في القبح.

قلنا: لم يرد ذلك إلاّ حال الحياة دون التفرّق والتمزق، فأراد بالدعاء الإشارة إلى تلك الطيور، فإَّن الإنسان قد يشير إلى البهيمة بالمجيء، أو الذهاب فتفهم عنه، ويجوز أن يسمي ذلك دعاء، إمّا على الحقيقة، أو على المجاز...»[588].

92.استفادة فقهية

لقد استفيد من هذه الآية فائدة فقهية مهمّة، وهي ما لو نذر الإنسان أن يتصدّق بجزءٍ من ماله مثلاً إذا تحقق له الأمر الكذائي، فكم يجب عليه أن يتصدّق؟

عُرضت هذه المسألة على إمامنا الصّادق عليه السلام: «فقيل له: إنَّ رجُلاً مات وأوصى إليه بمائة ألف درهم، وأمره أن يُعطيَ أبا حنيفة منها جزءاً، فسأل عنها جعفر بن محمّد عليه السلام وأبو حنيفة حاضر، فقال له جعفر بن محمّد عليه السلام: ما تقول يا أبا حنيفة؟ فقال: الربع، فقال لإبن أبي ليلى، فقال: الربع، فقال جعفر بن محمّد عليه السلام: ومن أين قلتم الربع؟ قالوا: لقول الله عزّ وجلّ: قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا، فقال أبو عبد الله عليه السلام: هذا قد علمت الطير أربعة، فكم كانت الجبال، إنّما الأجزاء للجبال، ليس للطير. فقالوا: ظننا أنّها أربعة، فقال أبو عبد الله عليه السلام: ولكن الجبال عشرة»[589].

وقوّى صاحب الجواهر رحمه الله العملَ بهذا المضمون في الوصية المبهمة في شرحه على الشرائع[590]، والمسألة مبحوثة مفصلاً في محلها[591].

93.الولاية التكوينية عند أهل البيت عليهم السلام

تقدّم آنفاً أنَّ ما حصل من مجيء الطيور الأربعة المقطّعة تسعى مسرعة في طيرانها أو مشيها من ضروب الولاية التكوينية، والذي هو عبارة عن التصرّف في الخلق والتكوين، وإحداث ما يُعتبر خارقاً مثل إحياء الميت وإبراء المريض[592].

ومثل هذا الذي قام به إبراهيم الخليل عليه السلام بعينه قام به الإمام أبو عبد الله الصّادق عليه السلام، ففي الثاقب في المناقب، عن يونس بن ظبيان، قال: «كنا عند أبي عبد الله عليه السلام أنا والمفضّل بن عُمر، وأبو سلمة السّراج، والحسن بن ثوير بن أبي فاختة، فسألنا أبا عبد الله عليه السلام عن قول إبراهيم  عليه السلام: رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى ـ إلى قوله ـ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ، فقال أبو عبد الله عليه السلام: أتريدون أن أريكم ما أُري إبراهيم عليه السلام؟ قلنا: نعم. فقال: يا طاووس يا باز، يا غراب، يا ديك. فإذا نحن بطاووس وباز وغراب وديك، فقطّعهنَّ، وفرَّقَ لحمَهُنَّ على الجبال، ثمّ دعاهنَّ فإذا العظام تتطاير بعضها إلى بعض، واللحم إلى اللحم، والعصب إلى العصب، حتى عادت كما كانت بإذن الله تعالى.

فقال أبو عبد الله عليه السلام: قد أريتكم ما أرى إبراهيم قومَه، وقد أُعطينا من الكرامة ما أُعطي إبراهيم عليه السلام، وهذه كما علمت شاكلة لتلك، ومعادلة لها»[593].

94.ختام الآية

ثمَّ قالت الآية: « وَاعْلَمْ أَنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ أي: عزيزٌ لا يفقد شيئاً بزواله عنه، حكيم لا يفعل شيئاً إلاّ من طريقهِ اللائق به، فيوجد الأجساد بإحضار الأرواح، وإيجادها دون العكس»[594].

وأهل البيت عليهم السلام حكمتهم من حكمة خالقهم جلّ وعلا فيفعلون ما فيه الصلاح ويتركون ما كان الصلاح في تركه أيضاً؛ ولذا صار أوباش الناس يحسدونهم؛ لأنَّهم لم يحصلوا على عثرة في حياتهم، ولا زلة في أفعالهم.

ورَحِمَ الله الشيخ علي الشفهيني حيث يقول في قصيدته اللاميّة الرائعة مخطاباً بها أميرَ المؤمنين عليه السلام:

إن يحسدوك على عُلاك فإنَّما
إحياؤك الموتى ونُطقُكَ مخبِراً
وبردِّكَ الشمسَ المنيرةَ بعدما
 

 

متسافلُ الدرجاتِ يحسُد مَن علا
بالغائباتِ عذرتُ فيك لِمن غلا
أفلتْ وقد شهدتْ برجعتِها الملا[595]
 

 

***

إنّا لله وإنّا إليه راجعون، ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله العليّ العظيم،

وسيعلم الذين ظلموا آل مُحَمّد أيَّ مُنقلبٍ ينقلبون

والعاقبة للمتّقين.

المحاضرة الثالثة والعشرون: مقوِّمات الزعامة الإلهية

هيهاتَ أن تجفو السُهادَ جُفوني
أنّى ويومُ الطَّفِ أضرمَ في الحَشا
يومٌ أبو الفضل استفزّتْ بأسَّه
فأغاثَ صبيتَه الضما بمزادةٍ
حتّى إذا قطعوا عليه طريقَه
ودعته أسرارُ القضا لشهادةٍ
حسموا يديهِ وهامَهُ ضربوه في
ومشى إليهِ السبطُ ينعاهُ كسرتَ
عبّاسُ كبش كتيبتي وكنانتي
يا ساعدي في كُلِّ معتركٍ بهِ
لِمَنِ اللُوى أُعطي ومَن هو جَامعُ
عبّاسُ تسمعُ زينباً تدعوك مَن
أوَ لستَ تسمعُ ما تقولُ سُكينةٌ
 

 

أو أنّ داعيةَ الأسى تجفوني
جذواتِ وجدٍ من لظى سجّينِ
فتياةُ فاطمِ من بني ياسينِ
من ماء مرصودِ الوشيج مَعينِ
بسدادِ جيشٍ بارزٍ وكمينِ
رُسمتْ لهُ في لوحِها المكنونِ
عمدِ الحديدِ فخرَّ خير طعينِ
الآن ظهري يا أخي ومُعيني
وسريّ قومي بل أعزُّ حُصوني
أسطو وسيفُ حمايتي بيميني
شملي وفي ظنك الزُحام يَقِيني
لي يا حمايَ إذ العدى نهروني
عَمّاهُ يومَ الأَسرِ مَن يحميني[596]
 

 

***

موشّح

اجفوفه مگطوعات والراس انفطر
اوصاح يا خويه الظهر منّي انكسر
غبت عنّي وأنت لي سور حديد
اشلون اظل عگبك يبو فاضل وحيد
گله خلّيني ابمجاني وانتحي
 

 

وسال دمع احسين يشبه للمطر
يا بدرنه اشلون غطّاك الخسوف
يا صواجع من سمه وذبها الرعيد
أو جمّعت كوفانها وصارت أُلوف
هذا أمر الله انكتب ما ينمحي
 

 

ولسان حال زينب عليها السلام:

المصايب من عگب عينك لونّي
أنا زينب يبو فاضل لونّي
 

 

أوّن ونّت الوادم لونّي
عميت أو لا أرى شخصك رميّه
 

 

***

ألف وسفه على العبّاس ينصاب
المآتم دوم إله ولحسين يناصب
 

 

أو مخ راسه على الچتفين ينصاب
لمن تظهر رواية الهاشمية
 

 

***

قال تعالى: وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوَاْ أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاء... [597].

الكثير من الناس يحكمون على الظواهر، ويتعاملون على طبق موازين قد يكون لا أساس لأكثرها، فقد يجعلون ما ليس بعلّةٍ علّة، وما هو علّة نتيجة، وهكذا، بل نرى للواحد منهم أكثر من قاعدة وضابطة في موضوع واحد، وبالحقيقة هكذا واقع معناه إلغاء القواعد والضوابط من الأساس، ولكن من دون أيِّ إحساس.

وما هذه الآية المباركة إلاّ تعبير واضح عن هكذا مجتمعات، فهي جاءت لتبيّنَ لنا الضابطة في الإختيار الإلهي، والزعامة الإلهية، وتردّ على القواعد والضوابط عند أكثر الناس الذين لا يتحلّون بالعقل المفكّر الواع.

96.نهضة الأُمم بامتثال أوامر أنبيائها عليهم السلام

لقد مرّ زمان على بني إسرائيل لم يتركوا نبيّاً من الأنبياء، ولا رسولاً من الرسل إلاّ وحاربوه وكذّبوه، بل قتلوه، قال تعالى: لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلاً كُلَّمَا جَاءهُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُواْ وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ [598].

ومضت عليهم السنون، وهم على هذا التكذيب والقتل؛ لأنّه لم يأتِ نبيٌّ بما تهوى أنفسهم الشريرة، فأصابهم الذّل والخزي والعار، حتّى صاروا أذلةً خاسئينَ على أيدي الفراعنة، قال تعالى: وَإِذْ أَنجَيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَونَ يَسُومُونَكُمْ سُوَءَ الْعَذَابِ يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءكُمْ وَفِي ذَلِكُم بَلاء مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ[599].

فمرّوا بحالة الذل والإستعباد، والقتل والتشريد والتنكيل من قبل الفراعنة، ثمّ أنجاهم الله تبارك وتعالى عن طريق نبيِّ الله موسى بن عمران عليه السلام كما قالت الآية أعلاه، وظلّت فيهم هذه الروحية ـ روحية النصر ـ بعد رحيل موسى عليه السلام مُدةً من الزمن، إلاّ أنّهم أصبحوا مغرورين بذلك، وأخذوا يُخالفون القوانين إلی أن ضعفوا شيئاً فشيئاً حتّى لم يعودوا قادرين على الدفاع عن أنفسهم، حتّى أمام أتفه أعدائهم، فاستمرّتْ حالهم على هذا سنوات طوالاً، إلی أن أرسل الله إليهم نبياً اسمه شموئيل أو يوشع أو شمعون على إختلاف الأقوال في اسمه الشريف؛ لإنقاذهم وهدايتهم فتجمّع حولَه اليهود الذين كانوا قد ضاقوا ذرعاً بالظلم، وكانوا يبحثون عن ملجأ يأوون إليه، وطلبوا منه أن يختار لهم قائداً وأميراً؛ لكي يتوحّدوا تحت لوائه ويحاربوا متّحدين يداً ورأياً؛ لاستعادة عزتهم الضائعة، مع أن نبي الله كان يخشى الخذلان منهم، ولكنهم باصرارهم جعلوه يقبل عرضهم عليه وكأنّهم شخّصوا دائهم واتّجهوا لمعالجته[600].

مع أنّ الله عزّ وجلّ ـ كما تقدّم ـ أنعم عليهم نعماً كثيرة، ومنها التابوت الذي أنزله الله على موسى عليه السلام، فوضعته أُمّه فيه وألقته في اليم، فكان عند بني إسرائيل يتبرّكون به، فلمّا حضرت موسى عليه السلام الوفاة وضع فيه الألواح ودرعه وما كان عنده من آيات النبوّة، وأودعه يوشع وصيّه، فلم يزل التابوت بينهم حتّى استخفّوا به، وكان الصّبيان يلعبون به في الطرقات، فلم يزل بنو إسرائيل في عزّةٍ وشرفٍ ما دام التابوت عندهم، فلمّا عملوا بالمعاصي واستخفّوا بالتابوت رفعه الله عنهم[601].

إذن ذلهم وخذلانهم وخسرانهم إنّما كان بمخالفةِ أمر أنبيائهم عليهم السلام بعد أن كان العزّ بين أيديهم ارتفع عنهم بذنوبهم واستخفافهم بالمقدّسات.

97.الاعتراض على الاختيار الإلهي

«لمّا طلبوا من نبيهم أن يُعيّن لهم ملكاً منهم فعيّن لهم طالوت، وكان رجلاً من أجنادهم ولم يكن من بيت الملك فيهم؛ لانَّ الملك كان في سبط يهوذا، ولم يكن هذا من ذلك السبط؛ فلهذا قالوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا أي: كيف يكون ملكاً علينا عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ أي: ثمّ هو مع هذا فقير لا مال له يقوم بالملك. وقد ذكر بعضهم أنّه كان سقّاءً. وقيل: دبّاغاً، وهذا اعتراض منهم على نبيهم وتعنّت، وكان الأولى بهم طاعة وقول معروف»[602].

واعتراضهم على نبيِّهم في تعيين طالوت ملكاً كان لسببين هما:

الحسب والنسب من جهة، والمال والثروة من جهة أُخرى، فجعلوا المقياس ما ليس بمقياسٍ عند السّماء، وجعلوا ما ليس بعلّةٍ للإصطفاء علةً له، فتحقّق الخوف من الخذلان الذي كان يجول في خاطر نبيهم شموئيل وسبب هذا الإعتراض واستبعاد أن يكون طالوت ملكاً عليهم أنَّ النبوّة كانت مخصوصة بسبط معيّن من أسباط بني إسرائيل، وهو سبط لاوي بن يعقوب ـ على رأي ـ ومنه موسى وهارون، وسبط المملكة، سبط يهوذا ومنه داود وسُليمان، وأنَّ طالوت ما كان من أحد هذين السبطين، بل كان من ولد بنيامين؛ فلهذا السبب أنكروا كونه ملكاًً لهم، وزعموا أنّهم أحق بالملك منه، ثمَّ إنّهم أكّدوا هذه الشبهة بشُبهةٍ أُخرى، وهي قولهم: وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ وذلك إشارة إلى أنّه فقير[603].

98.طالوت وكيفيّة اختياره

«كان طالوت رجُلاً طويل القامة، ضخماً، حسن التركيب، متين الأعصاب قويّاً، ذكيّاً، عالماً، مدبّراً. ولكنّه مع كلِّ ذلك لم يكن معروفاً، حيث كان يعيش مع أبيه في قرية على أحد الأنهر، ويرعى ماشية أبيه، ويشتغل بالزراعة، أضاع يوماً بعض ماشيته في الصحراء، فراح يبحث عنها مع صاحب له بضعة أيام حتّى اقتربا من مدينة صوف، قال له صاحبه: لقد اقتربنا من صوف مدينة النبيِّ إشموئيل، فتعال نزوره لعلّه يدلّنا بما لَه من إتصالٍ بالوحي، وحصانة في الرأي على ضالتنا. والتقيا بإشموئيل عند دخولهما المدينة، فدلاّه على ماشيته، ثمَّ أخبره بأنّ الله قد أختارك لنجاة بني إسرائيل، فقبل هذه المَهمّة بعد التردّد، فأخبر نبي الله إشموئيل بني إسرائيل بأنّ الله قد اختار طالوت لقيادتكم فعليكم جميعاً أن تطيعوه، وأن تتهيأوا للجهاد ومحاربة الأعداء. فاعترضوا بالإعتراض المتقدّم بأنّه ليس صاحب حسب ونسب، ولا من أصحاب الأموال، فنحن أحقّ بالقيادة منه؛ لكوننا من أصحاب الثروة والمال، وأصحاب النسب والحسب»[604].

99.الإصطفاء الإلهي لطالوت

بعد إعتراض بني إسرائيل المتقدّم على نبيّهم في اختيار طالوت ملكاً عليهم أجابهم نبيُّ الله بأنّ هذا الإختيار ليس من عندي، وإنّما هو إصطفاءٌ من الله عزّ وجلّ. والإصطفاء معناه الاختيار[605]. وأصله الصفو.

فلو تأمّلنا نعرف كيف ردّ عليهم نبيُّ الله تعلّلهم: بأنّه لا ملك إلاّ الرجال ولا رجال إلاّ بالمال، وهو فقير لا سعة له ولا مال، وذلك: بأنّ الركن الأعظم الشديد الحاجة إليه في الملك والرئاسة هو اصطفاء الله واختياره؛ لعلمه بقبول المحل لا ما ذكروه من الثروة والمال والسعة في الحال، فلمّا أذنوا بذلك انقطعوا ورضوا برضا الله ورسوله، فانحسمت مادة نزاعهم وتألفّت قلوبهم[606].

مضافاً إلی الإصطفاء الإلهي أنّ الله عزّ وجلّ زاده بسطة في العلم والجسم «فهذه الآية موافقة لدلائل العقول التي لا ينكرها إلاّ مَن ينكر الضروريات في أنّ الأعلم أولى وأحقّ وأوجب بالتقديم في الإمامة ممّن لا يساويه في العلم... فلو استوزر المَلِكُ رجُلاً لا بصيرةَ له بعلمِ السياسةِ وتدبير الأحوال لقبح عند العقلاء فعله»[607].

من هنا صارت الحُجّة لأمير المؤمنين عليه السلام في أن يحتجَّ على القوم الذين انقلبوا على أعقابهم بعد أن سمعوا رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: «ما ولّت أُمّةٌ قطّ أمرَها رجُلاً وفيهم مَن هو أعلم منه إلاّ لم يزل يذهب أمرهم سفالاً، حتّى يرجعوا إلی ما تركوا»[608]، فهذه دلّت على وجوب تقدّم أمير المؤمنين عليه السلام على كافّة المسلمين لخلافة الرسول صلى الله عليه وآله وإمامةِ الأُمّة؛ لتقدّمه عليهم في العلم والحكمة، وقصورهم عن منزلته في ذلك[609].

والخلاصة: إنّ اعتراض بني إسرائيل كان في أمرين ـ كما قدّمنا ـ الحسب والنسب من جهة، والمال والثروة من جهة أُخرى، وهذان الأمران بحسب اعتقادهم أنّهما من مقوّمات الزعامة والمُلك، ولكن جاء الجواب الإلهي عن هذا الاعتراض بأمرين كذلك، وهما: الإصطفاء الإلهي، والبسطة في العلم والجسم، مع أنّ أوّل الأمرين يكفي لردّ اعتراضهم بأنّ الله عزّ وجلّ اختاره وكفى، قال تعالى: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا [610].

ولكن مع ذلك أجاب نبيُّ الله ـ زيادة على الإصطفاء ـ بأنّه مُستحقٌ لهذا المنصب، وهو جدير بالملك؛ لأنّ الملك يتقوّم بأمرين غير ما تظنون، وهما: العلم والقوّة.

قال صاحب الميزان: «وبالجملة الغرض من الملك أن يدبّر صاحبُه المجتمع تدبيراً يوصل كلَّ فردٍ من أفراده إلى كماله اللائق به، ويدفع كلَّ ما يمانع ذلك، والذي يلزم وجوده في نيل هذا المطلوب أمران: أحدهما: العلم بجميع مصالح حياة الناس ومفاسدها، وثانيهما: القدرة الجسمية على إجراء ما يراه من مصالح المملكة، وهما اللذان يشير إليهما قوله تعالى: وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ، وأمّا سعة المال فعدّه من مقومات الملك من الجهل.

ثمَّ جمع الجميع تحت حُجّة واحدةٍ ذكرها بقوله تعالى: وَاللّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاء، وهو أنّ الملك لله وحده ليس لأحد فيه نصيب إلاّ ما آتاه الله سبحانه منه، وهو مع ذلك لله كما يفيده الإضافة في قوله تعالى يؤتي ملكه، وإذا كان كذلك فله تعالى التصرّف في ملكه كيف شاء وأراد، ليس لأحدٍ أن يقول: لماذا أو بماذا أي: أن يسئل عن علّة التصرّف، لأنّ الله تعالى هو السبب المطلق، ولا عن متمّم العليّة وأداة الفعل؛ لأنّ الله تعالى تام لا يحتاج إلى متمّم فلا ينبغي السؤال عن نقل المُلك من بيتٍ إلى بيت، أو تقليده أحداً ليس له أسبابه الظاهرة من الجمع والمال»[611].

100.علامة ملك طالوت

بعد أن تبيّن أنّ الله تبارك وتعالى هو الذي اصطفى طالوت واختاره أن يكون ملكاً على بني إسرائيل، لصفات يراها عزّ وجلّ أنّها هي الصفات التي يجب أن تكون في القائد والمَلِك وهي العلم والقوّة، لا الحسب والثروة، كما يظن جهّال بني إسرائيل، وبيّن ذلك نبيُّهم إشموئيل على أحسن وجه، ولكنَّ الكثيرَ منهم لم يقبل اختيار السّماء، وتصوّروا أنّ هذا من عند نفسه، لا من الربِّ المتعال؛ لذا طمأنهم نبيُّهم بإتيان الحُجّة على أنّ هذا الاختيار اختيار إلهي، وهو ِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَن يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلآئِكَةُ [612] إنّ علامة بركة ملك طالوت عليكم أن يردَّ الله عليكم التابوت الذي أُخذ منكم[613].

وقد ذكرنا فيما تقدّم ما هو المحتوى لهذا التابوت، وأنّ عزّةَ بني إسرائيل إنّما زالت باستخفافهم بهذا التابوت، والآن يعود إليهم مرةً أُخرى كدليل على إصطفاء طالوت للمُلك إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَن يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ، فهو يحتوي على أشياء من شأنها أن تبعث السكينة في قلوب بني إسرائيل، فهذا الصندوق بطابعه المعنوي والتأريخي كان أكثر من مجرّد لواء لبني إسرائيل وشعار لهم، كان يُمثّل رمز إستقلالهم ووجودهم، وبرؤيته كانوا يسترجعون عظمتَهم السابقة؛ لذلك كان الوعد بعودته بشارة عظيمة[614].

فإصطفاء طالوت كان لعلمه وشجاعته وقدرته الروحية في إدارة الحرب وفنون القتال، وصار هو المَلك على بني إسرائيل، وآية مُلكه السكينة التي يبعثها في قلوب بني إسرائيل عامّةً والمقاتلين خاصّةً؛ لأنَّهم متى ما رأوه ورأوا ذلك اللواء الذي كان يحمله اطمأنت نفوسُهم.

وهكذا كان أبو الفضل العبّاس عليه السلام سكينة في قلب سُكينة والرباب وزينب عليهنَّ السلام، كان عليه السلام سَكينة وبشارة للأطفال العُطاشى، بل اصطفاه الإمامُ الحُسينُ عليه السلام واختاره من بين كلِّ أهل بيته عليهم السلام ليكون كبش الكتبية وحامل اللواء؛ لأنّه يشتمل على صفات الإختيار الإلهي، وهي: العلم والبسطة في الجسم.

أمّا العلم فكما يقول إمامنا الصّادق عليه السلام: «كان عمُّنا العبّاس بن علي نافذَ البصيرة، صلب الإيمان»[615].

وأمّا القوّة والبسطة في الجسم، فقال عنه أبو الفرج الأصفهاني: «وكان العباس رجلاً وسيماً جميلاً، يركب الفرس المطهّم ورجلاه تخطّان في الأرض، وكان يقال له: قمر بني هاشم، وكان لواء الحسين بن علي عليه السلام معه يوم قُتل»[616].

والفرس المطهّم: هو الفرس السمين والتام من كُلِّ شيء[617].

ولذا يقول الشاعر فيه:

بطلٌ إذا ركِبَ المطهّم خلته
بطلٌ تورّثَ من أبيهِ شجاعةً
 

 

جَبلاً أشم يخف فيه مُطهّمُ
فبها أُنوف بني الضلالة تُرغمُ[618]
 

 

ولذا يصف لنا بعض الشعراء ما نُقل لهم عن حالة أبي عبد الله عليه السلام عندما شاهد أخاه أبا الفضل عليه السلام بوصفٍ يستنزف الدموع من العيون، وكلّ ظنّي أنّ الشاعر لم يتجاوز الحقيقة، ولم يتعدّ الحالة التي كان عليها الحُسين عليه السلام حينما قال في وصفه:

بس شاف أخيّه على الثره طريح
اويمّه وگف حزنان ويصيح
 

 

امن بعيد ظل ايگوم ويطيح
ظهري انكسر ودموعي اتسيح
 

 

والفرگتك دلالي اجريح[619]

وأمّا زينب فحالها بعد كافلها لا يوصف، وكأنّي بها تقول:

كلمن شافني فوگ الجمل گال
گتله بله سبعين خيّال
زينب أنه بت خير الأعمال
 

 

اضنچ يحرّه مالچ ارجال
گظينه عزاهم فوگ الجمال
راحوا هلي اوبيّه الدهر مال[620]
 

 

***

إنّا لله وإنّا إليه راجعون، ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله العليّ العظيم،

وسيعلم الذين ظلموا آل مُحَمّد أيَّ مُنقلبٍ ينقلبون

والعاقبة للمتّقين.

 

المحاضرة الرابعة و العشرون: ناقة الله

الواثبينَ لِظُلمِ آلِ مُحمّدٍ
والقائلينَ لفاطمٍ آذيتِنا
والقاطعينَ أراكةً كيما تقيل
ومجمّعي حَطبٍ على البيتِ الذي
والهاجمينَ على البتولةِ ببيتَها
والقائدينَ إمامَهم بنجادهِ
خلّوا ابنَ عمّي أو لأكشفَ للدعا
ما كانَ ناقةُ صالحٍ وفصيلُها
ورنتْ إلى القبرِ الشَّريفِ بمُقلةٍ
قالتْ وأظفارُ المُصابِ بقلبِها
أبتاهُ هذا السامريُّ وعجلُه
أيّ الرزايا أتّقي بتجلُدي
فقدي أبي أم غصبَ بعلي حقَّه
أم أخذهم إرثي وفاضلَ نحلتي
قهروا يتيميكَ الحُسينَ وصنوَه
 

 

ومُحمّدٌ مُلقىً بِلا تكفينِ
في طُولِ نَوحٍ دائمٍ وحنينِ
بظلِ أوراقٍ لها وغصونِ
لم يجتمع لولاهُ شملُ الدينِ
والمُسقطينَ لها أعزَّ جنينِ
والطُهرُ تدعو خلفَهم برنينِ
رأسي وأشكو للإلهِ شُجوني
بالفضلِ عندَ اللهِ إلاّ دوني
عبرى وقلبٍ مُكمَدٍ محزونِ
غوثاه قلَّ على العداةِ مُعيني
تُبِعا ومالَ النَّاسُ عن هارونِ
هو في النوائبِ مُذ حييت قريني
أم كسرَ ضلعي أم سقوطَ جنيني
أم جهلَهم حقِّي وقد عرفوني
وسألتُهم حقّي وقد نهروني[621]
 

 

 

قال تعالى: وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللّهِ وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوَءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ[622].

لقد أخذت القصّة في القرآن الكريم مجالاً واسعاً ومهمّاً في هداية البشر، وقد تميّزت هذه القصّة عن غيرها من القصص بأنَّها قصص واقعية صادقة لا يتطرّق إليها أدنى شك.

قال تعالى: إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ[623]، فهو قصصٌ لا لأجل اللهو والمؤانسة، كما يكتب ذلك الكثير ممَّن ليس له هدف سامي في الحياة، بل القصّة في القرآن الكريم لها أهداف سامية رفيعة، لعلَّ أهمّها التفكّر، حيث يقول عزّ وجلّ: فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ[624]، وإذا كانت القصّة في القرآن لها هذا التميّز فلا شك أنّها ستكون كما قال تبارك وتعالى: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ[625].

ومن أهم أغراض القصّة في القرآن الكريم ـ مضافاً لمّا تقدَّم ـ هو بيان أنَّ دعوة الأنبياء والمرسلين عليهم السلام واحدة، وطرق مجابهة قومهم لهم واستقبالهم متشابهة، وأنَّ القوانين والسنن الاجتماعية التي تتحكّم في تطوّر الدعوة واحدة، فالأنبياء يدعون إلی الأدلة الواحدة، ويأمرون بالعدل والإصلاح، والناس يتمسّكون بالعادات والتقاليد البالية والحجج الواهية. ويصرّ على ذلك أصحاب المنافع الشخصيّة والأهواء الخاصّة بشكل خاص، والطواغيت والجبابرة بشكل أخص[626].

وقد يسأل سائل ويقول: إذا كان الأمر كذلك، وأنّ الدعوة واحدة والأساليب متشابهة، فما هو السبب في اختلاف الشرائع؟

والجواب: «سبب اختلاف الشرائع اختلاف الأُمم في الإستعداد والقابلية. والدليل على أنّ الأنبياء متّفقون على الإيمان والتوحيد ما جاء أنَّه صلى الله عليه [وآله] وسلم، قال: الأنبياء أولاد علات،أي: أصلُ دِينِهم واحد، وهو التوحيد، وإن اختلفت فروع شرائعهم؛ لأنَّ العلات الضرائر فأولادهم إخوة من الأب وأُمّهاتهم مختلفة»[627].

ومن القصص الحقّ، والتي جاء هدفها بالتفكّر في أحوال مَن تقدّمنا، قصّة نبيّ ظلمه قومُه، فانتقم الله منهم، كما هو الحال في جميع الأنبياء والمرسلين عليهم السلام، وهو نبيُّ الله صالح عليه السلام مع قومه.

قالت الآية وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ، وهنا أُمور:

103.الأمر الأول: مَن هو ثمود؟

اختلفوا في ثمود، فنُقل عن الجوهري: ثمود قبيلة من العرب الأُولى، وهم قوم صالح. وكذلك قال الفرّاء: سُميت بذلك لِقلّةِ مائهمز وقال الزجّاج: الثمد الماء القليل الذي لا مادّة له. وقيل: ثمود اسم رجل. وقال عِكَرمة: هو ثمود بن جابر بن إرم بن سام بن نوح. وقال الكلبي: وكانت هذه القبيلة تنزل في وادي القرى إلى البحر والسواحل وأطراف الشام، وكانت أعمارهم طويلة وكانوا يبنون البنيان والمساكن، فتنهدم، فلمّا طال ذلك عليهم اتّخذوا من الجبال بيوتاً ينحتونها وعملوها على هيئة الدور. ويُقال: كانت منازلهم أوّلاً بأرض كوش من بلاد عالج، ثمّ انتقلوا إلى الحجر بين الحجاز والشام إلى وادي القرى، وخالفوا أمر الله وعبدوا غيره، وأفسدوا في الأرض، فبعث الله إليهم صالحاً نبيّاً فدعاهم إلى الله تعالى ولم يتبعه منهم إلاّ قليلٌ يستضعفون[628].

وقد تميّز هؤلاء القوم بطول أعمارهم ـ كما ذكرنا آنفاً ـ حتّى أنّ بيوت الطين ما كانت تبقى مدّة أعمارهم؛ فلذا كانوا ينقبون في الجبال البيت، ففي الصيف يسكنون بيوت الطين، ولعله لبرودتها وفي الشتاء يسكنون بيوت الجبل لدفئها[629].

وقد مرّ رسول الله صلى الله عليه وآله على ديارهم ومساكنهم، وهو ذاهب إلى تبوك في سنة تسع، ولمّا نزل رسول الله صلى الله عليه وآله بالناس على تبوك نزل بهم الحجر عند بيوت ثمود، فاستقى الناس من الآبار التي كانت تشرب منها ثمود، فعجنوا منها ونصبوا لها القدور، فأمرهم النبيُّ صلى الله عليه وآله فأهرقوا القدور، وعلفوا العجين الإبل، ثُمَّ ارتحل بهم حتى نزل بهم على البئر التي كانت تشرب منها الناقة، ونهاهم أن يدخلوا على القوم الذين عذبوا، وقال: «إني أخشى أن يصيبكم مثل ما أصابهم فلا تدخلوا عليهم»[630].

104.الأمر الثاني: ما هو سرّ التعبير بـ أخاهم صالحاً؟

من المعلوم بداهةً أنّ نبي الله صالح كان في الجهة الأُخرى المقابلة إلی قومه، فهم قوم عتاة مردة كذّبوه وآذوه، وهو نبي الله وكفى، فكيف عبّر بـأخاهم[631]،ومن المعلوم أنّ الأُخوّة شيء رفيع لا يدانيه شيء آخر، حيث قال الباري عزّ وجلّ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ[632]؟

والجواب: إمّا لأنّه بشرٌ مثلهم من بني آدم يفهمون منه، فهو آكد عليهم في الحجة[633].

ولكن ربيب القرآن أمير المؤمنين عليه السلام عبّر عن ذلك بالنظير، حيث يقول: «فإنّهم صفنان، إمّا أخٌ لك في الدين، وإمّا نظير لك في الخلق»[634].

 ولا أظنّ أنّ هذا هو سرّ التعبير عنهم بأنّه أخوهم، وحليف القرآن يخالف ذلك.

وإمّا لأنّه من عشيرتهم[635]، أو لأنّه من حيّهم وقبيلتهم[636].

ولعلّ الوجهين الأخيرين أظهر وأقوى، كما يؤيّد التاريخ أنّ نبي الله صالح كان من نفس قبيلة ثمود وحيّهم، ويؤيد ذلك، بل يدلّ عليه بالصراحة ما رواه العيّاشي في تفسيره من أنّ رجلاً من أهل الشام جاء إلى الإمام عليِّ بن الحسين زين العابدين عليه السلام فقال: «أنت عليُّ بن الحسين؟ قال: نعم. قال أبوك الذي قتل المؤمنين؟

فبكى عليُّ بن الحسين، ثمَّ مسح عينيه، فقال: ويلك! كيف قطعت على أبي أنّه قتل المؤمنين؟ قال: قوله: إخواننا قد بغوا علينا فقاتلناهم على بغيهم.

فقال: ويلك أما تقرأ القرآن؟ قال: بلى. قال: فقد قال الله: وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا، وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا، فكانوا إخوانهم في دينهم، أو في عشيرتهم؟ قال له الرجل: لا بل في عشيرتهم. قال: فهؤلاء إخوانهم في عشيرتهم وليسوا إخوانهم في دينهم. قال: فرّجت عنّى فرَّجَ الله عنك»[637].

وبهذا يتّضح أنَّ هذا التعبير أخاهم لأجل أنّه من عشيرتهم وحيّهم الذي عاش فيه أكثر من مئة سنة، حيث إنّهُ بعث إليهم وهو ابن ستّة عشر سنة، فلبث فيهم حتّى بلغ مئة وعشرين سنة، يدعوهم فلا يجيبونه إلی خير، فحاجَّهم في آلهتهم وهم سبعون صنماً، وقال: إن شئتم فاسألوني حتّى أسأل إلهي فيجيبكم، وإن شئتم سألت آلهتكم فإن أجابتني خرجت عنكم.

فاستدعوه أن يسأل آلهتهم فسأل إتماماً للحجّة وتوضيحاً لبطلانهم، فلمّا رأوا أنّهم لا يجيبونه.

قال: فاسألوني حتّى أدعو إلهي فيجيبكم، فانتدب سبعون رجلاً من كبرائهم وعظمائهم، فقالوا: يا صالح نحن نسألك، فقال: فكلُّ هؤلاء يرضون بكم؟

قالوا: نعم، فإن أجابوك أجبناك. قالوا: يا صالح، فإن أجابك إلهك آمنا بك جميعاً، فسألوا خروج الناقة من الجبل[638].

105.الأمر الثالث: الدعوة إلى التوحيد

ذكرنا فيما تقدَّم أنّ الهدف الأسمى والمهمة العليا عند جميع الأنبياء والمرسلين هو رفع كلمة التوحيد، والملاحظ هنا هو اعتماد المنهج الذي يدعو جميع الأنبياء والمرسلين إليه، فجميع الرسل يدعون إلی عبادة الله وحده لا شريك له، كما قال تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ[639]، وقال: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ [640]، فالذي يدعون إليه واحد لا شريك له، ولأجل هذه الدعوة يبذلون كلَّ غالٍ ونفيس، ولو كان لِلهِ شريك ـ تعالى عن ذلك علوّاً كبيراً ـ لأتانا مَن يدعو إليه.

وكما قال إمامُ الموحّدين أمير المؤمنين عليه السلام في وصيته لإبنه الإمام الحسن عليه السلام ومَن يبلغه كتابه، قال: «واعلم يا بُنيّ، أنّه لو كان لربِّك شريكٌ لأتتك رُسُلُه، ولرأيتَ آثارَ مُلكِه وسلطانهِ، ولعرفتَ أفعالَه وصفاتِه، ولكنّه إلهٌ واحد كما وصف نفسه...»[641].

ثم قالت الآية قَدْ جَاءتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللّهِ وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوَءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ.

ما لكم تعبدون الأصنام وقد جاءتكم بيّنة ظاهرة جليّة، وشاهد على صحة نبوّتي، وكانت هذه الجملة جواب لقولهم: ائتنْا بِبينةٍ ـ كما مرّ عليك في الروايات ـ تدلّ على صدقك، وأنَّك مُرسَلٌ إلينا، وقوله: هَذِهِ نَاقَةُ اللّهِ لَكُمْ آيَةً تفسير لما أُبهم في قوله: بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ فكأنّه قيل له: ما الآية؟

قال: هذه ناقة الله.

وقد يقول قائل: ما هو السرُّ في إضافتها إلی الله عزّ وجلّ؟

والجواب: قد تكون إضافتها إليه عزّ وجلّ تشريفاً وتخصيصاً، نحو بيت الله وروح الله.

أو لكونه خلقها بغير توسط ذكر وأنثى، أو لكونها لا مالك لها إلاّ الله تعالى[642].

فالإشارة هَذِهِ نَاقَةُ اللّهِ لَكُمْ آيَةً إشارة إلی ناقة بعينها، والسبب في كونها آية وحجّة من الله على صدق دعوة نبي الله صالح عليه السلام أنّهم هم الذين سألوا صالحاً عليه السلام أن يأتيهم بآيةٍ، واقترحوا عليه بأن تخرج لهم من صخرة صمّاء عيّنوها بأنفسهم، وهي صخرة منفردة في ناحية الحِجر، يُقال لها الكاتبة، فطلبوا منه أن تخرج لهم منها ناقة عشراء تمخض، فأخذ عليهم صالح العهود والمواثيق لئن أجابهم الله إلى سؤالهم وأجابهم إلى طلبتهم ليؤمننَّ به وليتبعنه، فلمّا أعطوه على ذلك عهودهم ومواثيقهم قام صالح عليه السلام إلى صلاته ودعا الله عزّ وجلّ، فتحرّكت تلك الصخرة، ثمّ انصدعت عن ناقة جوفاء وبراء، يتحرّك جنينُها بين جنبيها، كما سألوا.

فعند ذلك آمن رئيسهم ومَن كان معه على أمره، وأراد بقية أشراف ثمود أن يؤمنوا فصدّهم رجل يُدعى ذؤاب بن عمرو... وأقامت الناقة وفصيلُها بعد ما وضعته بين أظهرهم مدةً تشرب من بئرها يوماً وتدعه لهم يوماً، وكانوا يشربون لبنها يوم شربها، يحتلبونها فيملأون ما شاؤوا من أوعيتهم وأوانيهم، كما قال تعالى: وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاء قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُّحْتَضَرٌ[643]، وقال قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَّهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ [644].

ثمّ قالت الآية فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللّهِ «لمّا أضاف الناقة إلی الله أضاف محل رعيها إلی الله؛ إذ الأرض وما أنبتت فيها ملكه تعالى لا ملككم ولا إنباتكم، في هذا الكلام إشارة إلی أنّ هذه الناقة نعمة من الله يُنال خيرُها من غير مشقّة تكلف علف ولا طعمة، وهو شأن الإبل... كانت الناقة مع ولدها ترعى الشّجر وتشرب الماء، ترد غباً، وإذا كان يومها وضعت رأسها في البئر فما ترفعه حتّى تشربَ كلَّ ما فيها، ثمّ تفجّج فيحلبون ما شاؤوا حتّى تمتلئ أوانيهم فيشربون ويدّرخون»[645].

وفي هذا المقطع «تلويح إلى أن تخليتهم الناقة وشأنها في الأكل والسير في الأرض كانت ممّا يشقّ عليهم، فكانوا يتحرّجون من ذلك، وفي قوله: فِي أَرْضِ اللّهِ إيماء إليه، فوصّاهم وحذّرهم أن يمنعوها من إطلاقها ويمسوها بسوء، كالعقر والنحر؛ فإنَّ وبالَ ذلك عذابٌ أليمٌ يأخذهم»[646].

واللطيف في الآية أنّها نهت عن المسّ بالسوء «وهذا تنبيه بالأدنى على الأعلى، إذا كان قد نهاهم عن مسّها بسوء إكراماً لآية الله، فنهيهُ عن نحرها وعقرها ومنعها عن الماء والكلأ أولى وأحرى، والمسّ والأخذ هنا استعارة، وهذا وعيدٌ شديدٌ لمَن مسّها بسوء. والعذاب الأليم هو ما حصل إذا عقروها، وما أعدّ لهم في الآخرة»[647].

لكن حسدهم لها وهم يرونها تسرح في بعض تلك الأودية، ترد من فجٍّ وتصدر من غيره ليسعها؛ لأنّها كانت تتضلّع من الماء، وكانت على ما ذُكر خلقاً هائلاً، ومنظراً رائعاً، إذا مرّت بأنعامهم نفرت منها، فلمّا طال عليهم واشتدّ تكذيبهم لصالح النبيِّ عليه السلام عزموا على قتلها؛ ليستأثروا بالماء كُلَّ يوم، فيقال إنّهم اتّفقوا على قتلها، وأنّ الذي قتلها طاف عليهم كُلَّهم أنّهم راضون بقتلها حتى على النساء في خدورهن، وعلى الصبيان، وهو الظاهر من قوله تعالى: فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُم بِذَنبِهِمْ فَسَوَّاهَا [648]، وقوله سبحانه: وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُواْ بِهَا[649]، وقوله عزّ وجل: فَعَقَرُواْ النَّاقَةَ[650]، فأسند ذلك الى مجموع القبيلة، فدلَّ على رضاهم جميعاً بذلك[651].

ويُقال: إنّ امرأةً منهم يُقال لها عَنيزة ابنة غنم بن مجلز، وتُكنّى أُمّ عثمان، كانت عجوزاً كافرة، وكانت من أشدِّ الناس عداوةً لصالح عليه السلام، وكانت لها بنات حسان ومال جزيل، وكان زوجها ذؤاب بن عمرو أحد رؤساء ثمود، ومعها امرأة أُخرى ذات حُسن ومال وجمال، كانت تحت رجل مُسلم من ثمود ففارقته، فكانتا تجعلان لمَن التزم لهما بقتل الناقة، فدعت إحداهما رجلاً يقال له الحبّاب، فعرضت عليه نفسها إن هو عقر الناقة فأبى عليها، فدعت ابن عمّ لها يقال له مصدع بن مهرج فأجابها إلى ذلك، ودعت الأُخرى قدار بن سالف وكان رجلاً أحمر أزرق قصيراً، يزعمون أنَّه كان ولد زنية، وأنّه لم يكن من أبيه الذي ينسب إليه، وقالت له: أُعطيك أيَّ بناتي شئت على أن تعقر الناقة، فعند ذلك انطلق قدار ومصدع فاستغويا غواة من ثمود، فاتبعهما سبعة نفر، فصاروا تسعة رهط، وهم الذين قال الله تعالى فيهم: وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ[652]، وكانوا رؤساء في قومهم، فاستمالوا القبيلة الكافرة بكاملها فطاوعتهم على ذلك، فانطلقوا فرصدوا الناقة حين صدرت من الماء، وقد كَمُن لها قدار في أصل صخرة على طريقها، وكَمُن لها مصدع في أصل أُخرى، فمرّت على مصدع فرماها بسهم فانتظم به عضلة ساقها.

وخرجت بنت غنم عنيزة وأمرت ابنتها، وكانت من أحسن الناس وجهاً، فسفرت عن وجهها لقدار وزمرته، وشدّ عليها قدار بالسيف فكشف عن عرقوبها، فخرجت ساقطة إلى الأرض، ورغت رغاةً واحدةً تُحذّر سقبها، ثمَّ طعن في لبتها فنحرها، وانطلق سقبها، وهو فصيلها حتى أتى جبلاً منيعاً فصعد أعلى صخرة فيه، ورغا ثلاث مرات، وأنّه دخل في صخرة فغاب فيها، ويقال: إنّهم اتبعوه فعقروه مع أُمّه. فلمّا فعلوا ذلك وفرغوا من عقر الناقة، وبلغ الخبر صالحاً عليه السلام، فجاءهم وهم مجتمعون، فلمّا رأى الناقة بكى، وقال: تَمَتَّعُواْ فِي دَارِكُمْ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ [653].

وقال العلاّمة الجزائري: «وقد ذكر الله سبحانه قصَّتَهم في كتابه المجيد، تعظيماً لمواقعتهم الشنيعة، وتخويفاً لهذه الأمة من أن يرتكبوا مثلها، وقد ارتكبوا ما هو أشنع وأفضع منها.

ولهذا صحَّ عنه صلى الله عليه وآله أنَّه قال لعلي عليه السلام: «أشقى الأولين والآخرين من عقر ناقة صالح، ومَن ضربك يا علي على قرنِك حتى تخضب من دم رأسك لحيتك... ومَن أمعن النظر فيه يظهر له شدَة انطباقه عليه؛ وذلك أنَّ علياً عليه السلام كان آية لله تعالى أظهرها على يدي رسول الله صلى الله عليه وآله.

كما قال عليه السلام: وأي آية أعظم مني... أمّا ولادته فكانت في الكعبة التي هي صخرة بيت الله، كما خرجت الناقة من الصخرة، ولم يتّفق ذلك لنبيّ أو وصيّ نبيّ، وكان عليه السلام يمير الناس العلوم والحكم، كما كانت الناقة تميرهم السقيا.

وأمّا سبب شهادته عليه السلام فكانت قطامة لعنة الله عليها، كما كان السبب في عقر الناقة الملعونة الزرقاء، وبعد أن استشهد عليه السلام عمدوا إلى ولده الحسين عليه السلام وقتلوه، كما قتل أولئك فصيل الناقة... فلمّا عقروا الناقة قالوا لصالح: فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ.

قال صالح: تَمَتَّعُواْ فِي دَارِكُمْ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ وعلامةُ هلاكِكم: أنّه تصفرُّ وجوهكم غداً، وتحمرُّ بعد غدٍ، وتسوّدُ في اليوم الثالث، فلمّا كان من الغد نظروا إلى وجوههم قد اصفرت، فلمّا كان اليوم الثاني احمرّت مثل الدم، فلمّا كان الثالث اسودّت وجوههم، فبعث الله عليهم صيحة جبرئيل عليه السلام صاح بهم صيحة تقطّعت بها قلوبهم، وخرقت منها أسماعهم، فماتوا أجمعين في طرفة عين، ثمَّ أرسل الله عليهم ناراً من السماء فأحرقتهم»[654].

وليلة ضربة الأمام أمير المؤمنين عليه السلام صاح جبرئيل صيحةً سمعها كلّ مستيقظ: هُدّمت والله أركان الهدى، وانطمست والله نجوم السماء وأعلام التقى، وانفصمت والله العروة الوثقى، قُتل ابنُ عمّ المصطفى، قُتل الوصيّ المجتبى، قُتل عليُّ المرتضى، قتل ـ والله ـ سيّدُ الأوصياء قتله أشقى الأشقياء، فلمّا سمعت أُمّ كلثوم نعي جبرئيل لطمت وجهها وخدّها وشقّت جيبها وصاحت: وا أبتاه، وا علياه، وا محمداه، وا سيداه، ثمَّ أقبلت على أخويها الحسن والحسين[655]، وكأنّي بالحوراء زينب عليها السلام تندبه:

نصروا ابنَ بنتِ نبيِهم طُوبى لهم
قد جاورُوه ها هنا بقبورهم
 

 

نالوا بنُصرتِه مراتبَ سامية
وقصورُهُم يوم الجزاء متحاذية [656]


***

إنّا لله وإنّا إليه راجعون، ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله العليّ العظيم،

وسيعلم الذين ظلموا آل مُحَمّد أيَّ مُنقلبٍ ينقلبون

والعاقبة للمتّقين.

المحاضرة الخامسة والعشرون: أوهن البيوت

 

تأوّه قلبي والفؤادُ كئيبُ
وممّا نفى نومي وشيّبَ لاَمتي
فمن مُبلغٌ عنّي الحُسينَ رسالةً
ذبيحٌ بلا جُرمٍ كأنَّ قميصَهُ
فللسيفِ أعوالٌ وللرُمحِ رنّةٌ
تزلزلتِ الدنيا لآلِ مُحمّدٍ
فإن كان ذنبي حُبّ آل محمّدٍ
هُم شُفعائي يومَ حَشري وموقفي
 

 

وأرَّقَ نومي فالسُهادُ عَجيبُ
تصاريفُ أيّامٍ لَهُنَّ خُطوبُ
وإن كرهتها أنفسٌ وقلوبُ
صبيغٌ بماء الأُرجوانِ خضيبُ
وللخيلِ من بعد الصهيلِ نحيبُ
وكادت لهم صُمُّ الجبالِ تذوبُ
فذلك ذنبٌ لستُ عنهُ أتوبُ
إذا ما بدت للناظرينَ خُطوبُ[657]
 

 

***

قال تعالى: مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاء كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ * إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ [658].

لقد احتلَّ المَثل في القرآن الكريم منزلةً كبيرة لا تقل عن مستوى القصّة، حتّى ألّفَ البعض من العلماء كتاباً في ذلك[659].

والغاية من هذه الأمثال كالغاية من القصّة تماماً، كما هو صريح القرآن الكريم، حيث يقول: وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ[660]، وقال تعالى في القصص: فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ[661]، إذن الغاية هي التفكّر، وهذه الأمثال القرآنية تختلف من زمان إلی آخر، فمثلاً الأمثلة التي ضربها القرآن الكريم في مكّة تختلف عن الأمثلة المدنيّة، وهذا أمر طبيعي، كالإختلاف بين نفس الآيات المكّية والآيات المدنيّة، فكُلُّ واحدٍ منهما له طبيعته الخاصّة ومحتواه الخاصّ، ومعالجته لداءٍ معيّن يختلف عن الآخر، فالآيات المكّية كالأمثال المكّية غالباً ما تتحدّث عن أُصول الدين، بخلاف الآيات المدنيّة والأمثال المدنيّة، فهي في الغالب تتحدّث عن فروع الدين وآدابه وما شاكل ذلك؛ لتحقق أُسس الإسلام والدعوة إلی التوحيد ونبذ عبادة الأصنام، فيأتي الدور عن تكميل النفوس وتطهيرها من شوائب الجاهلية. وبما أنَّ سورة العنكبوت سورة مكية بكلِّ آياتها ـ بما فيها الآيات محل البحث ـ نجد أنّها جاءت لتعالج ما ذكرناه من الداء المتمثّل بالشرك وعبادة الأصنام واتّخاذها أولياء من دون الله.

قال الشّيخ السبحاني: «أمّا الأمثال المكّية، فكانت دائرة مدار معالجة الأدواء التي ابتُليَ بها المجتمع المكّي، لا سيّما وأنَّ النبيَّ على الله عليه وآله كان يجادل المشركين ويسفّه أحلامَهم، ويدعوهم إلى الإيمان بالله وحده، وترك عبادة غيره، والإيمان باليوم الآخر، ففي خضمِّ هذا الصراع يأتي القرآن بأروع مثل، ويشبّه آلهتهم المزعومة التي تمسّكوا بأهدابها ببيت العنكبوت، الذي لا يُظهر أدنى مقاومة أمام النسيم الهادي، وقطرات المطر، وهبوب الرياح... وقال: يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ»[662].

107.أولياءٌ من دون الله

ليس من القبيح ولا من المذموم في الإسلام أن يتّخذَ الرّجلُ ولياً، شريطة أن لا يكون وليّاً من دون الله؛ ولذا صار من الفرائض موالاة أولياء الله والبراءة من أعداء الله، فأولياء الله أولئك الذين بشّرهم القرآن الكريم، حيث يقول: أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ[663]، وهم الذين بذلوا كُلَّ غالٍ ونفيس في سبيل الله، حتّى قدَّموا أنفسَهم جهاداً في سبيله، ولم يكن الموت عندهم إلاّ أُمنية في سبيل الحقّ وإحقاقه، وإبطال الباطل وإزهاقه، بخلاف الذين يدّعون الولاية لِلّهِ عزّ وجلّ من دون دليلٍ وبرهان، قال تعالی: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِن زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاء لِلَّهِ مِن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ[664].

وإنّما القبيح والمذموم في منطق القرآن الكريم والإسلام هو اتّخاذ أولياء من دون الله تبارك وتعالى، وهو هنا محلّ الكلام، وهم المقصودون في الآيات المباركة التي افتتحنا بها كلامنا.

وقد «شبّه الله سبحانه حال مَن اتّخذ من دونه أولياء ينصرونه عند الحاجة في الوهن والضعف بحال العنكبوت الذي يتّخذ بيتاً ليأوي إليه، فكما أنّ بيت العنكبوت في غاية الوهن والضعف، فكذلك حال مَن اتّخذ من دون الله أولياء مثله في الضعف والوهن.

والمثلُ قولٌ سائر يُشبّه به حال الثاني بالأول. والاتخاذ أخذ الشيء على إعداده لنائبة... فلمّا أخذوا عبادة غير الله إعداداً لنائبة كانوا اتّخذوا الأولياء من دون الله، وذلك فاسد؛ لأنّ عبادة الله هي العاصمة من المكاره دون عبادة الأوثان»[665].

ولا ينفعهم أن يعتذروا بعد ذلك بأنّهم اتّخذوا هؤلاء ليقربوهم إلی الله؛ ما داموا قد عبدوهم من دون الله، أو اتّخذوهم أولياء من دون الله، فالأمر واحدٌ، قال تعالی: أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ[666].

والخلاصة: هذا مثلٌ ضربه الله عزّ وجلّ لكلِّ مَن يتَّخذ من دون الله أولياء لا ينفعونه لضعفهم، كما أنّ بيت العنكبوت لا ينفع ولا يقي[667]؛ لكونه في غاية الوهن والضعف ولا يجدي نفعاً[668].

108.الإعجاز في هذا التشبيه

«إنَّ الإعجاز العلمي كلّ الإعجاز في هذه الآية الكريمة يتجلّى بأجلى معانيه في لفظة اتّخذت بصيغة الفعل المؤنّث، وهي إشارة علميّة في غاية الروعة والدقّة، للدلالة على أنّ ما يقوم ببناء بيوت العناكب هي الأنثى منه، وأنّ الذكر من العناكب لا شأن له بذلك، وهذه حقيقة ما كان أحد مطلقاً يفطن إليها وقت نزول القرآن، ولكن لمّا اشتغل علماء الأحياء حديثاً بدراسة الحشرات ووضعوا في دراستها علماً قائماً بذاته، تبيّنت لهم حقائق مذهلة عن حياة الحشرات، التي تبلغ مئات الآلاف في أنواعها، وأنَّ كُلَّ نوعٍ منها يتميّز بأشكاله وأحجامه، وألوانه، وطبائعه، وغرائزه المميّزة لكلِّ نوعٍ منها عمّا سواه... ومن دراسة حياة العناكب لاحظ العلماء أنّ بيت العنكبوت له شكل هندسي خاص، دقيق الصنع، ومقام في مكان مختار له في الزوايا، أو بين غصون الأشجار، وأنَّ كلَّ خيطٍ من الخيوط المبني منها البيت مكوّن من أربعة خيوط أدقّ منه، ويخرج كلُّ خيطٍ من الخيوط الأربعة من قناة خاصّة في جسم العنكبوت، ولا يقتصر بيت العنكبوت على أنّه مأوى يسكن فيه، بل هو في نفس الوقت مصيدة تقع في بعض حبائلها اللزجة الحشرات الطائرة، مثل الذباب وغيره؛ لتكون فريسة يتغذّى عليها، وإنه لمنظر يثير الدهشة حقَّاً عندما يرى الإنسان هذه الحشرة الرقيقة تتحرّك بأرجلها الدقيقة بسرعة بين خيوط بيتها الواهي لتمسك بفرائسها»[669].

قال الدميري: «العنكبوت: دويبة تنسج في الهواء، وجمعُها عناكب، والذكر عنكب، وكنيته أبو خيثمة وأبو قشعم، والأُنثى أم قشعم، ووزنه فعللوت، وهي قصار الأرجُل، كبار العيون، للواحد ثمانية أرجل وست عيون، فإذا أراد صيد الذباب لطأ بالأرض، وسكن أطرافه، وجمع نفسه، ثُمَّ وثب على الذباب فلا يخطئه..

قال افلاطون: أحرص الأشياء الذباب، وأقنع الأشياء العنكبوت، فجعل الله رزق أقنع الأشياء في أحرص الأشياء.

قال الجاحظ: وَلَدُ العنكبوت أعجب من الفرّوج الذي يخرج إلى الدنيا كاسباً كاسياً؛ لأنَّ ولد العنكبوت يقوى على النسج ساعة يولد من غير تلقين ولا تعليم، ويبيض ويحضن، وأوّل ما يولد دوداً صغاراً، ثمَّ يتغيّر ويصير عنكبوتاً، وتكمل صورته عند ثلاثة أيّام... إذا وضع نسج العنكبوت على الجراحات الطّرية في ظاهر البدن حفظها بلا ورم، ويقطع سيلان الدم إذا وضع عليه، وإذا دُلكت الفضّة المتغيرّة بنسجه جلاها...»[670].

وممّا يلفت النظر في هذه الآيات الشريفة هو أن العنكبوت هي التي اتّخذت بيتاً لم يأمرها الله عزّ وجلّ باتّخاذها، ولم يوحِ إليها كما في النحل؛ إذ يقول تبارك اسمه: وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ[671]، ولكنّه تبارك وتعالى لم يصف بيتها بالوهن، بخلاف العنكبوت، ولعلَّ ذلك راجع إلی أنّ النحل لم يتّخذ بيتاً من عند نفسه، بخلاف العنكبوت، فهي التي اتّخذت بيتاً من الجبال والأشجار وممّا يعرشرون، كلّها أُمور قد تتّخذ العناكب فيها البيوت لكنّه وصف بيتها بالوهن، ولم يصف بيوت النحل بذلك، وهكذا الذي يتّخذ وليّاً من نفسه، حاله كحال العنكبوت، بخلاف الذي يتّخذ وليّاً بأمر الله ووحيه، يكون حاله حال النحل التي أمرها الله عزّ وجلّ باتّخاذها البيوت، فاتَّضح الفرق إذن، وتبيَّنَ لنا الإعجاز القرآني الرائع في هذه الآيات المباركة.

قال الشيخ السبحاني: «إنَّ التشبيه يترك تأثيراً بالغاً في النفوس مثل تأثير الدليل والبرهان، فتارةً ينهى عن الغيبة، ويقول: لا تغتب؛ فإنّه يوجب العذاب ويورث العقاب، وأُخرى يُمثّل عمله بالمثل التالي: وهو أنَّ مثل مَن يغتاب مثل مَن يأكل لحم الميت؛ لأنّك نلت من هذا الرجل وهو غائب لا يفهم ما تقول ولا يسمع حتى يجيب، فكان نيلك منه كعمل مَن يأكل لحم الميت، وهو لا يعلم ما يُفعل به ولا يقدر على الدفع.

ثمَّ إنّ الغرض من تشبيه الآلهة المزيّفة بهوام وحشرات الأرض كالبعوض[672] والذباب والعنكبوت هو الحطّ من شأنها، والإستهزاء بها»[673].

109.مواصفات هذا البيت

كلّ مَن يعرف اللغة العربية يتبادر إلی ذهنه عند سماع كلمة بيت البيت المعروف، حتّى أنّ الجوهري في الصحاح، قال: «بيتٌ: البيت معروف، والجمع بيوت»[674]، ولكونه معروفاً لم يشرحه، ولم يوضّحه.

أمّا بيت العنكبوت فيختلف حاله تماماً عن البيوت المعروفة.

قال الرازي: «إنّ البيت ينبغي أن يكون له أُمور: حائط حائل، وسقف مظل، وباب يغلق، وأُمور ينتفع بها ويرتفق، وإن لم يكن كذلك فلا بدّ من أحد أمرين: إمّا حائط حائل يمنع من البرد، وإمّا سقف مظل يدفع عنه الحرّ، فإن لم يحصل منهما شيء فهو كالبيداء ليس ببيت... فإن لم تجتمع هذه الأُمور فلا أقل من دفع ضرّ أو جرّ نفع، فإنّ مَن لا يكون كذلك فهو والمعدوم بالنسبة إليه سواء، فإذن كما لم يحصل للعنكبوت باتخاذ ذلك البيت من معاني البيت شيء، كذلك الكافر لم يحصل له باتخاذ الأوثان أولياء من معاني الأولياء شيء»[675].

هذه هي مواصفات ما يسمى ببيت العنكبوت «فإنّ بيتها يفتقد لأدنى مقاومة أمام الظواهر الجوية والطبيعية، فلو هبَّ عليه نسيمٌ هادي لمزّق النسيج، ولو سقطت عليه قطرة من ماء لتلاشى، ولو وقع على مقربة من نار لاحترق، ولو تراكم عليه الغبار لمُزّق. هذا هو حال المشبّه به، والقرآن يُمثّل حال الآلهة المزيَّفة بهذا المثل الرائع، وهو أنّها لا تنفع ولا تضر، لا تخلق ولا ترزق، ولا تقدر على استجابة أي طلب، بل حال الآلهة المزيّفة الكاذبة أسوأ حالاً من بيت العنكبوت، وهو أنَّ العنكبوت تنسج بيتها لتصطاد به الحشرات ولولاه لماتت جوعاً، ولكن الأصنام والأوثان لا توفّر شيئاً للكافر»[676].

ثمَّ تختم الآية هذا التشبيه بقوله عزّ وجلّ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ «يعني لو علموا صحّة ما أخبرناهم به ويتحققونه، لكنّهم كفّار بذلك، فلا يعلمونه فـلو متعلّقة بقوله اتّخذوا أي: لو علموا أنَّ اتّخاذهم الأولياء كاتّخاذ العنكبوت بيتاً سخيفاً لم يتَّخذوهم أولياء، ولا يجوز أن تكون متعلّقة بقوله: وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ؛ لأنّهم كانوا عالمين بأنَّ بيت العنكبوت واهٍ ضعيف»[677] «ولكنّهم يجهلون ذلك فيحسبون أنّهم ينفعونهم ويقربونهم إلی الله زلفى»[678].

110.الله يعلم بمَن يتوّلى غيره عزّ وجلّ

وبعد هذا المشهد التمثيلي الرائع، والتشبيه القرآني البديع بمَن اتّخذ من دونه أولياء، يؤكّد الله عزّ وجلّ أنّ مَن عبد غيره وأشرك به أنّه تعالى يعلم ما هو عليه من الأعمال، ويعلم ما يُشركون به من الأنداد، وسيجزيهم وصفهم إنّه حكيم عليم[679]، فيقول تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ فهذا وعيدٌ منه سبحانه، ومعناه أنّه يعلم ما يعبد هؤلاء الكفّار وما يتّخذونه من دونه أرباباً، وهو العزيز الذي لا يُغالب فيما يريده، الحكيم في جميع أفعاله[680].

«وإذا أمهلهم فليس بسبب العجز والضعف، أو عدم العلم، أو أنّ قدرته محدودة، بل كلّ ذلك من حكمته التي توجب أن يُمنحوا الفرصة الكافية؛ لتتم الحُجّة البالغة عليهم، فيهتدي مَن هو جديرٌ بالهدى»[681].

111.إشكال البعض على التشبيهات القرآنية

ثمَّ يأتي الدور إلی الآية الثالثة، وهي قوله تعالى: وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ وهذا جواب لإشكال مقدّر أشكله ويشكله أعداء الإسلام على التشبيهات القرآنية، وكانوا يقولون: الله الذي خلق السماوات والأرض كيف يضرب الأمثال بالعنكبوت والذباب والحشرات وما شاكلها؟ فيردّ القرآن: وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ.

«إنّ أهميّة المثال وظرافته لا تكمن في كبره وصغره، بل تظهر أهمّيته في انطباق المثال على المقصود، فقد يكون صغر الشيء الممثَّل به أكبر نقطة في قوّته.

قالوا في ضرب الأمثال: ينبغي عند الكلام عن الأشياء الضعيفة، والتي فيها وهن أن يُمثّل لها في ما لو اعتمد عليها ببيت العنكبوت، فهو أحسن شيء يُنتخب لهذا الوهن وعدم الثبات، فهذا المثال هو الفصاحة بعينها والبلاغة ذاتها؛ ولذا قيل: إنّه لا يعلم دقائق أمثلة القرآن ولا يدركها إلاّ العلماء.

 فإذن التشبيه بالعنكبوت وبيته الخاوي هو أمرٌ محسوبٌ بدقّة، وإذا ما اختار موجوداً صغيراً للتمثيل به فهو لبيان الحقّ، وإلاّ فهو خالق أعظم المجرّات والمنظومات الشمسية وغيرها»[682].

وهذا يعني أنّه ضرب للناس أمثالاً، وحقيقتها وما فيها من الفوائد بأسرها لا يدركها إلاّ العلماء[683].

وفي تفسير القمّي: «العالمون يعني آل محمّدٍ  عليهم السلام»[684] وبعض العامّة فسّرالْعَالِمُونَ بـ«الراسخون في العلم، المدبرّون في الأشياء على ما ينبغي، وعنه صلّی الله عليه [وآله] وسلم أنّه تلا هذه الآية فقال: «العَالِم مَن عقل عن الله تعالى، وعمل بطاعته واجتنب سخطه»[685].

لكن من أعظم المصائب أن يكون العالم بين يدي الجهّال يشكو إلى الله تعالى، فقد روى عن النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله أنّه قال: «ثلاثة يشكون إلى الله تعالى يوم القيامة: عالمٌ بين ظهراني قوم لا يسألونه عن علمه، ومسجد قوم لا يعمرونه بذكر الله والصلاة فيه، ومصحف في منزل شخص وهو لا ينظره ولا يقرء فيه»[686]، وهذا الذي حصل مع أبي عبد الله الحسين عليه السلام يوم عاشوراء، يعظهم فلم ينفع، يسألهم ماذا يريدون منه ليس عندهم جواب إلاّ الأسنّة والسهام، ورحم الله السيد رضا الهندي، حيث يصف ذلك المشهد، إذ يقول:

لم أنسه إذ قام فيهم خاطباً
 

 

فإذا هُمُ لا يملكونَ خطابا
 

يدعو ألستُ أنا ابن بنتِ نبيِّكم
 

 

وملاذكَم إن صرف دهرٍ نابا
 

هل جئتُ في دينِ النبيّ ببدعةٍ
 

 

أم كُنتُ في أحكامِه مُرتابا
 

أم لم يوصِّ بنا النبيّ وأودعَ الـ
 

 

ـثقلينَ فيكم عترةً وكتابا
 

إن لم تدينوا بالمعاد فراجعوا
 

 

أحسابَكم إن كُنتُم أعرابا
 

فغدوا حيارى لا يرونَ لوعظِهِ
 

 

إلاّ الأسنةَّ والسهام جوابا[687]
 

 

***

إنّا لله وإنّا إليه راجعون، ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله العليّ العظيم،

وسيعلم الذين ظلموا آل مُحَمّد أيَّ مُنقلبٍ ينقلبون

والعاقبة للمتّقين.

 

المحاضرة السادسة والعشرون: استدراج العُصاة

ولزينبٍ نَوحٌ لفقدِ شَقيقِها
أحُسينُ يا خيرَ الخلائقِ كلّها
اليوم أصبغُ في عزاك مَلابسي
اليوم ساقوني بقيدٍ يا أخي
اليوم شبّوا في المُخيّم نارَهم
أنعم جواباً يا حُسينُ أما ترى
فأجابها من فوقِ شاهقةِ القَنا
وتكفَّلي حالَ اليتامى وانظري
 

 

تدعوه يابنَ الزّاكياتِ الرُكّعِ
وقتيلَ أولادِ اللئامِ اللُكّعِ
سُوداً واسكبُ هاطلاتِ الأدمُعِ
والضربُ ألّمني وأطفالي معي
وتناهبوا ما فيهِ حتّى بُرقعي
شمرَ الخنا بالسّوط ألّم أضلُعي
قُضيَ القضاءُ بما جرى فاسترجعي
ما كنتُ صنعُ في حِماهُم فاصنعي[688]
 

 

 

نادها من فوگ الرُمح الله يرعاج
راسي على راس الرمح هلرايح وياچ
يختي استعدي للهظم والهظم جدّام
ولهلچ تسمعين المسبّة ابمجلس العام
 

 

اصبري يخويه وسلّمي أمرچ إلمولاچ
وياچ يبره العايله ويرعه اليطيحون
لازم يودّوكم يساره الطّاغي الشّام
واهناك تلگين المرار أنواع وافنون
 

 

***

قال تعالى: فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُواْ أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ * فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ وَالْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ[689].

يبعث الله تبارك وتعالى الأنبياءَ والرُسُلَ لإجل هداية الناس إلی الخير والسعادة والقسط، وينزّل معهم الكتب السماوية التي لا تختلف في هذه المفاهيم، فالعدالة والقسط وهداية الناس من أهم هموم الأنبياء منذ أن خلق الله البشر، وبعث إليهم الرُسُل.

قال تعالى: لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ [690].

«يبعث اللهُ تعالى الأنبياء والرسل ليُذكّروا الناس بالمخزون الفطري الذي وضعه الله في النفس البشرية عند بدأ الخلق، وهذا المخزون هو توحيده تعالى، ويقوم الأنبياء والرسل على امتداد عهد البعثة بسوق الناس إلى طريق الهُدى ببيانهم للناس، ما أنزل إليهم من ربِّهم، وبعد أن يقيم رُسُلُ الله الحجّة على الناس ينسى بعض الناس ما ذُكّروا به، ويقومون بأعمال تعارض الفطرة ووصايا الله»[691].

«تواصل هذه الآيات توجيه الكلام للضّالين والمشركين، ويتّخذ القرآن فيها طريقاً آخر لإيقاظهم، وذلك بأن ينقلهم إلى القرون السالفة والأزمان الماضية، يشرح لهم حال الأُمم الضالة والظالمة والمشركة، ويبيّن لهم كيف أُتيح لها جميع عوامل التربية والتهذيب والوعي، غير أنّ جمعاً منهم لم يُلقوا بالاً إلى أيِّ من تلك العوامل، ولم يعتبروا بما حاقّ بهم من بأساء وضراء وَلَقَدْ أَرْسَلنَآ إِلَى أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ أما كان من الأجدر بهؤلاء أن يستيقظوا عندما جاءهم البأس وأحاطت بهم الشدائد؟!»[692].

114.أسبابُ الغفلة والنسيان

تبدأ الآيتان ببيان هذا الشرط وهو فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ ثُمّ ترتّب عليه الجزاء، وذكرنا بأنّ المقصود ممّا ذُكّروا به هو جميع ما جاء به الأنبياء والمرسلون؛ تنبيهاً لما في فطرتهم من توحيد الله تبارك وتعالى «وتركوا ما وعظوا وأمروا به»[693] «وتركوا العمل بما أمرناهم به على ألسن رسلنا»[694]، ويشمل ذلك كلّ ما أتى على ألسن الأنبياء والرسل.

ولا ريب أنَّ ولاية أمير المؤمنين عليه السلام ممّا جاء على لسان خاتم الأنبياء والمرسلين صلى الله عليه وآله لتواتر الأحاديث في ذلك، وقد روي عن الإمام أبي جعفر الباقر عليه السلام أنّه قال: فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ: لمّا تركوا ولاية عليٍّ عليه السلام، وقد أُمروا بها، أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ [695].

ويعود السبب في غفلة الناس ونسيانهم لِما أمروا به إلی أمرين:

«الأول: إنّهم لكثرة آثامهم وعنادهم في الشرك زايلت الرحمة قلوبهم، والليونة أرواحهم... وقست قلوبهم.

والثاني: إنّ الشيطان قد استغلَّ عبادتهم وأهواءهم فزين في نظرهم أعمالهم، فَكُلُّ قبيح ارتكبوه أظهره لهم جميلاً، ولكلّ خطأ فعلوه جعله في عيونهم صواباً. وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون»[696].

وبهذا التزيين أصبحوا معجبين بأعمالهم، لا يرون أحداً يصل إلی عبادتهم وكمالهم، فنسوا ما ذُكّروا به، فجاء الجواب الإلهي الغريب أنّه فتح عليهم أبوابَ كُلِّ شيءٍ عقوبةً، لا كرامةً لهم.

115.جزاء الغفلة والنسيان

من الطبيعي جدّاً أن يتوقَّع إنسانٌ من آخرَ عقوبةً فيما لو صدرت منه إساءةٌ بحقّه، ومن الطبيعي جدّاً أن يخاف صاحب الذنب من ذنبه الذي ارتكبه بحقّ سيده ومولاه، وفطرة الإنسان تحكم بذلك.

لكن ليس من المألوف ولا من المتوقّع في العادة أن تُقابل الإساءة بالإحسان، وترك الأوامر بزيادة النعم، والعصيان بفتح الأبواب كلّها!!

ولكن يرتفع هذا الإستغراب عندما نسمع آيات القرآن الكريم تجازي الغفلة وترك جميع ما ذكّروا به وأُمروا أن يأتوا به، تجازيهم بتواتر النعم، وفتح الأبواب، وتجديد كلّ نعمةٍ عليهم، فيصير الجزاء غير ما يتوقع من هكذا فعل، فالفعل هو الإساءة، والجزاء هو الإحسان بحسب الظاهر فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ.

116.الاستدراج عقوبة أم تنبيه؟

«نقرأ في هذه الآيات أنّه عندما لم يكن لإبتلائهم بالشدائد تأثيرٌ في توعيتهم، فإنّ الله يفتح أبواب الخيرات على أمثال هؤلاء الآثمين، فهل هذا ترغيبٌ بعد المعاقبة، أم هو مقدّمة لعقابٍ أليم؟ أي: هل هذه النعم نعم إستدراجية، تغمر المتمرّدَ تدريجيّاً بالرفاهية والتنعم والسرور، تغمره بنوع من الغفلة، ثمَّ يُنتزع منه كلُّ شيء دُفعةً واحدةً؟

ثمَّة قرائن في الآية تؤيّد الإحتمال الثاني، ولكن ليس هناك ما يمنع من قبول الإحتمالين، أي أنّه ترغيبٌ وتحريضٌ على الإستيقاظ، فإن لم يؤثّر، فمقدّمة لسلب النعمة، ومن ثَمَّ إنزال العذاب الأليم»[697].

وهذه القرائن واضحةٌ من أُسلوب الخطاب، والأخذ بغتةً دليل صارف عن الإحتمال الأول. نعم، هو ممكن بحدِّ ذاته، لكن ثبوتاً لا معيّن له، بل القرائن صارفة عنه، والمهم هنا: هو بيان قوله تعالى: فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ، ومن الواضح أنّ التعبير بـكُلِّ شَيْءٍ لا يكون من الشرّ، وإنّما كلّ شيء من الخير والرزق، يعني أرسلنا عليهم كُلَّ خيرٍ، أو من الرزق[698]، ونقلوا من البأساء والضراء إلی الراحة والرخاء وأنواع الآلاء والنعماء. والمقصود أنّه تعالى عاملهم بتسليط المكاره والشدائد عليهم تارة، فلم ينتفعوا به، فنقلهم من تلك الحالة إلی ضدها، وهو فتح أبواب الخيرات عليهم، وتسهيل موجبات المسرّات والسعادات لديهم، فلم ينتفعوا به أيضاً.

«وهذا كما يفعله الأب المشفق بولده، يُخاشنه تارةً، ويُلاطفه أُخرى؛ طلباً لصلاحه: حَتَّى إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُواْ من الخير والنعم، لم يزيدوا على الفرح والبطر من غير إنتدابٍ لشكرٍ، ولا إقدامٍ على إعتذارٍ وتوبةٍ... معناه: فتحنا عليهم أبوابَ كُلِّ شيءٍ كان مغلقاً عنهم من الخير»[699]، «وهذا إستدراجٌ منه تعالى وإملاء لهم»[700].

117.حقيقة الإستدراج

وردت لفظة الإستدراج في القرآن الكريم؛ في سورتي الأعراف والقلم بنفس النصّ، وهو قوله تعالى: سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ [701]، ولم ترد في موضعٍ آخر بهذا اللفظ. نعم، مضمون الإستدراج ورد في آيات عديدة، مثل الآيات محل البحث، ومثل قوله تعالى: أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُم بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لَّا يَشْعُرُونَ[702].

وأمّا في الروايات الشريفة فقد ورد الإستدراج بلفظه ومعناه كثيراً.

فعن أبي عبد الله عليه السلام قال: «إنّ الله إذا أراد بعبدٍ خيراً فأذنب ذنباً أتبعه بنقمة ويذكرّه الاستغفار، وإذا أراد بعبدٍ شرّاً فأذنب ذنباً أتبعه بنعمة؛ لينسيه الاستغفار ويتمادى بها، وهو قول الله عزّ وجلّ سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ بالنعم عند المعاصي»[703].

وسُئل أبو عبد الله عليه السلام عن الإستدراج، فقال: «هو العبد يذنب الذنب فيملي له، ويجدّد له عندها النعم، فتلهيه عن الاستغفار من الذنوب، فهو مُستَدرَجٌ من حيث لا يعلم»[704].

وسُئل عليه السلام عن قول الله عزّ وجلّ: سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ قال: «هو العبد يذنب الذنب فتُجدّد له النعمة معه، تُلهيه تلك النعمة عن الاستغفار من ذلك الذنب»[705].

والإستدراج هو الإملاء والإنظار والإمهال، ويطلق على إمهال الله المجرم بعدم الأخذ الحالي عليه... واستدراج الله للعباد: هو إغفال العُصاة بالإحسان، وتجديد النعم عليهم عقيب الإساءة[706]، كما بيَّنت الآيات والروايات.

ومن هنا نعرف أنَّ الإستدراج لا يكون مع الطاعة لله عزّ وجلّ، وإنّما مع العصيان والتمرّد، كما اتّضح بما تقدَّم، مضافاً إلی الروايات الشريفة الواردة في المقام، مثل ما رواه عمر بن يزيد، قال: «قلت لأبي عبدالله عليه السلام: «إنّي سألت الله عزّ وجلّ أن يرزقني مالاً فرزقني، وإني سألت الله أن يرزقني ولداً فرزقني ولداً، وسألته أن يرزقني داراً فرزقني، وقد خفت أن يكون ذلك إستدراجاً! فقال: أما والله مع الحمد فلا»[707].

قال العلاّمة المجلسي رحمه الله: «وقوله عليه السلام: إنّ الله لا يفعل بالمؤمن... فإنّه تعالى لو أعطى جميع الدنيا المؤمن لم يكن ذلك على سبيل الإستدراج، بل؛ لأنّه عَلِمَ أنّه يشكره ويصرفه في مصارف الخير، ولا يصير ذلك سبباً لنقص قدره عند الله، كما فعل ذلك بسليمان عليه السلام، بخلاف ما إذا فعل ذلك بغير المؤمن، فإنه لإتمام الحُجّة عليه، واستدراجه، فيصير سبباً لشدّة عذابه...»[708].

118.الأخذ بغتةً ونتيجته

ثمّ تنتقلُ الآية لبيان حال هؤلاء العصاة بعد اغداقه النعم عليهم، حيث تقول: حَتَّى إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُواْ أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ «لمّا فتح الله عليهم أبواب الخيرات ظنّوا أنّ ذلك بإستحقاقهم، فعند ذلك ظهر أنّ قلوبهم قست وماتت، وأنّه لا يُرجى لها إنتباه بطريق من الطُرق، فأجابهم الله بالعذاب من حيث لا يشعرون»[709].

«وكان فرحهم فرح بطر، وهو منهيّ عنه، وذلك مثل فرح قارون بما أصاب من الدنيا»[710].

والأخذ بغتةً يعني «على غفلةٍ فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ أي: آيسون من كلّ خير»[711].

وقال البعض: «المُبلِس: النادم الحزين، أو الساكت المنقطع عن الحجّة»[712].

وقال الشَّيخ الطوسي رحمه الله: «قال الزجَّاج: المُبلِس الشديد الحسرة والبائس الحزين، وقال البلخي: معنى مبلسون يعني: أذلّة خاضعين، وقال الجبائي: معنى مبلسون آيسون، وقال الفراء: المبلس المنقطع الحجّة... وقال مجاهد: الإبلاس السكوت مع اكتئاب»[713].

والجامع لهذهِ المعاني وغيرها هو الخسران والإفلاس، وأصله: «الإطراق لحلول نقمةٍ أو زوال نعمةٍ»[714].

وقال القرطبي: «المبلس: الباهت الحزين، الآيس من الخير، الذي لا يحير جواباً لشدّة ما نزل به من سوء الحال»[715].

وتفسير القرطبي ما هو إلاّ جمع وترتيب للأقوال في المقام من دون ترجيح ولا بيان جامع لها، وهو كافٍ في المقام؛ لتقارب المعاني، كما هو واضح.

ثمَّ يختتم هذا المشهد بقوله تعالى: فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ وَالْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

تقول الآية: وهكذا استؤصلت جذور أولئك الظلمة وانقطع نسلهم[716]، ولم يبقَ منهم باقية[717].

وينبّه الباري عزّ وجلّ عن سبب الإستئصال بذكر الوصف الذي هو الظلم، وهو هنا الكفر... ودابر القوم آخرهم الذي يدبرّهم[718].

ثمَّ يقول تبارك وتعالى: وَالْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، فما هو الداعي والسبب لهذا الحمد؟

فيه وجوه:

«الوجه الأول: معناه أنّه تعالى حمد نفسه على أن قطع دابرهم، واستأصل شأفتهم؛ لأنَّ ذلك كان جارياً مجرى النعمة العظيمة على أولئك الرسل؛ في إزالة شرّهم عن أولئك الأنبياء.

الوجه الثاني: أنّه تعالى لمّا علم قسوة قلوبهم لزم أن يُقال: إنّه كلمّا ازدادت مدّة حياتهم ازدادت أنواع كفرهم ومعاصيهم، فكانوا يستوجبون به مزيد العقاب والعذاب. فكان إفناؤهم وإماتتهم في تلك الحالة موجباً أن لا يصيروا مستوجبين»[719].

الوجه الثالث: «أنّه إيذان بوجوب الحمد لله عند هلاك الظلمة، وأنّه مِنْ أجلِّ النعم وأجزلِ القسم»[720].

وفي تفسير القرطبي قال: «قيل: علم إهلاكهم. وقيل: تعليم للمؤمنين كيف يحمدونه، وتضمّنت هذه الآية الحُجّة على وجوب ترك الظلم لما يعقب من قطع الدابر، إلی العذاب الدائم مع استحقاق القاطع الحمد من كلّ حامد»[721].

وكان أمير المؤمنين عليه السلام يكثر من تلاوة هاتين الآتين عند الفراغ من وضوءه، كما روي عن الإمام الهادي عليه السلام أنّه قال: «إنّ قنبراً مولى أمير المؤمنين عليه السلام دخل على الحجّاج بن يوسف، فقال له: ما الذي كنت تلي من عليِّ بن أبي طالب؟ فقال: كنت أوضئه، فقال له: ما كان يقول إذا فرغ من وضوئه؟ فقال: كان يتلو هذه الآية: فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُواْ أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ * فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ وَالْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ فقال الحجّاج: أظنّه كان يتأوّلها علينا. قال: نعم. فقال: ما أنت صانع إذا ضربتُ علاوتك؟ قال: إذاً أسعد وتشقى، فأمر به»[722].

وعن الإمام الصّادق عليه السلام في تفسيرها قال: «أُخذ بني أُميّة بغتةً، ويؤخذ بني العباس جهرة»[723].

وكانت بنت أمير المؤمنين عليه السلام زينب الكبرى  عليها السلام تحذّر يزيد من مغبّة طُغيانه وظلمه وسوقه بنات رسول الله صلى الله عليه وآله حيث قالت: «... أظننت يا يزيد حيث أخذت علينا أقطار الأرض وآفاق السماء، فأصبحنا نُساق كما تُساق الأُسراء، إنّ بنا هواناً على الله، وبك عليه كرامة، وإنَّ ذلك لعظم خطرك عنده، فشمخت بأنفك، ونظرت في عطفك، جذلان مسروراً حين رأيت الدنيا لك مستوثقة والأُمور متَّسقة، وحين صفا لك مُلكُناً وسُلطانُنا، فمهلاً مهلاً، أنسيت قول الله تعالى: وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمًا وَلَهْمُ عَذَابٌ مُّهِينٌ. أمِنَ العدل يا ابن الطُلقاء تخديرك حرائرك وإمائك، وسوقك بنات رسول لله صلى الله عليه وآله سبايا قد هتكتَ ستورَهُنَّ، وأبديتَ وجوهَهُنَّ...»[724].

بلى والله، ليس ذلك من العدل، ورحم الله شاعر أهل البيت عليهم السلام حيث يقول في تائيته الرائعة التي قرأها أمام أبي الحسن الرضا عليه السلام:

ديارُ رسول الله أصبحْنَ بلقعاً
وآلُ زيادٍ في القُصورِ مَصونةً
 

 

وآلُ زيادٍ تسكُنُ الحجراتِ
وآلُ رسولِ اللهِ في الفَلوات[725]
 

 

وعلى هذا الحال كانت الحوراء زينب عليها السلام تشكو لأُمّها ما لاقاها أثناء السبي:

تعالي يم حسن يُمّه تعالي
 

 

وشوفي كربلا شسوت بحالي
 

 

إخوتي مذبحة وكلّها إگبالي

وكأنّي بالزهراء عليها السلام تردّ على زينب عليها السلام:

أنه يمچ ييمّه مو بعيده
ومن راد الشمر يگطع وريده
نوبه انهض وادوّر اصبع ايده
 

 

من طاح الحسين على الصعيده
ثلث تيام أنه ساچنه البيده
ونوب انهض وادور چف عضيده
 

 

تشكو زينب مرةً أُخرى:

بگيت امحيّره واصفچ باليدين
يضربوني امن أبچي وتدمع العين
 

 

لا عبّاس يبرالي ولا حسين
وتبگه عبرتي ابصدري اتّكسّر
 

 

***

إنّا لله وإنّا إليه راجعون، ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله العليّ العظيم،

وسيعلم الذين ظلموا آل مُحَمّد أيَّ مُنقلبٍ ينقلبون

والعاقبة للمتّقين.

المحاضرة السابعة والعشرون: الحياة الدنيا متاع الغرور

 

لِلهِ ما صنعت فينا يدُ البينِ
ما لي وللبينِ لا أهلاً بطلعتِهِ
لا تأمن الدهرَ إنَّ الدهرَ ذو غيرٍ
أخنى على عترةِ الهادي فشتّتهم
كأنّما الدهرُ ألا أن يبدّدهم
بعضٌ بطيبةَ مدفونٌ وبعضُهمُ
وأرضُ طُوسٍ وسامراء وقد ضمنتْ
يا سادتي ألمن أبكي أسىً ولمن
أبكي على الحسنِ المسموم مُضطَهَداً
أبكي عليه خضيبَ الشّيب من دمه
وزينب في بناتِ الطُهر لاطمة
تدعوه يا واحداً قد كنتُ آملُه
 

 

كم من حشىً أقرحتْ منّا ومن عينِ
كم فرّق البينُ قِدماً بين إلفينِ
وذو لسانينِ في الدُنيا ووجهينِ
فما ترى جامعاً منهم بشخصينِ
كعاتبٍ ذي عنادٍ أو كذي دَينِ
بكربلاءَ وبعضٌ بالغرييّنِ
بغدادُ بدرينِ حلاّ وسطَ قبرينِ
أبكي بجفنينِ من عيني قريحينِ
أم الحُسين لقىً بين الخميسينِ
معفّر الخدّ محزوز الوريدينِ
والدمعُ في خدّها قدْ خدَّ خدّينِ
حتّى استبدّت به دوني يدُ البينِ[726]
 

 

على الجثث مرّوا بالنساوين
منهم شمال ومنهم ايمين
رادت عليه فخر الخواتين
ناده الولي اوضنوة الطّيبين
اشلون يا عمّه تركبين
ونّت ونين المرمر يلين
 

زجر يحسين من عگبك محنّه
على راس الرمح راسك محنّه
 

 

أويلاه اوشافنهم مطاعين
اوعلى الوجه مطروح الحسين
من على الناگه اطيح بالحين
يعمّه عليهم من تطيحين
وآنه عليل وبيه تدرين
ودعتّك الله يا ضوة العين
 

إبسفر واعداك ما بيهم محنّه
ابدماه وبس يدير العين ليَّ
 

       
 

***

قال تعالى: اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ[727].

قد يكرّر القرآن الكريم في بعض الأحيان آيةً كاملةً، أو جزءَ آيةٍ، أو قصّةً بنحوٍ وآخرَ، لكن الغرض هو الهداية، قال تعالى: إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ [728]، فالقرآن الكريم يستعمل الأُسلوب الأنفع في التوصل إلی هداية البشر.

ومن الآيات التي جاءت بنحو آخر هذه الآية المباركة، فقد وردت في سورة النبيِّ الأكرم محمّد صلى الله عليه وآله بالنحو التالي:

قال تعالى: إِنَّمَا الحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِن تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلَا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ [729]،إلاّ أنّها اقتصرت على اللعب واللهو، ويمكن أن يكون سبب الإقتصار عليها في الآية الشّريفة؛ كثرة ممارستهما من قبل الأغلب، فمن النادر جداً أن يمرّ الإنسان في زمن الطفولة والصبا من دون لعبٍ ولهو، بل قد يكون ذلك ممّا يشعر بنقص في طفولته وصباه، أمّا بقية الأدوار أعني: دور الزينة والتفاخر والتكاثر في الأموال والأولاد فليس من اللازم ذلك، فالكثير من الناس ممّن لعب في طفولته، ثُمَّ مرَّ بدور اللهو وبشكل واضح، إلاّ أنّه لم يمرّ عليه دور الزينة والتفاخر والتكاثر.

والمهم في المقام تسليط الضوء على الآية التي افتتحنا بها الكلام فالآية الشريفة تتضمّن أمرين:

الأمر الأول: ترسيم الحياة الدنيا والمراحل المختلفة التي تمرّ على الإنسان، وهي خمسة: اللعب، اللهو، الزينة، التفاخر، التكاثر في الأموال والأولاد.

والأمر الثاني: تشبيه الدنيا ـ بدايةً ونهايةً ـ بالنبات الذي يعجب الزُرّاعَ طراوته ونضارته، ثمَّ سرعان ما يتحوّل إلی عشب يابس تذروه الرياح، ثمَّ استنتج من هذا التمثيل: أنّ الحياة الدنيا متاع الغرور، أي: وسيلة للغرور والمتعة، يغتّر بها الذين أخلدوا إلی الأرض، يتصورونها غاية قصوى للحياة، ولكنّها في نظر المؤمنين قنطرة للحياة الأُخرى، لا يغترون بها، بل يتزوّدون منها إلی حياتهم الأخروية.

إنَّ حياة الإنسان من لدن ولادته إلی نهاية حياته تتشكّل من مراحل خمس:

المرحلة الأولى: اللعب، واللعب هو عمل منظوم لغرض خيالي، كلعب الأطفال، وهو مُقارن لحياة الإنسان منذ نعومة أظفاره وطفولته، ويتّخذ ألواناً مختلفة حسب تقدّم عمره، وهو أمر محسوس عند الأطفال.

المرحلة الثانية: اللهو، واللهو ما يشغل الإنسان عمّا يهمّه، وهذه المرحلة تبتدء حينما يبلغ ويشتدّ عظمه، فتجد في نفسه ميلاً ونزوعاً إلی الملاهي وغيرها.

المرحلة الثالثة: حُبّ الزينة، والزينة نظير ارتداء الملابس الفاخرة، والمراكب البهيّة، والمنازل العالية، وجنوحه إلی كلِّ جمالٍ وحسن.

المرحلة الرابعة: التفاخر، إذا تهيئت للإنسان أسباب الزينة، يأخذ حينها بالمفاخرة بالأحساب والأنساب، وما تحت يديه من الزينة.

المرحلة الخامسة: التكاثر في الأموال والأولاد، وهذه المرحلة هي المرحلة الخامسة التي يصل فيها الإنسان إلی مرحلةٍ من العُمر، يفكّر في تكثير الأموال والأولاد، ويشبُّ على ذلك الإحساس.

ثمَّ إنَّ تقسيمَ المراحل التي تمرُّ على الإنسان إلی خمس لا يعني ـ كما ذكرنا ـ أنّ كلَّ هذه المراحل تمرُّ على الإنسان بلا استثناء، بل يعني أنها تمرّ عليه على وجه الإجمال، غير أنّ بعض الناس تتوقف شخصيتهم عند المرحلتين الأوليين إلی آخر عمره، فيكون اللعبُ واللهو أهمَّ مائزٍ في سلوكهم، كما أنّ بعضهم تمرّ عليه المرحلة الثالثة والرابعة، فيحرص على ارتداء الملابس الفاخرة، والتفاخر بما لديه من أسباب[730].

قال الشيخ الأنصاري رحمه الله: «وقد ذكر غيرُ واحدٍ أنَّ قولَه تعالى إِنَّمَا الحَيَاةُ الدُّنْيَا... بيانُ ملاذ الدنيا على ترتيب تدرّجه في العمر، وقد جعلوا لكلِّ واحدٍ منها ثمان سنين»[731].

ولعلَّ الشَّيخ الأعظمَ رحمه الله يقصد ما رُويَ عن الشَّيخ البهائي رحمه الله من «أنّ الخصال الخمس المذكورة في الآية مرتبة بحسب سني عمر الإنسان ومراحل حياته، فيتولَّع أولاً باللعب، وهو طفل أو مراهق، ثمَّ إذا بلغ أشدّه اشتغل بالزينة من الملابس الفاخرة، والمراكب البهيّة، والمنازل العالية، وتولّه للحُسن والجمال، ثمَّ إذا اكتمل أخذ بالمفاخرة بالأحساب والأنساب، ثمَّ إذا شاب سعى في تكثير المال والولد.

هذا ما يرجع إلی بيان حال الدنيا من حيث المراحل التي تمرّ بها.

والأمر الثاني، أي: التمثيل الذي يجسّد حال الدنيا ويشبّهها بأرضٍ خصبةٍ يُصيبها مطرٌ غزيرٌ، فتزدهر نباتها على وجه يُعجبُ الزُرَّاع، ولكن سرعان ما تذهب طراوتها ونقاوتها فيصيبها الإصفرار واليبس، وتذروها الرياح في كلِّ الأطراف، وتصبح كأنّها لم تكن شيئاً مذكوراً، وعند ذلك تتجلّى الحقيقة أمامَ الإنسان، وأنّه اغترَّ بطراوة هذه الروضة، وهكذا حال الدنيا، فيغترّ الإنسان بها ويخلد إليها، ولكن سرعان ما تسفر له عن وجهها، وتكشف عن لثامها.

وعلی أي حالٍ، فالآية تهدف إلی تحقير الدنيا وتعظيم الآخرة»[732].

وقد حقّرها رسولُ اللهِ صلى الله عليه وآله، حيث يقول: «ما لي والدنيا، إنّما مثلي ومثل الدّنيا، كمثل راكبٍ قام من القيلولة في ظلّ شجرة في يوم صائفٍ، ثمَّ راح وتركها»[733].

وقال صلى الله عليه وآله: «والله، ما الدنيا في الآخرة إلاّ مثل ما يجعل أحدكم إصبعه هذه في أليم، فلينظر بِمَ ترجع؟!»[734].

وقال العلاّمة المجلسي رحمه الله: «واعلم أنّ مجامع الهوى خمسة أُمور، وهي ما جمعه الله عزّ وجلّ في قوله: أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ.

والأعيان التي تحصل منها هذه الأُمور سبعة، يجمعها قولُه تعالى: زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ»[735].

 أحياناً يُحبُّ الإنسان الدنيا ولكن لا لذاتها، بل؛ لأنَّها مُقدّمة موصلة للآخرة،كما روي عن إمامنا الصَّادق عليه السلام أنَّ رجلاً قال له: «والله إنّا لنطلب الدنيا ونحب أن نؤتاها، فقال: تحب أن تصنع بها ماذا؟ قال: أعود بها على نفسي وعيالي، وأصل بها، وأتصدَّق بها، وأحجُّ وأعتمرُ. فقال عليه السلام: ليس هذا طلب الدنيا، هذا طلب الآخرة»[736].

فلذا يوجد في الآية الشريفة حالة من التقابل بين الحياة الدنيا والحياة الأُخرى، حيث ذكرت الآية وفي الآخرةِ، وأنَّها قسيم لقوله: إنَّما الحياةُ الدُنيا[737].

فليست الدنيا عبارة عن الجاه والمال فقط، بل هما حظّان من حظوظهما، وإنّما الدنيا عبارة عن حالتك قبل الموت، كما أنَّ الآخرة عبارة عن حالتك بعد الموت، وكلّما لك فيه حظّ قبل الموت فهو دنياك.

 وليعلم الناظر إنّما الدنيا خُلقت للمرور منها إلى الآخرة، وإنّها مزرعة الآخرة في حقِّ مَن عرفها، إذ يعرف أنَّها من منازل السائرين إلى الله، وهي كرباط بُني على طريق أُعدّ فيها العلف والزاد وأسباب السفر، فمَن تزوّد لآخرته فاقتصر منها على قدر الضرورة من المطعم والملبس والمنكح وسائر الضروريات، فقد حرث وبذر وسيحصد في الآخرة ما زرع، ومَن عرّج عليها واشتغل بلذّاتها وحظوظها هلك[738].

وذكر شيخ الطائفة الطوسي رحمه الله في تفسير الآية المباركة كلاماً جامعاً، حيث قال: «وإنّما زهّدهم في الدنيا؛ لكونها فانية، ورغبّهم في الآخرة؛ لكونها باقية، فمَن اختار الفاني على الباقي كان جاهلاً ومنقوصاً. ومعنى الحياة الدنيا لعب ولهو، أي: ذات لعب ولهو؛ لأنَّ غالب أمر الناس في الدنيا اللعب واللهو، وذلك عبث وغرور وانصراف عن الحد الذي يدوم به السرور والحبور.

وقيل: شُبّهت باللعب واللهو لانقطاعها عن صاحبها بسرعة، فالتقدير على هذا إنّما الحياة الدنيا كاللعب واللهو في سرعة الإنقضاء، والآخرة كالحقيقة في اللزوم والإمتداد، فإحداهما كالحقيقة، والأُخرى كالمخرقة».

ثمَّ قال رحمه الله: «اعلموا معاشر العقلاء والمكلّفين إِنَّمَا الحَيَاةُ الدُّنْيَا يعني في هذه الدنيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ؛ لأنّه لا بقاء لذلك ولا دوام، وإنّه يزول عن وشيك، كما يزول اللعب واللهو، وَزِينَةٌ تتزينون بها في الدنيا، وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ يفتخر بعضكم على بعض، وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ أي: كلّ واحد يقول مالي أكثر وأولادي أكثر، ثمَّ شبّه ذلك بأن قال: مثله في ذلك كَمَثَلِ غَيْثٍ يعني مطراً أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ أي: أعجب الزُرَّاع ما نبت بذلك الغيث، فالكفّار الزرّاع»[739].

ثمَّ تنتقل الآية لتختم هذا البيان الرائع بحقيقة فيها البشارة والنذارة، البشارة للمؤمنين، والنذارة للكافرين، حيث تقول: وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ ، عذاب شديد لمَن اتّخذ الحياة الدنيا حياةً أبدية، ومغفرة من الله ورضوان لمّن اتّخذها ممرّاً لامقرّاً، وصارت الدنيا عنده كظلّ يستظل تحته ثمَّ يرحل، أو عاشها كما عاشها الأنبياء والأوصياء، ومن حذا حذوهم، فإذا صارت الدنيا عندهم كذلك فلا يبالون بها، بل ينتظرون الرحيل عنها؛ لأنّها متاع المغرور بها.

 حينها نعرف قول ذلك الرجل لأبي ذرّ: يا أبا ذر ما لنا نكره الموت؟ فقال: «لأنّكم عمّرتم الدنيا وأخربتم الآخرة، فتكرهون أن تنقلوا من عمران إلى خراب»، فقال له: فكيف ترى قدومنا على الله؟ فقال: «أمّا المحسن منكم فكالغائب يقدم على أهله، وأما المُسئ منكم فكالآبق يرد على مولاه»، قال: فكيف ترى حالنا عند الله؟ قال: «اعرضوا أعمالكم على الكتاب، إنّ الله يقول: إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ» قال: فقال الرجل: فأين رحمة الله؟

قال: «رحمةُ اللهِ قريبٌ منَ المُحسنينَ».

قال: أبو عبد الله الصّادق عليه السلام: «وكتب رجل إلى أبي ذر ـ رضي الله عنه ـ يا أبا ذر أطرفني بشيء من العلم، فكتب إليه: العلم كثير، ولكن إن قدرت أن لا تسئ إلى مَن تحبّه فافعل. قال: فقال له الرجل: وهل رأيتَ أحداً يُسيء إلى مَن يحبّه؟ فقال له: نعم، نفسك أحبّ الأنفس إليك، فإذا أنتَ عصيتَ اللهَ فقد أسأتَ إليها»[740].

وهذا الخبر فيه دلالة صريحة على أنَّ تارك الدنيا وطالب الآخرة لا يكره الموت ولا يرضى ببقائه في الدنيا، بل يريد فراقها شوقاً إلی لقائه عزّ وجلّ، لولا الأجل مكتوب عليه، كما دلّ عليه أيضاً قوله تعالى: قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِن زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاء لِلَّهِ مِن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ[741]».

أو كما يصف الإمام أمير المؤمنين عليه السلام المتَّقين، حيث يقول: «ولولا الأجل الذي كتب لهم لم تستقرّ أرواحهم في أجسادهم طرفة عين شوقاً إلى الثواب، وخوفاً من العقاب. عظم الخالق في أنفسهم فصغر ما دونه في أعينهم، فهم والجنة كمَن قد رآها فهم فيها مُنعّمون، وهم والنار كمَن قد رآها فهم فيها معذّبون»[742].

إذن المائز الحقيقي بين المتَّقين وغيرهم هو شدّة علوقهم بالدنيا وعدمها، فالتناسب عكسي، أي: كلّما ازدادت رغبة الإنسان في الدنيا وتعلّقه فيها ضعف رصيده الأُخروي، والعكس بالعكس، وهذا معنى قول الإمام أمير المؤمنين عليه السلام: «إنَّ الدنيا والآخرة عدوّان متفاوتان، وسبيلان مختلفان، فمَن أحبَّ الدنيا وتولاّها أبغض الآخرة وعاداها، وهما بمنزلة المشرق والمغرب وماش بينهما، كلّما قرب من واحد بعُدَ من الآخر، وهم بعدُ ضرتان»[743].

أما الذي يكون سبيله الحقيقي الذي يشخص ببصره إليه دائماً وأبداً هو الله عزّ وجلّ فلا يبالي حينئذٍ، بل يكون لسان حاله:

 تركتُ الخلق طُراً في هواكا
فلو قطّعتني بالحُب إرباً
 

 

وأيتمتُ العيال لكي أراكا
لما مال الفؤاد إلی سواكا
 

 

وكيف لا تكون هذه ترانيمُه العرفانيةُ، وكلماتُه الإلهيةُ، وهو صاحبُ أعظم دُعاءٍ في يومِ عرفة، الذي قال فيه مخاطباً ربَّ العالمين: «عميت عين لا تراك ولا تزال عليها رقيباً، وخسرت صفقة عبدٍ لم تجعل له من حبّك نصيباً»[744].

***

إنّا لله وإنّا إليه راجعون، ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله العليّ العظيم،

وسيعلم الذين ظلموا آل مُحَمّد أيَّ مُنقلبٍ ينقلبون

والعاقبة للمتّقين.

المحاضرة الثامنة والعشرون:حسن الظنّ وسُوء الظنّ

أيطيبُ عيشي بعدَ وقعةِ كربلاء
وأذوقُ طعمَ الماءِ وابنُ مُحمّدٍ
لا عذرَ للشيعيِّ يرقأ دمعُــــــه

يا يومَ عاشوراء لقد خلّفتني
فيك أستُبيح حريمُ آلِ محمدٍ
قتلوا الحسينَ وروّعوا قلبَ الهُدى
تركوهُ عارٍ بالفلاةِ وأقبلوا
لهفـي لزينبَ بعـدَ فقـدِ حُمـاتِهـا
 

 

وأكـونُ فيمـا أرتـديهِ أنيـقـا
ما ذاقَه حتّى الحمـامَ أُذيقـا
ودمُ الحُسينِ بكربلاءَ أريقـــــــا

ما عشتُ في بحر الهموم غريقا
وتمـزّقتْ أسبـابُهم تمـزيّقـا
ظُلمـاً وفـُرّقَ شمـلـُه تـفـريقـا
نحو المُخَيّمِ ألهبوه حريقـا
قطعتْ معَ الخصمِ المشومِ طريقا[745]
 

 

وكأنّي بها تخاطب حماتها، وهم مجزرون كالأضاحي:

أنا امشيت درب الما مشيته
من جـِلَّـت الوالي نخيتـه
 

 

وچتّـال أخيـيّ رافگـيـتـه
شتم والدي وانكر وصيته
 

 

ولسان حالها:

بس ما غبت وگفيت يحسين
خـذوني يسيره وتدمع العين
للكـوفة يو للشـام ناويـن
أنصـار يو أخـوه المبينين
أباري الضعن ماليش تمكين
 

 

عن كـربله صـرنه مضعنـين
ومدري وجوه الگوم لا وين
والدرب تدري يريد له اثنين
ولويّاي ما غير النساوين
عاد أرضه والله يريحني البين
 

 

***

قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ[746].

ينقسم الظنّ إلى قسمين، هما:

الظنّ الحسن، و الظنّ السيِّء، ولا شكّ في أنّ الأول منهما راجح شرعاً وعقلاً، ولا غبار عليه، بل هو من صفات المؤمنين المخلصين، وحُسن الظنّ لا يختصّ بحُسن ظنّ الإنسان بإنسانٍ آخر، بل هو يشمل حتّى حُسن الظنّ بالله تبارك وتعالى، حيث روي أنّ الله سبحانه وتعالى يقول: «أنا عند حُسن ظنِّ عبدي المؤمن، إن خيراً فخير، وإنْ شراً فشر»[747].

فمن هنا كان ينبغي لكلّ مؤمنٍ أن لا ييأس من رحمة الله، ولا يظنّ أنَّ الله سبحانه لا يرحمه، وأنّه يعذبه، وأنَّ ما يُصيبه في الدنيا من المصائب والأمراض والفقر هو شرّ له وعقوبة، بل ينبغي أن يعلم أنَّ الله أرحم به من والديه، وما يُصيبه من المصائب هو خير وصلاح وذخيرة له في يوم المعاد. ورأى بعضهم في المنام صاحباً له على أحسن حال، فقال: بأي شيءٍ نلتَ هذا؟ فقال: بحسنِ ظنّي بربّي، وما ينال أحدٌ خير الدنيا والآخرة إلاّ بحسن الظنّ بالله تعالى.

وكذلك لا يظنُّ السوء بالمسلمين، ويفسّر كلّ عمل منهم تفسيراً غير صحيح، بل يجب عليه أن يُفسّر تصرّف الناس على أحسن الوجوه، إلاّ إذا كان متيِّقناً ومتأكّداً من فعل يتطلب منه أن يفسّره بتفسير واقعي حفاظاً على حقوق الناس[748].

فعن النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله أنّه قال: «اطلُب لأخيك عذراً، فإن لم تجد له عُذراً فالتمس له عُذراً»[749].

وقال أمير المؤمنين عليه السلام: «ضع أمر أخيك على أحسنه حتّى يأتيك منه ما يغلبك، ولا تظنّنَّ بكلمةٍ خرجت من أخيك سوءاً وأنت تجد لها في الخير محملاً»[750].

ويجب على الإنسان أن لا يضع نفسه في موضع التهمة، ثُمَّ يعترض على الناس حيث يظنون به سوءاً، فمَن صدّق المُفسدين وجالسهم سوف يُظنّ به سوءاً، وقد قال أمير المؤمنين عليه السلام: «ومَن عرَّض نفسه للتهمة، فلا يلومنَّ مَن أساء به الظنّ»[751].

في أوّل الأمر نلفت الانتباه إلى التفريق بين الشكّ والظنّ والعلم، فنحن تارةً نصف إنساناً ما بأنّه شاكٌّ، وأُخرى بأنّه ظانٌّ، وثالثة بأنّه عالم بالأمر الكذائي، فما هو الفرق وما هو المناط والمبرر لإمكانية وصف الإنسان بأحد هذه الصفات؟

والجواب: إنّ الشكّ هو استواء كفّتي الاحتمالين إثباتاً ونفياً، والظنّ بترجيح كفّة أحدهما على الآخر مع بقاء الطريق مفتوحاً للذي خفَّ ميزانه، والعلم تعيين أحدهما مع سدِّ الطريق على الآخر من الأساس.

وقد تظنّ بإنسان خيراً أو شراً، وقد تكون مُصيباً في ظنّك أو مخطئاً، ولا بأس عليك إطلاقاً في حسن الظنّ بأخيك أصبت أو أخطأت، ظهر أثر ذلك في أقوالك أو أفعالك، أو لم يظهر.

فإذا صدر من الإنسان عمل من الأعمال أو قول من الأقوال يمكن حمله على وجه صحيح، وعلى وجه فاسد، فهل يحمل على الصحّة، أو على الفساد، أو يجب التوقف وعدم الحكم بشيءٍ إلاّ بدليل قاطع؟

ومثال ذلك: أن ترى رجلاً مع امرأة لا تدري هل هي زوجته، أو أجنبية عنه، أو تسمع كلاماً وأنت لا تدري هل أراد به المتكلم النيل منك، أو لم يرد ذلك، فما هو الحكم حينئذٍ؟

 لقد اتّفق الفقهاء على وجوب الحمل على الصحّة في ذلك وأمثاله.

وهذا مبدأ إنساني بحت؛ لأنّه يُكرّس كرامة الإنسان، ويؤكّد علاقة التعاون والتعاطف بين الناس، ويبتعد بهم عمّا يثير الكراهية والنفور، وبهذا يتبيّن أنّ الإسلام لا يقتصر على العقيدة والعبادة، بل إنّه يهتمّ بالإنسانية وخيرها، ويرسم لها الطرق التي تؤدي بها إلى الحياة المثمرة الناجحة.

ثمَّ إنّ الآية قالت: كثيراً من الظنّ ولم تقل كلّ الظنّ، فما هو السبب في ذلك؟

السبب يرجع إلى أنّ كلّ من صيغ العموم، تشمل حسن الظنّ وسوء الظنّ، بخلاف كلمة كثير، فقد تستعمل بمعنى بعض وبمعنى معظم، وهذا هو المراد بكلمة كثير في الآية، والقصد: هو حصر موضوع الآية ودلالتها بسوء الظنّ.

وسوء الظنّ من حيث هو ودون أن يظهر أثره في قول أو فعلٍ ليس بجرم، وصاحبه غير مسؤول عنه؛ لأنّ الإنسان لا حرية لـه في ظنونه وتصوراته، ولكن عليه أن لا يُعوّل على ظنّ السوء، ويعتبره وكأنّه لم يكن، وإذا عوّل عليه وظهر أثر ذلك في قول، أو فعل، كان مسؤولاً ومستحقّاً للذمّ والعقاب، وهذا هو الظنّ الذي أراده سبحانه بقوله: إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ.

قال الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله: «ثلاثة لا يسلم منها أحدّ: الطّيرة والحسد والظنّ، فإذا تطيّرت فأمضِ، وإذا حسدت فلا تبغِ، وإذا ظننت فلا تحقق»[752].

وعلى هذا يكون معنى قوله تعالى: اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ: لا تعولّوا عليه ولا تعملوا به[753].

ولذا تجد بعض الناس يرتّب الأثر على أدنى احتمال، والبعض الآخر يتوقّف ولا يقول شيئاً إلى أن يتّضح الأمر، وهناك مَن يترك ظنّه ويحمل عمل الإنسان الآخر على الصحّة.

جاء رجلان إلى أحد المراجع، أحدهما يحمل أموالاً إلى هذا المرجع، والآخر جاء ليطلب المساعدة، وبينما هما ينتظران المرجع، سأل الفقير الرجل الآخرعن سبب مجيئه؟ فقال الرجل الآخر: جئت لأعطي هذه الحقوق الشرعية إلى المرجع الديني.

قال الرجل الفقير في نفسه: نعم، أتركه يدخل فإذا دخل هذا الرجل وأعطى الأموال لهذا المرجع أدخل بعده وأشكو حالي له، وأقول إنّي فقير ومحتاج.

دخل الرجل صاحب الأموال على المرجع، وبقي الآخر ينتظر خارج الغرفة ولم يعرف ماذا حصل في الداخل.

بعد فترة دخل الرجل الفقير على ذلك المرجع الرَّباني، وقال لـه: مولانا أنا رجل محتاج وفقير، وجئت طالباً للمساعدة من الحقوق التي عندكم.

قال المرجع: عَلِمَ الله أنه ليس عندي من الحقوق لا قليل ولا كثير منها.

تعجّب هذا الرجل وقال في نفسه: عجباً، قبل قليل دخل هذا الرجل وهو يحمل حقوقاً شرعية إليه، والآن يقول لي: ليس عندي من الأموال لا قليل ولا كثير!!

بقي هذا الرجل في حيرةٍ من أمره، أيكذّب الرجل، أم يكذّب المرجع، أم نفسه، أم ينتظر إلى أن يتأكّد من الأمر لعلَّ الله يُحدثُ بعد ذلك أمراً، مضت فترة من الزمن على تلك الحادثة، وذات يوم صادف ذلك الرجل الذي كان قد جاء لإعطاء الحقوق، وسأله عن القصّة قائلاً لـه: ألم تقل في اليوم الذي التقينا فيه: بأنّك جئت بحقوق شرعية إلى ذلك المرجع؟

قال: بلى، قلتُ ذلك، وكنتُ صادقاً.

قال الرجل الفقير: ولكنّي دخلت بعدك بفترةٍ وجيزة وطلبت من المرجع شيئاً يساعدني به، فقال لي: ليس عندي من الأموال والحقوق لا قليل ولا كثير.

قال صاحب الحقوق: صدق المرجع.

قال الفقير: وكيف ذلك؟

قال: لأنّي في ذلك الوقت ما أعطيته الأموال؛ لأنّني وجدت عنده مجموعة من الضيوف، وما أحببت أن أزاحمه في هذا الوقت، فخرجت ورجعت في يوم آخر وأعطيتُه الأموال.

فلو لاحظنا هذه القصّة وتأمّلنا فيها قليلاً لعرفنا مدى أهمية التحقق، ومع كلّ هذا، فإنَّ الرجل الفقير لم يُرتّب الأثر ولعلّه لتقواه، ولكن ترى البعض يشهّر بالأمر إلى درجة تصل إلى السبّ والشتم والنيل حتّى من العرض، وهذه مشكلة الإنسان قديماً وحديثاً، وهناك قصص عديدة لو أردنا استعراضها لطال بنا المقام لكن العاقل المتديِّن والحرّ تكفيهما الإشارة.

ولا شكّ أنّ الظنّ بمثل هؤلاء المتدينين يكون أكثر إشكالاً من غيرهم؛ لأنّنا نعتبرهم قادةً لنا ونرجع إليهم ونجعلهم الأُمناء على الدين، والإنسان الذي نجعله أميناً على ديننا من الأولى أن لا نتهّمه في دنيانا، فما قيمة الأموال حتّى نتهم فيها مَن نأخذ منه الأحكام الشرعية.

ولكن بعض الناس من الفسقة الفجرة لا تشملهم هذه الآية، فلنا أن نظنّ بهم مثل ما ظهر منهم.

فهؤلاء الذين باعوا دينهم للشيطان استغلّوا هذا المبدأ الإنساني الذي ذكرناه، وهو الحمل على الصحّة، وجاءوا به ليبرروا عمل الظالمين والقراصنة.

فإنّ مبدأ الحمل على الصحّة لا ينطبق على أعمال السلب والنهب والاحتيال والتضليل، وما إلى ذلك ممَّا نعلم عِلمَ اليقين أنّه من المحرّمات والموبقات، وإنّما ينطبق على ما يُحتمل فيه الصدق والكذب، والصحّة والفساد[754].

فهل يُمكن لأي إنسان عاقل أن يتوّقف بظنّه تجاه بني أُمية وبني العباس فيما صنعوه بآل البيت.

تـبّاً لهم من أُمّةٍ لم يحـفـظوا
قـد شتّـتوهم بين مأسورٍ ومقهورٍ
 

 

عهـدَ النـبيِّ بآلـهِ الأمـجـادِ
ومنحورٍ بسيف عنادِ
 

 

فلم يتركوا منهم أحداً لا كبيراً ولا صغيراً، حتّى الطفل الرضيع، فقد جاءت الحوراء زينب عليها السلام إلى أخيها الحسين عليه السلام تحمل عبد الله الرضيع عليه السلام، ودفعته إليه وهي باكية، قالت: أخي، خُذ طفلك. قيل: فأجلسه في حجره يُقبّله، ويقول: بعداً لهؤلاء القوم إذا كان جدُّك المصطفى خصَمهم. ثُمَّ أتى به نحو القوم يطلب له الماء قائلاً: «يا قوم قد قتلتم إخوتي، وأولادي، وأنصاري، وما بقي غير هذا الطفل، وهو يتلظّى عطشاً من غير ذنب أتاه إليكم، فاسقوه شربة من الماء»، فاختلف العسكر فيما بينهم، منهم مَن قال: إذا كان ذنب للكبار فما ذنب هذا الطفل؟ ومنهم مَن قال: اقتلوه ولا تبقوا لأهل هذا البيت باقية.

فلمّا رأى ابن سعد ذلك صاح بحرملة: ويلك يا حرملة، اقطع نزاع القوم. قال حرملة: فما أصنع؟ قال: إرمِ الطفلَ بسهمٍ.

قال حرملة لعنه الله: فرأيت رقبته تلمع على عضد أبيه الحسين عليه السلام، فرميت الطفل بسهمي، فذبحته من الوريد إلى الوريد، فلمّا أحسَّ الطفل الرضيع بحرارة السهم، أخرج يديه من القماط واعتنق أباه، وجعل يرفرف كالطير المذبوح.

فملأ الحسين عليه السلام كفَّه من دمه، ورمى به نحو السماء، قائلاً: «اللَّهُمَ لا يكن أهون عليك من فصيل ناقة صالح»[755].

تلگه إحسين دم الطفل بيـده
سال اوترس جفه من وريده
أويلي من لفت سكنه تنـادي
صدت لن أخوها الطفل غادي
يبويه ذاب چبدي اوچبدة أُمّه
يبويه ليش ما تسجيه دمّـه
يخويه عون من حبّك اوشمّك
لغسلنَّك يـخويـه ابفيض دمـك
 

 

إشحال اليچتل إبحظنه وليده
أوذبّه للسمه وللگـاع ما خـر
يبويه العطش هالفتت افّادي
يلـوّح رگبتـه اودمّـه يفـوّر
دخلـيـني أودعـنـه وشـمّـه
بلچن چبدته تبرد من الحرّ
يخـويـه عـون من راواك لأُمّـك
اوگبرك بالگلب يا خويه لحفر
 

 

وأمّا حال أُمَّه الرباب:

ردوك يبني ابسهم مفطوم
بعـدك لـحرّم لـذّة النـوم
 

 

يالرحت عن الماي محروم
واصبغ يعگلي سود الهدوم
 

 

وابچــــي علـــيك ابگـــلب مألـــوم

ورُبَّ رضيعٍ أرضعته قِسيُّهم
 

 

منَ النبلِ ثديّاً درُّه الثرُّ فاطمُه
 

 

إنّا لله وإنّا إليه راجعون، ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله العليّ العظيم،

وسيعلم الذين ظلموا آل مُحَمّد أيَّ مُنقلبٍ ينقلبون

والعاقبة للمتّقين.

المحاضرة التاسعة والعشرون: الحَسَد

ولّى الشبابُ وأيامُ الصبا دُرست
والدهرُ شنَّ عليَّ اليومَ غارتَه
ولا ملاذَ ولا ملجأ ألودُ بهِ
سوى إمامِ الهدى المهدي مُعتمي
مَن يملأ الأرضَ عدلاً بعد ما مُلئت
متى نراه وقد حفّت به زُمَرٌ
ياثائراً غضَّ جفنيه على مَضَضٍ
غداة حلّ أبو السجادِ ساحتَها
يأبى الدنيةَ سبطُ المصطفى فلذا
وبعد ما لفَّ أُولاهم بآخرِهم
أصابه حجرٌ قد شجّ جبهَتَه
 

 

وشعلةُ الشيبِ منها مفرقي التهبا
كأنّما تِرَةً عندي له طَلَبا
من الزمانِ إذا طرف الزمانِ كبا
وجنةٍٍ أتقي عني بها النُوبا
جوراً ويوردنا تيّارَه العذبا
من آلِ هاشم والأملاكِ والنُّقَبا
هلاّ أتاك بأخبارِ الطفوفِ نبا
وأُسدَ هاشم للهيجا قد انتدبا
عن ذلّةِ العيشِ في عزِّ الوغى رَغِبا
وساقهم فسقاهم أكؤساً عطبا
وشَيبُهُ من مُحيّاه قد اختضبا[756]
 

 

نصاري

هوت فوگه أوگلبها عليه طـاير
بيت الچان مگصد للعشاير
 

 

هذا حسين إخوي إشلون صاير
طاح الواسطة اوللگاع هوّد
 

 

موشح

إعله الترب طايـح وهو نايم جريح
وهو ابهذا الحال لن زينب تصيح
هجمت إعلينه تره إخيول العـده
هذا بينه الصار واعلينه السده
 

 

أوظلّت إجروحه يويلي دم تسيح
گوم يابن الفحل واحمي العايله
اوصارت إخيامك يخويه امفرهده
وابنك السجاد يا خويه إنوله
 

 

أبوذية

روحي مازهت ساعة وصاحت
عله التل أوچبت زينب وصـاحت
 

 

المثلي منسبت حرّه وصـاحت
انهبـوا يحسـين خـدر الفاطميـة
 

 

***

قال تعالى: أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَآ آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكًا عَظِيمًا[757].

الحسد: هو تمنّي زوال النعمة عن الآخرين، سواء وصلت تلك النعمة إلى الحسود أم لم تصل إليه، وعلى هذا الأساس تنصب جهودُ الحَسودِ على فناء ما لدى الآخرين وزواله عنهم، أو تمنّي ذلك.

والحسد مذموم، ويدعو الإنسان إلى الحقد والبغض والكره، وهو من الأمراض العظيمة للقلوب، ولا تداوى أمراض القلب إلاّ بالعلم والعمل، وذلك بأن تعلم حقيقة الحسد وضرره على الإنسان في دار الدنيا والآخرة، وإنَّ المحسود لا ضرر عليه، بل يحصل على الثواب نتيجةً لذلك.

ويجب أن يعرف الحاسد أنَّ ما عنده وعند غيره هو من قضاء الله وقدره، وأنَّ الحسد لا يورّث إلاّ التألم والعذاب، والهمّ والغمّ بلا مقابل، وبلا فائدة.

ومن هنا قال أمير المؤمنين عليه السلام: «ما رأيت ظالماً أشبه بمظلوم من الحاسد؛ نفس دائم، وقلبٌ هائم، وحزنٌ لازم»[758].

وقال الشاعر:

اصبر على حَسدِ الحَسودِ
كالنارِ تـأكلُ نفسها
 

 

فـإنَّ صـبرَكَ قاتـِلُـهْ
إنْ لم تجدْ ما تأكلُهْ
 

 

والواقع هو هذا؛ إذ إنّك تجد الحاسد دائماً متألّماً، يتتّبع أحوال الناس، مراقباً لهم، وقد قيل: «مَن راقب الناس مات همّاً»[759]، فتجده دائماً مهموماً مغموماً، هائم القلب، ملازماً للحزن، كما تقدّم في تعبير أمير المؤمنين عليه السلام.

وهذه الخصلة الخبيثة أورثت الحزن الدائم لكثير من الناس، فهذا هو القرآن الكريم يُصرّح بأنّ أوّل جريمة قتل أُرتكبت في الأرض كان منشؤها الحسد، قال تعالى: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ[760].

ومناشئ هذه الخصلة الذميمة ـ من الناحية المعنوية ـ الضعف في الشخصية، وعقدة الحقارة والجهل، وقصر النظر، وقلّة الإيمان؛ لأنَّ الحاسد ـ في الحقيقة ـ يرى نفسه أعجز وأقل من أن يبلغ ما بلغه المحسود.

هذا، مضافاً إلى أنَّه بعمله هذا يعترض على حكمة الله سبحانه وتعالى واهب جميع النّعم، وجميع المواهب، في إعطائه سبحانه لمَن تفضّل بها عليه من الناس، ولهذا جاء في الحديث الشريف عن الإمام الصّادق عليه السلام: «الحسد: أصله من عمى القلب، والجحود لفضل الله تعالى، وهما جناحان للكفر، وبالحسد وقع ابن آدم في حسرة الأبد، وهلك مهلكاً لا ينجو منه أبداً»[761].

وقد حصر بعضهم ـ كالعلامة المجلسي رحمه الله ـ أسباب الحسد في سبعة أُمور:

الأوّل: العداوة.

الثاني: التعزُّز، أن يكون من حيث لا يعلم أنّه يستكبر بالنعمة عليه، وهو لا يطيق احتمال كبره وتفاخره لعزَّة نفسه.

الثالث: الكبر، أن يكون في طبع الحاسد أن يتكبّر على المحسود، ولا ترضى نفسه المتعالية أن يحصل أحدٌ على نعمة غيره هو!

الرابع: التعجّب، أن تكون النعمة والمنصب كبيراً، فيعجب من فوز مثله بمثل تلك النعمة، كما أخبر الله تعالى عن الأُمم الماضية، إذ قالوا: قَالُوا مَا أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا[762]، وأمثال ذلك كثير، فتعجّبوا من أن يفوزوا برتبة الرسالة والوحي والقرب مع أنّهم بشر مثلهم فحسدوهم، وهو المراد بالتعجّب.

الخامس: الخوف، بأن يخاف من فوات مقاصده بسبب نعمة أنعمها الله عزّ وجلّ على المحسود، بأن يتوصّل المحسود بها إلى مزاحمته في أغراضه.

السادس: حبّ الرئاسة، أن يحب الرئاسة التي تبتني على الاختصاص بنعمة لا يساوى فيها.

السابع: خبث الطينة، أن لا يكون بسبب من هذه الأسباب، بل لخبث النفس وشحّها بالخير على عباد الله[763].

هذه هي أهم مناشئ وأسباب حصول الحسد وصدوره.

فلو صدرت هذه الخصلة الخبيثة ـ لا سمح الله ـ فسوف تترتّب النتائج السلبية عليها، وهناك عدّة نتائج وخيمة تترتّب على الحسد سواء أكانت راجعة إلى نفس الحاسد من حقد وغير ذلك، أم راجعة إلى المحسود نفسه، أم للمجتمع الذي تقع فيه هذه الجريمة الوقحة، والخصلة المذمومة عند الله عزّ وجلّ وعند الناس.

ومن أهمّ هذه النتائج، أنّ الحسود يصرف كُلّ أو جُلّ طاقاتِه البدنية والفكرية ـ التي يجب أن تُصرف في ترشيد الأهداف الاجتماعية ـ في هدم وتحطيم ما هو قائم، ولهذا فهو يبدّد طاقاته الشخصية والطاقات الاجتماعية معاً.

ومن النتائج الخطيرة للحسد أيضاً، أنّه يُعدّ الدافع لكثير من الجرائم في هذا العالم، فلو أنّنا درسنا العلل الأصلية التي تقف وراء جرائم القتل والسرقة والعدوان، وما شابه ذلك، لرأينا ـ بوضوح ـ أن أكثر هذه العلل تنشأ من الحسد، ولعله لأجل هذا شُبّه الحسد بشرارة من النار يمكنها أن تهدّد كيان الحاسد، أو المجتمع الذي يعيش في وسطه بالخطر وتعرضّه للضرر.

يقول أحد العلماء: إنّ الحسد من أخطر الصفات، ويجب أن يُعتبر من أعدى أعداء السعادة، فيجب أن يجتهد الإنسان لدفعه والتخلص منه.

والملفت للنظر اليوم هو أنّ أكثر المجتمعات أصبحت مملوءة بالأمراض والآلام الجسدية من عصبية وغيرها. ومردُّ الأكثر من هذه الأمراض إلى خبث السريرة والحقدِ والحسدِ.

ومن هنا ورد عن طبيب النفوس أمير المؤمنين عليه السلام أنّه قال: «صحّة الجسد من قلّة الحسد»، و«العجب لغفلة الحسّاد عن سلامة الأجساد»[764].

بل وردت روايات تُصرّح بأن الحسد يضرّ بالحاسد قبل أن يَضُرَّ بالمحسود، بل ويؤدي إلى القتل والموت تدريجاً، وربما أدى إلى الموت دُفعةً، كما حكي ذلك في التاريخ: أنّ رجلاً من أهل النعمة ببغداد في أيام موسى الهادي حسد بعض جيرانه، وسعى عليه بكلّ ما يمكنه ممّا قدر عليه، فاشترى غلاماً صغيراً فربّاه، فلمّا شبّ واشتدّ أمْره أمَرَهُ بأن يقتله على سطح جاره المحسود؛ ليُؤخذ جاره به ويُقتل.

حيث إنّه عمد إلى سكين فشحذها ودفعها إليه، وأشهد على نفسه أنّه دبّره[765] ودفع إليه من صلب ماله ثلاثة آلاف درهم، وقال: إذا فعلت ذلك فخذ في أي بلاد الله شئت، فعزم الغلام على طاعة المولى بعد التمنّع والالتواء، وقوله له: اللهَ اللهَ في نفسك يا مولاي، وأنت تتلفها للأمر الذي لا يُدرى أيكون أم لا يكون؟! فإن كان لم ترَ مِنه ما أمّلت وأنت ميّت، فلمّا كان في آخر ليلة من عمره قام في وجه السحر، وأيقظ الغلام فقام مذعوراً وأعطاه المُدية[766]، فجاء حتّى تسوّر حائط جاره برفق، فاضطجع على سطحه فاستقبل القبلة ببدنه، وقال للغلام: ها وعجّل، فترك السكين على حلقه، وفرى أوداجه ورجع إلى مضجعه، وخلاّه يتشحّط في دمِه، فلمّا أصبحَ أهلُه خفي عليهم خبره، فلمّا كان في آخر النهار أصابوه على سطح جاره مقتولاً، فأُخذ جاره فحبس، فلمّا ظهر الحال أمر الهادي بإطلاقه[767].

ومن النتائج المُهمة أيضاً ـ بالإضافة إلى ما تقدّم من الحزن والهمّ والضرر للنفس وغير ذلك ـ هو ذهاب حسنات الحاسد إلى المحسود، وغضب الله عليه، فعن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله أنّه قال: «إيّاكم والحسد؛ فإنّ الحسدَ يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب»[768].

وعن الإمام الباقر عليه السلام: «إنّ الحسد ليأكل الإيمان كما تأكل النار الحطب»[769].

بل إنّ الحسد هو أصل الكفر، كما ورد ذلك عن الإمام الصّادق عليه السلام: «إيّاكم أن يحسد بعضُكم بعضاً، فإنَّ الكفرَ أصلُه الحسد»[770].

ولو تأمّلنا في معنى الآية التي افتتحنا بها المحاضرة لرأينا أن الآية موجِّهة خطابها إلى اليهود بحسب السياق في الآيات التي قبلها، حيث إنّ الكلام في الآيات التي قبلها موجَّه إلى اليهود من حيث اتّصال الكلام لا من حيث حجية السياق دائماً.

فالآيات التي قبل هذه الآية موجهّة خطابها إلى النبيّ الأعظم صلى الله عليه وآله أن ينظر إلى اليهود، قال تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ... أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ....

من هنا نجد أنَّ بعض المفسّرين فسّر أم هنا بـبل بمعنى: بل اليهود يحسدون الناس على ما آتاهم الله!!

ومن هنا لا بدّ من معرفة هؤلاء الناس، فمَن هم الناس المحسودون؟ قلنا: إنّ الآية موجهة خطابها إلى النبيّ صلى الله عليه وآله بأن ينظر إلى اليهود بأنّهم لماذا يتعجبون من إعطاء النبيّ صلى الله عليه وآله وبني هاشم ذلك المنصب الجليل، وذلك المقام الرفيع، وقد أعطاكم الله سبحانه وتعالى، وأعطى آل إبراهيم عليه السلام الكتاب السماوي والعلم والحكمة والملك العريض، مثل ملك موسى وسليمان وداود، ولكنكم ـ مع الأسف ـ أسأتُم خلافتهم، ففقدتم تلكم النعم المادية والمعنوية القيّمة بسبب فسوقكم وشروركم: آتَيْنَآ آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكًا عَظِيمًا.

والمراد من الناس في قوله: أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ ـ كما أسلفنا ـ هم رسول الله وأهل بيته عليهم السلام؛ لإطلاق لفظة الناس على جماعة من الناس، وأمّا إطلاقها على شخص واحد وهو النبيّ خاصّة، فلا يصح، ما لم تكن هناك قرينة على إرادة الواحد فقط. هذا، مضافاً إلى أن كلمة إبراهيم قرينة أُخرى على أنّ المراد من الناس هو النبيّ صلى الله عليه وآله وأهل بيته عليهم السلام؛ لأنّه يستفاد من قرينة المقابلة أننا إذا أعطينا لبني هاشم مثل هذا المقام ومثل هذه المكانة ـ فلا داعي للعجب ـ فقد أعطينا آل إبراهيم أيضاً تلك المقامات المعنوية والمادية بسبب أهليتهم وقابليتهم[771].

أضف إلى ذلك كلّه ما ورد في الروايات في تفسير هذه الآية من طرق الخاصّة والعامّة[772] أنّ المقصود من الناس هم النبيّ وأهل بيته عليهم السلام.

والمقصود بالملك العظيم الذي أعطاه الله تبارك وتعالى لآل إبراهيم: هو الطاعة لهم ولآل المصطفى عليهم السلام بقرينة المقابلة.

وفي بعض الروايات في قوله تعالى: أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ قال: «نحن الناس والله»[773].

ولكن، هلمَّ معي واُنظر ماذا صنعوا بهم، يا ليتَهم اكتفوا بالحسد بالقلب واللسان، ولكن أبى القوم إلاّ أن يجزِّروهم على رمضاء كربلاء، ومن بعد ذلك سبوا العيال والأطفال، حتّى وصل بهم الأمر إلى سلب النساء.

قالت فاطمة بنت الإمام الحسين عليه السلام: كُنتُ واقفةً بباب الخيمة، وأنا أنظر إلى أبي وأصحابه مجزَّرين كالأضاحي على الرمال، والخيول على أجسادهم تجول، وأنا أُفكّر فيما يقع علينا بعد أبي من بني أُميّة، أيقتلوننا، أو يأسروننا؟! فإذا برجل على ظهر جواده، يسوق النساء بكعب رمحه، وهن يلذن بعضُهنَّ ببعضٍ، وقد أُخذ ما عليهنَّ من أخمرة وأسورة، وهن يصحن: وا جداه وا أبتاه، وا علياه، وا قلّة ناصراه، وا حسيناه، أما من مجير يجيرنا؟ أما من ذائد يذود عنّا؟[774]

نصاري

اشصاير بهلنه أولا لفونه
ننخـه اولاهـم يسمعـونه
 

 

أو بين الأعـادي ضيعـونه
اويدرون بينه راح أخونه
 

 

***

يسلبها العـدواويشتم وليهـا
تهبـّط راسها اوتشـگف بديـهـا
 

 

اوجايـر بالضرب ويـلي عليهـا
أودمعها إيسيل عالوجنات محمر
 

 

نعي مجاريد

أنه شايطـه ونـده إبصوتي
يا ريت گبـل احسيـن مـوتـي
 

 

يسمعوني اويغضون إخوتي
ولا أشوف العده تنهب إبيوتي
 

 

 

أبوذية

لا ترفع الشيعة بـعد هامات
هـا حيٍّ تصيح احسـيـن ها مات
 

 

اوبنات أهل الوحي امن الخيم هامات
لون بيه روح محّـد وصـل ليَّه
 

 

***

أخي كيف أمشي في البوادي مضامةً

 

وأنت بأسياف الأعادي موزَّعُ
 

 

***

إنّا لله وإنّا إليه راجعون، ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله العليّ العظيم،

وسيعلم الذين ظلموا آل مُحَمّد أيَّ مُنقلبٍ ينقلبون

والعاقبة للمتّقين.

 

المحاضرة الثلاثون: معجزات الإمام الحسين عليه السلام

إمامٌ بكتْهُ الإنسُ والجنُّ والسّما
 

 

ووحشُ الفلا والطَّيرُ والبرُّ والبَحرُ
 

وفيهِ رسولُ اللهِ قَالَ وقولُهُ
 

 

صَحيحٌ صريحٌ ليس في ذلِكُمْ نُكرُ
 

حُبي بثلاثٍ ما أحاطَ بمِثلها
 

 

وليٌّ فَمَن زيدٌ هُناكَ ومَن عَمرو
 

له تربُةٌ فيها الشفاءُ وقبّةُ
 

 

يُجابُ بها الدّاعي إذا مسّهُ الضّرُّ
 

وذُريّةٌ دُريّة مِنهُ تسعةٌ
 

 

أئمّةُ حقٍّ لا ثمانٍ ولا عَشرُ
 

هُمُ النورُ نورُ الله جلَّ جلالُه
 

 

هُم التينُ والزيتونُ والشَّفع والوَترُ
 

ولولاهُمُ لَم يخلُقِ اللهُ آدماً
 

 

ولا كانَ زيدٌ في الوجودِ ولا عَمرو
 

أيُقتلُ ضَمآناً حسينٌ بكربلا
 

 

وفي كُلِّ عُضو من أنامِله بحرُ
 

ووالدُه الساقي على الحوضِ في غدٍ
 

 

وفاطمةٌ ماءُ الفُراتِ لها مَهرُ
 

يَعزُّ علَيها أن تراهُ على الثّرى
 

 

ذَبيحاً بِلا دفنٍ يُكفّنهُ العفَر[775]
 

 

ولسان حال الزهراء عليها السلام لمّا نظرت إلى ولدها كما يصف الشاعر:

فايزي

شلتك إبطني ستة أشهر يا جنيني

 

وسهرت ليلي اووسديتك عن يميني

تاليها مرمي عله الثرى تنظرك عيني

 

عگب الدلال على التريبه إتنام يحسين

يحسين يبني مصرعك گطّع گليبي

 

ياريت دونك يذبحوني يا حبيبي

أبروحي فديتك وشربت صافي حليبي

 

اوبرباك يوليدي إسهرت يا گرّة العين

 

 

أبوذية

الحـرايـر من لهيـب النـار هـاجـن
 

 

ولعد جسمك يبو السجاد هاجن
 

يگللك علينه الليل هاجن
 

 

وانته إموسـد الغبره رميه
 

 

 

وكأنّي بحرائر الرسالة:

يفترن خوات إحسين من خيمـة لعـد خيمـه

 

 

ينخن وين راحوا وين ما كو بالكفـر شيمـه

كل خيمه تشب ابنار ردن ضـربن الهيمـه

 

 

والسجـاد إجـو سحبـوه اودمعه على الوجن ساله
 

     
 

***

روى محمّد بن مسلم، عن الإمامين الباقر والصّادق عليهما السلام، قال: سمعتهما يقولان: «إنَّ اللهَ تعالى عوّضَ الحُسينَ عليه السلام مِن قَتْلِه: أنْ جعلَ الإمامة في ذُرّيتهِ، والشفاءَ في تُربته، وإجابةَ الدُعاءِ عند قبرهِ، ولا تُعدُّ أيامُ زائرهِ جائياً وراجعاً من عمره».

قال محمّد بن مسلم: فقلت لأبي عبد الله عليه السلام: هذه الخلال تُنالُ بالحسين، فما له هو في نفسه؟

قال: «إن الله تعالى ألحقه بالنبي صلى الله عليه وآله فكان معه في درجته ومنزلته»، ثُمَّ تلا أبو عبد الله عليه السلام: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ [776].

الإمام الحسين عليه السلام مُدهشٌ للعقولِ، محيّرٌ للألباب؛ لكثرة ما صدر منه من معجزات ظاهرات، وكرامات باهرات، من حين الحمل به والولادة وحتّى الشهادة وما بعدها.

روى الأوزاعي عن عبد الله بن شداد عن أُمّ الفضل: «أنّها دخلت على رسول الله صلى الله عليه وآله فقالت: يا رسول الله، رأيتُ الليلة حُلماً منكراً.

قال: وما رأيت؟ فقالت: إنّه شديدٌ، قال: وما هو؟

قالتْ: رأيتُ كأنَّ قطعةً من جسدك قُطعت، ووضعت في حجري.

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: خيراً رأيتِ، تلد فاطمة غلاماً فيكون في حجرك، فولدتْ الحُسين عليه السلام، وكان في حجري كما قال صلوات الله عليه وآله.

 قالت: دخلت به يوماً على النبي صلى الله عليه وآله فوضعته في حجره، ثُمَّ حانت مني إلتفاتة فإذا عينا رسول الله صلى الله عليه وآله تهرقان بالدموع، فقلت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، ما لَكَ؟

قال: أتاني جبرئيل، فأخبرني: أنَّ أُمتي ستقتلُ ابني هذا، وأتاني بتربةٍ من تربة حمراء»[777].

وعن أُمّ سلمة رضي الله عنها قالت: «إنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله خرج من عندنا ذات ليلة، فغاب عنّا طويلاً، ثُمَّ جاءنا وهو أشعث أغبر ويده مضمومة، فقلت له: يا رسول الله، ما لي أراك شعثاً مغبرّاً؟

فقال: أُسِري بي في هذه الليلة إلى موضع من العراق يُقال له: كربلاء، فأُريتُ فيه مصرع الحسين ابني وجماعة من ولدي وأهل بيتي، فلم أزل ألقط من دمائهم، فها هي في يدي. وبسطها، فقال: خذيه واحتفظي به.

فأخذته فإذا هو شبه تُراب أحمر، فوضعته في قارورة وشددتُ رأسَها واحتفظت بها، فلمّا خرج الحُسين عليه السلام متوجّهاً نحو العراق، كنت أخرج تلك القارورة في كلّ يوم وليلة، فأشمها وأنظر إليها. ثُمَّ أبكي لمصابه، فلمّا كان يوم العاشر من المحرّم ـ وهو اليوم الذي قُتل فيه ـ أخرجتها أول النهار وهي بحالها، ثُمَّ عدت إليها آخر النهار فإذا هي دم عبيط، فصحت في بيتي، وكظمت غيظي مخافة أن يسمع أعداؤهم بالمدينة فيسرعوا بالشماتة، فلم أزل حافظة للوقت واليوم حتّى جاء الناعي ينعاه، فحقق ما رأيت»[778].

وأمّا معجزاته في يوم عاشوراء، فهي عديدة نذكر بعضاً منها:

فمنها: دعاؤه عليه السلام على عدو الله حويزة الذي قال للإمام عليه السلام: تعجّلت بالنار قبل يوم القيامة، فقال عليه السلام: اللَّهُمَ حُزهُ إلى النار. فوقع في النار[779].

ودعا عليه السلام على ذاك الذي قال: يا حسين، لن تذوق الماء حتّى ترد الحامية فتشرب من حميمها، فقال عليه السلام: اللَّهُمَ اقتله عطشاً، فما زال يشرب حتّى فتقت بطنه[780].

ودعا عليه السلام على ذاك الذي اعترضه في خطابه، فقال عليه السلام: «اللَّهُمَ أرنا فيه ذلاً بارزاً. فمضى لقضاء حاجته، فلسعته عقرب فسقط، وهو يستغيث ويتقلّب على حدثه»[781].

وغيرها من المعجزات الباهرة والكرامات التي حيّرت العقول، وأذهلت البشر، وكيف لا وهو ابن رسول الله صلى الله عليه وآله؟!

ويكفيه فخراً صلوات الله عليه ما ذكرناه في الحديث الذّي افتتحنا به المحاضرة أن جعل الله الشفاء في تربته؛ لكثير من الأمراض المستعصية وغيرها. حتّى روي عن العلامة السيد نعمة الله الجزائري: أنّه كان يُطالع على ضوء القمر؛ لأنّه كان لا يمتلك ثمن زيتٍ للسراج لشدّة فقره، فكان يضعف بصره، فيكتحل بتربة سيد الشهداء عليه السلام فيتضاعف بصره أضعافاً مضاعفةً.

ومن هنا ينبغي الالتفات جيداً إلى الاهتمام بتربة الأئمّة، وبالخصوص تربة سيد الشهداء عليه السلام، فقد ظهرت من التربة الشريفة كرامات مشاهدة.

قال العلامة المجلسي رحمه الله في البحار: «روى شيخنا الطوسي رحمه الله عن موسى بن عبد العزيز، قال: لقيني يوحنّا بن سراقيون النصراني الطبيب فاستوقفني، وقال لي: بحقّ نبيك ودينك، مَنْ هذا الذي يزور قبره قوم منكم بناحية قصر بن هبيرة؟ مَن هو من أصحاب نبيكم؟ قلت: هو ابن بنت نبيِّنا، فما دعاك إلى المسألة عنه؟

فقال: عندي حديث طريف.

 قلت: حدِّثني به، فقال: وجّه إليَّ خادم الرشيد شابور الكبير في الليل فصرت إليه، فقال: تعالَ معي، فمضى وأنا معه حتّى دخلنا على موسى بن عيسى الهاشمي، فوجدناه زائل العقل متكئاً على وسادة، وإذا بين يديه طشت فيها حشو جوفه، فأقبل شابور على خادم موسى، وسأله عن سبب تغيّر حاله وقال له: ويحك، فأخبره فقال لـه: أخبرك أنّه كان من ساعته جالساً، وحوله ندماؤه، وهو من أصح الناس جسماً، وأطيبهم نفساً، إذ جرى ذكر الحسين بن علي عليه السلام، فقال موسى: إنَّ الرافضة ليغلون فيه حتّى أنّهم يجعلون تربته دواءً يتداوون به.

فقال لهم رجل من بني هاشم كان حاضراً: قد كانت بي علَّة غليظة، فتعالجت لها بكلّ علاج، فما نفعني حتّى وصف لي كاتب أن آخذ من هذه التربة فأخذتها، فنفعني الله بها، وزال ما كنت أجده، فسأله موسى: هل بقي منها عندك شيء؟ قال: نعم. فوجّه فجيء منها بقطعة، فناولها إياه فأخذها موسى، وأدخلها في دبره استهزاءً بمَن تداوى بها، واحتقاراً وتصغيراً بالحسين عليه السلام، فما هو إلاّ أن استغلها دبره حتّى صاح النار النار، الطشت فجئناه بالطشت فأخرج فيها ما ترى فانصرف الندماء، فصار المجلس مأتماً.

فأقبل عليَّ شابور وقال: انظر هل لك فيه حيلة؟ فدعوت بشمعة، فنظرت فإذا كبده وطحاله وريته وفؤاده خرجت منه في الطشت، فقلت: ما لأحدٍ في هذا صنع إلاّ أن يكون لعيسى بن مريم الذي يحيي الموتى.

فقال شابور: صدقت، ولكن كن ها هنا في الدار حتّى تتبيَّنَ ما يكون أمره، فبتُّ عندهم وهو بتلك الحالة ما رفع رأسه حتّى هلك في وقت السحر، قال الراوي: كان يوحنّا يزور قبر الحسين عليه السلام وهو على دينه، ثُمَّ أسلم بعد هذا وحسن إسلامه»[782].

ومن كراماته ومعجزاته الباهرة عليه السلام إجابة الدعاء عند قبره، حتّى أنَّ المعصوم نفسه يرسل أصحابه ليدعوا له عند قبره عليه السلام.

قال أبو هاشم الجعفري صاحب الإمام الهادي عليه السلام: دخلت على أبي الحسن الهادي وهو محموم عليل، فقال: يا أبا هاشم، ابعث رجلاً من موالينا إلى الحائر يدعو الله لي. فخرجت من عنده، فاستقبلني علي بن بلال فأعلمته ما قال الإمام عليه السلام، وسألته أن يكون هو الرجل الذي يخرج، فقال: السمع والطاعة، ولكننّي أقول: إنّه أفضل من الحائر إذا كان بمنزلة مَن في الحائر، ودعاؤه لنفسه أفضل من دعائي له في الحائر.

فأعلمته ما قال، فقال لي:قل لـه: كان رسول الله صلى الله عليه وآله أفضل من البيت والحجر، وكان يطوف بالبيت ويستلم الحجر، وإنّ لله تبارك وتعالى بقاعاً يُحِبُّ أن يُدعى فيها فيجيب لمَن دعاه، والحائر منها[783].

ونفس زيارة الحسين معجزة بحدِّ ذاتها وخاصّةً زيارة عاشوراء، فإنَّ لها أثراً عجيباً في حل المشكلات ودفع البليات.

يُذكر أنّه أصيبت مدينة سامراء بالطاعون، فكان يتساقط عشرات الموتى في كلّ يوم، يقول الشيخ عبد الكريم الحائري: إنّي كنت عند أُستاذي محمّد فشاركي، فقَدِمَ الميرزا محمّد تقي الشيرازي، وقال: إذا حكمت بحكم تلتزمون به؟

فأجابوا: نعم، فقال: أحكم أن يقرأ الشيعة من اليوم وحتّى عشرة أيام زيارة عاشوراء، ويهدون ثوابها إلى نرجس والدة الإمام الحجّة عجل الله فرجه الشريف.

 قام الشيعة بتنفيذ الحكم وبدأوا بزيارة عاشوراء فارتفع الوباء ولم يسقط شيعي واحد بعد ذلك.

فزيارته لا تعدّ من العمر، بل أكثر من ذلك، زيارته تهب العمر، ولا يستطيع إنسان أن يحصي معاجزه صلوات الله عليه.

ومن أجل ذلك بقي مأتم سيد الشهداء، وشاء الله أن يبقى مجلسه عليه السلام خالداً، وينتشر يوماً بعد يوم بشكلٍ أوسع، رغم منع المانعين، وحقد الحاقدين؛ لأنَّ الحسين عليه السلام نور الله، ونور الله لا يُطفأ، ولأنَّ الحسين عليه السلام كلمة الله، وكلمة الله هي العليا، ولأنَّ الحسين عليه السلام يدُ الله، ويدُ الله فوق أيديهم، ولأنَّ الحسين عليه السلام، ذكر الله، وذكر الله باقٍ ِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ[784]، وهذا ما أكَّدته العقيلة زينب عليها السلام في مجلس يزيد لعنه الله حيث قالت: «كِد كيدك، واسعى سعيك، وناصب جهدك، فوالله، لا تميت وحينا ولا تمحو ذكرنا»[785].

هذه المآتم التي كانت وما زالت، لم ولن تنطفىء منذ أن انعقد أول مجلس على سيد الشهداء عليه السلام إلى يومنا هذا، وأوّل مأتم أُقيم على الحسين عليه السلام بعد شهادته ـ روحي فداه ـ كان لجموع الأنبياء والأولياء عليهم السلام بحضور النبيّ الأعظم عليه السلام وأهل بيته عليهم السلام،كما ذكر ذلك الجمّال لعنه الله الذي جاء لسلب أبي عبد الله عليه السلام، يقول: بينا أنا كذلك، وإذا سحابتان نزلتا على مصرع أبي عبد الله عليه السلام.

السحابة الأُولى: مجموعة رجال يقدمهم شخص أزهري قمري، أشبه الناس برسول الله صلى الله عليه وآله.

والسحابة الثانية: مجموعة نساء تقدمهن امرأة عليها ثياب السواد تقوم وتقع، وهي تنادي: أي وا ولداه، وا حسيناه، بُني حسين قتلوك، ومن شرب الماء منعوك، وما عرفوا مَن أمُّك ومَن أبوك.

أقبلت إلى مصرع ولدها الحسين عليه السلام، عزّ عليها أن تراه مقطّع الأعضاء، الدماء تسيل من نحره الشريف، وقعت عليه تضمُّه تشمُّه تُقبّله، قالت: أبه يا رسول الله، دعني اُخضّب وجهي بدم ولدي، فقال لها: بُنية، اخضبي ونحن نخضب، فالسيدة الزهراء عليها السلام أقامت المأتم على عزيزها الحسين عليه السلام، ولكن مَن الذي قرأ التعزية في ذلك المجلس.

أقول: التي قرأت التعزية ابنتُها العقيلةُ زينب عليها السلام، يقول بعض العلماء: لمّا خرجت زينب عليها السلام من الخيمة يوم عاشوراء، تمثّل لها رسول الله صلى الله عليه وآله واقفاً على مصرع أبي عبد الله، قابضاً على كريمته المباركة، ودموعه تتحادر على لحيته، ولذا وجّهت الخطاب مباشرةً إلى جدِّها: يا جدّاه يا رسول الله، صلّى عليك ملائكة السماء، هذا حسينك بالعراء، محزوز الرأس من القفا، مسلوب العمامة والرداء، مرفوع الرأس على القنا، وبناتك سبايا، وإلى الله المشتكى، ثُمَّ إليك يا رسول الله[786].

 

يهلنا احسينكم رضوا اضلوعه

 

 

وضاﮒ الموت روعه بعد روعـه

يجدي گوم شوف احسين مذبـوح

 

 

عله الشاطي وعله التربان مطروح

يجدي ما بگتله امن الطعن روح

 

 

يجدي گلب أخوي احسين فطّـر

يجدي مات محد وگف دونه

 

 

ولا نغّار غمضلـه اعيونـه

يعالج بالشمس منخطف لونه

 

 

ولا واحد ابحلگه ماي گطـر

يجدي مات محّد مـدّد إيديـه

 

 

ولا واحد يجدي عدل رجليه

يعالج بالشمس محد وصل ليه

 

 

يحطله إظلال ياجدي مِن الحرّ

يجدي الرمح بفّاده تثنّه

 

 

يجدي بالوجه للسيف رنّه

يجدي الخيل صدره رضرضنه

 

 

ويجـدي بالترب شيبـه تعفّـر

     
 

ثمَّ وجهّت التعزية إلى أبيها أمير المؤمنين عليه السلام:

تعالوا لبنكم غسلوه

 

والچفـن وياكـم دجيبـوه

وجيبوا گطن للجرح نشفـوه

 

وعله إجتافكم لحسين شيلوه

يبويه گوم شوف إعزيزك احسين

 

عله التربـان مـحـزوز الوريـدين

وعبـاس النفل مگطـوع اليدين

 

وباگي أقمارنه فوگ الوطيّة

يبويه گوم شوف اشلون ولياي

 

كلها امذبّحه وما ضاگت الماي

يبويه لوتشوف اشماته اعداي

 

وتشـوف ابناتك مسلّبه بهلبر

يبويـه شـلسبب ما جـيـت للـساع

 

تشوف إعزيزكم عاري عله الگاع

أريـدنك تـجـي لحسـيـن فزّاع

 

ونشوف أغبار ميمونك امن ايثور

***

يا ليتَ في الأحياءِ شخصَك حاضرٌ
 

 

وحسينُ مطروحٌ بعرصةِ كربلا
 

 

***

إنّا لله وإنّا إليه راجعون، ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله العليّ العظيم،

وسيعلم الذين ظلموا آل مُحَمّد أيَّ مُنقلبٍ ينقلبون

والعاقبة للمتّقين.

 

فهرست أهم المصادر

القرآن الكريم

ـ حرف الألف ـ

  1. إبتلاءات الأُمم: سعيد أيوب، معاصر، الطبعة الأُولى 1416 هـ ـ 1995م، منشورات دار الهادي للطباعة والنشر والتوزيع ـ بيروت ـ لبنان.
  2. الاحتجاج: أبو منصور، أحمد بن علي بن أبي طالب الطبرسي،ت548 هـ، تعليقات وملاحظات السيد محمد باقر الخرسان، منشورات مطابع النعمان النجف الأشرف 1386 هـ ـ 1966م.
  3. الإختصاص: الشيخ المفيد، محمد بن النعمان البغدادي ت 413 هـ تحقيق: عليّ أكبر الغفاري، انتشارات جماعة المدرّسين في الحوزة العلمية في قم المقدّسة.
  4. الأخلاق والآداب الإسلامية: هيئة محمد الأمين، مطبعة سيد الشهداء، الطبعة الثانية، قم المقدسة، 1421هـ.
  5. أدب الطَّف: السيد جواد شبّر، الطبعة الأولى 1398هـ 1978م، دار المرتضى، بيروت ـ لبنان.
  6. الأربعون حديثاً: السيد روح الله الموسوي الخميني رحمه الله ت1409هـ، ترجمة: السيد محمد الغروي، مؤسسة دار الكتاب الإسلامي ـ قم المقدسة.
  7. الإرشاد: الشيخ المفيد محمد بن النعمان البغدادي ت 413 هـ، تحقيق ونشر: مؤسسة آل البيت عليهم السلام، قم المقدسة، الطبعة الأُولى 1417 هـ.
  8. أسباب النزول الواحدي: أبو الحسن علي بن أحمد الواحدي النيسابوري، ت 468 هـ، مؤسسة الحلبي للنشر والتوزيع ـ القاهرة.
  9. أضواء البيان: الشنقيطي ت1393هـ، تحقيق: مكتب البحوث والدراسات، منشورات دار الفكر للطباعة والنشر 1415 هـ ـ 1995 م، بيروت ـ لبنان.
  10. إعانة الطالبين: السيد الكبري الدمياطي ت1310هـ، دار الفكر ـ بيروت، الطبعة الأُولى 1418هـ.
  11. الأعلام: خير الدين الزركلي ت 1410هـ، دار العلم للملايين ـ بيروت ـ لبنان، الطبعة الخامسة 1980م.
  12. إعلام الورى: الشيخ الفاضل الفضل بن الحسن الطبرسي ت458هـ، طبع ونشر وتحقيق: مؤسسة آل البيت عليهم السلام، الطبعة الأُولى 1417هـ.
  13. إقبال الأعمال: السيد ابن طاووس ت 664 هـ تحقيق محمّد جواد القيومي، الطبعة الأُولى 1414 هـ، منشورات مكتب الإعلام الإسلامي
  14. الأقسام في القرآن الكريم: الشيخ جعفر السبحاني، معاصر، الطبعة الأولى 1420هـ، منشورات مؤسسة الإمام الصَّادق عليه السلام، قم المقدّسة.
  15. الإلهيات: الشيخ جعفر السبحاني، تلخيص: علي الرباني الكلبايكاني، مؤسسة الإمام الصّادق عليه السلام، قم المقدّسة، طبعة عام 1418هـ.
  16. الأمالي: شيخ الطائفة محمد بن الحسن الطوسي ت460هـ، تحقيق: قسم الدراسات الإسلامية، مؤسسة البعثة، قم، نشر: دار الثقافة، الطبعة الأُولى1414هـ.
  17. أمالي السيد المرتضى: الشريف أبو القاسم علي بن الطاهر أبي أحمد الحسين ت 436 هـ، صححه وضبط ألفاظه وعلّق حواشيه: السيد محمد بدر الدين النعساني الحلبي، الطبعة الأُولى1325 ه‍ـ ـ 1907م، منشورات مكتبة آية الله العظمى المرعشي النجفي قم ـ إيران 1403 ه‍.
  18. الأمالي، الشيخ الصدوق ت381هـ، تحقيق: مؤسسة البعثة ـ قم المقدّسة، الطبعة الأَولى 1417هـ.
  19. الإمامة تلك الحقيقة القرآنية: الدكتور زهير بيطار، معاصر، منشورات دار السيرة بيروت ـ لبنان 1422 ه‍. ـ 2001 م.
  20. الإنصاف فيما تضمّنه الكشاف: ابن المنير الاسكندري ت 683 هـ، منشورات مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر.
  21. آيات منتخبة من القرآن الكريم: السيد مهدي الخطيب الهنداوي ت1427هـ، مطبعة ستارة ـ قم المقدّسة، الناشر المؤلف رحمه الله.

ـ حرف الباء ـ

  1. الباب الحاي عشر: العلامة الحلي الحسن بن يوسف بن المطهّر ت726هـ، انتشارات المصطفوي ـ قم المقدّسة.
  2. بحار الأنوار: العلاّمة محمد باقر المجلسي ت1111هـ، مطبعة مؤسسة الوفاء ـ بيروت، الطبعة الثانية 1403هـ.

ـ حرف التاء ـ

  1. تأويل الآيات: السيد شرف الدين علي الحسيني الاسترآبادي النجفي ت965 هـ، تحقيق ونشر: مدرسة الإمام المهدي عجل الله فرجه الشريف بالحوزة العلمية ـ قم المقدّسة، الطبعة الأُولى 1407 ه‍ ـ 1366 ه‍ ش.
  2. تاج العروس: محمد مرتضى الزبيدي ت 1205 هـ، الناشر مكتبة الحياة، بيروت ـ لبنان.
  3. تاريخ الطبري: محمد بن جرير الطبري ت310هـ، تحقيق: نخبة من العلماء، انتشارات مؤسسة الأعلمي، بيروت ـ لبنان، بدون تاريخ.
  4. تبصرة المتعلّمين: جمال الدين الحسن بن يوسف المطهر، المعروف بالعلاّمة الحلي ت 726 هـ، تحقيق: السيد أحمد الحسيني والشيخ هادي اليوسفي، الطبعة الأولى 1368 ش، منشورات فقيه، طهران ـ إيران.
  5. التبيان: الشيخ الطوسي، أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي، ت 460 هـ تحقيق: أحمد حبيب قصير العاملي، الطبعة الأُولى 1409 هـ، مكتب الإعلام الإسلامي.
  6. تحف العقول: ابن شعبة الحرّاني ت القرن الرابع الهجري، تحقيق: علي أكبر الغفاري، نشر جماعة المدرّسين بقم المقدّسة،الطبعة الثانية 1404هـ.
  7. التحفة السنية مخطوط: السيد عبد الله الجزائري ت1180 هـ.
  8. تفسير ابن أبي حاتم: ابن أبي حاتم الرازي ت 327 هـ تحقيق: أسعد محمد الطيب، منشورات المكتبة العصرية.
  9. تفسير ابن العربي: ابن العربي، ت638 هـ، ضبطه وصححه وقدّم له: الشيخ عبد الوارث محمد علي، الطبعة الأُولى 1422 هـ، منشورات دار الكتب العلمية.
  10. تفسير ابن زمنين: أبو عبد الله، محمد بن عبد الله بن أبي زمنين، ت 399هـ، تحقيق: حسين عكاشة ـ محمد الكنز، الطبعة الأُولى 1423 هـ ـ 2002م، منشورات الفاروق الحديثة.
  11. تفسير ابن كثير: الحافظ عماد الدين، أبو الفداء إسماعيل بن كثير القرشي الدمشقي ت 774 هـ، قدَّم له: الدكتور يوسف عبد الرحمن المرعشلي، دار المعرفة، بيروت ـ لبنان 1412 هـ ـ 1992 م ‍.
  12. تفسير أبي السعود: أبو السعود، ت 951 هـ، طباعة ونشر: دار إحياء التراث العربي، بيروت ـ لبنان.
  13. التفسير الأصفى: المولى محمد محسن الفيض الكاشاني ت 1091 هـ، تحقيق: مركز الأبحاث والدراسات الإسلامية، المحققان: محمد حسين درايتي ومحمد رضا نعمتي، الطبعة الأُولى 1418 هـ ق، 1376 ش، منشورات مركز النشر التابع لمكتب الإعلام الإسلامي.
  14. تفسير الآلوسي: الآلوسي ت 1270هـ، مجهولة.
  15. تفسير الأمثل: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي، مطبعة أمير المؤمنين عليه السلام، قم المقدّسة، الطبعة الأُولى 1421هـ.
  16. تفسير البحر المحيط: أبو حيّان الأندلسي ت 745 هـ، تحقيق: مجموعة من المحقّقين، الطبعة الأُولى 1422 هـ ـ 2001م، منشورات دار الكتب العلمية، بيروت ـ لبنان.
  17. تفسير البرهان: السيد هاشم البحراني، تحقيق وتعليق: لجنة من العلماء والمحققين، نشر مؤسسة الأعلمي ـ بيروت، الطبعة الأُولى 1419هـ.
  18. تفسير البغوي: البغوي ت510 هـ، تحقيق خالد عبد الرحمن العك، مطبعة ونشر دار المعرفة، بيروت ـ لبنان.
  19. تفسير الثعلبي: الثعلبي ت 427 هـ تحقيق: الإمام أبي محمد بن عاشور، مراجعة وتدقيق الأستاذ نظير الساعدي، الطبعة الأُولى 1422 هـ ـ 2002 م، دار إحياء التراث العربي، بيروت ـ لبنان.
  20. تفسير السلمي: السلمي، ت 412هـ، تحقيق: سيد عمران، الطبعة الأُولى 1421 هـ ـ 2001 ، منشورات دار الكتب العلمية، بيروت ـ لبنان.
  21. تفسير السمرقندي: أبو الليث السمرقندي، ت383 هـ تحقيق: الدكتور محمود مطرجي، منشورات دار الفكر.
  22. تفسير السمعاني: السمعاني، ت 489 هـ، تحقيق: ياسر بن إبراهيم وغنيم بن عباس بن غنيم، الطبعة الأُولى 1418 ـ 1997، منشورات دارالوطن، الرياض ـ السعودية.
  23. التفسير الصافي: محسن الفيض الكاشاني، ت 1091 هـ تحقيق: الشيخ حسين الأعلمي الطبعة الثالثة 1416 هـ، مطبعة مؤسسة الهادي، قم المقدّسة، منشورات مكتبه الصدر، طهران ـ إيران.
  24. تفسير العيّاشي: أبو النضر، محمّد بن مسعود بن عيّاش السّلمي، السمرقندي ت 320 هـ تحقيق: الحاج هاشم الرسولي المحلاتي، المكتبة العلمية الإسلامية طهران.
  25. تفسير القرطبي: أبو عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي ت 671 هـ تحقيق: أحمد بن العليم البردوني، منشورات دار إحياء التُّراث العربي، بيروت ـ لبنان.
  26. تفسير القمي: علي بن إبراهيم القمّي، ت 329 هـ تصحيح وتعليق وتقديم: السيد طيّب الموسوي الجزائري، مطبعة النجف الأشرف 1387 هـ، منشورات مكتبه الهدى.
  27. تفسير النسفي: النسفي ت 537 هـ، مجهولة.
  28. تفسير جامع البيان: ابن جرير الطبري، ت310 هـ، تحقيق وتقديم: الشيخ خليل الميس، ضبط وتوثيق وتخريج: صدقي جميل العطّار، منشورات دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت.
  29. تفسير مجمع البيان: أمين الإسلام الطبرسي ت 560 هـ تحقيق لجنة، الطبعة الأُولى 1415 هـ، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت ـ لبنان.
  30. تفسير مفاتيح الغيب التفسير الكبير: الفخر الرازي ت606هـ، الطبعة الثالثة بدون تاريخ.
  31. تفسير مقاتل: مقاتل بن سليمان، ت 150 هـ،تحقيق: أحمد فريد، الطبعة الأُولى 1424 هـ ـ 2003م، منشورات دار الكتب العلمية، بيروت ـ لبنان.
  32. تفسير نور الثقلين: الشيخ عبد علي العروسي الحويزي ت 1112 هـ تحقيق السيد هاشم الرسولي المحلاتي، الطبعة الرابعة 1412 هـ مؤسسة إسماعيليان، قم المقدّسة.
  33. تنبيه الخواطر ونزهة النواظر مجموعة ورّام: الأمير الزاهد أبو الحسن ورّام بن أبي الفراس الأشتري ت605هـ، مكتبة الفقيه، قم ـ إيران.
  34. تنزيه الأنبياء: السيد المرتضى علم الهدى ت 436 هـ، الطبعة الثانية 1409 هـ ـ 1989م، منشورات دار الأضواء، بيروت ـ لبنان.
  35. توحيد الإمامية: محمد باقر الملكي، معاصر، تنظيم: محمد البياباني الأسكوئي، اهتمام على الملكي الميانجي، الطبعة الأُولى 1415 ه‍، منشورات وزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي ـ مؤسسة الطباعة والنشر.
  36. التوحيد الشيخ الصدوق رحمه الله: الشيخ الصدوق، محمد بن علي بن بابويه القمي 381 هـ، تحقيق: السيد هاشم الحسيني الطهراني، سنة الطبع 1387 هـ من منشورات جماعة المدرسين، قم المقدّسة.

ـ حرف الثاء ـ

  1. الثاقب في المناقب: عماد الدين أبو جعفر محمد بن علي الطوسي، المعروف بابن حمزة، ت 560 هـ تحقيق: نبيل رضا علوان، الطبعة الثانية 1412هـ، منشورات مؤسسة أنصاريان، قم المقدّسة.
  2. ثمرات الأعواد: السيد علي الحسيني الهاشمي النجفي، انتشارات المكتبة الحيدرية ـ النجف الأشرف، الطبعة الأُولى 1420هـ.

ـ حرف الجيم ـ

  1. جامع السعادات: محمد مهدي النراقي، ت 1209 هـ تحقيق وتعليق: السيّد محمد كلانتر، تقديم: الشيخ محّمد رضا المظفّر، الطبعة الرابعة، مطبعة النعمان، النجف الأشرف.
  2. جامع الشتات: محمد إسماعيل بن الحسين المازندراني الخواجوئي، ت 1173 ه‍ ، تحقيق: السيد مهدي الرجائي، الطبعة الأُولى 1418 هـ، منشورات سلسلة آثار المحقق الخواجوئي.
  3. الجامع الصغير: جلال الدين السيوطي ت 911 هـ الطبعة الأُولى 1401 هـ ـ 1981 م، منشورات دار الفكر، بيروت ـ لبنان.
  4. جوامع الجامع: الفضل بن الحسن الطبرسي ت 548هـ، تحقيق ونشر: مؤسسة النشر الاسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرّفة، الطبعة الأُولى 1418 ه‍.
  5. جواهر الكلام: الشيخ محمد حسن النجفي ت 1266هـ، تحقيق وتعليق: الشيخ عباس القوچاني، الطبعة الثانية 1365 ش، منشورات دار الكتب الإسلامية ـ طهران.
  6. جواهر المطالب:، محمد بن أحمد الدمشقي الشافعي ت 871 هـ تحقيق: الشيخ محمد باقر المحمودي، الطبعة الأُولى 1415 هـ، منشورات مجمع إحياء الثقافة الإسلامية، قم المقدّسة.

ـ حرف الحاء ـ

  1. حاشية رد المختار: ابن عابدين ت 1252، تحقيق: مكتب البحوث والدراسات، سنة الطبع: 1415هـ ـ 1995م منشورات دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت ـ لبنان.
  2. حاشية رفيع الدين النائيني على أصول الكافي: رفيع الدين محمد بن حيدر النائيني ت 1082 هـ تحقيق: محمد حسين الدرايتي، الطبعة الأُولى 1424 هـ ـ 1382 هـ ش، منشورات دار الحديث للطباعة والنشر.
  3. الحدائق الناضرة: الشيخ يوسف البحراني ت 1186 هـ، منشورات مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرّسين، قم المقدّسة
  4. الحديقة الهلالية: محمد بن الحسين العاملي المعروف بالشيخ البهائي، ت 1030 ه‍، تحقيق: السيد علي الخراساني، الطبعة الأُولى 1410 هـ، منشورات مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم المشرّفة.
  5. حياة الحيوان الكبرى: كمال الدين، محمد بن موسى الدميري، ت 1405 م الطبعة الأُولى 2007م، منشورات دار ومكتبة الهلال، بيروت ـ لبنان.

ـ حرف الخاء ـ

  1. الخرائج والجرائح: قُطب الدين الراوندي، ت 573 هـ تحقيق ونشر: مؤسسة الإمام المهدي عجل الله فرجه الشريف، قم المقدّسة.
  2. خصائص الأئمّة: الشريف الرضي ت406هـ، تحقيق: د. محمد هادي الأميني، نشر: مجمع البحوث الإسلامية في الإستانة الرضوية المقدسة ـ مشهد المقدسة، طبعة عام 1406هـ.
  3. الخصال: الشيخ الصدوق ت381هـ، تحقيق: علي أكبر الغفاري، نشر: جماعة المدرسين ـ قم المقدّسة، بدون تاريخ.

ـ حرف الدال ـ

  1. الدّر المنثور في التفسير بالمأثور: جلال الدين السيوطي ت911هـ، دار المعرفة، الطبعة الأُولى 1365هـ.
  2. الدعوات: أبو الحسين، سعيد بن هبة الله المشهور بـ قطب الدين الراوندي ت 573 هـ، الطبعة الأُولى 1407 هـ، منشورات مدرسة الإمام المهدي عجل الله فرجه الشريف ـ قم المقدّسة.
  3. ديوان دعبل الخزاعي: دعبل بن عليّ الخزاعي ت 246 هـ الطبعة الأُولى، 1417 هـ ـ 1997 م، مؤسسة الأعلمي، بيروت ـ لبنان.
  4. ديوان ميراث المنبر: الشيخ محمد سعيد المنصوري ت 1428هـ، طبع ونشر: دار المنصوري، الطبعة الأُولى 1423هـ.

ـ حرف الذال ـ

  1. الذريعة: الشيخ آقا بزرگ الطهراني ت 1389 هـ، الطبعة الثالثة 1403 ه‍ ـ 1983 م، منشورات دار الأضواء بيروت ـ لبنان.

ـ حرف الراء ـ

  1. روضة الواعظين: محمد بن الفتّال النيسابوري ت508هـ، تحقيق: السيد محمد مهدي الخرسان، منشورات الشريف الرضي ـ قم.
  2. رياض المدح والرثاء: الشيخ حسين علي سلمان البلادي البحراني، انتشارات المكتبة الحيدرية، النجف الأشرف، الطبعة الرابعة 1426هـ.

ـ حرف الزاء ـ

  1. زاد المسير: ابن الجوزي، ت597 هـ، تحقيق محمد بن عبد الرحمن عبد الله، الطبعة الأُولى 1407 هـ، منشورات دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع.
  2. زبدة البيان: أحمد بن محمد، الشهير بالمقدّس الأردبيلي، ت 993 هـ، حققه وعلَّق عليه: محمد الباقر البهبودي، عنيت بنشره المكتبة المرتضوية لإحياء الآثار الجعفرية، طهران ـ ناصر خسرو.
  3. زهر الربيع: السيّد نعمة الله الجزائري، المتوفَّى سنة 1112هـ.

ـ حرف السين ـ

  1. سفينة البحار: الشيخ عباس القمي ت1359هـ، مطبعة دار الأسوة، قم المقدّسة، الطبعة الثانية 1416هـ.
  2. السيرة الحلبية: الحلبي، ت1044 هـ، سنة الطبع 1400 هـ، المطبعة بيروت، دار المعرفة منشورات دار المعرفة.

ـ حرف الشين ـ

  1. شجرة طوبى: المحدّث الجليل الشيخ محمد مهدي الحائري، منشورات المكتبة الحيدرية، الطبعة الخامسة 1385هـ.
  2. شرائع الاسلام: أبو القاسم نجم الدين جعفر بن الحسن، المشتهر بـ المحقق الحلي، ت 676 هـ مع تعليقات السيد صادق الشيرازي، الطبعة الثانية 1409 هـ، انتشارات استقلال، طهران ـ ناصر خسرو، 1983م ـ 1403 ه‍ طبع بموافقة مؤسسة الوفاء، مؤسسة الوفاء، بيروت ـ لبنان.
  3. شرح أصول الكافي: المولى محمد صالح المازندراني ت 1081 هـ.
  4. شرح الرضي على الكافية: رضي الدين الاسترآبادي ت 686 هـ تحقيق: يوسف حسن عمر، منشورات مؤسسة الصادق، طهران 1395 هـ ـ 1975 م.
  5. شرح العقيدة الطحاوية: ابن أبي العزّ الحنفي ت 792 هـ، الطبعة الرابعة 1391 هـ، منشورات المكتب الإسلامي، بيروت ـ لبنان.
  6. شرح نهج البلاغة: ابن أبي الحديد المعتزلي ت656هـ، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، مطبعة منشورات المرعشي النجفي، نشر: دار إحياء الكتب العربية، بدون تاريخ.
  7. الشفاء الروحي: عبد اللطيف البغدادي، معاصر.
  8. شواهد التنزيل: عبيد الله بن أحمد، المعروف بالحاكم الحسكاني ت القرن الخامس الهجري، تحقيق وتعليق: الشيخ محمد باقر المحمودي، الطبعة الأُولى 1411 هـ ـ 1990 م، مؤسسة الطبع والنشر التابعة لوزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي، مجمع إحياء الثقافة الإسلامية، طهران ـ إيران.

ـ حرف الصاد ـ

  1. الصحاح: إسماعيل بن حمّاد الجوهري ت393هـ، تحقيق: أحمد عبد الغفور عطار، الطبعة الأُولى 1376 ه‍ ـ 1956 م، منشورات دار العلم للملايين، القاهرة.
  2. الصحيفة السجادية: الإمام زين العابدين عليه السلام ت94هـ المطبعة والنشر جماعة المدرسين ـ قم المقدّسة.
  3. الصراط المستقيم: الشيخ زين الدين، أبو محمد علي بن يونس العاملي النباطي البياضي، ت 877 هـ، صحَّحه وحقَّقه وعلَّق عليه: محمد الباقر البهبودي، عنيت بنشره المكتبة المرتضوية لإحياء الآثار الجعفرية، الطبعة الأولى 1384 هـ.

ـ حرف الطاء ـ

  1. الطريق إلى منبر الحسين: الخطيب المرحوم الشيخ عبد الوهاب الكاشي، انتشارات الشريف الرضي، قم المقدّسة، الطبعة الأُولى 1421هـ.

ـ حرف العين ـ

  1. علل الشرائع: الشيخ الصدوق ت381هـ، المطبعة الحيدرية، النجف الأشرف، طبعة عام 1386هـ.
  2. علوم القران: السيد محمد باقر الحكيم ت 1424 هـ، منشورات مجمع الفكر الإسلامي، الطبعة الثالثة 1417 ه‍.
  3. عمدة الطالب: جمال الدين، أحمد بن علي المعروف بابن عنبة ت 828 هـ تحقيق: محمد حسن آل الطالقاني، الطبعة الثانية 1380 هـ ـ 1961 م، منشورات المطبعة الحيدرية ـ النجف الأشرف.
  4. عمدة القاري: العيني، ت 855 هـ مطبعة ونشر دار إحياء التراث العربي، بيروت ـ لبنان.
  5. العهود المحمّدية: عبد الوهاب الشعراني ت 973 هـ، الطبعة الثانية 1393 ه‍. 1973م، شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر، شريف محمود الحلبي وشركاه خلفاء.
  6. عيون أخبار الرضا: الشيخ الصدوق ت 381 هـ تحقيق: الشيخ حسين الأعلمي، الطبعة الأُولى 1404 هـ، منشورات مؤسسة الأعلمي بيروت ـ لبنان.
  7. عيون الحكم والمواعظ: علي بن محمد الليثي الواسطي ت القرن السادس، تحقيق: حسين الحسني البيرجندي، نشر دار الحديث، الطبعة الأُولى 1376ش.

ـ حرف الغين ـ

  1. غاية المرام: السيد هاشم البحراني ت 1107 هـ تحقيق: السيد عاشور.
  2. الغدير: الشيخ عبد الحسين الأميني ت 1392 هـ الطبعة الرابعة 1397 هـ ـ 1977م، منشورات دار الكتاب العربي، بيروت ـ لبنان.

ـ حرف الفاء ـ

  1. فتح الأبواب: أبو القاسم، علي بن موسى ابن طاووس الحسني، ت 664 هـ تحقيق: حامد الخفّاف، الطبعة الأُولى 1409 ه‍ ـ 1989، منشورات مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث، بيروت ـ لبنان.
  2. فتح الباري: ابن حجر، شهاب الدين العسقلاني ت 852 هـ الطبعة الثانية، طباعة ونشر دار المعرفة، بيروت ـ لبنان.
  3. فتح القدير: الشوكاني، ت 1255 هـ منشورات عالم الكتب.
  4. الفرج بعد الشدّة: للقاضي أبي علي المحسن، ابن أبي القاسم التنوخي ت 384 هـ، منشورات الشريف الرضي، الطبعة الثانية.
  5. فقه الرضا: الفقه المنسوب للإمام الرضا عليه السلام، علي بن بابوية القمي، ت 329 هـ، تحقيق مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم المشرّفة، الطبعة الأُولى 1406هـ، منشورات المؤتمر العالمي للإمام الرضا عليه السلام، مشهد المقدّسة.
  6. فقه القرآن: قطب الدين، سعيد بن هبة الله الراوندي ت 573 هـ تحقيق: السيد أحمد الحسيني، الطبعة الثانية 1405 هـ، منشورات مكتبة المرعشي النجفي، قم المقدّسة.
  7. في رحاب التوبة: السيد محمد مجاهد، تحقيق: ناصر الباقري البيدهندي، انتشارات زائر، الطبعة الأُولى 1377ش.
  8. فيض القدير: محمد عبد الرؤوف المناوي ت1331هـ، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأُولى 1415هـ.

ـ حرف القاف ـ

  1. القاموس المحيط: الفيروزآبادي ت 817 هـ مجهولة.
  2. القرآن وإعجازه العلمي: اسماعيل إبراهيم، معاصر، منشورات دار الفكر العربي.
  3. قرب الإسناد: السيد الحميري أبو العباس عبد الله البغدادي ت300هـ، تحقيق ونشر: مؤسسة آل البيت عليهم السلام، قم المقدّسة، الطبعة الأُولى 1413هـ.
  4. قصص الأنبياء: قطب الدين، سعيد بن هبة الله الراوندي ت 573 هـ تحقيق: غلام رضا عرفانيان، الطبعة الأُولى 1418 هـ ـ 1376ش، منشورات الهادي.
  5. قصص الأنبياء: السيد نعمة الله الجزائري ت1112هـ، بدون تاريخ.

ـ حرف الكاف ـ

  1. الكافي: الشيخ محمد بن يعقوب الكليني ت329هـ، تحقيق: علي أكبر الغفاري، دار الكتب الإسلامية، الطبعة الثالثة 1388هـ.
  2. كامل الزيارات: جعفر بن محمد بن قولويه، ت 367هـ، تحقيق: الشيخ جواد القيومي الطبعة الأُولى 1417هـ، جماعة المدرسين، منشورات مؤسسة الفقاهة.
  3. الكامل في التاريخ: أبو الحسن علي بن أبي الكرم المعروف بابن الأثير الجزري ت630هـ، الطبعة الأُولى 1407هـ، دار الكتب العلمية، بيروت.
  4. كتاب الصلاة: التنقيح في شرح العروة الوثقى: تقريراً لبحث السيد أبي القاسم الموسوي الخوئي1413 هـ بقلم الميرزا علي الغروي التبريزي، الطبعة الثالثة 1410 هـ، منشورات دار الهادي للمطبوعات قم.
  5. كتاب العين: الفراهيدي، الخليل بن أحمد ت 170 هـ تحقيق: الدكتور مهدي المخزومي، الدكتور إبراهيم السامرائي، الطبعة الثانية 1409هـ، مؤسسة دار الهجرة.
  6. كتاب المكاسب: الشيخ مرتضى الأنصاري ت 1281 هـ، إعداد لجنة تحقيق تراث الشيخ الأعظم، الطبعة الأُولى 1415 هـ، منشورات المؤتمر العالمي بمناسبة الذكرى المئوية الثانية لميلاد الشيخ الأنصاري.
  7. الكشّاف: الزمخشري ت 538 هـ سنة الطبع 1385هـ ـ 1966 م، منشورات شركة مكتبة ومطبعة مصطفى الباب الحلبي وأولاده بمصر.
  8. كشف الغمة: الشيخ علي بن عيسى بن أبي الفتح الأربلي ت693هـ، الطبعة الثانية 1405هـ، دار الأضواء، بيروت.
  9. كمال الدين وتمام النعمة: الشّيخ الصّدوق ت 381 هـ تحقيق: علي أكبر الغفاري منشورات مؤسسة النشر الإسلامي، جماعة المدرسين، قم المقدّسة.
  10. كنز العمال: علاء الدين علي المتقي بن حسام الدين الهندي، ت 975 هـ، تحقيق: الشيخ بكري حياني والشيخ صفوة السفا، مؤسسة الرسالة 1409 ه‍ ـ 1989 م بيروت ـ شارع سوريا.
  11. كنز الفوائد: المحدّث الخبير العلاّمة أبو الفتح محمد بن علي الكراجكي ت449 هـ، الطبعة الثانية1410هـ، منشورات مكتبة المصطفوي، قم المقدّسة.

ـ حرف اللام ـ

  1. لُب الأثر في الجبر والقدر: محاضرات روح الله الموسوي الخميني ت1409هـ، تقرير: الشيخ جعفر السبحاني، الطبعة الأُولى 1418 ه‍ ـ 1377 ه‍ ش، منشورات مؤسسة الإمام الصادق عليه السلام.
  2. لسان العرب: ابن منظور ت 711 هـ، نشر أدب الحوزة قم ـ إيران، 1405 هـ.
  3. اللهوف: السيد ابن طاووس ت 664 هـ الطبعة الأُولى 1417هـ، منشورات أنوار الهدى، قم المقدّسة.
  4. اللهوف على قتلى الطفوف: السيد ابن طاووس، المترجم: عبد الرحيم عفيفي بخشايشي، الطبعة الخامسة 1378ش، انتشارت دفتر نشر مؤيد إسلام، قم المقدّسة.

ـ حرف الميم ـ

  1. مثير الأحزان: ابن نما الحلي ت645هـ، المطبعة الحيدرية ـ النجف الأشرف، طبعة عام 1359هـ.
  2. مجمع البحرين: الشيخ فخر الدين الطريحي ت 1085 هـ تحقيق: السيد أحمد الحسيني، الطبعة الثانية 1408 هـ، مكتبة نشر الثقافة الإسلامية.
  3. مجمع الزوائد ومنبع الفوائد: نور الدين الهيثمي ت807هـ، دار الكتب العلمية، بيروت، طبعة عام 1408هـ.
  4. مجمع مصائب أهل البيت عليهم السلام: الشيخ محمد الهنداوي، منشورات الشريف الرضي، بدون تاريخ.
  5. المحاسن: أحمد بن محمد بن خالد البرقي ت 247 هـ تحقيق وتعليق: السيد جلال الدين الحسيني المحدّث الناشر: دار الكتب الإسلامية، طهران 1370 هـ
  6. المحرر الوجيز: ابن عطية الأندلسي ت546 هـ، تحقيق: عبد السلام عبد الشافي محمد، الطبعة الأُولى 1413هـ ـ1993م،منشورات دار الكتب العلمية.
  7. مختار الصحاح: محمد بن أبي بكر بن عبد القادر الرازي، ت 721هـ، تحقيق: أحمد شمس الدين، طبع ونشر دار الكتب العلمية، بيروت ـ لبنان. الطبعة الأُولى 1415 هـ.
  8. مدينة المعاجز: السيد هاشم البحراني ت 1107 هـ تحقيق: الشيخ عزة الله الهمداني، مؤسسة المعارف الإسلامية، قم المقدّسة، الطبعة الأُولى 1413 هـ.
  9. المراقبات: الشيخ جواد الملكي التبريزي، ت 1343ش، مجهولة.
  10. المزار، محمد المشهدي ت610هـ، تحقيق: جواد القيومي، مطبعة مؤسسة النشر الإسلامي، انتشارات القيوم، الطبعة الأُولى 1419هـ.
  11. المستجاد من الإرشاد: جمال الحقّ والدين، حسن بن المطهّر الحلي، المشتهر بالعلاّمة الحلي، ت 726هـ، منشورات مكتب آية الله العظمى المرعشي النجفي ـ قم.
  12. مستدرك سفينة البحار: الشيخ علي النمازي الشاهرودي، ت 1405 هـ تحقيق وتصحيح: نجل المؤلف الحاج الشيخ حسن بن علي النمازي، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرّفة 1418 هـ.
  13. المستدرك على الصحيحين: الحاكم النيسابوري، ت 405 هـ تحقيق وإشراف: يوسف عبد الرحمن المرعشلي.
  14. مستدرك وسائل الشيعة: الشيخ النوري الطبرسي 1320هـ، تحقيق ونشر مؤسسة آل البيت عليهم السلام، الطبعة الثانية 1408هـ.
  15. مُسكن الفؤاد: الشهيد الثاني زين الدين الجبعي العاملي ت966هـ، نشر مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم المقدّسة، الطبعة الأُولى 1407هـ.
  16. مسند أحمد: أحمد بن حنبل ت 241 هـ دار صادر، بيروت ـ لبنان.
  17. مشكاة الأنوار: أبو الفضل علي الطبرسي ت القرن السابع، المطبعة الحيدرية ـ النجف الأشرف، الطبعة الثانية1385هـ.
  18. مصباح المتهجد: الشيخ الطوسي ت 460 هـ الطبعة الأُولى 1411 هـ ـ 1991م، منشورات مؤسسة فقه الشيعة، بيروت ـ لبنان.
  19. المصباح: الشيخ تقي الدين إبراهيم بن علي الحسن بن محمد بن صالح العاملي الكفعمي، ت 905 هـ، الطبعة الثالثة 1403 ه‍ ـ 1983م، منشورات مؤسسة الأعلمي للمطبوعات بيروت ـ لبنان.
  20. معاني القرآن: أبوجعفر النحاس ت 338 هـ، تحقيق: الشيخ محمد علي الصابوني، الطبعة الأُولى 1408 ه‍ـ ـ 1988 م.
  21. المعتبر: نجم الدين، أبو القاسم جعفر بن الحسن، المحقق الحلي ت 676 هـ، حقّقه وصحّحه عدة من الأفاضل، مؤسسة سيد الشهداء 1364ش.
  22. المعجم الأوسط: الحافظ الطبراني، أبو القاسم سليمان بن أحمد ت 360 هـ تحقيق ونشر قسم التحقيق بدار الحرمين 1415 هـ ـ 1995 م.
  23. معجم الشعراء: كامل سلمان الجبوري، منشورات محمد علي بيضون، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، الطبعة الأُولى 1424هـ.
  24. معجم مقاييس اللغة: أبو الحسين، أحمد بن فارس بن زكريا ت 395 هـ تحقيق: عبد السلام محمد هارون، مكتبة الإعلام الإسلامي، 1404 هـ.
  25. مغني اللبيب: ابن هشام الأنصاري ت 761 هـ تحقيق: محمد محي الدين عبد الحميد، منشورات مكتبة آية الله العظمي المرعشي النجفي، 1404 هـ، قم المقدّسة.
  26. مفردات غريب القرآن: الراغب الأصفهاني ت 502 هـ، الطبعة الثانية 1404 هـ، منشورات دفتر نشر الكتاب.
  27. مقاتل الطالبيين: أبو الفرج الأصفهاني ت 356 هـ، الطبعة الثانية 1385 هـ ـ 1965 م، منشورات المكتبة الحيدرية ومطبعتُها، النجف الأشرف.
  28. مقتل الحسين أبو مخنف: لوط بن يحيى بن سعيد الأزدي الغامدي ت157هـ، تحقيق: الميرزا حسن الغفاري، المطبعة العلمية، انتشارات المرعشي النجفي، طبعة عام 1398هـ، قم المقدّسة.
  29. المقنعة: الشيخ المفيد، محمد بن النعمان البغدادي العكبري ت 413 هـ، الطبعة الثانية 1410 هـ، مؤسسة النشر الإٍسلامي، جماعة المدرسين، قم المقدّسة.
  30. مكارم الأخلاق: الطبرسي الحسن بن الفضل بن حسن، من أعلام القرن السادس الهجري ت 548 هـ، منشورات الشريف الرضي ـ قم المقدّسة، الطبعة السادسة 1392هـ.
  31. مكيال المكارم: ميرزا محمد تقي الموسوي الأصفهاني، أبو عبد الله ت 1348، تحقيق: السيد علي عاشور، منشورات مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، الطبعة الأُولى 1421 ه‍ ـ 2001 م، بيروت ـ لبنان
  32. من أخلاق الإمام الحسين عليه السلام: عبد العظيم المهتدي البحراني، معاصر، الطبعة الأُولى 1421 هـ ـ 2000 م، انتشارات الشريف الرضي، قم ـ إيران.
  33. مَن لا يحضره الفقيه: الشيخ الصدوق ت 381 هـ تحقيق: علي أكبر الغفاري، الطبعة الثانية، منشورات مؤسسة جماعة المدرسين، قم المقدّسة
  34. مناقب آل أبي طالب: ابن شهر آشوب ت588هـ، تحقيق: لجنة من أساتذة النجف الأشرف، المطبعة الحيدرية ـ النجف الأشرف، طبعة عام 1376هـ.
  35. منية المريد: الشيخ زين الدين بن علي العاملي، المعروف بالشهيد الثاني 911 هـ ـ 965 هـ تحقيق: رضا المختاري، الطبعة الأُولى 1409 ـ 1368 ش، منشورات مكتب الإعلام الإسلامي.
  36. ميزان الحكمة: الشيخ محمد الري شهري، نشر دار الحديث، الطبعة الأُولى.
  37. الميزان في تفسير القرآن: العلاّمة محمد حسين الطباطبائي ت1402هـ، مؤسسة النشر التابعة لجماعة المدرسين بقم المقدّسة.

ـ حرف النون ـ

  1. النهاية: شيخ الطائفة أبو جعفر محمد بن الحسن بن علي الطوسيت 460 هـ، انتشارات قدس محمدي، قم المقدّسة.
  2. نهج الإيمان: ابن جبر، زين الدين، علي بن يوسف بن جبر من أعلام القرن السابع الهجري، تحقيق: السيد أحمد الحسيني، الطبعة الأُولى 1418 هـ، منشورات مجمع الإمام الهادي عليه السلام مشهد المقدّسة.
  3. نهج البلاغة: خطب الإمام أمير المؤمنين علي عليه السلام ت40 هـ، تحقيق: الشيخ محمد عبده، دار المعرفة.

ـ حرف الواو ـ

  1. وسائل الشيعة: الحر العاملي، ت1104 هـ تحقيق ونشر مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث، الطبعة الثانية 1414 هـ، المطبعة مهر ـ قم.
  2. وفيات الأعيان: ابن خلكان ت681هـ، تحقيق: إحسان عبّاس، دار الثقافة، لبنان.

 

تسلسل المحاضرات

موضوع المجلس

مطلع القصيدة في المجلس

شاعر القصيدة

التعريج والمصيبة

ص

الأُولى

التوبة

يا قتيلا أصبحت دار العلا

الحاج هاشم الكعبي رحمه الله

الحرّ الرياحي

9

الثانية

التقوى

لست أنساه مفرداً بين جمعٍ

الشيخ عبد الحسين شكر رحمه الله

زينب ورأس أخيها الإمام الحسين عليه السلام

21

الثالثة

الاستغفار وآثاره

لم أنسَ زينبَ بعد الخدر حاسرةً

الحاج محمّد علي كمّونة رحمه الله

الزهراء عليها السلام تنعى ولدها عليه السلام وهي في الجنة

33

الرابعة

عداوة الشيطان لبني آدم

أحلماً وكادت تموت السنن

السيد محمّد القزويني رحمه الله

سبي الحوراء زينب عليها السلام

47

الخامسة

هجر القرآن

إن كان عندك عبرة تجريها

السيد رضا الهندي رحمه الله

ندبة الزهراء عليها السلام والموالين لإمامهم عليه السلام

61

السادسة

التوسل حقيقةٌ قرآنيةٌ

دم يا حسين مدى الزمان مخلّدا

الشيخ محمّد سعيد المنصوري  رحمه الله

الحوراء زينب عليها السلام تنادي أمها عليها السلام

77

السابعة

الصبر

حكم المنيّة في البرية جاري

أبو الحسن التهامي رحمه الله

ليلى مع ولدها علي الأكبر عليه السلام

89

الثامنة

العبادة

خان الزمان بنا فشتتنا

السيد مهدي الأعرجي رحمه الله

شهادة مسلم بن عقيل عليه السلام

101

التاسعة

عبادة الحرف

أناعي قتلى الطفِ لا زلتَ ناعيا

السيد حيدر الحلي رحمه الله  رحمه الله

زينب تندب أخاها عليه السلام

113

العاشرة

عباد الرحمان

أبا صالحٍ يا مُدرِكَ الثارِ كم ترى

الشيخ محمّد تقي الجواهري

مصيبة عبد الله الرضيع عليه السلام

127

الحادية عشرة

الإيثار

حامي الظعينة أين منه ربيعةٌ

السيد جعفر الحلي رحمه الله

مصرع أبي الفضل عليه السلام

145

الثانية عشرة

الرَّحمة

طمعت أن تسومه القوم ضيماً

السيد حيدر الحلي رحمه الله

مصرع القاسم عليه السلام

157

الثالثة عشرة

القناعة

راحلٌ أنت والليالي نزولُ

الشريف الرضي رحمه الله

الحسين عند رأس أخيه العباس عليها السلام

167