1439 / جمادی‌الآخرة / 4  |  2018 / 02 / 21         الزيارات : 570443         صلاة الصبح |         صلاة الظهر والعصر |         صلاة المغرب والعشاء |

(مَا رَأَيْتُ إِلَّا جَمِيلاً).. دراسة في أبعادها الإصلاحية

{ م. د. كواكب باقر الفاضلي }
(مَا رَأَيْتُ إِلَّا جَمِيلاً).. دراسة في أبعادها الإصلاحية

المقدّمة[1]

الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنّا لنهتدي لولا أن هدانا الله، وصلّى الله على محمد الصادق الأمين والمرسَل المبلّغ من لدن ربِّ العالمين، وجدّ الحسين الشهيد الذي استقام بدمه الدين الحنيف، والذي جعله سفينة نجاتنا، وحبّ أبيه مقياس إيماننا، وبعد.

تمرُّ علينا في كلِّ عام ذكرى الحزن الجميل الذي يجمع الأُمّة الإسلامية ويوحّدها؛ لتُحيي الرسالة المحمدية بالتجمع الحسيني لرجالها ونسائها، وشيبها وشبابها، وتسابق الصبية والأطفال تحيي الشعائر وتستذكر المصاب، وتستنبط منها ما ينهض بها إلى واقعها، تستلهم الدروس والعبر من هذه الملحمة العظيمة، فكثيراً ما نستمع باهتمام ما يردده الخطباء والشعراء من نصوص الطفّ سواء ما رافق الواقعة، أو ما قبلها، أو ما بعدها، ويتمّ تناولها بالتحليل والدراسة، ونكاد نشعر بالزهو من النشاط العلمي والأدبي، وحتى الاجتماعي في البحث في سيرة وثورة الإمام الحسين عليه السلام، كلٌّ بحسب إسقاطاته المعرفية على الموضوع، ممّا يُعدد الرؤى وتختلف الآراء، وتحتدم النقاشات، ورغم هذا تتوحّد الأقلام والأفواه والصور على أمرٍ واحدٍ، هو أنّ الإمام الحسين عليه السلام بدمه وسبي أهله، كتب الله للدين الإسلامي البقاء.

وهكذا خرجت المجلدات العظيمة، والموسوعات الكبيرة، والكتب الرصينة، والمجلات المرموقة، والمواقع الإلكترونية المحترمة، فتقام المؤتمرات والندوات التي تحيي هذه النصوص بالدراسة والتحليل، والتفحص والتمعن؛ للوصول إلى حقائق جديدة، ومفاهيم أُخرى عظيمة.

ومن أبرز النصوص التي بقيت خالدة، هي المحاورة التي جرت بين ابن زياد وبين سليلة بيت النبوة وعقيلة بني هاشم السيدة العظيمة زينب بنت علي بن أبي طالب عليهما السلام، والتي لا يمكن أن يمرّ منصف على اسمها دون ذكر فضائل وصفات هذه السيدة الجليلة ـ وهذا ليس من البعد عن الموضوعية البحثية ـ وأهمّ ما دار فيها من حوار يحتاج كلّه إلى التأمل والتدقيق، والفحص والتحليل، ولكن يكفيني أن أقف على جملة واحدة منه وردت على لسان السيدة زينب عليها السلام.

ففي هذا البحث نرى أنّ هنالك أهمية لخوض غمار الطفّ في الوقت الحالي، كون ما يحدث حولنا من أحداث مؤلمة هي بذاتها استمرار لواقعة الطفّ، والأذى على آل بيت النبوة من جهة، وبين أنّ الأحداث نفسها بدأت تتشابه مع واقعة الطفّ نفسها، من قتلٍ على الدين والهوية والمعتقد، ومن تهجيرٍ وتشريدٍ من الدار والوطن، ومن ثكالى لأربع أو يزيد من الشباب، الذين هم من المتمسكين بدينهم وأخلاقهم، ومن أيتامٍ تركوا مقاعد الدراسة لتوفير لقمة العيش، كلّ هذا من جهةٍ أُخرى؛ ولهذا نحن بحاجة إلى إشاعة هذه الروح بيننا، وإشعال النور المحمدي في دروبنا؛ لتبقى الخطى مستمرة في طريق الهدى، طريق محمد وآله عليهم الصلاة والسلام.

وأمّا اختيار هذا النص دون غيره من نصوص الطفّ؛ فيأتي لمحتواه العظيم والكبير الذي لا يصدر إلّا عن ابنة سيد البلاغة وإمامها علي بن أبي طالب عليه السلام، وسنأخذ بالتحليل منه ما ينسجم ومحاور المؤتمر، مثيرين في البحث اختيار الأبعاد الإصلاحية التي تناولها النص، وهي الجملة المقتطعة من المحاورة، وإلّا يمكن أن نتناولها بالتحليل أكثر من هذا، ونصل فيها إلى نتائج أُخرى في محاور ثانية.

أمّا خطة البحث، فتكون كالآتي:

المبحث الأوّل: تناولنا (الجانب الفني للنص): وفيه عرض مناسبة النص، ومصادره التاريخية، مع تحليل لبعض المقامات من المحاورة، ثمّ تعريف الجمال بشكلٍ موجز.

المبحث الثاني: أثر صناعة الجمال في تصحيح مسار العنف، وفيه عرضنا تأثير دعوى السلم والعمل بها في وقف مسار العنف، والمنع من الاستمرار في الأعمال التي لا تؤدي إلّا إلى الخراب والدمار والمزيد من الدماء.

المبحث الثالث: الإصلاح النفسي والأخلاقي في تحقيق السلم والأمان، فعرضنا أثر هذا النص من الناحية النفسية والاجتماعية.

ندعو الله أن يوفقنا بعد هذا العرض الموجز للبحث والمستخلص لفكرته المستوحاة من ربط الواقع الحالي بواقعة الطفّ العظيمة؛ لأنّه محاولة لوضع علاج لحالة التوحش وسيادة العنف على الأرض الإسلامية ـ ولا نقول: على المسلمين ـ إنّه بمثابة العلاج لثقافة العنف والإرهاب، هذا من جهة، ومن جهةٍ أُخرى، فإنّ ما يحصل في الطرف المناوئ والمواجه للارهاب التكفيري، ما هو إلّا استمرار لخط السيّدة الطاهرة زينب عليها السلام، وهو ثمرة صدق الانتماء لمدرستها ومدرسة أخيها الحسين عليه السلام، لذلك لا بد أن نرى الواقع بعيون سيدة الطفّ زينب عليها السلام؛ لتحقق كل ما جاءت لأجله واقعة الطفّ.

المبحث الأوّل: الجانب الفني للنصِّ

 في هذا المبحث نحاول أن نعرض الجوانب الفنية للنص، ودراسة ما يحتويه النص من التفافات وإثارات دلالية من مناسبته، ودراسة جوانبه الظاهرة من الدلالات البلاغية والإبداعية، وسيكون المبحث كالآتي:

المطلب الأوّل: مناسبة النصّ

جاءت مقولة بحثنا في مواجهة مريرة بين ابن زياد المنتصر ـ كما يرى هو ـ المتشفي بآل بيت محمد صلى الله عليه وآله، وبين السيدة المسبيّة مع بعض الأطفال والنساء السبايا، من الثكالى والأرامل، تتقدّمهم رؤوس الشهداء المحمولة على الرماح.

روى السيّد ابن طاووس: «أنَّ ابْنَ زِيَادٍ جَلَسَ فِي الْقَصْرِ لِلنَّاسِ وَأذِنَ إِذْناً عَامّاً، وَجِي‏ءَ بِرَأْسِ الحُسَيْنِ عليه السلام، فَوُضِعَ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَأُدْخِلَ نِسَاءُ الحُسَيْنِ وَصِبْيَانُهُ إِلَيْهِ، فَجَلَسَتْ زَيْنَبُ بِنْتُ عَلِيٍّ عليها السلام مُتَنَكِّرَةً، فَسَأَلَ عَنْهَا، فَقِيلَ: هَذِهِ زَيْنَبُ بِنْتُ عَلِيٍّ.
فَأَقْبَلَ عَلَيْهَا، فَقَالَ: الحَمْدُ لله الَّذِي فَضَحَكُمْ وَأَكْذَبَ أُحْدُوثَتَكُمْ. فَقَالَتْ: إِنَّمَا يَفْتَضِحُ الْفَاسِقُ، وَيَكْذِبُ الْفَاجِرُ، وَهُوَ غَيْرُنَا. فَقَالَ ابْنُ زِيَادٍ: كَيْفَ رَأَيْتِ صُنْعَ الله بِأَخِيكِ وَأَهْلِ بَيْتِكِ؟ فَقَالَتْ: مَا رَأَيْتُ إِلَّا جَمِيلاً، هَؤُلَاءِ قَوْمٌ كَتَبَ الله عَلَيْهِمُ الْقَتْلَ، فَبَرَزُوا إِلَى مَضَاجِعِهِمْ، وَسَيَجْمَعُ الله بَيْنَكَ وَبَيْنَهُمْ فَتُحَاجُّ وَتُخَاصَمُ، فَانْظُرْ لِـمَنِ الْفَلْجُ[2] يَوْمَئِذٍ، ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا بْنَ مَرْجَانَةَ.

قَالَ: فَغَضِبَ وكَأَنَّهُ هَمَّ بِهَا، فَقَالَ لَهُ عَمْرُو بْنُ حُرَيْث: إِنَّهَا امْرَأَةٌ، وَالمَرْأَةُ لَا تُؤَاخَذُ بِشَيْ‏ءٍ مِنْ مَنْطِقِهَا. فَقَالَ لَها ابْنُ زِيَادٍ: لَقَدْ شَفَى الله قَلْبِي مِنْ طَاغِيَتِكِ الحُسَيْنِ وَالْعُصَاةِ المَرَدَةِ مِنْ أَهْلِ بَيْتِكِ. فَقَالَتْ: لَعَمْرِي، لَقَدْ قَتَلْتَ كَهْلِي، وَقَطَعْتَ فَرْعِي، وَاجْتَثَثْتَ أَصْلِي، فَإِنْ كَانَ هَذَا شِفَاءَكَ فَقَدِ اشْتَفَيْتَ. فَقَالَ ابْنُ زِيَادٍ: هَذِهِ سَجَّاعَةٌ، وَلَعَمْرِي لَقَدْ كَانَ أَبُوكِ سَجَّاعاً شَاعِراً.
فَقَالَتْ: يَا بْنَ زِيَادٍ مَا لِلْمَرْأَةِ وَالسَّجَاعَةَ»[3].

هذا هو النص، ولكن ممّا فاجأنا في البحث عنه أنّ الرواية غير موثّقة في أغلب كتب التاريخ، كالطبري، والكامل، ومروج الذهب، واليعقوبي، وابن الأثير، فذكروا تفاصيل المحاورة بين ابن زياد والسيدة زينب عليها السلام إلّا أنّهم يغفلون هذا المقطع، فالرواية عند الطبري ترد «فكيف رأيت صنع الله بأهل بيتك! قالت: كُتب عليهم القتل فبرزوا إلى مضاجعهم...»[4]، وكذلك عند ابن الأثير بنفس الرواية[5]، أمّا المسعودي فلم يمرّ على الحادثة مطلقاً[6]، وأمّا اليعقوبي ذكر في تاريخه: «... وبادر القوم فاحتزوا راسه، وبعثوا به إلى عبيد الله بن زياد، وانتهبوا مضاربه وابتزوا حرمه، وحملوهنّ إلى الكوفة، فلمّا دخلن إليها خرجت نساء الكوفة يصرخن ويبكين، فقال علي بن الحسين: هؤلاء يبكين علينا فمَن قتلنا؟»[7]. ولهذا الأمر دلالتان مختلفتان تماماً عن بعضهما:

الأُولى: أنّ الرواية لم تُذكر في الكتب المعتبرة عند المؤرّخين، ولهذا لا يجب أن نعتني بها بهذا القدر، ولو كانت الرواية صحيحة معتبرة لاهتمّت بها المصادر المعتبرة القديمة.

الثانية: أنّ للرواية أهمية وخطورة ممّا جعل المؤرّخين القريبين إلى عصر النص، أو حكام بني أُميّة وبني العباس يغفلونها، إمّا خوفاً أو طمعاً.

ولمناقشة الرأيين لا بدّ أن نقدّم مقدّمات:

الأُولى: أنّ القيم الدلالية اللغوية والبلاغية والمؤثرة على المخاطب واضحة بيّنة لا تحتاج إلى مَن يرشد إليها.

الثانية: أنّ تاريخنا الإسلامي ومدونات الحديث والفقه والكلام، كانت قد دونت ونُسخت ووزعت كلّها بإشراف الدولتين الأُموية والعباسية: الأُولى في أواخرها والثانية في بدايتها.

الثالثة: أنّ هاتين الدولتين وما قبلهما وما بعدهما كلّها كانت على عداء واضح لآل البيت عليهم السلام.

الرابعة: أنّ هذه الرواية ليست الوحيدة التي أخفاها المؤرّخون، أو رواة السير! وأوّلها فضل آل البيت عليهم السلام.

تنتهي بنا النتيجة إلى أنّ خطورة هذا النص جعلت المؤرّخين لا يجرؤون على تقديمها ضمن الأحداث المذكورة؛ لأنّها ستقدّم السيدة زينب عليها السلام بهذه الوقفة الصلبة، يتجللها البهاء والعظمة، فيكون مفعول كلامها سارياً في تأثيره على مجرى الأحداث في تاريخ الأُمّة العربية والإسلامية، الأمر الذي يتنافى مع سياستهم في دفع التهم عن البيت الأُموي والعباسي فيما ارتكبوه بحق آل بيت محمد صلى الله عليه وآله، وهذا بذاته يجعلنا نؤمن بأنّ هذه الكلمات لا تخرج إلّا من فم زينب بنت علي عليهما السلام لمِا فيها من بلاغة لا تصدر إلّا من أبناء علي عليهم السلام.

لذلك لم يبقَ لنا إلّا أن نأخذها عن طريق كتب الشيعة، مثل: بحار الأنوار للعلامة المجلسي، ومثير الأحزان لابن نما الحلي، واللهوف في قتلى الطفوف لابن طاووس، ثمّ توالى نشر الرواية وكتابتها في المصادر المتأخرة.

أمّا السيدة زينب عليها السلام، فهي لا تحتاج إلى تعريف، ونكتفي بأنّ تكون الدراسة على المقولة وحدها دون الخوض في سلسلة رواتها؛ لذلك نقف على تحليلها دون الخوض في مقدّمات طويلة، أو إحاطة بما حول النص، ولكن هكذا وردت الرواية في أغلب الكتب التي وردتنا.

وقد أخذنا العمل على جزء صغير من الرواية وتركنا الخوض في الاختلافات التي تنقل بين راوٍ وآخر؛ لأنّ مقولتنا لا اختلاف فيها مطلقاً، وهذا مهم جداً في أنّ النص الذي نذكر مدى أهميته لم نسجل عليه اختلافاً أبداً، وهذا ممّا يسهل عملية البحث.

بعد أن ناقشنا نسبة النص إلى السيدة زينب عليها السلام، وأنّها قالتها في حضرة ومحفل، وقصر، وزهو وشماتة، وعنجهية ابن زياد، وهي امرأة منكوبة بأولادها وإخوتها، وعشيرتها وأصحاب أخيها، وقبل كل ذلك هي مفجوعة بإمام زمانها عليه السلام، ومعها الأطفال، والنساء الثكالى، والإمام العليل، وهي ترى هلع الكبار والصغار من هول  ما أصابهم من نهبٍ وحرقٍ للخيام وعطشٍ يذيب الفؤاد، وأطفال تحت ضغط الجوع تناولوا شيئاً من صدقات أهل الكوفة، فتمنعهم (سلام الله عليها) من ذلك، موبخة أهل الكوفة على ذلك الفعل، إذ ورد في التاريخ: «وصار أهل الكوفة يناولون الأطفال الذين على المحامل بعض التمر والخبز والجوز، فصاحت بهم بنت أمير المؤمنين علي عليه السلام، وقالت: يا أهل الكوفة، إنّ الصدقة علينا حرام! وصارت تأخذ ذلك من أيدي الأطفال وأفواههم، ثمّ قالت: صِه يا أهل الكوفة، تقتلنا رجالكم وتبكينا نساؤكم، فالحاكم بيننا وبينكم الله يوم فصل القضاء»[8].

ويعلّق بعض الباحثين أنّه «أرادت عليها السلام من ردّ عطايا أهل الكوفة، أن تعرّف الناس بأنّ سبايا هذا الركب ليسوا من أيّ الناس، بل هم آل رسول الله الذين فرض الله مودّتهم واتّباعهم»[9]. في حين إنّنا نرى أنّ القضية لا تتمثّل في هذا فحسب، بل كيف يصبر الأطفال الجياع على جوعهم، ويمتثلون لقول قائدة الركب؟ ـ ولأنّ الإمام السجاد عليه السلام ما زال عليلاً، ولو لم يكن كذلك بمشيئة الله لقُتل مع أبيه ـ والسـرُّ يكمن في الأطفال وتربيتهم، وفي شخص السيدة زينب عليها السلام، التي تفرض هيبتها على كلّ شيء، ولو كانت غيرها لقالت: إنّ هذه الحالة من الضرورات، فإن استطاع الكبار الصبر فكيف يمكن للصغار أن يتحملوا الجوع في رحلة السبي؟! وكانوا قد تحملوا العطش في واقعة الطفّ.

هذا هو الظرف المتأجج والملتهب والصعب، ولا يمكن أن ننسى كيف تركت السيدة زينب (عليها السلام) أخاها، إذ وصفت هي ذلك بقولها: «يا محمداه، صلّى عليك ملائكة السماء، هذا الحسين بالعراء، مرمّل بالدماء، مقطّع الأعضاء، وذريتك مقتّلة، تسفي عليها الصبا!»[10]. عندها سنعلم كيف كانت الحال التي هي عليها، وهو حال كلّ مَن معها ممّن تركن من الشهداء مع الإمام الحسين عليه السلام، وهو حال يجمع كلّ أنواع الأسى والحزن، والأذى والغضب، إلّا الجمال، فكيف كانت السيدة زينب عليها السلام تصف كلّ ذلك بوصف الـ(جميل) دون غيره من الأوصاف؟

ونضع عدّة احتمالات وتساؤلات لنرى لماذا اختارت وصف الجمال لما رأته؟

هل كانت السيدة زينب عليها السلامتريد أن تكابر أمام عدوها؟

هل خانتها لغتها ولم تجد بديلاً عن هذا الوصف؟

هل كانت تريد أن تواسي مَن معها في ركب السبايا؟

هل كانت لا تعني هذا بسبب الذهول أو غيره؟

أم أنّها كانت تقصد كلّ حرف وكلمة قالتهما في تلك الجملة العظيمة في جوابها.

وللرد على هذه الاحتمالات، نقول: إنّ الاحتمال الأوّل غير وارد؛ لأنّها لم تكن في حال يدعو للمكابرة؛ لأنّ جوابها فيه من الكبرياء الكامل الذي لم يترك لمحاورها مجالاً، إضافة إلى أنّها قدِمت إلى الكوفة وتعلم ما سيجري لها؛ لأنّ المنطق يقول: إنّ التي جرى عليها ما جرى في كربلاء لن يكون الطريق أمامها مليئاً بالزهور، بل سيكون استمراراً للطفّ وواقعتها، وربّما أكثر؛ لأنّها في كربلاء كانت بحماية إخوتها وأهلها، فهي متهيأة لهذا الظرف.

أمّا الاحتمال الثاني، فتفنّده اللغة الجزيلة التي تحدّثت بها على مدار واقعة الطفّ وما بعدها، ولا سيّما في مجالس أعداء رسول الله، كان منطقها منطق علي بن أبي طالب عليه السلام، فيسقط هذا الاحتمال بمجرّد النظر إلى بلاغة وفصاحة كلامها عليها السلام.

أمّا احتمال المواساة، فهذا بعيد أيضاً كون مَن معها أثبتوا أنّهم على ثبات ويقين تامّين، أمّا الاحتمال الآخر من أنّها قد تكون مذهولة أو غيره من الأُمور التي تُصيب الناس عند فواجع الدهر ـ وحاشاها ـ فالنصوص تُثبت العكس، والروايات تؤكّد أنّها كانت هي التي تسيطر على الموقف بعد الحسين عليه السلام، وعليه لم يتبقَ لنا إلّا أن نُسلّم أنّ السيدة زينب عليها السلام كانت قاصدة لكلّ ما قالته: «مَا رَأَيْتُ إِلَّا جَمِيلاً».

المطلب الثاني: تحليل مفردات النصّ

بعد عرض مناسبة النص والحال الذي كان عليه المتحاوران، سنختزل التحليل للنص بالموقف الذي يبدأ من: «قَالَ ابْنُ زِيَادٍ: كَيْفَ رَأَيْتِ صُنْعَ الله بِأَخِيكِ وَأَهْلِ بَيْتِكِ؟ فَقَالَتْ: مَا رَأَيْتُ إِلَّا جَمِيلاً»، وهنا سنختار من كلام ابن زياد (كيف، ورأيتِ، وصنع الله)، ونختار من كلام السيدة زينب عليها السلام (ما، وإلّا، ورأيت، جميلاً):

فالسؤال من ابن زياد بـ (كيف) إنّما هو ـ كما يقول النحاة  ـ للدلالة عن السؤال عن الحال[11]، أمّا (رأيت)، فيقول الزبيدي: «أصل الراء» مع الواو والياء «(الرؤية) بالضم إدراك المرئي؛ وذلك أضرب بحس قوى النفس: الأوّل (النظر بالعين) التى هي الحاسة وما يجري مجراها، ومن الأخير قوله تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى الله عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ﴾ فإنّه ممّا أجري مجرى الرؤية بالحاسة، فإنّ الحاسة لا تصح على الله تعالى، وعلى ذلك قوله ﴿يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ﴾، والثاني بالوهم والتخيل نحو أرى أنّ زيداً منطلق، والثالث بالتفكر نحو: إنّي أرى ما لا ترون (و) الرابع (بالقلب)، أي: بالعقل، وعلى ذلك قوله تعالى: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ وعلى ذلك قوله: ﴿وَلَقَدْ رَآَهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ قال الجوهري: الرؤية بالعين يعدّى إلى مفعول واحد، وبمعنى العلم يتعدّى إلى مفعولين، يقال: رأى زيداً عالماً، وقال الراغب: رأى إذا عُدّي إلى مفعولين اقتضى معنى العلم وإذا عدّي بـ (إلى) اقتضى معنى النظر المؤدي إلى الاعتبار»[12].

ويقول صاحب اللسان: «الرُّؤيَة بالعَيْن تَتَعدّى إلى مفعول واحد، وبمعنى العِلْم تتعدّى إلى مفعولين، يقال: رأَى زيداً عالماً، ورَأَى رَأْياً ورُؤْيَةً ورَاءَةً مثل راعَة، وقال ابن سيده: الرُّؤيَةُ النَّظَرُ بالعَيْن والقَلْب»[13].

وبهذا يتفق أصحاب المعاجم على أنّ الرؤية الحقيقية بالعين لها مفعول واحد، ونرى أنّ النص البليغ الذي قالته السيدة زينب عليها السلام في جوابها على ابن زياد، إنّما يتطلّب إمّا أن يكون بأكثر من مفعول؛ كون ما رأته كثير من الحقائق التي تُدرك بالعين وبالقلب وبالفكر، فالسائل نفسه ينتظر منها جواباً مليئاً بالكلمات المعبّرة عمّا رأته ـ سواء ما رأته بالعين المجرّدة، أو ما رأته بالقلب والفكر ـ لكن الذي يفاجئُنا في الأمر أنّها ببلاغتها قد ردّت عليه بأن يتعدّى الفعل بمفعول به واحد فحسب، وتريد به الرؤية العينية والقلبية والفكرية معاً، وهذا لا يتحقق إلّا ببلاغة تشبه بلاغة علي ابن أبي طالب عليه السلام؛ لأنّها لو كانت تقصد الجمال العيني ـ كما يفترضه أصحاب معاجم اللغة ـ لتحتم على للسيدة زينب عليها السلام أن تعبّر بلفظ غير الجمال، وإن كانت تقصد به المجاز، وهي رؤية القلب والفكر يكون عليها التعبير بمفعولين أو ثلاثة مفاعيل، وهنا تكمن البلاغة في التعبير بـ (رأى) العينية، والقصد منها القلبية؛ لأنّ الجمال بذاته هو أمر حسي ويختلف من فرد لآخر ـ كما سنبين ـ إضافة إلى أنّ السائل ما كان يقصد بالسؤال بـ(رأى )العينية؛ لأنّ السؤال بكيف أصلاً للدلالة على الحال، والحال أمر معنوي لا يُدرك بالجوارح، بل بالقلب والعقل والفكر.

أمّا سؤاله عن صنع الله، فالصنع كما يقول الزبيدي: «صَنَعَ الشيءَ صَنْعَاً وصُنْعاً بالفَتْح والضمِّ، أي: عَمِلَه فهو مَصْنُوعٌ وصَنيعٌ. وقال الراغبُ: الصُّنْع: إجادةُ الفِعلِ، وكلُّ صُنْعٍ فِعلٌ، وليسَ كلُّ فِعلٍ صُنْعاً، ولا يُنسَبُ إلى الحَيواناتِ والجَمادات، كما يُنسَبُ إليها الفِعلُ. انتهى»[14]، وهنا تكمن أيضاً دقة سؤال ابن زياد في اختيار لفظ (صنع)، وفي الإضافة إلى لفظ الجلالة، كي يُبيّن أنّ ما جرى على أهل بيت النبوة هو بأمر الله، ومنسوب إلى الله، والبلاغة في الإجابة على نسبة الأمر لله، فلو كان السؤال عن صنعه هو، أو صنع جيشه، أو صنع بني أُميّة، ربّما ما كانت ستُجيب بهذا الجواب؛ لأنّ الصناعة التي نسبها لله، والتي أراد أن يحرجها بها، كان سرّ جمالها كونها منسوبة لله تعالى، أضف إلى أنّه هنا يقصد إجادة الفعل وتمامه وإتقانه، كما يقول أصحاب اللغة، فكما حاول أن يكون سؤاله فيه أكبر قدر من التشفي والشماتة واللؤم على
آل بيت محمد عليهم السلام ـ هذا فضلاً عن الأفعال المرافقة لها من الإساءة لهم ـ كانت حاضرة في ردّ السؤال بصاعقة تزلزل عرشه وقصره، ومَن كان حوله، عندما ردّت عليه:
«مَا رَأَيْتُ إِلَّا جَمِيلاً»، وهنا تكمن الروعة والبلاغة في قولها من عدّة أُمور:

الإيجاز فلو حذفنا (ما وإلّا) تبقى كلمتان فقط.

سرعة الإجابة، ولو تأخرت أو تلكأت لفقدت الكلمة تأثيرها.

استخدامها للفعل رأيت، وبيّناه قبلاً، من حيث المعنى والاستخدام، ولكن ردها على ابن زياد بنفس اللفظ الذي استخدمه هو، كان أقوى وقعاً

استخدام (ما وإلّا) أدوات الحصر التي تُفيد التوكيد كما هو معروف، أي: إنّها حصـرت ما رأت كلّه بصفة الجمال.

استخدام أدوات الحصر (ما وإلّا ) تمنع أيّ إجابة يحتملها السائل أن تكون ردّاً لجوابه[15]. بقي أن نفهم معنى الجمال الذي ذكرته السيدة العظيمة وسنطيل فيه قليلاً:

الجمال في اللغة: يقول ابن منظور: «والجَمَال: مصدر الجَمِيل، والفعل جَمُل، وقوله}: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ﴾أَي: بهاء وحسن. ابن سيدة الجَمَال: الحسن يكون في الفعل والخَلْق، وقد جَمُل الرجُل بالضم جَمَالاً، فهو جَمِيل وجُمَال... والجَمَال يقع على الصُّوَر والمعاني، ومنه الحديث:إِنّ الله جَمِيل يحب الجَمَال. أَي: حَسَن الأَفعال كامل الأَوصاف»[16]، فالجمال واضح في اللغة من حسن الأفعال وكمال الأوصاف، أمّا في القرآن الكريم فقد ورد لفظ الجمال في قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْـرَحُونَ﴾[17]، وفي تفسيرها وتوضيح معنى الجمال يقول الزمخشري في تفسيره: «منّ الله بالتجمل بها كما منّ بالانتفاع بها؛ لأنّه من أغراض أصحاب المواشي، بل هو من معاظمها، لأنّ الرعيان إذا روحوها بالعشي وسرحوها بالغداة ـ فزينت بإراحتها وتسـريحها الأفنية وتجاوب فيها الثغاء والرغاء ـ آنست أهلها، وفرحت أربابها، وأجلتهم في عيون الناظرين إليها، وأكسبتهم الجاه والحرمة عند الناس»[18] .

أمّا مفهوم الجمال عند الحضارات القديمة قبل الإسلام، فقد كان أبرزها عند فلاسفة اليونان؛ لأنّ الجمال من وجهة نظرنا هي أحلى مراحل الحضارة، وقد ترك لنا التراث اليوناني عدداً من الآراء حول الجمال لا نوردها جميعاً، بل نختار منها بعضاً، فسقراط مثلاً: قد غلبت عليه الآراء الأخلاقية في مفهوم الجمال، فعدّ الجميل مرادفاً للنافع[19]، أمّا أفلاطون فيرى أنّ «الجمال شيء إلهي يرادف الخير، وأنّه معنى مطلق مجرّد غير قابل للتغيير، وقرر أنّ روح الإنسان تمتعت بالجمال الأزلي في الحياة الأُولى، قبل أن تحل بالأجسام في هذا العالم، ومن أجل هذا إذا رأى شيئاً فيه نفخة من الجمال، أخذته الروعة لتذكر ما كان فيه. ومن رأي أفلاطون أنّ الجمال معنى في الشـيء مستقل عن حواسنا»[20].

والجمال في الاستعمالات العربية قبل الإسلام يختلف عنه بعد نزول القرآن الكريم، فقد كان العرب قبل الإسلام يستعملون ألفاظ الجمال على الصور المادية في وصف المرأة، والسيف، والناقة، والخيل، وفي هذا السياق يؤيد الدكتور شوقي ضيف هذا الرأي: «ونراهم يقفون عند المرأة، فيصفون جسدها، ولا يكادون يتركون شيئاً فيها دون وصف لها، إذ يتعرّضون لجبينها وخدها، وعنقها وصدرها، وعينها، وفمها وريقها، ومعصمها وساقها، وثديها وشعرها، كما يتعرضون لثيابها وزينتها، وحليها وطيبها، وحيائها وعفتها...»[21]، بينما نجد أنّ الجمال بعد الإسلام أخذ منحىً آخر، فهو أضاف إلى الكمالات المادية المفاهيم والمعاني المعنوية والروحية من غير إفراط ولا تفريط بين الصورة والمعنى الحسـي، ونجد هذا في فعل الرسول صلى الله عليه وآله عندما كان يهتم بالنظافة ويدعو إليها، ويهتم بالمسجد، وأخذ الزينة عند دخول المسجد رغم نهيه عن التبرج والمبالغة والإسراف، وغيرها من كمالات الأُمور التي تملأ كتب السيرة النبوية.

وقد عرف الفكر العربي ولا سيّما فلاسفة العرب فلسفة الجمال، فبدأت في الظهور في مطلع القرن الثالث، ولم تتبلور نهائياً إلّا في القرن الثامن الهجري، بعد أن ساهم فيها أعلام كُثر، من أبرزهم التوحيدي(410هـ)، وابن سينا(428)، والسهروردي(588هـ)، وابن عربي(638هـ)، وابن سبعين(649هـ)، وابن الدباغ(696هـ)، وابن الخطيب(676هـ). وكانت هذه الفلسفة نتيجة لكلّ العلوم العربية الإسلامية التي ظهرت بعد الفقه، وهي: علم الكلام، والفلسفة، والفكر العرفاني، يضاف إليها كلّ العلوم التطبيقية الأُخرى، مرتبة ترتيباً زمنياً، ومرتبطة في ظهورها بحاجات المجتمع العربي الإسلامي وتطوره[22].

أمّا سرّ الفلسفة التي جاءت بها السيدة زينب عليها السلام، فهو هذا الانتماء إلى مدرسة علي بن أبي طالب وفاطمة الزهراء عليهما السلام، وهما الامتداد إلى الرسول الأعظم محمد صلى الله عليه وآله، وبلا شك هم الطريق إلى الله، والله هو عنوان الجمال، وهو الذي من أسمائه الجميل؛ لذلك ما يأتي من الله عند السيدة زينب عليها السلام بلا شك سيكون جميلاً.

المبحث الثاني: أثر صناعة الجمال في تصحيح مسار العنف

ما نعني بالعنف هنا هو: كلّ ما هو غير جميل، كلّ ما يحتوي على شيء من القبح في النفوس والطباع والسلوك، هنا تعطينا السيدة زينب عليها السلام دروساً في ذلك، وسنفصّل البحث بما يناسبه من المطالب التالية:

المطلب الأوّل : أثر الجمال في ردّ العدو وإصلاحه

من أهمّ المفاهيم التي جاء بها القرآن الكريم هو إصلاح الآخر بالحكمة والموعظة الحسنة، ودفع السيئة بالحسنة، فقال (جلّ وعلا): ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ﴾[23]، وقال: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيم﴾[24]، وقال: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ وَجَادِلهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ ﴾[25]، فكان المسلمون أوّل مَن أضاع هذا المبدأ بعد الرسول الكريم صلى الله عليه وآله، ودخلت الأُمّة في حروب ونزاعات وعنف لها أوّل وليس لها آخر، فبدأت منذُ حروب الردّة إلى حروب داعش، فكان العنف يقابله العنف الأقوى ليقضي عليه، ولكن السيدة العظيمة عليها السلام في موقفها هذا أعادتنا إلى هذا المبدأ من جديد؛ فلو راجعنا قليلاً في الرواية نجد أنّ السائل الذي قد وجّه السؤال إلى السيدة  زينب عليها السلام، ولم يكن عدواً لها وحدها، بل هو عدو لله ولرسوله، وإنّما كان يدّعي الدين؛ لأنّه لا مفرّ اليوم من الإسلام بعد أن أصبح دولة ومكاسب، يسعى له المرتزقة ممّن يدّعون أنّهم من حماة الدين، المهم من هذا أنّ العدو مهما كانت درجة عنفه وقوته وتوحشه لا بدّ من وجود حلّ لهدِّ البناء القوي الذي يتحصن خلفه، هذا البناء كان في داخله خواء وفراغ مجوّف ينكسر من أوّل ضربة على قشرته الزائفة، لذلك يجب مواجهته، لا السكوت عنه أو تركه يعيث في الأرض فساداً؛ لذلك فقد تصدّت له بكبرياء الحق، وبالصدق، وبالإيمان، لم تخشَ من بطشه وسطوته، إنّها قوة الجمال الحقيقي الذي يقهر كلّ قوى الشر والظلام.

في مراجعة قصيرة أيضاً لواقعة الطفّ ولرحلة السبي، وللوقوف بين يدي ابن زياد نجد أنّ الأمر كان مهولاً على سيدة جليلة، لم يكن يجرؤ أحد للنظر إلى خيالها، فكيف بالوقوف في مثل هذا الموقف المهين والمشين على كلّ المسلمين؟! كيف وصلت بهم الأُمور من الإساءة إلى بيت النبوة؟ في الوقت الذي ينظر لها على أنّها سبية خارجية أو كما يصفها ابن حريث في الرواية: «فَقَالَ لَهُ عَمْرُو بْنُ حُرَيْثٍ: إِنَّهَا امْرَأَةٌ، وَالمَرْأَةُ لَا تُؤَاخَذُ بِشَيْ‏ءٍ مِنْ مَنْطِقِهَا».

إنّ هذا الموقف الذي سجلته هذه السيدة العظيمة عليها السلام يجب أن يكون درساً تتعلّمه الأجيال، وهو أن يكون الرد على عالم العنف والتوحش والقبح لا بنفس منطقه، بل يكون بالمنطق المعاكس له؛ لأنّ الاستمرار في العنف لا يولد إلّا مزيداً من العوالم الموتورة، من تشريد، ويتامى وأرامل، وجوع وفقر، وثارات لا متناهية، إنّ الرد على هذا الطاغية كان فيه من السلم بمقدار ما فيه من القوة التي بقيت على مدى الدهور تذكرها الأجيال، إنّ الصوت الخافت الهامس النقي الصافي، ينتصر على كلّ أصوات الفوضى والهذيان والصراخ، هكذا هي المسألة.

ولعلّنا نحن اليوم نحاول أن نتوصل إلى نظرية المقاومة بالسلم، أو المقاومة بصناعة الجمال، أو إشاعة ثقافة الجمال في قبال ثقافة العنف، ولتتحقق هذه النظرية يجب أن يكون حاملها على قدر من الإيمان بقدر ما تحمله هذه السيدة، وكثيراً ما يُذكر  نماذج من الذين استطاعوا تغيير العالم الطاغي، والوقوف أمام الجبابرة، وما كان سلاحهم سوى الكلمة أو حتى الصمت، ولعلّ غاندي الذي انتصر بثورته على المستعمرين لا بشيء سوى صمته وصيامه، ومناهضته للعنف، فأصبح ممّن يخلدهم التاريخ لمواقفهم السلمية، ونيلسون مانديلا لم يكن ليصل بجنوب أفريقيا إلى ما وصلت إليه، لو تعامل بمنطق السلاح والقوة المادية، نحن اليوم في عالم العنف والإرهاب والتوحش والفوضى التي صنعها الجهلة من المسلمين بأمس الحاجة إلى قوة ومنطق المثقف، والصوت الذي يصنع السلام بالجمال، لا بالسلاح.

ولننهض بعالمنا الإسلامي الذي دمرته الحروب والصراعات، لا بدّ من توفر بعض الشروط، والتي يجب أن يتحلّى بها مَن وقع عليه الظلم أوّلاً؛ لينهض بنفسه.

أوّلها أن يكون حكيماً، وأن يكون صادقاً؛ ليكون له أثره الذي يتركه على نفوس العدو كما فعلت السيدة زينب عليها السلام، وأن يكون سريعاً مباغتاً قوياًَ، لا مهادنة لديه ولا تقلب في المواقف، عندها يكون كنقاط المطر التي تسقط تباعاً على صخرة في مكانٍ واحدٍ؛ لذلك نحن لم نشاهد السيدة زينب عليها السلام قد تقلّبت في مواقفها بوجود الحسين أو بعد غيابه، إنّما الموقف واحد والقوة واحدة، وإن تغيّرت المواقف، هكذا نحن نحتاج إلى الثبات في مواقفنا، وإن كانت بسيطة، وأن تكون غير مسلحة وغير مدعومة من محاور القوة في الأرض وشرارها؛ ليكون البقاء للخير للجمال؛ لأنّ الشرّ يأكل بعضه بعضاً، ولا بدّ للقاتل من أن يُقتل، بينما مَن يزرع الجمال يحصد الخير، الجمال هو الحل الوحيد لنا في مقابل العنف الذي يسود العالم.

المطلب الثاني: أثر القيادة في تحقيق النصر

إنّ من أهم المواقف التي مرّت بها السيدة زينب عليها السلام هي قيادة ركب مفجوع، كلّ أفراده من الفاقدين، ما بين أيتام وثكالى، وما من قائد لهم سواها حيث كان الإمام السجاد عليه السلام وقتها عليلاً لا يقوى على أن يقوم هو بإدارة الركب، وأيّما فرد غيرها قد واجه من المواقف التي واجهتها من العطش، والقتل، وحرق الخيام، وهلع الصغار، ربّما لا يلومه أحد لو كان ردّة الفعل عنده هي البكاء والعويل، والندب والنواح، ولكن هي لم تكن امرأة وحسب، بل كانت قائدة لـمَن تبقّى من بيت علي وفاطمة عليهما السلام، وأدركت أن بقوتها بقاء هذا البيت واستمراره، وبانهيارها ينهار كلّ شيء؛ ولهذا كانت واقفة تدافع عن قضيتها ودينها واسمها، ولو كانت نطقت بكلمة غير الذي قالته في مواجهة ابن زياد ربّما انهار الجميع من نساء وأطفال، سواء من العلويات، أو من نساء الأصحاب، إنّ موقف السيدة زينب عليها السلام كان قد منح القوة لكلّ مَن معها، وسلب الظفر والفوز من العدو الذي بطش ببيت محمد صلى الله عليه وآله، هذا الموقف الرسالي تُعلّمنا إيّاه السيدة زينب عليها السلام، بأن نتعالى على الجراح ونكبر على المواقف، فننتصر ونستمر، ويهزم الأعداء.

وهذا سرّ بقاء النساء والأطفال على مواقفهم، رغم الجوع والعطش وقسوة الجند ووجع السياط، ورغم قسوة رؤية الرؤوس المرفوعة على الرماح تتقدّم الركب المسبي إلى الشام، هكذا تقاد الجيوش، وهكذا تنتصر ولا تستسلم، وتعلّمنا أنّ المعارك الرسالية والأهداف النبيلة لا تنتهي بموت أصحابها، بل تصنع من موتهم حياة لهم وللأجيال من بعدهم، ربّما لو كانت قد استسلمت السيدة زينب عليها السلام لما بقيَ من الطفّ إلّا أن تكون معركة غير متكافئة، انتهت بقتل الأخيار على يد أشرار الأرض، وطواغيت الظلام، وهكذا كلّ المعارك هي صراع بين إرادتين إحداها تمثّل الخير والثانية تمثّل إرادة الشرّ، ولكن لماذا بقيت هذه المعركة دون غيرها يتجدد ذكرها ليُلهم النفوس صناعة النصر، كما صنعته السيدة زينب عليها السلام، وهي ما زالت تعلو ثيابها دماء أُسرتها من الإخوان والأولاد والأهل والأصحاب.

إنّه درس في قلب الخسارة فوزاً، والهزيمة انتصاراً، والموت حياةً، وهذا هو ما قالته بنفسها في ردّها على شماتته وتشفيه: «لَعَمْرِي! لَقَدْ قَتَلْتَ كَهْلِي، وَقَطَعْتَ فَرْعِي، وَاجْتَثَثْتَ أَصْلِي، فَإِنْ كَانَ هَذَا شِفَاءَكَ فَقَدِ اشْتَفَيْتَ».
هكذا انتصرت السيدة زينب عليها السلام، بكلمة واحدة استطاعت أن تقلب الطاولة على رأس صاحبها ابن زياد، واستطاعت أن تجعل منه قزماً ضئيلاً، أمام قامة التحدي التي تملكها هذه المرأة البالغة من العمر على مشارف الستين[26]، وعبثاً حاول أن يتهمها بالسجاعة ولم ينجح، «قَالَ ابْنُ زِيَاد: هَذِهِ سَجَّاعَةٌ، وَلَعَمْرِي لَقَدْ كَانَ أَبُوكِ سَجَّاعاً شَاعِراً».

يحاول أن يوجّه الحوار إلى اتجاه آخر كما فعل القرشيون قبلاً، بأن يتهموا الرسول صلى الله عليه وآله بكونه شاعراً وكاهناً وساحراً، وهذا ديدن أصحاب الباطل عندما تكون معهم القوة المادية، يوجهون كلّ أسلحتهم لشغل الرأي العام بأكاذيبهم، وينسبونها للآخر؛ ليكسبوا الحرب الباطلة، وتتبعهم أصحاب النفوس الضعيفة، والمنافقون، والمرتزقة، ممّن يبحثون عن المكاسب، ولكن حين قالت له: « يَا بْنَ زِيَادٍ مَا لِلْمَرْأَةِ وَالسَّجَاعَةَ». هكذا وقف كلّ مَن كان تحت لواء السيدة زينب عليها السلام منتبهاً يقظاً متحدياً؛ لأنّ هذه الكلمات القصيرة الثابتة، لها أثرها في نفوس النساء والأطفال، ولأنّ مقاييس النصر والهزيمة لا تقاس بمقياس مادي؛ فما تراه انتصاراً أو انكساراً ليس بالضرورة أن يكون كذلك في نظر الآخر المقابل، لكن الموقف هنا واضح في أنّ مشاعر القوة والتضحية والفداء، قد عادت من جديد إلى أصحاب الركب الحسيني، أو مَن بقيَ منهم حيّاً، ليشهد النصر مرّة ثانية على يد السيدة الجليلة، التي استطاعت أن تزرع الثقة في قلب كلّ مَن كانت منكوبة وكسيرة واستطاعت أن تشبع أفواه الأطفال الصغار من طعم الكبرياء الذي أطعمتهم، أعطتهم الدرس في أنّ الموت جوعاً بكبرياء خير من الموت على شبع الذل، وهكذا قادت السيدة زينب عليها السلام الرحلة لتكمل المسيرة إلى الشام.

المبحث الثالث: الإصلاح النفسي والأخلاقي في تحقيق السلم والأمان

إنّ الهدف الذي يعمل عليه البحث هو الارتفاع بالسلوك الإنساني من العنف إلى السلم والصلاح والإصلاح، من خلال إثارة الصفات الحميدة المخبوءة في الذات الإنسانية، والتي غطتها القسوة التي تقابل بها الحياة لهذه النفوس الهشة، محاولة البحث في داخل الذات من صفات الجمال الإنساني، وزرعها في المجتمع، وسينتظم المبحث على المطالب الآتية:

المطلب الأوّل: البحث عن الجمال في إصلاح الآخر

في المرحلة الثالثة من دروس الإصلاح نجد أنّ الإصلاح لا يأتي من الخارج، فكثيراً ما يتساءل مَن يستمع إلى هذه المحاورة، أين الجمال الذي تراه هذه السيدة ولا يراه غيرها؟ كيف لا يرى المتعاطفون مع القضية الحسينية سوى الحزن والأسى والغدر والعطش والقتل؟ كيف يمكن لهذه السيدة أن تحصر ما تراه بالجميل؟ لا بدّ من أنّ في هذا عمق الرؤية التي تراها السيدة العظيمة، والتي لا يراها غيرها، خاصّة في نشوة الظفر للحاقدين على آل بيت الرسول عليهم السلام، وفورة الحزن والغضب لمحبي آل البيت عليهم السلام.

غالباً ما تكون المواقف تُنظر من عدّة جهات، وتُحلل من عدّة وجهات نظر وآراء، فالسيدة زينب عليها السلام صادقة تماماً في قولها، ولكن لنفهم هذا الصدق يجب أن نتحلّى بهذه الروح وهذا القلب المؤمن، هي لم ترَ الخيانة من أهل الكوفة كما يرى الذين اتهموهم، بل رأت أنّ من خيرة أصحاب الحسين عليه السلام الذين استُشهدوا معه هم من أهل الكوفة[27]، كحبيب بن مظاهر الشيخ الجليل[28]، وزهير بن القين[29]، وكثير ممَّن نالوا هذا الشرف.

إنّ السيدة زينب عليها السلام لم تشاهد الدماء والجراح، بل كانت ترى الشهادة وريح الجنة، والأجر الذي يناله الشهداء، السيدة زينب عليها السلام كانت ترى معاني الوفاء والحب لأخيها الحسين عليه السلام من قِبل أهل بيته، ولا سيّما من إخوته، وكيف ضحّت السيدة أُمّ البنين[30] بأولادها لنصرة أخيهم[31]، ومن أبناء أبي طالب[32]، كانت ترى شجاعة الفرسان وقتالهم البطولي أمام جيش جرّار من أعداء الله، كانت ترى شباباً يتسابقون للفوز بالجنة، وفضل الاستشهاد بين يدي إمامهم، كانت ترى النساء[33] وهن يدفعن برجالاتهن من الأزواج والأبناء للقتال مع ابن بنت رسول الله، كانت ترى كيف أنّ أخاها العباس عليه السلام رمى الماء من يديه عندما تذّكر عطش الحسين عليه السلام، كانت ترى صبر بنات[34] وزوجات الحسين عليه السلام[35]، كيف وقفن في نصرة الإمام وتحملن كلّ ما أصابهن من الأحداث الأليمة والمفجعة، وغيرها من المعاني السامية والمواقف الجليلة التي يمكن لها وحدها أن تراها؛ لأنّها ليست من النساء اللاتي جئن لأجل النصر والفوز بكرسي الخلافة، أو ملك الكوفة، أو غيرها، بل إنّها خرجت في أمر رسالي يتحتّم عليها القيام به، بوصفه واجباً شرعياً طاعةً لإمام زمانها، وقد حققت هذا الغرض كاملاً غير منقوص منه شيئاً، ولهذا ما كانت لتنظر إلى سيئات الآخرين وإساءاتهم، بل كانت تبحث كيف تؤدي رسالتها على أكمل وجه، فكان أن رأت الجمال بكامله.

في هذا تُعلّمنا السيدة زينب عليها السلام درساً هو أن نترك الاتكالية والبحث عن السقطات والهفوات والزلات، ونتقاعس عن أداء دورنا، بل نحن ملزمون أمام الله وأمام إمام زماننا أن نكون على قدر مستوى النداء لأداء الواجب الذي يتطلبه واقعنا الحالي، دون النظر إلى الوراء.

نتعلّم درساً من السيدة زينب أن نترك الآخر لنفسه له ما له وعليه ما عليه، وأن نبحث عن مواطن الجمال في الآخر، عن الصفات الحسنة، وعن المواقف الجيدة، وعن الخير الذي يمتلكه كلّ إنسان، فليس من المعقول أن يكون إنسان كلّه خير مطلق، ولا أن يكون آخر كلّه شرّ مطلق، فابحث عن الخير والجمال واترك ما عداه.

المطلب الثاني: الجمال الروحي والنفسي وموقعه من إصلاح الذات

بدأنا في رحلتنا مع السيدة زينب عليها السلام من العدو إلى الأصدقاء، وعرّجنا على الأهل، ونحن الآن مع النفس، إن لم تكن النفس صافية جميلة لن تشعر بالجمال، وهذا مصداق قول الشاعر إيليا أبو ماضي:

 

أيّها الشاكي وما بك داء

 

 كن جميلاً ترَ الوجود جميلا[36]

وكذلك قول المتنبي: [37]

 ومَن يكُ ذا فمٍ مرٍّ مريضٍ

 

 يجدْ مرّاً به المـاءَ الزلالا

وليتحقق ما قلناه سلفاً لا بدّ من أن تكون النفس والروح هي الأجمل؛ لتستشعر الجمال المحيط بها، فلو كانت النفس مريضة لن تعرف الصحة، لا بل ستعمل على إصابة الآخر السليم بالعدوى، وهنا دعوة من السيدة العظيمة أن يكون مذاقنا سليماً، بالكلمة والإحساس بالآخرين، والتعامل بالطيب والحسنى، وقبل كل هذا لا بدّ أن يكون تعاملنا مع الخالق الواهب للحياة تعاملاً جميلاً، ولعلّ هذا مصداق ما جاء على لسان زينب عليها السلام حينما سارت إلى أخيها بعد أن سقط في ساحة المعركة، ووقفت عند رأسه، ورفعت طرفها إلى السماء وقالت: «اللّهمّ تقبل منّا هذا القربان»[38]، وهذا هو عين الصفاء مع الله عندما يكون الإنسان في رحاب رضا الله، لا يفكر في ما دونه، وهكذا نتعلّم أنّ كلّ ما ينزل بالإنسان من نوازل تهون ما دامت في عين الله، وفيها رضا وقرب من الله؛ ولذلك لا يأتي من الجميل إلّا الجميل.

إنّ المؤمن إذا ما استطاع أن يحافظ على رباطة جأشه في مقابل الحوادث المؤلمة، بالتأكيد تجعله متعاوناً ومتسامحاً ومحباً ومتفائلاً، ويحاول أن لا يظلم الناس، ولا يؤذي خلق الله، بل سيكون مسالماً أكثر منه قبل المآسي والنوازل، وهكذا هو درس في الأخلاق وإصلاح الذات، والمصالحة مع النفس، وكلّ هذا بفضل الرضا بحكم الله وقضائه. هكذا تكون آخر الدروس الإصلاحية التي تكون بين المرء ونفسه، وهذا هو أصعب الدروس؛ لأنّ الصلاح يبدأ من الداخل من النفس، فمَن صلحت سريرته يمكنه أن يتصالح مع العالم أجمع.

وهنا نؤكد أنّ السيدة زينب عليها السلام، هي العالمة العارفة التي تعيش حالات العشق مع الله، فترى كلّ ما يأتي من الله هو الجمال بعينه، ولعلّك قد لا ترضى بأن يكون مصابها أقل من هذا المصاب، ولو كان ما أصابها أقل ممّا جرى لما علا شأنها كما هو حاصل لها، إنّ سرّ صمودها وبقائها لاعتقادها إنّ ما أصابها هو من عند الله، ولا تبحث السيدة زينب عليها السلام مثل باقي الناس عن أمر يصبرها؛ لأنّه عين الجمال لديها.

في هذا الدرس الروحي العظيم نتعلّم من السيدة زينب عليها السلام أنّ التسليم لله يجعل الإنسان أكبر وأقوى وأعلى شأناً، إذا ما تقبلنا هذا الأمر بالتسليم له، وبهذا نتوصل إلى أنّ الإنسان عندما يسلّم أنّ ما يقدّر له هو من الله بالتأكيد لن يؤذي مَن حوله، وسيكون مصدر فخر لـمَن حوله، عندما يكون القدوة في التحدي والصبر، فإن الله سبحانه وتعالى لن يخذله، وسيكون مصدر احترام وتقدير للآخر.

ومن نفس النص هنالك درس واضح أنّ التسليم لله لا يعني الضعف والاستسلام، بل أن يكون الصبر مغمساً بنفس المقدار من القوة والتحدي بوجه الظالم العاصي لله ولرسوله؛ ليكون مذاق الصبر جميلاً: ﴿فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً وَنَرَاهُ قَرِيباً﴾[39]، ﴿... فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَالله المُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُون﴾[40]، ويقول الزمخشري في تفسيره «[أنّه الذي لا شكوى فيه» ومعناه الذي لا شكوى فيه إلى الخلق] ألا ترى إلى قوله: ﴿ إِنَّمَا أَشْكُو بَثّى وَحُزْنِى إِلَى الله﴾ [ يوسف: 86] وقيل: لا أعايشكم على كآبة الوجه، بل أكون لكم كما كنت. وقيل: سقط حاجبا يعقوب على عينيه، فكان يرفعهما بعصابة، فقيل له: ما هذا؟ فقال: طول الزمان وكثرة الأحزان. فأوحى الله تعالى إليه: يا يعقوب أتشكوني؟ قال: يا رب، خطيئة فاغفرها لي ﴿وَالله المُسْتَعَانُ﴾ أي: أستعينه ﴿عَلَى﴾احتمال ﴿مَا تَصِفُون﴾من هلاك يوسف والصبر على الرزء فيه»[41].

 أمّا صاحب الميزان، فيقول: «وقوله: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾مدح للصبر، وهو من قَبيل وضع السبب موضع المسبب والتقدير: سأصبر على ما أصابني، فإنّ الصبر جميل، وتنكير الصبر وحذف صفته وإبهامها للإشارة إلى فخامة أمره، وعظم شأنه، أو مرارة طعمه، وصعوبة تحمله. وقد فرّع قوله: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ على ما تقدّم؛ للإشعار بأنّ الأسباب التي أحاطت به وأفرغت عليه هذه المصيبة، هي بحيث لا يسمع له معها إلّا أن يسلك سبيل الصبر...»[42] ويضيف «ومن هنا يُعلم أنّ الصبر نعم السبيل على مقاومة النائبة وكسر سورتها، إلّا أنّه ليس تمام السبب في إعادة العافية وإرجاع السلامة، فهو كالحصن يتحصّن به الإنسان لدفع العدو المهاجم، وأمّا عود نعمة الأمن والسلامة وحرية الحياة، فربّما احتاج إلى سبب آخر يجر إليه الفوز والظفر، وهذا السبب في ملة التوحيد هو الله عزّ سلطانه، فعلى الإنسان الموحد إذا نابته نائبة، ونزلت عليه مصيبة أن يتحصن أوّلاً بالصبر حتى لا يختل ما في داخله من النظام العبودي، ولا يتلاشى معسكر قواه ومشاعره، ثمّ يتوكل على ربّه الذي هو فوق كل سبب، راجياً أن يدفع عنه الشر ويوجه أمره إلى غاية صلاح حاله، والله سبحانه غالب على أمره، وقد تقدّم شيء من هذا البحث في تفسير قوله تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ﴾ [البقرة: 45]»[43].

بينما كان صاحب الأمثل يرى: «وبالرغم من احتراق قلبه ولهيب روحه لم يجرِ على لسانه ما يدل على عدم الشكر، أو اليأس، أو الفزع، أو الجزع، بل قال: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ ، ثمّ قال: ﴿وَالله المُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُون﴾، وأسأله أن يبدل مرارة الصبر في فمي إلى «حلاوة»، ويرزقني القوة والقدرة على التحمّل أكثر أمام هذا الطوفان العظيم؛ لئلا أفقد زمامي، ويجري على لساني كلام غير لائق. ولم يقل: أسأله أن يعطيني الصبر على موت يوسف؛ لأنّه كان يعلم أن يوسف لم يُقتل... بل قال: أطلب الصبر على مفارقتي ولدي يوسف... وعلى ما تصفون»[44]، وآراء وأقوال المفسرين في هذا الأمر كثيرة وجميلة في وصف الصبر بالجمال، وهو برأينا أنّ جمال الصبر إذا كان فيه مرضاة الله تعالى، وأنّ ما يتبع الصبر هو الجمال؛ لأنّ فيه الرفعة والسلم والأمان، الذي ينشده الإنسان ويسعى إليه.

الخاتمة

بعد هذا التجوال في نفحة من نفحات سيرة السيدة زينب عليها السلام، يمكن أن نلخّص أهمّ نتائج البحث:

أنّ موقف السيدة العظيمة في قصر ابن زياد يمكن أن يتكرر مع كلّ إنسان منذُ الطفّ إلى هذه الأيام، وربّما يستمر أكثر، مَن فقد الأهل والدار والوطن، والتعرّض لمواقف الشماتة، والمواقف التي مرّت بها السيدة زينب عليها السلام أصبحت تتكرر كلّ يوم، وهذا يجعل النص خالداً حيّاً، يمكن أن يتسلّح به المؤمن في كلّ وقت محزن ومؤلم.

أنّ السيدة زينب عليها السلام سبقت الأجيال في فهم الجمال، وصناعة الجمال، وبادرت به في موقفها ضد الطغاة، الجمال بالكلم، والجمال بالحزن، والجمال بالموقف، إنّه ثقافة وعلم توصّل إليه العلماء متأخرين عنها بعشرات القرون.

إزدياد الحاجة إلى سيادة موقف المثقف الذي يبحث عن الجمال، ويفتش عنه بين ركام الجراح، وقد يكون هذا الموقف بكلمة أو فعل، أو أيّ شيء يبعث الأمل في النفس.

ليس كلّ عنف يمكن أن يجابه بالعنف؛ لأنّ العنف يولد آخر، فيزيد من تأجج نيران الحقد بين الناس، بل يمكن أن يقابل العنف بالسلم القوي لا السلم الخانع؛ لأنّ الخنوع خيانة للمواقف، وبالتالي تؤدي إلى عودة العنف من الداخل، بينما السياسة القوية الحكيمة الثابتة الرؤيا والموقف، تكف الحروب وتُعيد الأمان والبناء من جديد.

أنّ القوة الداخلية التي يمتلكها الإنسان يمكن لها أن تؤدي إلى قلب الموازين من الخسارة إلى الفوز، ومن الهزيمة إلى النصر.

قوة الجمع بقوة القيادة، والعكس أيضاً، لذلك على القائد أن يكون ذا إمكانات عالية من القوة والصبر والتحمل.

ثقافة الجمال تبدأ من السلوك الفردي، ومتى كان الجمال سلوكاً لدى الأفراد أصبح ثقافة مجتمعية.

المعاني السامية يفضي بعضها إلى بعض، والمفاهيم السيئة إذا ما تُركت تصبح جرائم تؤدي إلى العنف.

أنّ الجمال فيه إصلاح للذات، وإصلاح الذات أهم ما يمكن أن يختصر الطريق للوصول إلى السلام.

الأمان والسلام النفسي ينعكس على التعامل مع الآخر بالسلام والأمان، والعكس صحيح؛ لأنّ القلق والتوتر يجعل الإنسان يعيش في مضنّة الشك، وسوء الظنّ، وبالتالي خلق المشاكل والأذى، والشتائم، والسب، والقذف.

 

فهرست المصادر

 القرآن الكريم.

  1. تاريخ الرسل والملوك، أبو جعفر بن جرير الطبري (224ـ310هـ)، تحقيق وتعليق: عبد الأمير علي مهنا، منشورات الأعلمي للمطبوعات، ط2، 2012م، بيروت.
  2. الأمثل في تفسير كتاب الله المُنزل مع تهذيب جديد، الشيخ ناصر مكارم الشيرازي، مؤسسة الأعلمي، ط1 مصححة، 2013م، بيروت.
  3. بحار الأنوار ( الجامعة لدرر أخبار الأئمّة الأطهار عليهم السلام)، للعلامة الشيخ محمد باقر المجلسي، المولود بإصفهان سنة 1037، (ت1110هـ)، طبعة مؤسسة الوفاء، 1414هـ، بيروت ـ لبنان.
  4. تاج العروس من جواهر القاموس، محمد بن محمد بن عبد الرزّاق الحسيني، أبو الفيض، الملقّب بمرتضى، الزبيدي، المكتبة الشاملة، الإصدار الثاني.
  5. تاريخ اليعقوبي، أحمد بن أبي يعقوب بن جعفر بن وهب بن واضح، المعروف باليعقوبي، تحقيق: عبد الأمير مهَنَّا، منشورات الأعلمي، ط1، 2010م، بيروت.
  6. تنقيح المقال في علم الرجال: عبد الله المامقانيّ، تحقيق واستدراك: محي الدين المامقاني، ط1، 1423هـ، مؤسسة أهل البيت لإحياء التراث.
  7. حياة الإمام الحسين بن علي عليه السلام دراسة وتحليل، الشيخ باقر شريف القرشي، ط4، 1992م، انتشارات مدرسة الإيرواني.
  8. حياة حبيب بن مظاهر، السيد علي القصير، ط1، 2010م، إصدار قسم الشؤون الفكرية في العتبة الحسينية ـ شعبة التحقيق.
  9. المجموعة الشعرية الكاملة، إيليا أبو ماضي، مكتبة نرجس الألكترونية.
  10. رحلة السبي، إعداد ونشرمعهد سيد الشهداء عليه السلام للمنبر الحسيني، ط1، 2006م.
  11. روضة التعريف بالحب الشريف، ابن الخطيب، لسان الدين، تحقيق: محمد الكتاني، ط1، 1970م، دار الثقافة، بيروت.
  12. زينب الكبرى عليها السلام من المهد إلى اللحد، محمد كاظم القزويني، تحقيق: مصطفى القزويني، ط1، 1423هـ، منشورات دار الغدير.
  13. سيرة الأئمّة الاثني عشر، هاشم معروف الحسيني، دار التعارف للمطبوعات.
  14. شبكة رافد للتنمية الثقافية، الموقع الألكتروني.
  15. شرح ديوان المتنبي، أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي (ت468هـ)، نشر مطاح، إصدار 2013م.
  16. مفهوم الجمال في الفكر الإسلامي، ماجد محمد حسن عن موقع:
  17. http://www.rezgar.com.
  18. العصر الجاهلي، دكتور شوقي ضيف، نشر دار المعارف بمصر.
  19. الكامل في التاريخ، عز الدين أبو الحسن علي بن أبي الكرم الشيباني المعروف بابن الأثير (ت630هـ)، تحقيق: إبراهيم شمس الدين، ط1، 2011م، نشر الأعلمي للمطبوعات، بيروت.
  20. الكشاف، أبو القاسم محمود بن عمرو بن أحمد، الزمخشري، وفي المكتبة الشاملة: http://www.altafsir.com.
  21. لسان العرب، محمد بن مكرم بن منظور الأفريقي المصري، دار صادر، بيروت.
  22. مجمع البحرين، الشيخ فخر الدين الطريحى (ت1085هـ)، المكتبة الشاملة، الإصدار الثاني.
  23. مروج الذهب ومعادن الجوهر، أبو الحسن علي بن الحسين المسعودي (346 ـ 957هـ)، ش: عبد الأمير علي مهنّا، ط2، 2010م، منشورات مؤسسة الأعلمي، بيروت.
  24. مقاتل الطالبيين، أبو الفرج علي بن الحسين الإصفهاني (356هـ)، ط1، ب ت، منشورات الفجر، بيروت.
  25. موسوعة عاشوراء، الشيخ جواد محدّثي.
  26. موقع منتدى مجمع اللغة العربية على الشبكة العالمية:  http://www.m-a-arabia.com.
  27. موقع موضوع، قسم اللغة العربية: http://mawdoo3.com.
  28. الميزان في تفسير القرآن، السيد محمد حسين الطباطبائي، ط1، 1997م، مؤسسة الأعلمي، بيروت.
  29. اللهوف في قتلى الطفوف، أبو القاسم علي بن موسى بن جعفر بن طاووس (ت664هـ)، تحقيق: الشيخ فارس تبريزيان «الحسون»، سلسلة الكتب المؤلفة في أهل البيت عليهم السلام (42)، إعداد مركز الأبحاث العقائدية.

 

 


[1] جامعة الكوفة /كلّية التربية.

[2] «الفلج: الظفر والفوز». الطريحي، فخر الدين، مجمع البحرين: ج3، ص425.

[3] المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج45، ص115ـ116. ابن طاووس، علي بن موسى، اللهوف في قتلى الطفوف: ص10ـ11.

[4] الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الرسل والملوك: ج4، ص651ـ652.

[5] اُنظر: ابن الأثير، علي بن أبي الكرم، الكامل في التاريخ: ج3، ص367.

[6] اُنظر: المسعودي، علي بن الحسين، مروج الذهب: ج3، ص80ـ82.

[7] اليعقوبي: أحمد بن أبي يعقوب، تاريخ اليعقوبي: ج2، ص158.

[8] المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج45، ص114.

[9] معهد سيد الشهداء عليه السلام للمنبر الحسيني، رحلة السبي: ص14.

[10] ابن الأثير، علي بن أبي الكرم، الكامل في التاريخ: ج4، ص81.

[11] تعرّف أدوات الاستفهام بأنّها: أدوات مبهمة، تُستعمل في طلب الفهم بالشيء، والعلم به. (كيف): اسم استفهام مبني على الفتح، لتعيين الحال. نحو: كيف حالك؟ ومنه قوله تعالى: (ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ) آل عمران: آية101. موقع موضوع، قسم اللغة العربية:

 
 http://mawdoo3.com.

[12] الزبيدي، محمد مرتضى، تاج العروس: ج10، ص8257.

[13] ابن منظور، محمد بن مكرم، لسان العرب: ج14، ص291.

[14] الزبيدي، محمد مرتضى، تاج العروس: ج11، ص248.

[15] أدوات الحصر إنّما، إلّا، وتقديم المعمول نحو: (ﭢ ﭣ)، وتقديم المسند. وفي أدوات القصر، يقول الأخضري في الجوهر المكنون: وأدوات القصر (إلّا، إنّما، حصر وتقديم) كما تقدَّما، والحصر، والقصر سواء. موقع منتدى مجمع اللغة العربية على الشبكة العالمية:     http://www.m-a-arabia.com/vb/showthread.php?t=11191.

[16] ابن منظور، محمد بن مكرم، لسان العرب: ج11، ص126.

[17] النحل: آية 6.

[18] الزمخشري، محمود بن عمر، الكشاف: ج2، ص571. وفي المكتبة الشاملة: http://www.altafsir.com.

[19] لمزيد من التفصيل في آراء وتعاريف الجمال عند المفكرين العرب وغيرهم، اُنظر: حسن، ماجد محمد، مفهوم الجمال في الفكر الإسلامي، عن موقع: http://www.rezgar.com.

[20] المصدر السابق.

[21] ضيف، شوقي، العصر الجاهلي: ص212ـ213.

[22] اُنظر: ابن الخطيب، لسان الدين، روضة التعريف بالحبّ الشريف.

[23] المؤمنون: آية 96.

[24] فصلت: آية 34.

[25] النحل: آية 125.

[26] وُلدت السيدة زينب صلى الله عليه وآله في السنة السادسة للهجرة في الخامس من جمادي الأُولى. القزويني، محمد كاظم، زينب الكبرى صلى الله عليه وآله من المهد إلى اللحد: ص35.

[27] كان عدد أصحاب الحسين عليه السلام في واقعة الطفّ، على أشهر الروايات في كتب السير والتارخ والمقاتل، اثنان وثلاثون فارساً وأربعون راجلاً. القصير، علي، حياة حبيب بن مظاهر: ص132.

[28] من أصحاب الحسين عليه السلام، وُلد في نجد، ونشأ في الكوفة، أدرك الرسول عليها السلام، ولازم أمير المؤمنين عليه السلام، جليل القدر، عظيم الشأن، واستُشهد عن عمر خمس وسبعين سنة مع الإمام الحسين عليه السلام. اُنظر:  المصدر السابق: ص45ـ51.

[29] ذَكَر أهلُ السِّيَر أنّ زهيراً هذا كان رجلاً شريفاً في قومه، نازلاً فيهم بالكوفة، شجاعاً، له في المغازي مواقفُ مشهورة، ومواطن مشهودة. المامقاني، عبد الله، تنقيح المقال في علم الرجال: ج1، ص452.

[30] اسم أُمّ البنين هو: فاطمة الكلابية من آل الوحيد، وأهلُها هم من سادات العرب، وأشرافهم وزعمائهم وأبطالِهم المشهورين، وأبوها أبو المحل، واسمُه: حزام بن خالد بن ربيعة، وقع اختيار عقيل عليها؛ لأن تكون قرينةَ أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام. اُنظر: الإصفهاني، علي بن الحسين، مقاتل الطالبيين: ص52.

[31] كان مع الحسين عليه السلام من إخوته من أبناء أُمّ البنين: العباس، وجعفر، وعثمان، وعبد الله، أولاد علي بن أبي طالب. اُنظر: المصدر السابق: ص52ـ55، وأمّا عدد أبنائه عليه السلام فهم: علي زين العابدين، وأُمّه شاه زنان ابنة يزدجر الثالث كسرى إيران، وعلي الأكبر الشهيد بكربلاء أُمّه ليلى الثقفية، وعلي الأصغر، وهو المشهور بعبد الله الشهيد، أُمّه الرباب من قبيلة كندة.

[32] كان مجموع أبناء أبي طالب مع الحسين عليه السلام (21) كما في رواية الحصين بن عبد الرحمان، عن سعد بن عبيدة، قال: «إنّ أشياخاً من أهل الكوفة لوقوف على التل يبكون ويقولون: اللهمّ أنزل نصرك، قال: قلت: يا أعداء الله، ألا تنزلون فتنصرونه… وإنّي لأنظر إليهم، وإنّهم لقريب من مائة رجل، فيهم لصلب علي بن أبي طالب عليه السلام خمسة، ومن بني هاشم ستة عشر، ورجل من بني سليم حليف لهم، ورجل من بني كنانة حليف لهم، وابن عمر بن زياد». الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الملوك والأمم: ج4، ص595.

[33] عدد النساء اللاتي شاركن في نصرة الإمام الحسين عليه السلام: لا توجد إحصائية تفصيلية عن عدد النساء اللاتي كنَّ في ‏كربلاء في جانب المخيم الحسيني، غير ما ذكره المحدّث القمي في كتابه (نفس المهموم)، ناقلاً عن (الكامل) للشيخ البهائي، وقد ورد فيها أنّ عددهن كان ‏عشرين امرأة. وغير ما ذكره في وسيلة الدارين في أصحاب الحسين عليه السلام، وسوف نتعرض إليه في آخر البحث.
أمّا النساء اللاتي ورد لهن ذكر صريح في الروايات التاريخية، أو ‏اشتُهر حضورهن من خلال مواقفهن مع أقاربهن (الزوج، الأب، الولد ‏‏..). فاُنظر لمزيد من التفصيل بشكلٍ موجز ووافٍ في المقال المنشور في شبكة رافد للتنمية الثقافية، في 29/ك1/2010.

[34] بنات الحسين عليه السلام هنّ: سكينة، فاطمة، زينب، رقية، خولة.

[35] كان عدد زوجات الحسين عليه السلام في الطفّ: ليلى أو برة بنت أبي عروة بن مسعود الثقفي أُمّ علي الأكبر الشهيد بكربلاء.2 ـ شاه زنان بنت يزدجر أُمّ السجاد متوفاة قبل الطفّ. 3 ـ الرباب بنت أمرئ القيس ابن عدي أُمّ سكينة وعلي الأصغر المشهور بعبد الله الرضيع الشهيد بكربلاء.

[36] ديوان إيليا أبو ماضي، المولود في إحدى قرى لبنان في 1891: من قصيدته اللامية (فلسفة الحياة ) التي مطلعها:

أيّها الشاكي وما بك داء

 

 كيف تغدو إذا غدوت عليلا

[37] الواحدي، أبو حسن، شرح ديوان المتنبي: ج1، ص113، والمتنبي هو: أحمد بن الحسين بن الحسين ابن عبد الصمد الجعفي الكوفي أبو الطيب (303ـ354 هـ )، المولود في الكوفة في محلّة تسمّى كندة. ومطلع القصيدة:                           

بَقائي شاءَ لَيسَ هُمُ اِرتِحالا

 

 وَحُسنَ الصَبرِ زَمّوا لا الجمالا

[38] القرشي، باقر شريف، حياة الإمام الحسين عليه السلام: ج2، ص301. الحسيني، هاشم معروف، سيرة الأئمّة الاثني عشر: ج2، ص87. محدّثي، جواد، موسوعة عاشوراء: ج1، ص543، وغيرها كثير.

[39] المعارج: آية 5ـ 7.

[40] يوسف: آية 18.

[41] الزمخشري، محمود بن عمر، الكشاف.

[42] الطباطبائي، محمد حسين، الميزان في تفسير القرآن: ج11، ص107.

[43] المصدر السابق: ص108.

[44] الشيرازي، ناصر مكارم، الأمثل في تفسير كتاب الله المُنزل: ج6، ص217.

 
 
البرمجة والتصميم بواسطة : MWD