1439 / جمادی‌الآخرة / 4  |  2018 / 02 / 21         الزيارات : 570433         صلاة الصبح |         صلاة الظهر والعصر |         صلاة المغرب والعشاء |

استلهام الثورة الحسينية في القصيدة العينية للجواهري .. دراسة تحليلية

{ أ. م. د. عدنان كاظم مهدي / أ. م. د. صادق فوزي دباس }
استلهام الثورة الحسينية في القصيدة العينية للجواهري .. دراسة تحليلية

مقدّمة[1]

لم يكن الشعر بمعزل عن الأحداث التاريخية والأوضاع السياسية، بل إنّ الشعر وليد البيئة السياسية، فكلّما يطرأ من أحداث تاريخية وتغييرات سياسية نجد للشعر حضوراً ووجوداً فعّالاً فيها.

فليس من الغريب أن نرى الشعر يسجّل لنا الأحداث، ويؤثّر في واقع المجتمع، فهو مرآة عاكسة للأحداث، بل إنّ الشعر له من القدرة والإمكانية ما يجعله محرّكاً أساساً للثورات والانتفاضات؛ ولذا فإنّ الشعراء طالما كانوا يستمدّون من التاريخ الدوافع والأسباب في تحريك الجماهير، والدعوة إلى التغيير وقلب نظام الحكم .

إنّ الثورة الحسينية بمجملها وبكلّ ما حملته من دروس وعِبَر ومواعظ ومواقف تركت للشعراء كنزاً لا ينفد من المعاني والصور والأفكار والمواقف البطولية، والتي باستطاعة الشاعر أن يستثمرها ويوظّفها في شعره.

لقد شاع استعمال رمز الحسين عليه السلام عند الشعراء؛ بوصفه قائداً متفرداً لرفض الظلم والتحرّر منه، إلّا أنّ طريقة التعامل مع هذه الرمزية تباينت ـ بطبيعة الحال ـ من شاعر لآخر، بحسب فنّية الشاعر وخلفيته الثقافية، فسعة القضية وعمق مدلولاتها تُتيح التعدّدية في أنساق الكتابة، وقد تجلّى هذا الأثر في البعد العقائدي والعاطفي للشاعر[2]، على أنّ استشهاد الامام الحسين عليه السلام يُتيح للشعراء موضوعاً إنسانياً عميق الدلالة عن الثبات والصبر، وفي تصوير هذه المأساة واقتباس بعض معانيها[3].

وبعد التغييرات السياسية والاجتماعية التي طرأت على كثير من البلدان العربية ـ خصوصاً العراق ـ اتّجهت القصائد الحسينية اتّجاهاً يمكن أن نُطلق عليه تسمية (الاتجاه التحفيزي)، حيث صار الحسين في أكثر القصائد محفّزاً لكلّ ما هو رفضٌ للظلم والاستبداد، ومغذّياً لكلّ شعور ثوري، بحيث صار الشاعر يتّكئ على رمزية الحسين ومعجم الطف الثري؛ من أجل تصدير فكرته الحاملة لقضايا.

والجواهري ليس ببعيد عن الثورة الحسينية، فهو ابن النجف الأشرف، وهو سليل عائلة دينية عريقة مجتهدة في العلم والفقه، فحينما تقرأ سيرته الذاتية تجد أنّ عائلته كانت تخطّط له لأن يكون رجل دين، فالمعروف أنّ والده ابتدأ حياته شاعراً وانتهى فقيهاً، وقد سعى جاهداً ليجعل من ابنه محمد مهدي رجلاً يسير على سيرته ويجتهد اجتهاده؛ ليرجع على يده مجد العائلة الجواهرية في الفقه والزعامة الاجتماعية[4]، ومن أجل هذا كان الأب يحرص على الابن في حضور الدروس، ويوصي أساتذته بالتعامل معه على هذا الأساس والواقع، أمّا الجواهري فقد كان يضيق صدراً بهذا، ويرى نفسه قد خُلق لشيءٍ آخر، فقد كانت الدوافع الشعرية الكامنة في خلقه وفطرته تتجاذبه شيئاً فشيئاً، لتحدّده وتشخّصه وتصنعه في قالبه الحقيقي الذي يتطابق مع نفسه، ومع ميوله، لا مع ما أُريد له، فلم تكن بداية الشعر عنده إلّا استجابة لغريزة داخلية تدفعه نحو الشعر، وكان له ولعٌ رهيب بالشعر، فهو منذ البدء لم يستسِغ من العلوم الفقهية والأُصول ما يؤهّله للسير في طريق العلم والفقاهة، وبقي الشعر هاجسه الأوّل الذي لا يستطيع تفويت أيّ فرصةٍ ليظفر به[5].

وكانت أنفاس الثورة الحسينية تجري في عروق الجواهري الشاعر وأحاسيسه، فهناك عاملان مهمّان أَسهما في تأصيل واهتمام الجواهري بالثورة الحسينية:

الأوّل: انتماؤه التراثي وإفادته من الموروث الديني والتاريخي؛ إذ كان هو البقية الباقية من التراث الأدبي العربي الصحيح على حدّ قول عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين[6].

والثاني: تمثّل في الظروف السياسية التي كان يمرّ بها العراق والأُمّة العربية جمعاء، من احتلال وتكريس للتجزئة وواقع اجتماعي واقتصادي سيئ؛ لذا فإنّ الجواهري منذ دخوله لمعترك الحياة السياسية، ومجيئه إلى بغداد، حاول التعبير عن صيحات المدّ الجماهيري المتصاعدة، وأن يكون عوناً لحركات النضال الوطني[7].

كان الجواهري يبحث في التراث عن قيم البطولة ورموز التحدّي والثورة، ورفض الواقع المتردّي، وقد وجد ضالّته في الإمام الحسين عليه السلام كرمزٍ تاريخيٍّ يُعبّر عن التغيير، والطموح لمستقبلٍ جديد، خالٍ من التسلّط والعبودية، وقد ألقى قصيدته العينية في عام (1947م) في كربلاء، أثناء الحفل الذي أُقيم بمناسبة ذكرى استشهاد الإمام الحسين عليه السلام، وقد كُتب خمسة عشر بيتاً من هذه القصيدة بماء الذهب على الباب الرئيس الذي يؤدّي إلى الرواق الحسيني[8].

وفي هذه الفترة السياسية كان العراق يعيش على فوهة بركان من الثورة المرتقبة ضد الأوضاع القائمة آنذاك، فبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية بدأت الجماهير تطالب بالحريات السياسية، وتحسين الأوضاع الاقتصادية، وتعديل المعاهدة العراقية البريطانية (1930م)، وعليه؛ فإنّ هذه القصيدة تعبّر عن حالة الاحتقان السياسي آنذاك، وقد سخّر الجواهري إمكانيته الشعرية في استلهام الثورة الحسينية، واتّخاذها رمزاً للتحرّر الفكري والعقائدي.

المبحث الأوّل: اللوحة الافتتاحية (الاستذكار)

فِداءٌّ لَمثواكَ مِن مَضْجَعِ

 

تَنَوَّرَ بالأبلَج الأروَعِ

بأعبقَ من نَفحاتِ الجِنا

 

نِ رَوحاً ومن مِسكِها أضوع

ورَعياً ليومِكَ يومِ الطُفوف

 

وسَقياً لأرضِكَ مِن مَصْـرَع[9]

بدأ الجواهري قصيدته باستهلال استذكاري واضح مرتبط بالماضي، إذ أدّى المكان والزمان دوراً مميّزاً في إبراز عنصـر المأساة ـ اليوم المكان (الطفوف) ـ وفي هذا الابتداء دخول مباشر إلى الموضوع من دون تمهيد تقليدي. بدأ المطلع بلفظة (الفداء)، واللفظ إنّما يُشير إلى قداسة الشيء المُفتدى، ومن ثمّ تنثال علينا الألفاظ المكانية للمفدّى وهي (المثوى، المضجع، الأرض).

وينساق الشاعر في استذكار المفدّى من خلال التذكير بيوم (الطفوف)، وهذا اليوم وإن كان محدّداً بيوم الطفوف، إلّا أنّه ممتدّ عبر الأزمنة، فلا يُحدّد بمدّة زمنية ثابتة، والدعاء بالسقيا، وهو دعاء تقليدي متوارث، حيث يقف الشاعر على القبر ويدعو للقبر بالسقيا؛ إذ كانت العرب تحبّ نزول المطر على القبر، وقد اختُلف في سبب استسقائهم لها، فقيل: ليكثر الخصب حولها؛ فيقصدها كلّ مَن يمرّ بها دعاءً لها بالرحمة[10].

فهنا ارتباط عقائدي بمسألة القبر والسقي بالماء أو المطر النازل من السماء؛ إذ يكثر الزرع حول القبر، ومن ثمّ يتوافد عليه الناس، وفي هذا إشارة وصورة جميلة حول ما يحدث حول قبر الإمام الحسين عليه السلام وتوافد الناس عليه، وطلب الرحمة والمغفرة من الله بمساعدة صاحب القبر.

وحُزناً عليك بحَبْسِ النُّفوسِ

 

على نهجِكَ النَّيِّرِ المَهْيَعِ  

وصَوناً لمجدِكَ مِنْ أنْ يُذالَ

 

بما أنت تأباهُ مِن مُبدع[11].  

هنا انتقل الشاعر من الاستذكار إلى خطاب داخلي، وتحفيز للنفس، ودعوة للتمسّك بالمجد (الإرث الحسيني الثوري)، من خلال السير على خُطى النهج الحسيني النير، والاقتداء به، وفي ذهن الشاعر بدأت تدقّ أجراس الثورة (صوت المجد)، والتي لا يمكن إسكاتها؛ لأنّ الإبداع الحسيني يأبى الخنوع.

وفي استعمال الشاعر للفظة الإبداع ترميز خفي؛ فالبديع هو «المُحدَث العجيب... والبديعُ من أبدعتُ الشيء: اخترعته لا على مثال»[12]، والتجديد فيه إثارة وتحفيز للثورة والنهوض ضدّ الواقع القديم الفاسد، وبناء حاضر جديد يخالف الماضي، وذلك مستحصل بالسير على نهج الإمام عليه السلام، وعدم الخضوع والانكسار.

[13]

فيا أيُّها الوِتْرُ في الخالِديـ

 

ـنَ فذّاً إلى الآنَ لم يُشْفَعِ  

ويا عِظَةَ الطامحينَ العِظامِ

 

للاهينَ عن غَدِهمْ قُنَّعِ  

عاليتَ مِن مُفْزِعٍ للحتُوفِِ

 

وبُورك قبرُكَ مِن مَفْزَعِ  

تلوذُ الدُّهورُ فمِنْ سُجَّد

 

على جانبيه ومِنْ رُكَّعِ  

هنا بدأ الجواهري بالتوجّه إلى خطاب الإمام عليه السلام مباشرةً: «فيا أيّها الوتر...»، من خلال أُسلوب النداء و«يا عِظة الطامحين...».

ومن معاني الوتر اللّغوية: الفردُ. والوِتْرُ من العدد: ما ليس بشَفْع[14]. وقد أُطلق على الإمام الحسين عليه السلام؛ لأنّه بقيَ وحيداً فريداً في معركة الطف، فقد ورد في الزيارة: «السلام عليك أيّها الوتر الموتور»[15].

وهنا يكمن استلهام العبر في هذا الخطاب، فنَعتُ الإمام الحسين عليه السلام بهذا الوصف إنّما يعطينا درساً بليغاً في أنّ التفرّد وقلّة الناصر والمعين لا تعني الخنوع والاستسلام، فالإمام عليه السلام بالرغم من بقائه وحيداً، إلّا أنّه ظلّ صامداً ولم يخنع للطغاة؛ بدليل قوله: «إلى الآن لم يشفعِ»، أي: إنّ الإمام عليه السلام ما زال إلى الآن ينتظر منّا العون والنصـرة، وما زال الخطاب الاستنهاضي مستمرّاً، وقد جاء بأُسلوب التضادّ (الطامحين ـ اللاهين ـ
القنع)، فالطموح واللهو نقيضان لا يجتمعان، كذلك الطموح والقناعة عنصران متنافران، وقد أراد الشاعر من هذا التضاد شحذ الهمم، وعدم الاستسلام للواقع المزري.      

ومن ثمّ يخاطب الشاعر الإمام عليه السلام واصفاً إيّاه بالعلو، ولكنّه تعالٍ على الظالمين والطغاة، وينعته بصيغة اسم الفاعل (مُفزِع)؛ لأنّ ذكره يُخيف ويُرهب الظالمين، بل تعدّى الأمر حتى وصل إلى الحتوف، فحتى الحتوف ـ أي: الموت ـ كذلك تهابه وتخافه، ومن الشواخص التي أضحت مفزعاً للظالمين قبر الإمام عليه السلام، فهذا الشاخص المكاني فيه تذكير للبطولة والإباء؛ ولذا يفزع الطغاة منه، فحاولوا بشتّى الطرق أن يُخمدوا نوره. وتأكيده على صيغة (المفزع) من خلال التكرار في الصدر والعجز ينمّ عن شغف واضح لدى الشاعر في استلهام المد الثوري من خلال الاستذكار، وقد أضحى القبر مفزعاً وفي الوقت ذاته رمزاً للشموخ، فيأتيه المناصرون ويتبرّكون به سجوداً وركوعاً.

 

شَممتُ ثراكَ فهبَّ النسيمُ

 

نسيمُ الكرامةِ مِن بَلقعِ  

وعفَّرتُ خدي بحيثُ استرا

 

حَ خدٌّ تفرَّى ولمْ يَضـرَعِ  

وحيثُ سنابِكُ خيلِ الطُغا

 

ةِ جالتْ عليهِ ولم يَخشعِ  

وخِلْتُ وقد طارتِ الذكرياتُ

 

بروحي إلى عالمٍ أرفَعِ[16].  

يعود هنا الشاعر لاستلهام الثورة الحسينية، فيتشبّث بعنصـر المكان، ويرى أنّ في الأرض التي ضمّت القبر الشريف عطر الثورة المباركة، فراح الشاعر يشمّ الثرى ويستنشق عطر الدماء التي سالت عليه، وفي هذا التحديد المكاني دعوة لأهالي العراق وسكّانه بأن يكونوا على تواصل مع تلك الثورة؛ لأنّهم قد سكنوا هذه الأرض المباركة، وتنفّسوا عطر الحرية والكرامة.

تبلغ اللوحة الافتتاحية الذروة، حينما تبدأ الصور المختزلة في الذاكرة التاريخية للشاعر تتلاحق تباعاً من خلال العنصر المكاني (الواقعة)، فحينما يعفّر الشاعر خدّه بالتراب فإنّما يريد إعادة المشاهد والواقعة والصور التي حصلت، من خلال استدعاء صورة الخيل وهي تدوس على صدر الإمام عليه السلام، فقد ورد في الروايات أنّ عمر بن سعد نادى في أصحابه: «مَن ينتدب للحسين فيوطئ الخيل ظهره وصدره. فانتدب منهم عشـرة... فداسوا الحسين عليه السلام بحوافر خيلهم حتى رضّوا صدره وظهره. قال الراوي: وجاء هؤلاء العشرة حتى وقفوا على ابن زياد، فقال أسيد بن مالك أحد العشرة (عليهم لعائن الله):

نحن رضضنا الصدر بعد الظهر

 

 بكلّ يعبــوبٍ شديد الأســر

فقال ابن زياد: مَن أنتم؟ قالوا: نحن الذين وطئنا بخيولنا ظهر الحسين حتى طحنّا حناجر صدره. فأمر لهم بجائزة يسيرة»[17].

وهذه الصورة من أكثر الصور تفجيعاً وأكثرها إيلاماً، وهي في الوقت نفسه ترمز إلى الكبرياء والسمو، بدلاً من أن تكون رمزا للذلّة والمهانة، فالموروث الاجتماعي اعتاد على إذلال الخصم في المعركة إذا ما سقط أرضاً وداست عليه الخيل، لكن المفارقة هنا أنّ صورة الخيل وهي تدوس على صدر الإمام قد أخذت بُعداً جديداً في تصوير الأنفة والكبرياء، فالإمام برغم ما حدث له من قتلٍ وعدم اعتراف بحقّه لم يخنع للأعداء، ولم يخشَ منهم أيّ شيء، فهذه الصورة تدلّ على عدم خشوعه للأعداء، وتنازله عن الحقّ، وإن داست سنابك الخيل ظهره وصدره.

المبحث الثاني: لوحة الاستنهاض (المزواجة بين الماضي والحاضر)

بعد التهيئة العقائدية والفنية بدأ الشاعر مرحلة جديدة، هي المزواجة بين الماضي المتمثّل بالإرث الحسيني، وبين الواقع المرير الذي يعيشه مجتمعنا، وهذا الربط هدفه دفع المجتمع نحو النهوض والثورة.

وطُفْتُ بقبرِكَ طوفَ الخَيالِ

 

بصومعةِ المُلْهِمِ المُبْدعِ 

كأنَّ يداً من وراءِ الضـريـ

 

ـحِ حمراءَ مَبتُورَةَ الإِصْبَعِ 

تُمَدُّ إلى عالمٍ بالخُنو

 

ع والضيمِ ذي شَرقٍ مُتْرَعِ 

تَخبَّطَ في غابةٍ أطبَقَت

 

على مُذئبٍ منه أو مُسْبِع 

لِتُبدِلَ منه جديبَ الضمير

 

بآخَرَ مُعَشوشِبٍ مُمرِعِ 

وتدفعَ هذي النفوسَ الصِغا

 

رَ خوفاً إلى حَرَمٍ أمنَعِِ[18]

وهنا يحدث الانتقال من الماضي إلى الحاضر، في صورة مجازية مركّبة من ذكريات الماضي ومجريات الواقع العراقي الأليم، فصورة الضريح وقد خرجت منها يد الإمام عليه السلام مبتورة الإصبع، تُشير إلى أنّ الحقّ ما زال مهتضماً؛ بدليل بتر الإصبع، وأنّ الإمام عليه السلام إلى الآن ينتظر إعادة الحقّ إلى أهله، والثأر من ظالميه من الطغاة والظلمة، فضلاً عن أنّ هذه اليد المبتورة قد مُدّت إلى عالم الخنوع، وعالم الخنوع هو الواقع المرير المليء بالذلّ والسكوت على الظلم، فالشاعر هنا زاوج بين أحداث الطف وما جرى فيها، وبين الحاضر وما يجري به.

وهذه الصورة الثأرية المؤجّجة بعبق الماضي تثير الألم والحسـرة، وهي في الوقت نفسه تدعونا إلى الثورة ضدّ الطغاة والفاسدين، فهي ترمي إلى تحريك الضمائر الميتة، فهو يدعو أصحاب (النفوس الصغيرة) من المصلحيين الانتهازيين الخائفين إلى الثورة وعدم الاتكاء على الآخرين، وهنا نرى بوضوح نبرة الخطاب السياسي قد ارتفعت بشكل ملحوظ وهي تختفي وراء الحدث التاريخي.

تعاليتَ مِن صاعِقٍ يلتظي

 

فإنْ تَدْجُ داجيةٌ يَلمعِ

تأرّمُ حِقداً على الصاعقاتِ

 

لم تُنْءِ ضَيراً ولم تَنْفَعِ

ولم تَبْذُرِ الحَبَّ إثرَ الهشيمِ

 

وقد حرَّقَتَهُ ولمْ تَزرعِ

ولم تُخلِ أبراجَها في السماء

 

ولم تأتِ أرضاً ولم تُدْقِعِ

ولم تَقْطَعِ الشّـرَّ مِن جِذْمهِ

 

وغِلَّ الضمائرِ لم تَنْزعِ

ولم تَصْدِمِ الناسَ فيما هُمُ

 

عليهِ من الخُلُقِ الأوضَعِ[19].

في هذا المقطع يتحوّل الشاعر بالخطاب إلى الإمام الحسين عليه السلام ومناجاته، والإشادة بالموروث الحسيني، فقد أصبح هذا الموروث كالصاعق الذي يُشعل الثورات ضدّ الطغاة، وهذه الصورة المستحدثة المعاصرة حاول فيها الشاعر إضفاء دلالة جديدة، وهي توحي من طرف خفي بمعادلة منطقية بين طرفين متناقضين، هما: (الظلم والثورة)، فحيثما كان هناك ظلم كانت هناك ثورة في المقابل، وهذا ما تحقّق في الجملة الشـرطية: «فإن تدجُ داجية يلمعِ» فالدجى (الظلم)، يقابله الثورة (اللمعان)، وقد وظَّف الجواهري أُسلوب النفي وكرّره في عدّة أبيات لتحريك المشاعر: (لم تئن)، و (لم تنفعِ)، و(لم تبذر)، و(لم تزرعِ)، و(لم تخل)، و(لم تأتِ)، و(لم تدقعِ)، و(لم تقطعِ)، و(لم تنزعِ)، و(لم تصدم)، وهذا النفي يخرج إلى باب الإنكار والتحدّي والرفض.

تعاليتَ من «فَلَكٍ» قُطْرهُ

 

يدورُ على المِحوَرِ الأوسعِ

فيا بنَ «البتولِ» وحَسْبي بها

 

ضَماناً على كلّ ما أدَّعي

ويا بنَ التي لم يَضَعْ مِثُلها

 

كمِثلِكَ حَملاً ولم تُرْضِعِ

ويا بن البطينِ بلا بِطنةٍ

 

ويا بن الفتى الحاسرِ الأنْزَعِ

ويا غُصْنَ «هاشِمَ» لم ينفَتِحْ

 

بأزهرَ منكَ ولم يُفْرِعِ[20].

يعود الشاعر في هذا المقطع إلى الخطاب المباشر للإمام عليه السلام، مكرّراً كلمة (تعاليت)، على الرغم من الدلالة السلبية المرتبطة بهذا اللفظ؛ ولكن هنا اكتسبت معنًى إيجابياً جديداً، وهو السمو والرفعة، بدليل تشبيهه للإمام الحسين عليه السلام بـ(فلكٍ) تدور حول قُطره الأكوان. وفي أُسلوب الخطاب هنا نجد تسلّلاً نسبياً وزمنياً في مناداة الإمام عليه السلام:

يا بن البتول.

يا بن البطين.

يا بن الفتى الحاسر.

يا غصن هاشم.

وهكذا تجد أنّ هذا الخطاب النسبي ابتدأه الشاعر بالزهراء عليها السلام، ثمّ الإمام علي عليه السلام.

والشاعر قد عمد إلى تقديم الزهراء عليها السلام على الإمام علي عليه السلام؛ للتأكيد على صلة القربى من الرسول صلى الله عليه وآله للإمام الحسين عليه السلام؛ باعتبار أنّ الزهراء أقرب إلى الرسول صلى الله عليه وآله من أبيه؛ ولورود أحاديث كثيرة رُويت عن محبّة النبي صلى الله عليه وآله للزهراء عليها السلام، كقوله صلى الله عليه وآله: «يا سلمان، مَن أحبّ فاطمة ابنتي فهو في الجنة معي، ومَن أبغضها فهو في النار. يا سلمان، حُبّ فاطمة ينفع في مائة من المواطن، أيسـر تلك المواطن: الموت، القبر، والميزان، والصـراط، والحساب. فمَن رضيتْ عنه ابنتي فاطمة رضيتُ عنه، ومَن رضيتُ عنه رضي الله تعالى عنه، ومَن غضبت ابنتي فاطمة عليه غضبتُ عليه، ومَن غضبتُ عليه غضبَ الله عليه. يا سلمان، ويلٌ لمَن يظلمها ويظلم بعلها عليّاً، وويلٌ لمَن يظلم ذرّيتهما وشيعتهما»[21].

وعلى الرغم من هذه المكانة العالية للإمام عليه السلام لم يقف مكتوف اليد ضدّ الظلم والطغيان، وفي هذا إشارة إلى المتلقّي بأن لا يقبل بالظلم، وأن ينتفض على السلبيات، فهذا الرمز على ما فيه من سمو ورفعة لم يرتضِ الظلم، فكيف بمَن هو دونه؟!

وفي خطابه للإمام الحسين عليه السلام فإنّه يستلهم من موروثه الديني، ويلبسه ثوباً فنّياً، ففي خطابه: «يا بن البطين بلا بطنةٍ»، تأكيدٌ لصفة تعارف الناس عليها ؛ ولكن بنفي الدلالة السلبية لهذه الصفة، مؤكّداً على بطلان أقاويل المغرضين لإطلاق هذا النعت، فمن الكُنى التي عُرفت عن أمير المؤمنين عليه السلام: الأنزع البطين، و الأنزع لغةً: «يُوصف بها مَن انحسـر الشعر عن جانبي جبهته، أي: لم يكن على جانبي جبهته شعر،  فلكِّل إنسان نزعتان وناصية، فالناصية هي الشعر الذي يكون في مقدّم الرأس محاذياً للجبهة التي تتوسّط الجبينين، والنزعتان هما الموضعان اللذان يكونان عن يمين الناصية وشمالها في مقدّم الرأس، فمَن لم يكن على نزعتيه شعر يُقال له: الأنزع. ويُقابله: الأغم، وهو مَن كان الشعر بالغاً حدّ جبينه»[22].

وأمّا كلمة البطين فُتطلق على أكثر من معنى، فمن موارد إطلاقها ما أفاده ابن منظور في لسان العرب: أنَّه وصفٌ للرجل العريض البطن، وإن لم يكن منتفخ البطن[23].

وبهذا فالمفسّرون قد فسّروا هذه الكنية (الأنزع البطين) على ظاهرها اللغوي، ولم ينظروا إلى ظاهرها الباطني، وهي: أنّ الأنزع (كناية عن امتناع الشرك فيه)، والبطين (كناية عن كثرة العلم والإيمان واليقين)، لا ضخامة البطن، والدليل على ذلك روايات كثيرة:

 منها: ما رواه ابن المغازلي الشافعي في المناقب عن رسول الله صلى الله عليه وآله: «يا علي، إنّ الله قد غفر لك ولأهلك ولشيعتك ولمحبّي شيعتك، فأبشر فإنّك الأنزع البطين، المنزوع من الشـرك البطين من العلم»[24]. وهذا التفسير ينسجم مع زهد الإمام عليه السلام وأقواله، حيث يقول : «ولكن هيهات أن يغلبني هواي، ويقودني جشعي إلى تخيّر الأطعمة ـ ولعلّ بالحجاز أو باليمامة مَن لا طمع له في القرص، ولا عهد له بالشبع ـ أو أبيت مِبطاناً وحولي بطون غرثى، وأكبادٌ حرّى»[25].

فالذي هذه صفاته من أين تأتي له البطنة؟!

ثمّ يسترسل الشاعر في خطابه النسبي، ذاكراً صورةً مجازية في التعريف بنسبه «يا غصن هاشم...»، وهنا الخطاب تحوّل من خصوص القرابة من (الرسول) إلى العموم (بني هاشم)، وفيه دلالة على الكرم الذي تواجد في هذا البيت، والرئاسة التي كانت فيه، فالإمام عليه السلام فضلاً عن كونه ابن فاطمة الزهراء عليها السلام، وعلي بن أبي طالب عليه السلام، وحفيد الرسول صلى الله عليه وآله، فهو من بيت عزٍّ وفخرٍ، لينتقل الخطاب إلى المرحلة الأخيرة مرحلة الإيمان واليقين.

المبحث الثالث: لوحة الختام (الإيمان واليقين)

ويا واصِلاً مِن نشيدِ الخُلود

 

خِتامَ القصيدةِ بالمطلعِ

وأنتَ تُسيِّـرُ ركْبَ الخلو

 

دَ ما تستَجِدّ له يَتْبَعِ

تَمثَّلتُ «يَومكَ» في خاطري

 

وردَّدت صوتَكِ في مَسمعي

ومَحَّصتُ أمرَكَ لم أرتَهبْ

 

بنقلِ «الرُّواة» ولم أُخدَعِ

وقلتُ لعلَّ دويَّ السنين

 

بأصداءِ حادِثِكَ المُفْجِعِ

وما رتَّلَ المخلِصونَ الدُّعا

 

ةُ مِن مرسِلينَ ومن سُجَّعِ

ومِنْ ناثراتٍ عليكَ المساءَ

 

والصُبْحَ بالشَّعْرِ والأدمُعِ.

ما زال الشاعر مستمرّاً في خطابه الثوري المؤجّج، متسمدّاً النفس الثوري الحسيني، وهو يرى أنّ الثورة الحسينية ما زالت إلى يومنا هذا تُسيّر ركاب الثائرين، وتقود مسيرة الخالدين، من خلال استعمال الزمن: (اليوم، السنين، المساء، الصبح)، وفي هذه الأبيات تحوّلت أداة الخطاب من حرف النداء (الياء)، إلى ضمير المتكلم (التاء)؛ للتّأكيد على أهمّية الحدث مهما مرّ عليه من زمن، ومن ثمّ يدخل الشاعر مرحلة جديدة في الحوار الداخلي مع الذات والنفس، لإقناعها بالحقيقة الثابتة التي لا تقبل الشك.

 وفي هذا الموضع فإنّ الشاعر يدخل في صراع نفسي حاد من أجل إثبات مشروعية الثورة الحسينية ؛ لأنّ هذه الثورة تعرّضت للتشويه التاريخي والزيف الإعلامي السياسي الموجّه فيقول:

لعلَّ السياسةَ فيما جَنَتْ

 

على لاصِقٍ بكَ أو مُدَّعي

وتشـريدَها كلَّ مَنْ يدَّلي

 

بحبلٍ لأهلِيكَ أو مَقطعِ

لعلَّ لِذاكَ و«كونِ» الشَّجيِّ

 

وَلُوعاً بكلِّ شَجٍ مُولعِ

يَداً في اصطباغِ حديثِ

 

الحُسين بلونٍ أُريدَ لهُ ممتِعِ

وكانتْ ولمَّا تَزَلْ بَرْزَةً

 

يدُ الواثقِ المُلْجَأ الألمعي

صَناعاً متى ما تُرِدْ خُطَّةً

 

وكيفَ ومهما تُرِدْ تَصنعِ.

وهنا الشاعر يتّهم السياسة ورجالها بصورة مباشرة في خداع الناس وتضليلهم، وتشويه أسباب وأهداف الثورة الحسينية بحسب ميولهم؛ ولكنّه يتّهم أيضاً بعض الجهات من المحسوبين على أهل البيت ـ شكلاً لا مضموناً ـ بأنّ لهم دوراً في تشويه حقيقة الثورة الحسينية؛ خدمةً لمصالحهم الشخصية، فهناك اتّجاهان لهما دور في تحريف تلك الثورة: المبغضون لها من السياسين على مدى العصور والدهور. والطرف الآخر من الجهلة المنتفعين.

لكن مع ذلك يبقى اتّجاه قوي مخلص يسعى نحو الحقيقة فحسب لا غير، والذي عبّر عنه بـ(يد الواثق)، فاليد تُعطي دلالات عديدة، منها: العطاء والعمل. زِد على ذلك فإنّ الشاعر قد استعملها للدلالة على التغيير، فكلّ شيء تحاول تغييره تكون اليد وسيلة له، وليست أيّ يد، بل هي يد الواثق بالتغيير، المضحّي لأجل الدين، فهذه الكناية أُريد منها الطرف الملتزم بالثورة الحسينية السائر على منهاجها، وهذه اليد (ماهرة)؛ لذا أطلق عليها الجواهري (صناعاً)، وهذه اللفظة تُطلق على كلّ «رجلٍ ماهر أو امرأةٍ ماهرة في العمل باليدين»[26]، وهي كناية عن المخلصين للثورة الحسينية.

ولمَّا أزَحْتُ طِلاءَ القُرونِ

 

وسِتْر الخِداع عنِ المخْدعِ

أُريدُ الحقيقةَ في ذاتِها

 

بغيرِ الطبيعة لم تُطْبَعِ

وجدتكَ في صُورةٍ لم أُرَعْ

 

بأعظمَ منها ولا أرْوَعِ

وماذا أأروعُ مِنْ أن يكو

 

نَ لحمُكَ وَقْفاً على المِبْضَعِ

وأنْ تَتَّقي دُون ما ترتأي

 

ضميرَكَ بالأسَلِ الشُـرَّعِ

وإنْ تُطْعِم الموتَ خيرَ البنينَ

 

مِنَ الأكهلينَ إلى الرُّضَّع

وخيرَ بني الأُمِّ مِن هاشمٍ

 

وخيرَ بني الأب مِن تُبَّعِ

وخيرَ الصِّحاب بخيرِ الصدو

 

رِ كانوا وِقاءكَ والأذْرعِ.

والشاعر هنا يعود مرّةً أُخرى إلى الاستذكار، وإلى إطلالة جديدة مستوحاة من موقع الحدث الدامي، والزمن الذي توقّفت عنده الأشياء، فيستدرك زيف المؤرِّخين على مرّ القرون الذي شبّهه بالطلاء، وكلّ طلاء لا بدّ من أن يتقادم عليه الزمن، فينقشع ويظهر ما يخفيه، ويخرج كلّ مستور تمّ طلاؤه بأقلام المزيّفين للحقيقة، كاشفاً لها من غير إضافة ولا تشويه فيها، فهو يريد الحقيقة فحسب، وهنا الشاعر يبدو باحثاً عن الحقيقة، وهذه الحقيقة قد وجدها في عمق التضحية الحسينية الرائعة، وقد ذهب الشاعر يرسم لنا صوراً متلاحقة من التشبيهات والاستعارات لتلك التضحية، فجسدٌ (تقطّعت أوصاله حتى أصبح وقفاً على المبضع)، ففي هذه الصورة الاستعارية تشمّ رائحة المأساة المفجعة، وعمق المصيبة المزرية، ويُلحقها بصورة استعارية أُخرى أشدّ حزناً، وهي إطعام بنيه وأهله للموت «تُطْعِم الموتَ خيرَ البنينَ مِنَ الأكهلينَ إلى الرُّضَّع»، وهذا الامتداد في التضحية من الكهول إلى الرضّع ـ وهما أكثر أصناف البشر حاجة للرعاية والحنان ـ يصوّر عمق المأساة، لكن مع ذلك لم يكونا بمنأى عن التضحية، وهؤلاء الذين أصبحوا طعاماً للموت لو عدنا إلى أعماق التاريخ لوجدناهم الصفوة؛ لذلك أشاد الشاعر بنسب الإمام عليه السلام وأهله الذين ضحّى بهم من أبناء فاطمة الزهراء عليها السلام، ممَّن يرجع نسبه إلى بني هاشم وإخوته من أبيه ممَّن يرجع نسبهم إلى قريش، موغلاً في أنسابهم التي تعود إلى ملوك اليمن (التبابعة)[27] .

وفي نهاية هذا المقطع يصوّر لنا الجواهري دفاع واستماتة أصحاب الإمام عليه السلام عنه، مشبّهاً إيّاهم بالدرع (الوقاء) في صدّ الأعداء عنه، وبالذراع التي يصول بها في الحرب.

تَقَحمْتَ صدري وريبُ الشكوكِ

 

يَضِجُّ بجدرانِه الأرْبَعِ

ورانَ سَحابٌ صَفيقُ الحجاب

 

عليَّ من القَلَقِ المُفزعِ

وهبَّتْ رياحٌ من الطيّبات

 

والطيبينَ ولم يُقْشَعِ

إذا ما تزحزحَ عن مَوضعٍ

 

تأبَّى وعادَ إلى مَوضعِ

وجازَ بيَ الشكُّ فيما معَ الجدو

 

دِ إلى الشكِّ فيما معي

إلى أن أقمتُ عليه الدليلَ

 

من مَبدَأ بدمٍ مُشْبَعِ

فأسلَمَ طَوعاً إليكِ القِياد

 

وأعطاكَ إذعانهَا المُهْطِعِ

فنَوَّرْتَ ما اظْلَمَّ مِن فِكرتي

 

وقوَّمتَ ما اعوجَّ مِن أضلُعي

وآمنتُ إيمانَ مَن لا يَرى

 

سِوى العقل في الشكِّ مِن مَرْجعِ

بأن (الإِباء) ووحيَ السماء

 

وفيضَ النبوَّةِ مِن مَنْبعِ

تجمَّع في (جوهرٍ) خالصٍ

 

تَنَّزهَ عن (عَرَضِ) المَطْمَعِ[28]

.

في هذا المقطع الأخير من القصيدة اتّبع الشاعر أُسلوباً جدلياً منطقياً في خطاب المتلقّي؛ لإقناعه بحقيقة الثورة الحسينية وأهدافها، فقد ارتفع صوت الرفض عند الجواهري ليلتقي مع الفلسفات التي اعتمدت الشك منهجاً[29]، فكان المنهج الديكارتي الشكّي وسيلته، والشكّ هو الخطوة نحو الإيمان بالشيء والتسليم به، ولكنّه ليس بالشكّ الإنكاري، بل هو شكٌّ إيجابي، غايته الوصول إلى الحقيقة والمعرفة، فبدأ متسائلاً في داخله قلقاً: «تَقَحمتَ صدري وريبُ الشكوكِ»، وهذه الشكوك كانت تُزعج الشاعر إلّا إذا قام الدليل عنده، وهذا الدليل الدم المسفوح: «إلى أن أقمتُ عليه الدليلَ من مَبدأ بدمٍ مُشْبَع»، فهل هناك دليل أوضح من التضحية؟! فاستقرّت نفس الشاعر، وآمن قلبه، وتيقّن عقله، وآمن بالحسين منهجاً وفكراً وسلوكاً، وكان العقل دليله، حتى تحوّل إلى معتزلي لا يؤمن إلّا بسطوة العقل، ومضـى الشاعر متأثّراً بثقافته التراثية الفكرية، متّخذاً من ألفاظ المعتزلة (الجوهر) و(العرض) طريقاً للإيمان.

الخاتمة

وفي نهاية المطاف توصّلنا إلى جملةٍ من النتائج، منها:

ظهر بشكلٍ جليّ تأثّر الجواهري بأفكار الثورة الحسينية؛ من خلال دعوته للثورة ضدّ الظلم والطغيان، والتضحية بكلّ شيء في سبيل العقيدة وتحقيق الحق.

وردت في القصيدة ألفاظ كثيرة لها ارتباط وثيق بالثورة الحسينية، كالثورة على الظلم، وعدم السكوت على الظالم، وكان يقتنص الصور المؤلمة ويوظّفها بصورة إيجابية في عرض الأحداث التاريخية، وأخذ الجانب النير منها لتحقيق ما يبتغيه الشاعر.

وردت في قصيدة الجواهري أساليب عديدة، ولعلّ من أهمّها الخطاب الداخلي (المنولوج)، والخطاب الخارجي، وقد تنوع هذا الخطاب ما بين سياسي وتاريخي.

إنّ الشاعر قد اختار قافية العين، وهي قافية تعبّر عن الوجع والتفجّع، والحسـرة والألم والأسى، فكان موفّقاً في هذه القافية؛ لارتباطها الصميميّ بموضوع القصيدة.

اعتمد الشاعر على الحوار والجدل، وقد صاغ هذا الحوار بأُسلوب ملحمي ونَفَس قصصي مترابط.

ظهرت ثقافة الشاعر الدينية والتاريخية بشكلٍ بارز على مستوى الألفاظ والمعاني، كما بدت معرفته واطّلاعه على المذاهب الدينية والفِرق الإسلامية من خلال طرحه لأفكارها.

مزج الشاعر بين الماضي والحاضر بشكلٍ لافت للنظر، واعتمد الحقائق التاريخية في الوصل بين الماضي والواقع.

كان خطاب الشاعر نحو المتلقّي ينمّ عن تفهّم لطبيعة المخاطب، وقد تجاوز خطابه التّمذهب الديني والسياسي.

شكّلت القصيدة وحدة موضوعية متناسقة ومترابطة الأجزاء ومتسلسلة الأفكار.

إذا ما تأمّلنا شعر الجواهري فسنجد فيه تمثيلاً حقيقياً لصدق التجربة الشعرية، والأمانة في نقل الموروث والإفادة منه.

 

فهرست المصادر

  1. أديان العرب في الجاهلية، محمد نعمان الجارم، مطبعة السعادة، ط1، 1341هـ/1923م، مصـر.
  2. أعيان الشيعة، السيد محسن الأمين، تحقيق: حسن الأمين، دار التعارف للمطبوعات، بيروت ـ لبنان.
  3. الإمام الحسين بن علي في الشعر العراقي الحديث (دراسة موضوعية فنية)، د. علي حسين يوسف، إصدار وحدة الدراسات التخصّصية في الإمام الحسين عليه السلام، قسم الشؤون الفكرية والثقافية في العتبة الحسينية المقدّسة، ط1، 1434هـ/2013م، كربلاء، ـ العراق.
  4. بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمّة الأطهار، محمد باقر المجلسـي، مؤسّسة الوفاء، ط2، 1403هـ/1983م، بيروت ـ لبنان.
  5. تطوّر الشعر العربي الحديث في العراق، علي عباس علوان، منشورات وزارة الإعلام، 1975م، بغداد، الجمهورية العراقية.
  6. التنبيه والإشراف، أبو الحسن علي بن الحسين المسعودي (ت346هـ)، دار صعب، بيروت ـ لبنان.
  7. جامع أحاديث الشيعة، الحاج آقا الحسين الطباطبائي البروجردي، طُبع في المطبعة العلمية، 1399هـ. ق، قم ـ إيران.
  8. حينما تتوهّج الكلمة دراسات في الأدب الكربلائي المعاصر، د. علي حسين يوسف، دار ومطبعة الروسم، بغداد ـ العراق.
  9. ديوان الجواهري، محمد مهدي الجواهري، الأعمال الكاملة، دار الحرية للطباعة والنشر، ط2، 2008م، بغداد.
  10. شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد المعتزلي، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، دار إحياء الكتب العربية، عيسى البابي الحلبي وشركاه، منشورات مكتبة آية الله المرعشي النجفي، ط2، 1387هـ/1967م، قم ـ إيران.
  11. الشعر العربي الحديث من أحمد شوقي الى محمود درويش، ميشال خليل جحا، دار العودة، ط1، 1999م، بيروت.
  12. الشعراء والسلطة، أحمد سويلم، مطابع الشـروق، ط1، 1424هـ/2003م، القاهرة.
  13. الصحاح (تاج اللغة وصحاح العربية)، أبو نصـر إسماعيل بن حماد الجوهري (ت393هـ)، تحقيق وضبط: شهاب الدين أبو عمرو، ط1، دار الفكر للطباعة والنشـر والتوزيع، 1418هـ/1998م، بيروت ـ لبنان.
  14. عيون أخبار الرضا، محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي (ت381هـ)، صحّحه وقدّم له وعلّق عليه: الشيخ حسن الأعلمي، طبع على مطابع مؤسّسة الأعلمي للمطبوعات، ط1، منشورات الأعلمي للمطبوعات، بيروت ـ لبنان.
  15. غاية المرام وحجّة الخصام في تعيين الإمام من طريق الخاصّ والعام، السيد هاشم البحراني الموسوي، تحقيق السيد علي عاشور.
  16. فرائد السمطين في فضائل المرتضى والبتول والسبطين والأئمّة من ذريتهم عليهم السلام، شيخ الإسلام المحدث الكبير إبراهيم بن محمد بن المؤيد بن عبد الله بن علي بن محمد الجويني الخراساني (ت722هـ)، حقّقه ونشره: محمد باقر المحمودي، مطبعة مؤسّسة المحمودي للطباعة والنشر، ط1، 1398هـ/1978م.
  17. كتاب العين، الخليل بن أحمد الفراهيدي (ت175هـ)، تحقيق: د. مهدي المخزومي، ود. إبراهيم السامرائي، دار الرشيد للنشر، 1981م، بغداد.
  18. لسان العرب، أبو الفضل جمال الدين محمد بن مكرم بن منظور المصري (ت711هـ)، اعتنى بتصحيحه: أمين محمد عبد الوهاب، ومحمد الصادق العبيدي، ط3، دار إحياء التراث العربي، مؤسسة التاريخ العربي.
  19. اللهوف على قتلى الطفوف (مقتل الإمام الحسين عليه السلام)، علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن طاووس الحسيني (ت664هـ)، منشورات الأعلمي للمطبوعات، ط1، 1414هـ/1993م، بيروت ـ لبنان.
  20. ماضي النجف وحاضرها، الشيخ جعفر باقر آل محبوبة، دار الأضواء، ط2، 1406هـ/1986م، بيروت ـ لبنان.
  21. محمد مهدي الجواهري شاعر العرب الأكبر، حيدر توفيق بيضون، دار الكتب العلمية، 1993م، بيروت.
  22. مستدرك الوسائل ومستنبط المسائل، الميرزا حسن النوري الطبرسي (ت1320هـ)، تحقيق: مؤسّسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث، ط1، 1408هـ/1987م.
  23. مسند الإمام زيد، الإمام الشهيد زيد بن علي بن الحسين، منشورات دار مكتبة الحياة، بيروت ـ لبنان.
  24. معجم مقاييس اللغة، أبو الحسين أحمد بن فارس بن زكريا (ت395هـ)، عبد السلام محمد هارون، ط2، 1389هـ/1969م، شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصـر.
  25. مناقب أمير المؤمنين عليه السلام، علي بن محمد بن محمد بن الطيب الشهير بابن المغازلي (ت483هـ)، تحقيق وتعليق: محمد باقر البهبودي، الناشر دار الأضواء، ط3، 1424هـ/2003م، بيروت ـ لبنان.
  26. ينابيع المودة لذوي القربى، الشيخ سليمان بن إبراهيم القندوزي الحنفي (ت1294هـ)، تحقيق: سيد علي جمال أشرف الحسيني، مطبعة الأُسوة، ط1، 1416هـ.

 


[1] جامعة الكوفة/كليّة الآداب.  جامعة الكوفة/كليّة الزراعة.

[2] اُنظر: يوسف، علي حسين، حينما تتوهّج الكلمة (دراسات في الأدب الكربلائي المعاصر): ص80.

[3] اُنظر: علوان، علي عباس، تطوّر الشعر العربي الحديث في العراق: ص84.

[4] اُنظر: محبوبة، جعفر، ماضي النجف وحاضرها: ج2، ص112ـ113، وص136.

[5] اُنظر: بيضون، حيدر توفيق، محمد مهدي الجواهري شاعر العرب الأكبر: ص22.

[6] اُنظر: جحا، ميشال خليل، الشعر العربي الحديث من أحمد شوقي إلى محمود درويش: ص295.

[7] اُنظر: علوان، علي عباس، تطوّر الشعر العربي الحديث في العراق: ص257.

[8] اُنظر: الجواهري، محمد مهدي، ديوان الجواهري: ج4، هامش ص491.

[9] المصدر السابق: ج4، ص491.

[10] اُنظر: الجارم، محمد نعمان، أديان العرب في الجاهلية: ص96.

[11] الجواهري، محمد مهدي، ديوان الجواهري: ج4، ص491.

[12] ابن منظور، محمد بن مكرم، لسان العرب: ج8، ص6، مادة (بدع).

[13] الجواهري، محمد مهدي، ديوان الجواهري: ج4، ص491.

[14] اُنظر: ابن منظور، محمد بن مكرم، لسان العرب: ج5، ص273، مادة (وتر).

[15] النوري، ميرزا حسين، مستدرك الوسائل: ج10، ص413. واُنظر: المجلسـي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج98، ص223. البروجردي، حسين، جامع أحاديث الشيعة: ج12، ص418.

[16] الجواهري، محمد مهدي، ديوان الجواهري: ج4، ص491.

[17] ابن طاووس، علي بن موسى، اللهوف على قتلى الطفوف: ص80. واُنظر: المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج45، ص59. الأمين، محسن، أعيان الشيعة: ج1، ص612.

[18] الجواهري، محمد مهدي، ديوان الجواهري: ج4، ص491ـ492.

[19] المصدر السابق: ص492.

[20] المصدر السابق.

[21] القندوزي، سليمان بن إبراهيم، ينابيع المودة لذوي القربى: ج2، ص332. واُنظر: البحراني، هاشم، غاية المرام: ج1، ص7ـ72.

[22] الفراهيدي، الخليل بن أحمد، العين: ج1، ص395. واُنظر: ابن فارس، أحمد، معجم مقاييس اللغة: ج5، ص415.

[23] اُنظر: ابن منظور، محمد بن مكرم، لسان العرب: ج13، ص52ـ55، مادة (بطن).

[24] ابن المغازلي، علي بن محمد، مناقب علي بن أبي طالب عليه السلام: ص400. واُنظر: الجويني، إبراهيم بن محمد، فرائد السمطين: ج1، ص308. الصدوق، محمد بن علي، عيون أخبار الرضا عليه السلام: ج1، ص52. زيد بن علي، مسند زيد: ص456، وغيرها.

[25] ابن أبي الحديد، عبد الحميد، شرح نهج البلاغة: ج16، ص287.

[26] الجوهري، إسماعيل بن حماد، الصحاح: ج2، ص1246. واُنظر: ابن فارس، أحمد، معجم مقاييس اللغة: ج3، ص313.

[27] التبابعة: هم ملوك حمير من ذرّية قحطان. وقِيل: إنّ هذه السمة لم يستحقّها منهم إلّا مَن ملك اليمن وحضـرموت، واجتمعت له طاعتهم. وإنّ التُّبع في أصل اللغة: الظل؛ إذ كان الملوك ظلاً لرعيتهم. اُنظر: المسعودي، علي بن الحسين، التنبيه والإشراف: ص157.

[28] الجواهري، محمد مهدي، ديوان الجواهري: ج4، ص493.

[29] اُنظر: سويلم، أحمد، الشعراء والسلطة: ص65.

 
 
البرمجة والتصميم بواسطة : MWD