1439 / جمادی‌الآخرة / 4  |  2018 / 02 / 21         الزيارات : 570423         صلاة الصبح |         صلاة الظهر والعصر |         صلاة المغرب والعشاء |

انعكاس القيم الثورية في الشعر الحسيني المعاصر

{ د. رقیة رستم بور ملکي }
انعكاس القيم الثورية في الشعر الحسيني المعاصر

المقدّمة

إنّ قیم ومُثُل ثورة الإمام الحسین عليه السلام بصفتها ثورة إنسانیة کبری بکلّ أبعادها، تشعّ علی کلّ أُمم الأرض ما دام الظلم والاضطهاد قائمین في العالم، وإنّ استحضار قیم تلك الثورة العظیمة الخالدة في هذا العصر، یزیدنا عزّة وقدرة للوقوف مع كلّ مظلوم ومضطهد سُلب حقّه، ومکافحة کلّ معالم الجور والفساد، وإحیاء الفضائل لإصلاح الأُمور.

وقد أعلم الإمام الأُمة جمعاء بقوله: «إنّ رسول الله صلى الله عليه وآله قال: مَن رأى سلطاناً جائراً، مستحلاً لحرم الله، ناكثاً لعهد الله، مخالفاً لسنّة رسول الله صلى الله عليه وآله، يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان، فلم يُغيِّر عليه بفعل ولا قول، كان حقاً على الله إن يُدخله مُدخله»[1]. فثورة الحسین عليه السلام، هي امتداد للرسالة المحمدیة التي جاءت لتُحطّم صروح الظالمین، وما جاءت ثورة الإمام الحسین عليه السلام إلّا لتجدید الدّم في عروق الشعوب المظلومة.

إنّ هذا البحث یسلّط الضوء علی بعض المقاطع الشعریة المعاصرة، ذات طابع سیاسي، تتمحور علی حادثة کربلاء، ونهضة الإمام الحسین عليه السلام، من أعمال شعراء، أمثال: بدر شاکر السیّاب، ویحیی السماوي، وجواد جمیل، وأحمد دحبور، و... ذلك للکشف عن مدی تأثّر أصحاب هذه القصائد بالقیم النابعة من ثورة الإمام الحسین عليه السلام، للتعبیر عن أبعاد مأساة الإنسان العربي المعاصر، المحاصر تحت قیود السلطة وظلم الحکّام.

الشعر الحسيني

«تُعدّ ثورة الحسین مادّة خصبة، استلهمها الأُدباء في فنّهم استلهاماً واسعاً، أمده الأدب الرافض بثروة ضخمة من القصائد»[2].

ولا غبار علی هذا القول إذا ما تأمّلنا في شکل ومضمون القصیدة الحسینیة، فهي أضافت إلی الشعر العربي عامّة، والوجداني خاصّة، رؤیة جدیدة في الشکل والمضمون. فأخذ الشعر الحسیني مهمّة إصلاحیة نابعة من وجدان الشاعر، تمثّلت برصد الوظیفة الکبری لثورة الإمام الحسین عليه السلام، وهي الاستنفار لقیم الله سُبحانه بنصرة الحق ودفع الباطل مهما کان الثمن، إذ التفت إلیها الشعراء. وأخذ الشعر الحسیني العاشورائي ینمو روحیاً بتجدید الزمان، فأثّر ذلك کلّه في عواطف المجتمع الإسلامي والإنساني تأثیراً عمیقاً، وظلّت مظاهر الحزن مقرونة بالثورة، وهي تفوح من کلام الشعراء في کلّ عصر لإثارة الضمیر الإنساني.

یُعدّ رمز الحسین عليه السلام في الشعر العربي المعاصر رمزاً جامعاً لمعاني النضال، والشهادة، والتضحیة، والفداء. ویری الشاعر المعاصر في شخصیة الإمام عليه السلام المثل الأعلی في الثبات علی الحقّ، فهو الذي دفع حیاته ثمناً له واستُشهد في سبیله، وهو إذ ذاك یناصر الإسلام، ویقتدي بهدي جدّه رسول الله صلى الله عليه وآله، ولقد سجّل باستشهاده صفحة مضیئة في تاریخ الإسلام، جعلته بطلاً عظیماً نعتزّ به وسیرته. ویظل استشهاد الإمام الحسین عليه السلام في کربلاء مصدر إلهام للشعراء، متخذین من الإمام رمزاً للفداء والتضحیة بالذات في سبیل الحقّ[3].

 «ولعلّ حادثة کربلاء بما تمثّل من رمزیة للمأساة بکلّ معانیها، کانت من أکثر الحوادث حضوراً في دواوین الشعراء، ولعلّ السبب في ذلك یعود إلی أنّ من الشعراء مَن یری في شخصیة الإمام الممثّل الحقیقي لکلّ دعوة نبیلة، انطلقت وثارت علی واقع ظالم، ولم یقدّر لهذه الدعوات والثورات أن تصل إلی أهدافها، فکانت نتیجتها الفشل والهزیمة، لا لعیب أو قصور في مبادیء أصحابها، وإنّما لکون دعواتهم قمّة في المثالیة، لا تتوافق والواقع الفاسد آنذاك»[4].

وکأنّ الشعراء یأملون ثورة تتّصف بهذه المبادیء، ثورة حسینیة صادقة، یدفع فیها صاحبها حیاته ثمناً لها، حیث یقول یحیی السماوي مخاطباً الإمام الحسین عليه السلام:[5]

أنت لکلّ ذي عزمٍ حُسامٌ

 

 وأنت لکلّ مذعور حصون

فتح الإمام الحسین عليه السلام من خلال ثورته الفریدة، ووقفته المجیدة، وصرخته الخالدة، للشعراء والأُدباء والمفکّرین، وکلّ مَن یهتمّ بقضایا العدل والحریة، والنضال والسلام، أبواب الإبداع في مختلف نواحي الفکر والفنّ والأدب؛ لأنّ ملحمة کربلاء بذاتها تزخر بالمعاني السامیة، والصور البدیعة، والشعارات الکبیرة، التي تتعلّق بالقیم الرفیعة، والمصالح العامّة.

«یمکن القول: إنّ حادثة عاشوراء عامل أساس لإثارة روح التحدّي في نفوس الأُمّة، ومن أشدّ مقاطع التاریخ التصاقاً بواقع الأُمّة في کلّ آن، ومن أکثرها تأثیراً علیه؛ لأنّ قصّة الصّراع الأزلي بین الحقّ والباطل، وبین الظالم والمظلوم، کانت ولا تزال باقیة، فلذلك خلدت عاشوراء مهما تجدّد الزمن»[6].

استحضر الشعراء شخصیة الإمام الحسین عليه السلام، وجعلوها مصدراً یستمدّون منها. یقول بدر شاکر السیّاب:

عزَّ الحسین وجلّ عن أن یشتري

 

 ريَّ الغلیل بخطّة نکراء

آلی یموت ولا یوالي مارقاً

 

 جمّ الخطایا طائش الأهواء[7]

وهذا قول الإمام عليه السلام: «والله لا أُعطیکم بیدي إعطاء الذلیل، ولا أقرّ لکم إقرار العبید»[8].

 وفیما یلي مقتطفات من المقطع الأخیر من قصیدة (صرخة من کربلاء... یا إنسان) المنشورة في دیوان (دینا وأخواتها)من المجموعة الکاملة:

قد تقتلني

قد تفجعني بأعزائي

صحبي... إخواني... أبنائي

قد تسبي أهلي ونسائي

لکنّك أوهى من أن تأخذ صوتي

هیهات الذلة منيب... لن أرجوکم

سأقاومکم... سأقاومکم... سأقاومکم

لن أعطیکم

إعطاء ذلیل

إقرار عبید

سأقاومکم... سأقاومکم... سأقاومکم

حتی لا یبقی حولی سیفٌ ینصرني

حتی تنفجر دمائي في الأجیال وتحکیني

حتی یسمع أنصاري صوتي في الآتي

هل من ناصر

فیجیبوني

وتضيء لهم دربَ الحرّیة کلماتي

وعلی أصقاع الدنیا تخفق رایاتي

ویعمّ سلامي

في کلّ مکان بشعت فیه مظالمکم

ومجازرکم

سأسطرُ اسماً لشهیدٍ[9].

والإمام في شعر السیّاب هو رمز الإباء والحریة، کما أنّ یزید هو رمز للظلم والاستبداد، وبذلك یقوم بتصویر واقع المجتمع العراقي في عصره، إذ إنّ أبناء مجتمعه منهم الثائر ضدّ الظلم، ومنهم المتخاذل الذي یخاف السلطان؛ لذلك فإنّ السیاب وجد في شخصیة الحسین عليه السلام ـ الثائر علی الجور والفساد، وقوی الاستبداد والطغیان ـ رمزاً مماثلاً لأبعاد تجربته الشعریة.

ویتحدّث مصطفی جمال الدین عن القوم الظالمین، الذین أسلموا الإمام للعدو، ویعتبر الإمام رمزاً للنور والهدایة، والذي یکشف الطریق:[10]

کأنّ قوماً أسلموك لیلة

 

 عسراء وانقلبوا علیك فکذبوا.

فإنّ مصطلح لیلة عسراء یوحي بالظلم والجور لقوم يفضّلون الباطل.

 إنّ الحسین عليه السلام مدرسة عالمیة للثورة، تلمذ علیها الثوار، وانعکس هذا الأمر في تجربة الشعراء المعاصرین، من أمثال مظفر النوّاب، إذ یقول في قصیدة (الوقوف بین السماوات ورأس الإمام الحسین عليه السلام):

قد تعلّمت منك ثباتي وقوّة حزني وحیداً

لکم کنت یوم الطفوف وحیداً

ولم یكُ أشمخَ منك

وأنت تدوس علیك الخیول

من بعید رأیت ورأسك کان یحزّ

حریق الخیام

فأسدلت جفنیك فوق الحریق حناناً

فدمعك کان ختام النزول[11].

وأمّا من أثر النهضة الحسینیة في الشعر العربي، فهو: أنّ هذه النهضة یقترن فیها التأثیر الشعري، والانفعال الجمالي التعبیري، الذي یتوخّاه الشاعر کرسالة یقترن فیها الهدف الفنّي الجمالي بالغرض الفکري الإصلاحي.

وهو حدث فرید من أحداث الإنسانیة وصراعها لإعلاء قیم الحقّ والشجاعة والفضیلة؛ إذ یمثّل صرخة الثائر البطل، والإمام الذي تبرمج في وعیه عذابات الإنسانیة، وواقعها المنحرف، وسلطاتها الاستبدادیة، ورؤاها المشوّهة، فآثر وارث الأنبیاء الإمام الحسین عليه السلام الموت تحت ظلال السیوف علی العیش الذلیل، وألقی بکلّ ثقله وفکره وعیاله في ساحة الصراع؛ من أجل إیقاظ الأُمّة من سباتها، وإعادة الثقة لها بدوره المحوري في صنع الحضارة والتاریخ، فکان مآل أمره مقطّعاً بالسیوف، مرمّلاً بالدماء، مع أصحابه وأهل بیته عليهم السلام، لیکون رمزاً لکلّ ثائر ومصلح تتکامل عنده عناصر الإبداع فکراً وسلوکاً، ویصیح في عالم الصمت والاستبداد: لا أُعطیکم بیدي إعطاء الذلیل، ولا أقرّ لکم إقرار العبید.

الشعر الحسيني والقضية الفلسطينية

قد نجد أنّ بعض الشعراء یُقرنون مأساة کربلاء بالقضیة الفلسطینیة في قصائدهم. یقول أحمد دحبور في (العودة إلی کربلاء):

شاهدتهم ومعي شهودي

أنت والماء الذي یعود دماً

ودم لدیهم صار ماءً

والنخیل

شاهدتهم عین المخیّم فيَّ لا تُخطیء وکانوا

تاجراً ومقامراً ومقنعاً کانوا دنانیر النخیل

ودخلت في موتي وحیداً أستحیل

وطناً فمذبحة فغربة

یا کربلاء

تفور فيّ النار

أذکر بکفٍّ تتقلّب الوجوه[12].

إنّ الرمز هنا لکربلاء الفلسطینیین: الأسی، والعطش، والحصار، والغضب، والمأساة... إنّه البحث عن ماء في زمن العطش، لقد وصل إلی کربلاء رغم الطرق المغلقة، ورغم المشقة، آملاً أن تکون البدایة، ووجد الحسین عليه السلام نفسه وحیداً في المواجهة، بینما تقاسم الآخرون أسرارهم وثمر النخیل... فهم الذین خذلوا الفلسطینیین المعاصرين.

ویرید الشاعر أن یتحوّل الدم ـ کما تحوّل دم الحسین عليه السلام ـ إلی محرّض، ودعوة لثورة مستمرة لخروج الماء من أرض کربلاء لتروي عطش الحسین عليه السلام:[13]

آتٍ علی عطش وفي

 

زوادتي ثمر النخیل

فلیخرج الماء الدفین إليّ

 

ولیکن الدلیل

الشعر الحسيني والواقع المعاصر

قد یرسم الشعراء ملامح الثورة وأزمتها في الواقع المعاصر في تجاربهم الشعریة، من خلال استدعاء شخصیة الإمام الحسین عليه السلام؛ لیکون رایة السائرین في زمان الشاعر، مثلما یقول الشاعر قاسم حداد:

نسیر ونعرف کیف نشقّ التراب ونبذر داخله

کیف نحزّ الرؤوس ونزرعها عبر کلّ العصور

فنحن الحسین المسافر من کربلاء

ورأس الحسین الممزّق بین دمشق وبین الخلیج

ونحمله نستریح علی سورة المومیاء[14].

إنّ الرمز الحسیني یمتدّ فوق الزمان بنبضاته الخلافیة، فهو تجسید لصراع الحقّ مع الباطل، هذا الصراع الذي لا ینتهي ولا یحسم أبداً، ولأنّ المأساة الحسینیة لم تشفِ غلیلها بعدُ، فلا بدّ للانفعالات والعواطف والمحبّة الموالیة أن ترفد الجانب الوجداني للولاء، بنتاجاتها التي تستوحي من الملحمة العظیمة کلّ محرّك للضمائر، ومهیّج للهمم، ومُثیر للدموع العاشقة، کما في قصیدة الشاعر مصطفی جمال الدین:

ذکراك تنطفئ السنین وتغربُ

 

 ولها علی کتف الخلود تلهبُ

لا الظلم یلوي من طماح ظرامها

 

 أبداً ولا حقد الضمائر یحجب

ذکری البطولة لیلها کنهارها

 

 صاح تؤج به الدماء وتلهبُ

ذکری العقیدة لم ینؤ متن لها

 

 بالحادثات ولم یخنها منکب

لقد أصبح الرمز الکربلائي في الزمن المعاصر أنشودة ثوریة، تردّدها الشعوب الضامئة إلی لون الحریة، والعقیدة الإسلامیة، فالحسین لم یقف فترة زمنیة عابرة، وإنّما موقفاً خالداً، وهذا الشيء یراود الشاعر العراقي (جواد جمیل) في مجموعته الشعریة (للحسین... لغة ثانیة)، وکأنّه یستقرئ التاریخ بلغة شعریة مرهقة؛ إذ یقول في قصیدة (الرؤی):[15]

لم نکن نسمع ما قال

ولکنّا رأینا قمراً غادر کفیه... ونورس

رأیت ظلّه الأخضر

منقوشاً علی الرمل المدمّی

ورأینا بین عینیه صلاة تتیبس[16].

کذلك یقول عبد الرزاق عبد الواحد في قصیدة (في رحاب الحسین):

فصخب بأضلعه الکبریاء

 

 وصاح علی موته أقدامي

کذا نحن یا سیدي یا حسین

 

 شداد علی القهر لم نَشکُم

کذا نحن یا أیّها الرافدین

 

 سوارتنا قطّ لم تهدم

 فلا الموت قد غیّر من إبائه شیئاً، ولا الدم قد دعاه إلی أن یهادن أو یسایس، فهو قد اشتری الشهادة وأرادها له ولأهله وصحبه. فنحن نتعلّم منه أروع دروس التضحیة والإباء، ثمّ یقول:

لأن ضجّ من حولك الظالمون

 

 فإنّا وُکلنا إلی الأظلم

و إن خانك الصحب والأصفیاء

 

 فقد خاننا مَن له ننتمي

تدور علینا عیون الذئاب

 

 فنحتار من أیّها نحتمي

یُقیم الشاعر مقارنة بین ذاك الزمان والزمن الراهن، فمظاهر الاستعمار والسلطات الغالبة في العالم ممّا لم یتخلّص الإنسان المعاصر من ثقلها ونیرها، وذلك رغم الشعارات الکثیرة التي رُفعت باسم المنظمات والهیئات الدولیة، کمنظمة حقوق الإنسان، ومنظمة العفو الدولیة، والأُمم المتحدة، وغیرها، والتي تدّعي حریة الشعوب، وحریة الرأي، والدیمقراطیة، کلّ هذه ممّا تنعکس في تجارب الشعراء الشعریة، مثل ما یقول الشاعر جواد جمیل في قصیدته (أشیاء یفهمها الثوار):[17]

الشمر قد سجّل اعتذاره

عن مقتل الحسین في الأُمم المتحدة

والقدس ها قد هوّمت

علی غناء الأُمم المتحدة

وتنقل المصادر المعریّة

أنّ رجال الأمن في المیناء

قد أغلقوا الدروب

وألقوا القبض علی أغنیة

ثائرة تحاول الهروب

وحوکمت بالعدل!! في لاهاي

فأُعدمت!

وسُلّمت جثتها للأُمم المتحدة

وتنقل المصادر المعریّة

إنّ الصلیب الأحمر الدولي

ما یزال

یبذل ما في وسعه لیوقف القتال

في غابة بین فراشتین

نعم یعود حاملاً نقالة الجرحی

لأرض الطفّ

وجرحها في قلبها ما جفّ فیدفن القتلی

وینسی جثّة الحسین[18].

إنّ هذه القصیدة تُقیم مقارنة بین واقع الشاعر الألیم والقیم الحسینیة السامیة، التي ثار من أجلها الإمام الحسین عليه السلام، فرصدت القصیدة الواقع مُعرّیة إیّاه؛ بسبب الظلم، والباطل، والشرّ، واتجاهاته في کلّ زمان ومکان. هکذا یتبدّل الشعر الحسیني إلى صوت ومرآة للمسکوت عنه والمحتجین، ذلك أنّ نهضة الحسین عليه السلام تمثّل خطراً محدقاً بسلطة الاستبداد السیاسي.

الشعر الحسيني والدفاع عن القيم

إنّ الحسین عليه السلام رمز للدفاع عن کلّ القیم السامیة التي مُحيت في زمن بني أُمیّة. یقول جواد جمیل في شعر عنوانه (أشیاء مثل الدم):

سألت القلب أن یُبدي الأسی في لحظة الذکری

أخبرني بأنّ الطفّ ما زالت تُرضّ

علی ثراه الأضلع الحمراء

وما زالت ملطخة هناك الأذرع البتراء

وما زال الرضیع

یذوب من عطش

وما زال الحدید یئنّ

یثقل مشیه الأسری

سمعتك حسین عاشوراء عاد

کنت تعذّب الجلاد

فلا تغضب

إذا ما جال في شریانك العقرب

إذا ما ضبّ فوق جراحك الأحقاد

ولا تغضب

إذا ما زیّفوا بغداد

وصارت کالسبیّة

ولا تعجب إذا حفروا المقابر

وأنّ حروفنا الحمراء

تبقی حین یُمحی کلّ ما یُکتب

ویبقی النخل ینتظر السماء[19].[20]

کأنّ صوت الحسین مرفأنا الموعود

 

 والدفء والهروب الجمیلا

حیث ننسی ضیاعنا وانکسارات

 

 رؤانا خطونا والرحیلا

یتبدّل رمز الحسین عليه السلام وصوته الخالد إلى ملجأ یرکن إلیه الإنسان المعاصر، هارباً من الظلم السائد.

حتی تمتلئ الدنیا بالأسماء وتبکي

وتقوم الأرضُ علی أصداء نداءاتي

تلعنکم کلّ صباح

وتمجد اسم الله وتحضن شهدائي

منتصرٌ عدلي

منتصرٌ طفلي

منتصرٌ عطشي

الآن اذبحني

اقطع رأسي بالسیف وقطّعني

خذ رأسي فوق الرمح أو اصلبني

لأبلّغ کلّ رسالاتي

وأقول لأجیال الحریة آخر کلماتي[21].

لا بدّ من القول: إنّ هناك شعراء معاصرين آخرين کتبوا في الإمام الحسین عليه السلام ونهضته، وإنّ إحصاءهم وجمع قصائدهم یتطلّب بحوثاً وجهوداً کبیرة، ووقتاً طویلاً. وقد یکون هذا التحقیق محاولة للإطلالة علی أهمیة الشعر الحسیني وخصوصیته. فعاشوراء لیس فقط ملهمة الثائرین وطلاب العدالة في العالم، بل هي ملهمة الشعراء والمبدعین أینما وجدوا في العالم.

 النتيجة

توصل البحث إلى نتائج من خلال تقدیم نماذج شعریة وقراءتها، وهي ما یلي:

 إنّ کربلاء ونهضة عاشوراء مدرسة خالدة، لا توصد أبوابها، وأنّها مفتوحة لکلّ مَن یُرید أن یجذّرها من أجل إحیاء کرامة الإنسان، وإصلاح أمور المسلمین. وتؤدي ثورة الإمام الحسین عليه السلام قضیة إستراتیجیة، تؤثر علی أفکار وأقلام المفکّرین والأُدباء علی مدی التاریخ؛ ولهذا ینبغي أن یکون الإمام الحسین عليه السلام عنواناً لکرامة الأُمّة والدفاع عن العقیدة.

لقد استطاع الشعراء المعاصرون ـ في أشعارهم الحسینیة ـ الکشف عن القوی الکامنة المثیرة في هذه النهضة، واتخاذها طریقة لمواجهة کلّ مظاهر الظلم والفساد في المجتمع، فإنّ الشعر الحسیني احتفظ بتلك القیم والمبادیء التي یحتاج إلیها الإنسان المعاصر؛ لیمیّز بها بين الحقّ والباطل.

إنّ الرمز الحسیني الکربلائي ببکائیته الحادّة، یشکّل همّاً بارزاً من هموم الشعر العربي المعاصر، وأنّ المدرسة أثّرت تأثیراً إیجابیاً في مسیرة الشعوب الإسلامیة والعالمیة، ممّا جعل الشعراء والأُدباء یتناولون الحسین عليه السلام کرمز تاریخي في أغلب نتاجاتهم، وأنّ رمزیة الحسین عليه السلام هي صرخة مدوّیة تطلقها الأجیال القادمة بوجه طواغیت الأرض.

 

فهرست المصادر

  1. الأعمال الشعریة، مصطفی جمال الدین، 1415ق.
  2. أشیاء حذفتها الرقابة، جواد جمیل، دار الفرات، بیروت، 1988م.
  3. الأعمال الشعریة، قاسم حداد، دار الفارس، عمان، 2000م.
  4. أزهار ذابلة وقصائد مجهولة، بدر شاکر السیّاب، تحقیق: حسن توفیق، ط2، 1985م، المؤسّسة العربیة للدارسات والنشر، بیروت.
  5. الأعمال الشعریة، عبد الرزاق عبد الواحد، دار الشؤون الثقافیة العامّة، العراق.
  6. استدعاء الشخصیات التراثیة في الشعر العربي المعاصر، علي عشري زاید، دار الفکر العربي، القاهرة، 1997م.
  7. الحسین لغة ثانیة، جواد جمیل، المنهج العالمي لأهل البیت عليهم السلام، قم، 1996م.
  8. الدیوان، أحمد دحبور، دار العودة، بیروت، 1983م.
  9. الرمز الحسیني في الشعر العربي المعاصر، صلاح جبار، الوفاق، رقم الخبر: 90292، التاریخ: 28/7/1394.
  10. الشعر الحدیث في قطر: تطوّره واتجاهاته الفنیة، عبد الله فرج المرزوقي، ط1، 2005م، المجلس الوطني للثقافة والفنون والتراث، قطر.
  11. صدی الرفض والمشنقة، جواد جمیل، معاونیة العلاقات الدولیة في منظمة الإعلام الإسلامي، طهران، 1986م.
  12. أعيان الشيعة، محسن الأمين، دار التعارف للمطبوعات، بيروت.
  13. للثوار فقط، جواد جمیل، دار الفرات، بیروت، 1991م.
  14. المثقف (یا سیدي حسین)، یحیی السماوي، العدد 1956، 2011م.

 

 


[1] أُستاذة مشارکة في اللغة العربیة وآدابها بجامعة الزهراء صلى الله عليه وآله، من إيران. الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الأُمم والملوك: ج4، ص304.

[2] أمین: 1936م: ج3، ص304.

[3] اُنظر: المرزوقي، عبد الله فرج، الشعر الحدیث في قطر(تطوّره واتجاهاته الفنیة): ص188ـ 189.

[4] عشري زاید، علي، استدعاء الشخصیات التراثیة في الشعر العربي المعاصر: ص121.

[5] السماوي، یحیی، (یا سیدي حسین)، موقع المثقف، العدد 1956، 2011م.

[6] مطهري، 1381: ج1، ص18ـ20.

[7] السیّاب، بدر شاکر، أزهار ذابلة وقصائد مجهولة.

[8] الأمين، محسن، أعيان الشيعة، ج1، ص581.

[9] درویش، خشاب، دیوان دینا وأخواتها: ص5.

[10] جمال الدین، مصطفی، الأعمال الشعریة: ص509.

[11] المخزومي، 2009م: ص2.

[12] دحبور، أحمد، الدیوان: ص257.

[13] المصدر السابق.

[14] حداد، قاسم، الأعمال الشعریة: ص65.

[15] جبار، صلاح، الرمز الحسیني في الشعر العربي المعاصر، الوفاق، رقم الخبر: 90292، التاریخ: 28/7/1394.

[16] المصدر السابق.

[17] عبد الواحد، عبد الرزاق، 2002م: ص165.

[18] جمیل، جواد، أشياء حذفتها الرقابة: ص97ـ98.

[19] المصدر السابق.

[20] جمیل، جواد، الحسين لغة ثانية.

[21] فحص: 1415.

 
 
البرمجة والتصميم بواسطة : MWD