1439 / جمادی‌الآخرة / 4  |  2018 / 02 / 21         الزيارات : 570426         صلاة الصبح |         صلاة الظهر والعصر |         صلاة المغرب والعشاء |

أثر النهضة الحسينيّة في القصائد المـُكَتّمات

{ أ. د. محمد جواد حبيب البدراني }
أثر النهضة الحسينيّة في القصائد المـُكَتّمات

توطئة[1]

نفخت شهادة الإمام الحسين بن علي عليهما السلام روحاً جديدة في الإسلام المحمّدي الأصيل؛ إذ استطاعت الدماء الطاهرة التي سالت في أرض كربلاء أن تبعث الإسلام من جديد، وتعيد أصالته التي بدأ الصدأ الأُموي يُخيِّم عليها، فقد تأجّجت روح المقاومة التي أذكى أُوارها الصمود الحسيني، فتحرّر المسلمون من ربق العبودية الذي ضرب بجرانه على البلاد والعباد؛ إذ تخلّص المجتمع من حالة الاستلاب الحضاري، واستيقظت روح العزّة والكرامة من جديد، تلك الروح التي دأبت السلطة الأُمويّة على إماتتها في الشخصية العربية الإسلامية آنذاك، لذلك يمكن القول: إنّ حركة النهضة الحسينية الخالدة تمكّنت من تغيير الواقع، وقلب المخطط الأُموي على أعقابه، لتصبح بداية النهاية للبيت السفياني في الحكم، ومهّدت لما بعدها من ثورات عمّت أرجاء الدولة طيلة الحكم الأُموي.

لقد نتجت عن الثورة الحسينية نهضة اجتماعية وفكرية وثقافية وسياسية ودينية امتدت آثارها في المجتمع منذ القرن الأول للهجرة حتى وقتنا الحاضر، ولم يك ذلك الأمر ذا أبعاد دينية فحسب، بل يعود ذلك لامتدادات تلك الثورة وتعبيرها عن الحسّ الإنساني الرافض للاضطهاد والتقييد، واستغلال الإنسان لأخيه الإنسان، لذلك كانت جميع الثورات اللاحقة تستلهم معالم الثورة الحسينية، وتستفيد من تلك التجربة التي مثّلت اتّجاهاً نادراً في الرفض والتحدّي.

لم يكن الشعر بمعزل عن ذلك، فهو مرآة المجتمع، وديوان العرب المعبِّر عن حياتهم بتفصيلاتها السياسية والاجتماعية والفكرية، لذلك فمن الطبيعي أن يتأثّر الشعر بالثورة الهائلة التي أحدثتها النهضة الحسينية، وامتدت إشعاعاتها للحياة بأكملها، ولعل من خير ما عبّر عن هذا التغيير الكبير في الواقع الأدبي ما عُرِف بـ(القصائد المكتّمات) التي ظهرت في العصر الأُموي، وكانت أشبه بالمنشورات السرِّية، والنشريات التثقيفية السرِّية لأحزاب المعارضة، التي يجري تداولها بعيداً عن أنظار السلطة، بهدف التحريض على الثورة، وإيصال التعليمات للثوّار، وسنقف عند ثلاثة من تلك القصائد التي انتشرت بين صفوف المعارضة الشيعية للسلطة الأُموية بعد استشهاد الإمام الحسين عليه السلام، وكانت اللسان المعبّر عن الثورة والرفض بوجه التسلّط الأُموي، والدعوة إلى إسقاط الحكم الجائر.

الـمُكَتّمات: المصطلح والمحتوى

لعل أوّل مَن أطلق مصطلح المكتّمات هو الطبري في تأريخه، وربما نقله من تسميةٍ شاعت وانتشرت في زمانه؛ إذ يقول في حديثه عن موقعة عين الوردة ومقتل التوّابين: «وكان ممّا قيل من الشعر في ذلك قول أعشى همدان، وهي إحدى المكتّمات، كنَّ يُكتّمن في ذلك الزمان»[2]، كما قدّم لها ابن الأثير بقول مشابه، أمّا المرزباني فيقول عند ترجمته لعبد الله بن عوف بن الأحمر: «له قصيدة طويلة رثى بها الحسين بن علي عليه السلام، وحضّ الشيعة على الطلب بدمه، وكانت القصيدة تُخبّأ أيّام بني أُميّة»[3].

القصائد المكتّمات إذن هي قصائد معارضة سياسية، وتحريض ودعوة للثورة ضد الحكم الأُمويّ، خبّأها شعراؤها، أو تستّر الناس عليها ولم يظهروها، وتداولوها بصورة سرِّية بعيداً عن الأنظار، بوصفها منشورات سرّية لحماية أصحابها ومتداوليها من بطش السلطة، وقد أسهمت في تأجيج الثورة ضد الأُمويين وإسقاط حججهم بالحقّ بالخلافة[4].

وسنحاول في الصفحات القادمة الوقوف عند هذه القصائد، وأثر النهضة الحسينية في ألفاظها وبنياتها.

قصيدة ابن الأحمر

هو عوف بن عبد الله بن الأحمر بن زهير بن مالك بن عوف بن ثعلبة، ينتهي نسبه إلى غامد، كان من أبطال الإسلام المعدودين، ومن الشعراء المبرّزين، ولد أوائل القرن الأوّل للهجرة، وكان من فرسان جيش الإمام علي عليه السلام، شارك معه في حروب الجَمَل وصفِّين، وكان من المقرّبين للإمام الحسن عليه السلام، وحالت ظروفٌ دون مشاركته في معركة الطف إلى جنب الإمام الحسين عليه السلام، وقضى حياته بعد ذلك يأكله الندم، وكان الصوت الإعلامي للمعارضة الشيعية للحكم الأُموي، حتى استشهاده في معركة عين الوردة مع التوّابين عام (65هـ)[5].

ومن المعروف أنّ الأُمّة الإسلامية أُصيبت بحالة من الإحباط والوجوم بعد استشهاد الإمام الحسين عليه السلام، ونجحت دماؤه الطاهرة في تحريك المجتمع، وأشعلت أُوار النهضة الثورية، وأشاعت روح التذمّر والدعوة إلى مقاومة الحكم الأُموي والخروج عليه، وقد بدأت الحملة الإعلامية المناهضة للحكم الأُموي من البيت الهاشمي ذاته، وكلّنا نعرف خُطَب الإمام زين العابدين عليه السلام، والسيِّدة زينب والسيِّدة سكينة عليهما السلام، التي كانت الشرارة الأُولى للثورة الإعلامية، والمرحلة الثانية من التعبئة الجماهيرية للنهضة الحسينية، واستمرّت في البيت الهاشمي، فقد قال عبد الله بن جعفر بن أبي طالب عندما بلغه استشهاد الإمام الحسين عليه السلام: «الحمد لله} على مصرع الحسين إلّا تكن آست حسيناً يدي فقد آساه ولدي... ولما أتى أهل المدينة مقتل الحسين خرجت ابنة عقيل بن أبي طالب... وهي تقول:[6]

 

ماذا تقولون إن قال النبي لكم

 

ماذا فعلتم وأنتم آخر الأُمم

بعترتي وبأهلي بعد مفتقدي

 

منهم أُسارى ومنهم ضُرِّجوا بدم»(1).

 

 

وكان من أوّل النادمين على مقتل الحسين من عامّة الناس عبيد الله بن الحر، وهو من أشراف الكوفة، وقد خرج إلى كربلاء فنظر إلى مصارع القوم، وقال أبياتاً مطلعها:

«يقول أمير غادر حقّ غادر

 

 ألا كنت قاتلت الشهيد ابن فاطمه

فيا ندمي أن لا أكون نصرته

 

 ألا كلّ نفس لا تُسدّد نادمه

وإنّي لأني لم أكن من حُماته

 

 لذو حسرة ما إن تفارق نادمه»[7].

وهكذا يتّضح لنا أنّ روح الندم ازدادت وتوطّدت لدى الناس، وبدأت ثمار النهضة الحسينية تأتي أُكلها بالتدريج، فقد أيقن الناس أنّ سكوتهم عن الظلم قادهم إلى ما وقعوا فيه، لذلك عمّت الثورات أرجاء الدولة، فقد قام ابن الزبير بحركته مستفيداً من نقمة القواعد الشعبية على الدولة الأُمويّة بانتهاكها حرمة البيت النبوي، وقتلها سيّد شباب أهل الجنة، وفي عام (63هـ) خرج أهل المدينة على الدولة الأُموية، وأخرجوا الوالي الأُموي، وبايعوا عبد الله بن حنظلة غسيل الملائكة، وأعلنوا خلعهم يزيد بن معاوية، ثمّ حدث ما حدث من موقعة الحرّة واستباحة المدينة المنورة، وقتل الأنصار وأبناء الأنصار الذين أوصى الرسول الأعظم محمد صلى الله عليه وآله بهم، ثمّ الذهاب إلى مكّة واحتراق الكعبة في المعارك بين ابن الزبير وجيش الشام.

 وقد شهد هذا العام خروج سليمان بن صرد رافعاً شعار (يا لثارات الحسين) في ثورة التوّابين، وهي أوّل ثورة للنادمين المتخلِّفين عن نصرة ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وآله، وقد خرج معه أربعة آلاف من أصل عشرة آلاف بايعوه على الخروج، «فقام سليمان ابن صرد في الناس متوكئاً على قوس له عربية، فقال: أيّها الناس، مَن كان إنّما أخرجته إرادة وجه الله وثواب الآخرة فذلك منا، ونحن منه، فرحمة الله عليه حيّاً وميتاً، ومَن كان إنّما يريد الدنيا وحرثها، فوالله ما نأتي فيئاً نستفيؤه، ولا غنيمة نغنمها، ما خلا رضوان الله ربّ العالمين، وما معنا من ذهب ولا فضّة، ولا خز ولا حرير، وما هو إلا سيوفنا في عواتقنا ورماحنا في أكفنا، وزاد قدر البلغة إلى لقاء عدونا، فمن كان غير هذا ينوي فلا يصحبنا... فتنادى الناس من كلّ جانب: إنّا لا نطلب الدنيا، وليس لها خرجنا»[8].

يُلاحظ على خطبة سليمان بن صرد أنّها تكاد تكون في معانيها مستمدّة من خُطَب الإمام الحسين عليه السلام التي ألقاها عند خروجه إلى مكّة، وعند وصول خبر مقتل مسلم ابن عقيل (رضوان الله عليه)، إذ قال في خروجه من مكّة: «خُطّ الموت على وِلْد آدم مخطّ القلادة على جيد الفتاة، وما أولهني إلى أسلافي اشتياق يعقوب إلى يوسف، وخير لي مصرع أنا لاقيه، كأنّي وأوصالي هذه يتقطّعها عُسلان الفلوات بين النواويس وكربلاء، فيملأن منّي أكراشاً جوفاً، وأجربةً سغباً، لا محيص عن يوم خُطّ بالقلم، رضا الله رضانا أهل البيت، نصبر على بلائه، ويوفّينا أُجور الصابرين، لن تشذّ عن رسول الله لحمته، بل هي مجموعة في حظيرة القدس، تقرّ بهم عينُه، ويُنجز بهم وعده، مَن كان باذلاً فينا مهجته، وموطناً على لقاء الله نفسه فليرحل، فإنّي راحل مصبحاً إن شاء الله»[9].

إنّ خطبة سليمان بن صرد مستمدّة من خطبة الإمام الحسين عليه السلام التي لم يكتفِ فيها بالحديث عن حتمية الموت، بل منحه صورة جميلة محبّبة، وعدّ الشهادة زينة تزين الإنسان تزيين القلادة لجيد الفتاة، ويُلاحظ أنّ ابن صرد استنار بهدي النهضة الحسينية حين جعل الناس على بينة من أمرهم موضّحاً أنّه لا يبحث عن مال ولاجاه ولا منصب، وإنّما يريد إحدى الحُسنيين: النصر أو الشهادة.

خرج المقاتلون التوّابون إلى قبر الإمام الحسين عليه السلام، فازدحموا عليه ازدحام الناس على الحجر الأسود، فبكوا كثيراً، وأعلنوا توبتهم من التخلُّف عن نصرته، وعاهدوا الله على فداء أرواحهم دون الثأر من قاتليه، ثمّ خرجوا مارّين بالأنبار فهيت فالقيارة، ثمّ واصلوا طريقهم إلى عين الوردة التي خاضوا فيها المعركة، واستُشهدوا هناك بعد أن خاضوا معركة مستميتة مع الجيش الشامي الذي يفوقهم عدداً وعدّة، وقد استُشهد معهم ابن الأحمر في شهر ربيع الآخر من عام (65هـ).

لقد قال ابن الأحمر قصيدته المكتّمة قبل خروج التوّابين، وقد اختلفت الروايات فيها وأُضيف إليها أبيات وحُذفت أُخرى، والقصيدة تُعدّ واحدة من أهمّ الأدوات الإعلامية لثورة التوّابين، بل يمكن عدّها بياناً تمهيديّاً للشروع بالثورة، فهو يقول:

صحوت وودّعت الصبا والغوانيا

 

وقلت لأصحابي أجيبوا المناديا

وقولوا له إذ قام يدعو إلى الهدى

 

وقتل العدا لبيك لبيك داعيا

وقودوا إلى الأعداء كلّ طمرة

 

وقودوا إليكم سانحات المذاكيا

وشدّوا له إذ سعر الحرب أزره

 

ليُجزى امرؤ يوماً بما كان ساعيا

وسيروا إلى القوم المحلِّين جنّة

 

وهزّوا حراباً نحوهم وعواليا[10]

يُلاحظ أنّ الشاعر ابتدأ قصيدته بمطلع ذكي، فهو مطلع وحسن تخلّص في آنٍ واحد؛ إذ يسوّغ خروجه عن البناء التقليدي للقصيدة العربية التي اعتاد أصحابها ابتداءها بالمقدّمة الطللية والغزلية، فهو يبرر صحوه من ذلك كلّه بأنّ الذي قاده إلى الصحو هو المصيبة التي مرّت بالإسلام، وكأنّ الشاعر لا يعبّر عن صحوة ذاتية، بل صحوة جمعية مرّت بها الأُمّة بعد حالة النكوص التي مرّوا بها بتخلّيهم عن نصرة ابن بنت نبيّهم، لذلك يدعو الناس إلى إجابة النداء، والاستجابة للدعوة التي أطلقها سليمان بن صرد وأصحابه.

ويُلاحظ أنّ القصيدة تمثّل بياناً من بيانات الثورة، فقد تآزرت مع خُطَب سليمان ابن صرد، لتكونا لسان الثورة وإعلامها، فمن المعروف أنّ الشعر والخطابة كانا يمثّلان الآلة الإعلامية للحروب آنذاك، فقصيدة ابن الأحمر لا تختلف كثيراً عن خطبة سليمان التي يقول فيها: «إنّا كنّا نمدّ أعناقنا لقدوم آل نبيّنا، ونمنّيهم بالنصر، ونحثّهم على القدوم، فلمّا قدموا ونينا وعجزنا، وأدهنا وتربّصنا، وانتظرنا ما يكون، حتى قُتِل فينا وِلْد نبيّنا، وسلالته وبضعة من لحمه ودمه... ألا انهضوا فقد سخط ربّكم، ولا ترجعوا إلى الحلائل والأبناء حتى يرضى الله، وما أظنّه راضياً حتى تناجزوا من قتله، أو تبيروا، ألا لا تهابوا الموت، فوالله ما هابه أحدٌ إلّا ذلّ»[11].

من هنا يمكن القول: إنّ المقطع الأوّل من القصيدة تناول الأفكار ذاتها التي تناولتها خطبة سليمان بن صرد، وهي:

 1ـ هول المأساة وفداحة الإثم بمقتل الإمام الحسين عليه السلام.

2ـ ضرورة الإسراع بالانتقام من قَتَلة الإمام الحسين عليه السلام والمتواطئين معهم.

3ـ تجسيد فكرة الاستشهاد والتضحية بالأموال والنساء.

4ـ الإصرار على نيل التوبة عن طريق التضحية بالنفس[12].

بعد ذلك ينتقل الشاعر إلى الحديث عن تفصيلات المعركة، وما حدث في الطف من مأساة إنسانية باستشهاد سيّد شباب أهل الجنّة، وإصرار جيش الأُمويين على قتله، إلّا ثلّة وقفت معه، وفدته بالنفس والنفيس:

ولا قائلاً لا تقتلوه فتُستحوا

 

 ومَن يقتل الزاكين يلق التخازيا

فلم يك إلا ناكثاً أو مقاتلاً

 

 وذا فجرة يسعى عليه معاديا

سوى عصبة لم يعظم القتل عندهم

 

 يشبهها الراؤون أُسداً ضواريا

وقوه بأيديهم وحر وجوههم

 

 وباعوا الذي يفنى بما كان باقيا

وأضحى حسين للرماح درية

 

 فغودر مسلوباً لدى الطفّ ثاويا

قتيلاً كأن لم يغن في الناس ليلة

 

 جزى الله قوماً أسلموه الجوازيا[13]

إنّ الشاعر يلجأ إلى لغة التحريض والاستنهاض والتقريع، وتذكير الناس بتخاذلهم عن نصرة ابن بنت نبيّهم حين تركوه وحيداً في ساحة المعركة، إلّا ثلّة من آل بيته وأنصاره الذين حملوا الأرواح على الأكف، واصفاً إياهم بأنّهم باعوا الذي يفنى بما كان باقياً، مستفيداً من قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ الله أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ  فَرِحِينَ بِمَا آَتَاهُمُ الله مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾[14]، وقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ الله وَالله رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾[15].

كما أنّها مستمدّة من قول الإمام الحسين عليه السلام وهو في طريقه إلى أرض المعركة: «إنّي لا أرى الموت إلّا سعادة، والحياة مع الظالمين إلّا برماً»[16]، فملامح النهضة الحسينية واضحة في القصيدة؛ إذ إنّ الشاعر يستثمر كلّ النتاج الفكري للثورة الحسينية ليوظّفه في قصيدته، محاولاً تأجيج مشاعر الجماهير، منتقلاً إلى لوم النفس والشعور بالندم، فيقول:

فيا ليتني إذ ذاك كنت شهدته

 

 فضاربت عنه الشانئين الأعاديا

ودافعت عنه ما استطعت مجاهداً

 

 وأعملت سيفي فيهم وسنانيا

ولكن قعدت في معاشر ثبّطوا

 

 وكان قعودي ضلّة من ضلاليا

فما تنسني الأيّام من نكباتها

 

 فإنّي لن آلف له الدهر ناسيا

ويا ليتني غودرت فيمن أجابه

 

 وكنت له من مقطع السيف فاديا

ويا ليتني أحضرت عنه بأُسرتي

 

 وأهلي وخلاني جميعاً وماليا

سقى الله قبراً ضمن المجد والتقى

 

 بغربية الطف الغمام الغواديا[17]

إنّ الشاعر نادم على عدم مشاركته في القتال مع الإمام الحسين عليه السلام وصحبه، فهو يشعر أنّه ضيّع دنياه وآخرته بعدم استجابته لواعية الإمام الحسين عليه السلام، ويتمنّى أن تعود الأيام ليفدي الإمام الحسين عليه السلام بأهله وأُسرته وأحبائه، ثمّ يدعو له بالسقيا، وهو تقليد معروف في القصيدة العربية منذ العصر الجاهلي حيث يُدعى بالسقيا لقبور الأحبّة، ويصف خذلانهم للإمام الحسين عليه السلام بأنّه ضلال وضياع، وأنّه ليس لهم إلّا التوبة والعودة إلى طريق الله.

إنّ القارئ للقصيدة يتلمّس بوضوح تام أنّ الشاعر استطاع أن يستلهم مبادئ الثورة الحسينية التي عبّرت عنها خُطَب الإمام الحسين عليه السلام، وأوضحتها مواقفه ومواقف أهل بيته بعد استشهاده في أسْرِهم.

قصيدة أعشى همْدان

هو عبد الرحمن بن عبد الله بن الحارث من همْدان، يعدّ من أشعر اليمانيين وأفصحهم بالكوفة، ومن أبرز فرسان عصره، شاعر مبرّز من الشعراء الذين برزوا في الدولة الأُموية، كان فقيهاً ومن أشهر القرّاء في الكوفة، ثمّ ترك ذلك وتوجّه للشعر، شارك في بعض الفتوحات، ثمّ خرج على الدولة الأُموية مؤيِّداً لثورة عبد الرحمن بن الأشعث في خراسان، وجيء به أسيراً للحجاج فضرب عنقه صبراً[18].

يُعدّ الأعشى الهمْداني صاحب المكتّمة الثانية، وقد كتبها في رثاء قتلى حركة التوّابين، وبالأخص سليمان بن صرد الخزاعي، ويمكن تقسيم القصيدة على ثلاثة أقسام:

1ـ المقدّمة: وتشمل هذه المقدّمة الأبيات التسعة الأُولى من القصيدة، وهي مقدّمة غزلية يقول فيها:

ألمَّ خيال منك يا أُمّ غالب

 

 فحيّيت عنّا من حبيب مجانب

وما زلت لي شجواً وما زلت مقصداً

 

 لهمٍّ عراني من فراقك ناصب

فما أنس لا أنسى انفتالك بالضحى

 

 إلينا مع البيض الوسام الخراعب

تراءت لنا هيفاء مهضومة الحشا

 

 لطيفة طيّ الكشح ريّا الحقائب

مبتـلة غـرّاء رود شـبابـها

 

 كشمس الضحى تنكل بين السحائب

فلمّا تغشّاها السحاب وحوله

 

 بدا حاجب منها وضنّت بحاجب

فتلك الهوى وهي الجوى لي والمنى

 

 فأحببْ بها من خلّة لم تصاقب

ولا يبعد الله الشباب وذكره

 

 وحبّ تصافي المعصرات الكواعب

ويزداد ما أحببته من عتابنا

 

 لعاباً وسقياً للخدين المقارب[19]

إنّ القصيدة تبتدئ بمقدّمة غزلية على وفق تقاليد القصيدة العربية، فقد اعتاد الشعراء العرب منذ جاهليتهم ابتداء القصيدة بمقدّمة غزلية قبل الدخول في غرضها الأصلي، ويبدو لي أنّ النصّ يحمل رمزية عالية، فالشاعر سمّى حبيبته أُمّ غالب، ووصفها بأنّها حبيب مجانب متمنّع، وأنّها شجو في الحلق، تصرّ على الفراق ولا تواصل، بعيدة المنال، فهي الهوى والجوى والمنى التي يسعى إليها، لكنّها لا تتحقّق، ويبدو لي أنّ الشاعر يرمز للنصر العسكري والتغلّب على الأعداء، وكأنّه يقول: إنّ الانتصار العسكري غاب عن سكّة التشيُّع في معاركهم مع العدو، وكأنّ الله سبحانه وتعالى اختار لهم درب الشهادة في الدنيا، ومفارقة الأحبّة؛ ليعزّهم في الآخرة.

إنّ مقدّمة القصيدة كما يبدو لي ليست مقدّمة تقليدية لا همّ لها إلّا السير على النمط العربي المعروف، بل هي غزل ليس بمعزل عن البناء العام للقصيدة، فهو يسير على وفق أهدافها ومراميها، ويعبّر عن حسرة لا تنفك في نفس الشاعر على مفارقة النصر على الأعداء، والذي غدا بالنسبة إليه حبيبة متمنّعة يتعذّر الوصول إلى حِماها، على الرغم من تقديم التضحيات الجسام من أجل الوصول إلى الحلم المبتغى، وبذل الدماء رخيصة، فالغزل بُنية متكاملة مع موضوع القصيدة، وليس مقحماً في بُنيتها.

2ـ وصف التوّابين وتحرّكهم:

فإنّي وإن لم أنسهنّ لذاكر

 

 رزيئة مخبات كريم المناصب

توسّل بالتقوى إلى الله صادقاً

 

 وتقوى الإله خير تكساب كاسب

وخلى من الدنيا فلم يلتبس بها

 

 وتاب إلى الله الرفيع المراتب

تخطّى عن الدنيا وقال أطّرحتها

 

 فلست إليها ما حييت بآيب

وما أنا في ما يكبر الناس فقده

 

 ويسعى له الساعون فيها براغب

فوجهه نحو الثويّة سائراً

 

 إلى ابن زياد في الجموع الكباكب

بقوم هم أهل التقية والنهى

 

 مصاليت أنجاد سراة مناجب

مضوا تاركي رأي ابن طلحة حسبة

 

 ولم يستجيبوا للأمير المخاطب

فساروا وهم من بين ملتمس التقى

 

 وآخر ممّا جر بالأمس تائب[20]

لقد ابتدأ أمر الحركة بعد مقتل الإمام الحسين بن علي عليهما السلام، ويروي الطبري في تأريخه عن ابن الأحمر صاحب المكتّمة الأُولى أنّه لـمّا قُتل الحسين بن علي عليهما السلام تلاقت الشيعة بالتلاوم والتندّم، وأدركت أنّها أخطأت خطأ كبيراً بترك نصرة الحسين عليه السلام بعد أن دعوه فأجابهم، فخذلوه ولم ينصروه حتى استُشهد بين ظهرانيهم، وأنّه لا يغسل عارهم والإثم عنهم في مقتله إلّا بقتل مَن قتله أو القتل فيه، ففزعوا بالكوفة إلى خمسة نفر من رؤوس الشيعة، إلى سليمان بن صرد الخزاعي، وكانت له صحبة مع النبي صلى الله عليه وآله، وإلى المسيب بن نجبة الفزاري، وكان من أصحاب الإمام علي عليه السلام وخيار أهل الكوفة، وإلى عبد الله بن سعد بن نفيل الأزدي، وإلى عبد الله بن وال التميمي، وإلى رفاعة بن شدّاد البجلي، وبعد أن اتّفقوا على تولية أمرهم سليمانَ بن صرد الخزاعي قام فيهم خطيباً فقال:

«أمّا بعد، فإنّي والله لخائف أن لا يكون أخّرنا الله} إلى هذا الدهر الذي نكدت فيه المعيشة، وعظمت الرزية، وشمل فيه الجور أولي الفضل من هذه الشيعة لما هو خير، إنّا كنّا نمدّ أعناقنا لقدوم آل نبيّنا ونمنّيهم النصر، ونحثّهم على القدوم، فلمّا قدموا ونينا وعجزنا، وأدهنا وتربّصنا وانتظرنا، حتى قُتل فينا ولد نبيّنا وسلالته وعصارته وبضعة من لحمه ودمه، اتّخذه الفاسقون غرضاً للنبل، ودرية للرماح، حتى أقصدوه وعدوا عليه فسلبوه، ألا انهضوا فقد سخط ربّكم، ولا ترجعوا إلى الحلائل والأبناء حتى يرضى الله، والله لا أظنّه راضياً دون أن تناجزوا مَن قتله أو تبيروا.

ألا لا تهابوا الموت، فوالله ما هابه امرؤ قط إلّا ذلّ، كونوا كالأُوْلى من بني إسرائيل، إذ قال لهم نبيُّهم: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾[21]، فما فعل القوم؟ جثوا إلى الركب والله، ومدّوا الأعناق، ورضوا بالقضاء حين علموا أنّه لا ينجيهم من عظيم الذنب إلّا الصبر على القتل، فكيف بكم لو قد دُعيتم إلى مثل ما دُعي القوم إليه، اشحذوا السيوف، وركّبوا الأسنّة، ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ الله وَعَدُوَّكُمْ وَآَخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ الله يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ الله يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ  وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى الله إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾[22]»[23].

فقام إليه خالد بن سعد بن نفيل، وحنش بن ربيعة الكناني وغيرهم، فتصدّقوا بأموالهم إلّا السلاح، وبايعوه على الموت، ثمّ راسلوا إخوانهم وأنصارهم بالمدائن والبصرة وغيرها، وبدأوا بإعداد العُدّة، والاستعداد للقتال، حتى حلول عام (64هـ) وموت يزيد، ممّا زاد عزيمتهم على المضي في أمرهم[24].

إنّ الشاعر يتحدّث عن تخلّي سليمان بن صرد الخزاعي وأنصاره عن الأموال والمطامع الدنيوية، وإصرارهم على بذل الروح رخيصة في سبيل ما يريدون من دون تردّد أو وجل، واختيارهم طريق التوبة النصوح.

لقد تأثّر أصحاب سليمان بالأثر الفكري الذي تركته النهضة الحسينية في نفوس الناس، وانتصار الدم الحسيني على السيف الأُموي والآلة الإعلامية، ويستثمر الشاعر ما دار في الخطبة التي ألقاها سليمان في أصحابه، حتى تبدو القصيدة وكأنّها وثيقة تاريخية معبّرة عن حركة التوّابين ومؤرّخة لها؛ إذ تصف القصيدة الأحداث التأريخية بدقّة، وكيف خرج سليمان وأنصاره إلى المواجهة ومقارعة الظلم والطلب بالثأر.

ويذكر الطبري في تأريخه: أنّ أمير الكوفة عبد الله بن يزيد وإبراهيم بن محمد بن طلحة زارا سليمان بن صرد، وعرضا عليه أن يقيم معهما في الكوفة بانتظار جيش الشام لمواجهته، على أن يخصّاه وأصحابه بخراج جوخى، فقال: ما للدنيا خرجنا، بل طلباً لإحدى الحُسنيين. ثمّ خرجوا إلى النُّخَيلة، ثمّ نزل على شاطئ الفرات، وقد تخلّف عنه قرابة ألف ممّن بايعوه، فقال ابن صرد: ما أحبّ أن مَن تخلّف عنكم معكم، ولو خرجوا معكم ما زادوكم إلّا خبالاً، إن الله} كره انبعاثهم فثبّطهم، وخصّكم بفضل ذلك فاحمدوه[25].

ويُلاحظ أنّ سليمان استثمر قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالله وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ  وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ الله انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ  لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَالله عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ  لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ الله وَهُمْ كَارِهُونَ﴾[26].

ثمّ سار سليمان وأصحابه، فأصبحوا عند قبر الإمام الحسين عليه السلام، وأقاموا فيه يوماً وليلة، ما رُئي يوم كان أكثر باكياً منه، وكان سليمان يقول عند نزوله القبر الشريف: «اللّهم أرحم حسيناً الشهيد ابن الشهيد، المهدي بن المهدي، الصدِّيق ابن الصدِّيق، اللّهم إنّا نُشهدك أنّا على دينهم وسبيلهم، وأعداء قاتليهم، وأولياء محبّيهم»[27].

ثمّ ساروا على الجصّاصة، فالأنبار، فالصدود، فالقيارة، وكان ابن الأحمر يردد:

خرجنَ يلمعنَ بنا إرسالا

عوابساً يحملننا أبطالا

نريد أن نلقى بها الأقتالا

القاسطين الغدر الضلالا

وقد رفضنا الأهل والأموالا

والخفرات البيض والحجالا

نرضي به ذا النعم المفضالا[28].

وقد أرسل إليهم أمير الكوفة يدعوهم إلى العودة ومواجهة الجيش الشامي معه، فاستشار ابن صرد أصحابه، فقالوا: إنّا وطنّا أنفسنا على الجهاد، وطلبوا رأيه هو، فقال: «رأيي والله، أنّكم لم تكونوا قط أقرب من إحدى الحُسنيين من يومكم هذا، ولا أرى أن تنصرفوا عمّا جمعكم الله عليه من الحقّ، وأردتم به من الفضل، أنا وهؤلاء مختلفون، إنّ هؤلاء لو ظفروا دعونا إلى الجهاد مع ابن الزبير، ولا أرى الجهاد مع ابن الزبير إلّا ضلالة، وإنّا إن نحن ظهرنا رددنا هذا الأمر إلى أهله، وإن أُصبنا فعلى نياتنا تائبين من ذنوبنا»[29].

ثمّ انصرفوا ونزلوا هيت، وكتب إلى عبد الله بن يزيد: «إنّا سمعنا الله} يقول في كتابه: ﴿إِنَّ الله اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الله فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآَنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ الله فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ  التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآَمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ الله وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾[30]، إنّ القوم قد استبشروا ببيعهم الذي بايعوا، إنّهم قد تابوا من عظيم جرمهم، وقد توجّهوا إلى الله، وتوكّلوا عليه، ورضوا بما قضى الله، ﴿رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾[31]»[32].

ثمّ خرجوا حتى نزلوا عين الوردة وجاء الجيش الأُموي لمواجهتهم، فقام سليمان خطيباً فقال: «إذا لقيتموهم فاصدقوهم واصبروا، إنّ الله مع الصابرين، ولايولينّهم امرؤ دبره إلّا متحرّفاً إلى قتال أو متحفِّزاً إلى فئة، لا تقتلوا مدبراً، ولا تجهزوا على جريح، ولا تقتلوا أسيراً بعد أن تأسروه من أهل دعوتكم، إلّا أن يقاتلكم بعد أن تأسروه، أو يكون من قَتَلة إخواننا بالطفّ رحمة الله عليهم، فإنّ هذه كانت سيرة أمير المؤمنين...». ثمّ قال: «إن أنا قُتلت فأمير الناس المسيب بن نجية، فإن أُصيب المسيب فأمير الناس عبد الله بن سعد بن نفيل، فإن قُتل عبد الله فأمير الناس عبد الله بن وال، فإن قُتل فأمير الناس رفاعة بن شدّاد، رحم الله امرءاً صدق ما عاهد الله عليه»[33].

ولعلّ أهم ما يمكن ملاحظته هنا:

1ـ الإفادة من قوله تعالى: : ﴿قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو الله كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ الله وَالله مَعَ الصَّابِرِينَ﴾[34]، وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ  وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ الله وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾[35].

2ـ إنّ ابن صرد أفاد من وصايا الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله ووصايا الإمام علي عليه السلام عند الخروج للقتال في الحفاظ على أخلاقيات المعركة، وعدم الانجرار وراء القتل المفرط، بل الاكتفاء بمعاقبة المجرم على جريرته.

3ـ استمرار حالة الندم التي غدت هي الشغل الشاغل لحركة التوّابين، وكان الندم هو الخطوة الأُولى باتّجاه تصحيح الأوضاع.

4ـ رثاء القتلى والتحسّر على فوات النصر:

فلاقوا بعين الوردة الجيش فاصلاً

 

 إليهم فحسوهم ببيض قواضبِ

يمانية تذر الأكف وتارة

 

 بخيل عتاق مقربات سلاهبِ

فجاءهم جمع من الشأم بعده

 

 جموع كموج البحر من كلّ جانبِ

فما برحوا حتى أُبيدت سراتهم

 

 فلم ينجُ منهم ثمّ غير عصائبِ

وغودر أهل الصبر صرعى فأصبحوا

 

 تعاورهم ريح الصبا والجنائبِ

وأضحى الخزاعي الرئيس مجدلاً

 

 كأن لم يقاتل مرّة ويحاربِ

ورأس بني شمخ وفارس قومه

 

 شنوأة والتيمي هادي الكتائبِ

وعمرو بن بشر والوليد وخالد

 

 وزيد بن بكر والحليس بن غالبِ

وضارب من همدان كل مشيع

 

 إذا شدّ لم ينكل كريم المكاسبِ

ومن كل قوم قد أُصيب زعيمهم

 

 وذو حسب في ذروة المجد ثاقبِ

أبوا غير ضرب تفلق الهام وقعه

 

 وطعن بأطراف الأسنّة صائبِ

وإنّ سعيداً يوم يدمر عامراً

 

 لأشجع من ليث بدرنا مواثبِ

فيا خير جيش للعراق وأهله

 

 سقيتم روايا كلّ أسحم ساكبِ

فلا يبعدن فرساننا وحماتنا

 

 إذا البيض أبدت عن خدام الكواعبِ

فإن يُقتلوا فالقتل أكرم ميتة

 

 وكلّ فتى يوماً لإحدى الشواعبِ

وما قُتلوا حتى أثاروا عصابة

 

 محلين ثوراً كالليوث الضواربِ[36]

إنّ القصيدة تتوافق مع ما ذكرته كتب التأريخ، بل تبدو القصيدة وكأنّها توثِّق المعركة بالأسماء، فقد ذكر الطبري أنّ الحصين بن نمير أرسله عبيد الله بن زياد في أكثر من (12) ألف مقاتل، فالتقى مع جيش التوّابين في يوم الأربعاء لثمانٍ بقين من جمادى الأُولى، فجعل سليمانُ على ميمنته عبد الله بن سعد بن نفيل، وعلى ميسرته المسيب بن نجبة، وبقي هو في القلب، فلمّا دنوا منهم دعا أهلُ الشام العراقيين إلى الجماعة على عبد الملك بن مروان، ودعا التوّابون أهلَ الشام إلى تسليمهم عبيد الله بن زياد، وخلع عبد الملك، وإخراج ابن الزبير من العراق، وتسليم الأمر لآل البيت عليهم السلام، فأبى الطرفان.

وينقل المؤرِّخون أنّ النصر في بداية المعركة كان من نصيب التوّابين، وأنّهم أوقعوا في أهل الشام الكثير من القتلى إلى الليل، وفي الصباح أمدّهم ابن زياد بأكثر من ثمانية آلاف يقودهم ابن ذي الكلاع، فقاتلوهم قتالاً شديداً لا يحجزهم إلّا الصلاة، وكان النصر للتوّابين، ثمّ أمدّهم ابن زياد بعشرة آلاف آخرين يقودهم أدهم بن محرز الباهلي، فاقتتلوا يوم الجمعة إلى الضحى، وقد تكاثر أهل الشام، فلمّا رأى سليمان بن صرد ذلك نادى أصحابه: مَن أراد البكور إلى ربّه والتوبة من ذنبه فإليّ. ثمّ كسر جفن سيفه، وفعل أصحابه مثله، فقتلوا من أهل الشام مقتلة عظيمة، فلمّا رأى الحصين ذلك أمرَهم أن يضربوهم بالسهام والنبال، فقُتل سليمان بن صرد بسهم، فأخذ الراية المسيب بن نجبة، وقال: رحمك الله يا أخي سليمان، فقد صدقت ووفّيت بما عليك، وبقي ما علينا. فقاتل وهو يرتجز:

قد علمت ميالة الذوائبِ

واضحة اللبات والترائبِ

أنّي غداة الروع والتغالبِ

أشجع من ذي لبد مواثبِ

قطّاع أقران مخوف الجانبِ[37].

فقاتل حتى استُشهد، فأخذ الراية عبد الله بن سعد بن نفيل، وفي هذه الأثناء وصل عبد الله بن فضيل الطائي وكثير بن عمرو المزني وسعر بن أبي سعر الحنفي يُبشِّرون التوّابين بقرب وصول مدد أهل المدائن بقيادة سعد بن حذيفة بن اليمان، ومدد البصرة بقيادة المثنى بن مخربة العبدي، فقالوا: لن يدركوننا ونحن أحياء، ثمّ قاتل الثلاثة مع أصحابهم فقُتل المزني، وطُعن الطائي، وجُدعت أنفه، وجُرح العبدي، ونجا بعد ذلك.

ثمّ استُشهد عبد الله بن سعد بن نفيل وأخوه خالد، واستُشهد ابن وال، وقُتِل من حمير وهمْدان الكثير، وانتهت المعركة بانتصار الأُمويين وفناء التوّابين إلّا الأقل[38].

يمكن تسجيل النقاط الآتية:

1ـ إنّ التوّابين ساروا على نهج الإمام الحسين عليه السلام نفسه في التفاني في المعركة والتضحية بالغالي والنفيس.

2ـ اختطّ سليمان لنفسه الوصية التي أوصاها الرسول صلى الله عليه وآله في معركة مؤتة، وذلك بتوالي القيادة؛ كي لا يبقى الجيش بلا قائد.

3ـ نجح الشعر في أن يكون معبِّراً تعبيراً صادقاً عن المعركة ووصفها بشكل دقيق.

4ـ يمكن عدّ القصائد المكتّمات أُنموذجاً حيّاً للقصيدة الإعلامية.

5ـ ظلّت هذه القصائد تتداول بين الناس طيلة العصر الأُموي بوصفها سلاحاً في معركة التصدّي.

6ـ استثمرت هذه القصائد معاني وأهداف الثورة الحسينية واستضاءت بها.

7ـ تُمثِّل هذه القصائد صورة واضحة لأدب التشيّع.

 

فهرست المصادر

 القرآن الكريم.

  1. الأعلام، خير الدين الزركلي، ط5، دار العلم للملايين، 2002م.
  2. الأغاني، أبو الفرج الأصفهاني، ط1، دار الكتب المصرية، 1929م.
  3. الأمالي الخميسية، يحيى بن الحسين الشجري الجرجاني (ت499هـ)، تحقيق: محمد حسن محمد حسن إسماعيل، ط1، 1422هـ/2001م، بيروت ـ لبنان.
  4. تاريخ الأُمم والملوك، محمد بن جرير الطبري، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، ط2، دار المعارف بمصر، د.ت.
  5. التقية في الشعر الأُموي، علي خليل الطل، رسالة ماجستير، جامعة الخليل، 2005م.
  6. التوّابون، د. إبراهيم بيضون، شبكة الإمامين الحسنين على الإنترنت.
  7. مشاهير شعراء الشيعة، عبد الحسين الشبستري، ط1، قم، 1421هـ.
  8. معجم الشعراء، أبو عبد الله محمد بن عمران المرزباني، تحقيق: فاروق إسليم، دار صادر، بيروت، 2005م.
  9. معجم الشعراء المخضرمين والأُمويين، د. عزيزة فوال باتني، ط1، لبنان، 1998م.
  10. المكتّمات في العصر الأُموي، مخيمر صالح دار الفيحاء، عمان، 1988م.
  11. المكتّمات من صور الشعر السياسي في العصر الأُموي، د. كاظم الظواهري، دار الصفوة، 1987م.
  12. مثير الأحزان، ابن نما الحلي (ت645هـ)، المطبعة الحيدرية، النجف الأشرف، 1369هـ/1950م.
  13. الملحمة الحسينية، الشيخ مرتضى المطهري، ط2، طهران، 1386هـ.

 


[1] جامعة الكوفة/كلّية التربية للعلوم الإنسانية.

[2] الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الأُمم والملوك: ج5، ص601.

[3] المرزباني، محمد بن عمران، معجم الشعراء: ص164.

[4] للتفصيل في هذه القصائد أُنظر: مخيمر صالح، القصائد المكتّمات في العصر الأُموي. الظواهري، د. كاظم، المكتّمات من صور الشعر السياسي في العصر الأُموي. الطل، علي خليل، التقية في الشعر الأُموي: (رسالة ماجستير/جامعة الخليل، 2005).

[5] اُنظر: المرزباني، محمد بن عمران، معجم الشعراء: ص164. باتني، د. عزيزة فوال، معجم الشعراء المخضرمين والأُمويين: ص344ـ345.

[6] الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الأُمم والملوك: ج4، ص357.

[7] المصدر السابق: ج4، ص360.

[8] المصدر السابق: ج4، ص453.

[9] ابن نما الحلي، جعفر بن محمد، مثير الأحزان: ص29.

[10] اُنظر: الطل، علي خليل، التقية في الشعر الأُموي: ص186.

[11] الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الأُمم والملوك: ج5، ص588.

[12] بيضون، د. إبراهيم، التوّابون: ص86.

[13] الشجري، يحيى بن الحسين، الأمالي الخميسية: ص263.

[14] آل عمران: آية١٦٩ـ١٧٠.

[15] البقرة: آية207.

[16] مطهري، مرتضى، الملحمة الحسينية: ص147.

[17] الشجري، يحيى بن الحسين، الأمالي الخميسية: ص263.

[18] اُنظر: أبو الفرج الأصفهاني، علي بن الحسين، الأغاني: ج6، ص33. الزركلي، خير الدين، الأعلام: ج3، ص312. الشبستري، عبد الحسين، مشاهير شعراء الشيعة: ج2، ص401.

[19] الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الأُمم والملوك: ج5، ص608.

[20] المصدر السابق.

[21] البقرة: آية٥٤.

[22] الأنفال: آية٦٠ـ٦١.

[23] الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الأُمم والملوك: ج5، ص553.

[24] اُنظر: المصدر السابق: ج5، ص553، وما بعدها.

[25] اُنظر: المصدر السابق.

[26] التوبة: آية٤٥ـ٤٨.

[27] الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الأُمم والملوك: ج5، ص581.

[28] المصدر السابق: ج5، ص571.

[29] المصدر السابق: ج5، ص572.

[30] التوبة: آية111ـ112.

[31] الممتحنة: آية4.

[32] الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الأُمم والملوك: ج5، ص574.

[33] المصدر السابق: ج5، ص577.

[34] البقرة: آية249.

[35] الأنفال: آية15ـ16.

[36] الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الأُمم والملوك: ج5، ص602.

[37] المصدر السابق: ج5، ص600.

[38] اُنظر: المصدر السابق: ج5، ص600، وما بعدها.

 
 
البرمجة والتصميم بواسطة : MWD