1439 / جمادی‌الآخرة / 4  |  2018 / 02 / 21         الزيارات : 570459         صلاة الصبح |         صلاة الظهر والعصر |         صلاة المغرب والعشاء |

الحوادث الكونية والكرامات الواقعة بعد مقتل الإمام الحسين عليه السلام؛ دراسة توثيقية تحليلية ج 2

الحوادث الكونية والكرامات الواقعة بعد مقتل الإمام الحسين عليه السلام؛ دراسة توثيقية تحليلية ج 2

مقدّمة المؤسّسة

إنّ نشر المعرفة، وبيان الحقيقة، وإثبات المعلومة الصحيحة، غاياتٌ سامية وأهدافٌ متعالية، وهي من أهمّ وظائف النُّخب والشخصيات العلمية، التي أخذت على عاتقها تنفيذ هذه الوظيفة المقدّسة.

من هنا؛ قامت الأمانة العامة للعتبة الحسينية المقدسة بإنشاء المؤسّسات والمراكز العلمية والتحقيقية؛ لإثراء الواقع بالمعلومة النقية؛ لتنشئة مجتمعٍ واعٍ متحضّر، يسير وفق خطوات وضوابط ومرتكزات واضحة ومطمئنة.

وممّا لا شكّ فيه أنّ القضية الحسينية ـ والنهضة المباركة القدسية ـ تتصدّر أولويات البحث العلمي، وضرورة التنقيب والتتبّع في الجزئيات المتنوّعة والمتعدّدة، والتي تحتاج إلى الدراسة بشكلٍ تخصّصي علمي، ووفق أساليب متنوّعة ودقيقة، ولأجل هذه الأهداف والغايات تأسّست مؤسّسة وارث الأنبياء للدراسات التخصّصية في النهضة الحسينية، وهي مؤسّسة علميّة متخصّصة في دراسة النهضة الحسينية من جميع أبعادها: التاريخية، والفقهية، والعقائدية، والسياسية، والاجتماعية، والتربوية، والتبليغية، وغيرها من الجوانب العديدة المرتبطة بهذه النهضة العظيمة، وكذلك تتكفّل بدراسة سائر ما يرتبط بالإمام الحسين علیه السلام.

وانطلاقاً من الإحساس بالمسؤولية العظيمة الملقاة على عاتق هذه المؤسّسة المباركة؛ كونها مختصّة بأحد أهمّ القضايا الدينية، بل والإنسانية، فقد قامت بالعمل على مجموعة من المشاريع العلمية التخصّصية، التي من شأنها أن تُعطي نقلة نوعية للتراث، والفكر، والثقافة الحسينية، ومن تلك المشاريع:

1 ـ قسم التأليف والتحقيق: والعمل فيه جارٍ على مستويين:

أ ـ التأليف، والعمل فيه قائم على تأليف كتبٍ حول الموضوعات الحسينية المهمّة، التي لم يتمّ تناولها بالبحث والتنقيب، أو التي لم تُعطَ حقّها من ذلك. كما ويتمّ استقبال الكتب الحسينية المؤلَّفة خارج المؤسّسة، ومتابعتها علميّاً وفنّياً من قبل اللجنة العلمية، وبعد إجراء التعديلات والإصلاحات اللازمة يتمّ طباعتها ونشرها.

ب ـ التحقيق، والعمل فيه جارٍ على جمع وتحقيق التراث المكتوب عن الإمام الحسين علیه السلام ونهضته المباركة، سواء المقاتل منها، أو التاريخ، أو السيرة، أو غيرها، وسواء التي كانت بكتابٍ مستقل أو ضمن كتاب، تحت عنوان: (الموسوعة الحسينيّة التحقيقيّة). وكذا العمل جارٍ في هذا القسم على متابعة المخطوطات الحسينية التي لم تُطبع إلى الآن؛ لجمعها وتحقيقها، ثمّ طباعتها ونشرها. كما ويتم استقبال الكتب التي تم تحقيقها خارج المؤسسة، لغرض طباعتها ونشرها، وذلك بعد مراجعتها وتقييمها وإدخال التعديلات اللازمة عليها وتأييد صلاحيتها للنشر من قبل اللجنة العلمية في المؤسسة.

2 ـ مجلّة الإصلاح الحسيني: وهي مجلّة فصلية متخصّصة في النهضة الحسينية، تهتمّ بنشـر معالم وآفاق الفكر الحسيني، وتسليط الضوء على تاريخ النهضة الحسينية وتراثها، وكذلك إبراز الجوانب الإنسانية، والاجتماعية، والفقهية، والأدبية، في تلك النهضة المباركة.

3 ـ قسم ردّ الشبهات عن النهضة الحسينية: ويتمّ فيه جمع الشبهات المثارة حول الإمام الحسين علیه السلام ونهضته المباركة، ثمّ فرزها وتبويبها، ثمّ الرد عليها بشكل علمي تحقيقي.
4 ـ الموسوعة العلمية من كلمات الإمام الحسين علیه السلام: وهي موسوعة تجمع كلمات الإمام الحسين علیه السلام في مختلف العلوم وفروع المعرفة، ثمّ تبويبها حسب التخصّصات العلمية، ووضعها بين يدي ذوي الاختصاص؛ ليستخرجوا نظريات علميّة ممازجة بين كلمات الإمام علیه السلام والواقع العلمي.

5 ـ قسم دائرة معارف الإمام الحسين علیه السلام: وهي موسوعة تشتمل على كلّ ما يرتبط بالنهضة الحسينية من أحداث، ووقائع، ومفاهيم، ورؤى، وأسماء أعلام وأماكن، وكتب، وغير ذلك من الأُمور، مرتّبة حسب حروف الألف باء، كما هو معمول به في دوائر المعارف والموسوعات، وعلى شكل مقالات علميّة رصينة، تُراعى فيها كلّ شروط المقالة العلميّة، ومكتوبةٌ بلغةٍ عصـرية وأُسلوبٍ سلس.

6 ـ قسم الرسائل الجامعية: والعمل فيه جارٍ على إحصاء الرسائل الجامعية التي كُتبتْ حول النهضة الحسينية، ومتابعتها من قبل لجنة علمية متخصّصة؛ لرفع النواقص العلمية، وتهيئتها للطباعة والنشر، كما ويتمّ إعداد موضوعات حسينيّة تصلح لكتابة رسائل وأطاريح جامعية تكون بمتناول طلّاب الدراسات العليا.

7 ـ قسم الترجمة: والعمل فيه جارٍ على ترجمة التراث الحسيني باللغات الأُخرى إلى اللغة العربيّة.

8 ـ قسم الرصد: ويتمّ فيه رصد جميع القضايا الحسينيّة المطروحة في الفضائيات، والمواقع الإلكترونية، والكتب، والمجلات والنشريات، وغيرها؛ ممّا يعطي رؤية واضحة حول أهمّ الأُمور المرتبطة بالقضية الحسينية بمختلف أبعادها، وهذا بدوره يكون مؤثّراً جدّاً في رسم السياسات العامّة للمؤسّسة، ورفد بقيّة الأقسام فيها، وكذا بقية المؤسّسات والمراكز العلمية بمختلف المعلومات.

9 ـ قسم الندوات: ويتمّ من خلاله إقامة ندوات علميّة تخصّصية في النهضة الحسينية، يحضـرها الباحثون، والمحقّقون، وذوو الاختصاص.

10 ـ قسم المكتبة الحسينية التخصصية: حيث قامت المؤسسة بإنشاء مكتبة حسينية تخصّصية تجمع التراث الحسيني المطبوع.

11 ـ قسم الموقع الإلكتروني: وهو قسم مؤلّف من كادر علمي وفنّي؛ يقوم بنـشر وعرض النتاجات الحسينية التي تصدر عن المؤسسة، كما ويتكفل بتغطية الجنبة الإعلامية للمؤسسة ومشاريعها العلمية.

12 ـ قسم المناهج الدراسية: ويحتوي على لجنة علمية فنية تقوم بعرض القضية الحسينية بشكل مناهج دراسية على ناشئة الجيل بالكيفية المتعارفة من إعداد دروس وأسئلة بطرق معاصرة ومناسبة لمختلف المستويات والأعمار؛ لئلا يبقى بعيداً عن الثورة وأهدافها.

13 ـ القسم النسوي: ويتضمن كادراً علمياً وفنياً يعمل على استقطاب الكوادر العلمية النسوية، وتأهيلها للعمل ضمن أقسام المؤسسة؛ للنهوض بالواقع النسوي، وتغذيته بثقافة ومبادئ الثورة الحسينية.

14 ـ القسم الفني: ويتضمن كادراً فنيّاً متخصصاً يقوم بطباعة وإخراج وتصميم النتاجات الحسينية التي تصدر عن المؤسسة، وكذلك الإعلانات والدعوات ومختلف الملصقات والأمور الفنيّة الأخرى التي تحتاجها كافة الأقسام.

وهناك مشاريع أُخرى سيتمّ العمل عليها قريباً إن شاء الله تعالى.

 

هذا الكتاب:

إنّ موضوع الحوادث الكونية والكرامات التي وقعت بعد حادثة عاشوراء له أهمية بالغة على عدة مستويات حيث إنّه يعكس رأي السماء وموقفها من تلك الواقعة الأليمة؛ لأنّه عندما تبكي وتمطر السماء دماً، أو عندما يخرج الدم من تحت الأحجار والأشجار، وعندما تحصل التغييرات في الكون من أجل ذبيح كربلاء، وعندما تتعدد تلك الحوادث وتتنوّع الكرامات ، فإنّ هذا يدل على أمور كثيرة، منها: حقانية النهضة الحسينية ومبادئها وقائدها وأهدافها ونتائجها، ومنها: أنّها تدل على بطلان من خالفها بشخصه ومنهجه ومبادئه، وكذا من أيدها أو رضي بها أو لم يخالفها، ومنها: بيان وإظهار عظمة الإمام الحسين علیه السلام الذي تغير الكون لمظلوميته، ومنها: تجلي الغضب الإلهي، ومنها: ظهور وإتمام الحجة على من خالف نهج الحسين علیه السلام.

إلى غير ذلك من الدلالات والمعاني والحقائق التي تدل عليها تلك الحوادث والكرامات، ولأهمية الموضوع وخطورته فقد حاول بعض السلفية ومن تأثر بهم أن يشكك في تلك الحوادث ساعياً إلى نفيها، خوفاً من  النتائج العظيمة المترتبة عليها.

من هنا جاءت هذه الدراسة التوثيقية التحليلية من قبل الدكتور الشيخ حكمت الرحمة وهو أحد أعضاء مؤسسة وارث الأنبياء للدراسات التخصصية في النهضة الحسينية في قسم التأليف والتحقيق والحائز على درجة الدكتوراه في الحديث والتاريخ، جاءت هذه الدراسة لتسلط الضوء على تلك الحوادث من خلال البحث السندي على وفق قواعد ومعطيات ومباني علم الرجال عند الفريقين بدراسة موضوعية علمية محايدة بعيداً عن التعصب والتمييز، وقد تخللها بحوث تحليلية عديدة مهمة ومؤثرة، كما وقد أجاب عن مجموعة من الشبهات والإشكالات في المقام.

لذلك فإنّ هذا الكتاب يتميز بهذه الأمور المهمة من حيث كفاءة المؤلف وتخصصه، ومن حيث المنهج المتبع، ومن حيث حجم المادة المبحوثة في هذا الموضوع، ومن حيث النتائج المهمة التي توصل إليها.

وفي الختام نتمنّى للمؤلِّف والمترجم دوام السداد والتوفيق لخدمة القضية الحسينية، ونسأل الله تعالى أن يبارك لنا في أعمالنا، إنّه سميعٌ مجيبٌ.

 

                                                               اللجنة العلمية في

                                                            مؤسّسة وارث الأنبياء

                                             للدراسات التخصصية في النهضة الحسينية

 


مقدّمة المؤلف

لم تكن واقعة عاشوراء وليدة ساعتها، فهي كغيرها من الأحداث ساهمت الكثير من الظروف في تكوّنها وحصولها.

 كما أنّها كحدث لم تكن قد حصلت في اليوم العاشر فقط، بل نعتقد أنّها انطلقت في المدينة المنورة حين رفض الحسين علیه السلام بيعة يزيد بن معاوية، فكانت (اللاء) الحسينية بوجه يزيد، هي انطلاقة لشرارة الثورة ضدّ الاستبداد والعبودية، وقد توّجت الثورة في يوم عاشوراء حين زُفّت قرابين الشهادة إلى العليّ الأعلى مُعلنةً انتصار الدم على السيف.

قُتل الحسين علیه السلام وصعدت معه أرواح العشّاق إلى عنان السماء، وفاضت كربلاء بدمائهم الزكية؛ لتنطلق بعد ذلك حلقة أُخرى من حلقات هذه الثورة المباركة.

تمثّلت هذه الحلقة بمسيرة الإباء والشموخ لأُسارى آل محمد’، والتي أخذت على عاتقها إحياء الثورة، وتخليدها، وبيان حقائقها.

فكما أنّ تلك الثورة المباركة لم تكن قد بدأت في يوم عاشوراء، فكذلك أنّها لم تنتهِ في يوم عاشوراء، بل صار عاشوراء يوم انطلاق جديد لإحياء الثورة، وبيان معانيها، والتعريف بقائدها، والوقوف على أهدافها.

فانطلقت في تلك اللحظة القيم الحسينية لتخاطب الضمير الذي أُريد له أن يموت، وتخاطب الوجدان الذي غيّبه الخوف، فكانت الثورة في شقّها الثاني، والذي يمكن أنْ نسميه بالجانب الإعلامي للثورة.

تكفّل ركب السبايا وعلى رأسهم زين العابدين علیه السلام وعمّته العقيلة زينب‘ بفضح البيت الأُموي، والوقوف بوجه إعلامه المضلِّل، فكانت لخطبهم وكلماتهم وقعاً في نفوس السامعين، وتأثيراً على وجدانهم وضمائرهم، كما أنّها كشفت الكثير من الحقائق عمّن غُيّبت عنه بفعل الإعلام المعادي.

هذا من جانب، ومن جانب آخر كان هناك تدخّلاً للسماء في بيان الحقيقة، هذا التدخّل كان أكثره على نحو إعجازي، أو لا أقل من كونه خارج النظم الطبيعية المتعارفة، باعتبار أنّ الأُمور الإعجازية والكرامات المشاهدة والمسموعة هي أكثر وقعاً في النفوس وتأثيراً على الوجدان، فنقل التاريخ أحداثاً عظيمة حصلت بعد عاشوراء كمطر السماء دماً، واحمرار السماء، وكسوف الشمس، وغيرها الكثير.

 ولا نشكّ في أنّ هذه الأحداث تحمل في طياتها الكثير من الدلالات على حقانية الثورة، وعظمة قائدها، وغير ذلك ممّا سنُشير إليه أثناء البحث.

غير أنّ هذه الأحداث وإنْ كانت مقبولة عند الشيعة الإمامية في الجملة؛ باعتبار أنّ الحسين علیه السلام يمثّل ثالث أئمّة أهل البيت المنصوبين من السماء، فلا غرابة عند قراءة ثورته، والوقوف على مغزاها، والطريقة في قتله، أنْ تحصل تلك الأحداث.

إلّا أنّها محلّ جدل عند الفريق الآخر وخصوصاً علماء السلفية، فبادروا إلى إنكار الكثير منها، بل ورميه بالكذب والاختلاق، وهذا ما يُعطي ضرورة وأهميّة للقيام بهذا البحث على نحو التفصيل.

فإنصافاً للحقيقة وبعيداً عن تراشق الاتهامات، وبُغية السير خلف الدليل، ارتأينا أن نسبر غور هذه الأحداث، لعلّنا نصل فيها إلى القول الحقّ بحسب ما تُمليه علينا الدراسة العلمية بعيداً عن التعصّبات المذهبية والميول العاطفية.

فكان الغرض من الكتاب هو توثيق تلك الأحداث من كُتب الفريقين، ثمّ ملاحظة الثابت من عدمه، مع إشارات من هنا وهناك إلى الدلالات والمعطيات التي يمكن الوقوف عليها من خلالها.

وحيث إنّ هذه الوقائع هي وقائع تاريخية، فإنّ المسلك في إثباتها هو تجميع القرائن من أجل الحصول على الوثوق بتحقّقها.

ومن القرائن التي نرى أنّها تُفيد الوثوق واستفدنا منها في كتابنا هذا هي:

أوّلاً: الصحة السندية الحاصلة من خلال البحث السندي، بمعنى أن يكون السند مقبولاً بما يشمل الحسن، والموثّق، والقوي، والجيد، وغيرها من أوصاف القبول التي تُفيد الوثوق بتحقق وحصول الحادثة.

ولا يُتوهم بأنّ المراد من البحث السندي هو الأخذ بما صحّ ورفض الضعيف وردّه، بل إنّ هناك عدّة معطيات نستفيدها من البحث السندي، وأهمّها:

1 ـ تحقيق أحد معايير الاعتماد التاريخي، وهو الوثوق بالصدور الناشئ من وثاقة الرواة وقبولهم، وهو ما أشرنا إليه فيما مضى.

2 ـ التحقّق من وجود أو عدم وجود كذّابين أو متّهمين بالكذب في سلسلة السند، إذ ثمّة فارق كبير بين الكذّاب وبين الضعيف أو المجهول، فبناء على تطبيق المنهج الحديثي حتّى في التاريخ، كما يذهب إليه بعضهم، فإنّ الأوّل وهو الكذّاب لا تنجبر معه الطرق عادةً، فمهما تعدّدت الطرق وكان في رواتها كذّابين، فإنّها لا ترقى إلى القبول أو لا أقلّ أنّ نسبة المعاضدة، واحتمال تقوية الخبر بالآخر هي ضعيفة جدّاً، بخلاف الثاني، أي: الضعيف أو المجهول، فهو قابل للانجبار، فقد ينجبر الخبر الضعيف بوروده من وجه آخر فقط، فضلاً عن التعدّد، فإنّه قد يوصل الخبر إلى درجة الصحة.

3 ـ إنّ نسبة حصول الاستفاضة الموجبة للاطمئنان، أو الوثوق بحصول الحادثة وصدق الخبر من خلال التعدّد، تكون ضعيفة جدّاً إنْ لم تكن معدومة في الأخبار المتضمّنة أسانيدها للكذّابين أو المتّهمين بالكذب، بخلاف الأخبار المتضمّنة أسانيدها للضعفاء أو المجاهيل، فإنّ نسبة تعاضدها وحصول الوثوق أو الاستفاضة المفيدة للاطمئنان تكون بنسبة قويّة.

4 ـ إنّ وجود الكذّابين والمتّهمين يُعدّ أحد القرائن القوية على كذب الخبر ووضعه، بخلاف الضعفاء والمجهولين، فإنّ وجودهم لا يساوق عدم صدور الخبر أو عدم تحقّق الحادثة، وكذلك لا يساوق الثبوت أيضاً، بل يبقى الخبر على الاحتمال، فقد يكون الخبر ثابتاً واقعاً، وقد يكون لا، ومعه لا يمكن وصف الخبر المروي عن الضعيف أو المجهول بأنّه خبر مكذوب أو موضوع.

بل لربّما يذهب جملة كبيرة من العلماء إلى الأخذ بالخبر الضعيف في القضايا التاريخية، قال النووي: «وقد قدّمنا في مواضع أن أهل العلم متفقون على العمل بالضعيف في غير الأحكام وأُصول العقائد»([1]).

ثانياً: قد اتّضح من خلال ما تقدّم معياراً آخر لقبول الأخبار، وهو تعدّد الطرق وإنْ كانت ضعيفة من حيث السند، وهذا التعدّد له أنواع شتّى، فتارةً يُوجب صيرورة الخبر بحكم الحسن أو الصحيح، فيتحقّق معه المعيار الأوّل، وتارةً يُوجب الوثوق بصدور الخبر وتحقّق الحادثة، بمعنى أنّه يعطي نسبة ظن قوية تضاهي الصحة السندية إنْ لم تكن أقوى، وهذا يُعدّ قرينة معتبرة على قبول الخبر التاريخي، وتارةً يُوجب الاستفاضة الموجبة للاطمئنان بالصدور والتحقّق، وتارةً يصل إلى درجة التواتر، وهي حالات تكاد تكون نادرة.

وكيفما كان فإنّ أيّ تعدّد للطرق يحقّق الحالات المشار إليها يُعدّ قرينة قوية على الإثبات التاريخي.

ثالثاً: رواية الحادثة أو الخبر في كتب الفريقين خصوصاً مع تعدّد الراوي المباشر أو تعدّد الطرق، فإنّ هذا يوجب الوثوق بصدور الرواية، وإنْ كان وجودها منفرداً في روايات كلّ فريق لا يولّد وثوقاً كوجود طريق واحد ضعيف أو طريقين فقط، لكن في حال ورود الخبر في كُتب كلا الفريقين مع اختلاف الأهواء والميولات، وفي مسألة حساسة تقتضي عادةً عدم وجودها في كُتب الفريق الآخر، فإنّ ذلك بلا شك يولّد وثوقاً عقلائياً بأنّ الحدث والخبر صحيح؛ إذ لا مصلحة للفريق الآخر بالنقل غير الصحيح لأمر لا يتماشى مع عقيدته وهواه.

وبناء على ما تقدّم تجدر الإشارة إلى أنّ التصحيح السندي وفق قواعد وأصول أهل السنّة ليس من باب الأخذ بتوثيقاتهم والاعتماد عليها، بل لأنّه يشكل قرينة قوية على صحّة وتحقّق تلك الحادثة واقعاً.

فهذه المعايير الثلاثة هي التي اعتمدناها في دراستنا هذه، وفي غير ذلك، فإنّ الخبر إذا خلا من وجود الكذّاب والمتّهم فهو خبر ضعيف محتمل الصدور وعدمه، فلا نجزم بعدم صدوره ولا ندّعي تحقّقه، فيبقى في خانة الاحتمال، وقد يكون ثابتاً ومتحقّقاً في الواقع، ولعلّ المستقبل يكشف عن وجود طرق أُخرى له قد خُفيت علينا.

نعم، قد ترافق الخبر الضعيف قرينة تقوّي نسبة حصول الحادثة، وسنُشير لذلك في محلّه إنْ شاء الله.

وأمّا الخبر المنفرد الذي في سنده كذّاب أو متّهم، فطبيعي أنّ نسبة عدم صدوره أقوى بكثير من صدوره، فهو أقرب إلى الخبر الموضوع والمكذوب من غيره، نعم وفق احتمالية أنّ الكذّاب قد يصدق ربّما يرفض البعض نسبة الوضع والجزم به لمجرّد وجود الراوي الكذّاب فيه، إلّا أنّه من الواضح أنّ وجود الكذّاب يُعدّ قرينة قوية على كذب الخبر ووضعه.

هذا ما يتعلّق بالمعايير التي اعتمدناها في ثبوت الأخبار من عدمه.

وأمّا ما يتعلّق بالحوادث وطرق تخريجها وجمعها، فكان الاقتصار على الحوادث والكرامات التي جرت بعد عاشوراء، وكان لها تعلّق بتلك الحادثة دون ما سواها، فلا يشمل الكتاب الكرامات التي حصلت قبل عاشوراء، ولا ما لا تتعلّق بعاشوراء، وقد اعتمدنا في التخريج ـ عادةً ـ على المصادر الأساسية للرواية والخبر، وكان التركيز عليها وحاولنا جهد الإمكان ذكر الرواية بطرقها المتعدّدة إنْ وجدت، والإشارة لعدّة من المصادر الأساسية إنْ رواها أكثر من مصدر، ثمّ نردفها بعد ذلك ببعض المصادر الثانوية من دون استيعاب في ذلك، فما دام مصدر الخبر الأساسي موجوداً، والرواية منقولة عن نفس الراوي المباشر، لا نرى ضرورة لتحشيد المصادر الثانوية، وهي عديدة بطبيعة الحال.

ثمّ إنّه في حال عدم وجود المصدر الأساسي لضياعه، أو عدم وصوله، أو عدم عثورنا عليه، فسنضطر حينئذٍ لاعتماد المصدر الثانوي مع الإشارة إلى المصدر الأساسي الذي نقل منه الخبر والرواية.

وأمّا ما يتعلّق باستقصاء الحوادث واستيعابها، فلا شكّ في أنّنا ذكرنا أكثر وأهم الحوادث، وقد بذلنا جهوداً مُضنية في استيعابها، إلّا أنّنا لا ندّعي حصول ذلك، فقد تكون فاتت منّا حوادث من هنا وهناك، فهي كثيرة جدّاً ومتفرّقة في كُتب عديدة.

نعم، في الحوادث المتعلّقة بالأفراد والأشخاص، فحيث إنّها عديدة جدّاً، وعدم وجود خلاف كبير فيها، إذ إنّ الطرف الآخر يقرّ بحدوث أكثرها كما سيأتي؛ لذا فلم نقصد استيعابها وشمولها في كتابنا هذا، وإن كنّا قد ذكرنا أهمّها، بل أكثرها وتركنا منها متفرّقات من هنا وهناك؛ لعدم الضرورة لذكرها.

ومع هذا العمل من التخريج، وذكر الطرق المتعدّدة للخبر، والإشارة لعدّة من مصادره الثانوية بعد ذكر مصادره الأساسية، ودراسة الأخبار من جهة السند، ومعرفة ما ورد منها عند السنّة وما ورد منها عند الشيعة، نكون قد وفّرنا على الباحث والمحقق جهداً جهيداً، وقدّمنا له مادة متكاملة عن كلّ حادثة، وحينئذٍ فبغض النظر عن قبوله بالمعايير التي اعتمدناها في قبول الحادثة من عدمه، فإنّ توفير هذه المادة العلمية بالشكل المشار إليه تمكّنه بسهولة من الحصول على نتيجة نهائية في كلّ مورد والحكم عليه قبولاً أو رفضاً.

 هذا، وقد وقع الكتاب في ستّة فصول: دار الأوّل منها على حادثة مطر السماء، وتضمّن الثاني حادثة ظهور الدم تحت الأحجار، وتكفّل الثالث بمسألة بكاء السموات والأرض على الحسين علیه السلام في حين خُصّص الرابع منها لجمع ودراسة الحوادث الكونية المتفرّقة، وأمّا الخامس فقد تكفّل بدراسة الحوادث الفردية المتفرقّة، وأمّا السادس فقد اختص بأجوبة الشبهات الموجّهة لهذه الحوادث، ثمّ بيان أهمّ الدلالات والمعطيات العامّة المستفادة من تلك الظواهر والأحداث.

وفي الأخير لا يفوتني أنْ أشكر كلّ مَن ساهم في وصول هذا الجهد إلى ما هو عليه، وأخصّ بالذكر الأخ الأستاذ المحقّق عمّار الفهداوي، الذي تفضّل علينا مشكوراً ووضع تحت تصرّفنا جملة من الأحداث التي كان قد استخرجها بجهده الشخصي.

كما أقدّم وافر شكري وتقديري إلى مؤسسة وارث الأنبياء في الدراسات التخصصية في النهضة الحسينيّة، وجميع القائمين عليها لما وفّروه من خدمات جليلة على المستويين الإداري والعلمي من أجل إنجاح مهمّة هذا الكتاب.

فللجميع دعائي بكلّ خير وتوفيق.

هذا، وكلّنا أمل بالمحققين الكرام والأساتذة والخطباء والقرّاء الأعزاء، أن يجودوا علينا ويتحفوننا بما تؤول إليه أنظارهم من نقد، أو إشكال، أو ملاحظات تسهم في خدمة هذا الكتاب ورفع نواقصه.

نسأل الله سبحانه وتعالى أنْ يتقبّل منّا هذا اليسير، وأن يجعل الحسين علیه السلام شفيعنا يوم لا ينفع مال ولا بنون إلّا مَن أتى الله بقلب سليم، وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين.

                                                                   

حكمت الرحمة           

hekmat.alrahma@gmail.com

 


([1]) النووي، يحيى بن شرف، المجموع شرح المهذب: ج5، ص59.

 
 
البرمجة والتصميم بواسطة : MWD