1439 / جمادی‌الاولى / 1  |  2018 / 01 / 18         الزيارات : 528902         صلاة الصبح |         صلاة الظهر والعصر |         صلاة المغرب والعشاء |

أثر الثورة الحسينية في تعزيز الوحدة الوطنية

{ د. حنان عباس خير الله }
أثر الثورة الحسينية في تعزيز الوحدة الوطنية

المقدّمة[1]

كانت وما زالت ثورة الإمام الحسين عليه السلام تمثّل انعطافة كبيرة في مسيرة الإنسانية، ونقطة تحوّل في مسار حوادث التاريخ؛ نتيجةً للزخم الهائل الذي ولّدته هذه الثورة العظيمة لدى كلّ الأحرار في العالم، وأصبحت مثالاً يُحتذى به، وقد شهدت البشرية الكثير من الثورات والانتفاضات والحركات السياسية والعسكرية، التي كان الهدف منها تحقيق غايات وأهداف نبيلة، مثل: محاربة الظلم والباطل، تحقيق العدالة الاجتماعية، تصحيح مفاهيم وعقائد دينية تعرّضت للتزوير والانحراف، إلّا أنّ جميعها لم تأخذ المساحة التي احتلّتها ثورة الإمام الحسين عليه السلام في ضمير ووجدان الإنسانية جمعاء، والتي امتدّ صداها عبر القرون الطويلة في أدبيات وتراث الأُمم الأُخرى بالقدر نفسه الذي استحضرت فيه بتراثنا وتاريخنا الإسلامي.

ولا تكون الثورة صحيحة ومقبولة إلّا عندما تكون موجهة ضدّ نظام منحرف عقائدياً ومستبدّ، من أجل إقامة الحق وتحقيق التقدّم والعدالة والمساواة بين أفراد المجتمع كافّة، وعدم التمييز بينهم على أساس المذهب أو الدين أو الجنس وغير ذلك. فكانت ثورة الإمام الحسين عليه السلام لبناء أُمّة قادرة على أداء وظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والحفاظ على الأُمّة من الانحراف عن نهج الإسلام؛ إذ إنّ ثورة الإمام الحسين عليه السلام كانت وما زالت تستعرض لنا برنامجاً أخلاقياً يمثّل كلّ الخط الأخلاقي الإسلامي، وذلك لبناء شخصية إسلامية متكاملة، بعيدة عن مساوئ الأخلاق، وقريبة من محاسنها، ومن ثَمّ الحصول على مجتمع يمتلك الثقافة الأخلاقية.

ومن خلال هذا البحث سنبيّن: لماذا تميّزت ثورة الإمام الحسين عليه السلام بالعديد من الأفكار والقيم الأخلاقية والعالم مليء بالثورات؟ وكذلك كيف أنّ الثورة الحسينية انتصرت بالدم والشهادة والمظلومية على الظلم والطغيان والفساد؟ وكيف بقيت خالدة بالرغم من مرور أربعة عشر قرناً عليها، إلّا أنّها تتجدّد يوماً بعد يوم من خلال الاكتشافات الروحانية والعقلية لها وفق المنظور الحديث، بحيث أصبحت الأفكار الثورية للإمام الحسين عليه السلام ونهضته أكثر فهماً لدى العامّة من الناس في الوقت الحاضر منها قبل مئات السنين، في ظلّ العولمة الجديدة، وانتشار الأفكار الأساسية لحقوق الإنسان في الحرية والعدالة والمساواة؟

وسنرسم بحثنا في إطار التأملات التالية:

الأوّل: تقارب وتمايز واستمرارية الثورة

الثورة: هي تغيير جذري في السلطة، أو الهياكل التنظيمية، خلال فترة قصيرة نسبيّاً، وغالباً ما تشير إلى التغيير السياسي. وقد شهد التاريخ البشري عدّة ثورات، تنوّعت أساليبها ومدّتها وأيديولوجياتها المحفّزة، وأسفرت عن تغيرات كبيرة في الثقافة والاقتصاد والمؤسّسات الاجتماعية والسياسية[2].

إنّ الثورات التي قامت في العالم خلال تاريخ الإنسانية الطويل، هي عدد كبير بلا شك، ولكن الثورات الكبرى التي أثّرت في التاريخ خلال فترة زمنية طويلة هي محدودة العدد بلا شكّ. التأثير يختلف من حقبة زمنية إلى أُخرى، ونوعية التأثير أيضاً مختلفة، ولكن الأكثر تأثيراً هي التي تكون من ناحية الفكر والمبادئ المتعلّقة فيه، والتي لا تتأثّر بالزمن إلّا قليلاً، أمّا بقية التأثيرات، فهي تكون خلال فترة زمنية محدودة، وقد تصل إلى عقود أو قرون، ولكن قد تبقى ضعيفة التأثير بعد ذلك. الثورات تختلف باختلاف حجمها، فمنها يكون صغير الحجم أو في رقعة جغرافية معيّنة، والبعض الآخر يكون كبير الحجم ويتجاوز الحدود الدولية[3].

غالبية الثورات في التاريخ فاشلة أو غير موفّقة من ناحية النجاح في تسلّم السلطة أو في تغيير الواقع الملموس، ولذلك تختزن الذاكرة العالمية عدداً كبيراً من المحاولات الثورية لتغيير الواقع السيّء الذي تعيشه الشعوب، بعض الثورات في حالة نجاحها تتحوّل إلى ثورة تأكل أبناءها من خلال الصراعات الدموية بين قادة الثورة، والتي تنتهي بسيطرة الجناح الأكثر قوّة وقسوة ومكراً؛ ممّا يجعل الحكم يتحوّل إلى ديكتاتورية جديدة بلباس ثوري[4].

تبقى الثورة الكبرى الأُولى في العالم التي أثّرت وما زال تأثيرها باقياً، وسوف يبقى أيضاً، هي الثورة الحسينية، والتي قادها الإمام الحسين عليه السلام قبل حوالي (1378سنة)، هي الثورة الوحيدة التي يفتخر البشر بالانتماء إليها قلباً وقالباً، وما زالت الثورة الوحيدة في التاريخ التي يُعيد مئات الملايين من البشر إحياء ذكراها كلّ عام، وهي الثورة الوحيدة التي ما زال أعداؤها يحاربونها بكلّ دموية وقسوة وبشتى الحُجج. كذلك هي الثورة الوحيدة التي جمعت البشر بمختلف اتجاهاتهم حولها، وفي نفس الوقت جمعت أعداءها ومن مختلف الاتّجاهات والأهواء والنِحَل، كما أنّها الثورة الكبرى التي تحمل تراثاً فكرياً وجهادياً هو من الضخامة بحيث لا تحمله أيّ ثورة أُخرى، كما أنّها الثورة الوحيدة التي تكون قيادتها وأنصارها بمثل قدسية وروحانية الإمام الحسين عليه السلام وأتباعه[5].

ليست كلّ الثورات التي لا يحالفها الحظ في تحقيق أهدافها الآنيّة أو ينتصر عليها خصومها هي ثورات فاشلة، بل الفشل يكون عندما تنتهي الثورة ويختفي معها كلّ أثر، أمّا بالنسبة للثورة الحسينية، فهي انتصرت بالدم والشهادة والمظلومية على الظلم والطغيان والفساد، ولو بعد حين. لا أحد يجاهر بالوقوف إلى جانب قتلة الإمام الحسين عليه السلام، إلّا مَن جاهر بنصبه العداء إلى آل البيت عليهم السلام، وبالرغم من أنّ هنالك الكثير من المتستّرين بالعداء لمحبّي الإمام الحسين عليه السلام ويدّعون حبّهم لآل البيت عليهم السلام، ولكن الحقيقة هو نصب العداء المخفي لهم، بل هو مكشوف لمَن يريد أن يختبرهم من خلال الحوار معهم حول الكثير من الأُمور المتّفق عليها مثل الثورة الحسينية، فنجدهم حينها يعطون المبررات السخيفة التي لا تستند إلى أي عقل أو منطق أو دين لقتلة الثورة[6].

أسّست الثورة لنظام فكري سياسي جديد يقوم على فرض الأُمّة لإرادتها وحرّيتها في اختيار حكامها، وقد كانت الفترة الطويلة من الزمن ـ التي تلت تلك الثورة، والتي تميّزت بالمآسي المستمرّة وعدم تطبيق دعوة الإمام الحسين عليه السلام في الحرية والعدالة ـ كافية لتغيير الواقع من خلال مراجعة التراث الفكري الضخم الذي أبدعه الفقهاء والمثقّفون، من خلال استنباط أروع الأفكار والنظريات التي تجعل الحكم في أفضل صورة يمكن أن يخدم البشرية في تقدّمها نحو السمو[7].

ولذلك؛ هنالك ضرورة قصوى لتطبيق مبادئ الثورة الحسينية، بل يكفي أربعة عشر قرناً من السير في الاتجاه المعاكس، ولا بدّ للأُمّة أن تجرّب، ولكن بدون عوائق لكلّ ما جاء في الثورة الحسينية، حتى نرى بأنفسنا كيف تكون الحرية والعدالة والمساواة والالتزام بالشريعة الغرّاء ونتائجها الباهرة على كافّة الأصعدة.

إنّ هنالك ثلاثة عوامل يمكن أن تلعب دورها في الثورة: الأيديولوجية، والقيادة، والناس. فإذا أخذنا الأيديولوجية كعامل رئيسي، فهذا يعني بأنّ هذه الأيديولوجية هي ضدّ الظلم بطبيعتها، ومن أوامرها ونواهيها يمكن أن يُفهم إلغاء أو إقصاء النظام القديم، وفي هذه الحالة يكون دور الزعامة دوراً ثانوياً، وإذا أخذنا الزعامة الدينية كعامل رئيسي في الثورة، فهذا يعني حينئذٍ أنّه وبالرغم من الدور العظيم للدين والأيديولوجية، فإن الأداء النموذجي للقائد وخصائصه الروحية هو الذي مكّن الأيديولوجية من تأدية ذلك الأداء في الزمان والمكان المحدّدين، وكان له الدور الحاسم فعلاً، وفي هذه الحالة، فإنّ للأيديولوجية قيمتها الخاصّة، ولكنّها قيمة ثانوية بالمقارنة مع دور القيادة وقيمتها، وما دام منهجنا هو التعدّد السببي، فإنّنا لا نريد هنا الانتقاص من العناصر المؤثّرة الأُخرى. وفي ظاهرة فريدة كظاهرة الثورة الإسلامية، نرى أنّ التجديد أوجد فراغاً وأزمة ساهمتا في تسريع أحداث الثورة وتحقيق انتصارها عام (1979)، وقد لعبت قيادة الإمام الخميني رحمه الله دوراً مهمّاً وضرورياً، وحشّدت كافّة الناس وبكافّة أصنافهم وطبقاتهم ومصالحهم المتباينة في دائرة النضال[8].

كانت الثورة الحسينية وما زالت ثورة إصلاحية بامتياز، بل إنّ حيثيات عناصر الثورة وسحر أثرها متقدّمة على مثيلاتها من الثورات الإنسانية الأُخرى الوضعية أو الإسلامية، وأشارت إلى هذه المعاني آلاف الدراسات والأبحاث والخطباء، وما زلنا نتحدّث عن ثورة الإمام الحسين عليه السلام كحدث تاريخي كان منعطفاً خطيراً في القرن الأوّل من تاريخ الأُمّة الإسلامية، ووفق ما تعرضه دراساتنا وبحوثنا، وما يتناوله خطباؤنا على المنابر والمجالس، وحتى بحوث الخارج في الدراسات الحوزوية من عظمة للثورة، من المفترض أن تكون لها آثار إصلاحية مادية واضحة في كلّ مجالات حياة المجتمع الإسلامي، وخاصّةً إذا علمنا أنّ ما يميّز تلك الثورة المباركة هو طبيعة قائدها ومنزلته من النبي عليها السلام وما نؤكّده ـ وهو حقّ ـ علاقته بالسماء، أي: أنّ الإرادة السماوية هي التي رسمت خطوطها العريضة وثبّتت أهدافها؛ لحاجة الأُمة لها في ظروف قاسية تعرّضت فيها الدعوة الإسلامية إلى محاولات خطيرة من (الطمس) المقصود من قبل الخط الأُموي وفق المعطيات التي ذكرتها، كان على الأُمّة الإسلامية أن تكون في مقدّمة الأُمم، وأن تسبق غيرها في كلّ مضامين الحياة المادية والمعنوية؛ باعتبار أنّ الإمام الحسين عليه السلام قد سبق كلّ المصلحين الأُوروبيين وغيرهم الذين تمكّنوا من إحداث نقلة فكرية وعلمية، وحتى أخلاقية في مجتمعاتهم في العصور الحديثة[9].                                                                          

كما أنّ قدرة الثورة الحسينية على التغيير وخلق (رأي عام) ذات أثر غير مسبوق في تاريخ البشرية، وبما أنّ غالبية الأُمّة الإسلامية من المذاهب المختلفة، قد اتفقت على إقصاء (الثورة الحسينية) بسبب إقصائها لصاحبها لدوافع سياسية تاريخية معروفة، فإنّ هذه (الغالبية) غير مُكلّفة بتبنّي الثورة، ولا هي معنية أصلاً بالنظر في أهدافها، لكن أتباع أهل البيت عليهم السلام من الشيعة مكلّفون شرعاً وعقلاً بتبنّي (الثورة)، وهم معنيون (حصراً) بالنظر في أهدافها والعمل بها حسب الفهم الشرعي الطبيعي للعلاقة بين القائد وأتباعه، كما أنّ الثورة الحسينية هي الثورة الوحيدة في العالم التي تحمل (مقوّمات نجاحها)، وهذه المقوّمات لا تتوفّر في أي ثورة أُخرى سبقتها أو أُخرى تأتي بعدها، فهي مشروع مضمون النتائج لو توفّر له مَن يتعامل معه بإخلاص وصدق وهمّة.

وتتمثّل مقوّمات الثورة الحسينية التي انفردت بها دون غيرها بأُمور:                                                   

 الأوّل: إنّها إلهية بامتياز، فهي رغبة سماوية قبل أن تكون رغبة حسينية أو حاجة بشرية، وأنّ الإمام الحسين عليه السلام قد نفَّذ أبعاد تلك الرغبة بنجاح وأنجز بكفاءة ما هو مطلوب منه.       

 الثاني: قائد الثورة لم يكن تقليدياً، وإنّما يمتلك من الصفات ما لم تمتلكه قيادات الثورات الإنسانية الأُخرى، فهو ابن بنت رسول الله عليها السلام، وهو المعصوم الموصول بالسماء، وهو ابن علي عليه السلام الذي أقام بسيفه الدين، ونوّر ببلاغته وحكمته العقول.                                                

 الثالث: وضوح أهداف ومبادئ وآليات الثورة، وانسجامها مع حاجة الأُمّة ومتطلّبات الإنسان في كلّ عصر[10].

وبالإضافة إلى ما امتازت به ثورة الإمام الحسين عليه السلام من مقوّمات النجاح والخلود، فإنّها طرحت مشروعاً لإعادة بناء الأُمّة، تمثّل بخطاب: «خرجت لطلب الإصلاح في أُمّة جدّي»[11]، وعزّز الإمام هذا المشروع (بآلية) فاعلة لتحقيقه عندما قال عليه السلام: «أُريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر»[12]، فالإصلاح الذي رفعه الإمام كشعار وهدف، وأكّده في خُطبه ووصاياه وهو في طريقه إلى كربلاء، كان أحد الأقطاب الذي تدور حوله الثورة. ولو تمعّنا في طبيعة الإصلاح الذي نادى به الإمام عليه السلام لوجدناه إصلاحاً شاملاً، (إصلاح سياسي واجتماعي توعوي وأخلاقي)، يريد من خلاله إعادة الأُمّة إلى واقعها في زمن النبي عليها السلام، بعد أن اجتهد الأُمويون في تغيير ذلك الواقع الذي أوشك أن يتبدّل تماماً لصالح (الشرك)، ووصل التشكيك برسالة النبي عليها السلام حدَّ التصريح من قبل رأس الدولة (يزيد) الذي قال: «...فلا خبرٌ جاء ولا وحيٌ نزل»[13]، وهذا الأمر يضع أتباع الثورة الحسينية أمام مسؤولية دينية شرعية (صارمة) لا تقبل المساومة أو المهادنة، وهي العمل بمشروع الثورة الحسينية من خلال الآلية التي رسمتها للوصول إلى الأهداف التي ثار واستُشهد من أجلها الإمام الحسين عليه السلام، وهي أهداف إلهية ورغبة سماوية للحفاظ على رونق العقيدة ومصالح الأُمّة[14].                                                             

إنّ مَن يتصفّح حياة الشعوب المعاصرة ـ ولا سيما المجتمعات الأُوروبية ـ يجد أنّ عدّة نفر من المصلحين استطاعوا أن يحرّكوا في تلك الشعوب الرغبة في الإصلاح، وألهموها من خلال كتاباتهم أهمّية التحرّك لإنقاذ حاضرها ومستقبلها من كلّ أنواع الفساد والجريمة والتخبّط الخُلقي، ودفعوها باتجاه ثورة عارمة، والاندفاع نحو إصلاحات جذرية، ولم تتوقّف تلك الشعوب حتى أتمّت إنجاز أهدافها متأثّرة بمصلحيها، وكانت النتيجة باهرة عندما تتوحّد شعوب تتباين فيما بينها في الثقافة واللغة والتاريخ، فتصبح سياستها واحدة واقتصادها واحد، وتحطّم أغلب القيود التي تُفرّقها، فهل يا ترى أنّ (جان جاك روسو) الذي مهّد لتوحيد الشعوب الأُوربية يمتلك من عوامل التوحيد والإصلاح أكثر من الإمام الحسين عليه السلام؟! بالطبع كلّا وألف كلّا، فالمبادئ التي رسمها لنا الإمام الحسين عليه السلام والمشاعر المتّقدة الفاعلة في صدور المجتمعات الإسلامية التي خلّفتها لنا ثورة الطف في وسعها أن توحّد العالم بأسره، وهي تمتلك من عوامل الإصلاح والتجديد ما لا تمتلكه أيّ ثورة أُخرى، وثورة الحسين عليه السلام لو أردنا أن نتمعّن في طبيعتها لوجدناها أوّل ثورة استطاعت مع قائدها ومفجّرها أن تصبح عاملاً لتجميع الأُمّة، وهذا يدعونا جميعاً إلى إعادة تقييم طبيعة تعاملنا مع الثورة، أي: علينا أن نتعامل مع الإمام الحسين عليه السلام على أنّه قائد مُصلح قبل أن يكون شهيداً؛ لأنّ هدف الإصلاح في وجدان الإمام الحسين عليه السلام قد سبق الشهادة، وهو الذي دفعه باتجاه التضحية بنفسه وبأهل بيته وعائلته. ولذا؛ فعلينا أن نهتف في وجه العالم وفيما بيننا: أنّ الحسين عليه السلام مصلح قبل أن نُسوّقه للعالم على أنّه مظلوم شهيد[15].

فمن أجل أن نكون حسينيين بامتياز علينا أولاً أن نُعيد صياغة علاقتنا بالثورة الحسينية العملاقة، ففي هذه الثورة من المفاهيم والأُسس والمبادئ ما بوسعها أن توحّدنا وتخلّصنا من واقعنا الحاضر المليء بالتخلّف والفساد والفشل، وسرقة المال العام، والضعف أمام الأعداء، والتفسّخ الخلقي المريب.. إلى واقع جديد نستطيع من خلاله اللحاق بمَن سبقنا، وفي ذلك الوقت (وحده) نكون قد ضمنَّا شفاعة الحسين وشفاعة جدّه وأبيه وأُمّه البتول عليهم السلام، أمّا إذا اكتفينا بالشعائر ونحّينا جانباً كلّ تلك المبادئ التي استُشهد من أجلها عليه السلام؛ ففي ذلك مظلمة للحسين عليه السلام المُصلح الشهيد ولثورته.

الثاني: معطيات الثورة الحسينية

إنّ الزخم العطائي لثورة الإمام الحسين عليه السلام عطاء مستمر ودائم، على مختلف العصور والدهور والأجيال، فهي بمثابة المشعل الذي يُنير الدرب للثائرين، في سبيل رسالة الحق، الرسالة الإسلامية الخالدة. وفي نفس الوقت تحرق الهياكل الوهمية المزيفة التي بنت دعائمها على عروش وكراسي من الشمع، سرعان ما تذوب بحرارة الثورة الحسينية المقدّسة[16].

وهذا العطاء الدائم المستمر للثورة، طالما غذّى الغصون الإسلامية، حتى نمت وترعرعت ببركة ثورة أبي الشهداء الحسين الخالد، فهي كانت ولا تزال وستكون نبراساً لكلّ إنسان معذّب ومضطهد على وجه هذه الأرض، وهي الأمل المنشود لكلّ الناس الخيرين، الذين يدافعون عن حقّهم في العيش بسلام وأمان.

فهذه القرون تأتي قرناً بعد قرن، وهذا الحسين اسمه باقٍ في القلوب وفي الأفكار والضمائر، فهو أكبر من القرون وأكبر من الزمن؛ لأنّه عاش لله، وجاهد في سبيله، وقُتل في رضوانه، فهو مع الله والله معه، ومَن كان الله معه فهو باقٍ.

وإنّ ثورة الإمام الحسين  عليه السلام قد تمخّضت وكشفت عن جانبين مهمّين، هما:

 1 ـ الجانب العاطفي للثورة

فهي الثورة الوحيدة في العالم التي لو تسنّى لكلّ فرد ـ مهما كان معتقده وفكرته ـ أن يشاهد مسرحيتها بكلّ أبعادها وتفاصيلها، لما تمكّن من أن يملك دمعته وعبرته، وكما هو المعروف الآن في البلاد غير الإسلامية، كالهند وبعض الدول في إفريقيا، حيث يقرأ بعض أبنائها ملحمة واقعة الطف في كربلاء، فإنّهم لا يملكون إلّا أن يجهشوا بالبكاء، وقد يؤدّي أحياناً إلى ضرب الصدور من دون أن يشعروا؛ لأنّها مأساة أليمة تتصدّع القلوب لهولها ومصابها، وذلك كما وصفها المؤرِّخ الإنجليزي الشهير (جيبون) بقوله: «إنّ مأساة الحسين المروّعة، بالرغم من تقادم عهدها، وتباين موطنها، لا بدّ أن تُثير العطف والحنان في نفس أقل القرّاء إحساساً، وأقساهم قلباً»[17].

وأكثر من هذا، إنه قد روي أنّ الذين قاتلوا رجال الثورة لم يملكوا أنفسهم من البكاء، فهذا (عمر بن سعد) قائد الجيش الأُموي في كربلاء، يبكي عندما نادته زينب بنت علي عليهما السلام قائلةً له: «يا عمر، أيُقتل أبو عبد الله وأنت تنظر [إليه]؟! فدمعت عيناه حتى سالت دموعه على خدّيه ولحيته، وصرف وجهه عنها»[18].

وقِيل أيضاً: إنّ الأعداء بعد قتل الحسين عليه السلام هجمواعلى عياله يسلبونهم وهم يبكون، فجاء رجل إلى فاطمة بنت الحسين وأراد سلبها وهو يبكي، فقالت له: لماذا تسلبني إذن؟! فقال لها: أخاف أن يأخذه غيري[19].

وكيف لا تكون كذلك، وهي المأساة التي أدمت قلب الإنسانية، وأقرحت جفونها، تألّماً وتأثّراً؛ لأنّ فيها قُتل الشيخ الطاعن في السنّ، الذي جاوز السبعين، وقُتل فيها الكهل، وهم الغالبية من أصحاب الإمام الحسين عليه السلام، وفيها الفتى الذي لمّا يتجاوز الحلم، من بني هاشم وأقمارهم، وفتيان أصحابهم، وفيها الطفل الرضيع والمرأة العجوز، وفيها التمثيل بأجساد الشهداء ورضّها بحوافر الخيل، وقطع رؤوسها، وحرمان النساء والأطفال من الماء، ونهب الخيام وحرقها، وسَوْق بنات رسول الله عليها السلام سبايا من بلدٍ إلى بلد، يتصفّح وجوههنّ القريب والبعيد، وإلى ما هنالك من المآسي والآلام التي حلّت بشهداء هذه الثورة.

 2 ـ الجانب العقائدي للثورة 

إذا أردنا دراسة هذا الجانب، فإنّا لم نعلم ثورة في التاريخ عُرفت بعقائديتها بهذا اللون من الاعتقاد، والتفاني من أجله كثورة الحسين عليه السلام، والإنسان لا يمكن له أن يعرف المستوى العقائدي لثورة من الثورات، إلّا أن يدرس النصوص والوثائق لقادة هذه الثورات وأنصارها، وثورة الإمام الحسين عليه السلام بلغت في عقائديتها الذروة العليا في الوعي والعمق، سواء عند قائدها أو أتباعه أو أنصاره، فهي لم تختلف وعياً في جميع أدوارها، منذ أن أُعلنت حتى آخر نفس من حياة رجالها، على مختلف المستويات الثقافية والإدراكية لرجالها[20].

إنّ ثورة الحسين عليه السلام، قد دعت إلى:

أ ـ الثورة على حكم يزيد بن معاوية.

ب ـ إقامة الشريعة الإسلامية وتطبيقها.

فثورة الإمام الحسين عليه السلام هدفت في قيامها هذين الخطّين: تغيير الجهاز الحاكم، وتطبيق الشريعة الإسلامية.

أ ـ تغيير الجهاز الحاكم 

فالإمام الحسين عليه السلام لم يقصد من ثورته على الحكم تغيير يزيد بالذات، باعتباره ابن معاوية بن أبي سفيان الأُموي، فتكون ثورته ثورة قَبلية كما يصوّرها البعض، ويعتقد بأنّ الخصومة بين الهاشميين والأُمويين كانت مستمرة منذ قرون قبل الإسلام وبعده، ولهذا خرج الحسين عليه السلام على يزيد.. بل الإمام الحسين عليه السلام علّل ثورته على حكم يزيد في بعض خُطبه وبياناته، ويتّضح ذلك جلياً ممّا جاء في الوثيقة التي خطبها الحسين عليه السلام أمام أوّل كتيبة للجيش الأُموي: « ...أيّها الناس، إنّ رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) قال: مَن رأى سلطاناً جائراً مستحلاً لحرم الله، ناكثاً لعهد الله، مخالفاً لسنّة رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم)، يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان، فلم يغيّر عليه بفعل ولا قول، كان حقاً على الله إن يدخله مدخله...»[21].

حيث علّل عليه السلام خروجه على سلطان يزيد لكونه سلطاناً جائراً، يحكم الناس بالإثم والعدوان، وذلك مخالف للشريعة الإسلامية، ولسنّة النبي محمّد عليها السلام؛ فلهذا خرج عليه.

صحيحٌ أنّ هناك بعض الوثائق تصرّح باسم يزيد، كما في الوثيقة التي قالها لمّا طلب منه والي يزيد على المدينة مبايعة يزيد، فأجابه عليه السلام: «أيّها الأمير، إنّا أهل بيت النبوة... ويزيد رجلٌ فاسق، شاربٌ للخمر، قاتل النفس المحترمة، معلنٌ للفسق، ومثلي لا يبايع مثله»[22]. إلّا أن الإمام عليه السلام يُعلّل ثورته على يزيد، لأنّه رجل فاسق، شارب للخمر، قاتل النفس المحترمة، مُعلن للفسق، وهذه الصفات لا تتّفق مع شروط الخلافة؛ فلهذا أعلن الحسين عليه السلام ثورته على حكمه، فثورته ليست ثورة قَبلية ولا عنصرية، كما يتوهّم البعض.

 ب ـ تطبيق الشريعة الإسلامية 

وهذا هو من أهمّ أهداف الحسين عليه السلام من ثورته على الحكم، حيث عرّض نفسه وأهل بيته وأصحابه للقتل والسلب والنهب من أجل هذا الهدف المقدس، فالحسين عليه السلام لم تكن غايته الرئيسية من خروجه تَسلُّم زمام الحكم فحسب، فهو يعتبر الاستيلاء على الحكم وسيلة لتطبيق أحكام الشريعة، لا غاية بذاتها، ولا أيضاً بدافع العامل الاقتصادي كما يذهب إليه البعض، من أنّها نتيجة لظروف اقتصادية معيّنة، دفعت بالحسين إلى ثورته[23]. وليس أيضاً بصحيح ما يقوله البعض: إنّها نتيجة مرحلة زمنية اقتضتها التطورات التاريخية آنذاك. بل الدافع الرئيسي الوحيد للإمام الحسين عليه السلام هو تطبيق الشريعة الإسلامية والمحافظة عليها، وإن أدّى ذلك إلى سفك دمه.

ويسند قولنا هذا، ما جاء في بعض نصوص خُطبه ورسائله، مثل:

1 ـ «ألا وإنّ هؤلاء قد لزموا طاعة الشيطان، وتركوا طاعة الرحمن، وأظهروا الفساد، وعطّلوا الحدود، واستأثروا بالفيء، وأحلّوا حرام الله، وحرّموا حلاله»[24].

2 ـ «وقد بعثت إليكم بهذا الكتاب، وأنا أدعوكم إلى كتاب الله وسنّة نبيّه، فإنّ السنّة قد أُميتت، والبدعة قد أُحييت»[25].

3 ـ «ألا ترون إلى الحق لا يُعمل به، وإلى الباطل لا يُتناهى عنه؟!»[26].

4 ـ «وإنّي لم أخرج أشراً ولا بطراً، ولا مفسداً ولا ظالماً، وإنّما خرجت لطلب الإصلاح في أُمّة جدي عليها السلام، أُريد أن آمر بالمعروف، وأنهى عن المنكر، وأسير بسيرة جدّي وأبي»[27] .

فإنّ هذه المقتطفات من خطب ورسائل الإمام الحسين عليه السلام لهي نصوص صريحة واضحة، لا شبهة ولا غموض فيها لبيان غرضه وهدفه عليه السلام؛ فإنّها جميعاً تدلّ على أنّ الحكم القائم آنذاك. كان يعمل بكلّ قواه على تقويض الشريعة الإسلامية من جذورها، بإشاعة المنكر والباطل، ومخالفة الكتاب والسنّة: «فإنّ السنّة قد أُميتت، والبدعة قد أُحييت».

والحسين عليه السلام لم يخرج لغير مقاومة المنكر والباطل، وإحياء السنّة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولم يطلب الحكم والمنصب قط؛ لأنّه من أهل بيت النبوة، الذين لم يأتوا للملك إلّا أن يقوّموا المعوج، ويدعوا إلى الحق، ويدفعوا الباطل[28].

فهذا جدّه رسول الله محمّد عليها السلام في بداية دعوته، عَرضت عليه رجالات قريش المُلك والسيادة والمال، على أن يترك دعوته وقول الحق، فأبى عليها السلام، وقال لعمّه أبي طالب عليه السلام: «يا عمّاه، لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في شمالي، على أن أترك هذا الأمر، حتى يظهره الله أو أهلك فيه، ما تركته»[29].

وهذا أبوه علي بن أبي طالب عليه السلام القائل: «اللّهم، إنّك تعلم أنّه لم يكن الذي كان منّا منافسةً في سلطان، ولا التماس شيء من فضول الحطام، ولكن لنردّ المعالم من دينك، ونُظهر الإصلاح في بلادك، فيؤمن المظلومون من عبادك، وتقام المعطّلة من حدودك»[30].وقد عُرضت عليه الخلافة في قضية الشورى بشروط، فأبى عليه السلام؛ لئلّا يخالف الشروط التي لا يرتضيها، في حين أنّ الخلافة الإسلامية في وقتها كانت الدنيا بأسرها، وخصوصاً بعد أن انهارت دولتي الروم والفرس، فعلي عليه السلام أبى أن يقبلها ـ مع أهمّيتها ـ
في مقابل أن لا يخالف شرطاً، فرفض الدنيا بأسرها في رفضه إيّاها، إزاء عدم مخالفة شرطٍ واحد.

وهكذا لو أردنا أن نستعرض أهل البيت عليهم السلام لرأيناهم لا ينشدون ملكاً ولا سلطاناً بالذات، وإنّما غايتهم من الحكم هي تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية وتركيز دعائمها.

فلهذا نرى الإمام الحسين عليه السلام يقول: «وإنّما خرجت لطلب الإصلاح في أُمّة جدّي عليها السلام، أُريد أن آمر بالمعروف، وأنهى عن المنكر، وأسير بسيرة جدّي وأبي»[31].

فهذه هي سيرة جدّه رسول الله عليها السلام، وسيرة أبيه علي بن أبي طالب عليه السلام.

الثالث: أثر الثورة الحسينية في العالم

لقد كان للثورة الحسينية الأثر البالغ في التعريف بالدين على حقيقته، وإيضاح معالمه، ورفع الشك والارتياب والحيرة عنه، والشاهد على ذلك الزيارات الخاصّة بالإمام الحسين عليه السلام وما بها من توضيح لما قام به الإمام عليه السلام من أجل رفعة الدين الإسلامي وبقائه.

كثيراً ما كانت المجالس الحسينية سبباً أساسياً في تعارف أبناء المجتمع مع بعضهم بعضاً، وإزالة أسباب الخصومات التي قد تنشأ في غمرة مشاكل الحياة الكثيرة، كما أنّ هذه المجالس تُشْعِرُ الجميعَ بالوحدة والوقوف صفاً واحداً حول نصرة الدين الإسلامي الحنيف، ولا يقتصر الأمر على ذلك، بل يتعدّاه إلى تشكيل صداقات جديدة بين الأفراد، سواء من الرجال أو النساء، وحتى الأطفال الذين كثيراً ما يصحبهم آباؤهم إلى هذه المجالس الحسينية المباركة؛ لينهلوا منها حبّ وعلوم آل بيت النبوة عليهم السلام، وحبّ الخير لجميع البشر، فتقوى أواصر المحبة والأُلفة بين المجتمع.

ولم تقف آثار المجالس الحسينية في العلاقات الاجتماعية إلى هذا الحد، بل تعدّته إلى زيادة أواصر المحبّة والأُلفة والتعاون بين الشيعة وغيرهم من أصحاب المذاهب الإسلامية المعتدلة والديانات الأُخرى، الذين وجدوا في الإمام الحسين عليه السلام الراية التي يجب على الجميع الوقوف خلفها والاقتداء بصاحبها، لنشر العدل والمساواة بين البشر، فشاركوا الإمامية في إقامة مجالس العزاء وخدمة المعزّين وزوار أبي عبد الله الحسين عليه السلام، لا سيما في شهر محرم الحرام، وما تبعه من أيّام كانت شاهدة على الفاجعة التي ألمّت بآل بيت النبي محمد عليها السلام، فكان ذلك سبباً في أن يعي أصحاب المذاهب والديانات الأُخرى مثل المسيحية والصابئة المندائيين والإيزيديين وغيرهم فكر أهل البيت عليهم السلام، والأهداف التي جعلت الإمام الحسين عليه السلام يخرج متحدّياً الظلم والاستبداد، فكان ذلك سبباً رئيساً في تحسين العلاقات الاجتماعية بين المجتمعات في جميع دول العالم لا سيما الإسلامية منها[32].

كما كانت آثار الثورة الحسينية عابرة للحدود الطبيعية والجغرافية، فامتدت هذه الآثار إلى تحسين الصِلات بين الشعوب ودول العالم، وبالخصوص ما تقوم به العتبات المقدسة من جهود، ويأتي في مقدّمتها جهود العتبة الحسينية المقدسة، فأخذت العتبة الحسينية ـ عن طريق استقبال وإرسال الوفود المختلفة إلى أغلب بلدان العالم ـ بتعريف الثورة الحسينية ومبادئها، وسبب تمسّك الشيعة بهذه المبادئ، كما أنّ الزيارات التي يقوم بها الوافدون من خارج الحدود العراقية للمراقد الدينية، أو المشاركة في أداء الشعائر الحسينية، كما يحدث في أربعينية الإمام الحسين عليه السلام من دخول الملايين من الزائرين الأجانب، كلّ هذا وغيره أسهم في زيادة وتحسين العلاقات الدولية بين شعوب العالم والعراق؛ فأصبحت كربلاء قبلة يقصدها المؤمنون من كلّ حدبٍ وصوب، ومن خلال هذا كلّه يمكن لنا أن نرى حجم الآثار الإيجابية الكبيرة التي تركتها القضية الحسينية عامّة والمجالس خاصّة في تعميق أُسس العلاقات الاجتماعية.

    فنقرأ في زيارته عليه السلام: «... فأعذر في الدعاء، وبذل مهجته فيك، ليستنقذ عبادك من الضلالة والجهالة، والعمى والشك والارتياب، إلى باب الهدى من الردى»[33].

   يقول العالم الأمريكي الأنثروبولوجي (كارلتون كون) في الإمام الحسين عليه السلام: «دلّت صفوف الزوار التي تدخل إلى مشهد الحسين في كربلاء، والعواطف التي ما تزال تؤجّجها في العاشر من محرم في العالم الإسلامي بأسره، كلّ هذه المظاهر استمرت لتدل على أن الموت ينفع القديسين أكثر من أيام حياتهم مجتمعة...»[34].

فاجعة الطف صرخة الحق بوجه الباطل

ما حقّقته فاجعة الطف من كونها الصرخة المدوّية التي هزّت كيان الأُمّة، وأخرجتها من سُباتها العميق، ونبّهتها من غفلتها، فزعزعت أُسس الظالمين، ودكّت عروشهم، وأفشلت مُخططاتهم القديمة والمستقبلية؛ وأكبر دليل على ذلك الثورات التي تلت الفاجعة والتي لم تقف إلّا بإسقاط مُلك بني أُمية إلى الأبد.

يقول الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء: «نهض الحسين عليه السلام تلك النهضة الباهرة، فقشع سُحب الأوهام، وانتزع النور من الظلام، وأصحر بالهدى لطالبه، وبالحق الضائع لناشده... ويتفرّع من هذه الميزة مزايا تفوق حدّ العد، ويحصر عنها لسان الحصر»[35].

بل إنّ الثورة الحسينية أصبحت شعاراً للثوار والمظلومين والمضطهدين في كلّ دول العالم، باختلاف لغاتهم، وألوانهم، ودياناتهم، فحتى غير المسلم يستلهم العزم من الثورة الحسينية، فهذا (غاندي) يقول: «تعلّمت من الحسين كيف أكون مظلوماً فأنتصر»[36].

وهذا الزعيم الأفريقي (نيلسون مانديلا) يقول: «تعلّمت الثبات والصمود والصبر من الحسين وعائلته وأصحابه»[37].

كما وقال القائد والمناضل الصيني (ماو تسي تونغ) في الإمام الحسين عليه السلام حينما زاره وفد من منظمة التحرير الفلسطينية برئاسة ياسر عرفات، وذلك بعد نكسة حزيران (1967م)؛ للحصول على الدعم، وللتعرّف على أساليب النضال وسبل الكفاح الثوري في التجربة الصينية، فقال (ماوتسي تونغ) لياسر عرفات: «عُد إلى وطنك؛ فعندكم أيّها العرب الثورة الحسينية، فتعلّم منها كما تعلّمنا منها»[38].

وما قاله المناضل (موريس دوكابري ريس) في الإمام الحسين عليه السلام: «يُقال في مجالس العزاء: إنّ الحسين ضحّى بنفسه لصيانة شرف وأعراض الناس، ولحفظ حرمة الإسلام، ولم يرضخ لتسلّط ونزوات يزيد، إذن تعالوا نتخّذه لنا قدوة لنتخلّص من نير الاستعمار، وأن نفضّل الموت الكريم على الحياة الذليلة»[39].

يقول الكاتب المسيحي (أنطون بارا) عن تأثير الثورة الحسينية في الحس الثوري العالمي: «المظلومون والمضطهدون والمقهورون والمروعون من كلّ المذاهب والبقاع يتّجهون في كلّ رغباتهم إلى جوهر ثورة الحسين، ففي اتجاههم الفطري ورود إلى منبع الكرامة والإنصاف والعدل والأمان»[40].

كما وقال (ونستون تشرشل) وزير الحرب البريطاني في الكلمة التي ألقاها في مجلس اللوردات البريطاني، حول أهمّية ثورة الإمام الحسين عليه السلام في الإبقاء على روح الإسلام الأصيلة: «ما دام للمسلمين قرآن يُتلى، وكعبة تُقصد، وحسين يُذكر، فإنّه لا يمكن أن يُسيطَر عليهم»[41].

ويقول القائد الألماني (أدولف هتلر) وهو يحثّ قواته على الصمود في القتال: «اثبتوا في القتال كما ثبت الحسين بن علي سبط محمد وأصحابه في كربلاء، وهم نفرٌ قليل بين أُلوف تفوقهم عدداً؛ فنالوا بذلك المجد الخالد»[42].

ولقد صرّح (عمرو بن الحجاج) عن حقيقة أصحاب الحسين عليه السلام وشجاعتهم وعزمهم على الموت، إذ يقول لأصحابه مُحرّضاً: «أتدرون مَن تقاتلون؟ تقاتلون فرسان المصر، و أهل البصائر، وقوماً مستميتين، لا يبرز إليهم أحدٌ منكم إلّا قتلوه على قلّتهم...»[43].

وكذلك اعتراف (شبث بن ربعي) بأحقّية ثورة الإمام الحسين عليه السلام، وضلال مَن حاربه: «ألا تعجبون أنا قاتلنا مع علي بن أبي طالب ومع ابنه الحسن آل أبي سفيان خمس سنين، ثمّ عدونا على ابنه ـ وهو خير أهل الأرض ـ نقاتله مع آل معاوية وابن سمية الزانية، ضلال يا لك من ضلال!»[44].

يقول إبراهيم بيضون: «...فلقد وضع الحسين في استشهاده العظيم قانوناً للشعوب التي ترفض الانصياع للظلم، وتأبى إلّا أن تكون لها الحرية والكرامة والقضية، وما زال دمه الثائر يطارد الطغاة، ويدكّ عروش الظالمين في كلّ زمن... ويزيد نفسه الذي هو بُعيد كربلاء إنّما سقط في تلك اللحظة، ومن هذا المكان بالذات، وما تبقى منه لوقت قصير لم يثبت غير ذلك، وإن تمادى في الترهيب واستباحة المقدسات»[45].

مراسم باقية ما بقيت الدنيا، فكلّ يومٍ عاشوراء وكلّ أرضٍ كربلاء

من أدلّة انتصار الثورة الحسينية أنّ كلّ الطغاة في العالم يمنعون إقامة مراسمها ومراسم تذكّرها، كلّ ذلك لأنّها الشبح الذي يُخيف الطغاة، والصوت الذي يصكّ أسماعهم، والنور الذي يُعمي أبصارهم، وهي بحقّ ملك الموت الذي يتربّص بهم، فإن أرادوا التخلّص من كلّ ذلك، فلا بدّ من التخلّص من فاجعة الطف وكلّ ما يتعلّق بها، وهذا ما جرى عليه طغاتهم، ووعّاظ سلاطينهم من حرمة ذلك والمنع منه.

 يقول المؤرِّخ والكاتب المسيحي الأمريكي (فيليب حتى) في الإمام الحسين عليه السلام: «أصبح اليوم الذي قُتل فيه الحسين بن علي يوم حدادٍ ونَوْح عند المسلمين، ففي مثل هذا اليوم ـ أي: يوم عاشوراء ـ من كلّ عام تمثّل مأساة النضال الباسل، والحدث المفجع الذي وقع للإمام الشهيد، وغدت كربلاء من الأماكن المقدسة في العالم، وأصبح يوم كربلاء وثأر الحسين عليه السلام صيحة الاستنفار في مناهضة الظلم»[46].

فإحياء فاجعة الطف ممّا يثير حفيظة الظالمين؛ ما حدا بهم إلى منع ذلك، والتنكيل بمَن يفعله، والإنكار له، والتشنيع بمختلف الطرق والأساليب عليه، وما زاد ذلك الشيعة والمحبّين إلّا إصراراً وعزماً على مواصلة ذلك، بل إنّ الطغاة مارسوا بالإضافة إلى القتل والتشنيع والترويع سياسة التهجير والإبعاد؛ ممّا أدّى إلى انتشار مذهب التشيّع والفكر الحسيني وفاجعة الطف في جميع دول العالم، وبذلك انقلب السحر على الساحر.

يقول المستشرق الإنجليزي (وليم لوفتس) في الإمام الحسين عليه السلام: «وهل ثمّة قلب لا يغشاه الحزن والألم حين يسمع حديثاً عن كربلاء؟ وحتى غير المسلمين لا يسَعهم إنكار طهارة الروح التي وقعت هذه المعركة في ظلها»[47].

كما يقول الرئيس السابق للمؤتمر الوطني الهندي (تاملاس توندون) الهندوسي في الإمام الحسين عليه السلام: «هذه التضحيات الكبرى من قبيل شهادة الإمام الحسين رفعت مستوى الفكر البشري، وخليق بهذه الذكرى أن تبقى إلى الأبد، وتُذكر على الدوام»[48].

بقاء قبر الإمام الحسين عليه السلام علماً للمؤمنين، ومناراً للثائرين، وشوكة في عيون الظالمين والحاسدين أبد الآبدين

فهذا قبر أبي عبد الله عليه السلام مناراً ومزاراً من سالف الزمان وإلى قيامه، فأين قبور الطغاة؟ بل أين قصورهم؟ إنّ قتلة الإمام الحسين عليه السلام ليس لهم قبر في الدنيا يدلّ عليهم، من يزيد إلى أدناهم، فهم قد مُسخوا في الدنيا والآخرة.

وأشنع من ذلك ما فعله بهم بنو العباس؛ إذ أخرجوا جميع جثث بني أُميّة المدفونة وأحرقوها كلّها.

يقول المستشرق الفرنسي (جوزف) عن أسباب ترقّي فرقة الشيعة وتطوّرها: «ولا يوجد اليوم مكان فيه الواحد أو الاثنان من الشيعة إلّا ويقيمان فيه عزاء الحسين، ويبذلان في هذا السبيل الأموال الكثيرة، فقد رأيت في نزل (مارسل) شيعيّاً عربيّاً من أهالي البحرين يُقيم مأتم الحسين وهو منفرد، ويرقى المنبر، ويقرأ في كتاب ويبكي، ثمّ يقسّم ما أحضره من الطعام على الفقراء.

هذه الطائفة تبذل الأموال في هذا السبيل على وجهين، فبعضهم يبذلها من خالص أمواله في كلّ سنة بقدر استطاعته، وصرفيّات هذا القسم تزيد على ملايين الفرنكات، وبعضهم يعيّن أوقافاً لهذا المشروع لخصوص هذه الطائفة، وهذا القسم أضعاف الأوّل، ويمكن أن يقال: إنّ جميع فرق الإسلام من حيث المجموع لا يبذلون في سبيل تأييد مذهبهم بمقدار ما تبذله هذه الفرقة في سبيل ترقيات مذهبها، وموقوفات هذه الفرقة ضعف أوقاف سائر المسلمين أو ثلاثة أضعافها.

كلّ واحد من هذه الفرقة هو في الحقيقة داعٍ إلى مذهبه من حيث يخفى على سائر المسلمين، بل إنّ الشيعة أنفسهم لا يُدركون هذه الفائدة المترتّبة على عملهم، وليس في نظرهم إلّا الثّواب الأُخروي، ولكن حيث إنّ كلّ مَن عمل في هذا العالم لا بدّ وأن يكون له أثر طبيعي في العالم الاجتماعي، قصده الفاعل أو لم يقصده، لم تُحرَم هذه الفرقة فوائد هذا العمل الطبيعيّة في هذا العالم.

ومن المعلوم أنّ مذهباً دعاته خمسون أو ستّون مليوناً، لا بدّ وأن يرتقي أربابه على وجه التدريج إلى ما يليق بشأنهم، حتى أنّ الرؤساء الروحانيين من هذه الفرقة وسلاطينها ووزرائها لم يخرجوا عن صفة كونهم دُعاة، وسعي الفقراء والضعفاء في المحافظة على إقامة عزاء الحسين من حيث انتفاعهم من هذا الباب أكثر من الأعيان والأكابر؛ لأنّهم يرون في ذلك خير الدّنيا والآخرة؛ لهذا ترى جماعة كثيرين من عقلاء هذه الفرقة قد تركوا سائر أشغالهم المعاشيّة وتفرّغوا لهذا العمل، وهم يكابدون المشاقّ في تحريّ العبارات الرائقة والجمل الواضحة عند إلقاء فضائل رؤساء دينهم ومصائب أهل البيت على المنابر في المجالس العموميّة...

ومن الأمور الطبيعية المؤيدة لفرقة الشيعة في تأثير قلوب سائر الفرق هو إظهار مظلومية أكابر دينهم، وهذا التأثير من الأُمور الفطرية؛ لأنّ كلّ أحد بالطبع يأخذ بيد المظلوم، ويحب غلبة الضعيف والمظلوم على القوي، والطبائع البشرية أميل إلى الضعيف والمظلوم ولو كان مبطلاً من الظالم وإن كان محقّاً، لا سيّما إذا مرّت عليه السنون والأعوام، وهؤلاء مصنّفو أوروبا الذين ذكروا في كتبهم تفصيل مقاتلة الحسين مع أصحابه وشهادته مع أنّهم لا يعتقدون بهم يذعنون بالمظلومية لهم، ويعترفون بظلم وتعدّي قاتليهم، وعدم رحمتهم، ولا يذكرون أسماءهم إلاّ مشمئزين، وهذه الأُمور الطبيعية لا يقف أمامها شيء، وهذا السرّ من المؤيّدات الطبيعية لفرقة الشيعة»[49].

الاستبشار والسرور بالشهادة في معسكر الإمام الحسين عليه السلام

كان معسكر الإمام الحسين عليه السلام يطغى عليه التعبّد والتبتّل، والصلاة والتهجّد؛ ممّا أثر في معسكر ابن سعد، ذلك المعسكر الواجم، المظلم، الغارق بالذنوب، وسواد القلوب مع سواد الليل، ولقد أثّر معسكر الحسين عليه السلام في أصحاب ابن سعد، فخرج منه مَن التحق بمعسكر الحسين عليه السلام؛ لمّا شاهد سيماء الطاعة والخضوع لله تعالى عليه، وفعلاً فقد بشّرهم الإمام الحسين عليه السلام بالجنة في يوم العاشر من محرم، فلمّا فرغ عليه السلام من صلاة الظهر من ذلك اليوم قال لأصحابه: «يا كرام، هذه الجنّة قد فُتحت أبوابها، واتصلت أنهارها، وأينعت ثمارها، وزُيّنت قصورها، وتؤلّفت ولدانها وحورها، وهذا رسول الله عليها السلام والشهداء الذين قتلوا معه، وأبي وأُمّي، يتوقّعون قدومكم عليهم، ويتباشرون بكم، وهم مشتاقون إليكم...»[50].

وقال عنهم رسول الله عليها السلام: «... واعلم يا أبا ذر، أنّ للواحد منهم أجر سبعين بدرياً، يا أبا ذر، واحدٌ منهم أكرم على الله من كلّ شيء خلق الله على وجه الأرض...»[51].

وقال عليها السلام: «إنّ ابني هذا ـ يعني الحسين ـ يُقتل بأرضٍ يُقال لها: كربلاء، فمَن شهد ذلك منكم، فلينصره...»[52].

وقال عنهم أمير المؤمنين عليه السلام: «...لا يسبقهم مَن كان قبلهم، ولا يلحقهم مَن كان بعدهم»[53].

وقال سلمان المحمدي: «...فإن القتيل معه ـ أي: مع الإمام الحسين عليه السلام ـ يُعطى أجر سبعين شهيداً، كلّهم كشهداء بدر وأُحد وحُنين وخيبر»[54].

الثبات الحسيني المنقطع النظير

قال عبد الله بن عمار بن يغوث: «ما رأيت مكثوراً قط قد قُتل وُلده وأهل بيته وصحبه أربط جأشاً منه، ولا أمضى جِناناً ولا أجرأ مقدماً، ولقد كانت الرجال تنكشف بين يديه إذا شدّ فيها، ولم يثبت له أحد»[55].

ورداً على مَن قال في مجلس ابن زياد: «إنّ الحسين جاء في نفرٍ من أصحابه وعترته، فهجمنا عليهم، وكان يلوذ بعضهم بالبعض، فلم تمضِ ساعةٌ إلّا قتلناهم عن آخرهم»، قالت السيدة زينب عليها السلام: «ثكلتك الثواكل أيّها الكذّاب، إنّ سيف أخي الحسين لم يترك في الكوفة بيتاً إلّا وفيه باكٍ وباكية، ونائحٍ ونائحة»[56].

 

خوف الأعداء من الإمام الحسين عليه السلام ومن أبيه علي عليه السلام

فالإمام الحسين عليه السلام يُخيف الأعداء حيّاً وميتاً، فنجد عمر بن سعد يقول لجيشه: «هذا ابن الأنزع البطين، هذا ابن قتّال العرب»[57].

ويقول: «ويحَكم، اهجموا عليه ما دام مشغولاً بنفسه وحرمه، والله، إن فرغ لكم لا تمتاز ميمنتكم عن ميسرتكم»[58].

كسر الطوق المفروض على الحديث النبوي

فقد تعرّض الحديث النبوي للمنع والتزوير، وإنّ الثورة الحسينية فتحت الطريق لنشر الصحيح منه، والذي خفي عن الأُمّة بسبب سياسة الخلفاء الثلاثة، وسياسة بني أُميّة بعدهم، وعلى رأسهم معاوية، وبعد الثورة الحسينية فُتح الباب على مصراعيه ليطرح أهل البيت عليهم السلام بصفتهم الامتداد الحقيقي للرسالة النبويّة، ومحور الإسلام، والملجأ الصحيح للناس، بعد أن غفل عنهم الناس وتركوهم وأنكروا حقّهم، وحاربوهم، وقد أشار الإمام الحسين عليه السلام إلى هذا بقوله: «...فإن السنّة قد أُميتت، والبدعة قد أُحييت»[59].

يقول الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء: «...ولولا شهادته سلام الله عليه لكانت الشريعة أُموية، ولعادت الملّة الحنيفية يزيدية...»[60].

يقول الدكتور علي شريعتي: «وها هُم بنو أُمية يلجأون إلى سلاحٍ غير سلاح القهر والقمع والبطش والمال، بل أسلحة أفتك وأشدّ وأدهى، فيطلقون تيار (الجاهلية الجديدة)، لاجئين إلى مخطّطٍ جديد، يهدف إلى زعزعة الإيمان، وتجميد الفكر، وشلّ القيم، وإطلاق الرغبات، وإشاعة الابتذال، وخنق الحرّية، ونشر الفكر العبودي. وكان هدف الحملة الجاهلية الجديدة، العقول والنفوس؛ لهدم البناء الروحي الذي كان أحد معطيات الإسلام، وشلّ قواه، وطمس معالمه في القلوب»[61].

فكانت الثورة الحسينية الفتح الذي أخذ من خلاله أهل البيت عليهم السلام مكانتهم في المجتمع؛ بصفتهم قادة وأئمّة هدى، منصوصاً عليهم من قِبَل الله تعالى على لسان نبيّه الأكرم عليها السلام.

يقول إبراهيم بيضون: «...وفي ضوء ذلك يسقط التفسير الذي تُوحي به الروايات التاريخية، رابطة تحرّك الحسين بموت معاوية القوي، ومجيء يزيد الضعيف، فالمسألة ليست خاضعة في الأساس لهذا الاعتبار، ولم يكن كلاهما ـ الأب والابن ـ هدفاً في حدّ ذاته، وإنّما كانت حالة الانحراف الآخذة في التفاقم، وإن كان الابن قد فرض تسريعاً لهذا التحرّك بما يحمله استخلافه من ضرورة للمواجهة، فيما كان حكم الأب ما يزال يمثّل في رأي الرافضين له حالة اغتصابية للخلافة، تمّ التعامل معها وكأنّها حالة مؤقّتة لا بدّ من تصحيحها وإن طال الزمن... و الجماهير الخاضعة رغماً عنها كانت في أمسّ الحاجة إلى تلك (الهجرة) الجديدة؛ لتحصين الأُمّة من الانحراف الذي استفحل، واستعادة قيمها التي التُبست، وتقويم المسار الذي افتُقدت معالمه، وكاد ينقطع بها عن (الهجرة الأُولى)»[62].

الرابع: أصبحت كربلاء مدرسةً للأجيال

فكربلاء ونظائرها من ملامح التاريخ الإنساني هي التي سارت بالبشرية نحو الكمال، وخلقت لدى الناس حسّ التضحية في سبيل الحق والعدل والإنسانية، فلقد تجلّى في ملحمة كربلاء الاستعداد البشري للتضحية لدين الله، والكرامة الإنسانية، كما تجلّت فيها حقيقة المواجهة مع الظلم والطغيان، أيّاً كان؟ وكيف كان؟ فلا حسابات عسكرية، ولا عِدّة أو عدد، فقط (لا سكوت عن الظلم).

كما تجلّت في كربلاء حقيقة عدم التعلّق بالمغريات الدنيوية، أو التمسّك بالحياة والحرص عليها، فقد كان المُهيمن عليها: (إنّ الموت لا بدّ منه)، «خُط الموت على وُلد آدم مخط القلادة على جيد الفتاة»[63]، فلا بدّ ـ إذاً ـ من الحرص على موتةٍ كريمة كالحرص على الحياة الكريمة، بل أكثر، فإن لم تكن هنالك حياة كريمة، فهنالك موت كريم، موت فيه رضا الله تعالى.

وهذا ما جسّده الإمام الحسين عليه السلام بقوله: «ألا وإنّ الدعي ابن الدعي قد ركز بين اثنتين، بين السلّة والذلّة، وهيهات منّا الذلّة، يأبى الله لنا ذلك ورسوله والمؤمنون، وحجورٌ طابت وطهرت، وأنوفٌ حميّة، ونفوسٌ أبيّة، مِن أن نؤثِر طاعة اللئام على مصارع الكرام، ألا وإنّي زاحفٌ بهذه الأُسرة مع قلّة العدد وكثرة العدو، وخذلة الناصر»[64].

فمبدأ الإصلاح العام، وتأصيل العقائد الحقّة، والسير بمبادئ العدل والمساواة، وتحقيق الرفاه، كما في حكومة الرسول الأكرم عليها السلام، وحكومة أمير المؤمنين عليه السلام، من أهمّ أهداف ثورة الحسين عليه السلام.

شهادات مفكّري العالم

ومن هنا؛ وقف المفكّرون والساسة والكُتّاب وعظماء العالم إجلالاً للثورة الحسينية، وأرَّخوا بأقلامهم عظمتها:

قال المستشرق الفرنسي (لويس ماسينيوس): «أخذ الحسين على عاتقه مصير الروح الإسلامية، وقُتل في سبيل العدل بكربلاء»[65].

وقال الآثاري الإنجليزي (وليم لوفتس): «لقد قدّم الحسين بن علي أبلغ شهادة في تاريخ الإنسانية، وارتفع بمأساته إلى مستوى البطولة الفذّة»[66].

فيما قال المستشرق الأمريكي فيليب: «... حتى أصبح اليوم الذي قُتل فيه الحسين ابن علي ـ وهو العاشر من محرم ـ يوم حدادٍ ونواح عند المسلمين، ففي مثل هذا اليوم من كلّ عام تمثّل مأساة النضال الباسل والحدث المفجع الذي وقع للإمام الشهيد، وغدت كربلاء من الأماكن المقدسة في العالم، وأصبح يوم كربلاء وثأر الحسين صيحة الاستنفار في مناهضة الظلم»[67].

وقال الباحث الإنجليزي (جون آثر): «إنّ مأساة الحسين بن علي تنطوي على أسمى معاني الاستشهاد في سبيل العدل الاجتماعي»[68].

وقال المهاتما غاندي مخاطباً الشعب الهندي: «...إذا أرادت الهند أن تنتصر، فعليها أن تقتدي بالإمام الحسين»[69].

وقال هاشم معروف الحسني في كتابه (من وحي الثورة الحسينية): «لقد وقف الحسين وقفته العظيمة التي حيّرت العقول ـ بما فيها من معاني البطولات والتضحيات، التي لم يُحدِّث التاريخ بمثلها ـ في سبيل العقيدة والمبدأ، وحرية الإنسان وكرامته»[70].

وقال محمد مهدي شمس الدين في كتابه (ثورة الحسين ظروفها الاجتماعية وآثارها الإنسانية): «كانت ثورة الحسين عليه السلام السبب في انبعاث الروح النضالية في الإنسان المسلم من جديد، بعد فترة طويلة من الهمود والتسليم»[71].

وقال عبد الودود الأمين في كتابه (الإمام الحسين الشهيد): «الحسين بن علي معين الحياة الذي لا ينضب، وروحها التي لا تهرم، وقلبها الذي لا يهدأ»[72].

وقال أنطون بارا في كتابه (الحسين في الفكر المسيحي): «آثر الحسين عليه السلام صلاح أُمة جدّه الإنسانية الهادية بالحق العادلة به على حياته، فكان في عاشوراء رمزاً لضمير الأديان على مرّ العصور»[73].

وقال الهندوسي والرئيس السابق للمؤتمر الوطني الهندي (تاملاس توندون): «هذه التضحيات الكبرى من قبيل شهادة الإمام الحسين رفعت مستوى الفكر البشري، وخليقٌ بهذه الذكرى أن تبقى إلى الأبد، وتُذكر على الدوام»[74].

أثبتت الثورة وبما لا يدع مجالاً للشك أبداً أنّ القلّة ممكن أن تحقّق المعجزات، سواء إذا فشلت الثورة أو نجحت، فبالنهاية تكون نتيجة الصبر والصمود على المبدأ الذي يشترط فيه أن يكون لغرض إنساني نبيل هو النجاح بلا شك.

لم يكن العدد المحدود من المشتركين في الثورة الحسينية عائقاً أمام رجال الثورة أو محبّيها، ما دام الفكر الذي يحمله الثوار هو لغرض إنقاذ الأُمة من النكسات المستمرّة، كذلك إنّ الإيمان بالله والاتكال عليه هو الأساس الأوّل في العمل الصادق لتغيير الأوضاع السيئة.

أسّست الثورة لنظام فكري سياسي جديد، يقوم على فرض الأُمّة لإرادتها وحرّيتها في اختيار حكّامها، وقد كانت الفترة الطويلة من الزمن التي تلت تلك الثورة ـ والتي تميّزت بالمآسي المستمرّة، وعدم تطبيق دعوة الإمام الحسين عليه السلام في الحرية والعدالة ـ كافية لتغيير الواقع، من خلال مراجعة التراث الفكري الضخم الذي أبدعه الفقهاء والمثقّفون، من خلال استنباط أروع الأفكار والنظريات التي تجعل الحكم في أفضل صورة يمكن أن يخدم بها البشرية في تقدمها نحو السمو.

ولذلك هنالك ضرورة قصوى لتطبيق مبادئ الثورة الحسينية، بل يكفي أربعة عشر قرناً من السير في الاتجاه المعاكس، ولا بدّ للأُمة أن تجرّب من دون عوائق كلّ ما جاء في الثورة الحسينية؛ حتى نرى بأنفسنا كيف تكون الحرية والعدالة والمساواة، والالتزام بالشريعة الغرّاء، ونتائجها الباهرة على كافّة الأصعدة.

ومن خلال ذلك نرى أنّ تلك الثورة العملاقة ما زالت تنتج الكثير من الإبداعات الفكرية، وفي شتّى المجالات، وإنتاجها الضخم لا بدّ أن يكون في موضع التنفيذ، وتبقى الحسرة والألم على تلك الجريمة الكبرى المروّعة في قتل الإمام الحسين عليه السلام وأهل بيته وصحبه ماثلة أمامنا جميعاً، وهي رمزٌ للفداء، وأُسطورة خالدة للوفاء، يعجز الأدب بمختلف ألوانه عن التعبير عنها، بل كلّ ما أُبدع حولها لا يمثّل سوى جزءٍ بسيطٍ من نتائج تلك الثورة العظيمة، وتبقى الظروف المتغيّرة في العالم إحدى أهمّ الوسائل لفهم أكبر، أو إظهار المزيد من الإبداع.

الخاتمة

من خلال دراسة الثورة الحسينية الكبرى، يمكن ملاحظة أنّ الدروس ليست محدّدة بفكر واحد، أو برقم واحد، إلّا أنّ التأمّل والدراسة بعمق وموضوعية يمكن أن يجعل كلّ فرد منّا قادراً على الاستنباط؛ لأخذ الدروس والعبر.

إنّ حجم الثورة لا يُقاس بالكمّ، ولكن بالكيف، بمعنى أنّ الثورات الكبرى في التاريخ لا يُقاس حجمها بكِبر حجم المشاركين فيها، نعم إنّ كبر المشاركة في الثورة يُعتبر أساساً لنجاحها الآني والمستقبلي، إلّا أنه يمكن ملاحظة أنّ العديد من الثورات الشعبية التي كانت المشاركة فيها كثيفة قد فشلت، سواء في تسلّم السلطة، أو في ترك أثر فكري وثقافي عريض، مثل الثورات العديدة في إفريقيا وآسيا، بل حتى في العالم العربي وتاريخه المعاصر، وليُراجع الموسوعات والكُتب التاريخية مَن يريد الاطلاع والاستفادة من الإشارة إلى هذه الفكرة، بينما كانت  الثورة الحسينية الخالدة صغيرة الحجم من حيث عدد المشاركين فيها (دون المائة)، وكانت جيوش السلطة الغاشمة قد تجاوزت العشرات من الآلاف، وفي النهاية ورغم عدم نجاح الثورة الآني، نجحت في زرع بذور الثورة والاحتجاج في نفوس الجميع، بالإضافة إلى نشر الكثير من المبادئ والقيم السامية المستندة إلى الإسلام وتعاليمه السمحاء؛ ممّا أدّى في النهاية إلى نجاحها على أعدائها، وبعد أن قُتل جميع المشتركين فيها بفترة زمنية قصيرة.

لقد حمل لواء الثورة وأفكارها عددٌ كبير من الناس خلال فترة القرون الماضية الطويلة، وهم مستعدّون لبذل كلّ طاقاتهم في سبيل إعلاء راية الثورة الحسينية المستندة  ـ وبدون أدنى شكّ ـ إلى مبادئ الشريعة السمحاء؛ لأنّها تُمثّل مبادئ طبيعية ثابتة للجنس البشري.

أثبتت الثورة بجدارة تدخّل العوامل الغيبية في إنجاحها، وإفشال كلّ المخططات الشريرة لإخماد جذوة شعلتها، فالمعروف أنّ المعسكر المعادي للإمام الحسين عليه السلام يمتلك من القوّة والعدّة الكافية لإبادة رجالات الإمام الحسين عليه السلام، وإخماد أي ذكرٍ لهم، ولكنّ العناية الربانية كانت هي الغالبة بلا شكّ؛ بحيث بقيَ بعض مَن شَهِد الواقعة، ونقل تفاصيلها لبقية الناس، ولذلك كان مجيء أُسر أهل البيت عليهم السلام وأنصارهم من الوسائل الهامّة التي نقلت تفاصيل المعركة إلى الرأي العام، الذي كان منشغلاً بأُمور مختلفة، ناهيك عن كِبَر حجم الدولة، وانعدام وسائل الاتصال الحديثة التي تجعلهم يعرفون تلك التفاصيل، وهذا يعطينا فكرة مهمّة عن ضرورة تغطية الإعلام للثورات، وأهمّية العامل الإعلامي في نشر الحقائق للرأي العام، بغية تحريضه وتحريكه ضدّ النظام المُستبد.

إنّ القدسية المعروفة عن آل البيت عليهم السلام كانت كافية لإنزال الانتقام الإلهي ـ ولو بعد حين ـ من القتلة الذين تجرّدوا من كلّ قيم إنسانية أو أخلاقية في حربهم القاسية، من أجل سلطة زائلة يمثّلها إنسان وضيع لا يفقه شيئاً، استولى أبوه بالغدر والخيانة على مقدّرات دولة دينية كُبرى، وأدارها بأُسلوب منحطّ، جعل الجميع ينبذونه؛ ممّا أدّى إلى نهاية سريعة في انتقام إلهي لا يمكن نُكرانه، وكذلك الحال بالنسبة لقادة جيوش السلطة، وبعض مَن برزوا في القتال من المقاتلين العاديين، وقد امتلأت كُتب التاريخ بالحديث عن تفاصيل الانتقام الإلهي الذي أعطى درساً واضحاً للبقية بأنّ الحضور الغيبي هو بارز في الأحداث الجسام، وأنّ دوره في تسيير تلك الأحداث لا يقلّ أهمّيةً عن غيره، بل يتفوّق عليه، خاصّةً أنّه صادر من إلهٍ عظيم خالق للكون ومخلوقاته، ومنها الإنسان الصغير الحجم والوضيع بأعماله الخسيسة.

وقد كسرت الثورة  الحسينية حاجز القدسية الزائفة بالنسبة للحكّام، والتي أخذت تثبّت جذورها المستندة على تفسيرات خاطئة للأدلّة الشرعية، تدعو إلى تقديس وُلاة الأمر، حتى لو كانوا من الفاسقين، أو الذين يقفزون على السلطة في غفلة من الزمن، وبصورة غير شرعية.

 

 

 

فهرست المصادر

* القرآن الكريم.

  1. الأخبار الطوال، أبو حنيفة أحمد بن داوود الدينوري (ت282هـ)، تحقيق: جمال الدين الشيال، دار إحياء الكتاب العربي، ط1، 1960م، القاهرة.
  2. الإصابة في تمييز الصحابة، أبو الفضل شهاب الدين بن محمد بن حجر العسقلاني(ت852)، تحقيق: عادل أحمد، دار الكتب العلمية، ط1،1994م، بيروت.
  3. الآيات البيّنات في قمع البدع والضلالات، القسم الأوّل، محمد حسين كاشف الغطاء، 1927م، النجف الأشرف.
  4. بحار الأنوار، محمد باقر المجلسي (ت1111هـ)، مؤسّسة الوفاء، 1992م، بيروت.
  5. تاريخ الأُمم والملوك، محمد بن جرير الطبري (ت310هـ)، ط1، دار الكتب العلمية، 1997م، بيروت.
  6. تاريخ العرب، مير علي الهندي، ترجمة: رياض رأفت، مصر، 1938م.
  7. ثورة الحسين ظروفها الاجتماعية وآثارها الإنسانية، محمد مهدي شمس الدين، تحقيق: سامي الغريري، 1977م.
  8. الحسين في الفكر المسيحي، أنطون بارا، ط5، 2009م، بيروت.
  9. الحسين ومسؤولية الثورة، حسن موسى الصفار، دار البيان العربي، ط7، 1991م، بيروت.
  10. الخصائص الحسينية، جعفر التستري، المطبعة الحيدرية، النجف.
  11. رُؤى في الثورات، حنّة أريندت، تعريب: خيري حمّاد، 2011م، القاهرة.
  12. سير أعلام النبلاء، محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي (ت748هـ)، تحقيق: شعيب الأرنؤوط وحسين الأسد، ط9، مؤسّسة الرسالة، بيروت.
  13. شخصيات إسلامية، محمود عباس العقاد، دار الكتاب العربي، بيروت.
  14. قالوا في الحسين عليه السلام، محمد صادق محمد الكرباسي، دائرة المعارف الحسينية.
  15. القيم الأخلاقية في النهضة الحسينية، محمود العذاري، شبكة الشيعة الإسلامية، 2002م.
  16. الكامل في التاريخ، علي ابن أبي الكرم المعروف بابن الأثير (ت630هـ)، دار صادر، 1965م، بيروت.
  17. كامل الزيارات، جعفر بن محمد ابن قولويه القمي (ت367هـ)، تحقيق: جواد القيومي، ط1، 1997م.
  18. مثير الأحزان، نجم الدين جعفر بن محمد ابن نما الحلي (ت645هـ)، منشورات المطبعة الحيدرية، 1950م، النجف.
  19. من وحي الثورة الحسينية، هاشم معروف الحسني، دار القلم، بيروت.
  20. نهج البلاغة، محمّد عبده، دار المعرفة للطباعة، لبنان.
  21. نهضة الحسين، هبة الدين الشهرستاني، ط2، 1984م، منشورات الرضي، قم.
  22.  .http://alhussain-sch.org/
  23.  .http://annabaa.org/munasbat
  24.  .http://annabaa.org/munasbat
  25.  .http://www.alalam.ir/news
  26.  .http://www.shatelarab.com/
  27.  .www.almurtadha.net

 

 


[1] جامعة ذي قار/كلّية التربية للعلوم الإنسانية/ قسم التاريخ.

[2] اُنظر: شمس الدين، محمد مهدي، ثورة الحسين عليه السلام (ظروفها الاجتماعية وآثارها الإنسانية): ص21.

[3] اُنظر: أريندت، حنّة، رُؤى في الثورات.

[4] اُنظر: المصدر السابق.

[5] اُنظر: بارا، أنطون، الحسين في الفكر المسيحي: ص70ـ72.

[6] اُنظر: شمس الدين، محمد مهدي، ثورة الحسين عليه السلام (ظروفها الاجتماعية وآثارها الإنسانية): ص125ـ127.

[7] اُنظر: بارا، أنطون، الحسين في الفكر المسيحي: ص70 .

[9] اُنظر: بارا، أنطون، الحسين في الفكر المسيحي: ص72ـ74.

[10] اُنظر: الشهرستاني، هبة الدين، نهضة الحسين: ص59ـ66.

[11] المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج44، ص329.

[12] المصدر السابق.

[13] الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الأُمم والملوك: ج8، ص188.

[14] اُنظر: الدينوري، أحمد بن داوود، الأخبار الطوال: ص221ـ222. التستري، جعفر، الخصائص الحسينية: ص30ـ33.

[15] اُنظر: العذاري، محمود، القيم الأخلاقية في النهضة الحسينية: ص4ـ6.

[16] اُنظر: بارا، أنطون، الحسين في الفكر المسيحي: ص18.

[17] الهندي، مير علي، تاريخ العرب: ص74.

[18] ابن الأثير، علي بن أبي الكرم، الكامل في التاريخ: ج4، ص78.

[19] اُنظر: الذهبي، محمد بن أحمد، سير أعلام النبلاء: ص204.

[20] اُنظر: الصفار، حسن موسى، الحسين ومسؤولية الثورة: ص520.

[21] الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الأُمم والملوك: ج4، ص304.

[22] المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج44، ص325.

[23] اُنظر: الحسني، هاشم معروف، من وحي الثورة الحسينية: ص37ـ38.

[24] الطبري، محمد بن جرير، تـاريخ الأُمم والملوك: ج4، ص304.

[25] المصدر السابق: ص266.

[26] الحلّي، ابن نما، جعفر بن محمد، مثير الأحزان: ص31.

[27] المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج44، ص330.

[28] اُنظر: الحسني، هاشم معروف، من وحي الثورة الحسينية: ص36.

[29] ابن الأثير، علي بن أبي الكرم، الكامل في التاريخ: ج2، ص64.

[30] عبده، محمّد، نهج البلاغة: ج2، ص19.

[31] المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج44، ص330.

[32] اُنظر:   .http://annabaa.org/munasbat

[33] ابن قولويه، جعفر بن محمد، كامل الزيارات: ص401.

[34] قناة الجوادين: https://plus.google.com.

[35] كاشف الغطاء، محمد حسين، الآيات البينات في قمع البدع والضلالات: ص26.

[37] العتابي، ليث، عناصر الانتصار الحسيني وتجلياته في المجتمع الإسلامي، مجلة الإصلاح الحسيني: العدد6، ص119.

[39] .karbala-tv.net/watch.php  

[40] بارا، أنطون، الحسين في الفكر المسيحي: ص21.

[41].arbala-tv.net/watch.php  

[42] .nojabaa.com  

[43] العقاد، محمود عباس، شخصيات إسلامية: ص290.

[44] ابن الأثير، علي بن أبي الكرم، الكامل في التاريخ: ج4، ص69.

[45] .kitabat.info/print.php  

[46] .ashouraa.almaaref.org/maqalet/kalo.htm  

[48] المصدر السابق.

[49] الكرباسي، محمد صادق، قالوا في الحسين عليه السلام: ج1، ص130ـ133.

[50] لجنة الحديث في معهد الإمام الباقر عليه السلام، موسوعة كلمات الإمام الحسين عليه السلام: ص536.

[51] الحلي، ابن فهد، التحصين: ص23.

[52] ابن عساكر، علي بن الحسن، تاريخ مدينة دمشق: ج14، ص224.

[53] الطوسي، محمد بن الحسن، تهذيب الأحكام: ج6، ص73.

[54] الكوفي، أحمد بن أعثم، الفتوح: ج4، ص328.

[55] المفيد، محمد بن محمد، الإرشاد: ج2، ص111.

[56] الدربندي، الفاضل، أسرار الشهادة: ص345.

[57] ابن شهراشوب، محمد بن علي، مناقب آل أبي طالب: ج3، ص258.

[58] المصدر السابق.

[59] البلاذري، أحمد بن يحيى، أنساب الأشراف: ج2، ص78.

[60] كاشف الغطاء، محمد حسين، الآيات البينات: ص20.

[61] .kitabat.info/subject.php  

[62] المصدر السابق.

[63] الحلي، ابن نما، مثير الأحزان: ص29.

[64] المصدر السابق: ص40.

[65] .imamhussain-lib.com/arabic/pages/f10.php  

[66] .annabaa.org/ashura/1427/079.htm  

[67] .ashouraa.almaaref.org/maqalet/kalo.htm  

[68] .http://alhussain-sch.org  

[69] الكرباسي، محمد صادق، قالوا في الحسين عليه السلام: ج1، ص21.

[70] .alhodacenter.org/ashora/details.php.

[71] شمس الدين، محمد مهدي، ثورة الحسين ظروفها الاجتماعية وآثارها الإنسانية: ص95.

[72] .ahlolbayt.net/old/monasabat/alhosun/9.htm  

[73] .pinterest.se/pin  

[74] .ashouraa.almaaref.org/maqalet/kalo.htm  

 
 
البرمجة والتصميم بواسطة : MWD