1439 / جمادی‌الاولى / 1  |  2018 / 01 / 18         الزيارات : 528913         صلاة الصبح |         صلاة الظهر والعصر |         صلاة المغرب والعشاء |

أثر المرجعية الدينية في حفظ الشعائر الحسينية وإصلاحها.. المرجع الكبير آية الله العظمى السيد محمد سعيد الحكيم أُنموذجاً

{ الشيخ صباح عباس الساعدي }
أثر المرجعية الدينية في حفظ الشعائر الحسينية وإصلاحها.. المرجع الكبير آية الله العظمى السيد محمد سعيد الحكيم أُنموذجاً

ديباجة[1]

تمتاز مدرسة أهل البيت عليهم السلام عن بقية المدارس الإسلامية الأُخرى بوجود الرقابة والإشراف المستمر والمتواصل من قِبَل علماء مختصين بالعلوم الدينية في كل عصر من العصور، يحملون على عاتقهم متابعة المسائل الدينية بصورة عامة والشرعية بنحو الخصوص؛ ليصححوا بعض المسائل التي يُرصد فيها شائبة الميل عن مسارها الصحيح، وإلى جانب ذلك نجد حضورهم الملحوظ في القضايا الحادثة والمستجدة في الساحة الاجتماعية، وغير ذلك من الأُمور التي يتصدى لها المرجع الديني الجامع للشرائط المقررة في مجالها[2]؛ ما جعلهم صمام الأمان والدرع الحصين الذي حفظ المذهب الحق على مدى العصور.

وبنظرة سريعة إلى التاريخ المضيء للمرجعية الدينية نرى أنها قد تنحصر بشخص معين يرجع إليه عموم المسلمين الشيعة في كل قضاياهم ومسائلهم، كما قد تتعدد المرجعيات الدينية في حقبة زمنية أيضاً (2)، مع نيل بعضهم لمقام الصدارة، كما نشاهده في هذا العصر الراهن؛ حيث تعددت المرجعيات الدينية في النجف الأشرف حاضرة العلم والمعرفة الدينية مع حفظ المكانة الأبوية الشمولية لشخصية عُرفت بورعها وتقواها بين المؤالف والمخالف، ألا وهو آية الله العظمى المرجع الأعلى السيد علي الحسيني السيستاني (دام ظله الوارف)؛ ضرورة رجوع سائر المسلمين الشيعة في كافة أصقاع العالم إلى سماحته في سبيل أخذ الحلول الدينية وغيرها.

إلّا أنّ هذا كله لا يجعلنا نغفل الدور الذي قام به بقية مراجعنا المعاصرين لسماحته من خلال مشاريعهم الإصلاحية والتوعوية؛ لأجل النهوض بواقع مجتمعنا المسلم، فهناك جهود أبوية مشكورة بذلها بعض علمائنا الأعلام في الحوزة العلمية في النجف الأشرف، كان الهدف من ورائها معالجة بعض القضايا المصيرية في السلوكيات الصادرة من قِبَل بعض أتباع مدرسة أهل البيت عليهم السلام، أو التحذير من وقوع بعض الفتن أو المخاطر التي تداهم أبناء مجتمعنا الإسلامي.

ومن أبرز مصاديق هذا المشروع الإصلاحي والدور الريادي، هو ما قام به آية الله العظمى المرجع الكبير السيد محمد سعيد الطباطبائي الحكيم (دامت بركاته)؛ إذ أغنى الساحة الدينية بتراثه القيم وعطائه الثرّ في شتَّى الجوانب العلمية والدينية، وكان من بين أهم نتاجاته القيمة ما عُني بالجوانب الإصلاحية في المجتمع؛ وقد جاءت بعض خطواته الإصلاحية متمثلة بالتوصيات والإرشادات الأبوية، النابعة عن حرصه الشديد على مصير المجتمع الديني، والمبرهنة على تعمقه في تراثنا الإسلامي والتاريخ البشري، واستشرافه للمستقبل الذي ادخرته الأقدار للمجتمع الإسلامي عموماً والعراقي خصوصاً؛ فجاءت بعض نتاجات سماحته لتسلط الأضواء على مسائل فيصلية وحساسة، لها مساس واقعي بمجريات الأُمور التي مُلئت بالمخاطر، ومن بين تلك المؤلفات والنتاجات القيمة:

1ـ رسالة توجيهية إلى الشعب العراقي.

2ـ رسالة توجيهية إلى التربويين العراقيين.

3ـ رسالة أبوية ومسائل تُهمُّ طلبة الحوزة والمبلغين.

4ـ مرشد المغترب (توجيهات وفتاوى).

5ـ من وحي الطف (دلالات وتوجيهات).

6ـ فاجعة الطف.

7ـ فتاوى توجيهية.

وغير ذلك من المؤلفات القيمة والنافعة، فضلاً عمّا تضمنته بقية مؤلفاته الفقهية والأُصولية والعقائدية وغيرها من مطالب مهمة.

أهداف البحث

لا نريد في هذه البحث أن نُعرِّف بالنتاج العلمي أو التوجيهي لسماحته فضلاً عن التعريف بشخصيته؛ إذ إننا أقل شأناً من أن نرقى إلى الترويج أو التوصيف لعالم فذّ وأحد أعمدة وأساطين الحوزة العلمية في النجف الأشرف، وإنّما هدفنا أن ننهل من معين توصياته وإرشاداته المهمة والنافعة، مختصرين في ذلك على الجوانب الرقابية والإصلاحية التي اختصت بمعالجة بعض القضايا المرتبطة بالمراسم والشعائر الحسينية؛ آخذين ذلك من نتاجاته القيمة، وبالأخص الأثر القيم (فاجعة الطف)؛ إذ خصّص سماحته قسماً مهماً منه للتوجيهات الضرورية المرتبطة بالجانب الإصلاحي والإرشادي في القضية الشعائرية؛ ويستتبع ذلك الإجابة على شبهة مَن ادعى عدم اهتمام المرجعيات الدينية بما يفضي إليه مصير الشعائر الحسينية، وأنّهم يخضعون لأهواء وميول المجتمع[3]؛ إذ سنبرهن على أنّ الرقابة الحثيثة والمستمرة على الشعائر الحسينية كانت ولا زالت من مهام المرجعية الدينية، تبذل من أجلها كل غالٍ ونفيس.

ولمّا كان سماحته واقفاً على النقاط المهمة ومشخصاً للجوانب التي تحتاج إلى المحافظة والإبقاء عليها متوهجة كما هي، أو الرقي بمستوى بعضها، أو معالجة وإصلاح ما حاولت أيدي المغرضين أن تطاله بتحريفها وتزييفها، مضافاً إلى إحاطته بالطرق الكفيلة بمعالجة كل ذلك، نرى أنّه (دامت بركاته) قد تناول هذه المسألة من عدة جوانب:

الجانب الأول: الإشراف المباشر على الفعاليات المرتبطة بالشعائر الحسينية

إنّ المراسم والشعائر الحسينية التي أكد المعصومون عليهم السلام على ضرورة إحيائها لها دور مهم وأساسي في إيقاظ المسلمين فرداً أو مجتمعاً؛ إذ تجعل منهم أُناساً يبحثون عن العوامل والأهداف التي قام الإمام الحسين عليه السلام من أجلها، وقد جنيت ثمارها في أزمنة وعصور مختلفة وكثيرة، كما ذكر سماحته في إحدى الفتاوى التوجيهية الصادرة في صدد الإجابة عن حكم إقامة الشعائر المتمثلة بلبس السواد وإطعام الطعام وسقي الماء وظهور مجالس ومواكب العزاء بكل أشكالها قائلاً: «نحن نحبذ إقامة الشعائر بالوجه المذكور ونؤكد عليها بإصرار؛ أولاً: لأنّ الرجوع لأحاديث الأئمة (صلوات الله عليهم) وملاحظة مواقفهم ومواقف شيعتهم في عصورهم يشهد بإقرارهم لذلك ورغبتهم فيه، وحثّهم عليه[4]... ثانياً: لأنّها قد أثبتت جدارتها وفعاليتها على طول التاريخ وتقلب الأحوال في شدِّ عامة المؤمنين لمبادئهم الحقة، وتمسكهم بها وتفاعلهم معها وتأجيج مشاعرهم نحوها...»[5]؛ وعلى هذا الأساس نجد أنّ سماحته تبعاً للسلف من علمائنا الأعلام سعى جاهداً من أجل الحفاظ على هذه المراسم الحسينية والدفاع عنها وإيصالها إلى الأجيال كافة سالمة نقية من أيِّ شائبة، وبعيدة عن أيدي المغرضين والعابثين، وقد تمثل ذلك في:

أولاً: التأسيس والاستدلال لمشروعية الشعائر الحسينية

بما أنّ الشعائر الحسينية التي حافظ عليها أهل البيت عليهم السلام وأتباعهم في مختلف العصور والظروف تقع عرضة للهجمات الشرسة من قِبل أعداء أهل البيت عليهم السلام غالباً؛ لذا يتحتم على العلماء الربانيين أن يتصدوا لدفع تلك المخاطر المحدقة بها، وممّن تصدى لهذه المهمة الجليلة والنبيلة هو سماحة المرجع الكبير السيد محمد سعيد الحكيم (دامت بركاته)؛ فقد ألّف العديد من الكتب الاستدلالية دفاعاً عن شعائر الحسين عليه السلام ومبادئ نهضته المباركة، كما في أثره القيم (فاجعة الطف) وكذلك (من وحي الطف)؛ إذ أغنى الساحة الحسينية بالاستدلال والتأسيس للممارسات التي يقيمها أتباع هذا المذهب؛ تطبيقاً لتوصيات الأئمة عليهم السلام، فقد ذكر في هذا الصدد تحت عنوان (حزن الشيعة له جذور أصيلة) قائلاً: «إنّ حزن شيعة أهل البيت (وفقهم الله تعالى وأعزّهم) بمناسبة مقتل سيد الشهداء... وإحياء مراسم العزاء وإقامة الشعائر... ليست أُموراً اعتباطية جرَّهم إليها التعصّب والشقاق، ولا هي عادات محضة أخذوها عن أسلافهم... وإنّما هي نشاطات لها جذور دينية أصيلة، وقد قامت عليها أدلة محكمة رصينة...»[6].

ثم أورد سماحته الأدلة الكثيرة والقاطعة على مشروعية ـ بل استحباب ـ ما يقوم به أتباع مدرسة أهل البيت عليهم السلام من ممارسات يجمعها عنوان إحياء أمرهم عليهم السلام، قائلاً: «استفاضت النصوص ـ بل تواترت إجمالاً ـ بعظيم أجر إحياء أمر أهل البيت (صلوات الله عليهم) وخصوصاً ما يتعلق بالإمام الحسين عليه السلام في زيارته والبكاء عليه وقول الشعر فيه وغير ذلك. على اختلاف أنحاء الأجر من غفران الذنوب، وإثبات الحسنات، ورفع الدرجات، وضمان الجنة، والوعد بالشفاعة... إلى غير ذلك. كل ذلك بوجه مكثف، وبنحوٍ مذهل، كما يظهر بأدنى ملاحظة لتراث أهل البيت (صلوات الله عليهم). وذلك إن دلّ على شيء فإنّما يدلّ على أهمّية إحياء أمرهم (صلوات الله عليهم) دينياً، بنحوٍ يناسب الثمرات المهمة له في صالح الدين...»[7]. كما أنّ سماحته قد أثرى هذا الجانب في نصوص أُخرى كثيرة يطول بنا المقام لو أردنا نقلها، وإنّما نوكل ذلك إلى متابعة القارئ الكريم[8].

نماذج من النصوص المشار إليها

إنّ الروايات التي أشار إليها سماحته في النص المتقدم كثيرة ووافرة، ولا يسعنا أن نستعرضها في مقالنا هذا؛ إلّا أننا نذكر نماذج من ذلك:

1ـ من النصوص الصادرة عنهم عليهم السلام في خصوص زيارة الإمام الحسين عليه السلام والثواب المترتب عليها، ما ورد في رواية مطولة عن الإمام أبي عبد الله عليه السلام، واصفاً ما ذكره الإمام الباقر عليه السلام، قال: «أتاه رجل فقال له: يا بن رسول الله، هل يزار والدك؟ قال: فقال: نعم، ويصلّى عنده، ويصلّى خلفه ولا يتقدم عليه. قال: فما لمن أتاه؟ قال: الجنة إن كان يأتم به. قال: فما لمن تركه رغبة عنه؟ قال: الحسرة يوم الحسرة. قال: فما لمن أقام عنده؟ قال: كل يوم بألف شهر. قال: فما للمنفق في خروجه إليه والمنفق عنده؟ قال: درهم بألف درهم. قال: فما لمن مات في سفره إليه؟ قال: تشيعه الملائكة وتأتيه بالحنوط والكسوة من الجنة وتصلّي عليه إذ كُفِّن، وتكفنه فوق أكفانه، وتفرش له الريحان تحته، وتدفع الأرض حتى تصور من بين يديه مسيرة ثلاثة أميال، ومن خلفه مثل ذلك، وعند رأسه مثل ذلك، وعند رجليه مثل ذلك، ويُفتح له باب من الجنة إلى قبره، ويدخل عليه روحها وريحانها حتى تقوم الساعة...»[9]. فهذه الرواية وغيرها من الروايات المختصة بمفردة زيارة الإمام الحسين عليه السلام والحضور عنده، تؤكد على عظيم الأجر الذي يحصل عليه زائر الإمام عليه السلام، هو المقصود في كلام سماحته.

2ـ وفيما يخص البكاء والثواب المترتب عليه، فبالإضافة إلى ما ذكرناه فيما تقدم نورد ما ذكره الإمام علي بن الحسين عليهما السلام بقوله: «أيما مؤمن دمعت عيناه لقتل الحسين ابن علي عليهما السلام دمعة حتى تسيل على خده، بوأه الله بها في الجنة غرفاً يسكنها أحقاباً...»[10].

3ـ وأمّا ما يتعلق بإنشاد الشعر في مصيبة الحسين عليه السلام، فقد ورد عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام أنه قال: «... مَن أنشد في الحسين عليه السلام شعراً فبكى وأبكى عشراً كُتبت له الجنة، ومَن أنشد في الحسين شعراً فبكى وأبكى خمسة كُتبت له الجنة، ومَن أنشد في الحسين شعراً فبكى وأبكى واحداً كتبت لهما الجنة...»[11].

فإلى هذه الروايات ونظائرها قد أشار سماحته في النص آنف الذكر.

ثانياً: رصد الحالات الخطيرة في الفعاليات المرتبطة بالشعائر الحسينية

يلمس القارئ الكريم الاهتمام البالغ من قبل سماحته بالمراسم الحسينية من خلال التنبيه على بعض المسائل المهمة، والتحذير من الأُمور التي قد توجب تفريغ تلك الشعائر الهادفة من محتواها وحرفها عن مسارها الحقيقي؛ ومن هذا المنطلق جاءت توصيته الأبوية لزوار الإمام الحسين عليه السلام بقوله: «أن تكون مسيرتكم وزيارتكم حسينية خالصة... ولا تخرجوا بها عن ذلك إلى ما هو أجنبي عنها؛ بحيث تكون مسرحاً لترويج الاتجاهات المختلفة، والشعارات المتضاربة، ويستغلها ذوو المصالح والأهواء؛ فإنّ ذلك يخرجها عن حقيقتها التي أرادها أئمتنا (صلوات الله عليهم) ويشوّه صورتها، بل قد يسير بها ذلك للتناحر والمصادمات التي قد تكون مبرراً لمنعها...»[12]. ولا شك في أنّ هذه التوصية وغيرها قد جعلت المؤمنين على يقظة وحذر كامليَن من الانجراف أو الانضواء تحت أيِّ خط أو تيار يشين بهذه الشعائر المقدسة.

وفي معرض تحذيره للأشخاص الذين يحاولون الإبداع والتجديد في بعض الطرق أو النشاطات المرتبطة بمراسم عاشوراء فإنّه يقول: «وإذا أراد بعض الأشخاص أن يبدع ويجدد فيما يتعلق بهذه النشاطات ـ كاختراع الأطوار في إنشاد الأشعار... ـ فعليه أن يجعل إبداعه وتجديده لخدمة هذا الهدف والتركيز عليه، ولا يكون همه الإبداع لأجل الفن... فضلاً عمّا إذا كان يُخل به، ويسير باتجاه اللهو والترف...»[13].

كأنّ سماحته في كلامه هذا أراد أن يحذّر من مسألةٍ غاية في الأهمية، وهي ما قد نشاهده أو نسمعه في الوقت الراهن من محاولات يراد منها حرف النشاطات الرثائية عن مسارها الحقيقي الذي حرص الأئمة عليهم السلام على سلامتها من التشويه، أو تمرير رغباتهم ومصالحهم الدنيوية والشخصية من خلالها.

وليس خافياً على القرّاء الأعزّاء ما لهذا الجانب الذي تمّ التأكيد عليه في هذه التوصية من دور أساسي؛ إذ يُلاحَظ تفاعل الجمهور الموالي لأهل البيت عليهم السلام بوضوح فيما لو كانت نوايا القائمين على هذه المراسم أو المنشدين أو الشعراء وغيرهم خالصة لوجهه تعالى، وعلى العكس تماماً في حال اطلاعهم على نوايا أُخرى مغايرة لما أراده أهل البيت عليهم السلام من أتباعهم وشيعتهم؛ فإنّها على أقل تقدير تكون سبباً ومبرراً في ابتعاد الناس عن تلك المراسم بالخصوص.

وأمّا في صدد ردِّه على تلك الصيحات الداعية إلى لزوم ترك بعض الفعاليات المشروعة؛ بذريعة التخوف والتحاشي من توجُّه النقد والتهريج ضد المذهب بسببها، فإنّ سماحته ردّ على ذلك قائلاً: «إنَّ تهيُّبَ نقد الآخرين والاهتمام بإرضائهم تجعل الإنسان ـ من حيث يشعر أو لا يشعر ـ يضخم التهريج والتشنيع، ويهولهما، ويحيطهما بهالة من الأوهام والمبالغات. ويتخيل كثيراً من ردود الفعل السيئة والسلبيات المترتبة عليها، من دون أن يكون لشيء من ذلك وجود على أرض الواقع، بل هي: (كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّىٰ إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّـهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّـهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ)[14]. ولنا في التجربة الحاضرة أعظم شاهد على ذلك؛ فإنّ انفتاح العالم على التشيّع وعلى هذه الممارسات في بلادنا بدأ بعد الحرب العالمية الأُولى، حيث ارتفع حاجز التقية نسبياً، وبدأ العالم يتصل بعضه ببعض، وأخذت هذه الممارسات الصارخة تظهر للآخرين. وقد بدأت سهام النقد والاستنكار لها في موجة (العلمانية الثقافية) التي حاولت اكتساح الدين عموماً، والاستهانة به وبممارساته كافة. وقد استشعر كثير ممّن ينتسب للدين بالضعف والوهن أمام ذلك. وحَسِبَ بعضهم أنّ هذه الممارسات هي سبب الحملة المذكورة، أو من أسبابها، فارتفعت أصواتهم باستنكارها باسم الإصلاح؛ أملاً في رضا الآخرين، وغفلة عن حقيقة الحال. لكنه لم يفلح في منعها بسبب إصرار الجماهير غير المحدود عليها. حتى إذا انحسرت تلك الموجة، واسترجع الدين موقعه في النفوس، وبدأ احترامه عالمياً، لم نسمع صيحات الاستنكار لهذه الممارسات إلّا من قِبَل أعداء أهل البيت(صلوات الله عليهم)، ومن بعض مَن هو مغرم بالتجديد والتطوير حباً له، أو حذراً من نقد الآخرين. ولذا؛ لم توجب هذه الممارسات تأخر التشيّع عالمياً في هذه المدة الطويلة، بل هو في تقدم مستمر رغم إغراق الجمهور الشيعي في الممارسات المذكورة وظهورها للعالم أجمع. وها نحن نرى أنّ اهتمام الإعلام العالمي هذه الأيام إنّما كان بتغطية ممارسات الشيعة في أنحاء المعمورة، في إحياء ذكرى فاجعة الطف وعرضها، وبيان تعاطف الآخرين معها. من دون أن يركز على نقد هذه الممارسات والتشنيع عليها من قِبَل أعداء أهل البيت عليهم السلام وخصوم شيعتهم، أو غيرهم، بنحوٍ يوحي بعزلة هؤلاء الناقدين والمهرجين، ويُشعر بخيبتهم»[15]. إلى غير ذلك من الموارد التي تصدى سماحته فيها للردّ على أنواع الهجمات التي تُشن ضد الشعائر الحسينية.

وحينما يطالع القارئ الكريم هذه الإفادة التي ذكرها سماحته تأنس نفسه وتطمئن لما أشار إليه من خلال التجربة في تلك الفترة الطويلة التي تصدى فيها علماؤنا الأعلام للحملات المختلفة ضد الدين بجميع أنحائه.

ثالثاً: الإشراف والرقابة المباشرة للشعائر الحسينية

يمكننا أن نعتبر ما ذكره سماحته في حديثه حول إخراج الفيلم الروائي الملحمي الذي يجسد واقعة الطف الدامية واحداً من المواقف التي مثلت لنا الحرص الشديد على تطوير مراسم العزاء الحسيني، مع عدم تجاوز الخطوط العامة التي رسمها لنا الشارع المقدس؛ إذ قال: «وبعد، فإنّا نقدّر لكم اهتماماتكم النبيلة ومساعيكم الجادة لخدمة أهل البيت عليهم السلام... ونود أن نُلفت انتباهكم إلى ما يلي:

 1ـ ينبغي الاهتمام بعدم إظهار الشخصيات القدسية كشخصية الإمام الحسين عليه السلام وبصورة محددة واضحة المعالم...

 2ـ تركيز مظلومية الحسين عليه السلام بتأكيد حقه أولاً، ثمّ التأكيد على عظيم ما نزل به وبعائلته...»[16]. كما أنّ سماحته أشار إلى ضرورة المحافظة على الطرق والوسائل التي اعتاد عليها أتباع مدرسة أهل البيت عليهم السلام للتعبير عن حزنهم على أبي عبد الله الحسين عليه السلام؛ إذ قال: «وقد يظن الظان أنّ تطور الأوضاع في العالم المعاصر يلزم بتطور وسائل الدعوة وتبدلها بما يتلاءم مع واقع العصر وينسجم معه. لكننا في الوقت الذي نحبّذ فيه إيجاد وسائل تناسب التطور المذكور نرى أنّ ذلك يجب أن يكون مصاحباً لهذه الشعائر بواقعها المعهود المألوف، لا بدلاً عنها؛ فإنّ هذه الشعائر حينما وُجِدَت في غابر الزمان وُجِدَت غريبة عن الواقع الذي قامت فيه حينئذ، وتعرّضت لأقسى أنواع المقاومة والتشنيع والتهريج، لكنها ثبتت وفرضت نفسها متحدية لذلك الواقع، وأدّت وظيفتها على أفضل وجوهها وأكملها، وكما لم تمنعها غرابتها من ذلك فيما مضى فهي لا تمنعها منه في الوقت الحاضر...»[17]. فهذه الرقابة والإشراف من قِبل سماحته تجعل الشعائر الحسينية في حماية وتبعدها من تدنيس يد المغرضين والأعداء.

وقد سعى سماحته إلى الرقي بالجانب الإعلامي للشعائر الحسينية؛ من خلال الإشارة إلى ضرورة الفعاليات التي تُلفت أنظار الآخرين بقوله: «إنّ للممارسات الصارخة التي تُلفت الأنظار، والتي يقوم بها كثير من جمهور الشيعة وعامتهم، ويتحملون عناءها وجهدها، أعظم الأثر في إحياء فاجعة الطف وانتشارها على الصعيد العام؛ لأنّها الأحرى بإظهار عواطف الجمهور نحو الفاجعة، وتفاعلهم بها، وتجذرها في أعماقهم، واستنكارهم للظلم الذي تعرض له الإمام الحسين وأهل البيت (صلوات الله عليهم) عموماً، كما تعرّض له شيعتهم تبعاً لهم على امتداد التاريخ. كما أنّ هذه الممارسات هي الأحرى بإلفات نظر الآخرين وتنبيههم للحدث، وحملهم على السؤال والاستفسار عن حقيقته، والتعرّف على خصوصياته وتفاصيله، ثمّ التجاوب مع الشيعة واحترام شعورهم، والتفاعل معهم أو مشاركتهم في آخر الأمر. بل الدخول في حوزتهم والانتماء لخطهم في ظل ولاية أهل البيت (صلوات الله عليهم). وها نحن نرى هذه الأيام أثر هذه الممارسات في إلفات نظر العالم وتوجيه وسائل الإعلام المختلفة نحو الفاجعة في مواسمها المشهودة. وذلك يفسّر ما سبق في حديث معاوية بن وهب من دعاء الإمام الصادق عليه السلام لزوّار الإمام الحسين (صلوات الله عليه)، وقوله: (اللهمّ، إنّ أعداءنا عابوا عليهم بخروجهم، فلم ينههم ذلك عن الشخوص إلينا؛ خلافاً منهم على مَن خالفنا. فارحم تلك الوجوه التي غيّرتها الشمس، وارحم تلك الخدود التي تتقلب على حضرة أبي عبد الله عليه السلام، وارحم تلك الأعين التي جرت دموعها رحمةً لنا، وارحم تلك الصرخة التي كانت لنا...)»[18].

إنّ القارئ الكريم حينما يتابع في قراءته لهذه التوصيات القيمة، يرى أنّ سماحته في الوقت الذي يدعم فيه القائمين على مراسم العزاء الحسيني يدفع عنهم الشبهات والإشكالات التي تُوجَّه إليهم من قِبل المنتقدين المغرضين؛ ومن هذا المنطلق أجاب عن الشبهة القائلة: بأنّ الترويج للنصوص الدينية المؤكدة على ثبوت الأجر والثواب للمشاركين في مراسم العزاء الحسيني والفعاليات الشعائرية إنّما تسبب في تمييع المجتمع الديني وتحميله على ارتكاب المحرّمات وعدم التورع عنها، فقال: «... ربّما حامت الشبه أو الوساوس حول ذلك في محاولة استبعاده ـ رغم استفاضة النصوص به، كما تقدم ـ لدعوى أنّ في ذلك فسح الطريق للقائمين بممارسات الإحياء لأن يقارفوا المعاصي، ويأمنوا عقابها ومغبتها نتيجة ممارساتهم المذكورة. بل قد يبلغ حدّ التشجيع عليها، بلحاظ ما هو المعلوم من كون كثير من المعاصي مرغوباً نفسياً رغبة ملحّة، نتيجة الشهوة العارمة، والغرائز المتوثبة، فالتنبيه على غفرانها بهذه الممارسات يؤول إلى التشجيع عليها»[19].

ومن الملاحظ أنّ الإجابة في هذا المورد جاءت متنوعة ومقسمة على أقسام، فقد جاء جوابه أولاً بطريقة نقضية على حد التعبير السائد بين العلماء، فقال: «لكن من الظاهر أنّ ذلك لا يختص بإحياء مناسبات أهل البيت (صلوات الله عليهم) وجميع ما يتعلق بهم، بل ورد في غيرها أيضاً. قال الله عز وجل: (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَٰلِكَ ذِكْرَىٰ لِلذَّاكِرِينَ)[20]. وفي صحيح معاوية ابن عمار، عن أبي عبد الله عليه السلام: قال: قال رسول الله عليها السلام: الحج والعمرة ينفيان الفقر والذنوب، كما ينفي الكير خبث الحديد[21]... إلى غير ذلك من النصوص الكثيرة جداً الواردة في الصلاة والحج وغيرهما»[22].

ثمّ شرع سماحته بالاستدلال الذي يعالج المسألة ويدفع الإشكالية في جميع الموارد التي ذُكرت آنفاً، فقال: «ومجرّد الوعد أو القطع بغفران الذنوب لا يقتضي التأمين منها المستلزم للتشجيع عليها، بل هو ـ نظير الحثّ على التوبة والوعد بغفران الذنوب معها ـ من أسباب صلاح الإنسان؛ لأنّ شعوره بالتخلص من تبعة الذنوب والتخفف منها، وبشرف علاقته بالله عز وجل، وقبوله تعالى له، ودخوله في حظيرة طاعته سبحانه، وكونه مورداً لفيضه وثوابه، واستشعاره لذة ذلك، وانشراح صدره به، كل ذلك يكون محفزاً له على المزيد، حتى قد ينتهي بصلاحه وتهذيب نفسه وبُعده عن التمرد والعصيان. وكلما كان الحثّ من الشارع الأقدس على العمل القربي أشد، والثواب عليه أكثر، كشف عن أهمّيته وشدّة قرب القائم به والمؤدي له عند الله تعالى، وكان أحرى بإصلاح الإنسان، وحمله على طاعة الله عز وجل، وإبعاده عن معصيته. ولا سيما إذا كان العمل بنفسه مدرسة تربوية، تهذب الإنسان وتذكره بالله تعالى، كالصلاة بأفعالها وأذكارها، والحج بمناسكه ومشاعره، وإحياء أمر أهل البيت (صلوات الله عليهم) وما يتعلق بهم، ممّا يوجب الانشداد لهم وتأكد حبهم والتعلق بهم، والتعرّف على تعاليمهم وسلوكهم؛ حيث يوجب القبول منهم والتفاعل بسيرتهم وتعاليمهم. ولذا؛ لم نعهد مؤمناً ملتزماً في نفسه قد تحلل وقارف المعاصي، نتيجة توفيقه لمثل الصلاة والحج وإحياء مناسبات أهل البيت عليهم السلام؛ اتكالاً على عظيم الثواب عليها وتكفيرها للذنوب. بينما نعهد الكثير من غير الملتزمين قد صار توفيقهم لشيء من هذه الأُمور محفزاً لهم على الالتزام الديني تدريجاً، وسبباً لصلاحهم وتهذيبهم...»[23].

لقد اقتضت طبيعة الشبهة في هذا النص أن يكون الرد عليها مطوّلاً ومفصّلاً، وقد نقلناه بتمامه لما يحتوي عليه من فوائد كثيرة ومهمة تثري القارئ الكريم بمعلومات قيمة حول هذه الإشكالية وجوابها.

خلاصة هذا الجانب

نستخلص من جميع ما تقدم: أنّ المرجعية الدينية في الوقت الذي تؤسس وتستدل لمشروعية الشعائر الحسينية، وفي الوقت الذي تشجع على التطوير والإبداع في الفعاليات والطرق المعبرة عن الحزن على أبي عبد الله الحسين عليه السلام، نجد أنّها ترصد الحالات التي من شأنها أن تقف أمام انتشار الشعائر الحسينية ووصولها إلى المجتمعات الأُخرى؛ فتسعى لإصلاح ما يتحتم إصلاحه، كما أنّها تتصدى لجميع ما يداهم تلك الشعائر من هجمات ومخاطر وشبهات يوجهها أعداء الدين وأعداء أهل البيت، فترد على ذلك بأجوبة علمية ودقيقة.

الجانب الثاني: السعي إلى ترشيد وتطوير الخطباء والمبلغين

بما أنّ الخطباء والمرشدين لهم دور أساس ومحوري في إيصال العلوم الدينية إلى الشريحة العامة في المجتمع الديني، مضافاً إلى أنّهم اللسان الناطق والمبعوث الديني عن الحوزة العلمية إلى تلك المجتمعات، فمن اللازم والضروري أن تكون هناك رقابة ومتابعة حثيثة من قِبل المرجعية الدينية القائمة على المذهب الحق؛ ولذا فقد وجَّه سماحته مجموعة من التوصيات والإرشادات وأجوبة بعض المسائل المهمة التي تُسهم في رُقي مستوى الخطباء والمبلّغين في رسالة مستقلة تحت عنوان (رسالة أبوية ومسائل تهم طلبة الحوزة والمبلّغين)؛ مضافاً إلى ما تضمنته بقية نتاجاته القيمة، وقد تمثل اهتمام سماحته وتوصياته في أُمور:

الأمر الأول: الاهتمام بالجنبة العلمية للمبلّغ وضرورة الاستدلال بالكتاب والسنَّة الشريفة

لقد أشار سماحته في هذه النقطة إلى مسألة في غاية الأهمية، وهي ضرورة اعتماد المتكلم على أدلة وبراهين واضحة ومقنعة للسامعين؛ مؤكداً على لزوم أخذ ذلك كله من الكتاب المجيد والأحاديث الواردة عن النبي عليها السلام وأهل بيته عليهم السلام؛ لكون ذلك أوقع في نفوس المتلقين؛ فقد أكد سماحته على ضرورة: «محاولة ربط المعلومة التي يلقيها المبلّغ والخطيب... بما ورد في الكتاب المجيد وأحاديث النبي وأهل بيته (صلوات الله عليهم)؛ ليشعر السامع بأنّه قد أخذها من الأُصول الأصيلة، والمنابع الصافية...»[24].

يُعد الاهتمام بهذه المسألة بالنسبة إلى المبلغ والمرشد الديني أمراً لا بدّ منه؛ لكي يتمكن من إقناع المستمعين بما يقول، بل لم يُستثنَ من ذلك حتى النبي الأكرم عليها السلام في مهمة أداء الرسالة وتبليغها؛ فلأجل هداية المجتمع البشري وجذبه إلى الدين الحنيف نرى أنّ الخطاب قد توجه إليه من الله عز وجل بقوله: (ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ)[25]. فلكي يكون الكلام مؤثراً في نفوس السامعين يتحتم على المتكلم أن يراعي الأُسس العلمية، ويعظ الناس بالطرق والأساليب التي أوصى بها أهل البيت عليهم السلام؛ كما ورد عن الإمام الرضا عليه السلام في قوله: «يتعلم علومنا ويعلمها الناس؛ فإنّ الناس لو علموا محاسن كلامنا لاتبعونا. علِّموا الناس محاسن كلامنا»[26]، فإلى هذه النصوص وأمثالها يشير سماحته في هذه التوصية.

الأمر الثاني: مراعاة المتطلبات الواقعية للمجتمع واغتنام الفرصة المؤاتية لهداية المجتمع

إنّ مراعاة مقتضى الحال واختيار الكلام الذي يتناسب مع الظروف والمتطلبات الضرورية للمجتمع من الأُمور الأساسية في تفاعل الجمهور مع المتكلم وانشدادهم إلى حديثه؛ ولذا ذكر سماحته في هذا الصدد قائلاً: «ونود أن نلفت نظر الخطباء (وفقهم الله تعالى) إلى أنّ الشيعة (رفع الله شأنهم) يملكون ببركة أهل البيت عليهم السلام وتوجيهاتهم قدرة على التجمع التثقيفي في مناسباتهم لا يملكها غيرهم، وهم يبذلون في سبيل ذلك طاقات بدنية ومالية هائلة؛ فاللازم أن يخرجوا بفائدة تثقيفية دينية معتدٍّ بها، وليس من الإنصاف أن تكون نتيجة هذه التجمعات خطابات شكلية غير مثمرة، وتذهب الجهود ضياعاً»[27]. كما أنّه ورد التأكيد من قبل سماحته على تعليم الأحكام الشرعية، والوعظ والتذكير بالله عز وجل والحثّ على ما يوجب القرب منه، وغير ذلك من الأُمور المهمة[28].

ويعالج النص آنف الذكر حالة ظهرت على بعض الخطباء والمبلّغين الذين يعتمدون الأُسلوب السردي للتاريخ والسيرة فقط، من دون التأكيد على أخذ العبر والمواعظ منها، متغافلين متطلبات المجتمع، ومتجاهلين الحاجة التي يفرضها الواقع المعاصر.

الأمر الثالث: التركيز على الجانب العقائدي

بما أنّ للجانب العقائدي أهمّية قصوى في حياة المكلّفين؛ لما له من تأثير على تمسكهم بتعاليم الدين وأحكامه؛ نجد الحضور الواسع والمكثف للنصوص المرشدة والمؤكدة على لزوم تحصُّن المكلّف بعقائد سليمة مستندة إلى الأدلة الواضحة، وبما أنّ الوقوف على المسائل العقائدية من مصادرها المدوّنة والمخصصة لهذا المجال ليس متيسراً لجميع المكلّفين؛ لاختلاف طبقاتهم وظروفهم، فإنّ كثيراً من الناس يعتمدون في ذلك على شرح وتوضيح العلماء والمبلّغين بأساليب مبسّطة ومفهومة؛ ولذا فقد لمس سماحته ضرورة التأكيد على هذا الجانب في خطب وكلام المبلّغين والمرشدين، فقال: «... أن يركزوا على الجانب العقائدي، ولا سيما ما يتعلق برفعة مقام أهل البيت (صلوات الله عليهم) عند الله... فإنّ لذلك أعظم الأثر في شد الناس بعقولهم وقلوبهم وعواطفهم نحو أهل البيت عليهم السلام...»[29].

لقد جاءت هذه التوصية من منطلق الروايات الواردة عن الأئمة عليهم السلام المؤكدة على ضرورة التركيز على هذا الجانب، كما ورد عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال: «رحم الله عبداً حببنا إلى الناس ولم يبغضنا إليهم، أما والله، لو يروون محاسن كلامنا لكانوا به أعزّ وما استطاع أحد أن يتعلّق عليهم بشيء...»[30].

الأمر الرابع: التأكيد على ضرورة توظيف الجانب العاطفي إلى جانب الإرشاد والوعظ

لقد أكد سماحته على ضرورة توظيف الجانب العاطفي الذي يتفاعل معه المجتمع الموالي تجاه ما جرى على أهل البيت عليهم السلام؛ لغرض هداية المجتمع وشده إلى الدين الحنيف؛ «لأنّ لذلك أعظم الأثر في شد الناس نحو أهل البيت (صلوات الله عليهم)، وتنفرهم من أعدائهم، وقد أكد على ذلك أئمتنا (صلوات الله عليهم) قولاً وعملاً بوجهٍ مذهل...»[31].

إنّ الأُسلوب الذي أكد سماحته على أهمّيته في الخطاب الديني نرى جذوره بوضوح في أفعال الأئمة عليهم السلام وأقوالهم؛ فقد ركزوا على ذلك في نصوص كثيرة، ومن ذلك الزيارات المختصة بالإمام الحسين عليه السلام؛ إذ ورد في بعضها: «أشهد أنّ دمك سكن في الخلد، واقشعرت له أظلة العرش، وبكى له جميع الخلائق، وبكت له السماوات السبع والأرضون السبع، وما فيهن، وما بينهن...» [32].

إلى غير ذلك من الأُمور التي أكد عليها سماحته في هذا الجانب، إلّا أنّ المقام يطول بنا عند نقله.

خلاصة هذا الجانب

نستفيد ممّا مرّ علينا في النقاط المتقدمة: أنّ لتوصيات وإرشادات سماحته دوراً كبيراً في بناء شخصية المبلّغ والخطيب من الجهة العلمية، وإصلاح بعض الجوانب المهمة في خطبه ومحاضراته التي يلقيها على مسامع الجمهور المواسي لأهل البيت عليهم السلام؛ مؤكداً على ضرورة اهتمام الخطيب بتلك الركائز الأساسية التي تعينه على النفوذ إلى قلوب السامعين.

الجانب الثالث: الاهتمام بالقاعدة الجماهيرية المشاركة في إقامة الشعائر الحسينية

بما أنّ للشريحة العامة والمجتمع الموالي والمحب لأهل البيت عليهم السلام دوراً كبيراً في حفظ شعائر أبي عبد الله الحسين عليه السلام وإيصالها إلى أجيالنا المعاصرة محفوظة من التلاعب والتزييف، نرى الاهتمام البالغ من قِبل علمائنا تبعاً لأئمتهم عليهم السلام بأُولئك الذين تفاعلوا مع هذه الشعائر والمصائب المؤلمة، ومن أوضح نماذج ذلك ما أوصى به سماحة المرجع الكبير السيد محمد سعيد الحكيم (دام ظله الوارف) في مؤلفاته الكثيرة، والتي حوت على توصيات ونصائح وإرشادات قيمة تزيد في قوَّة عُرى التواصل والتلاحم بين أبناء مذهب أهل البيت عليهم السلام إن لم نقل: بين المسلمين عامة، ومن أوضح صور ذلك:

التوصية الأُولى: التأكيد على قبول الآخر واحترام عاداته وتقاليده

لقد سعى سماحته جاهداً وبكل جدية للرفع من مستوى المجتمع ووعيه الديني والثقافي، وإصلاح بعض جوانبه التي تؤدي إلى التشتّت والتفرّق؛ ليصنع من ذلك مجتمعاً متماسكاً ومتآخياً متقبلاً للآخر وفكره، فدعا إلى احترام الآخرين وعدم التجاوز على الممارسات التي اعتادوا عليها، وإن لم تكن مألوفة لدى عامة المجتمعات الأُخرى، ما لم تتنافَ مع الشريعة المقدسة؛ بحيث يوصي كل فرد من أفراد المجتمع بالتحلي بالسماح وتقبل الآخرين؛ فقد ذكر في هذا الصدد قائلاً: «إنّ الناس تختلف في مظاهر تعبيرها عن عواطفها نحو الأحداث المتعلقة بأهل البيت (صلوات الله عليهم) ومناسبات أفراحهم وأحزانهم، فلكل فئة من الناس مظهر وطريقة في التعبير، تتناسب مع مداركها وأحاسيسها وبيئاتها وخصوصياتها المزاجية. ولو حُملت على طريقة أُخرى لم تتأثر بها، أو لم تتفاعل معها كتفاعلها مع ما تألفه؛ فاللازم أن تُترك لكل فئة الحرية في أن تختار لنفسها الطريقة التي تناسبها في التعبير عن شعورها وعواطفها، ما لم يتجاوز الحدّ المشروع؛ إذ لو حُرمت منها، وحُملت على طريقة أُخرى، لم تتجاوب معها أو لم تتفاعل بها ذلك التفاعل، وخبت جذوة العاطفة فيها تدريجاً بمرور الزمن، وخسرنا طاقاتها في إبراز شعورها وعاطفتها نحو الحدث»[33].

يحظى هذا الموضوع آنف الذكر بأهمية بالغة؛ إذ إننا في هذا الظرف الراهن بأمسّ الحاجة إلى الالتزام بهذه التوصية والأخذ بها في التعايش بين أبناء الطائفة الواحدة، فضلاً عن ضرورة ذلك في تعايشنا مع الفرق والمذاهب والقوميات الأُخرى بصورة عامة، ومن أوضح الثمار التي احتوت عليها هي:

أولاً: الارتقاء بوعي المجتمع المسلم

لا شك في أهمّية هذه التوصية القيمة وضرورتها؛ لوقوفها أمام الفتن المحتملة الوقوع بين أبناء الأُمة الواحدة، فضلاً عن الأُمم المتعددة؛ فعلى سبيل المثال: لو طبقنا هذه التوصية في نظرتنا إلى ما يقوم به بعض أتباع أهل البيت عليهم السلام من ممارسات فلوكلورية ومراسم عزائية معبّرة عن حزنهم وجزعهم على سيد الشهداء عليه السلام، والتي قد لا تتلاءم مع طبائعنا ولا تنسجم مع رغباتنا، فسوف نوزنها بميزان الشريعة والدين ونحاكمها على هذا الأساس، فإن كانت مستندة إلى فتوى فقيه جامع للشرائط لا يبقى لنا مجال لإنكار ذلك عليهم.

ثانياً: القضاء على الفتن المترتبة على اختلاف وجهات النظر

لقد عانى المسلمون وفي مختلف العصور والأزمنة من فتن واقتتال بين المجتمع الواحد الذي تجمعه مشتركات عقدية ودينية كثيرة؛ نتيجة لما يقوم به بعض المحرضين من أدعياء الدين والإسلام، وقد أدّى ذلك إلى وقوع مجازر دموية مخجلة في تاريخ المسلمين، راح ضحيتها جمع غفير من المسلمين المغرر ببعضهم فيما كان البعض الآخر قد أُلجئ إلى القتال دفاعاً عن نفسه[34]، وقد جاءت توصيات المرجعية الدينية ضمن المبادرات الإصلاحية التي ارتفعت للوقوف أمام هذه الفتن وللحد منها.

ثالثاً: التعاضد والتكاتف بين المسلمين

يجعل من مجتمعنا مجتمعاً متعاوناً ومتكاتفاً بحسب القواسم المشتركة التي تجمعنا؛ فلو أنّ مَن لا يعتقد بمراسم خاصة أو بمشروعيتها وفقاً لفتوى مقلده والمجتهد الذي يسير على فتواه، نظر إلى الآخر الذي يرى مشروعية تلك المراسم وفقاً لما جاء في التوصية المتقدمة، لما عاب عليهم فعلهم، بل قد يتحتم عليه حينئذ أن يمد يد العون لهم بما لا يتنافى مع تكليفه ووظيفته الشرعية.

التوصية الثانية: بيان وظيفة المكلّفين عند اختلاف وجهات النظر

من الطبيعي جداً أن يختلف بعضنا مع بعض، سواء أكان ذلك في الآراء والمعتقدات، أم في القرارات العملية والممارسات العبادية، ولعل مسألة اختلاف وجهات النظر من المسائل المتسالم عليها بين الجميع، ولا ينكره إلّا المكابر؛ إذ إننا نشاهد ظاهرة الاختلاف بين الحين والآخر، لطبيعة البشر التي تقتضي التفاوت في الإدراك، ولا يُعد ذلك معيباً أو خطأً في الفكر البشري، بل قد يُعتبر ذلك حالة إيجابية تُسهم في تطور المجال الذي اختُلف فيه؛ نتيجة البحث والتدقيق والتنظير الذي يقوم به أصحاب المتبنيات، وإنّما المعيب في ذلك أن يؤدي الاختلاف في وجهات النظر والانشطار في الرأي إلى مقاطعة بعضنا لبعض أو التجاوز والتعدي على شخصية الآخرين، ومن المؤسف أنّ الذي يحصل غالباً بين أصحاب الآراء المختلفة هو التشنجات والتجاوز وغيرهما؛ ولذا جاء التأكيد من قِبل المرجعية الدينية على هذا الأمر، في توصية تضمنت مطالب مهمة تُسهم في معالجة هذه المشكلة وبطريقة جذرية، وهذه المطالب هي كالتالي:

1ـ التنبيه على أنّ الاختلاف في وجهات النظر حول الممارسات الشعائرية إنمّا يكون ناتجاً طبيعياً للاختلاف في الحكم الشرعي؛ فقد يتوصل المجتهد إلى مشروعية واستحباب فعلٍ ما، تبعاً للأدلة التي توصَّل إليها في بحثه حول المسألة، وفي الوقت نفسه يحكم مجتهد آخر بحرمة ذلك الفعل؛ لعدم تمامية الدليل على مشروعيته، أو أنّ الدليل تام في نظره بالحكم الأوَّلي، ولكن لاعتبارات أُخرى اعتقدها في هذا الفعل جعله يحكم عليه بالحرمة بالحكم الثانوي؛ وبطبيعة الحال فإنّ المكلّفين الذين قلدوا المجتهد الأول سوف يتبعونه في رأيه، فيما يتبع البعض الآخر المجتهد القائل بالحرمة؛ فيتجسد ذلك الاختلاف على أرض الواقع، ويبرز بوضوح للعيان، إلّا أنّ ذلك لا يكون مدعاة للنزاع والمشاحنات بين كلا القسمين، ما دام كلاهما قد اعتمد على حجة شرعية في نظره؛ وإلى هذا الأمر أشار سماحته بقوله: «قد تختلف وجهات النظر حول بعض الممارسات؛ إمّا للاختلاف في الحكم الشرعي اجتهاداً أو تقليداً، أو للاختلاف في حصول ما يؤكد رجحانها ويقتضي التشبّث بها، أو يوجب مرجوحيتها، ويقتضي الإعراض عنها من العناوين الثانوية...»[35]، وليس خافياً على أحد بأنّ إدراك هذه المسألة التي نبَّه عليها سماحته تساعد في تجاوز الكثير من الأزمات في الظرف الراهن؛ إذ أغلب المشاحنات والفتن إنّما يكون منشأها هو عدم الالتفات إلى أسباب ومبررات الاختلاف في وجهات النظر.

2ـ بعد أن قام سماحته ببيان أسباب الاختلاف في الآراء انتقل إلى مرحلة بيان الوظيفة الشرعية للمكلّف الذي يُبتَلى بمورد كهذا، فقال: «...واللازم حينئذ على كل طرف من أطراف الخلاف الاقتصار على بيان وجهة نظره، أو محاولة الإقناع به بالتي هي أحسن، كما حثّ الشارع على ذلك في سائر موارد الخلاف...»[36]. ومن الواضح والمسلّم أنّ هذه الحلول قد أُخذت من الثوابت الإسلامية في الحوار، ومن الأساليب الرئيسية في هداية الآخرين؛ فقد توجَّه الخطاب الإلهي إلى النبي عليها السلام بذلك كما في قوله تعالى: (ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ)[37]، كما أننا ذكرنا بعض النصوص المشابهة لهذه الآية في حديثنا حول التوصية المرتبطة بالجنبة العلمية للمبلّغ أيضاً.

3ـ وبعد أن أوضح سماحته الوظيفة اللازمة على كلا الطرفين المختلفين، حذّر من النتائج الوخيمة المترتبة على حدوث المشاحنات والتهريج؛ فقال: «...ولا ينبغي تجاوز ذلك إلى إرغام الغير على تقبُّل وجهة نظره، أو الصراع الحاد والتشنجات، أو التهريج والتشنيع والتوهين... إلى غير ذلك ممّا يؤدي إلى انشقاق الطائفة على نفسها، وتمزيق وحدتها، ووهنها أمام الآخرين، وشماتة الأعداء بها...»[38]. وهذا ما نلمسه واضحاً في الحالات التي يكون الاختلاف مؤدياً إلى المهاترات والتسقيط والتعدي على الآخرين.

التوصية الثالثة: ضرورة إشراك الجميع في المراسم والطقوس الدينية

حينما يستشعر المرء بأنّ له فاعلية ودوراً في نشاط ما، فإنّ ذلك يجره إلى الإحساس بالتبني والاعتقاد بذلك النشاط ويتولد لديه بشكل طبيعي حب وتفانٍ فيه أيضاً؛ ممّا يجعله مستعداً للتضحية من أجله وفي سبيله؛ ولذا فإنّ الإسلام لم يغفل هذا الجانب في مشاعر الإنسان، إذ جاء ليغرس في المجتمع مبدأ «كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته...»[39]، كما أنّ قوله تعالى: (قُلْ هَـٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّـهِ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي)[40]، يفيد هذا المعنى أيضاً، ولقد أشار سماحته إلى ذلك تحت عنوان (أهمّية السواد الأعظم في حمل الدعوة والحفاظ عليها)، داعياً من خلال ذلك إلى ضرورة مساهمة جميع المؤمنين في إحياء المراسم العزائية؛ لأسباب ذكر بعضاً منها في كلامه، حيث قال: «كما أنّ الأحداث والتجارب من أعماق التاريخ حتى يومنا الحاضر قد أثبتت أنّ الذين يحملون لواء دعوة الحق وعناءها، ويستطيعون الاستمرار بها ـ عبر المعوقات والمشاكل والمتاعب والمخاطر ـ هم جمهور المؤمنين وكثرتهم الكاثرة، وسوادهم الأعظم؛ حيث إنّهم ـ بسبب كثرتهم ـ لا يسهل القضاء عليهم من قِبَل أعداء تلك الدعوة، ولا تجميد فعالياتهم وإيقاف مدّهم، ولا يتيسّر تبديل مفاهيمهم بالإغراء والتضليل»[41]. وقال أيضاً: «ونتيجة لما سبق؛ يجب تمكين جمهور الناس والسواد الأعظم من الطريقة التي يختارونها في التعبير عن شعورهم في المناسبات الدينية المختلفة، بل تشجيعهم على ذلك بمختلف الوسائل؛ لتتجذر في أعماقهم، وتنتشر بينهم، من أجل أن يؤدوا دورهم الرسالي على أرض الواقع باستمرار وإصرار...»[42].

وليس خافياً على أحد ما لهذه التوصية التي أفاد بها سماحته من نتائج وثمار مهمة وكثيرة، وقد تضمن الذي نقلناه عن سماحته بعضاً من ذلك.

التوصية الرابعة: التأكيد على ضرورة إقامة الشعائر الحسينية ولو بالجهد الفردي

حثّ الأئمة عليهم السلام أتباعهم وشيعتهم على تبني إقامة المراسم الحسينية، وقد تقدم الحديث عن الروايات الآمرة بإحياء الشعائر الحسينية والمشجّعة على ذلك بنيل الثواب الجزيل، كما أنّ قسماً كبيراً من النصوص الواردة عنهم عليهم السلام جاءت لتؤكد على ضرورة إحياء هذه الشعيرة مهما كانت الظروف والمتغيرات، غاية ما في الأمر أنّ هناك طرقاً وأساليب يعتمدها مَن لم تسمح له ظروفه القاسية بإظهار تفاعله أمام الملأ، قد تلاقاها أتباع أهل البيت من أئمتهم عليهم السلام، وقد أشرنا إلى ذلك في محله[43]؛ وقد جاء ذلك التأكيد حرصاً من الأئمة عليهم السلام على أن تحفظ الشعائر الحسينية في الأجيال، وقد أشار المرجع الكبير سماحة السيد الحكيم (دام ظله الوارف) إلى ذلك بقوله: «من الظاهر أنّ الداعي لإحياء هذه المناسبات الشريفة هو الحب والولاء لأهل البيت (صلوات الله عليهم) الذي ينبض به قلب المؤمن، ويصرخ في أعماق نفسه... ونتيجة لذلك كله يندفع المؤمن لإبراز شعوره على أرض الواقع بدافعه الشخصي النابع من قلبه، بما يتيسّر له من وسائل التعبير عن هذا الشعور، من دون أن يتوقف على أمر آخر، من تجمع أو تنظيم أو قدرات خاصة... إلى غير ذلك مما قد لا يتيسّر لبعض الناس أو في بعض الأوقات أو الأحوال... وهذا من أهم أسباب استمرار شيعة أهل البيت (رفع الله تعالى شأنهم) في إحياء مناسباتهم الشريفة، وعدم انقطاعهم عنها رغم المعوقات الكثيرة والصراع المرير؛ لأنّ التجمع والقيود والرتابة وغيرها كثيراً ما لا تتيسّر للفرد وللمجتمع، فلو كان ذلك عائقاً عن إحيائها لتركوه في فترة تعذر هذه الأُمور. وبتركهم له تخبو جذوة العاطفة نحو الحدث، ويُنسى تدريجاً. ويحتاج تذكيرهم به وإرجاعهم إلى ما كانوا عليه إلى جهود مكثفة، قد لا تتيسّر، بل قد لا تُثمر، بخلاف ما إذا شعر كل فرد منهم بأنّه يستطيع الاستمرار في إحياء المناسبات المذكورة ولو لوحده، وبما يتيسّر له وإن قلّ؛ فإنّ ذلك موجب لاستمراره في التفاعل بالمناسبة وفي إحيائها، وفي نقمته وتنمره من الضغوط الخانقة والعوائق المانعة من تكثف الإحياء وتوسعه... فاللازم بالدرجة الأُولى الاهتمام بالجهد الفردي مهما تيسر، والحفاظ عليه والتشبّث به وعدم الاستهانة به مهما قلّ، ثمّ الاهتمام بتكثيفه وتوسعه كمّاً وكيفاً مهما أمكن؛ تبعاً لاختلاف الظروف والأحوال، والله عزّ وجلّ وراء ذلك، وهو المسبّب للأسباب والميسّر لها. وإليه يرجع الأمر كله»[44].

ومن بين ما ذكره سماحته رواية وردت عن الإمام الصادق عليه السلام، تدل على ضرورة هذه المسألة وتشجيع أهل البيت عليهم السلام عليها، فقال: «وكل جهد في ذلك ـ مهما قلّ ـ مقبول إن شاء الله تعالى، بعد شرف الغاية وسموها، وعظيم الثمرة وبركتها. وفي حديث مسمع كردين، عن الإمام الصادق عليه السلام قال: قال لي أبو عبد الله عليه السلام: يا مسمع، أنت من أهل العراق، أما تأتي قبر الحسين عليه السلام؟ قلت: لا، أنا رجل مشهور عند أهل البصرة، وعندنا مَن يتبع هوى هذا الخليفة، وعدوّنا كثير [وأعداؤنا كثيرة] من أهل القبائل من النصاب وغيرهم، ولست آمنهم أن يرفعوا حالي عند ولد سليمان؛ فيمثلون بي [فيميلون عليّ]. قال لي: أفما تذكر ما صُنع به؟ قلت: نعم. قال: فتجزع؟ قلت: إي والله، وأستعبر لذلك، حتى يرى أهلي أثر ذلك عليّ، فأمتنع من الطعام، حتى يستبين ذلك في وجهي. قال: رحم الله دمعتك! أما إنّك من الذين يُعدون من أهل الجزع لنا، والذين يفرحون لفرحنا، ويحزنون لحزننا، ويخافون لخوفنا، ويأمنون إذا أمنا. أما إنّك سترى عند موتك حضور آبائي لك، ووصيتهم ملك الموت بك. وما يلقونك به من البشارة أفضل. وملك الموت أرق عليك وأشدّ رحمة لك من الأُم الشفيقة على ولدها»[45]. ولا يناقش في وضوح دلالة هذه الرواية التي نقلها سماحته على أهمّية الجهد الفردي وتأثيره على ديمومة المراسم الحسينية؛ إذ إنّ فعل الراوي أمام الأهل والعيال يبعث إلى التساؤل عن السبب، ويجعل مصيبة الحسين عليه السلام راسخة في أذهانهم.

وفي نهاية المطاف نود الإشارة إلى أنّ هناك أموراً مهمة وقيمة أوصى بها سماحته، إلّا أنّه يطول بنا المقام عند ذكرها. ومَن أراد الاستفادة منها فليرجع إلى مضانها.

نتائج  وخلاصة البحث

بعد قراءة متأنية في التوصيات والإرشادات التي تضمنها النتاج القيم للمرجعية الدينية فيما يرتبط بمسألة الشعائر الحسينية وجوانبها المهمة، توصلنا إلى النتائج  التالية، ومن أهمها:

1ـ إنّ الرقابة والإشراف المباشريَن من قبل المرجعية الدينية وتحت رعاية الإمام المعصوم عليه السلام يعتبر من مميزات مدرسة أهل البيت عليهم السلام.

2ـ إنّ المرجعية الدينية قد تنحصر بشخص واحد معين في زمن من الأزمنة، كما أنّها قد يتعدد مَن يتصف بها مع حفظ مقام ومرتبة الصدارة لأحد منهم، ولذلك أمثلة كثيرة ومنها ما نراه في عصرنا الحاضر.

3ـ إنّ التراث والنتاج العلمي الذي كتبه المرجع الكبير السيد محمد سعيد الطباطبائي الحكيم (دام ظله الوارف) كثير وقيم، فقد أغنى الساحة الدينية، كما استطاع أن يعالج كثيراً من القضايا المهمة، ومن ضمن ذلك ما يرتبط بالنهضة الحسينية والمراسم المعبّرة عن الحزن على سيد الشهداء عليه السلام.

4ـ سلّط سماحته الأضواء على جوانب ثلاثة ترتبط بالشعائر الحسينية والفعاليات المرتبطة بها، وهذه الجوانب هي:

أ) الإشراف والمراقبة على الفعاليات المرتبطة بالشعائر الحسينية؛ وذلك بالتأسيس والاستدلال لها أولاً، والتصدي للحالات الخطيرة التي تداهمها ثانياً، كما أشرفت المرجعية الدينية بصورة مباشرة على المجريات والفعاليات المستحدثة في الشعائر الحسينية؛ لغرض المحافظة عليها من التلاعب والتحريف.

ب ) السعي إلى تطوير وترشيد الخطباء والمبلّغين، من خلال حثّهم على الاهتمام بالجنبة العلمية، وضرورة الاعتماد على الأدلة الواضحة من الكتاب والسنَّة الشريفة، ومراعاة متطلبات الزمان والمكان وما يحتاجه مجتمعنا المسلم، والتأكيد على أهمّية الجانب العقائدي، مع الإشارة إلى ضرورة الاستفادة من الجانب العاطفي الذي يحمله المشاركون تجاه أهل البيت عليهم السلام.

جـ ) الاهتمام بالقاعدة الجماهيرية المشاركة في إقامة الشعائر؛ وذلك بتأكيده على ضرورة قبول الآخر وطريقته المعبّرة عن حزنه على سيد الشهداء عليه السلام ما لم تكن مخالفة للشارع المقدس، وإعطاء بيان حول الوظيفة الشرعية عند اختلاف وجهات النظر، كما أشار إلى أنّ إشراك الجميع في تلك النشاطات العزائية والاستفادة منهم من الأُمور التي تساعد على حفظ الشعائر الحسينية وديمومتها، مضيفاً إلى ذلك أهمّية الجهد الفردي وعدم إغفاله، وأنّ ذلك قد ساهم في حفظ الشعائر الحسينية.

 

 

 

فهرست المصادر

 * القرآن الكريم.

  1. ابن قولويه، جعفر بن محمد، كامل الزيارات، الناشر: مؤسسة نشر الفقاهة، ط1، 1417هـ.
  2. البخاري، محمد بن إسماعيل، صحيح البخاري، الناشر: دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، ط: لا يوجد، 1401 هـ.
  3. البرقي، أحمد بن محمد، المحاسن، الناشر: دار الكتب الإسلامية، ط: لا يوجد، 1370هـ.
  4. الحكيم، محمد سعيد، المرجعية الدينية وقضايا أُخرى، الناشر: دار الهلال، ط5،1431هـ.
  5. الحكيم، محمد سعيد، رسالة أبوية ومسائل تهم طلبة الحوزة، الناشر: دار الهلال: ط4، 1425هـ.
  6. الحكيم، محمد سعيد، فاجعة الطف، الناشر: دار الهلال، ط5، 1434هـ.
  7. الحكيم، محمد سعيد، فتاوى توجيهية، الناشر: دار الهلال، ط5، 1434هـ.
  8. الحكيم، محمد سعيد، من وحي الطف، الناشر: لا يوجد، ط5، 1431هـ.
  9. الحيدري، إبراهيم، تراجيديا كربلاء، الناشر: مؤسسة دار الكتاب الإسلامي، مطبعة ستار، ط2،1428هـ.
  10. الصدوق، محمد بن علي، الأمالي، الناشر: مركز الطباعة والنشر في مؤسسة البعثة، ط2، 1417هـ.
  11. الصدوق، محمد بن علي، ثواب الأعمال، الناشر: منشورات الشريف الرضي، ط2، 1368هـ.
  12. الصدوق، محمد بن علي، عيون أخبار الرضا عليه السلام، الناشر: مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، ط1، 1404هـ.
  13. الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، الناشر: دار الكتب الإسلامية، ط3، 1363هـ.
  14. المرعشي، شهاب الدين، القول السديد في الاجتهاد والتقليد، الناشر: مكتبة آية الله السيد المرعشي، ط1، 1422هـ.
  15. مجلة الإصلاح الحسيني، الناشر: مؤسسة وارث الأنبياء للدراسات التخصصية في النهضة الحسينية، ط1، 1436هـ.

 

 


[1] باحث إسلامي، مدير تحرير مجلة الإصلاح الحسيني، من العراق.

[2]  اُنظر: المرعشي، شهاب الدين، القول الرشيد في الاجتهاد والتقليد: ج1، ص398.

اُنظر: الحكيم، محمد سعيد، المرجعية الدينية وقضايا أُخرى: ص46.

[3] اُنظر: الحيدري، إبراهيم، تراجيديا كربلاء: ص446.

[4] يشير سماحته في هذا المقام إلى الروايات الواردة عن المعصومين عليهم السلام؛ والتي أكدت على محبوبية تلك الفعاليات المذكرة بمصيبة أبي عبد الله عليه السلام، وهي من الكثرة بحيث يصعب أحصاؤها في هذه العجالة، إلّا أننا نورد بعضاً منها كنموذج لما ذكره سماحته؛ فقد روى البرقي عن الإمام الصادق عليه السلام:«مَن ذُكرنا عنده، ففاضت عيناه ولو مثل جناح الذباب، غفر الله ذنوبه ولو كانت مثل زبد البحر» البرقي، أحمد بن محمد، المحاسن: ج1، ص63. وعن الإمام الرضا عليه السلام أنّه قال:«...فعلى مثل الحسين فليبك الباكون؛ فإنّ البكاء يحطّ الذنوب العظام» الصدوق، محمد بن علي، الأمالي: ص190.

[5] الحكيم، محمد سعيد، فتاوى توجيهية: ص18.

[6] الحكيم، محمد سعيد، من وحي الطف: ص7.

[7] الحكيم، محمد سعيد، فاجعة الطف: ص587.

[8] اُنظر: الحكيم، محمد سعيد، من وحي الطف: ص12.

[9] ابن قولويه، جعفر بن محمد، كامل الزيارات: ص239.

[10] الصدوق، محمد بن علي، ثواب الأعمال: ص83.

[11] ابن قولويه، جعفر بن محمد، كامل الزيارات: ص208.

[12] الحكيم، محمد سعيد، من وحي الطف: ص44.

[13] المصدر السابق: ص23.

[14] النور: آية 39.

[15] الحكيم، محمد سعيد، فاجعة الطف: ص575.

[16] الحكيم، محمد سعيد، من وحي الطف: ص68.

[17] الحكيم، محمد سعيد، فتاوى توجيهية: ص20.

[18] الحكيم، محمد سعيد، فاجعة الطف: ص573.

[19] المصدر السابق: ص588.

[20] هود: آية 114.

[21] الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي: ج4، ص255.

[22] الحكيم، محمد سعيد، فاجعة الطف: ص573..

[23] المصدر السابق.

[24] الحكيم، محمد سعيد، من وحي الطف: ص28.

[25] النحل: آية125.

[26] الصدوق، محمد بن علي، عيون أخبار الرضا عليه السلام: ج1، ص275.

[27] الحكيم، محمد سعيد، رسالة أبوية ومسائل تهم طلبة الحوزة والمبلّغين: ص44.

[28] اُنظر: المصدر السابق: ص46.

[29] الحكيم، محمد سعيد، من وحي الطف: ص26.

[30] الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي: ج8، ص229.

[31] الحكيم، محمد سعيد، رسالة أبوية ومسائل تهم طلبة الحوزة: ص27.

[32] الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي: ج4، ص576.

[33] الحكيم، محمد سعيد، فاجعة الطف: ص569.

[34] اُنظر: الساعدي، صباح عباس، نشأة المراسيم الحسينية في كتاب (تراجيديا كربلاء) نقد وتحليل، مجلة الإصلاح الحسيني:  العدد12، ص 100.

[35] الحكيم، محمد سعيد، فاجعة الطف: ص577.

[36] المصدر السابق.

[37] فصّلت: آية34.

[38] الحكيم، محمد سعيد، فاجعة الطف: ص578.

[39] البخاري، محمد بن إسماعيل، صحيح البخاري: ج1، ص215.

[40] يوسف: آية108.

[41] الحكيم، محمد سعيد، فاجعة الطف: ص570.

[42] المصدر السابق: ص571.

[43] اُنظر: الساعدي، صباح عباس، نشأة المراسيم الحسينية في كتاب (تراجيديا كربلاء) نقد وتحليل، مجلة الإصلاح الحسيني: العدد12، ص93.

[44] الحكيم، محمد سعيد، فاجعة الطف: ص585.

[45] المصدر السابق.

 
 
البرمجة والتصميم بواسطة : MWD