1439 / جمادی‌الاولى / 1  |  2018 / 01 / 18         الزيارات : 528887         صلاة الصبح |         صلاة الظهر والعصر |         صلاة المغرب والعشاء |

السيرة الحسينية الإصلاحية في التراث الرجالي والروائي عند الجمهور 

{ م. د. هناء حسين علوان/ م. د. آمال حسين علوان }
السيرة الحسينية الإصلاحية في التراث الرجالي والروائي عند الجمهور 

المقدّمة[1]

لقد كانت كتب الجرح والتعديل لدى الجمهور مصدراً ثرياً بمعلوماته التي تحدّثت عن أهل البيت عليهم السلام، وروَت الكثير من أحوالهم وأقوالهم، وفق طرقهم المتعدّدة، وقد زخرت المكتبة الإسلامية بهذه الكتب؛ لأنّها كانت الأكثر تداولاً بالعالم لظروف معروفة.

وقد نقلت بعض الحقائق الأقوال والأحوال عن الأئمّة عليهم السلام، وإن كانت معلومة لدينا من مصادرنا، إلّا أنّ تعدّد المسالك والمشارب يزيد في البحث العلمي قوّة، ويمكن أن يزيد الباحث في التراث معرفة تضاف إلى معارفه.

لذا؛ ارتأينا أن ننقّب في كتب الجمهور، مستقرئين لما كتب عن سيّد الشهداء عليه السلام ومسيرته الإصلاحية التي تمثّلت في واقعة الطف الكبرى، محلّلين لبعض النصوص، ممّا يعطينا مؤشراً إلى أنّ قضية الإمام الحسين عليه السلام قضية إنسانية عالمية، لم تختصّ بطائفة معينة، ولم تقتصر على مذهبٍ معيّن، مستنيرين بأقواله النيّرة، ومستندين إلى رواياته الشريفة، التي أعطت أبلغ الدروس والعبر، وأرفع المعاني والسير.

لذا بُني البحث على ثلاثة مباحث:

المبحث الأوّل: وفيه مطلبان:

المطلب الأوّل: إطلالة موجزة على كتب الرجال عند الجمهور.

المطلب الثاني: الإمام الحسين عليه السلام في كتب الجمهور.

المبحث الثاني: التعريف بسيرة الإمام الحسين الشهيد عليه السلام.

المبحث الثالث: نماذج من رواياته الإصلاحية.

ثم كانت الخاتمة، وأبرز النتائج.

هذا ما تمكّن منه البحث، نأمل أن يكون أوسع من ذلك في المستقبل، وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.

المبحث الأوّل

وفيه مطلبان:

المطلب الأوّل: إطلالة موجزة على كتب الرجال عند الجمهور

عُرِف علم الرجال عند الجمهور بعدّة أسماء، أبرزها علم الجرح والتعديل، فالجرح: هو جرح الرواة الذي يوجب عدم الأخذ بالرواية من الراوي، أمّا التعديل، فهو الأخذ بضوابط ومواصفات تضبط الرواة وعدالتهم.

ولا بدّ أن نشير إلى أنّ علم الرجال عندهم انقسم على علمين:

العلم الأوّل: وهو ما يسمّى (تاريخ الرواة)، والذي يهتمّ بتاريخهم، وأوصافهم، وكناهم، وأسمائهم، وألقابهم، ومواقفهم السياسية، ومحاججاتهم الكلامية، كالكتب التي تعلّقت بمعرفة الصحابة؛ ولذا أكثر الكتب التي كتبت عن تاريخ الصحابة ومواقفهم تلتصق بعلم التراجم، أو ما يُعرف بالبطاقة التعريفية للراوي.

العلم الثاني: العلم الذي يتحدّث عن الجرح والتعديل بالمعنى الدقّي، والذي يذكر أوصافاً تتعلق بضعف الراوي أو وثاقته وإمكانية الأخذ عن هذا الراوي.

وقد ظهر هذا العلم وقواعده في منتصف القرن الثاني الهجري، حيث إنّ أقدم ما وقف عليه بعض الباحثين كتاب التاريخ لليث بن سعد (ت175هـ)، والتاريخ لابن المبارك (ت181هـ)[2]، وقد ذكر الذهبي أنّ للوليد بن مسلم (ت195هـ) كتاباً في تاريخ الرجال، وهناك من الباحثين مَن تناقل قولاً مفاده أنّ أوّل مَن استخدم النقد والتحليل الرجالي عند الجمهور هو ابن سيرين، كما قاله ابن رجب الحنبلي (ت795هـ).

ويقول يعقوب بن شيبة: «سمعت علي بن المديني يقول: كان ابن سيرين ممَّن ينظر في الحديث، ويفتّش عن الإسناد، لا نعلم أحداً أعلم منه، ومن ثمّ كان أيوب (ت131هـ) وابن عون (ت 150هـ)، ثمّ كان شعبة (ت 160هـ)، وكان يحيى بن سعيد القطّان (ت198هـ)، وعبد الرحمن بن مهدي (ت 198هـ)»[3].

بينما نجد قولاً آخر مفاده أنّ الذهبي يرجّح أنّ الشعبي (ت103هـ) هو أوّل مَن زكّى وجرّح عند انقراض الصحابة[4].

ولعلّنا في نظرة عجلى إلى مصنفات علم الرجال (الجرح والتعديل) نجد أن مصنفاتهم تتنوع حسب الآتي:

كتب الطبقات، ولعلّ الأشهر منها طبقات ابن سعد (ت230هـ)، وكذلك خليفة ابن خياط (ت240هـ). وهناك كتب (معرفة الصحابة)، ولعلّ الأشهر منها كتاب (الإصابة في تمييز الصحابة) لابن حجر العسقلاني (ت852هـ). وأيضاً الكتب التي تختصّ بالضعفاء، ككتاب (الضعفاء والمتركون) لأبي زرعة الرازي (ت264هـ)، وكتاب (الضعفاء) لأبي حاتم محمد بن إدريس الرازي (ت 288هـ)، (والكامل في الضعفاء) لابن عدي الجرجاني (ت365هـ)، وكتاب (الثقات) لأبي حاتم أحمد بن حبان البستي (354هـ)، و(ميزان الاعتدال) للذهبي، و(لسان الميزان) لابن حجر العسقلاني.

المطلب الثاني: الإمام الحسين عليه السلام في كتب الجمهور

لقد تناولت كتب الجمهور الإمام الحسين عليه السلام ترجمةً وتحليلاً للنصوص التي ساقوها عبر مروياتهم وعبر رجاليّيهم، معتمدين على ثقاتهم في نقل الأخبار، وبغض النظر عن موقف لمدرسة الإمامية من وثاقة هذه الكتب أو عدم اعتبارها، فإنّها تمثّل تراثاً إجمالياً مدرسة قائمة على الساحة الإسلامية.

إلّا أنّ المُلتفت والمتتبّع لهذه الكتب يجد أنّها تنقل ثلاث حقائق، ألا وهي:

الحقيقة الأُولى: إمامته عليه السلام.

 الحقيقة الثانية: منزلته عند الرسول الأعظم عليها السلام.

 الحقيقة الثالثة: سيرته ومسيرته الإصلاحية.

وهذه الحقائق تستحقّ مؤلفاً كاملاً، إلّا أنّ البحث سيتعرض إلى أهمّ المصادر التي تناولت الإمام الحسين عليه السلام عند الجمهور:

 كتاب نسب قريش: تأليف المصعب الزبيري، للمحقّق ليفي بروفنسال.

 كتاب الطبقات: لخليفة بن خياط (ت240هـ).

 كتاب المحبر: للمؤلّف محمد بن حبيب البغدادي (ت245هـ).

 كتاب التاريخ الكبير: لمحمد بن إسماعيل البخاري (ت256هـ).

كتاب الجرح والتعديل: لأبي محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي (ت327هـ).

 كتاب تاريخ الطبري: لأبي جعفر محمد بن جرير الطبري (ت310هـ).

كتاب مروج الذهب ومعادن الجوهر: للمؤرّخ المسعودي (ت346هـ).

كتاب الأغاني: لأبي الفرج الإصفهاني (ت284هـ).

كتاب المستدرك: للحاكم النيسابوري (ت405هـ).

كتاب حلية الأولياء: لأبي نعيم الإصفهاني (ت443هـ).

جمهرة أنساب العرب: لأبي محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي (ت456ه‍).

الاستيعاب في معرفة الأصحاب: لأبي عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر (ت463هـ).

 تاريخ بغداد، أو مدينة السلام: للإمام الحافظ أبي بكر أحمد بن علي الخطيب البغدادي (ت463هـ).

تاريخ مدينة دمشق: لابن عساكر الدمشقي (ت571هـ) .

أُسد الغابة في معرفة الصحابة: لابن الأثير (ت630هـ).

الكامل في ضعفاء الرجال: لعبد الله بن عدي الجرجاني (ت 365هـ).

تهذيب الكمال في أسماء الرجال: لجمال الدين أبي الحجاج يوسف المزي (ت742 ه‍).

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام: لشمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي (ت 748 ه‍).

تهذيب التهذيب: لشهاب الدين أحمد  بن علي بن حجر العسقلاني (ت 528 ه‍).

البداية والنهاية: لأبي الفداء إسماعيل بن كثير الدمشقي (ت 774 ه‍).

الإصابة في تميز الصحابة: لأحمد بن علي بن حجر العسقلاني (ت852 ه‍).

شذرات الذهب في أخبار مَن ذهب: للمؤرّخ الفقيه الأديب أبي الفلاح عبد الحي بن العماد الحنبلي(ت 1089هـ).

هذا فيما يرتبط على نحو الإجمال لا التفصيل بالمصادر التي تناولت سيرة الإمام عليه السلام من ثلاثة اتجاهات: الترجمة الذاتية، واقعة الطف، رواياته الشريفة.

المبحث الثاني: التعريف بسيرة الإمام الحسين الشهيد عليه السلام

أوّلاً: اسمه وولادته

تناولت كتب الرجال عند الجمهور ترجمة الإمام الحسين عليه السلام متسلسلة إلى العمود النسبي للإمام الحسين عليه السلام.

قال الذهبي (ت748هـ): «الإمام الشريف الكامل، سبط رسول الله عليها السلام، وريحانته من الدنيا، ومحبوبه، أبو عبد الله الحسين ابن أمير المؤمنين أبي الحسن علي بن أبي طالب عليه السلام بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي القرشي الهاشمي»[5].

«قال الزبير: مولده في خامس شعبان سنة أربع من الهجرة... روى هانئ بن هانئ، عن علي، قال: الحسين عليه السلام أشبه برسول الله عليها السلام من صدره إلى قدميه» [6].

 وقال الذهبي معرّفاً بمَن حدّث عنه من الرواة: «حدّث عن جدّه، وأبويه... وحدّث عنه: ولداه علي وفاطمة، وعبيد بن حنين، وهمام الفرزدق، وعكرمة، والشعبي، وطلحة العقيلي، وابن أخيه زيد بن الحسن، وحفيده محمد بن علي الباقر، ولم يدركه، وبنته سكينة، وآخرون»[7].

ونجد أنّ هناك نصّاً لابن أبي حاتم الرازي (ت327هـ) ينقل عن والده: «الحسين ابن علي بن أبي طالب أبو عبد الله عليه السلام، له صحبة، روى عنه ابنه علي بن الحسين، وابنته فاطمة بنت الحسين عليهما السلام، سمعت أبي يقول ذلك»[8].

أمّا الحاكم النيسابوري (ت405هـ) فقد نقل الرواية الآتية: «(أخبرنا) أبو عبد الله محمد بن علي الجوهري ببغداد، ثنا أبو الأحوص محمد بن الهيثم القاضي، ثنا محمد بن مصعب، ثنا الأوزاعي، عن أبي عمار شداد بن عبد الله، عن أُمّ الفضل بنت الحارث أنّها دخلت على رسول الله عليها السلام، فقالت: يا رسول الله، إنّي رأيت حلماً منكراً الليلة. قال: وما هو؟ قالت: إنّه شديد. قال: وما هو؟ قالت: رأيت كأنّ قطعة من جسدك قُطعت ووضعت في حجري. فقال رسول الله عليها السلام: رأيتِ خيراً، تلد فاطمة إن شاء الله غلاماً، فيكون في حجرك. فولدت فاطمة الحسين عليه السلام، فكان في حجري كما قال رسول الله عليها السلام: فدخلت يوماً إلى رسول الله عليها السلام، فوضعته في حجره، ثمّ حانت منّي التفاتة، فإذا عينا رسول الله عليها السلام تهريقان من الدموع، قالت، فقلت: يا نبي الله، بأبي أنت وأُمّي! ما لك؟! قال: أتاني جبريل (عليه الصلاة والسلام) فأخبرني أنّ أُمّتي ستقتل ابني هذا. فقلت: هذا؟! فقال: نعم، وأتاني بتربةٍ من تربته حمراء»[9].

ثمّ عقّب الحاكم النيسابوري على هذا الحديث بقوله: «صحيحٌ على شرط الشيخين ولم يخرجاه»، وهو يريد بذلك شروط الصحّة على شرطي البخاري ومسلم.

فقد حكمت مدرسة الجمهور بصحة الأحاديث الواردة في صحيح البخاري (ت254هـ) وصحيح مسلم (ت260هـ)، وقد ذكر ابن الصلاح (ت643هـ) في كتابه قائلاً: «وكتابهما [البخاري ومسلم] [10] أصح الكتب بعد كتاب الله العزيز»[11].

على الرغم من قول البعض بضعف عددٍ من هذه الأحاديث، وإشكالية بعضهم على الكتابين واضحة.

أورد العلماء شروطاً معيّنة للحديث الصحيح:

«منها ما ذكره الحاكم النيسابوري: أن يكون راويه مشهوراً بالطلب، وليس مراده الشهرة المخرجة عن الجهالة، بل قدر زائد على ذلك...

ومنها ما ذكره السمعاني في القواطع: أنّ الصحيح لا يعرف برواية الثقات فقط، وإنّما يعرف بالفهم والمعرفة وكثرة السماع والمذاكرة...

ومنها أنّ بعضهم اشترط علمه بمعاني الحديث حيث يروي بالمعنى، وهو شرطٌ لا بدّ منه، لكنه داخلٌ في الضبط...

ومنها أنّ أبا حنيفة اشترط فقه الراوي...

ومنها اشتراط البخاري ثبوت السماع لكلّ راوٍ من شيخه، ولم يكتفِ بإمكان اللقاء والمعاصرة...

ومنها أنّ بعضهم اشترط العدد في الرواية كالشهادة»[12].

ثانياً: مكانته عند الرسول الأعظم عليها السلام

هناك طائفة من الروايات نقلتها كتب الجمهور تدلّ على منزلة الإمام الحسين عليه السلام لدى الرسول الأعظم عليها السلام، منها:

الرواية الأُولى

لها عدّة طرق منها:

1ـ قال الطبراني (ت360هـ): «حدّثنا أحمد بن مابهرام الأيذجي، ثنا الجراح بن مخلد، ثنا الحسن بن عنبسة، ثنا علي بن هاشم، عن محمد بن عبيد الله بن علي، عن عبد الله بن عبد الرحمن الحزمي، عن أبيه، عن جدّه، عن أبي أيوب الأنصاري، قال: دخلت على رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم) والحسن والحسين(رضي الله عنهما) يلعبان بين يديه وفي حجره، فقلت: يا رسول الله، أتحبّهما؟ قال: كيف لا أُحبّهما وهما ريحانتاي من الدنيا أشمّهما؟!»[13].

2ـ «أخبرني محمد بن عبد الله بن أبي يعقوب، عن ابن أبي نعم، قال: كنت عند ابن عمر، فسأله رجل عن دم البعوض؟ فقال: ممَّن أنت؟ قال: من أهل العراق. قال: انظروا إلى هذا! يسألني عن دم البعوض، وقد قتلوا ابن رسول الله عليها السلام، وقد سمعت رسول الله عليها السلام يقول: هما ريحانتاي من الدنيا»[14].

3ـ «أنبأنا أبو سعد المطرز، أنبأنا أبو نعيم، أنبأنا سليمان بن أحمد الطبراني، أنبأنا أحمد بن مابهرام الأيذجي، أنبأنا الجراح بن مخلّد، أنبأنا الحسين بن عنبسة، أنبأنا علي بن هاشم، عن محمد بن عبيد الله بن علي، عن عبد الله بن عبد الرحمن الحزمي، عن أبيه، عن جدّه ـ يعني معمر بن حزم ـ عن أبي أيوب الأنصاري، قال: دخلت على رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) والحسن والحسين يلعبان بين يديه في حجره، فقلت: يا رسول الله، أتحبّهما؟ قال: وكيف لا أُحبّهما وهما ريحانتاي من الدنيا أشمّهما؟!»[15].

قال صاحب كتاب فتح الباري في شرحه للحديث: «قوله: (ريحانتاي)، كذا للأكثر بالتثنية، ولأبي ذر (ريحاني) بالإفراد والتذكير، شبّههما بذلك؛ لأنّ الولد يُشمّ ويقبّل، ووقع في رواية جرير بن حازم: إنّ الحسن والحسين هما ريحانتي.

وعند الترمذي: من حديث أنس أنّ النبي(صلّى الله عليه وسلّم) كان يدعو الحسن والحسين، فيشمّهما ويضمّهما إليه. 

وفي رواية الطبراني في (الأوسط) من طريق أبي أيوب قال: دخلت على رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم) والحسن والحسين يلعبان بين يديه، فقلت: أتحبّهما يا رسول الله؟ قال: وكيف لا وهما ريحانتاي من الدنيا أشمّهما؟!»[16].

الرواية الثانية

رُويت بعدّة طرق:

1ـ «حدّثنا محمد بن عون السيرافي، ثنا أبو الأشعث أحمد بن المقدام، ثنا أبو سمير حكيم بن خذام، عن الأعمش، عن إبراهيم التيمي، عن أبيه، عن شريح القاضي، عن عمر بن الخطاب (رضي الله عنه): أنّ النبي (صلّى الله عليه وسلّم) قال: الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنة»[17].

2ـ «حدّثنا عبيد بن غنام، ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدّثنا أبو الأحوص، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي (رضي الله عنه) قال: قال: رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم): الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنة»[18].

3 ـ «حدثنا أبو الزنباع روح بن الفرج المصري، ثنا يزيد بن موهب الرملي، ثنا مسروح أبو شهاب، عن سفيان الثوري، عن أبي إسحاق، عن الحارث، قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم): الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنة»[19].

4ـ «حدّثنا القاسم بن محمد الدلال الكوفي، ثنا مخول بن إبراهيم، ثنا منصور بن أبي الأسود، عن ليث، عن الشعبي، عن الحارث، عن علي (رضي الله عنه)، قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم): الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنة» [20].

5ـ «حدّثنا القاسم بن محمد الدلال الكوفي، حدّثنا إبراهيم بن إسحاق الصيني، ثنا محمد بن أبان، عن أبي جناب، عن الشعبي، عن زيد بن يثيع، عن علي(رضي الله عنه)، عن النبي صلى الله عليه وسلّم) مثله»[21].

6ـ «حدّثنا محمد بن عبد الله الحضرمي، قال: نا حرب بن الحسن الطحان، قال: نا عبد العزيز بن محمد الدراوردي، عن صفوان بن سليم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله عليها السلام: الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنة»[22].

لم يروِ هذا الحديث عن صفوان بن سليم إلّا الدراوردي، تفرّد به: حرب بن الحسن.

7ـ «حدّثنا محمد بن عبد الله الحضرمي، ثنا أحمد بن عثمان بن حكيم الأودي، ثنا علي ابن ثابت، حدّثنا أسباط بن نصر، عن جابر، عن عبد الله بن يحيى، عن علي (رضي الله عنه) قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) لفاطمة (رضي الله عنها): والله، ما من نبي إلّا وولد الأنبياء غيري، وإنّ ابنيك سيّدا شباب أهل الجنة»[23].

8- «حدّثنا علي بن عبد العزيز، ثنا أبو نعيم، ثنا محمد بن مروان الذهلي، حدّثني أبو حازم، حدثني أبو هريرة (رضي الله عنه): أنّ الرسول (صلّى الله عليه وسلّم)، قال: إنّ ملكاً من السماء لم يكن زارني، فاستأذن الله عز وجل في زيارتي، فبشّرني أنّ الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنة»[24].

9ـ «حدّثنا محمد بن عبد الله الحضرمي، حدّثنا جمهور بن منصور، ثنا يوسف بن محمد، ثنا سفيان، عن أبي الجحاف وحبيب بن أبي ثابت، عن أبي حازم، عن أبي هريرة...: أنّ النبي (صلّى الله عليه وسلّم)، قال: الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنة»[25].

10ـ «أخبرنا أحمد بن حرب، قال: حدّثنا بن فضيل، عن يزيد، عن عبد الرحمن ابن أبي نعم، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي (صلّى الله عليه وسلّم)، قال: إنّ حسناً وحسيناً سيّدا شباب أهل الجنة»[26].

11ـ «حدّثنا علي بن عبد العزيز، حدّثنا عاصم بن علي، ثنا قيس بن الربيع، حدّثني ميسرة بن حبيب، عن عدي بن ثابت، عن زر بن حبيش، عن حذيفة: أنّ الرسول (صلّى الله عليه وسلّم) قال: هذا ملك من الملائكة استأذن ربّه ليسلّم عليّ ويزورني ليهبط إلى الأرض قبلها، فبشّرني أنّ حسناً وحسيناً سيّدا شباب أهل الجنة»[27].

12ـ «حدّثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، ثنا الهيثم بن خارجة، ثنا أبو الأسود عبد الله ابن عامر الهاشمي، عن عاصم، عن زر، عن حذيفة، قال: رأينا في وجه رسول الله السرور يوماً من الأيّام، فقلنا: يا رسول الله، لقد رأينا في وجهك تباشير السرور. قال: وكيف لا أُسرّ وقد أتاني جبريل عليه السلام فبشّرني أنّ حسناً وحسيناً سيّدا شباب أهل الجنة، وأبوهما أفضل منهما؟!»[28].

13ـ «حدّثنا محمد بن الحسين الأنماطي، ثنا عبيد بن جناد الحلبي، ثنا عطاء بن مسلم الخفاف، حدّثني أبو عمرة الأشجعي، عن سالم بن أبي الجعد، عن قيس بن أبي حازم، عن حذيفة بن[29] وابنه (رضي الله عنه)، قال: بتُّ عند رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم)، فرأيت عنده شخصاً، فقال لي: يا حذيفة، هل رأيت؟ قلت: نعم يا رسول الله. قال: هذا مَلك لم يهبط إلي منذ بعثتُ، أتاني الليلة، فبشّرني أنّ الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنة»[30].

 هذا الكمّ الكبير من الروايات التي تشير إلى الموقع الأعظم للإمام الحسين عليه السلام عند رسول الله عليها السلام لها دلالتها العظيمة فيما يتمتّع به من منزلة رفيعة.

يقول المباركفوري في شرحه لسنن الترمذي: «...قال المظهر: يعني هما أفضل مَن مات شاباً في سبيل الله من أصحاب الجنة، ولم يُرِد به سنّ الشباب؛ لأنّهما ماتا وقد كهلا، بل ما يفعله الشباب من المروءة، كما يُقال: فلان فتى، وإن كان شيخاً؛ يشير إلى مروءته وفتوته، أو أنّهما سيّدا أهل الجنة، سوى الأنبياء والخلفاء الراشدين؛ وذلك لأنّ أهل الجنة كلّهم في سنّ واحد وهو الشباب، وليس فيهم شيخ ولا كهل. قال الطيبي: ويمكن أن يُراد: هما الآن سيدا شباب مَن هُم من أهل الجنة من شبان هذا الزمان»[31].

الرواية الثالثة

«حدّثنا علي بن عبد العزيز ومحمد بن النضر الأزدي، قالا: ثنا أبو غسان مالك بن إسماعيل، ثنا أسباط بن نصر، عن السدي، عن صبيح مولى أُمّ سلمة، عن زيد بن أرقم: أنّ النبي (صلى الله عليه وسلّم)، قال لعلي وفاطمة وحسن والحسين: أنا سلمٌ لمَن سالمتم، وحربٌ لمَن حاربتم»[32].

الرواية الرابعة

«أخبرنا يعقوب بن إبراهيم ومحمد بن آدم، عن مروان، عن الحكم بن عبد الرحمن ـ وهو ابن أبي نعم ـ عن أبيه، عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله عليها السلام: الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنة، إلّا ابني الخالة عيسى بن مريم ويحيى بن زكريا»[33].

الرواية الخامسة

«أخبرنا محمد بن عبد الأعلى، قال حدّثنا خالد، قال حدّثنا الأشعث، عن الحسن، عن بعض أصحاب رسول الله عليها السلام، قال ـ يعني أنس بن مالك ـ قال: دخلنا ـ وربّما قال: دخلت ـ على رسول الله عليها السلام والحسن والحسين ينقلبان على بطنه، قال ويقول: ريحانتي من هذه الأُمّة»[34].

ثالثاً: صفاته

الرواية الأُولى

1ـ «حدّثنا محمد بن عبد الله الحضرمي، ثنا عبد الله بن سالم، حدّثنا إبراهيم بن يوسف، عن أبيه، عن أبي إسحاق، عن هبيرة بن يريم، عن علي (رضي الله عنه)، قال: مَن سرّه أن ينظر إلى أشبه الناس برسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) ما بين عنقه إلى وجهه؛ فلينظر إلى الحسن بن علي، ومَن سرّه أن ينظر إلى أشبه الناس برسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) ما بين عنقه إلى كعبه خَلقاً ولوناً؛ فلينظر إلى الحسين بن علي»[35].

2ـ «حدّثنا محمد بن عبد الله الحضرمي، قال: وجدت في كتاب عقبة بن قبيصة: حدّثنا أبي، عن حمزة الزيات، عن أبي إسحاق، عن هبيرة بن يريم، عن علي، قال: مَن أراد أن ينظر إلى وجه رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) من رأسه إلى عنقه؛ فلينظر إلى الحسن، ومَن أراد أن ينظر إلى ما لدن عنقه إلى رجله؛ فلينظر إلى الحسين، اقتسماه»[36].

3ـ «حدّثنا محمد بن عبد الله الحضرمي، ثنا عون بن سلام، ثنا قيس بن الربيع، عن أبي إسحاق، عن هبيرة بن يريم، عن علي(رضي الله عنه)، قال: كان الحسن أشبه الناس برسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) من النحر فصاعداً، فذكر مثله»[37].

4ـ «وكيع: حدّثنا ربيع بن سعد، عن عبد الرحمن بن سابط، عن جابر: أنّه قال ـ وقد دخل الحسين المسجد ـ: مَن أحبّ أن ينظر إلى سيّد شباب أهل الجنة، فلينظر إلى هذا، سمعته من رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم).

تابعه عبد الله بن نمير، عن ربيع الجعفي، أخرجه أحمد في مسنده.

وقال شهر: عن أُمّ سلمة: أنّ النبي (صلّى الله عليه وسلّم)، جلّل علياً وفاطمةَ وابنيهما بكساء، ثمّ قال: اللّهم هؤلاء أهل بيت بنتي وحامتي، اللّهم أذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً. فقلت: يا رسول الله، أنا منهم؟ قال: إنّك إلى خير. إسناده جيد، روي من وجوه عن شهر. وفي بعضها يقول: دخلت عليها أُعزّيها على الحسين»[38].

وقد ورد في تحقيق كتاب سير أعلام النبلاء للذهبي: «حديثٌ صحيح بطرقه وشواهده، وهو في (المسند: 6/298، 304)، والطبراني: (2664) و(2665) و(2666)، والطبري في (تفسيره: 22/67)، من طريق شهر بن حوشب، عن أُمّ سلمة، وهو عند الطبري أيضاً من طريق سعيد بن زربي، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، عن أُمّ سلمة، ومن طريق فضيل بن مرزوق، عن عطية، عن أبي سعيد، عن أُمّ سلمة، ومن طريق هاشم بن هاشم بن عتبة بن أبي وقاص، عن عبد الله بن وهب بن زمعة، عن أُمّ سلمة، ومن طريق الأعمش، عن حكيم بن سعد، عن أُمّ سلمة.

 وأخرجه أحمد (6/292)، من طريق ابن نمير، عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء بن أبي رباح، عمَّن سمع أُمّ سلمة، عنها. وأخرجه الترمذي (3205) و(3787)وابن جرير (22/8) من طريق محمد بن سليمان الأصبهاني، عن يحيى بن عبيد، عن عطاء بن أبي رباح، عن عمر بن أبي سلمة، عن أُمّ سلمة. وأخرجه الطبراني (2668) من طريق جعفر الأحمر، عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء، عن أُمّ سلمة. وأخرجه الحاكم (3/146) من طريق شريك بن أبي نمر، عن عطاء بن يسار، عن أُمّ سلمة. وفي الباب عن عائشة عند مسلم (2424) في فضائل الصحابة: باب فضائل أهل البيت. وعن واثلة عند أحمد (4/107)، وصحّحه ابن حبّان (2245)، والحاكم (3/147)، ووافقه الذهبي»[39].

5ـ «أحمد: حدّثنا عفان، حدّثنا وهيب، حدّثنا عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن سعيد ابن راشد، عن يعلى العامري، قال رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم): حسينٌ سبطٌ من الأسباط، مَن أحبّني فليحب حسيناً. وفي لفظ: أحبّ الله مَن أحبّ حسيناً»[40]. وقد صحّح هذا الحديث الحاكم النيسابوري[41].

6ـ «مرّ الحسين بن علي على مساكين، وقد بسطوا كساء وبين أيديهم كسراً، فقالوا: هلم يا أبا عبد الله، فحول وركه وقرأ: (إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ) ، فأكل معهم، ثمّ قال: قد أجبتكم فأجيبوني. فقال للرباب ـ يعني امرأته ـ: أخرجي ما كنتِ تدّخرين»[42].

المبحث الثاني: واقعة الطف

كانت الإشارات الغيبية التي أشارت إلى واقعة الطف قبل حدوثها ممّا تسالم عليه الفريقان؛ لما نقلوه من الروايا ت المشهورة في خروج الإمام الحسين عليه السلام لطلب الإصلاح في أُمّة جدّه؛ ولذا كانت هذه الكلمة الرائدة (الإصلاح) مساوقة لواقعة الطف.

فواقعة الطف تمثّلت أساساً في مشروعٍ إصلاحي، حينما استخلص معاوية ولاء الناس، وابتاع ضمائر الزعماء، ووعدهم بالمناصب الفاخرة، ومن خلفه الرتل الخامس من المنافقين والانتهازيين، فكان من عامّة الناس أن بايعوه، وبايعوا من بعده ابنه يزيد.

هذا الأمر وعوامل أُخرى جعلت الإمام الحسين عليه السلام يتّخذ سبيل الثورة والإصلاح، بعد أن تهيّأت كلّ مناخات الثورة المطلوبة، حيث بدت واضحة معالم الحكم اليزيدي، لا شيء للشعب، بل كلّ شيء للنظام، إضافةً إلى عدم حصوله على مقومات الحكم، فهو رجل اللهو واللعب والإسراف، والفسق والفجور .

فكان اليوم الذي رفض فيه الإمام الحسين عليه السلام البيعة ليزيد هو البداية لإعلان الثورة الإصلاحية الكبرى، وكان ذلك لثلاث بقينَ من رجب سنة ستين للهجرة.

وانتهت الأخبار بإطارها الرافض إلى الكوفة، فضجّت بأهلها تستنجد الحسين عليه السلام، وتراسله زرافات ووحداناً، تدعوه إلى الخروج حيناً، وإلى الثورة المسلّحة حيناً آخر، وقد بعثتْ إليه بالبيعة تحمله على ذلك، واستمرّت كُتُبها تترى، حتى بلغت ما يزيد على مائة وخمسين كتاباً[43].

إلّا أنّ هذه الثورة الإصلاحية كانت متجلّية بعدّة روايات على لسان الإمام الحسين عليه السلام، وهي كالآتي:

الروايات الدالّة على انطلاق المسيرة الإصلاحية، وهي:

1ـ «عن إبراهيم بن ميسرة، عن طاووس، عن ابن عباس، قال: استشارني الحسين في الخروج، فقلت: لولا أن يزرى بي وبك، لنشبت يدي في رأسك. فقال: لأن أُقتل بمكان كذا وكذا أحبّ إليّ من أن أستحلّ حرمتها، يعني مكّة. وكان ذلك الذي سلّى نفسي عنه»[44].

 2ـ «يحيى بن إسماعيل البجلي، حدّثنا الشعبي، قال: كان ابن عمر قدم المدينة، فأُخبر أنّ الحسين قد توجّه إلى العراق، فلحقه على مسيرة ليلتين، فقال: أين تريد؟ قال: العراق، ومعه طوامير وكتب، فقال: لا تأتِهم. قال: هذه كتبهم وبيعتهم. فقال: إنّ الله خيّر نبيه بين الدنيا والآخرة، فاختار الآخرة، وإنّكم بضعةٌ منه، لا يليها أحدٌ منكم أبداً، وما صرفها الله عنكم إلّا للذي هو خيرٌ لكم، فارجعوا. فأبى، فاعتنقه ابن عمر، وقال: أستودعك الله من قتيل»[45].

3ـ «حدّثنا علي بن سعيد الرازي، ثنا يعقوب بن حميد، ثنا سفيان بن حمزة، عن كثير ابن زيد، عن المطلب بن عبد الله، قال: لما أُحيط بالحسين بن علي (رضي الله عنه) قال: ما اسم هذا الموضع؟ قالوا: كربلاء، قال: صدق رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) هي كربٌ وبلاء»[46].

هذه الروايات تدّل على التضحية بالنفس، وسمو المبدأ والاعتقاد بالهدف الإصلاحي، والإخبار بالغيب.

المبحث الثالث: نماذج من رواياته الإصلاحية

الإصلاح في اللغة: «صلح، الصاد واللام والحاء: أصلٌ واحد يدلّ على خلاف الفساد، يُقال: صلح الشيء يصلح صلاحاً»[47].

عنيَ القرآن الكريم بالإصلاح قضيةً، من خلال مفهومه، ويكفي لإيضاح هذه الحقيقة أن نعرف أنّ مدار رسالات الرسل التي قرَّرها القرآن وجلّاها وأوضحها كلّها تدور على الإصلاح، كما يقول الله تعالى على لسان نبيه شعيب عليه السلام: (إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّـهِ)[48]، وكذلك يقول الله تعالى: (وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا)[49].

وكان سبب خروج الإمام الحسين عليه السلام هو طلب الإصلاح في أُمة جدّه وأبيه، بعد أن رأى الانحراف عن مبادئ الدين الإسلامي، فالمنكر لا يُنهى عنه، والمعروف لا يُؤمر به، ورأى موت الدين وإحياء البدع، ورأى الباطل يعلو على الحق، وابتعاد الناس عن مبادئ الدين الإسلامي، وانتشار الفساد في البر والبحر، كلّ هذا دفعه إلى الخروج لطلب الإصلاح، وإحياء الدين، وإماتة البدع، ويدلّ على ذلك أنّه استعمل أداة الحصر (إنّما) لتحديد هذا الهدف وتخصيصه بقوله عليه السلام: «وإنّي لم أخرج أشراً ولا بطراً... وإنّما خرجت لطلب الإصلاح في أُمّة جدي عليها السلام»[50]، ومع أنّه كان يعرف المصير الذي ينتهي إليه، فإنّه يعرف أيضاً أنّ دمه هو القربان الذي به حياة الدين الإسلامي دين محمد عليها السلام، وهو يعرف أنّ دمه هو الثمن الذي يستقيم به دين الإسلام؛ لذا قال ـ بلسان حاله ـ للباترات: خذيني إذا كان في قتلي حياة الدين، واستقامته، والحفاظ على مبادئه.

لقد أراد الإمام عليه السلام أن يعيد سنّة جدّه وأبيه في قيادة المسلمين، والحفاظ على مبادئ الإسلام وحمايتها، ومن هنا كانت دعوته في هذه الوصية دعوة اختيار، فمَن تبعه على وفق هدى الإسلام ومبادئه وسنّة الرسول، فهو على الحق الذي أراده الله ودعا إليه في كتابه، ومَن لم يتبعه واختار الدنيا فهو حرٌّ في اختياره، وسوف يصبر الإمام عليه السلام على كلّ حال حتى يقضي الله في أمره، ويحكم بينه وبين القوم الظالمين.

 لقد كانت دعوة الإمام عليه السلام دعوة صادقة لإصلاح الفساد، وإعادة العمل بالقيم والمفاهيم التي أقرها الدين الإسلامي، وقد عبّرت أبنية هذه الوصية بدقّة عن مراد الإمام، وكشفت من خلال تراكيبها عن الصراع الشديد من أجل حطام الدنيا الزائلة، لقد كانت دعوة صادقة من أجل تحكيم مبادئ الدين الإسلامي في بناء المجتمع، ليصل من خلال ذلك إلى برّ الأمان، ولكنّها دعوة لم تجد أُذناً صاغية، وشغلت الدنيا الناس عن الإسلام[51].

فكانت كلمته امتداداً لما ذكره القرآن العظيم في محاربة الفساد وإقرار الإصلاح.

وعليه؛ نستطيع أن نقسّم الروايات الإصلاحية التي رواها الإمام الحسين عليه السلام إلى عدّة طوائف:

الطائفة الأُولى: الروايات الإصلاحية التربوية

1ـ «حدّثنا الحسين بن إسحاق التستري، ثنا أحمد بن يحيى الصوفي، ثنا علي بن قادم، عن عبد السلام بن حرب، عن يحيى بن سعيد، عن علي بن الحسين، عن أبيه قال: أحبّونا بحبّ الإسلام، فإنّ رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) قال: لا ترفعوني فوق حقّي؛ فإنّ الله تعالى اتّخذني عبداً قبل أن يتّخذني رسولاً»[52].

2ـ «حدّثنا علي بن عبد العزيز، ثنا القعنبي، ثنا خالد بن إلياس، عن محمد بن
عبد الله بن عمرو بن عثمان، عن فاطمة بنت الحسين، عن حسين بن علي، قال: قال رسول الله
(صلّى الله عليه وسلّم): إنّ الله يحب معالي الأُمور وأشرافها، ويكره سفاسفها»[53].

الطائفة الثانية: الروايات الإصلاحية الأخلاقية

1ـ «عن عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدّثني أبي، ثنا موسى بن داوود، ثنا عبد الله بن عمر، عن ابن شهاب، عن علي بن حسين، عن أبيه، قال: قال رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم): مِن حُسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه» [54].

فهو إرشاد إلى الطريق الذي يبلغ العبد به كمال دينه بحسن إسلامه وصلاح عمله.

2ـ «حدّثنا محمد بن عبد الله الحضرمي، ثنا موسى بن عبد الرحمن البكري، ثنا عثمان ابن عبد الرحمن القرشي، حدثتنا عائشة بنت طلحة، عن فاطمة بنت الحسين، عن أبيها: أنّ رسول (صلّى الله عليه وسلّم) قال: لا تطرقوا الطير في أوكارها، فإنّ الليل له أمان»[55].

3ـ «حدّثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة، ثنا عقبة بن مكرم. وحدّثنا عبد الله بن محمد ابن النعمان القزاز البصري، ثنا سفيان بن وكيع، قالا: ثنا يونس بن بكير، عن زياد بن المنذر، عن بشر بن غالب، عن حسين بن علي قال: رأيت النبي (صلّى الله عليه وسلّم) يشرب وهو قائم»[56].

الطائفة الثالثة: الروايات الإصلاحية التهذيبية

1ـ «عن محمد بن عبد الله الحضرمي والحسين بن إسحاق التستري، قالا: ثنا يحيى الحماني، ثنا سليمان بن بلال، عن عمارة بن غزية، عن عبد الله بن علي بن الحسين، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم): البخيل مَن ذُكرت عنده فلم يصلِّ عليَّ»[57].

2ـ «حدّثنا يوسف بن الحكم الضبّي، ثنا محمد بن بشير الكندي، ثنا عبيدة بن حميد، حدّثني فطر بن خليفة، عن أبي جعفر محمد بن علي بن حسين، عن أبيه، عن جدّه حسين ابن علي قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم): مَن ذُكرت عنده فخَطِئ الصلاة علي خطِئ طريق الجنة» [58].

3ـ «حدّثنا يحيى بن عبد الباقي، ثنا محمد بن سليمان لوين، ثنا عبد الحميد بن سليمان، عن عمارة بن غزية، عن فاطمة بنت الحسين، عن أبيها: أنّ عبد الله بن عمرو جاء إلى النبي (صلّى الله عليه وسلّم)، فقال: يا رسول الله، أمِنَ الكِبَر أن ألبس الحلّة الحسنة؟ قال: لا. قال: فمَن الكِبَر أن أركب الناقة النجيبة؟ قال: لا. قال: أفمِنَ الكِبَر أن أصنع طعاماً؛ فأدعو قوماً يأكلون عندي، ويمشون خلف عقبي؟ قال: لا. قال: فما الكبر؟ قال: أن تُسفّه الحق، وتغمص الناس»[59].

4ـ «حدّثنا الحسين بن إسحاق التستري، ثنا يحيى الحماني، ثنا ابن المبارك، عن الحسين ابن علي (رضي الله عنه)، عن أُمّه فاطمة بنت الحسين، عن أبيها الحسين بن علي (رضي الله عنه)، قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم): لا تديموا النظر إلى المجذمين» [60].

الطائفة الرابعة: الروايات الإصلاحية العبادية

1ـ «حدّثنا محمد بن الفضل السقطي، ثنا سعيد بن سليمان، ثنا الهياج بن بسطام، ثنا عنبسة، عن محمد بن سليمان، عن علي بن الحسين، عن أبيه: أنّ رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) قال: اعتكاف عشرٍ في رمضان كحجّتين وعمرتين»[61].

2ـ «حدّثنا محمد بن كثير، أخبرنا سفيان ثنا مصعب بن محمد بن شرحبيل، حدثني يعلى بن أبي يحيى، عن فاطمة بنت حسين، عن حسين بن علي، عن أبيها قال: قال رسول الله
(صلّى الله عليه وسلّم) : للسائل حقٌّ، وإن جاء على فرس»[62].

3ـ «حدّثنا أبو خليفة الفضل بن الحبا ب الجحمي وإبراهيم بن هاشم البغوي، قالا: ثنا عبد الرحمن بن سلام الجمحي، ثنا هشام أبو المقدام، عن أُمّه فاطمة بنت الحسين، عن أبيها (رضي الله عنه): أنّ النبي (صلّى الله عليه وسلّم) قال: مَن أصابته مصيبة، فقال إذا ذكرها: إنّا لله وإنّا إليه راجعون، جدّد الله له من أجرها مثل ما كان يوم أصابته»[63].

4ـ «حدّثنا مسعدة بن سعد العطار المكي، ثنا إبراهيم بن المنذر الحزامي، ثنا إسحاق ابن إبراهيم مولى جميع بن حارثة الأنصاري، حدّثني عبد الله بن ماهان الأزدي، حدّثني فايد مولى عبيد الله بن أبي رافع، حدّثتني سكينة بنت الحسين بن علي، عن أبيها، قال: قال رسول (صلّى الله عليه وسلّم): حملة القرآن عرفاء أهل الجنة يوم القيامة»[64].

 الخاتمة وأبرز النتائج

تظافرت الروايات الشريفة في أولويات الإصلاح عند الإمام الحسين عليه السلام فكراً وعقيدةً، مشعرةً بتضمينها لقيمٍ متعدّدة، تحاول بناء الإنسان سلوكاً وتهذيباً.

اشتمال الروايات على أسانيد اقتربت من الصحّة، ممّا تؤيّد وجودها واشتهارها واعتبارها عند مدرسة الجمهور.

تعدّ قضية الإمام الحسين عليه السلام قضية مشتركة؛ لما حوته شخصيته الرسالية من صفات تخلّد امتداده الزماني والمكاني عبر التاريخ.

وجود الروايات بكثرة عددية في كتب الجمهور يؤدّي إلى معنى الاعتبار والشاهد لدى المحقّقين في علم الرجال والحديث.

تعدّد الملاكات العلمية للروايات الإصلاحية يُشعر بأهمّية الإصلاح في الثورة الحسينة، بل في النهضة كلّها إصلاح.

يُعد الإصلاح الحسيني امتداداً للإصلاح القرآني في مفهومه ومصداقه.

تُوصي الباحثتان بتركيز الدراسات التربوية والنفسية حول مفاهيم الروايات الشريفة.

كما تُوصي الباحثتان بتقديم الدراسات الرجالية والحديثية فيما يرتبط بسائر الأئمّة المعصومين عليهم السلام، وتحقيقها في كتب الجمهور.

 

 

 


[1] م. د. هنـاء حســين علوان جامعة الكوفة/كلّية الفقه.

م. د. آمال حسين علوان  / جامعة الكوفة/كلّية الفقه.

[2] اُنظر: ابن النديم، محمد بن إسحاق، الفهرست: ص252.

[3] الزهراني، علم الرجال نشأته وتطوره: 26.

[4] اُنظر: الذهبي، محمد بن أحمد، تذكرة الحفّاظ: ص2751.

[5] الذهبي، محمد بن أحمد، سير أعلام النبلاء: ج3، ص280.

[6] المصدر السابق.

[7] المصدر السابق.

[8] ابن أبي حاتم الرازي، عبد الرحمن بن محمد، الجرح والتعديل: ج3، ص55.

[9] الحاكم النيسابوري، محمد بن عبد الله، المستدرك: ج3، ص176ـ177.

[10] يقول ابن حجر العسقلاني (ت852هـ): «إنّ الحديث الصحيح ينقسم أقساماً، وأعلاها شرط البخاري ومسلم، وهي الدرجة الأُولى من الصحيح، وهو أن يرويه عن رسول الله عليها السلام صحابي زائل عنه اسم الجهالة، بأن يروي عنه تابعيان عدلان، ثمّ يرويه عنه التابعي المشهور بالرواية عن الصحابة، وله راويان ثقتان، ثمّ يرويه عنه من أتباع التابعين حافظ متقن، وله رواة ثقات من الطبقة الرابعة، ثمّ يكون شيخ البخاري أو مسلم حافظاً مشهوراً بالعدالة في روايته، وله رواة، ثمّ يتداوله أهل الحديث بالقبول إلى وقتنا، كالشهادة على الشهادة». ابن حجر العسقلاني، أحمد بن علي، النكت على كتاب ابن الصلاح: ص41.

[11] ابن الصلاح، عثمان، علوم الحديث: ص19.

[12] السيوطي، جلال الدين، تدريب الراوي: ص65ـ 66.

[13] الطبراني، سليمان بن أحمد، المعجم الكبير: ج4، ص155ـ156.

[14] ابن عساكر، علي بن الحسن، ترجمة الإمام الحسين عليه السلام: ص60. اُنظر: ابن الأثير، علي بن أبي الكرم، أُسد الغابة: ج2، ص19.

[15] ابن عساكر، علي بن الحسن، ترجمة الإمام الحسين عليه السلام: ص60ـ61.

[16] ابن حجر العسقلاني، أحمد بن علي، فتح الباري: ج7، ص78.

[17] المصدر السابق: ج3، ص35.

[18] المصدر السابق: ص35ـ36.

[19] المصدر السابق.

[20] المصدر السابق.

[21] المصدر السابق .

[22] الطبراني، سليمان بن أحمد، المعجم الأوسط: ج6، ص10.

[23] الطبراني، سليمان بن أحمد، المعجم الكبير: ج3، ص36.

[24] المصدر السابق: ص36ـ37.

[25] المصدر السابق: ص37.

[26] النسائي، أحمد بن شعيب، السنن الكبرى: ج5، ص149.

[27] الطبراني، سليمان بن أحمد، المعجم الكبير: ج3، ص37.

[28] المصدر السابق: ص38.

[29] هكذا في المصدر .

[30] المصدر السابق.

[31] المباركفوري، محمد عبد الرحمن، تحفة الأحوذي: ج10، ص186.

[32] الطبراني، سليمان بن أحمد، المعجم الكبير: ج3، ص40.

[33] النسائي، أحمد بن شعيب، السنن الكبرى: ج5، ص149.

[34] المصدر السابق.

[35] الطبراني، سليمان بن أحمد، المعجم الكبير: ج3، ص95. اُنظر: ابن عساكر، علي بن الحسن، تاريخ مدينة دمشق: ج14، ص126. بسندٍ آخر: الزرندي الحنفي، محمد، نظم درر السمطين: ص194.

[36] الطبراني، سليمان بن أحمد، المعجم الكبير: ج3، ص95. اُنظر: المتقي الهندي، علي بن حسام الدين، كنز العمال: ج13، ص657. ابن عساكر، علي بن الحسن، ترجمة الإمام الحسين عليه السلام: هامش ص45.

[37] الطبراني، سليمان بن أحمد، المعجم الكبير: ج3، ص98.

[38] الذهبي، محمد بن أحمد، سير أعلام النبلاء: ج3، ص285.

[39] المصدر السابق: ص254 (الهامش).

[40] ابن حنبل، أحمد، مسند أحمد: ج4، ص172. ابن ماجة، محمد بن يزيد، السنن: ج1، ص144. الترمذي، أحمد بن عيسى، سنن الترمذي:ج5، ص324. الحاكم النيسابوري، محمد بن عبد الله، المستدرك: ج3، ص177.

[41] اُنظر: الحاكم النيسابوري، محمد بن عبد الله، المستدرك: ج3، ص177.

[42] ابن أبي الدنيا، عبد الله بن محمد، التواضع والخمول: ص142. اُنظر: ابن عساكر، علي بن الحسن، تاريخ مدينة دمشق: ج14، ص181.

[43] اُنظر: ابن الأثير، علي بن أبي الكرم، الكامل في التاريخ: ج3، ص266.

 

[44] الهيثمي، علي بن أبي بكر، مجمع الزوائد: ج9، ص192.

[45] ابن عساكر، علي بن الحسن، تاريخ مدينة دمشق: ج4، ص332.

[46] الطبراني، سليمان بن أحمد، المعجم الكبير: ج3، ص133.

[47] ابن فارس، أحمد، معجم مقاييس اللغة: ج3، ص303.

[48] هود: آية88 .

[49] الأعراف: آية56.

[50] المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج44، ص329.

[51] اُنظر: الياسري، عبد الكاظم، تأمّلات في وصية الإمام الحسين، مقال منشور في موقع مكتبة العتبة الحسينية: Imamhussain-lib.com.

[52] الهيثمي، علي بن أبي بكر، مجمع الزوائد: ج9، ص21.

[53] الطبراني، سليمان بن أحمد، المعجم الكبير: ج3، ص131. الهيثمي، علي بن أبي بكر، مجمع الزوائد: ج8، ص188.

[54] الطبراني، سليمان بن أحمد، المعجم الكبير: ج3، ص128. اُنظر: ابن عبد البر، يوسف بن عبد الله، الاستيعاب: ج1، ص198.

[55] الطبراني، سليمان بن أحمد، المعجم الكبير: ج3، ص131. الهيثمي، علي بن أبي بكر، مجمع الزوائد: ج4، ص30.

[56] الطبراني، سليمان بن أحمد، المعجم الكبير: ج3، ص133.

[57] الحاكم النيسابوري، محمد بن عبد الله، المستدرك: ج1، ص549. ابن حجر العسقلاني، أحمد بن علي، فتح الباري: ج11، ص144.

[58] المتقي الهندي، علي بن حسام الدين، كنز العمال: ج1، ص491.

[59] الطبراني، سليمان بن أحمد، المعجم الأوسط: ج9، ص43.

[60] الطبراني، سليمان بن أحمد، المعجم الكبير: ج3، ص131. ابن حنبل، أحمد، مسند أحمد: ج، ص78. بسندٍ آخر.

[61] الطبراني، سليمان بن أحمد، المعجم الكبير: ج3، ص128. المتقي الهندي، علي بن حسام الدين، كنز العمال: ج8، ص530.

[62] السجستاني، سليمان بن الأشعث، سنن أبي داوود: ج1، ص375. ابن حنبل، أحمد، مسند أحمد: ج1، ص201. البيهقي، أحمد بن الحسين، السنن الكبرى: ج7، ص33.

[63] الطبراني، سليمان بن أحمد، المعجم الكبير: ج3، ص132. اُنظر: الطبراني، سليمان بن أحمد، المعجم الأوسط: ج5، ص161. المتقي الهندي، علي بن حسام الدين، كنز العمال: ج3، ص300.

[64] الطبراني، سليمان بن أحمد، المعجم الكبير: ج3، ص132.

 
 
البرمجة والتصميم بواسطة : MWD