1439 / جمادی‌الآخرة / 4  |  2018 / 02 / 21         الزيارات : 570327         صلاة الصبح |         صلاة الظهر والعصر |         صلاة المغرب والعشاء |

الإمام الحسين (عليه السلام) مصباح هدى وسفينة نجاة

{ آية الله السيد محمد تقي المدرسي }
الإمام الحسين (عليه السلام) مصباح هدى وسفينة نجاة

تمهيد
بسم الله الرحمن الرحيم
قال الإمام الحسين بن علي عليهما السلام:
دخلتُ على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعنده أُبيّ بن كعب, فقال لي رسول الله (ص): مرحباً بك يا أباعبدالله, يا زين السماوات والأرضين, فقال له اُبيّ: وكيف يكون يا رسول الله زين السماوات والأرضين أحد غيرك؟ فقال: يا اُبيّ والّذي بعثني بالحقّ نبيّاً, إنّ الحسين بن عليّ في السماء أكبر منه في الأرض, فإنّه لمكتوب عن يمين عرش الله: مصباح هدى وسفينة نجاة وإمام خير ويمن وعزّ وفخر, وبحر علم وذخر, وإنّ الله عزّوجلّ ركّب في صلبه نطفة طيّبة مباركة زكيّة.
بحارالأنوار, ج36,ص 204, الحديث 8
تمهيد
لقد اصطفى الله من عباده الصالحين أئمة هداة، وجعلهم حججاً بالغة على جميع خلقه، وقال: (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَممَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بآَيَاتِنَا يُوقِنُونَ )(السجدة/24)
وقال سبحانه: (أولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ )(الانعام/90)
أوَلم يكف البشرية رسول واحد يستضيء بنوره الناس على مر العصور؟ دعنا نعود إلى البداية لنعرف الإجابة، أو تدري متى تتوقف عقارب الزمن ويتكلس العصر، ويتجمد الإنسان ويسوده التخلف، ويحكم الإرهاب ويتسلط الظالمون؟
الزيف غياب المسؤولية
تماماً عندما ترين على الأفئدة طبقة سوداء من الأفكار التبريرية والمعاذير الخادعة، فيتحلل كل الناس عن مسؤولياتهم، كل باسم عذر وبتبرير كاذب. فيقول البسطاء والمستضعفون: إننا لا نعرف طريقاً لمقاومة الظالمين، إنما نحن بؤساء محرومين نتبع كبراءنا وساداتنا أو السابقين الأولين من آبائنا، كما يصف القرآن الكريم ذلك بقوله: (أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَآ أَشْرَكَ ءَابَآؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُكُنَّا ذُرِّيَّةً مِن بَعْدِهِمْ )(الاعراف/173)
أما الأثرياء فهم الذين يخافون الفقر ويخشون المساواة والمحرومين ويقولون: (وَقَالُوا إِن نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أرْضِنَآ )(القصص/57)
ويقولون: (قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الاَرْذَلُونَ )(الشعراء/111)
بينما تجد أنصاف المثقفين وأدعياء الدين يسكتون عن الباطل ويداهنون الظالمين ويرضون بفتات من خيرات السلطان، وكما يصفهم القرآن: (فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً )(البقرة/79)
ويقول عز من قائل: (يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَوَاضِعِهِ )(المائدة/13)
وإن هؤلاء هم أخطر الفئات على المجتمع، لأنهم يسرقون سلاح العلم والدين من أيدي المحرومين، ويضعونه بأيدي المستكبرين والطغاة لقاء دراهم معدودة.
وليس لا يقاومون الظلم والاستكبار فقط، وإنما يحذرون الناس ويشيعون بينهم أفكاراً سلبية وانهزامية، وما الأمثلة الجاهلية الشائعة حتى اليوم بين الطبقات المحرومة إلا من بقايا ثقافة وعاظ السلاطين وخول الطغاة من المتثقفين الخونة وأدعياء الدين السفلة.
إنهم أشاعوا بين الناس بأن السلطان ظل الله، وأن من تسلط على الرقاب بالسيف فهو أحق الناس بالطاعة، وأن الحشر مع الناس عيد وإن كان إلى سعير جهنم، وأن معنى التقاة السكوت عن الطغاة، وأن اليد التي لا تقدر على قطعها استسلم لها وقبلها، وأن من تزويج أمي فقد أصبح أبي وعمي.. وعشرات من الأفكار الشيطانية الزائفة.
إن هذه الطبقة من زيف المعاذير الشيطانية، والأفكار الانهزامية والسلبية التي غلقت أفئدة الناس بمختلف فئاتهم كانت وراء فساد السلطة، وزيغ الثقافة، وسوء التربية والأخلاق، والفقر والظلم والحرمان وما يستتبع ذلك من العصيان والشرك والكفر.
فيا ترى أنى لنا النجاة منها؟
لقد أودع الله في ضمير البشري فطرة طاهرة وعقلاً نيراً ونفساً لوامة، وهو القائل: (وَنَفْسٍ وَمَا سسَوَّاهَا ? فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَققْوَاهَا )(الشمس/7-8) وأيد ذلك الضمير برسالاته التي تواترت، وكتبه التي تواصلت.. كلما امتدت يد التحريف إلى رسالة، وفسرها خدم السلاطين المترفين تفسيرات خاطئة، ابتعث الله رسولاً قائماً برسالات الله، لتكون حجة عليهم.
ثم أكمل حجته بأوصياء هداة وصديقين شهداء، تصدوا للتأويلات الباطلة والتفسيرات التحريفية، حتى أبانوا الحق وأظهروه، ودحضوا الباطل وأسقطوه.
إن أعظم محاور الرسالات وأعظم أهداف الرسل وخلفائهم، كان تبديد زيف التأويل الباطل عن الدين، ونفي الأعذار الشيطانية التي تخلف الناس عن الدين بسببها.
وقد خاض أنبياء الله وأولياؤه المؤمنون صراعاً مريراً من أجل نسف الأعذار والتأويلات الزائفة التي نشرها أدعياء الدين بين الناس.. وسعوا جاهدين لكي يبقى مشعل الرسالة زكياً نقياً وضّاءً بعيداً عن زيف التبرير وزيغ التأويل، لكي لا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل.
لقد رسموا بجهادهم وجهدهم وكذلك بدمائهم الزكية خط الرسالة التي تتحدى الطغاة المستكبرين في الأرض، المتسلطين على الناس زوراً وعدواناً، والمترفين المستغلين لجهود المستضعفين والعلماء الفاسدين الخانعين اليائسين.
وكانت نهضة أبي عبد الله الحسين عليه السلام علماً بارزاً في هذا الطريق الشائك، حيث كانت رسالة جده المصطفى عليه وعلى آله صلوات الله أعظم انتفاضة للضمير وتوهج العقل، وأسمى ابتعاث لدين الله الخالص من زيغ التأويل وزيف التبرير.
لقد كانت المشكاة الصافية التي أضاء عبرها مصباح الوحي كل الآفاق، ولكن الشجرة الأموية الملعونة في القرآن التي جسدت في الجزيرة العربية دور فراعنة السلطة والثروة، ودهاة المكر والتضليل، والتي صدت عن سبيل الله والرسالة في بدر وأحد والأحزاب، لقد كانت هذه الشجرة لا تزال قائمة؛ وقد أوكلت مهمة اجتثاثها وتصفية الرواسب الجاهلية التي تغذيها إلى خلفاء الرسول (ص) .
وها هم طفقوا يتسللون إلى المجتمع الناشئ ليزرعوا فيه بذور النفاق والشقاق، إنهم كما الخلايا السرطانية امتدوا إلى كل نفس طامعة، وقلب حاقد، ومستكبر بتوثب للسلطة، ومترف يبحث عن مصالحه.
وفي غفلة من الزمن تحققت رؤيا رسول الله (ص) الذي أخبر أصحابه عنها ذات يوم أنه رأى قردة ينزوون على منبره.. فإذا بهذا الحزب الاستكباري يستغل الأوضاع المتوترة في عهد عثمان، ويقوم بما يشبه انقلاباً عسكرياً يقوده ابن أبي سفيان معاوية، ويخوض أصحاب النبي الميامين بقيادة أميرهم المقدام وإمامهم الهمام سيد الأوصياء علي بن أبي طالب عليه السلام يخوضون ضدهم حرباً ضروساً في صفين لا تختلف عن حروب رسول الله ضد سلطة قريش.
وإذا سقط الإمام علي شهيداً في محراب الكوفة بسيف غادر شحذة بنو أمية، وإذا مضى نجله الإمام الحسن مسموماً ضمن مؤامرة أموية، فإن للإمام الحسين دوراً متميزاً في كربلاء، حيث يقتلع جذور الشجرة الخبيثة بإذن الله، وبالدم المظلوم الذي يهزم سيف البغي والعدوان، ولا يكون هنا غدر ابن ملجم وسم جعدة.
كلا؛ لقد جاء دور المواجهة السافرة.
________________________________________
كربلاء مشعل كشف الزيف
وهكذا أصبحت ملحمة كربلاء رمز المواجهة بين الحنفية البيضاء والشرك المتلصص، بين الحق الخالص الصريح والباطل المدنس المزخرف، بين الشجاعة والبطولة والتحدي وبين التذبذب والانطواء والتبرير.
وأصبح الإمام الحسين لواء منشوراً لكل من يريد مقاومة الحكام المتسترين بالدين، وتحريف العلماء الخونة للدين وسكوت المتظاهرين بالدين وضد الدين المزيف الذي أضحى سلاحاً فتاكاً على الدين الحق، وضد المتظاهرين بالدين الذين تظاهروا ضد الخط الإيماني الصادق.
وهكذا أضاء أبو عبد الله الحسين عليه السلام على امتداد التاريخ درب المؤمنين المستضعفين الذي تآمر ضدهم ثالوث النفاق والدجل والجبن، هؤلاء المحرومين الذي تظاهر ضدهم المهووسون بالسلطة ووعاظ السلاطين والمترفون مصاصو دماء الفقراء.
وأية راية حق حاربت من أجل الله حملت شعار (يا لثارات الحسين)، وأي تجمع صالح قرر التحدي وضع نصب عينيه دروس كربلاء، وأي رجل عقد العزم على أن يكون فداء لدينه كان مثاله الأسمى السبط الشهيد..
وتبقى حاجتنا إلى مشعل سيد الشهداء ما دمنا نواجه نفاقاً أموياً، ودجلاً شريحياً، وخيانة كالتي كانت عند أهل الكوفة.. وأنى يكون لنا يوم نتخلص من هذا الثالوث الخبيث؟
كلا؛ ما دامت الدنيا باقية فإن فتن الشيطان ووساوسه قائمة، وليس بالضرورة أن يكون المنافق أموياً سافراً، أو شريحاً قاضياً عنده كما وعاظ السلاطين، أو جبناء متظاهرين بالخيانة..
كلا؛ ليس بالضرورة أن يكون كذلك، فقد يكون المنافق متظاهراً بحب السبط الشهيد، والدجال متحدثاً باسمه، والجبان ينضوي تحت لوائه.. أو لم يرق أحدهم منبر الحسين فقال: مالنا والدخول بين السلاطين، ويحرم تعاطي السياسة، ولم يفكر أن المنبر الذي اتخذه وسيلة معاشه لم يقم إلا على دماء السبط الشهيد عليه السلام ، وأن الإمام الحسين أعلن بكل صراحة أن مثله لا يبايع مثل يزيد؟
وإن الشيطان الذي حرف كتاب الله المبين، وفسر سيرة سيد المرسلين وحكم باسم كتاب الله وتحت شعار خليفة رسول الله بالجور والعدوان، إنه قادر أيضاً على تحريف نهج الحسين، وتفسير واقعة كربلاء بما يخدم مصالحه ويتماشى وأهوائه النفسانية.
من هنا كان على الذين وعوا حكمة النهضة الحسينية، وعقدوا العزم على أن يعيشوا نهج سيد الشهداء رغم الصعاب، والذين تساموا إلى حيث جوهر الإسلام وروح الإيمان وعصارة تاريخ الأنبياء.. إلى حيث الصراع ضد الجبت والطاغوت، على هؤلاء أن لا يدعوا راية السبط الشهيد تسرق من قبل الدجالين والمنافقين والمترفين، فإذا بهم يحاربون نهج الحسين باسم الحسين كما حارب بنو أمية نهج رسول الله باسم رسول الله، ونهج كتاب الله باسم كتاب الله.
فحرام أن نعيش دهراً على شاطئ الحسين عليه السلام محرومين من ماء الحياة، من العزم الحسيني، من الشجاعة الحسينية، من العطاء الحسيني، من الكرم والإيثار، من المواجهة والتحدي.. من كل تلك المعطيات التي زخرت بها ملحمة كربلاء الثائرة.
إن الحسين كما جاء في حديث جده المصطفى? "مصباح الهدى وسفينة النجاة"(1)، وأنه من الرسول والرسول منه(2)، إنه إمام المسلمين وحجة الله وهو أعظم من مجرد تراجيديا كما أن كربلاء أسمى من مجرد فلكلور، إنه وريث الأنبياء وترجمان الأوصياء وقدوة الأتقياء، إنه مدرسة التوحيد.
أو لم تقرأ دعاءه في يوم عرفة؟ إن هذا نهج السبط الشهيد فهل يجوز اختصاره في بضعة كلمات تراجيديا؟
إنه يمثل الإسلام، أو ليس هو إمام الأمة وحجة الله؟
ومن هنا يجدر بنا أن نتخذه إماماً في كل مناهجه وشرائعه.
________________________________________
عرفان الرب
أولاً: يوم انصهر في بوتقة التوحيد وعرفان الرب وزكاة القلب، والتبتل في الليل، وكان حاله تأويلاً صادقاً لقوله سبحانه: (كَانُوا قَلِيلاً مِنَ الَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ ). (الذاريات/17)
وما دعاؤه في يوم عرفة إلا قبساً من نور توحيده، ووهجاً من شوقه إلى رضوان ربه، وفيضاً من حكمته الإلهية.
ألا تراه واقفاً في صحراء عرفات تحت شمس الظهيرة اللاهبة، وقد رفع كفيه الضارعتين إلى ربه، وجرت دموعه الدافئة على خده، وهو يخاطب ربه بكل عفوية وانسياب ويقول: "أنت كهفي حين تعييني المذاهب في سعتها، وتضيق بي الأرض برحبها، ولولا رحمتك لكنت من الهالكين، وأنت مقيل عثرتي، ولولا سترك إياي لكنت من المقبوحين وأنت مؤيدي بالنصر على أعدائي، ولولا نصرك إياي لكنت من المغلوبين. يا من خص نفسه بالسمو والرفعة، فأولياؤه بعزه يتعززون، يا من جعلت له الملوك نير المذلة على أعناقهم فهم من سطواته خائفون، يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، وغيب ما تأتي به الأزمنة والدهور، يا من لا يعلم كيف هو إلا هو، يا من لا يعلم ما هو إلا هو"(3).
هذا القلب الكبير الذي استقبل نفحات الرب في عرفات الحجاز.. هو القلب الذي استقبل تحديات الموت في يوم عاشوراء بتلك النفحات عندما ازدلف عليه أكثر من ثلاثين ألفاً من أعدائه يريدون قتله فتوجه إلى ربه ضارعاً وقال: "اللهم أنت متعالي المكان، عظيم الجبروت، شديد المحال، غني عن الخلائق، عريض الكبرياء، قادر على ما تشاء، قريب الرحمة، صادق الوعد، سابغ النعمة، حسن البلاء، قريب إذا دعيت، محيط بما خلفت، قابل التوبة لمن تاب إليك، قادر على ما أردت، ومدرك ما طلبت، وشكور إذا شكرت، وذكور إذا ذكرت، أدعوك محتاجاً وأرغب إليك فقيراً وأفزع إليك خائفاً وأبكي مكروباً واستعين بك ضعيفاً وأتوكل عليك كافياً، أحكم بيننا وبين قومنا"(4).
هذا هو الإمام الحسين عليه السلام علينا أن نسمو إلى درجة اتباعه في زهده وتقواه، في تبتله وعبادته، في سلوكه وخلقه.
________________________________________
سلسبيل الحب
ثانياً: ويوم نشأ بسلسبيل حب الله والرسول وعترته فكانت نفسه طاهرة من أدران الشرك ووساوس الشك، وحوافز الشر وغل الحسد والحقد والعصبيات المادية، وحين نقف على ضريحه المبارك نترنم "أشهد أنك طهر طاهر من طهر طاهر، طهرتَ وطهرت بك البلاد، وطهرت أرض أنت بها وطهر حرمك"(5).
الطاعة سبيل اليقين
ثالثاً: ويوم وقف بعزم صادق ونية خالصة إلى جانب أمه الصديقة الزهراء في معركة فدك، وإلى جانب والده الإمام علي عليه السلام في يوم الجمل وفي صفين والنهروان، وإلى جانب أخيه الإمام الحسن عليه السلام في حربه وسلمه.
وهكذا كانت طاعته لقيادته الإلهية خالصة من أية شائبة.. ذاب فيها كما تذوب قطرة ماء زلال في بحر فرات.
ونحن -إن نتبعه- نروض هوى النفس في ذواتنا لنصبح جزء من تيار التحرك لا نريد لأنفسنا جزاء ولا شكوراً.
وهكذا نقرأ في زيارته: "وأطعت الله ورسوله حتى أتاك اليقين"(6).
وهكذا الطاعة سبيل اليقين، ومن يرفض الطاعة بمعاذير يلقيها إليه الشيطان يصبح ضحية الوساوس طوال حياته.
________________________________________
نهج الحياة
رابعاً: وأخيراً نتبعه يوم توج تلك الحياة الربانية بشهادته لتكون نهج حياة.
ويوم شهادته كان السبط مثلاً أعلى لكل التضحيات وحجة بالغة علينا فيها.
لقد قدم في يوم واحد كلما يمكن أن يقدمه إنسان في سبيل ربه، كما ضرب أنصاره الكرام أروع الأمثلة في الإخلاص والإيثار. وهكذا كان الإمام حجة بالغة على كل متقاعس عن الجهاد، متخاذل خنوع.
إنهم يتقاعسون عن الجهاد حفاظاً على أموالهم ودورهم وضياعهم كما خشي عمر بن سعد وخرج بذلك لقتال الإمام الحسين بكربلاء.
أو لم يكن للإمام ضياع ودور وأموال فتركها لله عندما قرر القيام ضد طاغية زمانه؟!
ويتقاعس البعض عن الجهاد خوفاً على سمعته أن تنالها أجهزة التضليل الحكومية!!
أو لم يكن سيد الشهداء قد تعرض لذلك التشويه فقالوا عنه: إنه قتل بسيف جده، ونشروا في عرض البلاد وطولها إنه خارجي، وكانت مئات الألوف من المنابر التي أقامها النبي للدعوة إلى الله، تبث الزيغ والتبرير، والتحريض على المجاهدين الأوفياء لدين الله، وضد أبي عبد الله الحسين عليه السلام بالذات؟
وينكفئ البعض عن واجبه الشرعي لأنه يخشى على عائلته وأسرته أن تتضرر في زحمة الصراع السياسي.
بالله عليكم أي أسرة أشرف من أسرة النبي?، وأي أهل بيت أعظم من أهل بيت الوحي، وقد حملهم معه سيد الشهداء إلى كربلاء ليكونوا معه على تلك المجزرة الرهيبة، ثم دعاة إلى القيام ضد بني أمية، وقد تعرضت لكل ألوان البلاء وأشدها إساءة حتى قتلوا واسروا طافوا بهم البلاد، يتصفح وجوههم أهل المنازل والمناهل، وهم حرم رسول الله، ومهابط وحي الله، ومعادن حكمته.
وبعض الناس يزعمون أن القيادة ينبغي أن تكون محمية بعيدة عن الخطر.. وأي قائد أعظم من حجة الله وسبط الرسول وكهف المحرومين أبي عبد الله عليه السلام ، وها هو يقدم نفسه للفداء قرباناً إلى ربه ودفاعاً عن الرسالة..
وهكذا كان ولا يزال السبط الشهيد شاهداً خالداً علينا -نحن المسلمين- ضد كل تبرير وعذر وتقاعس وانكفاء.
واليوم حيث يتعرض خط الرسالة للتشويه من قبل أبواق الكفر والنفاق، ما أحوجنا إلى الإمام الحسين عليه السلام ونهجه وسيرته وشهادته الدائمة على العصور.
وبصراحة؛ إن من يريد العزة والكرامة والاستقلال والرقي لابد أن يعد نفسه ومجتمعه إعداداً مناسباً، والنهج الحسيني هو الإعداد المناسب لكل تلك التطلعات. علينا اليوم أن ننفتح على هذه النفحة السماوية التي تفيض بها ملحمة عاشوراء.
تعالوا نفكر جدياً وجذرياً كيف نبدأ الانعطافة الكبرى في حياة أمتنا؟ ألا يكفي الذل والصغار، ألا يكفي التشريد والتشرذم، ألا تكفي الهزائم والويلات، ألا يكفي هتك الأعراض وقتل الأطفال و..و..؟
تعالوا نبني ذلك التجمع الناهض الذي يحتمي بظل الإسلام الحنيف والنهج الحسيني الثائر ضد فتن الجاهلية وبغي الاستكبار وقيد الجبارين ومكر الطامعين.
أجل إن الحسين مصباح الهدى وسفينة النجاة.. تعالوا نضيء جنبات حياتنا المظلمة بهذا المصباح الإلهي.
________________________________________
الفصل الأول: آية الهدى
الجانب الرباني من شخصية الإمام الحسين عليه السلام

من الملفت للنظر في حياة الإمام الحسين عليه السلام أن هناك خصيصة بارزة في حياته علينا أن نكتشفها ونعتصم بها، ألا وهي ربانيته، وتجرده في ذات الله تعالى، وذوبانه في بوتقة التوحيد، وابتعاده عن أي غل أو شائبة مادية.
ونحن لو تعرفنا على هذه السمة في حياة أبي عبد الله الحسين عليه السلام ، فإننا سوف لا نستطيع فقط أن نتعرف على جوانب شخصيته، بل سوف يكون بإمكاننا انتهاج نهجه، والاستنارة بسيرته، والرقي ولو بمقدار بسيط إلى تلك القمة التي كان عليه السلام قد سما إليها.
والطريق إلى تحقيق هذا الهدف واضح، فمن أراد الله تعالى فعليه أن يبدأ بأبوابه، وأبو عبد الله عليه السلام هو من أوسع هذه الأبواب، ومن أراد معرفة الحسين عليه السلام فلابد أن يبدأ بمعرفة ربه خالق السماوات والأرض.
والإمام الحسين عليه السلام لم يكن رجل حرب وبطل مواقف جهادية فحسب، وإنما كان يكمل مسيرته الجهادية بمسيرة عبادية. وفي هذا المجال يروى أنه قيل لعلي بن الحسين عليه السلام ما أقل ولد أبيك؟ فقال: "العجب كيف ولدت، كان أبي يصلي في اليوم والليلة ألف ركعة"(7).
إن هذا الرجل العظيم الذي كان يتفرغ إلى الله ويبكي ويتهجد ليلاً، هو نفسه الذي حمل السيف في يوم عاشوراء، وصرخ بذلك الدوي الذي ما زال هتافه يحرك الملايين: "هيهات منا الذلة" فالإيمان هو الذي يحدد مسار الإنسان، وهو الذي يوجب عليه أن يسلم تسليماً مطلقاً، ويكيّف مواقفه بحسب ما يأمره به الله تعالى.
________________________________________
التسليم المطلق
إن هذه الحالة (حالة التسليم المطلق) هي التي تفسر لنا جميع أبعاد شخصية الحسين عليه السلام ، ونحن نجد تجلياً لهذا الإيمان في الدعاء الذي قرأه عليه السلام في يوم عاشوراء وهو:
"اللهم أنت متعالي المكان، عظيم الجبروت، شديد المحال غني عن الخلائق، عريض الكبرياء، قادر على ما تشاء، قريب الرحمة، صادق الوعد، سابغ النعمة، حسن البلاء، قريب إذا دعيت، محيط بما خلقت، قابل التوبة لمن تاب إليك، قادر على ما أردت، تدرك ما طلبت، شكور إذا شكرت، ذكور إذا ذكرت، أدعوك محتاجاً، وأرغب إليك فقيراً، وأفزع إليك خائفاً، وأبكي إليك مكروباً، وأستعين بك ضعيفاً، وأتوكل عليك كافياً. اللهم أحكم بيننا وبين قومنا بالحق، فإنهم غرونا وخذلونا، وغدروا بنا، وقتلونا، ونحن عترة ولد نبيك وولد حبيبك محمد الذي اصطفيته بالرسالة، وأتمنته على الوحي، فاجعل لنا من أمرنا فرجاً ومخرجاً يا أرحم الراحمين)(8).
لقد قرأ أبو عبد الله عليه السلام هذا الدعاء عندما أحاط به ثلاثون ألفاً، وربما يكون عليه السلام قد قرأه بعد أن وقع أصحابه وأهله صرعى مضرجين بدمائهم على أرض كربلاء، ومع ذلك فقد كانت بصائر الإيمان تتلألأ وتتجلى في ملامحه، فكان كلما ازدادت المصاعب عليه ازدادت طلعته بهاء وانشراحاً، لأنه كان يعلم أنه قد نجح في أكبر تجربة، وأعظم بلاء فشل فيه الآخرون.
إن هذا الدعاء هو الذي جعل أبا عبد الله عليه السلام مقياساً وإماماً لنا وقدوة إلى الأبد، فمثل هذه الروح الإيمانية، والسمو المعنوي جعلا سيدنا أبا عبد الله عليه السلام شعلة وقادة في نفوس الملايين، بحيث إننا نجد اليوم ما نجده من بطولات وشجاعة المجاهدين المتبعين لنهج الحسين عليه السلام .
ولسوف تمتلئ الأرض عدلاً وحقاً بسيف حفيد أبي عبد الله الإمام الحجة المنتظر عجل الله فرجه الشريف حيث سيخرج هذا الإمام حاملاً سيفه وهو يهتف: (يا لثارات الحسين).
لابد من صبغة ربانية
ولذلك فإن نصرة الله تعالى للحسين عليه السلام سوف تتجلى في هذا اليوم، لأنه أعطى لله كل شيء، فهو تعالى الحبل الذي اعتصم به أبو عبد الله، ولا بد أن نعتصم به، وأن أهم وصية أوصى بها أنبياء الله وأوصياؤهم هي التقوى والتجرد من الذات، وهذه الوصية هي أحوج ما نحتاج إليه في حياتنا، وبالذات لمن يعمل في الساحة السياسية. فالإنسان الذي دخل ساحة السياسة لابد أن يدخل في لجج من الفساد الاجتماعي، والمشاكل، والقضايا المعقدة، فلابد للإنسان الرسالي من أن يزداد اتصالاً بالوحي والتعاليم الإلهية والرجال الربانيين.
ومن جهة أخرى، إن الإنسان الرسالي الذي يخوض المعترك السياسي يواجه ضغوطاً كبيرة، فالمستكبرون يوجهون إليه الضغوط من كل جانب، ومثل هذا الإنسان يختلف عن الإنسان العادي، إنه يحتاج إلى تقوى تحجزه من السقوط في مطبات كثيرة، ولذلك فإن الرساليين مدعوون اليوم أكثر من أي وقت مضى أن يجعلون صبغتهم العامة صبغة ربانية من خلال أسلوبين:
1- الاتصال بالقرآن الكريم.
2- البحث في سيرة أهل البيت?.
فنحن كلما بحثنا في سيرتهم عليه السلام وازددنا اتصالاً بهم، وازداد تمسكنا بنهجهم، بذلك يعصمنا الله من المشاكل والأزمات التي تحيط بنا.
هذه هي الوصية الأولى، أما الوصية الثانية تتمثل في إننا نحن المسلمين ما نزال متخلّفين في الاستنارة بالشعلة الحسينية الوقادة بالرغم من أن خطباءنا وكتّابنا الأماجد قد فعلوا الكثير في سبيل بث الروح الحسينية في نفوسنا، ولو إننا استفدنا من كل جوانب حياته عليه السلام وجعلناه قدوة وأسوة لنا لاستطعنا أن نصل إلى أهدافنا بسرعة أكبر، لذلك فإننا مطالبون بإلحاح لدراسة حياة أبي عبد الله الحسين عليه السلام وحياة الطيبين من أبنائه، والسائرين على دربه.
________________________________________
امتحان الاختيار في ثورة الحسين عليه السلام
ليست بطويلة تلك المسافة الزمنية التي تفصل بين ولادتين مباركتين كان فيهما مجد الأمة الإسلامية وعزتها وحياتها الخالدة بخلود رسالتها الإلهية وامتدادها؛ إنهما ولادتان لإنسان واحد جسد الكمال الذي تصبو إليه الإنسانية، ذلك هو السبط الشهيد الحسين عليه السلام ، وتلكما الولادتان هما الولادة الحقيقية يوم خرج ابن رسول الله (ص) من رحم الرحمة المرضي، رحم الطهارة والنور، فأنار الدنيا ومن عليها بإطلالته، ثم الولادة المعنوية التي كتبت له الخلد في كل ضمير حي ينشد الصلاح والخير.
إنها لقصيرة تلك المسافة إذا ما قورنت بذلك الدور التاريخي العظيم الذي ينبغي أن يؤدي في مثل هذا العمر الزمني. لقد ولد أبو عبد الله الحسين عليه السلام ، وفتح عينيه الشريفتين على نور الرسالة المباركة الذي ولد هو الآخر مع ولادته، فشاء الله تعالى أن يندمج نور الرسالة البهي بدم ولحم وروح هذا الوليد الطاهر، وأن يجعل بقاءها وخلودها في عمق الزمان رهن هذا الدم الزكي، وتلك الروح الطاهرة التي تجسدت بولادته وحياته الأبدية في يوم ذروة العطاء والتضحية، يوم كربلاء والشهادة.
________________________________________
سر عظمة وشموخ الحسين عليه السلام
وهنا يتبادر إلى أذهاننا السؤال المحوري التالي الذي يتضمن عدة تساؤلات: ما الذي جعل الإمام الحسين، حسين الحق الشامخ الأبي؟ وما السر الذي جعل أئمة العصمة الهداة أئمة وقادة لنا نحن المسلمين؟ ثم ما السر في وقوع الاختيار الإلهي على هذه العصبة الطيبة من الرجال الأفذاذ فأكرمهم بأنوار الرسالة بأن جعل منهم أئمة بعد أن اختار من أصولهم الأنبياء والرسل؟
هناك تفسير غيبي لا أريد تناوله لما فيه من عمق واتساع وبحث طويل لا يتسع له بحثنا هذا. فعلينا أن لا ننسى تلك الحقيقة الغيبية وهي أن لله سبحانه وتعالى في خلقه شؤوناً نحن قاصرون وعاجزون عن الوصول إليها إلا بمقدار معرفتها ظاهرياً، والتسليم المطلق لها، ولذلك فإن السؤال المحوري الذي طرحناه سيدور جوابه حول ما نفهمه ونعيه ونستفيد منه عملياً.
وأود أن أقدم لجواب هذا السؤال مقدمة هي عبارة عن ملاحظة استوحيتها واستلهمتها من مجمل آيات الذكر الحكيم، وآثار العترة الطاهرة التي هي عدل القرآن، هذه الملاحظة تتمثل في أن الله تعالى خلق الأشياء يوم فطر السماوات والأرض خلقاً واحداً، في حين أنه خلق الإنسان خلقين، فبأمره سبحانه خُلقت الأشياء وصارت وجوداً بتلك القوة الأزلية كما عبر عن ذلك جلت قدرته بقوله: (إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ )(يس/82)
فهذا الكون الذي نحسه ونبصره إنما كان رهن (كاف) و(نون) إلهية، ثم كانت التطورات والأشياء الأخرى من صنع الله القدير بأسباب وعوامل وسنن خارجة عن الأشياء. فتحولات الكون وتطوراته ومستجداته إنما وجدت بفعل تلك القوانين والسنن الكونية التي أودعها الله تعالى في الوجود، هذا في حين أنه تعالى عندما خلق الإنسان وفطره فإن إرادته شاءت أن يكون هذا الخلق الواعي والناطق مرة بيد قدرته وبصورة مباشرة، حيث قال جل وعلا: (إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلآَئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِن طِينٍ )(ص/71)، ومرة أخرى بيد الإنسان نفسه بعد أن منحه تعالى ميزة الاختيار وسمة الحرية.
ومنذ ذلك الوقت الذي أمضى فيه الصورة الثانية من الخلق، كانت هذه الميزة والسمة الجليلة مشتقة من اسمه المبارك، بل من أسمائه الحسنى وهي الحرية والاختيار والقدرة. ولقد بلغت هذه القدرة درجة وعظمة مكنته من أن يسمو ويرتفع إلى مقام ومنزلة من السمو والكمال تبلغ به قاب قوسين أو أدنى من الكمال إن شاء السمو والارتفاع وبلوغ الدرجات العلى؛ أما إذا شاء هذا الإنسان -والعياذ بالله- أن ينحدر ويهوي إلى أسفل سافلين، والدرك الذي لا يمكن لنا أن نتصوره فإن هذا بإمكانه أيضاً، لأن هذا يعود إلى حرية الاختيار والإرادة الممنوحة لهذا الإنسان بالفطرة.
________________________________________
إرادة الإنسان فوق كل قوة
إنني وحسب معرفتي ومعلوماتي لم أعثر على قوة ما يمكن أن تسيطر على ذات الإنسان الارادية وتفرض وجودها عليها. وبمعنى آخر؛ ليست هناك قوة تجبر الإنسان على تغيير سلوكه وتصرفاته من خارج ذاته، بل إن هذا التغيير لا يحصل إلا من ذات الإنسان، فالقوى الخارجية إنما تؤثر في الإنسان بصورة غير مباشرة، فهي تقصد التأثير على الذات أولاً وعندها تقرر الذات هذا التغيير، فيخرج إلى الفعل بقوتها؛ أي قوة الذات العقلية عند الإنسان.
لقد خُلق الإنسان حين خُلق من مزيج الطين والنور، ومن قبضة التراب التي تغلغلت بين ذراته نفحة الروح فكان خلقاً من جنة في جانب منه، ومن نار في جانب آخر، ويبقى مصيره حينئذ رهن اختياره وسلوكه، فإما أن يحوّل ذاته إلى السلب والنار؛ بأن يدس نفسه ويوغل ذاته في تراب الشهوات، وأوحال الأهواء الضالة، فيضيع في ركام التيه والخرافة فتصبح ذاته نارية بكل ما في الكلمة من معنى، فتحشر مع أهل جهنم وأصحاب السعير.
أما عندما تسلك الذات الطريق الموجب؛ طريق الارتفاع والعلوّ والتزكية والسمو نحو الكامل المطلق فإنها ستغدو حينئذ نوراً بإذن الله، فتنطلق مع أصحاب النور إلى المستقر الخالد والنعيم الأبدي في جنات عدن تجري من تحتها الأنهار.
طريقان لا ثالث لهما
فلتنظر الذات الإنسانية ولتبصر، فالطريق طريقان لا ثالث لهما؛ فإما إلى الأعلى مع العلي الأعلى، وإما إلى الأسفل مع الشيطان الأدنى، ولينظر الإنسان حينئذ في حياته وكدحه وفي الطريق التي يسلكها. (يَآ أَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاَقِيهِ )(الإنشقاق/6).
إن كل ما في القرآن وآثار العترة الطاهرة، بل إن جميع الرسالات التي حملها رُسل الله وأنبياؤه وأوصياؤه إنما تدور حول هذا المحور، فهي كلها تؤكد وتشير إشارات واضحة أن يا أيها الإنسان كن على يقظة وحذر، اصح من غفلتك، ابتعد عن مسالك الشيطان الكامنة في النفس الأمارة.. إن جميع الرسالات السماوية تصرخ بالإنسان أن عد إلى ذاتك، فإنك وحدك القادر على أن تصنع تلك النفس وتخرجها من حالة الأمر بالسوء إلى الأمر بالخير والكمال، فالحركة إنما تنطلق بالإرادة الكامنة في الذات الإنسانية.
وهذه الحقيقة هي التي تؤكدها المدرسة الحسينية، وتبثها من عمق الزمان منذ يوم مصرعه الدامي عليه السلام وحتى قيام الدولة الفاضلة المثلى على يد حفيده المهدي الموعود عليه السلام .
________________________________________
الإمام الحسين عليه السلام وامتحان الاختيار
والإمام الحسين عليه السلام بطبيعة تكوينه كأي مخلوق إنساني فُطر في خلقه الاختيار كأي إنسان، وقد امتحن عليه السلام بالتخيير في أوج حياته الرسالية، ويا له من تخيير! إنه التخيير بين أمرين، حتى أنه عليه السلام أكد بنفسه هذه الحقيقة وأشار إليها بقوله: ( ألا وإن الدعي ابن الدعي قد تركني بين السلة والذلة، وهيهات له ذلك، هيهات مني الذلة. أبى الله ذلك ورسوله والمؤمنون وجدود طهرت، وحجور طابت)(9).
فالحسين عليه السلام قد تم تخييره هنا وكان بإمكانه أن يختار ويسلك المسلك الذي يرتئيه، وهذا الواقع لا يمكن أن يفر منه إنسان، فكل واحد لابد أن يمر بامتحان الاختيار هذا في حياته، ويعرّض لابتلاءاته وفتنه بدءً من الرسل والأنبياء( وانتهاءً بمن هم دونهم ودون دونهم، فجميعهم مروا بامتحان التخيير، وعانوا فتنه ومصائبه، فكان عليهم في ذلك الخضم أن يختاروا ويقرروا الاتجاه والمسلك.
وقد اجتاز الإمام الحسين عليه السلام هذا الامتحان بأعلى درجات التفوق عندما ابتلي بالاختيار، فأطلق ذلك الهتاف الخالد الذي دوى في عمق التاريخ أن (هيهات مني الذلة). فهذه هي خيرة أبي عبد الله الحسين عليه السلام ، وهذا هو قراره التاريخي الذي بينه لكل من أراد أن يعيش في الحياة حراً. ونحن الذين ندّعي حب الحسين وموالاته لابد لنا من الاقتداء به ليكون هذا الاقتداء مصداقاً للحب والموالاة هذين.
والاقتداء هو قرار ذلك الامتحان؛ امتحان الخيرة الذي لا مفر من التعرض له، فأنا أرى أن من المستحيل أن يولد الإنسان في هذا الدنيا وينمو وينضج من دون أن يتعرض لفتن تقرر وترسم مصيره، فكل إنسان من ذكر وأنثى لابد أن يمر بمواقف وساعات الاختيار.
________________________________________
كيف نختار وما هي عوامل الاختيار؟
وهنا يبرز سؤال مهم في هذا الصدد وهو: كيف لنا أن نختار؟ وما هي العوامل التي تكون في عوننا ساعة الاختيار، ولحظات اتخاذ القرار التي هي لحظات خطيرة ومصيرية وتمتاز بكونها محدودة وخاطفة؟
من هذه العوامل عاملا التربية والوراثة اللذان تؤكدهما تلك الصرخة الثورية التي أطلقها أبو عبد الله الحسين عليه السلام في وجه الإستكبار والانحراف والاستبداد الأموي، وهناك عوامل أخرى يمكن للإنسان الإمساك بزمامها والتحكم بها؛ منها عامل الثقافة، وعامل تاريخ الإنسان وماضيه. فالإنسان المنقاد إلى ربه بمواظبته على أداء الفرائض العبادية، والمنشغل ليله ونهاره بذكر الله العظيم، هذا الإنسان متوجه بدمه ولحمه وروحه ونفسه وعقله إلى الله سبحانه، لاهج لسانه بترديد الدعاء الشريف (ربي لا تكلني إلى نفسي طرفة عين أبداً)(10). ولذلك فإن يد الرحمة الغيبية ستكون في عونه لإنقاذه في لحظة الاختيار، فتثبت قدمه، وتطمئن قلبه، لا تدعه يتزلزل وينهار، ولا تهجره ليصبح عرضة لفتن وابتلاءات الزمان.
ولا عجب من أن تمتد يد الرحمة الإلهية لعون هذا العبد، ذلك لأنه قد ذكر ربه في السراء من العيش فأجابه ربه وذكره حين الضراء والشدة. قال الله تعالى:
(فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ )(البقرة/152).
وعندما نقرأ تاريخ الإمام الحسين عليه السلام قراءة واعية وموضوعية، نجد أنه عليه السلام ولد ثانية في كربلاء ساعة نيله تلك المنزلة الرفيعة التي لم ينلها أحد من قبل، وهي منزلة ربانية اختارها الله تعالى له ليخلد مثالاً وضاءً في قلب التاريخ لا ينقطع شعاعه، ولا يخمد وهجه رغم كل محاولات الأمويين على امتداد هذا التاريخ.
________________________________________
الإمام الحسين عليه السلام مجمع الكرامات والفضائل
ترى لمَ هذا الاختيار الإلهي؟ ربما كان هناك من سبق الإمام الحسين عليه السلام من الأنبياء في الشهادة، وتلت قافلته مئات القوافل من المؤمنين الشهداء على طريقه، لكن شهادة الحسين عليه السلام تتجلى بنور خاص بها، إنها وسام رباني قلّ من نال شرفه.
ولعل أقدس المكرمات التي أعطيها الحسين عليه السلام أن جعل الله سبحانه منه استمرار ذرية الهداية والعصمة الطاهرة، ومنه عليه السلام أيضاً ينحدر أصل الإمام الحجة القائم المهدي (عجل الله فرجه الشريف) الذي يملأ الله به الأرض قسطاً وعدلاً بعد ما ملئت ظلماً وجوراً، فهذه هي أعلى المكرمات بعد الشهادة.
ثم إن من تلك الكرامات أيضاً أن جعل سبحانه في تربته الشفاء من الآلام والأسقام؛ ولعلنا كلّنا قد لمسنا وجربنا هذه الحقيقة، فالكثير منا يروي خلاصة من أخطار جمة لأنه كان يحمل معه حبات من تلك التربة الطاهرة التي امتزجت بقطرات دم سيد الشهداء ودم أصحابه الأوفياء.
وأنا هنا لا أريد أن أزج نفسي والقارئ في مخاض غيـبي، ذلك لأن للغيب مقدماته وأصوله وحديثه المسهب، ثم إن كل امرئ ليس قادراً على استيعاب وتحمل معاني الغيب وآفاقه الواسعة إلا ذلك الذي رُزق الحكمة، وأوتي البصيرة والتدبير والوعي، ولكني أريد البحث هنا في المعاني البسيطة الظاهرة للأذهان والمستلهمة من الظاهرة التاريخية.
وبعد أن انتهت فصول تلك الملحمة العظيمة في التاريخ البشري باستشهاد الإمام الحسين عليه السلام وصحبه الأوفياء همّ نجل الإمام الحسين الشهيد الإمام زين العابدين عليه السلام بحمل جثمان أبيه سيد الشهداء فوجد على ظهره آثار جرح ليس كبقية الجراح، فقد كان يبدو عليه القدم، فقال الإمام عليه السلام : حاشا لله أن يكون والدي قد جُرح من ظهره، وقد صدق زين العابدين عليه السلام فالحسين ما وّلى ولم يول ظهراً لعدو طلبه حتى يصاب في ظهره، فهذا هو شأن الأئمة( لأن معنى الانهزام وتوليه الأدبار لم يك يوجد في قاموس شجاعتهم وفروسيتهم، فمن أين مصدر الجرح هذا إذن؟ إنه وكما تقول الروايات آثار ذلك الجُراب (الكيس) الذي كان يحمله في تلك الليالي المظلمة، فقد كان عليه السلام يحمل على ظهره تلك الجراب الملأى بالمساعدات فيؤدي خدمة للعباد، ابتغاء مرضاة الله، فهذه الخدمات التي قد يستنكف بعضنا عن أدائها قد أداها أئمتنا المعصومون عليه السلام ومنهم الإمام الحسين.
إن هذه الأعمال الصالحة، والخدمات الإسلامية العظيمة لا تضييع عند الله سبحانه وحاشا له ذلك، إنها لابد أن تتحول في يوم من الأيام إلى خدمة كبيرة، ومنزلة عظيمة، ودرجات علوية في الآخرة كما هي في الدنيا، فهذه هي مسيرة الكمال والرفعة درجة بعد درجة حتى بلوغ القمة.
________________________________________
ماذا نستلهم من شهادة الحسين عليه السلام ؟
فإذا كانت الشهادات أوسمة رفيعة على صدور أصحابها يعلوها جميعاً وسام الإمام الحسين الأوّل، ترى ما الذي نستفيده ونستلهمه ونستوحيه من معانيها؟
إن من رام في حياته تحقيق أهداف سامية، وبلوغ نتائج عظيمة لابد له من بذل الجهود، وترويض النفس على الإيمان كي تتهيأ بذلك مقدمات بمستوى تلك الأهداف والنتائج السامية؛ فمن رام بلوغ القمم السامقة لابد أن يوجد في نفسه العزيمة والحيوية الكافيتين، وبدون ذلك لا يمكن تحقيق النتائج العظمى.
والذي أريد تأكيده هنا فيما يتعلق بنا -نحن المسلمين- في جميع أنحاء العالم، هو إننا لا ينبغي أن نركز ونؤكد فقد على تلك اللحظات الأخيرة من حياة سيد الشهداء عليه السلام ، فعلينا اليوم أن نفهم وندرك معاني حركة الإمام الحسين عليه السلام وحياته وأهدافه، ونعي معها تلك البصائر التي وضع ورسم خطوطها أبو عبد الله الحسين عليه السلام بدمه وجهاده ورسالته الثورية، فلابد لنا من التركيز على هذه البصائر وامتداداتها وأبعادها الواسعة. فنحن حينما نسأل الله وندعوه أن يرزقنا حسن العاقبة، ويوفقنا إلى عاقبة كعاقبة الحسين عليه السلام فعلينا أن نهتم بالبداية الحسنة، والبادرة الطيبة، وإلا فإن الهدف ليس سهل المنال كما قد يتصور أحياناً.
تربية الجيل الحسيني
وبمعنى آخر: إذا أردنا أن نبني مجتمعاً حسيني السمة والمنهج والمسيرة، ويتحدى الظلم، ويقارع الإرهاب، ويقاوم الاستبداد، ويقف متحدياً كل المؤامرات والدسائس الاستعمارية، فليس لنا طريق إلى ذلك غير أن ننشأ ونربي جيلاً حسينياً من كل جوانبه، متسلحاً بمبادئ الرسالة والثقافة الحسينية، ومستلهماً منها. فثقافة الحسين عليه السلام هي ثقافة القرآن أيضاً، وثقافة أبيه وجده(، وهي تجسيد حي للثقافة التي تضمنها نهج الجهاد والرسالة والحياة.
ونحن اليوم إذا وجدنا أن هناك في بلد ما نظاماً طاغوتياً متسلطاً، فلنعلم أن من المحال أن يكون هذا البلد قرآنياً، فلابد أن تكون قد حدثت قطيعة بين شعب هذا البلد وبين القرآن الذي تراه مصفوفاً على الرفوف يرقد عليه الغبار والتراب؛ وهذا الواقع المأساوي المرفوض ليس ببعيد عنا، أفلا يكفي أن يكون القرآن في متناول أيدينا وأسماعنا ثم بعد ذلك كله تجد ثقافاتنا بعيدة كل البعد عن ثقافة القرآن؟ أفلا عدنا من جديد إلى ألف باء الإسلام، وإلى تلاوة جزء عمّ وتبارك؟ فالذي يقود حركة الشعوب ونهضتها نحو التحرر والاستقلال والكرامة هو البصائر والرؤى والثقافات التاريخية العريقة التي بنت أمجاد الأمم والتي لا نراها غير البصائر والثقافات القرآنية.
بعد هذا كله دعونا نعود إلى البداية وننطلق منها ثانية، هلموا بنا نربي وننشأ أجيالنا وأطفالنا على تلك الرؤى والبصائر القرآنية؛ على نهج النبي الأكرم وأهل بيته وما رسموه لنا من خطوط في العمل والمواقف والسياسات.
إذن لابد لنا من أن ننهض نهضة قرآنية حسينية حقيقية تتجسد في واقع حياتنا المعاش، فعندما نتلو القررآن يجب أن نتلوه تلك التلاوة التي تحوّله إلى جزء من حياتنا وواقعنا. فهذا هو كله ما يجب أن نتخذه محوراً في حياتنا كمسلمين حقيقيين، ومؤمنين رساليين، وبذلك تتحول مجتمعاتنا إلى مجتمعات حسينية.
________________________________________
شعارات وحدها لا تكفي
إن أولئك الذين يريدون أن تبرز الثورات إلى الوجود بمجموعة من الشعارات والتظاهرات، فإن هؤلاء يتصفون بنوع من السذاجة السياسية وتجاهل الحقائق، وقد آثروا نوعاً من العودة إلى حالة الراحة والاسترخاء، في حين أن الثورة هي مسيرة صعبة وعرة، لأن الذي يتصدى لمسؤوليتها، وينطلق في ركابها إنما يريد أن يحدث تغييراً وانقلاباً كبيرين.
إن العالم الإسلامي يعيش اليوم صحوة إسلامية، وهو مستعد اليوم للقيام بالثورات، لكن هذا الاستعداد كما يبدو لي يشبه الذي حدث في سنة (1920) من هذا القرن، فقد كانت هناك أيضاً صحو إسلامية وربما على نطاق عالمي، لكن هذه الصحوة لا تبقى دائماً ولا تتوَّج بالانتصار في جميع الحالات.
فلابد -إذن- أن يكثف علماء ومفكروا الأمة الإسلامية من جهودهم، ولابد أن يخططوا بكل ثقة وجدية وإخلاص، ويحشدوا طاقاتهم الفكرية في صياغة وبناء استراتيجيات ثقافية ثابتة لهذه الأمة، أما إذا كانت المسيرة كلاسيكية منسجمة مع واقع تاريخ الأمس فإننا لن نجني إلا ما جنوا؛ أي إن الواقع السلبي سيتكرر بطريقة أو بأخرى.
علينا -إذن- أن نطوي ذلك الماضي، ونبدأ من جديد نهضة وانطلاقة جديدة من هذا المضمار، فها هي البصائر الإلهية التي يجب أن تترسخ في قلوبنا، وتتكرس في نفوسنا وأرواحنا، وإن ما يجري ويدور اليوم هنا وهناك من محاولات، وما يبذل من جهود لترقيع ولملمة الساحة دون الالتفات إلى ضرورة إيجاد محاور حقيقية تفجر الساحة، وتحولها إلى ميدان حسيني، كل ذلك لا أراه إلا تضييعاً للجهود والفرص، وأعمالاً عابرة لا تجدي نفعاً، وهي إن أثمرت فإن ثمارها لا تُسمن ولا تغني من جوع.
إننا لا نستطيع أن نستجدي نصراً، أو نسترد حقوقاً من خلال اتكالنا على منظمات حقوق الإنسان وغيرها.. وهل تتوقع خيراً وفرجاً يحققه لنا أولئك الذين فعلوا ما فعلوا بنا بالأمس القريب، أولئك الذين قتلونا وعذبونا، وأبعدونا عن ديارنا وأوطاننا، ومزقونا كل ممزق، ثم بعد ذلك كله نطلب العون ونستجدي المناصرة منهم؟!
إنها سذاجة أن نفعل ذلك، وإنها لتعاسة نحن نعيش فيها عندما غدونا نتشبث بهؤلاء الشراذم فنهرب منهم إليهم، ونعوذ من غضبهم برحمتهم، وقد نسينا أن ربنا تعالى هو الأحق بالهرب منه إليه.
إن الموضوع المهم الذي أريد الإشارة إليه هنا أن الحق يؤخذ ولا يعطى. فنحن لا ننال الحق إلى بوعينا وتخطيطنا الهادف وإستراتيجيتنا الحكيمة من خلال تفجير ثورة حقيقية.
إذن فنحن بحاجة إلى عودة لتلك الجذور والأصول الخيرة، كما أن المسيرة بحاجة إلى جهود وطاقات لا تنضب ولا تكل من الحركة المستمرة، والعطاء المتواصل.
القمم الشامخة في النهضة الحسينية
مثل الناس في الحياة كمثل الجبل المرتفع الذي ترى فيه القمة العالية، والسفح العالي، ثم السفوح الواطئة حتى تصل إلى الوادي السحيق. وهكذا الحال بالنسبة إلى الناس فالبعض منهم يعيش في القمة، وآخرون يعيشون في أعالي السفح وهكذا حتى تصل إلى فريق من الناس يعيشون في مستوى متدن.
كيف نعرف درجتنا الإيمانية؟
والمراقب الذي ينظر من بعيد إلى منظر كهذا، من السهل عليه أن يميز درجات الناس، ولكن الذي يجلس في موقع من مواقع الجبل فإن من الصعب عليه أن يميز موقعه، ربما يمكنه أن ينظر إلى من هو تحته فيدرك أنه أقل منه مستوى، ولكن هل يستطيع أن يميز من هو فوقه؟
وفي الواقع فإن القليل من الناس يستطيعون ذلك، فالأمر ليس بهين، ذلك لأن حب الذات، والأنانية المقيتة، واعتقاد الإنسان بأن خطه هو السليم.. كل ذلك لا يدعه أن يفكر في موقعه الذي هو فيه.
والذي يزيد الطين بلة إن غالبية الناس يعلمون أن هناك أناساً قد استقروا في أعالي القمم، وأنهم هم الحجة الذين ينبغي أن نحاول الوصول إلى مستويات قريبة من مستواهم، فنحن نعلم أن علينا الاقتداء بالنبي (ص) ، حيث يقول تعالى: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أسْوَةٌ حَسَنَةٌ )(الاحزاب/21)، وكذلك الحال بالنسبة إلى الاقتداء بالأئمة الأطهار والأولياء والصالحين.
نحن نعلم كل ذلك، ولكننا مع ذلك لا نعلم المستوى الذي نستقر فيه، وعليه فإننا لا نعلم حجم الجهد الذي يجب أن نبذله لنصل إلى تلك القمة.
فأنت -على سبيل المثال- تقف عند قبور أنصار الحسين عليه السلام وتقول: "فيا ليتني كنت معكم فأفوز معكم"(11)، ولكن هل تدري معنى ما تقوله؟ وهل تعرف موقعك بالنسبة إلى من تريد أن تكون معهم؟ لو كُشف لك الغطاء لعلمت بأنهم في قمة شاهقة وأنك في السفح الداني، وأن عليك أن تصعد عالياً وطويلاً حتى تصل إلى القمة، فقد كان الواحد منهم مثل حبيب ابن مظاهر الأسدي يختم القرآن في ليلة واحدة، فقد كان يبدأ بقراءة سورة الحمد عند أول الليل وينتهي إلى كلمة الناس في ثانية المعوذتين عند طلوع الفجر أو قبيله.
وأنا هنا أدعوك لأن تجرب هذا العمل ولو لمرة واحدة، وعند ذاك انظر هل تستطيع أن تكون معهم أم لا؟ فإن لم تستطع ووسوسة لك نفسك بأنك تريد أن تنام وترتاح، فعليك أن تفعل ذلك في ثلاث ليال، فإن لم تستطع ففي خمس أو عشر، وإن لم تستطع فاختم القرآن في ثلاثين ليلة، وهكذا فإن عليك أن تصعد ثلاثين درجة حتى تحرز صفة من صفات حبيب بن مظاهر.
لنحاول أن نكون كأصحاب الحسين عليه السلام
حاول أن تصل ٍإلى درجة الحر بن يزيد الرياحي -مثلاً- فإن صممت على ذلك فعليك أن تجرب نفسك كقائد جيش أو ضابط فيه حيث وسائل التضليل والتزوير والترهيب والترغيب متوفرة، وحيث هناك عمليات منظمة لغسيل الدماغ سُلطت عليك ليل نهار، فصورت لك أن الحسين عليه السلام خارجي، وأن شريحاً قد أفتى، وخليفة المسلمين أمر، وأمير الكوفة نفذ، والحسين عليه السلام خالف؛ كل هذه الأوضاع تدعوك إلى أن تتبع الأوامر لأنك عسكري، ولكن عليك كإنسان أن تتجاوز هذه الأوضاع، وتثور عل هواك فتنتصر عليه، وتنضم إلى جانب الحق. وهذا هو ما فعله الحر، فإن أردت أن تكون معه فأفعل ما فعله.
وإذا ادعيت إنك تستطيع أن تصل إلى درجة الأصحاب لأنك رجل مؤمن أو عالم دين أو خطيب مقتدر فجرب نفسك إذا ذهبت مرة إلى مجلس ورأيت خطيباً يصعد المنبر وقد ألتف الناس من حوله في حين أن منبرك لا يحضره إلا القليل، فقد تتساءل في هذه الحالة: لماذا ألتف الناس حول هذا الخطيب، وتفرقوا من حولي؟ وحينئذ ستوحي لك النفس الأمارة بالسوء بأنه ينتمي إلى الجماعة الكذائية، أو لأنه يكذب في كلامه، أو لأنه كذا وكذا… وهكذا يوسوس الشيطان في صدرك حتى تكاد تصدق الأمر، ولكن -إذا كنت مؤمناً حقاً- سرعان ما يرد إلى ذهنك نداء يدعوك إلى العدول عما وسوسه لك الشيطان، والعودة إلى ما يأمرك به القرآن.
وهكذا فإن هداية الله تأتيك في لحظات، وتمر عليك كالبرق الخاطف في الليالي المظلمة، فإن كنت ذا إرادة قوية فإنك ستتمسك بهذه الهداية، وتنقذ نفسك من الهلاك.
وإذا ما نصبت -على سبيل المثال- إماماً للجماعة في مسجد ثم جاء آخر أفضل منك فعليك أن تختار التنازل عن هذه الإمامة لذلك الرجل لأنه أجدر بها، فهل لك القدرة والإرادة لأن تقوم بذلك؟ فأنت إذا ما تمسكت بحبل الله المتين فسوف يطمئن قلبك، وتستطيع أن تزيل النواقص الموجودة فيك.
________________________________________
لنتجاوز نواقصنا البشرية
أرأيت كيف أن أصحاب الإمام الحسين عليه السلام ضحوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله؟ إن هذه التضحية لم تكن في مقدورهم ما لم يتجاوزوا النواقص البشرية والوساوس الشيطانية في أنفسهم، فالحر قد قتل نفسه الأمارة بالسوء في لحظة واحدة فتقدم نحو نور الهداية تاركاً وراءه الحقد والحسد وحب الرئاسة والانحرافات الأخرى، وكذلك بقية أصحاب الإمام الحسين عليه السلام إذ أنهم جاهدوا بأموالهم وأنفسهم.. فالعباس عليه السلام كان راكباً فرسه ليل نهار يحمي أهل البيت، وعندما اقتحم بفرسه هذا المشرعة مد يده الكريمة ليغترف غرفة من الماء يشربها، فيدور في ذهنه ما يدور ويلقي الماء ويقول:
يا نفس من بعد الحسين هوني وبعده لا كنتِ أن تكوني
هذا الحسين شارب المنـونِ وتشربــين بارد المعين
والله ما هــذا فعـال ديـني ولا فعـال صادق اليقينِ
فهذه هي الإرادة المثلى، فقس إرادتك على ضوئها، فأنت عندما تصوم في أيام الصيف فإنك تذهب لتغسل وجهك عدة مرات في اليوم، وتنام تحت المكيف، فهل يمكن أن تقاس إرادة العباس عليه السلام بإرادتك؟ ومع ذلك فإن من لطف الله تعالى أن لا يمتحن عباده بامتحانات صعبة دائماً، وذلك جاء في الدعاء القرآني: (رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ )(البقرة/286)، كما جاء به الدعاء أيضاً: (اللهم أني أعوذ بك من جهد البلاء)(12).
أما إذا كان إيمان الإنسان ضعيفاً، فإنه لا يستطيع أن يجتاز الامتحان وإن كان سهلاً.
________________________________________
أصحاب الحسين عليه السلام قمم شامخة
نحن حينما نقف أمام هذه القمم العالية لا بد أن نشحن إرادتنا وعزيمتنا بمزيد من القوة تمكننا من أن نغذي السير في مسيرة تكاملية مستمرة توصلنا إليهم، أو إلى القرب من درجاتهم، ولا نكن مثل ذلك الرجل الذي كان يقول في نفسه: من هم أصحاب الحسين؟ إنهم لم يفعلوا شيئاً سوى أنهم قاوموا الأعداء ساعة واحدة ثم قتلوا، في حين أنني أفيد المجتمع!!
وفي ذات الليلة رأى في المنام ساحة المعركة في يوم عاشوراء، والإمام الحسين عليه السلام واقف وأصحابه بين يديه يذبون عنه، وعندما حان وقت الزوال ذكر أحد الأصحاب أبا عبد الله عليه السلام بالصلاة فقال له الحسين: رحمك الله وجعلك من الذاكرين، فأراد الأصحاب أن يصلوا الجماعة بإمامه الحسين عليه السلام ، فقال الإمام للرجل (الذي كان يرى هذا المنام): قف أمامي لتصد عني السيوف والرماح والسهام حتى نصلي، فوقف وإذا بالسهام تأتيه الواحدة تلو الأحرى، فأصابه سهم في ناحيته اليسرى، فأدار رأسه يميناً، وإذا بسهم آخر أصاب جنبه الأيمن وهكذا حتى انهزم من المعركة، ثم استيقظ من النوم وإذا به يرى رأسه وقد ضرب حائط الغرفة فجرى منه الدم، فجاء الرجل في الصباح إلى المجلس بين أصدقائه وهو مشدود الرأس، فقص عليهم الرؤيا ثم قال لهم: سوف لن أقول بعد ذلك في زيارتي للأصحاب: ( يا ليتني كنت معكم) لأنني لست في مستوى تضحيتهم ومقاومتهم.
ضرورة عدم التهاون والانهيار
وأنت أيها المؤمن عليك أن لا تتهاون وتنهار، فإن أصابك في خلال العمل خلل بسيط كأن تغير برنامج نومك أو أكلك، أو لم يحترمك شخص ما، فعليك بالتريث والصبر لا أن تعادي غيرك، ذلك لأن العزيمة الراسخة، والإرادة القوية تشحنان الإنسان بقوة اليقين والصبر حتى توصله إلى هدفه السامي.
ومن أجل تحقيق ذلك فإنك تحتاج إلى برمجة العمل خلال مدة زمنية معينة لكي تربي نفسك، وتربي الآخرين، وذلك بأن تقوي إرادتك بتهذيب النفس وتزكيتها، فإنك إن لم تقض على الصفات الخبيثة كالحسد والحقد والكبر.. فمن الممكن أن تجرك إلى متاهات وبالتالي تلقي بك في نار جهنم؛ فكن على حذر من تلك الصفات فإن ذرة الكبر -مثلاً- تحرق بيدراً من الإيمان، فلا يبقى لك من الإيمان شيء، وعندئذ ستتكبر على الناس وعلى الحق، لا بل على الله الذي خلقك! فتجنب أن تتحدث بلغتة الأنا، وهذه هي الخطوة الأولى في طريق التزكية.
قارن بين نفسك والآخرين
وأنت عندما تجلس في مجلس عزاء للحسين عليه السلام وأخوك المؤمن جالس بجنبك، فهل تعرف كم هي المسافة بينك وبينه؟ ربما تكون هذه المسافة كالبعد بين السماء والأرض، فأخوك المؤمن يهتز قلبه إذا ما ذكر الحسين عليه السلام ، فهو يعرف شأنه، وبالتالي فإنه يعرف حجة الله؛ أي يعرفه الله ورسالاته، فهو والحالة هذه يعيش في فضاء من السمو واليقين، أمأما أنت فقد تفكر وأنت تجلس في مجلس العزاء في قضايا شخصية، وعندما تذكر مصيبة الحسين عليه السلام قد تدمع عيونك بغزارة أكثر من صاحبك، ولكن المقياس ليس في البكاء، بل في اليقين والإرادة، ومقدار استيعابك لتلك الثورة المقدسة. فبعض الناس يبكون في المآتم ليس حزناً على الإمام الحسين عليه السلام ، ولا تأثراً بمصابه، بل يبكوا على مآسيهم ومصالحهم الذاتية.
وبناء على ذلك حاول دائماً أن تحلّق في عالم الكمال أكثر من ذي قبل، ودقق فيما حولك وخذ العبرة منه.
________________________________________
الشهادة الناطقة
مع حلول شهر محرم الحرام، نستقبل موسم الدم الذي هزم السيف، ذلك الدم الذي جرى في أرض كربلاء ليبقى جارياً، ولتبقى معه عاشوراء مبعث الألم والبطولة، مبعث المأساة والتحدي.. خالدة في ضمير الأجيال.
فيا ترى ما هي فلسفة نهضة الإمام أبي عبد الله الحسين عليه السلام ؟
هذه الفلسفة تتلخص في كلمة واحدة، هي أن الإمام الحسين عليه السلام كان داعياً إلى الله تعالى، وحينما رأى أن دعوته إلى الله بحاجة إلى أن تكتب بدمه، وتعمّد بشهادته وشهادة أبنائه حتى الطفل الرضيع. حينما أدرك ذلك اقتحم عليه السلام ميدان الشهادة، وبادر إلى العطاء في سبيل الله. ولما كان الحزب الأموي متجذراً في السلطة، كان المجتمع بحاجة إلى هزة عنيفة ليقتلع جذور الأموية. وهذا ما حدث بالضبط بفضل دم أبي عبد الله الحسين عليه السلام .
ترى كيف حدث كل ذلك؟ السر يكمن في أن الحسين كان دماً ناطقاً، وإعلاماً داعياً إلى الله، وشهادة من أجله تعالى، هذه الشهادة التي نرددها يومياً في الصلاة (أشهد أن لا إله إلا الله) ماذا تعني؟ إنها تعني إعلان الحق، فأنت بإمكانك أن تجلس في بيتك وتقول (أشهد أن لا إله إلا الله)، فما الذي يدعوك إلى أن تصعد فوق المنابر وتنادي بهذه الشهادة خمس مرات في كل يوم؟ لأن الإسلام بحاجة إلى إعلام، لأن هدف الرسالات الأساسي هو دعوة الناس إلى الله تعالى.
وفي بعض الأحيان تحتاج الدعوة إلى الله إلى صوت، وفي أحيان أخرى تكون بحاجة إلى دم، وقد عرف الحسين عليه السلام هذه المسيرة فأعطى الدم، ومن المعلوم أن هذا الإعلام يجب أن ينسجم مع المبدأ ومع ظروف المجتمع، ويجب أن يكون بحجم هذه الظروف؛ أي إننا يجب أن نثبت صمودنا في هذا الإعلام من خلال ساحة الجهاد، ومن خلال الدم الذي يُراق، ولذلك فإن الإعلام الإسلامي يجب أن ينسجم مع روح الإسلام التي هي التضحية، وتنازل الإنسان عن ذاته لدينه، وعن دنياه لأخرته، وهذا التنازل لا يمكن أن يتحقق ببساطة، فلابد للإنسان من أن يكون في مستوى الرسالة التي يحملها، ولذلك فإن الذي يجلس على منبر أبي عبد الله الحسين عليه السلام ، ويدعو إلى منهجه، ويتحدث باسمه، وينطق باسم الثورة التي قادها السبط الشهيد، هذا الإنسان يجب أن يكون حسينياً؛ بمعنى أن يكون مستعداً للتنازل عن كل شيء في لحظة واحدة إذا اقتضى الأمر حتى تكون دعوته نافذة، فالمنبر الذي يتحول إلى مهنة واحتراف لا يغني عن الحسين شيئاً، لأن المنبر هو ساحة للجهاد، فمن الممكن أن يرتقي الإنسان المنبر، ويتحدث بحديث تكون فيه نهايته الدنيوية كما فعلوا بخطبائنا العظام طيلة التاريخ.
وهكذا فإن الإنسان المؤمن الصادق لابد أن يقتبس من نور الإمام الحسين شعاعاً عندما يرتقي المنبر ويتحدث باسمه عليه السلام ولذلك نراه يندفع إلى التضحية.
وهكذا الحال بالنسبة إلى إعلام القلم الذي ينطق باسم الإمام الحسين، فيجب على حامل هذا القلم أن يكون حسينياً بمعنى الكلمة، وأن يبتعد عن الارتزاق والمهادنة. فالقلم الذي يعمل على مهادنة الطغاة يجب أن يتكسر، والورقة التي يكتب عليها يجب أن تتمزق.
نحن نتحدث عن سيد شباب أهل الجنة، عن سبط رسول الله (ص) ، عن إمام من أئمة الهدى الذين بولايتهم وباسمهم تاب الله على آدم، وركب نوح السفينة، واصبح إبراهيم إماماً للناس..
________________________________________
سمات وخصائص الإعلام الإسلامي
وهكذا فإن الإعلام الإسلامي يجب أن يكون منسجماً مع الإسلام، وفيما يلي سأحاول تلخيص بعض سمات هذا الإعلام.
إعلام إلهي
1- الإعلام الإسلامي هو إعلام إلهي تجاوز الدنيا إلى الآخرة، فقد كانت الكلمة الأولى التي أطلقها السبط الشهيد في المدينة المنورة هي: "ويزيد رجل فاسق شارب الخمر، قاتل النفس المحرمة، معلن بالفسق، ومثلي لا يبايع مثله"(13). شارب الخمر ولاعب القمار ويقتل النفس المحرمة، ويتجاوز حدود الله، ومثلي لا يبايع مثله. وهنا أحب أن أذكر إن القضية ليست قضية أن يزيد قد أخذ دار الحسين عليه السلام وأمواله، وأنه ليس من جماعته، فهذه الاعتبارات ليس لها أساس، بل أن القضية هي قضية إلهية. فالرفض ابتدأ بكلمة الله، والدعوة إلى الله. فأول إعلان عن الثورة كان في مكة المكرمة في اليوم الثامن من ذي الحجة، وقد كان الناس يتجهون إلى منى ومن ثم إلى عرفات في حين أن الإمام الحسين عليه السلام غيّر مسيره إلى العراق، ووقف قائلاً بكل جرأة: (خط الموت على ولد آدم مخط القلادة على جيد الفتاة، وما أولهني إلى أسلافي اشتياق يعقوب إلى يوسف(14)..).
فالكلمة هنا تتجاوز الدنيا؛ إنها كلمة الآخرة. فالإمام الحسين عليه السلام لا يعيش الدنيا لأن قلبه وروحه وأحاسيسه تعيش في الآخرة. هذه هي الكلمة الأولى، أما الكلمة الأخيرة فقد نطق بها بعد شهادته عليه السلام الإمام زين العابدين فوق منبر مسجد الشام، وقد كانت نصف خطبته تدور حول الآخرة، وقد كان عليه السلام يهدف من وراء ذلك بيان حقيقة ثورة أبيه الحسين عليه السلام ، فالمقدمة كانت توجيهاً للناس إلى الآخرة وإلى الله تعالى حتى أجهش الناس بالبكاء كما تذكر الروايات.
وعلى هذا فإن منابرنا يجب أن تسير على نهج النبي (ص) وأئمتنا?، وهذه هي صبغة الإعلام الإسلامي وسمة من سماته، فهو إعلام إلهي لا ينظر إلى الدنيا فقط، لأن الدنيا لا شيء بالنسبة إلى الآخرة، والإنسان العاقل الحكيم يجب أن يستغل هذه الدنيا لصالح أخرته..
إعلام متفاعل مع الواقع
2- إن الإعلام الإسلامي لا يعبر عن الصور المتحركة، فهناك إعلام يأتيك بالحدث المجرد، ويصور الحالة الخارجية بشكل محايد، في حين أن الإعلام الإسلامي يتجاوز هذه الصورة، ويغوص في العمق، فهو يربط الحدث بمسيرته التاريخية، ويتعمق في الجذور، ليقتبس منه العبرة؛ فالقصص والأحاديث والأخبار المفرغة من العبرة لا تغني شيئاً، لذلك ينبغي أن نعطي الخلفية التاريخية للإعلام، والعبرة المستقبلية له، ونربط بينه وبين السنن الإلهية التي بينها الله تعالى في كتابه الكريم. فكل شيء له سبب ودافع، وقد يكون دافع الإنسان نظيفاً، وقد يكون خاطئاً، فالإنسان قد يقوم ببطولات ويتحدى ويؤدي دوراً كبيراً ولكن دون أن يكون دافعه إرضاء الخالق، بل يخرج أشراً ومفسداً ومستعلياً في الأرض، ومثل هذا الإنسان لا يساوي عند الله جناح بعوضة حتى وإن قُتل، وسُحق تحت الأقدام، لذلك النية هي المهمة في الإسلام، أما العمل فليس له قيمة من دون النيةة، وقد قال رسول الله?: "لا قول إلا بعمل، ولا قول ولا عمل إلا بنية، ولا قول ولا عمل ولا نية إلا باصابة السنة"(15).
وهكذا الحال بالنسبة إلى النية فإنها وحدها لا تكفي بل يجب أن نبحث عن الحكم الشرعي الذي يسمح لنا بالعمل، فليس من حقي أن أحطم شخصية إنسان بكلمة نابية أو غيبة أو تهمة بحجة إنني أنوي تأديبه -مثلاً-، بل لابد أن أبحث عن الأسلوب المناسب وعن القانون الشرعي، فالإسلام لم يترك صغيرة ولا كبيرة إلا ووضع لها قانونا، فليس من حقك أن تتصرف في الساحة دون قانون شرعي، لأن الإعلام الإسلامي هو إعلام شرعي يقتضي البحث عن الشرعية.
إعلام شجاع لا يهادن
3- الإعلام الإسلامي هو إعلام شجاع لا يهادن، فهو يضع النقاط على الحروف، انظروا إلى كلمات الأنبياء( فإنكم لا تجدون فيها كلمة غامضة، ففيها، حسب التعبير القرآني: (فصل الخطاب)؛ أي الخطاب الفاصل والحاسم الذي يفرق بين الحق والباطل، فإن تخلط الأمور مع بعضها، وتقول كلمات دبلوماسية حتى تستطيع أن تخرج دائماً من المآزق، فهذا مرفوض في الإعلام الإسلامي ولا يجوز إلا عند الضرورة، فالأدب والتعبير الحسن في مكانهما، ولكن الوضوح له موقعه أيضاً.
________________________________________
نهضة الإمام الحسين عليه السلام نهضة تبليغية
وقد كانت هذه السمات كلها في حركة أبي عبد الله الحسين عليه السلام ، ولو درسنا لسنين هذه الحركة من هذه الزاوية أو من الزوايا الأخرى فسنكتشف فيها الكثير من الدروس، والأكثر من ذلك أن نهضة الإمام الحسين عليه السلام كانت نهضة تبليغية -إن صح التعبير- فقد كانت جميع تحركات الإمام عليه السلام وأهل بيته من المدينة ثم من مكة إلى الكوفة ومنها إلى الشام.. مخططاً لها من أجل إيقاظ الناس، وإقامة الحجة عليهم، وإلا فقد كان من المفروض بالإمام عليه السلام أن لا يخرج معه بقايا أهل البيت لأنهم أمان أهل الأرض، فهل من المعقول بعد ذلك أن يضعهم أمام العدو وهو يعرف طبيعة المجتمع الذي يعيش فيه، وقد نصحه أكثر من واحد على أن لا يقدم على هذا العمل، فالمعالم كانت واضحة لدى الناس، لأن الكوفة هي نفسها الكوفة التي لم تستجب للإمام علي عليه السلام ، وهي نفسها الكوفة التي فعلت ما فعلت بأخيه الحسن، وعلى هذا فإن الإمام الحسين عليه السلام كان يعرف كل شيء، ولكنه مع ذلك جاء بأهل بيته وبأخته زينب وهو الذي يحبها ذلك الحب العميق لأنها كانت صورة مصغرة لفاطمة الزهراء عليها السلام ، فهل من المعقول أن يأتي بها إلى كربلاء، ويعرّضها للأسر لولا أن له في ذلك هدفاً مقدساً؟
وهكذا فإن هذا الهدف هو الذي بعث هذا الإعلام. فالشهادة مدرسة، والدراسة في هذه المدرسة ضرورية، فهي بركة والتبرك بها يمثل قضية. ولقد استشهد الإمام الحسين عليه السلام ، وجرى دمه الطاهر، ولكن من الذي يجب أن يستثمر هذا الدم، ويحوله إلى ثورات متلاحقة لا تقضي فقط على النظام الأموي وإنما على كل حكم فاسد، وعلى جميع الانحرافات الفكرية والثقافية والاجتماعية التي كانت مستشرية؟
الإعلام بعد ثورة الحسين عليه السلام
لقد فعل كل ذلك من تبقى من أهل أبي عبد الله الحسين عليه السلام ، فكربلاء كانت أرضاً معزولة، ثم إن العدو لم ينقل ما جرى على هذه الأرض، فمن الذي يجب عليه أن يروي ما حدث في كربلاء؟ ومن الذي يقص البطولات التي أبداها الحسين عليه السلام وأبو الفضل العباس.. والظلامة التي رفعها الإمام الحسين عليه السلام في كربلاء عندما حمل الطفل الرضيع على يديه، وطلب شربة ماء، وإذا بالعدو يرميه بالسهم؟ من الذي يجب أن ينقل هذه الصور، صور المأساة والتحدي والبطولة والصمود؟
ومن هنا فإن قضية السبط الشهيد يجب أن تتحول عندنا إلى ذلك المنبر الإعلامي المتميز حتى تكون الشهادة الناطقة وسيلة لسعادتنا في الدنيا، وفلاحنا في الآخرة.
الفصل الثاني: منهج التغيير
عاشوراء ثورة في ضمير الإنسان
ما أكثر العبر وأقل المعتبر! فظواهر الحياة تسدي للإنسان دروساً لا تحصى، ولكن هذا الإنسان يحتجب عن هذه الدروس العظيمة في الحياة بحجب سميكة؛ فبدلاً من أن يفتح قلبه على دروس الحياة فيستلهم منها ما يحتاج إليه تراه يعرض ويتغافل عنها.
الدروس التي تخترق الحجب
ومع ذلك فإن هناك دروساً في الحياة تخترق الحجب، وتهدم الحصون، سواء شاء الإنسان أم أبى، وهذه الدروس هي الحجج الإلهية الكبرى على الإنسان. ولا ريب أن واقعة كربلاء هي درس من هذه الدروس، فإن كان قلب الإنسان خاشعاً استلهم العبرة من كل ظاهرة في الطبيعة أو في المجتمع أو التاريخ والحاضر، فيعتبر بكل نعمة أنعم الله بها عليه، كما يعتبر بكل نقمة دفعها عنه.
إن القلب الخاشع والقانت والسليم هو القلب الذي يكون كنبتة في مهب النسيم، وهو المثل الواضح لقوله تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَايَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ )(الانفال/2)
ومع ذلك فإن كل الناس ليسوا كذلك، فإن أكثرهم ولو حرصت ليسوا بمؤمنين، بل إن أكثرهم مشركون؛ ومثل هؤلاء بحاجة إلى هزة عنيفة تحطم في قلوبهم كل الجدران التي أقاموها بأنفسهم، ولمثل قلوب هؤلاء كانت كربلاء، وكانت واقعة عاشوراء، وكانت الحوادث المأساوية التي جرت على أبي الشهداء والأحرار الإمام الحسين عليه السلام وأهل بيته وأصحابه، أو ليس الحسين عليه السلام شهيد العبرات والدموع، وشهيد القلوب التي تخشع لمأساته، فإذا خشعت لها خشعت للحقائق التي حدثت تلك المأساة من أجلها وفي سبيلها.
المصيبة التي أدمت جميع القلوب
فالإنسان -أي إنسان- لا يملك عندما يستمع إلى قصة كربلاء إلا أن يخشع قلبه، فهذا الإنسان لابد أن يتأثر وهو يتصور دخول الإمام الحسين عليه السلام إلى كربلاء، وكيف أن القوم استضعفوه، واحتوشوه من كل مكان، وهم الذين دعوه ليكون إماماً وأميراً لهم، ولكنهم جندوا طاقاتهم ضده، وأرسلوا إليه ثلاثين ألفاً ليقتلوه صبراً، ولابد أيضاً من أن تخنق الإنسان العبرة وهو يجسد في ذهنه حالة السبط الشهيد في ليلة التاسع من شهر محرم عندما جلس ينعى نفسه قائلاً:
يا دهر أف لك من خليل كم لك بالإشراق والأصيل
من صاحب وطالب قتيل والدهر لا يقنع بالبديـل
وإنما الأمر إلى الجـليل وكل حي سالك سبيـلي
إن القلب الذي لا يخشع لمثل هذا الموقف لابد أن يخشع لموقف آخر وهو موقف الحسين عليه السلام وهو يطلب من ذلك الجيش الهائل الماثل أمامه مهلة ليلة واحدة، فيرفضون هذا الطلب، في حين أنه عليه السلام لم يطلب تلك المهلة لكي يودع أهله فيها أو يتمتع بملاذ الحياة، بل لكي يصلي لربه، ويجدد عهده معه تعالى بالصلاة والقرآن.
وهكذا فكل موقف من مواقف الحسين عليه السلام ، وكل مصيبة من صائبة تكفيان لإذابة الصخرة الصماء، فكيف بالقلوب؟ فإن لم تخشع للمآسي التي حدثت في يوم عاشوراء فهي خاشعة لا محالة للمأساة التي حدثت بعد عاشوراء؛ أي في اليوم الحادي عشر عندما مروا بآل البيت من الثكالى والأرامل على أجسام أعزتهن وهم مقطعون إرباً إرباً… وهكذا الحال بالنسبة إلى مصيبة السيدة زينب عليها السلام في الكوفة، وللمصائب التي نزلت على آل البيت في الطريق إلى الشام، وعند عودتهم إلى المدينة.
وعندما يقول الأئمة المعصومون الذين عصمهم الله من الدنس، وآمنهم من الزلل: "لا يوم كيومك يا أبا عبد الله"16، وعندما يقررون أن المصيبة التي حلت بالحسين عليه السلام لم تحل بأحد في التاريخ لا قبل ذلك اليوم ولا بعده فإنما يبينون بذلك حقيقة هامة أن الله تعالى قد هيأ هذه الفرصة لتخشع القلوب، وليهتدي الناس. فالهدف من كربلاء هو خشوع القلب، وسقوط تلك الحجب والتحصينات التي تصنعها النفس أمام التأثر بظواهر الحياة، فالقلب لا يهتدي إلا إذا خشع، وكيف يخشع وبينه وبين ظواهر الحياة حجب سميكة؟ ومثل هذا الخشوع لا يمكن أن يحصل إلا بمثل ظاهرة كربلاء، ولذلك أصبح البكاء قضية دينية في مثل هذه الحقيقة فالله تعالى يأمرنا بالصبر في كل مصيبة قائلاً: (إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ )(الزمر/10) ، (وَمَا يُلَقَّاهَآ إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا )(فصلت/35).
________________________________________
لماذا البكاء على مأساة الحسين عليه السلام
فهو تعالى يأمرنا بالصبر في كل موضع، أما في هذه الحادثة فتأمرنا النصوص الإسلامية بالبكاء: حيث روي عن آل الرسول? أنهم قالوا: "من بكى وأبكى فينا مائة فله الجنة، ومن بكى وأبكى خمسين فله الجنة، ومن بكى وأبكى ثلاثين فله الجنة، ومن بكى وأبكى عشرين فله الجنة، ومن بكى وأبكى عشرة فله الجنة، ومن بكى وأبكى واحداً فله الجنة، ومن تباكى فله الجنة"(17).
وقال الإمام الرضا عليه السلام : "إن يوم الحسين أقرح جفوننا وأسبل دموعنا"(18) فقال الإمام عليه السلام : "يابن شبيب، إن كنت باكياً لشيء فابك للحسين بن علي بن أبي طالب?، فإنه ذبح كما يذبح الكبش"(19) فالحسين أحق من يبكى عليه، لأن حادثة كربلاء هي أعظم مصيبة وردت على الإنسانية عبر التاريخ.
وهكذا فإن الأمر بالبكاء والندب والنحيب يكمن وراءه هدف وحكمة، فليس عبثاً أن الأئمة( كانوا يؤكدون دوماً على البكاء والنحيب، وعلى تجديد ذكرى الحسين عليه السلام ، وكأنها وقعت في الأمس القريب، وكأن الحسين قد استشهد للتو، فلا ريب أن طائفة كبيرة من المسلمين يبادرون إلى تجديد هذه الذكرى كلما مر عليهم هذا الشهر (شهر محرم) الحزين المليء بالعبر والعبرات، فترى المدن تلبس السواد، وتتغشى القلوب بسحابة من الكآبة، وتصطبغ المجالس بلون الدم والمأساة، أو ليس كل ذلك لهدف وحكمة؟ ترى ما هي هذه الحكمة؟
الحكمة من وراء ذلك هي أن القلوب، وعندما تتفاعل مع المأساة فإنها ستخشع لهدف الحسين عليه السلام ولواقعة كربلاء. ومن هنا فإنني أطالب الأخوة الذين يجددون هذه الذكرى المباركة بشكل من الأشكال فيكتبون، أو ينشدون الشعر، أو يرتقون المنابر ويقيمون المآتم والمجالس.. وأطلب من هؤلاء جميعاً أن لا يغيب عن بالهم أن كل هذه المظاهر، مظاهر الحزن والخشوع، إنما تهدف إلى تقريب النفوس من الحقائق، وجعلها تستفيد من عبر واقعة كربلاء.
ولذلك ترى أن الحسين عليه السلام قد ألقى في يوم عاشوراء فقط خمس خطب منذ صبيحة يوم عاشوراء وحتى ظهره، فكان يستغل كل مناسبة ليبين أهداف ثورته، وقد سجل عليه السلام في كل مناسبة، وعند كل مصرع لشهيد بياناً لهدفه، والحكمة التي من أجلها استشهد، حتى امتزج الهدف بالمأساة، فلا الهدف ينفصل عن الماساة، ولا المأساة بمنفصلة عن الهدف. فالحسين عليه السلام خرج إلى كربلاء وفي طريقه كان يردد الآية الكريمة: (تِلْكَ الدَّارُ الاَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الاَرْضِ وَلاَ فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ )(القصص/83). فكيف نستطيع أن نفصل مسيرة الإمام الحسين عليه السلام إلى كربلاء عن هذه الآية التي كان يرددها في كل لحظة، وكيف نستطيع أن نفصل بينه عليه السلام وبين الصلاة التي أداها وهو في قمة المواجهة، فقد صلى وأوقف اثنين من خيرة أصحابه يتقيانه السيوف والسهام والمعركة دائرة على أشدها، وبالتالي كيف يمكننا أن نعزل المأساة عن الحسين عليه السلام وهو يضع رأسه في آخر لحظة من لحظات حياته على تراب كربلاء قائلاً: (صبراً على قضائك يارب، لا إله سواك يا غياث المستغيثين)(20)!!
وعندما يذبح إبنه الرضيع على يديه الكريمتين يمسك بالدم ويرمي به في الفضاء ويقول: (هوّن ما نزل بي إنه بعين الله تعالى)(21)، فإنه في كل لحظة يسجل هدف ثورته وموقفه، الموقف وهدف الموقف، الحركة وحكمة الحركة، القضية ومأساة القضية.. كل ذلك لا نستطيع أن نفصله عن بعض، ولذلك فإن على خطبائنا الكرام وكتابنا ومؤلفينا وكل من يقوم بدور ما في إحياء ذكرى عاشوراء أن يعرف ماذا كانت حكمة مواقف الإمام الحسين عليه السلام ، وأن يذكر كل موقف مع حكمته، لأن الموقف إنما جاء من أجل تلك الحكمة. فالبكاء وسيلة لخشوع القلب، وخشوع القلب بدوره وسيلة أساسية لقبول الحق.
________________________________________
محرم مدرسة التطهير والتزكية
وهكذا فإن قضية عاشوراء تفرض نفسها على الإنسان، ولا ريب أن كثيراً من الناس يدخلون في هذا الشهر الحرام مثقلين بالذنوب والأمراض القلبية والخلافات الاجتماعية ثم يخرجون منه وقد طهرت قلوبهم، وزكت نفوسهم، وغفرت ذنوبهم، وأصبحوا أكثر حباً لاخوتهم، وأقدر على التعاون والعمل، وأبعد ما يكونون عن الكسل، والمحروم من محرم من لم يستفد من هذه المناسبة الفضيلة، والمحروم هو الذي لا يخشع قلبه لذكرى الحسين عليه السلام فيجلس ويستمع ولكن جدران قلبه من حديد، فيجعل بينه وبين الظاهرة التاريخية جداراً ضخماً، وحصناً قوياً.
حتى الأعداء بكوا على مأساة الحسين
إن مأساة الحسين عليه السلام أبكت حتى أعداءه، وقد روي أن حرملة الذي قتل الطفل الرضيع قد بكى أيضاً! فعندما جيء به إلى المختار الثقفي سأله المختار قائلاً: أما رق قلبك للحسين وأطفاله ونسائه؟
فقال حرملة: بلى رق قلبي عندما رأيت الطفل الرضيع يتفجر عنقه دماً ثم التفت إلى أبيه وتبسم في وجهه، في تلك الساعة رق قلبي لمنظر الحسين عليه السلام ولمنظر الطفل الرضيع وهو يذبح على يديه!!
وهكذا فقد أبكى الحسين عليه السلام أعداءه بمأساته، فإن كنت لا تبكي، ولا تستفيد من هذه المأساة عبرة وخشوعاً في القلب ومعالجة لقسوته فلابد أن تنعى الإنسانية في نفسك، وإلى هذا يشير تعالى في قوله: (فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِن ذِكْرِ اللَّهِ )(الزمر/22)، ذلك لأن قسوة القلب هي أشد أنواع الشقاء عند الإنسان، فعندما يكون قلب الإنسان قاسياً موغلاً في القسوة فإنه سوف لا يتأثر بأي شيء يزيل هذه القسوة.
ومن هنا فإن هناك بعض الإرشادات التي لو اتبعت فإن حكمة هذه الذكرى العظيمة سوف لن تكون بعيدة عنا إن شاء الله تعالى.
كيف نعيش ذكرى الحسين عليه السلام دوماً؟
1- حاول أن تعيش المأساة في شهر محرم الحرام بكل أبعادها وكأنك تعيشها.
2- عليك أن توحي لنفسك باستمرار أن الحسين عليه السلام وأصحابه وأهل بيته كانوا بشراً مثلنا ولكنهم رغم ذلك ارتفعوا إلى هذا المستوى من الشجاعة والتضحية والفداء، فلقد استشهد جميع أعزة الحسين عليه السلام أمام ناظريه إلا أنه كان كما يقول الراوي: فوالله ما رأيت مفجوعاً قط كالحسين كلما أصيب بمصيبة ازداد عزماً وقوة. وهذه هي الشجاعة الحقيقية التي هي أن تقتحم الموت خطوة فخطوة بكل إيمان وعزم دون أن تتردد لحظة واحدة.
وقد كان الإمام الحسين عليه السلام إلى آخر لحظة من لحظات حياته شديدة العزم حتى وهو واقع على تراب كربلاء يعالج الموت في اللحظات الأخيرة. فلنتعلم الشجاعة منه عليه السلام ، فمن العار علينا أن لا نكون شجعان ونحن ندّعي السير على دربه، وانتهاج نهجه، فلنسأل أنفسنا: لماذا كان الحسين عليه السلام شجاعاً، بل لماذا كان القاسم بن الحسن بتلك الدرجة الرفيعة من البطولة دفعته إلى أن يقول للإمام الحسين عليه السلام حينما سأله: يا بني كيف الموت عندك؟ قال: يا عم، أحلى من العسل.(22)
وهكذا الحال بالنسبة إلى الآخرين من أهل البيت، فما الذي جعل علياً الأكبر شجاعاً، وما الذي جعل العباس وفياً، وما الذي دفع زينب إلى أن تكون صبورة؟
فلنسأل أنفسنا: كيف نسير في دربهم حتى نصل إلى هذه النتيجة، كيف نربي هذه الشجاعة والإيمان والوفاء في أنفسنا؟ كيف نتصل بنور الله سبحانه وتعالى، حتى نصبح مثل الحسين وأصحابه وأهل بيته؟
3- علينا أن نتعرف على فلسفة الحسين عليه السلام ، أي الفكر الذي يلخّص كل هذه المأساة. إن فلسفته عليه السلام تتمثل في أنه تنازل عن ذاته من أجل هدفه حتى أصبح المثال الأكمل في هذا المجال، ونحن أيضاً يجب أن لا نفكر في أنفسنا، فهناك الكثير من الناس يجعلون أنفسهم جزء من قضيتهم، فيسيرون بذلك على معادلة خاطئة ويتشدقون واهمين أنهم هم الذي يطبقون الحكومة الإسلامية، وأنهم هم الذي يجسدون تطلعات الأمة، وبذلك يتحول هدفهم من هدف مجرد عن الذات إلى هدف ممزوج بها، فيبتعدون عن تعريض أنفسهم للمشاكل والصعوبات لأنهم -حسب زعمهم- يتصورون أنهم إذا أصابهم قرح فإن الأمة ستفقد الذي يطبق حكم الله في الأرض، وتخسر الذي ينصح الناس ويعظهم، وهكذا تراهم دوماً وأبداً يبعدون أنفسهم عن الجهاد، ويعتبرون المحافظة على أنفسهم أهم من المحافظة على الدين!
ومن هنا فإن الإمام الحسين عليه السلام هو بطل هذه المعادلة ، فلقد عرف كيف يقول (لا) لنفسه. فعندما عرف عليه السلام أن شهادته هي الطريق إلى تطبيق حكم الله لم يطرح نفسه رغم أنه إمام الأمة بنص رسول الله (ص) : (الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا)(23)، فمع أنه عليه السلام كان يعلم أنه الإمام الحقيقي للأمة، ولكنك تراه يندفع إلى التضحية بنفسه، وبما يملك من أجل الدين، ذلك لأن الدين أهم من الإنسان وإن كان هذا الإنسان متمثلاً في الحسين عليه السلام ، فكيف بي وبك؟
وهكذا فإن علينا في كثير من الأحيان أن نتجرد عن ذاتنا، وأن نواجه المخاطر والصعوبات بكل رحابة صدر، إذ ليس من المعقول أن يحتفظ الواحد منا بنفسه وأهله وأولاده وماله بحجة أنه يمثل الدين، كلا ، فالإنسان لا يكون متديناً إلا عندما يتجرد عن ذاته.
وهكذا فإن المأساة ينبغي أن تفتح الطرق إلى قلبك، أما إذا برّرت الأمور بطريقة ما وقلت أن الإمام الحسين عليه السلام كان إماماً وأنا لست إماماً، وأنه عاش في زمان غير زماني وما شاكل ذلك من التبريرات الواهية، فإنك ستحرم نفسك من دروس وعبر هذه الملحمة التاريخية.
________________________________________
عاشوراء نهضة خالدة
لماذا بقيت واقعة الطف حية مشتعلة في النفوس طيلة القرون الطويلة؟ فكل عام نستقبل هذه الواقعة التاريخية وكأنها قد وقعت بالأمس، وجواباً على هذا التساؤل نقول إن هناك أسباباً مختلفة نستعرض طائفة منها:
السبب الغيبي لخلود ثورة الحسين عليه السلام
1- السبب الغيـبي؛ فإرادة الله تعالى شاءت أن تبقى هذه الظاهرة مع الزمن ذلك لأن الإمام الحسين عليه السلام أعطى كل ما كان يملك في سبيل الله، فمنحه تعالى لسان صدق في الآخرين، وجعل له حرارة في قلوب المؤمنين لا تنطفئ أبداً، وقد روي في هذا المجال أن فاطمة الزهراء عليها السلام تأتي قبيل شهر محرم فتحمل تحت العرش قميص الحسين المضمخ بدمه، فيمر نسيم ليحمل معه عبقاً تلتقطه مشام المؤمنين، فتشتعل نفوسهم حباً للحسين عليه السلام ، وتفيض قلوبهم بتلك المأساة المفجعة، وإذا بها تتجدد في كل عام.
ونحن لا نعرف بالضبط معنى هذه الرواية ولكننا نشاهد عملياً أن المؤمنين ومحبي أهل البيت( يشعرون على أعتاب شهر محرم الحرام بأنهم يعيشون حالة جديدة، وأن موسم الدمع والدم، والعزاء والتحدي، موسم الجراح التي نزفت وما تزال تنزف قد أقبل عليهم، فيشعرون بدافع قوي يدفعهم لأن يجددوا هذه الذكرى على أفضل وجه.
ثورة الحسين لخصت رسالات السماء
2- إن الحادثة التي وقعت في كربلاء خلال ساعات معدودة في اليوم العاشر من شهر محرم الحرام عام 61هـ قد لخصت رسالات السماء، فأنت تقف أمام الضريح المقدس لسيد الشهداء عليه السلام فتقول:
(السلام عليك يا وارث آدم صفوة الله، السلام عليك يا وارث نوح نبي الله، السلام عليك يا وراث إبراهيم خليل الله، السلام عليك يا وارث موسى كليم الله، السلام عليك يا وراث عيسى روح الله، السلام عليك يا وارث محمد حبيب الله..)(24).
وهكذا فإن جميع الأئمة الأطهار قد ورثوا رسل الله، فيحق لك أن تقف عند ضريح كل واحد منهم وتردد نفس تلك الكلمات، ولكن الأمر يختلف بالنسبة إلى زيارة الوارث التي وردت في زيارة أبي عبد الله الحسين عليه السلام ، ذلك لأن وراثة الأنبياء تجلت في يوم عاشوراء، هذا اليوم الذي لا يستطيع أن يستوعب أبعاده إنسان، فكلما جاء جيل وقف عند هذه الحادثة ليكشف فيها الجديد، ذلك لأن تقدم الأيام يجعل من هذه الحادثة أوضح مما كانت سابقاً، فهناك أبعاد كثيرة في هذه الحادثة علينا أن نستكشفها، فعلى سبيل المثال ماذا يعني الحصار الاقتصادي الذي ضُرب على أبي عبد الله عليه السلام في كربلاء والذي شمل بالإضافة إلى الموءن حتى الماء الذي هو مباح لكل الناس.
الجانب المأساوي لثورة الحسين عليه السلام
ونحن نعرف أن حادثة الطف وقعت في أوائل الخريف، وأن الفرات يحدث فيه خلال هذه الفترة شبه فيضان، وفي ذلك العصر كانت أراضي كربلاء والغاضريات ونينوى وشاطئ الفرات مجموعة أراضٍ متقاربة ومنضمة إلى بعضها البعض، كما ونعلم أن الإمام الحسين عليه السلام قتل بين النواويس -وهي قطعة أرض- وكربلاء وهي قطعة أرض أخرى، وقد دفن الإمام الحسين عليه السلام في كربلاء، وقد كانت تلك الأراضي مزروعة كلها في تلك الأيام، ونحن نستنتج من ذلك أن المياه كانت فائضة؛ أي أن الماء كان يغطي الأرض، وقد كان شط الفرات الذي يمر بهذه الأراضي نهراً كبيراً تسير فيه السفن الشراعية في تلك الأيام.
ومع كل ذلك ومع وجود تلك الخيرات وتلك المياه الغزيرة منعوا الماء ولو بمقدار قطرة واحدة عن الوصول إلى أطفال الحسين عليه السلام ، أنه أمر لا يمكن استيعابه. وهناك أمر آخر لا يقل غرابة يتمثل في ذلك الجيش الكبير الذي أرسل إلى كربلاء لمحاربة الإمام الحسين عليه السلام . لقد كان هذا الجيش يتكوّن على أقل التقديرات من ثلاثين ألف جندي مسلح بكامل الأسلحة، بل إن جيوش يزيد كلها كانت تحت الإنذار لحرب أبي عبد الله الحسين عليه السلام إلى درجة أن الرجل الواحد من أصحاب الإمام الحسين عليه السلام كان يواجه النفير العام من قبل الأعداء عند الهجوم عليهم؛ وعلى سبيل المثال فإن العباس بن علي? عندما حمل على المشرعة حدثت حالة من الفوضى والبلبلة بين صفوف العدو، ولذلك فإن القائد العام لجيش بني أمية (عمر بن سعد) لعنه الله أعلن حالة النفير العام؛ أي أنه أمر الجيش كله بالهجوم على العباس عليه السلام .
ترى ماذا يعني ذلك ربما نجد الجواب في قول الشاعر العلوي الملهم:
قسماً بصارمـــة الصقيــل وأنني في غير صاعقة السماء لا أقسم
لولا القضاء لمحي الوجود بسيفه والله يقضي ما يشـاء ويحكــــم
فقد بلغت شجاعة العباس عليه السلام مبلغاً جعلته يواجه أبطال وصناديد العرب الذين كانوا يمثلون آنذاك القوة العسكرية الأولى في العالم، ولذلك نقول إن عاشوراء لخصت جميع رسالات السماء، ولذلك كانت هذه الواقعة ممتدة عبر الزمن، لأنها أكبر من الزمن، وأكبر من قدرة الإنسان على الاستيعاب، ونحن الآن لم نستوعب جميع أبعاد حادثة الطف ولذلك تبقى في قلوبنا بقية ألم، وتبقى قلوبنا تنزف وتنتظر العام القادم لكي تكمل المشوار، فتجدد بذلك هذه الحادثة كل عام.
واقعة الطف جسدت سنن الله
3- إن حادثة عاشوراء تمثل سنن الله تعالى في الكون، فالله سنن في الكون لا تتغير: (فَلَن تَجِد َلِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَن تَجِددَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلاً )(فاطر/43). فالشمس لابد أن تطلع من الشرق، وتغرب في المغرب، وهكذا الحال بالنسبة إلى سنن الله في المجتمع والتاريخ والاقتصاد والسياسة فهذه السنن لا ولن تتغير.
وقد جسدت حادثة الطف هذه السنن، ولذلك فإن الزمن كلما مر استوحينا من قصة أبي عبد الله الحسين عليه السلام بصيرة ورؤية نفهم من خلالهما الظواهر الأخرى؛ فكل يوم عاشوراء وكل أرض كربلاء.
ومن محاسن المجالس الحسينية تربيتها للشباب وللبراعم حتى وإن لم يفهموا كل ما يدور فيها، ولكن تواجدهم في هذه المجالس، واشتراكهم في إحياء الشعائر الحسينية هو بحد ذاته عمل مفيد، لأنهم يتربون على هذه الشعائر حتى يستلموها منا ليسلموها إلى الجيل الذي يأتي من بعدهم.
ومن الطريف أن نذكر هنا أن المجالس الحسينية تستهوي حتى الأطفال، ذلك لأن هؤلاء البراعم كانوا يشكلون جزء من برنامج الإمام الحسين عليه السلام ، فلقد حمل معه الأطفال إلى كربلاء، فالإمام الباقر عليه السلام كان طفلاً صغيراً عندما وقعت حادثة الطف، ويمكننا القول أن سبعين طفلاً شهدوا واقعة كربلاء، ولذلك فقد نقلوا هذه الواقعة إلى الأجيال التالية.
وهنا أعود لأقول أن الطفل الذي يدرج في مجالس أبي عبد الله، وينمو تحت ظلها، مثل هذا الطفل عليه أن يمتلك الرؤية الواضحة في المستقبل، وأن لا يسأل: ماذا نفعل عندما نتعرض لظلم واضطهاد؟ لأن الإجابة واضحة، فعلينا أن نسأل أنفسنا: ماذا كنا نقول خلال الفترة الماضية، وماذا كنا نسمع من الإمام الحسين عليه السلام خلال المجالس؟ إن الحيرة والتردد مرفوضان للأسباب التالية:
1- نحن كنا نعتقد وما نزال أن الحسين عليه السلام هو إمامنا، به نقتدي، ونستضيء بنوره، ونتبع سيرته، ونتخذه قدوة لنا.
2- نحن نردد في المجالس الحسينية قائلين: يا أبا عبد الله ليتنا كنا معك؛ وهذا يعني أننا قد وفرنا في أنفسنا حالة الاستعداد القصوى للتضحية والفداء.
3- نحن نسمع دائماً كلمات الإمام الحسين عليه السلام في رفض الظلم والطغيان كقوله: (ألا وأن الدعي ابن الدعي قد تركني بين السلة والذلة وهيهات له ذلك)25، صحيح أن المقصود بالدعي هنا هو (زياد بن أبيه)، ولكن القول هذا يشمل أيضاً كل إنسان ليس له أب معلوم، أي كل لقيط، وكل مجرم ظالم.
كربلاء دروس خالدة
وهكذا فإن دروس كربلاء ما زالت دروساً حياتية بالنسبة إلينا، فلو استوعبنا هذه الدروس لأنقذنا بذلك حياتنا. فالتاريخ الطويل العريض قد يدور كله على قرار وإرادة إنسان واحد؛ أي إن هذا الإنسان وفي لحظة تاريخية حاسمة قد يصدر قراراً حاسماً ليغير مسيرة التاريخ.
ولغرض إيضاح هذا الموضوع أضرب مثلاً من ثورة الإمام الحسين عليه السلام في ذلك اليوم الذي كان فيه مسلم بن عقيل في بيت هاني بن عروة واتفق أن ابن زياد جاء يزور هاني، ألم يكن هناك شيعي واحد تستيقظ عنده الغيرة ليهجم على ابن زياد ويريح العالم منه؟ يقولون أن مسلماً هو الذي كان مكلفاً بقتله، ولماذا مسلم؟ ولماذا لا تقومون انتم بدوركم؟
وبناء على ذلك فإن الدروس ما تزال ذات الدروس، وقضية كربلاء لا يمكن أن تنتهي لأن دروسها لا تنتهي، ونحن محتاجون إلى هذه الدروس نفسها مع مرور الزمن؛ نحتاج إلى الشهادة والشجاعة والإيثار والتضحية، ونحتاج إلى الحكمة في اللعمل والتخطيط.
إن علينا جميعاً أن نتحمل المسؤولية أو جزء منها على الأقل، فنحن لم نوضح للناس من هو الإمام الحسين عليه السلام وماذا فعل، وما هي علاقتنا به، وكيف نأخذ الدروس والعبر من واقعته؟ البعض يتكلم عن الإمام الحسين عليه السلام وكأنه يتكلم عن قضية تاريخية بحتة، أو قضية غيبية بحتة!
إن الإمام الحسين عليه السلام مصباح هدى وسفينة نجاة؛ أي إذا أظلمت عليك الدنيا، ولم تعرف ماذا يجب أن تفعل، ولا تعرف كيف تقضي على الأزمات والمشاكل التي تعيشها، وكيف تستطيع أن تبعث في الأمة روح النشاط والفاعلية.. فعليك أن تستلهم الموقف من قضية الإمام الحسين عليه السلام فيجب علينا أن نبين للناس دروس كربلاء، وأن نتناولها كقضية تاريخية وكقضية غيبية معاً مضيفين إليهما قضية أخرى هي القضية الحياتية؛ أي أن نستلهم منها دروساً يومية لحياتنا، فإذا ما واجهت لوحدك موجة من المصاعب فلا تخف بل توكل على الله، وتقدم لأنك بهذا العمل ستضمن حياة الأمة، فالإنسان عندما يقتبس من نور الحسين عليه السلام ، وتجري في عروقه قطرة من دم أبي عبد الله وأصحابه فإنه لا يمكن أن يكون ذلك الإنسان المتخاذل الجبان، بل يصبح رجلاً متميزاً ومتفوقاً، وسيكون بإمكانه أن يغيير كثير من المعادلات.
________________________________________
عاشوراء والإصلاح الشامل في الأمة
ليس في هذه الدنيا سوى سبيلين؛ سبيل الهدى الذي يؤدي بالإنسان إلى رضوان الله وجناته، وسبيل الضلال الذي يقوده إلى الجحيم. ولكل سبيل جهة وإمام وأمة؛ وجهة سبيل الله هي رضوانه تعالى، والذين يقودون الناس في هذا السبيل هم الأنبياء وأئمة الهدى، أما صبغة هذا السبيل فتتمثل في التوحيد الذي هو صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة.
الصراع بين الهدى والضلال أبدي
والصراع قائم أبداً بين هذين السبيلين، وكلّما كان قلب الإنسان زكياً طاهراً من رواسب الشرك ووجهته وصبغته، ومن الولاية للشيطان وأوليائه، كان أقرب إلى الله حتى يصبح من حزبه؛ أي من التجمع الذي يؤيده الله ويسدّده، وهذا هو حزب الله. وكم هي عظيمة فضيلة الإنسان الذي يسمو حتى يبلغ مستوى حزب الله، فهذا الحزب لا يدخله إلا من صفا قلبه، كما يشير إلى ذلك تعالى في الآية الأخيرة من سورة المجادلة: (لاَ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الأَخِرِ يُوَآدُّونَ مَنْ حَآدَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ )(المجادلة/22)
فلا يمكن أن يجتمع في قلب الإنسان الواحد الإيمان بالله والرسول والولاية لأعداء الله، فهل يمكن أن نتصور اجتماع الجنة مع النار؟ كلا بالطبع؛ فالقلب المؤمن متميز عن ولاية الكفار، فإذا كان الإنسان مؤمناً فمن المستحيل أن يوادّ من حادّ الله ورسوله، ولو كان من آبائه أو أبنائه أو إخوانه أو عشيرته.. فحزب الله يفصلك عن كل الانتماءات، كالانتماء إلى العشيرة والوطن والإقليم والمهنة لتكون صبغتك الحقيقية صبغة التوحيد، فنحن ننتمي إلى العشيرة مثلاً في ظل التوحيد، أما إذا كانت هذه العشيرة كافرة فلا يجوز لنا أن ننتمي إليها، ولا يجوز أن نحبها ونوادها.
يروي لنا التاريخ أن بعض المسلمين قتلوا في سبيل الله آباءهم في معركة بدر، فهذا الاستعداد للتضحية يرفع الإنسان المؤمن إلى مصاف حزب الله. أما الطرف الآخر فهو الحزب الذي استحوذ على أفراده الشيطان فأنساهم ذكر الله، فهم يقومون بالأعمال الباطلة، وإذا ذكرتهم بالله لا يتذكرون، ولا يرتدعون، على عكس الإنسان المؤمن الذي تصفه الآيات القرآنية بقولها: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَايَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ )(الانفال/2)
والذي ينتمي إلى حزب الشيطان تراه دائماً في حالة صراع مع الله ورسوله، (يُحَآدُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ )(المجادلة/5). ومن يعيش هذه الحالة فإنما هو في الاذلين، لأن الله تعالى يقول بصراحة: (كَتَبَ اللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَاْ وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ )(المجادلة/21).
الإمام الحسين القيادة العليا لحزب الله
والإمام الحسين عليه السلام يمثل القيادة العليا لحزب الله، فالانتماء إليه عليه السلام هو في الحقيقة انتماء إلى حزب الله، ذلك لأنه تخلى عن جميع علائقه الدنيوية في لحظة واحدة. فالإنسان قد يضحي في الوقت الواحد بشيء واحد، ولكن الإمام الحسين عليه السلام ضحى بكل شيء في وقت واحد؛ فهو قد جسد المفهوم الحقيقي للتوحيد، وكان رمزاً للتضحية والفداء إلى درجة أنه ضحى حتى بطفله الرضيع، وكأن الإمام الحسين عليه السلام كان يبحث عن أي شيء يقرّبه إلى الله تعالى.
وعندما أراد ولده الإمام زين العابدين عليه السلام دفنه في اليوم الثالث من مقتله لم يستطع حمله، فقد كان كلّما حمل عضواً سقط عضو، حتى هيأ له الحصير، فوضع عليه، ثم أدخل عليه السلام القبر، في حين كانت جراحه تنزف دماً.
الإمام الحسين رمز التوحيد
وهكذا فقد كان الحسين عليه السلام رمزاً للتوحيد، وكان القيادة المثلى لحزب الله. ومن الجدير بالذكر هنا أن حركته عليه السلام كانت كحركة الأنبياء، فقد كانت حركة جذرية لم يهادن أو يداهن فيها مطلقاً، فقد كان يريد أن يقوّض الكيان الجاهلي الفاسد بكل تفاصيله، ليبني مكانه القيادة الإسلامية الرشيدة، وهذه هي الحالة الجذرية. فالإصلاح الكامل هي صفة من صفات الأنبياء، فهم( يسيرون على خط واضح وعلى بصيرة، وهذه البصيرة تنفعنا في حياتنا كأشخاص، فينبغي علينا أن لا نفتش عن الأهداف الدنيئة، وعن الإصلاحات الجزئية، فلنفكر في تغيير أنفسنا بالاتجاه الصحيح، لأننا لن نستطيع أن نصلح أنفسنا بقوتنا وحولنا، بل بحول الله تعالى وقوته.
فلتكن همتنا عالية سامية، ولنحاول أن نستفيد من كل شيء بأعلى درجة، وعلى سبيل المثال لماذا لا نحاول أن نجعل صلاتنا رفيعة المستوى، ولماذا لا نحاول أن نجعلها صلاة الخاشعين، فالصلاة هي التي تقربنا إلى الله زلفى، وهي التي تحملنا إلى الجنة.
فلنعمل الأعمال الصالحة بروح ومحتوى، وهذا الذي نتعلّمه من الإمام الحسين عليه السلام . فلنتعلم ونحن نشترك في مجالس عزائه كيف تخشع قلوبنا، وتدمع عيوننا، ونصنع جواً إيمانياً نتزود منه، فنحن نقف على شاطئ ماء فرات لابد أن نرتوي منه لأن أمامنا طريقاً طويلاً لابد أن نتسلح منه لمقاومة الشهوات، ولمحاربة الفتن.
فلنشارك في المجالس الحسينية ونحن نمتلك همّة عالية، ولنكن حسينيين قلباً وقالباً، وعلماً وعملاً، والله تعالى سوف يعطينا بدوره من خلال الحسين عليه السلام ما نريد، لأن بابه مفتوح، ورحمته واسعة.
________________________________________
حل جذري
هذا بالنسبة إلى الأشخاص، أما بالنسبة إلى العالم السياسي فعندما يكون العمل ظاهرياً فإننا لا نستطيع أن نقتلع المشاكل من الجذور، ولا يمكن أن تنفعنا في هذا المجال طريقة المداهنة والمساومة، فهي السبب فيما تعانيه أمتنا من المشاكل.
فالحلول الجذرية -إذن- هي الحلول التي تستطيع أن تغير وجه التاريخ، لأنها تقتلع المشاكل التي نعاني منها من الجذور، فالحل الجذري في العالم السياسي هو أن نقتلع الأزمات والمشاكل من جذورها، وأن نحارب المرض محاربة جذرية.
ونحن نتعلم كل ذلك من الإمام الحسين عليه السلام فبنهضته استطاع أن يقتلع جذور بني أمية اقتلاعاً، فحولهم إلى لعنة التاريخ، وأمثولة الدهر، ومرجم يرجمه البشر باللعنة، والملائكة بالويل.
وهكذا استطاع أبو عبد الله الحسين عليه السلام أن يغير وجه التاريخ بنهضته الجبارة العملاقة، وهذا النهج هو الذي ينبغي أن نجعله قدوة لنا، ونعمل به.
________________________________________
عاشوراء رسالة الإعلام الجماهيري
نستقبل في كل عام مناسبة تمثل القمة في تحدي الإيمان للكفر، وفي تبلور الصراع بين جبهة الحق وجبهة الباطل، ألا وهي مناسبة عاشوراء. ونحن لو انصفنا هذه المناسبة لجعلنا من كل أيامنا عاشوراء، ومن كل بقعة من بقاع الأرض كربلاء.
فهذه المناسبة ليست مناسبة تاريخية مضت ولم يبق منها إلا عبرها، وإنما هي في الواقع حركة ابتدأت عام 61 للهجرة ولكنها امتدت وتصاعدت عبر السنين حتى اليوم، ففيها تتجلى أبعاد مختلفة، فهناك تضيق المسافة بين الإنسان والقيم لأن جسر التضحيات يقرب الإنسان من العالم المعنوي والأفق الأعلى بما لا يقرّبه شيء آخر.
وفي هذه المناسبة تتجلى أيضاً حالة الاجتماع حيث أن الفوارق التي تفصل بين الإنسان ونظيره الإنسان، وبين المؤمن وأخيه المؤمن، تتضاءل إلى درجة أن كل واحد يشعر أنه يندمج مع الآخرين اندماجاً كاملاً.
ومع ذلك فإن القضية الإعلامية هي أهم المفردات التي تتجلى في هذه المناسبة؛ أي قضية الدعوة إلى الله وإعلان كلماته والدفاع عن عباده وإعلان البراءة من أعدائه، ولذلك فإني سوف اختص هذا الفصل للحديث حول القضية الإعلامية.
وبشكل عام يمكننا القول أن هناك منهجين إعلاميين في العالم:
________________________________________
منهجان في الإعلام
1- المنهج الرسمي: أي الإعلام القائم على أسس واضحة مشروعة ومعترف بها لدى المؤسسات الاجتماعية والسياسية القائمة ويتمثل هذا الإعلام في الجرائد والإذاعات وأجهزة الاتصال العامة الأخرى.
2- الإعلام الجماهيري المرتبط بالإنسان؛ أي الإعلام الذي لا يقوم به جهاز خاص أو مؤسسة خاصة وإنما يقوم به كل واحد من أبناء الأمة.
ونحن المسلمين علينا أن نهتم بكلى المنهجين في الإعلام، وبالنسبة إلى المنهج الأول فإن هناك شعوراً بأننا متأخرون ومتخلفون فيه، ومن الخطأ بمكان إن نقول أن الذين يقتلوننا وينهبون ثرواتنا ويعتدون على حرماتنا إنما يفعلون ذلك بقوة السلاح. كلا، فقوة السلاح هي في الحقيقة قوة ثانوية إذا ما قيست بقوة الإعلام، فهم يقتلوننا بألسنتهم قبل أن يقتلونا برصاصهم.
والدليل على ذلك أن المجازر التي ترتكب بحق المسلمين في أنحاء العالم تحدث والعالم يغرق في سكوت رهيب، وهنا يتجلى عمق المأساة إذ أن العالم وبالذات العالم الإسلامي كان قد فقد منذ زمن حصانته وقيمه الروحية، فالإسلام الذي جاء نصيراً للمستضعفين ضد المستكبرين، والذي جاء لتكريس قيم الرسالات الإلهية في الإنسان قد تحول عن المسلمين إلى قشور زائفة إلى درجة إنك تجد أن الكثير من المسلمين يقفون مكتوفي الأيدي إزاء ما يحدث من مجازر.
فلو أن المسلمين كانوا ما يزالون يحملون الضمير الذي صنعه الإسلام في المسلمين الأوائل لما تجرأ الاستكبار على ارتكاب تلك المجازر، فمن الذي أفسد ضمير المسلمين، ومن الذي جعلهم لا يدافعون عن قيمهم؟ أنه الإعلام المزيف والمضلل، فعشرات الإذاعات والصحف والمحطات التلفزيونية وسائر الأجهزة الإعلامية المضللة ساهمت ومنذ فترة طويلة في إفساد الرأي العام عند المسلمين في غيبة من أصحاب الفكر الواعي، والضمائر الحرة.
________________________________________
مسؤوليتنا أزاء الإعلام المضلل
وهنا تتجلى مسؤوليتنا نحن المسلمين اليوم؛ وهي أن لا ندع هذه الأجهزة تستبد بتوجيه الرأي العام، وأن نفصل هذه الأجهزة عن هذا الرأي العام من خلال صنع الأجهزة البديلة، فما هو المانع من أن نصدر الصحف مثلاً؟ صحيح أن حرية الصحافة محدودة في أكثر البلدان الإسلامية، ولكن الإنسان إذا أراد شيئاً وسعى إليه فسيحققه، علماً أن هنا بلداناً ما تزال فيها بقية حرية، فلماذا لا نستغلها؟ فلو استفدنا من هذه الحرية الممنوحة هنا وهناك، وقمنا بواجبنا لوفق الله تعالى المسلمين للمزيد منها، ولكننا لا نستغل هذه الحرية للأسف.
إن الإنسان المؤمن الذي نريد الدفاع عنه هو أعظم حرمة من الكعبة كما صرح بذلك الإمام جعفر الصادق عليه السلام في قوله: "المؤمن أعظم حرمة من الكعبة"(26).
وعلى هذا فإن الدفاع عن هذا الإنسان المؤمن وعن كرامته وحرمته ودمه ليس بأقل أهمية من الدفاع عن الكعبة.
ولقد أهتم الإسلام اهتماماً كبيراً بالتبليغ والدعوة وإرشاد الجاهلين، فلماذا لا يبادر المؤمنون فينا إلى الأنفاق في هذا المجال؟ ولماذا لا يقدم أهل القلم عندنا على إصدار الصحف؟ وباختصار لماذا لا نضع هذه المسألة الأساسية في الأولوية؟
علينا أن نهتم بالإعلام والصحف والإذاعات وأجهزة الإعلام الأخرى كما يهتم الغرب بها، ففي بريطانيا وحدها تصدر مئات الصحف والنشرات يومية وغير يومية بل أن بعض الصحف اليومية تصدر ثلاث مرات كل يوم، وفي الولايات المتحدة هناك أكثر من ألفي محطة إذاعية ومئات أجهزة الإرسال التصويرية، فالعالم يهتم بالإعلام ولكن المسلمين متخلفون ووإذا أردنا صون كرامتنا، والدفاع عن أنفسنا فلابد من أن نسعى من أجل إقامة جهاز إعلامي يدافع عن حرماتنا.
وفيما يتعلق بالمنهج الأخر، فلو افترضنا أن العالم قد ضاق بنا، ولم يدعنا نتحدث عبر الأجهزة الإعلامية، فقاوم أجهزتنا الإعلامية، فعلينا أن نتبع المنهج الآخر هذا؛ أي الإعلام الجماهيري، هذا المنهج الذي وضع أساسه الإمام الحسين عليه السلام في كربلاء.
كن جهازاً إعلامياً
ترى ما هي تفاصيل هذا المنهج، وكيف ندعو الناس على ضوئه؟ الجواب على ذلك يتمثل في أن يكون كل واحد من أبناء الأمة الإسلامية جهازاً إعلامياً، فهل تعلم أن البكاء على السبط الشهيد عليه السلام هو بحد ذاته إعلام فالإنسان مجبول ومفطور على أن يجاري الباكي، فإذا ما بكى شخص أمامك فإن من الطبيعي أن تواسيه وتشترك معه في مشاعره.
وقد أمرنا الإسلام بالبكاء وخصوصاً البكاء على السبط الشهيد، ويروى في هذا المجال أن (ابن شبيب) دخل ذات مرة على الإمام الرضا عليه السلام فقال له عليه السلام : يا بن شبيب إن كنت باكياً لشيء فابك للحسين بن علي بن أبي طالب? فإنه ذبح كما يذبح الكبش(27).
كذلك قال ابن طاووس: روي عن آل الرسول?. أنهم قالوا: "من بكى وأبكى فينا مائة فله الجنة، ومن بكى وأبكى خمسين فله الجنة، ومن بكى وأبكى ثلاثين فله الجنة، ومن بكى وأبكى عشرين فله الجنة، ومن بكى وأبكى عشرة فله الجنة، ومن بكى وأبكى واحداً فله الجنة، ومن تباكى فله الجنة".(28)
والبكاء على السبط الشهيد عليه السلام ينبغي أن يكون بالعويل والصراخ أي بالإعلان والإعلام لا أن يكون في بيتك، بل في المجالس العامة، وهذا هو الإعلام المؤثر في النفوس.
والوسيلة الأخرى في هذا المجال إنك عندما تشترك كشخص في مجلس حسيني حتى وإن كان على قارعة الطريق، فإن مساهمتك في هذا المجلس هي بحد ذاتها إعلام عن مظلومية الحسين عليه السلام ، ودفاع عن كل المظلومين في الأرض، وعن كل القيم التي من أجلها استشهد أبو عبد الله الحسين عليه السلام .
أما بالنسبة إلى المسؤولية التي يتحملها الخطباء في هذا المجال فنحن كنا نمتلك على امتداد أربعة عشر قرناً جهازاً إعلامياً خاصاً بنا بتمثل في خطباء المنبر الحسيني غرسوا في نفوسنا حب المظلوم، وكراهة الظالم، وقيم الحق والعدالة، ووصيتنا لهؤلاء الأخوة تتمثل في النقاط التالية:
________________________________________
ضرورة الإكثار من خطباء المنبر الحسيني
1- الإكثار من عددهم وذلك عبر اهتمام الناس بهذا الحقل الإعلامي الهام، فقد كانت هناك دعايات أجنبية مغرضة تحاول الحط من شأن هؤلاء الذين هم الدعاة حقاً إلى الله تعالى، ولذلك فقد كانت تلك الدعايات تحاول صرف الناس عن هذا المجال، في حين أن علينا أن نرغب الناس فيه لكي يشجعوا أبناءهم على أن يصبحوا خطباء حسينيين.
ترى لماذا يمنع الآباء أبناءهم من طلب العلم، ولماذا لا يشجعونهم عليه؟ إن من دواعي شرف وفخر الوالدين والعائلة أن يبرز بينهم من يدعو إلى الله تعالى، ويدافع عن الحسين عليه السلام .
وللأسف فإن أبا عبد الله ما يزال مظلوماً إلى الآن، ففي البلدان العربية، وفي الحجاز موطن أبي عبد الله الحسين عليه السلام يصدر كتاب في الدفاع عن (يزيد)! كما أن قبور أئمتنا في البقيع ما تزال مهدمة، أو ليس الحسين عليه السلام مظلوماً بعد ذلك؟ إنه ما يزال يستصرخنا، وما يزال صوته يدوي في الأفق، هل من ناصر ينصرنا؟ فلماذا لا ننتصر له إذا أردنا أن نحضى بشفاعته ؟
ومن جهة أخرى فإن المنبر الحسيني ينبغي أن لا يكون حكراً على فئة خاصة، فكل من يستطيع ارتقاء المنبر ودعوة الناس إلى القيم التي دافع عنها السبط الشهيد لابد أن يفعل ذلك دون تردد، فالمنبر لكل داعية وعالم.
ضرورة تطوير الحديث عن ثورة الحسين عليه السلام
2- الوصية الثانية تتمثل في أن يطور هؤلاء الأخوة أحاديثهم، فلابد أن يتحدثوا عن أبي عبد الله الحسين عليه السلام وكأنه بينهم. فالحسين عليه السلام تتجدد في كل عام حياته ودعوته وتتجدد صرخته، ولابد أن نعلن للناس عن هذه الحقيقة. فالحسين عليه السلام لم يكن للجيل الذي عاش فيه، بل هو لكل الأجيال، ولذلك ينبغي أن نشرح واقعة كربلاء وكأنها وقعت هذا العام، وأن نربطها بالأحداث التي يعيشها المسلمون في العالم.
وبالطبع فإني لا أقصد هنا أن نترك الواقعة التاريخية لنتحدث عما يجري حولنا فقط، بل أعني أن نبين الواقعة لتكون مثلاً ورمزاً للأحداث التي تقع في كل يوم، فتلك الواقعة التاريخية هي في الواقع صورة مكتملة الجوانب والأبعاد عما يحدث في العالم، فلابد إذن من أن ننظر إلى ما يحدث من قضايا في عالمنا من خلال واقعة كربلاء، ومن خلال القيم التي نهض من أجلها أبو عبد الله الحسين عليه السلام لكي لا يتجرأ أحد للدفاع عن طواغيت العصر.
وهكذا فإننا إذا فصلنا الواقعة التاريخية عما يحدث أو فعلنا العكس فإن الطلاق بين الحقيقة والواقع وبين القيم وتطبيقات القيم على الأرض قد يتحقق. وهنا تحدث تلك الحالة التي وقعت عند بعض المسلمين فيصعد أحدهم المنبر الحسيني ليمنع النااس من العمل في سبيل الله والجهاد والتضحية، فيدافع بعمله هذا عن يزيد لعنه الله لا عن الحسين عليه السلام ، لأن الأخير لم يعد رمزه ومثله.
الإمام الحسين عليه السلام ثورة ممتدة
إن الإمام الحسين عليه السلام لم ينته ولا يمكن أن ينتهي، وثورته ممتدة، ونحن نجدد ذكرى كربلاء وعاشوراء كل عام، بل كل يوم لأن الحسين عليه السلام يعيش بيننا، وندائه يملأ آذاننا، ودمه في عروقنا، ولذلك فإن علينا أن نهتم بالإعلام الجماهيري وذلك من خلال صنع المنبر الحسيني المتكامل الأبعاد الذي إنما نصنعه بتطويره، والتطوير هذا يحدث بأن نجعله يعايش الزمن.
وعندما يحدثنا الله سبحانه عن المسيرة الإيمانية في التاريخ، فإنه يكشف لنا عن مدى اجتهاد أئمة الكفر وأشباع الضلال من أجل دحض الحق بالباطل، تأمّلوا مثلاً قوله تعالى: (كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالاَحْزَابُ مِن بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ اُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ )(غافر/5).
فقد كانت همّة الأمم الضالة منصبة على إعدام رسلهم، أي إعدام الدعاة إلى الله الذين كانوا يدعونهم لنبذ الباطل. ثم يضيف ربنا تعالى قائلاً: (وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابٍ )(غافر/5).
ونحن نبشر كل الطغاة في العالم بعذاب أليم ينتظرهم، فالله تعالى سينتقم لعباده المؤمنين، وستجدون كيف ستضيق الأرض بأولئك باعوا شرفهم وكرامتهم وقيمهم.. فلينتظروا قليلاً وسيرون أن يوم المظلوم على الظالم أشد من يوم الظالم على المظلوم.
الفصل الثالث: مدرسة الحياة
كربلاء مدرسة الانتصار على الذات
إن النفس البشرية هي كل لا يتجزأ، والحقول المختلفة للحياة تتفاعل مع بعضها لتكوّن حياة واحدة مركبة من كافة العوامل.
والثورة هي نتاج كل العوامل التي تتفاعل في الحياة، والضغوط التي تؤثر على النفس، والثورة الرسالية هي التي تستلهم قيمها من قيم الله كثورة سيد الشهداء الإمام الحسين عليه السلام ، وهذه الثورة تؤثر في الحياة الاجتماعية بقدر انعكاسها على النفس البشرية. فالنفس تصفو بالثورة، والثورة بدورها هي نتيجة الصفاء النفسي، وكما أن الثورة تستهدف إزالة النفاق والفساد الاجتماعي من واقع الحياة، فهي أيضاً تهدف إلى القضاء على النفاق والفساد في النفس البشرية.
الانتصار هو تجاوز الضعف البشري
إن الذين ينتصرون على أنفسهم وضعفهم، ويتغلّبون على ترددهم في الحياة، ويكتشفون ما أودع الله في كيانهم من كنوز العقل والإرادة والضمير الحي النابض، إن هؤلاء منتصرون لا محالة على قوى الشرك والضلالة والجهالة في المجتمع.
والصراع الاجتماعي النابع من إرادة حرة، وضمير إنساني، وعقلية واعية، هذا الصراع يهديه إلى الصراط المستقيم، كما أشار إلى ذلك تعالى: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا )(العنكبوت/69)
وعملية الجهاد أو الصراع هي عملية مواجهة الفساد الاجتماعي، هذه المواجهة التي تقتلع من النفس البشرية جذور الفساد والنفاق والانحراف، ذلك لأن للإنسان قوة خارقة في الخداع الذاتي، فبالرغم من أنه تحمل مسؤولية رفضت السماوات والأرض والجبال تحملها، وأشفقن منها، إلا أن نفسية هذا الإنسان ظلومة كفارة، تحاول أن تحجب الحقيقة عن ذاتها بأن تخدعها وتخدع من حولها. ولذلك فإن كل إنسان ينطوي في داخله على نسبة كبيرة من النفاق مما يزيد الطين بلة أن موعظة الناصحين، وهداية المؤمنين، وتلاوة آيات القرآن بل وحتى صدمات مآسي الحياة لا تستطيع أن تنتزع من النفس البشرية جذور النفاق، فيبقى الإنسان منافقاً بالنسبة إلى ذاته وغيره، وتبقى جذور الانحراف حية في نفسه، فأنى عادت إليه الحياة الطيبة المترفة عاد منحرفاً عن طريقه.
طبيعة الإنسان كما يرسمها لنا القرآن
ويحكي لنا القرآن الكريم طبيعة الإنسان هذه من خلال الصورة التي يرسمها لنا عن أولئك الذين ركبوا في البحر، وجرت بهم ريح طيبة ففرحوا بها، ثم أحاطت بهم العواصف والأمواج من كل مكان، فتساقطت أمام أعينهم الأوهام ولم يعودوا يشركون بالله شيئاً: (فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ )(العنكبوت/65)
فقبل قليل كانت نفوسهم وقلوبهم وكل وجودهم متوجهاً إلى الله تعالى يستمدون منه العون، ويدعونه مخلصين، ولكنهم سرعان ما ينسون أو يتناسون كل عهودهم ومواثيقهم ليعودوا مشركين!
ويبين لنا القرآن ما هو أغرب من ذلك عندما يرى الإنسان بأم عينه أهوال الموت، وفظائع القبر، ثم عذاب الله يوم القيامة، ومع ذلك فإنه لو أعيد إلى الدنيا لعاد إلى ما كان يفعله سابقاً من ذنوب. قال الله تعالى: (وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلاَ نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ * بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وإِننَّهُمْ لَكَاذِبُونَ )(الانعام،27-28). وهذه هي طبيعة النفس البشرية وطغيانها، فكيف يمكننا القضاء على هذا النفاق والخداع أو الطغيان النفسي؟
لا يمكننا ذلك إلا من خلال خوض الصراع والجهاد، فبواسطة المحاولات المتكررة والمستمرة يتم تغيير اللحياة وإصلاحها، ويتم للإنسان التغلب على طغيان نفسه. فالملاحظ أن الناس كلما اسقطوا صنماً حجرياً قائماً في الحياة الاجتماعية فإنهم يسقطون بموازاته صنماً من الأخلاق الفاسدة في أنفسهم، فعندما نحارب طاغوتاً، أو نظاماً فاسداً، أو مؤسسة اجتماعية منحرفة فإننا نحارب بقدرها وبموازاتها طغياناً وانحرافاً في أنفسنا، وصنماً قائماً في ذواتنا.
ولا يمكن للإنسان أن يقول في البدء أن عليه إصلاح نفسه، وإسقاط الطواغيت المتراكمة داخل ذاته كالخوف والكسل والفشل والجبن، ومن ثم يقضي على طاغوت الإلحاد والفساد في المجتمع، ذلك لأن العملية تفاعلية، ففي كل خطوة يجب علينا القضاء على طاغوت في أنفسنا في نفس الوقت الذي نقضي فيه على طاغوت في المجتمع.
________________________________________
إحياء ذكرى عاشوراء وسيلة لتزكية النفس
وعندما نجلس في محفل من محافل ذكر الإمام الحسين عليه السلام وثورته الخالدة التي هي خلاصة الثورات الأنبياء?، وامتداد لرسالات الله، فإننا إنما نفعل ذلك لتصفية أنفسنا، وتزكية ذواتنا. فهذه الدموع التي تجري على مصاب السبط الشهيد من شأنها أن تغسل قلب الإنسان، وتزيل الصفات السيئة من نفسه، فترى الإنسان يلتحم من خلال هذه الدموع، وبفضل هذه التزكية مع روح الحسين عليه السلام صاحب البطولات النادرة؛ أي مع تلك النفسية التي انتصرت على كل عوامل الضعف البشري.
إن هذه الدموع هي وسيلة تلاحمنا، وأسلوب تفاعلنا واتصالنا بينبوع فيض الحسين عليه السلام وفيض أهل بيت النبوة، وأصحابه. وهكذا الحال بالنسبة إلى كل نوع من أنواع تجديد ذكرى أبي عبد الله الحسين عليه السلام فإنه يجعلنا أكثر تفاعلاً مع هذه المأساة، وبالتالي أكثر استيعاباً لدروسها، ونجاحاً في القضاء على نفاقنا وخداعنا الذاتيين.
إن الإمام الحسين عليه السلام هو حجة الله علينا يوم القيامة، فماذا تعني الحجة؟ إنها تعني أن الله تعالى الذي خلقنا وخلق الإمام الحسين عليه السلام ومنحه تلك المواهب، قادر على أن يتفضل بمثل تلك المواهب علينا، ومن ضمن هذه المواهب صبره وتحمله في ذات الله رغم المصائب الكبيرة التي تحملها في يوم عاشوراء، ذلك لأنه عليه السلام كان متصلاً بقدرة الله، وقد تجلى ذلك في مصيبة ابنه علي الأكبر، وفاجعة الطفل الرضيع الذي ألهب الجوع والعطش والحر قلبه وكبده الصغيرين، وعندما يطلب الإمام الحسين عليه السلام شربة من الماء لهذا الطفل يمطره الأعداء بوابل من السهام الغادرة فيذبحونه على صدر أبيه.
كيف انتصر الإمام الحسين عليه السلام على الضعف البشري؟
ترى هل يوجد قلب بشري قادر على أن يتحمل مرارة هذه المصيبة وألمها؟ ولكن الإمام الحسين عليه السلام يمسك بالدم، ويرمي به نحو السماء قائلاً: (هوّن ما نزل بي إنه بعين الله)(29).
وهنا نتساءل: كيف انتصر الإمام الحسين عليه السلام على عوامل الضعف البشرية في ذاته؟ كيف انتصر على حبه العميق أو بالأحرى على شفقته الشديدة كأب تجاه أبنه الرضيع، ونجله الشاب الوسيم الذي رآه أمامه مقطّعاً بالسيوف إرباً إربا؟ كيف انتصر على هذه العوامل كلها وهو بشر، وكان صامداً كالطود العظيم إزاءها، بل ويتهلل وجهه الكريم انشراحاً كلما ازدادت مصائبه؟
لا شك إن ذلك كان لارتباطه العميق برب العالمين، لأنه يرى أن هذه المصائب هي الجسر الذي يربطه بالخالق تعالى، وتقربه إليه زلفى.
فلماذا لا تنتصر أنت أيها الإنسان على ضعفك؟ إن الحسين عليه السلام هو حجة الله علينا، فكلما نجلس ونذكر ثورته عليه السلام ونعظم فيه هذه البطولة كلما ندين ضعف أنفسنا، ونحثها على سلوك الطريق الذي سلكه الإمام الحسين عليه السلام للانتصار على ضعف أنفسنا. وهذا هو الدرس الأعظم الذي يستطيع كل إنسان أن يستوعبه من سيرته عليه السلام .
________________________________________
كربلاء مدرسة متكاملة
وهكذا فإن كربلاء هي مدرسة متكاملة للناس بمختلف فئاتهم، فالشباب بإمكانهم أن يدرسوا عند عليّ الأكبر والقاسم وسائر شباب أهل البيت( وللشيوخ أيضاً أساتذتهم في كربلاء كحبيب بن مظاهر، ومسلم بن عوسجة وغيرهما من الذين ضحوا في سبيل الله، كما أن النساء بإمكانهن الاستفادة من هذه المدرسة من خلال التتلمذ عند زينب الكبرى عليها السلام ، وعند النساء الفاضلات الأخريات اللاتي اشتركن في ملحمة عاشوراء.
إنها لمدرسة خاصة، مدرسة كربلاء التي بإمكان الجميع أن يتعلموا منها كل صفة وكل مكرمة؛ فالوفاء عند أبي الفضل العباس، والشجاعة عند الإمام الحسين، والحنان واللطف عند زينب الكبرى التي كانت رغم شجاعتها وبطولتها تفيض على كربلاء شآبيب الحنان والحب والعطف فإذا بها النموذج الأسمى للإنسانية الشجاعة، فزينب عليها السلام تعلم الأمهات كيف يدفعن أبناءهن إلى ساحة المعركة، والمرأة الشابة كيف تحرّض زوجها على الجهاد.
وهكذا فإننا نتعلم من مدرسة كربلاء الصفات الإنسانية الرفيعة المستوى، ونتعلم منها الدروس العظيمة.
وفي نفس الوقت فإننا كلما رأينا انحرافاً وضلالاً وفساداً عند جيش العدو؛ أي عند شيعة آل أبي سفيان عليهم اللعنة تتفجر بغضاً وحنقاً عليهم، فإذا ما رأينا ما انتهى إليه هذا الجيش، وكيف أن الإنسان إذا أعرض عن هدى الله، وانحدر من قمة الإنسانية سوف لا يلوي على شيء، وسوف يهبط إلى الحضيض والدرك الأسفل، فإن هذا يعطينا درساً بأن الإنسان إن لم يتمسك بهذه القمة فسوف تقلعه الرياح؛ رياح الشهوات؛ ورياح الضغوط الاجتماعية، كما حدث لشمر بن ذي الجوشن.
كيف ينحدر الإنسان إلى الحضيض؟
هذا الرجل يقول: هممت أن أحز رأس الإمام الحسين عليه السلام ، فانحدرت إلى المكان الذي صرع فيه، فوقع نظري على عينيه فهبته، ووليت هارباً وقد سقط السيف من يدي. لا شك إن هذا الرجل شقي ولكنه عندما يرى عيني الإمام الحسين عليه السلام اللتين تشبهان عيني رسول الله (ص) يتراجع عن فعلته. فالحسين عليه السلام كما جاء في بعض الأحاديث لم يكن ينام الليل، وكان دوماً مشغولاً بالعبادة والدموع تجري من عينيه الكريمتين، فكيف تسنى لشمر بن ذي جوشن بعد ذلك أن يجلس على صدر الإمام الحسين عليه السلام ، ويحز رأسه الكريم؟
إن هذا هو الحضيض الذي ينحدر إليه الإنسان عندما يصد عن هدى الله، وينفلت من التمسك والاعتصام بحبله تعالى.
إن بداية الانحراف بسيطة ولكن نهايته ستكون كنهاية عمر بن سعد الذي كان -حسب ما كان يدعي- ابن فاتح العراق، وابن عم الإمام الحسين عليه السلام ، ويعرف ماذا يعني قتل هذا الإمام، ولكنه مع ذلك انحدر في مسيرة الهابط حتى اختار قتل للإمام الحسين عليه السلام .
ترى كيف يمكن للإنسان أن يصل إلى هذا المستوى؟ إنه مستوى اسفل سافلين الذي يقول عنه تعالى: (لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ * ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ )(التين/4-5). فالإنسان إما أن يكون في أحسن تقويم، متمسكاً بهدى الله وحبله، متحدياً رياح الشهوات، وعواصف الضغوط، وإما أن تتراخى يده عن هذا الحب، ولا يبالي، فيسقط وتهوي به الريح في مكان سحيق.
وهذا الدرس يوضح لنا أهمية التمسك الشديد بهدى الله. وهكذا كانت كربلاء، وكانت عاشوراء مدرسة في بعدين: بعد الخير، وبعد الشر.
________________________________________
الحرّ بطولة التحدي
ولو توقفنا ساعات أمام بطولة الحر بن يزيد الرياحي لما استطعنا أن نستوعبها، إنه درس عظيم أن يتحدى الإنسان واقعه، وكل ما حوله من ضغوط ، ويختار الموت بشجاعة، وينتخب الجنة بوعي وإيمان، كما فعل الحر رضوان الله عليه، فكم كان عظيماً ما فعله بحيث تتبخر أمامه جميع النظريات المادية، والحتميات الفاسدة، فأي حتمية كانت وراء توبة الحر، وبتأثير أي شيء غير مساره؟ أمن أجل الاقتصاد، أم من أجل السياسة؟ لا شيء. فالإرادة البشرية هي التي تتحدى كل الماديات، والحتميات، وهي التي تجلت عند الحر في كربلاء.
وإذا كانت هناك بطولة حقيقية فهي هذه البطولة. فالبطل الحق هو الذي يصرع نفسه في ساعات الشدة، وأشجع الناس من غلب هواه، ولا شك إننا سنستطيع أن نصلح أنفسنا ومجتمعنا إذا استلهمنا درس التوبة من الحر، فإن لم تكن لدينا إرادة تعصمنا من الوقوع في المعاصي، فلتكن على الأقل لدينا الشجاعة التي تخرجنا مما وقعنا فيه، وهذا هو الدرس الذي نتعلمه من الحر بن يزيد الرياحي، الذي ما ان سمع استغاثة الإمام الحسين عليه السلام ، حتى قال لولده: إن الحسين يستغيث فلا يغيثه أحد، فهل لك أن نقاتل بين يديه ونفديه بأرواحنا، ولا صبر لنا على النار ولا على غضب الجبار، ولا يكون خصمنا محمد المختار؟
قال ولده: والله أنا مطيعك.
ثم حملا كأنهما يقاتلان، حتى جاءا بين يدي الإمام، وقبلا الأرض وقال الحر: يا مولاي، أنا الذي منعتك من الرجوع، والله ما علمت أن القوم الملاعين يفعلون بك ما فعلوا. وقد جئناك تائبان. فحمل ولده على القوم، ولم يزل يقاتل حتى قتل منهم أربعة وعشرين رجلاً، ثم قتل(رض)، فاستبشر أبوه فرحاً، وقال: الحمد لله الذي استشهد ولدي بين يدي ابن رسول الله?. ثم برز الحر وهو يقول
أكون أميراً غاراً وابن غـادر إذا أنا قاتلت الحسين ابن فاطمة
أسفي على خذلانه وانفراده ببيعة هذا ناكــث العهد لازمـه
.. ثم حمل عليهم وقال: يا أهل الكوفة، هذا الحسين لقد دعوتموه وزعمتم أنكم تنصرونه وتقتلون أنفسكم عنه، فوثبتم عليه وأحطتم به من كل جانب.. بئس ما صنعتم، لا سقاكم الله يوم العطش الأكبر إن لا ترجعون عما أنتم عليه.
ثم حمل عليهم فقتل منهم خمسين رجلاً ثم قتل (رض)، واجتزوا رأسه ورموه نحو الإمام. فوضعه في حجره وهو يبكي ويمسح الدم عن وجهه ويقول: "والله ما أخطأت أمك إذ سمتك حراً، فأنت والله حر في الدنيا وسعيد في الآخر(30).
فكم هي سعادة الإنسان وفلاحه، وكم يكون فرحه وشعوره بالفخر وهو يعلم أنه قد أنهى فتنة الحياة، وانتصر عليها، ونجح في الإمتحان، ليرد على رب رحيم غفور كريم.
فعلينا -إذن- أن نستلهم من بطولات الإمام الحسين عليه السلام ومن وفاء أبي الفضل، وإقدام علي الأكبر، وشجاعة زينب، وإيمان الصديقين من أنصار الإمام الحسين عليه السلام ، دروساً تكون ذخراً لنا في الدنيا لمحاربة الطغاة ومقاومة الفساد، وزاداً في الآخرة ينفعنا عندما لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.
________________________________________
كربلاء ينبوع الثورات
لقد شحنت كربلاء إرادة الأمة بالعزيمة الراسخة بما بلورت من الأحاسيس الخيرة في الإنسان، ذلك لأن لهذا الإنسان مخزوناً كبيراً من العقل والإرادة والعاطفة، وهو غالباً ما يرحل عن هذه الدنيا قبل أن يستفيد من هذا المخزون الضخم.
إن من أهداف رسالات السماء، ومصلحي البشر إثارة دفائن العقول، وشحذ وتحريك الإرادة والعاطفة، واستخراجهما من باطن الإنسان إلى واقعه. وهذا ما فعلته ملحمة كربلاء بالضبط، فقد كانت هي الطليعة والقدوة لجهد الإنسان في تفجير مخزونه الإرادي والعقلي والعاطفي، ففي زيارة الإمام الحسين عليه السلام نقرأ عبارات من مثل: (السلام عليك يا قتيل العبرات، وأسير الكربات)(31). فملحمة كربلاء ما زالت تستدر دموع الناس عامة وخاصة الموالين، ومجالس العزاء كانت وما تزال تقام على مدار أيام السنة لا سيما في شهر محرم الحرام، كما أن ذكر الإمام الحسين عليه السلام أصبح على كل لسان وفي كل مكان ومناسبة.
سر خلود الإمام الحسين عليه السلام
وهنا يحق أن نتساءل: لماذا كان للإمام الحسين عليه السلام مثل هذا الخلود والحضور؟ لقد قام عليه السلام بثورة، وتحول هو نفسه مع مرور الزمن إلى ثورة بل إلى مفجر للثورات في ضمير الإنسان، ولم يعد عليه السلام ذلك القتيل على رمضاء كربلاء، ولم تعد عاشوراء تلك الفترة المحدودة من الزمن؛ فلقد أصبح الإمام عليه السلام رمزاً للثورة، وحينما نذكره تجري دموعنا، وتلتهب مشاعرنا وعواطفنا من حيث نشعر أو لا نشعر.
وهكذا فقد تحول الإمام الحسين عليه السلام من شخص إلى رمز، ومن رمز إلى مسيرة، ومن مسيرة إلى حقيقة ثورية، وعندما نقول إنه عليه السلام كان ثورة، فهذا يعني إن كل قلب سيتفجر بالثورة عندما يرتبط بينبوع الإمام عليه السلام ، فحينما يذكر عليه السلام تقفز إلى الأذهان فكرة الشهادة والبطولة والفداء وكل معاني العمل من أجل الله تعالى والمستضعفين والمحرومين في الأرض، وكلما تجددت ذكرى عاشوراء تفتحت أبصارنا، وتفجرت طاقاتنا، حيث أن ملايين البشر على امتداد الأرض يتحولون في يوم عاشوراء تحولاً ثورياً يغذيهم بمعاني الثورة خلال السنة كلها.
منذ أربعة عشر قرناً مضت وإلى الآن نجد الناس يستمدون من ثورة الإمام الحسين عليه السلام معاني الثورة والاندفاع والتضحية، مما يدل على أن هذه الملحمة قد تحولت إلى مسيرة، والإمام عليه السلام إلى ثورة، وهذا حدث هام في حياة الناس، ولكن السؤال المهم هو: أي ثورة أصبح الإمام الحسين عليه السلام وكيف أصبح ثورة، وفي أي مجال؟
في البدء ثورة على الذات
لقد كان عليه السلام في البدء ثورة على الذات، لأن أي إنسان لا يستطيع الانتصار للرسالة دون أن يحقق انتصاراً على ذاته، ونحن لا نريد أن ننتصر لأنفسنا لأن هذه فكرة خاطئة، بل نريد أن ننصر دين الله تعالى وهذا هو الهدف الأسمى، ومتى ما نصرنا دين الله، فإننا سنكون سبباً لسعادة الآخرين وفلاحهم.
وهناك حقيقة لابد للإنسان الثوري أن يزرعها في نفسه، وهي أنه لا ينبغي له أن يستهدف الوصول إلى كراسي الحكم وبلوغ مراكز القدرة والهيمنة.. بل عليه أن يعمل للآخرين، لأن نتيجة العمل من أجل الناس هي العمل لله سبحانه، وإلى هذا يشير القرآن الكريم في قوله: (يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ )(محمد/7)
وهكذا فإن الدرس الأول الذي يمكن أن نستوحيه من كربلاء الحسين عليه السلام هو أن النصر لله وحده، لا النصر المؤدي إلى إحراز المناصب.
وإذا كان ثمن استقامة الدين الإسلامي هو دم الإمام الحسين عليه السلام فإنه سوف لن يبالي، بل سيدفع الثمن راضياً مطمئن النفس، رغم إنه عليه السلام كان بإمكانه أن يختار طريقاً آخراً للخلاص من الموت، ولكنه صمم على مواصلة مسيرته الرسالية من أجل نصرة الله تعالى والحق.
التضحية يجب أن تكون شاملة
ونحن نستلهم من ذكرى عاشوراء التي تتجدد كل عام أن الإنسان عندما يريد أن يهب نفسه لله عز وجل فلا يجب أن يطلب لنفسه شيئاً مما وهب، لأن الأفضل أن يهب الكل، لأن عليه أن يسقط من فكره الذاتية. فإسقاط الاعتبارات الذاتية هو الهدف الذي من أجله ثار الإمام الحسين عليه السلام في كربلاء، فلقد أعطى عليه السلام جميع من حوله الإذن بالمبارزة، وقد كان علي الأكبر عليه السلام أول من بارز وهو أحب أبنائه إلى قلبه، فبقدر التصاق الأئمة والمصلحين بمبادئهم ورسالاتهم يلتصقون بالمعاني الإنسانية، فهم يبلغون القمة في شفقتهم على أبنائهم، لا سيما إذا كان الابن يمثل في ذاته رسالتهم مثل علي الأكبر عليه السلام الذي كان أشبه الناس خلقاً وخُلقاً برسول الله (ص) ، فهو رمز لرسول الله الذي هو بدوره رمز للأخلاق الفاضلة، والقيم السامية..
ومع ذلك فقد أذن لأبنه بالمبارزة، وقدمه في طليعة أهل بيته. وهذا يعني أن الإمام الحسين عليه السلام وهب كل ما يملك في سبيل ثورته، فقد ضحى بابنه الطفل البالغ من العمر ستة أشهر، هذا الطفل الذي كان يمثل بالنسبة للحسين عليه السلام أملاً كبيراً، لأن الطفل امتداد للإنسان، وحب الإنسان لطفله إنما هو لإبراز شخصيته في المستقبل، وتنشئته نشأة صالحة، وهذا هو الحب الذي ينبعث ويشتد كلما شعر الإنسان بالخطر.
والإمام الحسين عليه السلام لم يشعر بالخطر فحسب وإنما كان يعلم علم اليقين إنه سيموت، ومع ذلك فقد أتى بابنه معه، وهو يعلم طبيعة نوايا القوم، وماذا سيفعلون به، ولكنه رغم ذلك ذهب ليطلب له شربة من الماء، فإذا به يذبح وهو في حضن والده.
التضحيات المعنوية
وفي الجانب المعنوي قدّم كل شيء أيضاً، فبقدر ما كانت كربلاء أليمة ومفجعة على الصعيد المادي كانت كذلك عل الصعيد المعنوي، فلقد وجهت إلى الحسين عليه السلام اتهامات كبيرة نجد أثرها إلى يومنا هذا، فشريح القاضي وما أكثر أمثاله في واقعنا المعاصر، أفتى بوجوب قتل الحسين عليه السلام ، إلى درجة أن الإمام زين العابدين عليه السلام قال:
"ولا يوم كيوم الحسين عليه السلام ازدلف إليه ثلاثون ألفاً رجل، يزعمون أنهم من هذه الأمة، كل يتقرب إلى الله عز وجل بدمه، وهو بالله يذكرهم فلا يتعظون، حتى قتلوه بغياً وظلماً وعدواناً".(32)
هكذا فعلت الدعايات المضللة بأدمغة الناس، فبعد أن قتل الإمام الحسين عليه السلام وسبي أهل بيته، كان الناس يعتقدون أنهم سبايا الترك أو الديلم! وهذا هو سر عظمته عليه السلام إذ أنه قدم نفسه وأهل بيته مختاراً فداءً لدين الله. فربما يختار الإنسان الثورة لنفسه، لكنه قد لا يكون مستعداً للتضحية بأهله وأقاربه، فيرضى لنفسه الشهادة، ولا يرضاها للأهله وأقرباءه خوفاً عليهم. وهناك الكثير من الناس من يحجم عن العمل الثوري، والجهاد في سبيل الله لخوفه من التضحية أساساً.
إن من الخطأ أن يخشى الإنسان على الأناس المرتبطين به من اقتحام الثورة، لأن الواجب أن يثور ويسمح لغيره بالثورة، فإذا ثار المجاهد -مثلاً- واعتقلت السلطة الطاغوتية زوجته وأولاده ووالديه، فليعلم علم اليقين أنهم قد دخلوا ساحة النضال من أوسع أبوابها، أما هو فله الثواب الجزيل إن أدخل الآخرين ساحة الجهاد لكونها ساحة مباركة على الجميع أن يدخلوها.
وهكذا أتى الإمام الحسين عليه السلام بكل أهل بيته إلى كربلاء وهو يعلم ماذا سيجري عليهم من ظلم واضطهاد فقد قال عليه السلام عندما سأله ابن عباس عن سبب خروج النسوة معه: (إن الله قد شاء أن يراهن سبايا)(33) ومع ذلك فقد ذهب بهن لعلمه أن هذا درس عظيم من دروس الثورة الإسلامية.
الثورة ضد حالة الانبهار والتراجع
وهناك درس آخر تجب الإشارة إليه في سياق الحديث عن الثورة الحسينية؛ فنحن عندما نقول إن الإمام الحسين عليه السلام تحول إلى ثورة، نعني أنه عليه السلام ثار ضد حالة الانهيار والتراجع التي بدأت في الأمة الإسلامية، وخصوصاً في عصره.
وقبل الخوض في هذا الحديث لابد من الحديث عن الفتوحات الإسلامية التي أذهلت المراقبين عبر التاريخ لأنها كانت سريعة ومفاجئة، فلقد عبر المسلمون السهول والهضاب والجبال والبحار من كل جهة وفي كل الأبعاد كما يتدفق الماء النازل من الجبل، بدء بفتح اليرموك والحيرة في جانبي الجزيرة، وانتهاء بسقوط الإمبراطورية الفارسية واقتطاع أجزاء كبيرة من الإمبراطورية البيزنطينية في آسيا وأفريقيا.
وفي عصر الإمام الحسين عليه السلام كانت الفتوحات الإسلامية تتجه إلى الهند، ومن الطبيعي أن الذي يقوم بهذه الفتوحات هو الجيش، فالقوات المسلحة هي التي تكتب أكثر الانتصارات للأمة، بيد أن هذه القوى قد تغتر بنفسها، وتفتش عن دور لها في إدارة البلاد وسياسته، علماً أن القوة العسكرية إذا تسلطت في البلاد أفسدتها لأنها تريد أن تحكم فيها بمنطق حكمها؛ أي منطق السيف والحروب والمعارك الدامية، وهكذا جرت الأمور في الأمة الإسلامية. وكل حضارة في العالم لابد أن تمر بهذا المنعطف الحساس، فالحضارة لا مناص لها من أن تدعم القوات المسلحة باعتبارها الدرع الواقي من الأعداء، ولكنها ما أن تدعم هذه القوات حتى تتعرض لخطر داهم مدمر.
إن هذه الآفة الحضارية عانت منها جميع الحضارات، فإذا كانت في الأمة بقية إرادة تتجلى في نهضة جماهيرية وقيادة رشيدة فإن القوة العسكرية المتواجدة على الحدود لا يمكنها أن تنكفئ إلى الداخل، وتحطم ما حققته في الخارج، وإلا فإن هذه القوة التي حققت الانتصارات للأمة ستهدم كل ما بنته بيدها، وقد أوضح الله تعالى جانباً من هذه الحالة في قصة عاد، حيث يقول:
(وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ * وَإِذَا بَطَشْتُم بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ *  فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ * وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُم بِمَا تَعْلَمُونَ * أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ * وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ )(الشعراء/129-135)
لقد أراد النبي هود عليه السلام أن ينبّه قومه إلى أن هذه القوة التي يملكونها هي من الله تعالى، وإن استخدامهم لهذه القوة في طريق البطش والإرهاب والسعي إلى الخلود سوف يضرهم؛ إذ سوف يأخذهم الله بعذاب عظيم بسببها.
________________________________________
ثورة على سلطة العسكر
إن ثورة الإمام الحسين عليه السلام لم تكن بعيدة جداً عن هذا المضمون، فهو عليه السلام لم يشأ أن يخضع للإرهاب أو لسلطة القوة، ولم يرد أن يتدخل العسكر الذين فتحوا أطراف البلاد في الحكم، ومن خلال دراسة التاريخ نجد أن النظام الإسلامي يغض النظر عمن كان يسود النظام، كان منتبهاً إلى هذا الخطر، فكان يعمد إلى عزل كل قائد عسكري يحرز الانتصار لكي لا يفتتن الناس به.
ومن أجل أن يعمل يزيد بن معاوية على تركيز سلطته، فقد اعتمد على القادة العسكريين الذين فتحوا البلاد، فوزع عليهم الأراضي، وقد كان (عمر بن سعد) من ضمنهم، فقد منّاه يزيد بملك الري إن انتصر على الإمام الحسين عليه السلام . وهكذا فعل معاوية من قبل إذ بعث إلى مصر عمرو ابن العاص الذي كان من قبل قائداً فاتحاً لمصر؛ أي ٍإنه حكم القيادة العسكرية على إرادة الجماهير، فكان يزيد امتداداً لمعاوية، وابن زياد امتداداً لزياد ابن أبيه، وعمر بن سعد امتداداً لأبيه سعد بن أبي الوقاص الذي فتح العراق.
وهناك نتيجة أخرى وهي أن الارستوقراطية الاجتماعية في النظام الأموي كانت ثورة الرتب العسكرية، فمن كان أبوه قائداً عسكرياً فإنه يرثه من بعده. وهذا هو أغرب نوع من الإرث، فلأن فلاناً هو إبن القائد الفلاني ينبغي أن يصبح قائداً هو الآخر! فذاك عمر بن سعد يرث عن أبيه قيادة الجيش المعد للفتح، وها هو ابن زياد يهدد أهل الكوفة بجيش الشام، فقد قام قبل شهر واحد من واقعة كربلاء بانقلاب عسكري في الكوفة التي هددها بحاميات من الجيش الشامي للقضاء على إرادة الجماهير، وهذا انقلاب عسكري بكل ما تحمل الكلمة من معنى.
وقد حول هذا الانقلاب القوة العسكرية التي بُنيت لفتح البلاد الأخرى إلى قوة لقهر إرادة الجماهير، فقاوم الإمام الحسين عليه السلام هذا التحول من أجل مصلحة الأمة الإسلامية، ومصلحة تاريخها وبالفعل فقد نجح في ذلك وأعاد القيادات العسكرية إلى ثكناتها، وهذا هو وجه من العلاقة بين نهضة الإمام الحسين عليه السلام ونهضة الأنبياء، كهود وصالح اللذين قاوما الجبارين.
ولقد كان أصحاب الإمام الحسين عليه السلام يدركون عظمة حركتهم، وأنها امتداد لحركة الأنبياء?، وأن بطش وغرور القوة العسكرية يجب أن يحطما في كربلاء، والدليل على معرفتهم هو بعض ما صرحوا به في يوم عاشوراء. ومن ذاك ما جاء عن حنظلة بن سعد الشامي عندما وقف يوم عاشوراء فوقف بين يدي الإمام الحسين عليه السلام -وهو يصلي صلاة الخوف بأصحابه- يقيه من السهام والرماح والسيوف، ويتلقاها بوجهه ونحره، فنادى أهل الكوفة: (يا قوم إني أخاف عليكم مثل يوم الأحزاب. ياقوم إني أخاف عليكم يوم التناد. يا قوم لا تقتلوا حسيناً فيسحتكم الله بعذاب وقد خاب من افترى)(34).
وهكذا ينصحهم هذا الصحابي ويذكرهم بمصير الأقوام السابقة الذين كانوا يسيرون في نفس الخط، وقد تكررت مثل هذه الكلمة من قبل الآخرين من أصحاب الإمام الحسين عليه السلام ، وعلى سبيل المثال فقد تقدم سعيد بن عبد الله الحنفي أمام الحسين عليه السلام عندما وقف للصلاة في ظهيرة يوم عاشوراء، يحميه، فصار هدفاً لنبال الأعداء حتى سقط على الأرض وهو يقول: (اللهم ألعنهم لعن عاد وثمود، اللهم أبلغ نبيك (ص) عني السلام وأبلغه ما لقيته من الجراح، فإني أردت بذلك نصرة ذرية نبيك)(35).
خلوص النية ووضوح الرؤية
وهناك ملاحظة أخيرة نذكرها كدرس أخير من دروس الثورة الحسينية، وهي إن أصحاب الإمام الحسين عليه السلام قاموا بنصرة إمامهم لله وفي سبيل رضوانه تعالى، لا حباً للجنة وابتغاءً لدخولها. فمن أجل القيام بأي عمل لابد أن ننوي أن يكون هذا العمل لله، لكي يعطينا تعالى الأجر ويزكينا. فالعمل في سبيل الله يجب أن تسبقه النية مثل سائر الأعمال، وهذه النية تلعب دوراً كبيراً في خلوص العمل لله تعالى.
وعلى هذا يجب ونحن نعمل في سبيل الله أن نؤكد لأنفسنا، ونوحي لها باستمرار بأهمية العمل، وأهمية أن ننوي لله تعالى بعيداً عن الذات.
إن من أهم الصفات التي بينها الإمام الصادق عليه السلام في دعائه لعمه العباس عليه السلام في كربلاء قائلاً: "وأنك مضيت على بصيرة من أمرك مقتدياً بالصالحين ومتبعاً للنبيين".36 لاشك إن وضوح الرؤية تجاه أي عمل يعطينا قوة وصلابة واستقامة.. ونظرة إلى أصحاب الإمام الحسين عليه السلام تثبت لنا وضوح الرؤية لديهم. فهذا نافع بن هلال ينشد قائلاً:
أنا الغلام اليمني البجـــــلي ديني على دين حسين بن علي
أضربكم ضرب غلام بطل ويختــم الله بخــير عمــلي(37)
وهذا رجل آخر من أصحاب الإمام الحسين عليه السلام وهو شوذب الذي يبدو أنه كان من أصحاب البصائر، يأتي هذا الرجل إلى الحسين عليه السلام ويقول له: "يا أبا عبد الله، أما والله ما أمسى على وجه الأرض قريب ولا بعيد أعز عليّ ولا أحب إليّ منك، ولو قدرت على أن أدفع عنك الضيم أو القتل بشيء أعز من نفسي ودمي لفعلت". ثم قال بعد ذلك: "السلام عليك يا أبا عبد الله أشهد أني على هداك وعلى هدى أبيك"(38)، ثم مضى بالسيف نحو القوم وقاتل حتى استشهد.
وكان بعض أصحاب الإمام الحسين عليه السلام لا ينتسبون في أراجيزهم إلى أنفسهم بل إلى إمامهم، وكان البعض يؤكد على أن هدفه الجنة حيث رضوان الله تعالى، والراحة الأبدية، سعد بن حنظلة التميمي ينزل ساحة الصراع وهو ينشد قائلاً:
صبراً على الأسياف والأسنة صبراً عليها لدخول الجنة
وحور عين ناعمات هــنّ لمـن يريد الفوز لا بالظنة
يا نفس للراحة فاجهـدن وفي طلاب الخير فارغبنه(39)
لقد كان يعلم جيداً أن دخول الجنة ليس بالأماني بل يجب أن يصبر على السيوف والأسنة ليدخل الجنة.
وبعد؛ فما أعظمها من دروس تلك التي كتبها أصحاب الإمام الحسين عليه السلام بدمائهم، والمؤمنون الحققيقيون هم الذين يستوحون هذه الدروس من مدرسة كربلاء وأصحاب الإمام الحسين عليه السلام ، هذه المدرسة التي كانت مزدحمة بالتلاميذ عبر التاريخ من كل حدب وصوب، ومن كل فئة ولون.
والمهم في كل ذلك أن نسجل أسماءنا في هذه المدرسة منذ هذه اللحظة، أو نجدد تسجيلنا فيها، ونسعى من أجل أن نصبح تلامذة ممتازين في هذه المدرسة، وهذا هو أملنا من الله سبحانه وتعالى.
________________________________________
كربلاء.. المسيرة
لقد انتهت مأساة كربلاء لتبدأ مسيرة كربلاء. انتهت هذه المأساة بسفك أزكى الدماء، وسبي أطهر النساء، وحدوث فاجعة لم يسبق لها مثيل عبر التاريخ، لتبتدئ بعد ذلك مسيرة جديدة، وهذه المسيرة تحولت إلى حقائق راسخة توغلت في عمق الإنسان حتى أصبحت جزء منه وكأنها سنة من سنن الكون.
دور الثقافة في انتصار الثورات
ولكن من الذي قاد هذه المسيرة؟
قبل أن نجيب على هذا السؤال لابد أن نلفت الأنظار إلى دور الثقافة في الثورة، فكلنا نعرف أن الثقافة هي عصب الثورة، فعلى قاعدة التوحيد والأيديولوجية تبنى الثورات، ومن هذه القاعدة تنطلق.
ولولا إيمان الثائرين الذي يدفعهم إلى التضحية من أجل الثورة، ولولا وجود فلسفة الشهادة في الأمة الإسلامية، لما كانت الثورات ممكنة الحدوث عبر التاريخ وخصوصاً الثورات الإسلامية بما كانت تحمل من بطولات وشجاعة.
ومع ذلك فإن دور الثقافة لا ينتهي عند هذا الحد، لأن الدور الأعظم لها يبدأ بعد الثورات، وسواء انتهت هذه الثورات بانتصار أو بنكسة مؤقتة فإن للثقافة دوراً أساسياً فيها.
إن الإسلام قام منذ البداية على أساس التضحية والفداء، والتعبير الذي يقول أن الدم ينتصر على السيف هو التعبير الموجز المستلهم من الآيات القرآنية وخصوصاً من قوله تعالى على لسان النبي نوح عليه السلام : (أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ )، وهو تعبير يلخص تاريخياً حافلاً بالدماء والدموع.
ولا ريب في أن الثورة الإسلامية حتى في بداية انطلاقها في عهد الرسول الأعظم (ص) ، كانت تعتمد على دماء الشهداء الذين يقتلون في سبيل الله، ومع ذلك فإن لم يكن هناك لسان ناطق باسم هذه الدماء، ولم تكن هناك فكرة معبرة عن تلك الشهادة، فإن الدم سيذهب هدراً، وبذلك لا يحقق أهدافه المقدسة.
وبالفعل لو انتهت مأساة كربلاء باستشهاد أبي عبد الله الحسين عليه السلام فلا ريب في أن هذه المأساة كانت ستطوى في عالم النسيان لولا ذلك اللسان الناطق باسم الثورة، والمتمثل في الإمام زين العابدين عليه السلام والسيدة زينب زينب الكبرى عليها السلام الذين حملا معهما مأساة كربلاء إلى كل أرض ومصر..
وبعد، فهذا هو دور الثقافة والإعلام، فالذي يحيي الشهيد ويميته هو الإعلام، ولذلك فإن مسؤولية بقايا السيف والدم هي مسؤولية أكبر من مسؤولية الشهداء. فعندما يقوم نظام طاغوتي بإعدام الصفوة من أبناء أمتنا يطرح سؤال مهم وهو: من الذي يحدد مصير هذه الصفوة المستشهدة؟
إنها مسؤولية أصحاب القلب، وأصحاب الفكر. فعندما يسقط شهيد لابد أن يرتفع من حوله وعلى كل بقعة من دمائه علم يدعو باسمه، ويصنع منه سيفاً يلاحق الطغاة في نومهم ويقظتهم؛ أما إذا سقط شهيد ثم سكت الآخرون فإن هذا يعني أنهم اشتركوا في جريمة قتله، فإن أماته الطاغوت مادياً، فإن الأمة ستكون قد أماتته معنوياً.
________________________________________
الثورة الحسينية ملهمة الشعراء
إن كل قطرة دم زكية من دماء الإمام الحسين عليه السلام شكلت رافداً أثار أحاسيس الشعراء، بل إن هذه القطرة صنعت الشعراء. فالإنسان الذي يحمل قضية وإحساساً هو الإنسان الذي يريد أن يعبر عنها بصدق، فيبحث عن وسيلة للتعبير، ليجد وسيلة اللسان والشعر، وهي الوسيلة المناسبة للتعبير عن آهاتهم وأحزانهم وآلامهم وقضيتهم الإنسانية.
وفي أرض كربلاء بدأ أسلوب التعبير عن الثورة بالشعر ابتداءً من أراجيز الشهداء قبل استشهادهم، ثم بعض الأبيات المنسوبة إلى أبي عبد الله عليه السلام كقول:
شيعتي مهما شربتم عذب ماء فاذكروني
أو سمعتم بشهيد أو قتيل فانــدبوني
فأنا  السبط الذي من غير ذنب  قتلوني
وبجرد الخيــل عمـــداً سحـقوني
فهذه الأشعار انطلقت من كربلاء نفسها يوم عاشوراء، وقد امتد هذا الشعر إلى الكوفة على يد الكميت، وامتد إلى خراسان على يد شاعر أهل البيت دعبل الحزاعي، واستمر مع الحمدانيين بأبي فراس الحمداني، والشعراء الآخرين من مثل الشريف الرضي، فكانت رسالة الشعر رافداً انطلق من كل قطرة من دم الشهيد المظلوم في كربلاء.
رسالة الكلمة
وبالإضافة إلى ذلك فإن دماء الشهداء أجرت رافداً آخر للتعبير عن أحداث الطف هو رافد الخطب اللاهبة، فقد كانت زينب الكبرى تقذف لهباً وحمماً في وجه الطغاة ابتداءً من كربلاء حيث خاطبت عمر بن سعد في يوم عاشوراء خطاباً مؤثراً حتى بكى وجرت دموعه على لحيته.
وهذا هو ما حدث في الكوفة أيضاً، فعندما ألقت السيدة زينب عليها السلام ذلك الخطاب، أثارت به الجماهير، وكشفت عن واقعهم الفاسد بكل صراحة وبطولة، وحينئذ أخذ بعضهم ينظر إلى البعض الآخر، ولسان حالهم يقول: أنحن الرجال أم أن هذه المرأة هي الرجل الحقيقي؟ فمع أنها فقدت كل أعزتها وأنها وحيدة فإنها لا تتحدث عن ظلم الطغاة وانحرافهم فحسب بل وتكشف عن سكوت الجماهير، ومدى اشتراكهم في الجريمة لو استمروا في السكوت، وهذه هي الشجاعة ، فهي أن يقول المصلح كل الحقيقة التي هي حقاً رسالة الكلمة التي تحولت إلى رافد.
إن الخطب لم تعد بعد كربلاء خطباً فارغة، بل كانت الخطب والأحاديث تبدأ بذكر الإمام الحسين عليه السلام وتنتهي به، وهكذا فقد تحولت كل قطرة من قطرات دمه عليه السلام إلى رسالة للكلمة، وتحولت القطرات الأخرى إلى روافد جرى أحدها في عروق الثائرين عبر التاريخ، وآخر جرى في عروق العلماء والمفكرين، وآخر جرى في شرايين الناس ورفعهم إلى كل معاني الإنسانية والتضحية.. والذي يعنينا هنا هو رافد الثقافة، فبعد أن يقوم الشهيد بدوره يبدأ الدور الأساسي وهو دور الكلمة والثقافة والإعلام.
وهذا الدور هو في الواقع منعطف خطير للثورة، فإن قام به الباقون انتصرت، وإلا فإن مصيرها سيكون على كف متأرجح؛ والإمام الحسين عليه السلام كان يخطط له منذ البدء بأسلوب معين ولذلك أصطحب معه السيدة زينب وسائر أهل بيته.
إن الإسلام لا يريد للإنسان أن يخضع قسراً لرسالة السماء، بل يريد أن يربطه بالرسلة، وينمي فيه الإرادة والعزم والوعي لكي يصل إلى مستوى الإيمان بالرسالة، والذين يستشهدون في طريق الحق لا يهدفون العلو إلى السلطة ليفرضوا على الناس فكرة معينة؛ فالله لا يريد لعباده المؤمنين أن يتحولوا إلى إرهابيين، بل لكي يفسحوا المجال واسعاً أمام الثقاففة والوعي ليلعبا دورهما في رفع الناس إلى مستوى الإيمان.
وقد كان هذا هو هدف كربلاء، ومن الأهداف التي رسمها الله تعالى من فوق عرشه لهذه الأرض، ولبطلها الإمام الحسين عليه السلام فتح المجال أمام الخطباء والكتاب والإعلام ليفهّموا الناس الحقيقة، فعندما نسمع قول النبي (ص) : (والذي بعثني بالحق نبياً إن الحسين بن علي في السماء أكبر منه في الأرض، وأنه لمكتوب عن يمين عرش الله عز وجل: مصباح هدى وسفينة نجاة وإمام خير ويمن وعز وفخر وعلم وذخر..)(40)، فإن هذا يعني أن الإمام الحسين عليه السلام كان يريد أن يقود الناس المنحرفين إلى الجنة عبر فتح المجال واسعاً أمام هداية الناس.
________________________________________
فلسفة كربلاء
ترى لماذا عرّض الإمام الحسين عليه السلام نفسه إلى القتل؟ ولماذا جاء بأصحابه وأهل بيته، وأولاده وحتى طفله الرضيع؟
الجواب يأتي من قبل الذين حملوا رسالته عليه السلام من بعده؛ زينب الكبرى عليها السلام ، وفاطمة الصغرى عليها السلام ، وأم كلثوم، وسكينة التي كانت إلى آخر أيام حياتها تندب أباها الحسين عليه السلام .
إن فلسفة كربلاء لا تتلخص في أن الإمام الحسين عليه السلام علّم الناس كيف يحملون السيف، بل أنه أثار في أذهانهم أنه إنما قتل ليتحمل بعض ذوي الضمائر الحية رسالته، ويرتفع مستوى وعي الجماهير وإرادتها إلى قمة الإيمان والالتزام. فدور الثقافة -إذن- هو جزء من فلسفة شهادة الحسين عليه السلام ، وهو مسؤولية ملقاة على عاتق الباقين.
إن هذه المسؤولية لم تكن ملقاة على عاتق السيدة زينب عليها السلام في أيام الحسين عليه السلام فحسبب، بل إنها باقية إلى يومنا هذا؛ فهو عليه السلام ما يزال حياً متجسداً في من يحمل رسالته، وأن يزيد ما يزال طاغوتاً متمثلاً في فكره الفاسد، وفي من يمثل دوره من الطغاة.
وقضية كربلاء ما تزال تحمل آفاقاً لم تكشف بعد، وأبعاد لم يهتد إليها الناس وخصوصاً تلك المتعلقة بالذين حملوا الرسالة من بعد الإمام الحسين عليه السلام كزينب الكبرى، فالقضية ما زالت إلى الآن تحمل آفاقاً لم يرتادها أحد، وإذا ما اكتشفت هذه الآفاق فإنها بقدرها سوف تعطي زخماً للثورة، وتعطي لهذا التيار المبارك شحنات جديدة ولذلك تبقى الرسالة الإعلامية هي نفس الرسالة التي حملتها زينب عليها السلام في عصر الإمام الحسين عليه السلام .
وبالتأكيد فإن حركته عليه السلام كانت تمهيداً للثورات التي تفجرت من بعدها.
________________________________________
الهوامش
1 - عيون أخبار الرضا للصدوق، ج2، ص62.
2 - قال رسول الله: "حسين مني وأنا من حسين" كامل الزيارات لابن قولويه، ص116.
3 - مفاتيح الجنان، دعاء عرفة.
4 - مفاتيح الجنان، أعمال اليوم الثالث من شعبان.
5 - كامل الزيارات لابن قولويه، ص360، باب79، زيارات الحسين بن علي عليهما السلام.
6 - مفاتيح الجنان، زيارة الإمام الحسين عليه السلام ، الزيارة السابعة.
7 - بحار الأنوار، ج44، ص196.
8 - مقتل الإمام الحسين للسيد المقرم، ص282.
9 - بحار الأنوار، ج45، ص83.
10 - مصباح المتهجد للشيخ الطوسي، ص16.
11 - مفاتيح الجنان، زيارة الإمام الحسين عليه السلام ، الزيارة السابعة.
12 - مصباح المتهجد للشيخ الطوسي، ص154.
13 - بحار الأنوار، ج44. ص325.
14 - بحار الأنوار، ج44، ص366.
15 - الكافي، ج1، ص70.
16 - أمالي الصدوق، ص177.
17 - بحار الأنوار، ج44، ص288.
18 - أمالي الصدوق، ص190.
19 - عيون أخبار الرضا(ع) للشيخ الصدوق، ص268.
20 - كلمات الإمام الحسين عليه السلام للشيخ الشريفي، ص510.
21 - المصدر، ص477.
22 - مدينة المعاجز للسيد هاشم البحراني، ص228.
23 - بحار الأنوار، ج43، ص291.
24 - مفاتيح الجنان، زيارات الإمام الحسين عليه السلام ، الزيارة السابعة.
25 - بحار الأنوار، ج45، ص83.
26 - الخصال للشيخ الصدوق، ص27.
27 - بحار الأنوار، ج44، ص286.
28- بحار الانوار، ج44، ص288.
29 - كلمات الإمام الحسين عليه السلام للشيخ الشريفي، ص477.
30 - ينابيع المودة للقندوزي، ج2، ص77.
31 - بحار الأنوار، ج98، ص225.
32 - أمالي الصدوق، ص547.
33 - بحار الأنوار، ج44، ص364.
34 - الإرشاد للشيخ المفيد، ص105.
35 - بحار الأنوار، ج45، ص21.
36 - مفاتيح الجنان، زيارة العباس عليه السلام.
37 - مناقب آل أبي طالب، ابن شهر آشوب، ج3، ص253.
38 - لواعج الأحزان للسيد محسن الأمين، ص158.
39 - لواعج الأحزان، ص161.
40 - عيون أخبار الرضا للشيخ الصدوق، ص62.

 
 
البرمجة والتصميم بواسطة : MWD