1439 / جمادی‌الآخرة / 4  |  2018 / 02 / 21         الزيارات : 570326         صلاة الصبح |         صلاة الظهر والعصر |         صلاة المغرب والعشاء |

الإمام الحسين عليه السلام قدوة الصديقين

{ سماحة آية الله السيد محمد تقي المدرسي }
الإمام الحسين عليه السلام قدوة الصديقين

المقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم
يظل الحديث عن الإمام الحسين عليه السلام يشغف القلوب، ويجذب النفوس، ويستهوي الأحرار ويستقطب المؤمنين.. لماذا؟
إنه الحسين، وما أدراك ما الحسين..
إنه صاحب الفضائل والمناقب؛ صاحب المقامات والمعارج، الذي يتمنى الإنسان لو تكون له واحدة منها، لتكفيه شرفاً ورفعة، وفخراً وعزة..
فبمجرد أن تلقي ببصرك على جانب من سيرته المباركة، وإذا بالمكارم والمآثر تسطع أمام ناظريك، حتى تحتار في تشخيص أيها أجلى وأبهى من غيرها.
فتجده -سلام الله عليه- قمة سامقة في العلم، في العبادة، في العطاء، في الايثار، في الشجاعة، في القيادة.. ناهيك عن كونه قمة سامقة في الحسب والنسب أيضاً.
إنه كله خير، وكله بركة..
ولكن ثمة محور في حياة الإمام عليه السلام، لا يمكن التغاضي عنه، وهو كربلاء، حيث إنها كانت مجمع فضائل الإمام، وخلاصة معالم شخصيته..
لذا من أراد أن يقرأ الإمام الحسين عليه السلام، لا يمكنه ذلك من دون الوقوف على كربلاء.
إنها ملحمة أهل بيت النبوة في مقارعة الطغيان، ومواجهة الضلال..
إنها الفرقان بين الحق والباطل..
إنها الميزان في تشخيص الإيمان من الشرك والنفاق..
من هنا كان الحديث عن الإمام الحسين عليه السلام، من أي زاوية، لابد وأن يقرن بكربلاء. ولهذا صارت كربلاء الوجه البارز لحياة الإمام عليه السلام، والباب الواسع الذي يدخله الناس إلى رحاب الحسين عليه السلام.
وقد وقف على أعتاب باب الحسين عليه السلام خلق كثير عبر التاريخ، كلهم يريد أن يدنو منه لينهل من معارفه، ويكسب من علومه، ويتعلم من أخلاقه، ويقتفي بآثاره..
ولا غرابة في ذلك أبداً، لان الإمام الحسين لم يكن اسطورة تاريخية، وإنما هو نهج قد حفر في الأمة نهراً لا يمكن ردمه، مهما توالت عليه أيدي الطغاة.
وها نحن نعيش بعد أكثر من الف وثلاثمائة سنة على استشهاده، ولم يخطر على بال أحد من مواليه لحظة أن ينسوه، وهم ينادون: أبد والله ما ننسى حسينا.
فذكره حديث لا يملّ منه، وفضائله دروس لا يستغنى عنها، وكلماته مدرسة لا يمكن الغياب عنها..
وهذا ما جعل أقلام العلماء والمثقفين تجري في تأليف آلاف الكتب عن شخصية الإمام في كل أبعادها، كما أن قريحة الشعراء لم تتوقف لحظة في الإفاضة بقصائد وأناشيد في رثائه ومدحه..
ولا نبالغ إن قلنا إن ما كتب عن الإمام الحسين عبر التاريخ، وبلغات مختلفة، قلَّ نظيره لشخصية اخرى، إن لم نقل فاقها جميعاً. وذلك لأن الإمام عليه السلام هو محيي الشريعة، ومنار الفضيلة، والحجة على الخلق، وباب نجاة الأمة.. فهو محط أفكار المفكرين، ومركز توجه المؤمنين.
وها نحن -اليوم- نقف على أعتاب باب الحسين عليه السلام بغية درك شيء من آفاق شخصيته، ومعرفة بعض أبعادها.. متتلمذين عليها، آخذين منها درس الحياة.
وإلى هذا عمدنا إلى جمع وترتيب مجموعة أحاديث سماحة آية الله السيد محمد تقي المدرسي في هذا الخصوص، لما رأينا فيها من بصائر ورؤى تنفع العباد، فكان هذا الكتاب.
فالى كل من يبحث عن الحقيقة ، وإلى كل من يطلب الفضيلة، والى كل من يريد الكلمة الطيبة.. نقدم هذا الكتاب، راجين من الله تعالى أن يتقبله منا بقبول حسن ، إنه ولي التوفيق.
القسم الثقافي في مكتب سماحة آية الله السيد محمد تقي المدرسي
2/ربيع الأول/ 1422 هـ
ذلكم الإمام الحسين عليه السلام
1- روى أبو العباس قال: كنت عند النبي صلى الله عليه وآله وعلى فخذه الأيسر ابنه إبراهيم، وعلى فخذه الأيمن الحسين بن علي، والنبي تارة يقبل هذا واخرى يقبل هذا، إذ هبط عليه جبرئيل بوحي من رب العالمين، فلما سرى عنه قال: أتاني جبرئيل من ربي فقال لي: يا محمد إن ربك يقرؤك السلام، ويقول لك: لستُ أجمعهما لك، فافد أحدهما بصاحبه، فنظر النبي إلى إبراهيم فبكى، ثم قال: إنَّ إبراهيم متى مات لم يحزن عليه غيري، وأم الحسين فاطمة وأبوه علي ابن عمي لحمي ودمي، ومتى مات حزنت ابنتي، وحزن ابن عمي، وحزنت أنا عليه، وأنا أوثر حزني على حزنهما، يا جبرئيل يقبض إبراهيم، فديت الحسين بإبراهيم، وقبض إبراهيم بعد ثلاث، فكان النبي صلى الله عليه وآله إذا رأى الحسين مقبلاً قبله، وضمه إلى صدره، ورشف ثناياه، وقال: فديت من فديته بابني إبراهيم. (1)
2- عن سلمان الفارسي قال: دخلت على النبي صلى الله عليه وآله فإذا الحسين بن علي على فخذه، وهو يلثم فاه، ويقول: "أنت سيد إبن سيد، أنت إمام إبن إمام أخو إمام، وأبو الأئمة وأنت حجة الله، وابن حجته، وأبو حجج تسعة من صلبك، تاسعهم قائمهم". (2)
3- عن جابر بن عبد الله قال: من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى الحسين بن علي، فأني سمعت رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم يقول: من أحب أن ينظر إلى سيد شباب أهل الجنة فلينظر إلى هذا. (3)
4- عن يعلي (بن مرة) العامري، أنه خرج مع رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم إلى طعام دعوا له، قال: فاستمثل رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم أمام القوم وحسين مع غلمان يلعب، فأراد رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم أن يأخذه فطفق الصبي يفر ها هنا مرة وها هنا مرة، فجعل النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم يضاحكه حتى أخذه، قال: فوضع النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم إحدى يديه تحت قفاه والأخرى تحت ذقنه ووضع فاه على فيه فقبله، وقال: حسين مني وأنا من حسين، أحب الله من أحب حسينا، حسين سبط من الأسباط. (4)
5- عن حذيفة أن النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم قال: لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد لطول الله ذلك اليوم حتى يبعث رجلاً من ولدي، إسمه كاسمي. فقال سلمان: من أي ولدك يا رسول الله؟ قال: من ولدي هذا، وضرب بيده على الحسين. (5)
الفصل الأول:على خطى الإمام الحسين عليه السلام
الإمام الحسين عليه السلام منار التوحيد
هذه رايات الحزن ترفرف على ربوع بلاد الولاء، وأناشيد الثورة الحسينية المباركة تلهب مشاعر الحب عند المخلصين لأهل بيت النبوة…
بالرغم من مرور أربعة عشر قرنا ويزيد على نهضة السبط الشهيد، فان هناك المزيد من الحقائق التي لابد ان نستوحيها منها، والبصائر التالية لمحة من تلك الحقائق:
1/ الإمام الحسين عليه السلام معلّم الحنفية
أوتـدري لماذا منع بنو أمية - شأنهم شأن كل الجبابرة عبر التاريخ - من أن يتعلم الناس أبعاد حقيقة الشرك، ومسؤولية الانسان أمام الانحراف والفساد أو الكفر والضلالة ؟ كما في الرواية عن الامام الصادق عليه السلام: "إنَّ بني امية اطلقوا للناس تعليم الايمان ولم يطلقوا تعليم الشرك لكي اذا حملوهم عليه لم يعرفوه". (6)
ولماذا لم يحمل الى المشركين يوم الحج الاكبر وبعد فتح مكة؛ - لم يحمل إليهم - سورة البراءة، التي ابعدتهم نهائيا عن الجزيرة العربية، سوى الامام أمير المؤمنين عليه السلام بأمر من الله سبحانه وكانت تلك من أعظم فضائله ؟
ولماذا الشهادة بالتوحيد في كلمة لا اله الا الله ، تبدء بالرفض ، وكان علينا أن نعلنها صريحة صاعقة كل يوم عدة مرات: أشهد أن لا اله الا الله؟
لكي نعرف الاجابة، لابد ان نتذكر الحقيقة التالية :
ان المنزلق الخطير للبشرية والذي يريد الشيطان ايقاع الناس فيه، هو تمني التوفيق بين الحق والباطل، بين الله سبحانه وبين الشركاء من دونه. لقد حسبوا ان من الممكن ان يتخذوا عباد الله من دونه أولياء، ولم يعرفوا ان ذلك يعني الغاء الايمان بالله رأسا .
قال الله تعالى: (أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَن يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِن دُونِي أَوْلِيَآءَ إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلاً( (الكهف/102)
وانما كان محور المعركة الكبرى بين الرسل والامم الضالة هو التوحيد، ورفض الالهة التي اتخذهـا الناس شركاء لرب العزة. ولم يكن احد من أعداء الرسل ينفي الربوبية عن رب العرش سبحانه ولكنهم كانوا يريدون اتخاذ الالهة معه. وعندما رفض الانبياء عليهم السلام المداهنة في أمر الالهة، واعلنوا البراءة منها وقعت المعركة الكبرى التي انتصر الله لهم فيها وخاب المشركون وصاروا أحاديثاً تلاحقهم اللعنة أبداً .
لقد كانت رسالة الله الى نوح عليه السلام تتلخص في الكلمة التاليـة (أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ( (هود/26)
وتلك كانت صفوة رسالة الله الى هود عليه السلام:( وإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ مُفْتَرُونَ( (هود/50)
وهي رسالة النبي صالح عليه السلام: (وإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ( (هود/61)
وهي رسالة النبي ابراهيم عليه السلام: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لاَِبِيهِ ءَازَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَاماً ءَالِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ( (الانعام/74)
ورفض النبي موسى عليه السلام طغيان فرعون وتبرأ منـه وقال لـه: (فَفَرَرْتُ مِنكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمَاً وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ( (الشعراء/21)
وهدده فرعون بالسجن وقال له: (قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهاً غَيْرِي لاَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ( (الشعراء/29)
وكانت العاقبة ان الله تعالى نصر موسى عليه السلام وقومه وأغرق الآخرين:( وَأَنجَيْنَا مُوسَى وَمَن مَّعَهُ أَجْمَعِينَ * ثُمَّ أَغْرَقْنَا الاَخَرِيـنَ( (الشعراء/65-66)
وتتلخص رسالة النبي الاعظم محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله في اعلان البراءة من المشركين:
(وَأَذَانٌ مِنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الاَكْبَرِ أَنَّ اللّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ( (التوبة/3)
ولم يداهنهم الرسول طرفة عين، بل قال لهم بكل صراحـة: (قُلْ يَـآ أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لآ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلآ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْبُدُ * وَلآ أَنَاْ عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ * وَلآ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْبُدُ * لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِـيَ دِيـنِ( (الكافرون/1-6)
واذا استطال الامام علي عليه السلام وحطّم اصنام قريش المرصوصة حول الكعبة بأمر من الرسول، واذا تلى على المشركين في الموسم آيات البراءة منهم، فانه خاض حربا لا هوادة فيها ضد دعاة الشرك الذين تظاهروا بالاسلام. وكانت معركة الجمل ضد الناكثين، ومعركة صفين ضد القاسطين، ومعركة النهروان ضد المارقين. كانت كل تلك المعارك دفاعاً عن التوحيد وقيم التوحيد .
ورفعت أمية راية الشرك المصبوغة بظاهر من طقوس الدين، وقاومها الائمة الطاهرون من أهل بيت الرسالة. فقد حاربهم الامام علي عليه السلام في صفين بسيفه، وحاربهم بخطبه وتركها كلمة باقية في عقبه، فاذا بالامام الحسن المجتبى يحاربهم حيناً بالسيف وحيناً بالكلمة، وورثها الامام الحسين حين حاربهم بالكلمة الصادعة ثم بالقيام الالهي، وختمت له بالشهادة. وكانت البراءة من الشرك، ومعارضة الطغاة ميراث الائمة الهادين وشيعتهم ومواليهم، وستبقى هكذا حتى يرث الله الارض ومن عليها ..
فلا زالت معركة التوحيد ضد الشرك قائمة، ولازالت الفريضة التي لايقبل الله من دونها من أحد عدلا ولا صرفا هي البراءة من الالهة التي تعبد من دون الله . فالكفر بالطاغوت هو الذي يطهّر القلب من حجاب الشرك، ويوفر له فرصة اشراق نور التوحيد عليه . ألا تقرء قوله سبحانه: (لآ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لاَانفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ( (البقرة/256)
وما هو الطاغوت ؟ أليس كل حجر أو بشر يعبد من دون الله ثم يستسلم له الناس. وتفسير الطاغوت كما في موسوعة بحار الأنوار هو: الطاغوت؛ الشيطان والاصنام وكل معبود غير الله، وكل مطاع باطل سوى أولياء الله، وقد عبّر الائمة عن اعدائهم في كثير من الروايات والزيارات بالجبت والطاغوت، واللات والعزى. (7)
وهذه المعركة الحامية تدور رحاها - في البدء - على صعيد القلب البشري، حيث يختار المؤمنون اجتناب طاغوت الهوى والشهوات، والتسليم لرب العالمين في العقيدة والفكر والاستماع الى داعي الحق. وقد قال ربنا سبحانه في صفة هؤلاء الصفوة : (وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَن يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُولُواْ الاَلْبَابِ( (الزمر/17-18)
ومن هنا فانه لاينصر الله من ادعى العلم والثقافة ثم آمن بالجبت والطاغوت، بل يلعنه لعنا وبيلا، وقد قال سبحانه: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ اُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلآءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ ءَامَنُوا سَبِيلاً * اُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَن يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ نَصِيراً( (النساء/51-52)
وهذه اللعنة تلحق كل أدعياء العلم الذين يشترون بدينهم ثمنا قليلا، ويركعون أمام بلاط السلاطين ويسجدون إجلالا للمال والمقام .
وقد أمر الله المؤمنين بالكفر بالطاغوت ولم يقبل ايمان طائفة زعموا انهم يؤمنون بالله وبالرسالات الالهية ولم يكفروا بالطاغوت، بل ارادوا ان يتحاكموا اليه. ومجرد التحاكم اليه دليل على رضاهم به، فقال الله تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ ءَامَنُوا بِمَآ اُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ اُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ اُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيداً((النساء/60)
ولا يبلغ المرء ذروة الايمان حتى يصل كفره بالطاغوت الى درجة البراءة من الذين يعبدون الطاغوت وهم المشركون ولو كانوا اقرب الناس اليهم، وقد قال ربنا سبحانه: (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ اُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَءَآؤُاْ مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغَضآءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُُ( (الممتحنة/4)
وهكذا كان تحطيم الاصنام البشرية والحجرية ورفض جبروت الطغاة وجهادهم في الله جهادا كبيرا، كان ذلك هو الفرض الاول والواجب الأهم لكل من شاء ان يسلك طريق الهدى، والا فانه يبقى في ضلال بعيد.
ولقد علّم الامام الحسين عليه السلام الذي انتهى الى مقامه ميراث الانبياء عليهم السلام، وقام بأداءه بكل شجاعة واخلاص، علّم الناس درس الرفض، واعطاهم معيار البراءة، وعلمهم ماهو الشرك، وكيف يجب ان يطهر البشر حياته منه حتى يصبح مؤمنا حقا ..
فلا مداهنة للطغاة، ولا سكوت أمام المجرمين ، ولا تهرب من واجب المعارضة ضد الظلم، ولا تهاون في فريضة القيام لله واقامة القسط والشهادة للحق، وما أمر به الله سبحانه في قوله: (يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَآءَ بِالْقِسْطِ( (المائدة/8)
وهذا هو الجانب الأهـم من جانبي الإيمان، وهو الذي يحاول الناس التهرب منه لانه أشد وطأً وأعظم مسؤولية ..
في عصر الامام الحسين عليه السلام كان هناك الكثيرون ممن ادّعوا انهم انصار الاسلام وقيادات الجهاد وعلماء الدين، ولكنهم تراجعوا أمام مؤامرات بني امية، بالرغم من علمهم بأنها تهدد كيان الاسلام. فهم آثروا الحياة الدنيا على الاخرة واستمرؤا العيش الرغيد .
وانما الامام الحسين عليه السلام بقيامه الالهي، فصل بين الحق والباطل، وبين أنصار الحق وأدعياءه، وبين خط الرسالة المحافظ على جوهر الدين وخط النفاق المتظاهر بالدين . وعلم الناس؛ ان كل آيات الجهاد وحقائق الحنفية البيضاء الرافضة للانحراف، وكل تعاليم الانبياء عليهم السلام لازالت قائمة وستبقى قائمة عبر العصور، وان الله لم ينزل قرآنا يطبق في عهد الرسول ثم ينتهي ويصبح سفرا تاريخيا غير قابل للتنفيذ. كلا، انه رسالة الله الى البشرية كافة وفي كل الأحقاب .
ولقد أعلن الامام الحسين هذه الحقيقة في كلمته التي وجهها الى العلماء فجاء فيها: أمّا بعد فقد علمتم أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله قد قال في حياته: "من رأى سلطاناً جائراً مستحلاًّ لحرم الله، ناكثا لعهد الله، مخالفاً لسنّة رسول الله، يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان ثم لم يغيّر بقول ولا فعل، كان حقيقاً على الله أن يدخله مدخله". (8)
والذين يعرفون هذه الحقيقة من نهضة الامام الحسين عليه السلام، هم وحدهم حفظة جهاده وورثة تضحياته والقائمون على نهضته. وهكذا يجدد المسلمون كل عام، بل كل يوم ذكرى عاشوراء لانهم يعرفون ان عاشوراء ثورة لاتنتهي وانها جزء من حكمة الحياة وان المؤمن لايعترف بسلطة الطاغوت أنى كان، بل يقاومه ويكافحه. وانه يستمد من ذكرى عاشوراء ونهضة الحسين عليه السلام وقود هذا الصراع المقدس، لان الامام الحسين عليه السلام زين السموات والارض ومصباح درب المجاهدين. ولقد جاء في حديث شريف عن النبي صلى الله عليه واله انه مكتوب عن يمين العرش في خصوص الحسين عليه السلام انه: "مصباح هدى وسفينة نجاة" . (9)
واي مصباح أبهر ضياء من مصباح الشهادة، أم أي سفينة أسرع وأوسع للناجين من سفينة الكفر بالطاغوت والقيام لله ضد الظالمين؟
ومن هنا فان أيام عاشوراء هي من أيام الله، حيث هنا يعيش أولياء أهل البيت عليهم السلام روح كربلاء ، حيث البطولة الايمانية والجهاد في سبيل الله، وحيث ذكريات الامام الحسين عليه السلام وأهل بيته وأصحابه الحافلة بالإيثار والفداء ..
انها أيام الرحمة الالهية، حيث يتعرض الصالحون فيها الى نفحات الرب كما تستقبل الاراضي الطيبة غيث السماء .
اذن؛ تعالوا نستقبل - نحن ايضا مع المؤمنين الصادقين - ايام عاشوراء هذا العام كما في كل عام بروح الوالهين ، لكي نتزود منها عزما وعرفانا واستقامة، لعل الله يرحمنا بفضله ويصلح ما فسد من اوضاعنا.
كيف نستقبل هذا الشهر الحرام، وكيف نتزود منه ؟ في البصائر التالية إجابةً على ذلك .
2/ الكلمة المسؤولة
القلب الطاهر ينبت الكلمة الطيبة، والكلمة الطيبة كما شجرة باسقة تؤتي اُكلُها كل حين بإذن ربها. بينما القلب الخبيث كالارض النكدة، لاتنبت إلاّ شجرة خبيثة، لا تزيد الناس إلاّ ضلالاً.
ونهضة الامام الحسين عليه السلام كانت كلمة طيبة، ولاتزال ثمراتها المباركة تمثل طعاما هنيئا للامة الاسلامية. وما المنبر الحسيني سوى مائدة هذه الثمرات المباركة، وأما خطباء المنبر الحسيني فهم فروع هذه الشجرة المباركة ، ومجالس العزاء مدارس هذه الكلمات المباركات .
ان على خطباء المنبر الحسيني ان يعرفوا قدر موقعهم المتميز، وان اي تقصير يصدر منهم سيكون ذا عواقب خطيرة ..
ان الأمة الاسلامية تعاني من نقص حاد جدا في الثقافة الرسالية التي تستوحى من حقائق القرآن وبصائر السنة وواقعيات العصر، ولايزال المنبر الحسيني هو أفضل وأصفى وأطهر وسيلة لبث هذه الثقافة.
وعليهم ان يعرفوا بان كلمتهم يتلقاها الناس بقدر كبير من الثقة والرضا باعتبارها من كلمات الاسلام الحق .
إنَّ أهم نقطة يجب ان يعرفها الناس اليوم هي مدى مسؤوليتهم عن واقعهم المتردي، وانهم لا ولن يتجاوزوا هذا الواقع الا بجهد كل فرد منهم، وان الافكار السلبية والكلمات الانهزامية هي المسؤولة عن كل المآسي لانها تخدر الناس وتبرر لهم سكوتهم وتقاعسهم وعدم اهتمامهم بأوضاعهم.
اننا نعرف الثقافة الصحيحة بمدى بعثها للهمم وشحذها للعزائم وقدرتها على توعية الناس بمسؤولياتهم الحياتية .اما الثقافة الجبانة والتي تبرر المعاذير وتخدر الناس وتمنيهم بالغرور، وتزين لهم الحياة الدنيا، ولاتذكرهم بأن الدنيا مجرد مزرعة ودار فتنة وامتحان.. انها ثقافة يزيدية لاتمت إلى المنبر الحسيني ولا إلى روح عاشوراء بأية صلة، وعلى الناس ان يختاروا المنبر الذي يجلسون اليه ، والخطيب الذي يستمعون إليه؛ فلا يختاروا الا من نطق باسم السبط الشهيد، وتحدث عن نهج الامام الحسين، وكان رافضاً للجبابرة والطغاة، وكان في سلوكه الشخصي مثلاً للمؤمن الموالي لأهل بيت النبوة .
3/ القيادة الربانية
والامام الحسين عليه السلام أركز بنهضته راية الاسلام على أرض صلبة، وبيّن للناس من هو القائد الحق ، ومن هو المدعي للقيادة بالباطل. وقد أطلق في بداية نهضته كلمته المدوّية على مدى التاريخ، والتي أبان علة رفضه البيعة ليزيد عندما طالبه الحاكم الاموي بها فقال له بكل صراحة: "…إنّا أهل بيت النبوة، ومعدن الرسالة، ومختلف الملائكة، وبنا فتح الله، وبنا ختم الله ، ويزيد رجل فاسق شارب الخمر، قاتل النفس المَّحرمة، معلن بالفسق، ومثلي لايبايع مثله…" (10)
وهكذا علّمنا ان القيادة يجب أن تكون في أهل بيت النبوة الذين طهرهم الله من الدنس وأذهب عنهم الرجس ، وفيمن يسير في خطهم، ويكون على نهجهم .
واليوم حيث تتعدد المذاهب وتتشتت القوى لابد ان نبحث عن تلك القيادة الربانية التي لاتأخذها في الله لومة لائم، وان نختار لمسيرتنا القادة الاكفاء الامناء على دين الله، الذين وصفهم القرآن الحكيم بقوله سبحانه: (يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ ذلِكَ فَضْلُ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ * إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ( (المائدة/54-55)
إن علينا ألا نتهاون في قضية القيادة، فالواجب البحث عنها واختيارها وفق هدى الله وبصائر السنة الشريفة، والتي تتلخص في القيام لله والشهادة بالقسط وعدم خشية غير الله ولا مهادنة الطغاة .. ان ذلك يعتبر مفتاح حل مشاكل الامة، لأن مثل هذه القيادة الربانية ستكون مؤيدة بنصر الله، مزودة بنور التقوى، ومحوراً لأنشطة الناس .
ثم ان التسليم للحق وللقيادة الربانية، تسليما نابعا من القناعة والايمان؛ تسليماً خالصاً لوجه الله؛ تسليما لا ينطلق من الهوى والعصبية والروح الحزبية والاقليمية والحميات الجاهلية، ان هذا التسليم هو الذي يجعل الامة في مستوى أصحاب الانبياء والاوصياء .. الذين يصفهم القرآن الحكيم بقوله: (مُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّآءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيَماهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ( (الفتح/29)
ان التواضع للمؤمنين والتعالي أمام الكافرين والفساق، والجهاد في سبيل الله في كل الظروف ، هو مقياس القيادة الرشيدة . والامام الحسين عليه السلام معيار للقيادة الربانية، فكل من كان نهجه اقرب اليه كان أجدر بالقيادة، ولا يضل الله سعي امة سلمت أمرها لقيادة الهية تسليما خالصا لوجه ربها ..
4/ المنهج الواضح
إذا عرف الناس انهم هم المسؤولون، ووعوا السنة الالهية الجارية في خلقه أبدا، ألا وهي: (إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِاَنفُسِهِمْ( (رعد/11). ثم عرفوا القيادة الربانية واتبعوها، فان أهل الحل والعقد والسابقين من المجاهدين والعلماء والصالحين سوف يتشاورون فيما بينهم ليضعوا الخطة الصحيحة والمنهج الواضح للعمل في سبيل الاصلاح..
ان الله وصف عباده بصفات فاضلة أبرزها ان أمرهم شورى بينهم، فاذا أجمعوا أمرهم على شيء اندفعوا نحو تحقيقه بيد واحدة، وكانت يد الله سبحانه مع جماعتهم. فقال سبحانه: (وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ( (الشورى/38)
ان اتفاق الامة على المنهج الواضح للعمل هو أعظم ركيزة لوحدة جهودهم ونجاح مساعيهم وتحقيق أمانيهم. والمنهج الواضح هو ميراث هدى الله، والتقوى، والتمسك بحبل الله، وتراكم التجارب بالشورى. وانما توالت على امتنا الهزائم بسبب الضلالة عن هدى الوحي واتباع الهوى والشهوات، والابتعاد عن نور العقل وعدم الاهتمام بعلمية القرار ..
اننا اليوم نعيش في ظروف صعبة، ولا نستطيع ان نقهرها الا بالاعتصام بالله سبحانه، واتخاذ طريق العقل سبيلا الى معرفة حقائق الحياة..
ان أيام عاشوراء والتي تحمل الينا ذكرى أكبر مأساة في التاريخ، هي أيام التعبئة الروحية والعاطفية . ولكن العواطف عند المؤمن لا تخرج عن اطار الوحي والعقل، ولاتتجاوز أحكام الدين الحنيف، بل انها تدعو الانسان الى تطبيق أحكام الله والعمل بشرائعه. وعلى خطباء المنبر الحسيني ان يجعلوا عواطف الامة الجياشة وسيلة لدعوة الناس الى التقوى والعمل بمسؤولياتهم الشرعية .
لقد كان الامام الحسين عليه السلام كلمة ناطقة ودعوة الهية واضحة وبلاغا لرسالات الله مبيناً. ألا تقرأون في يوم عرفة دعاءه الذي هو بلا ريب مدرسة مباركة في توحيد الله ومعرفة اسماءه الحسنى، وتلك كتبه التي قرع بها رأس معاوية كسياط من لهب. انها مدرسة في الاعلام الرسالي وفي فضح انظمة الضلال ومعارضة طغاة كل عصر .
ومنذ خروجه من المدينة وطول مدة بقاءه في مكة المكرمة ثم حركته الى العراق والى يوم عاشوراء، كانت كلماته النورانية تضيء درب المجاهدين في سبيل الله .
وعلينا ان نقرء على الناس خطب الامام الحسين عليه السلام وكلماته المضيئة التي فسرت نهضته العظيمة، ولا ندع للاهواء أن تفسر قيام ابي عبد الله الحسين، بل نستفيد من كلماته هو في بيان اسبابها وعواملها واهدافها، فهي أفضل بيان وخير تفسير .
وهكذا نجعل العاطفة في خدمة العقل، والحب في خدمة الحق، والبكاء طريقا لاصلاح النفس، ونجعل المجالس مدارس للفقه الديني، والمواكب شعائر للدفاع عن المؤمنين من موالي السبط الشهيد والمظلومين في كل مكان.. وإلا فان سيل العاطفة المتدفّقة سيذهب سدى .
5/ الاستقامة حتى الشهادة أو النصر .
وبعد تبيان المنهج ووضوح الاستراتيجية، فنحن بحاجة الى الاستقامة التي نستلهمها من واقعة الطف ومن كلمات السبط الشهيد الذي أطلقها صاعقة قاصعة: "ألا وإنَّ الدَّعيَّ بن الدَّعيَّ قد تركني بين السلّة والذلّة، وهيهات له ذلك، هيهات مني الذلة؟ أبى الله ذلك ورسوله والمؤمنون، وجدود طهرت، وحجور طابت، أن نؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام…" (11)
وكان يقول عليه السلام: سأقول كما قال أخو الأوس…
سأمضي وما بالموت عار على الفتى
اذا ما نوى حقّاً وجاهـد مسلمـا
وآسى الرجال الصالحين بنفسـه
وفــارق مثبـوراً وودَّع مجرمـا
فان عشت لم أندم وإن متُّ لم ألـم
كفى بك ذُلاًّ أن تعيش وترغما (12)
وقال عليه السلام:
فـان تكن الدنيا تعـدُّ نفيســة
فدار ثـواب الله أعلـى وأنبـل .
وإن تكن الابدان للموت اُنشـأت
فقتل امرء بالسيف في الله افضل ..(13)
وقد شرع في نهضته الالهية بكلمته المعروفة: "…خط الموت على ولد ادم مخطَّ القلادة على جيد الفتاة، وما أولهني الى أسلافي اشتياق يعقوب الى يوسف…".
ثم قال: "…، من كان فينا باذلاً مهجته، موطّناً على لقاء الله نفسه فليرحل معنا فانّي راحل مصبحاً إنشاء الله". (14)
وانما كان الصبر من الايمان بمنزلة الرأس من الجسد، لان الايمان الذي ينهار مع أول مشكلة ليس بايمان ابدا. انما فائدة الايمان مقاومة الصعاب، ومناهضة العقبات .
والذين يستسلمون للطغاة، أو ينهارون أمام مشاكل الهجرة في سبيل الله، أو يحسبون عطاءهم في سبيل الله مغرما وأيام جهادهم ضياعا، ان مثل هؤلاء كيف يفسرون الايمان ؟ هل الايمان عندهم كان مؤقتا بوقت، أو مخصوصاً بظرف، او كان معنى الايمان مكاسب ومناصب، أو رفاه ورخاء، أو وظائف ورواتب؟؟
وكيف لا يستحي هؤلاء ان يعتبروا أنفسهم من موالي أبي عبد الله الحسين عليه السلام، الذي أعطى كل ما كان لديه حتى الرضيع قدمه فداءا للاسلام.. ثم قال: "صبراً على قضائك يا رب لا إله سواك يا غياث المستغيثين مالي ربي سواك ولا معبود غيرك… ".(15)
ان مثل هؤلاء هم أظهر مصداق لقوله سبحانه: (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَآ اُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِن جَآءَ نَصْرٌ مِّن رَّبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِاَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ( (العنكبوت/10)
ان مصداق الايمان يتجلى عندما يفترق الحق عن المصلحة، والهدى عن الهوى، والرسالة عن السياسة، والجهاد في سبيل الله عن الدعة والراحة.
ولا عذر لأحد بعد شهادة السبط الشهيد سلام الله عليه في أن يترك جهاد الطاغوت ، ويبرر ذلك بأن سمعته في خطر، أو ان حياته وحياة أهل بيته أو أصحابه يهددها الطاغوت، أو انه قد لا يبلغ النصر بمثل هذه التضحية .
فالامام الحسين عليه السلام قطع عذر كل معتذر. وقد كان أهل الكوفة في ذلك اليوم الذي انفضوا فيه عن سفير الامام الحسين مسلم بن عقيل سلام الله عليهما بمثل هذه الاعذار، كانوا مثل السوء الذي من أراد أن يتبعهم فليتبعهم، ولكن ليعلم ان عاقبته في الدنيا وفي الاخرة لن تكون أفضل من عاقبتهم فالخزي واللعنة في الدنيا وسوء العذاب في الآخرة.
فمن شاء ان يخدع نفسه فليخدع، ومن شاء أن ينهزم فلينهزم، ومن شاء ان يهادن الطاغوت أو يستسلم له فليفعل، ولكن ليعلم بأن الله للظالمين بالمرصاد، وانه قد أنذر الذين يتركون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بأي عذر كان؛ أنذرهم بتسليط الظالمين، وبفتنة لا تصيبن الذين ظلموا منهم خاصة. قال الله تعالى: (يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا اَنَّ اللّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَاَنَّهَُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ * وَاتَّقُوا فِتْنَةً لاتُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَآصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ( (الانفال/24-25)
ان الامام الحسين علّمنا درس البراءة من الشرك والمشركين، وهي شرط التوحيد. وكان إماما للمسلمين وقدوة واسوة، وكانت قيادته الربانية ونهجه الالهي الواضح واستقامته التي ختمت بالشهادة هي دروس العزة والتقدم والنصر، وسبيل الهدى والرحمة والفلاح .
الإمام الحسين عليه السلام مشعل الهدى وسفينة الخلاص
هاهـو يوم عاشـوراء يلوح في الأفق، ليجعلنا نعيش عاشـوراء ببطولاتها وتضحياتها.. وعظمة عاشوراء لم تسمح للزمان ان يطوي ذكرها النسيان، وذلك لان عاشوراء رسالة لكل الاجيال، ومن هنا نتأمل في يوم عاشوراء ورسالته..
ألف: يوم الحسين عليه السلام
1/ وجاء يوم الحسين عليه السلام؛ جاء ميعاد اللقاء مع السبط الشهيد على مائدة الإحسان والإيثار؛ جاء يوم التحرر من إصر الهوى وأغلال الشهوات؛ وجاء يوم نتحسس فيه جميعاً بأننا بشر نحب الخير، ونهوى الفضيلة، ونلتذ بالعطاء، ونتطلع إلى الشهادة بالحق والموت في سبيله..
بلى؛ في مثل هذه المناسبات العظيمة، يكتشف أحدنا إنسانيته، ويندمج مع فطرته، وتنجلي عن بصيرته حجب الشهوات العاجلة والحميات الكاذبة..
2/ إن للسبط الشهيد سلام الله عليه حرارة في أفئدة محبيه، وولهـاً للاستماع الى حماسة شهادته، لأنه سلام الله عليه مثّل في يوم الطف تلك الفطرة التي تنطوي عليها ضمائر البشرية جميعاً، وجسد قيم العطاء والفداء، ومثّل الشجاعة والاستقامة والإيثار.. فهو -بكربلاء وعاشوراء- صورة مثلى لكل إنسان كامل في إنسانيته. ومن هنا ترى الناس جميعاً يتلهفون إلى معرفة أخبار ملحمته. وكلما كان الواحد منهم أقرب الى الإنسانية، كان أشوق الى عاشوراء الحسين عليه السلام.
3/ إن عاشوراء وما كان فيها من قصص بطولية نادرة، وتجليات إيمانية سامية، وسبحات في آفاق المثل العليا.. هي إطلالة البشر على عالم الغيب، وهي نافذة تُفتح أمام بصائرنا لنشاهد بأنفسنا ذلك العالم الآخر الذي لابد لنا من العودة إليه في يوم قريب؛ العالم الذي لا تتكلم فيه أرقام الأرصدة، ولا أحجام الممتلكات، ولاموازين القوة المادية، وإنما الكلمة الصادقة، والعمل الصالح، ودرجة التقوى واليقين.. إنها هي ميزان التفاضل هناك.
وهكذا يتسنى لكل من يعيش أجواء عاشوراء أن يطل ولو للحظات على ذلك العالم، ليضبط من جديد إتجاهه في الدنيا قبل أن يرحل عنها إلى عالم الآخرة؛ عالم الغيب والحياة الأبدية.
4/ عند الإدّعاء يزعم كل فرد بأنه قد بلغ أداء الواجب، ولكن عندما يستشرف على ملحمة عاشوراء ويراجع نفسه، يعرف ان عطاءه محدود جداً، ويتضاءل عند نفسه الى درجة الندم، ويجدد العزم بأن يضاعف عطاءه، ويزداد عزماً على الإحسان والإيثار.
5/ حوافز البشر وعزائمه هي وقود مسيرته الصاعدة، ومن فقد النية أضحى خاوياً على نفسه كشجرة مسوسة. ونحن نتزود في رحاب عاشوراء بالعزم؛ ليس فقط لنواجه ضعف أنفسنا أمام شهواتنا، وإنما أيضاً لنتحدى ضعف أمتنا أمام المشاكل الحادة.
فنحن نقرأ قصة ذلك الفتى الهاشمي "قاسم بن ا لحسن عليهما السلام" كيف يستهين بالموت ويراه في نصرة عمه أحلى من العسل، ونرى ذلك الشهم العلوي "علي الأكبر بن الحسين عليهما السلام" كيف يركب مطية الشهادة ويقتحم غمار الأعداء حتى تمزق جسده الشريف بحرابهم المسعورة، ثم شرب من يدي جده كأساً روياً لا يظمأ بعده أبداً. أما عمه العباس عليه السلام كبش الكتيبة، وقمر بني هاشم، فإنه يحلق عالياً في سماء الوفاء، حتى إذا ملك الشريعة وتاقت نفسه الى شربة ماء تذكر عطش أخيه الإمام الحسين عليه السلام فرمى الماء على الماء، وتمنى لو يستطيع أن يحمل الى مخيم آل الرسول قليلاً من الماء. وحطم أمله ذلك السهم الذي أصاب القربة.. ولكنه لم يستسلم وتحدى أمواج الهم بجبال العزم، حتى التحق بركب الشهداء.
إن كل صورة في هذه الملحمة، درس عظيم في معاني العزم والإستقامة.
6/ كما القطرة المتواضعة حين تلتحق ببحر زاخر فتصبح عظيمة النفع، كذلك الفرد حين يندمج بتيار المجتمع فيصبح أعظم وأقوى. وملحمة عاشوراء بوتقة تعد الأفراد ليتلاحموا ويصبحوا قوة هائلة.
7/ حينما تتحطم النفس البشرية على صخرة الكوارث والويلات، وتنطوي على ذاتها لتحيط بها الكآبة وتنخر فيها السلبية. فان عاشوراء وبما فيها من شجاعة التحدي، وبطولة المواجهة، وبما فيها من الإيجابية الطافحة تعالج مثل هذه النفسية، والتي -مع الأسف- أصبحت شائعة في بعض المجتمعات التي تعيش ظروفاً صعبة.
8/ عاشوراء تساهم في تربية إنسان يرفض الحصار، ويتحدى اليأس، ويهزء من العقبات؛ إنسان يتصل قلبه بنور ربه، فيتوكل على الله، ويقول كما قالت سيدتنا زينب للطاغية يزيد: "أظننت يا يزيد أنك حيث أخذت علينا أقطار الأرض وآفاق السماء، فاصبحنا نساق كما تساق الاسارى أنّ بنا على الله هواناً، وبك عليه كرامة، وان ذلك لِعظم خَطَرك عنده فشمخت بأنفك ونظرت في عِطفك جذلاناً مسروراً حين رأيت الدنيا لك مستوسقة والأمور متسقة، وحين صفا لك ملكنا وسلطاننا،…". (16)
وهكذا كانت ولا تزال عاشوراء السبط الشهيد عليه السلام إشراقة الأمل في ضمير البؤساء، لأن عاشوراء نفحة إلهية على أهل الأرض. أوليس الإمام الحسين عليه السلام مصباح هدى وسفينة نجاة؟
باء: رسالة عاشوراء
1/ ورسالة عاشوراء، هي رسالة المنبر الحسيني الذي لم يزل باقياً منذ ارتقاء زين العابدين وسيد الساجدين الإمام علي بن الحسين عليه السلام أعواد مسجد الشام في أول مواجهة ضد الطاغية يزيد في العاصمة الأموية، وفضحه آل أبي سفيان وبيّن فضائل العترة الطاهرة. منذ ذلك اليوم وحتى هذا اليوم وعبر 1361 عاماً، لم يزل للمنبر الحسيني شعاعاً من مصباح الإمام الحسين عليه السلام، وقبساً من نار ثورته اللاهبة. ومن عوامل بقاء المنبر الحسيني بهذه الصفة طيلة القرون المتمادية، هو الحماس الذي يلعب دوراً هاماً في بيان عاشوراء، كما يجلي البصائر ببيان أهدافها التي هي حقائق الدين.
2/ واليوم حيث يتعرض المسلمون لأقسى الهجمات الثقافية، والتي تتسلح بالمزيد من وسائل العصر؛ اليوم حيث يتسم العصر بسمة الإعلام، علينا أن نجتهد في سبيل جعل المنبر الحسيني قادراً ليس فقط على صد هجمات الأعداء على قيم الدين، بل وأيضاً على اختراق حصون الأعداء وبث القيم الدينية بين شعوب العالم. أليست كلمة الله هي العليا، ألم يقل ربنا سبحانه: (وَقُلْ جَآءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً( (الاسراء/81)
3/ من هنا كان على الخطباء وعلى المعاهد الدينية التي يتخرج منها الخطباء أن يبذلوا قصارى جهدهم لتحقيق تحول كبير في مناهج المنبر وبرامجه، وجعله أقرب الى حقائق العصر، وذلك عبر السبل التي سوف نتحدث عنها لاحقاً – إن شاء الله -. وهذا الجهد قد يكون فردياً، وقد يكون عبر تشكيل مؤتمرات ومراكز بحث وإشراك أكبر قدر ممكن من الآراء فيها، وبالذات آراء المستمعين.
4/ المنبر ينبغي أن ينطق عن ضمير الجماهير، ويستجيب لحاجاتهم، وبالذات ضمير الجيل الصاعد الذي سوف يستلم أزمة المجتمع بيده. فإذا كان المنبر متجاوباً مع الناس، كان الناس أوعى له، وأطوع لتوجيهاته.
5/ المنبر رسالة عاشوراء، وعاشوراء بحر زاخر لابد ان نستخرج منه ما يناسب ظروفنا، ويلبي حاجات عصرنا. وهكذا ينبغي أن يستنطق الخطيب حوادث كربلاء فيما يتصل بيوميات المجتمع.. فإذا كان المجتمع يعاني تفككاً اُسرياً، فإن المنبر يستهدي من تفاني أهل البيت في سبيل قضيتهم، ومدى وفاء كل فرد منهم لشيخهم وسيدهم وإمامهم الحسين عليه السلام. وإذا كان المجتمع يعاني خواءً في الأهداف وفراغاً في الغايات، فإن هدفية أنصار الإمام الحسين عليه السلام كباراً وصغاراً، رجالاً ونساء، هي محور أساسي للمنبر. وإذا كان المجتمع يعاني أمراضاً مزمنة؛ مثل السلبية والتواكل، والذاتية والحمية، والفواحش الظاهرة منها والباطنة.. فإن كل حادثةٍ حدثت في ملحمة كربلاء تستطيع أن تكون ملهمة لعلاج تلك الأمراض.
6/ الإمام الحسين عليه السلام درة في تاج الرسالة، وعلينا ان ندعوا الناس من خلال المنبر الى منظومة الدرر التي يتشكل منها هذا التاج الكريم. فجده الرسول، وأبوه الوصي، وأمه الصديقة، وأخوه الزكي، وولده الأئمة الهداة صلى الله عليهم جميعاً.
كل اولئك هم محاور المنبر الحسيني، وعلينا -من خلاله- أن نرسي قواعد الإيمان بهم والوله بحبهم والاستماع الى وصاياهم، وقراءة سيرهم، وبالذات الإمام الثاني عشر المنتظر القائم عجل الله فرجه، فإنه خاتم الأوصياء، والآخذ بثأر جده الحسين عليه السلام.
7/ المنبر الحسيني زخم عاطفي هائل، وهو يفجّر ينابيع المودة في أفئدة العارفين بأهل البيت عليهم السلام. ولكن -في ذات الوقت- ينبغي أن يستثير دفائن العقل، ويستجلي مشاعل البصيرة، ويزين للناس مكارم الأخلاق وحلل الآداب.. ذلك لأن العواطف من دون بصائر العقل، أشبه ما تكون بسيل هادر لا تستوعبه قنوات الري.
إن مذهب أهل البيت يعرج بالبشرية بجناحي العاطفة والعقل. فظلامة الصديقة الزهراء عليها السلام، ومصائب سيد الأوصياء الإمام علي عليه السلام، ومراثي السبط الأول الإمام الحسن عليه السلام، وعاشـوراء السبط الشهيد الإمام الحسين عليه السلام، وما جرى على الأئمة من ولده عليهم السلام.. كل ذلك جناح العروج الأول. أما الجناح الآخر، فيتمثل في الخطبة الفدكية لفاطمة الزهراء سيدة نساء العالمين عليها السـلام، وبنهج البلاغة للإمام أمير المؤمنين عليه السـلام، وكلمـات السبطين عليهما السلام، والصحيفة السجادية زبور آل محمد الذي جرى على لسان خيار المتهجدين الامام السجاد عليه السلام، ووصايا ودروس الباقرين الصادقين ثم الكاظم والرضا.. وسائر كلمات الأئمة الرشيدة.
وإذا رأيت خللاً في حياة بعض أتباع أهل البيت، فلأنهم قد ابتعدوا عن كلمات قادتهم التي هي مناهج حياة، وبرامج جهاد، وسبل هدى، ووسائل تقدم.
إنني أدعو الخطباء الكرام وبكل إصرار الى إعادة الناس الى رحاب أهل البيت، والإنتفاع بكل كلمة من تراثهم العظيم، لكي يوحّدوا جهودهم، وينظموا حياتهم على أسس عقلانية رشيدة في ضوء وصاياهم، وليتحمل كل فرد منهم مسؤولياته من دون تبريرات واهية، فيزداد همة وعزماً.
وإن لي كذلك دعوة متواضعة للفقهاء والمفكرين؛ أن يستنبطوا من آيات الكتاب وأحاديث السنة وكلمات أهل البيت أحكاماً واضحة في قضايا حياتية، كما أنهم قد استنبطوا منها أحكاماً في قضايا دينية، ولهم من الله الأجر العظيم.. ويومئذ ينبغي للخطباء والكتّاب أن يتبعوهم في تلك الارشادات، وينشروها على أوسع أفق.
إننا اليوم بحاجة ماسة إلى تلك الحكمة التي ترشدنا كيف نعيش، وكيف نتحدى المشاكل، وكيف نساهم في تطبيـق الحياة. وإنها لحكمة بالغة، لابد أن نستوحيها من مصادر الوحي، ومن تجارب العقول، وآراء العرف الرشيد؛ والله المستعان.
الامام الحسين عليه السلام ضمير الأمة ومسؤولية المستقبل
من خلال مسيرته الوضاءة، ونهضته الرسالية التي فاضت شلالاً من الصدق والفداء، ونهراً متدفقاً من العواطف الخيرة..
كان الإمام الحسين عليه السلام ولا يزال ضمير هذه الامة؛ فهو في العقل مصباح هدى، وهو في العاطفة سفينة نجاة، وهو عند المستضعف كرامة ناهضة، وهو عند المظلوم نداء ثائر، وهو على الطغاة سوط لاهب، وعلى الخانعين يقظة تأنيب ..
انه نهج متميز تلجأ اليه الامة عندما تضيق بها مذاهب الحياة ، وتحيط بها اسباب الفناء .
هنالك تتجاوز الامة حاجز الخوف والخنوع، وتستهين بالصعاب، وتستحلي الموت ومذاقه على ذلة العيش وعار الحياة، حيث لاتزال صرخة السبط الشهيد تملأ اُذن الدهر؛ هيهات منا الذلة، هيهات منا الذلة.
الضمير الناهض
واذا كانت الامة الاسلامية قد تحدت عبر تاريخها المديد عاصفة الحروب الصليبية بشموخ، واحتوت اعصار الغزو التتري بصبر وصمود، واذا كانت الأمة لاتزال تقاوم عاصفة الهجمة الصليبية الغربية الجديدة ورأس حربتها دويلة الصهاينة، واذا كانت قد احتوت هجمات الشرق الكافر، فذلك كله لان الأمة تملك ضميرا حيا نابعا من قيم القرآن الحكيم، وتاريخ الجهاد الحافل، وفي طليعته تاريخ نهضة السبط الشهيد عليه السلام.
وإذا كانت الثورات التحررية هي السمة البارزة لهذه الامة، وبالذات في صفوف اتباع أهل البيت عليهم السلام، فذلك لأن الامام الحسين لايزال في نفوسهم صرخة رفض، وصيحة كرامة، ودعوة صادعة بالحرية وبالعطاء ..
إلا ان هذا الضمير الناهض لم يستنفد كل طاقاته، وهذه الروح الكبيرة لم يستفد من كل قدراتها.. ذلك لان الطغاة والمنابر التابعة لهم والاقلام السائرة في ركبهم، وعلماء السوء الذين يكتمون الحق.. هؤلاء جميعا حاولوا ابعاد هذا الضمير النابض وتلك الروح الثائرة عن حوادث الحياة اليومية، وعن مشاكل الامة المعاشة، ودفعهما الى مجاهل التاريخ، والى الزوايا الضيقة.. ومع كل الأسف فهم قد نجحوا -بشكل أو بأخر- في تلك المحاولات.
وعلى العلماء الربانيين وقيادات الساحة الأمناء ، والاقلام الحرة، والمنابر المسؤولة، أن تتحمل واجبها التاريخي في اعادة الامة الى خط السبط الشهيد، وهو خط الاسلام الحق، خط القرآن المجيد، الذي من أجله كان قيام السبط ، ومن أجله كانت شهادته.
شهر محرم .. باب الرحمة
وشهر محرم الحرام هو جسر الامة الى تاريخها الجهادي .. هو باب الرحمة الى هدى القرآن . انه مناسبة لمحاسبة الذات ، ومحاكمة الواقع على ضوء الكتاب والسنة وتاريخ جهاد الامة وأئمتها الهداة من العترة الطاهرة عليهم السلام .
وانطلاقاً من هذا الشهر، يجدر بنا ان نفعـّل ضمير الامة لمواجهة المشاكل الحادة التي تعيشها، وان نجعلها بحول الله تعالى امة وسطى، وشاهدة على الكرامة والعدالة والتحرر للبشرية جميعا وفي كل ارجاء العالم .
وان تجربة الشعب اللبناني في مواجهة العدوان الصهيوني الأخير، انما هي تجربة واحدة من تجارب تفعيل الضمير لدى الامة والاستفادة من دروس عاشوراء.
ان امتنا بحاجة الى ان تتعلم دروس عاشوراء في الآفاق التالية :
ألف: عليها ان تتعلم ان كل فرد من ابنائها مسؤول عن واقعه وواقع مجتمعه. وان اللامسؤولية واللامبالاة والكسل والفشل والثقافة التبريرية، انها هو -بالضبط- ذلك السلوك السلبي الذي يريده لها الظلمة والجبابرة.
وان الانزواء والتقاعس والخمول والسلبية، هو من وحي شياطين الجن والانس، وان الله يريد لبني آدم الكرامة والتقدم والتطلع وألا يتساوى يوماه ..
ان الحياة المثلى رهينة جهدك -أيها الانسان المسلم- وتطلعك وجهادك؛ ولن يغني عنك جهد غيرك، كبيرا كنت أم صغيرا، ذكراً أم انثى، ومن أي عنصر أو قوم أو قبيلة..
هكذا يجب ان نثقف ابنائنا على العطاء، وعلى الاجتهاد من أجل التقدم، والجهاد من أجل الكرامة، والاستشهاد في سبيل الله.
وأية ثقافة تشجع على الخنوع والاستسلام والشك والشرك والحمية وإثارة العصبيات والتمنيات، فانها ثقافة باطلة يرفضها ضمير الامة، لانها تساهم في انتشار الظلم، واشاعة الفحشاء والمنكر .
باء: ان الامة الاسلامية تختزن -في وعيها وضميرها الباطن- ينابيع العطاء ومعادن الصبر واصول النصر وقيم النهضة، ولكنها بحاجة الى رجال مجتهدين مخلصين شجعان واكفاء لقيادتها. وقد اثبتت حوادث تاريخنا الحديث انه كلما اتيحت للامة طليعة رسالية في هذا المستوى فانها قد استجابت لهم، وألقت اليهم أزمة امورها، وأي خلل في طبيعة هذه الطليعة يورث كارثة على مستوى الأمة وثقتها وعطاءها.
من هنا كان بناء الطليعة وتنمية كفاءاتها ورعايتها، من ابرز فرائض الامة، والعاملين الصادقين من ابنائها .
كما ان على الطليعة ألاّ تتوان في مسؤوليتها، ولا تستصغر دورها، ولا تأخذها في الله لومة لائم، في صمودها واستقامتها على الطريق حتى النصر.
جيم: ان على الامة وقيادتها والمخلصين من ابنائها البررة، ان يحولوا التجمعات الدينية والأسرية والعشائرية والاجتماعية الى تجمعات فاعلة، من اجل استعادة الحقوق المستلبة، والكرامة الضائعة، والحرية المغتالة، والمساهمة في كافة الحقول، وممارسة كامل الدور الاسلامي والانساني المطلوب. والسبيل المناسب لظروفنا الراهنة والذي ينتهي باذن الله تعالى الى تحقيق هذه الاهداف السامية يتلخص في الامور التالية:
العودة الى القرآن
أولاً: الاستلهام المباشر من كتاب ربنا الذي فيه حكم ما بيننا، ودواء امراضنا، وشفاء قلوبنا، واصلاح ما فسد من اوضاعنا. ان الحجب المفروضة علينا والتي منعتنا من تلاوة القرآن حق تلاوته، هي المسؤولة عن كل مآسينا، فلنتجاوز كل الحجب ولنعد الى ربنا عبر كتابه الكريم، فانه - وحده - الذي يهدي للتي هي اقوم، ويبشر بالحياة الصالحة في الدنيا والفلاح في الآخرة .
ان الخطيب الذي يذكّر الناس بكتاب ربهم، والعالم الذي يوجههم الى التدبر في آياته المباركات، والقائد الذي يأمر اتباعه بمداومة العيش مع الله وكتابه.. هم جميعا يعطون للناس مفاتيح العلم، واصول الحكمة، ويأخذون بأيديهم الى معدن المعرفة، والى نبع الايمان وضياء اليقين..
وان المجتمع الذي تعلم كيف يقرء القرآن، وكيف يستوحي منه الثقافة الصحيحة، وكيف يعالج مشاكله في ضوءه، هو مجتمع محصن ضد كل الهجمات الثقافية الوافدة.
الرؤية السليمة
ثانياً: وبالتدبر في كتاب ربنا، وبدراسة سنة النبي وأهل بيته عليه وعليهم الصلاة والسلام، وبالدراسة الواعية للتاريخ الغابر وللحوادث الحاضرة، وبتحليل الاخبار تحليلاً منهجياً دقيقاً، بعيداً عن العجلة والعاطفة والأحكام المطلقة والمسبقة.. بكل ذلك سيتجلى مجتمعنا برؤية سياسية وحضارية سليمة، ومعرفة شاملة بالزمان، وبالتالي بالتحرك في الاتجاه الصحيح بعيدا عن الفوضى والغوغاء والعواطف المشبوبة.
ان العلم والحلم والحكمة والبصيرة هي من صفات المجتمع الفاضل، وانما بسبب الجهل واتّباع الناعقين، وبسبب التسرع والاحكام المطلقة، وبسبب الاستماع الساذج للاعلام المفروض علينا.. بسبب كل ذلك تخلف مجتمعنا، وفقد حصانته ضد الافكار الوافدة والشائعات المغرضة.
حصن الايمان
ثالثاً: ان على كل واحد منا ان يتحصن بحصن الايمان، وذلك بالانتماء الى هيئة دينية، او تجمع رسالي، او جمعية انسانية، وبالتالي لايبقى وحده في غمرات البلاء وموجات التحديات. ومن خلال هذا الانتماء الذي يقصد به رضوان الله، يعمل بالواجبات الملقاة عليه من التعاون على البر والتقوى، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد في سبيل الله بالمال والنفس، والتولي لأولياء الله، والتبري من اعداء الله، والاهتمام بشؤون المسلمين، والقيام بواجبات الراعي تجاه رعيته تحقيقا لقول الرسول صلى الله عليه وآله: "من اصبح لا يهتمُّ بأُمور المسلمين فليس بمسلم"(17)، وقوله صلى الله عليه وآله: "كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته" (18).
مسؤوليات اجتماعية
إننا سنوقف امام رب العزة، ويسألنا خالقنا البصير العليم، عن واجباتنا الاجتماعية، كما يسألنا عن الصلاة والصيام، وهناك لا تنفعنا التبريرات الواهية التي يتشبث بها البعض للتحلل من هذه المنظومة الواسعة والهامة من الواجبات الشرعية (كالتولي والتبري والجهاد والأمر بالمعروف و.. و..).
ان على كل واحد منا ان يحاسب نفسه كل يوم، عما قام به في سبيل الله، ومن اجل نجاة امته من ويلات التخلف ومن مصادرة الحقوق ومن تضييع الكرامة والحرية.. ألا نفكر اي معنى يبقى لحياتنا ان لم نؤد أية مسؤولية اجتماعية. فهل خلقنا لأجل الكدح اليومي من أجل الخبز الذي نأكله مغموساً بالدمع والدم، بالذل والهوان، بالسكوت عن المجرمين، والخنوع للجبارين؟ أفلا نتعلم من السبط الشهيد الذي اتخذناه إماماً وقدوة ومناراً، والذي نرجو ان يكون شفيعنا يوم القيامة، أفلا نتعلم كيف نحيى احراراً أو نموت كراماً ؟؟
ان صوت الامام الحسين عليه السلام الذي يجري حبه في عروقنا مجرى الدم؛ ان صوته لايزال يهز ضمير كل ذي ضمير:
"الا وان الدعي ابن الدعي قد ركّز بين اثنتين، بين السلة والذلة، وهيهات منا الذلة، يأبى لنا الله ذلك ورسوله والمؤمنون وحجورٌ طابت وطهرت وانوف حمية ونفوس أبية من أن تؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام…"(19).
بلى، سنبقى باذن الله شيعة صادقين لذلك الامام الغريب الذي نادى في صحراء الطف بنا وبكل اذن واعية:
"أما من ناصرٍ ينصرنا" (20)، واننا نقول وبكل شجاعة: نحن انصار الله، وشيعتك يا أبا عبد الله، وكلنا عطاء، وسوف نقوم بكل واجباتنا الاجتماعية متوكلين على الله الجبار الذي أمرنا بالعمل ووعدنا النصر حيث قال سبحانه: (وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونََ( (التوبة/105)
وقال عز وجل: (إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ( (محمد/7)
الإمام الحسين عليه السلام الشهيد الشاهد
حين اشترى الله من السبط الشهيد نفسه وما ملكت، اعطاه اجراً عظيماً. فقد سقط السبط شهيداً، فجعله ربه على التاريخ شاهداً، وجعله أباً للأئمة عليهم السلام، وسيداً لأمة رشيدة.
وكانت كربلاء -أرض تضحياته- ساحة معركة، فأصبحت عنوان مسيرة.. وكانت حادثة، فإذا بها اليوم راية لمسيرة مباركة.
لقد اصطفى الله من عباده الصالحين أئمة هداة وجعلهم حججاً بالغة على جميع خلقه، وقال: (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِاَيَاتِنَا يُوقِنُونَ( (السجدة/24)، وقال سبحانه: (اُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ ((الانعام/90) .
لماذا؟ أولم يكف البشرية رسول واحد يستضيء بنوره الناس على مر العصور؟
دعنا نعود إلى البداية لنعرف الاجابة. أوتدري متى تتوقف عقارب الزمن ويتكلس العصر ويتجمد الانسان ويسود التخلف ويحكم الارهاب ويتسلط الظالمون؟
تماماً عندما ترين على الافئدة طبقة سوداء من الافكار التبريرية والمعاذير
الخادعة، فيتحلل كل الناس عن مسؤولياتهم، كل باسم عذر وتبرير كاذب. فيقول البسطاء والمستضعفون: اننا لا نعرف طريقاً لمقاومة الظالمين، إنما نحن بؤساء محرومين نتبع كبراءنا وساداتنا أو السابقين الأولين من آبائنا ، كما يصف القرآن ذلك بقوله:
(أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَآ أَشْرَكَ ءَابَآؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِن بَعْدِهِمْ( (الاعراف/173).
أما الاثرياء فهم الذين يخافون الفقر ويخشون المساواة والمحرومين، ويقولون: (وَقَالُوا إِن نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَآ أَوَلَمْ نُمَكِّن لَهُمْ حَرَماً ءَامِناً يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِن لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ( (قصص/57)، ويقولون: (أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الاَرْذَلُونَ( ( شعراء/111).
بينما تجد انصاف المثقفين وأدعياء الدين يسكتون عن الباطل ويداهنون الظالمين ويرضون بفتات من خيرات السلطان، وهم كما يصفهم القرآن: (فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِاَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً( (79/البقرة)، ويقول عز من قائل: (يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَوَاضِعِهِ( (13/المدثر).
وان هؤلاء هم أخطر الفئات على المجتمع، لانهم يسرقون سلاح العلم والدين من أيدي المحرومين، ويضعونه في أيدي المستكبرين والطغاة لقاء دراهم معدودة.
وهم لا يقاومون الظلم والاستكبار وحسب، وإنما يحذّرون الناس ويشيعون بينهم أفكاراً سلبية وانهزامية. وما الأمثلة الجاهلية الشائعة حتى اليوم بين الطبقات المحرومة، إلا بقايا ثقافة وعاظ السلاطين وخول الطغاة من المثقفين الخونة وأدعياء الدين السفلة.
فهم أشاعوا بين الناس؛ بأن السلطان ظل الله، وان من تسلط على الرقاب بالسيف فهو أحق الناس بالطاعة، وان الحشر مع الناس عيد وإنْ كان الى سعير جهنم، وإنَّ معنى التقاة السكوت عن الطغاة، وإنَّ اليد التي لا تقدر على قطعها استسلم لها وقبّلها، وعشرات من الافكار الشيطانية الزائفة.
ان هذه الطبقة من زيف المعاذير الشيطانية والافكار الانهزامية الاستسلامية التي غلّفت أفئدة الناس بمختلف فئاتهم، كانت من جراء فساد السلطة، وزيغ الثقافة، وسوء التربية والاخلاق، والفقر والظلم والحرمان وما يستتبع ذلك من العصيان والشرك والكفر.
فيا ترى أنى لنا النجاة منها..؟
لقد أودع الله في ضمير البشر فطرة ظاهرة وعقلاً نيراً ونفساً لوامة، حيث قال سبحانه: (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا( (الشمس/7-8)، وأيد ذلك الضمير برسالاته التي تواترت، وكتبه التي تواصلت. فكلما امتدت يد التحريف إلى رسالة، وفسرها خدم السلاطين المترفين تفسيرات خاطئة، ابتعث الله رسولاً قائماً برسالات الله، ليكون حجة عليهم.
ثم أكمل حجته بأوصياء هداة وصديقين شهداء، تصدوا للتأويلات الباطلة والتفسيرات التحريفية، حتى أبانوا الحق، وأظهروه ودحضوا الباطل وأسقطوه.
إنَّ أعظم محاور الرسالات، وأعظم أهداف الرسل وخلفائهم، كان تبديد زيف التأويل الباطل عن الدين، ونفي الأعذار الشيطانية التي تخلف الناس عن الدين بسببها.
وقد خاض أنبياء الله وأولياؤه المؤمنون صراعاً مريراً من أجل نسف الاعذار والتأويلات الزائفة، التي نشرها أدعياء الدين بين الناس.. وسعوا جاهدين لكي يبقى مشعل الرسالة زكياً نقياً وضاءً وبعيداً عن زيف التبرير وزيغ التأويل، لكي لا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل.
لقد رسموا بجهادهم وجهدهم كما بدمائهم الزكية خط الرسالة التي تتحدى الطغاة المستكبرين في الأرض، المتسلطين على الناس زوراً وعدواناً، والمترفين المستغلين لجهود المستضعفين، والعلماء الفاسدين الخانعين اليائسين.
وكانت نهضة أبي عبد الله الحسين عليه السلام علماً بارزاً في هذا الطريق الشائك، حيث كانت رسالة جده المصطفى عليه وعلى آله صلوات الله أعظم انتفاضة للضمير ولتوهّج العقل، وأسمى ابتعاث لدين الله الخالص من زيغ التأويل وزيف التبرير.
لقد كانت المشكاة الصافية التي أضاء عبرها مصباح الوحي كل الآفاق.
ولكن الشجرة الأموية الملعونة في القرآن، التي جسّدت في الجزيرة العربية دور فراعنة السلطة والثروة ودهاة المكر والتضليل، والتي صدت عن سبيل الله والرسالة في بدر واُحد والاحزاب، لقد كانت هذه الشجرة لا تزال قائمة. وقد أوكلت مهمة اجتثاثها وتصفية الرواسب الجاهلية التي تغذيها إلى خلفاء الرسول صلى الله عليه وآله.
وها هم طفقوا يتسللون الى المجتمع الناشيء ليزرعوا فيه بذور النفاق والشقاق. انهم كما الخلايا السرطانية امتدوا الى كل نفس طامعة وقلب حاقد، ومستكبر يتوثب للسلطة، ومترف يبحث عن مصالحه.
وفي غفلة من الزمن تحققت رؤيا رسول الله صلى الله عليه وآله الذي أخبر أصحابه عنها ذات يوم، بانه رأى قردة ينزون على منبره… فإذا بهذا الحزب الاستكباري يستغل الاوضاع المتوترة في عهد الخليفة الثالث، ويقوم بما يشبه انقلاباً عسكرياً يقوده معاوية ابن ابي سفيان، ويخوض أصحاب النبي الميامين بقيادة أميرهم المقدام وإمامهم الهمام سيد الأوصياء علي ابن أبي طالب عليه السلام، يخوضون ضدهم حرباً ضروس في صفين، لا تختلف عن حروب رسول الله ضد سلطة قريش.
وإذا سقط الإمام علي شهيداً في محراب الكوفة بسيف غادر شحذه بنو أمية ، وإذا مضى نجله الإمام الحسن مسموماً ضمن مؤامرة أموية، فإن للإمام الحسين دوراً متميزاً في كربلاء ، حيث يقتلع جذور الشجرة الخبيثة بإذن الله، وذلك بالدم المظلوم الذي يهزم سيف البغي والعدوان، حيث لا غدر ابن ملجم ولا سم جعدة بل بالمواجهة السافرة.
كربلاء رمز المواجهة
وهكذا أصبحت ملحمة كربلاء رمز المواجهه بين الحنفية البيضاء والشرك المتلصص؛ بين الحق الخالص الصريح والباطل المدنس المزخرف؛ بين الشجاعة والبطولة والتحدي وبين التذبذب والانطواء والتبرير..
وأصبح الإمام الحسين لواءاً منشوراً لكل من يريد مقاومة الحكّام المتسترين بالدين، وتحريف العلماء الخونة للدين، وسكوت المتظاهرين بالدين… وبكلمة؛ لكل من يريد مقاومة الدين المزيف الذي اضحى سلاحاً فتاكاً على الدين الحق، ومقاومة المتظاهرين بالدين الذين تظاهروا ضد الخط الإيماني الصادق.
وهكذا اضاء ابو عبد الله الحسين عليه السلام على امتداد التاريخ درب المؤمنين المستضعفين الذين تآمر ضدهم ثالوث النفاق والدجل والجبن.. هؤلاء المحرومين الذين تظاهر ضدهم المهووسون بالسلطة ووعاظ السلاطين والمترفون مصاصوا دماء الفقراء.
إنَّ أية راية حق حاربت من أجل الله، جعلت شعارها: يا لثارات الحسين؛ وأي تجمع صالح قرر التحدي، وضع نصب عينيه دروس كربلاء،؛ وأي رجل عقد العزم على أن يكون فداءاً لدينه كان مثاله الاسمى السبط الشهيد.
وتبقى حاجتنا إلى مشعل سيد الشهداء مادمنا نواجه نفاقاً أموياً، ودجلاً شُريحياً، وخيانة كالتي كانت عند أهل الكوفة. وأنى يكون لنا اليوم الذي نتخلص فيه من هذا الثالوث الخبيث؟
كلا؛ مادامت الدنيا فان فتن الشيطان ووساوسه قائمة.. وليس بالضرورة ان يكون المنافق أموياً سافراً كصدام أو شريحاً قاضياً عنده كما وعاظ السلاطين، أو جبناء متظاهرين بالخيانة كمن حاربوا بوعي وعمد واصرار تحت لواء البغي والطغيان.
كلا؛ ليس بالضرورة أن يكون كذلك، فقد يكون المنافق متظاهراً بحب السبط الشهيد، والدجال متحدثاً باسمه، والجبان منضوياً تحت لوائه.. أولم يرق ذلك الدجال منبر الحسين قائلاً: بعدم جواز الدخول بين السلاطين، ومحرماً تعاطي السياسة! ولم يفكر ان المنبر الذي اتخذه وسيلة معاشه لم يقم الا على دماء السبط الشهيد عليه السلام، وان الإمام الحسين أعلن بكل صراحة ان مثله لا يبايع مثل يزيد، ثم قال: " من كان فينا باذلاً مهجته، موطّناً على لقاء الله نفسه فليرحل معنا فانّي راحل مصبحاً إنشاء الله.."(21)
وهل هذا سوى العمل في السياسة. وأي سياسة أعظم من القيام بالسيف ضد حكم طاغية؟!
كلا؛ (وَكَانَ الإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً( (الكهف/54) .
من هنا كان على الذين وعوا حكمة الشهادة الحسينية، وعقدوا العزم على ان يعيشوا نهج سيد الشهداء رغم الصعاب، والذين تساموا الى حيث جوهر الإسلام وروح الإيمان وعصارة تاريخ الأنبياء… إلى حيث الصراع ضد الجبت والطاغوت؛ على هؤلاء أن لا يدعوا راية السبط الشهيد تسرق من قبل الدجالين والمنافقين والمترفين، فإذا بهم يحاربون نهج الحسين باسم الحسين كما حارب بنو أمية -عليهم اللعنة الابدية- نهج رسول الله باسم رسول الله ونهج كتاب الله باسم كتاب الله.
عليهم ان يتقدموا لحمل راية الإمام الحسين عالية خفاقة ويتحدثوا باسمه، فان لهم وحدهم الحق بأن يتحدثوا باسمه، وأن يرتقوا منابره ويعمروا مجالسه ويحتشدوا في مسيراته ويكتبوا عنه كثيراً ويفسروا تفسيراً صادقاً لواقعة كربلاء وما سبقها وما لحقها، معتمدين في ذلك على التاريخ الصحيح والنصوص المأثورة عن الإمام الحسين عليه السلام نفسه، وزياراته المروية عن أهل البيت عليهم السلام، ولا يرضوا عن كل ذلك بدلاً بما قيل عن الإمام وواقعة كربلاء من التراث المتداخل مع بعض الثقافات الدخيلة أو أفكار الهزيمة.
على العلماء الكرام وأصحاب الأقلام الحرة ان يعيدوا صياغة قصة كربلاء في ضوء بصائر الوحدة وسيرة السبط، ويبتعدوا عن تلك الافكار التي اختصرت السبط في تراجيديا أو فلكلور.
الإمام الحسين نور في ظلمة الطريق
أن الحسين -كما جاء في حديث جده- مصباح الهدى وسفينة النجاة، انه من الرسول والرسول منه؛ إنه إمام المسلمين وحجة الله وهو أعظم من مجرد تراجيديا، كما ان كربلاء أسمى من مجرد فلكلور، انه وريث الأنبياء وترجمان الأوصياء وقدوة الأتقياء.. انه مدرسة التوحيد. أولم تقرأ دعاءه في يوم عرفة؟ ان هذا نهج السبط الشهيد، فهل يجوز اختصاره في بضعة كلمات تراجيديا؟
إنـه يمثل الإسلام، أوليس هو إمام الأمـة وحجـة الله وعلينا أن نشرح أبعاد حياته كلها، وكل حياته جهاد.. وقد ختمت بكربـلاء بالشهادة.
وعلينا نحن الذين نأتم به ان نتخذه إماماً في كل مناهجه وشرائعه:
أ - يوم نشأ بسلسبيل حب الله والرسول وعترته فكانت نفسه طاهرة من أدران الشرك ووساوس الشك، وحوافز الشر وغلّ الحسد والحقد والعصبيات المادية، وحين نقف على ضريحه المبارك نترنم بالقول: "أشهد انك طهر طاهر مطهر من طهر طاهر مطهر طهرت وطهرت بك البلاد وطهرت ارض انت فيها" (22).
ب- ويوم وقف بعزم صادق ونية خالصة الى جانب امه الصديقة الزهراء عليها السلام في معركة فدك، والى جانب والده الإمام علي عليه السلام في يوم الجمل وفي صفين والنهروان، وإلى جانب اخيه الإمام الحسن عليه السلام في حربه وسلمه..
وهكذا كانت طاعته لقيادته الإلهية خالصة من أية شائبة.. ذاب فيها كما تذوب قطرة ماء زلال في بحر فرات.
ونحن -إذ نتبعه- نروّض هوى النفس في ذواتنا لنصبح جزءاً من تيار التحرك، لا نريد لانفسنا جزاء ولا شكورا.
وهكذا نقرأ في زيارته: "وأطعت الله ورسوله حتى أتاك اليقين"..(23)
وهكذا فالطاعة سبيل اليقين ومن يرفض الطاعة بمعاذيرٍ يلقيها اليه الشيطان يصبح ضحية الوساوس طوال حياته.
ج- ويوم انصهر في بوتقة التوحيد وعرفان الرب وزكاة القلب وتبتله في الليل والذي كان تأويلاً صادقاً لقوله سبحانه: (كَانُوا قَلِيلاً مِنَ الَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ( (الذاريات/17).
وما دعاؤه في يوم عرفة إلا قبساً من نور توحيده، ووهجاً من شوقه إلى رضوان ربه، وفيضاً من حكمته الإلهية.
ألا تراه واقفاً في صحراء عرفات تحت شمس الظهيرة اللاهبة وقد رفع
كفيه الضارعتين الى ربه وجرت دموعه الدافئة على خده.. وهو يخاطب ربه بكل عفوية وانسياب ويقول:
"…أنت كهفي حين تعييني المذاهب في سعتها، وتضيق بي الأرض برحبها ولولا رحمتك لكنت من الهالكين وانت مقيل عثرتي ولولا سترك إياي لكنت من المفضوحين وانت مؤيدي بالنصر على اعدائي ولولا نصرك إياي لكنت من المغلوبين... يا من خص نفسه بالسمو والرفعة فأوليائُه بعزّه يتعزّزون، يا من جعلت له الملوك نير المذلة على أعناقهم فهم من سطواته خائفون يعلم خائنة الأعين، وما تخفي الصدور، وغيب ما تأتي به الأزمنة والدهور، يا من لا يعلم كيف هو الا هو يا من لا يعلم ما هو الا هو…" .(24)
هذا القلب الكبير الذي استقبل نفحات الرب في عرفات الحجاز، هو القلب الذي استقبل تحديات الموت في يوم عاشوراء بتلك النفحات، عندما ازدلف عليه اكثر من ثلاثين ألفا من اعدائه يريدون قتله فتوجه الى ربه ضارعاً وقال:
"اللهم انت متعالي المكان، عظيم الجبروت، شديد المحال، غني عن الخلايق، عريض الكبرياء، قادر على ما تشاء، قريب الرحمة، صادق الوعد، سابغ النعمة، حسن البلاء، قريب إذا دعيت محيط بما خلقت قابل التوبة لمن تاب اليك قادر على ما اردت ومدرك ما طلبت وشكور إذا شكرت وذكور إذا ذكرت، ادعوك محتاجاً وارغب اليك فقيـراً وافـزع اليك خائفاً وابكي اليكَ مكروباً واستعين بك ضعيفاً وأتوكل
عليك كافياً، أحكم بيننا وبين قومنا…". (25)
هذا هو الإمام الحسين عليه السلام، وعلينا ان نسمو إلى درجة اتباعه في زهده وتقواه، في تبتله وعبادته، في سلوكه وخلقه.
د- وأخيراً نتبعه يوم توج تلك الحياة الربانية بشهادته التي كانت مرسومة من ذي قبل لتكون نهج حياة.
ويوم شهادته كان السبط مثلاً أعلى لكل التضحيات وحجة بالغة علينا فيها.
لقد قدم في يوم واحد كلما يمكن ان يقدمه انسان في سبيل ربه، كما ضرب أنصاره الكرام أروع الأمثلة في الاخلاص والايثار. وهكذا كان الإمام حجة بالغة على كل متقاعس عن الجهاد متخاذل خنوع.
البعض يتقاعسون عن الجهاد حفاظاً على اموالهم ودورهم وضياعهم كما خشي عمر بن سعد عليها وخرج بذلك لمواجهة الإمام الحسين بكربلاء.
أولم يكن للإمام ضياع ودور وأموال فتركها لله عندما قرر القيام ضد طاغية زمانه؟!
ويتقاعس البعض عن الجهاد خوفاً على سمعته أن تنالها أجهزة التضليل الحكومية!!
أولم يكن سيد الشهداء قد تعرض لذلك التشويه فقالوا عنه: انه قتل بسيف جده، ونشروا في عرض البلاد وطولها انه خارجي، وكانت مئات الألوف من المنابر التي أقامها النبي للدعوة الى الله تبث الزيغ والتبرير والتحريض على المجاهدين الاوفياء لدين الله، وضد ابي عبد الله الحسين عليه السلام بالذات!!
وينكفيء البعض عن واجبه الشرعي، لانه يخشى على عائلته واسرته ان تضيع في زحمة الصراع السياسي.
بالله عليكم أي اسرة أشرف من اسرة النبي، وأي أهل بيت أعظم من أهل بيت الوحي… وقد حملهم معه سيد الشهداء الى كربلاء ليكونوا شهداء معه على تلك المجزرة الرهيبة، ثم دعاة الى القيام ضد بني أمية، وتعرضوا لكل ألوان البلاء وأشدّها قساوةً حيث طافوا بهم البلاد يتصفح وجوههم أهل المنازل والمناهل، وهم حرم رسول الله، ومهابط وحي الله ومعادن حكمته.
وترى البعض يوسوس إليه الشيطان، كيف تُعرّض ابناءك للأذى؟ كلا؛ إن دين الله أعظم من اسرتك وابنائك، وانه كفيل بهم. وهذا السبط الشهيد قدم ابناءه بين يديه ضحايا دين امته وفداءاً للرسالة وبينهم نجله الكريم علي الاكبر عليه السلام، أشبه الناس برسول الله خَلقاً وخُلقاً ومنطقاً.
وبعض الناس يزعمون ان القيادة ينبغي أن تكون محمية بعيدة عن الخطر.. وأي قائد أعظم من حجة الله وسبط الرسول وكهف المحرومين ابي عبد الله الحسين عليه السلام؟
وها هو يقدم نفسه للفداء قرباناً الى ربه، ودفاعـاً عن الرسالـة..
وهكذا كان ولا يـزال السبط الشهيـد شاهداً خالداً علينـا - نحن المسلمين- ضد كل تبرير وعذر وتقاعس وانكفاء .
واليوم حيث يتعرض خط الجهاد المقدس للتشويه من قبل أبواق الكفر والنفاق، فما أحوجنا الى الإمام الحسين ونهجه وسيرته وشهادته الدائمة على مر العصور.
أننا اليوم نتعرض لهجمات واسعة وشرسة من قبل المستكبرين وعملائهم المنافقين وحزبهم الدجالين، فما احوجنا الى انشاء المجتمع التوحيدي المستضيء بالنهج الحسيني حتى نقاوم تلك الهجمات العدوانية، ولكي نحافظ على المكاسب الجهادية لامتنا المجيدة.
وبغير النهج الحسيني يخشى ان تقضي مؤامرات المستكبرين واذنابهم المنافقين، وخذلان الخانعين، على بنية استقلالنا وشرفنا وكرامتنا، ونتحول الى شراذم بشرية مستعبدة..
إن نهج الحسين وحده السبيل الى تكوين المجتمع التوحيدي النقي، فما هو هذا النهج ، وما هو المجتمع القائم على اساسه؟
ان جوهر هذا النهج هو التوحيد والجهاد. التوحيد الذي يمنحنا به الله الاستقلال، والجهاد الذي يرفعنا الله به الى صعيد العزة والرقي.
أوليس الاستقلال والرقي هما أسمى ما يتطلع إليه الإنسان الواعي؟
دعنا نفصل القول في ذلك تفصيلاً مبيناً:
أولاً: القيم الأصيلة التي يتسامى بها المجتمع التوحيدي هي قيم الوحي التي تستنير بها العقول وتزدهر بها المعارف والعلوم وتتزكى بها الاخلاق والآداب، وهذه القيم تتناقض والثقافات الجاهلية الموغلة في المادية.
فلكي نبني مجتمع التوحيد القائم على نهج الحسين عليه السلام، علينا ان نطهر مجتمعنا من رواسب الجاهلية، من العصبيات العرقية والاقليمية والمصلحية والحزبية الضيقة؛ من التشرذم والتفرق والتضاد؛ من التدابر والتناحر والتنافر..
إن علينا كنس واقعنا من ثقافة التجهيل والشعوذة والدجل، من ثقافة التبرير والخداع الذاتي، من ثقافة الانانية والانتهازية، من ثقافة الاعتزال والانغلاق والهروب من واقعيات الحياة..
ان المجتمع التوحيدي يتشبع بروح ايجابية معطاءة، بروح الانفتاح والتفاعل، بروح التصدي والتحدي، بروح المقاومة والاستقامة.. وهذه الروح تتناقض كلياً مع تلك الثقافات الدخيلة.
إن عِبر كربلاء تفيض بهذه الروح، وحرام ان نعيش دهراً على شاطئ الحسين عليه السلام محرومين من ماء الحياة، ومن العزم الحسيني. والشجاعة الحسينية، والعطاء الحسيني، من الكرم والايثار والصمود والتحدي، ومن كل تلك المعطيات التي زخرت بها ملحمة كربلاء الثائرة.
ان واجب كل فرد منا ان يمتلك مقياساً حسينياً لمعرفة لون الثقافة التي يشيعها الاخرون. فان كانت ثقافة الايثار والتحدي فبها والا يجب رفضها ورفض الذي ينادي بها حتى يتقلص دور قطاع الطرق والصادّين عن سبيل الله، الذين يسرقون راية السبط الشهيد ويحاربونه باسمها.. الذين يزرعون الشك والوسواس في النفوس، ويلقون الجبن والخوف والتردد في روع المحرومين ويأمرونهم بالسكوت والخذلان ويحاربون المجاهدين والعاملين، والذين يريدون الدين لمصالحهم ولا يضحون بمصالحهم في سبيل الدين ولتغيير هذا الواقع المشين ، فتراهم يكيلون التهم الرخيصة ضد المجاهدين ويترصدون ثغراتهم ناسين ان التقاعس جريمة كبرى وهم يرتكبونها بلا خجل.. إن هؤلاء هم شريحة شريح القاضي لعنة الله عليه.
ثانياً: وبروح المقاومة والاستقامة، والجود والايثار، والوحدة والجهاد.. بهذه الروح الحسينية التي تفيض من كل أبعاد ملحمة البطولة في كربلاء، نربي الجيل الناشيء، نرضعهم الشجاعة والحكمة، ونلقنهم الصبر والصمود، ونزرع في أفئدتهم التطلع والهمة، ونقول لهم ان الاموية السوداء لازالت تذبح الميامين من أبناء الحسين، ولا زالت معركة كربلاء ممتدة فكونوا جنوداً للحق انصاراً للحسين. لازالت حنجرة السبط الشهيد الدامية تنادي: ألا هل من ناصر ينصرنا، ألا هل من معين يعيننا، ألا هل من ذاب يذب عن حرم الرسول.
لبيك يا داعي الحق، نحن أنصارك يا سيد الشهداء. هكذا نربي اطفالنا.
وكما كان آباؤنا الكرام وامهاتنا الكريمات ، يهزون مهد أولادهم ويترنمون بزيارة عاشوراء ومعها مائة سلام للحسين وأهل بيته المظلومين ومائة لعنة على من ظلم آل محمد من الأولين والآخرين… فلابد ان نفعل نحن كل ذلك ايضاً كي يتحصّن ابناؤنا ضد الدعاية الأموية.
وإن التربية والتثقيف والاعلام الناطق أوالمكتوب أو ما أشبه ينبغي ان يهدف كل أولئك تعريف الناس بمن هو اليوم يمثل الإمام الحسين فيرفض حكم الطغاة، ومن هو يمثل دور يزيد أو شريح القاضي أو جمهرة أهل الكوفة الذين خذلوا السبط الشهيد.
ثالثاً: العلاقات في المجتمع التوحيدي هي علاقات حسينية تهدف تهيئة القوة الذاتية القاهرة بإذن الله ضد كل باغ وطاغ وكل طامع ومستكبر.
إن هذه العلاقات لا تهتز بسبب الظروف القاسية، بل تزداد متانة وتصلباً…
انها لا تزيدها الاشاعات الخبيثة إلا تماسكاً وتلاحماً.
انها علاقات الجهاد التي تطرد الجبناء والمصلحيين والمتأثرين بدعايات الاجانب والمتخاذلين.
انها علاقات قائمة على أساس الطاعة للقيادة والثقة المتبادلة بينها وبين القاعدة.
انها علاقات عمل جدية وابتعاث، فلا موقع للكسالى والطفيليين والمترهلين فيها.
رابعاً: الاقتصاد في المجتمع التوحيدي اقتصاد دفاعي، لا يعرف الترف والتبذير، والاستهلاك والاستكثار... إنه اقتصاد زهد وتقشف وايثار وجود، انه اقتصاد تخطيط بعيد يهدف العز والكرامة قبل اللذة والشهوات الكمالية.
وبكلمة؛ ان الذي يريد العزة والكرامة والاستقلال والرقي يعد نفسه ومجتمعه اعداداً مناسباً، والنهج الحسيني هو الاعداد المناسب لكل تلك التطلعات. من هنا علينا اليوم أن ننفتح على هذه النفحة السماوية التي تفيض بها ملحمة عاشوراء. تعالوا نفكر جدياً وجذرياً كيف نبدأ الانعطافة الكبرى في حياة امتنا، ألا يكفي الذل والصغار، ألا يكفي التشريد والتشرذم، ألا تكفي الهزائم والويلات، ألا يكفي هتك الاعراض وقتل الاطفال و..و…؟
تعالوا نجعل من عاشوراء ميعاداً مع نهج السبط الشهيد، نجدد العهد معه بأن نظل حسينيين روحاً وعملاً.
تعالوا نبني ذلك التجمع الناهض الذي يحتمي بظل الاسلام الحنيف والنهج الحسيني الثائر ضد فتن الجاهلية وبغي الاستكبار وقيد الجبارين ومكر الطامعين.
ان الحسين مصباح الهدى وسفينة النجاة.. تعالوا نضيء جنبات حياتنا المظلمة بهذا المصباح الإلهي..
تعالوا نتخذ من ذكرى عاشوراء الثائرة في كل عام مناسبة للدفاع عن المظلومين والمحرومين في العالم.
تعالوا نتحدى عواصف النوائب وأمواج النوازل بالاتجاه الى سفينة النجاة، وقد قال الإمام الصادق عليه السلام: " كلنا سفن النجاة وسفينة الحسين اوسع وفي لجج البحار اسرع".
الامام الحسين عليه السلام والتطور الحضاري للأمة
لقد حفر السبط الشهيد نهرا مباركا في ضمير التاريخ ، يفيض بالقيم الايمانية وتنبت على شاطئه أشجار الرحمة والحب والعواطف الانسانية، ويمتد من ذلك النهر الفائض رافد ميمون الى قلب كل مسلم .
ان هذا النهر الحسيني المتدفق ، ينبعث من ساق العرش حيث التوحيد الخالص ، والتسليم التام لرب العزة ، وحيث الطهارة من دنس الشرك، وحيث التحرر من عبادة الاهواء .
أوتدري لماذا كتب عن يمين العرش؛ ان الحسين: "مصباح هدى وسفينة نجاة" ؟
لأن الامام الحسين عليه السلام حمل راية الحنفية البيضاء، وحطّم بنهضته الحمراء ، أصنام الجبت والطاغوت ، ورفض ان يستسلم لسلطان الطاغية يزيد، ولجبت الدينار والدرهم، وقال بكل شموخ:
" ألا وإن الدعي ابن الدعي قد ركّز بين اثنتين، بين السلة والذلة، وهيهات منا الذلة " (26).
وهكذا رفع الله راية السبط الشهيد حين شرفه بالتوحيد النقي ..
لقد جسد الامام الحسين عليه السلام الكفر بالطاغوت والايمان بالله، فكان مثلاً ساميا لقول الله سبحانه: (فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى( (البقرة/ 256).
وان أيام محرم التي نجدد فيها ذكرى الشهادة ، هي من ايام الله التي يتجدد فيها الايمان بالله، وبالرسالات الالهية، وباخلاص العبودية لله. وهكذا نطهر فيها انفسنا في نهر التوحيد، من شوائب الشك والشرك، ومن عبادة الاهواء ، ومن الخضوع للطغاة ، ومن مجاراة الظالمين ومهادنة الفسقة والمنافقين .
ان نهج ابي عبد الله الحسين عليه السلام لايزال يبعث شلالاً من النور في كل أفق ، وان نهج اعداءه الظالمين لايزال يعارض سبيل الشهادة. وانهما نهجان لايلتقيان، فشيعة الحسين يتسابقون الى نيل شرف الشهادة، ويجعلون محاربة الطغاة شعارهم في كل موقع. بينما ترى السائرين في ركاب يزيد ، يتهافتون على تقبيل أحذية السلاطين وجعلها وساماً على اكتافهم الذليلة .
ولايزال موسم محرم الحرام فرقانا بين النهجين؛ والدعاة الحسينيون والخطباء الحقيقيون يجعلون من كل عاشوراء موسماً ميموناً لنصرة نهج السبط الشهيد، ومحاربة نهج الخنوع والاستسلام، وميعاداً لنشر تلك الراية المصبوغة بدم الشهادة، وعليها تلك الكلمة التي لا تمحى: "هيهات منا الذلة".
ان كل مسلم حسيني اليوم مدعو وبكل صراحة ليعلن نصرته لنهـج السبط الشهيد، أو ليصبح تابعاً ذليلاً لركب يزيد.
والبصائر التالية هي بعض ما يمكن أن ننتصر بها جميعاً لمسيرة عاشوراء.
أولاً: إنَّ القيادات الشرعية في الامة والتي تجسد نهج الإمام الحسين عليه السلام -حسب رؤيتك أيها السائر في درب الحسين عليه السلام-. انما هي الامتداد الحقيقي لخط أبي عبد الله، وخط الشهادة والفداء. فاذا عرفتها فتمسك بها، ولا يزلزلك عنها الوسواس الخناس، ولا تنتكص عنها خشية الظالمين أو رغبة في دنيا المترفين .
وإذا لم تعرفها فابحث عنها حتى تجدها، وإيـاك أن تبرر التقاعـس بأنك لا تعرف من يجسد خط أبي عبد الله الحسين عليه السلام. فانك سوف تتخلف - لا سمح الله - عن تلك السفينة التي جعلها الله نجاة للأمـة ..
ان الانتصار للقيادة الشرعية والولاية الإلهية لهو الخطوة الاولى في مسيرة النهضة . وإن كل من يضم صوته الى صوت الحق يضيف قوة الى بنيان الحق ، كما انه يزداد قوة وصلابة .
وإن الخطباء الكرام هم أولى الناس بالدعوة الى القيادات الشرعية والدفاع عن نهجهم الحسيني، وبذلك سوف يؤدون ديْنَهم الى السبط الشهيد، كما يقومون بواجبهم الشرعي المتمثل في تولي اولياء الله.
ثانياً: إن التيار الفاعل في الأمة والذي يتمثل في التجمعات الربانية، والجمعيات الخيرية، والهيئات الدينية، وما اليها.. إنما هو نواة المجتمع الاسلامي، وعلينا دعم مسيرة هذا التيار بكل قوة. والدعوة الى دعمهم تتم من خلال المنابر الحسينية، كي يلتف الناس حولهم ويبذلون الأموال لدعمهم.
وإذا خرجنا من محرم وقد ازداد هذا التيار قوة وصلابة، وازدادت المشاريع الخيرية الناهضة عددا وعدة، فان ذلك لدليل على نجاحنا في هذا الموسم المبارك .
ثالثاً: تعيش الأمة مشاكل بالغة التعقيد، وأبرزها التفتت والاتكالية والابتعاد عن ثقافة الوحي ، والتشبه بالكفار وضياع القيم الحضارية التي بشر بها الدين .
وعلينا ان نستفيد من موسم محرم الميمون وما فيه من روح الايمان وهدى الرسالة لتوعية الأمة بسبل حل المشاكل والتصدي الشجاع لها .
إن الخطباء الكرام ، سوف يجدون في هذه المناسبة فرصة مناسبة لتوعية الناس بضرورة التعارف والتعاون، وان يتحمل كل فرد مسؤوليته الشرعية تجاه دينه وأمته ، واصلاح واقع الأمة .
رابعاً: لقد تعرضت امتنا ومنذ قرن لأمواج متلاحقة من الثقافات الجاهلية التي تسخر بعقائد الناس وتثير الشبهات حول اصول دينهم، ومراسي حضارتهم. واليوم وبعد تنامي المد الاسلامي وعودة الناس الى قواعد دينهم بفضل الله تعالى نجد موجة جديدة تغزو بلادنا عبر المحطات العالمية المصوّرة .. التي تبث الأفلام الخليعة لعلها تجتذب الشبيبة وتدس عبر تلك الأفلام الافكار الغربية . كما وأنها تُحكم سيادتها على الاعلام لتصوغ عقولنا حسب مصالحها وأهواءها .
لذا علينا ان نسارع الى حصن ثقافتنا الإلهية الصافية، ونتصدى بواسطتها لهذه الموجة الجديدة من الغزو الثقافي ..
إن القرآن الكريم هو حبل الله المتين والمتصل بين الأرض والسماء،
واننا لو عدنا اليه بحق لكفانا مؤنة هذا الغزو الجديد.
إن على الخطباء الكرام ان يستوحوا من آيات القرآن بصائر لرد شبهات الخناسين، وان ينتهزوا فرصة اجتماع الناس لتذكرتهم بالله وباليوم الآخر وبالرسالات، وبالتالي بتلك الأصول الفكرية التي نجدها في كتاب ربنا .
وإن عليهم - في ذات الوقت - ان يدعو الناس الى قراءة كتاب الله والتدبر في آياته والاتعاظ بها وصياغة أنفسهم وفقها.
والسنة الشريفة قبس من نور الله، فعلينا الاهتداء بها والتأمل فيها، فان سيرة النبي وأهل بيته عليه وعليهم السلام هي تجسيد للوحي ومثالاً واقعياً للسنة.
وبالدعوة المستمرة الى العودة الى مائدة القرآن والسنة نستطيع ان نواجه الغزو الغشوم الذي نتعرض له اليوم .
خامساً: إن الشعائر الحسينية مائدة إلهية مباركة، وإن العلماء والخطباء والمثقفين الرساليين مدعوون الى ان يستفيدوا منها بأقصى درجة ممكنة، وذلك باعطائها بعدها الإلهي ومحتواها الرسالي، وجعلها أقرب ما يكون إلى الأهداف السامية التي ابتغاها السبط الشهيد عليه السلام من نهضته الربانية.
سادساً: من أجل تحقيق أهداف النهضة الحسينية علينا أن نتشاور ونتعاون ، وبالذات فيما يتصل بحل مشاكل الأمة التي علينا أن نتعرف عليها وعلى حلولها من خلال تواصل وتشاور الخطباء مع العلماء المتصدين لمختلف المناطق ومع المثقفين والمتصدين لشؤون المجتمع، وكذلك مع سائر الناس. فكلما كان الخطيب أقرب الى ضمير أمته كلما كانت نصائحه أبلغ أثرا فيهم.
الإمام الحسين عليه السلام وسيلة النهوض الحضاري
مع اطلالة هلال محرم تهب نسائم الهدى من ضمير قبر بكربلاء ضم الايمان والطهر والحرية. وكلّما كبر الهلال واقتربنا من يوم الامام الحسين عليه السلام، كلّما ازدادت نسائم الهدى عصفاً وريحاناً.
أجل فهناك في أرض البطولات التي لا تنتهي وفي يوم الذكريات التي لا تَخْلَق، ألف ألف عبرة، وألف ألف حكمة.
بلى؛ هناك روضة تمتد مع امتداد الأفق، ثمراتها؛ العقل الطاهر من دنس الشك والشرك، والعاطفة الطاهرة من رين الذاتية والحمية.
وأبى الله سبحانه إلاّ أن يُربي الصدقات، وأية صدقةٍ أزكى من السخاء بالنفس والأهل كما هو عطاء السبط الشهيد عليه السلام. وكذلك يمحق الله الربا، وأي رباً أنكد من بناء السلطة على جماجم الشرفاء والاحرار، كما هو بناء الدولة الاموية المنقرضة.
وهكذا أجرى ربنا بحكمته وقدرته ومجده العظيم من قطرات دم الامام الحسين عليه السلام التي تناثرت فوق بقعة محدودة من أرض العراق في لحظة من تاريخ الصراع بين الحق والباطل؛ أجرى ربنا منها نهراً عظيماً من العاطفة الطاهرة ومن الحكمة النافذة، حتى جعل الحسين عليه السلام كما كتب على ساق عرشه العظيم، جعله: مصباح هدى وسفينة نجاة..
وكلما جرى هذا النهر الميمون على بقعة من الأرض أخرج الله فيها ما يناسبها من الثمرات والرياحين.
وهكذا كانت مسيرة عاشوراء في جنوب لبنان وأرض فلسطين، مقاومةً استمرت حتى النصر، وانتفاضةً لن تنتهي -بإذن الله – حتى تثمر الفتح المبين بنصر الله سبحانه.
وهكذا كانت هذه المسيرة في العراق، وقود استقامة عظيمة ضد أعتى طغاة العصر، وعطاءً سخياً وتضحيةً بكل غال من أجل الدين.
وهي ذاتها تصبح في بلد آخر كالجمهورية الاسلامية نهضةً حضاريةً في البناء والتطوير.
وهى ذاتها تعطي شعباً آخر كما شعبنا في الخليج حيويةً بالغةً لمقاومة الغزو الثقافي، والاستقامة على القيم الرسالية.
انها نهر متدفق معطاء تأخذ كل أمةٍ منه حاجتها في لحظة الزمان والمكان..
ولا تزال أمتنا عطشى والنهر يتدفق، وما ارتوينا به لا يشفي كل غليلنا، فاننا بحاجة الى المزيد. فلماذا الكسل؟
انَّ العولمة التي هي ذروة التحول التقني في العالم، تفتح لنا آفاقاً الى المستقبل، كما تفتح علينا أبواباً من الغزو الجامح يتمثل فيما يلي:
أ- غزواً اقتصادياً في اطار (الكات) يمكن ان يحطم ما بنيناه طيلة نصف قرن من الصناعة الوطنية الهشة، حتى نعود مرة اخرى سوقاً للبضاعات الاجنبية الأقل كلفة والأفضل جودة.
ب- غزواً اعلاماتياً يربط بلادنا بشبكة الاتصالات الدولية التي تضعها تحت سلطة الاقوياء علمياً واعلامياً.
ج- غزواً ثقافياً يهدف هدم صرحنا الثقافي والاجتماعي، وتحويل امتنا المجيدة الى هباء منثور، يتشكل حسب اهواءهم وضلالاتهم.
وإنما بنهضة قعساء نستطيع ان نصد هذه الغزوات المدمرة. ووقود هذه النهضة متوفر في عاشوراء الحسين. فهلاّ تزودنا به وبكل وجودنا دون ترددٍ وتقاعس.
ان الغرب ومن يتبعه من الشعوب المستضعفة امتلكوا ناحية التقنية، وتسنموا بها ذروة السلطة العالمية. ولكنهم فقراء جداً في القيم، وقد محقوا بأيديهم ما ورثوه من آبائهم من القيم المثلى. وهم أحوج ما يكون اليها، لأن القدرة التقنية الهائلة لا تضبطها شبكة القيم المهزوزة.
ونحن بحمد الله وبما اكرمنا ربنا سبحانه من هدى الرسالات، وتراث الجهاد، ومجد التضحية؛ اننا بحمد الله سبحانه قادرون على امتطاء حصان العولمة واقتحام كل الابواب المفتوحة. فاذا بشبكة الاتصالات والفضائيات والانفتاح الاقتصادي وغيرها تصبح باذن الله سبحانه سُبُلاً للاصلاح، ووسائلاً للهداية.
ولكن كيف نقوم بذلك؟
أولاً: لابد ان نرتفع من ارض الحساسيات والحميات والذاتيات التي هي منبت الصراعات، ونرتفع الى سماء الوحدة بعلمية العقل، وبقيمية التقوى، وبأريحية الاحسان.
اننا نخسر الكثير الكثير إذا تقوقعنا داخل أطرنا الخاصة، والشيطان هو
الذي يخوفنا من الخروج منها الى رحاب الاعتصام بحبل الله المجيد.
إنَّ الانانية وميراثها النكد المتمثل في الحساسية، هي مطية الشيطان التي تثير فينا دفائن الحقد والحمية والحسد والطمع وسائر الفواحش الباطنة، حتى تشل حركتنا الحضارية. ألا فلننبذها الى غير رجعة، ولنتعلم من يوم عاشوراء الحسين عليه السلام كيف نتغلب على وساوس الشيطان.
ثانياً: لكي ننتفع اكثر فأكثر بذكرى عاشوراء، ولكي نجعلها وسيلة النهوض الحضاري وسبباً الى التحدي ضد التخلف، لابد أن يقوم علماؤنا والخطباء حفظهم الله سبحانه وتعالى بدورهم في تحويل نهضة الطف من التراث الى العصر، ومن فوران العاطفة الى حكمة العقل المشبوبة بثورة العاطفة، وعليهم التركيز على مشاكل العصر وعلى استخلاص الرؤى منها. وهكذا يمكنهم الاعتبار اكثر فأكثر بتراثنا الحافل بالمكرمات.
ثالثاً: وفي أيام محرم وحيث يهرع أبناؤنا ومن مختلف الأعمار الى محافـل الذكر ومجالس العزاء، تثار عندهم أسئلة شتى حول الامام الحسين عليه السلام واصحابه، وتلتهب نفوسهم بالعواطف النقية، فتكون مناسبة ممتازة لتنمية القيم فيهم، وتكريس روح الايمان والتقوى في انفسهم. وهكذا يكون كل واحد منّا مسؤولاً عن زرع شتائل المعرفة في الشبيبة.
إن الامهات اليوم مسؤولات أكثر من أي يوم مضى عن أولادهنَّ وبالذات صغار السن. فلابد ان يفصّلن لهم الحديث عن كربلاء الحسين ودروسها الايمانية. وكذلك الآباء مسؤولون أيضاً وخصوصاً عن أولادهم الأكبر سناً. وهكذا الناس جميعاً عليهم ان يتواصوا بينهم ويستخلصوا دروس النهضة الحسينية الشامخة لبعضهم البعض.
إن الامام الحسين عليه السلام امامنا جميعاً فلنجعله معلماً كبيرا، وهادياً عظيماً، وأباً رحيماً، لعلنا ننجو بسفينته ونهتدي بمصباحه انشاء الله تعالى.
الفصل الثاني: على نهج الإمام الحسين عليه السلام
الامام الحسين عليه السلام آية العقل والعاطفة
الأحاديث النبوية الشريفة كلها هي غاية في الأدب الإلهي، وتجسد العظمة في الفكر والبصائر والأخلاق والايمان. وبين هذا وذاك ثمة أحاديث قدسية صدرت عن رسول الاسلام محمد صلى الله عليه وآله، تدفع المهتم بها الى التمعن والتعمق أكثر فأكثر، ليصل بمستواه وبصيرته الى العمق الإيماني المطلوب ، الذي كان ينشده هذا النبي القدوة صلى الله عليه وآله للمؤمنين .
ومن جملة تلكم الأحاديث قول الرسول المصطفى صلى الله عليه وآله بأن الحسين: "مصباح هدى وسفينة نجاة" (27)، وقد وصف هذا الحديث بأنه مكتوب على يمين العرش، في اشارة الى عظمة وقدسية هذا الحديث المبارك. ولكي نكون بمستوى المسؤولية الدينية والحضارية، لابد لنا من التدبر والإحاطة بأبعاد هذا الحديث. فهو وغيره مما فاض على لسان سيد المرسلين وأهل بيته الطيبين الطاهرين عليهم السلام، ليس من نوع الكلام أو القصص الصادرة عن غيرهم من البشر، حتى يكون بوسعنا ان نمر عليها مرور الكرام، أو أنها من نوع الكلام الذي ما أن يسمع حتى ينسى..
فتدبّرنا وتعمّقنا وإحاطتنا -بما في وسعنا- بكلامهم الشريف، يعكس مدى اهتمامنـا وتعظيمنا لمكانتهم السامية؛ الاهتمام والتعظيم المفروضان علينا -نحن المسلمين- من قبل الله سبحانه وتعالى أولاً وآخراً.
مع أن اهتمامنا بهذه الأحاديث الفذة، إنما هي بمثابة المؤشر العملي على اهتمامنا بأنفسنا. فالروايات صدرت عن أهل البيت عليهم السلام لإنقاذنا من براثن الدنيا وغرورها، ولكي تكون منهجاً ودرساً أساسياً مقارناً للقرآن الكريم في حياتنا وكدحنا الى الله عز وجل .
ماذا يعني قول الرسول صلى الله عليه وآله بأن الحسين مصباح الهدى؟ وماذا تعني الهداية؟ وماذا يعني أن يكون أبو عبد الله عليه السلام مصباحاً؟ وما هو المصباح؟ وما هو دور المصباح في حياة الإنسان؟ وماهي مسؤولية الانسان تجاه هذا المصباح؟
ثم ماهي سفينة النجاة؟ وكيف يكون الحسين سفينة النجاة؟ وماذا يتوجّب علينا ان نعمل تجاه هذه السفينة ؟
إنني في هذا المقام ؛ لم اطرح الأسئلة أعلاه كبذخ فكري أو أدبي، ولا أدّعي أبداً بأن بوسع أحد من الناس الإجابة الوافية على هذه الأسئلة باستثناء من أنعم الله عليهم. إنما الغرض من كل ذلك إلفات نظر المؤمنين الى ضرورة التعمق في حقيقة الإمام الحسين عليه السلام ودوره الرباني العظيم، إضافة الى ضرورة وعي مسؤولياتنا تجاه سيد الشهداء وأبي الأحرار عليه السلام وقضيته السرمدية. فالإجابة ليست معقدة بقدر ماهي عميقة، ونحن في هذا الاطار يهمنا النهوض بمستوياتنا حتى نتوصل الى الحقائق النورانية لهذا الحديث النبوي الشريف الذي بين أيدينا .
ومن هنا ؛ تنبغي الاشارة الى حقيقة أن الانسان يتركب من بعدين أساسيين، ولا غنى لاحدهما عن الآخر مطلقاً؛ البعد الأول هو البعد العاطفي، والثاني هو بعد الفكر والعقل والبصيرة. والبعد الأول يحتل موقعاً من الانسان أشبه ما يكون بموقع الوقود من السيارة، حيث لايعقل مطلقاً أية حركة لهذا المصنوع البشري دون امتلاكه للطاقة. وبمعنى آخر؛ تكون السيارة غير ذات قيمة فيما لو افتقرت الى الوقود ، بغض النظر عن كون هذه السيارة ذات تكنولوجيا عالية أو هابطة .
ولكن السؤال الراهن هو: هل إنَّ الوقود بمفرده كافياً لحركة السيارة؟ وبطبيعة الحال فإن الجواب سيأتي منفياً تجاهه ، على اعتبار أن ثمة أبعاد أخرى لها الدور الكبير في حركة هذه السيارة، وهذه الأبعاد تتمثل تارة في المحرك وأخرى في العجلات، واخرى في الاجهزة الاساسية المتعددة.
وهذه الحقيقة تنطبق تمام الانطباق على حقيقة الوجود وشخصية الانسان ، ولاسيما الأفراد الاحياء قوةً وفعلاً. فمن الصعب جداً تصور الحركة والحيوية في الانسان الذي تنعدم فيه العواطف، نظراً الى إنَّ العاطفة في الانسان تمثل الدافع للحركة والنشاط والفعل وردّ الفعل .
فمن تنعدم فيه الشهوة والإحساس بالجوع والألم وتلمس الراحة، فهو لايعدو عن كونه موجوداً جامداً، إذ أن مجمل هذه الأحاسيس وغيرها تعني وجود الانسان. فالأب يكون أباً حقيقياً حينما يرى الجوع يعضّ أولاده فيسارع الى تأمين ما يشتهون، لأنه يقدّر مسؤوليته تجاه عائلته من جهة، ويعرف معنى الجوع وتأثيره من جهة ثانية. فهو يعمل المستحيل لكي يوفر الأمن المعيشي لهم. وكذلك الأم التي تترك نومتها الهنيئة لتقوم بإرضاع طفلها الذي قرصه الجوع، والداعي في ذلك بالطبع العاطفة والحنان اللذان تحملهما له، لأنّ هذه الأم تعرف أسباب ودوافع البكاء لدى رضيعها ، وتعرف في الوقت ذاته الألم الذي يعتصر قلب هذا الطفل جرّاء إحساسه بالجوع .
إذن فالعاطفة في المثالين المذكورين هي المحرك، وهي الدافع الذي على أساسه يقوم أهم ركن في بناء العائلة المتفاعلة. ثم هناك الجانب العقلي في حركة الناس، ومن دون العقل ستفقد العاطفة مصداقيتها .
وما يهمنا في هذا الجانب هو التأكيد على أن الامام الحسين عليه السلام هو الذي يوفر للأمة الاسلامية حاجتها العقلية كما وفّر لها حاجتها العاطفية. فالحسين عليه السلام كما اصبح للمسلمين بمثابة نقطة الرجاء والعاطفة بنصّ الرسول المصطفى صلى الله عليه وآله حيث وصفه بـ (سفينة النجاة) التي تؤدي دور المنقذ أثناء وبعد الأمواج والعواصف والدوّامات، فهو -أيضاً- بشعاراته ومنجزاته الدينية أصبح (مصباح الهدى) بالنسبة للمؤمنين الذين تعترض طريقهم الانحرافات الفكرية والسياسية.
إن الأمة الاسلامية ومنذ استشهاد أبي عبد الله الحسين عليه السلام لاتزال تتدفأ بحرارة الثورة الحسينية. فالحسين عليه السلام قتيل العبرات؛ بمعنى أنه قد قتل لكي يوفر في الأمة المسلمة الدموع، لإن الانسان المسلم حينما تدمع عينه ويخشع قلبه سيكون قابلاً لاستلهام المعاني الحية لتعاليم الدين الحضارية، وسيكون مثله مثل الأرض القابلة لامتصاص غيث السماء حيث تهتز وتربو، دون الأرض الصلدة التي لا تستجيب لنداء المطر ورسالته الداعية الى الانبات .
فعندما يبكي المرء ويخشع قلبه تأخذ الآيات القرآنية الكريمة موقعها منه، وتجد استجابة طيبة لديه من أجل الاعتقاد والتمسك بها وتطبيقها. ولكن الانسان الأبله أو المستهزئ الذي لاتربطه أية عاطفة بالآيات السماوية، لن ينتفع بها مهما كان تالياً لها. وقد سئل رسول الله صلى الله عليه وآله: "أين الله؟ فقال: عند المنكسرة قلوبهم"(28).
لذلك فاننا نرى ونشهد على أنّ المقيم للشعائر الحسينية يتحول الى انسان نزيه وطاهر ونظيف، نظراً الى أنّ دموعه التي ذرفها، وقلبه الذي خشع، قد غسلاه وطهراه من ذنوبه؛ فهو مغسول بالعاطفة والحماس.
والمسلك في ذلك يبدو واضحاً، حيث يعود المقيم للشعائر الحسينية الى قاعدة محاسبـة الذات بصورة إرادية أو لا إرادية. فهو على يقيـن من العظمـة اللامتناهية التي يتمتع بها سيده ومولاه الحسين بن علي عليهما السلام، وهو يعرف من خلال التأريخ ماقام به هذا السيد العظيم من تضحية وشجاعة لا نظير لهما على مرّ الزمان. فتراه يعود الى ذاته ويؤنبها إزاء التقصير في ارتكاب الذنوب، والانهزام تجاه المصاعب والعقبات. ولاشك أن التوبة العملية هذه مع ما يزامنها من اعتقاد راسخ بولاية الحسين وأهل البيت عليهم السلام، توبة حقيقية مقبولة لدى الله سبحانه وتعالى .
إذن؛ فالعاطفـة الصادقة على جانب كبير جداً من الأهمية في حيـاة المرء، حيث تحركه وتدفعه وتخلق أمامه أهدافـاً وغايات سامية، علـى اعتبار أنّ حياة الانسان لاتسمى حياةً مالم يسعى الانسان الى تحقيق شيء فيها.
وأصحاب الحسين عليه السلام وصلوا الى هذه الحقيقة، حيث لم يغادروا الحياة مالم يطمئنوا الى أن التاريخ سيكتب منجزاتهم بحـروف مـن نور في قلوب المؤمنين المصرّين على الثـأر لدين الله من الظالميـن والجبابـرة.
وهنا يجب أن نلتفت الى أن المصباح هو الذي يشع بالنور، والهدى هو الذي يهدي الانسان الى الطريق المستقيم. وإننا كأمة مسلمة بعيدون عن الإمام الحسين عليه السلام من هذه الناحية، فنحن نعيش مع سيد الشهداء في عواطفه ومأساته فقط مع بالغ الأسف.
وللتوضيح أقول: إن تاريخ كربلاء ينقل لنا بأن الإمام الحسين عليه السلام وأصحابه استمهلوا الأعداء سواد ليلة عاشوراء، ولم يكن طلب الفرصة هذا ناتجاً عن خوف من الموت أو الاستشهاد، حيث أن هذا الركب الشجاع لم يقدم الى ارض كربلاء إلاّ وكان عارفاً بما سيؤول اليه مصيره مسبقاً. والدليل على ذلك أن الإمام عليه السلام نفسه كان قد قال قبيل مغادرته المدينة المنورة في معرض رده على تحذير من حذره القتل وتعرض نسائه ونساء أصحابه للتنكيل والتشريد من قبل الجيش الأموي، قال عليه السلام: "قد شاء الله أن يراهن سبايا". (29)
لقد كان سبب الطلب المشار اليه الرغبة في تجديد العهد بكتاب الله تبارك وتعالى، فالحسين عليه السلام كان القرآن الناطق. لذا نحن نرى في حركته ومنهجه قرآناً ينطق بصدق الحديث وصدق الأمانة والتضحية والتفاني في ذات الله. فواقعة كربلاء كانت تجسيداً واقعياً لتعاليم القرآن والوحي المنزل .
ومن جانبنا نحن المسلمين، كلما كان التصاقنا بالقرآن الكريم وتعاليمه شديداً، كلما كان اقترابنا للحسين عليه السلام شديداً أيضاً، والعكس هو الصحيح. فالطرفان يعبران عن إرادة إلهية تتجلى في ضرورة إنقاذ الانسان نفسه من الوساوس والانحرافات .
يقول ربنا سبحانه وتعالى: (قُلْ إِن كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّه( (آل عمران/31)، أي إن كنتم تدّعون محبّة الله ومحبة رسوله ومحبة أولياء الله (فَاتَّبِعُونِي( على اعتبار أن هذا الحب لابد له من طاعة لتتقرّب به، كي لايكون حبّاً فارغاً. فالاتباع بمختلف معانيه ومصاديقه، وبمختلف ما يستدعي من تضحية وشجاعة وفداء هو الحب المنشود، وإذا ما اقترن الحب بالطاعة لله تكون النتيجة العملية لـه: (يُحْبِبْكُمُ اللّهُ).
فالعاطفة والعقل إذا ما امتزجا يولّدان الفلاح، حيث يقول تعالـى: (يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ * قُلْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ فإِن تَوَلَّواْ فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِينَ( (آل عمران/31-32)، وهذه الحقيقة تمثل إحدى مصاديق الكفر التي قد يصاب بها الانسان من حيث لايشعر، إذ يحصل التفاوت بين قوله وفعله؛ بين اعتقاده وسلوكه.
وقد جاء عن الامام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام حديث يحتل أعظم درجات الأهمية، حيث يتضمـن بيان موقع أئمة أهـل البيت عليهـم السلام، كما يتضمن ضرورة ما ينبغي أن يكون عليه شيعتهم ومواليهم؛ بل وجميع المسلمين، حيث يقول عليه السلام: "إن الله تبارك وتعالى أوجب عليكم حبّنا وموالاتنا، وفرض عليكم طاعتنا، ألا فمن كان منّا فليقتدِ بنا فإن من شأننا الورع والاجتهاد، وأداء الأمانـة الى البرِّ والفاجر، وصلة الرحم، وإقراء الضيف والعفو عن المسيء ، ومن لم يقتدِ بنا فليس منّا، وقال عليه السلام: لا تسفّهوا فإنَّ أئمتكم ليسوا بسفهاء". (30)
فالانسان - لكي يصل الجنة - عليه أن يعفّ نفسه عن ارتكاب المعاصي ، وأن يبذل كل وسعه ويجدّ ويجتهد في طريق أداء الواجبات الشرعية الذي هو - في واقع الأمر - المسؤول أولاً وآخراً عنها. فأئمة أهل البيت عليهم السلام لايحبون الشخص الكسول الجامد، وانما يحبون المؤمن الذي يبذل جهده تماماً أويستنفذ طاقته في اطار الطاعة .
أما أداء الامانة، فهو أمر ذو وجوه؛ منها وجه تحمل المسؤوليات السماوية انطلاقاً من مفهوم الآية القرآنية القائلة : (اِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الاِنسَانُ( (الاحزاب/72)، ومنها نبذ الخيانة الذي يعكس الصورة الصحيحة للأئمة ولشيعتهم ، رغم ما يبذله حـزب الشيطان من مساع حثيثة لتشويه صورتهم بين الناس. وكان الامام السجاد عليه السلام يقول بهذا الصدد: "عليكم بأداء الأمانة فوالّذي بعث محمداً بالحق نبياً لو أنَّ قاتل أبي الحسين بن علي عليه السلام ائتمنني على السيف الذي قتله به لأدّيته اليه". (31)
وكان رسول الله صلى الله عليه وآله قد قال من قبل: "لا تنظروا إلى كثرة صلاتهم وصومهم، وكثرة الحج والمعروف، وطنطنتهم بالليل، ولكن انظروا الى صدق الحديث وأداء الأمانة". (32)
فالمطلوب والأهم من الوجهة الشرعية تطبيق المعتقدات دون الاكتفاء بالناحية النظرية لها، وهذا لعمري خلاصة وجذوة الرسالات السماوية.
ثم إن الله سبحانه وتعالى وبعد أن وضّح الخارطة الايمانية التي ينبغي للانسان المسلم السير وفقها، قال : (إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى ءَادَمَ وَنُوحاً وءَالَ إِبْرَاهِيمَ وءَالَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ((آل عمران/33)، وهو بذلك يدفع المؤمنين الى التطلع عبر ايمانهم العملي نحو أن يكونوا من المصطفين الأخيار . فالاصطفاء أمر يعمّ جميع المؤمنين؛ ممن يدفعهم الايمان الجاد الى التطور والوعي الأكثر والأوسع لحقيقة الوجود ومصيره.
والسؤال الأكثر جدية الذي أودّ طرحه في هذا المقام هو: انه على الرغم من عمق العلاقة العاطفية التي تربط الموالين للامام الحسين عليه السلام، فاننا نرى تفاوتاً واضحاً بين مستوى العلاقة العاطفية وبين مقدار الاندماج الفكري والعقلي بقضية كربلاء ورؤى الإمام الحسين عليه السلام وأخلاقه. فما السبب في ذلك يا ترى، علماً بأننا قدّمنا فيما مضى من القول بأن العلاقة العاطفية بالحسين عليه السلام وقضيته العادلة لا تأخذ مصداقيتها مالم ينضم اليها وعي والتزام فكريان ؟
لقد تركنا الاطار الفكري للقضية، وكأن السبط الشهيد عليه السلام قد ولد في يوم عاشوراء وقتل فيه. وها نحن لانعرف -أو لا نتطلع لأن نعرف- من الإمام الحسين سوى أحداث كربلاء، رغم عظمتها. في حين أن حياة الإمام الحسين عليه السلام تحمل في طياتها العظمة برمتها، بدءاً بمولده الشريف في الصدر الأول للاسلام، ثم امتداداً لمعطيات هذا المولد المبارك. إننا لا نكلف انفسنا البحث في رسائل وخطب سيد الشهداء اللاهبة الى معاوية، فضلاً عن عدم تدبّرنا فيها .. وإننا نتغافل عن مطالعة رسائله عليه السلام المفصّلة فيما يخص حياة العلماء وصفاتهم، بل ولا نسعى الى التدبر في الزيارات التي نقرؤها تعظيماً وعرفاناً بجميل الحسين عليه السلام لنا .. فهل فكّر الواحد منا فيما تعنيه هذه الزيارات؟ ولماذا هذا التعدد فيها ؟ ولماذا هذا التوقيت الخاص لأنواعها وأقسامها ؟
وإننا في الوقت الذي نكون بأمس الحاجة الى أجهزة تبليغية متطورة وفاعلة بهذا الشأن، نرى الكثير من الخطباء عديمي الاهتمام بما تعنيه هذه الزيارات مع العلم أنها قد صدرت عمن هم معصومون عن الخطأ، الأمر الذي يحول دون الانتفاع بهذه الزيارات أدنى نفع.
وإنني إذ أقرأ الزيارة المعروفة بزيارة عاشوراء كثيراً ما تستوقفني عباراتها النورانية، والتي منها هذه العبارة: "السلام عليك يا أبا عبد الله وعلى الأرواح التي حلّت بفنائك وأناخت برحلك". فالأرواح التي حلت بفناء الحسين عليه السلام هي أرواح الأنبياء والشهداء والعلماء والصديقين؛ أرواح المخلصين الذين يهمهم خدمة الدين وإعلاء كلمته .
فأنعِم وأكرِم بلحظة أو ساعة او حياة يخصص الإنسان فيها جهوده وطاقاته لكي يكون مع هذا الامام العظيم؛ الامام الذي على أساس جهاده قامت قائمة الدين بعد عواصف وسيول التحريف والكبت والطغيان؛ بل وأكثر من ذلك كله، هو استمرار معطيات الثورة الحسينية بالنسبة للمصممين على إنقاذ شعوبهم من عبودية الطاغوت .
ونحن بدورنا نسلم على تلك الأرواح ونقول: السلام عليك يا أبا عبد الله وعلى الأرواح التي حلت بفنائك وأناخت برحلك، ولا جعله الله آخر العهد منّا لزيارتكم، السلام على الحسين وعلى علي بن الحسين وعلى أولاد الحسين وعلى أصحاب الحسين جميعاً ورحمة الله وبركاته.
الامام الحسين عليه السلام ضمانة الهدى والفلاح
عن الحسين بن علي عليهما السلام قال: "دخلت على رسول الله صلى الله عليه وآله وعنده اُبيُّ بن كعب فقال لي رسول الله صلى الله عليه وآله: مرحبا بك يا أبا عبد الله يازين السماوات والأرض، قال له اُبيّ: وكيف يكون يا رسول الله زين السموات والأرض أحدٌ غيرك؟ فقال: يا اُبيّ: والذي بعثني بالحق نبياً إنّ الحسين بن علي في السماء أكبر منه في الأرض، وانه لمكتوب عن يمين عرش الله "مصباح هدى، وسفينة نجاة". (33)
الإمام الحسين عليه السلام ضمانة الهدى والفلاح
ان ابا عبد الله عليه السلام كما انبأنا بذلك الصادق الامين هو مصباح للهدى، وسفينة للنجاة. والانسان بحاجة في حياته الى امرين؛ الهدى والفلاح، الهدى لكي يعرف الطريق، والفلاح لكي يصل الى اهدافه. ويحقق اهدافه وطموحاته، والامام الحسين عليه السلام يضمن لنا تحقيق هذين الامرين. وهذا يعني انه عليه السلام يمثل تلك القيم والمبادئ التي نزل بها الوحي، والتي تبصر الانسان بطريقه في الحياة. والحسين عليه السلام بنهجه وكلماته المضيئة، والحب الذي له في قلوب المؤمنين يمثل النجاة في الدنيا والآخرة .
واذا تدبرنا في آيات الذكر الحكيم نرى ان الهدى والفلاح هما نهاية وعاقبة المتقين، ففي بداية سورة البقرة نقرأ قوله تعالى: (الم * ذَلِكَ الكِتَابُ لاَرَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلمُتَّقِينَ( (البقرة/ 1-2)، حتى تصل إلى قوله: (أُوْلئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُوْلئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ( (البقرة/5). فالهدى هو القرآن ، والذي يدلنا على هذا الهدى هو الامام الحسين عليه السلام من خلال كلماته وافكاره، ومن خلال تجسيده للقرآن. فقد كان عليه السلام القرآن الناطق بما قام به من حركة ونهضة، ولذلك كان مصباحا للهدى ؛ اي تفسيراً وتأويلاً صحيحاً للقرآن الذي امرنا بمقارعة الطغاة والظالمين، وان لانشرك بالله احداً.
ثم ان الحسين عليه السلام هو في نفس الوقت سفينة نجاة، فالبشرية معرضة لان تبتلعها امواج الفتن، وتهددها الاخطار، وعليها اذا ما أرادت التخلص من هذه الفتن والاخطار أن تتمسك بنهج ابي عبد الله الحسين عليه السلام .
العودة الى حقيقة الدين؛ رسالة الانبياء
ولقد كان من اهم مهام الانبياء عليهم السلام وأعظم مسؤولياتهم انهم كانوا يحاولون اعادة الناس الى حقيقة الدين، ولقد بعث الله سبحانه وتعالى الانبياء والرسل والاوصياء الواحد بعد الآخر، لان الناس كانوا يحاولون افراغ الدين من محتواه، والاخذ بقشوره. فهم يصلّون ولكن صلاتهم لاتنهاهم عن الفحشاء والمنكر، ولاتدعوهم الى الله وذكره، ولاتدفعهم الى اطعام المسكين، واداء الواجبات وترك المحرمات، ومثل هذه الصلاة هي صلاة عمر بن سعد التي أداها في يوم عاشوراء، في حين انه قد قتل الصلاة لانه قتل ابا عبد الله الذي كان يمثل الصلاة وكل الواجبات الشرعية !
وعلى سبيل المثال فان الحج كان من ضمن الفرائض التي كانت موجودة قبل الاسلام ، ولكن المشركين كانوا قد افرغوا هذه الفريضة من محتواها ، فمشركو قريش الذين كانوا سدنة البيت كانوا يوجبون على الحجاج ان لايطوفوا بثيابهم وانما عليهم ان يبدلوها ويرتدوا ثياباً جديدة يأخذونها من سدنة البيت ليحجوا بها، وهذه هي احدى البدع. فالعرب كانوا يأتون للحج ولكن المشركين كانوا يفرضون عليهم غرامة، قد كان البعض فقراء لايستطيعون شراء تلك الثياب فكانوا يضطرون الى أن يطوفوا حول الكعبة عراة .
وقد أقام المشركون في بيت الله الحرام ما يقرب من ثلاثمائة صنم، وكانوا يطوفون حول البيت ثم يلبّون فيقولون: "لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك، إلاّ شريك هو لك …"! (34)
وبذلك كانوا يحرفون الكلم عن مواضعه، ويدّعون التوحيد وهم غارقون في الشرك!
هكذا كان دين المشركين، لقد افرغوه من محتواه، فكان حجهم وصلاتهم مكاء وتصدية، كما يقول عز وجل: (وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِندَ الْبَيْتِ إِلاَّ مُكَآءً وَتَصْدِيَةً( (الانفال/30). فالذي كان يصلي لم يكـن
يصلي لله، وانما ليصد الناس عن سبيله .
ولقد جاء نبينا الاعظم صلى الله عليه وآله ليعيد الى الدين حقيقته وجوهره، وهكذا كانت وظيفة الائمة عليهم السلام، فقد قاموا بهذا الدور أيضاً، فقد جاء الامام الحسين عليه السلام ليرى فوق منبر رسول الله صلى الله عليه وآله رجلا يفتخر بانه يشرب الخمر، ويزني بعمته، ويلاعب القرود بالاضافة الى انه كان احد الشعراء المعروفين بالغناء والطرب ووصف الخمرة ... !
وهكذا؛ فقد كانت الخلافة موجودة، ومنبر رسول الله صلى الله عليه وآله موجوداً، وهكذا الحال بالنسبة الى المسجد. ولكننا عندما ننظر الى المحتوى نراه فسادا في فساد، وحميات وعصبيات، واختلافاً بين القبائل العربية، وبين العرب والموالي، وبالتالي عودة الجاهلية بكل قيمها الفاسدة.
وقد روي في هذا المجال ان عبد الله بن عمر قد دعي الى نصرة الحسين عليه السلام ولكنه امتنع عن ذلك طالباً من الداعين له ان يتركوه منشغلاً بالصلاة في مسجد النبي صلى الله عليه وآله بحجة ان هذا العمل أكثر ثواباً عند الله، هذا في حين ان الامة كانت تنحرف، والفساد يعم، والاسلام في خطر ، فما فائدة مثل هذه الصلاة والنبي صلى الله عليه وآله يقول: "إذا ظهرت البدعة في اُمّتي فليظهر العالم علمه، فإن لم يفعل فعليه لعنة الله"؟ (35)، ان الصلاة التي تغطي على تقاعس الانسان وهزيمته واستسلامه انما هي مكاء وتصدية.
ترى من الذي يجب ان يقوم بمهمة ازالة هذا الانحراف الواسع العميق
غير أبي عبد الله الحسين عليه السلام الذي ادخره الله سبحانه لمثل هذا اليوم ؟ ولذلك فقد اصبح عليه السلام مصباح الهدى، وسفينة النجاة، لانه هو الذي انقذ الله به البشرية كلها من الضلالة، والا لكان الدين في خبر كان ولانتهى كما انتهت الاديان السابقة.
فلقد علّم الحسين عليه السلام البشرية ان حقيقة الدين هي المهمة لا مظاهره، وهو درس لنا نحن ايضا؛ فاذا رأينا انسانا يصلي ولكنه يكذب بعد الصلاة. ويخون الامانة، فعلينا ان نقول له: ان صلاتك مردودة عليك. واذا اردنا ان نجرّب مجتمعا ما فعلينا ان نعرفه من خلال تعامل افراده مع بعضهم البعض ؛ فهل يؤدون الامانة، ام انهم يأكلون اموالهم بينهم بالباطل ؟ ولقد جاء في الحديث عن الإمام الصادق عليه السلام: "لا تنظروا الى طول ركوع الرجل وسجوده، فإنَّ ذلك شيء اعتاده، فلو تركه استوحش لذلك". (36)
ان الامام الحسين عليه السلام جاء ليعلمنا ان الدين والايمان حقيقة. فالايمان ليس بالتظني ولا بالتمني وانما هو ما وقر في القلب، فاذا لم يوجد النور في القلب، ولم تكن للانسان القدرة على نهي النفس عن الهوى، فيؤدي الصلاة وهو يعبد الشيطان وهوى النفس، فان هذه الصلاة مردودة. فالله عز وجل لايتقبل الا من المتقين ، وهذه هي حقيقة الدين .
حقائق الدين في القرآن
ولقد اوضح لنا القرآن حقائق الدين فهو يقول مرة : (لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ( (البقرة/177). فتولية الوجه انما هو من جملة الامور الظاهرية، والبر انما هو الايمان الحقيقي، والانفاق، والجهاد في سبيل الله. ثم يقول مرة اخرى: (أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَآجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ ءَامَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الاَخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللّهِ لاَيَسْتَوُونَ عِندَ اللّهِ( (التوبة/19). فهل من الممكن ان اُصبح مؤمناً حقيقياً بمجرد ان آتي بالماء وأسقي به الحجيج في حين انني لم انه نفسي عن الهوى، ولم اخف مقام ربي، ولم اكن مع ديني ضد مصلحتي؟
وفي سورة (الانبياء) يبين لنا ربنا تبارك وتعالى بعض صفات الانبياء فيقول: (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْماعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ( (مريم/54)، اي ان الدين هو الصدق في الوعد ، والكلام ، والالتزام. ثم يقول تعال: (وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ( (مريم/55)، فأن ندّعي التدين ولكن لا نهتم بأولادنا ولا نأمرهم بالصلاة فان هذا ليس من الدين في شيء .
ثم يقول تعالى بشأن ادريس عليه السلام: (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَّبِيّاً( (مريم/41) فقد كانت من صفات هذا النبي العظيم انه كان صادقاً في كل حق، وهذا هو معنى الايمان. ومن الصفات التي اشترك فيها جميع الانبياء الصفة التي يشير اليها تعالى في قولـه: (إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ ءَايَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيّـاً( (مريم/58)، فالحقائق الالهية كانت تعني بالنسبة اليهم الخضوع والخشوع والاخبات، ولذلك فانهم كانوا يسلمون للامر الالهي دون مناقشة .
وبعد ذلك يشير ربنا عز وجل الى الانحراف الذي ظهر بعد الانبياء قائلا: (فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاَةَ( (مريم/59)، ومن المعلوم ان اضاعة الصلاة ليس كتركها، فالاضاعة تعني انهم كانوا يصلون ولكن ليس تلك الصلاة التي يريدها الله تعالى، لانهم كانوا يتبعون شهواتهم لا احكام دينهم .
فرصة اصلاح النفس
اننا الان نريد ان نركب سفينة النجاة، وندخل في امان الله تعالى تحت راية ابي عبد الله الحسين عليه السلام، لذا فعلينا ان نصلح واقعنا الفاسد. واذا ما دخلنا في محرم ثم خرجنا منه كما دخلنا فقد ضيعنا فرصة اصلاح نفوسنا وأوضاعنا، فعلينا ان نهيئ أنفسنا للانتفاع من هذا الموسم الشريف وخصوصا فيما يتعلق بعلاقتنا مع بعضنا البعض. فاذا كان الواحد منا يحمل في قلبه - لاسمح الله - حقدا وضغينة أو سوء ظن تجاه أخيه المؤمن فعليه ان يزيله ، ولاتكن تعزيتنا في هذا الشهر من أجل ان يكون موكبنا -مثلا- أفضل من مواكب الآخرين، او حسينيتنا أفضل من الحسينيات الاخرى، فمثل هذا التفكير انما هو من الحميات والعصبيات الجاهلية .
ان المهم هو العمل الذي يكون فيه مرضاة الله سبحانه وتعالى، وان لايكون هدفنا رضا الناس فقط. ثم ان مجالسنا يجب ان تكون مركزا للوحدة والتلاحم، لان راية الحسين عليه السلام هي راية الوحدة، لا راية الفرقة والاختلاف. فاذا ما تفرقنا فان الاخرين سيستشكلون علينا باننا نمتلك إماماً واحداً، ولكننا مع ذلك متفرقون عن بعضنا .
فلنوحد انفسنا فان الوحدة هي حقيقة الدين، كما قال الله تعالـى: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُوا( (آل عمران/103)، وحبل الله هو القرآن الكريم، والنبي محمد صلى الله عليه وآله، والائمة المعصومون عليهم السلام. ولنصلح انفسنا ولانخدعها بالمظاهر. فعندما نقف امام ابي عبد الله عليه السلام ونقول: "أني سلم لمن سالمكم وحربٌ لمن حاربكم"(37) فان هذا يقتضي ان نحب كل من أحب الحسين عليه السلام، ونوالي كل من والاه، لا أن نختلف معه ونُكنَّ له العداوة والضغينة ، ونروح ضحية التنافس المقيت.
فلنطهر انفسنا، ولنكن صادقين مع امامنا الحسين عليه السلام، وفي هذه الحالة سنركب سفينة النجاة، وسيكون الحسين عليه السلام شفيعنا في الآخرة، وسببا لنجاتنا من المشاكل والمآسي في الدنيا.
الامام الحسين عليه السلام ومنهج البراءة من المشركين
لقد دافع المسلمون في الجزيرة العربية عن الوحي في العصر الاول أفضل دفاع، وجاهدوا الكفار دون هوادة حتى نصرهم الله تعالى، فعم الاسلام الجزيرة، ورفرفت على ربوعها راية التوحيد، وحينئذ أنزل الخالق عز وجل سورة البراءة التي هي السورة الوحيدة في القرآن التي لا تفتتح باسم الله الرحمن الرحيم، دلالة على غضب الله وشدة انتقامه .
وعندما نزلت هذه السورة على قلب الرسول صلى الله عليه وآله، وأراد ابلاغ المسلمين في الموسم الاكبر في الحج بانه منذ تلك اللحظة والى أربعة اشهر يمهل المشركون ان يتركوا الجزيرة العربية ولا يعودوا الى حرم الامن الالهي، نزل جبرائيل عليه السلام على الرسول صلى الله عليه وآله وأخبره بأن لا يحمل هذه السورة الى المشركين الا هو أو شخص يمثله ويكون نفسه. وحينئذ دعا النبي صلى الله عليه وآله أمير المؤمنين عليه السلام وحمله هذه السورة فصدع الامام بها في الموسم. وكانت القبائل العربية المشركة المتوافدة الى موسم الحج الاكبر متواجدة في المشاعر كما في مكة المكرمة، ولكن الامام عليه السلام أعلن البراءة بكل صراحة في ذلك الموسم العظيم .
والملاحظ في هذا المجال ان كل الطغاة عبر التأريخ يرفضون الحديث عن البراءة. فلا بأس ان تتحدث عن الصدق والوفاء وصلة الرحم والصلاة والزكاة .. ولكن اياك ان تتحدث عن الشرك، والرشوة، والفساد ، والانحراف ، والمنكر .
ترى لماذا تبدأ كلمة التوحيد بالرفض وتنتهي بالاثبات "لا اله الا الله"، ولماذا يغفر الله تعالى كل ذنب ولكنه لا يغفر الشرك به، ولماذا يعد الشرك ظلما عظيما، ولماذا كانت معركة الانبياء عبر التأريخ مع الشرك والمشركين الذين كانوا يتخذون مع الله آلهة ، ومن دونه اولياء ؟؟
السبب في كل ذلك هو ان المنزلق الاكبر للبشرية انما هو منزلق ان لا يرفضوا الله تعالى، ولكنهم يشركون به في نفس الوقت. فكل شيء يشهد على وجود الله، ولكن الناس يريدون عادة ان يعبدوا مع الله غيره، وان يتخذوا مخلوقاته أولياء من دونه سواء كانوا حجرا أم بشرا أم مناهج.
فالمشكلة هي ان الانسان يريد ان يعبد الله تعالى عندما تكون له مصلحة في ذلك، فتراه يعبد الله حينا ويخضع للطاغوت حينا. فالمنزلق الخطير الذي يوقع الشيطان الانسان فيه هو هذا المنزلق؛ فلا بأس ان يصلي من الليل الى الصباح، ولكن اذا تعين عليه ان يطبق قوله سبحانه: (يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ( (النساء/ 135)؛ أن يقوم لله، ويشهد بالقسط، وينكر المنكر، ويقاوم الطاغوت، ويرفض الانحراف، فحينئذ تبدأ الصعوبة. فالذي يقوم أمام سلطان جائر وينكر عليه فساده وانحرافه، فان هذا السلطان لن يسكت عنه. ولذلك كان ابراهيم الخليل عليه السلام محطماً للاصنام، لانه رفض الانحراف، بل انه بدأ مسيرة التوحيد من خلال الرفض؛ رفض عبادة الشمس والكواكب حتى قـال: (إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماوَاتِ وَالأَرْضَ( (الانعام/ 79)، فلولا رفضه لعبادة من هو دون الله لما كان موحدا ، ولما عمد الى تحطيم الاصنام.
الرفض بداية الايمان
وهكذا فان الرفض هو بداية الايمان، ولقد علمنا ابو عبد الله الحسين عليه السلام درس الرفض والتوحيد. فالسر الذي جعل العالم كله يقف اجلالا له عليه السلام كلما مرت ذكرى محرم؛ هو في ان منهج التوحيد علّمه كيف يرفض الانحراف ولو كلفه ذلك ان يسفك دمه. فالامام الحسين عليه السلام اعلن عن ثورته بقوله: "إنّا أهل بيت النبوة، ومعدن الرسالة، ... ويزيد رجل فاسق شارب الخمر، قاتل النفس المحّرمة، معلن بالفسق، ومثلي لا يبايع مثله…"، (38) فلم يقل: انا لا ابايع يزيد، بل قال: ان منهجي يختلف عن منهجه. فمثل ابي عبد الله الحسين الذي رضع من ثدي الايمان، وترعرع في حضن فاطمة الزهراء عليها السلام، وشب تحت رعاية امير المؤمنين عليه السلام لا يمكنه ان يبايع رجلاً فاسقاً كيزيد. فمن كان مع الحسين لا يمكن ان يكون مع يزيد، وهذا هو الطريق الصحيح .
ولقد اعلن الحسين عليه السلام مرة اخرى عن منهجه التوحيدي في رسالته الى العلماء، حيث نقل في هذه الرسالة حديثاً عن رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: "من رأى سلطاناً جائراً مستحلاً لحرم الله، ناكثاً لعهد الله، مخالفاً لسنة رسول الله، يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان، ثم لم يغيّر عليه بقول ولا فعل، كان حقيقاً على الله أن يدخله مدخله"؛ (39) اي ان الانسان الذي يداهن السلاطين ولا يتبرأ منهم، فانه سيكون شريكا في جرائمهم. وقد كان الامام الحسين عليه السلام يستهدف من هذه الرسالة استنهاض همم العلماء ليقوموا قياما واحدا ضد يزيد الطاغية.
وفي هذا المجال يقول تعالى: (وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَن يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ( (الزمر/17)، وفي موضع آخر يقول عز وجل: (فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لاَانفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ( (البقرة/256). فالكفر بالطاغوت هو بداية الطريق، والذي لا يكفر به لا يمكن ان يؤمن بالله. فكيف من الممكن ان تجتمع على انسان واحد قيادتان، وكيف يقوده إمامان ؛ إمام الهوى، وإمام الهدى؟. ان حركة الانسان لا تتحمل قيادتين، ولذلك فان الرفض هو بداية التسليم والايمان، وهذا هو ما فعله الامام الحسين عليه السلام. فهو لم يترك جانبا من جوانب حياتنا إلا واضاءه بنهضته الكبرى .
ان الحسين عليه السلام بدأ نهضته هذه بقضية هامة، وهي انه قد نظر الى العاقبة منذ بداية الطريق. فقد أعلن في أول خروجه من مكة المكرمة قائلاً: "…خطَّ الموت على ولد آدم مخطَّ القلادة على جيد الفتاة، وما أولهني الى أسلافي اشتياق يعقوب الى يوسف، وخيّر لي مصرع أنا لاقيه، كأنّي بأوصالي يتقطّعها عسلان الفلوات، بين النواويس وكربلا،…"، ثم قال عليه السلام: "من كان فينا باذلاً مُهجته، موطّناً على لقاء الله نفسه فليرحل معنا فانّي راحل مصبحاً ان شاء الله ". (40)
وهكذا فانه عليه السلام لم يُمَنِّ الناس بالامارة، والنصر، والخيرات.. وانما اعلن لهم ان هذا الطريق لابد وان ينتهي بالشهادة. وعندما يتسلح قوم بهذه الفلسفة، وهذه الروحية العالية فانهم لا يمكن ان يغلبوا عن ضعف لان النهاية هي الشهادة، وهم قد بدؤوا بالنهاية هذه؛ اي اعتبروها بداية الطريق كما فعل الامام الحسين عليه السلام.
ونحن اليوم نجدد ذكرى ابي عبد الله الحسين عليه السلام، ونستقبل شهر محرم بما فيه من نفحات إلهية، وفرص للهداية، وعواطف جياشة، وأعين دامعة، وبما فيه من مجالس. علينا ان نستقبله بالكلمة المسؤولة التي تحمّل الناس مسؤوليتهم الشرعية. فالقرآن الكريم يقول: (إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِاَنفُسِهِمْ( (الرعد/11)، ويقول: (وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى( (النجم/40). فالكل سوف يقف في ذلك اليوم الرهيب لكي يجيب ربه ولا فرق في ذلك بين الكبير والصغير، والعالم والجاهل، والغني والفقير، فالجميع سوف يحملون معهم المسؤولية، فأنت مسؤول، وأنا مسؤول، وكلنا مسؤولون.
ومن مسيرة الإمام الحسين عليه السلام ونهضته، نستلهم ثمة افكار، منها:
درس المسؤولية
1- فكرة المسؤولية وهي الفكرة الاولى التي زرعها الامام الحسين عليه السلام في روع الأمة. فهناك الكثير ممن جاء الى الامام الحسين عليه السلام وأوصاه بأن لا يحمل معه عياله وأهل بيته اذا كان متأكداً من انه سيقتل في سبيل الله، ولكنه عليه السلام كان يريد ان يعلمنا درس المسؤولية ، وان كل واحد منا يجب ان يتحمل قدرا منها. وفعلا فقد حمل الجميع هذه الرسالة في يوم عاشوراء اعتباراً من حبيب بن مظاهر ذلك الرجل الذي احدودب ظهره بسبب شيخوخته، وانتهاءاً بالطفل الرضيع علي الاصغر، وهذه هي فكرة المسؤولية التي يجب ان نبيّنها للناس عبر المنابر والمجالس .
ان الاوضاع المتردية التي نجدها في امتنا، والفساد العريض، والتشتت والاختلاف .. كل ذلك رهين بالمسؤولية التي لابد ان نتحملها؛ فالعلماء بعلمهم، والخطباء بألسنتهم ، والكُتّاب بأقلامهم، والتجار بأموالهم، وكل حسب قدرته وطاقته. فبما أن الامر بالمعروف والنهي عن المنكر من أهم الفرائض الدينية، فالجميع يجب ان يتحملوا المسؤولية.
وكل واحد منا عندما يريد البحث عن خطيب يعلمه معالم دينه، فلابد ان يفتش عن خطيب يحمله المسؤولية، لا ان يبحث عن خطيب يبرّر له ويخدّره. فالدين ليس بالتمني، بل بالعمل والاجتهاد والورع. فالجماهير يجب ان تلتف حول خطباء ينطقون عن ابي عبد الله عليه السلام بكلماتهم وسلوكهم. فالخطيب الذي يجلس على منبر ابي عبد الله انما ينطق باسمه، فلذا لابد ان يكون مثله.
اتباع القيادة الربانية
2- أما الفكرة الثانية التي لابد ان نستقبل بها شهر محرم فهي فكرة القيادة الربانية فعندما حمل الحسين عليه السلام الراية قال: " إنا نحن أهل بيت النبوة، ومعدن الرسالة،…" (41)؛ أي ان الخط الصحيح يتمثل في قيادة ربانية إلهية تتصف بصفة النبوة والرسالة، أي تحمل الحقائق الالهية الى الناس. ومعنى ذلك ان القائد الشرعي هو الذي يحمل في داخله حقائق التوحيد ليحملها الى الاخرين ، وهذا هو معنى القيادة الربانية. فعندما تريد ان تعرف قائدك فانظر إليه. هل يدافع عن قيم الوحي ، وهل يدعو الى قيم الرسالة ، وهل يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر أم يداهن السلاطين ويسكت عنهم ؟
ومن هنا فان الامة الاسلامية لا يمكن أن يسودها الصلاح الا بالتفافها حول القيادات الربانية، وهذه القيادات لابد ان نعرفها ونبحث عنها فالله سبحانه وتعالى أخفى أولياءه بين عباده، وقد تحدّث القرآن عن صفاتهم قائلاً: (يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ( (المائدة/54).
اختيار المنهج السليم
3- الفكرة الثالثة التي نستلهمها من نهضة الحسين عليه السلام الكبرى هي الطريق الواضح والمنهج السليم فلقد اختار عليه السلام طريقاً ومنهجاً محددين، فلو كان قد قتل وهو متعلق بأستار الكعبة لما اصبحت ثورته عظيمة، ولكنه أعلن أولاً البراءة من المشركين، وعبأ الامة الاسلامية بالوعي ثم قَدِمَ الى كربلاء. صحيح انه عليه السلام قد استشهد في ارض بعيدة عن موطنه ولكن ارض العراق كانت مأهولة بالقرى والمدن، وهو عليه السلام عندما قتل فيها صبغ ارضها بدمه الشريف، وكانت رايته هي المنتصرة رغم انكسارها الظاهري، ولذا اصبحت الكوفة بعد ذلك بفترة قصيرة مركزاً للثورات المتلاحقة طوال تأريخها ففي سنة (65) للهجرة انفجرت حركة التوابين ثم حركة المختار، واذا ما سمعنا عن كل الحركات الكبرى في التأريخ فان منشأها الكوفة وذلك ببركة دم ابي عبد الله عليه السلام.
وعندما قتل عليه السلام في كربلاء فان أهل بيته الذين اُسروا، حملوا رسالته الى الكوفة ومنها الى الشام ثم الى المدينة. وهكذا فقد كانت رايته عليه السلام تدور في الآفاق حتى أسقطت أنظمة الطغاة.
ونحن يجب ان نفتش عن الاستراتيجية الصحيحة والمنهج اللاحب، الذي نسير به الى الاهداف المرسومة، من خلال تحمل المسؤولية، واتباع القيادة الربانية، وتعيين الستراتيجية الواضحة، وبذلك ستنتصر الامة على أعدائها، وتتغلب على مشاكلها، وتحقق اهدافها بإذن الله. وهذه هي دروس ثورة ابي عبد الله الحسين عليه السلام.
وكلمة اخيرة؛ وهي ان علينا تطهير انفسنا في هذا الشهر من الحمية الجاهلية، والافكار الخاطئة، والثقافات الدخيلة، والاحقاد والضغائن، وان نوحّد انفسنا تحت راية الاسلام والايمان. فالامام الحسين عليه السلام هو سفينة النجاة فلنركب هذه السفينة، وهو مصباح هدى فلنهتد بهذا المصباح في الظلمات، وهو شفيع هذه الامة فلنطلب الشفاعة من الله تبارك وتعالى به ليغفر الله ذنوبنا ويكفّر عنا سيئاتنا .
ونسأله تعالى أن يوفقنا لأن نكون حسينيين قولا وعملا، وأن نكون مع الحسين وتحت رايته في الدنيا والاخرة .
الإمام الحسين عليه السلام محور حكمة الخلق ومظهر تحدي الطغيان
عندما يتذكر الإنسان أبا الاحرار وسيّد الشهداء، أبا عبد الله الحسين عليه السلام، ينهمر في قلبه شلاّل من مشاعر شتى؛ فمن جهة يتدفق في قلب الإنسان تيار من الحزن عند ذكر السبط الشهيد، ومن جهة اخرى يتفجّر في قلبه احساس عميق بالشجاعة والبطولة والتحدّي، ومن جهة ثالثة ينساب على قلب الإنسان عندما تثور في نفسه ذكرى الإمام الحسين عليه السلام نور من السرور والبهجة بهذا السبط الشهيد الذي غيّر العالم بكيانه المتميز .
الإمام الحسين عليه السلام محور حكمة الخلق
ونحن عندما ندرس طبيعة الخلقة، والحكمة الكامنة وراءها من خلال آيات الذكر الحكيم، والسنة النبوية الشريفة، وعبر ما يهتدي إليه عقل الإنسان وفكره الصافيان؛ فحينئذ سندرك أن الإمام الحسين عليه السلام كان محوراً أساسياً في حكمة الخلق، وأنه لابد لمثل هذا الرجل ان يأتي، ولابد ان يكتب بدمه عنوان حياة الإنسان، وان تكون ملحمة كربلاء رمز وجود الخلقة بفضل تلك الإرادة التي جعلت السبط الشهيد يقتحم غمار الموت بكل رحابة صدر. فكلما ازدحمت عليه المصائب، وتراكمت عليه الآلام وتزاحمت الجراحات على جسده الشريف، كلما كان وجهه الكريم يتلألأ اشراقاً وبهجة، لانّه -وهو العبد المطيع- كان يقترب من ربه، رب العزة والقدرة.
وهكذا فان تلك الإرادة هي سرّ خلق الإنسان، فلولا ارادة الصديقين، ولولا المشيئة التي امتحن الله عز وجل بها النبيين والصالحين من عباده، لما كان لهذا الخلق من حكمة.
فالله تبارك وتعالى لم يخلق الإنسان لكي يفسد في الأرض ويسفك الدماء، كما ظنّت الملائكة. فقد كان تعالى يعلم ما لا يعلمون، ويعلم بعلمه الازلّي ان بين أبناء آدم، ومن بين هذا التراب واللحم والاعصاب سوف يسمو اُناس ليرتقوا الى أعلى عليين، وليصلوا الى تلك الدرجة التي قال عنها جبرائيل عليه السلام " ولو دنوت أنملة لاحترقت". (42)
الإرادة حكمة الخلق
ولذلك فإنّ هذه الإرادة، الارادة الإنسانية التي تتحدّى الشهوات، وثقل المادة، والحنين إلى التراب، وضغوط الارهاب والاعلام المضلّل، هذه الارادة هي فلسفة وحكمة خلق الإنسان على هذا الكوكب، بل انني استطيع ان اقرّر وبكل ثقة واطمئنان بأنّ هذه الارادة هي حكمة خلق الكون بأسره.
ان الله جلّ وعلا الذي يقول للشيء كن فيكون، ويخلق بين الكاف والنون مجرّات ومنظومات شمسيّة هائلة، لا يقدّر ولا يقيّم الوجود بسبب ضخامته تلك، بل انّه تعالى إنّما يقيم ويكرّم شيئاً واحداً هو ارادة الإنسان، حبّ الله، والايثار، والشهادة، وتسامي الإنسان من أرض الشهوات الى أفق الحبّ الإلهي.
كربلاء خلاصة بطولات التاريخ
ومن المعلوم انّ هناك في تاريخ الانبياء عليهم السلام العديد العديد من التضحيات، والاعمال والانجازات المتميّزة التي لا يكاد العقل البشري يبلغها، ولكن كل تلك المكارم والتضحيات والايثار والفداء تجمّعت مرة واحدة في كربلاء خلال فترة زمنية قصيرة.
ولندرس في هذا المجال القرآن الكريم الذي سجّل تاريخ الانبياء في أصدق وأوضح مظاهره المشرقة؛ فماذا فعل النبي آدم، وماذا فعل النبي نوح، وماذا فعل النبي ابراهيم عليهم السلام، وماذا كانت سيرة النبي موسى والنبي عيسى عليهما السلام؟
لقد فعلوا أشياء كثيرة، ولكنها تجسّدت جميعاً في كربلاء، ولذلك فإننا نقف أمام ضريح الإمام الحسين عليه السلام لنقول: "السلام عليك يا وارث آدم صفوة الله، السلام عليك يا وارث نوح نبي الله، السلام عليك يا وارث إبراهيم خليل الله، السلام عليك يا وارث موسى كليم الله، السلام عليك يا وارث عيسى روح الله...". (43)
وبالطبع فاني لا أعلم متى كلّم الله تعالى الحسين الشهيد عليه السلام، ولكنني قرأت في التأريخ ان النبي صلى الله عليه وآله قال عن شهيد من شهداء الإسلام إنّ الله سبحانه كلّمه مجابهة، ولا ريب ان سيّد الشهداء، وحجة الله أحرى بأن يكلّم مشافهة بعد شهادته، ولذلك فقد أضحى عليه السلام وريث موسى كليم الله.
ثم انّ السبط الشهيد هو وارث عيسى روح الله، ومن المعلوم انّ عيسى بن مريم عليه السلام لم يكن يمتلك من حطام الدنيا شيئاً، وهذه كانت خصيصة متميّزة في حياته؛ فهو لم يكن يمتلك بيتاً، ولا اثاثاً، ولا زوجةً، ولا اولاداً، ولا اموالاً.. الى درجة انّه لم يكن يمتلك حتى وطناً، ولذلك سمّي بـ (المسيح) لإنه كان يسيح في الارض، وكان يلتحف السماء، ويفترش التراب، ويأكل مما تنبته الأرض.
أمّا الإمام الحسين عليه السلام فقد كان يمتلك كل شيء دون ان يملكه شيء، وهذا هو أعظم الزهد. فقد كان عليه السلام يمتلك الاموال الطائلة التي جاء بها إلى كربلاء، كما كان يمتلك أفضل الاصحاب وأحسن الاخوان، وأفضل الاولاد وابرّهم، ولكنه اعطى في لحظة واحدة كل ما كان يمتلكه، وقدّمه قرباناً لربّه ولذلك صحّ أن نقف امام ضريحه المقدّس ونقول: "السلام عليك يا وارث عيسى روح الله".
الشهادة كرامة عظيمة
والسؤال المهمّ الذي نريد أن نطرحه في هذا المجال هو: كيف بلغ السبط الشهيد عليه السلام تلك الدرجة العليا، وما هي التربية التي تلقّاها بحيث أصبح مهيّأًً لهذه الكرامة الإلهية العظيمة؟
للجواب على ذلك نقول: انّ الشهادة كرامة عظيمة من الله تعالى للإنسان، لا يؤتاها إلا من هيّأ في نفسه اسبابها وعواملها. ومن المعلوم ان كلمات الإنسان رسول عقله، والتعبير عن شخصيته، ونحن عندما نقرأ أدعية ابي عبد الله الحسين عليه السلام وخصوصاً قمة ادعيته وذروتها جميعاً المتمثلة في دعاء يوم عرفة فاننا سنكتشف شخصيته، وندرك ان هذه الشخصية تتلخص في كلمة واحدة وهي انه عليه السلام حبيب الله، فهو عليه السلام يخاطب ربه قائلاً: " ماذا وجد من فقدك، وماذا فقد من وجدك"؟. (44)
لقد كان عليه السلام يقف الساعات الطوال في صحراء عرفة، ودموعه تجري على خديه دون ان يشعر بالتعب لانه كان يقف بين يدي حبيبه، وقد كان هذا هو ديدنه حتى في اللحظات الاخيرة من حياته الشريفة، حيث ازدحم عليه ما يقرب من ثلاثين الفاً كلّهم يريدون سفك دمه، ومع ذلك فانه لم يطلب من بارئه ان ينقذه وينجيه بل كانت كلماته كلمات انسان عارف بالله تعالى، فكان يقول: "اللهم انت متعالي المكان، عظيم الجبروت، شديد المحال، غني عن الخلايق، عريض الكبرياء …" (45).
ذعر الحكم الأموي من الإمام الحسين
وبعد استشهاد الإمام الحسن عليه السلام، وتفاقم الانحرافات التي بدت من معاوية، كان الأخير يحاول ان يستميل ابا عبد الله الحسين ويشتري رضاه أو سكوته على الاقل، ولكن الحسين عليه السلام كان كزبر الحديد أمامه، لا يلين.
وفي هذا المجال يروى ان مروان كان حاكماً من قبل معاوية على المدينة، وانّه كتب رسالة الى أميره يقول فيها: "اما بعد فقد كثر اختلاف
الناس الى حسين، والله اني لأرى لكم منه يوماً عصيباً". (46)
وهنا لننظر بتأمل ودقة في جواب معاوية لمروان: "اترك حسيناً ما تركك، ولم يظهر لك عداوته، ويبد صفحته، وأكمن عنه كمون الثرى انشاء الله والسلام". (47)
وبعد فترة يقترح مروان على معاوية ابعاد الإمام عن يثرب وفرض الاقامة الجبرية عليه في الشام، ليقطعه عن الاتصال باهل العراق، ولم يرتض معاوية ذلك فرد عليه: "وأردت والله أن تستريح منه وتبتليني بـه". (48) فقد كان معاوية يعلم حق العلم ان الحسين اذا جاء إلى الشام فان هذا البلد سينقلب عليه.
ثم يبعث معاوية برسالة الى الإمام الحسين عليه السلام مضمّناً تلك الرسالة بعض التهديدات فيقول: "فقد أُنهيت اليّ عنك أمور إن كانت حقاً فاني لم اظنها بك رغبة عنها، وإن كانت باطلة فأنت اسعد الناس بمجانبتها، … فلا تحملني على قطيعتك والاساءة إليك، فانك متى تنكرني انكرك، ومتى تكدني اكدك فاتق الله يا حسين في شق عصا الأمة، وان تردهم في فتنة..". (49)
الردّ الحاسم
ولننظر فيما يلي نظرة تأمل ودقة في جواب الإمام الحسين عليه السلام على تلك الرسالة التهديدية: "أما بعد: فقد بلغني كتابك تذكر فيه انه انتهت اليك عني أمور… أما ما ذكرت أنه رُقي اليك عني، فانه انما رقاه اليك الملاّقون المشاؤون..". وهنا يوضح عليه السلام ان جهاز الحكم لا يمكنه ان يكسب ثقة الناس من خلال سياسة الاستخبارات والجاسوسية لانّ الوشاة والنمّامين يفرّقون قبل ان يوحّدوا ، ثم ينفي عليه السلام ان يكون قد اعدّ العدة لشن حرب عسكرية ظاهرية ضد معاوية، لان سياسته وإستراتيجيته كانتا تقومان على اساس تشكيل معارضة قوية ضد الحكم الاموي تتفجّر بعد معاوية وتستمر الى ما شاء الله .
ثم يقول عليه السلام مهّدداً هو الآخر معاوية: " …، واني لأخشى الله في ترك ذلك منك.." أي ان كانت هناك خشية، فهي خشيتي من الله تعالى في ان اتركك انت يا معاوية تتحكم في رقاب المؤمنين، "…ومن الاعذار فيه اليك والى أوليائك القاسطين حزب الظلمة". (50)
جرائم الحزب الاموي
ان هذه الرسالة يكتبها رجل ينبغي ان يكون -حسب زعمهم- مطيعاً لمعاوية بن ابي سفيان الذي سيطر على البلاد الاسلامية جميعاً، ولكن لننظر الى لهجة ابي عبدالله الحسين عليه السلام الذي يتحدى الطاغوت الاموي الجائر، ويستعرض المظالم، والجرائم التي ارتكبها بحق المؤمنين الصالحين، واعلائه في مقابل ذلك لشأن السفلة، وشذّاذ الآفاق، وتسليطهم على رؤوس المسلمين:
"ألست القاتل حجر بن عدي أخا كندة واصحابه المصلّين العابدين الذين كانوا ينكرون الظلم، ويستعظمون البدع، ويأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، ولا يخافون في الله لومة لائم، ثم قتلتهم ظلماً وعدوانا،ً من بعد ما أعطيتهم الأيمان المغلظة، والمواثيق المؤكدة، جرأة على الله واستخفافاً بعهده. أولست قاتل عمرو بن الحمق الخزاعي صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله العبد الصالح الذي أبلته العبادة فنحل جسمه واصفر لونه، فقتلته بعد ما أمنته واعطيته مالو فهمته العصم لنزلت من رؤوس الجبال. أو لست بمدّعي زياد بن سمية المولود على فراش عبيد ثقيف، فزعمت أنه ابن أبيك، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله: الولد للفراش وللعاهر الحجر، فتركت سنة رسول الله صلى الله عليه وآله تعمداً وتبعت هواك بغير هدى من الله ثم سلطته على اهل الإسلام يقتلهم ويقطع أيديهم وأرجلهم، ويسمل أعينهم، ويصلبهم على جذوع النخل، كأنك لست من هذه الأمة وليسوا منك. أولست قاتل الحضرمي الذي كتب فيه اليك زياد أنه على دين علي كرم الله وجهه فكتبت اليه أن اقتل كل من كان على دين علي، فقتلهم، ومثل بهم بأمرك، ودين علي هو دين ابن عمه صلى الله عليه وآله الذي أجلسك مجلسك الذي أنت فيه، ولولا ذلك لكان شرفك وشرف آبائك تجشم الرحلتين رحلة الشتاء والصيف. وقلت- فيما قلت- انظر لنفسك ودينك ولأمة محمد صلى الله عليه وآله واتق شق عصا هذه الأمة، وان تردهم الى فتنة، أعظم على هذه الأمة من ولايتك عليها،..". (51)
الفتنة الكبرى
فمن الفتن الكبرى ان يدير امور المسلمين رجل مثل معاوية، ويزيد، والطغاة الذين يتحكّمون برقاب المسلمين اليوم.
ثم يقول عليه السلام: "…، ولا اعظم لنفسي ولديني ولأمة محمد صلى الله عليه وآله أفضل من ان أجاهرك، فان فعلت فانه قربة الى الله، وان تركته فإني استغفر الله لديني، وأسأله توفيقه لارشاد امري". (52) فليس الاحتياط في ترك السلاطين، فمن حارب السلطان ضَمِنَ الجنّة، ومن ترك محاربته فلقد يمتلك عذراً عند الله تعالى، وقد لا يمتلك.
يقول عليه السلام مستمراً في لهجته التهديدية: "… وقلت - فيما قلت- إني إن انكرتك تنكرني، وإن اكدك تكدني، فكدني مابدا لك…". (53)
فلنتأمل هذا التحدي الذي صدر من رجل هو -في الظاهر- من عامة الناس يخاطب طاغوت زمانه: "فكدني ما بدا لك. فاني أرجو أن لا يضرني كيدك، وان لا يكون على أحد أضرّ منه على نفسك، لأنك قد ركبت جهلك وتحرّصت على نقض عهدك. ولعمري ما وفيت بشرط، ولقد نقضت عهدك بقتل هؤلاء النفر الذين قتلتهم بعد الصلح والايمان والعهود والمواثيق فقتلتهم من غير أن يكونوا قاتلوا وقتلوا، ولم تفعل ذلك بهم الا لذكرهم فضلنا وتعظيمهم حقنا، … فابشر يا معاوية بالقصاص، واستيقن بالحساب، واعلم أن لله تعالى كتاباً لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا احصاها. وليس الله بناس لأخذك بالظنة وقتلك أولياءه على التهم، ونفيك إياهم من دورهم إلى دار الغربة واخذك الناس ببيعة ابنك الغلام الحدث يشرب الشراب، ويلعب بالكلاب، ما أراك الا قد خسرت نفسك، وتبرت دينك وغششت رعيتك وسمعت مقالة السفيه الجاهل واخفت الورع التقي، والسلام". (54)
الاعداد للثورة
ولعل هذه المرحلة كانت في اخريات ايام معاوية، حيث جمع الحسين عليه السلام في مكة المكرمة وفي ايام الحج كل من كان يمت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله بصلة من بقية الاصحاب ولعل سبعين رجلاً منهم كان قد حضر بالاضافة الى التابعين الذين قدم منهم ما يقرب من أربعمائة رجل، بالاضافة الى المؤمنين الصالحين الذين دعاهم الحسين عليـه السلام للاجتماع في مكة، حيث اقام معهم مؤتمراً سياسياً بيّن لهم فيه الوضع الخطير الذي يسود الامة، ثم أمرهم ان يبلغوا المسلمين، ويعدّوهم للثورة. وقد هيّأ الإمام الحسين عليه السلام كل تلك المقدمات في عصر معاوية، وكان من ضمن ما قاله عليه السلام في الأصحاب والتابعين:
" أما بعد: فان هذا الطاغية -يعني معاوية- قد فعل بنا وبشيعتنا ما قد رأيتم، وعلمتم وشهدتم، واني أريد أن أسألكم عن شيء فان صدقت فصدقوني، وإن كذبت فكذبوني، اسمعوا مقالتي، واكتبوا قولي، ثم ارجعوا إلى امصاركم وقبائلكم، فمن أمنتم من الناس ، ووثقتم به فادعوهم الى ما تعلمون من حقنا، فإني أتخوف أن يدرس هذا الأمر ويغلب، والله متم نوره ولو كره الكافرون". (55)
ثم بيّن عليه السلام في حديث طويل فضائل اهل البيت، والطريق الاسلامي القويم، واعلن عن منشور ثورته.
وهكذا فانّ الإمام الحسين عليه السلام كان قد بدأ -في الواقع- ثورته ضد الحزب الأموي منذ ايام معاوية، ولكنّ حركته كانت حركة سرية، ثم تحوّلت إلى حركة علنية بعد موت معاوية. ونحن اذا درسنا التاريخ بعمق ودقة نجد ان نهضة ابي عبد الله الحسين عليه السلام هي التي أسقطت، لا الحزب الأموي فحسب، بل تلك القيم الجاهلية التي كان الأمويّون يحاولون زرعها في الأمة؛ أي ان الحسين عليه السلام نجح في محاربة الردّة الجاهلية الأموية، والدليل على نجاحه هو تلك الثورات والانتفاضات التي توالت بعد عصره عليه السلام، وما زالت مستمرة الى يومنا هذا.
سر عظمة الإمام الحسين عليه السلام
ترى لماذا كتب الله عز وجل عن يمين العرش بأن الحسين "مصباح هدى وسفينة نجاة"، (56) وكيف جعل السبط الشهيد بمثابة سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها هلك، ولماذا هذه الكرامة البالغة لشخص ابي عبد الله الحسين عليه السلام عند الله وانه -كما جاء في الحديث-: "إنّ الحسين بن علي في السماء أكبر منه في الأرض" (57) أي انّ أهل السماء أعرف بالحسين وكرامته من أهل الارض مع انّنا نجد انّ كرامته عند اهل الارض ليست بالقليلة؟
في كل عام يحلّ علينا موسم محرّم، موسم الحزن الثائر، فنجد الدنيا وكأنها قد انقلبت؛ فالشوارع تتجلّل بالسواد، والناس يفرضون على انفسهم لباس الحزن، والاذاعات ومحطات التلفاز تبث برامج خاصة بهذه المناسبة. فهذا الموسم هو نسمة جديدة تهب على قلوب العالمين ليس في المناطق التي يسكنها أتباع أهل البيت عليهم السلام فحسب وانما في سائر مناطق العالم. فلماذا اعطى الله سبحانه هذه الكرامة لأبي عبد الله الحسين عليه السلام؟
نظرات في عظمة الامام الحسين
البعض من الناس عندما يقفون ازاء عظمة عاشوراء، وملحمة كربلاء، فانهم يعبّرون عن اعجابهم بالحسين عليه السلام وبتلك الثورة الناهضة التي ما تزال حيّة في افئدة الجماهير. فهم يقدّرونه عليه السلام لانه كان حراً لم تستعبده السلطة، ولانه دافع عن حريته، ودعا الناس الى التحرر. كل ذلك صحيح ولكنه ليس كل القضية بل هو جزء بسيط منها. فالاحرار كثيرون، وكثير من الناس عاشوا وماتوا احراراً، في حين اننا لا نقدّسهم ولا نقدّرهم كما نقدّس ونقدّر ابا عبد الله الحسين عليه السلام.
والبعض الآخر يرى انه عليه السلام ناضل وجاهد من اجل اقامة حكم الله في الارض، وثار من اجل اقامة العدل، واحياء الدين ، وبث روح القيم القرآنية في الأمة. وهذا صحيح ايضاً، ولكنه -هو الآخر- لا يمثل كل القضية، فكثيرون هم اولئك الذين ثاروا من اجل اقامة حكم الله تعالى، وقتلوا في هذا الطريق، والبعض منهم استطاع ان يحقق هدفه فأقام حكم الله في قطعة معينة من الأرض.
والبعض الآخر يرى ان سرّ بقاء ملحمة كربلاء في انها كانت ملحمة مأساوية لم ولن تقع في التاريخ ملحمة أشد فظاعة وايلاماً وحزناً منها، حتى مضى هذا المثل في التاريخ: "لا يوم كيومك يا ابا عبد الله" . فيوم الحسين عليه السلام أعظم من كل يوم، فقد اقرح الجفون، واسبل الدموع، ولكن ليس هذا هو سرّ عظمة ابي عبد الله عليه السلام، فالمآسي في التاريخ كثيرة، والذين قتلوا، ودمّروا، وقتلت عوائلهم كثيرون من مثل الحسين شهيد فخ، وزيد بن علي الذين تعرّضوا للابادة هم وعوائلهم بشكل فظيع، ومع ذلك فاننا لا نجد كل الناس يهتمون بهذه الاحداث بل لعل اكثرهم لا يعرفون عنها شيئاً.
الخلوص والصفاء
وبناءً على ذلك فان عظمة الحسين عليه السلام لا تكمن فقط في ان شخصيتهُ كانت شخصيّةً ثائرة حرّة، او لانها تعرضت للابادة بشكل فظيع. إذن؛ فما هو سرّ هذه العظمة؟
للإجابة على هذا السؤال نقول: لابد ان نعلم بأن الله سبحانه هـو خالق الكون ومليك السماوات والارض، وبيده الأمر، وانه يرفع من يشاء ويضع من يشاء، وان من تمسك بحبله رفعه، ومن ترك حبله وضعه.
ومن المعلوم ان الحسين عليه السلام تمسك بحبل الله فرفعه، واخلص العمل له فأخلص الله له ودّ المؤمنين، وجعل له في قلب كل مسلم حرارة. وقديماً عندما خلق الله تقدّست اسماؤه آدم واسكنه الجنة، رأى آدم ما رأى حول العرش من الانوار، ثم علّمه جبرائيل تلك الاسماء والكلمات، ونطق بها، واقسم على الله عز وجل بتلك الكلمات والانوار الخمسة، … "فلما ذكر الحسين سالت دموعه وانخشع قلبه، وقال: يا أخي جبرئيل في ذكر الخامس ينكسر قلبي وتسيل عبرتي؟ قال جبرئيل: ولدك هذا يصاب بمصيبة تصغر عندها المصائب، فقال: يا اخي وما هي؟ قال: يُقتل عطشاناً غريباً وحيداً فريداً ليس له ناصرٌ ولا معين… فبكى آدم وجبرئيل بكاء الثكلى" (58).
وهكذا فانّ قيمة الإمام عليه السلام تكمن في انه كان مخلصاً صفياً ، فهو
عليه السلام لو كان يمتلك ألف ابن مثل عليّ الاكبر وكان عليه ان يضحّي بهم في لحظة واحدة لما تردّد في فعل ذلك لانه جرّد نفسه عن اهوائه، رغم انه عليه السلام كان يحب عليّ الاكبر حباً لا حدّ له، حباً لا يمكن ان يضمره أي ابٍ لابنه، لأن علياً الاكبر كان اشبه الناس برسول الله صلى الله عليه وآله خَلقاً وخُلقاً، ومع ذلك فان حب الحسين عليه السلام لله تعالى كان اشدّ كما يقول سبحانه: (وَالَّذِينَ ءَامَنُوا أَشَدُّ حُبَّاً لِلَّهِ( (البقرة/165).
ونحن إذا رأينا اليوم انّ الناس يقدّرون ابا عبد الله، وإذا رأيناهم يحملون إلينا في كل شهر محرم موسماً جديداً وميموناً من ذكراه عليه السلام فلأن ثورته كانت ثورة ربانية، ولانه كان اباً للأحرار، وثائراً من أجل الدين، وكان يريد اقامة حكم الله في الارض، ومع كل ذلك فان هذه المزايا تعّد أموراً ثانوية. فالامام الحسين عليه السلام عندما وقف في عرفة وقرأ ذلك الدعاء الخالد الذي هو بحق كنز من كنوز الرحمة، وموسوعة توحيدية كبرى، فانه قد جسّد فقرات هذا الدعاء في كربلاء. فهو عندما قال وهو متوجّه الى الله جل جلاله: "إلهي ماذا فقد من وجدك وماذا وجد من فقدك" (59)؟ فانه كان يرى ان كل شيء في الوجود، وكل القيم متمثلة في حب الله ومعرفته، وقد جسّد عليه السلام كل ذلك في كربلاء كلما كان يفقد عزيزاً، أو ابناً ، أو اخاً من أعزّ الاخوان عليه.
فعلى سبيل المثال فان أبناء واخوان وأصحاب الامام الحسين عليه السلام الذين ضرّجوا بدمائهم في كربلاء كان كل واحد منهم يمثل نجماً في أفق التوحيد، فقد كان بعض اصحاب الامام الحسين عليه السلام أصحاباً للنبي صلى الله عليه وآله من مثل حبيب بن مظاهر الذي اوتي علم المنايا والبلايا، ومن مثل مسلم بن عوسجة الذي كان فقيهاً وعالماً من العلماء العظام، ولقد قتل هؤلاء الواحد تلو الآخر ومع ذلك فان وجه ابي عبد الله عليه السلام كان يزداد اشراقاً رغم انّ قلبه كان يتفطّر الماً عليهم.
وبعد ان اكمل عليه السلام مهمته قبض قبضة من تراب كربلاء، ووضع جبهته الشريفة عليه وقال: "صبراً على قضائك يا رب لا إله سواك يا غياث المستغيثين مالي رب سواك ولا معبود غيرك.." (60)
وفي الحقيقة فان ما نعطيه ويعطيه العاملون لتجديد ذكرى ابي عبد الله لو وضع في كفة، ووضعت كلمة الحسين هذه في تلك اللحظة، وفي ذلك الموقف في كفة اخرى لرجحت كلمة الحسين على اعمالنا جميعاً. فلقد اعطى عليه السلام كل ما يملك في سبيل الله حتى الطفل الرضيع، وعائلته التي وضعها في بحر من الاعداء الشرسين المتوحشين، ومع كل ذلك فقد قال: "صبراً على قضائك يا رب لا إله سواك يا غياث المستغيثين مالي رب سواك ولا معبود غيرك..".
وهكذا فان الذي جعل ذكرى الحسين عليه السلام خالدة، هو انّ ما كان لله يبقى، والامام الحسين عمل مخلصاً لوجه الله. ونحن إذا اردنا ان نرضي الخالق تبارك وتعالى، والحسين، وجدّه وامّه واباه واخاه، والائمة من ولده فلابد أن نخلص اعمالنا لوجه الله، وان نفعل كل ما يمكننا من اجل ان نخلّد ونجدّد ذكرى الثورة الحسينية حتى من خلال التظاهر بالعزاء، والبكاء عليه بصوت عال بحيث يسمعنا الآخرون.
مأساة تستدر الدموع
وفي هذا المجال روى لي احد الخطباء قصة طريفة يقول فيها: كنا نقيم مجالس العزاء على الحسين عليه السلام في بلد اجنبي في صالة نستأجرها كلّ عام، فسألني احد الاشخاص المسيحيين قائلاً: انكم تأتون الى هذه الصالة، وتستأجرونها سنوياً لتبكوا، في حين ان الآخرين يستأجرونها لاقامة مجالس الاعراس والافراح، فلماذا تفعلون ذلك؟. فقلت له: لاننا في عزاء، فقال: عزاء من؟ فقلت: عزاء سيّدنا وإمامنا وقائدنا. فقال لي: متى أصيب وكيف؟ فقلت: قبل الف واربعمائة عام. فتعجّب من ذلك، واصابته الدهشة لاننا مازلنا نبكي على رجل مات قبل مئات السنين. فقلت له: إنّ مقتله لم يكن عادياً، فلقد قتل مظلوماً وبشكل مأساوي بعد أن دعاه الناس، ووعدوه بالنصرة، فاذا بهم يخذلونه، ويسلمونه للاعداء، ويحيطون به في صحراء قاحلة حيث لا ماء ولا طعام، وحتى طفله الرضيع لم يسقوه شربة من الماء بل رموه بدلاً من ذلك بسهم قاتل!
يقول الخطيب: وبعد ان شرحت للرجل المسيحي سبب بكائنا على الإمام الحسين عليه السلام إذا به يجهش بالبكاء، وتتقاطر دموعه، ويظهر تعاطفه معنا، ثم طلب منا ان نسمح له بأن يشاركنا في العزاء على ابي عبد الله عليه السلام.
وهكذا فانّ سر خلود الثورة الحسينية يكمن في انها كانت ثورة ربانية خالصة لوجه الله الكريم، وانها كانت من الاحداث التي قدّر الله لها ان تحدث منذ الازل. فقد كانت مرتبطة ارتباطاً مباشراً بالمشيئة الالهية. واما بالنسبة للعوامل الاخرى التي تذكر في تفسير سر خلود ثورة الامام الحسين عليه السلام فهي اسباب ثانوية تتفرّع من السبب الرئيسي الذي ذكرناه.
الفصل الثالث: على هدى الإمام الحسين عليه السلام
كربلاء البداية لا النهاية
(وإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا اُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ * رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ ءَايَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * وَمَن يَرْغَبُ عَن مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الاَخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ * إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ * وَوَصَّى بِهَآ إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُم مُسْلِمُونَ * أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَآءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي َقالُوا نَعْبُدُ إِلهَكَ وإِلهَ ءَابآئِكَ إِبْرَاهِيمَ َوإِسْمَاعِيلَ وإِسْحَاقَ إِلهاً وَاحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ( (البقرة/127-133)
هل كانت فاجعة الطف الأليمة نهاية أم بداية؟
كثير من الناس يزعمون أن هذه الفاجعة كانت نهاية، لأن أهل البيت وفي طليعتهم حجة الله الإمام الحسين بن علي سبط رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قد قتلوا بتلك الطريقة المأساوية الأليمة، التي لم ولن يأتي الزمان بمثلها، ولذلك يبنون كل حياتهم على هذا الاساس. فلأن الإمام الحسين عليه السلام قد قُتل واستشهد وسُبيت عياله وحريمه، اذن لا يمكن لأحد أن يقوم بالسيف ويطالب بالحق لأن الإمام الحسين سلام الله عليه لم يستطع أن يقيم دولة الإسلام، فلن تقوم للإسلام دولة أبد الدهر.
وهكذا تتسلسل في خيالاتهم حلقات الهزيمة والانطواء، ويكتفون بأن يُخلّدوا هذه الذكرى بأية طريقة ممكنة، لا لكي يتخذوا منها منطلقاً، وإنما لكي يتخذوا منها مبرّراً وعُذراً وتعلّلاً لكيلا يتحركوا ولا يعملوا شيئاً. فالإمام لحسين قُتل ونحن نبكي عليه ونلطم، ونقيم الشعائر المختلفة من أجل إحياء ذكراه وحسب وكفى الله المؤمنين القتال!!
تكامل مسيرة التاريخ
ولكن الحقيقة هي على العكس من ذلك، ففاجعة الطف كانت البداية، فمنذ القطرة الأخيرة التي اُريقت من دم أبي عبد الله الحسين سلام الله عليه بدأت شجرة الاسلام بالحياة من جديد، وكان ذلك اليوم بداية الربيع، حيث إن عشرات الملايين من البشر اهتدوا بأبي عبد الله الحسين سلام الله عليه. وبدأت مسيرة التاريخ تتكامل وتتكامل، وتتحقق كلمة الرسول الأعظم، حيث قال صلى الله عليه وآله: "حسين مني وأنا من حسين". (61)
فالبداية كانت في تلك اللحظة التي وقفت فيها الصديقة الصغرى زينب الكبرى سلام الله عليها في يوم الحادي عشر من شهر محرم سنة احدى وستين للهجرة، على مصرع أخيها الحسين عليه السلام وألقت خطاباً أكّدت فيه على أن هذا المصرع سيكون عَلَماً وبدايةً للتاريخ، وسيجتمع المسلمون حول هذا المكان ليتخذوا منه منطلقاً للبعثة وتحول جديداً للاسلام. وكانت سلام الله عليها صادقة، لأنها كانت تتحدث عن أبيها، عن جدها رسول الله، عن جبرئيل، عن الله سبحانه وتعالى، حديثاً ذا سلسلة ذهبية تتصل برب العزة.
فبداية التحول أو التحول نفسه شمل قتلة الإمام الحسين عليه السلام، فهذا سنان، وهو أحد القتلة، يأتي برأس الحسين عليه السلام الى عمر بن سعد وهو يقول:
أوقر ركابي فضـة أو ذهبـا إنـي قتلت السيـد المحجبـا
قتلت خير الناس أمـاً وأبـا وخيرهم إذ ينسبون النسبا (62)
مما لا شك فيه إن هذا الرجل مصيره النار، وقد بدأ يعترف بجرائمه بحق خير الناس وهكذا تبدأ الاعترافات الواحدة تلو الاخرى، كلٌّ يقول ماذا فعل. ولذلك وبعد حوالي أقل من خمس سنوات من مقتل أبي عبد الله الحسين سلام الله عليه قام الصحابي الجليل سليمان بن صُرد الخزاعي بتلك الثورة العملاقة "ثورة التوابين".
وكان سليمان عليه الرحمة آنذاك رجلاً طاعناً في السن، ناهز التسعين من عمره، ومع ذلك استطاع أن يعبئ أربعة آلاف شخص مستعد للشهادة، وكانوا يجمعون السلاح في شوارع الكوفة، وينادون يا لثارات الحسين ، وكانوا أول من سقى الناس الماء مجاناً، وكانوا يقولون لمن يسقونه الماء: "إشرب والعن قاتل الحسين"، مع أن جلب الماء كان صعباً حينها لبُعد منابعه ومصادره عن المدينة، ولكنهم جمعوا -بهذا الاسلوب- الأنصار، وقرروا الذهاب الى الشام لمقاتلة الظلمة قاتلي الإمام الحسين عليه السلام، حيث استشهد معظمهم في معركة غير متكافئة. فهل كانت حركتهم بداية أم نهاية؟
إنها بداية تبعتها حركة المختار الثقفي، ثم حركة أهل المدينة التي عُرفت بواقعة "الحرة" والتي خلع فيها أهل المدينة بيعة يزيد والامويين من رقابهم، بعد أن عرفوا حقيقتهم، فأرسل إليهم يزيد عشرة آلاف رجل بقيادة "مسلم بن عقبة" أو كما يسميه المسلمون "مُسْرِف" لإسرافه في القتل وتجاوزه على مدينة الرسول وصحابته والتابعين وهتك أعراضهم، فما استسلم أهل المدينة، بل حاربوا حرباً استشهادية فدائية؛ أي حرب من نوع جديد، تعلّموها من ابي عبد الله الحسين سلام الله عليه.
فـإذن هنا كانت البداية، ثم إنطلقت الثورات، والتي كان أبرز المشاركين فيها أعقاب الإمام الحسن سلام الله عليه، أبناء وأحفاد الحسن المثنى الذي شارك في معركة كربلاء ولم يُقتل، وإنما جُرح، فضلاً عن أبناء خاله وخالاته، وكان قد عولج وشفي.
وقد نظم هؤلاء السادة الحسنيون حركات وثورات متلاحقة، لا يرد ذكرها في الأخبار عادة، وكانت الانظمة الحاكمة تُلقي هؤلاء الثوار في سجون رهيبة، هي عبارة عن حُفر يُلقى الطعام اليهم فيها من كوى صغيرة في الأعلى، وكانوا لا يميزون الليل من النهار في تلك الحفر، إلا بمقدار قراءتهم القرآن الكريم؛ أي إنهم كانوا يقرأون ثمانية أجزاء من القرآن مثلاً، حتى يحين موعد صلاة الظهر، ثم ثمانية أخرى حتى يحين موعد صلاة المغرب.. وهكذا فلا ليل ولا نهار، وإذا مات أحدهم لا يُدفن، بل يُترك في مكانه حتى يتحلّل، ثم يموت آخر، وآخر، يموتون جميعاً، فيهدم السجن على جثثهم ويصبح قبراً لهم.
ورغم ذلك كانوا يثورون وقد كان عيسى بن زيد بن علي بن الحسين، صغيراً عندما توفّي والده في المنفى، وقد سُمّي بالسيد السقّاء، لأنه خرج من بلده ودخل الكوفة، واستأجر بعيراً وكان يسقي عليه، ويأكل من ثمن السقاية، وكان لا يُعرف عنه شيء سوى أنه سقّاء. ولما توفي ترك ولدين أخذهما أحد أصحابه وجاء بهما الى المهدي العباسي، وما أن قيل للمهدي العباسي إن فلاناً جاء ، قال دعوه يدخل ، فقد جاء الى الموت برجله، إذ إننا نبحث عنه وقد رصدنا مكافأة لمن يقبض عليه. فجاء ودخل ومعه الطفلان، وسلم على الخليفة العباسي، فلم يرّد عليه سلامه، ولكنه قال له: لقد جئت برجلك الى الموت. قال: يا خليفة، جئتك معزياً ومبشراً. قال: بم تبشرني؟ قال: لقد توفي عيسى بن زيد: فقال: إنها والله لبشارة حقاً. وقد كان عيسى قبل وفاته رجلاً كبيراً في السن، وكان مجرد سقاء، ومع ذلك كان شبحه يلاحق الخليفة في قصره ببغداد. ثم قال: وبم تعزيني؟ قال: هذان ولداه وقد أصبحا يتيمين، وبكى. ثم قال له المهدي العباسي: لقد عفونا عنك لبشارتك، وأما الطفلان فسيبقيا عندي، لقرابتهما مني، فهما وأنا من بني هاشم!
وهكذا بقي مزيد بن عيسى والحسين بن عيسى عند المهـدي، الذي وضعهم في دار الخلافة، مع أولاده، حيث يصطحبونهم يومياً الى الصيد؛ أي إنهما كانا سجينين في دار الإمارة، وعندما كبر أحدهم وأصبح عمره سبعة عشر عاماً، ذهب الى أحد الأصقاع وجمع أنصاراً وقاد ثورة على المهدي العباسي .
حملة الرسالة
وهكذا فقد حمل أولاد الإمامين الحسن والحسين عليهما السلام الرسالة والثورة، ليس من الجانب الثوري وجانب حمل السلاح فقط، بل ومن جانب العبادة والعلم وتبليغ الرسالة وقيادة الامة في مختلف المجالات أيضاً.
إذن؛ فكربلاء كانت البداية. والسؤال هو كيف أصبحت كربلاء البداية نهايةً في أذهان بعضنا مما جعلها وسيلة للتبرير والاعتذار عن العمل والتعلل؟
إنني أريد أن أستوحي الإجابة السليمة من الآيات القرآنية التي توجت بها الحديث.
إن في كل حركة في التاريخ جانبين؛ جانب الهدم وجانب البناء، فانت إذا اردت ان تبني عمارة ضخمة، فلابد لك قبل كل شيء من أن تهدم العمارة السابقة المنهارة والخاوية على عروشها، وتسوّي الأرض وترسي القواعد وتبني تلك العمارة الضخمة التي تريدها، أليس كذلك؟
وكربلاء أرض كانت فيها رسالتان؛ رسالة الهدم ورسالة البناء.
وقد جاء الإمام الحسين سلام الله عليه بهاتين الرسالتين، فأعلن: لا ليزيد ولا لبني أمية ولا للطاغوت، وقال: "مثلي لا يبايع مثله"(63) و"هيهات منا الذلة"(64) وهذا يعني الهدم. أي هدم بناء بني أمية، ذلك البناء الجاهلي الفاسد.
وكل حركة كانت في هذا الاتجاه كانت هدماً للطغيان الاموي، ولكن هل كانت كل الحركات للهدم فقط؟
كلا؛ بالطبع، فقد كان الى جانب هذا الهدم بناء، والبناء هنا يعني بناء الحركة.
فالإمام الحسين أكد أيضاً أنه: لا ليزيد، نعم لولاية الله تعالى وولاية رسوله صلى الله عليه وآله، وولاية علي بن ابي طالب عليه السلام وولاية الإمام الحسن عليه السلام، وولاية الحسين نفسه، وولاية أولاده المعصومين. كفى المشكلة أنه منذ ظهور الخوارج، ظهرت مجموعات من الناس لا تقول سوى "لا" وليس عندها "نعم" ! كانوا يقولون: "لا حكم إلا لله". ولكن الله هو الذي ينزّل الشرائع من السماء ويحكم، وقد لاحظنا عبر التاريخ أن الله يرسل أنبياءه ليحكموا (وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بإِذْنِ اللّهِ ( (النساء/64)، (وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَآءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً( (النساء/64). إذن فالقصة قصة "لا" و"نعم"، لا للطاغوت، نعم للرسول، نعم للإمام. وحينما قال الخوارج: لا، حاربوا الإمام علي عليه السلام وحاربوا الإمام الحسين عليه السلام وحاربوا يزيد وحاربوا معاوية وحاربوا بني العباس… وبدا أنهم يجهلون ما يريدون! ثم حاربوا أنفسهم الى أن انتهوا وانقرضوا تقريباً. فلقد انهى السلب والنفي والرفض كل شيء لديهم حتى وجودهم.
حركات ذات بعدين
تعتبر حركة الاسلام حركة ذات بعدين، حيث بدأ الإسلام بكلمة "لا إله إلا الله". فحينما نقول "لا إله " فإننا نعني ألا يكون هناك وثن ولا صنم ولا عبادة للشمس ولا عبادة للنجم ولا عبادة للطاغوت ولا عبادة للقوم ولا عبادة للعنصر ولا عبادة للدم ولا عبادة للوطن ولا عبادة للأرض. أما حينما نقول: "إلا الله " فذلك يعني إننا نقول: نعم لله ورسوله وخلفائه وحزبه وجنده.
في حين أن الخوارج أخذوا فقط "لا إله" فسكتوا، لأن الذي ينفي رسول الله ينفي الله، والذي ينفي علياً ينفي رسول الله، والذي ينفي الحسن ينفي علياً، والذي ينفي الحسين ينفي الحسن؛ أي ان الذي لا يقبل التالي ، إنما يرفض الاول تلقائياً، يرفضه ويتسلسل. وهذه الناحية الثانية ظلت عالقة في تاريخنا مع الاسف، فقد عمّقنا الرفض في أنفسنا، ولكننا لم نفلح في تعميق حالة الايجاب، ولذلك أصبحنا أمة رافضة، دون أن نكون أمة بانية لتاريخها، اذن؛ كيف بُني التاريخ؟
أعلى درجات الإيمان
لقد بُني التاريخ من خلال القرآن الكريم. فالقرآن الكريم يؤكد ويركز وبالذات في الآيات التي تلوناها على حقيقة مهمة، وهي بصيرة التسليم. فلقد كانت من أعظم صفات النبي ابراهيم عليه السلام، صفة التسليم.
والتسليم يعني القبول والرضا والطاعة والاتباع. (وإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وإِسْمَاعِيلُ( (البقرة/127) كان النبي إبراهيم يرفع القواعد واسماعيل يساعده (رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ( (البقرة/127-128)، والاسلام يعني التسليم والرضا المطلق.
حينما وضع النبي إبراهيم عليه السلام في المنجنيق ورُمي به، تلقّاه جبرئيل في الهواء فقال: هل لك من حاجة؟ قال: أمّا اليك فلا، حسبي الله ونعم الوكيل، فاستقبله ميكائيل فقال: إن أردت اخمدت النار فانَّ خزائن الامطار والمياه بيدي، فقال: لا أُريد، وأتاه ملك الريح، فقال: لو شئت طيرّت النار، قال: لا أُريد، فقال جبرئيل: فاسأل الله! فقال: حسبي من سؤالي علمهُ بحالي. (65)
إن النبي إبراهيم عليه السلام يطلب من الله أن يجعله من المسلمين؛ فالإسلام درجة أعلى من كل الدرجات. (رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا اُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْـتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ * رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ ءَايَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَـةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * وَمَن يَرْغَبُ عَن مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ( (البقرة/128-130).
تُرى كيف اقتضى الاستنتاج القرآني أن من لا يرغب بسلوك طريق النبي ابراهيم عليه السلام أن يكون من السفهاء؟
الجواب: (وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا( (البقرة/130)، لأن الله اصطفى إبراهيم عليه السلام، وكان أفضل الخلق في عصره؛ (وَإِنَّهُ فِي الاَخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ( (البقرة/130)، لانه حينما (قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ( (البقرة/131)، أي إرضَ بكلام الله، (قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ( (البقرة/131)، أي إنه لا يوجد لدي اعتراض على الله، فأنا مستعد لتنفيذ ما يأمر به.
هكذا هي ملة النبـي إبراهيم، والانبياء جميعـاً لديهم هذه الملـة (وَوَصَّى بِهَآ إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ( (البقرة/132)، هذا الخط الممتد من النبي إبراهيم الى رسول الله، يدعو كله الى كلمة واحدة وهي كلمة الإسلام؛ أي التسليم والرضا المطلق. (يَا بَنِيَّ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُم مُسْلِمُونَ( (البقرة/132). أي مسلمون لرب العالمين. وهكذا تتسلسل الآيات.
وحينما تكون الأمة مسلمة، فهي تهدم العدو وتبني الصديق، لأن الاسلام يقتضي التسليم للقيادة والأوامر والاحكام الشرعية، وأيضاً رفع الاختلافات. وقد قال ربنا في آية اخرى: (فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ( (النساء/65)، أي يجعلوك حاكماً فيما نمى بينهم من الخلافات والصراعات، (ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً( (النساء/65).
إن القضايا المتواضعة التي تفتّتنا هي سبب تخلفنا، وهي في الواقع جراثيم تتكاثر وتتكاثر الى أن تصبح خلافات وصراعات ضخمة. إن تعبير القرآن الكريم تعبير بليغ، فهو يقول: (فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ(، ولو ان المتخاصمين ذهبوا منذ الوهلة الاولى لبروز الخلاف الى النبي صلى الله عليه وآله وحسموه، لما تحول هذا الخلاف الى أنهارٍ من الدم ومعولٍ لهدم الأمة والحضارة.
نحن يجب ان نبني، وعلينا ان نأخذ من واقعة كربلاء منطلقاً للبناء، وذلك بتكريس حس الولاء لأهل البيت عليهم السلام في أنفسنا؛ بحيث نوالي أهل البيت عليهم السلام ونوالي أولياءهم، ونعادي اعداءهم.
الحزب الجاهلي والتحدي الرسالي
كان الرجل مسافرا في سفرة طويلة، فلما عاد الى أهله بعد سنين وجد في البيت بنتا ذات خمس أو ست سنوات. سأل زوجته: من هذه البنت؟، فقالت: كنت حاملا حينما سافرت، فأضمر الرجل في قلبه شراً وتحيّن الفرصة. وذات يوم اصطحب ابنته الى ضاحية القرية التي كان يسكنها، وبدأ بحفرِ حفرة، بينما جلست البنت على طريق الصحراء تنظر الى أبيها ، وهي لا تعلم لِمَ كان مشغولا بحفر تلك الحفرة، وكان كلما تعب وعاد ليجلس، تأتي هذه الطفلة التي هي في عمر الورود لتمسح عن وجهه التراب والغبار والعرق ، الى أن حانت ساعة الجريمة فأخذها ودسّها في الحفرة وأهال عليها التراب . في تلك اللحظة ، كانت اصوات الاستغاثة تتعالى من فم ابنته ، لكن قلبه القاسي كان عصيّاً على الرحمة فلذا دسّها ثم عاد الى البيت ينفض ثيابه من التراب !!
احدى صور المعاناة
هذه صورة واحدة من صور المعانات التي فرضتها الجاهلية على العرب قبل الاسلام، فقد كانت ثقافتهم مليئة بالعصبية وإثارة التمايز القبلي والتعصب القومي والعنصرية المقيتة. ولم يكن الجد والاجتهاد وسائر القيم البناءة هو ما يسود اقتصادهم، بل كان اقتصادهم مبنياً على الغارات الليلية التي كانوا يباغتون بها بعضهم بعضا. فإذا أحست القبيلة بالفقر، فإنها تفكر في الغزو ، وتعتبره عملاً مشروعاً، حيث تغير بالليل أو بالنهار على قبيلة اخرى ، فتقتل الرجال وتسبي النساء وتغنم ما استطاعت ان تغنمه من الاموال. وكانت الغارات المتبادلة بينهم تخيم على حياتهم، حتى ان الامام امير المؤمنين سلام الله عليه يقول حينما يصور حياتهم: "كان شعارهم الخوف ودثارهم السيف". (66) ففي خارج ثيابهم يحملون السيف، وفي داخل انفسهم كان يعشعش الخوف، وكانت نظرتهم الثقافية بدائية الى أبعد الحدود. أما عبادتهم فحدّث ولا حرج، فما كانت صلاتهم عند البيت الا مكاء وتصدية (تصفيق وتصفير)، فكانوا يطوفون حول البيت عراة ، وينشدون الاشعار الفاحشة أثناء الطواف، ويدعون الله بهذه الكلمات: " اغفر اغفر وان لم تغفر جزما تغفر " !! او كانوا يقولون : " لبّيك اللّهم لبّيك ، لبّيك لا شريك لك، الاّ شريك هو لك،…"! (67)
لكل قبيلةٍ صنم
وكانت الكعبة بهذه المساحة تحمل أكثر من ثلثمائة وستين صنماً، أما في بلادهم فكانوا يعبدون الاصنام التي يصنعونها بأيديهم من مواد شتى، بين حجارة أو تمر أو خشب.. أما علاقاتهم الاجتماعية، فكانت مبنية على اساس الخوف والترقب، لأن أبسط الامور كانت قد تؤدي الى نشوب حرب طاحنة تستمر اعواماً متطاولة، كما حدث في حرب "داحس والغبراء" وربما "البسوس" التي استمرت ثلثمائة عام وكان سببها أن رجلا قتل ناقة آخر .
وعموماً فقد كان الفقر والجوع والخوف والتردي الحضاري يسيطر على حياتهم الى أبعد الحدود، فجاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليغيّر هذه الحالة رأساً على عقب. فليس من العبث ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم تبق له في هذه الدنيا الا بنت واحدة يقول عنها : " فاطمة بضعةً مني يريبني ما رابها"، (68) "…، فمن آذاها فقد آذاني ، ومن آذاني فقد آذى الله"، (69) وليس عبثا ان الله سبحانه وتعالى قدّر لهذه البنت أن تكون الكوثر، وأن تكون ذرية النبي منها، بل ان ذلك لكي يغير الاسلام وتغير التقادير الالهية كل تلك السنن الباطلة والثقافات السخيفة التي كانت سائدة في العصر الجاهلي .
عمل فريد من نوعه
وقد عمل النبي صلى الله عليه وآله وسلم خلال ثلاث وعشرين سنة ما لم يعمله النبي نوح عليه السلام بين قومه خلال الف سنة الا خمسين عاماً، وما لم يفعله الانبياء العظام أولوا العزم والشدة في قرون عديدة. فقد اختصر جهودهم في اقل من ربع القرن الذي عاشه مع امته، وتحدى ركام الخرافات والاساطير والثقافات الباطلة، وكوّن حضارة يكمن اساس قيمتها في التعاون على البر والتقوى، بحيث وصلت الحال بالمسلمين الى درجة ان جرحى معركة "مؤتة" كانوا يرفضون الواحد بعد الاخر شرب الماء الذي أمر رسول الله بسقيهم به، طالبين تقديمه لاخوتهم المجروحين، ولسان حال أحدهم يقول: ان صاحبي أشد عطشاً مني فاسقه قبلي. رغم انهم كانوا يحتضرون جميعا، وان من المستحب ان يسقى المحتضر قبل وفاته. وهكذا فقد آثر كل منهم صاحبه على نفسه، ولو كانت به خصاصة ، حتى ماتوا عطاشى عن بكرة أبيهم !
لقد تحول أولئك العرب الذين كان أحدهم يقتل صاحبه بسبب لقمة خبز ، الى هذه القمة العالية من المحبة والعطاء والرقة. فعندما كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يلقي خطابا فيهم كانت دموعهم تسيل على خدودهم، إذ قد تحول قساة القلوب الى ذوي قلوب لينة كنبتة الربيع.
وحينما وقف الامام الحسين عليه السلام على مصرع حبيب بن مظاهر قال: "لله درّك يا حبيب، لقد كنت فاضلاً تختم القرآن في ليلة واحدة". (70) هكذا تحول اولئك الناس ، واذا بالارض الإسلامية تخضر، واذا بأولئك الاذلاء يتحولون الى أعزة، واذا برسل العرب وكتبهم تتواتر وتتوافد على اقطار الارض، واذا بهرقل الروم و كسرى فارس وقيصر الروم والغساسنة يكتبون الرسائل للنبي أو لمن جاء بعده متوسلين قبول عذرهم ، واذا بالجيوش الإسلامية تقتحم المدن بعد المدن وتصل الى ما تصل اليه .
وخلال ربع قرن ساد الاسلام مناطق واسعة من العالم، ذلك لان القيم الجاهلية الشيطانية الخبيثة تحولت الى قيم ربانية عالية. ولكن الجاهليين جاؤوا ولبسوا رداء الاسلام وتسللوا الى مواقع السلطة، وهؤلاء هم بنو أمية ومن لف لفيفهم، وقد حملوا راية الكفر علنا، وكان هدفهم الاساسي إعادة تلك الجاهلية الاولى بكل تفاصيلها. ولهذا قال الامام الحسين عليه السلام: "إنّا لله وإنا إليه راجعون، وعلى الإسلام السلام، إذ قد بُليت الأمّة براع مثل يزيد"، (71) لان يزيد جاء فعلا لهدف تصفية الاسلام تصفية تامة، وهو لم يكن أرعن كما يدعي بعض المؤرخين ، بل كان يدرك جيداً ما يفعل، وكان الحزب الاموي يحكم من خلاله، ومن خلال أبيه، ومن خلال من تلاه من خلفاء الجور .
صراع مبدئي
إن قصة الصراع بين أئمة أهل البيت عليهم السلام وبين الحزب الاموي ليست حكاية بسيطة ذات دوافع هامشية، بل انها صراع بين الحزب الرسالي "حزب الله" والحزب الجاهلي "حزب الشيطان" ، أو هو صراع بين الشجرة الطيبة (مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَآءِ( (إبراهيم/24)، والشجرة الملعونة في القرآن ( وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الأَرْضِ مَالَهَا مِن قَرَارٍ( (إبراهيم/26)، فالشجرة الاولى تنتج الورد والثمار الطيبة، والشجرة الثانية تنتج الحنظل والاشواك، والصراع انما هو بين منهجين وبرنامجين. ومثلما كان لدى الامويين مخطط مدروس بدأ بتنفيذه معاوية واستمر طيلة حكم بني أمية، كذلك كان لدى آل الرسول سلام الله عليهم برنامج واضح ايضاً، قام كلٌّ منهم فيه بدور، وهذا البرنامج ليس من الارض وانما جاء من السماء .
وقصة عاشوراء ليست طارئة، و إنما هي حلقة من المخطط ، أي انه لابد ان يصطدم الفريقان، ولابد ان يقتل الامام الحسين عليه السلام ليفتح بشهادته خطا جديدا للامة لمقاومة التحريفية الاموية، وينبغي ان يحدث ذات الامر في مواجهة أية تحريفية اخرى في التاريخ. وهذا البرنامج أزلي ابدي، منذ خلق الله الكون، والى ما شاء الله سبحانه.
ما هي مسؤوليتنا؟
وازاء مثل هذا المخطط الاموي المستمر حتى الان ، وفي سياق البرنامج الرسالي الازلي الابدي، ما هي مسؤوليتنا نحن ؟
إن هذه المسؤولية تتمثل - أولا - بالدفاع عن تلك القيم التي دافع عنها الامام الحسين عليه السلام، حيث جاء ليدافع عن الصلاة والصوم والزكاة والحج. أما اذا فصلنا الحسين عليه السلام عن هذه القيم، فسنصبح كأننا نقبل بالنبي صلى الله عليه وآله، ولكننا نتصوره بشكل آخر في اذهاننا، لا كما بعثه الله سبحانه وتعالى. والنبي الذي لا يأمر بالصلاة والصيام والحج ليس نبيا ، ولم يبعثه الله .
وحينما نقرأ زيارة وارث ونقول: "اشهد انك قد أقمت الصلاة وآتيت الزكاة، وأمرت بالمعروف، ونهيت عن المنكر "فهذا الكلام يعني ان الامام الحسين عليه السلام قد جسد هذه القيم، واستشهد من اجلها.
ولو سئلت ان ألخص هدف الامام الحسين في كلمة واحدة ، لقلت: ان هدفه وهدف كل الانبياء والائمة هو القرآن، هذا الكتاب الذي بين أيدينا، والذي هو الثقل الاكبر. فقد ضحى ابو عبد الله الحسين عليه السلام من اجله؛ ولو بقي القرآن غريباً بيننا، لا يتدبر الواحد منا في آياته، ولا يقرأ الآخر تفسيره، ولا يطبقه الثالث على حياته، فسنكون ممن وجهوا السهام الى قلب الحسين المقدس.
وبقيت كلمة هامة؛ فإذا رأينا قناة انحصر عنها الماء، فلا ينبغي ان نسدها، وإذا رأينا صحناً قلَّ فيه الطعام فلا يستحسن ان نهشمه ، واذا رأينا قرآننا لا يطبق لا نمزق رسمه؛ أي لابد ان تبقى قضية الحسين عليه السلام ساخنة في كل مجال، حتى لو كانت مفرغة لبعض الوقت من جلّ مضامينها، لانه سوف يأتي قوم ويملأون هذا الفراغ ، ويحولون هذه القضية الى قضية رائدة .
واقعة كربلاء ثورة مستمرة
ان قضية كربلاء هي اساساً ليست قضية عادية تتكرر، بل هي تشبه بعثة الانبياء، وقضية الطوفان في التاريخ، وسحرة فرعون، وشق البحر لموسى، وما اشبه ذلك من الاحداث الهامة التي لا تتكرر.
وقد اراد الله سبحانه وتعالى ان يضرب بهذه الواقعة المثل الاعلى للظلم من جهة، ولتحدي الظلم من جهة اخرى، لكي لا يدّعي احد من البشر ان الظلم الذي وقع عليه هو ظلم عظيم لا يستطيع تحديه، ولكي لا يتذرع شعب بان النظام الحاكم عليه هو نظام متجبّر قاهر طاغوتي لا يستطيع الوقوف بوجهه.
فلقد كان النظام الذي تسلط على رقاب المسلمين في ذلك اليوم اشدّ قهراً وطغياناً؛ ولكي لا يقول احد انه لا يستطيع ان يعمل من اجل الله تعالى بحجة انه يخشى على امواله فلقد جاء ابو عبد الله الحسين عليه السلام الى كربلاء ومعه صفوة امواله؛ ولكي لا يزعم احد انه يخاف من الثورة لانها سوف تسلبه راحته، فالإمام الحسين عليه السلام اقلقته الثورة حتى انه اندفع من المدينة المنورة الى مكة، ومن مكة الى الكوفة، وفي طريق الكوفة انحرف الى كربلاء.
وبالاضافة الى ذلك؛ لكي لا يقول احد انه يخاف على نفسه من القتل، لأن دمه ليس أزكى من دم ابي عبد الله الحسين عليه السلام سبط رسول الله صلى الله عليه وآله، وسيّد شباب اهل الجنة.
ولكي لا يقول احد انه يخاف على منصبه؛ ومرتبته العالية بين الناس، وان الحكومة سوف تعلن انه رجل ارهابي وجاسوس للأجانب، فسيّدنا وامامنا الحسين عليه السلام ضحّى بعنوانه ومركزه في كربلاء، فشريح القاضي أفتى بحلّية دم الإمام الحسين عليه السلام، كما اننا نعلم انّ رأسه الشريف المبارك طيف به في كل مكان، وكانت المنابر كلها تعلن انّ هذا هو رأس الخارجيّ الذي خرج على الحكومة الشرعية!
ثم لكي لا يقول احد ان نفسه لا تهمّه، ولكنه يخشى على اطفاله، وزوجته، وعرضه، وناموسه من انتهاك السلطات لها، فالإمام الحسين عليه السلام قدم الى كربلاء ومعه كلّ عياله، وفيهم عقيلة بني هاشم تلك المرأة الشريفة المحترمة التي كانت في يوم من الايام أميرة على البلاد الاسلامية، وأختها ام كلثوم، ومجموعة اخرى من الفتيات الهاشميات المخدّرات..، ومع كلّ ذلك فقد أتى ابو عبد الله عليه السلام بكلّ أهل بيته معلناً عن استعداده لأن يعرّضهم للسبي والاسر والسلب في سبيل مرضاة الخالق عز وجل.
ولهذا فان الإمام الحسين عليه السلام قد سلب منّا بثورته الخالدة كلّ الاعذار والتبريرات بعدم الثورة، فلماذا لا نثور، وممّن نخاف، وأيّ نهج يجب ان نتّبعه؟
انّ علينا تحديد منهجنا منذ الآن؛ فأمّا مع الحسين بن علي عليه السلام، واما مع يزيد بن معاوية، وهناك ايضاً منهج وسط يلتقي مع منهج يزيد وهو الطريق الذي سار فيه شريح القاضي حيث ادّعى انه سوف لا يدخل الحرب ضد الحسين عليه السلام ولكنه دخل في النهاية في معسكر يزيد بن معاوية.
علينا ان نتساءل عن سبب حدوث واقعة كربلاء، ليأتينا الجواب بأنّ الله تبارك وتعالى قدّر هذه الواقعة لتكون المثل الاعلى للمؤمنين الرساليين الذين يتّبعون نهج ابي عبد الله الحسين عليه السلام، ولكي لا يبقى اي تبرير او حجة للإنسان في استسلامه للطغاة.
وهكذا فان الإمام الحسين عليه السلام يبقى العنوان والمثل الاعلى للثورة الاسلامية. فعلى الرغم من مرور ما يقرب من الف واربعمائة عام على واقعة كربلاء ولكننا نرى التهابها يزداد في كل عام وكأنها حدثت قبل فترة قصيرة، وخصوصاً في البلدان التي يكثر فيها الموالون لاهل البيت عليهم السلام، ذلك لانّ الحسين عليه السلام هو ثورة خالدة في قلوب المؤمنين الى الابد، وليس باستطاعة أية قوة ان تخمد هذه الثورة. فمنذ زمان هارون العباسي والمتوكل وغيرهم من الطغاة كانت هناك محاولات مستمرة لمنع اقامة العزاء على الإمام الحسين عليه السلام، والوقوف في وجه هذا المد الإسلامي الجارف، ولكن هل استطاعوا ان يفعلوا شيئاً؟
ان واقعة كربلاء هي ثورة مستمرة لا يستطيع احد في العالم ان يخمدها، فهي ثورة منطلقة من الماضي لتصنع المستقبل، ولتخلق واقعاً جديداً، وحياة اخرى.
انّ الشباب الرسالي الواعي لابد ان يدرك ان قضية ابي عبد الله الحسين عليه السلام ليست قضية تاريخية مضت، بل هي ثورة مستمرة هدفها احراق كل عروش الظالمين. فمادام هناك حاكم ظالم جالس على اريكة الحكم فاننا مستمرون في الدفاع عن مبادئ الحسين، وحمل رايته حتى نسقطهم جميعاً.
وهذه الروح الاستمرارية التي اعطتنا إياها قضية كربلاء هي اكبر رأسمال نملكه، فلولاها لكان الطغاة قد منعونا حتى عن الصلاة، ولأدخلوا الكفر والفسوق الى بيوتنا، ولاستعبدونا، ولم يتركونا نتمسك بقيمنا وديننا.
لماذا الإمام الحسين عليه السلام مصباح الهدى
من المعروف أن في جسم الإنسان نظاماً يدافع عنه ويحميه ويحول دون تسرب الجراثيم إليه أو السيطرة عليه، وإذا ما تزعزع هذا النظام في يوم من الأيام فإن الإنسان سيصاب بما يُدعى اليوم بمرض فقدان المناعة (الإيدز) وهو المرض الذي يمنح مختلف الجراثيم القدرة على القضاء على حياة الإنسان.
إن الله تبارك وتعالى حينما خلق ابن آدم، خلق له العين التي يبصر بها واليد التي يبطش بها والرجل التي يسعى بها، وخلق له اجهزة هي الغاية في الدقة والاتقان، وخلق مع ذلك كله سياجاً رصيناً يتمثل في نظام المناعة الذاتية. وكذلك أوجد سبحانه وتعالى نظام الدفاع في داخل الإنسان، حيث زوّده بشبكة بالغة التعقيد من الأعصاب، فترى لكل خلية عصبية طرفين، طرفاً في المخ وآخر مثبتاً في أطراف الجسد، فحتى لو أن نملة- على حقارة حجمها ووزنها- وقفت على إصبع من أصابع رجل الإنسان، فإنه سرعان ما ينكشف أمرها عبر ما يوعز به المخ بسرعته الخيالية، لكي تتحرك اليد -مثلاً- لتطرد هذا الجسم الغريب.
وأوجد عز وجل العين الباصرة ليكون بمقدور صاحبها دفع الخطر عن نفسه ومحيطه، أما من لم يتمتع بالأذن السامعة أو قابلية الشم أو اللمس أو التذوق فإنه سيكون عرضة للهزيمة أو الانهيار أو التضرر على أقل تقدير، لأن نظامه الدفاعي قد حلّ فيه الخلل والنقصان.
وبالإضافة إلى كل ذلك، هناك طاقة إنسانية كبرى يختزنها الإنسان ليستفيد منها في أشد الأوقات حراجة، وهي الإحساس المسبق بالخطر؛ الاحساس الذي يوفر له القدرة على التصدي والتجاوز، هذا فضلاً عن قدرة العقل والتفكير لوضع الخطط واختيار الوسائل للدفاع.
وهذا الواقع نجده ايضاً في المجتمع، حيث يملك -بما آتاه الله- القدرة للدفاع عن نفسه عبر المميزات المادية والروحية والفكرية. ولعل أول عوامل انهيار المجتمع أو الدولة هو الافتقار الى هذه المميزات. فمثلاً إذا كانت هناك دولة من أجمل وأحسن وأرقى الدول، ولكنها تفتقر إلى جيش يدافع عنها أمام الاخطار الخارجية، أو انها تفتقر إلى الجهاز الامني الذي من طبيعته المسارعة في كشف الاخطار، إن مثل هذه الدولة تصاب بالعطب والانهيار غالباً.
وعلى ذلك فإن الصحة والأمان نعمتان لا يمكن الاستعاضة عنهما بأية مميزات أخرى، سواء على الصعيد الخاص أو العام.
فالأمة التي تستطيع الدفاع عن نفسها، حيث تمتلك الشرف والإباء والحماسة وقدرة مقاومة الأخطار، هذه الأمة تبقى أمة شامخة. أما الأمة التي تفتقر إلى نظام دفاعي، أو لا تجد في قاموسها مكاناً لمعاني الشرف والحماسة والرغبة في التصدي، فإنها أمة سرعان ما تنهار وتذوب في مطامح الأمم الاخرى. وفي هذا الصدد، يقول ابن خلدون: (إن الدول إنما تقوم على أساس العصبية)، ومراده من العصبية الغيرة والحمية والشرف والاستعداد الدائم لمقاومة الأعداء والأخطار حتى الموت.
فالأمة التي تملك هذه القيمة، ويعرف أبناؤها أنّ هناك ما هو أغلى من الحياة والعيش لبضعة سنوات يبقى فيها المرء صاغراً، هذه الأمة تبقى ولا تنهار. إن هذه القيمة الإنسانية الراقية عبّر عنها أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام بقوله مخاطباً أصحابه: "فالموت في حياتكم مقهورين والحياة في موتكم قاهرين"، (72) أي أن مصداقية حياة الإنسان لا تتحقق إلاّ بكونه منتصراً، وأن الموت يهيمن على الإنسان بكل ثقله مادام مقهوراً منهزماً وإن حلا له تصور كونه حياً...
لقد عاشت وتعيش أمتنا المسلمة منذ ما يزيد على ألف وأربع مائة سنة متحدية للزمن الصعب، حيث مرت بها حوادث كانت الواحدة منها حرّية بتدمير أي أمة من الأمم الأخرى، ولكن الأمة الإسلامية قاومت وتصدت بفضل ما تملك من نظم دفاع ووقاية. فهل تعرف أن الحروب الصليبية قد استمرت حوالي مائتي عام؛ أي ستة أجيال كاملة، وأن بعض تلكم الحملات كانت تضم ما يزيد على المليون مقاتل صليـبي تجمعوا للاستيلاء على الشرق وبالذات على بقعة صغيرة منه هي بلاد الشام أو فلسطين؟ وهل تعرف أن الحملات التترية على المسلمين قد أبادت مدناً باكملها؟ ولكن الأمة الإسلامية ظلت مقاومة صامدة بفضل تعاليم القرآن، وبفضل الملاحم التاريخية الفذة التي سجلها المسلمون بأحرف من نور، وبفضل القيم التي كرّسها المؤمنون خلال مواقفهم البطولية في الصدر الأول للإسلام، وبفضل ما غرسته ثورة الإمام الحسين عليه السلام في يوم عاشوراء في نفوس المسلمين من قيم وتعاليم وبصائر.
وقد سألني أحدهم -وأنا واقف في عرفة أثناء الحج- عن السبب وراء ما أرّدده على لساني من ذكر الإمام الحسين عليه السلام رغم ان الجميع يعرف أن منادياً ينادي من قبل الله سبحانه وتعالى في يوم عرفة: "انصرفوا مغفورين فقد أرضيتموني ورضيت عنكم"(73) في وقت يراني فيه جالساً أو واقفاً وأنا أقول: "السلام عليك يا أبا عبد الله وعلى الأرواح التي حلّت بفنائك.. ولا جعله الله آخر العهد مني لزيارتكم، السلام على الحسين وعلى عليّ بن الحسين وعلى أولاد الحسين وعلى أصحاب الحسين…" أو يسألني عن سبب بكائي على الحسين في عرفة واهتمامي البالغ في قراءة دعاء الإمام الحسين الذي قرأه هو في يوم عرفة..؟ ولا أجد ما أجيبه سوى القول: بأن كلما نملك فإنما هو من الإمام الحسين عليه السلام، فهو الذي علّمنا كيف ندافع عن أنفسنا في مقابل الطغاة، وأن نعيش أعزةً، وألاّ نموت إلا بعزة، فهذه الشعلة المتقدة فينا قد امتلكناها من الحسين، حيث قال سلام الله عليه: "اني لم اخرج أشراً، ولا بطراً، ولا ظالماً، ولا مفسداً، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر"(74) وهذه رسالة ليس من شأنها أن تكتب بيد عادية، بل كتبت بدم الحسين ودم أبنائه ودم رضيعه سلام الله عليهم اجمعين.
اعطى الذي ملكتْ يداه إلهه حتى الرضيع فِداه كلُّ رضيعِ
لقد تعلمنا من ثورة الإمام الحسين عليه السلام وما قدمه من تضحيات
طالت أعزَّ مالديه، أن الحياة التي كتبها الله سبحانه للإنسان ليست هذه الحياة التي يضطر فيها الواحد منّا إلى الاستجداء أو خدمة الظلمة والخضوع لهم.
وقد استلهم أتباع هذا الإمام العظيم هذا الدرس المقدّس في أرض المقاومة في لبنان، حيث قدحت شرارة الدفاع المقدس في جنوب لبنان، وتمكن الشباب الثائر من إلحاق الهزيمة النكراء بالقوة الصهيونية التي كانت تقف وراءها جيوش سبع عشرة دولة. وقد سطرت المقاومة الإسلامية في لبنان آلاف الملاحم البطولية لتحقيق هذا الإنجاز العظيم، وكان في كل ملحمة من هذه الملاحم ما يهز قلب وفكر الإنسان بما للكلمة من معنى، وذلك لأن شيعة الحسين عليه السلام في الجنوب اللبناني قد فهموا الدرس الحسيني الخالد جيداً، كما أخذوا على أنفسهم أن يتأسوا بسيرة علي الأكبر و القاسم بن الحسن المجتبى، وكيف أنهما -كما يشير التاريخ الموثق لملحمة كربلاء -لم يوليا أهمية للدنيا، لأنهما قد عرفا ما حاق بالدين من خطر ماحق، وما ينتظرهما من حياة أبدية سعيدة إذا ما نهضا بوجه الظلم والطغيان. ومن هنا قال عليٌ الأكبر لأبيه الإمام الحسين عليه السلام بعد أن عرف بأن الحق معهم: "يا أبة لا نبالي بالموت"، (75) ومن هنا أيضاً رأينا كيف إن القاسم بن الحسن لم يأبه بتلك الجموع الظالمة وجلس ليصلح شسع نعله وهو محاصر بين ألسنة النيران ووابل الحجر ووميض السيوف والرماح.
واليوم نجد أن نفس هذه الروح المقدسـة قد انتقلت من المجاهديـن
اللبنانيين لتستقر في ذات الشباب الفلسطينيين الذين يتسابقون فيما بينهم لينالوا شرف الشهادة في سبيل الله، ذلك لأن قصص وملاحم التضحية والفداء قد انتقلت هي الأخرى إليهم.
أما في العراق؛ فأقولها بصراحة: إن نظام صدام لم يدع وسيلة قمع وإفساد إلا واستخدمها، ولو أننا لجأنا إلى الإحصاءات في هذا المجال لوصلنا إلى ارقام نجومية. فقد تمتع صدام بدعم كافة القوى العالمية، وكانت كافة الإمكانات الدولية تحت تصرفه بسبب ما كان يؤديه من خدمات للصليبية والصهيونية العالمية بموقفه المجرم وحربه الشعواء ضد الجمهورية الإسلامية في إيران، ولا يزال الغرب يرى ان من مصلحته التعامل مع صدام كرئيس ضعيف في المنطقة. ولكن مع كل ذلك لايزال الشعب العراقي شعباً مقاوماً، وأبرز دليل على ذلك تمسك هذا الشعب بأصالته الدينية والثورية المتمثلة في إقامة الشعائر الحسينية بمختلف الطرق رغم الحجر والمنع والتخويف والإثارة، زرافات الناس تنهمر انهمار السيل على كربلاء متحدّين موقف السلطة الظالمة ازاء احياء الشعائر الحسينية، ومقاومين لطغيانها وبطشها..
إن ملحمة كربلاء علمتنا وعلمت أبناءنا كيف نحارب في لبنان وفي فلسطين وفي أفغانستان وفي العراق لندافع عن قيمنا وشرفنا، وبهذا صار الامام الحسين عليه السلام مصباح هدى وسفينة نجاة. فأمتنا لابد لها من تجاوز الذات لتحقيق المصالح الكبرى، إذ أن الدفاع عن القيم فوق الذاتيات وفوق المصالح الفردية العقيمة، وعندئذٍ ستتحول أمتنا إلى خير أمة سواء في الدنيا أو الآخرة.
فالله تبارك وتعالىلم يقل: كنتم خير امة أخرجت للناس لأنكم تملكون الثروة أو النفط أو الموقع الاستراتيجي أو لأنكم تمتلكون نظاماً تشريعياً جيداً. كلا؛ فالذي يملك كل ما ذكرناه ولكنه يفتقر إلى قدرة الدفاع عن نفسه، يذهب كل ما يملكه هباءً منثوراً، تماماً كما الإنسان الضخم الجثة ولكنه جبان خائر العزم، لا قيمة له ولا يهابه أحد.
ربنا سبحانه وتعالى يقول: (كُنْتُمْ خَيْرَ اُمَّةٍ اُخْرِجَتْ لِلْنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَر..ِ((آل عمران/110) وهو الأساس في المسألة برمتها.
ولقد قرأنا عبر الروايات التاريخية الخاصة بمقتل الإمام الحسين عليه السلام أن الطاغية يزيد قد أمر بأن يطاف برأس الإمام عليه السلام في مختلف المدن والقرى في البلاد الإسلامية، وأن الرأس الشريف كان إذا ما وضع في موضع من هذه المدينة أو تلك يقرأ قوله سبحانه وتعالى: (أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ ءَايَاتِنَا عَجَباً * إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَآ ءَاتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّءْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَداً * فَضَرَبْنَا عَلَى ءَاذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً * ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَداً * نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَاَهُم بِالْحَقِّ إِنَّهمْ فِتْيَةٌ ءَامَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى * وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضِ لَن نَدْعُوَاْ مِن دُونِهِ إِلَهاً لَقَدْ قُلْنَآ إِذاً شَطَطاً * هَؤُلآءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ ءَالِهَةً لَّوْلاَ يَأْتُونَ عَلَيْهِم بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً * وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ فَأْووا إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِن رَّحْمَتِهِ وَيُهَيّءْ لَكُم مِن أَمْرِكُم مِرْفَقاً ( (الكهف/9-16) وذلك ليبين للناس بأنه يمثل قصة أصحاب الكهف في التاريخ المعاصر؛ أي كما قام الفتية من أصحاب الكهف وانتفضوا وبينوا الحقيقة ودافعوا عن القيم من داخل حالة الظلم، فدافع الله عنهم ونصرهم فغلب دينهم على الدين الآخر، كذلك الإمام الحسين كرر القصة نفسها، لأنه كان قد ملأه الإيمان والتصديق بوعد الله القائل: (فَلَن تَجِد َلِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلاً((فاطر/3).
واليوم نجد أن خط وفكر الإمام الحسين هو الذي ينتصر في كل مكان رغم ارادة الظالمين الذين مارسوا ويمارسون أنواع القمع والديكتاتورية.
نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يتبع نهج الحسين عليه السلام ونهج جده وأبيه المرتضى وأمه الزهراء واخيه المجتبى والأئمة المعصومين من ذريته عليهم الصلاة والسلام، وأن يجعلنا من المدافعين عن الدين والمبادئ، وأن يحيينا حياة محمد وآله ويميتنا ممات محمد وآله، وأن يثبّت لنا قدم صدق مع الحسين وأصحاب الحسين الذين بذلوا مهجهم دون الحسين عليه السلام.
الإمام الحسين عليه السلام يدعوك لنصرته
لقد ردّد السبط الشهيد ابو عبد الله الحسين عليه السلام في كربلاء هذا النداء التاريخي "أما من ناصر ينصرنا"(76)، وكرّره المرّة بعد الاخرى في كل مصيبة هجمت عليه، وخصوصاً في اللحظات الاخيرة من حياته عندما فقد أعزّته وانصاره، بل وحتى طفله الرضيع..
الإمام الحسين إمام كل العصور
ترى من كان يخاطب عليه السلام، هل كان يخاطب أولئك الذين ذبحوا ابناءه، وأهل بيته، وانصاره، أم كان يخاطب اشخاصاً آخرين؟
ان الحسين سيّد الشهداء وإمام المتقين، وقدوة الصالحين، لا في عصره فحسب، وانما دائماً وابداً وعبر العصور المتتالية. فقد كان عليه السلام يخاطب الاجيال، ويخاطبنا، ويخاطب من كان قبلنا، ومن سيأتي من بعدنا، ويخاطب كل ضمير حيّ، وكل قلب معمور بالإيمان.
لقد كان عليه السلام خلاصة الفضائل، وتطبيقاً حيّاً للقرآن، بل والقرآن الناطق، فنصرته عليه السلام لا تقتضي بالضرورة أن نعاصره، ونعيش معه، بل تعني نصرة مبادئه، واهدافه، والقيم التي ثار من أجلها؛ فان لم نستطع ان ننتصر لشخص ابي عبد الله عليه السلام، والفتية من اهل بيته واصحابه وانصاره، فلابد من ان ننصر تلك المبادئ التي ثار من اجلها، وضحّى في سبيلها، ولذلك نجد المؤمنين عندما يقفون أمام الضريح المقدس يردّدون هذا الهتاف القدسي الخالد: "لبيك يا ابا عبد الله" وهم يعنون بهذا النداء انهم إن لم يكونوا حاضرين عند استنصاره، واستغاثته، ولم ينصروه في ذلك اليوم نصرة مادية، فانهم سوف ينتصرون للمبادئ والقيم والرسالة التي من اجلها ضحّى، وفي سبيلها بذل أعزّ ابنائه وانصاره.
ولذلك نجد هؤلاء المؤمنين يكرّرون ايضاً النداء التالي: "فيا ليتني كنت معكم فافوز معكم"، (77) لان هذا التمنّي والرجاء انما هو تعبير عن ذلك الاخلاص الذي نحمله، عن تلك الروح الإيمانية التي نتمنى ان نتحلّى بها، وعن ذلك المبدأ الذي اتخذناه طريقاً ومنهجاً.
هتاف الحسين مازال يدّوي
واليوم وبعد مرور اكثر من أربعة عشر قرناً على ذلك التاريخ، ما يزال هذا الهتاف يدّوي، ويتجلّى في كل يوم، ولقد صدقت المقولة الخالدة: "كل يوم عاشوراء وكل ارض كربلاء". ففي كل يوم تتجلى المعركة بين الحق والباطل، واولئك الذين يريدون ان يفصلوا الواقع عن التاريخ، او ان يجرّدوا التاريخ من سننه وبصائره ورؤاه فهم قشريون لا يريدون ان يتحمّلوا مسؤولياتهم .
معركة الحق والباطل تعيد نفسها
واليوم تتجلى هذه المعركة مرة اخرى في عالمنا الإسلامي فبنوا امية بافكارهم، وعنصرياتهم، وجاهليتهم قد عادوا من جديد. فالذي يدرس تاريخ بني امية، ويبحث في طبيعة ذلك التجمع الذي كان قد احتشد تحت راية ابي سفيان ثم راية معاوية ويزيد، يدرك انهم ليسوا بعيدين عن التجمعات الطاغوتية القائمة في أغلب بلدان عالمنا الإسلامي اليوم. فبنو امية كانوا قد حملوا راية القومية، ونفخوا في العنصريات البائدة، وأعادوا الحياة الى الجاهلية التي قضى عليها الإسلام في الظاهر، والانظمة الطاغوتية القائمة الآن تفعل نفس الشيء، وتتبع ذات الاساليب.
وعلى هذا؛ فمن اراد ان يحيي الجاهلية فلابد من ان يحيي معها ابا سفيان، لان هذا الرجل هو الذي كان يقودها، كما ويعني ان نبعث من جديد معاوية ويزيد لانهما هما اللذان ورثا من ابي سفيان راية الجاهلية.
في حين ان على كل انسان مؤمن أن يتبرء من بني امية وممّن شايعهم، وسار في طريقهم، وأن يلعنهم قائلاً: "ولعن الله بني امية قاطبةً". (78) وهذه الكلمة لا تعني ان بني امية يمثلون عنصراً؛ فالإسلام لا يتبرأ من العنصر، فالله سبحانه وتعالى عندما خلق الإنسان فانه خلقه بحيث لا يكون هناك فرق بين عربي وأعجمي وبين ابيض واسود.. وعلى هذا فانّ لعن بني امية قاطبة يعني لعن منهجهم، واسلوبهم في العمل.
بنو امية يعودون الى الحياة
ان بني امية يعودون الآن الى الحياة بنفس الشعـارات، فان سمعنـا انّ
صداماً -مثلاً- يفتخر في مجالسه بالحجّاج قائلاً: انه أفضل حاكم حكم العراق. فليس هذا شاذاً عن القاعدة، فصدام لا يفتخر بجسم الحجّاج الذي تحوّل الى رميم، وانما لانّه ينهج منهجه، ويؤمن بأفكاره في الحياة. فقد فعل صدام مثل ما فعله الحجّاج من قتل للابرياء، وهتك للحرمات، والاعتداء على شرف النساء. وإنَّ الاعمال والممارسات القمعية التي قام ويقوم بها تشبه الى حد كبير ما قام به عمر بن سعد في كربلاء عندما أمر باحراق خيم نساء اهل البيت عليهم السلام…
انّ المجاهدين الذين يقاومون هذه الممارسات القمعية يدفعوننا الى إكبارهم، وإكبار ذلك الدين والمبدأ الذي يربّي مثل هؤلاء الابطال، وإلى ازدياد ايماننا بصدق رسالات الله عز وجل وتعاليمه، وكيف ان هذه التعاليم تخرّج مثل هؤلاء المجاهدين المضحّين الذين يقفون في هذه القمة السامقة.
الصراع ما يزال متجدّداً
وبعد؛ فهذا هو الصراع الحقيقي المتجدد دائماً بين الحزب الاموي الجديد والجاهلية الجهلاء وبين انصار ابي عبد الله الحسين عليه السلام؛ فهتافه عليه السلام ما يزال يدوي في كل أُذنٍ واعية، ولكن هناك آذان صمّاء لا تسمع، ونحن لا نوجّه خطابنا الى مثل هؤلاء، بل الى اولئك الذين يمتلكون الآذان الواعية السميعة التي تلتقط صوت ابي عبد الله عليه السلام، هذا الصوت الذي يخترق القرون ليصل الى مسامعنا ومسامع الدهر قائلاً: "أما من ناصرٍ ينصرنا". انها استغاثة من إمام ثار، ولكن لا لنفسه، وانما لدين الله وحرماته وحدوده.
نحن ومحّرم
ان أيام محرم تأتي في كل عام ولكن هل من الصحيح ان ندعها تأتي وتذهب دون ان نستغلّها الاستغلال الأمثل؟ بل وانني اخشى أن يكون هناك بعض ممّن يشتركون في المجالس الحسينية، ويذرفون الدموع ولكنهم في نفس الوقت يشتركون باعمالهم في قتل الإمام الحسين عليه السلام وزيادة مصائبه ومآسيه، كذلك الرجل الذي بادر بعد حرق الخيام الى نهب وسلب حلي بنات ابي عبد الله عليه السلام. حيث"روي عن عبد الله بن الحسن عن امه فاطمة بنت الحسين عليه السلام قال: دخلت العامة علينا الفسطاط وأنا جارية صغيرة وفي رجلي خلخالان من ذهب فجعل رجل يفضّ الخلخالين من رجلي وهو يبكي فقلت: ما يبكيك يا عدو الله؟ فقال: كيف لا أبكي وأنا أسلب ابنة رسول الله فقلت: لا تسلبني، قال: أخاف أن يجيء غيري فيأخذه!". (79)
وهكذا فان هناك من يشترك في مجالس ابي عبد الله الحسين عليه السلام ولكنه في نفس الوقت يساهم في دعم السلطات الظالمة وتأييدها، ويمتنع عن تقديم يد العون والنصرة الى المجاهدين السائرين في خط الإمام الحسين عليه السلام، وانا اخشى ان يكون مصير هؤلاء كمصير اولئك.
اننا اذا سمعنا أصوات استغاثة ابي عبد الله الحسين عليه السلام ثم لم نستجب لها فاننا سنُحشر مع اهل الكوفة الذين قاتلوا الإمام الحسين عليه السلام، وكان بعضهم من شيعته وشيعة ابيه عليه السلام. اذن فالتشيّع بدون ارادة وتضحية وعطاء هو نوع من النفاق الاسود.
شهر محرم منعطف خطير
اننا لابد ان نحوّل شهر محرم في كل عام الى منعطف خطير هام، والى قفزة في مسيرة العمل الجهادي ضد الطغاة. فلو أُسقط هؤلاء الطغاة بحول الله تعالى وقوّته، وبجهاد المجاهدين، فانّ آفاقاً جديدة سوف تفتح أمام الامة ، اما اذا بقي هؤلاء الطغاة فانّ ليالي حالكة ستكون في انتظار المسلمين، لان الصراع قد بلغ الآن ذروته ولا يمكن التراجع عنه.
ان كل واحد منا عليه ان يتحول الى جهاز اعلامي، وأن نكون جدّيين في إبعاد الكسل والضجر والتواني عن انفسنا. فلنكن حازمين، ولنتجاوز عقبات هذا الطريق. فمن يريد ان ينصر ابا عبد الله الحسين عليه السلام، فان عليه ان لا يكون جباناً كسولاً ضجراً، وان لايدع عقبة تقف امامه، وان يكون جدّياً في عمله.
ان امامنا فرصة شهر محرم الحرام في كل عام، فلنجرّب انفسنا، ولنجرّب ارادتنا، ولنتوكل على الله، سبحانه وتعالى، فهو القائل وقوله الحق: (وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْـرِهِ( (الطلاق/3)، والله لابد أن ينصرنا شريطة ان ننصره بكلّ ما نمتلك من قوة.
فلنحوّل شهر محرم الحرام الى أيام كلّها عمل وجهاد لكي نحوّل المجتمـع الى مجتمع ملتهب ثورة وحماساً في سبيل القضايا التي تعيشها الأمة. وللاسف فانّ البعض يحمل هذه الفكرة الخاطئة وهي انه يستصغر نفسه، ويستهين بالدور الذي من الممكن ان يقدّمه فيقول: من انا، وماذا يمكن ان اقدّم للقضية، ومن يقول انني لو عملت فانّ الله سوف ينصر امتي؟
في حين ان من الواجب عليه ان يقوم بدوره، وليس عليه نتيجة هذا الدور، فإنكار المنكر واجب بالقلب، واللسان، والمال، واليد، والنفس، وبكل وسيلة شرعية اخرى.
فإذا تملّص كل واحد منا من المسؤولية، وانسحبنا من الساحة لم يبق في الميدان احد. فكثيراً ما تكون مشاركتك انت شخصياً في العمل مكملة لشروط الانتصار، فان كان للانتصار شرط وهو اجتماع مليون انسان وكنت انت تكمل هذا الرقم ثم تأخّرت وانهزم الجانب الاسلامي فانّك ستكون مسؤولاً في هذه الحالة لانّك كنت تستطيع ان تقدّم النصرة والعون، وان تجعل النصر حليف الجانب الاسلامي ولكن لم تفعل.
فلماذا التواكل، ولماذا نخضع للوساوس الشيطانية ولهوى النفس، ولماذا ننسى مبادئنا عند العمل.. فرغم انّ المبادئ راسخة كلها في بالنا، ولكننا عند العمل نتجاهلها ونتناساها، في حين ان امير المؤمنين عليه السلام يقول في هذا الصدد: "لا تجعلوا علمكم جهلاً، ويقينكم شكّاً، اذا علمتم فاعملوا، وإذا تيقنتم فأقدموا". (80) فالإقدام مهم، فالى متى الانتظار البارد؟
ماذا نقـدّم ؟
وربما يسأل البعض في هذا المجال: ماذا عسانا ان نقدم؟ انك تستطيع ان تقوم باعمال كثيرة؛ ان تحرّك لسانك، ويدك، وان تتبرّع في سبيل القضية، علماً بأنّ التبرّع ليس بكمّية المبلغ الذي تدفعه ولكن بمقدار حبّك لهذا المال وانتزاع هذا الحب من نفسك كما يقول تعالى: (لَن تَنَالُوا البِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ( (آل عمران/92).
وفي هذا المجال يُروى ان النبي صلى الله عليه وآله صنع للزهراء عليها السلام قميصاً جديداً ليلة عرسها وزفافها، وكان لها قميص مرقوع، وإذا بسائل على الباب يقول: أطلب من بيت النبوة قميصاً خلقاً فأرادت أن تدفع اليه القميص المرقوع فتذكرت قوله تعالى: (لَن تَنَالُوا البِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ( فدفعت له الجديد، فلما قرب الزفاف نزل جبرئيل وقال: يا محمد ان الله يقرئك السلام وأمرني ان أسلّم على فاطمة وقد أرسل لها معي هدية من ثياب الجنة من السندس الأخضر. (81)
بين القول والفعــل
وهكذا فكلما كان قلب الإنسان متعلّقاً بشيء كلما كانت علاقتة النفسية به شديدة، وكلما استطاع هذا الإنسان تحدّي هذه العلاقة كان ثوابه عظيماً، وخصوصاً العلماء وبالاخص طلبة العلوم الدينية والمبلّغين. فليس من الصحيح ان يدعوا الناس الى الانفاق في حين انهم لا ينفقون بشكل عملي كما يقول تعالى: (أتَأْمُرُونَ الْنَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ((البقرة/44)، وكما يقول الإمام علي عليه السلام: "ما أحثكم على طاعةٍ إلاّ وأسبقكم إليها". (82)
ونحن لو تعمّقنا في الآية السابقة، وخشعنا لها، لتبيّن لنا قبح وبشاعة ان يدعو الانسان الناس الى سلوك هو لا يتحلّى به، كما يقول عز من قائل: (كَبُرَ مَقْتاً عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لاَ تَفْعَلُونَ( (الصف/3). فالله عز وجل يمقت، ويحتقر ذلك الانسان الذي يدعو الى البر ثم لا يبادر اليه من خلال العمل، والانفاق، والجهاد.
فلنكن – اذن - كما كان الامام الحسين عليه السلام، واهل بيته، واصحابه الاوفياء، لنكن عند اقوالنا، وادعاءاتنا، ولنكن حسينيين في سلوكنا، وتصرّفاتنا، ومواقفنا، فيكون بامكاننا خدمة رسالتنا الاسلامية، الخدمة الافضل والامثل.
أين نحن من ولاية الإمام الحسين عليه السلام
(وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِاَيَاتِنَا يُوقِنُونَ( (السجدةِ/24)
تحت لهيب اشعة الشمس، في طرف الصحراء، حيث الرمال الحارقة، في ظهيرة يوم عرفة في وادي عرفات، وعند يسار جبل الرحمة، وعندما احتشدت وفود الرحمن إلى تلك الأرض المباركة، حيث الرحمة الإلهية الشاملة، في تلك الزاوية وقف السبط الشهيد الإمام أبو عبد الله الحسين عليه السلام، ودموعه تجري وعيناه كأنّهما عينان نضّاختان، وحوله تلك الثلّة المؤمنة المباركة من أولي البصائر، هم بدورهم كانت دموعهم تجري، رافعين أيديهم إلى السماء؛ ضارعين يجأرون إلى ربّهم، وصوت الإمام الحسين الشجيّ الزاخر بكل ألوان العرفان والتعبّد والتوسّل، ذلك الصوت كان يدوّي في تلك الصحراء:
"إلهي أنا الفقيرُ في غِنايَ فكيف لا أكونُ فقيراً في فقري، إلهي أنا الجاهلُ في علميِ، فكيف لا أكونُ جهولاً في جهلي، إلهي إنَّ اختلافَ تدبيِركَ وسرعةَ طواءِ مقاديرِكَ منعا عبادَكَ العارفينَ بك عَنِ السُّكونِ إلى عطاءٍ واليأسِ منكَ في بلاءٍ، إلهي منّي ما يَليقَ بلؤُمي، ومنك ما يليقُ بكرمك، إلهي وصَفْتَ نفسكَ باللطفِ والرأفة لي قبل وجودِ ضَعفي، أفتمنعُني منُهما بعد وَجودِ ضَعفي، إلهي إن ظَهَرتِ المحاسنُ منّي فبفضلكَ ولك المِنّةُ عليَّ؛ وإنْ ظهرت المساوئ منّي فبعدلِكَ ولك الحجّةُ عليَّ، إلهي كيف تَكِلُني وقد تكفّلتَ لي، وكيف أُضامُ وأنت الناصرُ لي، أم كيف أخيبُ وأنت الحفيُّ بي…" (83)
وفي عشيّة يوم تاسوعاء؛ حينما زحف الجيش الأموي الظالم على مخيم الإمام أبي عبد الله عليه السلام، وبلغ ذلك الإمام، طلب إلى أخيه أبي الفضل العباس عليه السلام أن يسأل العدو المهلة حتى يجدّد وأصحابه رضوان الله عليهم أجمعين العهد بالقرآن الكريم ويقضوا ليلتهم الأخيرة بإقامة الصلاة وقراءة الدعاء.
وقد وصف الأعداء- قبل الأصدقاء- أنّهم كانوا يسمعون من مخيم الإمام الحسين وأصحابه دويّاً كدوّي النحل من شدّة التضرع والعبادة والدعاء.
وحتى خلال اللّحظات الأخيرة؛ حيث كان نزف الدم قد أخذ من الإمام الحسين عليه السلام كلّ مأخذ، لم يغفل سيّد الشهداء عن ذكر الله طرفة عين، فقال إذ ذاك:
" صبراً على قضائك يا رب لا إله سواك ". (84)
من هو الإمام الحسين عليه السلام؟
هذا هو الإمام الحسين عليه السلام… فجوهره المقدّس كان عرفانه بالله، وكان وجدانه حبّ الله، فقد كان عليه السلام يألف الصلاة والقرآن ويستأنس بهما، وكان يرى نفسه بين أصابع الرحمن، كان كلُّه عرفاناً وتقوىً وحبّاً عميقاً لربّ العزّة..
وفي إطار تعرّفنا على الإمام الحسين عليه السلام نجد أنفسنا مضطرّين إلى التركيز على تلك اللحظة الحاسمة من حياته الشريفة، وأقصد بها لحظة عاشوراء، وهي اللحظة التي كانت تعبيراً متكاملاً عن كلّ قيم السماء وعن تأريخ جميع الأنبياء، كما كانت تعبيراً عن وراثة سيّد الشهداء لصفوة الله آدم، ولشيخ المرسلين نوح، ولمحطّم الأصنام إبراهيم، ولكليم الله موسى، ولروح الله عيسى، ولسيد الأنبياء محمد صلى الله عليه وآله وسلّم.
إنّ يوم عاشوراء كان كيوم القيامة، كألف سنةٍ ممّا تعدّون؛ بل وأكثر من ذلك بكثير.. ولذلك يقف الزائر للقبر الشريف قائلاً: "السلام عليك يا وارث آدم صفوة الله…" حتى ينتهي إلى النصّ الشريف من الزيارة المتواترة: السلام عليك يا وارث عليٍّ وليّ الله.." (85)
لقد ولد الإمام الحسين عليه السلام ولادتين، كانت الأولى في الثالث من شعبان، وكانت الولادة الثانية في يوم عاشوراء، وهو في كلا الولادتين وُلد ووُلد معه الإسلام. فحينما قال النبي صلى الله عليه وآله: "حسين مني وأنا من حسين، أحبّ الله من أحبّ حسيناً"، (86) فالقضية تعني بالدرجة الأولى قصد النبي صلى الله عليه وآله إلى توجيه الأمّة إلى منـزلة الإمام الحسين من الدين والعقيدة التي تمثلها شخصية الرسول الأكرم، ثمّ يأتي تبعاً لذلك قصد النبي تبيين صلة القرابة التي تربطه بالحسين.
فالإمام الحسين عليه السلام هو باب الله، وهو وسيلة الرحمة الإلهية، وهو الصراط المستقيم الذي ندعوا الله يومياً أن يهدينا إليه.
فأن تعرف الإمام الحسين بانّه ابن أمير المؤمنين الإمام عليّ وابن سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء وأنّه سبط الرسول وشهيد كربلاء وغريب الغرباء، فتلك معرفة جيدة، ولكنها لا تقع في الدرجة الأولى من درجات المعرفة. فمن أراد السموّ إلى الدرجات العلى والثواب الأكبر، فعليه أن يعرف الإمام الحسين عليه السلام حقّ المعرفة، وقد ورد بسندٍ معتبر عن بشير الدهّان قال: قلت للصادق صلوات الله وسلامه عليه: ربما فاتني الحج فأعرف عند قبر الحسين عليه السلام قال: أحسنت يا بشير أيّما مؤمن أتى قبر الحسين صلوات الله عليه عارفاً بحقه في غير يوم عيد كتب له عشرون حجة وعشرون عمرة مبرورات متقبلات وعشرون غزوة مع نبيٍّ مرسل وامام عادل ومن أتاه في يوم عرفة عارفاً بحقه كتب له ألف حجة وألف عمره مبرورات متقبلات وألف غزوة مع نبي مرسل وإمام عادل... (87) الى غير ذلك من الثواب والدرجة.
التقوى والورع شرط الولاية
إنّ من يريد الوصول إلى الهدف المنشود فعليه أن يبحث ويسير وفق الطريق الصحيح، وحتى الرغبة في الوصول إلى أهل البيت عليهم الصلاة والسلام بحاجة إلى تحديد الطريق الصحيح من الطريق المنحرف.
وبـين هذا وذاك؛ نجد -وللأسف الشديد- من يمنّي نفسه بالفوز بمرضاة الله رغم ارتكابه أنواع الكبائر، تحت طائلة أنّه يحب أهل البيت، شأنه في ذلك شأن فرقة المرجئة التي أسسها أو قوّمها بنو أميّة في إطار مساعيهم الشيطانية لإخماد حركة المجتمع نحو الحق والحريّة، فقد كانت تلك الفرقة تعتقد بأنّ التفوّه بالشهادتين والاعتقاد برسالة النبيّ وأداء بعض التكاليف كفيل بضمان الجنّة حتى وإن تخلّل ذلك ارتكاب الكبائر والموبقات من الذنوب، وتستدل تلك الفرقة على ما ذهبت إليه ببعض الآيات والشبهات.
ولكنّ الأئمّة المعصومين عليهم الصلاة والسلام - في مقابل ذلك- عارضوا هذه العقيدة التي سيطرت آنذاك على عقول كثير من المسلمين، عارضوها بكل قوّة، وعملوا دون تمييع الحدود التي رسمها الله سبحانه وتعالى بين المؤمنين وغير المؤمنين، فقالوا مراراً وتكراراً، وبشكل أو بآخر بأنّ الإيمان قول وعمل، وأكدوا بأن الإيمان عمل كلّه والقول منه؛ بمعنى أنّ القول وإعلان الإيمان ليس إلاّ عملاً واحداً من جملة أعمال الإيمان، وقالوا أيضاً إنّ مرتكب الكبيرة لدى ارتكابه المعصية يبتعد عن روح الإيمان، وأيّة قيمة للإيمان من الممكن بقاؤها مع إنسان لا يجد في نفسه مانعاً يمنعه عن ارتكاب الكبائر من الكذب والفجور والظلم وقتل الآخرين، بل وما فائدة الإيمان؟ ولماذا -إذن- خلق الله عزّ وجلّ النار ورسم العدالة؟!
إنّ بعض الناس الذين يدّعون الإيمان وحبّ وموالاة أهل البيت ولكنهم في الوقت ذاته تتّحد عقيدتهم مع عقيدة المرجئة، فيقولون: بعدم التناقض بين الإيمان والظلم أو الفجور أو التقاعس عن أداء التكاليف الدينية، إنّ هؤلاء ينبغي أن يعرفوا بأنّ الولاية لأهل البيت عليهم السلام قضية أساسية من قضايا الرسالة الإلهية، ومن لا يتّبع تعاليم أهل البيت حريٌّ به أن تسلب منه هذه الولاية، لأنّ الله سبحانه وتعالى يقول في كتابه الكريم: (ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَآءُوا السُّوأَى أَن كَذَّبُوا بِاَيَاتِ اللَّهِ((الروم/10).
والتكذيب بآيات الله من الممكن أن يأخذ صبغة عملية عبر ارتكاب المآثم والموبقات والكبائر وهجر التكاليف الشرعية، كما قد يأخذ التكذيب بآيات الله صبغة مباشرة عبر عدم الاعتراف بها والكفر بها جهاراً.
فالذي لا يطيع أوامر الله والرسول وخلفائه الأئمة من بعده من شأنه أن يموت كافراً، ومن شأنه أيضاً أن يحرم من ولاية الله والرسول والأئمة، وذلك هو الخسران المبين.
ولقد كرّر الإمام أبو عبد الله جعفر الصادق عليه السلام قوله لشيعته: "أبلغ (الراوي) موالينا عنا السلام وأخبرهم أنّا لا نغني عنهم من الله شيئاً إلاّ بعمل، وانهم لن ينالوا ولايتنا إلاّ بعمل أو ورع...". (88)
فمن يقل بأنّه موالٍ للأئمة ويعيش بين الموالين هو الآخر معرّض إلى الانزلاق نحو المفاسد، ومن ثمّ سيتبيّن له الخطل فيما ادّعاه، وذلك لأنّ الأئمة أنفسهم لا يعترفون بتشيّع إنسان ما لهم ما لم يتبعهم بما أمروه به ونهوه عنه.
وإنّها لخطيئة كبرى وخسارة عظمى أن يتصور الإنسان أن موالاة أهل البيت عليهم السلام مجرّد المحبة وإحياء الذكرى، لانّ الولاية بمعناها الكامل والصحيح هي طاعة الله وطاعة رسوله والاعتراف بحقّ آل البيت والسير على نهجهم الذي لم ولن يختلف أبداً عن تعاليم القرآن.
ومن نماذج النقص في الولاية للأئمة عليهم السلام أن نرى البعض منهمكاً في التحدّث عن فضائلهم ومناقبهم وتأريخهم، ولكنّه في الوقت ذاته يقصّر في التعرف إلى الحكمة الإلهية من وجود الأئمّة أو تنصيبهم زعماء للدين من دون الناس، ويقصّر أيضاً في معرفة فقههم ومعارفهم الإلهية. فتراه - تبعاً لذلك- يجادل في كل صغيرة وكبيرة، مجادلةً تنبع من عدم التسليم لآراء الأئمّة، مع علمه واعترافه بعصمتهم ومنزلتهم من القرآن والرسول.
فمن قال بإمامة الحسين ابن علي عليهما السلام وسائر الأئمة المعصومين يتوجّب عليه اتّباع كلماتهم، فلا يجهلها أو يتجاهلها أو يفسّرها حسب هواه وأغراضه. ومن جملة ما يروى في هذا الإطار أنّ الإمام الصادق عليه السلام سأل رجلاً من أتباعه – ولعله فضيل بن يسار- قائلاً: كيف تسليمك لنا يا فضيل؟ فأجاب: يا ابن رسول الله لو أخذتَ تفّاحة وقسمتها قسمين وقلْت هذا القسم حلال وهذا حرام فأنا لا أقول لماذا؛ بل أقول: سلّمت. وكان من قبله سلمان المحمدي، حيث أُثر عنه أنّه كان يقتفي أثر أمير المؤمنين عليه السلام فيضع قدمه في موضع قدم الإمام، فهو كان يرغب بالتعبير عن اتّباعه وتسليمه لأمير المؤمنين حتّى في هذا المجال وبهذه الطريقة…
آفاق الولاية
بعد أن نتجاوز خطيئة المرجئة وقشرية السلفية بالنسبة لأهل البيت عليهم السلام، وبعد أن نتوجّه إلى العمق، أقول كلمة، واعتقد بانّها مهمّة للغاية وهي: أنّ الإنسان حينما يحب ويتبع الأئمة، يجب أن تتنامى في قلبه محبّة أولياء ومحبّي الأئمّة، إذ لا يجوز العيش في رحاب أهل البيت مع رفض أوليائهم ومحبّيهم، ويتبع ذلك عدم صحّة البحث عن المعاذير لذلك الرفض أو الطرد أو الكره.
ويروى في هذا المجال عن محمد بن علي الصوفي قال: استأذن ابراهيم الجمّال رضي الله عنه على أبي الحسن عليّ بن يقطين الوزير فحجبه، فحجّ عليُّ بن يقطين في تلك السنة فاستأذن بالمدينة على مولانا موسى بن جعفر فحجبه، فرآه ثاني يومه فقال عليُّ بن يقطين: يا سيدي ما ذنبي؟ فقال: حجبتك لأنك حجبت أخاك إبراهيم الجمّال وقد أبى الله أن يشكر سعيك أو يغفر لك إبراهيم الجمّال، فقلت: سيدي ومولاي من لي بابراهيم الجمّال في هذا الوقت وأنا بالمدينة وهو بالكوفة؟ فقال: إذا كان الليل فامض الى البقيع وحدك من غير أن يعلم بك أحد من أصحابك وغلمانك واركب نجيباً هناك مسرّجاً قال: فوافى البقيع وركب النجيب ولم يلبث أن أناخه على باب ابراهيم الجمّال بالكوفة فقرع الباب وقال: أنا عليُّ بن يقطين. فقال إبراهيم الجمّال من داخل الدار: وما يعمل عليُّ بن يقطين الوزير ببابي؟!
فقال عليُّ بن يقطين: يا هذا إنَّ أمري عظيم وآلى عليه أن يأذن له، فلمّا دخل قال: يا إبراهيم إنَّ المولى عليه السلام أبى أن يقبلني أو تغفر لي، فقال: يغفر الله لك فآلى عليُّ بن يقطين على إبراهيم الجمّال أن يطأ خدّه فامتنع إبراهيم من ذلك فآلى عليه ثانياً ففعل، فلم يزل إبراهيم يطأ خدّه وعليُّ بن يقطين يقول: اللهم اشهد، ثمَّ انصرف وركب النجيب وأناخه من ليلته بباب المولى موسى بن جعفر عليه السلام بالمدينة فأذن له ودخل عليه فقبله". (89)
إذن؛ فالقضية حادّة ومهمّة للغاية، لا سيما وأنّ الشيطان قد أكثر من مزالقه ومهاويـه ليوقع بها بين الناس، لذلك نرى البعض يكيل التهـم والأكاذيب للعلماء والكتّاب والمجاهدين العاملين وبأعصاب باردة، غافلاً أو متغافلاً عن أن ما يجترحه بلسانه من غيبة أو إشاعة للفحشاء أو قول بغير حقٍّ أو افتراء على شيعة أهل البيت من شأنه أن يبعده عن أهل البيت فيلقيه على رأسه في جهنم.
مسؤولياتنا تجاه الولاية
من الممكن أن نعبر عن مسؤوليتنا تجاه الولاية لأهل البيت عليهم السلام بعدة أبعاد ونقاط، وهي:
1- أن نعرف أهل البيت حقّ المعرفة، فنعرف مقامهم ومنزلتهم وأنّهم خلفاء الله في الأرض وأنهم أسمائه الحسنى… ونستطيع ذلك من خلال الأدعية والزيارات المأثورة، فلنكن على تواصل دائم معهم عبر قراءة الزيارات الشريفة الواردة بحقهم، من قبيل زيارة عاشوراء، ولنعوّد أنفسنا على زيارة أضرحة الأئمة وأولادهم ما أمكن.
2- معرفة كلماتهم وعليه؛ فإنّ القراءة الواعية للكتب التي احتوت آثارهم؛ مثل نهج البلاغة والصحيفة السجّادية وتحف العقول، لها الأثر الأكبر في تعميق المعرفة بسنّة أهل البيت صلوات الله عليهم.
3- معرفة مسيرتهم العملية والاقتداء بها، ولذلك كان لزاماً علينا البحث عن الكتب والمقالات والمحاضرات الخاصّة بهذا الشأن.
4- الاتّباع والاقتداء بهم
5- الدفاع عنهم، فربّنا العلي القدير يقول: (يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ( ونصرة الله تكون عبر نصرة دينه، وإنّ أوّل من يمثل الدين هو الرسول وسيرته وأهل بيته وسيرتهم ومبادئهم. وهذا يعني الذبّ عن شخصياتهم المقدسة ما امكن، فلندافع عن أئمتنا بالعمل الصالح وإنشاء المشاريع وكتابة الكتب وغير ذلك.
6- محبّة أولياء آل الرسول وحمايتهم والدفاع عنهم، وليكن الشعار الأوّل في هذا المضمار ما نقرأه في زيارة المعصومين، حيث جاء: "اِنّي سِلْمٌ لِمَن سالمكم وحربٌ لمن حاربكم ووليٌّ لمن والاكم وعدوٌ لمن عاداكم". (90)
نسأل الله سبحانه أن يجعلنا من المنتصرين لدينه، وأن لا يستبدل بنا غيرنا، وأن يجعلنا مع الحسين عليه السلام فنواليه ونتّبعه ونعرفه وندافع عنه. وندعوه تبارك وتعالى أن يرفع الضيم عن أتباع أهل البيت أينما كانوا، وأن يجعل كلمتهم هي العليا، وكلمة أعدائهم السفلى، إنّه وليّ التوفيق.
الشعائر الحسينية اسلوباً ومحتوىً
ترى لماذا نحيي في كل عام شعائر الاسلام في ذكرى استشهاد ابي عبد الله الحسين عليه السلام، ولماذا تتجدد هذه الذكرى مع مرور السنين، وتتسع في كل عام ، وتنتشر عبر آفاق جديدة؟
هذا السؤال ليس سؤالاً فقهياً أو علمياً محضاً، بل هو سؤال واقعي يعيشه كل انسان مسلم، وللاجابة عليه نقول: ان هذه الواقعة يعيشها كل قلب، وكل فطرة، وكل نفس بشرية.
وقد طرح عليّ هذا التساؤل اثنان من المستشرقين الالمان قائلين: لماذا يتغيّر كل شيء عندكم ايها الشيعة اذا اقترب هلال محرم لا بضغط من حكومة، ولا بمال من غني ، ولا بإعلام قوي، بل بشكل عفوي في حين انكم تعتقدون بقول نبيكم صلى الله عليه وآله: "مداد العلماء خير من دماء الشهداء"، فلماذا ترفعون راية الحسين بينما يقرّر رسولكم ان مداد العلماء خير من دماء الشهداء؟
سر خلود الثورة الحسينية
وعندما أجبتهما على هذا السؤال قلت لهما: أولاً: إنّ الحسين عليه السلام ليس شخصاً، بل هو قضية، وقيمة، ومدرسة، ومنهج، ومسيرة. فهو عليه السلام كالنبي ابراهيم الذي كان يمثّل امة، وكان حنيفاً مسلماً ولم يكن من المشركين، ولذلك فان جميع اتباع الديانات السماوية يقدّسون هذا الرجل لانه جسّد قيمة التوحيد، ورفع راية (لا اله الا الله)، فتحول الى قيمة، ولذلك قرّر القرآن الكريم انه كان امة ، واستجاب له الله سبحانه وتعالى عندما قال: (وَاجْعَل لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الاَخِرِينَ( (الشعراء/84).
وكما انّ ابراهيم عليه السلام جسّد قيمة، فانّ الحسين عليه السلام قد جسّد قيمة هو الآخر؛ فقد استشهد في سبيل العدل والحق، ومن اجل الدين والحرية. ومن المعلوم ان هذه القيم ثابتة، فلا يمكن أن يأتي زمان لا نحتاج فيه الى الدين والعدالة والحرية. فالحق هو فلسفة الحياة، بل هو الحياة نفسها وبدونه لا يمكن ان تستمر، وكما انّ قيمة الدين، والعدالة، والحرية، والحق وسائر القيم المقدسة مستمرة، فان قضية الامام الحسين عليه السلام مستمرة هي الاخرى.
وفي القسم الثاني من الاجابة قلت لذينك المستشرقين: اننا نعيش اليوم تحت راية ابي عبد الله الحسين عليه السلام، ونحن -اتباع اهل البيت عليهم السلام- لا يمكن ان نعيش بدونه، لأن العيش بدونه يعني العيش بدون قيم، وبدون دين واستقلال.
أهمية المواكب الحسينية
ونحن كنا ومازلنا نقيم المواكب الحسينية في كل عام، ففي ايام الاربعين يتقاطر الشيعة على مدينة كربلاء لتتحوّل الى موكب حسيني كبير، وهذه المواكب هي الناطقة عن قضية الامام الحسين عليه السلام، وقضايا الشيعة في العالم الاسلامي، فعلى سبيل المثال اعدم قبل خمسة واربعين عاماً مسلم ايراني بسيف آل سعود ظلماً وعدواناً، وفي تلك السنة حملت جميع المواكب الحسينية التي وفدت الى كربلاء راية هذا الرجل، وبعد فترة كان النظام البائد في ايران يضطهد العلماء فكانت المواكب الحسينية في العراق تنادي بالدفاع عن علماء ايران، وبعد فترة اخرى حدثت مجزرة ضد الشيعة في لبنان فما كان من المواكب الشيعية في العراق إلا أن نادت بالدفاع عن الشيعة في لبنان.
وانا اوجّه كلامي هنا الى اولئك الذين يلوموننا على بكائنا في يوم عاشوراء فأقول لهم: اننا نبكي بكاء الابطال، ولكي نصبح حسينيين. فمثل هذه الشعائر هي التي حافظت على الاسلام، بلى هي التي حافظت علينا -نحن الشيعة- على مرّ التاريخ رغم كثافة المشاكل المحيطة بنا.
وهكذا فان ثورة الامام الحسين عليه السلام كانت قضية فاصبحت قيمة، وكانت واقعة فتحولت الى راية. وكل انسان في هذا العالم يريد ان يدافع عن قيمه، وقضيته، وظلامته، لابد ان ينضوي تحت هذه الراية المقدسة.
الشعائر الحسينية والأنظمة الطاغوتية
وقد ادركت الحكومة الطاغوتية عمق هذه الشعائر، ولذلك فانها عمدت وتعمد الى محاربة الشعائر الدينية للشيعة، فهي تريد -في الحقيقة- ان تعزل الشيعة عن تأريخهم، ففي كل عام تهتدي الآلاف المؤلفة من البشر بفضل الحسين عليه السلام، ولذلك فان الحكومات تحرص على محاربة هذه المجالس التي يجب أن نحافظ عليها بأي شكل من الاشكال لكي تستمر المسيرة والنهضة، ذلك لان ّالامام الحسين عليه السلام استشهد، وباستشهاده في كربلاء اثبت ان الظلامة التي ارتكبت بحق اهل البيت عليهم السلام كانت حقيقية.
تعظيم شعائر الله
وهكذا فان الشعائر باقيـة ومستمرة، فالله سبحانه وتعالى يقـول: (وَمَن يُعَظِّمْ شَعَآئِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ( (الحج/ 32) .
وهنا اريد ان اتوقف عند كلمتين في تفسير هذه الآية الكريمة المقتطفة من سورة الحج؛ الكلمة الاولى هي (الشعائر) التي هي جمع شعيرة، وهي كل عمل يشعرك بشيء. فقد كانوا يأتون بالابل الى مكة المكرمة بعد ان يشعروها (اي يلطّخوها بشيء من الدم) أو يقلّدوها بشيء يشعر انّها قرابين في سبيل الله تعالى، لكي يتجمّع عليها الفقراء والمساكين وينالوا نصيبهم منها، والقرآن الكريم يصف هذا العمل بقوله تعالى: (مِن شَعَآئِرِ اللَّه ((الحج/36)؛ أي ان هذه القرابين خالصة لله سبحانه ولا شأن لأحد بها.
وعلى هذا فانّ الشعائر تنطبق على كل ما يعظّمه الانسان شريطة ان لا يكون حراماً.
ويحذّر القرآن الكريم في قوله تعالى: (ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَآئِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ( من ان تفرغ الشعيرة من محتواها، لانها يجب ان ترسّخ التقوى -التي هي الكلمة الثانية التي نريد التحدث عنها- في النفس. فيجب ان نخلص النية في أدائها تماماً كالصلاة التي تكون باطلة اذا ما انعدمت منها النية، لان النية هي اطار ومحتوى الصلاة بالاضافة الى ذكر الله تعالى، وخشوع القلب. وهكذا الحال بالنسبة الى الشعائر الحسينية، فلنعمل من أجل ان تتحوّل هذه الشعائر الى مدرسة تربوية للمجتمع.
وهنا اطرح بعض الاقتراحات في مجال تطوير الشعائر الحسينية، وإغنائها وهي:
1- فهم شخصية الحسين عليه السلام من خلال كلماته:
علينا ان نفهم الحسين عليه السلام من خلال كلماته، فقد كان عليه السلام اماماً ناطقاً، وكان من أعظم ما تكلم به دعاؤه في يوم عرفة هذا الدعاء الغنيّ بالمعاني العرفانية والذي يقول من جملة ما يقول فيه:
"الحمد لله الذي ليس لقضائه دافع، ولا لعطائه مانع، ولا كصنعه صنع صانع، وهو الجواد الواسع، فطر أجناس البدائع، وأتقن بحكمته الصنائع، لا تخفى عليه الطلائع، ولا تضيع عنده الودائع، جازي كل صانع، ورائش كل قانع، وراحم كل ضارع، منزل المنافع، والكتاب الجامع بالنور الساطع..". (91)
فلنتأمل هذه الفقرة، ولننظر كيف يعرّف الإمام الحسين عليه السلام ربه عز وجل بكلمات مضيئة تفيض توحيداً واخلاصاً. وأما عن كلامه في النبوّة والامامة فيقول عليه السلام: "إنا أهل بيت النبوة، ومعدن الرسالة، ومختلف الملائكة، ومحل الرحمة، بنا فتح الله، وبنا ختم، ويزيد رجل فاسق… ومثلي لا يبايع مثله".(92) ومن جملة كلامه عليه السلام في الموت قوله: "خط الموت على ولد آدم مخطَّ القلادة على جيد الفتاة". (93)
2- تخريج الخطباء:
اننا نمتلك -والحمد لله- حوزات علمية ، وقد حافظت هذه الحوزات على استقلالها وحيويتها على مدى العصور، ولكن هذه الحوزات تخرّج العلماء، والمراجع الكبار في الغالب، وعلينا أن نفتح الى جانب هذه الحوزات أو داخلها تخصص للخطباء لكي يتلقى الطالب في الحوزة دروس الخطابة .
3- اقامة المؤتمرات:
ان شهر محرم هو بالنسبة الينا الرأسمال الوحيد، فإذا لم نقم المجالس في شهر عاشوراء من كل عام فسوف لا نمتلك برنامجاً للاعوام القادمة، فلماذا -اذن- لا نقيم مؤتمرات للخطباء؛ كأن يجتمعوا قبيل حلول شهر محرم في كل عام ليتبادلوا الافكار والآراء بينهم بشأن تطوير المجالس الحسينية.
4- دور المشرفين على الحسينيات والمواكب:
ان المشرفين على المجالس، والحسينيات، والمواكب عليهم - بدورهم- ان يعقدوا الاجتماعات على مدار السنة لكي يدرسوا ، ويصدروا القرارات بشأن بناء الحسينيات، وجمع التبرعات، والاتيان بالخطباء الجدد الذين من شأنهم ان يسهموا في تزويد المسلمين بافكار جديدة.
5- دور المثقفين:
وهنا اوجّه كلامي الى المثقفين، وادعو كل واحد منهم الى أن يبثوا بين الناس من خلال كلماتهم، وكتبهم، ومقالاتهم كل ما هو جديد ومفيد عن الثورة الحسينية.
ضرورة تطوير الاساليب
وعلى هذا فان علينا ان نعمل جاهدين من اجل ان نطوّر اساليبنا من ناحية المحتوى، وهذه هي احدى مسؤولياتنا الكبرى. فمن المتعيّن علينا ان ندعو الى المجالس الحسينية وأن نحرص على ان يحضرها عدد كبير من الناس، وذلك من خلال تطوير الاساليب، وتزويد الشعائر الحسينية بالمحتوى الذي يجب ان يكون تجسيداً لمدرسة الحسين عليه السلام التي هي مدرسة القيم والتقوى.
ومن الجدير بالذكر هنا انّ المجالس الحسينية يجب ان تكون اللسان المعبّر والناطق عن مشاكلنا، وآلامنا، وقضايانا؛ أي أن نعطي لهذه الشعائر محتوىً حضارياً مرتبطاً بالزمان، ذلك لان شيعة الحسين عليه السلام لابد ان يسيروا في خطه، وان يترجم الواحد منهم قوله الى واقع عملي، وهو يقف امام ضريحه عليه السلام ويردّد: "اِنّيِ سِلمٌ لمن سالمكم وحربٌ لمن حاربكم ووليٌ لمن والاكم وعدوٌ لمن عاداكم". (94) فنحن نسير في خطه عليه السلام، ونمثل تكتلاً واحداً تحت رايته التي لابد ان تقودنا الى الجنة كما يشير الى ذلك الحديث الشريف: "أوسع الابواب في القيامة باب ابي عبد الله الحسين".
الهوامش
(1) حياة الإمام الحسين بن علي، باقر شريف القرشي، ج1، ص95، عن تاريخ بغداد2 ص204.
(2) حياة الإمام الحسين بن علي، باقر شريف القرشي، ج1، ص95، عن المراجعات ص228.
(3) ذخائر العقبى، محب الدين الطبري ، ص129-130.
(4) فرائد السمطين، للجويني، ج2، ص131.
(5) ذخائر العقبى، محب الدين الطبري، ص136-137.
(6) الكافي للمحدث الكليني ج2، ص415.
(7) بحار الانوار، ج24، ص83.
(8) موسوعة بحار الانوار، ج 44، ص 382.
(9) موسوعة بحار الانوار، ج 1، ص 184.
(10) بحار الانوار، ج 44، ص 325.
(11) موسوعة بحار الانوار، ج 45، ص83.
(12) المصدر، ج 44، ص 378.
(13) المصدر، ص 374.
(14) موسوعة بحار الأنوار، ج44، ص 366 - 367.
(15) مقتل المقرّم ، ص 357.
(16) حياة الإمام الحسين بن علي، باقر شريف القرشي، ج3، ص378.
(17) اصول الكافي، ج2، ص163.
(18) ميزان الحكمة، ج4، ص327.
(19) حياة الإمام الحسين بن علي، لمؤلفه شريف القرشي، ج3، ص193، عن تاريخ ابن عساكر 13/74-75.
(20) مجمع مصائب أهل البيت، ص236.
(21) بحار الانوار، ج44، ص367.
(22) مفاتيح الجنان، زيارة الإمام الحسين عليه السلام، ص438.
(23) المصدر، ص429.
(24) مفاتيح الجنان، دعاء عرفة ، ص265.
(25) المصدر، اعمال اليوم الثالث من شعبان، ص 164- 165.
(26) حياة الإمام الحسين بن علي عليه السلام، للقرشي، ج2، ص290-291.
(27) بحار الانوار،ج91،ص184، ح1.
(28) بحار الانوار، ج70، ص157.
(29) حياة الإمام الحسين بن علي، القرشي، ج2، ص297.
(30) بحار الانوار، ج72، ص115.
(31) بحار الانوار، ج72، ص114،ح3.
(32) ميزان الحكمة، ج1، ص344.
(33) بحار الانوار، ج91، ص184، ح1.
(34) بحار الانوار، ج3، ص353.
(35) بحار الأنوار، ج2، ص72.
(36) اصول الكافي، ج2، ص105.
(37) مفاتيح الجنان، زيارة عاشوراء، ص456.
(38) بحار الانوار، ج44،ص325.
(39) بحار الانوار، ج44،ص382.
(40) بحار الأنوار، ج44، ص366-367.
(41) بحار الانوار، ج44،ص325.
(42) بحار الانوار، ج18،ص382.
(43) مفاتيح الجنان، زيارة الإمام الحسين عليه السلام، ص428.
(44) مفاتيج الجنان، دعاء الإمام الحسين عليه السلام في يوم عرفة، ص273.
(45) مفاتيح الجنان، اعمال اليوم الثالث من شعبان، ص164.
(46) حياة الإمام الحسين بن علي عليه السلام، القرشي، ج3، ص223.
(47) المصدر.
(48) المصدر.
(49) المصدر، ج2، ص224
(50) حياة الإمام الحسين بن علي عليه السلام، القرشي، ج2، ص225.
(51) حياة الإمام الحسين بن علي عليه السلام، القرشي ، ج2، ص225-226.
(52) حياة الإمام الحسين بن علي عليه السلام، القرشي ، ج2، ص226.
(53) المصدر.
(54) حياة الإمام الحسين بن علي عليه السلام، القرشي ، ج2، ص226-227.
(55) المصدر، ص228-229.
(56) بحار الانوار، ج91، ص184، ح1.
(57) المصدر .
(58) بحار الانوار، ج44، ص245.
(59) مفاتيح الجنان، دعاء الإمام الحسين عليه السلام في يوم عرفة، ص273.
(60) مقتل المقرّم، 357.
(61) حياة الإمام الحسين بن علي عليه السلام، القرشي، ج2، ص265.
(62) حياة الامام الحسين بن علي، ج3، ص305.
(63) بحار الانوار، ج44، ص325.
(64) حياة الإمام الحسين بن علي، القرشي، ج2، ص193.
(65) بحار الانوار، ج68، ص156.
(66) نهج البلاغة، خطبة رقم 89.
(67) بحار الانوار، ج3،ص253.
(68) بحار الانوار، ج21، ص279.
(69) بحار الانوار، ج43، ص54.
(70) مجمع مصائب أهل البيت، ص131.
(71) بحار الانوار، ج44،ص326.
(72) نهج البلاغة، الخطبة رقم 51.
(73) بحار الانوار، ج96، ص249.
(74) حياة الإمام الحسين بن علي عليه السلام، القرشي، ج2،ص288.
(75) بحار الانوار، ج44، ص367وص379.
(76) مجمع مصائب اهل البيت، ص236.
(77) مفاتيح الجنان، زيارة الامام الحسين عليه السلام، ص427.
(78) مفاتيح الجنان، زيارة الإمام الحسين عليه السلام في يوم عاشورا، ص456.
(79) بحار الانوار،ج45، ص82.
(80) نهج البلاغة، قصار الحكم، 274.
(81) فاطمة الزهراء بهجة قلب المصطفى/ص485.
(82) الخطبة رقم 175.
(83) مفاتيح الجنان، دعاء الحسين عليه السلام في يوم عرفة، ص271.
(84) مقتل المقرمّ، ص357.
(85) مفاتيح الجنان، زيارة وارث للامام الحسين عليه السلام.
(86) حياة الإمام الحسين بن علي عليه السلام، القرشي، ج2، ص265.
(87) مفاتيج الجنان، فضائل زيارة الحسين في يوم عرفة.
(88) بحار الأنوار، ج2، ص28.
(89) بحار الأنوار، ج48، ص85.
(90) مفاتيح الجنان زيارت الامام الحسين عليه السلام، في يوم عاشوراء، ص457.
(91) مفاتيح الجنان، داء الامام الحسين يوم عرفة.
(92) حياة الامام الحسين بن علي عليه السلام ، القرشي، ج2، ص255.
(93) بحار الانوار، ج44، ص366.
(94) مفاتيح الجنان، زيارة الإمام الحسين عليه السلام في يوم عاشوراء، ص457.

 
 
البرمجة والتصميم بواسطة : MWD