1439 / جمادی‌الآخرة / 4  |  2018 / 02 / 21         الزيارات : 570336         صلاة الصبح |         صلاة الظهر والعصر |         صلاة المغرب والعشاء |

الإمـام الحسيـن (عليه السلام) سيد الشهداء

{ لجنة التأليف باشراف سماحة السيد منذر الحكيم }
الإمـام الحسيـن (عليه السلام) سيد الشهداء

فهرس إجمالي
كلمة المجمع العالمي لأهل البيت (عليهم السلام) 
الباب الأول:
الفصل الأول: الإمام الحسين(عليه السلام) في سطور
الفصل الثاني: انطباعات عن شخصيته(عليه السلام) 
الفصل الثالث: مظاهر من شخصيته(عليه السلام) 
الباب الثاني:
الفصل الأول: نشأة الإمام الحسين (عليه السلام) 
الفصل الثاني: مراحل حياة الإمام الحسين (عليه السلام) 
الفصل الثالث: الإمام الحسين(عليه السلام) من الولادة إلى الامامة
الباب الثالث:
الفصل الأول: عصر الإمام الحسين (عليه السلام) 
الفصل الثاني: مواقف وإنجازات الإمام (عليه السلام) 
الفصل الثالث: نتائج الثورة الحسينية 
الفصل الرابع: من تراث الإمام الحسين (عليه السلام) 

 الصفحة (6)
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي أعطى كلّ شيء خلقه ثم هدى، ثم الصلاة والسلام على من اختارهم هداةً لعباده، لا سيما خاتم الأنبياء وسيّد الرسل والأصفياء أبو القاسم المصطفى محمد (صلى الله عليه وآله) وعلى آله الميامين النجباء .
لقد خلق الله الإنسان وزوّده بعنصري العقل والإرادة، فبالعقل يبصر ويكتشف الحقّ ويميّزه عن الباطل ، وبالإرادة يختار ما يراه صالحاً له ومحقّقاً لأغراضه وأهدافه .
وقد جعل الله العقل المميِّز حجّةً له على خلقه، وأعانه بما أفاض على العقول من معين هدايته ; فإنّه هو الذي علّم الإنسان ما لم يعلم، وأرشده إلى طريق كماله اللائق به، وعرّفه الغاية التي خلقه من أجلها، وجاء به إلى هذه الحياة الدنيا من أجل تحقيقها .
وأوضح القرآن الحكيم بنصوصه الصريحة معالم الهداية الربّانية وآفاقها ومستلزماتها وطرقها ، كما بيّن لنا عللها وأسبابها من جهة، وأسفر عن ثمارها ونتائجها من جهة اُخرى .
قال تعالى :

 الصفحة (7)
( قُلْ إنّ هُدى الله هو الهُدى ) [ الأنعام (6) : 71 ] .
( والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ) [ البقرة (2): 213 ] .
( والله يقول الحقّ وهو يهدي السبيل ) [ الأحزاب (33) : 4 ] .
( ومن يعتصم بالله فقد هُدي إلى صراط مستقيم ) [ آل عمران (3) : 101 ] .
( قل الله يهدي للحقّ أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتَّبع أ مّن لا يهدّي إلاّ أن يُهدى فمالكم كيف تحكمون) [ يونس (10) : 35 ] .
( ويرى الذين اُوتوا العلم الذي اُنزل اليك من ربّك هو الحقّ ويهدي إلى صراط العزيز الحميد ) [ سبأ (34) : 6 ] .
( ومن أضلّ ممن اتّبع هواه بغير هدىً من الله ) [ القصص (28) :50 ] .
فالله تعالى هو مصدر الهداية. وهدايته هي الهداية الحقيقية، وهو الذي يأخذ بيد الإنسان إلى الصراط المستقيم وإلى الحقّ القويم.
وهذه الحقائق يؤيدها العلم ويدركها العلماء ويخضعون لها بملء وجودهم.
ولقد أودع الله في فطرة الإنسان النزوع إلى الكمال والجمال ثمّ مَنّ عليه بإرشاده إلى الكمال اللائق به، وأسبغ عليه نعمة التعرّف على طريق الكمال، ومن هنا قال تعالى : ( وما خلقتُ الجنَّ والإنسَ إلاّ ليعبدونِ ) [ الذاريات (51): 56 ]. وحيث لا تتحقّق العبادة الحقيقية من دون المعرفة، إذ كانت المعرفة والعبادة طريقاً منحصراً وهدفاً وغايةً موصلةً إلى قمّة الكمال .
وبعد أن زوّد الله الإنسان بطاقتي الغضب والشهوة ليحقّق له وقود الحركة نحو الكمال; لم يؤمَن عليه من سيطرة الغضب والشهوة والهوى الناشئ منهما، والملازم لهما. فمن هنا احتاج الإنسان ـ بالإضافة إلى عقله وسائر أدوات المعرفة ـ الى ما يضمن له سلامة البصيرة والرؤية; كي تتمّ عليه 

 الصفحة (8)
الحجّة ، وتكمل نعمة الهداية، وتتوفّر لديه كلّ الأسباب التي تجعله يختار طريق الخير والسعادة، أو طريق الشرّ والشقاء بملء إرادته.
ومن هنا اقتضت سُنّة الهداية الربّانية أن يُسند عقل الإنسان عن طريق الوحي الإلهي، ومن خلال الهداة الذين اختارهم الله لتولِّي مسؤولية هداية العباد، وذلك عن طريق توفير تفاصيل المعرفة وإعطاء الإرشادات اللازمة لكلّ مرافق الحياة .
وقد حمل الأنبياء وأوصياؤهم مشعل الهداية الربّانية منذ فجر التاريخ وعلى مدى العصور والقرون ، ولم يترك الله عباده مهملين دون حجّة هادية وعلم مرشد ونور مُضيء ، كما أفصحت نصوص الوحي ـ مؤيّدةً لدلائل العقل ـ بأنّ الأرض لا تخلو من حجّة لله على خلقه ، لئلاّ يكون للناس على الله حجّة ، فالحجّة قبل الخلق ومع الخلق وبعد الخلق ، ولو لم يبق في الأرض إلاّ اثنان; لكان أحدهما الحجّة. وصرّح القرآن ـ بشكل لا يقبل الريب ـ قائلاً : ( إنّما أنت منذر ولكلّ قوم هاد ) [ الرعد (13) : 7 ].
ويتولّى أنبياء الله ورسله وأوصياؤهم الهداة المهديّون مهمّة الهداية بجميع مراتبها، والتي تتلخّص في :
1 ـ تلقِّي الوحي بشكل كامل واستيعاب الرسالة الإلهية بصورة دقيقة. وهذه المرحلة تتطلّب الاستعداد التام لتلقّي الرسالة، ومن هنا يكون الاصطفاء الإلهي لرسله شأناً من شؤونه، كما أفصح بذلك الذكر الحكيم قائلاً : ( اللهأعلم حيث يجعل رسالته )[ الانعام (6) : 124 ] و ( الله يجتبي من رسله منيشاء ) [آل عمران (3) : 179 ].
2 ـ إبلاغ الرسالة الإلهية الى البشرية ولمن اُرسلوا إليه، ويتوّقف 

 الصفحة (9)
الإبلاغ على الكفاءة التامّة التي تتمثّل في «الاستيعاب والإحاطة اللازمة» بتفاصيل الرسالة وأهدافها ومتطلّباتها، و «العصمة» عن الخطأ والانحراف معاً، قال تعالى : (كان الناسُ اُمّةً واحدةً فبعث الله النبيِّين مبشّرين ومنذرين وأنزل معهم الكتابَ بالحقّ ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه ) [ البقرة (2) : 213 ].
3 ـ تكوين اُمّة مؤمنة بالرسالة الإلهية، وإعدادها لدعم القيادة الهادية من أجل تحقيق أهدافها وتطبيق قوانينها في الحياة ، وقد صرّحت آيات الذكر الحكيم بهذه المهمّة مستخدمةً عنواني التزكية والتعليم، قال تعالى: (يزكّيهم ويعلّمهم الكتابَ والحكمة ) [ الجمعة (62): 2 ] والتزكية هي التربية باتجاه الكمال اللائق بالإنسان. وتتطلّب التربية القدوة الصالحة التي تتمتّع بكلّ عناصر الكمال، كما قال تعالى: (لقد كان لكم في رسول الله اُسوة حسنة )[ الأحزاب (33) : 21].
4 ـ صيانة الرسالة من الزيغ والتحريف والضياع في الفترة المقرّرة لها ، وهذه المهمة أيضاً تتطلّب الكفاءة العلمية والنفسية. والتي تسمى العصمة .
5 ـ العمل لتحقيق أهداف الرسالة المعنوية وتثبيت القيم الأخلاقية في نفوس الأفراد وأركان المجتمعات البشرية وذلك بتنفيذ الاُطروحة الربّانية، وتطبيق قوانين الدين الحنيف على المجتمع البشري من خلال تأسيس كيان سياسيٍّ يتولّى إدارة شؤون الاُمّة على أساس الرسالة الربّانية للبشرية، ويتطلّب التنفيذ قيادةً حكيمةً، وشجاعةً فائقةً، وصموداً كبيراً، ومعرفةً تامّةً بالنفوس وبطبقات المجتمع والتيارات الفكرية والسياسية والاجتماعية وقوانين الإدارة والتربية وسنن الحياة، ونلخّصها في الكفاءة العلمية لإدارة دولة عالمية دينية، هذا فضلاً عن العصمة التي تعبّر عن الكفاءة النفسية التي 

 الصفحة (10)
تصون القيادة الدينية من كلّ سلوك منحرف أو عمل خاطى بإمكانه أن يؤثّر تأثيراً سلبيّاً على مسيرة القيادة وانقياد الاُمّة لها بحيث يتنافى مع أهداف الرسالة وأغراضها .
وقد سلك الأنبياء السابقون وأوصياؤهم المصطفون طريق الهداية الدامي، واقتحموا سبيل التربية الشاقّ، وتحمّلوا في سبيل أداء المهامّ الرسالية كلّ صعب، وقدّموا في سبيل تحقيق أهداف الرسالات الإلهية كلّ ما يمكن أن يقدّمه الإنسان المتفاني من أجل مبدئه وعقيدته، ولم يتراجعوا لحظة، ولم يتلكّأوا طرفة عين.
وقد توّج الله جهودهم وجهادهم المستمرّ على مدى العصور برسالة خاتم الأنبياء محمد بن عبدالله (صلى الله عليه وآله) وحمّله الأمانة الكبرى ومسؤولية الهداية بجميع مراتبها، طالباً منه تحقيق أهدافها. وقد خطا الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) في هذا الطريق الوعر خطوات مدهشة، وحقّق في أقصر فترة زمنية أكبر نتاج ممكن في حساب الدعوات التغييرية والرسالات الثورية ، وكانت حصيلة جهاده وكدحه ليل نهار خلال عقدين من الزمن ما يلي :
1 ـ تقديم رسالة كاملة للبشرية تحتوي على عناصر الديمومة والبقاء .
2 ـ تزويدها بعناصر تصونها من الزيغ والانحراف .
3 ـ تكوين اُمّة مسلمة تؤمن بالإسلام مبدأً، وبالرسول قائداً، وبالشريعة قانوناً للحياة .
4 ـ تأسيس دولة إسلامية وكيان سياسيٍّ يحمل لواء الإسلام ويطبّق شريعة السماء .
5 ـ تقديم الوجه المشرق للقيادة الربّانية الحكيمة المتمثّلة في قيادته (صلى الله عليه وآله) .
 الصفحة (11)
ولتحقيق أهداف الرسالة بشكل كامل كان من الضروري :
أ ـ أن تستمرّ القيادة الكفوءة في تطبيق الرسالة وصيانتها من أيدي العابثين الذين يتربّصون بها الدوائر .
ب ـ أن تستمرّ عملية التربية الصحيحة باستمرار الأجيال; على يد مربٍّ كفوء علمياً ونفسياً حيث يكون قدوة حسنة في الخلق والسلوك كالرسول(صلى الله عليه وآله)، يستوعب الرسالة ويجسّدها في كل حركاته وسكناته .
ومن هنا كان التخطيط الإلهيّ يحتّم على الرسول (صلى الله عليه وآله) إعداد الصفوة من أهل بيته، والتصريح بأسمائهم وأدوارهم; لتسلّم مقاليد الحركة النبويّة العظيمة والهداية الربّانية الخالدة بأمر من الله سبحانه وصيانة للرسالة الإلهية التي كتب الله لها الخلود من تحريف الجاهلين وكيد الخائنين، وتربية الأجيال على قيم ومفاهيم الشريعة المباركة التي تولّوا تبيين معالمها وكشف أسرارها وذخائرها على مرّ العصور، وحتى يرث الله الأرض ومن عليها.
وتجلّى هذا التخطيط الربّاني في ما نصّ عليه الرسول(صلى الله عليه وآله) بقوله: «إنّي تارك فيكم الثقلين ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا: كتاب الله وعترتي، وإنّهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض» .
وكان أئمّة أهل البيت صلوات الله عليهم خير من عرّفهم النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله) بأمر من الله تعالى لقيادة الاُمّة من بعده.
إنّ سيرة الأئمّة الاثني عشر من أهل البيت (عليهم السلام) تمثّل المسيرة الواقعية للإسلام بعد عصر الرسول (صلى الله عليه وآله) ، ودراسة حياتهم بشكل مستوعب تكشف لنا عن صورة مستوعبة لحركة الإسلام الأصيل الذي أخذ يشقّ طريقه إلى أعماق الاُمّة بعد أن أخذت طاقتها الحرارية تتضاءل بعد وفاة الرسول(صلى الله عليه وآله) ، فأخذ الأئمّة المعصومون (عليهم السلام) يعملون على توعية الاُمّة 

 الصفحة (12)
وتحريك طاقتها باتجاه إيجاد وتصعيد الوعي الرساليِّ للشريعة ولحركة الرسول(صلى الله عليه وآله) وثورته المباركة، غير خارجين عن مسار السنن الكونية التي تتحكّم في سلوك القيادة والاُمّة جمعاء .
وتبلورت حياة الأئمّة الراشدين في استمرارهم على نهج الرسول العظيم(صلى الله عليه وآله) وانفتاح الاُمّة عليهم والتفاعل معهم كأعلام للهداية ومصابيح لإنارة الدرب للسالكين المؤمنين بقيادتهم، فكانوا هم الأدلاّء على الله وعلى مرضاته، والمستقرّين في أمر الله، والتامّين في محبّته، والذائبين في الشوق اليه، والسابقين إلى تسلّق قمم الكمال الإنسانيّ المنشود .
وقد حفلت حياتهم بأنواع الجهاد والصبر على طاعة الله وتحمّل جفاء أهل الجفاء; حتّى ضربوا أعلى أمثلة الصمود لتنفيذ أحكام الله تعالى، ثم اختاروا الشهادة مع العزّ على الحياة مع الذّل فيها، حتى فازوا بلقاء الله سبحانه بعد كفاح عظيم وجهاد كبير .
ولا يستطيع المؤرّخون والكتّاب أن يلمّوا بجميع زوايا حياتهم العطرة ويدّعوا دراستها بشكل كامل. ومن هنا فإنّ محاولتنا هذه إنّما هي إعطاء قبسات من حياتهم، ولقطات من سيرتهم وسلوكهم ومواقفهم التي دوّنها المؤرّخون، واستطعنا اكتشافها من خلال مصادر الدراسة والتحقيق ، عسى الله أن ينفع بها إنّه وليّ التوفيق .
إنّ دراستنا لحركة أهل البيت (عليهم السلام) الرسالية تبدء برسول الإسلام وخاتم الأنبياء محمد بن عبدالله (صلى الله عليه وآله) وتنتهي بخاتم الأوصياء، محمد بن الحسن العسكري المهدي المنتظر عجّل الله تعالى فرجه وأنار الأرض بعدله.
ويختص هذا الكتاب بدراسة حياة الإمام الحسين بن عليّ (عليهما السلام) وهو المعصوم الخامس من أعلام الهداية والثالث من الأئمّة الاثني عشر بعد 

 الصفحة (13)
رسول الله(صلى الله عليه وآله) الذي روّى بدمه الطاهر ودماء أهل بيته وأصحابه الأبرار شجرة الإسلام العظيمة، وصانها من الذبول والانهيار، فكان ـ كما أخبر عنه المصطفى (صلى الله عليه وآله) ـ مصباح الهدى وسفينة النجاة لأمّة جدّه(صلى الله عليه وآله) من طوفان الطغاة والظالمين.
ولا بدَّ لنا من تقديم الشكر الى كلّ الاخوة الأعزّاء الذين بذلوا جهداً وافراً وشاركوا في إنجاز هذا المشروع المبارك وإخراجه إلى عالم النور، لا سيما أعضاء لجنة التأليف بإشراف سماحة السيّد منذر الحكيم حفظه الله تعالى.
ولا يسعنا إلاّ أن نبتهل إلى الله تعالى بالدعاء والشكر لتوفيقه على إنجاز هذه الموسوعة المباركة فإنه حسبنا ونعم النصير.
المجمع العالمي لأهل البيت (عليهم السلام) 
قم المقدسة 

 الصفحة (14)
الباب الاول 
فيه فصول :
الفصل الأوّل : الإمام الحسين (عليه السلام) في سطور 
الفصل الثاني :انطباعات عن شخصيته (عليه السلام)
الفصل الثالث :مظاهر من شخصيته (عليه السلام)

 الصفحة (15)
الفصل الأول
 الإمام الحسين الشهيد (عليه السلام) في سطور 
* ـ الإمام أبو عبدالله الحسين بن عليّ بن أبي طالب (عليهما السلام) الشهيد بكربلاء، ثالث أئمّة أهل البيت بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله) وسيّد شباب أهل الجنة بإجماع المحدّثين، وأحد اثنين نسلت منهما ذرية الرسول (صلى الله عليه وآله) وأحدالأربعة الذين باهل بهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) نصارى نجران، ومن أصحابالكساء الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً، ومن القربىالذين أمر الله بمودّتهم، وأحد الثقلين اللذين من تمسّك بهما نجا ومنتخلّف عنهما ضلّ وغوى .
* ـ نشأ الحسين مع أخيه الحسن(عليهما السلام) في أحضان طاهرة وحجور طيّبة ومباركة اُمّاً وأباً وجدّاً، فتغذى من صافي معين جدّه المصطفى (صلى الله عليه وآله) وعظيم خلقه ووابل عطفه، وحظي بوافر حنانه ورعايته حتى أنّه ورّثه أدبه وهديه وسؤدده وشجاعته، ممّا أهّله للإمامة الكبرى التي كانت تنتظره بعد إمامة أبيه المرتضى وأخيه المجتبى(عليهم السلام) وقد صرّح بإمامته للمسلمين في أكثر من موقف بقوله(صلى الله عليه وآله):«الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا»، «اللّهمّ إنّي اُحبّهما فأحب من يحبّهما».
* ـ لقد التقى في هذا الإمام العظيم رافدا النبوّة والإمامة، واجتمع فيه 

 الصفحة (16)
شرف الحسب والنسب، ووجد المسلمون فيه ما وجدوه في جدّه وأبيه واُمّه من طهر وصفاء ونبل وعطاء، فكانت شخصيّته تذكّر الناس بهم جميعاً; فأحبّوه وعظّموه، وكان الى جانب ذلك كلّه مرجعهم الأوحد بعد أبيه وأخيه فيما كان يعترضهم من مشاكل الحياة واُمور الدين، لا سيما بعد أن دخلت الاُمّة الإسلامية حياة حافلة بالمصاعب نتيجة سيطرة الحكم الاُموي الجاهلي، حتّى جعلتهم في مأزق جديد لم يجدوا له نظيراً من قبل، فكان الحسين(عليه السلام) هو الشخصية الإسلامية الرسالية الوحيدة التي استطاعت أن تخلّص اُمّة محمّد(صلى الله عليه وآله) خاصّة والإنسانية عامّة من براثن هذه الجاهلية الجديدة وأدرانها.
* ـ لقد كان الحسين بن علىّ(عليهما السلام) كأبيه المرتضى وأخيه المجتبى في جميع مراحل حياته ومواقفه العملية مثالاً للإنسان الرسالي الكامل، وتجسيداً حيّاً للخلق النبويّ الرفيع في الصبر على الأذى في ذات اللّه، والسماحة والجود والرحمة والشجاعة وإباء الضيم والعرفان والتعبّد والخشية لله والتواضع للحقّ والثورة على الباطل، ورمزاً شامخاً للبطولة والجهاد في سبيل الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، واُسوة مثلى للإيثار والتضحية لإحياء المُثل العليا التي اجتمعت في شريعة جدّه سيّد المرسلين، حتّى قال عنه جدّه المصطفى(صلى الله عليه وآله): «حسين منّي وأنا من حسين» معبّراً بذلك أبلغ التعبير عن سموّ هذه الشخصية العظيمة التي ولدها (صلى الله عليه وآله) وربّاها بيديه الكريمتين.
* ـ بقي الحسين بن علىّ(عليهما السلام) بعد جدّه في رعاية الصدّيقة الزهراء سيّدة النساء فاطمة (عليها السلام) وفي كنف أبيه المرتضى سيّد الوصيّين وإمام المسلمين الذي عاش محنة الانحراف في قيادة الاُمّة المسلمة بعد وفاة رسول الله(صلى الله عليه وآله) وقد حفّت بأبيهواُمّه نكبات هذه المحنةوالصراع مع الذين صادروا هذه الإمامة الكبرى بكل صلف ودون حجّة أوبرهان...لقد عاش الحسينمع أخيه الحسن وأبيه عليّ واُمّه الزهراء(عليهم السلام) هذه المحنة

 الصفحة (17)
وتجرّع مرارتها، وهو لا يزال في سنّ الطفولة، ولكنّه كان يعي جيّداً عمق المحنة وشدّة المصيبة.
* ـ شبَّ إلامام أبو عبدالله الحسين أيّام خلافة عمر، وانصرف مع أبيه وأخيه عن السياسة والتصدي للحكم في ظاهر الأمر، وأقبل على تثقيف الناس وتعليمهم معالم دينهم في خطّ الرسالة الصحيح، والذي كان يتمثّل في سلوك والده عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) ومواقفه المبدئية المشرّفة.
* ـ وقف الإمام الحسين(عليه السلام) الى جانب أبيه(عليه السلام) في عهد عثمان، وهو في عنفوان شبابه يعمل مخلصاً لأجل الإسلام، ويشترك مع أبيه في وضع حدّ للفساد الذي أخذ يستشري في جسم الاُمّة والدولة معاً في ظلّ حكم عثمان وبطانته، ولم يتعدّ مواقف أبيه(عليه السلام) طيلة هذه الفترة; بل عمل كجندي مخلص للقيادة الشرعية التي أناطها رسول الله (صلى الله عليه وآله) بأبيه المرتضى (عليه السلام).
* ـ وفي عهد الدولة العلوية المباركة وقف الحسين الى جانب أبيه(عليهما السلام) في جميع مواقفه وحروبه، ولم يتوانَ عن قتال الناكثين والقاسطين والمارقين، بينما كان أبوه حريصاً على حياته وحياة أخيه الحسن(عليه السلام) خشية انقطاع نسل رسول الله (صلى الله عليه وآله) بموتهما، وبقيا الى جانب أبيهما حتى آخر لحظة، وهما يعانيان من أهل العراق ما كان يعانيه أبوهما المرتضى(عليه السلام) حتّى استشهد في بيت من بيوت الله، وفاز بالشهادة وهو في محراب العبادة بمسجد الكوفة، وفي أقدس لحظات حياته، أعني لحظة العبادة والتوجه الى ربّ الكعبة، حيث خرّ صريعاً وهو يقول: «فزتُ وربِّ الكعبة».
* ـ ثمّ وقف الى جانب أخيه الحسن المجتبى (عليهما السلام) بعد أن بايعه بالخلافة كما بايعه عامّة المسلمين في الكوفة من المهاجرين والأنصار والتابعين لهم بإحسان، ولم يتعدّ مواقف أخيه الذي نصّ على إمامته كلّ من جدّه وأبيه(عليهما السلام) بالرغم من كلّ المغريات التي كان يستعملها معاوية لإسقاط 

 الصفحة (18)
الإمام الحسن(عليه السلام) وتفتيت قواه والقضاء على حكومته المشروعة.
* ـ لقد كان الحسين(عليه السلام) يعي مواقف أخيه الحسن(عليه السلام) بشكل تامّ والنتائج المترتّبة على تلك المواقف، لأنّه كان يدرك حراجة الظرف الذي كان يكتنف الاُمّة الإسلامية آنذاك وبعد استشهاد الإمام علىّ(عليه السلام) بشكل خاص، حيث انطلت ألاعيب معاوية وشعاراته الزائفة على جماعة كبيرة من السذّج والبسطاء، ممّن كانوا يشكّلون القاعدة العظمى في مجتمع الكوفة ومركز الخلافة الإسلامية، فأصبحوا يشكّون ويشكّكون في حقّانية خطّ الإمام عليّ ابن أبي طالب(عليه السلام) بعد ذلك التضليل الإعلامي الذي قام به معاوية وبطانته وعمّاله في صفوف الجيش المساند للإمام(عليه السلام)، ولم يستطع الإمام الحسن(عليه السلام) بكلّ ما اُوتي من حنكة سياسية وشجاعة أدبية ورصانة منطقية أن يقنع تلك القاعدة الشعبية، ويوقفها على زيف الشعارات الاُموية في عدم صحّة الخضوع لشعار السلم الذي كان قد تسلّح به معاوية لنيل الخلافة بأبخس الأثمان، ممّا اضطرّ الإمام الحسن(عليه السلام) للإقدام على الصلح من موقع القوة بعد أن نفَّذَ جميع الخطط السياسية الممكنة، وبعد أن سلك جميع الطرق المعقولة التي ينبغي للقائد المحنّك أن يسلكها في تلك الظروف السياسية والاجتماعية والنفسية التي كان يعيشها الإمام الحسن(عليه السلام) وشيعته، فتنازل عن الخلافة ، إلا انه لم يوقّع على شرعيّة حاكميّة معاوية بالإضافة الى أنّه قد اشترط شروطاً موضوعيةً تفضح واقع معاوية والحكم الاُموي على المدى القريب أو البعيد.
* ـ وهكذا أفلح الإمام الحسن(عليه السلام) بعد أن اختار الطريق الصعب، وتحمّل ما تحمّل من الأذى والمكروه من أقرب أفراد شيعته فضلاً عن أعدائه، حيث استطاع أن يكشف حقيقة الحكم الاُموي الجاهلي الذي ارتدى لباس الإسلام ورفع شعار الصلح والسلم، ليقضي على الإسلام باسم الإسلام 

 الصفحة (19)
وبمن ينتسب الى قريش قبيلة الرسول(صلى الله عليه وآله) بعد أن خطّط بشكل حاذق خطّةً يتناسى المسلمون بسببها أنّ آل أبي سفيان الذين يتربّعون اليوم على كرسي الحكم الإسلامي، ويحكمون المسلمين باسم الرسول(صلى الله عليه وآله) وخلافته هم الذين حاربوا الإسلام بالأمس القريب.
* ـ وبهذا هيّأ الإمام الحسن(عليه السلام) ـ بتوقيعه على وثيقة الصلح ـ الأرضية اللازمة للثورة على الحكم الاُمويّ الجاهليّ الذي ظهر بمظهر الإسلام من جديد، وذلك بعد أن أخلف معاوية كلّ الشروط التي اشترطها عليه الإمام الحسن(عليه السلام) بما فيها عدم تعيين أحد للخلافة من بعده، وعدم التعرّض لشيعة عليّ وللإمام الحسن والحسين(عليهما السلام) بمكروه.
ولم يستطع معاوية أن يتمالك نفسه أمام هذه الشروط حتى سوّلت له نفسه أن يدسّ السمّ الفاتك الى الإمام الحسن(عليه السلام) ليستطيع توريث الخلافة لابنه الفاسق يزيد.. ولكنّه لم يعِ نتائج هذا التنكّر للشروط ولنتائج هذه المؤامرة القذرة... وقد أيقن المسلمون ـ بعد مرور عقدين من الحكم الاُموي ـ بشراسة هذا الحكم وجاهليّته، ممّا جعل القواعد الشعبية الشيعية تستعدّ لخوض معركة جديدة ضدّ النظام الحاكم، وبذلك تهيّأت الظروف الملائمة للثورة، واكتملت الشروط اللازمة بموت معاوية ومجيء يزيد الفاسق شارب الخمور والمستهتر بأحكام الدين الى سدّة الحكم، والإقدام على أخذ البيعة من وجوه الصحابة وعامّة التابعين، والإصرار على أخذها من مثل أبيّ الضيم أبي عبدالله الحسين(عليه السلام) سيّد أهل الإباء وإمام المسلمين.
* ـ لقد حكم معاوية بن أبي سفيان ما يقارب عشرين سنة متّبعاً سياسة التجويع والإرهاب والخداع والتزوير، ممّا أدّى الى انكشاف حقيقته للاُمّة من جهة، في حين أنّها كانت قد ابتليت بداء موت الضمير وداء فقدان الإرادة من جهة اُخرى، وهكذا استيقظت الاُمّة من سباتها وزال شكّها بحقّانية خطّ 

 الصفحة (20)
أهل البيت(عليهم السلام)، بعد أن ارتفع جهلها بحقيقة الاُمويين، ولكنّها لم تقوَعلى مقارعة الظلم والظالمين، وأصبحت كما قال الفرزدق للإمام الحسين(عليه السلام) حين كان متوجّهاً الى العراق ومستجيباً لدعوة الكوفيين: قلوبهممعك وسيوفهم عليك.
ومن هنا تأكّد الموقف الشرعي للإمام الحسين(عليه السلام) بعد أن توفّرت كلّ الظروف اللازمة للقيام في وجه الاُمويّين الجاهليّين، بينما لم تكن النهضة مفيدة للاُمّة في حالة الابتلاء بمرض الشكّ والترديد التي كانت تعاني منه في عصر الإمام الحسن السبط(عليه السلام). لقد تمّت الحجّة على الإمام الحسين بن علىّ(عليهما السلام) حينما راسله أهل العراق وطلبوا منه التوجّه نحوهم، بعد أن أخرجوا عامل بني اُمية من الكوفة وتمرّدوا على الاُمويين حيث كان هذا أحد مظاهر رجوع الوعي إلى عامّة شيعة أهل البيت(عليهم السلام).
فاستجاب الإمام الحسين(عليه السلام) لطلبهم، وتحرّك نحوهم بالرغم من علمه بعدم ثباتهم وضعف إرادتهم أمام إغراءات الحاكمين واضطهادهم وإرهابهم، وذلك لأنّه كان لابد له من معالجة هذا المرض الجديد الذى يؤدّي باستشرائه الى ضياع معالم الرسالة وفسح المجال لتحويل الخلافة الى كسرويّة وقيصريّة، وإعطاء المشروعية لمثل حكم يزيد وأضرابه من الجاهليّين الذين تستّروا بستار الشريعة الإسلامية لضرب الشريعة وتمزيقها.
* ـ وبعد أن استجمعت ثورة الإمام الحسين(عليه السلام) كلّ الشروط اللازمة لنجاحها وبلوغ أهدافها(1); نهض مستنفراً كلّ طاقاته وقدراته التي كان قد ــــــــــــــــــــــــ 
(1) راجع الشروط الضرورية الخمسة للنجاح والتي توفّرت في ثورة الحسين (عليه السلام) في كتاب (ثورة الحسين. النظرية ـ الموقف ـ النتائج) السيّد محمد باقر الحكيم الطبعة الاولى، منشورات مؤسّسة الإمام الحسين(عليه السلام): 62 ـ 92، وراجع مجلّة الفكر الإسلامي العدد (17) مقال الشهيد السيّد محمّد باقر الصدر حول الثورة الحسينية تحت عنوان (التخطيط الحسيني لتغيير أخلاقية الهزيمة). 
 الصفحة (21)
أعدّها وهيّأها في ذلك الظرف التأريخي في صنع ملحمته الخالدة، فحرّك ضمير الاُمّة، وأعادها لتسلك مسيرة رسالتها، وبعث شخصيّتها العقائدية من جديد، وسلب المشروعية من الحكام الطغاة، ومزّق كلّ الأقنعة الخدّاعة التي كانوا قد تستّروا بها، وأوضح الموقف الشرعي للاُمّة على مدى الأجيال. ولم يستطع الطغاة أن يشوّهوا معالم نهضته، كما لم يستطيعوا أن يقفوا بوجه المدّ الثوري الذي أحدثه على مدى العصور، ذلك المدّ الذي أطاح بحكم بني اُميّة وبني العباس ومن حذا حذوهم، فكانت ثورته مصدر إشعاع رسالي لكل الاُمم، كما كانت القيم الرساليّة التي طرحها وأكّد عليها محفّزاً ومعياراً لتقييم كل الحكومات والأنظمة السياسية الحاكمة، فسلام عليه يوم ولد ويوم استشهد ويوم يبعث حيّاً.
* * *

 الصفحة (22)
الفصل الثاني 
انطباعات عن شخصية الإمام الحسين (عليه السلام) 
1 ـ مكانة الإمام الحسين (عليه السلام) في آيات الذكر الحكيم :
لم تتّفق كلمة المسلمين في شيء كاتّفاقهم على فضل أهل البيت(عليهم السلام) وعلوّ مقامهم العلمي والروحي، وانطوائهم على مجموعة الكمالات التي أراد الله للإنسانية أن تتحلى بها.
ويعود هذا الاتّفاق الى جملة من الاُصول، منها تصريح الذكر الحكيم بالموقع الخاص لأهل البيت(عليهم السلام) من خلال التنصيص على تطهيرهم من الرجس، وأنّهم القربى الذين تجب مودّتهم كأجر للرسالة التي أتحف الله بها الإنسانية جمعاء، وأنّهم الأبرار الذين أخلصوا الطاعة لله وخافوا عذاب الله وتجلببوا بخشيته، فضمن لهم الجنّة والنجاة من عذابه.
والإمام الحسين (عليه السلام) هو من أهل البيت(عليهم السلام) المطهّرين من الرجس بلا ريب، بل هو ابن رسول الله بنصّ آية المباهلة التي جاءت في حادثة المباهلة مع نصارى نجران. وقد خلّد القرآن الكريم هذا الحدث بمداليله العميقة في قوله تعالى:
(فمن حاجّك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم 

 الصفحة (23)
ونساءنا ونساءكم وأنفسسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين)(1).
وروى جمهور المحدّثين بطرق مستفيضة أنّها نزلت في أهل البيت، وهم: رسول الله وعليّ وفاطمة والحسن والحسين، كما صرّحوا على أنّ الأبناء هنا هما الحسنان بلا ريب.
وتضمّنت هذه الحادثة تصريحاً من الرسول بأنّهم خير أهلالأرض وأكرمهم على الله، ولهذا فهو يباهل بهم، واعترف أسقف نجران بذلك أيضاً قائلاً:
«أرى وجوهاً لو سأل الله بها أحد أن يزيل جبلاً من مكانه لأزاله»(2).
وهكذا دلّت القصة كما دلّت الآية على عظيم منزلتهم وسموّ مكانتهم وأفضليّتهم، وأنّهم أحبّ الخلق الى الله ورسوله، وأنّهم لا يدانيهم في فضلهم أحد من العالمين .
ولم ينصّ القرآن الكريم على عصمة أحد غير النبيّ من المسلمين سوى أهل البيت(عليهم السلام) الذين أراد الله أن يطهّرهم من الرجس تطهيراً(3).
ولئن اختلف المسلمون في دخول نساء النبيّ في مفهوم أهل البيت; فإنّهم لم يختلفوا قط في دخول عليّ والزهراء والحسنَيْن(عليهم السلام) في ما تقصدهالآية المباركة (4).
ــــــــــــــــــــــــ 
(1) آل عمران (3) : 61 .
(2) نور الأبصار : 100، وراجع تفسير: الجلالين وروح البيان والكشّاف والبيضاوي والرازي، وصحيح الترمذي : 2 / 166، وسنن البيهقي : 7 / 63، وصحيح مسلم : كتاب فضائل الصحابة، ومسند أحمد : 1 / 85 ، ومصابيح السنة: 2 / 201.
(3) كما نصّت على ذلك الآية 33 من سورة الأحزاب.
(4) راجع التفسير الكبير للفخر الرازي وتفسير النيسابوري، وصحيح مسلم : 2 / 33 وخصائص النسائي: 4، ومسند أحمد: 4 / 107، وسنن البيهقي : 2 / 150 ، ومشكل الآثار: 1 / 334، ومستدرك الحاكم : 2 / 416، واُسد الغابة: 5 / 521 . 

 الصفحة (24)
ومن هنا نستطيع أن نفهم السرّ الكامن في وجوب مودّتهم والالتزام بخطّهم وترجيح حبّهم على حبّ من سواهم بنص الكتاب العزيز(1).
فإنّ عصمة أهل البيت (عليهم السلام) أدلّ دليل على أنّ النجاة في متابعتهم حينما تتشعّب الطرق وتختلف الأهواء، فمن عصمه الله من الرجس وكان دالاًّ على النجاة كان متّبعه ناجياً من الغرق. 
ونصّ النبىّ(صلى الله عليه وآله) ـ كما عن ابن عباس ـ بأنّ آية المودّة في القربى حينما نزلت وسأله بعض المسلمين عن المقصود من القرابة التى أوجبت على المسلمين طاعتهم بقوله: إنّهم عليّ وفاطمة وابناهما(2).
ولا يتركنا القرآن الحكيم حتّى يبيّن لنا أسباب هذا التفضيل في سورة «الدهر» التي نزلت لبيان عظمة الواقع النفسي الذي انطوى عليه أهل البيت (عليهم السلام) والإخلاص الذي تقترن به طاعتهم وعباداتهم بقوله تعالى: (إنّما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاءً ولا شكوراً * إنّا نخاف من ربّنا يوماً عبوساً قمطريراً * فوقاهم الله شرّ ذلك اليوم ولقّاهم نضرةً وسروراً * وجزاهم بما صبروا جنّةً وحريراً)(3).
لقد روى جمهور المفسّرين والمحدّثين أنّ هذه السورة المباركة نزلت في أهل البيت بعد ما مرض الحسنان، ونذر الإمام صيام ثلاثة أيام شكراً لله إن برئا، فوفوا بنذرهم أيّما وفاء، إنّه وفاءٌ جسَّد أروع أنواع الإيثار حتّى نزل قوله تعالى:(إنّ الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافوراً * عيناً يشرب بها عباد الله يفجّرونها تفجيراً * يوفون بالنذر ويخافون يوماً كان شرّه مستطيراً)(4) فشكر الله
ــــــــــــــــــــــــ 
(1) قال تعالى في سورة الشورى الآية 23 مخاطباً رسوله الكريم: (قل لا أسألكم عليه أجراً إلاّ المودة في القربى). وقال في سورة سبأ: (ما سألتكم من أجر فهو لكم).
(2) راجع التفسير الكبير ، وتفسير الطبري ، والدر المنثور في تفسير آية المودّة.
(3) الانسان (76) : 9 ـ 12 .
(4) الانسان (76) : 5 ـ 7 . 

 الصفحة (25)
سعيهم على هذا الإيثار والوفاء بما أورثهم في الآخرة وبما حباهم من الإمامة للمسلمين في الدنيا حتّى يرث الأرض ومن عليها.
2 ـ مكانة الإمام الحسين(عليه السلام) لدى خاتم المرسلين(صلى الله عليه وآله):
لقد خصّ الرسول الأعظم حفيديه الحسن والحسين (عليهما السلام) بأوصاف تنبئ عن عظم منزلتهما لديه، فهما:
1 ـ ريحانتاه من الدنيا وريحانتاه من هذه الأمّة(1).
2 ـ وهما خير أهل الأرض(2).
3 ـ وهما سيّدا شباب أهل الجنّة(3).
4 ـ وهما إمامان قاما أو قعدا(4).
5 ـ وهما من العترة (أهل البيت) التي لا تفترق عن القرآن الى يوم القيامة، ولن تضلّ اُمّة تمسّكت بهما(5).
6 ـ كما أنّهما من أهل البيت الذين يضمنون لراكبي سفينتهم النجاةمن الغرق(6).
7 ـ وهما ممّن قال عنهم جدّهم: «النجوم أمان لأهل الأرض من الغرق وأهل بيتي أمان لأهل الأرض من الاختلاف»(7).
8 ـ وقد استفاض الحديث عن مجموعة من أصحاب الرسول (صلى الله عليه وآله) أنّهم قد سمعوا مقالته فيما يخصّ الحسنين (عليهما السلام) : «اللهمّ إنّك تعلم أ نّي اُحبُّهما
 ــــــــــــــــــــــــ 
(1) صحيح البخاري : 2 / 188 ، وسنن الترمذي : 539 .
(2) عيون أخبار الرضا : 2 / 62. 
(3) سنن ابن ماجة : 1 / 56 ، والترمذي : 539 .
(4) المناقب لابن شهر آشوب : 3 / 163. نقلاً عن مسند أحمد وجامع الترمذي وسنن ابن ماجة وغيرهم.
(5) جامع الترمذي : 541، ومستدرك الحاكم : 3 / 109.
(6) حلية الأولياء : 4 / 306.
(7) مستدرك الحاكم : 3 / 149.

 الصفحة (26)
فأحبَّهما وأحبّ من يحبّهما»(1).
3 ـ مكانة الإمام الحسين(عليه السلام) لدى معاصريه:
1 ـ قال عمر بن الخطاب للحسين (عليه السلام) : فإنّما أنبت ما ترى في رؤوسنا الله ثم أنتم(2).
2 ـ قال عثمان بن عفان في الحسن والحسين(عليهما السلام) وعبدالله بن جعفر: فطموا العلم فطماً(3) وحازوا الخير والحكمة(4).
3 ـ قال أبو هريرة: دخل الحسين بن عليّ وهو معتم، فظننت أنّ النبيّقد بعث(5).
وكان (عليه السلام) في جنازة فأعيا، وقعد في الطريق، فجعل أبو هريرة ينفض التراب عن قدميه بطرف ثوبه، فقال له: يا أبا هريرة وأنت تفعل هذا، فقال له: دعني، فوالله لو يعلم الناس منك ما أعلم لحملوك على رقابهم(6).
4 ـ أخذ عبدالله بن عباس بركاب الحسن والحسين (عليهما السلام) ، فعوتب في ذلك، وقيل له: أنت أسنّ منهما! فقال: إنّ هذين ابنا رسول الله (صلى الله عليه وآله)، أفليس من سعادتي أن آخذ بركابهما(7) ؟
وقال له معاوية بعد وفاة الحسن (عليه السلام): يا ابن عباس أصبحت سيّد قومك، فقال: أمّا ما أبقى الله أبا عبدالله الحسين فلا(8).
5 ـ قال أنس بن مالك ـ وكان قد رأى الحسين (عليه السلام) ـ : كان أشبههم 
ــــــــــــــــــــــــ 
(1) خصائص النسائي : 26. 
(2) الإصابة : 1 / 333، وقال: سنده صحيح.
(3) فطموا العلم فطماً : أي قطعوه عن غيرهم قطعاً، وجمعوه لأنفسهم جمعاً.
(4) الخصال : 136.
(5) بحار الأنوار : 10 / 82 .
(6) تاريخ ابن عساكر : 4 / 322 .
(7) تاريخ ابن عساكر: 4/322 .
(8) حياة الإمام الحسين ، للقرشي : 2 / 500 . 

 الصفحة (27)
برسول الله(صلى الله عليه وآله)(1).
6 ـ قال زيد بن أرقم لابن زيادـ حين كان يضرب شفتي الحسين(عليه السلام) ـ : اعل بهذا القضيب، فوالله الذي لا إله غيره، لقد رأيت شفتي رسول الله (صلى الله عليه وآله) على هاتين الشفتين يقبّلهما، ثم بكى.
فقال له ابن زياد: أبكى الله عينك، فوالله لولا أنّك شيخ قد خرفت لضربت عنقك، فخرج وهو يقول: أنتم يا معشر العرب العبيد بعد اليوم!قتلتم الحسين ابن فاطمة وأمّرتم ابن مرجانة! فهو يقتل خياركمويستبقي شراركم(2).
7 ـ قال أبو برزة الأسلمي ليزيد حينما رآه ينكث ثغر الحسين(عليه السلام) : أتنكث بقضيبك في ثغرالحسين؟! أما لقد أخذ قضيبك في ثغره مأخذاً لربّما رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله يرشفه. أما إنّك يا يزيد تجيء يوم القيامة وابن زياد شفيعك! ويجيء هذا ومحمّد شفيعه(3).
8 ـ وحين قال معاوية لعبد الله بن جعفر : أنت سيّد بني هاشم؟ أجابه قائلاً: سيّد بني هاشم حسن وحسين(4).
وكتب اليه: إن هلكت اليوم طفئ نور الإسلام فإنّك علم المهتدين ورجاء المؤمنين(5).
9 ـ سأل رجل عبدالله بن عمر عن دم البعوض يكون في الثوب أفيصلى فيه؟ فقال له: ممّن أنت؟ قال: من أهل العراق، فقال ابن عمر: اُنظروا الى هذا، يسألني عن دم البعوض وقد قتلوا ابن رسول الله (صلى الله عليه وآله)! وقد سمعترسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: هما ريحانتاي من الدنيا(6).
ــــــــــــــــــــــــ 
(1) أعيان الشيعة : 1 / 563 .
(2) اُسد الغابة : 2 / 21 .
(3) الحسن والحسين سبطا رسول الله : 198 .
(4) الحسن بن عليّ لكامل سليمان : 173 .
(5) البداية والنهاية : 8 / 167 .
(6) تاريخ ابن عساكر : 4 / 314 . 

 الصفحة (28)
10 ـ قال محمد بن الحنفية: إنّ الحسين أعلمنا علماً، وأثقلنا حلماً، وأقربنا من رسول الله (صلى الله عليه وآله) رحماً، كان إماماً فقيهاً...»(1).
11 ـ مرّ الحسين (عليه السلام) بعمرو بن العاص وهو جالس في ظلّ الكعبة فقال: هذا أحب أهل الأرض الى أهل الأرض والى أهل السماء اليوم(2).
12 ـ قال عبد الله بن عمرو بن العاص وقد مرّ عليه الحسين (عليه السلام): من أحبّ أن ينظر الى أحبّ أهل الأرض الى أهل السماء فلينظر الىهذا المجتاز(3).
13 ـ وحين أشار يزيد على أبيه معاوية أن يكتب للحسين (عليه السلام) جواباً عن كتاب كتبه له، على أن يصغّر فيه الحسين(عليه السلام)، قال معاوية رادّاً عليه: وما عسيت أن أعيب حسيناً، ووالله ما أرى للعيب فيه موضعاً(4).
14 ـ قال الوليد بن عتبة بن أبي سفيان (والي المدينة) لمروان بن الحكم ـ لمّا أشار عليه بقتل الحسين (عليه السلام) إذا لم يبايع ـ : والله يا مروان ما أُحبّ أنّ لي الدنيا وما فيها وأنّي قتلت الحسين. سبحان الله! أقتل حسيناً إنقال لا اُبايع؟ والله إنّي لأظنّ أنّ من يقتل الحسين يكون خفيف الميزانيوم القيامة(5).
15 ـ لمّا قبض ابن زياد على قيس بن مسهر الصيداوي ـ رسول الحسين (عليه السلام) الى أهل الكوفة ـ أمره أن يصعد المنبر ويسبّ الحسين وأباه، فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيّها الناس، إنّ هذا الحسين بن عليّ، خير خلق الله، وهو ابن فاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وأنا رسوله اليكم، وقد فارقته بالحاجر من بطن ذي الرمة فأجيبوه، واسمعوا له وأطيعوا. ثم لعن 
ــــــــــــــــــــــــ 
(1) بحار الأنوار : 10 / 140 .
(2) تأريخ ابن عسساكر : 4 / 322 .
(3) بحار الأنوار : 10 / 83 .
(4) أعيان الشيعة : 1 / 583 .
(5) البداية والنهاية : 8 / 147 . 

 الصفحة (29)
عبيد الله بن زياد وأباه، واستغفر لعليّ والحسين. فأمر به ابن زياد، فألقي من رأس القصر، فتقطّع(1).
16 ـ من خطبة ليزيد بن مسعود النهشلي (رحمه الله): وهذا الحسين بن عليّ ابن رسول الله (عليه السلام)، ذو الشرف الأصيل، والرأي الأثيل، له فضل لا يوصف، وعلم لا ينزف، وهو أولى بهذا الأمر لسابقته وسنّه وقدمه وقرابته. يعطف على الصغير، ويحنو على الكبير. فأكرم به راعي رعيّة، وإمام قوم وجبت لله به الحجّة، وبلغت به الموعظة(2).
17 ـ قال عبد الله بن الحرّ الجعفي: ما رأيت أحداً قطّ أحسنولا أملأ للعين من الحسين(3).
18 ـ قال إبراهيم النخعي: لو كنت فيمن قاتل الحسين ثم اُدخلت الجنّة لاستحييت أن أنظر الى وجه رسول الله (صلى الله عليه وآله)(4).
4 ـ الإمام الحسين (عليه السلام) عبر القرون والأجيال :
1 ـ قال الربيع بن خيثم لبعض من شهد قتل الحسين (عليه السلام): والله لقد قتلتم صفوة لو أدركهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) لقبّل أفواههم، وأجلسهم في حجره(5).
2 ـ قال ابن سيرين: لم تبك السماء على أحد بعد يحيى بن زكريا إلاّ على الحسين (عليه السلام)، ولمّا قتل اسودّت السماء، وظهرت الكواكب نهاراً، حتّى رؤيت الجوزاء عند العصر، وسقط التراب الأحمر، ومكثت السماء سبعة أيام بلياليها كأنّها علقة(6).
ــــــــــــــــــــــــ 
(1) المصدر السابق : 18 / 168 .
(2) أعيان الشيعة : 1 / 590. 
(3) أعيان الشيعة : 4 / ق 1 / 118. 
(4) الإصابة : 1 / 335 .
(5) بحار الأنوار : 10 / 79 .
(6) تأريخ ابن عساكر : 4 / 339 . 

 الصفحة (30)
3 ـ قال علي جلال الحسيني: السيّد الزكي الإمام أبو عبدالله الحسين(عليه السلام) ابن بنت رسول الله(صلى الله عليه وآله) وريحانته، وابن أمير المومنين عليّ كرم الله وجهه، وشأن بيت النبوّة له أشرف نسب وأكمل نفس، جمع الفضائل ومكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال، من علوّ الهمّة، ومنتهى الشجاعة، وأقصى غاية الجود، وأسرار العلم، وفصاحة اللسان، ونصرة الحقّ، والنهي عن المنكر، وجهاد الظلم، والتواضع عن عزّ، والعدل، والصبر، والحلم، والعفاف، والمروءة، والورع وغيرها.
واختصّ بسلامة الفطرة، وجمال الخلقة، ورجاحة العقل، وقوة الجسم، وأضاف الى هذه المحامد كثرة العبادة وأفعال الخير، كالصلاة والحج والجهاد في سبيل الله والإحسان. وكان إذا أقام بالمدينة أو غيرها مفيداً بعلمه، مرشداً بعمله، مهذّباً بكريم أخلاقه، ومؤدّباً ببليغ بيانه، سخيّاً بماله، متواضعاً للفقراء، معظّماً عند الخلفاء، موصلاً للصدقة على الأيتام والمساكين، منتصفاً للمظلومين، مشتغلاً بعبادته، مشى من المدينة على قدميه الى مكّة حاجّاً خمساً وعشرين مرّة...
كان الحسين في وقته علم المهتدين ونور الأرض، فأخبار حياته فيها هدىً للمسترشدين بأنوار محاسنه المقتفين آثار فضله(1).
4 ـ قال محمد رضا المصري: هو ابن بنت رسول الله(صلى الله عليه وآله)، وعلم المهتدين، ورجاء المؤمنين(2).
5 ـ قال عمر رضا كحالة: الحسين بن عليّ، وهو سيّد أهل العراق فقهاً وحالاً وجوداً وبذلاً(3).
ــــــــــــــــــــــــ 
(1) راجع كتابه « الحسين » (عليه السلام) : 1 / 6 . وراجع أيضاً: مجمع الزوائد: 9/201 وبحار الأنوار: 44/193.
(2) الحسن والحسين سبطا رسول الله (صلى الله عليه وآله) : 75.
(3) أعلام النساء : 1 / 28. 
 الصفحة (31)
6 ـ قال عبد الله العلايلي: جاء في أخبار الحسين: أنّه كان صورة احتبكت ظلالها من أشكال جدّه العظيم، فأفاض النبيّ (صلى الله عليه وآله) إشعاعة غامرة من حبّه، وأشياء نفسه، ليتمّ له أيضاً من وراء الصورة معناها فتكون حقيقة من بعد كما كانت من قبل إنسانية ارتقت الى نبوّة (أنا من حسين) ونبوة هبطت الى إنسانية (حسين منّي) فسلام عليه يوم ولد(1).
7 ـ قال عباس محمود العقّاد: مثل للناس في حلّة من النور تخشع لها الأبصار، وباء بالفخر الذي لا فخر مثله في تواريخ بني الإنسان، غير مستثنىً منهم عربي ولا عجمي، وقديم وحديث، فليس في العالم اُسرة أنجبت من الشهداء من أنجبتهم اُسرة الحسين عدّة وقدرة وذكرة، وحسبه أنّه وحده في تأريخ هذه الدنيا الشهيد ابن الشهيد أبو الشهداء في مئات السنين(2).
8 ـ قال عمر أبو النصر: هذه قصة اُسرة من قريش. حملت لواء التضحية والاستشهاد والبطولة من مشرق الأرض الى مغربها. قصة ألّف فصولها شباب ما عاشوا كما عاش الناس، ولا ماتوا كما مات الناس، ذلك أنّ الله شرّف هذه الجماعة من خلقه بأن جعل النبوّة والوحي والإلهام في منازلها، وزاد ندى فلم يشأ لها حظّ الرجل العادي من عبادة، وإنّما أرادها للتشريد والاستشهاد، وأرادها للمثل العليا من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكتب لها أن تتزعّم لواء التقوى والصلاح الى آخر مايكون من ذرّيتها(3).
9 ـ قال عبد الحفيظ أبو السعود: عنوان النضال الحرّ، والجهاد المستميت، والاستشهاد في سبيل المبدأ والعقيدة، وعدم الخضوع لجور 
ــــــــــــــــــــــــ 
(1) تاريخ الحسين(عليه السلام) : 226. 
(2) أبو الشهداء الحسين بن عليّ (عليهما السلام) : 150، طبعة النجف، مطبعة الغري الحديثة.
(3) آل محمد في كربلاء : 30 .

 الصفحة (32)
السلطان وبغي الحاكمين(1).
10 ـ قال أحمد حسن لطفي: إنّ الموت الذي كان ينشده فيها كان يمثّل في نظره مثلاً أروع من كلّ مثل الحياة، لأنّه الطريق الى الله الذي منه المبتدأ واليه المنتهى، ولأنّه السبيل الى الانتصار والى الخلود، فهو أعظم بطل ينتصر بالموت على الموت(2).
ــــــــــــــــــــــــ 
(1) سبطا رسول الله الحسن والحسين : 188 .
(2) الشهيد الخالد الحسين بن عليّ : 47. 

 الصفحة (33)
الفصل الثالث 
مظاهر مـن شخصية الإمام الحسين (عليه السلام)
ولد الإمام الحسين بن علىّ(عليهما السلام) في بيت كان محطّ الملائكة ومهبط التنزيل، في بقعة طاهرة تتصل بالسماء طوال يومها بلا انقطاع، وتتناغم مع أنفاسه آيات القرآن التي تتلى آناء الليل والنهار، وترعرع بين شخصيّات مقدّسة تجلّلت بآيات الله، ونهل من نمير الرسالة عذب الارتباط مع الخالق، وصاغ لبنات شخصيته نبي الرحمة (صلى الله عليه وآله) بفيض مكارم أخلاقه وعظمة روحه. فكان الحسين(عليه السلام) صورة لمحمّد(صلى الله عليه وآله) في اُمتّه، يتحرّك فيها على هدى القرآن، ويتحدّث بفكر الرسالة، ويسير على خطى جدّه العظيم ليبيّن مكارم الأخلاق، ويرعى للاُمّة شؤونها، ولا يغفل عن هدايتها ونصحها ونصرتها، جاعلاً من نفسه المقدسة اُنموذجاً حيّاً لما أرادته الرسالة والرسول، فكان(عليه السلام) نور هدىً للضالّين وسلسبيلاً عذباً للراغبين وعماداً يستند إليه المؤمنون وحجّة يركن اليها الصالحون، وفيصل حقّ إذيتخاصم المسلمون، وسيف عدل يغضب لله ويثور من أجل الله. وحين نهض كان بيده مشعل الرسالة الذي حمله جدّه النبي(صلى الله عليه وآله) يدافع عن دينه ورسالته العظيمة.
ومن الإمعان في شخصيّة الإمام الحسين(عليه السلام) الفذّة نتلمّسالمظاهر التالية:

 الصفحة (34)
1 ـ تواضعه (عليه السلام):
جُبل أبو عبدالله الحسين(عليه السلام) على التواضع ومجافاة الأنانية، وهو صاحب النسب الرفيع والشرف العالي والمنزلة الخصيصة لدى الرسول(صلى الله عليه وآله) فكان(عليه السلام) يعيش في الاُمّة لايأنف من فقيرها ولا يترفّع على ضعيفها ولا يتكبّر على أحد فيها، يقتدي بجدّه العظيم المبعوث رحمةً للعالمين، يبتغي بذلك رضا الله وتربية الاُمّة، وقد نُقلت عنه(عليه السلام) مواقف كثيرة تعامل فيها مع سائر المسلمين بكلّ تواضع مظهراً سماحة الرسالة ولطف شخصيّته الكريمة، ومن ذلك:
إنّه(عليه السلام) قد مرّ بمساكين وهم يأكلون كسراً (خبزاً يابساً) على كساء، فسلّم عليهم، فدعوه الى طعامهم فجلس معهم وقال: لولا أنّه صدقة لأكلت معكم. ثمّ قال: قوموا الى منزلي، فأطعمهم وكساهم وأمر لهم بدراهم.
وروي: أنّه (عليه السلام) مرّ بمساكين يأكلون في الصُّفَة، فقالوا: الغداء، فقال(عليه السلام): إنّ الله لا يحب المتكبّرين، فجلس وتغدّى معهم ثم قال لهم: قد أجبتكم فأجيبوني، قالوا: نعم، فمضى بهم الى منزله وقال لزوجته: أخرجي ماكنت تدّخرين(1).
2 ـ حلمه وعفوه(عليه السلام):
تأدّب الحسين السبط (عليه السلام) بآداب النبوّة، وحمل روح جدّه الرسول الأعظم(صلى الله عليه وآله) يوم عفى عمّن حاربه ووقف ضد الرسالة الإسلامية، لقد كان قلبه يتّسع لكلّ الناس، وكان حريصاً على هدايتهم متغاضياً في هذا السبيلعن إساءة جاهلهم، يحدوه رضا الله تعالى، يقرّب المذنبين ويطمئنهم ويزرع 
ـــــــــــــــــــــــ 
(1) أعيان الشيعة : 1 / 580 ، تأريخ ابن عساكر : ترجمة الإمام الحسين (عليه السلام) حديث 196، وتفسير
البرهان: 2 / 363.

 الصفحة (35)
فيهم الأمل برحمة الله، فكان لا يردّ على مسيء إساءة بل يحنو عليه ويرشده الى طريق الحقّ وينقذه من الضلال.
فقد روي عنه(عليه السلام) أنّه قال: «لو شتمني رجل في هذه الاُذن ـ وأومأ الى اليمنى ـ واعتذر لي في اليسرى لقبلت ذلك منه، وذلك أنّ أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) حدّثني أنّه سمع جدّي رسول الله(صلى الله عليه وآله) يقول: لا يرد الحوض مَن لم يقبل العذر من محق أو مبطل(1).
كما روي أنّ غلاماً له جنى جنايةً كانت توجب العقاب، فأمر بتأديبه فانبرى العبد قائلاً: يا مولاي والكاظمين الغيظ، فقال(عليه السلام): خلّوا عنه، فقال: يا مولاي والعافين عن الناس، فقال(عليه السلام): قد عفوت عنك، قال: يا مولاي والله يحب المحسنين، فقال(عليه السلام): أنت حرّ لوجه الله ولك ضعف ما كنت أعطيك(2).
3 ـ جوده وكرمه (عليه السلام) :
وبنفس كبيرة كان الإمام الحسين بن علي(عليهما السلام) يعين الفقراء والمحتاجين، ويحنو على الأرامل والأيتام، ويثلج قلوب الوافدين عليه، ويقضي حوائج السائلين من دون أن يجعلهم يشعرون بذلّ المسألة، ويصل رحمه دون انقطاع، ولم يصله مال إلاّ فرّقه وأنفقه وهذه سجية الجواد وشنشنة الكريم وسمة ذي السماحة.
فكان يحمل في دجى الليل البهيم جراباً مملوءً طعاماً ونقوداً الى منازل الأرامل واليتامى حتّى شهد له بهذا الكرم معاوية بن أبي سفيان، وذلك حين بعث لعدّة شخصيات بهدايا، فقال متنبّئاً: أمّا الحسين فيبدأ بأيتام من قتل مع 
ــــــــــــــــــــــــ 
(1) إحقاق الحقّ : 11 / 431 .
(2) كشف الغمّة : 2 / 31 ، والفصول المهمة لابن الصبّاغ: 168 مع اختلاف يسير ، وأعيان الشيعة : 4 / 53 . 

 الصفحة (36)
أبيه بصفّين، فإن بقي شيء نحر به الجزور وسقى به اللبن(1).
وفي موقف مفعم باللطف والإنسانية والحنان جعل العتق رداً للتحية، فقد روى عن أنس أنّه قال :
كنت عند الحسين فدخلت عليه جارية بيدها طاقة ريحان فحيّته بها، فقال لها: أنت حرّة لوجه الله تعالى. وانبهر أنس وقال: جارية تجيئك بطاقة ريحان فتعتقها؟! فقال (عليه السلام): كذا أدّبنا الله، قال تبارك وتعالى: (وإذا حيّيتم بتحيّة فحيّوا بأحسن منها أو ردّوها)، وكان أحسن منها عتقها(2).
ومن كرمه وعفوه أنّه وقف(عليه السلام) ليقضي دين اُسامة بن زيد وليفرّج عن همّه الذي كان قد اعتراه وهو في مرضه(3)، رغم أنّ اُسامة كان قد وقف في الصفّ المناوئ لأبيه أمير المؤمنين(عليه السلام).
ووقف ذات مرّة سائل على باب الحسين(عليه السلام) وأنشد قائلاً:
لـم يخب الآن من رجاك      حرّك من دون بابك الحلقة
أنـت  جـواد أنت معتمد      أبوك  قد كان قاتل الفسقة
فأسرع اليه الإمام الحسين(عليه السلام) وما أن وجد أثر الفاقة عليه حتّى نادى بقنبر وقال متسائلاً: ما تبقّى من نفقتنا؟ قال: مائتا درهم أمرتني بتفرقتها في أهل بيتك، فقال(عليه السلام): هاتها فقد أتى مَن هو أحقّ بها منهم، فأخذها ودفعها الى السائل معتذراً منه، وأنشد قائلاً :
خـذها  فـإنّي الـيك معتذر      واعـلم  بأنّي عليك ذو شفقة
لو كان في سيرنا الغداة عصاً      أمـست سـمانا عليك مندفقة
لـكنّ  ريب الزمان ذو غِير      والـكفّ مـنّي قـليلة النفقة
ــــــــــــــــــــــــ 
(1) حياة الإمام الحسين : 1 / 128 عن عيون الأخبار .
(2) كشف الغمّة : 2 / 31، والفصول المهمة : 167 .
(3) بحار الأنوار : 44 / 189، ومناقب آل أبي طالب : 4 / 65 . 

 الصفحة (37)
فأخذها الأعرابي شاكراً وهو يدعو له(عليه السلام) بالخير، وأنشد مادحاً:
مـطـهّرون  نـقيّات جـيوبهمُ      تجري الصلاة عليهم أينما ذكروا
وأنـتم أنـتم الأعـلون عـندكمُ      علم الكتاب وما جاءت به السورُ
مـن لـم يكن علويّاً حين تنسبه      فما له في جميع الناس مفتخر(1)
4 ـ شجاعته (عليه السلام) :
إنّ المرء ليعجز عن الوصف والقول حين يطالع صفحة الشجاعة من شخصية الإمام الحسين(عليه السلام); فإنّه ورثها عن آبائه وتربّى عليها ونشأ فيها، فهو من معدنها وأصلها، وهو الشجاع في قول الحقّ والمستبسل للدفاع عنه، فقد ورث ذلك عن جدّه العظيم محمّد(صلى الله عليه وآله) الذي وقف أمام أعتى قوّة مشركة حتّى انتصر عليها بالعقيدة والإيمان والجهاد في سبيل الله تعالى. 
ووقف مع أبيه ـ أمير المؤمنين(عليه السلام) ـ يعيد الإسلام حاكماً، وينهض بالاُمّة في طريق دعوتها الخالصة، يصارع قوى الضلال والانحراف بالقول والفعل وقوة السلاح ليعيد الحقّ الى نصّابه.
ووقف مع أخيه الإمام الحسن(عليه السلام) موقف الأبطال المضحّين من أجل سلامة الاُمّة ونجاة الصفوة المؤمنة المتمسّكة بنهج الرسالة الإسلامية.
ووقف صامداً حين تقاعست جماهير المسلمين عن نصرة دينها أمام جبروت معاوية وضلاله وأزلامه والتيار الذي قاده لتشويه الدين القويم.
ولم يخش كلّ التهديدات ولا ما كان يلوح في الاُفق من نهاية مأساوية نتيجة الخروج لطلب الإصلاح وإحياء رسالة جدّه النبىّ(صلى الله عليه وآله) والوقوف في وجه الظلم والفساد، فخرج وهو مسلّم لأمر الله وساع لابتغاء مرضاته، 
ــــــــــــــــــــــــ 
(1) تأريخ ابن عساكر : 4 / 323، ومناقب آل أبي طالب : 4 / 65. 

 الصفحة (38)
وها هو(عليه السلام) يردُّ على الحرّ بن يزيد الرياحي حين قال له: اُذكّرك الله في نفسك فإنّي أشهد لئن قاتلت لتقتلنّ، ولئن قوتلت لتهلكنّ، فقال له الإمام أبو عبدالله(عليه السلام):
أبالموت تخوّفني؟ وهل يعدو بكم الخطب أن تقتلوني؟ ما أدري ما أقول لك؟ ولكن أقول كما قال أخو الأوس لابن عمّه :
سأمضي وما بالموت عارٌ على الفتى      إذا مـا نـوى خـيراً وجاهد مسلما
وواسـى  رجـالاً صـالحين بنفسه      وخـالف  مـثبوراً وفـارق مجرما
فـإن  عشت لم أندم وإن متّ لم اُلَم      كـفى  بك ذلاً أن تعيش وتُرغما(1)
ووقف(عليه السلام) يوم الطفّ موقفاً حيّر به الألباب وأذهل به العقول، فلم ينكسر أمام جليل المصاب حتّى عندما بقي وحيداً، فقد كان طوداً شامخاً لا يدنو منه العدوّ هيبةً وخوفاً رغم جراحاته الكثيرة حتى شهد له عدوّه بذلك، فقد قال حميد بن مسلم:
فوالله ما رأيت مكثوراً قطّ قد قتل ولده وأهل بيته وأصحابه أربط جأشاً ولا أمضى جناناً منه، إن كانت الرجّالة لتشدّ عليه فيشد عليها بسيفه فيكشفهم عن يمينه وشماله انكشاف المعزى إذا اشتد عليها الذئب(2).
5 ـ إباؤه (عليه السلام):
لقد تجلّت صورة الثائر المسلم بأبهى صورها وأكملها في إباء الإمام الحسين(عليه السلام) ورفضه للصبر على الحيف والسكوت على الظلم، فسنّ بذلك للأجيال اللاحقة سنّة الإباء والتضحية من أجل العقيدة وفي سبيلها، حين وقف ذلك الموقف الرسالي العظيم يهزّ الاُمّة ويشجّعها أن لا تموت هواناً 
ــــــــــــــــــــــــ 
(1) تأريخ الطبري : 4 / 254 ، والكامل في التأريخ : 3 / 270.
(2) اعلام الورى : 1 / 468، وتأريخ الطبري : 5 / 540. 

 الصفحة (39)
وذلاًّ، رافضاً بيعة الطليق ابن الطليق يزيد بن معاوية قائلاً: «إنّ مثليلا يبايع مثله».
وها هو يصرّح لأخيه محمد بن الحنفية مجسّداً ذلك الإباء بقوله(عليه السلام): «يا أخي! والله لو لم يكن في الدنيا ملجأ ولا مأوى لما بايعت يزيد بن معاوية»(1).
ورغم أنّ الشيطان كان قد استحكم على ضمائر الناس فأماتها حتّى رضيت بالهوان، لكن الإمام الحسين(عليه السلام) وقف صارخاً بوجه جحافل الشرّ والظلم من جيوش الردّة الاُموية قائلاً: «والله لا اُعطيكم بيدي إعطاء الذليل ولا أقرّ إقرار العبيد، إنّي عذت بربّي وربّكم أن ترجمون»(2).
لقد كانت كلمات الإمام أبي عبدالله الحسين(عليه السلام) تعبّر عن أسمى مواقف أصحاب المبادئ والقيم وحملة الرسالات، كما تنمّ عن عزته واعتداده بالنفس، فقد قال(عليه السلام):
«ألا وإنّ الدعيَّ ابن الدعيَّ قد ركز بين اثنتين بين السلّة والذلّة، وهيهات منّا الذلة، يأبى الله ذلك ورسوله والمؤمنون، وحجور طابت وطهرت، واُنوف حميّة، ونفوس أبيّة من أن تؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام»(3).
وهكذا علّم الإمام الحسين(عليه السلام) البشرية كيف يكون الإباء في المواقف وكيف تكون التضحية من أجل الرسالة.
6 ـ الصراحة والجرأة في الإصحار بالحقّ :
لقد كانت نهضة الإمام الحسين (عليه السلام) وثورته بركاناً تفجّر في تأريخ 
ــــــــــــــــــــــــ 
(1) الفتوح لابن أعثم : 5 / 23، ومقتل الحسين للخوارزمي : 1 / 188، وبحار الأنوار : 44 / 329.
(2) مقتل الحسين للمقرّم : 280، وتأريخ الطبري : 4 / 330، وإعلام الورى : 1 / 459، وأعيان الشيعة : 1 / 602.
(3) أعيان الشيعة : 1 / 603، والاحتجاج : 2 / 24، ومقتل الحسين (عليه السلام) للخوارزمي : 2 / 6 .

 الصفحة (40)
الرسالة الإسلامية وزلزالاً صاخباً أيقظ ضمير المتقاعسين عن نصرة الحقّ، والكلمة الطيبة التي دعت كلّ الثائرين والمخلصين للعقيدة والرسالة الإسلامية إلى مواصلة المسيرة في بناء المجتمع الصالحوفق ماأراده الله تعالىورسوله(صلى الله عليه وآله).
وقد نهج الإمام الحسين(عليه السلام) منهج الصراحة والمكاشفة موضّحاً للاُمّة الخلل والزيغ والطريق الصحيح، فها هو بكل جرأة يقف أمام الطاغية يحذّره ويمنعه عن التمادي في الغيّ والفساد... فهذه كتبه(عليه السلام) الى معاوية واضحة لا لبس فيها ينذره ويحذّر من الاستمرار في ظلمه ويكشف للاُمّة مدى ضلالته وفساده(1).
وبكلّ صراحة وقوّة رفض البيعة ليزيد بن معاوية، وقال موضّحاً للوليد ابن عتبة حين كان والياً ليزيد : «إنّا أهل بيت النبوة، ومعدن الرسالة، ومختلف الملائكة ومحل الرحمة، بنا فتح الله وبنا ختم، ويزيد فاسق فاجر، شارب للخمر، قاتل النفس المحترمة، معلن بالفسق والفجور، ومثلي لايبايع مثله»(2).
وكانت صراحته ساطعة مع أصحابه ومن أعلن عن نصرته، ففي أثناء المسير باتّجاه الكوفة وصله نبأ استشهاد مسلم بن عقيل وخذلان الناس له، فقال(عليه السلام) للذين اتّبعوه طلباً للعافية: «قد خذلنا شيعتنا فمن أحبّ منكم الانصراف فلينصرف غير حرج، ليس عليه ذمام»(3).
فتفرّق عنه ذوو الأطماع وضعاف اليقين، وبقيت معه الصفوةالخيّرة من أهل بيته وأصحابه، ولم يخادع ولم يداهن في الوقت الذي كانيعزّ فيه الناصر.
ــــــــــــــــــــــــ 
(1) الإمامة والسياسة : 1 / 189 و 195.
(2) الفتوح : 5 / 14، ومقتل الحسين للخوارزمي : 1 / 184، وبحار الأنوار : 44 / 325 .
(3) الإرشاد: 2/75، وتأريخ الطبري : 3 / 303، والبداية والنهاية : 8 / 182، وبحار الأنوار : 44 / 374 .
 الصفحة (41)
وقبل وقوع المعركة أذن لكل مَن كان قد تبعه من المخلصين في الانصراف عنه قائلاً: «إنّي لا أعلم أصحاباً أصحّ منكم ولا أعدل ولا أفضل أهل بيت، فجزاكم الله عنّي خيراً، فهذا الليل قد أقبل فقوموا واتّخذوه جملاً، وليأخذ كلّ رجل منكم بيد صاحبه أو رجل من إخوتي وتفرّقوا في سواد هذا الليل، وذروني وهؤلاء القوم، فإنّهم لا يطلبون غيري، ولو أصابوني وقدروا على قتلي لما طلبوكم»(1).
والحقّ أنّ من يطالع كلّ تفاصيل نهضة الإمام الحسين(عليه السلام)سيجد الصدق والصراحة والجرأة في كلّ قول وفعل في جميع خطواتنهضته المباركة.
7 ـ عبادته وتقواه(عليه السلام) :
ما انقطع أبو عبدالله الحسين(عليه السلام) عن الاتّصال بربّه في كلّ لحظاته وسكناته، فقد بقي يجسّد اتّصاله هذا بصيغة العبادة لله، ويوثّق العرى مع الخالق جلّت قدرته، ويشدّ التضحية بالطاعة الإلهية متفانياً في ذات الله ومن أجله، وقد كانت عبادته ثمرة معرفته الحقيقية بالله تعالى.
وإنّ نظرة واحدة الى دعائه(عليه السلام) في يوم عرفة تبرهن على عمق هذه المعرفة وشدّة العلاقة مع الله تعالى، وننقل مقطعاً من هذا الدعاء العظيم:
قال(عليه السلام): «كيف يُستدل عليك بما هو في وجوده مفتقر إليك؟! أيكون لغيرك من الظهور ما ليس لك حتّى يكون هو المظهِر لك؟! متى غبت حتى تحتاج الى دليل يدلّ عليك؟! ومتى بعدت حتى تكون الآثار هي التي توصل اليك؟! عميت عين لا تراك عليها رقيباً، وخسرت صفقة عبد لم تجعل له من حبّك نصيباً...
إلهي هذا ذُلّي ظاهر بين يديك، وهذا حالي لا يخفى عليك. منك أطلب الوصول 
ــــــــــــــــــــــــ 
(1) الفتوح : 5 / 105، وتأريخ الطبري : 3 / 315، وأعيان الشيعة : 1 / 600 . 

 الصفحة (42)
اليك، وبك استدلّ عليك، فاهدني بنورك اليك، وأقمني بصدق العبودية بين يديك...
أنت الذي أشرقت الأنوار في قلوب أوليائك حتّى عرفوك ووحّدوك، وأنت الذي أزلت الأغيار عن قلوب أحبّائك حتّى لم يحبّوا سواك ولم يلجأوا الى غيرك، أنت المؤنس لهم حيث أوحشتهم العوالم...
ماذا وَجدَ مَن فقدك؟! وما الذي فقد من وجدك؟!
لقد خاب من رضي دونك بَدلاً، ولقد خسر من بغى عنك مُتحوّلا...
يا مَن أذاق أحبّاءه حلاوة المؤانسة فقاموا بين يديه متملّقين، ويا من ألبس أولياءه ملابس هيبته فقاموا بين يديه مستغفرين...»(1).
ولقد بدا عليه عظيم خوفه من الله وشدّة مراقبته له حتّى قيل له: ما أعظم خوفك من ربّك! فقال(عليه السلام): «لا يأمن يوم القيامة إلاّ من خاف من اللهفي الدنيا»(2).
صور من عبادته(عليه السلام) :
إنّ العبادة لأهل بيت النبوة(عليهم السلام) هي وجود وحياة، فقد كانت لذّتهم في مناجاتهم لله تعالى، وكانت عبادتهم له متّصلة في الليل والنهار وفي السرّ والعلن، والإمام الحسين(عليه السلام) ـ وهو أحد أعمدة هذا البيت الطاهر ـ كان يقوم بين يدي الجبّار مقام العارف المتيقّن والعالم العابد، فإذا توضّأ تغيّر لونه وارتعدت مفاصله، فقيل له في ذلك فقال(عليه السلام): «حقّ لمن وقف بين يدي الجبّار أن يصفرّ لونه وترتعد مفاصله»(3).
وحرص(عليه السلام) على أداء الصلاة في أحرج المواقف، حتى وقف يؤدّي 
ــــــــــــــــــــــــ 
(1) المنتخب الحسني للأدعية والزيارات : 924 ـ 925.
(2) بحار الأنوار : 44 / 190.
(3) جامع الأخبار : 76، وراجع: إحقاق الحقّ : 11 / 422. 

 الصفحة (43)
صلاة الظهر في قمّة الملحمة في اليوم العاشر من المحرّم(1) وجيوش الضلالة تحيط به من كل جانب وترميه من كل صوب.
وكان (عليه السلام) يخرج متذلّلاً لله ساعياً الى بيته الحرام يؤدّي مناسك الحجّ بخشوع وتواضع، حتّى حجّ خمساً وعشرين حجّة ماشياً على قدميه(2).
وقد اشتهرت بين محدّثي الشيعة ومختلف طبقاتهم مواقفه الخاشعة في عرفات أيّام موسم الحجّ، ومناجاته الطويلة لربّه وهو واقف على قدميه في ميسرة الجبل والناس حوله.
لقد كان(عليه السلام) كثير البرّ والصدقة، فقد روي أنّه ورث أرضاً وأشياء فتصدّق بها قبل أن يقبضها، وكان يحمل الطعام في غلس الليل الى مساكين أهل المدينة لم يبتغ بذلك إلاّ الأجر من الله والتقرب اليه(3).
ــــــــــــــــــــــــ 
(1) ينابيع المودة : 410، ومقتل الحسين للخوارزمي : 2 / 17.
(2) سير أعلام النبلاء : 3 / 193، ومجمع الزوائد : 9 / 201.
(3) حياة الإمام الحسين (عليه السلام) : 1 / 135. 

 الصفحة (44)
 

 
 الصفحة (45)
الباب الثاني
فيه فصول :
الفصل الأوّل : نشـأة الإمـام الحسيــن (عليه السلام)
الفصل الثاني :مـراحل حيـاة الإمـام الحسيـن (عليه السلام)
الفصل الثالث :الإمام الحسين(عليه السلام) من الولادة الى الإمامة

 الصفحة (46)
 

 
 الصفحة (47)
الفصل الأول:
 نشأة الإمام الحسين (عليه السلام)
هو أبو عبد الله الحسين بن عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) ثالث أئمّة أهل البيت الطاهرين، وثاني سبطَي رسول الله(صلى الله عليه وآله) وسيّد شباب أهل الجنة، وريحانة المصطفى، وأحد الخمسة أصحاب العبا وسيّد الشهداء، واُمّه فاطمة (عليها السلام) بنت رسول الله(صلى الله عليه وآله).
تأريخ الولادة :
أكّد أغلب المؤرّخين أنّه (عليه السلام) ولد بالمدينة في الثالث من شعبان في السنة الرابعة من الهجرة(1).
وثمّة مؤرّخون أشاروا الى أنّ ولادته (عليه السلام) كانت في السنة الثالثة(2).
رؤيا اُمّ أيمن :
أوّلَ رسول الله (صلى الله عليه وآله) رؤيا للسيدة اُمّ أيمن ـ كانت قد فزعت منها حين 
ــــــــــــــــــــــــ 
(1) تأريخ ابن عساكر : 14 / 313، ومقاتل الطالبيين : 78، ومجمع الزوائد : 9 / 194، واُسد الغابة : 2 / 18، والإرشاد : 18 .
(2) اُصول الكافي : 1 / 463، والاستيعاب المطبوع على هامش الإصابة : 1 / 377 .

 الصفحة (48)
رأت أنّ بعض أعضائه (صلى الله عليه وآله) ملقىً في بيتها ـ بولادة الحسين(عليه السلام) الذي سيحلّ في بيتها صغيراً للرضاعة، فقد ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنّه قال :
أقبل جيران اُمّ أيمن الى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقالوا: يا رسول الله، إنّ اُمّ أيمن لم تنم البارحة من البكاء، لم تزل تبكي حتّى أصبحت، فبعث رسول الله الى اُمّ أيمن فجاءته فقال لها: يا اُمّ أيمن، لا أبكى الله عينك، إنّ جيرانك أتوني وأخبروني أنّك لم تزلي الليل تبكين أجمع، فلا أبكى الله عينك ما الذي أبكاك؟ قالت: يا رسول الله، رأيت رؤيا عظيمة شديدة، فلم أزل أبكي الليل أجمع، فقال لها رسول الله(صلى الله عليه وآله): فقصّيها على رسول الله فإنّ الله ورسوله أعلم، فقالت: تعظم عليّ أن أتكلّم بها، فقال لها: إنّ الرؤيا ليست على ما ترى، فقصّيها على رسول الله. قالت: رأيت في ليلتي هذه كأنّ بعض أعضائك ملقىً في بيتي، فقال لها رسول الله(صلى الله عليه وآله) : نامت عينك يا اُمّ أيمن، تلد فاطمة الحسين فتربّينه وتُلبنيه(1) فيكون بعض أعضائي في بيتك(2).
الوليد المبارك :
ووضعت سيّدة نساء العالمين فاطمة الزهراء (عليها السلام) وليدها العظيم، وزفّت البشرى الى الرسول (صلى الله عليه وآله)، فأسرع الى دار عليّ والزهراء(عليهما السلام)، فقال لأسماء بنت عميس: «يا أسماء هاتي ابني»، فحملته إليه وقد لُفّ في خرقة بيضاء، فاستبشر النبي(صلى الله عليه وآله) وضمّه اليه، وأذّن في اُذنه اليمنى وأقام في اليسرى، ثمّ وضعه في حجره وبكى، فقالت أسماء: فداك أبي واُمي، ممّ بكاؤك؟ قال (صلى الله عليه وآله): «من ابني هذا». قالت: إنّه ولد الساعة، قال (صلى الله عليه وآله): «يا أسماء! 
ــــــــــــــــــــــــ 
(1) أي : تسقينه اللبن. 
(2) بحار الأنوار : 43 / 242 . 

 الصفحة (49)
تقتله الفئة الباغية من بعدي، لا أنالهم الله شفاعتي...»(1).
ثمّ إنّ الرسول (صلى الله عليه وآله) قال لعليّ(عليه السلام): أيّ شيء سمّيت ابني؟ فأجابه علىّ(عليه السلام): «ما كنت لأسبقك باسمه يا رسول الله». وهنا نزل الوحي على حبيب الله محمّد(صلى الله عليه وآله) حاملاً اسم الوليد من الله تعالى، وبعد أن تلقّى الرسول أمر الله بتسمية وليده الميمون، التفت الى علىّ(عليه السلام) قائلاً: «سمّه حسيناً».
وفي اليوم السابع أسرع الرسول (صلى الله عليه وآله) الى بيت الزهراء(عليها السلام) فعقّعن سبطه الحسين كبشاً، وأمر بحلق رأسه والتصدّق بزنة شعره فضّة، كماأمر بختنه(2).
وهكذا أجرى للحسين السبط ما أجرى لأخيه الحسن السبط من مراسم.
اهتمام النبىّ(صلى الله عليه وآله) بالحسين(عليه السلام) :
لقد تضافرت النصوص الواردة عن رسول الله(صلى الله عليه وآله) بشأن الحسين(عليه السلام) وهي تبرز المكانة الرفيعة التي يمثّلها في دنيا الرسالة والاُمّة. ونختار هنا عدّة نماذج منها للوقوف على عظيم منزلته: 
1 ـ روى سلمان أنّه سمع رسول الله(صلى الله عليه وآله) يقول في الحسن والحسين(عليهما السلام): «اللّهمّ إنّي اُحبّهما فأَحِبَّهما واُحبّ من أحبّهما»(3).
2 ـ «من أحبّ الحسن والحسين أحببته، ومن أحببته أحبّه الله، ومن أحبّه الله عزّ وجلّ أدخله الجنة، ومن أبغضهما أبغضته، ومن أبغضته أبغضه الله، ومن أبغضه اللهخلَّده في النار»(4).
ــــــــــــــــــــــــ 
(1) إعلام الورى بأعلام الهدى : 1 / 427 .
(2) عيون أخبار الرضا : 2 / 25 ، إعلام الورى : 1 / 427 .
(3) الإرشاد: 2/28 .
(4) الإرشاد: 2 / 28. 

 الصفحة (50)
3 ـ «إنّ ابنىّ هذين ريحانتاي من الدنيا»(1).
4 ـ رُوي عن ابن مسعود أنّه قال: كان النبىّ(صلى الله عليه وآله) يصلّي فجاء الحسن والحسين(عليهما السلام) فارتدفاه، فلمّا رفع رأسه أخذهما أخذاً رفيقاً، فلمّا عاد عادا، فلمّا انصرف أجلس هذا على فخذه الأيمن وهذا على فخذه الأيسر، ثم قال: «من أحبّني فَلْيُحبّ هذين»(2).
5 ـ «حسين منّي وأنا من حسين، أحبّ الله من أحبّ حسيناً، حسين سبطمن الأسباط»(3).
6 ـ «الحسن والحسين خير أهل الأرض بعدي وبعد أبيهما، واُمّهما أفضل نساءأهل الأرض»(4).
7 ـ «الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنة»(5).
8 ـ عن برّة ابنة اُميّة الخزاعي أنّها قالت: لمّا حملت فاطمة(عليها السلام) بالحسن خرج النبىّ(صلى الله عليه وآله) في بعض وجوهه فقال لها: «إنّك ستلدين غلاماً قد هنّأني به جبرئيل، فلا ترضعيه حتّى أصير اليك» قالت: فدخلت على فاطمة حين ولدت الحسن(عليه السلام) وله ثلاث ما أرضعته، فقلت لها: أعطينيه حتّىاُرضعه ، فقالت: «كلاّ» ثمّ أدركتها رقّة الاُمهات فأرضعته، فلمّا جاء النبىّ(صلى الله عليه وآله) قال لها: «ماذا صنعت؟» قالت: «أدركني عليه رقّة الاُمهات فأرضعته» فقال: «أبى الله عزّوجلّ إلاّ ما أراد».
فلمّا حملت بالحسين(عليه السلام) قال لها: «يا فاطمة إنّك ستلدين غلاماً قد هنّأني به 
ــــــــــــــــــــــــ 
(1) الإرشاد: 2/28 ، وصحيح البخاري : 2 / 188 ، وسنن الترمذي : 5 / 615 ح 3770 
(2) مستدرك الحاكم : 3 / 166 ، وكفاية الطالب : 422 ، وإعلام الورى : 1 / 432 .
(3) بحار الأنوار : 43 / 261 ، ومسند أحمد : 4 / 172، وصحيح الترمذي : 5 / 658 ح3775 .
(4) بحارالأنوار: 43/261 ، وعيون أخبار الرضا : 2 / 62 .
(5) سنن ابن ماجة : 1 / 56 ، والترمذي : 5 / 614 / ح 3768 ، وبحار الأنوار : 43 / 265 . 
 الصفحة (51)
جبرئيل فلا ترضعيه حتى أجيء اليك ولو أقمت شهراً»، قالت: «أفعل ذلك»، وخرج رسول الله(صلى الله عليه وآله) في بعض وجوهه، فولدت فاطمة الحسين(عليه السلام) فما أرضعته حتى جاء رسول الله فقال لها: «ماذا صنعت؟» قالت: «ما أرضعته» فأخذهفجعل لسانه في فمه فجعل الحسين يمصّ، حتى قال النبىّ(صلى الله عليه وآله): «إيهاً حسينإيهاً حسين»!! ثمّ قال: «أبى الله إلاّ ما يريد، هي فيك وفي ولدك»(1) يعنيالإمامة.
9 ـ إنّ النبىّ(صلى الله عليه وآله) كان جالساً فأقبل الحسن والحسين، فلمّا رآهما النبىّ(صلى الله عليه وآله)قام لهما واستبطأ بلوغهما إليه، فاستقبلهما وحملهما على كتفيه، وقال: «نعم المطيُّ مطيّكما، ونعم الراكبان أنتما، وأبوكما خير منكما»(2).
كنيته وألقابه :
أمّا كنيته فهي : أبو عبدالله .
وأمّا ألقابه فهي : الرشيد، والوفي، والطيّب، والسيّد، والزكيّ، والمبارك، والتابع لمرضاة الله، والدليل على ذات الله، والسبط. وأشهرها رتبةً ما لقّبه به جدّه (صلى الله عليه وآله) في قوله عنه وعن أخيه : «أنّهما سيّدا شباب أهل الجنة». وكذلك السبط لقوله(صلى الله عليه وآله): «حسين سبط من الأسباط»(3).
ــــــــــــــــــــــــ 
(1) بحار الأنوار : 43 / 254 ، وراجع : المناقب : 3 / 50 .
(2) بحار الأنوار : 43 / 285 ـ 286 ، راجع : ذخائر العقبى : 130 .
(3) أعيان الشيعة : 1 / 579 .

 الصفحة (52)
الفصل الثاني:
 مراحل حياة الإمام الحسين(عليه السلام)
تنقسم حياة كلّ إمام من الأئمّة المعصومين(عليهم السلام) الى قسمين متميّزين:
الأوّل : من الولادة الى حين استلامه لمقاليد الإمامة والولاية المناطة إليه من الله والمنصوص عليها على لسان رسوله والأئمّة (عليهم السلام) أنفسهم.
والثاني : يبدأ من يوم تصدّيه لإدارة اُمور المسلمين والمؤمنين الى يوم استشهاده.
وقد يشتمل كلّ قسم على عدّة مراحل حسب طبيعة الظروف والأحداث التي تميّز كل مرحلة.
ونحن ندرس الفترة الاُولى بجميع مراحلها وأهمّ أحداثها ـ وهي فترة الولادة حتى الإمامة ـ في الفصل الثالث من الباب الثاني، بينما ندرس الفترة الثانية بمراحلها المختلفة بشكل تفصيلي في الباب الثالث.
وينبغي أن نعرف أنّ الفترة الاُولى من حياة الإمام الحسين(عليه السلام) كانت ذات أربع مراحل هي: 
1 ـ حياته في عهد جدّه(صلى الله عليه وآله) وهي من السنة (4) الى (10) هجرية.
2 ـ حياته في عهد الخلفاء الثلاثة، وهي من السنة (11) الى (35) هجرية.

 الصفحة (53)
3 ـ حياته في عهد الدولة العلوية المباركة، أي منذ البيعة مع أبيه الى يوم استشهاده صلوات الله عليه، وهي من السنة (35) الى (40) هجرية.
4 ـ حياته في عهد أخيه الحسن المجتبى (عليه السلام) وهي عشر سنوات تقريباً، أي من أواخر شهر رمضان سنة (40) هجرية الى بداية أو نهاية صفر سنة (50) هجرية حيث استشهد الحسن (عليه السلام) وتصدّى هو للأمر من بعده.
وأمّا الفترة الثانية من حياته وهي التي تبدأ بعد استشهاد أخيه(عليه السلام) وتنتهي باستشهاده بأرض الطفّ يوم عاشوراء سنة ( 61 ) هجرية، فهي ذات مرحلتين متميزتين:
1 ـ المرحلة الاُولى : مدّة حياته خلال حكم معاوية، حيث بقي ـ صلوات الله عليه ـ ملتزماً بالهدنة التي عقدت مع معاوية بالرغم من تخلّف معاوية عن كلّ الشروط التي اشترطت عليه من قبل الإمام الحسن(عليه السلام)، وقد جسّد تمرّده على كل شروط الصلح بإيعاز السمّ الفاتك الى الإمام الحسن (عليه السلام) ليتخلّص من رقيب مناهض ويزيل الموانع عن ترشيح ولده الفاسق يزيد.
2 ـ المرحلة الثانية : وتبدأ بفرض معاوية ابنه يزيد حاكماً متحكّماً في رقاب المسلمين بعد موت أبيه وسعيه لأخذ البيعة من الحسين(عليه السلام) للقضاء على المعارضة التي كان قد عرف جذورها أيام أبيه. ومن هنا تبدأ نهضته التي كانت بركاناً تحت الرماد، فانفجرت بانفجار الفسق والفجور وظهورهما على مسرح القيادة وجهاز الحكم، فبدأ حركته من المدينة إلى مكّة ثم الى العراق، وتوّج صبره وجهاده بدمائه الطاهرة ودماء أهل بيته وأصحابه الأصفياء التي قدّمها في سبيل الله تعالى .

 الصفحة (54)
الفصل الثالث:
 الإمام الحسين (عليه السلام) من الولادة إلى الإمامة
الإمام الحسين(عليه السلام) في عهد الرسول (صلى الله عليه وآله)
في حياة النبىّ(صلى الله عليه وآله) والرسالة الإسلامية مساحة واسعة لبيت عليّ وفاطمة وأبنائهما(عليهم السلام) ومعاني ودلالات عميقة حيث إنّه البيت الذي سيحتضن الرسالة ويتحمّل عبء الخلافة ومسؤولية صيانة الدين والاُمّة.
وكان لابدّ لهذا البيت أن ينال القسط الأوفى والحظّ الأوفر من فيض حبّ النبىّ(صلى الله عليه وآله) ورعايته واُبوّته، فلم يدّخر النبيّ(صلى الله عليه وآله) وسعاً أن يروّي شجرته المباركة في بيت علىّ(عليه السلام) ويتعهّدها صباح مساء مبيّناً أنّ مصير الاُمّة مرهون بسلامة هذا البيت وطاعة أهله كما يتجلّى ذلك في قوله (صلى الله عليه وآله): «إنّ علياً راية الهدى بعدي وإمام أوليائي ونور من أطاعني»(1).
وحين أشرقت الدنيا بولادة الحسين(عليه السلام); أخذ مكانته السامية في قلب النبىّ(صلى الله عليه وآله) وموضعه الرفيع في حياة الرسالة.
ــــــــــــــــــــــــ 
(1) حلية الأولياء : 1 / 67، ونظم درر السمطين : 114، وتاريخ ابن عساكر : 2 / 189 ح 680 ، ومقتل الخوارزمي : 1 / 43، وجامع الجوامع (للسيوطي) : 6 / 396، ومنتخب الكنز : 6 / 953 ح2539، والفصول المهمة لابن الصباغ : 107، وتاريخ الخلفاء للسيوطي : 173، ومجمع الزوائد : 9 / 135، وكنز العمّال : 5/153، وصحيح الترمذي : 5 / 328 ح3874، واُسد الغابة : 2 / 12. 

 الصفحة (55)
وبعين الخبير البصير والمعصوم المسدّد من السماء وجد النبىّ(صلى الله عليه وآله) في الوليد الجديد وريثاً للرسالة بعد حين، ثائراً في الاُمّة بعد زيغ وسكون، مصلحاً في الدين بعد انحراف واندثار، محيياً للسنّة بعد تضييع وإنكار، فراح النبيّ(صلى الله عليه وآله) يهيّئه ويعدّه لحمل الرسالة الكبرى مستعيناً في ذلك بعواطفه وساعات يومه، وبهديه وعلمه; إذ عمّا قليل سيضطلع بمهام الإمامة في الرسالة الخاتمة بأمر الله تعالى.
فها هو(صلى الله عليه وآله) يقول: «الحسن والحسين ابناي من أحبّهما أحبّني، ومن أحبّني أحبّه الله، ومن أحبّه الله أدخله الجنّة، ومن أبغضهما أبغضني، ومن أبغضني أبغضه الله، ومن أبغضه الله أدخله النار»(1).
وهل الحب إلاّ مقدمة الطاعة وقبول الولاية؟ بل هما بعينهما في المآل.
لقد كان النبي(صلى الله عليه وآله) يتألّم لبكائه ويتفقّده في يقظته ونومه، يوصياُمّه الطاهرة فاطمة صلوات الله عليها أن تغمر ولده المبارك بكلّ مشاعرالحنان والرفق(2).
حتّى إذا درج الحسين(عليه السلام) صبيّاً يتحرّك شرع النبىّ(صلى الله عليه وآله) يلفت نظر الناس إليه ويهيّئ الأجواء لأن تقبل الاُمّة وصاية ابن النبيّ (صلى الله عليه وآله) عليها، فكم تأنّى النبيّ(صلى الله عليه وآله) في سجوده والحسين يعلو ظهره(صلى الله عليه وآله) ليظهر للاُمّة حبّهله وكذا مكانته، وكم سارع النبىّ يقطع خطبته ليلقف ابنه القادم نحوهمتعثّراً فيرفعه معه على منبره(3) ؟ كلّ ذلك ليدلّ على منزلته ودوره الخطيرفي مستقبل الاُمّة.
وحين قدم وفد نصارى نجران يحاجج النبىّ(صلى الله عليه وآله) في دعوته إلى 
ــــــــــــــــــــــــ 
(1) مستدرك الحاكم : 3 / 166، وتأريخ ابن عساكر : ترجمة الإمام الحسين(عليه السلام)، وإعلام الورى : 1 / 432 .
(2) مجمع الزوائد : 9 / 201، وسير أعلام النبلاء : 3 / 191، وذخائر العقبى : 143.
(3) مسند أحمد: 5/354، وإعلام الورى: 1/433، وكنز العمال: 7/168،وصحيح الترمذي: 5 / 616 / ح3774. 

 الصفحة (56)
الإسلام وعقيدة التوحيد الخالص وامتنع عن قبولها رغم وضوح الحق أمر الله تعالى بالمباهلة، فخرج النبىّ(صلى الله عليه وآله) إليهم ومعه خير أهل الأرض تقوىً وصلاحاً وأعزّهم على الله مكانةً ومنزلةً: عليّ وفاطمة والحسن والحسين (عليهم السلام)، ليباهل بهم أهل الكفر والشرك وانحراف المعتقد، ومُدَلّلاً بذلك ـ في نفس الوقت ـ على أنّهم أهل بيت النبوة وبهم تقوم الرسالة الإسلامية، فعطاؤهم من أجل العقيدة لا ينضب(1).
وما كان من النصارى إذ رأوا وجوهاً مشرقة وطافحة بنور التوحيد والعصمة; إلاّ أن تراجعوا عن المباهلة وقبلوا بأن يعطوا الجزية عنيد وهم صاغرون.
لقد كانت هذه الفترة القصيرة التي عاشها الحسين(عليه السلام) مع جدّه(صلى الله عليه وآله) من أهمّ الفترات وأروعهافي تأريخ الإسلام كلّه، فقد وطّد الرسول(صلى الله عليه وآله)فيها أركان دولته المباركة، وأقامها على أساس العلم والإيمان،وهزم جيوش الشرك، وهدم قواعد الإلحاد، وأخذت الانتصارات الرائعةتترى على الرسول(صلى الله عليه وآله) وأصحابه الأوفياء حيث أخذ الناس يدخلون فيدين الله أفواجاً.
وفي غمرة هذه الانتصارات فوجئت الاُمّة بالمصاب الجلل حين توفّي رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فخيّم الأسى العميق على المسلمين وبخاصة علىأهل بيته(عليهم السلام) الذين أضنتهم المأساة، ولسعتهم حرارة المصيبة بغيابشخص النبيّ(صلى الله عليه وآله).
ميراث النبيّ (صلى الله عليه وآله) لسبطيه(عليهما السلام) :
ـــــــــــــــــــــــ 
(1) مسند أحمد : 1 / 185، وصحيح مسلم : كتاب الفضائل باب فضائل علي : 2 / 360، وصحيح الترمذي : 4 / 293 ح5 208، والمستدرك على الصحيحين : 3 / 150 . 

 الصفحة (57)
ولمّا علمت سيّدة نساء العالمين أنّ لقاء أبيها بربّه عزّوجلّ قريب أتت بابنيها الحسن والحسين(عليهما السلام) فقالت: يا رسول الله، هذان إبناك فورّثهما شيئاً، فقال(صلى الله عليه وآله): أمّا الحسن فإنّ له هيبتي وسؤددي، وأمّا الحسين فإنّ له شجاعتي وجودي(1).
وصيّة النبىّ (صلى الله عليه وآله) بالسبطين(عليهما السلام) :
ووصّى النبىّ(صلى الله عليه وآله) الإمام عليّاً برعاية سبطيه، وكان ذلك قبل موته بثلاثة أيام، فقد قال له: سلام الله عليك أبا الريحانتين، اُوصيك بريحانتيَّ من الدنيا، فعن قليل ينهدّ ركناك، والله خليفتي عليك، فلمّا قبض رسول الله(صلى الله عليه وآله) قال عليّ: هذا أحد ركني الذي قال لي رسول الله(صلى الله عليه وآله)، فلمّا ماتت فاطمة(عليها السلام) قال عليّ: هذا الركن الثاني الذي قال لي رسول الله(2).
لوعة النبيّ (صلى الله عليه وآله) على الحسين (عليه السلام) :
حضر الإمام الحسين(عليه السلام) عند جدّه الرسول(صلى الله عليه وآله) حينما كان يعاني آلام المرض ويقترب من لحظات الاحتضار، فلمّا رآه ضمّه الى صدره وجعل يقول: «مالي وليزيد؟! لا بارك الله فيه.» ثمّ غشي عليه طويلاً، فلمّا أفاق أخذ يوسع الحسين تقبيلاً وعيناه تفيضان بالدموع، وهو يقول: «أما إنّ لي ولقاتلك موقفاً بين يدي الله عزّوجلّ»(3).
وفي اللحظات الأخيرة من عمره الشريف(صلى الله عليه وآله) ألقى السبطان(عليهما السلام) بأنفسهما عليه وهما يذرفان الدموع والنبىّ(صلى الله عليه وآله) يوسعهما تقبيلاً، فأراد أبوهما أمير المؤمنين(عليه السلام) أن ينحّيهما عنه فأبى(صلى الله عليه وآله) وقال له: «دعهما يتزوّدا 
ــــــــــــــــــــــــ 
(1) بحارالأنوار : 43 / 263، ومناقب آل أبي طالب : 2 / 465 ونظم درر السمطين : 212 .
(2) بحار الأنوار : 43 / 262 .
(3) حياة الإمام الحسين (عليه السلام)، باقر شريف القرشي : 1 / 218 ، نقلاً عن مثير الأحزان. 

 الصفحة (58)
منّي وأتزوّد منهما فستصيبهما بعدي إثرة»(1).
ثمّ التفت(صلى الله عليه وآله) الى عوّاده فقال لهم: قد خلّفت فيكم كتاب الله وعترتي أهل بيتي، فالمضيّع لكتاب الله كالمضيّع لسنّتي، والمضيّع لسنّتي كالمضيّع لعترتي، إنّهما لن يفترقا حتى يردا علىّ الحوض(2).
ــــــــــــــــــــــــ 
(1) مقتل الحسين للخوارزمي : 1 / 114 .
(2)المصدر السابق. 

 الصفحة (59)
الإمام الحسين (عليه السلام) في عهد الخلفاء
الحسين (عليه السلام) في عهد أبي بكر :
لقد كان أهل البيت (عليهم السلام) بما فيهم الحسن والحسين (عليهما السلام) مفجوعين بوفاة الرسول (صلى الله عليه وآله)، وألم المأساة يهيمن على قلوبهم وهم مشغولون بجهاز أعظم نبيّ عرفه التاريخ الإنساني ، إذ توجّهت إليهم صدمةٌ اُخرى ضاعفت آلامهم وبدّدت آمالهم التي غرسها رسول الله (صلى الله عليه وآله) فينفوسهم ونفوس الاُمّة.
إنها صدمة مصادرة الخلافة وتنحية الإمام علي (عليه السلام) عن مسرح القيادة ومصادرة المنصب الذي نصبه فيه الرسول (صلى الله عليه وآله) بأمر الله تعالى.
وكانت هذه الصدمة العنيفة بداية لمُسلسل القلق والاضطهاد الذي فرضه الخط الحاكم بعد الرسول (صلى الله عليه وآله) على أهل بيت الرسول (صلى الله عليه وآله) ; لتحقيق العزل التام والإبعاد الكامل لهم عن موقع القيادة بعد الرسول (صلى الله عليه وآله).
لوعة شهادة الزهراء (عليها السلام) :
كان لوفاة الرسول(صلى الله عليه وآله) وقع مؤلم في روح الإمام الحسين الطاهرة، وهو لم يكن بعد قد أنهى ربيعه الثامن.
وما هي إلاّ مدّة قصيرة وإذا بالحسين(عليه السلام) يُفجع باستشهاد اُمّه فاطمة بنت رسول الله بتلك الصورة المأساوية بعد أن ظلّت تعاني من الظلم والقهر وألم اغتصاب حقّها طوال الأيام التي عاشتها بعد أبيها(صلى الله عليه وآله) فكانت تنعكس معاناتها في روحه اللطيفة ; إذ كان كلّما نظر الى اُمّه بعد وفاة أبيها شاهدها باكيةً محزونة القلب منكسرة الخاطر.
وقد روي: أنّها سلام الله عليها ما زالت بعد أبيها معصّبة الرأس، ناحلة 

 الصفحة (60)
الجسم، منهدّة الركن، باكية العين، محترقة القلب، يغشى عليها ساعة بعد ساعة، وتقول لولديها: أين أبوكما الذي كان يكرمكما ويحملكما مرّةً بعد مرّة؟أين أبوكما الذي كان أشدّ الناس شفقةً عليكما، فلا يدعكما تمشيان على الأرض؟ ولا أراه يفتح هذا الباب أبداً ولا يحملكما على عاتقه كما لم يزل يفعل بكما(1).
وروي أن الزهراء(عليها السلام) بعد وفاة أبيها(صلى الله عليه وآله) كانت تصطحب الحسنين معها الى البقيع حيث تظلّ تبكي الى المساء، فيأتي أمير المؤمنين(عليه السلام) فيعود بهم الى البيت.
ونقل الرواة عن أسماء بنت عميس قصّة استشهادها مفصّلاً ، وقد جاء فيها أنّ الحسن والحسين(عليهما السلام) دخلا البيت بُعَيد وفاة اُمّهما فقالا: يا أسماء! ما يُنيم اُمّنا في هذه الساعة؟! قالت: يا ابني رسول الله ليست اُمّكما نائمة، بل فارقت روحها الدنيا. فوقع عليها الحسن يقبّلها مرةً ويقول: يا اُمّاه كلّميني قبل أن تفارق روحي بدني. قالت وأقبل الحسين يقبّل رجلها ويقول: يا اُمّاه أنا ابنك الحسين كلّميني قبل أن يتصدّع قلبي فأموت. قالت لهما أسماء: يا ابني رسول الله! انطلقا الى أبيكما عليّ فأخبراه بموت اُمّكما، فخرجا حتى إذا كانا قرب المسجد رفعا أصواتهما بالبكاء، فابتدرهما جميع الصحابة، فقالوا: ما يبكيكما يا ابني رسول الله ؟ لا أبكى الله أعينكما(2).
وجاء في نصّ آخر أنّه بعد أن فرغ أمير المؤمنين(عليه السلام) من تغسيل الزهراء(عليها السلام) نادى: يا اُمّ كلثوم! يا زينب! يا سكينة! يا فضّة! يا حسن! يا حسين! هلمّوا تزوّدوا من اُمّكم، فهذا الفراق، واللقاء الجنّة. فأقبل الحسن والحسين(عليهما السلام) وهما 
ــــــــــــــــــــــــ 
(1) بحار الأنوار : 43 / 181.
(2) المصدر السابق: 186. 
 الصفحة (61)
يناديان : واحسرةً لاتنطفئ أبداً من فقد جدّنا محمد المصطفى واُمّنا فاطمة الزهراء!فقال أمير المؤمنين علىّ(عليه السلام): إنّي اُشهدُ الله أ نّها قد حنّت وأ نّت ومدّت يديها وضمّتهما الى صدرها مليّاً، وإذا بهاتف من السماء ينادي: يا أبا الحسن! ارفعهما فلقد أبكيا والله ملائكة السماوات.(1).
وذكرت أكثر الروايات أنّ الحسن والحسين(عليهما السلام) حضرا مراسم الصلاة على جنازة اُمّهما (عليها السلام) وتولّى غسلها وتكفينها أمير المؤمنين(عليه السلام)، وأخرجها من بيتها ومعه الحسن والحسين في الليل، وصلّوا عليها...(2).
لقد فجع الحسين(عليه السلام) وخلال فترة قصيرة بحادثتين عظيمتين مؤلمتين: الاُولى وفاة جدّه رسول الله(صلى الله عليه وآله)، والثانية استشهاد والدته فاطمة بنت الرسول (صلى الله عليه وآله) بعدما جرى عليها من أنواع الجفاء والظلم. 
وإذا أضفنا الى ذلك مأساة غصب حقوق أبيه أميرالمؤمنين(عليه السلام) ومأساة إبعاده عن المسرح السياسي ليصبح جليس بيته; تجلّت لنا شدّة المحن والمصائب التي أحاطت بالحسين(عليه السلام) وهو في صغر سنّه .
ولقد تعمّقت مصائب الإمام الحسين(عليه السلام) بسبب أنواع الحصار المفروض من قِبل خطّ الخلافة وقتذاك على أصحاب الرسول(صلى الله عليه وآله) الأوفياء لخطّه الرسالي وعلى علي بن أبي طالب أمير المؤمنين(عليه السلام) بشكل خاص، مثل منع الخمس وسائر الحقوق من الوصول اليه، كما تجلّى ذلك بوضوح في تأميم « فدك » والذي كان من أهدافه ممارسة ضغوط مالية اُخرى على أهل بيت النبيّ(صلى الله عليه وآله) وأبناء أمير المؤمنين(عليهم السلام).
الحسين (عليه السلام) في عهد عمر بن الخطاب :
وفي عهد عمر بن الخطاب اتّخذ الحصار أبعاداً أكثر خطورة، فقد ذكر 
ــــــــــــــــــــــــ 
(1) بحار الأنوار: 43/179 .
(2) المصدر السابق: 212 . 

 الصفحة (62)
المؤرّخون أنّ عمر حظر على أصحاب الرسول(صلى الله عليه وآله) الخروج من المدينة إلاّ بترخيص منه، وقد طال الحظر أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(عليه السلام) حتى مثّل هذا الأمر نمطاً آخر من الضغوط التي مورست على أهل بيت الوحي الطاهرين .
أجل لقد أدّت هذه الممارسات القهرية والمواقف الظالمة الى إقصاء عليّ أمير المؤمنين(عليه السلام)، وجعلته جليس بيته، ومن ثم تغييبه عن الميادين السياسية والاجتماعية حتى صار نسياً منسياً، وإن كان الخليفة يرجع إليه في بعض المسائل أحيانا، ولعلّ السبب في عدم إبعاده عن المدينة، هو حاجته إليه في القضايا التي كانت تستجد للخليفة، ولم يكن بمقدور أحد غير عليّ(عليه السلام) أن يقدّم الحلّ المقبول لها.
وبالحكمة السديدة والصبرالجميل كظم أمير المؤمنين(عليه السلام) غيظه متغاضياً عن حقّه الذي استأثر به عمر بعد أبي بكر من دون حقّ شرعي ولا حجّة بالغة، وفي كلّ ذلك عاش الحسين(عليه السلام) مع آلام أبيه(عليه السلام)، ورأى كيفية تعامله مع الحدث، وهو يحمل هموم الاُمّة الإسلامية ويقلقه مصيرها، إنّه يتذكّر كيف كان رسول الله(صلى الله عليه وآله) يؤثر عليّاً على كل من عداه ويوصي به الاُمّةالمرّة بعد المرّة، ولكنّه الآن مقصيٌّ عن مقامه، فما كان يملك إلاّ أن يكتم أحاسيسه ومشاعره.
يروى : أنّ عمر ذات يوم كان يخطب على المنبر فلم يشعر إلاّ والحسين(عليه السلام) قد صعد إليه وهو يهتف: «انزل عن منبر أبي واذهب إلى منبر أبيك»، وبهت عمر واستولت الحيرة عليه، وراح يصدّقه ويقول له: صدقت لم يكن لأبي منبر، وأخذه فأجلسه إلى جنبه، وجعل يفحص عمّن أوعز إليه بذلك 

 الصفحة (63)
قائلاً له: من علّمك؟ فأجابه الإمام الحسين(عليه السلام): «والله ما علّمني أحد»(1).
وقد كان الحق يقضي بأن لا يكتفي عمر بالتصديق الكلامي للحسين من دون إعادة حقّه في فدك والخمس إليه، وإعادة حقّ والده في الخلافة إليه، إطاعةً لله وللرسول(صلى الله عليه وآله) .
ويروى أيضاً : أنّ عمر كان معنيّاً بالإمام الحسين(عليه السلام) حتى طلب منه أن يأتيه إذا عرض له أمر. وقصده الحسين(عليه السلام) يوماً ومعاوية عنده، ورأى ابنه عبدالله فطلب(عليه السلام) الإذن منه فلم يأذن له فرجع معه، والتقى به عمر في الغد فقال له: ما منعك يا حسين أن تأتيني؟ قال الحسين(عليه السلام): «إنّي جئت وأنت خال بمعاوية فرجعت مع ابن عمر» قال عمر: أنت أحقّ من ابن عمر، فإنّما أنبت ماترى في رؤوسنا الله ثم أنتم(2).
الحسين (عليه السلام) في عهد عثمان :
بخُلق الرسالة وآداب النبوة وبالفضائل السامية أطلّ الإمام الحسين(عليه السلام) على مرحلة الرجولة في العقد الثالث من العمر، يعيش أجواء أبيه المحتسب وهو يرى اللعبة السياسية تتلوّن والهدف واحد، وهو أن لا يصل عليّ(عليه السلام) وبنوه إلى زعامة الدولة الإسلامية بل تبقى الخلافة بعيدة عنهم، فهاهو ابن الخطّاب لا يكتفي بحمل الاُمّة على ما لا تطيق من جفاء رأيه وطبعه وأخطاء اجتهاداته; حتّى ابتلاها بالشورى السداسيّة التي انبثقت منها خلافة عثمان.
ولقد وصف الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) هذه المرحلة وهو الذي آثر مصلحة الدين والاُمّة على حقّه الخاص في الزعامة فصبر صبراً مُرّاً حتّى قال:
فصبرت وفي العين قذى، وفي الحلق شجا، أرى تراثي نهباً، حتى مضى الأوّل 
ــــــــــــــــــــــــ 
(1) الإصابة : 1 / 332 .
(2) المصدر السابق .

 الصفحة (64)
لسبيله، فأدلى بها إلى ابن الخطّاب بعده، فصيّرها في حوزة خشناء يغلظ كلمها ويخشن مسّها، ويكثر العثار فيها، فصبرت على طول المدّة وشدّة المحنة، حتى إذا مضى لسبيله جعلها في جماعة زعم أنّي أحدهم، فيالله وللشورى، متى اعترض الريب فيّ مع الأوّل منهم حتى صرت اُقرن إلى هذه النظائر؟!(1).
وازدادت محنة أهل البيت(عليهم السلام) وتضاعفت مهمّتهم صعوبةً، وهم يواجهون عصراً جديداً من الانحراف بالخلافة، وهو عصر يتطلّب جهوداً أضخم وسعياً أكبر لكي لاتضيع الاُمّة والرسالة، ولكنّ لوناً متميزاً من المعاناة القاسية بدأ واضحاً يصبغ حياة الاُمّة الإسلامية، فإنّ خيار رجالها من صحابة رسول الله(صلى الله عليه وآله) يهانون ويضربون وينفون في الوقت الذي تتسابق على مراكز الدولة شرارها من الطلقاء وأبنائهم، تحت ظلّ ضعف عثمان وجهله بالاُمور أحياناً وعصبيّته القبليّة الاُمويّة أحياناً اُخرى(2).
وعاش الحسين(عليه السلام) معاناة الاُمّة وهي تنتفض على فساد حكمعثمان في مخاض عسير، فتمتدّ الأيادي المظلومة لتزيح الخليفةالحاكم بقوّة السيف.
وفي خطبة الإمام علىّ(عليه السلام) المعروفة بالشقشقيّة والتي وصف فيها محنة الاُمّة بتولّي الخلفاء الثلاثة دفّة الحكم قبله تصوير دقيق لما جرى في حكم عثمان بن عفّان; إذ قال(عليه السلام):
إلى أن قام ثالث القوم نافجاً حضنيه(3) بين نثيله(4)، ومعتلفه(5)، وقام معه بنو أبيه يخضمون(6) مال الله خضمة الإبل نبتة الربيع(7)، إلى أن انتكث عليه فتله(8)، وأجهز(9) عليه 
ــــــــــــــــــــــــ 
(1) نهج البلاغة : الخطبة الشقشقية.
(2) تاريخ الخلفاء: 57. 
(3) نافجاً حضنيه: رافعهما، والحضن: مابين الإبط والكشح. 
(4) النثيل: الروث وقذر الدواب.
(5) المعتلف: موضع العلف.
(6) الخضم: أكل الشي الرطب.
(7) النبِتة ـ بكسر النون ـ : كالنبات في معناه.
(8) انتكث عليه فتله : انتقض .
(9) أجهز عليه: تمّم قتله . 

 الصفحة (65)
عمله، وكبت(1) به بطنته(2).
موقف مع أبي ذرّ الغفاري :
أمعن الخليفة عثمان بن عفان في التنكيل بالمعارضين والمندّدين بسياسته غير مراع حرمة أو كرامة أحد من صحابة الرسول(صلى الله عليه وآله) الذين طالتهم يداه، فصبّ عليهم جام غضبه وبالغ في ظلمهم وإرهاقهم، وكان أبوذر الغفاري ـ وهو أقدم أصحاب الرسول(صلى الله عليه وآله) الذين سبقوا إلى الإسلام - واحداً من المندّدين بسياسة عثمان والرافضين لها، وقد نهاه عثمان عن ذلك فلم ينته، فالتاع عثمان وضاق به ذرعاً فأبعده الى الشام، وفي الشام أخذ أبوذر يوقظ الناس ويدعوهم الى الحذر من السياسة الاُمويّة التي كان ينتهجها معاويةابن أبي سفيان والي عثمان الاُموي على الشام.
لقد غضب معاوية على حركة أبي ذرّ وكتب الى عثمان يخبره بخطره عليه، فاستدعاه الى المدينة، لكن هذا الصحابي الجليل واصل مهمّة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتحذير من خطر الاُموية الدخيلة على الاسلام والمسلمين، فرأى عثمان أنّ خير وسيلة للتخلّص من معارضةأبي ذر هي نفيه الى جهة نائية لا سكن فيها، فأمر بإبعاده الى الربذةموعزاً الى مروان بن الحكم بأن يمنع المسلمين من مشايعته وتوديعه،ولكنّ أهل الحقّ أبوا إلاّ مخالفة عثمان، فقد انطلق لتوديعه ـ بشكل علني ـ الإمام علي(عليه السلام) والحسنان(عليهما السلام) وعقيل وعبدالله بن جعفر وعمّار بن ياسر رضي الله عنهم. وقد نقل المؤرّخون كلمات حكيمة وساخنة للمودّعين 
ــــــــــــــــــــــــ 
(1) كبت به : من كبا الجواد إذا سقط بوجهه.
(2) البِطنة ـ بالكسر ـ : البطر والأشر والتخمة. 

 الصفحة (66)
استنكروا خلالها الحكم العثماني الجائر ضدّه، وقد جاء في كلمة الإمام الحسين(عليه السلام) ما نصّه:
يا عمّاه! إنّ الله تبارك وتعالى قادر أن يغيّر ما قد ترى، إنّ الله كلّ يوم هو في شأن، وقد منعك القوم دنياهم، ومنعتهم دينك، فما أغناك عمّا منعوك، وأحوجهم الى ما منعتهم؟ فاسأل الله الصبر، واستعذ به من الجشع والجزع، فإنّ الصبر من الدين والكرم، وإنّ الجشع لا يقدّم رزقاً والجزع لا يؤخّر أجلاً(1).
وبكى أبوذر بكاءاً مرّاً ، فألقى نظرة الوداع الأخيرة على أهل البيت(عليهم السلام) الذين أخلص لهم الودّ وأخلصوا له، وخاطبهم بقوله:
«رحمكم الله يا أهل بيت الرحمة، إذا رأيتكم ذكرت بكم رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ما لي بالمدينة سكن ولا شجن غيركم، إنّي ثقلت على عثمان بالحجاز كما ثقلت علىمعاوية بالشام، وكره أن اُجاور أخاه وابن خاله بالمصرين فاُفسد الناس عليهما فسيّرنيالى بلد ليس لي به ناصر ولا دافع إلاّ الله، والله ما اُريد إلاّ الله صاحباً، وما أخشىمع الله وحشة»(2).
الإمام الحسين (عليه السلام) في عهد الدولة العلوية
انتهى حكم الخلفاء الثلاثة بمقتل عثمان، وانتهت بذلك خمسة وعشرون عاماً، من العناء الناشئ عن إقصاء الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(عليه السلام) عن الحياة السياسية والاجتماعية للمسلمين.
وقد أيقن المسلمون أنّ الإمام عليّاً(عليه السلام) هو القائد الذي يحقّق آمالهم وأهدافهم ويعيد لهم كرامتهم، وأنّهم سينعمون في ظلال حكمه بالحرية 
ــــــــــــــــــــــــ 
(1) بحار الأنوار : 22 / 412 ، وراجع : مروج الذهب : 2 / 350 .
(2) المصدر السابق .

 الصفحة (67)
والمساواة والعدل فأصرّوا على مبايعته بالخلافة.
لكن وللأسف الشديد فقد جاءت قناعة الاُمّة هذه متأخرةً كثيراً، حيث اُصيبت الاُمّة بأمراض خطيرة وانحرافات كبيرة، وغابت عنها الروح التضحوية والقيم الإيمانية، وتسربلت بالأطماع والمنافع الشخصية، وانحدرت نحو التوجّهات الفئوية الضيّقة. من هنا أعلن الإمام علىّ(عليه السلام) رفضه الكامل لخلافتهم قائلاً لهم: لا حاجة لي في أمركم، فمن اخترتم رضيت(1).
وذلك لعلمه(عليه السلام) بأنّه من الصعب جدّاً أن يعيد الى المجتمع الأحكام الإسلامية التي بدّلها الخلفاء وغيّروها باجتهاداتهم الخاطئة، فإنّه(عليه السلام) كان يعرف جيّداً أنّ المجتمع الذي نشأ على تلك الأخطاء سيقف بوجهه وسيعمل جاهداً على مناجزته والحيلولة بينه وبين تحقيق مخطّطاته السياسية الهادفةالى تحقيق العدل والقضاء على الجور . هذا وإنّ أمير المؤمنين(عليه السلام) معسابقته الفريدة الى الإسلام وحنكته السياسية ومؤهّلاته القيادية العظيمة لم يستطع الوقوف بوجه الانحراف الذي سرى الى جميع مفاصل المجتمع الإسلامي، ولم يتمكّن من إعادة هذا المجتمع الى طريق الحقّ والعدالة اللاّحب، إذ وقفت في وجهه فئات من المنافقين والنفعيين ومن كان يحمل في نفسه البغض والكره لله ولرسوله، وقد أكّد ذلك في خطبته الشقشقية بقوله(عليه السلام): فلمّا نهضتُ بالأمر نكثت طائفة(2) ومرقت(3) اُخرى وقسط آخرون(4) كأنّهم لم يسمعوا كلام الله سبحانه يقول: (تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوّاً في 
ــــــــــــــــــــــــ 
(1) بحار الأنوار: 32/7.
(2) نكثت طائفة: نقضت عهدها، وأراد (عليه السلام)بتلك الطائفة الناكثة أصحاب الجمل .
(3) مرقت : خرجت، وأراد (عليه السلام) بتلك الطائفة المارقة الخوارج أصحاب النهروان .
(4) قسط : جار، وأراد(عليه السلام)بالجائرين أصحاب صفّين . 

 الصفحة (68)
الأرض ولا فساداً والعاقبة للمتقين)(1) بلى والله لقد سمعوها ووعوها ولكنّهم حليت الدنيا في أعينهم وراقهم زبرجها(2).
مع أبيه(عليه السلام) في إصلاح الاُمة :
لقد بادر الإمام علىّ(عليه السلام) الى إعادة الحقّ إلى نصابه والعدل إلىسيادته، محيياً سنّة رسول الله(صلى الله عليه وآله) في الاُمّة منتهجاً الطريق القويم.وما أسرع ما وقفت قوى الضلال ضد إصلاحات الإمام(عليه السلام) في مجال الإدارة وفي مجال توزيع الأموال وفي مجال العدل في القضاء وفي مجال مراعاة شؤون الرسالة وشؤون المسلمين!
ولم يتردّد (عليه السلام) في التحرّك لفضح خط النفاق والقضاء على الفساد واجتثاث جذوره لتسلم الرسالة والاُمّة منه، وقام هو وأهل بيته(عليهم السلام) يخوضون غمار الحروب دفاعاً عن إلاسلام مقتدين برسول الله(صلى الله عليه وآله) . وشارك الإمام الحسين(عليه السلام) في جميع الحروب التي شنّها المنافقون ضدّ الإمام علي(عليه السلام). وكان يبرز إلى ساحة القتال بنفسه المقدّسة كلّما اقتضى الأمر وسمح له والده(عليه السلام) وقد سجّل المؤرّخون خطاباً للإمام الحسين(عليه السلام) وجّهه لأهل الكوفة لدى تحركهم الى صفّين، جاء فيه بعد حمد الله تعالى والثناء عليه: يا أهل الكوفة! أنتم الأحبّة الكرماء والشعار دون الدثار، جدّوا في إطفاء ما وتر بينكم وتسهيل ما توعّر عليكم، ألا إنّ الحرب شرّها وريع وطعمهافظيع، فمن أخذ لها اُهبتها واستعدّ لها عُدّتها، ولم يألم كُلومها قبل حلولها فذاك صاحبها، ومن عاجلها قبل أوان فرصتها واستبصار سعيه فيها فذاك قَمِن أن لاينفع قومَه وإن يهلك نفسه، نسأل الله بقوّته أن يدعمكم بالفيئة(3).
ــــــــــــــــــــــــ 
(1) القصص (28) : 83 .
(2) نهج البلاغة : الخطبة الشقشقية.
(3) شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد : 1 / 284 . 

 الصفحة (69)
حرص الإمام علىّ(عليه السلام) على سلامة الحسنين(عليهما السلام) :
قاتل الإمام الحسين(عليه السلام) في معركة صفّين كما قاتل في معركة الجمل، مع أنّ بعض الروايات أفادت بأنّ أمير المؤمنين(عليه السلام) كان يمنع الحسنين (عليهما السلام) من النزول الى ساحة القتال خشية أن ينقطع نسلرسول الله(صلى الله عليه وآله); إذ كان(عليه السلام) يقول: إملكوا عنّي هذا الغلام لا يَهُدَّني، فإنّني أنفسُ بهذين ـ يعني الحسن والحسين (عليهما السلام) ـ على الموت لئلاّ ينقطع بهما نسلرسول الله (صلى الله عليه وآله)(1).
وجاء في نصوص اُخرى أنّ أمير المؤمنين(عليه السلام) كان يبعث ابنه محمّد ابن الحنفية الى ساحات القتال مرّات عديدة دون أن يسمح للحسنين(عليهما السلام) بذلك، وقد سئل ابن الحنفية عن سرّ ذلك فأجاب: «إنّهما عيناه وأنا يمينه فهو يدفع عن عينه بيمينه»(2). ويعكس هذا الجواب مدى ما كان يحظى به الحسنان عند الإمام علي(عليه السلام) .
وتفيد الأخبار بأنّ الإمام الحسين (عليه السلام) ظلّ مع أبيه بعد صفّين أيضاً في جميع الأحداث مثل قضية التحكيم ومعركة النهروان.
ومعلوم أنّ الأحداث التي عايشها الإمام الحسين مع أبيه(عليهما السلام) كانت مأساوية ومرّة جدّاً، وقد بلغت المأساة ذروتها عندما تآمر الخوارج على قتل أسمى نموذج للإنسان الكامل ـ بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله) ـ أي عندما ضرب المجرم عبد الرحمن بن ملجم المرادي الخارجي إمامه أمير المؤمنين(عليه السلام) على رأسه بالسيف وهو في محراب العبادة.
ــــــــــــــــــــــــ 
(1) نهج البلاغة : من كلام له (عليه السلام) في بعض أيام صفّين، وقد رأى ابنه الحسن يتسرّع الى الحرب. باب خطب أمير المؤمنين : 207 .
(2) شرح نهج البلاغة ، لابن أبي الحديد : 1 / 118 .

 الصفحة (70)
وصايا أمير المؤمنين(عليه السلام) للإمام الحسين(عليه السلام) :
تدلُّ وصايا أمير المؤمنين(عليه السلام) لولده الحسين(عليه السلام) على شدّة اهتمامه به ومحبّته له، وقد جاء في نهج البلاغة أنّ أمير المؤمنين(عليه السلام) لمّا ضربه ابن ملجم ـ لعنه الله ـ أوصى للحسن والحسين بالوصية التالية :
«اُوصيكما بتقوى الله، وأن لا تبغيا الدنيا وإن بغتكما، ولا تأسفا على شيء منها زُوِيَ عنكما، وقولا بالحقّ، واعملا للأجر وكونا للظالم خصماً، وللمظلوم عوناً. اُوصيكما وجميع ولدي وأهلي ومن بلغه كتابي بتقوى الله ونظم أمركم وصلاح ذات بينكم; فإنّي سمعت جدّكما(صلى الله عليه وآله) يقول : «صلاح ذات البين أفضل من عامّة الصلاة والصيام» الله الله في الأيتام! فلا تغبّوا أفواههم، ولا يضيعوا بحضرتكم. والله الله في جيرانكم! فإنّهم وصيّة نبيّكم، ما زال يوصي بهم حتى ظننّا أ نّه سيورّثهم . والله الله في القرآن! لا يسبقكم بالعمل به غيركم. والله الله في الصلاة! فإنّها عمود دينكم. والله الله في بيت ربّكم! لا تخلوه ما بقيتم، فإنّه إن تُرك لم تُناظروا. والله الله في الجهاد بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم في سبيل الله! وعليكم بالتواصل والتباذل، وإيّاكم والتدابر والتقاطع، لا تتركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيولّى عليكم شراركم، ثمّ تدعون فلا يستجاب لكم. ثم قال: يابني عبدالمطلب! لا ألفينّكم تخوضون دماء المسلمين خوضاً تقولون: قُتل أميرُ المؤمنين. ألا لا تقتلنّ بي إلاّ قاتلي. اُنظروا إذا أنا متُّ من ضربته هذه فاضربوه ضربةً بضربة، ولا تُمثّلوا بالرجل; فإنّي سمعت رسول الله(صلى الله عليه وآله) يقول : «إيّاكم والمثلة ولو بالكلب العقور»(1).
وثمّة وصية اُخرى قيّمة وجامعة خاصّة بالإمام الحسين(عليه السلام) ذكرها ابن شعبة في تحف العقول، ونحن ننقلها لأهمّيتها حيث تضمّنت حكماً غرّاء 
ــــــــــــــــــــــــ 
(1) نهج البلاغة : باب الكتب والرسائل ( 47 ). 
 الصفحة (71)
ووصايا أخلاقية خالدة. وإليك نصّ ما رواه ابن شعبة عن الإمام علىّ(عليه السلام):
«يا بُنيّ! اُوصيك بتقوى الله في الغنى والفقر، وكلمة الحقّ في الرضى والغضب، والقصد في الغنى والفقر، وبالعدل على الصديق والعدوّ، وبالعمل في النشاط والكسل، والرضى عن الله في الشدّة والرّخاء، أي بنيّ ماشرٌ بعده الجنّة بشرّ، ولا خير بعده النار بخير، وكلّ نعيم دون الجنة محقور، وكلّ بلاء دون النار عافية.
واعلم يا بُنيّ! أنّه مَن أبصر عيب نفسه شُغل عن عيب غيره، ومَن تعرّى من لباس التقوى لم يستتر بشيء من اللباس، ومَن رضي بقسم الله لم يحزن على ما فاته، ومَن سلّ سيف البغي قتل به، ومَن حفر بئراً لأخيه وقع فيه، ومَن هتك حجاب غيره انكشفت عورات بيته، ومَن نسي خطيئته استعظم خطيئة غيره، ومن كابد الاُمور عطب، ومن اقتحم الغمرات غرق، ومن أعجب برأيه ضلّ، ومن استغنى بعقله زلّ، ومَن تكبّر على الناس ذلّ، ومَن خالط العلماء وُ قّر. ومن خالط الأنذال حُقّر. ومَن سفه على الناس شُتم، ومَن دخل مداخل السوء اتّهم، ومَن مزح استخفّ به، ومَن أكثر من شيء عرف به، ومَن كثر كلامه كثر خطؤه، ومَن كثر خطؤه قل حياؤه، ومَن قلّ حياؤه قلّ ورعه، ومَن قلّ ورعه مات قلبه، ومَن مات قلبه دخل النار.
أي بنيّ! من نظر في عيوب الناس ورضي لنفسه بها فذاك الأحمق بعينه، ومَن تفكّر اعتبر، ومَن اعتبر اعتزل، ومَن اعتزل سلم، ومَن ترك الشهوات كان حرّاً، ومَن ترك الحسد كانت له المحبة عند الناس.
أي بُنيّ! عزّ المؤمن غناه عن الناس، والقناعة مال لا ينفد، ومَن أكثر من ذكر الموت رضي من الدنيا باليسير، ومَن علم أنّ كلامه من عمله قلّ كلامه إلاّ فيما ينفعه .
أي بنيّ! العجب ممّن يخاف العقاب فلم يكفّ، ورجا الثواب فلم يتب ويعمل.
أي بنيّ! الفكرة تورث نوراً والغفلة ظلمة والجهالة ضلالة، والسعيد من وعظ بغيره، والأدب خير ميراث، وحسن الخلق خير قرين، ليس مع قطيعة الرحم نماء ولامع الفجور 

 الصفحة (72)
غنى. أي بُنيّ! العافية عشرة أجزاء تسعة منها في الصمت إلاّ بذكر الله، وواحدة في ترك مجالسة السفهاء.
أي بنيّ! مَن تزيّا بمعاصي الله في المجالس أورثه الله ذلاًّ، ومن طلب العلم علم. أي بنيّ! رأس العلم الرفق، وآفته الخرق، ومن كنوز الإيمان الصبر على المصائب، والعفاف زينة الفقر، والشكر زينة الغنى، كثرة الزيارة تورث الملالة، والطمأنينة قبل الخبرة ضد الحزم، و إعجاب المرء بنفسه يدلّ على ضعف عقله. أي بُني، كم نظرة جلبت حسرة، وكم من كلمة سلبت نعمة.
أي بنيّ! لاشرف أعلى من الاسلام، ولا كرم أعزّ من التقوى، ولا معقل أحرزُ من الورع، ولا شفيع أنجح من التوبة، ولا لباس أجمل من العافية، ولا مال أذهب بالفاقة من الرضى بالقوت، ومن اقتصر على بُلغة الكفاف تعجّل الراحة وتبوّأ خفض الدعة.
أي بُنيّ! الحرص مفتاح التعب ومطيّة النصب وداع الى التقحّم في الذنوب، والشره جامع لمساوئ العيوب، وكفاك تأديباً لنفسك ماكرهته من غيرك، لأخيك عليك مثل الذي لك عليه، ومن تورّط في الاُمور بغير نظر في العواقب فقد تعرّض للنوائب، التدبيرُ قبل العمل يؤمنك الندم، من استقبل وجوه الآراء عرف مواقع الخطأ، الصبر جُنّة من الفاقة، البخل جلباب المسكنة، الحرص علامة الفقر، وصُول مُعدم خير من جاف مكثر، لكل شيء قوت وابن آدم قوت الموت .
أي بُنيّ! لا تؤيّس مذنباً، فكم من عاكف على ذنبه خُتم له بخير، وكم من مقبل على عمله مُفسد في آخر عمره، صائر الى النار.
أي بُنيّ! كم من عاص نجا، وكم من عامل هوى، من تحرّى الصدق خفّت عليه المؤن، في خلاف النفس رُشدُها، الساعاتُ تنتقص الأعمار، ويلٌ للباغين من أحكم الحاكمين وعالم ضمير المضمرين.
يا بُنيّ! بئس الزادُ الى المعاد العدوانُ على العباد، في كلّ جُرعة شرق، وفي كلّ أكلة 

 الصفحة (73)
غصص، لن تُنال نعمة إلاّ بفراق اُخرى.
ما أقرب الراحة من النصب ، والبؤس من النعيم، والموت من الحياة، والسقم من الصحة! فطوبى لمن أخلص لله عمله وعلمه وحبّه وبغضه وأخذه وتركه وكلامه وصمته وفعله وقوله، وبخ بخ لعالم عمل فجدّ، وخاف البيات فأعدّ واستعدّ، إن سُئل نصح، وإن تُرك صمت، كلامه صوابٌ، وسكوته من غير عيّ جواب.
والويل لمن بُلي بحرمان وخذلان وعصيان، فاستحسن لنفسه ما يكرهه من غيره، وأزرى على الناس بمثل ما يأتي.
واعلم أي بُنيّ! أنّه من لانت كلمتُه وجبت محبّته، وفّقك الله لرشدك، وجعلك من أهل طاعته بقدرته، إنّه جواد كريم(1).
الإمام الحسين مع أبيه (عليهما السلام) في لحظاته الأخيرة :
كان آخر ما نطق به أمير المؤمنين (عليه السلام) هو قوله تعالى: (لمثل هذا فليعمل العاملون)، ثمّ فاضت روحه الزكية، تحفّها ملائكة الرحمن، فمادت أركان العدل في الأرض، وانطمست معالم الدين.
لقد مات ملاذ المظلومين والمحرومين الذي كرّس جهده لإقامة دولة تُنهي دور الإثرة والاستغلال وتقيم العدل والحقّ بين الناس.
وقام سبطا رسول الله(صلى الله عليه وآله) بتجهيز أبيهما المرتضى(عليه السلام) فغسّلاه وأدرجاه في أكفانه. وفي الهزيع الأخير من الليل حملاه الى قبره في النجف الأشرف، وقد واروا أكبر رمز للعدالة والقيم الإنسانية المثلى كما اعترف بذلك خصومه. وكتب المؤرّخون : أنّ معاوية لمّا بلغه مقتل الإمام علي(عليه السلام) خرج واتّخذ يوم قتله عيداً في دمشق! فقد تحقّق له ما كان يأمله، وتمّ له ما 
ــــــــــــــــــــــــ 
(1) تحف العقول : 88 وصايا أمير المؤمنين (عليه السلام). 

 الصفحة (74)
كان يصبو إليه من اتّخاذ الملك وسيلة لاستعباد المسلمين وإرغامهم على ما يكرهون(1).
ــــــــــــــــــــــــ 
(1) حياة الإمام الحسين(عليه السلام) : 2 / 109 .

 الصفحة (75)
الإمام الحسين في عهد أخيه الإمام الحسن (عليهما السلام)
حالة الاُمّة قبل الصلح مع معاوية :
لم يكن تفتّتُ أركان المجتمع الإسلامي ـ الذي كان يؤمن بأقدس رسالة سماوية وأعظمها وأشملها ـ في ظلّ حكم معاوية بن أبي سفيان وليد جهود آنيّة، فقد بدأ الانحراف من يوم السقيفة، إذ تولّى زمام اُمور الاُمّة مَن كان لا يملك الكفاءة والقدرة المطلوبة، وإنّما تصدّى لها من تصدّى على أساس العصبية القبلية(1). ويشهد لذلك قول أبي بكر: وُلّيت أمركم ولست بخيركم(2).
وانحدرت الاُمّة في واد آخر يوم ميّز عمر بن الخطاب في العطاء بين المسلمين مخالفاً سنّة رسول الله (صلى الله عليه وآله) ومبتدعاً نظاماً طبقياً جديداً، حتى إذا حكم عثمان بن عفّان; استفحل الفساد واستشرى في جهاز الحكم والادارة، حين سيطر فسّاق الناس وشرارهم على اُمور الناس فراحوا يعيثون في الاُمّة فساداً كالوليد بن عقبة والحكم بن العاص وعقبة بن أبي معيط وسعيد بن العاص وعبد الله بن سعد بن أبي سرح(3). 
وأصبحت العائلة الاُمويّة التي لم تنفتح على الإسلام لتشكل قوّة اقتصادية جرّاء نهبهم لثروات الاُمّة، وعطايا عثمان لهم بغير حق، وتغلغلوا في أجهزة الحكم، وتمكّن معاوية بن أبي سفيان خلال ولايته على الشام منذ عهد عمر أن يُنشئ مجتمعاً وفق ما تهوى نفسه الحاقدة على الإسلام والنبىّ(صلى الله عليه وآله) وأهل بيته(عليهم السلام)، فقد دخل هو وأبوه الإسلام مقهورين موتورين 
ــــــــــــــــــــــــ 
(1) الإمامة والسياسة : 1 / 6 .
(2) عليّ والحاكمون : 109، وتأريخ الخلفاء : 71 .
(3) تأريخ اليعقوبي : 2 / 41 ، والعقد الفريد : 2 / 261 ، وأنساب الأشراف : 5 / 38 ، وشرح النهج : 1 / 67 .

 الصفحة (76)
يوم فتح مكة، ودخل في عداد الطلقاء، بعد أن كان قد فقد جدّه وخاله وأخاه في الصراع ضد الإسلام قبل فتح مكّة.
على أنّ طوال هذه الفترة ـ منذ وفاة الرسول(صلى الله عليه وآله) الى نهاية حكم عثمان ـ لم يعتنِ النظام الحاكم بالدعوة الإسلامية ونشرها وترسيخها في النفوس، ولم يسع لاجتثاث العقد والأمراض والعادات القبلية، بل كان همّ الحاكمين هو الاندفاع في الفتوحات طمعاً في توسعة الدولة وزيادة الأموال. وقد عمل الإمام عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) منذ وفاة الرسول(صلى الله عليه وآله) جاهداً على أن لا تفقد الاُمّة شخصيتها الإسلامية وحاول تقليل انحرافها، فكان يتدخّل ويُعِين الفئة الحاكمة تارةً باللين واُخرى بالشدّة متجنّباً الصدام المباشر معهم، لأجل استرداد حقّه الشرعي في الخلافة، مؤثراً مصلحة الإسلام العامّة على ما سواها من المصالح(1).
لقد فجعت الاُمّة بمصلحها الكبير ـ يوم استشهد الإمام علي(عليه السلام) ـ وانهارت بين يدي الإمام الحسن بن علىّ(عليهما السلام) بعد أن أنهكتها حروب الإصلاح ضد الناكثين والقاسطين والمارقين; إذ أسرعت القوى النفعية والمنافقة والحاقدة على الإسلام إلى الوقوف في وجه الإمام علىّ(عليه السلام) متنكرة لأوامر الله سبحانه ورسوله(صلى الله عليه وآله) غير مبالية بمصلحة الاُمّة، بالرغم من تجسيده للزعامة الحقيقية التي تقود إلى منهج الحقّ والعدل الإلهي، وهم يعلمون بشرعيته التي اكتسبها من الرسالة والرسول(صلى الله عليه وآله). وهذا ما كان يشكّل خطراً حقيقياً من شأنه أن يلغي وجودهم من المجتمع الإسلامي، ولهذا كانت حروب: الجمل وصفّين ثم النهروان.
ورأى الإمام الحسن(عليه السلام) أن ينهض بالاُمّة مواصلاً مسيرة الإصلاح ومواجهة الانحراف، ولكنّ الجموع آثرت السلامة والركون إلى الراحة(2)، 
ــــــــــــــــــــــــ 
(1) شرح النهج لابن أبي الحديد : 1 / 248 .
(2) الإرشاد للمفيد : 8 ـ 9 . 

 الصفحة (77)
فاضطرّ الإمام الحسن(عليه السلام) إلى الصلح والمهادنة مع معاوية ـ وهو المتحصّن القويّ في بلاد الشام ـ على شروط وعهود مهمّة، ليضمن سلامة الصفوة الخيّرة من الاُمّة، وليبني قاعدة جماهيرية أكثر وعياً وأعمق إيماناً برسالتها الإسلامية، كي لا يُمسخ المجتمع المسلم ولا تُمحق الرسالة; إذ ليس السيف دائماً هو الفيصل في حالات النزاع، فربما كان للكلمة والمعاهدة أثر أبلغ في مرحلة خطرة، حيث الهدف هو صيانة الرسالة الإسلامية وحفظ الاُمّة الإسلامية في كلّ الأحوال، وليتّضح دور النفاق والعداء الذي كان يتّسم به بنو اُميّة وما كان يُضمِرهُ حكّامهم للإسلام.
ولقد وقف الإمام الحسين(عليه السلام) الى جانب أخيه الإمام الحسن(عليه السلام) وعايش جميع الأحداث التي مرّ بها أخوه، وكانا على اتّفاق تامّ في الرأي والموقف، يعاضده في توجيه الاُمّة وإنقاذها بعد أن رأى كيف أنّ انحراف السقيفة تكاملت أدواره في هذه المرحلة، وقد سرى هذا الانحراف في جسد الاُمّة حتى غدت لا تتحفّز لنهضة الإمام الحسن(عليه السلام) ولا تستجيب لأوامره.
وأحاط الإمام الحسن(عليه السلام) بكلّ مادبّره معاوية من المكائد والدسائس، وأصبحت الأكثرية من جيش العراق في قبضة معاوية بن أبي سفيان وطغمته، بعد أن كان يمثّل جيش العراق العمود الفقري لجيش الإمام علىّ(عليه السلام).
ولم يكن ليخفى على الإمام الحسين(عليه السلام) أنّ المعركة ـ لوقدّر للإمامالحسن أن يدخلها مع معاوية ـ ستكون لصالح الأخير، وستنتهي حتماً إمّا بقتل الحسن والحسين وجميع الهاشميّين وخُلَّص شيعتهم، أو ستنتهي بأسرهم، في الوقت الذي تحتاج فيه الاُمّة الإسلامية إلى وجود الإمام المعصوم بينها لإنقاذ ما تبقّى وبناء ما تهدّم; فإنّ الرسالة الإسلامية خاتمة الرسالات ولابدّ من إتمام 

 الصفحة (78)
ما بناه الرسول (صلى الله عليه وآله) والإمام علىّ بن أبي طالب(عليه السلام).
ومن ذلك تبيّن أنّ ما رواه بعض المؤرّخين من أنّ الإمام الحسين(عليه السلام) كان كارهاً لما فعله الإمام الحسن(عليه السلام) وأنّه قال له: «اُنشدك الله أن لا تصدّق اُحدوثة معاوية وتكذّب اُحدوثة أبيك» وأنّ الحسن قال له: «اُسكت أنا أعلم منك»... يتبيّن أنّ هذه المرويّات لا أساس لها من الصحة(1).
هذا بالاضافة الى أنّ الإمام الحسين(عليه السلام) كان أبعد نظراً وأعمق غوراً في الاُمور ومعطياتها من أفذاذ عصره الذين قدّروا للحسن(عليه السلام)موقفه الحكيم الذي لم يكن هناك مجال لاختيار موقف سواه، وكان(عليه السلام) أرفع شأناً من أن تخفى عليه المصلحة التي أدركها غيره فيما فعله أخوه حتى يقف منه ذلك الموقف المزعوم.
ولا يشكّ المعتقدون بإمامة وعصمة الإمامين الحسنين(عليهما السلام) في عدم صحة الروايات التي تحدّثت عن معارضة الإمام الحسين(عليه السلام) لموقف أخيه الإمام الحسن(عليه السلام) من الصلح مع معاوية.
فإذا كان الحسنان (عليهما السلام) إمامين مفترضي الطاعة; كان كلّ ما قاما به هو محض التكليف الإلهي، وطبقاً لما أراده الله تعالى لهما، فليس ثمّة مجال لمثل تلك الروايات.
ويشهد على قولنا هذا روايات معتبرة تعارض تلك الروايات غير الصحيحة، منها ما يلي:
1 ـ قال أبو عبد الله الصادق (عليه السلام): نحن قوم فرض الله طاعتنا، وأنتم تأتمّون بمن لا يعذر الناس بجهالته(2).
2 ـ سأل رجل أبا الحسن الإمام الرضا(عليه السلام) فقال: طاعتك مفترضة؟ 
ــــــــــــــــــــــــ 
(1) سيرة الأئمّة الاثني عشر : 2 / 23 .
(2 و 2) اُصول الكافي : 1 / 143، باب فرض طاعة الأئمّة . 

 الصفحة (79)
فقال: نعم، قال: مثل طاعة عليّ بن أبي طالب(عليه السلام)؟ فقال: نعم(1).
3 ـ عن أبي جعفر(عليه السلام) قال: قال له حمران: جُعلت فداك، أرأيت ما كان من أمر عليّ والحسن والحسين (عليهم السلام) وخروجهم وقيامهم بدين الله عزّوجلّ وما اُصيبوا من قتل الطواغيت إيّاهم والظفر بهم حتى قُتلوا أو غلبوا؟ فقال أبوجعفر(عليه السلام): يا حُمران! إنّ الله تبارك وتعالى قد كان قدّر ذلك عليهم وقضاه وأمضاه وحتمه ثمّ أجراه، فبتقدّم علم ذلك اليهم من رسول الله(صلى الله عليه وآله) قام عليّ والحسن والحسين وبعلم صمت من صمت منّا(2).
4 ـ وعن عظيم أخلاق الحسين(عليه السلام) واحترامه لأخيه الحسن(عليه السلام)قال الإمام محمد الباقر(عليه السلام): ما تكلّم الحسين بين يدي الحسن إعظاماً له(3).
5 ـ قال أبو عبد الله(عليه السلام) : إنّ معاوية كتب الى الحسن بن عليّ صلوات الله عليهما أن أقدم أنت والحسين وأصحاب عليّ، فخرج معهم قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري فقدموا الشام، فأذن لهم معاوية، وأعدّ لهم الخطباء ... ثمّ قال:يا قيس! قم فبايع، فالتفت الى الحسين(عليه السلام) ينظر ما يأمره، فقال: يا قيس! إنّهإمامي ( يعني الحسن(عليه السلام) )(4).
احترام الإمام الحسين (عليه السلام) لبنود صلح الإمام الحسن (عليه السلام) :
استشهد الإمام الحسن(عليه السلام) سنة (49) أو (50) للهجرة، ومات معاوية سنة (60) للهجرة، وفي هذه المدة كانت الإمامة والقيادة للإمام الحسين(عليه السلام) ولم تجب عليه طاعة أحد، لكنّه(عليه السلام) ظلّ ملتزماً ببنود معاهدة الصلح التي 
ــــــــــــــــــــــــ 
(2) اُصول الكافي : 1 / 221 ـ 222 باب أنّ الأئمّة(عليهم السلام) لم يفعلوا شيئاً ولا يفعلون إلاّ بعهد من الله عزّوجلّ وأمر منه لا يتجاوزونه.
(3) حياة الإمام الحسين : 2 / 252 .
(4) بحار الأنوار : 44 / 61 .

 الصفحة (80)
عقدها أخوه الإمام الحسن(عليه السلام) مع معاوية، فلم يصدر عنه أيّ موقف ينتهك به بنود المعاهدة المذكورة. بل لمّا طالبه بعض الشيعة بالقيام والثورة على معاوية، أوصاهم بالصبر والتقية مشيراً الى التزامه بالمعاهدة، وأنّه سيكون في حِلٍّ من المعاهدة بموت معاوية.
رسالة جعدة بن هبيرة إلى الإمام الحسين (عليه السلام) :
كان جعدة بن هبيرة بن أبي وهب من أخلص الناس للإمام الحسين(عليه السلام) وأكثرهم مودّة له، وقد اجتمعت عنده الشيعة وأخذوا يلحّون عليه في مراسلة الإمام للقدوم الى مصرهم الكوفة ليعلن الثورة على حكومة معاوية، فدفع جعدة رسالة إلى الإمام الحسين(عليه السلام) هذا نصها: «أمّا بعد، فإن من قبلنا من شيعتك متطلّعة أنفسهم اليك، لا يعدلون بك أحداً، وقد كانوا عرفوا رأي الحسن أخيك في الحرب، وعرفوك باللين لأوليائك والغلظة على أعدائك والشدّة في أمر الله، فإن كنت تحبّ أن تطلب هذا الأمر فاقدم علينا، فقد وطنّا أنفسنا على الموت معك»(1).
فأجابه الإمام الحسين(عليه السلام) بقوله: «أمّا أخي فإنّي أرجو أن يكون الله قدوفّقه وسدّده، وأمّا أنا فليس رأيي اليوم ذاك، فالصقوا رحمكم الله بالأرض، واكمنوافي البيوت، واحترسوا من الظنّة ما دام معاوية حيّاً، فإن يُحدث الله به حدثاً وأنا حيّكتبت اليكم برأيي، والسلام».
يتبيّن ممّا تقدّم أنّ الإمام الحسين(عليه السلام) ـ انطلاقاً من مسؤوليته الشرعية ـ اتّبع أخاه الإمام الحسن(عليه السلام) في مسألة الصلح مع معاوية، وقد قبله والتزم به طيلة حكم معاوية، بل إنّ عشرات الشواهد تؤكّد أنّهما كانا منسجمين في 
ــــــــــــــــــــــــ 
(1) حياة الإمام الحسين (عليه السلام) : 2 / 229 ـ 230 . 
 الصفحة (81)
تفكيرهما ونظرتهما إلى الاُمور ومعطياتها ومتّفقين في كلّ ما جرى وتمّ التوصل اليه.
وكما نسبوا إلى الإمام الحسين(عليه السلام) ذلك فقد نسبوا إلى الإمام الحسن(عليه السلام) أيضاً أنّه كان على خلاف مع أبيه! في كثير من مواقفه السياسية قبيل خلافته وخلالها. ومن الواضح أنّ الهدف من أمثال هذه المزاعم هو زرع الشكّ في نفوس الاُمّة بالنسبة للموقع الريادي للإمامين الشرعيين الحسن والحسين(عليهما السلام) بغية ايجاد الفرقة والاختلاف كي يبتعد الناس عنهما.
استشهاد الإمام الحسن (عليه السلام) :
أقام الإمام الحسن(عليه السلام) بالكوفة أيّاماً بعد أن صالح معاوية، ثمّ عادمع أخيه الإمام الحسين(عليه السلام) وجميع أهل بيته الى المدينة، فأقام بهاكاظماً غيظه لازماً منزله منتظراً لأمر ربّه جلّ اسمه(1). وكما ذكرنا فإنّالإمام الحسين(عليه السلام) رفض التحرّك ضد معاوية ما دام حيّاً، التزاماً بمعاهدة الصلح التي كان قد عقدها أخوه الحسن(عليه السلام) معه.
وقد اهتمّ الإمامان(عليهما السلام) في المدينة بالعبادة وترسيخ العقيدة الإسلامية في نفوس الناس وتوضيح الأحكام الإسلامية للناس وإرشادهم وهدايتهم والعمل من أجل تربية جيل واع يتحمّل مسؤوليته تجاه الظلم والفساد والانحـراف الحاصل فـي مسيـرة الاُمّة. وفي هذه السنوات العشر ـ كما دوّنته جملة من مصادر التاريخ الإسلامي ـ قد حدثت عدّة مناوشات كلامية من جانب الإمامين الحسن والحسين(عليهما السلام) بالنسبة لتصرفات معاوية وجملة من عناصر بلاطه .
ــــــــــــــــــــــــ 
(1) الإرشاد: 2/15.

 الصفحة (82)

 الصفحة (83)
الباب الثالث 
فيه فصول :
الفصل الأوّل : عصر الإمام الحسين (عليه السلام)
الفصل الثاني :مواقف الإمام (عليه السلام) وإنجازاته
الفصل الثالث :نتائـج الثـورة الحسينيــة
الفصل الرابع :من تراث الإمام الحسين(عليه السلام)

 الصفحة (84)

 الصفحة (85)
الفصل الأول:
عصر الإمام الحسين (عليه السلام)
البحث الأوّل: حكومة معاوية ودورها في تشويه الإسلام :
أمسك معاوية والطغمة الفاسدة من بني اُميّة بزمام الحكم، وأكملوا بذلك الانحراف الذي حصل من السقيفة، حيث حوّل معاوية الخلافة إلى ملك عضوض مستبدّ، حين صرّح بعدائه للاُمة الإسلامية واعترف بعدم رضى الاُمّة به حاكماً بقوله: والله ما ولّيتها ـ أي الخلافة ـ بمحبّة علمتها منكم ولا مسرّة بولايتي ولكن جالدتكم بسيفي(1).
ولكنّ معاوية والتيار الذي تزعّمه واجه عقبةً كؤوداً، هي تطبيقالإمام علىّ(عليه السلام) لأحكام الشريعة الإسلامية بصورتها الصحيحة. مضافاً إلى أ نّه لم يترك الاُمّة حتى عمّق العقيدة في النفوس، فأحبّته الجماهير ـ وخصوصاً أهل العراق ـ وكان في ذلك حريصاً على الرسالة والاُمّة الإسلامية ومفنّداً مزاعم أرباب السقيفة حين عبّر أبو بكر عن عجزه واعتذر عن كثرة أخطائه بقوله: فإني قد وُلّيت عليكم ولست بخيركم(2). فإنّ هذا الاعتذار قد يفهم منه 
ــــــــــــــــــــــــ 
(1) تأريخ الخلفاء : 71 .
(2) المصدر السابق . 

 الصفحة (86)
عدم إمكان التطبيق التام للشريعة الإسلامية. ولكنّ الإمام عليّاً(عليه السلام) قد قدّم النموذج الحيّ للقيادة الكفوءة الواعية والمعصومة بعد الرسول(صلى الله عليه وآله)، فكانت الاُمّة المسلمة تتوقّع قائداً كعلىّ بن أبي طالب(عليه السلام) .
ولكن معاوية شرع في تشويه هذه القيم الإسلامية ومحاربة القوى المتعاطفة مع أهل البيت(عليهم السلام) وهدم كلّ ما بناه الإمام علىّ(عليه السلام) في الاُمّة الإسلامية من قيم فتفقد إرادتها ويموت ضميرها لئلاّ تكون قادرة على مواجهة أهواء الحكّام المخالفة للدين الحنيف . لقد أعلن معاوية ـ منذ أوّل خطوة ـ أنّ هدفه الأساس هو استلام زمام الحكم حتّى لو اُريقت من أجله دماء المسلمين المحرّمة بكلمته المعروفة: والله ما قاتلتكم لتصلّوا ولا لتصوموا ولا لتحجّوا ولا لتزكّوا، وإنّما قاتلتكم لأتأمّر عليكم(1).
منهج معاوية لمحاربة الإسلام :
ولابدّ لنا من دراسة موجزة للمخطّطات الشيطانية التي تبنّاها معاويةوما رافقها من الأحداث الجسام، فإنّها من أهمّ الأسباب في ثورةالإمام الحسين(عليه السلام).
لقد رأى الامام(عليه السلام) ما وصل اليه حال المسلمين من التردّي عقائدياً وأخلاقياً واجتماعياً واقتصادياً وسياسياً.
وكان كل هذا التردّي من جرّاء السياسات التي أبعدت الاُمّة عن مسار الإسلام الأصيل من خلال ممارسات معاوية التي بلغت ذروتها في فرض يزيد بالقوة خليفةً على المسلمين، فهبّ ـ سلام الله عليه ـ بعد هلاك معاوية الى تفجير ثورته الكبرى التي أدّت الى إيقاظ النفوس وتحريك إرادة الاُمّة.
واليك بعض معالم سياسات الجاهلية الاُموية التي تصدّى لتنفيذها 
ــــــــــــــــــــــــ 
(1) شرح نهج البلاغة : 4 / 16 . 

 الصفحة (87)

 الصفحة (88)
معاوية:
1 ـ سياسته الاقتصادية :
لم تكن لمعاوية أيّة سياسة اقتصادية في المال حسب المعنى المتداول لهذه الكلمة، وإنّما كان تصرّفه في جباية الأموال وإنفاقها خاضعاً لرغباته وأهوائه، فهويهب الثراء العريض للمؤيدين له ويحرم معارضيه من العطاء، ويأخذ الأموال ويفرض الضرائب بغير حقّ، وقد شاع في عصر معاوية الفقر والحرمان عند الأكثرية الساحقة من المسلمين، فيما تراكمت الثروات عند فئة قليلة راحت تتحكّم في مصير المسلمين وشؤونهم، وهذه بعض الخطوط الرئيسة في سياسته الاقتصادية :
أ ـ الحرمان الاقتصادي :
أشاع معاوية الحرمان الاقتصادي في الأقطار التي كانت تضمّ الجبهة المعارضة له، مثل: 
* يثرب :
لم ينفق معاوية على أهل يثرب أيّ شيء من المال، لأنّ فيهم كثيراً من الشخصيات المعارضة للاُسرة الأموية والطامعة في الحكم، يقول المؤرخون: إن معاوية أجبرهم على بيع أملاكهم فاشتراها بأبخس الأثمان، وقد أرسل قيّماً على أملاكه لتحصيل وارداتها فمنعوه عنها، وقابلوا حاكمهم عثمان بن محمد وقالوا له: إنّ هذه الأموال لنا كلّها، وإنّ معاوية آثر علينا في عطائنا، ولم يعطنا درهماً حتّى مضّنا الزمان ونالتنا المجاعة، فاشتراها بجزء من مائة من ثمنها، فردّ عليهم حاكم المدينة بأقسى القول وأمّره(1).
ــــــــــــــــــــــــ 
(1) حياة الإمام الحسين (عليه السلام) : 2 / 123 . 

 الصفحة (89)
وقد نصب معاوية على الحجاز مروان بن الحكم تارةً وسعيد بن العاص مرّة اُخرى، وكان يعزل الأوّل ويولّي الثاني، وقد جهدا معاً في إذلال أهل المدينة وإفقارهم.
* العراق :
فرض معاوية على أهل العراق عقوبات اقتصاديةً بصفته المركز الرئيسي للمعارضة، وكان واليه المغيرة بن شعبة يحبس العطاء والأرزاق عن أهل الكوفة، وقد سار الحكّام الاُمويون بعد معاوية على هذا النهج في اضطهاد أهل العراق وحرمانهم(1)، باعتبارهم الثقل الأكبر في الخطّ الواعي الذي وقف مع أمير المؤمنين (عليه السلام).
ب ـ استخدام المال لتثبيت ملكه :
استخدم معاوية بيت المال لتثبيت ملكه وسلطانه، واتّخذ المال سلاحاً يمكّنه من التسلّط على الاُمّة، فقد كان من عناصر سياسة الاُمويين استخدام المال سلاحاً للإرهاب وأداةً للتقريب، فحرم منه فئةً من الناس، وأغدق أضعافاً مضاعفة لطائفة اُخرى ثمناً لضمائرهم وضماناً لصمتهم(2).
ووهب معاوية خراج مصر لعمرو بن العاص، وجعله طعمة له مادام حيّاً، وذلك لتعاونه معه على مناجزة أمير المؤمنين(عليه السلام)(3).
ج ـ شراء الذمم :
فتح معاوية باباً جديداً في سياسته الاقتصادية وهي شراء الذمم، فقد 
ــــــــــــــــــــــــ 
(1) حياة الإمام الحسين(عليه السلام) : 2 / 125، وراجع العقد الفريد : 4 / 259 .
(2) المصدر السابق : 2 / 127 ، نقلاً عن اتجاهات الشعر العربي : 27، د. محمد مصطفى.
(3) حياة الإمام الحسين (عليه السلام) : 2 / 127 .

 الصفحة (90)
أعلن عن ذلك بكل دناءة قائلاً: والله لأستميلنّ بالأموال ثقات عليّ، ولاُقسّمنّ فيهم الأموال حتى تغلب دنياي آخرته(1).
كما روي أنّه وفد عليه جماعة من أشراف العرب فأعطى كلّ واحد منهم مائة ألف درهم، وأعطى الحتات عمّ الفرزدق سبعين ألفاً، فلمّا علم الحتات بذلك رجع مغضباً الى معاوية، فقال له بلا خجل ولا حياء: إنّي اشتريت من القوم دينهم، ووكلتك الى دينك. 
فقال الحتات: اشتر منّي ديني. فأمرله بإتمام الجائزة(2).
د ـ ضريبة النيروز :
فرض معاوية على المسلمين ضريبة النيروز في بدعة سنّها من غير دليل في الشريعة الاسلامية، ليسدّ بها نفقاته، وبالغ في إرهاق الناس واضطهادهم على أدائها، وقد بلغت فيما يقول المؤرخون : عشرة ملايين درهم، وهي من الضرائب التي يألفها المسلمون، وقد اتّخذها الحكّام من بعده سنّةً فأرغموا المسلمين على أدائها(3).
2 ـ سياسة التفرقة :
بنى معاوية سياسته على تفريق كلمة المسلمين، إيماناً منه بأنّ الحكم لا يستقرّ له إلاّ بإشاعة العداء بين أبناء الاُمّة الإسلامية، «وكانت لمعاوية حيلته التي كرّرها وأتقنها وبرع فيها، واستخدمها مع خصومه في الدولة من المسلمين وغير المسلمين، وكان قوام تلك الحيلة، العمل الدائب على التفرقة 
ــــــــــــــــــــــــ 
(1) راجع وقعة صفّين لنصر بن مزاحم : 495، وشرح نهج البلاغة : 2 / 293 .
(2) حياة الإمام الحسين (عليه السلام) : 2 / 128 ـ 129 .
(3) المصدر السابق : 2 / 131 ، وراجع : الحياة الفكرية في الاسلام : 42 . 
 الصفحة (91)
والتخذيل بين خصومه بإلقاء الشبهات بينهم وإثارة الإحن فيهم، ومنهم من كان من أهل بيته وذوي قرباه... كان لا يطيق أن يرى رجلين ذوي خطر على وفاق، وكان التنافس الفطري بين ذوي الأخطار ممّا يعينه على الإيقاع بهم»(1).
أ ـ اضطهاد الموالي :
بالغ معاوية في اضطهاد الموالي وإذلالهم، وقد رام أن يبيدهم إبادةً شاملةً. يقول المؤرخون: إنّه دعا الأحنف بن قيس وسمرة بن جندب وقال لهما: إنّي رأيت هذه الحمراء قد كثرت، وأراها قد قطعت على السلف، وكأنّي أنظر الى وثبة منهم على العرب والسلطان، فقد رأيت أن أقتل شطراً منهم، وأدع شطراً لإقامة السوق وعمارة الطريق(2).
ب ـ العصبية القبلية :
أحيى معاوية العصبيات القبلية، وقد ظهرت في الشعر العربيصور مريعة ومؤلمة من ألوان الصراع الذي كانت السلطة الاُمويةتختلقه لإشغال الناس عن التدخّل في الشؤون السياسية، وقال المؤرّخون:
إنّ معاوية عمد الى إثارة الأحقاد القديمة بين الأوس والخزرج محاولاًبذلك التقليل من أهمّيتهم، وإسقاط مكانتهم أمام العالم العربي والإسلامي،كما تعصّب لليمنيّين على المضريّين، وأشعل نار الفتنة فيما بينهم حتىلا تتّحد لهم كلمة تضرّ بمصالح دولته(3).
3 ـ سياسة البطش والجبروت :
ساس معاوية الاُمّة بسياسة البطش والقمع، فاستهان بمقدّراتها 
ــــــــــــــــــــــــ 
(1) حياة الإمام الحسين (عليه السلام) : 2 / 135، عن العقّاد في كتابه «معاوية في الميزان» : 64 .
(2) العقد الفريد : 2 / 260 .
(3) حياة الإمام الحسين (عليه السلام) : 2 / 137 .

 الصفحة (92)
وكرامتها، وقد أعلن ـ بعد الصلح ـ أنّه قاتل المسلمين وسفك دماءهم كي يتأمّر عليهم، وقد أدلى بتصريح عبّر فيه عن كبريائه وغطرسته فقال: نحن الزمان، من رفعناه ارتفع، ومن وضعناه اتّضع(1).
وسار عمّاله وولاته على هذه الخطّة الغادرة، فقد خاطب عتبة بن أبي سفيان المصريّين بقوله: فوالله لأقطعنّ بطون السياط على ظهوركم.
وجاء في خطاب لخالد القسري في أهل مكة : فإنّي والله ما اُوتي لي بأحد يطعن على إمامه (يعني معاوية) إلاّ صلبته في الحرم(2).
4 ـ الخلاعة والمجون والاستخفاف بالقيم الدينية :
عُرف معاوية بالخلاعة والمجون، يقول ابن أبي الحديد: كانمعاوية أيام عثمان شديد التهتّك موسوماً بكلّ قبيح، وكان في أيامعمر يستر نفسه قليلاً; خوفاً منه إلاّ أنّه كان يلبس الحرير والديباجويشرب في آنية الذهب والفضة، ويركب البغلات ذوات السروجالمحلاّت بها ـ أي بالذهب ـ وعليها جلال الديباج والوشي...ونقل الناس عنه في كتب السيرة أنّه كان يشرب الخمر في أيام عثمان في الشام(3).
وروي عن عبد الله بن بريدة قوله: دخلتُ أنا وأبي على معاوية فأجلسنا على الفراش، ثم اُوتينا بالطعام فأكلنا ثم اُوتينا بالشراب فشرب معاوية! ثم ناول أبي فقال: ماشربته منذ حرّمه رسول الله(صلى الله عليه وآله)(4).
وثمة روايات عديدة تحدّثت عن أكل معاوية للربا، منها: أنّ معاويةباع سقاية من ذهب أو ورق بأكثر من وزنها، فقال له أبو الدرداء: سمعت
ــــــــــــــــــــــــ 
(1) حياة الإمام الحسين (عليه السلام) : 2 / 138 ـ 139، والعقدالفريد : 2 / 159 .
(2) الأغاني لأبي الفرج الإصفهاني: 22/382 طبعة بيروت.
(3) حياة الإمام الحسين (عليه السلام) : 2 / 144 ـ 145.
(4) مسند أحمد بن حنبل : 5 / 347. 

 الصفحة (93)
رسول الله (صلى الله عليه وآله) نهى عن مثل هذا إلاّ مِثلاً بمثل، فقال معاوية: ما أرى به بأساً. فقال له أبو الدرداء: من يُعذرُني من معاوية؟ أنا أخبره عن رسول الله وهو يخبرني عن رأيه! لا اُساكنك بأرض أنت بها. ثم قدم أبو الدرداء على عمر بن الخطّاب فذكر له ذلك، فكتب عمر الى معاوية: أن لاتبع ذلك إلاّ مثلاً بمثل ووزناً بوزن(1).
ومن مظاهر استخفاف معاوية بالقيم الاسلامية استلحاقه زياد بن عبيد الرومي وإلصاقه بنسبه من دون بيّنة شرعيّة، وإنّما اعتمد على شهادة أبي مريم الخمّار وهو ممّا لا يثبت به نسب شرعي، وقد خالف بذلك قول رسول الله(صلى الله عليه وآله): «الولد للفراش وللعاهر الحجر»(2).
5 ـ إظهار الحقد على النبىّ (صلى الله عليه وآله) والعداء لأهل بيته(عليهم السلام) :
حقد معاوية على النبىّ(صلى الله عليه وآله) فقد مكث في أيام خلافته أربعين جمعةً لا يصلّي عليه، وسأله بعض أصحابه عن ذلك فقال: لا يمنعني عن ذكره إلاّ أن تشمخ رجال بآنافها»(3). وسمع المؤذّن يقول: «أشهد أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمّداً رسول الله...» واندفع يقول: لله أبوك يا ابن عبد الله، لقد كنت عالي الهمّة، ما رضيت لنفسك إلاّ أن يقرن اسمك باسم رب العالمين(4).
وسخّر معاوية جميع أجهزته للحطّ من قيمة أهل البيت(عليهم السلام) الذين هم وديعة رسول الله(صلى الله عليه وآله) حتى استخدم أخطر الوسائل في محاربتهم وإقصائهم عن واقع الحياة الإسلامية، وكان من بين مااستخدمه في ذلك:
1 ـ تسخير الوعّاظ ليحوّلوا القلوب عن أهل البيت(عليهم السلام).
ــــــــــــــــــــــــ 
(1) سنن النسائي : 7 / 279 .
(2) راجع قصة الاستلحاق وأسبابها وآثارها في (حياة الإمام الحسن بن علي) : 2 / 174 ـ 190
(3) حياة الإمام الحسين (عليه السلام) : 2 / 151، عن النصائح الكافية : 97 .
(4) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : 10 / 101 .

 الصفحة (94)
2 ـ افتعال الأخبار على لسان النبىّ(صلى الله عليه وآله) للحطّ من قيمة أهل البيت(عليهم السلام) وقد استفاد من أبي هريرة الدوسي، وسمرة بن جندب، وعمرو بن العاص، والمغيرة بن شعبة، حيث اختلقوا مئات الأحاديث على لسان النبىّ(صلى الله عليه وآله).
3 ـ استخدم معاوية معاهد التعليم وأجهزة الكتاتيب لتغذية النَشْء ببغض أهل البيت(عليهم السلام) وخلق جيل معاد لهم.
وتمادى معاوية في عدائه لأمير المؤمنين(عليه السلام) فأعلن سبّه ولعنه في نواديه العامة والخاصة، وأوعز الى جميع عمّاله وولاته أن يذيعوا سبّه بين الناس، وسرى سبّ الإمام في جميع أنحاء العالم الإسلامي، وقد خطب معاوية في أهل الشام فقال لهم: أيّها الناس، إنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله) قال لي: إنّك ستلي الخلافة من بعدي فاختر الأرض المقدسة ـ يعني الشام ـ فإنّ فيها الأبدال وقد اخترتكم فالعنوا أبا تراب(1).
6 ـ العنف مع شيعة أهل البيت(عليهم السلام) :
اضطُهدت الشيعة أيام معاوية اضطهاداً رسمياً، ومورس معهم أشدُّ أنواع القمع والقهر. وقد وصف الإمام محمد الباقر(عليه السلام) الإرهاب الاُموي بقوله(عليه السلام): «وقتلت شيعتنا بكلّ بلدة وقطعت الأيدي والأرجل على الظنّة، وكان من يُذكر بحبّنا والانقطاع الينا سُجن أو نهب ماله أوهدمت داره»(2).
وعمد معاوية الى إبادة القوى المفكّرة والواعية من الشيعة، وقد ساق أفواجاً منهم الى ساحات الإعدام، من قبيل: حجر بن عدي ورشيد الهجري 
ــــــــــــــــــــــــ 
(1) حياة الإمام الحسين (عليه السلام) : 2 / 160 ، وشرح نهج البلاغة : 3 / 361 .
(2) شرح نهج البلاغة : 3 / 15، والطبقات الكبرى : 5 / 95. 

 الصفحة (95)
وعمرو بن الحمق الخزاعي وأوفى بن حصن.
ولم يقتصر معاوية على تنكيله برجال الشيعة، وإنّما تجاوز ظلمه الى نسائهم، فأشاع الذعر والإرهاب في العديد منهنّ مثل: الزرقاء بنت عدي وسودة بنت عمارة واُم الخير البارقيّة.
وأوعز معاوية الى جميع عمّاله بهدم دور الشيعة ومحو أسمائهم من الديوان وقطع عطائهم ورزقهم، كذلك عهد الى عمّاله بعدم قبول شهادتهم في القضاء وغيره مبالغة في إذلالهم وتحقيرهم.
إنّ انحرافات معاوية وجرائمه لا يمكن استيعابها في هذه الإشارات السريعة، وهي تتطلّب كتاباً خاصاً بها لكثرتها وسعتها، ولقد كنّا نرمي في الدرجة الاُولى من هذه الإشارات إلى التمهيد للتطرّق إلى ذِكر جريمته الكبرى التي أدّت بالإمام الحسين(عليه السلام) إلى إعلان ثورته، هذه الجريمة التي تمثّلت في فرض ابنه يزيد الفاسق وليّاً للعهد.
7 ـ فرض البيعة بالقوّة ليزيد الفاجر :
لقد كانت الخلافة أيام أبي بكر وعمر وعثمان ذات مسحة إسلامية وكانوا يحكمون تحت شعار خلافة الرسول (صلى الله عليه وآله) .
على أنّ معاوية حينما بدأ بالسيطرة على زمام السلطة فإنّه ـ رغم الخداع والتضليل الذي عرفنا شيئاً عنه ـ لم يجترئ على تحدّي الرسول (صلى الله عليه وآله) ورسالته بشكل علني وصريح في بداية حكمه; إذ كان يستغل المظاهر الإسلامية لإحكام القبضة ولتحقيق مزيد من السيطرة على رقاب أبناء الاُمّة الإسلامية. ومن هنا وصف معاوية بالدهاء والذكاء المفرط; لأنه كان يُلبس باطله لباساً إسلامياً.
ولكن تحميله ليزيد الفاجر المعلن بفسقه على الاُمّة جاء هتكاً صريحاً للقيم الإسلامية واستهتاراً واضحاً لعرف المسلمين ; وذلك لما عرفه 

 الصفحة (96)
المسلمون جميعاً من أنّ الخلافة الإسلامية ليست حكماً قيصرياً ولا كسروياً لينتقل بالوراثة ، ولا يستحق هذا المنصب إلاّ العالم بالكتاب والسنّة ، العامل بهما والقادر على تحقيق أهداف الرسالة الاسلامية وتطبيق أحكامها .
هذا مضافاً إلى أنّ فرض البيعة ليزيد على المسلمين كان جريمة كبرى ذات أبعاد اجتماعية وسياسية خطيرة تنتهي بتصفية الاسلام ومحوه من على وجه الأرض ، لولا ثورة الإمام الحسين(عليه السلام) سبط الرسول الأعظم(صلى الله عليه وآله) الحافظ لدين جدّه من الضياع والدمار .
ولأجل الوقوف على عظمة هذه الجريمة; لابدّ أن نعرف أوّلاً من هو يزيد؟ وما هو السبب الذي جعله غير صالح للخلافة؟ ولماذا يكون فرض بيعته عدواناً صريحاً على الاسلام وارتداداً عنه وعودة الى الجاهلية التي ناهضها الاسلام؟
البحث الثاني: من هو يزيد بن معاوية ؟
قبل الحديث عن تولّي يزيد للحكم وموقف الإمام الحسين(عليه السلام) من ذلك لابدّ وأن نعرف من هو يزيد في منظار الإسلام والمسلمين ؟ وما هو رأي الإسلام في البيت الاُموي بصورة عامة ؟
لا يشك أحد من الباحثين والمؤرّخين في أنّ الاُمويّين كانوا منألدّ أعداء الإسلام وأنكد خصومه منذ أن بزغ فجره وحتى آخر مرحلةمن مراحل حكمهم. وأنهم لم يدخلوا فيه إلاّ بعد أن استنفدوا جميعإمكاناتهم في محاربته حتّى باؤوا بالفشل. ولمّا دخلوا فيه مرغمينأخذوا يخطّطون لتشويه معالمه وإعادة مظاهر الجاهلية بكلّ أشكالهاباُسلوب جديد وتحت ستار الإسلام.
وكان معاوية يرتعش جزعاً ويضجر عندما كان يسمع النداء باسم النبي محمد بن عبد الله(صلى الله عليه وآله) ويشعر بانطلاق هذا الاسم المبارك في أجواء 

 الصفحة (97)
العالم الإسلامي من أعلى المآذن في كلّ يوم. 
وهكذا كان غيره من حكّام ذلك البيت الذين حكموا باسمالإسلام وهم يعملون على تقويضه وإبرازه على غير واقعه وتشويهقوانينه وتشريعاته ومُثله.
ويزيد بن معاوية الذي وقف الإمام الحسين (عليه السلام) منه ذلك الموقف الخالد كان كما يصفه المؤرّخون والمحدّثون مستهتراً الى حدّ الإسراف في الاستهتار، وممعناً في الفحشاء والمنكرات الى حدّ الغلوّ في ذلك(1).
ولادة يزيد ونشأته وصفاته :
ولد يزيد سنة (25 أو 26 هـ ) (2) واُمّه ميسون بنت بجدل الكلبية، وقد ذكر المؤرّخون: أنّ ميسون بنت بجدل الكلبية أمكنت عبد أبيها من نفسها، فحملت بيزيد ـ لعنه الله ـ والى هذا أشار النسّابة الكلبي بقوله :
فإن  يكن الزمان أتى علينا      بقتل الترك والموت الوحي
فقد  قَتل الدعيُّ وعبدُ كلب      بأرض  الطف أولادَ النبي
أراد بالدعيّ عبيد الله بن زياد لعنه الله... ومراده بعبد كلب يزيد بن معاوية، لأنّه من عبد بجدل الكلبي(3).
وفيما يتّصل بصفاته الجسميّة فقد وصفه ابن كثير ـ في بدايته ـ بأنّه كان كثير اللحم عظيم الجسم وكثير الشعر مجدوراً(4).
أمّا صفاته النفسية فقد ورث صفات الغدر والنفاق والطيش والاستهتار من سلفه، حتّى قال المؤرّخون: وكان يزيد قاسياً غدّاراً كأبيه، (إن كان من معاوية طبعاً) ولكنّه ليس داهيةً مثله، كانت تنقصه القدرة على 
ــــــــــــــــــــــــ 
(1) سيرة الأئمّة الاثني عشر: 2 / 41 .
(2) حياة الإمام الحسين (عليه السلام) : 2 / 179 .
(3) بحار الأنوار : 44 / 309 .
(4) سيرة الأئمّة الاثني عشر : 2 / 42 . 

 الصفحة (98)
تغليف تصرّفاته القاسية بستار من اللباقة الدبلوماسية الناعمة، وكانت طبيعته المنحلّة وخُلقه المنحطّ لا تتسرّب اليها شفقة ولا عدل. كان يقتل ويعذّب نشواناً للمتعة واللّذة التي يشعر بها، وهو ينظر الى آلام الآخرين، وكان بؤرة لأبشع الرذائل، وها هم ندماؤه من الجنسين خير شاهد على ذلك، لقد كانوا من حثالة المجتمع(1).
وقد نشأ يزيد عند أخواله في البادية من بني كلاب الذين كانوا يعتنقون المسيحية قبل الاسلام، وكان مرسل العنان مع شبابهم الماجنين فتأثّر بسلوكهم الى حد بعيد، فكان يشرب معهم الخمر ويلعب معهم بالكلاب.
ولع يزيد بالصيد :
ومن مظاهر صفات يزيد ولعه بالصيد، فكان يقضي أغلب أوقاته فيه، قال المؤرّخون : كان يزيد بن معاوية كلفاً بالصيد لاهياً به، وكان يُلبِسُ كلابَ الصيد الأساورَ من الذهب والجلال المنسوجة منه، ويهب لكلّ كلب عبداً يخدمه(2).
شغفه بالقرود :
وكان يزيد ـ فيما أجمع عليه المؤرّخون ـ ولعاً بالقرود، وكان له قرد يجعله بين يديه ويكنّيه بأبي قيس، ويسقيه فضل كأسه، ويقول: هذا شيخ من بني اسرائيل أصابته خطيئة فمسخ، وكان يحمله على أتان وحشية ويرسله مع الخيل في حلبة السباق، فحمله يوماً فسبق الخيل فسرّ بذلك وجعل يقول :
ــــــــــــــــــــــــ 
(1) حياة الإمام الحسين : 2 / 181 ـ 182 .
(2) راجع الفخري لابن الطقطقي: 45، وتاريخ اليعقوبي: 2/230، وتاريخ الطبري: 4/368، والبداية والنهاية: 8/236 ـ 239 . 

 الصفحة (99)
وأرسله مرّةً في حلبة السباق فطرحته الريح فمات فحزن عليه حزناً شديداً، وأمر بتكفينه ودفنه كما أمر أهل الشام أن يعزّوه بمصابه الأليم، وأنشأ راثياً له:
تمسّك أبا قيس بفضل زمامها      فليس عليها إن سقطتَ ضمانُ
فقد  سبقتَ خيل الجماعة كلّها      وخـيل أمـير المؤمنين أتانُ
كـم  مـن كرام وقوم ذوو محافظة      جـاؤا  لـنا لـيعزوا في أبي قيس
شـيخ الـعشيرة أمـضاها وأجملها      على الرؤوس وفي الأعناق والريس
لا  يُـبعد الله قـبراً أنـت سـاكنه      فـيه  جـمال وفيه لحية التيس(1)
وذاع بين الناس هيامه وشغفه بالقرود حتى لقّبوه بها، ويقول رجل من تنوخ هاجياً له:
يزيد صديق القرد ملّ جوارنا      فـحنّ الى أرض القرود يزيد
فـتبّاً  لمن أمسى علينا خليفة      صحابته الأدنون منه قرود(2)
إدمانه على الخمر :
والظاهرة البارزة من صفات يزيد إدمانه على الخمر حتى أسرف في ذلك الى حد كبير، فلم يُرَ في وقت إلاّ وهو ثمل لا يعي من فرط السكر، ومن شعره في الخمر :
أقول لصحب ضمّت الخمر شملهم      وداعـي  صـبابات الهوى يترنّم
خـذوا بـنصيب مـن نعيم ولذّة      فكلّ  وإن طال المدى يتصرّم(3)
وينقل المؤرّخون عن عبد الله بن حنظلة الذي خرج على يزيد بعد أن 
ــــــــــــــــــــــــ 
(1) حياة الإمام الحسين (عليه السلام) : 2 / 182 ، نقلاً عن جواهر المطالب : 143 .
(2) أنساب الأشراف : 2 / 2 .
(3) حياة الإمام الحسين : 2 / 183 ، نقلاً عن تأريخ المظفري . 

 الصفحة (100)
اصطحب وفداً من أهل المدينة الى الشام في أعقاب استشهاد الإمام الحسين(عليه السلام) وصفه ليزيد بقوله: والله ما خرجنا على يزيد حتى خفنا أننُرمى بالحجارة من السماء، إنّه رجل ينكح الاُمهات والبنات والأخوات، ويشرب الخمر ويدع الصلاة، والله لو لم يكن معي أحد من الناس لأبليت لله بلاءً حسناً(1).
وقال أعضاء الوفد: قدمنا من عند رجل ليس له دين، يشرب الخمر ويعزف بالطنابير ويلعب بالكلاب(2).
ونقل عن المنذر بن الزبير قوله في وصفه: والله إنّه ليشرب الخمر، والله إنّه ليسكر حتى يدع الصلاة(3).
ووصفه أبو عمر بن حفص بقوله: والله رأيت يزيد بن معاوية يترك الصلاة مسكراً...(4)
شـمـيسة كـرم بـرجها قـعردنِّها      ومـشرقها  الـساقي ومـغربها فمي
اذا  اُنـزلت مـن دنِّـها في زجاجة      حـكت نـفراً بـين الحطيم وزمزمِ
فـإن  حَـرُمَتْ يوماً على دين أحمد      فخذها على دين المسيح ابن مريمِ(5)
ويتبدّى الكفر في وصفه للخمر في الأبيات الآتية :
وعنه قال المسعودي: وكان يزيد صاحب طرب وجوارح وكلاب وقرود وفهود ومنادمة على الشراب، وجلس ذات يوم على شرابه وعن يمينه ابن زياد وذلك بعد قتل الحسين، فأقبل على ساقيه فقال:
ــــــــــــــــــــــــ 
(1) تأريخ ابن عساكر : 7 / 372 ، وتأريخ الخلفاء للسيوطي : 81 .
(2) تأريخ ابن عساكر : 7 / 372 ، وتأريخ الخلفاء للسيوطي : 81 .
(3) البداية والنهاية : 8 / 216 ، الكامل لابن الأثير : 4 / 45 .
(4) المصدر السابق .
(5) تتمة المنتهى : 43 . 
 الصفحة (101)
إسقني  شربةً تُروّي مُشاشي      ثم  مِلْ فاسقِ مثلها ابن زيادِ
صاحب السرّ والأمانة عندي      ولـتسديد مـغنمي وجهادي
ثم أمر المغنّين فغنّوا، وغلب على أصحاب يزيد وعمّاله ما كان يفعله من الفسوق، وفي أيامه ظهر الغناء بمكة والمدينة، واستعملت الملاهي وأظهر الناس شرب الشراب(1).
ويؤكّد في مكان آخر: وكان يسمّى يزيد السكران الخمّير(2).
وكان ليزيد جماعة من الندماء الخليعين والماجنين يقضي معهم لياليه الحمراء بين الشراب والغناء «وفي طليعة ندمائه الأخطل الشاعر المسيحي الخليع، فكانا يشربان ويسمعان الغناء، وإذا أراد السفر صحبه معه، ولمّا هلك يزيد وآل أمر الخلافة الى عبد الملك بن مروان قرّبه، فكان يدخل عليه بغير استئذان، وعليه جبّة خزّ، وفي عنقه سلسلة ذهب، والخمر يقطرمن لحيته»(3).
إن مطالعة الحياة الماجنة ليزيد في حياة أبيه تكفي لفهم دليل امتناع عامة الصحابة والتابعين من الرضوخ لبيعة يزيد بالخلافة .
إنّ نوايا يزيد ونزعاته المنحرفة قد تجلّت بشكل واضح خلال فترة حكمه القصيرة ، حتى أنّه لم يبال بإظهار ما كان يضمره من حقد للرسول(صلى الله عليه وآله) وما كان ينطوي عليه من إلحاد برسالته (صلى الله عليه وآله) بعد أن دنّس يديه بقتل سبط الرسول وريحانته أبي عبدالله الحسين (عليه السلام) وهو متسلّط ـ بالقهر ـ على رقاب المسلمين باسم الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) .
إلحاد يزيد وحقده على رسول الله(صلى الله عليه وآله) :
لقد أترعت نفس يزيد بالحقد على الرسول(صلى الله عليه وآله) والبغض له، لأنّه 
ــــــــــــــــــــــــ 
(1) مروج الذهب : 2 / 94 .
(2) مروج الذهب : 2 / 94 .
(3) الأغاني لأبي الفرج الإصفهاني : 7 / 170 . 

 الصفحة (102)
وتره باُسرته يوم بدر، ولمّا أباد العترة الطاهرة جلس على أريكة الملك جذلان مسروراً، فقد استوفى ثأره من النبىّ(صلى الله عليه وآله) وتمنّى حضور أشياخه ليروا كيف أخذ بثأرهم، وجعل يترنّم بأبيات عبدالله بن الزبعرى :
لـيت أشـياخي ببدر شهدوا      جزع الخزرج من وقع الأسلْ
لأهـلّـوا واسـتهلّوا فـرحاً      ثـم قـالوا يـا يزيد لا تشلْ
قـد قـتلنا القرم من أشياخهم      وعـدلـناه  بـبدر فـاعتدلْ
لـعبت  هـاشم بـالملك فلا      خـبر  جـاء ولا وحي نزلْ
لـست من خندف إن لم أنتقم      من بني أحمد ما كان فعلْ(1)
بل إنّ يزيداً جاهر بإلحاده وكفره عندما تحرّك عبدالله بن الزبير ضدّه في مكة، فقد وجّه جيشاً لإجهاض تحرّك ابن الزبير وزوّده برسالة اليه، ورد فيها البيت الآتي :
ادع  إلـهك فـي الـسماء فإنّني      أدعو عليك رجال عك وأشعرا(2)
جرائم حكم يزيد :
ذكر المؤرّخون أنّ يزيد ارتكب خلال فترة حكمه القصيرة التي لم تتجاوز ثلاث سنين ونصف، ثلاث جرائم مروّعة لم يشهد لها التأريخ نظيراً، بحيث لم تسوّد تأريخ الاُمويّين الى الأبد فحسب; وإنّما شوّهت تأريخ العالم الإسلامي كذلك، ومن هذه الجرائم :
1 ـ انتهاك حرمة أهل بيت الوحي بقتل الإمام الحسين السبط(عليه السلام) ومن معه من اُسرته وأصحابه وسبي نسائه وأطفاله وعرضهم على الجماهير من بلد الى بلد سنة (61 هـ ) وهم ذرية رسول الله(صلى الله عليه وآله) وملايين المسلمين 
ــــــــــــــــــــــــ 
(1) حياة الإمام الحسين (عليه السلام) : 2 / 187 ، نقلاً عن البداية والنهاية : 8 / 192 .
(2) مروج الذهب : 2 / 95 . 

 الصفحة (103)
تقدّسهم وتذكر فيهم الرسول(صلى الله عليه وآله) وكلّ ما في الإسلام من حقّ وخير.
2 ـ إقدامه بعد ملحمة عاشوراء على انتهاك حرمة مدينة الرسول(صلى الله عليه وآله) وقتل أهلها وإباحة أعراضهم لجيش الشام، لأنّهم استعظموا قتل الإمام الحسين(عليه السلام) وأنكروه عليه.
3 ـ إقدامه على حصار مكّة وتدمير الكعبة وقتل آلاف الأبرياء في الحرم الذي جعله الله حراماً وآمناً.
السرّ الكامن وراء نزعات يزيد الشرّيرة :
رجّح بعض المؤرّخين أنّ بعض نساطرة النصارى تولّى تربية يزيد وتعليمه، فنشأ نشأةً سيّئة ممزوجةً بخشونة البادية وجفاء الطبع، وقالوا: إنّه كان من آثار تربيته المسيحية أنّه كان يقرّب المسيحيين ويكثر منهم في بطانته الخاصة، وبلغ من اطمئنانه إليهم أن عهد بتربية ولده الى مسيحي، كما اتّفق على ذلك المؤرّخون(1).
ولا يمكن أن تعلّل هذه الصلة الوثيقة وتعلّقه الشديد بالأخطل وغيره إلاّ بتربيته ذات الصبغة المسيحية. هكذا حاول بعض المؤرّخين والكتّاب أن يعلّل استهتار يزيد بالإسلام ومقدّساته وحرماته.
وهذا التعليل يمكن أن يكون له مايسوّغه لو كانت لحياة البادية وللتربية المسيحية تلك الصبغة الشاذّة التي برزت في سلوك يزيد من مطلع شبابه إلى أن أصبح وليّاً لعهد أبيه وحاكماً من بعده.
في حين أن العرب في حاضرتهم وباديتهم كانت لهم عادات وأعراف كريمة قد أقرّها الإسلام كالوفاء وحسن الجوار والكرم والنجدة وصون 
ــــــــــــــــــــــــ 
(1) سيرة الأئمّة الاثني عشر : 2 / 42 وراجع أيضاً : حياة الإمام الحسين(عليه السلام) : 2 / 180. عن المناقب: 71 للقاضي نعمان المصري، وسمو المعنى في سموّ الذات: 59 العلائلي.

 الصفحة (104)
الأعراض وغير ذلك ممّا تحدّث به التأريخ عنهم، ولم يعرف عن يزيد شيء من ذلك، كما وأنّ التأريخ لم يحدّث عنهم بأنّهم استحلّوا نكاح الأخوات والعمّات كما حدّث التأريخ عنه. والذين ولدوا في البادية على النصرانية طيلة حياتهم قبل الفتح الإسلامي وعاشوا في ظلّ أعرافها وعاداتها حينما دخلوا في الإسلام تغلّبوا على كلّ ما اعتادوه وألفوه عن الآباء والأجداد.
فلابدّ إذن من القول بأنّ لذلك الانحراف الشديد والوبيء في شخصية يزيد وسلوكه سبباً وراء التربية والحضانة المسيحية.
الى هنا نكون قد وقفنا على صورة واضحة عن واقع شخصية يزيد المنحرفة عن خطّ الاسلام انحرافاً لا يسوغ لأيّ مسلم الانقياد لها والسكوت عليها ما دام الاسلام يمنع الإباحية والفسق ويدعو الى العدل والتقوى، ويحاول تحقيق مجتمع عامر بالتقوى، ويريد للمسلمين قيادة تحرص على تحقيق أهداف الإسلام المُثلى.
ومن هنا كان علينا أن نطالع بدقّة كل مواقف الإمام الحسين (عليه السلام) باعتباره القائد الرسالي الحريص على مصالح الرسالة والاُمّة الاسلامية وندرس تخطيطه الرسالي للوقوف أمام الانحراف الهائل الذي كان يمتدّ بسرعة في أعماق المجتمع الاسلامي آنذاك .

 الصفحة (105)
مواقف الإمام الحسين (عليه السلام) وإنجازاته
البحث الأوّل : موقفه (عليه السلام) من البيعة ليزيد
1 ـ دعوة انتهازية وخطّة شيطانية :
عندما ارتفعت راية الحقّ مرفرفةً فوق ربوع مكّة ومعلنةً عن انتصارها; دخل أبو سفيان ومعاوية في الإسلام ونار الحقد تستعر في قلبيهما ونزعة الثأر من الرسول(صلى الله عليه وآله) وأهل بيته(عليهم السلام) تكمن في صدريهما، فتحوّلا من كونهما كافرين الى كونهما مستسلِمَين طليقين من طلقاء الرسول(صلى الله عليه وآله). ولم يطل العهد حتى حكم عثمان بن عفان فتسرّب ما كان مختبئاً في القلب وظهر على لسان أبي سفيان وهو يخاطب عثمان بقوله: صارت إليك بعد تيم وعديّ فأدرها كالكرة فإنّما هو الملك ولا أدري ما جنّة ولا نار(1).
وخاطب أبو سفيان بني اُميّة ثانيةً: يا بني اُميّة! تلقّفوها تلقّفالكرة، فو الذي يحلف به أبو سفيان مازلت أرجوها لكم، ولتصيرنّ إلى صبيانكم ورثة(2).
وحين أطلّ معاوية من نافذة السقيفة على كرسيّ الحكم بانت نتائج الانحراف واتّضحت خطورته; فإنّه قد لاحظ، أنّ أبا بكر وعمر وعثمان قد 
ــــــــــــــــــــــــ 
(1) الاستيعاب : 2 / 690 .
(2) مروج الذهب : 1 / 440 ، تأريخ ابن عساكر : 6 / 407 .

 الصفحة (106)
ملكوا قبله ولم تسمح لهم الظروف بإعادة صرح الجاهلية من جديد، ولا زال صوت الحقّ هادراً كلّ يوم بالتوحيد وبالرسالة لمحمّد بن عبدالله(صلى الله عليه وآله)(1).
كما أنّ الانحراف السياسي الذي ولّدته السقيفة وتربّت عليه فئات من الاُمّة استثمره معاوية أ يّما استثمار، فقد احتجّ على الناس بأنّ أبا بكر بويع بدون نصّ سماويّ أو أمر من رسول الله(صلى الله عليه وآله) وأنّه خالف سيرة رسول الله(صلى الله عليه وآله) إذ جعل عمر خليفةً من بعده، وصنع عمر ما لم يصنعه قبله وخالف بذلك الله ورسوله وأبا بكر. ووفق هذا المنطق فإنّ الاُمّة ومصير الرسالة الإسلامية تكون اُلعوبة بيد معاوية يسوسها كيف يشاء. من هنا قرّر أن يبايع بالخلافة ليزيد(2) من بعده.
وقد خلت الساحة السياسية للزمرة الاُمويّة بعد فتن ومصاعب أشعلها معاوية مستغلاًّ جهالة طبقات من الاُمّة، وموظّفاً كلّ الطاقات التي وقفت ضدّ الإمام علىّ(عليه السلام) لصالحه في مواجهة تيار الحقّ بقيادة الإمام الحسن(عليه السلام). واستأثر بالحكم بعد قتله للإمام الحسن(عليه السلام) واستهتاره بقيم الإسلام وتعاليمه. وكان حاذقاً في إحكام سيطرته وملكه، ولكنّه لم يجرؤ لإعلان خطّته تثبيتاً لملك بني اُميّة باستخلاف يزيد من بعده وفي الاُمّة من هو صاحب الخلافة الشرعية وهو الإمام الحسن(عليه السلام) ومن بعده أخوه الإمام الحسين(عليه السلام) الذي كان على الاُمّة أن تعود لقيادته بعد افتقادها للحسن(عليه السلام) .
يضاف إلى ذلك أنّ أحداً من الخلفاء الثلاثة لم يوصِ بالخلافة لولدهمن بعده. ونظراً لما كان ينطوي عليه يزيد من ضعف واستهتار ومجونفقد مضى معاوية بكلّ جدٍّ ليحبك الأمر ويدبّره بطريقة يخدع بها الاُمّة، بل 
ــــــــــــــــــــــــ 
(1) مروج الذهب : 2 / 343 ، وشرح النهج : 2 / 357 .
(2) الإمامة والسياسة : 1 / 189 . 

 الصفحة (107)
يقهرها على قبول البيعة ليزيد. من هنا بادر إلى قتل الإمام الحسن السبط(عليه السلام) وخيار المؤمنين في خطوة اُولى ليرفع بذلك أهمّ الموانع التي كانت تحول بينه وبين تنفيذ خطّته.
على أنّ أصحاب النفوس الرذيلة والمطامع الدنيوية على استعداد تام لبلوغ أتفه المطامع من أيّ طريق كان. فقد روي أنّ المغيرة بن شعبة ـ الذي كان والياً من قبل معاوية على الكوفة ـ علم بأنّ معاوية ينوي عزله فأسرع إلى نسج خيوط مؤامرة جلبت الويلات على الاُمّة الإسلامية وليكون بذلك سمساراً يصافق على ما لا يملك; إذ همس في أذن يزيد يمنّيه بخلافة أبيه ويزيّن له الأمر ويسهّله. ووجد معاوية أنّ خطّة شيطانية يمكن أن يكون المغيرة عاملاً لتنفيذها(1)، فسأله مخادعاً: ومن لي بهذا؟ فردّ عليه المغيرة: أكفيك أهل الكوفة ويكفيك زياد أهل البصرة، وليس بعد هذين المصرين أحد يخالفك. وهكذا قبض المغيرة على ربح عاجل لصفقة مؤجّلة، ورجع الى الكوفة بكلّ قوّة لينفّذ الخطّة وهو يقول: لقد وضعت رِجل معاوية في غرز بعيد الغاية على اُمّة محمّد(2).
ورفض زياد بن أبيه هذه الخطّة الخبيثة; ولعلّه لما كان يلمسه من رذائل في شخصية يزيد بحيث تجعله غير صالح لزعامة الاُمّة. وقد أثارت هذه الخطّة مطامع أطراف اُخرى من بني اُميّة، فمدّ كل من مروان بن الحكم وسعيد بن عثمان بن عفان عنقه لذلك(3).
وجمّد معاوية رسمياً وبشكل مؤقّت خطّته لأخذ البيعة ليزيد ; وذلك ليتّخذ إجراءات اُخرى تمهّد للإعلان الرسمي وفي الفرصة المناسبة لذلك.
ــــــــــــــــــــــــ 
(1) الكامل في التأريخ : 3 / 249 ، وتأريخ اليعقوبي : 2 / 195 ، والإمامة والسياسة : 2 / 262 .
(2) الكامل في التأريخ : 3 / 249 .
(3) وفيات الأعيان : 5 / 389 ، والإمامة والسياسة : 1 / 182 ، وتأريخ اليعقوبي : 2 / 196 . 

 الصفحة (108)
2 ـ أساليب معاوية لإعلان بيعة يزيد :
لمس معاوية رفض العائلة الاُموية المنحرفة لحكم يزيد من بعده، فكيف بصاحب الحقّ الشرعي ـ الإمام الحسن(عليه السلام) ومن بعده الإمام الحسين(عليه السلام) ـ وعدد من أبناء الصحابة؟!
من هنا مضى جادّاً باتّخاذ سبل اُخرى تتراوح بين مخادعة الاُمّة وبين قهرها بالقوّة على بيعة الخليع يزيد، ومن تلك السبل :
أ ـ استخدام الشعراء لإسباغ فضائل على يزيد ولبيان مقدرته وإشاعةأمره، لكي تخضع الاُمّة لولايته(1)، وأوعز الى ولاته والخطباء في الأمصار لنشر تلك الفضائل المفتعلة.
ب ـ بذل الأموال الطائلة وشراء ذمم المعارضين ممّن كان يقف ضدّ يزيد لا بدافع العقيدة والحرص على الإسلام وإنّما بدوافع شخصية وذاتية(2).
ج ـ استقدام وفود من وجهاء الأنصار(3) ومناقشة قضية يزيد معهم لمعرفة الرافض والمؤيّد منهم، ومعرفة نقاط الضعف لكي ينفذ منها إليهم.
د ـ إيقاع الخلاف بين عناصر بني اُميّة الطامعين في الحكم كي يضعف منافستهم ليزيد، فقد عزل عامله على يثرب سعيد بن العاص واستعمل مروان ابن الحكم مكانه، ثم عزل مروان واستعمل سعيداً(4).
هـ ـ اغتيال الشخصيات الإسلامية البارزة والتي كانت تحظى باحترام كبير في نفوس الجماهير، فاغتال الإمام الحسن(عليه السلام) وسعد بن أبي وقّاص وعبد الرحمن بن خالد وعبد الرحمن بن أبي بكر(5).
ــــــــــــــــــــــــ 
(1) الأغاني : 8 / 71 ، وشعراء النصرانية بعد الاسلام : 234 : للويس شيخو اليسوعي.
(2 و 3) الكامل في التأريخ : 3 / 250 .
(4) تأريخ الطبري : 4 / 18 .
(5) مقاتل الطالبيّين : 29، وتأريخ الطبري : 5 / 253، والكامل في التأريخ : 3 / 352.

 الصفحة (109)
و ـ استخدام سلاح الحرمان الاقتصادي ضدّ بني هاشم للضغط عليهم وإضعاف دورهم، فقد حبس عنهم العطاء سنة كاملة(1); إذ وقفوا مع الإمام الحسين(عليه السلام) يرفضون البيعة ليزيد.
3 ـ محاولات الإمام الحسين (عليه السلام) لإيقاظ الاُمّة :
لم يخلد الإمام الحسين(عليه السلام) إلى السكون والخمول حتى عند إقراره الصلح مع معاوية، فقد تحرّك انطلاقاً من مسؤوليّته تجاه الشريعة والاُمّة الإسلامية وبصفته وريث النبوّة ـ بعد أخيه الإمام الحسن(عليه السلام) ـ مراعياً ظروف الاُمّة وساعياً إلى المحافظة عليها. وقد عمل الإمام(عليه السلام) في فترة حكممعاوية على تحصين الاُمّة ضدّ الانهيار التام فأعطاها من المقوّماتالمعنوية القدرَ الكافي، كي تتمكّن من البقاء صامدةً في مواجهة المحن. وإليك جملة من هذه المواقف:
1 ـ مواجهةُ معاوية وبيعةِ يزيد.
2 ـ محاولة جمع كلمة الاُمّة.
3 ـ فضح جرائم معاوية.
4 ـ استعادة حقّ مضيّع.
5 ـ تذكير الاُمّة بمسؤوليّاتها.
مواجهةُ معاوية وبيعة يزيد :
أعلن الإمام الحسين(عليه السلام) رفضه القاطع لبيعة يزيد وكذا زعماء يثرب، فقرّر معاوية أن يسافر إلى يثرب ليتولّى بنفسه إقناع المعارضين، فاجتمع بالإمام وعبدالله بن عباس، فأشاد بالنبىّ(صلى الله عليه وآله) وأثنى عليه، وعرض بيعة ابنه 
ــــــــــــــــــــــــ 
(1) الكامل في التأريخ : 3 / 252 ، والإمامة والسياسة : 1 / 200 . 

 الصفحة (110)
ومنحه الألقاب الفخمة ودعاهما الى بيعته، فانبرى الإمام(عليه السلام) فحمد الله وأثنى عليه ثم قال:
«أمّا بعد يا معاوية فلن يؤدّي المادح وإن أطنب في صفة الرسول(صلى الله عليه وآله) وقد فهمتُ ما لبست به الخلف بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله) من إيجاز الصفة، والتنكّب عن استبلاغ النعت، وهيهات هيهات يا معاوية!! فضح الصبحُ فحمةَ الدجى، وبهرت الشمسُ أنوار السرج، ولقد فضّلت حتى أفرطت، واستأثرت حتى أجحفت، ومنعت حتى بخلت، وجُرت حتى تجاوزت، ما بذلت لذي حقّ من اسم حقّه من نصيب، حتى أخذ الشيطان حظّه الأوفر ونصيبه الأكمل.
وفهمتُ ما ذكرته عن يزيد من اكتماله، وسياسته لاُمّة محمّد(صلى الله عليه وآله)، تريد أن توهم الناس في يزيد كأنّك تصفُ محجوباً أوتنعت غائباً، أو تخبر عمّا كان ممّا احتويته بعلم خاص، وقد دلّ يزيد من نفسه على موقع رأيه، فخذ ليزيد فيما أخذ به من استفرائه الكلاب المهارشة عند التحارش، والحمام السبق لأترابهنّ، والقيان ذوات المعازف، وضروب الملاهي، تجده ناصراً.
ودع عنك ما تحاول، فما أغناك أن تلقى الله بوزر هذا الخلق بأكثر ممّا أنت لاقيه! فوالله ما برحتَ تقدح باطلاً في جور وحنقاً في ظلم حتى ملأتَ الأسقية، وما بينك وبين الموت إلاّ غمضة، فتقدم على عمل محفوظ في يوم مشهود، ولات حين مناص، ورأيتك عرّضت بنا بعد هذا الأمر، ومنعتنا عن آبائنا تراثاً ولعمر الله لقد أورثنا الرسول(صلى الله عليه وآله) ولادة، وجئت لنا بما حججتم به القائم عند موت الرسول(صلى الله عليه وآله) فأذْعنَ للحجّة بذلك وردّهالإيمان الى النصف.
فركبتم الأعاليل وفعلتم الأفاعيل، وقلتم كان ويكون حتى أتاك الأمر يا معاوية من طريق كان قصدها لغيرك، فهناك فاعتبروا يا اُولي الأبصار.
وذكرتَ قيادةَ الرجلِ القومَ بعهد رسول الله(صلى الله عليه وآله) وتأميرَه له، وقد كان ذلك لعمرو 
 الصفحة (111)
ابن العاص يومئذ فضيلة بصحبة الرسول وببعثه له وما صار لعمرو يومئذ حتى أنف القوم إمرته وكرهوا تقديمه وعدّوا عليه أفعاله، فقال (صلى الله عليه وآله) لاجَرَمَ يا معشرَ المهاجرين لا يعمل عليكم بعد اليوم غيري، فكيف تحتجُّ بالمنسوخ من فعل الرسول في أوكد الأحكام وأولاها بالمجتمع عليه من الصواب؟ أم كيف ضاهيتَ بصاحب تابعاً وحولك من يُؤمن في صحبته، ويُعتمد في دينه وقرابته، وتتخطّاهم الى مسرف مفتون؟ تريد أن تُلبس الناس شبهةً يسعد بها الباقي في دنياه وتشقى بها في آخرتك، إنّ هذا لهو الخسران المبين، وأستغفر الله لي ولكم.
وذهل معاوية من خطاب الإمام(عليه السلام)، وضاقت عليه جميع السبلفقال لابن عباس: ما هذا يا ابن عباس؟ فقال ابن عباس: لعمرالله إنّها لذرّية رسول الله(صلى الله عليه وآله) وأحد أصحاب الكساء ومن البيت المطهّر، فاسأله عمّا تريد فإنّ لك في الناس مقنعاً حتى يحكم الله بأمره وهو خيرالحاكمين(1).
وقد اتّسم موقف الإمام الحسين(عليه السلام) مع معاوية بالشدّة والصرامة، وأخذ يدعو المسلمين علناً الى مقاومة معاوية، ويحذّرهم من سياسته الهدّامة التي تحمل الدمار الى الاسلام.
محاولة جمع كلمة الاُمّة والاستجابة لحركة الجماهير :
وأخذت الوفود تترى على الإمام من جميع الأقطار الإسلامية وهي تعجّ بالشكوى وتستغيث به نتيجة الظلم والجور الذي حلّ بها، وتطلب منه القيام بإنقاذها من الاضطهاد، ونقلت العيون في يثرب الى السلطة المحلّية أنباء تجمّع الناس واختلافهم إلى الإمام(عليه السلام) وكان الوالي مروان بن الحكم، ففزع من ذلك وخاف من عواقبه جداً، فرفع مذكّرة الى معاوية جاء فيها : أمّا بعد فقد كثر اختلاف الناس الى الحسين، والله إنّي لأرى لكم منه يوماً 
ــــــــــــــــــــــــ 
(1) حياة الإمام الحسين : 2 / 219 ـ 220. 

 الصفحة (112)
عصيباً(1).
واضطرب معاوية من تحرّك الإمام الحسين(عليه السلام) فكتب اليه رسالةً جاء فيها: أمّا بعد، فقد اُنهيت إليّ عنك اُمور، إن كانت حقّاً فإنّي لم أظنّها بك رغبة عنها، وإن كانت باطلة فأنت أسعد الناس بمجانبتها، وبحظ نفسك تبدأ،وبعهد الله توفي فلا تحملني على قطيعتك والإساءة إليك، فإنّك متىتنكرني أنكرك، ومتى تكدني أكدك، فاتّق الله يا حسين في شقّ عصا الاُمّة، وأن تردّهم في فتنة(2).
فضح جرائم معاوية :
كتب الإمام(عليه السلام) الى معاوية مذكّرةً خطيرةً كانت ردّاً على رسالته يحمّله فيها مسؤوليّات جميع ما وقع في البلاد من سفك الدماء وفقدان الأمن وتعريض الاُمّة للأزمات. وتعدّ من أروع الوثائق الرسمية التي حفلت بذكر الأحداث التي صدرت من معاوية، وهذا نصّها: «أمّا بعد، بلغني كتابك تذكر فيه أ نّه انتهت اليك عنّي اُمور أنت عنها راغب وأنا بغيرها عندك جدير، وأ نّ الحسنات لا يهدي لها ولا يسدّد إليها إلاّ الله تعالى. أمّا ما ذكرت أ نّه رقى اليك عنّي فإنّه إنّما رقاه إليك الملاّقون المشّاؤون بالنميمة، المفرّقون بين الجمع، وكذب الغاوون، ما أردت لك حرباً ولا عليك خلافاً، و إنّي لأخشى الله في ترك ذلك منك، ومن الإعذار فيه إليك وإلى أوليائك القاسطين حزب الظلمة.
ألستَ القاتل حجر بن عدي أخاكندة وأصحابه المصلّين العابدين الذين كانوا ينكرون الظلم، ويستعظمون البدع، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ولايخافون في الله لومة لائم؟ قتلتهم ظلماً وعدواناً من بعد ما أعطيتهم الأيْمان المغلّظة والمواثيق المؤكّدة، جرأةً على الله واستخفافاً بعهده.
ــــــــــــــــــــــــ 
(1) حياة الإمام الحسين: 2/223.
(2) المصدر السابق : 2 / 224 .

 الصفحة (113)
أولست قاتل عمرو بن الحمق الخزاعي صاحب رسول الله(صلى الله عليه وآله) العبد الصالح الذي أبلتْه العبادة فنحل جسمُه واصفرّ لونُه؟ فقتلته بعد ما أمّنته وأعطيته ما لو فهمته العصم لنزلت من رؤوس الجبال.
أولستَ بمدّعي زياد بن سمية المولود على فراش عبيد ثقيف، فزعمَت أ نّه ابن أبيك؟ وقد قال رسول الله(صلى الله عليه وآله) «الولدُ للفراش وللعاهر الحجر» فتركت سنّة رسول الله(صلى الله عليه وآله) تعمّداً، وتبعت هواك بغير هدىً من الله، ثم سلّطته على أهل الإسلام يقتلهم ويقطعأيديهم وأرجلهم ويسملُ أعينهم ويصلبهم على جذوع النخل، كأ نّك لست من هذهالاُمّة وليسوا منك.
أوَلستَ قاتل الحضرمي الذي كتب فيه اليك زياد أ نّه على دين عليّكرم الله وجهه، فكتبتَ إليه أن اقتل كلّ من كان على دين عليّ؟ فقتلهم ومثّل بهم بأمرك، ودين عليّ هو دين ابن عمّه(صلى الله عليه وآله) الذي أجلسك مجلسك الذي أنت فيه، ولولا ذلك لكان شرفك وشرف آبائك تجشّم الرحلتين رحلة الشتاء ورحلة الصيف.
وقلت فيما قلت: اُنظر لنفسك ودينك ولاُمّة محمّد(صلى الله عليه وآله) واتّق شقّ عصا هذه الاُمّة وأن تردّهم الى فتنة، وإنّي لا أعلم فتنةً أعظم على هذه الاُمّة من ولايتك عليها، ولا أعظم لنفسي ولديني ولاُمّة محمّد(صلى الله عليه وآله) أفضل من أن اُجاهرك، فإنْ فعلتُ فإنه قربة الى الله، وإن تركتُه فإنّي استغفر الله لديني واسأله توفيقه لإرشاد أمري.
وقلت فيما قلت: إنّي إن أنكرتك تنكرني، وإن أكدك تكدني، فكدني ما بدا لك، فإنّي أرجو أن لا يضرّني كيدك، وأن لا يكون على أحد أضرّ منه على نفسك، لأنّك قد ركبت جهلك وتحرّصت على نقض عهدك، ولعمري ما وفيتَ بشرط، ولقد نقضتَ عهدك بقتل هؤلاء النفر الذين قتلتهم بعد الصلح والأيمان والعهود والمواثيق، فقتلتهم من غير أن يكونوا قاتلوا أو قُتلوا، ولم تفعل ذلك بهم إلاّ لذكرهم فضلَنا وتعظيمهم حقَّنا، مخافة أمر لعلّك إن لم تقتلهم مُتّ قبل أن يفعلوا، أو ماتوا قبل أن يدركوا.
فأبشر يا معاوية بالقصاص، واستيقن بالحساب، واعلم أنّ لله تعالى كتاباً لا يغادر 

 الصفحة (114)
صغيرةً ولا كبيرةً إلاّ أحصاها، وليس الله بناس لأخذك بالظنّة، وقتلك أولياءه على التُّهم، ونفيك إيّاهم من دورهم الى دار الغربة، وأخذك الناس ببيعة ابنك الغلام الحدث، يشرب الشراب، ويلعب بالكلاب، ما أراك إلاّ قد خسرت نفسك، وبترت دينك، وغَشَشْتَ رعيّتك، وسمعت مقالة السفيه الجاهل، وأخفت الورع التقيّ»(1).
ولا توجد وثيقة سياسية في ذلك العهد عرضت لعبث السلطةوسجّلت الجرائم التي ارتكبها معاوية غير هذه الوثيقة، وهي صرخة فيوجه الظلم والاستبداد.
استعادة حقّ مضيّع :
وكان معاوية ينفق أكثر أموال الدولة لتدعيم ملكه، كما كان يهب الأموال الطائلة لبني اُميّة لتقوية مركزهم السياسي والاجتماعي، وكان الإمام الحسين(عليه السلام) يشجب هذه السياسة، ويرى ضرورة إنقاذ الأموال من معاوية الذي يفتقد حكمه لأيّ أساس شرعي، ولا يقوم إلاّ على القمع والتزييف والإغراء. وقد اجتازت على يثرب أموال من اليمن مرسولةً الى خزينة دمشق، فعمد الإمام(عليه السلام) الى الاستيلاء عليها ووزّعها على المحتاجين، وكتب الى معاوية: «من الحسين بن عليّ الى معاوية بن أبي سفيان، أمّا بعد فإنّ عيراً مرّت بنا من اليمن تحمل مالاً وحُللاً وعنبراً وطيباً اليك لتودعها خزائن دمشق وتعلّ بها بعد النّهْل بني أبيك، وإنّي احتجتها اليها فأخذتها، والسلام»(2) .
فأجاب معاوية: من عبدالله معاوية أمير المؤمنين الى الحسين بن عليّ، سلام عليك، أمّا بعد فإنّ كتابك ورد عليّ تذكر أنّ عيراً مرّت بك من اليمن 
ــــــــــــــــــــــــ 
(1) حياة الإمام الحسين(عليه السلام): 2/235 عن الإمامة والسياسة : 1 / 284 ، والدرجات الرفيعة : 334 ، وراجع الغدير : 10 / 161 .
(2) نهج البلاغة لابن أبي الحديد : 4 / 327، الطبعة الاُولى، وناسخ التواريخ : 1 / 195. 

 الصفحة (115)
تحمل مالاً وحُللاً وعنبراً وطيباً إليّ لأودعها خزائن دمشق واعُلّ بها بعد النهل بني أبي، وإنّك احتجت اليها فأخذتها، ولم تكن جديراً بأخذها إذ نسبتها إليّ لأنّ الوالي أحقّ بالمال ثم عليه المخرج منه، وأيم الله لو تركت ذلك حتى صار إليّ لم أبخسك حظك منه، ولكنّي قد ظننت يا ابن أخي أنّ في رأسك نزوةً وبودّي أن يكون ذلك في زماني، فأعرف لك قدرك وأتجاوز عن ذلك، ولكنّي والله أتخوّف أن تبتلى بمن لا ينظرك فواق ناقة(1).
إنّ الإمام الحسين(عليه السلام) دلّل بعمله على أن ليس من حقّ الخليفة غير الشرعي أن يتصرّف في أموال المسلمين، وأنّ ذلك من حقوق الحاكم الشرعي، والحاكم الشرعي هو الإمام الحسين(عليه السلام) نفسه الذي ينفق أموال بيت المال وفق المعايير الإسلامية. وقد أكّد (عليه السلام) في رسالته على أنّه لا يعترف رسمياً بخلافة معاوية; إذ لم يصفه بأمير المؤمنين كما كان يصفهالآخرون. ومن هنا حاول معاوية الالتفاف على موقف الإمام(عليه السلام) فوصف نفسه في رسالته الجوابية بأمير المؤمنين ووالي المسلمين ولكنّه فشل في محاولته تلك، فقد بات موقف الإمام الحسين(عليه السلام) معياراً إسلامياً وملاكاً فارقاً وفاصلاً بين الصواب والخطأ للمسلمين جميعاً على مدى التأريخ، في حين لم يعر المسلمون لموقف معاوية أيّ اهتمام ولم يعتبروه سوى أنّه تشويه للحقيقة وتضليل للرأي العام.
لقد كان موقف الإمام(عليه السلام) هذا إشارة واضحة للاعتراض على تصرّفات وحكم معاوية والمطالبة بسيادة الحقّ والعدل الإلهي.
تذكير الاُمّة بمسؤوليّتها :
ــــــــــــــــــــــــ 
(1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : 4 / 327 ، وناسخ التواريخ : 1 / 195 . 

 الصفحة (116)
عقد الإمام(عليه السلام) في مكة مؤتمراً سياسيّاً عامّاً دعا فيه جمهوراً غفيراً ممّن شهد موسم الحجّ من المهاجرين والأنصار والتابعين وغيرهم من سائر المسلمين، فانبرى(عليه السلام) خطيباً فيهم، وتحدّث عمّا ألمّ بعترة النبىّ(صلى الله عليه وآله) وشيعتهم من المحن والإحن التي صبّها عليهم معاوية، وما اتّخذه من الإجراءات المشدّدة في إخفاء فضائلهم، وستر ما اُثر عن الرسول(صلى الله عليه وآله) في حقّهم، وألزم الحاضرين بإذاعة ذلك بين المسلمين، وفيما يلي ما رواه سليم بن قيس عن هذا المؤتمر ونصّ خطاب الإمام(عليه السلام) حيث قال: ولمّا كان قبل موت معاوية بسنة حجّ الحسين بن عليّ وعبد الله بن عباس وعبدالله بن جعفر، فجمع الحسين بني هاشم ونساءهم ومواليهم ومن حجّ من الأنصار ممّن يعرفهم الحسين وأهل بيته، ثم أرسل رسلاً وقال لهم: لا تدعوا أحداً حجّ العام من أصحاب رسول الله(صلى الله عليه وآله) المعروفين بالصلاح والنسك إلاّ اجمعوهم لي، فاجتمع اليه بمنى أكثر من سبعمائة رجل وهم في سرادق، عامّتهم من التابعين، ونحو من مائتي رجل من أصحاب النبي(صلى الله عليه وآله) فقام فيهم خطيباً فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: «أمّا بعد، فإنّ هذا الطاغية ـ يعني معاوية ـ قد فعل بنا وبشيعتنا ما قد رأيتم وعلمتم وشهدتم، وإنّي اُريد أن أسألكم عن شيء فإن صدقت فصدّقوني، وإن كذبتُ فكذّبوني، اسمعوا مقالتي واكتموا قولي، ثم ارجعوا الى أمصاركم وقبائلكم فمن أمنتم من الناس، ووثقتم به فادعوهم الى ما تعلمون، فإنّي أخاف أن يندرس هذا الحقّ ويذهب، والله متمّ نوره ولو كره الكافرون».
قال الراوي : فما ترك الحسين شيئاً ممّا أنزل الله فيهم إلاّ تلاه وفسّره، ولا شيئاً ممّا قاله رسول الله (صلى الله عليه وآله) في أبيه وأخيه واُمّه وفي نفسه وأهل بيته إلاّ رواه، وفي كلّ ذلك يقول أصحابه: اللّهمّ نعم قد سمعنا وشهدنا، وممّا ناشدهم (عليه السلام) أن قال: 

 الصفحة (117)
«اُنشدكم الله، أتعلمون أنّ عليّ بن أبي طالب كان أخا رسول الله حين آخى بين أصحابه فآخى بينه وبين نفسه، وقال: أنت أخي وأنا أخوك في الدنيا والآخرة؟ قالوا: اللّهمّ نعم، قال: اُنشدكم هل تعلمون أنّ رسول الله اشترى موضع مسجده ومنازله فابتناه ثم ابتنى فيه عشرة منازل تسعة له، وجعل عاشرها في وسطها لأبي، ثم سدّ كلّ باب شارع الى المسجد غير بابه؟ فتكلّم في ذلك من تكلّم، فقال: ما أنا سددتُ أبوابكم وفتحت بابه، ولكنّ الله أمرني بسدّ أبوابكم وفتح بابه، ثم نهى الناس أن يناموا في المسجد غيره، وكان بجنب في المسجد ومنزله في منزل رسول الله، فولد لرسول الله وله فيه أولاد، قالوا: اللّهمّ نعم، قال: أفتعلمون أنّ عمر بن الخطاب حرص على كوة قدر عينه يدعها في منزله الى المسجد فأبى عليه، ثم خطب فقال: إنّ الله أمرني أن أبني مسجداً طاهراً لا يسكنه غيري وغير أخي وبنيه؟ قالوا: اللّهمّ نعم، قال: اُنشدكم الله أتعلمون أنّ رسول الله قال في غزوة تبوك: أنت منّي بمنزلة هارون من موسى، وأنت وليّ كلّ مؤمن بعدي؟ قالوا: اللّهمّ نعم، قال: اُنشدكم الله أتعلمون أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) حين دعا النصارى من أهل نجران الى المباهلة لم يأت إلاّ به وبصاحبته وابنيه؟ قالوا: اللّهمّ نعم، قال: اُنشدكم الله أتعلمون أنّ رسول الله دفع اليه اللواءيوم خيبر، ثم قال: لأدفعه إلى رجل يحبّه الله ورسوله ويحبّ الله ورسوله كرّار غير فرّار، يفتحها الله على يديه؟ قالوا: اللّهمّ نعم، قال: أتعلمون أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) بعثه ببراءة وقال: لا يبلّغ عنّي إلاّ أنا أو رجل منّي؟ قالوا: اللّهمّ نعم. قال :
أتعلمون أنّ رسول الله لم تنزلْ به شدّة قطّ إلاّ قدّمه لها ثقةً به وأنّه لم يدعه باسمه قطّ، إلاّ يقول يا أخي؟ قالوا: اللّهمّ نعم. قال :
أتعلمون أنّ رسول الله قضى بينه وبين جعفر وزيد فقال: يا عليّ أنت منّي وأنا منك وأنت وليّ كلّ مؤمن بعدي؟ قالوا: اللهم نعم. قال :
أتعلمون أنّه كانت له من رسول الله (صلى الله عليه وآله) كلّ يوم خلوة، وكلّ ليلة دخلة، إذا سأله أعطاه، وإذا سكت أبداه؟ قالوا: اللّهمّ نعم.قال :

 الصفحة (118)
أتعلمون أنّ رسول الله فضّله على جعفر وحمزة حين قال لفاطمة(عليها السلام): زوّجتك خير أهل بيتي أقدمهم سلماً وأعظمهم حلماً وأكثرهم علماً؟ قالوا: اللّهمّ نعم. قال :
أتعلمون أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: أنا سيّد ولد آدم، وأخي عليّ سيّد العرب،وفاطمة سيّدة نساء أهل الجنّة؟ والحسن والحسين ابناي سيّدا شباب أهل الجنة، قالوا: اللّهمّ نعم. قال :
أتعلمون أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) أمره بغسله، وأخبره أنّ جبرئيل يعينه عليه؟ قالوا: اللّهمّ نعم. قال :
أتعلمون أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال في آخر خطبة خطبها:أ يّها النّاس! إنّي تركتُ فيكم الثقلين كتاب الله وأهل بيتي فتمسّكوا بهما لن تضلّوا؟ قالوا: اللّهمّ نعم.
فلم يدع(صلى الله عليه وآله) شيئاً أنزله الله في عليّ بن أبي طالب خاصة وفي أهل بيته من القرآن ولا على لسان نبيّه إلاّ ناشدهم فيه فيقول الصحابة: اللّهمّ نعم قد سمعناه، ويقول التابعي: اللّهم قد حدّثنيه من أثق به فلان وفلان.
ثم ناشدهم أنّهم قد سمعوه يقول: من زعم أنّه يحبّني ويبغض عليّاً فقد كذب، ليس يحبّني وهو يبغض عليّاً، فقال له قائل: يا رسول الله وكيف ذلك؟ قال: لأنّه منّي وأنا منه، من أحبّه فقد أحبّني ومَن أحبّني فقد أحبّ الله، ومن أبغضه فقد أبغضني، ومن أبغضني فقد أبغض الله؟ فقالوا: اللّهمّ نعم، قد سمعناه، وتفرّقوا على ذلك(1).
موت معاوية :
لقد كان موت معاوية بن أبي سفيان في سنة ستّين من الهجرة(2).
واستقبل معاوية الموت غير مطمئن، فكان يتوجّع ويظهر الجزع
ــــــــــــــــــــــــ 
(1) كتاب سُليم بن قيس : 323 ، تحقيق محمد باقر الأنصاري.
(2) سيرة الأئمّة الاثني عشر : 2 / 54 .

 الصفحة (119)
على ما اقترفه من الإسراف في سفك دماء المسلمين ونهب أموالهم، وقدوافاه الأجل في دمشق محروماً عن رؤية ولده الذي اغتصب له الخلافةوحمله على رقاب المسلمين، وكان يزيد فيما يقول المؤرّخون مشغولاًعن أبيه ـ في أثناء وفاته ـ برحلات الصيد وغارقاً في عربدات السكرونغمة العيدان(1).
البحث الثاني: حكومة يزيد ونهضة الإمام الحسين (عليه السلام)
بدايات النهضة :
ذكرنا أنّ الإمام الحسين (عليه السلام) وبالرغم من معارضته الشديدة لحكم معاوية بن أبي سفيان ـ والتي نقلنا صوراً عديدةً منها ـ رفض التحرّك لخلع معاوية; التزاماً منه بالعهد الذي وقّعه أخوه الإمام الحسن(عليه السلام) مع معاوية.
وقد سجّل المؤرّخون هذا الموقف المبدئي للإمام الحسين(عليه السلام) فقالوا:
لمّا مات الحسن(عليه السلام) تحرّكت الشيعة بالعراق، وكتبوا الى الحسين(عليه السلام) في خلع معاوية والبيعة له فامتنع عليهم، وذكر أنّ بينه وبين معاوية عهداً وعقداً لا يجوز له نقضه حتى تمضي المدّة، فإذا مات معاوية نظر في ذلك(2).
من هنا كان معلوماً لشيعته وللجهاز الحاكم أيضاً أنّ موت معاوية يعني بالنسبة للإمام الحسين(عليه السلام)أنه في حلّ من أيّ التزام، ومن ثم فإنّه سيطلق ثورته على نظام الحكم الغاشم الذي استلمه يزيد الفاسق، لذلك كان الإمام الحسين(عليه السلام) يمثّل الهاجس الأكبر للطغمة الحاكمة.
ــــــــــــــــــــــــ 
(1) حياة الإمام الحسين (عليه السلام) : 2 / 239 ـ 240.
(2) الإرشاد : 2 / 32. 

 الصفحة (120)
رسالة يزيد الى حاكم المدينة :
قال المؤرّخون : إنّ يزيد كتب فور موت أبيه الى الوليد بن عتبة بن أبي سفيان ـ وكان والياً على المدينة من قِبَل معاوية ـ أن يأخذ على الحسين(عليه السلام) بالبيعة له ولا يرخّص له في التأخّر عن ذلك(1). وذكرت مصادر تأريخية اُخرى أنّه جاء في الرسالة: إذا أتاك كتابي هذا فأحضر الحسين بن عليّ وعبدالله بن الزبير فخذهما بالبيعة، فإن امتنعا فاضرب أعناقهما وابعث إليّ برأسيهما وخذ الناس بالبيعة، فمن امتنع فأنفذ فيه الحكم(2).
الوليد يستشير مروان بن الحكم :
حار الوليد في أمره، إذ يعرف أنّ الإمام الحسين(عليه السلام) لا يبايع ليزيد مهما كانت النتائج، فرأى أنّه في حاجة الى مشورة مروان بن الحكم عميد الاُسرة الاُموية فبعث إليه، فأشار مروان على الوليد قائلاً له: إبعث اليهم(3) في هذه الساعة فتدعوهم الى البيعة والدخول في طاعة يزيد، فإن فعلوا قبلت ذلك منهم، وإن أبوا قدّمهم واضرب أعناقهم قبل أن يدروا بموت معاوية; فإنّهم إن علموا ذلك وثب كلّ رجل منهم فأظهر الخلاف ودعا الى نفسه، فعند ذلك أخاف أن يأتيك من قبلهم ما لا قبل لك به، إلاّ عبدالله بن عمر فإنّه لا ينازعُ في هذا الأمر أحداً، مع أنّني أعلم أنّ الحسين بن علي لايجيبك الى بيعة يزيد، ولا يرى له عليه طاعةً. ووالله لو كنت في موضعك لم اُراجع الحسين 
ــــــــــــــــــــــــ 
(1) المصدر السابق .
(2) تأريخ اليعقوبي : 2 / 215.
(3) المقصود هنا الإمام الحسين(عليه السلام)وعبدالله بن الزبير وعبدالله بن عمر، باعتبار أنّ بعض المصادر التأريخية أفادت بأنّ رسالة يزيد تضمّنت أسماءهم جميعاً مثل تأريخ الطبري : 6 / 84 . 
 الصفحة (121)
بكلمة واحدة حتى أضرب رقبته كائناً في ذلك ما كان(1).
وعظم ذلك على الوليد وهو أكثر بني اُميّة حنكةً، فقال لمروان: ياليت الوليد لم يولد ولم يك شيئاً مذكوراً(2).
فسخر منه مروان وراح يندّد به قائلاً: لا تجزع ممّا قلتُ لك; فإنّآل أبي تراب هم الأعداء من قديم الدهر(3)، ونهره الوليد فقال له: ويحك يا مروان إعزب عن كلامك هذا، وأحسن القول في ابن فاطمة فإنّه بقية النبوة(4).
واتّفق رأيهما على استدعاء الإمام(عليه السلام) وعرض الأمر عليه لمعرفة موقفه من السلطة.
الإمام (عليه السلام) في مجلس الوليد :
أرسل الوليد إلى الحسين(عليه السلام)يدعوه إليه ليلاً، فجاءه الرسول وهو في المسجد، ولم يكن قد شاع موت معاوية بين الناس، وجال في خاطر الحسين(عليه السلام) أنّ الوليد قد استدعاه ليخبره بذلك ويأخذ منه البيعة إلى الحاكم الجديد بناءً على الأوامر التي جاءته من الشام، فاستدعى الحسين مواليه وإخوته وبني عمومته وأخبرهم بأنّ الوالي قد استدعاه اليه وأضاف: إنّي لا آمن أن يكلّفني بأمر لا اُجيبه عليه(5).
وقال الإمام(عليه السلام) لمواليه بعد أن أمرهم بحمل السلاح: «كونوا معي فإذا دخلت اليه فاجلسوا على الباب فإن سمعتم صوتي قد علا فادخلوا عليه»(6).
ــــــــــــــــــــــــ 
(1) حياة إلامام الحسين(عليه السلام) : 2 / 25 .
(2) المصدر السابق : 2 / 251 .
(3) حياة إلامام الحسين(عليه السلام) 2 / 251 .
(4) المصدر السابق .
(5) إعلام الورى : 1 / 434 ، وروضة الواعظين : 171، ومقتل أبي مخنف : 27، وتذكرة الخواص : 213 .
(6) الإرشاد : 2 / 33. 

 الصفحة (122)
ودخل الإمام(عليه السلام) على الوليد فرأى مروان عنده وكانت بينهما قطيعة، فقال(عليه السلام): «الصلةُ خير من القطيعة، والصلح خير من الفساد، وقد آن لكما أن تجتمعا، أصلح الله ذات بينكما»(1) ثم نعى اليه الوليد معاوية،فاسترجع الإمام الحسين(عليه السلام) ثم قرأ عليه كتاب يزيد وما أمره فيه من أخذ البيعة منه له، فقال الحسين(عليه السلام): «إنّي لا أراك تقنع ببيعتي ليزيد سرّاً حتى اُبايعه جهراً».
فقال الوليد: أجل، فقال الحسين(عليه السلام): «فتصبح وترى رأيك في ذلك»، فقال له الوليد: انصرف على اسم الله تعالى حتى تأتينا مع جماعة الناس، فقال له مروان: والله لئن فارقك الحسين الساعة ولم يبايع لا قدرت منه على مثلها أبداً حتى تكثر القتلى بينكم وبينه، إحبس الرجل فلا يخرج من عندك حتى يبايع أو تضرب عنقه. فوثب الحسين(عليه السلام) عند ذلك وقال:«أنت ياابن الزرقاء تقتلني أم هو؟! كذبت والله وأثمت». وخرج يمشي ومعه مواليه حتى أتى منزله. 
فقال مروان للوليد: عصيتني. لا و الله لا يمكّنك مثلها من نفسه أبداً. فقال له الوليد: ويح غيرك يا مروان! إنّك اخترت لي التي فيها هلاك ديني. والله ما اُحب أنّ لي ما طلعت عليه الشمس وغربت عنه من مال الدنيا وملكها وإنّي قتلت حسيناً. سبحان الله! أقتل حسيناً لمّا أن قال: لا اُبايع؟ والله إنّي لأظنّ امرءاً يحاسبُ بدم الحسين خفيف الميزان عند الله يوم القيامة(2).
وثمّة روايات أفادت بأنّ النقاش قد احتدم بين الإمام(عليه السلام) وبين مروان، حتى أعلن(عليه السلام) رأيه لمروان بصراحة قائلاً: «إنّا أهل بيت النبوة ومعدن الرسالة ومختلف الملائكة ومحل الرحمة، بنا فتح الله وبنا ختم، ويزيد رجل فاسق شارب الخمر قاتل النفس المحترمة معلن بالفسق، ومثلي لا يبايع مثله، ولكن نصبح وتصبحون 
ــــــــــــــــــــــــ 
(1) حياة الإمام الحسين(عليه السلام) : 2 / 254.
(2) الإرشاد : 2 / 33 ـ 34 . 

 الصفحة (123)
وننظر وتنظرون أيّنا أحقّ بالخلافة والبيعة»(1).
الإمام (عليه السلام) مع مروان :
والتقى الإمام الحسين(عليه السلام) في أثناء الطريق بمروان بن الحكم في صبيحة تلك الليلة التي أعلن فيها رفضه لبيعة يزيد، فبادره مروان قائلاً: إنّي ناصح فأطعني ترشد وتسدّد. فقال الإمام(عليه السلام) : «وما ذاك يا مروان؟».
قال مروان: إنّي آمرك ببيعة أمير المؤمنين يزيد فإنّه خير لك في دينك ودنياك. فردّ عليه الإمام(عليه السلام) ببليغ منطقه قائلاً: «على الإسلام السلام إذ قد بليت الاُمّة براع مثل يزيد... سمعت جدّي رسول الله(صلى الله عليه وآله) يقول : الخلافة محرّمة على آل أبي سفيان وعلى الطلقاء وأبناء الطلقاء فإذا رأيتم معاوية على منبري فابقروا بطنه، فوالله لقد رآه أهل المدينة على منبر جدّي فلم يفعلوا ما اُمروا به»(2).
حركة الإمام(عليه السلام) في الليلة الثانية :
ذكر المؤرّخون أنّ الإمام الحسين(عليه السلام) أقام في منزله تلك الليلة وهي ليلة السبت لثلاث بقين من رجب سنة ستين من الهجرة، واشتغل الوليد بن عتبة بمراسلة ابن الزبير في البيعة ليزيد وامتناعه عليهم، وخرج ابن الزبير من ليلته عن المدينة متوجّهاً الى مكة، فلمّا أصبح الوليد سرح في أثره الرجال فبعث راكباً من موالي بني اُميّة في ثمانين راكباً، فطلبوه ولم يدركوه فرجعوا، فلمّا كان آخر نهار يوم السبت بعث الرجال الى الحسين(عليه السلام) ليحضر فيبايع الوليد ليزيد بن معاوية، فقال لهم الحسين(عليه السلام): اصبحوا ثم 
ــــــــــــــــــــــــ 
(1) مقتل الحسين للمقرّم : 144، وإعلام الورى : 1 / 435.
(2) الفتوح لابن أعثم : 5 / 17، ومقتل الحسين للخوارزمي : 1 / 184. 

 الصفحة (124)
ترون ونرى. فكَفّوا تلك الليلة عنه ولم يلحّوا عليه.
فخرج(عليه السلام) من تحت ليلته وهي ليلة الأحد ليومين بقيا من رجب متوجّهاً نحو مكة ومعه بنوه وبنو أخيه وإخوته وجلّ أهل بيته إلاّ محمد بن الحنفية ـ رحمة الله عليه ـ فإنّه لمّا علم عزمه على الخروج عن المدينة لم يدرِ أين يتوجّه، فقال له: يا أخي أنت أحبّ الناس اليّ وأعزّهم عليّ ولست أدّخر النصيحة لأحد من الخلق إلاّ لك وأنت أحقّ بها، تنحّ ببيعتك عن يزيد بن معاوية وعن الأمصار ما استطعت، ثم ابعث رسلك الى الناس فادعهم الى نفسك فإن بايعك الناس وبايعوا لك حمدت الله على ذلك، وإن اجتمع الناس على غيرك لم ينقص الله بذلك دينك ولاعقلك ولاتذهب به مروّتك ولا فضلك، إنّي أخاف عليك أن تدخل مصراً من هذه الأمصار فيختلفالناس بينهم، فمنهم طائفة معك واُخرى عليك، فيقتتلوا فتكون لأوّلالأسنّة غرضاً، فإذا خير هذه الاُمّة كلّها نفساً وأباً واُمّاً، أضيعها دماًوأذلّها أهلاً.
فقال له الحسين(عليه السلام) : فأين أذهب يا أخي؟ قال: انزل مكة فإن اطمأنت بك الدار بها فسبيل ذلك، وإن (نَبَتَ بك)(1) لحقت بالرمال وشعف الجبال وخرجت من بلد الى بلد حتى تنظر الى ما يصير أمر الناس إليه; فإنّك أصوب ما تكون رأياً حين تستقبل الأمر استقبالاً.
فقال الإمام(عليه السلام) : «يا أخي، قد نصحتَ وأشفقتَ وأرجو أن يكون رأيك سديداً موفّقاً»(2). فسار الحسين(عليه السلام) الى مكة وهو يقرأ (فخرج منها خائفاً يترقّب قال ربّ نجّني من القوم الظالمين)(3).
ــــــــــــــــــــــــ 
(1) أي لم تجد بها قراراً ولم تطمئن عليها. انظر لسان العرب : 15/302 مادة نبأ.
(2) الإرشاد : 2 / 35 .
(3)القصص (28) : 21 .

 الصفحة (125)
وصايا الإمام الحسين(عليه السلام) :
لقد كتب الإمام(عليه السلام) قبل خروجه من المدينة عدّة وصايا، منها: وصية لأخيه هذا نصّها: «هذا ما أوصى به الحسين بن عليّ إلي أخيه محمد بن الحنفية، أنّ الحسين يشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، وأنّ محمداً عبده ورسوله جاء بالحق من عنده، وأنّ الجنة حق والنار حق، والساعة آتية لا ريب فيها، وأنّ الله يبعث من في القبور، وإنّي لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا مفسداً ولا ظالماً، وإنّما خرجت لطلب الإصلاح في اُمّة جدّي، اُريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر وأسير بسيرة جدّي وأبي عليّ بن أبي طالب، فمن قبلني بقبول الحقّ فالله أولى بالحقّ، ومن ردّ عليّ هذا أصبر حتى يقضي الله بيني وبين القوم وهو خير الحاكمين»(1).
ومنها: وصيّته لاُم المؤمنين اُم سلمة حيث أوصاها بما يرتبطبإمامة الإمام من بعده. روي أنّه لمّا عزم على الخروج من المدينة أتته اُم سلمة (رضي الله عنها) فقالت: يا بني لا تحزنّي بخروجك إلى العراق، فإنّي سمعت جدّك يقول: يقتل ولدي الحسين(عليه السلام) بأرض العراق في أرض يقال لها: كربلا. فقال لها: «يا اُماه وأنا والله أعلم ذلك، وأنّي مقتول لا محالة، وليس لي من هذا بدّ، وإنّي والله لأعرف اليوم الذي اُقتل فيه، وأعرف من يقتلني، وأعرف البقعة التي اُدفن فيها، وإنّي أعرف من يقتل من أهل بيتي وقرابتي وشيعتي، وإن أردت يا اُمّاه اُريك حفرتي ومضجعي».
ثم أشار الى جهة كربلاء، فانخفضت الأرض حتى أراها مضجعه ومدفنه وموضع عسكره وموقفه ومشهده، فعند ذلك بكت اُم سلمة بكاءً شديداً وسلّمت أمره إلى الله.
فقال لها: «يا اُمّاه قد شاء الله عزّوجلّ أن يراني مقتولاً مذبوحاً ظلماً وعدواناً، وقد 
ــــــــــــــــــــــــ 
(1) مقتل الحسين للمقرّم : 156. 

 الصفحة (126)
شاء أن يرى حرمي ورهطي ونسائي مشرّدين، وأطفالي مذبوحين مظلومين مأسورين مقيّدين، وهم يستغيثون فلا يجدون ناصراً ولا معيناً».
وفي رواية اُخرى : قالت اُمّ سلمة : وعندي تربة دفعها اليَّ جدّك في قارورة، فقال: «والله إنّي مقتول كذلك، وإن لم أخرج إلى العراق يقتلوني أيضاً» ثم أخذ تربةً فجعلها في قارورة وأعطاها إيّاها، وقال: «اجعليها مع قارورة جدّي فإذا فاضتا دماً فاعلمي أنّي قد قتلت»(1).
وروى الطوسي عن الحسين بن سعيد عن حمّاد بن عيسى عنربعي بن عبد الله عن الفضيل بن يسار قال: قال أبو جعفر(عليه السلام): «لمّا توجه الحسين(عليه السلام) الى العراق ودفع إلى اُمّ سلمة زوجة النبىّ(صلى الله عليه وآله) الوصية والكتب وغير ذلك قال لها: «إذا أتاك أكبر ولدي فادفعي اليه ما قد دفعت اليك»، فلمّا قتل الحسين(عليه السلام) أتى عليّ بن الحسين(عليه السلام) اُم سلمة فدفعت اليه كلّ شيء أعطاها الحسين(عليه السلام)»(2).
وروى عليّ بن يونس العاملي في كتاب الصراط المستقيم النصّ على عليّ بن الحسين(عليه السلام)في حديث ثم قال: وكتب الحسين(عليه السلام) وصيّته وأودعها اُمّ سلمة وجعل طلبها منها علامة على إمامة الطالب لها من الأنام فطلبها الإمام زين العابدين(عليه السلام)(3).
توجّه الإمام الى مكة :
قال المؤرّخون : إن الإمام الحسين(عليه السلام) عندما توجّه الى مكة لزم 
ــــــــــــــــــــــــ 
(1) بحار الأنوار : 44 / 331 ، والعوالم : 17 / 180 ، وينابيع المودة : 405 ... الى قوله : بكت اُمّ سلمة بكاءً شديداً.
(2) الغيبة للطوسي: 118 حديث 148، واثبات الهداة : 5 / 214.
(3) إثبات الهداة : 5 / 216 حديث 8 . 

 الصفحة (127)
الطريق الأعظم، فقال له أهل بيته: لو تنكبت الطريق الأعظم كما فعل ابن الزبير كي لا يلحقك الطلب، فقال: لا والله لا اُفارقه حتى يقضي الله ما هو قاض(1). ولمّا دخل الإمام الحسين(عليه السلام) مكة كان دخوله إيّاها ليلة الجمعة لثلاث مضين من شعبان دخلها وهو يقرأ (ولمّا توجّه تلقاء مدين قال عسى ربّي أن يهديني سواء السبيل)(2).
ثم نزلها فأقبل أهلها يختلفون اليه ومن كان بها من المعتمرين وأهل الآفاق، وابن الزبير بها قد لزم جانب الكعبة وهو قائم يصلّي عندها ويطوف، ويأتي الحسين(عليه السلام) فيمن يأتيه، فيأتيه اليومين المتواليين ويأتيه بين كلّ يومين مرة، وهو أثقل خلق الله على ابن الزبير، قد عرف أنّ أهل الحجاز لا يبايعونه ما دام الحسين(عليه السلام) في البلد وأنّ الحسين(عليه السلام) أطوع في الناس منه وأجلّ(3).
ــــــــــــــــــــــــ 
(1) الفتوح : 5 / 24 ، وينابيع المودّة : 402 الإرشاد للمفيد : 2 / 35.
(2) القصص (28) : 22 .
(3) الإرشاد : 2 / 36، وبحار الأنوار : 44 / 332 .

 الصفحة (128)

 الصفحة (129)
البحث الثالث: أسباب ودوافع الثورة
إنّه من الصعب أن نقف على جميع الأسباب لثورة امتدّت في عمق الزمن، ولا زالت تنبض بالدفق والحيويّة مثيرة في النفوس روح الإباء والتضحية، وتأخذ بيد الثائرين على مرّ الزمن بالاستمرار في طريق الحقّ وبذل النفس والنفيس لبلوغ الأهداف السامية، إنّها الثورة التي أحيتالرسالة الإسلامية بعد أن كادت تضيع وسط أهواء ورغبات الحكّامالفاسدين، وأثارت في الاُمّة الإسلامية الوعي حتّى صارت تطالب بإعادة الحقّ الى أهله وموضعه.
إنّ أفضل ما نستخلص منه أسباب ودوافع الثورة الحسينية هي النصوص المأثورة عن الحسين الثائر(عليه السلام) وكذا آثار الثورة، الى جانبمعرفتنا بشخصيّته(عليه السلام) فها هو الحسين(عليه السلام) يخاطب جيش الحرّ بن يزيد الرياحي الذي تعجّل لمحاصرته ولم يسمح له بتغيير مساره قائلا:
«أيّها الناس، إنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: من رأى منكم سلطاناً جائراً مستحلاًّ لحرم الله ناكثاً لعهدالله مخالفاً لسنّة رسول الله (صلى الله عليه وآله) يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان فلم يغيّر عليه بفعل ولا قول كان حقّاً على الله أنْ يدخله مدخله. ألا وإنّ هؤلاء قد لزموا طاعة الشيطان وتركوا طاعة الرحمن وأظهروا الفساد وعطّلوا الحدود واستأثروا بالفيءوأحلّوا حرام الله وحرّموا حلاله وأنا أحقّ من غَيّر، وقد أتتني كتبكم وقدمت عليّرسلكم ببيعتكم، وإنّكم لا تسلموني ولا تخذلوني، فإن تمّمتم عليّ بيعتكم تصيبوارشدكم، فأنا الحسين بن عليّ وابن فاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله) نفسي مع أنفسكم، وأهلي مع أهليكم، فلكم فيّ أُسوة»(1).
ــــــــــــــــــــــــ 
(1) تأريخ الطبري : 4 / 304 ، والكامل في التأريخ : 3 / 280 . 

 الصفحة (130)
وفي خطاب آخر بعد أن توضّحت نوايا الغدر والخذلان والإصرار على محاربة الإمام(عليه السلام) وطاعة يزيد الفاسق قال(عليه السلام): «فسحقاً لكم يا عبيد الاُمّةوشذّاذ الأحزاب ونَبَذَة الكتاب ونفثة الشيطان وعصبة الآثام ومحرّفي الكتاب ومطفئي السنن وقتلة أولاد الأنبياء ومبيدي عترة الأوصياء وملحقي العهار بالنسب ومؤذي المؤمنين وصُراخ أئمّة المستهزئين الذين جعلوا القرآن عضين، ولبئس ما قدّمت لهم أنفسهم وفي العذاب هم خالدون...».
ثم قال(عليه السلام): «ألا وإنّ الدعيّ ابن الدعيّ قد ركز بين اثنتين بين السلّة والذلّة، وهيهات منّا الذلّة! يأبى الله لنا ذلك ورسوله والمؤمنون، وجدود طابت وحجور طهرت واُنوف حميّة ونفوس أبيّة لا تؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام...»(1).
من هنا يمكن أن نخلص الى أسباب ثورة الإمام الحسين(عليه السلام) كما يلي :
1 ـ فساد الحاكم وانحراف جهاز الحكومة :
لم يعد في مقدور الإمام الحسين(عليه السلام) أن يتوقّف عن الحركة وهو يرى الانحراف الشامل في زعامة الاُمّة الإسلامية، فإذا كانت السقيفة قد زحزحت الخلافة عن صاحبها الشرعي وهو الإمام علىّ(عليه السلام) وتذرّع أتباعها بدعوى حرمة نقض البيعة ولزوم الجماعة وحرمة تفريق كلمة الاُمّة ووجوب إطاعة الإمام المنتخب بزعمهم، فقد كان الإمام علىّ(عليه السلام) يسعى بنحو أو بآخر لإصلاح ما فسد من جرّاء فعل الخليفة غير المعصوم، وقد شهد الإمام الحسين(عليه السلام) جانباً من ذلك بوضوح خلال فترة حكم عثمان.
ولقد كانت بنود الصلح تضع قيوداً على تصرّفات معاوية الذي اتّخذ اُسلوب الخداع والتستّر بالدين سبيلا لتمرير مخطّطاته، أمّا الآن فإنّ الأمر يختلف; إذ بعد موت معاوية لم يبق أيّ علاج إلاّ الصدام المباشر في نظر 
ــــــــــــــــــــــــ 
(1) أعيان الشيعة : 1 / 603 . 
 الصفحة (131)
الإمام المعصوم وصاحب الحقّ الشرعي ـ الحسين(عليه السلام) ـ فلم يعد في الإمكان ولو نظرياً القبول بصلاحيّة يزيد وبني اُميّة للحكم. 
على أنّ نتائج انحراف السقيفة كانت تنذر بالخطر الماحق للدين، فقد قال الإمام(عليه السلام): «أيّها الناس! إنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله) قال: من رأى منكم سلطاناً جائراً مستحلاًّ لحرم الله ناكثاً لعهد الله مخالفاً لسنّة رسول الله(صلى الله عليه وآله) يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان فلم يغيّر عليه بقول ولا بفعل كان حقّاً على الله أن يدخله مدخله».
وقد كان يزيد يتصف بكل ما حذّر منه الرسول (صلى الله عليه وآله) وكان الحسين(عليه السلام) وهو الوريث للنبيّ وحامل مشعل الرسالة ـ أحقّ من غيره بالمواجهة والتغيير.
2 ـ مسؤولية الإمام تجاه الاُمّة :
كان الإمام الحسين(عليه السلام) يمثّل القائد الرسالي الشرعي الذي يجسّد كلّ القيم الخيّرة والأخلاق السامية.
وبحكم مركزه الاجتماعي ـ حيث إنّه هو سبط الرسول(صلى الله عليه وآله) ووريثه ـ فإنّه مسؤول عن هذه الاُمّة، وقد وقف(عليه السلام) في عهد معاوية محاولاً إصلاح الاُمور بطريقة سلمية، فحاجج معاوية وفضح مخطّطاته(1) ونبّه الاُمّة الى مسؤولياتها ودورها(2)، بل خطا خطوةً كبيرة لتحفيز الاُمّة على رفض الظلم(3)، وحاول جمع كلمة الاُمّة في وجه الظالمين(4).
ولمّا استنفد كلّ الإجراءات الممكنة لتغيير الأوضاع الاجتماعية في الاُمّة تحرّك بثقله وأهل بيته للقيام بعمل قويّ في مضمونه ودلالته وأثره 
ــــــــــــــــــــــــ 
(1) الإمامة والسياسة : 1 / 284 .
(2) كتاب سُليم بن قيس : 166 .
(3) شرح نهج البلاغة : 4 / 327 .
(4) أنساب الأشراف : ق 1 / ج 1 ، وتأريخ ابن كثير : 8 / 162 . 

 الصفحة (132)
وعطائه لينهض بالاُمّة لتغيير واقعها الفاسد.
3 ـ الاستجابة لرأي الجماهير الثائرة :
لم يكن بوسع الإمام الحسين(عليه السلام) أن يقف دون أن يقوم بحركة قوية، وقد تكاثرت عليه كتب الرافضين لبيعة يزيد بن معاوية تطلب منه قيادة زمام اُمورها والنهوض بها، وقد حمّلته المسؤولية أمام الله إذا لم يستجب لدعواتهم، وكانت دعوة أهل الكوفة للإمام الحسين(عليه السلام) بمثابة الغطاء السياسي الذي يعطي الصفة الشرعية لحركته، فلم تكن حركته بوازع ذاتي ولا مطمع شخصي، لا سيّما بعد إتمام الحجّة عليه من قبل هؤلاء المسلمين.
4 ـ محاولة إرغامه (عليه السلام) على الذلّ والمساومة :
لقد كان الإمام الحسين(عليه السلام) يحمل روحاً صاغها الله بالمُثل العليا والقيم الرفيعة، ففاضت إباءاً وعزّةً وكرامةً، وفي المقابل تدنّت نفسيّة يزيد الشريرة ونفسيات أزلامه، فأرادوا من الإمام الحسين(عليه السلام) أن يعيش ذليلا في ظلّ حكم فاسد: وقد صرّح(عليه السلام) قائلاً: «ألا وإنّ الدعيّ ابن الدعيّ قد ركز بين اثنتين بين السلّة والذلّة، وهيهات منّا الذلّة! يأبى الله لنا ذلك ورسوله ونفوس أبيّة واُنوف حميّة من أن تؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام».
وفي موقف آخر قال(عليه السلام):«لا أرى الموت إلاّ سعادةً والحياة مع الظالمين إلاّ برماً».
بهذه الصورة الرائعة سنّ الإمام الحسين(عليه السلام) سنّة الإباء لكلّ منيدين بقيم السماء وينتمي إليها ويدافع عنها، وانطلق من هذه القاعدةليغيّر الواقع الفاسد.
5 ـ نوايا الغدر الاُموي والتخطيط لقتل الحسين (عليه السلام) :
استشفّ الإمام الحسين(عليه السلام) ـ وهو الخبير الضليع بكلّ ما كان يمرّ في 

 الصفحة (133)
معترك الساحة السياسية والمتغيّرات الاجتماعية التي كانت تتفاعل في الاُمّة ـ نوايا الغدر والحقد الاُموي على الإسلام وأهل البيت(عليهم السلام) وتجارب السنين الاُولى من الدعوة الاسلامية، ثم ما كان لمعاوية من مواقف مع الإمام علي(عليه السلام) ومن بعده مع الإمام الحسن(عليه السلام).
وأيقن الحسين(عليه السلام) أنّهم لا يكفّون عنه وعن الفتك به حتى لو سالمهم، فقد كان يمثّل بقية النبوّة والشخصية الرسالية التي تدفع الحركة الإسلامية في نهجها الحقيقي وطريقها الصحيح.
ولم يستطع يزيد أن يخفي نزعة الشرّ في نفسه ، فقد روي أنّه صرّح قائلاً في وقاحة:
لستُ من خندف إن لم انتقم      من  بني أحمد ما كان فعلْ
وقد أعلن الإمام الحسين(عليه السلام) أنّ بني اُميّة لا يتركونه بحال من الأحوال فقد صرّح لأخيه محمد بن الحنفية قائلاً : «لو دخلت في جُحْر هامّة من هذه الهوامّ لاستخرجوني حتى يقتلوني».
وقال(عليه السلام) لجعفر بن سليمان الضبعي : «والله لا يدعوني حتى يستخرجوا هذه العلقة ـ يعني قلبه الشريف ـ من جوفي».
فتحرّك الإمام(عليه السلام) من مكة مبكّراً ليقوم بالثورة قبل أن تتمكّن يد الغدر من قتله وتصفيته، وهو بعد لم يتمكّن من أداء دوره المفروض له في الاُمّة آنذاك، وسعى لتفويت أيّة فرصة يمكن أن يستغلّها الاُمويون للغدر به، والظهور بمظهر المدافع عن أهل بيت النبوّة.
6 ـ انتشار الظلم وفقدان الأمن :
قام الحكم الاُموي على أساس الظلم والقهر والعدوان، فمنذ أن برز معاوية وزمرته كقوّة في العالم الإسلامي برز وهو باغ على خليفة المسلمين 

 الصفحة (134)
وإمام الاُمّة بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله) ، وأسرف في ممارساته الظالمة التي جلبت الويل للاُمّة، فقد سفك الدماء الكثيرة، واستعمل شرار الخلق لإدارة الاُمور يوم تفرّد بالحكم، بل وقبل أن يتسلّط على الاُمّة كانت كلّ العناصر الموالية له تشيع الخوف والقتل حتى قال الناس فيولاية زياد بن أبيه: «انج سعد، فقد هلك سعيد» للتدليل على ضياع الأمن في جميع أنحاء البلاد(1).
ومن جانب آخر أمعنت السلطة الاُموية في احتقار فئات و قطاعات كبيرة من الاُمّة بنظرة استعلائية قبلية(2)، كما مارس معاوية في سياسته التي ورثها يزيد أنواع الفتك والتعذيب والتهجير للمسلمين وبالأخص من عرف منه ولاء أهل البيت(عليهم السلام)(3).
وبكلّ جرأة على الحقّ واستهتار بالقيم يقول معاوية للإمام الحسين(عليه السلام): يا أبا عبدالله، علمت أنّا قتلنا شيعة أبيك فحنّطناهم وكفّناهم وصلّينا عليهم ودفنّاهم(4). أمام هذه المظالم لم يقف الإمام الحسين(عليه السلام) مكتوف اليد، فقد احتجّ على معاوية ثم ثار على ولده يزيد، إذ لم ينفع النصح والاحتجاج لينقذ الاُمّة من الجور الهائل.
7 ـ تشويه القيم الإسلامية ومحو ذكر أهل البيت (عليهم السلام) :
اجتهد الحكم الاُموي أن يغيّر الصورة الصحيحة للرسالة الإسلامية والتركيب الاجتماعي للمجتمع المسلم، فقد عمد الاُمويّون إلى إشاعة الفرقة بين المسلمين والتمييز بين العرب و غيرهم وبثّ روح التناحر القبلي، 
ــــــــــــــــــــــــ 
(1) تأريخ الطبري : 6 / 77 ، وتأريخ ابن عساكر : 3 / 222 ، والاستيعاب : 1 / 60 ، وتأريخ ابن كثير : 7 / 319 .
(2) العقد الفريد : 2 / 258 ، وطبقات ابن سعد : 6 / 175 ، ونهاية الإرب : 6 / 86 .
(3) شرح النهج : 11 / 44 ، وتأريخ الطبري : 4 / 198 .
(4) تأريخ اليعقوبي : 2 / 206 .

 الصفحة (135)
والعمل على تقريب قبيلة دون اُخرى من البلاط وفق المصالح الاُمويّة في الحكم.
وكان للمال دور مهمّ في إشاعة الروح الانتهازية والازدواج في الشخصيّة والإقبال على اللهو(1).
ولمّا كان لأهل البيت(عليهم السلام) الأثر الكبير في تجذير العقيدة الإسلامية ورعاية هموم الرسالة الإسلامية; فقد عمد الاُمويون ومنذ تفرّد معاوية بالحكم باُسلوب مبرمج إلى محو ذكر أهل البيت(عليهم السلام) وقد تكاملت هذه الخطوة في أواخر حكم معاوية ومحاولة استخلافه ليزيد(2).
8 ـ الاستجابة لأمر الله و رسوله (صلى الله عليه وآله) :
إنّ عقيدة سامية ورسالة خاتمة لكل الرسالات كرسالة الإسلام لا يمكن أن يتركها قائدها الكبير ومبلّغها العظيم(صلى الله عليه وآله) وهو النبيّ المعصوم والمسدّد من السماء دون تخطيط وعناية ودون قيّم يرعى شؤونها وأحوالها، يخلص لها في قوله وعمله، ويوجّهها نحو هدفهاالمنشود مستعيناً بدرايته وبعلمه الشامل بأحكامها، ويفتديها بكلّ غال ونفيس من أجل أن تحيى و تبقى كلمة الله هي العليا. والمتتبّع لسيرة الرسول وأهل بيته ـ صلوات الله عليهم ـ يلمس بوضوح ترابط الأدوار التي قام بها المعصومون من آل النبىّ وتكاملها، وهم مستسلمون لأمر الله ورسوله غاية التسليم.
وقد أدلى الإمام الحسين(عليه السلام) بذلك حينما أشار المشفقون عليه بعدم الخروج إلى العراق، فقال(عليه السلام): «أمرني رسول الله بأمر وأنا ماض له»(3).
ــــــــــــــــــــــــ 
(1) تأريخ الطبري : 8 / 288 ، والأغاني : 4 / 120 .
(2) نهج البلاغة : 3 / 595 و 4 / 61 و و 11 / 44 .
(3) البداية والنهاية : 8 / 176 ، وتأريخ ابن عساكر : ترجمة الإمام الحسين (عليه السلام)، ومقتل الحسين للخوارزمي : 1 / 218 ، والفتوح : 5 / 74 . 

 الصفحة (136)
كما أنّ النبىّ(صلى الله عليه وآله) كان قد أخبر بمقتل الإمام الحسين(عليه السلام)بأيدي الظلمة الفاسقين حين ولادته حتى بات ذلك من الاُمور المتيقّنةلدى المسلمين(1).
أهداف منظورة في ثورة الإمام الحسين (عليه السلام) :
إنّ أهداف الرجال العظام هي عظيمة في التأريخ، وتزداد رفعةً وسموّاً حين تنبعث من عمق رسالة سامية. ونحن حين نقف أمام الحسين(عليه السلام) الذي يمثّل أعظم رجل في عصره وهو يحمل ميراث النبوّة وثقل الرسالة الخاتمة الخالدة مسدّداً بالتسديد الإلهي في القول والفعل، وأمام سيرته لنبحث عن أهداف نهضته المقدسة ـ التي فداها بنفسه وبأهل بيته وخيرة أصحابه ـ لا نجد من السهل لنا أن نحيط علماً بكلّ ذلك، لكنّنا نبحث بمقدار إدراكنا ووعينا للحدث وفق ما تتحمّله عقولنا طبعاً.
لقد تفانى الحسين(عليه السلام) في الله ومن أجل دينه، فكانت أهدافه ـ التي تمثّل رضى الله وطاعته ـ سامية جليلة، كما أنّها كانت واسعة وعديدة. ويمكننا أن نذكر بعض أهداف الإمام الحسين(عليه السلام) من ثورته كمايلي(2) :
1 ـ تجسيد الموقف الشرعي تجاه الحاكم الظالم :
لقد أصابت الاُمّة حالة من الركود حتى أنّها لم تعد تتحرّك لاتّخاذ موقف عملي واقعي تجاه الحاكم الظالم، فالجميع يعرف من هو يزيد وبماذا يتّصف من رذائل الأخلاق ممّا تجعله غير لائق أبداً بأن يتزعّم الاُمّة الإسلامية.
ــــــــــــــــــــــــ 
(1) مستدرك الحاكم : 4 / 398 و 3 / 176 ، وكنز العمال : 7 / 106 ، ومجمع الزوائد : 9 / 187 ، وذخائر العقبى : 148 ، وسير أعلام النبلاء : 3 / 15.
(2) للمزيد من التفصيل راجع: أضواء على ثورة الحسين(عليه السلام) للسيّد محمد الصدر : 57 . 

 الصفحة (137)
في مثل هذا الظرف وقف الكثيرون حيارى يتردّدون في قرارهم، فتحرّك الإمام الحسين(عليه السلام) ليجسّد الموقف الرسالي الرافض للظلم و الفساد، في حركة قوية واضحة مقرونة بالتضحية والفداء، من أجل العقيدة الإسلامية، لتتّخذ الاُمّة الموقف ذاته تجاه الظلم والعدوان.
2 ـ فضح بني اُميّة وكشف حقيقتهم :
إنّ الحكّام الذين تولّوا اُمور المسلمين ولم يكونوا معصومين ولا شرعيين كانوا يغطّون تصرّفاتهم بغطاء ذي مسحة شرعية عند الجماهير. وكان بنو اُميّة من أكثر الحكام المستفيدين من هذا الاُسلوب الماكر; إذ لم يتردّد معاوية في وضع الأحاديث المفتعلة لتدعيم حكمه، بل سعى بكلّ وسيلة لتضليل الاُمّة، وتمكّن من فعل ذلك مع عامة الناس.
وأصبح الأمر أكثر خطورة حين تولّى يزيد ولاية الحكم بطريقة لم يقرّها الإسلام، ولهذا كان لابدّ من فضح التيار الاُموي وتصويره على حقيقته، لتتّضح الصورة للعالم الإسلامي فيعي دوره ورسالته ويقوم بواجبه ووظيفته، فتحرّك الحسين(عليه السلام) بصفته الإمام المعصوم ليواجه زيف الحكم وضلالته. وفعلا أسفر التيار الاُموي عن مكنون حقده بارتكابه الجريمة البشعة في كربلاء بقتل خير الناس وأصحابه وأهل بيته من الرجال والنساء والأطفال، ثم أعقب ذلك بقصف الكعبة بالمنجنيق في واقعة الحرة وإباحة المدينة ثلاثة أيام قتلا ونهباً وسلباً واعتداءً على الأموال والنساء والأطفال بشكل بشع لم يسبق له مثيل(1).
وانتبه المسلمون الى انحراف الفئة الحاكمة الضالّة والى فسادأعمالها، وسعوا من خلال محاولات عديدة الى تطهير الجهاز الحاكم
ــــــــــــــــــــــــ 
(1) راجع : الفتوح لابن أعثم : 5 / 301 ، والإمامة والسياسة للدينوري : 2 / 19 ، مروج الذهب : 2 / 84 . 

 الصفحة (138)
المتوغّل في الظلم والطغيان، حتى غدت ثورة الإمام الحسين(عليه السلام) اُنموذجاً يحتذى به لمقارعة ومقاومة كلّ نظام يستشري فيه الفساد ، وقدأفصح الإمام(عليه السلام) عن الصفات التي يجب أن يتحلّى بها الحاكم بقوله :«فلعمري ما الإمام إلاّ العامل بالكتاب، والآخذ بالقسط، والدائن بالحقّ، والحابس نفسه على ذات الله»(1) .
3 ـ إحياء السنّة وإماتة البدعة :
انحدرت الاُمّة الإسلامية في منحدر صعب يوم انحرفت الخلافة عن مسارها الشرعي في يوم السقيفة، فإنّها قبلت بعد وفاة الرسول(صلى الله عليه وآله) أن يتولّى أمرها من يحتاج الى المشورة والنصيحة ويخطئ في حقّها ويعتذر، فكانت النتيجة بعد خمسين عاماً من غياب النبىّ(صلى الله عليه وآله) أن يتولّى أمرها رجل لا يتورّع عن محارم الله، بل ويظهر الحقد على الإسلام والمسلمين، فتعرّض الإسلام ـ عقيدةً وكياناً واُمّةً ـ للخطر الحقيقي والتشويه المقيت المغيّر لكلّ شيء، على غرار ما حدث لبعض الرسالات السماوية السابقة.
في مثل هذا المنعطف الخطير وقف الإمام الحسين(عليه السلام) ومعه أهل بيته وأصحابه، وأطلق صرخة قويّة ومدوّية محذّراً الاُمّة، مفتدياً العقيدة والاُمّة بدمه الطاهر الزكي، ومن قبل قال فيه جدّه رسول الله(صلى الله عليه وآله): «إنّ الحسين مصباح الهدى وسفينة النجاة». كما قال غير مرّة: «حسين منّي و أنا من حسين». فكان الحسين(عليه السلام) ونهضته التجسيد الحقيقي للإسلام الحقّ، فقد كان الخط الحقيقي للإسلام المحمدي متمثلاً في الحسين(عليه السلام) وأهل بيته وأصحابه رضوان الله تعالى عليهم.
وقد صرّح الإمام الحسين(عليه السلام) في رسالته التي بعثها الى أهل
ــــــــــــــــــــــــ 
(1) تأريخ الطبري : 6 / 197 .

 الصفحة (139)
البصرة بكل وضوح الى أنّ السنّة قد ماتت حين وصل الانحراف الىحدّ ظهور البدع وإجبائها.
4 ـ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر :
لقد كان غياب فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر نتيجة طبيعية لتولّي الزعامة المنحرفة، وقد حدث هذا تحت عناوين متعدّدة منها: لزوم إطاعة الوالي وحرمة نقض بيعة تمّت حتى لو كانت منحرفة، وكذلك حرمة شقّ وحدة الكلمة، وقد وصف الإمام(عليه السلام) هذه الحالة بقوله: «ألا ترون أنّ الحقّ لا يُعمل به وأنّ الباطل لا يُتناهى عنه؟! ليرغب المؤمن في لقاء الله»(1). لذا تطلّب الأمر أن يبرز ابن النبىّ(صلى الله عليه وآله) للجهاد وهو يحمل السيف في محاولة لإعادة الحقّ الى نصابه من خلال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقد أدلى (عليه السلام) بذلك في وصيّته لأخيه محمد بن الحنفية حين كتب له : «إنّي لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا ظالماً ولا مفسداً، وإنّما خرجت لطلب الإصلاح في اُمّة جدّي اُريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر».
إنّ الإصلاح المقصود هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في كلّ جوانب الدين والحياة، وقد تحقّق ذلك من خلال النهضة العظيمة التيقام(عليه السلام) بها فكانت الهداية و الرعاية للبشر دينياً ومعنوياً وإنسانياً واُخروياً بمقتله وشهادته، وتلك النهضة التي عليها تربّت أجيال من الاُمّة، وتخرّجت من مدرستها الأبطال والصناديد، ولا زالت وستبقى المشعل الوضّاء ينير درب الحقّ والعدل والحرية وطاعة الله إلى يوم القيامة.
5 ـ إيقاظ الضمائر وتحريك العواطف :
ــــــــــــــــــــــــ 
(1) تاريخ الطبري : 5/403.

 الصفحة (140)
في أحيان كثيرة لا يستطيع أصحاب العقائد ودعاة الرسالات أن يحاوروا العقل والذهن مجرّداً معزولا عن عنصر العاطفة لأجل تعميق المعتقد والفكر لدى الجماهير، وقد ابتليت الاُمّة الإسلامية في عهد الإمام الحسين(عليه السلام) وبعد تسلّط يزيد بحالة من الجمود والقسوة وعدم التحسّس للأخطار التي تحيط بها وبفقدان الإرادة في مواجهة التحديات ضدّ العقيدة الإسلامية، لهذا لم يكتف الإمام الحسين(عليه السلام) بتثبيت الموقف الشرعي وتوضيحه عملياً من خلال موقفه الجهادي بل سعى إلى إيقاظ ضمائر الناس وتحريك وجدانهم وأحاسيسهم ليقوموا بالمسؤولية، فسلك سبيل البذل والعطاء والتضحية من أجل العقيدة والدين، واتّخذ اُسلوب الاستشهاد الذي يدخل بعمق وحرارة في قلوب الجماهير، وقد ضرب لنا مثلا رائعاً حينما برّزت ثورته أنّ التضحية لم تكن مقصورة على فئة أو مستوىً معيّن من الاُمّة، فللطفل كما للمرأة والشيخ دور فاعل فضلاً عن الشباب.
وما أسرع ما بان الأثر على أهل الكوفة إذ أظهروا الندم والإحساس بالتقصير تجاه الإمام والإسلام، فكانت ثورة التوّابين التي أعقبت ثورة أهل المدينة التي وقعت في السنة الثانية من بعد واقعة الطفّ.
لقد كانت واقعة الطفّ تأكيداً حقيقياً على أنّ المصاعب والمتاعب لا تمنع من قول الحقّ والعمل على صيانة الرسالة الإسلامية، كما أنّها زرعت روح التضحية في سبيل الله في نفوس أبناء الاُمّة الإسلامية، وحرّرت إرادتها ودفعتها إلى التصدّي للظلم والظالمين، ولم تُبقِ عذراً للتهرّب من مسؤولية الجهاد والدفاع عن العقيدة والمقاومة لإعلاء كلمة الله.
لماذا لم ينهض الإمام الحسين بالثورة في حكم معاوية ؟
إن الأحداث السياسية التي عصفت بالاُمّة الإسلامية بعد وفاة 
 الصفحة (141)
الرسول (صلى الله عليه وآله) كانت ثقيلة الوطأة عليها، وبلغت غاية الشدّة أيام تسلّط معاوية على الشام ومحاربة الإمام علىّ(عليه السلام) وبالتالي اضطرار الإمام الحسن(عليه السلام) لإبرام صلح معه; لأسباب موضوعية كانت تكتنف الاُمّة. ولكننا نلحظ أنّ الإمام الحسين(عليه السلام) لم يغيّر من موقفه المتطابق مع موقف الإمام الحسن(عليه السلام) تجاه معاوية حتى بعد استشهاد الإمام الحسن(عليه السلام)، فلم يعلن ثورته، وما كان ذلك إلاّ لبقاء نفس الأسباب التي دفعت بالإمام الحسن(عليه السلام) الى قبول الصلح فمن ذلك :
1 ـ حالة الاُمّة الإسلامية :
كان الوضع النفسي والاجتماعي للاُمّة الإسلامية متأزّماً، إذ كانت تتطلع الى حالة السلم بعد أن أرهقها معاوية والمنافقون بحروب دامت طوال حكمالإمام علىّ(عليه السلام)، فكان رأي الإمام الحسن(عليه السلام) هو أن يربّي جيلا جديداً وينهض بعد حين، فقد قال(عليه السلام) :
«إنّي رأيت هوى عظم الناس في الصلح وكرهوا الحرب، فلم اُحبّ أن أحملهم على ما يكرهون، فصالحت بقياً على شيعتنا خاصة من القتل، ورأيت دفع هذه الحرب إلى يوم ما، فإنّ الله كلّ يوم هو في شأن»(1).
وهو نفسه موقف الإمام الحسين(عليه السلام) بسبب ما كان يعيه ويدركه من واقع الاُمّة، فكان قوله لمن فاوضه في الثورة إذ قعد الإمام الحسن(عليه السلام) عنها :
«صدق أبو محمد، فليكن كلّ رجل منكم حلساً من أحلاس بيته ما دام هذا الإنسان حيّاً».
وبقي هذا موقفه نفسه بعد استشهاد الإمام الحسن(عليه السلام) لبقاء نفس 
ــــــــــــــــــــــــ 
(1) الأخبار الطوال : 221 .

 الصفحة (142)
الأسباب، فقد كتب (عليه السلام) يردّ على أهل العراق حين دعوه للثورة :
«أمّا أخي فأرجو أن يكون الله قد وفّقه وسدّده فيما يأتي، وأمّا أنا فليس رأيياليوم ذلك، فالصقوا رحمكم الله بالأرض، واكمنوا في البيوت، واحترسوا من الظنّةما دام معاوية حيّاً»(1).
2 ـ شخصيّة معاوية وسلوكه المتلوّن :
لقد كانت زعامة الاُمّة الإسلامية بعد وفاة الرسول(صلى الله عليه وآله) بأيديمسؤولين غير كفوئين لفترة طويلة. ومراجعة بسيطة لأحداث ووقائع تلك الفترة توضّح ذلك. ولكنّ معاوية كان أشدّ مكراً ومراوغةً ودهاءً ، إذ كان يتلاعب ببراعة سياسية، ويتوسّل بكلّ وسيلة من أجل أن يبقى زمام السلطة بيده متّخذاً من التظاهر بالدين ستراً يغطّي جرائمه الأخلاقية واللا إنسانية والتي منها فتكه بخيار المسلمين، ومخادعة عوام الناس في مجاراته لعواطفهم ومعتقداتهم، وهو يحمل حقداً لا ينقطع على الإسلام والرسول(صلى الله عليه وآله)(2).
وقد تمكّن معاوية من القضاء على المعارضين له من دون اللجوء إلى القتال والحرب، فهو الذي اغتال الإمام الحسن(عليه السلام) وسعد بن أبي وقّاص(3)وقضى على عبدالرحمن بن خالد(4) ومن قبله على مالك الأشتر، وقد أوجز اُسلوبه هذا في كلمته المشهورة: «إنّ لله جنوداً منها العسل»(5).
كما أنّ معاوية كان يضع كلّ من يلمس منه أيّة معارضة أو تحرّك تحت مجهر المراقبة والإرصاد، فترفع إليه التقارير عن كلّ ما يحدث فيستعجل في 
ــــــــــــــــــــــــ 
(1) المصدر السابق : 222 .
(2) شرح النهج لابن أبي الحديد : 2 / 357 .
(3) مقاتل الطالبيين : 29 ، ومختصر تأريخ العرب : 62 .
(4) التمدن الإسلامي، لجرجي زيدان : 4 / 71 .
(5) عيون الأخبار : 1 / 201 .

 الصفحة (143)
القضاء عليه.
في مثل هذا الاُسلوب ـ أي التصرّف تحت ستار الإسلام ـ لو قام الإمام الحسين(عليه السلام) بحركة واسعة ونشاط سياسي بعد وفاة الإمام الحسن(عليه السلام) مباشرةً; لما كان قادراً على فضح معاوية وإقناع كلّ الجماهير بشرعيّة ثورته ، ولكان معاوية متمكّناً من القضاء عليه من دون ضجيج، وعندها كانت الثورة تموت في مهدها وتضيع جهود كبيرة، كان من شأنها أن تبني في الاُمّة تيّاراً واعياً، ويختنق الصوت الذي كان في مقدوره أن يبقى مدوّياً في تأريخ الإنسانيّة كما حصل في واقعة الطفّ. وما كان الإمام الحسين(عليه السلام) ليتمكّن من توضيح كلّ أهدافه وغاياته من الثورة(1) المتمثّلة في إنقاذ الاُمّة من الظلم وصيانة الرسالة الإسلامية من التحريف لو كان يسرع بثورته في أيام معاوية.
وأمّا حينما اعتلى يزيد عرش الخلافة وهو من قد عرفه الناس باللهو والفسق والشغف بالقرود وشرب الخمور، وعدم صلاحيته للخلافة لتجاوزه وعدوانه على كل المقاييس الشرعيّة والعرفيّة لدى المسلمين. فالثورة عليه تعدّ ثورة مشروعة عند عامّة المسلمين، كما أثبت التأريخ ذلك بكلّ وضوح .
3 ـ احترام صلح الإمام الحسن (عليه السلام) :
لقد كان العهد والميثاق الذي تم بين معاوية وبين الإمام الحسن(عليه السلام) ورقة رابحة يلوّحها معاوية لكلّ تحرّك فعّال مضاد تجاه تربّعه على مسند السلطة، صحيح أنّه عهد غير حقيقي وما كان برضا الإمامين(عليهما السلام) وتم في ظروف كان لابد من تغييرها، لكنّ المجتمع لم يكن يتقبّل نهضة الإمام الحسين(عليه السلام) مع وجود هذا العهد، وحتى لو كان هذا العهد صحيحاً فإنّ معاوية نقضه بممارسته العدائية بملاحقة رجال الشيعة، ولم يرعَ أيَّ حقّ في 
ــــــــــــــــــــــــ 
(1) للتفصيل راجع : ثورة الحسين، ظروفها الاجتماعية وآثارها النفسية : 122. 

 الصفحة (144)
سياسته الاقتصادية .
وقد سارع معاوية لاستغلال هذا العهد في التشهير بالإمام الحسين(عليه السلام) وإظهاره بموقف الناقض للعهد، فقد كتب إلى الإمام(عليه السلام) :
أمّا بعد، فقد انتهت إلىّ اُمور عنك، إن كانت حقاً فإنّي أرغب بك عنها. ولعمر الله إنّ من أعطى عهد الله وميثاقه لجدير بالوفاء، وإنّ أحقّ الناسبالوفاء من كان مثلك في خطرك وشرفك ومنزلتك التي أنزلك الله بها، ونفسك فاذكر، وبعهد الله أوفِ، فإنّك متى تنكرني أنكرك، ومتى تكدني أكدك، فاتّق شقّ عصا هذه الاُمّة(1).
من هنا لجأ الإمام الحسن(عليه السلام) ومن بعده الحسين(عليه السلام) إلى اُسلوب آخر لنشر الدعوة والتهيّؤ للثورة التي غذّاها معاوية بظلمه وجوره وبُعده عن تمثيل الحكم الإسلامي الصحيح، حتى إذا مات معاوية كان كثير من الناس وعامّة أهل العراق ـ بشكل خاص ـ يرون بغض بني اُميّة وحبّ أهل البيت لأنفسهم ديناً(2).
المواقف من ثورة الحسين (عليه السلام) قبل انطلاقها :
لم تكن نهضة الإمام الحسين(عليه السلام) وثورته حركةً آنيةً أو ردّة فعل مفاجئة; بل كان الحسين(عليه السلام) في الاُمّة يمثّل بقية النبوّة وكان وريث الرسالة وحامل راية القيم السامية التي أوجدها الإسلام في الاُمّة وأرسى قواعدها، كما أنّ العهد قريب برحيل النبىّ(صلى الله عليه وآله) الذي كان يكثر الثناء والتوضيح لمقام الإمام الحسين (عليه السلام). وفي الوقت نفسه كانت قد ظهرت مقاصد الاُمويّين 
ــــــــــــــــــــــــ 
(1) الإمامة والسياسة : 1 / 188 ، والأخبار الطوال : 224 ، وأعيان الشيعة : 1 / 582 .
(2) الفتنة الكبرى ـ علي وبنوه، طـه حسين : 290 ، وللمزيد من التفصيل راجع : ثورة الحسين(عليه السلام)، ظروفها الاجتماعية وآثارها النفسية : 127 

 الصفحة (145)
الفاسدة تجاه رسالة النبي (صلى الله عليه وآله) الإسلامية واُمّته المؤمنة برسالته .
وقد وقف أهل البيت(عليهم السلام) بصلابة يدافعون عن الحقّ والعدل وإحياء الرسالة الإسلامية، والمحافظة عليها بكلّ وسيلة ممكنة ومشروعة.
وفي عصر الإمام الحسين(عليه السلام) كان لتراخي وفتور الاُمّة عن نصرة الحقّ الى جانب تسلّط المنافقين ونفوذهم في أجهزة الدولة دور كبير لإيجاد حالة مَرَضيّة يمكن تسميتها بفقدان الإرادة وموت الضمير، ومن ثمّ تباينت المواقف تجاه اُسلوب الدفاع عن العقيدة الإسلامية وصيانتها وسيادة الحقّ والعدل.
ولكن لم يشكّ أحد في مشروعية وعدالة موقف الإمام الحسين(عليه السلام) تجاه الانحراف المستشري في كلّ مفاصل الدولة، وتجاه التغيير الحاصل في بنية الاُمّة الإسلامية، إلاّ أنّ موقف الاستعداد الكامل للنصرة باتخّاذ قرار ثوريّ يزيح عن الاُمّة الظلم والفساد لم يكن يتكامل بعد لدى الجميع.
وقد كانت هذه المواقف تتراوح بين التأييد مع إعلان الاستعداد للثورة مهما كانت النتائج ، وبين الحذر من الفشل وعدم نجاح الثورة ، وبين التثبيط وفتّ العزائم .
وتبنّى شيعة أهل البيت (عليهم السلام) الذين اكتووا بجحيم البيت الأموي المتحكّم في رقاب المسلمين موقف التأييد وإعلان الاستعداد ، وإن غلب الخوف على بعضهم فيما بعد، واُودع البعض الآخر السجن أو حوصر من قبل قوّات السلطة الاُمويّة .
كما تبنّى آخرون من أقرباء الإمام (عليه السلام) ـ مثل عبدالله بن عباس ومحمّد ابن الحنفيّة ـ موقف الحذر، ورجّحوا للإمام الحسين(عليه السلام) الهجرة إلى اليمن ; نظراً لبُعد اليمن عن العاصمة، ولتوفّر جمع من شيعته وشيعة أبيه 

 الصفحة (146)
فيها(1).
وتبنّى آخرون موقف التثبيط وفتّ العزائم والتخويف من مغبّة الثورة على الحاكم، فنصحوا الإمام (عليه السلام) بالدخول فيما دخل فيه الناس ، والصبر على الظلم ، كما تمثّل ذلك في نصيحة عبدالله بن عمر للإمام الحسين (عليه السلام)(2).
ــــــــــــــــــــــــ 
(1) مقتل الحسين ( الخوارزمي ) : 1 / 187 و 216 ، ومروج الذهب : 3 / 64 .
(2) مقتل الحسين ( الخوارزمي ) : 1 / 191 . 

 الصفحة (147)
البحث الرابع: توجّه الإمام (عليه السلام) الى مكّة
خرج الإمام الحسين(عليه السلام) من المدينة متوجّهاً الى مكة بأهله وإخوته وبني عمومته و بعض الخواصّ من شيعته، ولم يبقَ إلاّ أخوه محمد بن الحنفية، وأفادت بعض المصادر التأريخية بأنّ الإمام(عليه السلام) أقام في بيت العباس بن عبدالمطلب(1)، فيما تحدّثت مصادر اُخرى عن إقامته(عليه السلام) في شِعْب عليّ(2)، وأقام الإمام(عليه السلام) في مكة أربعة أشهر وأياماً من ذي الحجّة، كان فيها مهوى القلوب، فالتفّ حوله المسلمون يأخذون عنه الأحكام ويتعلّمون منه الحلال و الحرام، ولم يتعرّض له أمير مكة يحيى بن حكيم بسوء، وحيث ترك الإمام(عليه السلام) وشأنَه فقد عزله يزيد بن معاوية عنها، واستعمل عليها عمرو بن سعيد بن العاص. وفي شهر رمضان من تلك السنة (60 هـ ) ضمّ إليه المدينة، وعزل عنها الوليد بن عتبة، لأنّه كان معتدلا في موقفه من الإمام(عليه السلام) ولم يستجب لطلب مروان(3).
رسائل أهل الكوفة إلى الإمام (عليه السلام) :
وقد عرف الناس في مختلف الأقطار امتناع الإمام الحسين(عليه السلام) عن البيعة، فاتّجهت إليه الأنظار و بخاصّة أهل الكوفة، فقد كانوا يومذاك من أشدّ الناس نقمةً على يزيد و أكثرِهم ميلا إلى الإمام(عليه السلام) فاجتمعوا في دار سليمان ابن صرد الخزاعي فقام فيهم خطيباً فقال: «إنَّ معاوية قد هلك، وإنّ حسيناً قد تقبّض على القوم ببيعته، وقد خرج إلى مكة، وأنتم شيعته وشيعة أبيه، فإن كنتم تعلمون أنّكم ناصروه ومجاهدو عدوّه، فاكتبوا إليه وأعلموه، وإنْ خفتم 
ــــــــــــــــــــــــ 
(1) تأريخ ابن عساكر : 13 / 68 .
(2) الأخبار الطوال : 209 .
(3) سيرة الأئمّة الاثني عشر: 2 / 58 .

 الصفحة (148)
الفشل والوهن فلا تغرّوا الرجل في نفسه، قالوا: لا ، بل نقاتل عدوّه و نقتل أنفسنا دونه. قال: فاكتبوا إليه ، فكتبوا إليه:
«للحسين بن عليّ (عليهما السلام) من سليمان بن صرد والمسيّب بن نَجَبَة ورفاعة بن شدّاد البجلي وحبيب بن مظاهر وشيعته من المؤمنين والمسلمين من أهل الكوفة.
سلام عليك، فإنّا نحمد اليك الله الذي لا إله إلاّ هو.
أمَّا بعد ، فالحمد لله الذي قصم عدوّك الجبّار العنيد، الذي انتزى على هذه الاُمّة فابتزّها أمرها، وغصبها فيئها، و تأمّر عليها بغير رضىً منها، ثم قتل خيارها واستبقى شرارها، وجعل مال الله دُوْلةً بين جبابرتها وأغنيائها، فبعداً له كما بعدت ثمود، إنّه ليس علينا إمام غيرك، فأقبل لعلّ الله أن يجمعنا بك على الحقّ، وانّ النعمان بن بشير في قصر الإمارة، وانّنا لم نجتمع معه في جمعة ولا نخرج معه الى عيد، ولو قد بلغنا أنّك قد أقبلت إلينا أخرجناه حتى نلحقه بالشام إن شاء الله تعالى» .
ثم سرّحوا بالكتاب مع عبدالله بن مِسْمَع الهَمْداني و عبدالله بن وال وأمروهما بالنجاء(1)، فخرجا مسرعين حتى قدما على الحسين(عليه السلام) بمكة لعشر مضين من شهر رمضان، ولبث أهل الكوفة يومين بعد تسريحهم بالكتاب، وأنفذوا قيس بن مُسْهِر الصيداوي وعبدالله وعبدالرحمن ابنيشداد الأرحبي وعمارة بن عبد السَلولي إلى الحسين(عليه السلام) ومعهم نحو منمائة وخمسين صحيفةً من الرجل والاثنين والأربعة، ثم لبثوا يومين
ــــــــــــــــــــــــ 
(1) النجاء : السرعة . 

 الصفحة (149)
آخرين وسرّحوا إليه هاني بن هاني السبيعي وسعيد بن عبدالله الحنفي،وكتبوا إليه:
«للحسين بن علىّ (عليهما السلام) من شيعته من المؤمنين والمسلمين.
أمَّا بعد ، فإنّ الناس ينتظرونك، لا رأي لهم غيرك، فالعجل العجل، ثم العجل العجل، والسلام».
ثم كتب شبث بن ربعي وحجّار بن أبجر ويزيد بن الحارث بن رُوَيْم وعروة بن قيس وعمرو بن الحجّاج الزبيدي ومحمد بن عمير التميمي :
«أمَّا بعد ، فقد اخضرّ الجَناب وأينعت الثمار، فإذا شئت فاقدم على جند لك مجنّدة، والسلام»(1).
جواب الإمام (عليه السلام) على رسائل الكوفيّين :
تتابعت كتب الكوفيّين كالسيل إلى الإمام الحسين(عليه السلام) وهي تدعوه الى المسير والقدوم إليهم لإنقاذهم من ظلم الاُمويّين وبطشهم، وكانت بعض تلك الرسائل تُحَمِّلُه المسؤولية أمام الله والاُمّة إن تأخّر عن إجابتهم، ورأى الإمام ـ قبل كلّ شيء ـ أنْ يختار للقياهم سفيراً له يُعَرّفُه باتّجاهاتهم وصدق نيّاتهم، وقد اختار ثقته و كبير أهل بيته مسلم بن عقيل، وهو من أمهر الساسة وأكثرهم قدرةً على مواجهة الظروف الصعبة والصمود أمام الأحداث الجسام، وزوّده برسالة رويت بصور متعدّدة، من بينها النصّ الذي رواه صاحب الإرشاد، وهي كما يلي:
ــــــــــــــــــــــــ 
(1) الإرشاد : 2 / 38 ، وروضة الواعظين : 171 ، وتذكرة الخواص : 213 ، وتأريخ الطبري : 4 / 262، والفتوح لابن أعثم : 5 / 33 ، ومقتل الحسين للخوارزمي : 1 / 195 

 الصفحة (150)
«من الحسين بن عليّ إلى الملأ من المؤمنين والمسلمين :
أمّا بعد ، فإنّ هانئاً و سعيداً قَدِما عليّ بكتبكم، وكانا آخر من قَدِمَ عليّ من رسلكم، وقد فهمتُ كلّ الذي اقتصصتم وذكرتم، ومقالة جُلّكم: أنّه ليس علينا إمام، فأقبلْ لعلّ الله أن يجمعنا بك على الحقّ والهدى، وإنّي باعث إليكم أخي وابنَ عمّي وثقتي من أهل بيتي مسلم بن عقيل، فإنْ كتب إليّ أنّه قد اجتمع رأيُ ملئكم وذوي الحجى والفضل منكم على مثل ما قدمتْ به رسلُكم، وقرأتُ في كتبكم فإنّي أقدمُ إليكم وشيكاً إن شاء الله،فلعمري ما الإمام إلاّ الحاكم بالكتاب القائم بالقسط الدائن بدين الحقّ الحابسُ نَفسهعلى ذات الله، والسلام»(1).
تحرّك مسلم بن عقيل نحو الكوفة :
لقد أكّد المؤرّخون أنّ الإمام الحسين(عليه السلام) أرسل مسلم بن عقيل مع قيس بن مسهر الصيداوي وعمارة بن عبدالله السلولي وعبدالله وعبد الرحمن ابني شدّاد الأرحبي إلى الكوفة، بعد أنْ أمره «بالتقوى وكتمانِ أمرِه واللطف بالناس، فإنْ رأى الناس مجتمعين مستوسقين عجّلَ إليه بذلك»(2).
وفي النصف من شهر رمضان انطلق مسلم من مكة نحو الكوفة، فعرّج على المدينة فصلّى في مسجد رسول الله(صلى الله عليه وآله) وودّع مَنْ أحَبَّ من أهله وواصل مسيره الى الكوفة.
وتعدّدت أقوال المؤرّخين بشأن المكان الذي نزل فيه مسلم بن عقيل 
ــــــــــــــــــــــــ 
(1) الإرشاد: 2/39 ، وإعلام الورى : 1 / 436 ، والفتوح لابن أعثم : 5 / 35 ، ومقتل الحسين للخوارزمي : 1 / 195.
(2) الفتوح : 5 / 36 ، ومقتل الحسين للخوارزمي : 1 / 196 . 
الصفحة (151)
بعد أنْ وصل إلى الكوفة، فثمّة مَنْ قال: إنّه نزل في دار المختار بنأبي عبيدة(1)، وقيل: نزل في بيت مسلم بن عوسجة(2)، وقيل : في بيتهاني بن عروة(3).
وعندما علم الكوفيّون بوصول مبعوث الحسين(عليه السلام) إلى مدينتهم; ازدحموا للقائه و بيعته، وحسب قول بعض المؤرّخين فقد أقبلت الشيعة تختلف إليه، فلمّا اجتمع إليه منهم جماعة قرأ عليهم كتاب الحسين(عليه السلام) وهم يبكون وبايعه الناس، حتى بايعه منهم ثمانية عشر ألفاً(4).
 
رسالة مسلم بن عقيل إلى الإمام الحسين (عليه السلام) :
ظلّ مسلم بن عقيل يجمع القواعد الشعبية ويأخذ البيعة للإمام(عليه السلام) وتوالت الوفود تقدم ولاءها، و الجماهير تعلن عن استبشارها. وقد لاحظنا كيف أنّ الناس كانوا يبكون وهم يسمعون مسلماً يقرأ عليهم رسالة الإمام الحسين(عليه السلام) التي فيها يحيّيهم، ويعلن استعداده للقدوم اليهم وقيادة الثورة على الحكم الطاغي.
وبعد أن لاحظ مسلم كثرة الأنصار; بادر بالكتابة إلى الإمام(عليه السلام) ناقلا اليه صورةً حيّة للأحداث والوقائع التي تجري أمام عينيه في الكوفة، وقيّم له الموقف وأعرب عن تفاؤلهِ وسأله القدوم.
وقد جاء في رسالة مسلم للإمام(عليه السلام): «أَمّا بعد، فإن الرائد لايكذب أهله، وقد بايعني من أهل الكوفة ثمانية عشَر ألفاً، فعجّل حين يأتيك كتابي، 
ــــــــــــــــــــــــ 
(1) الإرشاد : 2 / 41 ، وإعلام الورى : 1 / 437 .
(2) الإصابة : 1 / 332 .
(3) تهذيب التهذيب : 2 / 349 .
(4) الإرشاد : 2 / 41 ، ومناقب آل أبي طالب : 4 / 90 ، وتذكرة الخواص : 220 .

 الصفحة (152)
فإنّ الناس كلَّهُم معك، ليس لهم في آل معاوية رأي ولا هوىً»(1).
رسالة الإمام (عليه السلام) إلى زعماء البصرة :
وذكر المؤرخون أنّ الإمام الحسين(عليه السلام) ـ بعد أن قرّر التوجّه إلى العراق ـ بعث رسالة إلى زعماء البصرة جاء فيها: «أمّابعد ، فإنّ الله اصطفى محمّداً(صلى الله عليه وآله) من خلقه، وأكرمه بنبوّته، واختاره لرسالته، ثم قبضه إليه، وقد نصحلعباده، وبلّغ ما اُرسل به، و كنّا أهلَه و أولياءه و أوصياءه وورثته و أحقَّ الناسبمقامه، فاستأثر علينا قومنا بذلك، فرضينا وكرهنا الفرقة وأحببنا العافية، و نحن نعلم أنّا أحقُّ بذلك الحقّ المستحقّ علينا ممّن تولاّه، وقد بعثتُ رسولي إليكم بهذا الكتاب، وأنا أدعوكم إلى كتاب الله وسنّة نبيّه، فإنّ السنّة قد أُميتت والبدعة قد أُحييت، فإنْ تسمعوا قولي أهدكم إلى سبيل الرشاد»(2).
وقد بعث(عليه السلام) عدّة نسخ من هذه الرسالة الى كلٍّ من : مالك بن مسمع البكري، والأحنفِ بن قيس، والمنذر بن الجارود، و مسعود بن عمرو، وقيس ابن الهيثم، وعمرو بن عبيد بن معمر، ويزيد بن مسعود النهشلي، وأرسل الإمام(عليه السلام) النسخ مع مولىً له يقال له: سليمان أبو رزين.
ولم يجب على رسالة الإمام(عليه السلام) غيرُ الأحنف بن قيس و يزيد بن مسعود، أمّا المنذر بن الجارود فقد سلّم رسول الحسين الى ابن زياد ـ وكان حينها والياً على البصرة ـ فصلبه عشية الليلة التي خرج في صبيحتها إلى الكوفة(3). وكانت ابنة المنذر زوجة ابن زياد فزعم المنذر أنّه كان يخشى أن يكون الرسول مدسوساً من ابن زياد لكشف نواياه.
ــــــــــــــــــــــــ 
(1) حياة الإمام الحسين : 2 / 348 ، عن تأريخ الطبري: 6 / 224 .
(2) مقتل الحسين للمقرّم : 159 ـ 160 ، وتأريخ الطبري : 4 / 266 ، وأعيان الشيعة : 1 / 590 .
(3) بحار الأنوار : 44 / 339 ، وأعيان الشيعة : 1 / 590 . 

 الصفحة (153)
جواب الأحنف بن قيس :
وأمّا الأحنف بن قيس ـ وهو أحد زعماء البصرة ـ فقد أجاب على رسالة الإمام(عليه السلام) برسالة كتب فيها هذه الآية الكريمة ولم يزد عليها: (فاصبر إنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌ ولايَسْتَخِفَّنَّك الذين لا يوقنون)(1).
وهذا الجواب يعكس مدى تخاذله وتقاعسه في مواجهةالظلم والمنكر.
جواب يزيد بن مسعود النهشلي :
واستجاب الزعيم الكبير يزيد بن مسعود النهشلي إلى تلبية نداء الحقّ، فاندفع بوحي من إيمانه و عقيدته الى نصرة الإمام، فعقد مؤتمراً عامّاً دعا فيه القبائل الموالية له وهي: 1 ـ بنو تميم . 2 ـ بنو حنظلة . 3 ـ بنو سعد .
وانبرى فيهم خطيباً فكان ممّا قال: إنَّ معاوية مات، فأهونْ به واللهِ هالكاً ومفقوداً، ألا إنّه قد انكسر باب الجور والإثم، وتضعضعت أركان الظلم، وكان قد أحدث بيعة عقد بها أمراً ظنّ أنّه قد أحكمه، و هيهات الذي أراد، اجتهد والله ففشل، وشاور فخذل، وقد قام يزيد شارب الخمور ورأس الفجور يدّعي الخلافة للمسلمين، ويتأمرّ عليهم بغير رضىً منهم مع قصر حلم وقلّة علم، لا يعرف من الحقّ موطأ قدميه، فأُقسم بالله قسماً مبروراً لَجِهادُه على الدين أفضل من جهاد المشركين.
وهذا الحسين بن عليّ وابن رسول الله (صلى الله عليه وآله) ذوالشرف الأصيل، والرأي الأثيل. له فضل لا يوصف، وعلم لا ينزف. وهو أولى بهذا الأمر لسابقته وسنّه، وقِدمه وقرابته من رسول الله (صلى الله عليه وآله). يعطف على الصغير، 
ــــــــــــــــــــــــ 
(1) سير أعلام النبلاء : 3 / 300 ، والآية (60) من سورة الروم .

 الصفحة (154)
ويُحسن إلى الكبير، فأكرم به راعي رعية، و إمام قوم و جبت لله به الحجّة، وبلغت به الموعظة. فلا تعشوا عن نور الحقّ، و لا تسكعوا في وهد الباطل... والله لا يُقصِّر أحدكم عن نصرته إلاّ أورثه الله الذلّ في ولده، والقلّة في عشيرته، وها أنا قد لَبَسْتُ للحرب لامَتها وادَّرَعْتُ لها بِدِرْعِها. من لم يُقْتَلْ يَمُتْ، و مَن يهرب لم يفت، فأحسنوا رحمكم الله رد الجواب».
ولما أنهى النهشلي خطابه; انبرى وجهاء القبائل فأظهروا الدعم الكامل له، فرفع النهشلي رسالة للإمام(عليه السلام) دلّت على شرفه ونبله و هذا نصها:
«أمّا بعد ، فقد وصل إليَّ كتابك وفهمت ما ندبتني إليه ودعوتني له من الأخذ بحظّي من طاعتك والفوز بنصيبي من نصرتك، وإنّ الله لم يخل الأرض قط من عامل عليها بخير ودليل على سبيل نجاة، و أنتم حجّة الله على خلقه ووديعتُه في أرضه، تفرّعتم من زيتونة أحمدية، هو أصلها وأنتم فرعها، فأقدم سعدت بأسعد طائر، فقد ذلّلت لك أعناق بني تميم، وتركتهم أشد تتابعاً في طاعتك من الإبل الضمأى لورود الماء يوم خمسها، وقد ذلّلت لك رقاب بني سعد، و غسلت درن قلوبها بماء سحابة مزن حين استهلّ برقُها فلمع»(1).
ويقول بعض المؤرّخين : إنّ الرسالة انتهت إلى الإمام(عليه السلام) في اليوم العاشر من المحرم بعد مقتل أصحابه وأهل بيته، وهو وحيد فريد قد أحاطت به القوى الغادرة، فلمّا قرأ الرسالة قال(عليه السلام) : «آمنك الله من الخوف، وأرواك يوم العطش الأكبر» .
ولمّا تجهّز ابن مسعود لنصرة الإمام بلغه قتله فَجَزع لذلك، وذابت 
ــــــــــــــــــــــــ 
(1) اللهوف : 38 ، وأعيان الشيعة : 1 / 590 ، وبحار الأنوار : 44 / 339 . 

 الصفحة (155)
نفسه أسىً وحسرات(1).
موقف والي الكوفة :
كان النعمان بن بشير والياً على الكوفة وقتذاك، ومع أنّه كان عثماني الهوى واُمويّ الرغبة لكنّه لم يكن راضياً عن خلافة يزيد، وبعد موت معاوية انضم الى عبدالله بن الزبير وقاتل وقُتل معه.
وعليه فإنّه لم يتّخذ موقفاً متشدّداً من نشاطات مسلم بن عقيل في الكوفة، ولم يُنقل عنه في تلك المرحلة الحسّاسة سوى خِطاب ألقاه في جمع الكوفيين كان ـ كما يتصور ـ لرفع العتب والتظاهر بأنّه يقوم بواجبه كوال تابع لحكومة الشام، وقد ذكر في خطابه :
«أمّا بعد، فاتّقوا الله عبادَ الله ولا تسارعوا إلى الفتنة والفرقة، فإنّ فيها تَهلِكُ الرجال وتُسفَكُ الدماء وتُغْصَبُ الأموال، إنّي لا اُقاتل مَنْ لا يقاتلني، ولا آتي على من لم يأت عليَّ، ولا اُنبّه نائمكم ولا أتحرّش بكم ولا آخُذُ بالقرف ولا الظِنَّة ولا التهمة، ولكنّكم إنْ أبديتم صفحتكم لي ونكثتم بيعتكم وخالفتم إمامكم، فو الله الذي لا إله غَيرُه َلأضربنّكم بسيفي ما ثبت قائمه في يدي ولو لم يكن لي منكم ناصر، أما أ نّي أرجو أن يكون مَن يعرف الحقّ منكم أكثرَ مِمَّنْ يرديهِ الباطل»(2).
فقام إليه عبدالله بن مسلم بن ربيعة الحضرمي حليف بني اُمية فقال: إنَّهُ لا يُصْلِحُ ما ترى أيّها الأمير إلاّ الغُشْمُ، وأنّ هذا الذي أنت عليه فيما بينك وبين عدوّك رأيُ المستضعفين، فقال له النعمان: لئن أكون من المستضعفين 
ــــــــــــــــــــــــ 
(1) اللهوف : 38 ، وأعيان الشيعة : 1 / 590 ، وبحار الأنوار : 44 / 339 .
(2) الكامل في التأريخ : 3 / 267 . 

 الصفحة (156)
في طاعة الله أحبُّ إليّ مِنْ أن أكون من الأعزّين في معصية الله(1).
أنصار الاُمويّين يتداركون أُمورهم :
كانت الكوفة تضمّ آنذاك فئةً من أنصار الاُمويّين والمعارضين لأهل البيت(عليهم السلام) وبين هذه الفئة كان بعض المنافقين الذين يتظاهرون بالتشيّع لأمير المؤمنين(عليه السلام) فيما كانوا يُبْطِنُونَ محبّة الاُمويّين، الأمر الذي ساعدهم في اختراق صفوف شيعة أهل البيت(عليهم السلام) والتجسس لصالح الحكم الاُموي، وكان من بين هؤلاء عبدالله الحضرمي، الذي عاب على النعمان رأيَه كما لاحظنا قبل قليل، فقد كتب رسالةً إلى يزيد جاء فيها: «أمّا بعد، فإنّمسلم بن عقيل قد قَدِمَ الكوفة و بايعته الشيعة للحسين بن عليّ بن أبي طالب، فإن يكن لك في الكوفة حاجة فابعثْ إليها رجلا قويّاً ينفذ أمرك، ويعمل مثل عملك في عدوّك، فإنّ النعمان بن بشير رجل ضعيف أو هو يتضَعَّفُ»(2).
ويضيف المؤرّخون أنّه كتب إليه ـ يعني إلى يزيد ـ عمارة بن عقبة بنحو كتابه ـ يعني كتاب الحضرمي ـ ثم كتب إليه عمر بن سعد بن أبي وقّاص مثلَ ذلك(3).
قلق يزيد واستشارة السيرجون(4) :
ــــــــــــــــــــــــ 
(1) الإرشاد : 2 / 42 ، وأنساب الأشراف : 77 ، والفتوح : 5 / 75 ، والعوالم للبحراني : 13 / 182 .
(2) الإرشاد : 2 / 42 ، وإعلام الورى : 1 / 237 .
(3) المصدر السابق.
(4) السيرجون غلام نصراني كان معاوية قد اتخذه كاتباً ومستشاراً له . واستمر في منصبه الخطير في عهد يزيد الذي كان قد نشأ على التربية النصرانية وكان أقرب منها الى غيرها.
وليس هذا أوّل مورد نلاحظ فيه بصمات أصابع أهل الكتاب في صنع مواقف هؤلاء الحكّام تجاه الرسالة والعقيدة والاُمة الاسلامية وقادتها الاُمناء عليها .
لقد كان لكل من تميم الداري ( الراهب النصراني ) وكعب الأحبار ( اليهودي ) موقع متميّز عند عمر حيث كان يحترمهما ويستشيرهما ويسمح لهما بالتحدث كل اسبوع قبل صلاة الجمعة فضلاً عن تدريس التوراة وتفسير القرآن الكريم ، في وقت كان لا يسمح للصحابة بكتابة حديث الرسول (صلى الله عليه وآله) ولا التحديث به ، بل كان يحبسهم في المدينة لئلاّ ينشروا حديث الرسول (صلى الله عليه وآله) . ( راجع كنز العمّال الحديث رقم 4865 وتذكرة الحفاظ بترجمة عمر وتاريخ ابن كثير : 8 / 107 ).
وقد عظم نفوذ هؤلاء القصّاصين بعد عمر وتعاظم في عهد الاُمويين واستمر في عهد العباسيين بالرغم من أن الإمام عليّاً (عليه السلام) كان قد طردهم من مساجد المسلمين .
ولا يبعد أن يكون دخول عقائد منحرفة كالتجسيم وعدم عصمة الأنبياء وغيرها من المفاهيم المنحرفة إلى مصادر المسلمين نتيجة هذا الحضور الفاعل منهم في الساحة الاسلامية وتحت شعار الاسلام ونصح الحكّام.
وقد تميّز معاوية باتخاذ بطانة واسعة من أهل الكتاب حيث تلاحظ أن كاتبه ومستشاره نصراني، وهو (السيرجون ) كما أنّ طبيبه كان نصرانياً وهو (أثال) وشاعره أيضاً كان نصرانياً وهو (الأخطل)، والشام هي عاصمة نصارى الروم البيزنطيين قبل دخول الاسلام اليها . (راجع معالم المدرستين 2 / 51 ـ 53 ) . 

 الصفحة (157)
قَلِقَ يزيد كثيراً من الأخبار التي وصلته من الكوفة، وهي تتحدّث عن موقف الكوفيّين من الحكم الاُموي ومبايعتهم للإمام الحسين(عليه السلام) فدعايزيد السيرجون الذي كان يعدّ غلاماً لمعاوية فقال له: ما رأيك ؟ ـ إنّ حسيناً قد أنفذ إلى الكوفة مسلم بن عقيل يبايع له، وقد بلغني عن النعمان ضعف وقول سيّ، فَمَنْ ترى أن أستعمل على الكوفة؟ ، وكان يزيد عاتباً على عبيداللهابن زياد(1)، فقال له السيرجون: أَرأيت لو يشير إليك معاوية حيّاً هل كنتَ آخذاً برأيه؟ قال : بلى. فأخرج السيرجون عهد عبيدالله بن زياد على الكوفة، وقال: هذا رأي معاوية، مات وقد أمر بهذا الكتاب، فضُمّ المصرَيْن (يعني 
ــــــــــــــــــــــــ 
(1) لأنّ عبيدالله بن زياد كان معارضاً لمعاوية في تولية العهد ليزيد ، انظر البداية والنهاية : 8 / 152 .

 الصفحة (158)
الكوفة والبصرة والتي كان والياً عليها أيام معاوية) إلى عبيدالله، فقال له يزيد: أفعلُ. إبعث بعهد عبيدالله ابن زياد إليه... ثم دعا مسلم بن عمرو الباهلي و كتب إلى عبيد الله معه كتاباً جاء فيه :
«أمّا بعد ، فإنّه كتب إليَّ شيعتي من أهل الكوفة يخبرونني أنّ ابن عقيل فيها، يجمع الجموع ليشق عصا المسلمين، فسر حين تقرأ كتابي هذا حتى تأتيَ الكوفة فتطلب ابنَ عقيل طَلَب الخِرزةِ حتى تثقفه فتُوثِقَه أو تقتله أو تنفيَهُ، والسلام»(1).
توجّه عبيدالله بن زياد إلى الكوفة :
استلم عبيدالله بن زياد كتاب يزيد بن معاوية، فانطلق في اليوم الثاني نحو الكوفة و معه مسلم بن عمرو الباهلي وشريك بن الأعور الحارثي وحشمه وأهل بيته(2)، حيث ينتظر أهلُها قدومَ الإمام الحسين(عليه السلام) و معظمهم لا يعرف شخصية الإمام ولم تكن قد التقته من قبل، وقد تعجّل ابن زياد الانتقال إلى الكوفة ليصلها قبل الإمام الحسين(عليه السلام).
باغت ابن زياد جماهير الكوفة وهو يُخفي معالم شخصيتِه و يتستّر على ملامحه، فقد تلثّم ولبس عمامةً سوداء، وراح يخترق الكوفة والناس ترحّب به وتسلِّمُ عليه وتردِّد: مرحباً بك ياابن رسول الله قدمت خير مقدم(3).
فساءه ماسمع وراح يواصل السير نحو قصر الإمارة، فاضطرب النعمان وأطلّ من شرفات القصر يخاطب عبيد الله بن زياد، وكان هو أيضاً قد ظنّ أنّه الإمام، فخاطبه: اُنشدك الله إلاّ ما تنحّيتَ، واللهِ ما أنا بمسلِّم إليك أمانتي، وما لي 
ــــــــــــــــــــــــ 
(1) الإرشاد : 2 / 42 ـ 43 ، وإعلام الورى : 1 / 437 ، وسير أعلام النبلاء : 3 / 201 .
(2) إعلام الورى : 1 / 437 .
(3) الإرشاد : 2 / 43 ، وإعلام الورى : 1 / 438 . 

 الصفحة (159)
في قتالك من إرب ...(1).
صمت ابن زياد وراح يقترب من باب القصر، حتى شخّص النعمان أنّ القادم هو ابن زياد، ففتح الباب ودخل ابن زياد القصر وأغلق بابه وباتَ ليلته، وباتت الكوفة على وجل وترقّب وفي منعطف سياسي خطير.
محاولات ابن زياد للسيطرة على الكوفة :
فوجئ أهل الكوفة بابن زياد عند الصباح وهو يحتلّ القصر بالنداء: الصلاة جامعةً، فقام خطيباً في الجموع المحتشدة وراح يُمنّي المطيع والسائر في ركب السياسة القائمة بالأماني العريضة، ويهدّد ويتوعّد المعارضة والمعارضين والرافضين لحكومة يزيد، حتى قال: . . . سوطي وسيفي على مَنْ ترك أمري وخالف عهدي(2).
ثم فرض على الحاضرين مسؤولية التجسّس على المعارضين، وهدّد مَنْ لَمْ يُساهم في هذه العملية ويُنَفِّذْ هذا القرار بالعقوبة وقطع المخصّصات المالية، فقال: «... فمن يجيء لنا بهم فهو بريء، و مَنْ لم يكتب لنا أحدٌ فليضمن لنا في عَرافته أن لا يخالِفَنا منهم مخالف، ولا يبغي علينا منهم باغ، فَمَنْ لَمْ يَفْعَلْ برئت منه الذمّة وحلال لنا دمُه ومالُه، وأيُّما عريف وجد في عرافته من بُغية أمير المؤمنين أحد لم يرفعه الينا صُلب على باب داره واُلغيت تلك العرافة من العطاء»(3).
وقد كان ابن زياد معروفاً في أوساط الكوفيّين بالقسوة والشدّة، فكان 
ــــــــــــــــــــــــ 
(1) الإرشاد : 2 / 43 ، وروضة الواعظين : 173 ، ومقتل الحسين للخوارزمي : 198 ، وتهذيب التهذيب : 2 / 302 .
(2) مقاتل الطالبيّين : 97 ، وإعلام الورى : 1 / 438 .
(3) الإرشاد: 2 / 45 ، والفصول المهمة : 197 ، والفتوح لابن أعثم : 5 / 67 . 

 الصفحة (160)
من الطبيعي أن يُحْدِثَ قدومُه و خطابُه الشديد اللهجة هزّةً عند المعارضين لسياسته، فلاحت بوادر النكوص والتخاذل والإرجاف تظهر على الكوفيّين وقياداتهم، من هنا اعتمد مسلم بن عقيل وسيلةً جديدة للسير في حركته نحو الهدف المطلوب. فانتقل الى دار هانىء بن عروة وجعل يتستّر في دعوته وتحركاته إلاّ عن خلّص أصحابه، وهانىء يومذاك سيّد بني مراد وصاحب الكلمة المسموعة في الكوفة والرأي المطاع(1).
موقف مسلم من اغتيال ابن زياد :
لقد كان مسلم بن عقيل ـ رضوان الله تعالى عليه ـ يحمل رسالةً ساميةً وأخلاقاً فاضلة اكتسبها من بيت النبوّة، كما كان يملك درايةً بكلّ تقاليد وأعراف المجتمع الذي كان يتحرّك فيه، ففي موقف كان يمكن فيه لمسلم ابن عقيل أن يغتال ابن زياد رفض ذلك لاعتبارات شتّى.
فقد روي أنّ شريك بن الأعور حين نزل في دار هانىء بن عروة مرض مرضاً شديداً، وحين علم عبيد الله بن زياد بذلك قدم لعيادته، وهنا اقترح شريك على مسلم أن يغتال ابن زياد، فقال: إنّما غايتك و غاية شيعتك هلاك هذا الطاغية، وقد أمكنك الله منه وهو صائر إليّ ليعودني، فقم وأدخل الخزانة حتى إذا اطمأنّ عندي فاخرج إليه فاقتله، ثم صر إلى قصر الإمارة فاجلس فيه، فإنّه لا ينازعنّك فيه أحد من الناس.
ولمس مسلم كراهية هانىء أن يقتل عبيد الله في داره، ولم يأخذ مسلم باقتراح شريك، وحين خرج عبيد الله قال شريك بحسرة وألم لمسلم : ما منعك من قتله؟ قال مسلم: منعني منه خلّتان: أحدهما كراهية هانىء لقتله في 
ــــــــــــــــــــــــ 
(1) مروج الذهب : 2 / 89 ، والأخبار الطوال : 213 ، وإعلام الورى : 1 / 438 . 
 الصفحة (161)
منزله، والاُخرى قول رسول الله(صلى الله عليه وآله): «إنّ الإيمان قيد الفتك لا يفتك مؤمن»(1).
الغدر بمسلم بن عقيل :
اتّخذ ابن زياد كلّ وسيلة مهما كانت دنيئة للقضاء على الوجود السياسي والتحرّك الذي برز منذراً بالخطر بوجود مسلم بن عقيل على النظام الاُموي، وسارع للقضاء على مسلم بن عقيل وكلّ الموالين له قبل وصول الإمام الحسين(عليه السلام) وليتمكّن بذلك من إفشال الثورة، فدبّر خطّةً للتجسّس على تحرّكات مسلم ومكانه والموالين له، واستطاع أن يكتشف مخبأه وأن يعلم بمقرّه(2) فكانت بداية تخاذل الناس عن الصمود في مواجهة الظلم.
لقد استطاع الوالي الجديد عبيد الله بن زياد أن يُحْكِمَ الحيلةَ والخداع ليقبضَ على هانىء بن عروة الذي آوى رسول الحسين(عليه السلام) وأحسن ضيافته واشترك معه في الرأي والتدبير، فقبض عليه وقتله بعد حوار طويل جرى بينهما، وألقى بجثمانه من أعلى القصر إلى الجماهير المحتشدةحوله، فاستولى الخوف والتخاذل على الناس، وذهب كلّ إِنسان إلى بيتهوكأنّ الأمر لا يعنيه(3).
ولمّا علم مسلم بما جرى لهانىء ورأى تَخاذُلَ عشيرته مذحج الغنية بعددها وعدَّتِها خرج في أصحابه ونادى مناديه في الناس وسار بهم لمحاصرة القصر، واشتد الحصار على ابن زياد وضاق به أمرُه، ولكنّه استطاع 
ــــــــــــــــــــــــ 
(1) الأخبار الطوال : 187 ، ومقاتل الطالبيّين : 98 ، وإعلام الورى : 1 / 428 .
(2) إعلام الورى : 1 / 440 ، والأخبار الطوال : 178، ومناقب آل أبي طالب : 4 / 91، والفتوح لابن أعثم : 5 / 69، وتأريخ الطبري : 4 / 271 ، وأنساب الأشراف : 79 .
(3) الكامل في التأريخ : 3 / 271 ، والفتوح لابن اعثم : 5 / 83 ، وإعلام الورى : 1 / 441 . 

 الصفحة (162)
لقد دسّ ابن زياد في أوساط الناس أشخاصاً يُخَذِّلونهم ويتظاهرون بالدعوة إلى حفظ الأمن والاستقرار وعدم إراقة الدماء، ويحذّرون من قدوم جيش جرّار من الشام بهدف كسب الوقت وتفتيت قوى الثوار. واستمرّ الموقف كذلك والناس تنصرف وتتفرّق عن مسلم. وبدخول الليل صلّى بمن بقي معه وخرج من المسجد الجامع وحيداً لا ناصر له ولا مؤازر ولا مَنْ يَدُ لُّه على الطريق، وأقفل الناس أبوابهم في وجهه، فمضى يبحث عن دار يأوي إليها في ليلته تلك، وفيما هو يسير في ظلمة الليل وجد امرأةً على باب دارها وكأنّها تنتظر شيئاً، فعرّفها بنفسه وسألها المبيت عندها إلى الصباح، فرحّبت به وأدخلته بيتها، وعرضت عليه العشاء فأبى أن يأكل شيئاً، وعرف ولدها بمكانه وكان ابن زياد قد أعدّ جائزة لِمَنْ يخبره عنه، وما كاد الصبح يتنفّس حتى أسرع ولدها إلى القصر وأخبر محمد بن الأشعث بمكان مسلم بن عقيل، و فور وصول النبأ الى ابن زياد أرسل قوّة كبيرة من جنده(2) بقيادة ابن الأشعث إلى المكان الذي فيه مسلم، وما أن سمع بالضجّة حتى أدرك أنّ القوم يطلبونه فخرج إليهم بسيفه.
وقد اقتحموا عليه الدار فشدّ عليهم يضربهم بسيفه حتى أخرجهممن الدار، ثم عادوا إليه فشدّ عليهم كذلك، مع انّهم تكاثروا عليه بعد أن اُثخن بالجراح فطعنه رجل من خلفه فخرّ الى الأرض فاُخذ أسيراً وحمل على بلغة 
_____________________
(1) سيرة الأئمّة الاثني عشر، القسم الثاني : 63، وإعلام الورى : 1 / 441 ، ومناقب آل أبي طالب : 4 / 92 ، والكامل في التأريخ : 3 / 271 .
(2) جاء في «الإرشاد» أنّهم كانوا سبعين رجلا .

 الصفحة (163)
وانتزع الأشعث سيفه وسلاحه وأخذوه الى القصر فاُدْخِلَ على ابن زياد ولم يسلّم عليه، وجرى بينهما حوار طويل كان فيه ابن عقيل ـ رضوان الله عليه ـ رابط الجأش منطلقاً في بيانه قويّ الحجّة، حتى أعياه أمرُه وانتفخت أوداجه وجعل يشتم عليّاً والحسن والحسين، ثم أمر أجهزته أن يصعَدوا به الى أعلى القصر ويقتلوه ويرموا جسده إلى الناس ويسحبوه في شوارع الكوفة ثم يصلبوه إلى جانب هانىء بن عروة، هذا وأهل الكوفة وقوف في الشوارع لا يحرّكون ساكناً وكأنّهم لا يعرفون من أمره شيئاً.
وكان مسلم قد طلب من ابن الأشعث أن يكتب إلى الحسين(عليه السلام) يخبره بما جرى في الكوفة وينصحه بعدم الشخوص اليهم، فوعده ابن الاشعث بذلك، ولكنّه لم يفِ بوعده(1).
البحث الخامس:
حركة الإمام الحسين(عليه السلام) الى العراق
ونترك الكوفة يعبثُ بها ابن زياد ويتتبّع شيعة الإمام الحسين(عليه السلام) ويطاردهم، ونعود إلى مكة لنتابع السير مع ركب الحسين(عليه السلام) حتى الطفّ حيث المأساة الكبرى. قال المؤرّخون: كان خروج مسلم بن عقيل رحمة الله عليه بالكوفة يوم الثلاثاء لثمان مضين من ذي الحجة سنة ستين، وقتلُه يوم 
ــــــــــــــــــــــــ 
(1) يراجع في تفصيلاته الى : اعيان الشيعة: 1/592، إعلام الورى : 1 / 442 ، والكامل في التأريخ : 4 / 32، والفتوح : 5 / 88 ، وتأريخ الطبري : 4 / 280 ، ومقاتل الطالبيّين : 92 . 

 الصفحة (164)
الأربعاء لتسع خلون منه يوم عرفة، وكان توجّه الحسين صلوات الله عليه من مكة الى العراق في يوم خروج مسلم بالكوفة ـ وهو يوم التروية ـ بعد مُقامه بمكة بقية شعبان وشهر رمضان وشوّالاً وذا القعدة وثماني ليال خلون من ذي الحجة سنة ستين، وكان(عليه السلام) قد اجتمع إليه مدةَ مُقامه بمكة نَفَرٌ من أهل الحجاز ونفر من أهل البصرة انضمّوا إلى أهل بيته ومواليه.
ولمّا أراد الحسين(عليه السلام) التوجّه إلى العراق طاف بالبيت وسعى بين الصفا والمروة وأحلّ من إحرامه وجعلها عمرةً، لأَنّه لم يتمكّن من تمام الحجّ مخافة أن يُقْبَضَ عليه بمكة فيُنْفَذ به إلى يزيد بن معاوية، فخرج(عليه السلام) مبادراً بأهله وولده ومن انضمّ إليه من شيعته، ولم يكن خبر مسلم قد بلغه(1).
 
لماذا اختار الإمام الحسين(عليه السلام) الهجرة إلى العراق؟
رغم كلّ ما قيل من تحليل ودراسة لوضع المجتمع الكوفي وما ينطوي عليه من إثارة سلبيات يتكهّن بأغلبها المحلّلون من دون جزم فإنّنا نرى أنّ اختيار الإمام الحسين(عليه السلام) الهجرة الى العراق كان لأسباب منها :
1 ـ إنّ التكليف الإلهي برفع الظلم والفساد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يشمل جميع المسلمين بلا استثناء، إذ أنّنا لا نجد في النصوص التأريخية ما يدلّل على قيام قطر من الأقطار الاسلامية بمحاولة لمواجهة الحكم الاموي سوى العراق الذي وقف ضدّهم منذ أن ظهر الامويّون في الساحة السياسية وحتى سقوطهم.
2 ـ إنّ الإمام الحسين(عليه السلام) لم يعلن دعوته لمواجهة ظلم الامويّين وفسادهم والنهوض لإحياء الرسالة يوم طُلب منه مبايعة يزيد، بل كانت تمتدّ 
ــــــــــــــــــــــــ 
(1) الإرشاد : 2 / 67 . 

 الصفحة (165)
دعوته في العمق الزمني إلى أبعد من ذلك، ولكن لم نرَ نصوصاً تأريخية تدلّل على استجابة شعب من شعوب العالم الإسلامي لنداء الإمام الحسين(عليه السلام) ونهضته غير العراق، فكانت الدعوات الكثيرة والملحّة موجّهة إليه تعلن الولاء والاستعداد لتأييد النهضة ومواجهة الحكم الاُموي الفاسد.
3 ـ لم يكن أمام الحسين(عليه السلام) من خيار لاختيار بلد آخر غير العراق، لأنّ بقية الأقطار إمّا أنها كانت مؤيّدة للاُمويين في توجّهاتهم وسياساتهم، أو خاضعة مقهورة، أو أنّها كانت غير متحضّرة وغير مستعدّة للاستجابة للنهضة الحسينيّة. على أنّ كثيراً من شعوب العالم الإسلامي كانت في ذلك الحين إمّا كافرة أو حديثة عهد بالإسلام، أو غير عربية بحيث يصعب التعايش والتعامل معها; ممّا كان سبباً لتضييع ثورة الإمام وجهوده.
4 ـ كانت الكوفة تضمّ الجماعة الصالحة التي بناها الإمام علىّ(عليه السلام) والقاعدة الجماهيرية التي تتعاطف مع أهل البيت (عليهم السلام) فأراد الإمام الحسين (عليه السلام) أن لا يضيع دمه وهو مقتول لا محالة، كما أراد أن يعمّقالإيمان في النفوس ويجذّر الولاء لأهل البيت (عليهم السلام)، وكان العراق أخصب أرض تستجيب لذلك، وسرعان ما بدأت الثورات في العراق بعد استشهاد الإمام الحسين(عليه السلام)، وأصبح العراق القاعدة العريضة لنشر مبادئ وفضائل أهل البيت(عليهم السلام) إلى العالم الاسلامي في السنين اللاحقة.
5 ـ إنّ اختيار أيّ بلد غير العراق سيكون له أثره السلبي، إذ يتّخذه أعداء الاسلام وأهل البيت(عليهم السلام) أداة عار وشنار للنيل من مقام الإمام وأهدافه السامية، ويفسّر خروجه إليه على أنّه هروب من المواجهة الحتمية، في الوقت الذي كان يهدف الإمام (عليه السلام) الى إحياء حركة الرسالة والمُثل الأخلاقية وتأجيج روح المواجهة والتصدّي للظلم والظالمين. وحتى على فرض اختياره (عليه السلام) بلداً آخر فإنّ سلطة الاُمويّين ستنال منه وتقضي عليه 

 الصفحة (166)
دون أن يحقّق أهداف رسالته التي جاء من أجلها.
6 ـ لمّا كان العراق يصارع الاُمويّين كانت أجواؤه مهيّئة لنشرالإعلام الثوري لنهضة الحسين(عليه السلام) وأفكاره، ومن ثمّ فضح بني اُميّةوتستّرهم بالشرعية وغطاء الدين، وحتى النزعة العاطفية المزعومةفي العراقيّين فقد كانت سبباً في ديمومة وهج الثورة وأفكارها كما نرى ذلكحتّى عصرنا هذا.
ولعلّ هناك أسباباً لا ندركها، لا سيما ونحن نرى أنّ الإمام الحسين(عليه السلام) كان على بيّنة واطلاع من نتيجة الصراع، وكان على معرفة بالظروف الموضوعية المحيطة بمسيرته وعلى علم بطبيعة التكوين الاجتماعي والسياسي للمجتمع الذي كان يتوجّه إليه من خلال وعيه السياسي الحاذق، والنصائح التي قدّمها إليه عدد من الشخصيات فضلاً عن عصمته عن الزلل والأهواء، كما نعتقد; فلم يكن اختياره العراق منطلقاً لثورته العظيمة، إلاّ عن دراية وتخطيط رغم الجريمة النكراء التي نتجت عن تخاذل الناس وتركهم نصرة إمامهم ولحوق العار بهم في الدنيا والآخرة.
تصريحات الإمام(عليه السلام) عند وداعه مكة :
صدرت عن الإمام الحسين(عليه السلام) عدّة تصريحات عند ما كان يعتزم مغادرة مكة والتوجّه إلى العراق، وكانت بعض هذه التصريحات تمثّل أجوبته(عليه السلام) على من أشفق عليه أو مَنْ ندّد بخروجه، وقد تمثّل خطابه للناس بصورة عامة، فنذكرُ منها هنا:
1 ـ روى عبدالله بن عباس عن الإمام الحسين بشأن حركته نحو العراق قوله(عليه السلام): «والله لايَدَعُونَنِي حتى يستخرجوا هذه العَلْقَةَ من جوفي، فإذا فعلوا سُلِّط 

 الصفحة (167)
عليهم مَنْ يذلّهم حتى يكونوا أذلَّ من فَرْم المرأة»(1).
2 ـ كان محمد بن الحنفية في يثرب فلمّا علم بعزم الإمام(عليه السلام) على الخروج إلى العراق توجّه إلى مكة، وقد وصل إليها في الليلة التي أراد(عليه السلام) الخروج في صبيحتها إلى العراق، وقصده فور وصوله فبادره قائلا: «يا أخي إنّ أهل الكوفة قد عرفت غدرهم بأبيك وأخيك، ويساورني خوف أنيكون حالك حال من مضى، فإن أردت أن تقيم في الحرم فإنّك أعز منبالحرم وأمنعهم».
فأجابه الإمام(عليه السلام): «خفت أن يغتالني يزيد بن معاوية، فأكون الذيتستباح به حرمةُ هذا البيت» فقال محمد: «فإنْ خفت ذلك فسر إلى اليمنأو بعض نواحي البرّ فإنّك أمنع الناس به، ولا يقدر عليك أحد»، قال الحسين(عليه السلام): «أنظر فيما قلت».
ولمّا كان وقت السَحَر بلغه شخوصُه إلى العراق وكان يتوضّأ فبكى، وأسرع محمد إلى أخيه فأخذ بزمام ناقته وقال له: «يا أخي، ألم تعدني فيما سألتك؟» قال الإمام(عليه السلام): «بلى ولكنّي أتاني رسول الله(صلى الله عليه وآله) بعد ما فارَقْتُك وقال لي: يا حسين، اُخرج فإنّ الله شاء أن يراك قتيلا»، فقال محمد: فما معنى حملِ هؤلاء النساء والأطفال، وأنت خارج على مثل هذا الحال؟ فأجابه الإمام(عليه السلام): «قد شاء الله أن يراهن سبايا»(2).
ولم يكن اصطحاب الحسين(عليه السلام) لعيالاته حالة غريبة على المجتمع العربي والإسلامي، فقد كان العرب يصطحبون نساءَهم في الحروب وكذا فعل النبىّ(صلى الله عليه وآله) في غزواته فقد كان يقرع بين نسائه، أمّا بالنسبة إلى الإمام 
ــــــــــــــــــــــــ 
(1) الكامل في التأريخ : 4 / 39 .
(2) اللهوف على قتلى الطفوف : 27 ، وأعيان الشيعة : 1 / 592 ، وبحار الأنوار : 44 / 364.

 الصفحة (168)
الحسين(عليه السلام) فإنّ اصطحابه لعائلته في حركته إنّما كان لأجل أن يكون وجودها معه بمثابة حجّة قوية على المسلمين لنصرته، فمن تولّى الحسين(عليه السلام) ويسعى لنصرته والدفاع عنه فأولى له أن يدافع عنه وهو بين أهله. وإن اختلف مع الحسين(عليه السلام) فما ذنب عيالاته وهنّ بنات النبىّ(صلى الله عليه وآله) خاصة أنّ الخلاف بزعم الاُمويّين إنّما هو لأجل الخلافة.
3 ـ ذكر المؤرخون أنّ الإمام الحسين(عليه السلام) لمّا أراد الخروج من مكة ألقى خطاباً فيها، جاء فيه: «خُطَّ الْمَوْتُ على وُلْدِ آدم مَخَطّ الْقِلادة على جيدِ الفتاة، وما أولهني إلى أسلافي اِشتياق يعقوب إلى يوسف، وخُيّر لي مصرعٌ أنا لاقيه، كأ نّي بأوصالي تقطّعها عُسْلانُ الفلواتِ بينَ النواويس وكربلاء، فيملأنَّ منّي أكراشاً جوفاً وأجربةً سُغباً، لا محيص عن يوم خُطّ بالقلم، رضا الله رضانا أهل البيت، نصبر على بلائه ويوفّينا أُجور الصابرين، لن تشذّ عن رسول الله(عليهم السلام) لُحْمَتُه، وهي مجموعة له في حظيرة القدس، تَقِرُّ بهم عينُه، ويُنْجَزُ بهم وعدُه، مَنْ كان باذلا فينا مهجتَه وموطِّناً على لقاء الله نَفْسَه فَلْيَرْحَلْ معنا، فإنّي راحل مُصبحاً إن شاء الله تعالى»(1).
يُبَيِّنُ الإمام الحسين(عليه السلام) في هذه التصريحات أنّه مصمّم على عدم مبايعة يزيد; قياماً بتكليفه الإلهي، موضحاً سبب خروجِه من مكة، مخبراً عن المصير الذي ينتظره وأهل بيته جميعاً، داعياً الى الالتحاق به من كان مُوَطِّناً على لقاء الله نفسه، معلِناً أنّ الله تعالى قرن رضاه برضا أهلِ البيت(عليهم السلام). 
خلاصة الثورة في رسالة :
بوعي القائد الرسالي والفدائي العظيم والثائر من أجل العقيدةصمّم الإمام الحسين(عليه السلام) بحنكة ودراية المسير من مكة الى العراق، بعدأن أوضح جانباً كبيراً من أهدافه وأسباب نهضته، وقد تطايرت أخباره إلى 
ــــــــــــــــــــــــ 
(1) إحقاق الحق : 11 / 598 ، وكشف الغمة : 2 / 204 . 

 الصفحة (169)
أرجاء العالم الإسلامي.
وكتب الإمام(عليه السلام) الى بني هاشم في يثرب رسالةً يدعوهم فيها إلى الفرصة الأخيرة لنصرة الإسلام والمبادئ والقيم الإلهية والتألّق في سماء التضحية في الدنيا، وخلود الذكر الطيّب والبقاء عنواناً للحقّ والعدل والإباء والفوز في أعلى درجات الجنّة في الآخرة، فقد جاء فيها بعد البسملة :
«من الحسين بن عليّ إلى أخيه محمد ومن قبله من بني هاشم : أمّا بعد، فإنّه من لحق بي منكم استشهد، ومن لم يلحق بي لم يدرك الفتح، والسلام»(1).
ولمّا وردت رسالة الإمام(عليه السلام) الى بني هاشم في يثرب، بادرتطائفة منهم إلى الالتحاق به ليفوزوا بالفتح والشهادة بينيدي ريحانة رسول الله(صلى الله عليه وآله)(2).
ملاحقة السلطة للإمام (عليه السلام) :
ولم يبعُد الإمام(عليه السلام) كثيراً عن مكة حتى لاحقته مفرزة من الشرطة بقيادة يحيى بن سعيد، فقد بعثها والي مكة عمرو بن سعيد لصدّ الإمام(عليه السلام) عن السفر، وجرت بينهما مناوشات حتى تدافع الفريقان واضطربوا بالسياط وامتنع الحسين وأصحابه منهم امتناعاً قوياً(3).
في التنعيم :
ومضى ركب الإمام الحسين(عليه السلام) لا يلوي على شيء، وفي طريقهم بمنطقة التنعيم(4) صادفوا إبلا قد يَمَّمت وَجْهَها شطرَ الشام وهي تحمل 
ــــــــــــــــــــــــ 
(1) مناقب آل أبي طالب : 4 / 76 ، وبصائر الدرجات : 481 ، ودلائل الإمامة : 77.
(2) راجع تأريخ ابن عساكر : ترجمة الإمام الحسين (عليه السلام) .
(3) الإرشاد : 2 / 68 .
(4) التنعيم : موضع بمكة في الحلّ يقع بين مكة وسرف على فرسخين من مكة، جاء ذلك في معجم البلدان : 2 / 49 . 

 الصفحة (170)
الهدايا ليزيد بن معاوية قادمةً من اليمن، فاستأجر من أهلها جِمالا لرحله وأصحابه وقال لأصحابها: مَنْ أحبّ أن ينطلق معنا إلى العراق وفيناه كِراءه وأحسنّا صحبته، وَمَنْ أحبّ أن يفارقنا في بعض الطريق أعطيناه كراءه على ما قطع من الطريق، فمضى معه قوم وامتنع آخرون(1).
في الصفاح :
وواصل الإمام مسيره حتى وصل الصفاح(2) فالتقى الفرزدق الشاعر فسأله عن خبر الناس خلفه فقال الفرزدق: قلوبُهم معك والسيوف مع بني اُميّة، والقضاء ينزل من السماء. فقال أبو عبدالله(عليه السلام): صدقت، للهِ الأمر، واللهُ يفعل ما يشاء، وكلّ يوم ربّنا هو في شأن، إن نزل القضاء بما نحبّ فنحمد الله على نعمائه وهو المستعان على أداء الشكر، وإن حال القضاء دون الرجاء فلم يتعدَّ مَنْ كان الحقُّ نيّتَه والتقوى سريرَتَهُ(3).
ثمّ واصل الإمام(عليه السلام) مسيرته بعزم وثبات، ولم يثنه عن عزيمته قول الفرزدق في تخاذل الناس عنه وتجاوبهم مع الاُمويّين.
كتاب الإمام(عليه السلام) لأهل الكوفة :
ولمّا وافى الإمام الحسين(عليه السلام) الحاجر من بطن ذي الرُّمّة ـوهو أحد منازل الحجّ من طريق البادية ـ كتب كتاباً لشيعته من أهلالكوفة يعلمهم بالقدوم إليهم، ولم يكن(عليه السلام) قد وصله خبر ابن عقيل،
ــــــــــــــــــــــــ 
(1) الإرشاد : 2 / 68 .
(2) الصفاح : موضع بين حنين وأنصاب الحرم على يسرة الداخل الى مكة من مشاش... جاء ذلك في معجم البلدان : 3 / 412 .
(3) مقتل الحسين للمقرّم : 203، البداية والنهاية، ابن كثير: 8/180، صفة مخرج الحسين(عليه السلام) الى العراق. 
 الصفحة (171)
هذا نصّه :
من الحسين بن علي إلى إخوانه من المؤمنين والمسلمين :
سلام عليكم ، فإنّي أحْمَدُ اليكم الله الذي لا إله إلاّ هو.
أمّا بعد ، فإنّ كتاب مسلم بن عقيل جاءني يُخبرني فيه بحسن رأيكم واجتماع مَلَئكم على نصرنا والطلب بحقّنا، فسألت الله أن يُحسن لنا الصنيع، وأن يُثيبكم على ذلك أعظم الأجر، وقد شَخَصْتُ اليكم من مكة يوم الثلاثاء لثمان مضين من ذي الحجّة يوم التروية، فإذا قدم عليكم رسولي فانكمشوا(1) في أمركم وجِدّوا، فإنّي قادم عليكم في أيّامي هذه، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته(2).
وقد بعث (عليه السلام) الكتاب بيد قيس بن مُسهر الصيداوي.
إجراءات الاُمويّين :
سرى نبأ مسير الإمام(عليه السلام) نحو الكوفة بين الناس فاضطرب الموقف الاُموي، وشعرت السلطات بالخوف والحرج، وتحدّثت الركبان بأنباء الثائر العظيم، فتناهى الخبر إلى عبيدالله بن زياد، فأعدّ رجاله وجنده، ووضع خطّة لقطع الطريق أمام الحسين(عليه السلام) والحيلولة دون وصوله إلى الكوفة، فبعث مدير شرطته الحصين بن نمير التميمي، مكلّفاً إيّاه بتنفيذ المهمّة، فاختار الحصين موقعاً استراتيجياً يسيطر من خلاله على طريق مرور الإمام(عليه السلام)، فنزل بالقادسية واتّخذها مقرّاً لقيادته.
ــــــــــــــــــــــــ 
(1) انكمشوا: بمعنى أسرعوا .
(2) الإرشاد : 2 / 70 ، والبداية والنهاية : 8 / 181 ، وبحار الأنوار : 44 / 369 . 

 الصفحة (172)
اعتقال الصيداوي وقتله :
انطلق قيس بن مُسهر الصيداوي برسالة الإمام نحو الكوفة، وحينما وصل القادسية اعتقله الحصين بن نمير، فبعث به إلى عبيدالله بن زياد، فقال له عبيدالله: إصعد فسبّ الكذّاب الحسين بن عليّ، فصعد قيس فحمدالله وأثنى عليه ثم قال: أيّها الناس، إنَّ هذا الحسين بن عليّ خير خلق الله ابن فاطمة بنت رسول الله(صلى الله عليه وآله) وأنا رسوله اليكم، وقد فارقته في الحاجر فأجيبوه، ثم لعن عبيدالله بن زياد وأباه، واستغفر لعليّ بن أبي طالب وصلّى عليه، فأمر عبيدالله أن يُرمى به من فوق القصر، فرموا به فتقطّع(1).
وروي : أنّه وقع على الأرض مكتوفاً فتكسّرت عظامه وبقي به رمق، فجاء رجل يقال له عبد الملك بن عمير اللخمي فذبحه، فقيل له في ذلك وعِيبَ عليه، فقال : أردتُ أن اُريحه.
مع زهير بن القين :
وانتهت قافلة الإمام الى «زرود» فأقام (عليه السلام) فيها بعض الوقت، وقد نزل بالقرب منه زهير بن القين البجلي وكان عثمانيّ الهوى، وقد حجّ بيت الله في تلك السنة، وكان يساير الإمام في طريقه ولا يحبّ أن ينزل معه مخافةَ الاجتماع به إلاّ أنّه اضطرّ إلى النزول قريباً منه، فبعث الإمام(عليه السلام) إليه رسولا يدعوه إليه، وكان زهير مع جماعته يتناولون الطعام، فأبلغه الرسول مقالة الحسين فذعر القوم وطرحوا ما في أيديهم من طعام، وكأنَّ على رؤوسهم الطير، فقالت له امرأته: سبحانَ الله! أيبعث إليك ابنُ بنت رسول الله ثم لا تأتيه؟ لو أتيته فسمعتَ من كلامه ثم انصرفتَ. فأتاه زهير بن القين، فما لبث أن جاء مستبشراً قد أشرق وجهُه، فأمر بفسطاطه وثقله وراحلته ومتاعه،
ــــــــــــــــــــــــ 
(1) الإرشاد : 2 / 71 ، ومثير الأحزان : 42 ، والبداية والنهاية : 8 / 181. 

 الصفحة (173)
فقُوِّضَ وحُمِل إلى الحسين(عليه السلام) ثم قال لامرأته: أنتِ طالق، إلحقي بأهلك، فإنّي لا اُحبّ أن يُصيبَكِ بسببي إلاّ خير. وقال لأصحابه: من أحبّ منكم أن يتبعني وإلاّ فهو آخر العهد، إنّي سأحدثكم حديثاً: إنّا غزونا البحر ففتح الله علينا وأصبنا غنايم، فقال لنا سلمان الفارسي رحمة الله عليه : أَفَرِحْتُم بما فتح الله عليكم وأصبتم من الغنائم؟ قلنا: نعم، فقال: إذا أدركتم سيّد شباب آلمحمد فكونوا أشدّ فرحاً بقتالكم معه ممّا أصبتم اليوم من الغنائم. فأمّاأنا فأستودعكم الله. قالوا: ثم ـ والله ـ مازال في القوم مع الحسين(عليه السلام) حتى قتل رحمة الله عليه(1).
أنباء الانتكاسة تتوارد على الإمام(عليه السلام) :
ها هي الكوفة تضطرب وتموج، والانتكاسة الخطيرة قد لاحت ملامحها، وبدأ ميزان القوى يميل لصالح السلطة الاُمويّة، والوهن بدأ يدبّ والانحلال يسري في أوساط المعارضة، وبدأ الإرهاب والتجسس والرشوة تفعل فعلتها، فتلاشت المعارضة ونكص المبايعون، وقُتل مسلم بن عقيل وهانيء بن عروة وقيس بن مُسهر الصيداوي، وسُجِنَ المختار بن عبيدة الثقفي، وانقلبت أوضاع الكوفة على أعقابها.
وواصل الإمام الحسين(عليه السلام) المسير، وليس لديه معلومات جديدة عن تطور الأحداث، فأرسل عبدالله بن يقطر إلى مسلم بن عقيل ليستجلي الموقف، إلاّ أنّ الحسين اُخبرَ في الطريق في موضع يدعى «الثعلبية» بانتكاسة الثورة واستشهاد مسلم بن عقيل، أمّا رسوله الثاني هذا إلى مسلم فقد وقع أسيراً أيضاً بيد جنود الحصين فنقل إلى ابن زياد في الكوفة، وكان كرسول الحسين(عليه السلام) السابق مثالا للصلابة والجرأة والإخلاص.
ــــــــــــــــــــــــ 
(1) الإرشاد : 2 / 72 ـ 73 ، والكامل في التأريخ : 3 / 177 ، والأخبار الطوال : 246 . 

 الصفحة (174)
ووصل خبر أسر الرسول واستشهاده إلى الإمام(عليه السلام) في موضع يدعى «زبالة» وهكذا راحت تتوارد على الإمام أنباء الانتكاسة، ولاحت له بوادر النكوص الخطير، وشعر بالخذلان ونقض العهد، فوقف في أصحابه وأهل بيته يبلغهم بما استجدّ من الحوادث، ويضع أمامهم الحقائق، ليكونوا على بصيرة من الأمر، فقال لهم: «بسم الله الرحمن الرحيم، أمّا بعد، فإنَّه قد أتانا خبر فظيعقتلُ مسلم بن عقيل وهانيء بن عروة وعبدالله بن يقطر، وقد خذلنا شيعتُنا، فمن أحبَّ منكم الانصراف فلينصرفْ في غير حرج ليس معه ذمام».
فتفرّق الناس عنه وأخذوا يميناً وشمالا، حتى بقي في أصحابهالذين جاءوا معه من المدينة ونفر يسير ممن انضموا إليه، وإنَّما فعلذلك لأنّه(عليه السلام) علم أنّ الأعراب الذين اتّبعوه إنّما اتّبعوه وهم يظنّون أنَّهيأتي بلداً قد استقامت له طاعةُ أهله، فكره أن يسيروا معه إلاّ وهميعلمون على ما يقدمون(1). فلمّا كان السَحَر أمر أصحابَه فاستقَوْا ماءًوأكثروا، ثم ساروا.
لقاء الإمام الحسين(عليه السلام) مع الحرّ :
وبينما كان الإمام(عليه السلام) يسير بمن بقي معه من أصحابه المخلصين وأهل بيته وبني عمومته; إذا بهم يرون أشباحاً مقبلة من مسافات بعيدة، وظنّها بعضهم أشباح نخيل، ولكن لم يكن الذي شاهدوه أشجار النخيل، ولكنّها جيوش زاحفة، فبعد قليل تبيّن لهم أنّ تلك الأشباح المقبلة عليهم هي ألف فارس من جند ابن زياد بقيادة الحرّ بن يزيد الرياحي، أرسلها ابن زياد لتقطع الطريق على الحسين(عليه السلام) وتسيّره كما يريد، ولمّا اقتربوا من ركب الحسين(عليه السلام) سألهم عن المهمّة التي جاءوا من أجلها، فقال لهم الحرّ: لقد 
ــــــــــــــــــــــــ 
(1) الإرشاد : 2/ 75 ـ 76 ، والبداية والنهاية : 8 / 182 ، وأعيان الشيعة : 1 / 595 . 

 الصفحة (175)
اُمرنا أن نلازمكم ونجعجع بكم حتى ننزلكم على غير ماء ولا حصن، أو تدخلوا في حكم يزيد وعبيدالله بن زياد(1).
وجرى حوار طويل بين الطرفين وجدال لم يتوصّلا فيه الى نتيجة حاسمة ترضي الطرفين، فلقد أبى الحرّ أن يمكِّنَ الحسينَ من الرجوع إلى الحجاز أوسلوك الطريق المؤدّية إلى الكوفة، وأبى الحسين(عليه السلام) أن يستسلم ليزيد وابن زياد(2)، وكان ممّا قاله الحسين وهو واقف بينهم خطيباً: «أيّها الناس! إنّي لم آتِكم حتى أتتني كتبُكم وقدمِتْ عليّ رُسُلُكُم، أنِ أقدم علينا، فإنه ليس لنا إمام، لعلّ الله أن يجمعنا بك على الهُدى والحقِّ، فإن كنتم على ذلك فقد جئتكم فأعطوني ما أطمئنُ إليه من عهودكم ومواثيقكم، وإن لم تفعلوا وكنتم لمقدمي كارهين اِنْصَرَفْتُ عنكم إلى المكانِ الذي جئتُ مِنه إليكم». فسكتوا عنه ولم يتكلّم أحد منهم بكلمة، فقال للحرّ : «أتريد أن تصلّيَ بأصحابك؟» قال: لا، بل تُصلّي أنت ونصلّي بصلاتك، فصلّى بهم الحسين(عليه السلام)(3).
وبعد أن صلّى الإمام(عليه السلام) بهم العصر خاطبهم بقوله: «أمّا بعد، فإنّكم إنْ تتّقوا الله وتعرفوا الحقّ لأهله تكونوا أرضى لله عنكم، ونحن أهل بيت محمّد وأولى بولاية هذا الأَمر عليكم من هؤلاء المدّعين ما ليس لهم والسائرينَ فيكم بالجوْرِ والعدوانِ، وإنْ أبيتم إلاّ الكراهية لنا والجهل بحقّنا، وكان رأيكم الآن غير ما أتتني به كتبكم وقدمت به عليَّ 
ــــــــــــــــــــــــ 
(1) تأريخ الطبري : 3 / 305 ، ومقتل الحسين للخوارزمي : 1 / 229 ، والبداية والنهاية : 8 / 186 ، وبحار الأنوار : 44 / 375.
(2) تأريخ الطبري : 3 / 305 ، مقتل الحسين (عليه السلام) للخوارزمي : 1 / 229 ، البداية والنهاية : 8 / 186 ، بحار الأنوار : 44 / 375.
(3) الإرشاد : 2 / 79 ، والفتوح لابن أعثم : 5 / 85 ، ومقتل الحسين للخوارزمي : 1 / 596 . 

 الصفحة (176)
رُسُلُكُم انصرفت عنكم»(1)، فقال له الحرّ: أنا والله ما أدري ما هذه الكتب والرسل التي تذكر، فقال الحسين(عليه السلام) لبعض أصحابه: «يا عقبة بن سمعان، أخرج الخرجين اللّذين فيهما كتبهم إليَّ» فأخرجَ خرجين مملوءين صُحُفاً فنثرت بين يديه. فقال له الحرّ: إنّا لسنا من هؤلاء الذين كتبوا إليك وقد أُمِرْنا إذا نحن لقيناك ألاّنفارقك حتى نُقدِمَكَ الكوفة على عبيدالله.
فقال له الحسين(عليه السلام): «الموت أدنى إليك من ذلك» ثم قال لأَصحابه: «قوموا فاركبوا»، فركبوا وانتظروا حتى ركبت نساؤهم، فقال لاِصحابه: «انصرفوا»، فلمّا ذهبوا لينصرفوا حال القوم بينهم وبين الانصراف،فقال الحسين(عليه السلام) للحرّ: «ثَكَلَتْكَ اُمُّك ما تريد؟»، قال له الحرّ: أما لو غيركمن العرب يقولها لي وهو على مثل الحال التي أنت عليها ما تركت ذكراُمّه بالثكل كائناً مَنْ كان، ولكن والله ما لي إلى ذكر اُمِّك من سبيل إلاّ بأحسنما نقدر عليه(2).
النزول في أرض الميعاد :
أقلقت الأخبار عن تقدّم الإمام الحسين(عليه السلام) نحو الكوفة ابن زياد وأعوان السلطة الاُموية، فأسرع بكتابه إلى الحرّ بن يزيد الرياحي يطلب فيه أن لا يسمح بتقدّم الإمام حتى تلتحق به جيوش بني اُميّة وتلتقي به بعيداً عن الكوفة خشية أن يستنهض أهلها ثانية، وليستغل ابن زياد ظروف المنطقه الصعبة للضغط على الإمام(عليه السلام) واستسلامه.
ــــــــــــــــــــــــ 
(1) الفتوح لابن أعثم : 5 / 87 ، وتأريخ الطبري : 3 / 206 ، ومقتل الحسين للخوارزمي : 1 / 332 .
(2) الإرشاد: 2 / 80 ، تاريخ الطبري: 3 /306. 

 الصفحة (177)
وبغباء المنحرف الساذج وجهالته ردّ حامل كتاب ابن زياد على أحد أصحاب الحسين(عليه السلام) ـ يزيد بن مهاجر ـ مدافعاً عمّا جاء به قائلا: أطعت إمامي ووفيت ببيعتي، فقال له ابن مهاجر: بل عصيت ربّك وأطعت إمامك في هلاك نفسك وكسبت العار والنار، وبئس الإمام إمامك، قال الله تعالى: (وجعلناهم أئمّة يدعون إلى النار ويوم القيامة لاينصرون)(1).
وحالت جنود ابن زياد قافلة الإمام الحسين(عليه السلام) دون الاستمرار في المسير، فقد منعهم جيش الحرّ بن يزيد وأصرّوا على أن يدفعوا الإمام(عليه السلام) نحو عراء لا خضرة فيها ولا ماء.
وكان زهير بن القين متحمّساً لقتال جيش الحرّ قبل أن يأتيهم المدد من قوات بني اُميّة، فقال للحسين(عليه السلام): «إنّ قتالهم الآن أيسر علينا عن قتال غيرهم»، ولكنّ الإمام(عليه السلام) رفض هذا الرأي لأنّ القوم لم يعلنوا حرباً عليهبعد، وما كان ذلك الموقف النبيل إلاّ لما كان يحمله الإمام من روح تتسعللاُمّة جمعاء، وأيضاً لعظيم رسالته التي يدافع عنها وقِيَمهِ التي كان يسعىالى بنائها في الاُمّة رغم أنّها بدت تظهر العداء سافراً ضدّه، فقال(عليه السلام): «ماكنت لأبدأهم بقتال».
وكان نزول الإمام في كربلاء في يوم الخميس الثاني من محرم سنة إحدى وستين(2)، ثم اقترح زهير على الإمام(عليه السلام) أن يلجأوا الى منطقة قريبة يبدو فيها بعض ملامح التحصين لمواجهة الجيش الاُموي لو نشبت المعركة.
وسأل الإمام(عليه السلام) عن اسم هذه المنطقة فقيل له: كربلاء، عندها دمعت 
ــــــــــــــــــــــــ 
(1) القصص (28) : 41 .
(2) تأريخ الطبري : 3 / 309، ومعجم البلدان : 4 / 444، وإعلام الورى : 1 / 451، والأخبار الطوال : 252، وبحار الأنوار : 44 / 380. 

 الصفحة (178)
عيناه وهو يقول: «اللهم أعوذ بك من الكرب والبلاء»، ثم قال: «ذات كرب وبلاء، ولقد مرّ أبي بهذا المكان عند مسيره الى صفّين وأنا معه فوقف، فسأل عنه فاُخبر باسمه فقال: ها هنا محطّ ركابهم، وهاهنا مهراق دمائهم، فسئل عن ذلك فقال: ثقل لآل بيت محمد ينزلون هاهنا»(1).
وقبض الإمام الحسين(عليه السلام) قبضةً من ترابها فشمّها وقال: «هذهوالله هي الأرض التي أخبر بها جبرئيل رسول الله أننّي اُقتل فيها، أخبرتنياُم سلمة»(2).
فأمر الإمام(عليه السلام) بالنزول ونصب الخيام إلى حين يتّضح الأمر ويتّخذ القرار النهائي لمسيرته.
جيش الكوفة ينطلق بقيادة عمر بن سعد :
وفي تلك الأثناء خرج عمر بن سعد من الكوفة في جيش قدّرته بعض المصادر بثلاثين ألفاً، وبعضها بأكثر من ذلك، وفي رواية ثالثة: إنّ ابن زياد قد استنفر الكوفة وضواحيها لحرب الحسين و توعّد كلَّ مَنْ يقدر على حمل السلاح بالقتل والحبس إن لم يخرجْ لحرب الحسين.
وكان من نتائج ذلك أن امتلأت السجونُ بالشيعة واختفى منهم جماعة، وخرج مَنْ خرج لحرب الحسين من أنصار الاُمويّين وأهل الأطماع والمصالح الذين كانوا يشكّلون أكبر عدد في الكوفة، أمّا رواية الخمسة آلاف مقاتل التي تبنّاها بعض المؤرّخين فمع أ نّها من المراسيل، لا تؤيّدها الظروف والملابسات التي تحيط بحادث من هذا النوع الذي لا يمكن لأحد 
ــــــــــــــــــــــــ 
(1) مجمع الزوائد : 9 / 192، والأخبار الطوال : 253، وحياة الحيوان للدميري : 1 / 60.
(2) تذكرة الخواص : 260، ونفس المهموم : 205، وناسخ التواريخ : 2 / 168، وينابيع المودة: 406. 

 الصفحة (179)
أنيقدِمَ عليه إلاّ بعد أن يُعِدَّ العُدَّة لكلّ الاحتمالات، ويتّخذ جميعا لاحتياطات، وبخاصة إذا كان خبيراً بأهل الكوفة وتقلّباتهم وعدم ثباتهمعلى أمر من الأُمور(1).
وتوالت قطعات الجيش الأموي بزعامة عمر بن سعد فأحاطت بالحسين(عليه السلام) وأهله وأصحابه، وحالت بينهم وبين ماء الفرات القريب منهم. وقد جرت مفاوضات محدودة بين عمر بن سعد والإمام الحسين(عليه السلام) أوضح فيها الإمام(عليه السلام) لهم عن موقفه وموقفهم ودعوتهم له، وألقى عليهم كل الحجج في سبيل إظهار الحق، وبيّن لهم سوء فعلهم هذا وغدرهم ونقضهم للوعود التي وعدوه بها من نصرته وتأييده، وضرورة القضاء على الفساد.
ولكن عمر بن سعد كان أداة الشرّ المنفّذة للفساد والظلم الاُموي، فكانت غاية همّته هي تنفيذ أوامر ابن زياد بانتزاع البيعة من الإمام(عليه السلام)ليزيد أو قتله وأهل بيته وأصحابه(2)، متجاهلا حرمة البيت النبوي بل وحاقداً عليه كما جاء في رسالته لعمر: أن حُلْ بين الحسين وأصحابه وبين الماء، فلا يذوقوا قطرة كما صُنع بالتقي الزكي عثمان بن عفان(3).
ــــــــــــــــــــــــ 
(1) سيرة الائمّة الاثني عشر القسم الثاني : 68.
(2) الارشاد للمفيد: 2 / 85، الفتوح : 5 / 97، بحار الأنوار : 44 / 284، إعلام الورى: 1 / 451، البداية والنهاية : 8 / 189، مقتل الحسين للخوارزمي : 1 / 245.
(3) إعلام الورى : 1 / 452. 

 الصفحة (180)
الصفحة (181)
البحث السادس:
ماذا جرى في كربلاء؟
ليلة عاشوراء :
نهض عمر بن سعد إلى الحسين (عليه السلام) عشية يوم الخميس لتسع مضين من المحّرم، وجاء شمر حتى وقف على أصحاب الحسين (عليه السلام) فقال: أين بنو اُختنا؟ يعني العباس وجعفر وعبدالله وعثمان أبناء عليّ (عليه السلام). فقال الحسين(عليه السلام) : أجيبوه وإن كان فاسقاً فإنّه بعض أخوالكم ; وذلك أنّ اُمّهم اُمّ البنين كانت من بني كلاب وشمر بن ذي الجوشن من بني كلاب أيضاً.
فقالوا له : ما تريد ؟ فقال لهم : أنتم يا بني اُختي آمنون فلا تقتلوا أنفسكم مع أخيكم الحسين والزموا طاعة يزيد. فقالوا له: لعنك الله ولعن أمانك! أتؤمننا وابن رسول الله لا أمان له ؟
وناداه العباس بن أمير المؤمنين تبّت يداك ولعن ما جئتنا به من أمانك يا عدوّ الله! أتأمرنا أن نترك أخانا وسيّدنا الحسين بن فاطمة وندخل في طاعة اللعناء وأولاد اللعناء ؟ !
ثم نادى عمر بن سعد يا خيل الله! اركبي وبالجنة أبشري. فركب الناس ثم زحف ابن سعد نحوهم بعد العصر والحسين (عليه السلام) جالس أمام بيته محتب بسيفه، إذ خفق برأسه على ركبتيه، فسمعت اُخته زينب الصيحة، فدنت من أخيها وقالت : يا أخي! أما تسمع هذه الأصوات قد اقتربت ؟ فرفع الحسين(عليه السلام) رأسه فقال: إني رأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) الساعة في المنام فقال إنّك تروح إلينا، فلطمت اُخته وجهها، ونادت بالويل، فقال لها الحسين (عليه السلام) : ليس لكِ الويل، يا اُخيّة اسكتي، رحمك الله .
وقال له العباس : يا أخي أتاك القوم فنهض ثم قال : يا عباس اركب ـ بنفسي يا أخي ـ أنت حتى تلقاهم وتقول لهم : ما بالكم وما بدا لكم ؟ وتسألهم

 الصفحة (182)
عمّا جاء بهم؟ فأتاهم في نحو من عشرين فارساً منهم زهير بن القين وحبيب بن مظاهر فسألهم فقالوا: قد جاء أمر الأمير أن نعرض عليكم أن تنزلوا على حكمه أو نناجزكم ، قال : فلا تعجلوا حتى أرجع إلى أبي عبدالله فأعرض عليه ما ذكرتم ، فوقفوا ورجع العباس إليه بالخبر ووقف أصحابه يخاطبون القوم ويعظونهم ويكفّونهم عن قتال الحسين (عليه السلام) .
فلما أخبره العباس بقولهم قال له : ارجع إليهم فإن استطعت أن تؤخّرهم إلى غدوة وتدفعهم عنّا العشية لعلّنا نصلّي لربّنا الليلة وندعوه ونستغفره فهو يعلم أني كنت أحبّ الصلاة له وتلاوة كتابه وكثرة الدعاء والاستغفار .
فسألهم العباس ذلك ، فتوقف ابن سعد ، فقال له عمرو بن الحجاج الزبيدي : سبحان الله! والله لو أ نّهم من الترك أو الديلم وسألونا مثل ذلك لأجبناهم، فكيف وهم آل محمد ؟ ! وقال له قيس بن الأشعث بن قيس: أجبهم، لعمري ليصبحنّك بالقتال . فأجابوهم إلى ذلك .
وجمع الحسين (عليه السلام) أصحابه عند قرب المساء . قال الإمام زين العابدين (عليه السلام): فدنوت منه لأسمع ما يقول لهم وأنا إذ ذاك مريض، فسمعت أبي يقول لأصحابه : اُثني على الله أحسن الثناء وأحمده على السرّاء والضرّاء، اللهم إني أحمدك على أن أكرمتنا بالنبوة وعلّمتنا القرآن وفقّهتنا في الدين، وجعلت لنا أسماعاً وأبصاراً وأفئدة فاجعلنا لك من الشاكرين .
( أمّا بعد ) فإني لا أعلم أصحاباً أوفى ولا خيراً من أصحابي ولا أهل بيت أبرّ ولا أوصل من أهل بيتي، فجزاكم الله عني خيراً ألا وإنّي لأظنّ أنه آخر يوم لنا من هؤلاء ألا وإني قد أذنت لكم فانطلقوا جميعاً في حلّ ليس عليكم منّي ذمام، هذا الليل قد غشيكم فاتّخذوه جملاً، وليأخذ كل واحد منكم بيد رجل من أهل بيتي وتفرّقوا في سواد هذا الليل وذروني وهؤلاء القوم; فإنّهم لا يريدون غيري .
فقال له اخوته وأبناؤه وبنو أخيه وأبناء عبدالله بن جعفر : ولِمَ نفعل 

 الصفحة (183)
ذلك ؟ لنبقى بعدك ؟ لا أرانا الله ذلك أبداً . بدأهم بهذا القول أخوه العباس بن أمير المؤمنين واتبعه الجماعة عليه فتكلموا بمثله ونحوه .
ثم نظر إلى بني عقيل فقال : حسبكم من القتل بصاحبكم مسلم إذهبوا قد أذنت لكم ، قالوا : سبحان الله! فما يقول الناس لنا وما نقول لهم، إنّا تركنا شيخنا وسيّدنا وبني عمومتنا خير الأعمام ولم نرم معهم بسهم ولم نطعن معهم برمح ولم نضرِب معهم بسيف ولا ندري ما صنعوا، لا والله ما نفعل ذلكولكنّنا نفديك بأنفسنا وأموالنا وأهلينا ونقاتل معك حتى نردَ موردك، فقبّحالله العيش بعدك .
وقام إليه مسلم بن عوسجة الأسدي فقال : أنحن نخلّي عنك وقد أحاط بك هذا العدّو ؟ وبم نعتذر إلى الله في أداء حقّك ؟ لا والله لا يراني الله أبداً وأنا أفعل ذلك حتى أكسر في صدورهم رمحي وأضاربهم بسيفي ما ثبت قائمه بيدي، ولو لم يكن معي سلاح اُقاتلهم به; لقذفتهم بالحجارة ولم اُفارقك أو أموت معك .
وقام سعيد بن عبدالله الحنفي فقال: لا والله يا ابن رسول الله لا نخلّيك أبدا حتّى يعلم الله أنّا قد حفظنا فيك وصيّة رسوله محمّد (صلى الله عليه وآله) والله لو علمت أني اُقتل فيك ثم أحيا ثم اُحرق ثم اُذرى يُفعل ذلك بي سبعين مرّة; ما فارقتك حتى ألقى حِمامي دونَك ، وكيف لا أفعل ذلك وإنّما هي قتلة واحدة ثمّ أنال الكرامة التي لا انقضاء لها أبداً .
وقام زهير بن القين وقال : والله يا ابن رسول الله لوددت أني قُتلت ثم نُشرت ألف مرّة وأنّ الله تعالى يدفع بذلك القتل عن نفسك وعن نفس هؤلاء الفتيان من إخوانك وولدك وأهل بيتك .
وتكلّم بقيّة أصحابه بكلام يشبه بعضه بعضاً وقالوا : أنفسنا لكالفداء نقيك بأيدينا ووجوهنا، فإذا نحن قُتلنا بين يديك نكون قد وفينا

 الصفحة (184)
لربّنا وقضينا ما علينا(1) .
وأمر الحسين (عليه السلام) أصحابه أن يقرّبوا بين بيوتهم، ويدخلوا الأطناب بعضها في بعض، ويكونوا بين يدي البيوت كي يستقبلوا القوم من وجه واحد والبيوت من ورائهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم قد حفّت بهم إلاّ الوجه الذي يأتيهم منه عدوّهم .
وقام الحسين(عليه السلام) وأصحابه الّليل كله يصلّون ويستغفرون ويدعون، وباتوا ولهم دويّ كدويّ النحل ما بين راكع وساجد وقائم وقاعد، فعبر إليهم في تلك الليلة من عسكر ابن سعد اثنان وثلاثون رجلاً .
قال بعض أصحاب الحسين (عليه السلام) : مرّت بنا خيل لابن سعد تحرسنا وكان الحسين (عليه السلام) يقرأ (ولا يحسبنّ الذين كفروا انّما نملي لهم خيرٌ لأنفسهم إنّما نُملي لهم ليزدادوا إثماً ولهم عذابٌ مهين) ، (ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيّب) فسمعها رجل من تلك الخيل يقال له عبدالله بن سمير فقال : نحن وربّ الكعبة الطيّبون ميزنا منكم ، فقال له برير بن خضير : يا فاسق أنت يجعلك الله من الطيبين ؟ ! فقال له : مَن أنت ويلك ؟ قال : أنا برير بن خضير فتسابّا ، فلمّا كان وقت السحر خفق الحسين (عليه السلام) برأسه خفقة ثم استيقظ فقال : «رأيت كأنّ كلاباً قد جهدت تنهشني وفيها كلب أبقع رأيته أشدّها عليّ وأظنّ أنّ الذي يتولّى قتلي رجلٌ أبرص»(2).
يوم عاشوراء :
انقضت ليلة الهدنة، وطلع ذلك اليوم الرهيب، يوم عاشوراء، يومالدم والجهاد والشهادة، وطلعت معه رؤوس الأسنّة والرماح والأحقادوهي مشرعة لتلتهم جسد الحسين(عليه السلام) وتفتك بدعاة الحق والثوار من أجل الرسالة والمبدأ.
ــــــــــــــــــــــــ 
(1) الإرشاد: 2/93.
(2) راجع أعيان الشيعة : 1 / 601 . 

 الصفحة (185)
نظر الحسين(عليه السلام) إلى الجيش الزاحف، ولم يزل(عليه السلام) كالطود الشامخ، قد اطمأنت نفسه، وهانت دنيا الباطل في عينه، وتصاغر جيش الباطل أمامه، ورفع يديه متضرعاً إلى الله تعالى قائلاً : «اللهم أنت ثقتي في كل كَرْب، وأنترَجائي في كُلِ شِدّة وأنت لي في كل أمر نَزَلَ بي ثقةٌ وعدَّةٌ، كم من همٍّ يَضْعَفُ فيهالفؤاد وتقلّ فيه الحيلة ويخذُلُ فيه الصديق و يشمت فيه العدوّ، أنزلته بك وشكوتهاليك، رغبة مني إليك عمّن سواك ففرّجته عني وكشفته فأنت وليّ كل نعمة وصاحب كل حسنة ومنتهى كل رغبة(1).
خطاب الإمام(عليه السلام) في جيش الكوفة :
أخذ جيش عمر بن سعد يشدِّد الحصار على الإمام(عليه السلام) ولما رأى الحسين(عليه السلام) كثرتهم وتصميمهم على قتاله إذا لم يستسلم ليزيد بن معاوية، تعمّم بعمامة رسول الله(صلى الله عليه وآله) وركب ناقته وأَخذ سلاحه ثم دنا من معسكرهم بحيث يسمعون صوته وراح يقول: «ياأهل العراق ـ وجُلُّهُمْ يسمعون ـ »فقال: أيها الناس اسمعوا قولي ولا تعجلوا حتى أعظَكم بما يحق لكم عليَّ وحتى أُعْذَرَ إليكم فإن أعطيتموني النّصف كنتم بذلك أسعد، وإن لم تعطوني النّصف من أنفسكم فاجمعوا رأيكم ثم لا يكن أمركم عليكم غُمَّةً ثم اْقضوا اليَّ ولا تُنظِرونِ (إنَّ وليّيَ الله الذي أنزل الكتاب وهو يتولى الصالحين)، ثم حمد الله وأثنى عليه وذكرالله تعالى بما هو أهله وصلّى على النبي(صلى الله عليه وآله) وعلى ملائكته وأنبيائه فَلَمْ يُسْمَعْ متكلمٌ قط قبلَه ولابعدَه أبلغُ في منطق منه» ثم قال: «أمّا بعد فانسبوني فانظروا مَنْ أنا ثم ارجعوا إلى أنفسكم وعاتبوها فانظروا هل يصلح لكم قتلي وانتهاكُ حُرمتي؟ ألَسْتُ ابنَ بنتِ نبيّكم وابنَ وصيِّه وابن عمّه وأوّل المؤمنين المصدّق لرسول الله(صلى الله عليه وآله) بما جاء به من عند ربه؟ أوليس حمزةُ سيدُ الشهداء عمّي؟ أو ليس جعفر الطيار في الجنّة بجناحين عَمّي؟ أو لم يبلغكم ما قال رسولُ الله(صلى الله عليه وآله) 
ــــــــــــــــــــــــ 
(1) الإرشاد : 2 / 96.

 الصفحة (186)
لي ولأخي: هذانِ سيّدا شباب أهل الجنة؟ فإنْ صدقتموني بما أقول ـ وهو الحق ـ فوالله ما تعمدتُ كذباً منذ علمت أن الله يَمْقُتُ عليه أهله، وإنْ كذبتموني فإنَّ فيكم مَنْ إذا سألتموه عن ذلك أخبركم، سلوا جابر بن عبدالله الأنصاري وأبا سعيد الخِدْري و سهل بنَ سعد الساعدي وزيد بن أرقم وأنسَ بن مالك يخبروكم أنهم سمعوا هذه المقالة من رسول الله(صلى الله عليه وآله) لي ولأخي، أما في هذا حاجز لكم عن سفك دمي؟... ثم قال لهم الإمام الحسين(عليه السلام): «فإن كنتم في شك من هذا فتشكّون أني ابن بنت نبيكم فوالله ليس ما بين المشرق والمغرب ابنُ بنتِ نبىّ غيري فيكم ولا في غيركم. ويحكم! أتطلبونني بقتيل منكم قَتَلْتُه أو مال لكم استهلكته أو بقصاص جراحة؟ فأخذوا لا يكلمونه، فنادى: يا شبث بن ربعي! ويا حجّار بن أبجر! ويا قيس بن الأشعث! ويا يزيد بن الحارث! ألَمْ تكتبوا اليَّ أنْ قد أينعت الثمار واْخضرّ الجَنابُ وإنما تقدِم على جند لك مجندة»؟ فقال لهقيس بن الأشعث: ماندري ما تقول، ولكن اِنزل على حكم بني عمّك. فقال له الحسين(عليه السلام): «لا والله، لا أعطيكم بيدي إعطاء الذليل ولا أفرُّ فِرار العبيد». ثم نادى: «يا عبادَ الله! إني عذْتُ بربّي ورَبِّكم أنْ ترجمُونِ، أعوذ بربّي و ربّكم من كلِّ متكبرلا يؤمن بيوم الحساب»(1).
لقد أبى القوم إلاّ الإصرار على حربه والتمادي في باطلهم، وأجابوه بمثل ما أجاب به أهل مدين نبيَّهم كما حكى الله عزوجل عنهم في كتابه الكريم: (مانفقه كثيراً ممّا تقول ،وإنا لنراك فينا ضعيفاً)(2).
الحر يخيّر نفسه بين الجنّة والنار :
وتأثر الحر بن يزيد الرياحي بكلمات الإمام الحسين(عليه السلام) وندم على ما سبق منه معه، وراح يدنو بفرسه من معسكر الحسين تارة ويعود الى موقفه أخرى وبدا عليه القلق والاضطراب. وعند ما سئل عن السبب في ذلك قال: 
ــــــــــــــــــــــــ 
(1) الإرشاد: 2 / 98، إعلام الورى: 1/459.
(2) هود (11) : 91 . 

 الصفحة (187)
«والله إني أُخيِّرُ نفسي بين الجنة والنار وبين الدنيا والآخرة ولا ينبغي لعاقل أن يختار على الآخرة والجنة شيئاً»، ثم ضرب فرسه والتحق بالحسين(عليه السلام) ووقف على باب فسطاطه، فخرج إليه الحسين(عليه السلام) فانكبَّ عليه الحرّ يُقبّل يديه ويسأله العفو والصفح، فقال له الحسين(عليه السلام): «نعم يتوب الله عليك وهو التّواب الرحيم». فقال له الحر: والله لا أرى لنفسي توبة إلاّ بالقتال بين يديك حتى أموتَ دونك. وخطب الحر في أهل الكوفة فوعظهم وذكّرهم موقفهم من الإمام(عليه السلام) ودعوتهم له وحثّهم على عدم مقاتلة الإمام(عليه السلام) ثم مضى إلى الحرب فتحاماه الناس، ثم تكاثروا عليه حتى استشهد(1).
المعركة الخالدة :
حصّن الإمام(عليه السلام) مخيّمه وأحاط ظهره بخندق أوْقَد فيه النارليمنع المباغتة والالتفاف عليه من الخلف، وليحميَ النساء والأطفالمن العدوان المحقّق.
نظر شمر بن ذي الجوشن إلى النار في الخندق فصاح: « يا حسينُ تعجّلت النار قبل يوم القيامة، فرد عليه أنت أولى بها صِلِيّا»(2)، وحاول صاحب الحسين(عليه السلام) مسلم بن عوسجة أن يرميه بسهم، فاعترضه الإمام ومنعه قائلا: «لا ترمه فإني أكره أن أبدأهم»(3).
ويقول المؤرخون: إن بعض أصحاب الإمام خطب بالقوم بعد خطبة الإمام الاُولى، وأنّ الإمام (عليه السلام) أخذ مصحفاً ونشره على رأسه ووقف بإزاء القوم فخاطبهم للمرة الثانية بقوله : يا قوم! إنّ بيني وبينكم كتاب الله وسنّة جدّي
ــــــــــــــــــــــــ 
(1) الإرشاد : 2 / 99 ، الفتوح : 5 / 113، بحار الأنوار : 5 / 15 .
(2) مقتل الحسين ، للمقرم: 277 .
(3) مقتل الحسين ، للمقرم: 277 ، تاريخ الطبري : 3 / 318. 

 الصفحة (188)
رسول الله(صلى الله عليه وآله) ثم استشهدهم عن نفسه المقدسة وما عليه من سيف النبي (صلى الله عليه وآله) ودرعه وعمامته فأجابوه بالتصديق فسألهم عمّا أقدمهم على قتله، قالوا: طاعةً للأمير عبيدالله ابن زياد، فقال(عليه السلام): «تباً لكم أيتها الجماعَةُ وترحاً أحين استصرختمونا(1) والهين فأصرخناكم موجفين، سللتم علينا سيفاً لنا في أيمانكم، وحَشَشْتم علينا ناراً اقتدحناها على عدوّنا وعدوّكم فأصبحتم إلباً(2) لأعدائكم على أوليائكم بغير عدل أفشوه فيكم ولا أمل أصبح لكم فيهم، فهلاّ ـ لكم الويلاتُ ـ تركتمونا والسيفُ مشيم والجأش طامن والرأي لمّا يستحصفْ! ولكن أسرعتم إليها كطيرة الدَّبا(3)، وتداعيتم عليها كتهافُتِ الفراش، ثم نقضتموها فسُحْقاً لكم يا عبيدَ الأُمّة وشُذّاذَ الأحزابِ و نبذة الكتابِ ومحرّفي الكلِمِ وعصبة الإثمِ ونفثةَ الشيطان ومطفئي السُنَنِ، ويْحَكم! أهؤلاء تعضدون وعنا تتخاذلون؟ أجل! والله غدرٌ فيكم قديم، وشجت عليه اُصولكم وتأزرت فروعكم، فكنتم أخبثَ ثمر، شجىً للناظر وأكلةً للغاصب. ألا وإن الدعيَّ ابن الدعي قد ركز بين اثنتين بين السِّلة والذلة. وهيهات منا الذلة! يأبى اللهُ لنا ذلك ورسولُه والمؤمنون، وحجورٌ طابت وطَهُرَتْ واُنوفٌ حميةٌ ونفوسٌ أبيّةٌ من أن تؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام. ألا وإني زاحف بهذه الاُسرة على قلة العدد وخذلان الناصر. ثم أنشدَ أبياتِ فروة بن مسيك المرادي:
فـاِنْ نَـهْزِمْ فهزّامون قِدْما      وإن نُـهْزَمْ فـغيْرُ مهزَّمينا
ومـا إن طـبَّنا جُبْنٌ ولكن      مـنايانا  ودولـةُ آخـرينا
فَـقُلْ  لـلشامتين بنا أفيقوا      سَـيَلْقى  الشامتون كما لقينا
إذا ما الموتُ رَفَّعَ عن اُناس      كـلاكله أنـاخ بآخرينا(4)
أما والله لا تلبثون بعدها إلاكريثما يُركبُ الفرس، حتى تدور بكم دور الرَّحى، و تقلق بكم قلق المحور، عهد عهده إليّ أبي عن جدي رسول الله(صلى الله عليه وآله) (فأجمعوا أمركم 
ــــــــــــــــــــــــ 
(1) استصرختمونا: طلبتم نجدتنا. 
(2) إلباً: مجتمعين متضامنين ضدنا.
(3) الدَّبا : الجراد الصغير.
(4) تاريخ ابن عساكر: 69/265، اللهوف في قتلى الطفوف، ابن طاووس: 59 و 124. 

 الصفحة (189)
وشركاءكم ثم لا يكن أمركم عليكم غمة ثم اقضوا إليَّ ولا تنظرون)(1) (إني توكلتُ على الله ربي وربكم مامن دابة إلاّ هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم)(2). ثم رفعيديه نحو السماء وقال: «اللهم احبس عنهم قطر السماء وابعث عليهم سنينَ كسنيّ يوسف وسلِّطْ عليهم غلام ثقيف يسقيهم كأساً مصبَّرةً، فإنهم كذّبونا وخذلونا وأنت ربنا عليك توكلنا وإليك المصير»(3).
كل ذلك وعمر بن سعد مُصرّ على قتال الحسين(عليه السلام)، والإمام الحسين(عليه السلام) يحاور وينصح ويدفع القوم بالتي هي أحسن. ولما لم يجد النصح مجدياً قال لا بن سعد: «أيْ عمر أتزعم أنك تقتلني ويوليك الدعيّ بلاد الري وجرجان؟ والله لا تتهنّأ بذلك، عهد معهود، فاصنع ما أنت صانع، فإنك لا تفرح بعدي بدنيا ولا آخرة، وكأني برأسك على قصبة يتراماه الصبيان بالكوفة ويتخذونه غرضاً بينهم» فصرف ابن سعد وجهه عنه مغضباً(4).
واستحوذَ الشيطان على ابن سعد فوضع سهمه في كبد قوسه ثمرمى باتجاه معسكر الحسين(عليه السلام) وقال: «إشهدوا أني أولُ مَنْ رمى» ثمارتمى الناس وتبارزوا(5).
فخاطب الإمام(عليه السلام) أصحابه قائلا: «قوموا رحمكم الله إلى الموت الذي لابد منه، فإن هذه السهام رسل القوم اليكم»(6).
ــــــــــــــــــــــــ 
(2) و (2) يونس (10): 71 و هود (11) : 56 .
(3) مقتل الحسين، للمقرم: ص289 ـ 286، مقتل الحسين للخوارزمي : 2 / 6، تاريخ ابن عساكر، ترجمة الإمام الحسين(عليه السلام) : 216، راجع إعلام الورى : 1 / 458.
(4) مقتل الحسين للمقرم: 289.
(5) الإرشاد: 2 / 101 ، اللهوف : 100، إعلام الورى : 1 / 461.
(6) مقتل الحسين للمقرم : 292. 

 الصفحة (190)
فتوجهوا إلى القتال كالأُسود الضارية لا يبالون بالموت مستبشرين بلقاء الله جل جلاله، وكأنهم رأوا منازلهم مع النبيين والصديقين وعباده الصالحين، وكان لا يقتل منهم أحد حتى يقول: السلام عليك يا أبا عبدالله ويوصي أصحابه بأن يفدوا الإمام بالمهج والأرواح، واحتدمت المعركة بين الطرفين، (فكان لا يُقْتَلُ الرجل من أنصار الحسين(عليه السلام) حتى يَقْتل العشرة والعشرين)(1).
استمرت رحى الحرب تدور في ساحة كربلاء، واستمر معه شلاّل الدم المقدس يجري ليتخذ طريقه عبر نهر الخلود، وأصحابُ الحسين(عليه السلام) يتساقطون الواحد تلو الآخر، وقد أثخنوا جيش العدو بالجراح وأرهقوه بالقتل، فتصايح رجال عمر بن سعد: لو استمرت الحرب برازاً بيننا وبينهم لأتوا على آخِرنا. لنهجم عليهم مرة واحدة، ولنرشقهم بالنبال والحجارة.
فبدأ الهجوم والزحف نحو من بقي مع الحسين(عليه السلام) وأحاطوا بهم من جهات متعددة مستخدمين كل أدوات القتل وأساليبه الدنيئة حتى قتلوا أكثر جنود المعسكر الحسيني من الصحابة.
وزالت الشمس وحضر وقت الصلاة، وها هو الحسين(عليه السلام) ينادي للصلاة وقد تحول الميدان عنده محراباً للجهاد والعبادة، ولم يكن في مقدور السيوف والأسنّة أن تحول بينه وبين الحضور في ساحة المناجاة والعروج إلى حظائر القدس وعوالم الجمال والجلال.
ولم يزل يتقدّم رجل رجل من أصحابه فيقتل ، حتّى لم يبق مع الحسين (عليه السلام) إِلاّ أهل بيته خاصّةً . فتقدّم ابنه عليّ بن الحسين (عليه السلام) ـ واُمّه ليلى بنت أبي مرّة بن عروة بن مسعود الثّقفيّ ـ وكان من أصبح النّاس وجهاً، 
ــــــــــــــــــــــــ 
(1) سيرة الأئمّة الاثني عشر : 2 / 76 . 
 الصفحة (191)
فشدَّ على النّاس وهو يقول :
أنا عليُّ بن الحسين بن علي      نحن  وبيت الله أولى بالنَّبي
تالله لا يحكم فينا ابن الدَّعي
ففعل ذلك مراراً وأهل الكوفة يتَّقون قتله ، فبصر به مرّة بن منقذ العبديّ فقال : عليَّ آثام العرب إن مرَّ بي يفعل مثل ذلك إن لم اثكل أباه ; فمرَّ يشدُّ على النّاس كما مرَّ في الأوّل ، فاعترضه مرّة بن منقذ فطعنه فصرع ، واحتوشه القومُ فقطّعوه بأسيافهم ، فجاء الحسين (عليه السلام) حتّى وقف عليه فقال : « قتل الله قوماً قتلوك يا بنيَّ ، ما أجرأَهم على الرّحمن وعلى انتهاك حرمة الرّسول ! » وانهملت عيناه بالدُّموع ثمّ قال: « على الدُّنيا بعدك العفا » وخرجت زينب أخت الحسين مسرعةً تنادي : يا أُخيّاه وابن أُخيّاه ، وجاءت حتّى أكبّت عليه، فأخذ الحسينُ برأسها فردَّها إلى الفسطاط ، وأمر فتيانه فقال: « احملوا أخاكم » فحملوه حتّى وضعوه بين يدي الفسطاط الّذي كانوا يقاتلون أمامه .
ثمّ رمى رجلٌ من أصحاب عمر بن سعد يقال له : عمرو بن صبيح عبدالله بن مسلم بن عقيل (رحمه الله) بسهم ، فوضع عبدالله يده على جبهته يتّقيه، فأصاب السّهم كفَّه ونفذ إلى جبهته فسمّرها به فلم يستطع تحريكها، ثمّ انتحى عليه آخر برمحه فطعنه في قلبه فقتله .
وحمل عبدالله بن قُطبة الطائي على عون بن عبدالله بن جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه فقتله .
وحمل عامر بن نهشل التّيميّ على محمّد بن عبدالله بن جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه فقتله .
وشدَّ عثمان بن خالد الهمدانيّ على عبد الرّحمن بن عقيل بن أبي طالب رضي الله عنه فقتله .
قال حميد بن مسلم : فإنّا لكذلك إذ خرج علينا غلام كأنَّ وجهه شقَّة 

 الصفحة (192)
قمر، في يده سيف وعليه قميص وإزار ونعلان قد انقطع شسع إحداهما، فقال لي عمر بن سعيد بن نفيل الأزديّ : والله لأشدَّنَّ عليه، فقلت: سبحان الله، وما تريد بذلك ؟ ! دعه يكفيكه هؤلاء القوم الّذين ما يبقون على أحد منهم ; فقال : والله لأشدَّنَّ عليه، فشدَّ عليه فما ولّى حتّى ضرب رأسه بالسّيف ففلقه ، ووقع الغلام لوجهه فقال : يا عمّاه ! فجلى(1) الحسين (عليه السلام) كما يجلي الصقر ثمّ شدَّ شدّة ليث أغضب ، فضرب عمر بن سعيد بن نفيل بالسّيف فاتّقاها بالسّاعد فأطنَّها من لدن المرفق ، فصاح صيحة سمعها أهل العسكر، ثمّ تنحّى عنه الحسين (عليه السلام) . وحملت خيل الكوفة لتستنقذه فوطأته بأرجلها حتّى مات .
وانجلت الغبرة فرأيت الحسين (عليه السلام) قائماً على رأس الغلام وهو يفحص برجله والحسين يقول : « بعداً لقوم قتلوك ومن خصمهم يوم القيامة فيك جدُّك » ثمّ قال: « عزَّ ـ والله ـ على عمّك أن تدعوه فلا يجيبك ، أو يجيبك فلا ينفعك ، صوت ـ والله ـ كثرَ واتروه وقلَّ ناصروه » ثمّ حمله على صدره ، فكأنِّي أنظر إلى رجلي الغلام تخطّان الأرض، فجاء به حتّى ألقاه مع ابنه عليِّ بن الحسين والقتلى من أهل بيته، فسألت عنه فقيل لي: هو القاسم بن الحسن بن عليِّ بن أبي طالب (عليهم السلام) .
ثمّ جلس الحسين (عليه السلام) أمام الفسطاط فاُتي بابنه عبدالله بن الحسين وهو طفل فأجلسه في حجره ، فرماه رجل من بني أسد بسهم فذبحه ، فتلقّى الحسين (عليه السلام) دمه ، فلمّا ملأ كفَّه صبَّه في الأرض ثمّ قال : « ربّ إن تكن حبست عنّا النّصر من السّماء فاجعل ذلك لما هو خير ، وانتقم لنا من هؤلاء القوم الظّالمين » ثمّ حمله حتّى وضعه مع قتلى أهله .
ــــــــــــــــــــــــ 
(1) جلّى ببصره : إذا رمى به كما ينظر الصقر الى الصيد . « الصحاح ـ جلا ـ 6 : 2305 » . 

 الصفحة (193)
ورمى عبدالله بن عقبة الغنويّ أبا بكر بن الحسن بن عليِّ بن أبي طالب (عليهم السلام) فقتله .
فلمّا رأى العبّاس بن عليّ رحمة الله عليه كثرة القتلى في أهله قال لإخوته من اُمِّه ـ وهم عبدالله وجعفر وعثمان ـ يا بني اُمِّي! تقدّموا حتّى أراكم قد نصحتم لله ولرسوله ، فإنّه لا ولد لكم . فتقدّم عبدالله فقاتل قتالاً شديداً، فاختلف هو وهانيء بن ثبيت الحضرميّ ضربتين فقتله هانيء لعنه الله. وتقدّم بعده جعفر بن عليّ (عليه السلام) فقتله أيضاً هانيء . وتعمّد خوليُّ بن يزيد الأصبحيّ عثمان بن عليّ (عليه السلام) وقد قام مقام إخوته فرماه بسهم فصرعه ، وشدَّ عليه رجل من بني دارم فاحتزَّ رأسه .
وحملت الجماعة على الحسين (عليه السلام) فغلبوه على عسكره ، واشتدَّ به العطش ، فركب المسنّاة(1) يريد الفرات وبين يديه العبّاس أخوه ، فاعترضته خيل ابن سعد وفيهم رجل من بني دارم فقال لهم: ويلكم حولوا بينه وبين الفرات ولا تمكِّنوه من الماء ، فقال الحسين (عليه السلام) : « اللّهمّ أظمئه » فغضب الدّارميُّ ورماه بسهم فأثبته في حنكه، فانتزع الحسين (عليه السلام) السّهم وبسط يده تحت حنكه فامتلأت راحتاه بالدَّم ، فرمى به ثمّ قال: « اللّهمَّ إنِّي أشكو إليك ما يفعل بابن بنت نبيِّك » ثمّ رجع إلى مكانه وقد اشتدَّ به العطش . 
استشهاد الإمام الحسين(عليه السلام)
لم يبقَ مع الإمام الحسين(عليه السلام) سوى أخيه العباس الذي تقدم إليه يطلب منه الإذن في قتال القوم فبكى الحسين وعانقه ثم أذن له فكان يحمل على أهل الكوفة فينهزمون بين يديه كما تنهزم المعزى من الذئاب الضارية 
_____________________
(1) المسناة : تراب عال يحجز بين النهر والأرض الزراعية . « تاج العروس ـ سنى ـ 10 : 185 » . 

 الصفحة (194)
وضجّ أهل الكوفة من كثرة من قتل منهم، ولما قتل قال الحسين(عليه السلام): «الآن انكسر ظهري وقلّت حيلتي وشمت بي عدوّي»(1).
وفي رواية اُخرى: ان الإمام الحسين(عليه السلام) اتجه الى نهر الفرات وبين يديه أخوه العباس فاعترضته خيل ابن سعد ـ لعنه الله ـ وفيهم رجل من بني دارم فقال لهم: ويلكم حولوا بينه وبين الفرات ولاتمكّنُوهُ من الماء، فقال الحسين(عليه السلام): اللهم أظمئه، فغضب الدارمي ورماه بسهم فأثبته في حنكه فانتزع الحسين(عليه السلام) السهم و بسط يده تحت حنكه فامتلأت راحتاه من الدم فرمى به ثم قال: «اللهم إني أشكو إليك ما يفعل بابن بنت نبيك»، ثم رجع إلى مكانه وقد اشتد به العطش وأحاط القوم بالعبّاس(عليه السلام) فاقتطعوه عنه فجعل يقاتلهم وحده حتى قتل رحمة الله عليه(2).
ونظر الحسين(عليه السلام) الى ما حوله، ومدّ ببصره إلى أقصى الميدان فلم يرَأحداً من أصحابه وأهل بيته إلاّ وهو يسبح بدم الشهادة، مقطّعَا الأوصال والأعضاء.
وهكذا بقي الإمام(عليه السلام) وحده يحمل سيف رسول الله(صلى الله عليه وآله) و بين جنبيه قلب علي (عليه السلام) وبيده راية الحق البيضاء، وعلى لسانه كلمة التقوى. 
الحسين(عليه السلام) وحيداً في الميدان :
حينما التفت أبو عبدالله الحسين(عليه السلام) يميناً وشمالا ولم ير أحداً يذبّ عن حرم رسول الله أخذ ينادي هل من ذابٍّ يذبّ عنا؟ فخرج الإمام زين العابدين(عليه السلام) من الفسطاط وكان مريضاً لا يقدر أن يحمل سيفه واُم كلثوم تنادي خلفه: يابني ارجع. فقال: «يا عمّتاه! ذريني اُقاتل بين يدي ابن
ــــــــــــــــــــــــ 
(1) سيرة الائمّة الاثني عشر : 2 / 77، بحار الأنوار : 45 / 440، المنتخب للطريحي : 431.
(2) الإرشاد: 2 / 109.

 الصفحة (195)
رسول الله(صلى الله عليه وآله)».
وإذا بالحسين(عليه السلام) ينادي: «يا اُم كلثوم! خذيه لئلاّ تبقى الأرض خالية من نسل آل محمد(صلى الله عليه وآله)»(1).
ويقول المؤرخون: إنه لما رجع الحسين(عليه السلام) من المسنّاة إلى فسطاطه تقدم إليه شمر بن ذي الجوشن في جماعة من أصحابه، فأحاطوا به فأسرع منهم رجل يقال له مالك بن النسر الكندي فشتم الحسين(عليه السلام) وضربه على رأسه بالسيف وكان عليه قلنسوة فقطعها حتى وصل إلى رأسه فأدماهفامتلأت القلنسوة دما، فقال له الحسين(عليه السلام): «لا أكلت بيمينك ولاشربت بها وحشرك الله مع القوم الظالمين».
ثم ألقى القلنسوة ودعا بخرقة فشدَّ بها رأسَه واستدعى قلنْسوة اُخرى فلبسها واعتمّ عليها، ورجع عنه شمر بن ذي الجوشن ومن كان معه إلى مواضعهم، فمكث هنيئة ثم عاد وعادوا إليه وأحاطوا به»(2).
حمل الإمام الحسين(عليه السلام) سيفه وراح يرفع صوته على عادة الحروب ونظامها في البراز، وراح ينازل فرسانهم، ويواجه ضرباتهم ببسالة نادرة وشجاعة فذّة، فما برز إليه خصم إلا وركع تحت سيفه ركوع الذل والهزيمة.
قال حميد بن مسلم: فوالله ما رأيت مكثوراً قط قد قتل ولده وأهل بيته وأصحابه أربط جأشاً ولا أمضى جناناً منه، أَن كانت الرجّالة لتشدّ عليه فيشدَّ عليها بسيفه فتنكشف عن شماله انكشاف المعزى إذا شدّ فيها الذئب(3).
ولمّا عجزوا عن مقاتلته، لجأوا إلى أساليب الجبناء; فقد استدعى شمر الفرسان فصاروا في ظهور الرجّالة، وأمر الرماة أنْ يرموه فرشقوه بالسهام حتى صار جسمُه كالقنفذ فأحجم عنهم، فوقفوا بإزائه وخرجت أُخته زينب 
ــــــــــــــــــــــــ 
(1) بحار الأنوار : 45 / 46.
(2) الإرشاد: 2 / 110، إعلام الورى : 1 / 467.
(3) الإرشاد : 2 / 111، إعلام الورى : 1 / 468. 

 الصفحة (196)
إلى باب الفسطاط فنادت عمر بن سعد بن أبي وقاص: ويلك يا عمر! أيقتل أبو عبدالله وأنت تنظر إليه؟! فلم يجبها عمر بشيء، فنادت ويحكم! أما فيكم مسلم؟ فلم يجبها أحد بشيء. ونادى شمر بن ذي الجوشن الفرسان والرجّالة فقال: ويحكم! ماتنتظرون بالرجل؟ ثكلتكم أُمهاتكم، فحملوا عليه من كل جانب.
فضربه زُرعة بن شريك على كتفه اليسرى فقطعها، وضربه آخر منهم على عاتقه فكبامنها لوجهه، وطعنه سنان بن أنس النخعي بالرمح فصرعه، وبدر إليه خُولى بن يزيد الأصبحي فنزل ليحتزّ رأسه فأرعد فقال له شمر: فتَّ الله في عضدك، مالك ترعد؟
ونزل شمر إليه فذبحه ثم رفع رأسه إلى خولى بن يزيد فقال: إحمله إلى الأمير عمر بن سعد.
ثم أقبلوا على سلب الحسين(عليه السلام) فأخذ قميصه اِسحاق بن حَيْوَة الحضرمي، وأخذ سراويله أبجر بن كعب، وأخذ عمامته أخنس بن مرثد، وأخذ سيفه رجل من بني دارم، وانتهبوا رحله وإبله وأثقاله وسلبوا نساءه(1).
امتداد الحمرة في السماء :
ومادت الأرض واسودَّتْ آفاق الكون وامتدت حمرة رهيبة في السماء كانت نذيراً من الله لاُولئك السفّاكين المجرمين الذين انتهكوا جميع حُرُماتِ الله(2).
وصبغ فرس الحسين(عليه السلام) ناصيته بدم الإمام الشهيد المظلوم وأقبل يركض مذعوراً نحو خيام الحسين(عليه السلام) ليعلم العيال بمقتله واستشهاده، وقد 
ــــــــــــــــــــــــ 
(1) الإرشاد : 2 / 112، إعلام الورى : 1 / 469.
(2) راجع كشف الغمة : 2 / 9، سير أعلام النبلاء : 3 / 312، تاريخ الاسلام للذهبي : 15، حوادث سنة 61، إعلام الورى : 1 / 429. 

 الصفحة (197)
صوّرت زيارة الناحية المقدّسة هذا المشهد المأساوي كما يلي:
«فلما نظرت النساء الى الجواد مخزياً والسرج عليه ملوياً خرجن من الخدور ناشرات الشعور، على الخدود لاطمات وللوجوه سافرات وبالعويل داعيات وبعد العز مذَلَّلات وإلى مصرع الحسين مبادرات».
ونادت عقيلة بني هاشم زينب بنت عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) وهي ثكلى: وا محمداه! وا أبتاه! وا علياه! وا جعفراه! وا حمزتاه! هذا حسين بالعراء، صريعبكربلاء، ليت السماء أطبقت على الأرض! وليت الجبال تدكدكت على السهل!!(1)
حرق الخيام وسلب حرائر النبوة :
وعمد المجرمون اللئام إلى حرق خيام الإمام أبي عبدالله الحسين(عليه السلام) غير حافلين بمن في الخيام من بنات الرسالة وعقائل النبوّة. قال الإمام زين العابدين (عليه السلام): «والله ما نظرت إلى عمّاتي وأخواتي إلاّ وخنقتني العبرة وتذكّرت فرارهن يوم الطف من خيمة إلى خيمة ومن خباء الى خباء، ومنادي القوم ينادي: أحرقوا بيوت الظالمين!»(2).
وعمد أراذل جيش الكوفة إلى سلب حرائر النبوة وعقائل الرسالة فنهبوا ما عليهن من حليّ وحلل، كما نهبوا ما في الخيام من متاع.
الخيل تدوس الجثمان الطاهر :
لقد بانت خِسّة الاُمويين لكل ذي عينين، وعبّرت عن مسخفي الوجدان الذي كانوا يحملونه وماتت الإنسانية فتحولت الأجسادالمتحركة إلى وحوش دنيئة لا تملك ذرّة من رحمة ولا يزعها وازع منبقية ضمير إنساني.
ـــــــــــــــــــــــ 
(1) مقتل الحسين للمقرم : 346 .
(2) حياة الإمام الحسين (عليه السلام) ، نقلاً عن تاريخ المظفري : 238 . 

 الصفحة (198)
فحين حاصرت جيوش الضلالة أهل بيت النبوة (عليهم السلام) في عرصات كربلاء كتب ابن زياد إلى عمر بن سعد كتاباً وهو يبيّن له ما يستهدفه مننتيجة للمعركة، وما تنطوي عليه نفسه الشريرة من حقد دفين على الرسالة والرسول (صلى الله عليه وآله)، وكل ما يمتّ اليهما بصلة أو قرابة، وقد جاء فيه ما يلي:
أما بعد: فإني لم أبعثك إلى الحسين لتكفّ عنه، ولا لتطاوله، ولا لتمنّيه السلامة والبقاء، ولا لتعقد له عندي شافعاً، انظر فإن نزل حسين وأصحابه على الحكم واستسلموا فابعث بهم سلماً، وإن أبوا فازحف إليهم حتى تقتلهم وتمثّل بهم فإنهم لذلك مستحقّون، فإن قتل الحسين فأوطئ الخيل صدره وظهره، فإنه عاقّ مشاقّ قاطع ظلوم وليس في هذا أن يضر بعد الموت شيئاً، ولكن علىّ قول، لو قد قتلته فعلت هذا به(1).
على أن ابن زياد كان من أعمدة الحكم الاُموي. ولا نعلم أوامر صدرت من أحد أفراده بحيث كانت ترعى حرمة أو تقديراً لمقام ابن النبيّ(صلى الله عليه وآله) الذي لم يكن خافياً على أحد من الاُمويين .
وهكذا انبرى ابن سعد بعد مقتل ريحانة رسول الله (صلى الله عليه وآله) لينفّذ أوامر سيّده الحاقد ابن زياد، فنادى في أصحابه: من ينتدب للحسين فيوطئه فرسه ؟
فانتدب عشرة، فداسوا جسد الحسين (عليه السلام) بخيولهم حتىرضّوا ظهره(2).
عقيلة بني هاشم أمام الجثمان العظيم :
ووقفت حفيدة الرسول (صلى الله عليه وآله) وابنة أمير المؤمنين (عليه السلام)العقيلة زينب (عليها السلام) على جثمان أخيها العظيم، وهي تدعو قائلةً: «اللهم تقبّل
ــــــــــــــــــــــــ 
(1) تاريخ الطبري : 4 / 314 ، إعلام الورى : 1 / 453 .
(2) إعلام الورى : 1 / 470 ، مقتل الحسين للخوارزمي : 2 / 39 .

 الصفحة (199)
هذا القربان»(1).
إنَّ الإنسانية لتنحني إجلالاً وخضوعاً أمام هذا الإيمان الذي هوالسر الوحيد في خلود تضحية الحسين(عليه السلام) وأصحابه رضوان الله تعالىعليهم أجمعين.
 
مواقف الإمام الحسين (عليه السلام) وإنجازاته
ــــــــــــــــــــــــ 
(1) حياة الإمام الحسين بن علي (عليه السلام) : 3 / 304 . 

 الصفحة (200)
الفصل الثالث:
 نتائـج الثـورة الحسينيـة
انبعثت ثورة الإمام الحسين (عليه السلام) من ضمير الاُمّة الحيّ ومن وحي الرسالة الإسلامية المقدسة ومن البيت الذي انطلقت منه الدعوة الإسلامية للبشرية جمعاء، البيت الذي حمى الرسالة والرسول ودافع عنهما، حتى استقام عمود الدين. وأحدثت هذه الثورة المباركة في التأريخ الإنساني عاصفة تقوض الذل والاستسلام وتدك عروش الظالمين، وأضحت مشعلاً ينير الدرب لكل المخلصين من أجل حياة حرّة كريمة في ظل طاعة الله تعالى.
ولا يمكن لأحد أن يغفل عما تركته هذه الثورة من آثار في الأيام والسنوات التي تلتها رغم كل التشويه والتشويش الذي يحاول أن يمنع من سطوع الحقيقة لناشدها. وبالإمكان أن نلحظ بوضوح آثاراً كثيرة لهذه الثورة العظيمة عبر الأجيال وفي حياة الرسالة الإسلامية بالرغم من أنّا لا نحيط علماً بجميعها طبعاً. وأهم تلك الآثار هي :
1 ـ فضح الاُمويين وتحطيم الإطار الديني المزيّف :
بفعل ثورة الإمام الحسين (عليه السلام) تكشفت للناس حقيقة النزعة الاُموية المتسلطة على الحكم، ونسفت تضحيات الثائرين كل الاُطر الدينية المزيّفة 
 الصفحة (201)
التي استطاع الاُمويون من خلالها تحشيد الجيوش للقضاء على الثورة، مستعينين بحالة غياب الوعي وشيوع الجهل الذي خلّفته السقيفة. ونلمس هذا الزيف في قول مسلم بن عمرو الباهلي يؤنّب مسلم بن عقيل ربيب بيت النبوة والعبد الصالح لخروجه على يزيد الفاسق، ويفتخر بموقفه قائلاً : أنامن عرف الحق إذ تركته، ونصح الأُمّة والإمام إذ غششته، وسمع وأطاعإذ عصيته(1).
وهذا عمرو بن الحجاج الزبيدي ـ من قادة الجيش الأموي ـ يحفّز الناس لمواجهة الإمام الحسين (عليه السلام) حين وجد منهم تردّداً وتباطؤاً عن الأوامر قائلاً :
يا أهل الكوفة إلزموا طاعتكم وجماعتكم، ولا ترتابوا في قتل من مرق من الدين، وخالف الإمام(2).
فالدين في دعوى الاُمويين طاعة يزيد ومقاتلة الحسين (عليه السلام).
ولكن حركة الإمام الحسين (عليه السلام) ورفضه البيعة وتضحياته الجليلة نبّهت الاُمّة، وأوضحت لها ما طُمس بفعل التضليل. فقد وقف الإمام الحسين (عليه السلام) يخاطبهم ويوضّح مكانته في الرسالة والمجتمع الاسلامي: أمّا بعد فانسبوني، فانظروا من أنا؟ ثم ارجعوا إلى أنفسكم فعاتبوها وانظروا هل يصلح لكم قتلي وانتهاك حرمتي؟ ألست ابن بنت نبيكم (صلى الله عليه وآله) وابن وصيه وابن عمه وأول المؤمنين بالله والمصدّق لرسوله بما جاء من عند ربه ؟!
هذا بالإضافة إلى كل الخطب والمحاورات التي جرت في وضع متوتّر حسّاس أوضح للناس مكانة طرفي النزاع. ثم ما آلت إليه نتيجة المعركة من بشاعة في السلوك والفكر فاتضحت خسّة الاُمويين ودناءتهم ودجلهم.
ــــــــــــــــــــــــ 
(1) تاريخ الطبري : 4 / 281 .
(2) المصدر السابق : 4 / 331 .

 الصفحة (202)
وكان الأثر البالغ في مواصلة الثورة الحسينية بدون سلاح دمويّ حين واصلت العقيلة زينب بنت أمير المؤمنين (عليه السلام) فضح الجرائم التي ارتكبها بنو اُميّة ومن ثم توضيح رسالة الإمام الحسين (عليه السلام).
إنّ جميع المسلمين متفقون ـ على اختلاف مذاهبهم وآرائهم ـ بأن الموقف الحسيني كان يمثّل موقفاً إسلامياً شرعياً، وأن يزيد كان مرتدّاً ومتمردّاً على الإسلام والشرع الإلهي والموازين الدينية.
2 ـ إحياء الرسالة الإسلامية :
لقد كان استشهاد الإمام الحسين (عليه السلام) هزّة لضمير الاُمّة وعامل بعث لإرادتها المتخاذلة وعامل انتباه مستمر للمنحدر الذي كانت تسير فيه بتوجيه من بني اُميّة ومن سبقهم من الحكّام الذين لم يحرصوا على وصول الإسلام نقيّاً الى من يليهم من الأجيال .
لقد استطاع سبط الرسول (صلى الله عليه وآله) أن يبيّن الموقف النظري والعملي الشرعي للاُمّة تجاه الانحراف الذي يصيبها حينما يستبدّ بها الطغاة، فهل انتصر الحسين (عليه السلام) في تحقيق هذا الهدف ؟ لعلّنا نجد الجواب فيما قاله الإمام زين العابدين(عليه السلام) حينما سأله إبراهيم بن طلحة بن عبدالله قائلاً : من الغالب ؟ قال (عليه السلام) : «إذا دخل وقت الصلاة فأذّن وأقم تعرف الغالب»(1).
لقد كان الحسين (عليه السلام) هو الغالب إذ تحقق أحد أهم أهدافه السامية بعد محاولات الجاهلية لإماتته وإخراجه من معترك الحياة .
3 ـ الشعور بالإثم وشيوع النقمة على الاُمويين :
ــــــــــــــــــــــــ 
(1) حياة الإمام الحسين بن علي (عليهما السلام) : 3 / 440 عن أمالي الشيخ الطوسي . 

 الصفحة (203)
اشتعلت شرارة الشعور بالإثم في نفوس الناس، وكان يزيدها توهجاً واشتعالاً خطابات الإمام عليّ بن الحسين (عليهما السلام) وزينب بنت عليّ بن أبي طالب وبقية أفراد عائلة النبيّ (صلى الله عليه وآله) التي ساقها الطغاة الاُمويون كسبايا من كربلاء الى الكوفة فالشام .
فقد وقفت زينب (عليها السلام) في أهل الكوفة حين احتشدوا يحدّقون في موكب رؤوس الشهداء والسبايا، ويبكون ندماً على ما فرّطوا وما حصل لآل النبيّ (صلى الله عليه وآله) فأشارت إليهم أن اسكتوا فسكتوا فقالت :
أما بعد :
يا أهل الكوفة أتبكون ؟ فلا سكنت العبرة ولا هدأت الرّنة، إنما مثلكم مثل التي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثاً، تتخذون أيمانكم دخلاً بينكم ألا ساء ما تزرون، أي والله، فابكوا كثيراً واضحكوا قليلاً، فلقد ذهبتم بعارها وشنارها فلن ترحضوها بغسل أبداً، وكيف ترحضون قتل سبط خاتم النبوة، ومعدن الرسالة ومدار حجّتكم، ومنار محجّتكم، وهو سيد شباب أهل الجنّة؟».
وتكلم عليّ بن الحسين (عليهما السلام) فقال :
أيها الناس! ناشدتكم الله، هل تعلمون أنكم كتبتم إلى أبي وخدعتموه،وأعطيتموه من أنفسكم العهد والميثاق والبيعة وقاتلتموه؟ فتباً لكم لما قدمتملأنفسكم وسوأة لرأيكم، بأي عين تنظرون إلى رسول الله إذ يقول لكم قتلتم عترتي، وانتهكتم حرمتي؟ فلستم من اُمتي(1).
وروي أيضاً أن يزيد بن معاوية فرح فرحاً شديداً وأكرم عبيدالله بن زياد ولكن ما لبث أن ندم ووقع الخلاف بينه وبين ابن زياد حين علم بحال 
ــــــــــــــــــــــــ 
(1) حياة الإمام الحسين بن علي (عليهما السلام) : 3 / 341 عن مثير الأحزان . 

 الصفحة (204)
الناس وسخطهم عليه، ولعنهم وسبّهم(1).
ولقد كان الشعور بالإثم يمثّل موقفاً عاطفياً مفعماً بالحرارة والحيوية والرغبة الشديدة بالانتقام من الحكم الاُموي، مما دفع بالكثير في الجماعات الإسلامية إلى العمل للتكفير عن موقفهم المتخاذل عن نصرة الإمام الحسين (عليه السلام) بصيغة ثورة مسلحة لمواجهة الحكم الاُموي الظالم.
صحيح أنه لا يمكننا أن نعتبر موقف المسلمين هذا موقفاً عقلياً نابعاً من إدراك فساد الحكم الاُموي وبعده عن الرسالة الإسلامية إلاّ أنه كانموقفاً صادقاً يصعب على الحاكمين السيطرة عليه كالسيطرة على الموقف العقلاني، فكان الحكام الظلمة وعبر مسيرة العداء لأهل البيت النبوي(عليهم السلام) يحسبون له ألف حساب.
4 ـ إحياء إرادة الاُمّة وروح الجهاد فيها(2) :
كانت ثورة الإمام الحسين (عليه السلام) السبب في إحياء الإرادة لدى الجماهير المسلمة وانبعاث الروح النضالية، وهزّة قوية في ضمير الإنسان المسلم الذي ركن الى الخنوع والتسليم، عاجزاً عن مواجهة ذاته ومواجهة الحاكم الظالم الذي يعبث بالاُمّة كيف يشاء، مؤطّراً تحركه بغطاء ديني يحوكه بالدجل والنفاق، وبأيدي وعاظ السلاطين أحياناً واُخرى بحذقه ومهارته في المكر والحيلة.
فتعلم الإنسان المسلم من ثورة الحسين (عليه السلام) أن لا يستسلم ولا يساوم، وأن يصرخ معبّراً عن رأيه ورغبته في حياة أفضل في ظل حكم يتمتع بالشرعية أو على الأقل برضا الجماهير.
ــــــــــــــــــــــــ 
(1) تأريخ الطبري : 4 / 388 ، تأريخ الخلفاء : 208 .
(2) للمزيد من التفصيل راجع ثورة الحسين (النظرية ، الموقف ، النتائج ) للسيّد محمد باقر الحكيم :100. 

 الصفحة (205)
ونجد انطلاقات عديدة لثورات على الحكم الأموي وإن لم يُكتب لها النجاح; إلاّ أنها توالت حتى سقط النظام. ورغم أن أهدافها كانت متفاوته إلاّ أنها كانت تستلهم من معين ثورة الحسين (عليه السلام) أو تستعين بالظرف الذي خلقته. فمن ذلك ثورة التوابين(1) التي كانت ردّة فعل مباشرة للثورة الحسينية، وثورة المدينة(2)، وثورة المختار الثقفي(3) الذي تمكن من محاكمة المشاركين في قتل الحسين(عليه السلام) ومجازاتهم بأفعالهم الشنيعة وجرائمهم الفضيعة، ثم ثورة مطرف بن المغيرة، وثورة ابن الأشعث، وثورة زيد بن عليّ ابن الحسين (عليهما السلام)(4) وثورة أبي السرايا(5).
لقد أحيت الثورة الحسينية روح الجهاد وأجّجتها، وبقي النبض الثائر في الاُمّة حيّاً رغم توالي الفشل اللاحق ببعض تلكم الثورات. إلاّ أن الاُمّةالإسلامية أثبتت حيويّتها وتخلّصت من المسخ الذي كاد أن يطيح بها بأيدي الاُمويين وأسلافهم .
ــــــــــــــــــــــــ 
(1) تاريخ الطبري : 4 / 426، 449 .
(2) المصدر السابق : 4 / 464 .
(3) المصدر السابق : 4 / 487 .
(4) مقاتل الطالبيين : 135 .
(5) المصدر السابق : 523 . 

 الصفحة (206)
مـن تـراث الإمـام الحسيـن (عليه السلام)
نظرة عامّة في تراث الإمام الحسين (عليه السلام) :
الحسين بن عليّ بن أبي طالب (عليهما السلام) قائد مبدئي وأحد أعلام الهداية الربّانية الذين اختارهم الله لحفظ دينه وشريعته، وجعلهم اُمناء على تطبيقها، وطهّرهم من كل رجس ليصونوها من أي تحريف أو تحوير.
إن المحنة التي عاشها الأئمّة الثلاثة عليّ والحسن والحسين (عليهم السلام)كانت أكبر محنة للعقيدة والأُمّة; لأنّها قد بدأت بانحراف القيادة عن خط الرسالة; ولكنها لم تقتصر على الانحراف عن المبدأ الشرعي في ممارسة الحكم فحسب; وإنما كانت تمتد أبعادها إلى أعماق الأُمة والشريعة.
إن هذا الانحراف الخطير قد زاد في عزيمة هؤلاء الأئمّة الهداة، ممّا جعلهم يهتمون بإحكام قواعد الشريعة في الاُمّة وتعليمها وتربيتها بما يحول دون تسرّب الانحراف اليها بسرعة، وبما يحول دون تفتيتها وتمزيق قواها. ومن هنا كانت تربية الجماعة الصالحة والسهر على تنشئتها والاهتمام بقضاياها أمراً في غاية الأهمّية، ويظهر للمتتبع والمحقّق عظمة ذلك فيما لو أراد أن يقارن بين مواقف المسلمين تجاه أهل بيت الرسول (صلى الله عليه وآله) خلال خمسين عاماً بعد وفاة الرسول (صلى الله عليه وآله).

 الصفحة (207)
ومن هنا كان التراث الذي تركه لنا كل من الإمام المرتضى والحسن المجتبى والحسين الشهيد بكربلاء تراثاً عظيماً ومهمّاً جدّاً.
حيث نلمس الغناء في هذه الثروة الفكرية والعلمية التي وصلتنا عنهم(عليهم السلام).
وللمتتبع أن يراجع موسوعة كلمات الإمام الحسين (عليه السلام) ووثائقالثورة الحسينية، وبلاغة الحسين ومجموعة خطبه ورسائله; ليقف على عظمة هذه الثروة الكبرى وقفة متأمل ومستفيد. وها نحن نستعرض صوراً من اهتمامات هذا الإمام العظيم فيما يلي من بحوث :
في رحاب العقل والعلم والمعرفة :
قال (عليه السلام) :
1 ـ خمس من لم تكن فيه لم يكن فيه كثير مستمتع : «العقل والدين والأدب والحياء وحسن الخلق»(1).
2 ـ وسُئل عن أشرف الناس، فقال: «من اتّعظ قبل أن يوعَظ واستيقظ قبلأن يوقظ»(2).
3 ـ وقال (عليه السلام): «لا يكملُ العقلُ إلاّ باتّباع الحق»(3).
4 ـ «العاقل لا يحدِّث من يخاف تكذيبَه، ولا يَسأل من يخاف منعَه ولا يثِقُ بمن يخافُ غدرَه، ولا يرجو مَن لا يوثقُ برجائه»(4) .
5 ـ «العلم لقاحُ المعرفة، وطول التجارب زيادةٌ في العقل، والشرف التقوى، 
ــــــــــــــــــــــــ 
(1) موسوعة كلمات الإمام الحسين : 743 عن حياة الإمام الحسين : 1 / 181 .
(2) المصدر السابق : 743 عن إحقاق الحق : 11 / 590 .
(3) المصدر السابق : 742 عن اعلام الدين: 298. وورد هذا النص عن الإمام علي(عليه السلام) أيضاً.
(4) المصدر السابق: 742 عن حياة الإمام الحسين(عليه السلام): 1/181. 

 الصفحة (208)
والقنوعُ راحةُ الأبدان، ومن أحبَّكَ نهاكَ ومن أبغضك أغراك»(1).
6 ـ «من دلائل العالم انتقادُه لحديثهِ وعلمه بحقائق فنونِ النظر»(2).
7 ـ «لو أنّ العالِمَ كلّ ما قال أحْسَنَ وأصابَ لاَوْشَكَ أن يجنّ من العُجْبِ، وإنّما العالِمُ مَن يكثرُ صَوابُه».
8 ـ وفي دعاء عرفةَ للإمام الحسين (عليه السلام) مقاطع بديعة ترتبطبالمعرفة البشرية وسُبُل تحصيلها وقيمة كل سبيل وما ينبغي للعاقل أنيسلكه من السبل الصحيحة والموصلة الى المقصود، نختار منها نماذجذات علاقة ببحثنا هذا:
قال (عليه السلام) :
أ ـ «إلهي أنا الفقير في غناي فكيف لا أكون فقيراً في فقري؟ إلهي أنا الجاهل في علمي فكيف لا أكون جهولاً في جهلي؟ ...» .
ب ـ «إلهي علمتُ باختلاف الآثار وتنقّلات الأطوار أنّ مرادك منّي أن تتعرّف إليَّ في كل شيء حتى لا أجهلك في شيء ...» .
ج ـ «إلهي تردّدي في الآثار يوجب بُعد المزار فَاجمعني عليك بحذمة توصلني اليك، كيف يُستَدلّ عليك بما هو في وجوده مفتقر اليك ؟ أيكونُ لغيرك من الظهور ما ليس لك حتى يكونَ هو المظهِرَ لك ؟! متى غبتَ حتى تحتاج الى دليل يدلّ عليك ؟!». ومتى بَعُدْتَ حتّى تكونَ الآثار هي التي توصل إليك؟ عميت عين لا تراك عليها رقيباً، وخسرت صفقة عبد لم تجعل له من حبّك نصيباً.
د ـ «إلهي أمرتَ بالرجوع إلى الآثار فأرجعني اليك بكسوةِ الأنوار وهداية الاستبصار حتى أرجعَ إليك منها كما دخلتُ إليك منها مَصونَ السرِّ عن النظرِ إلَيْها ومرفوع الهمّة عن الاعتمادِ عليها».
هـ ـ «منك أطلُبُ الوصول إليك وبك استدلُّ عليك فاهدني بنورك اليك وأقمني 
ــــــــــــــــــــــــ 
(1) موسوعة كلمات الإمام الحسين (عليه السلام) : 742 و 743 عن بحار الأنوار : 78 / 128 ، الحديث 11 .
(2) المصدر السابق . 

 الصفحة (209)
بصدْق العبودّية بين يديك».
و ـ «إلهي علّمني من علمك المخزون وصُنّي بستْرك المصون. إلهي حققّني بحقايق أهلِ القُرب...».
ز ـ «إلهي أخرِجني من ذُلِّ نفسي وطهّرني مِن شكّي وشركي قبل حلول رمسي».
ح ـ «إلهي إنّ القضاء والقدر يُمنيّني، وإنّ الهوى بوثائق الشهوة اسرني، فكن أنت النصير لي حتَى تنصرني وتبصرني».
ط ـ «أنتَ الذي أشرقت الأنوار في قلوب أوْليائك حتى عرفوك ووحَّدوك، وأنت الذي أزلت الأغيار عن قلوب أحبّائك حتّى لم يحبّوا سِواك ولم يلجأوا إلى غيرك، أنت المُؤنس لهم حيث أوحشتهم العوالم، وأنت الذي هديتهم حيث استبانت لهم المعالم. ماذا وجد من فقدكَ ؟! وما الذي فقد من وجدك ؟!».
ي ـ «أنت الذي لا إله غيرك، تعرفت لكلّ شيء فما جهلك شيءٌ، وأنت الذي تعرّفت إليَّ في كلّ شيء فرأيْتُك ظاهراً في كل شيء . . . كيف تخفى وأنت الظاهرُ ؟ أم كيف تغيبُ وأنت الرقيبُ الحاضِرُ؟!»(1).
في رحاب القرآن الكريم :
لقد اعتنى أهل البيت الطاهرون بالقرآن الكريم اعتناءاً وافراً فعكفوا على تعليمه وتفسيره وفقه آياته وتطبيقه وصيانته عن أيدي العابثين والمحرّفين، وتجلّت عنايتهم به في سلوكهم وهديهم وكلامهم. وقد اُثرت عن الإمام أبي عبدالله الحسين (عليه السلام) كلمات جليلة حول التفسير والتأويل والتطبيق، وهي جديرة بالمطالعة والتأمل نختار نماذج منها:
أ ـ قال (عليه السلام) : «كتاب الله عزّوجل على أربعة أشياء: على العبارةوالإشارة واللطائف والحقائق، فالعبارةُ للعوام، والإشارة للخواص واللطائفُ للأولياء، 
ــــــــــــــــــــــــ 
(1) موسوعة كلمات الإمام الحسين : 803 ـ 806 عن إقبال الأعمال : 339 . 

 الصفحة (210)
والحقائق للأنبياء»(1).
ب ـ «من قرأ آيةً من كتاب الله في صلاته قائماً يُكتَب له بكل حرف مِئةُ حَسَنَة، فإن قَرَأها في غير صلاة كتب اللهُ له بكل حرف عَشْراً، فإن استمَعَ القرآنَ كان له بكل حرف حَسَنةٌ، وإن خَتَمَ القرآنَ ليلاً صلّت عليه الملائكة حتى يُصبِحَ، وإن ختَمَه نهاراً صلّت عليه الحفَظَةُ حتى يُمسيَ. وكانت له دعوةٌ مستجابَةٌ وكان خيراً له ممّا بين السماءِ والأرضِ»(2).
ج ـ وعنه (عليه السلام) في تفسير قوله تعالى : (تبدّل الأرض غير الأرض)يعني بها «أرض لم تكتسب عليها الذنوب، بارزة ليست عليها جبال ولا نبات كمادحاها أوّل مرة»(3).
د ـ وسأله رجل عن معنى (كهيعص) فقال له: لو فسّرتُها لك لمشيتعلى الماء(4).
هـ ـ وقال النصرُ بن مالك له: يا أبا عبدالله حَدِّثني عن قول الله عزَّوجَلَّ (هذان خصمانِ اختصموا في ربّهم)، قال: «نحن وبنو اُمية اختصمنا في الله عزّوجلّ، قلنا صدق الله، وقالوا: كذب اللهُ، فنحن وإيّاهم الخصمان يوم القيامة»(5).
و ـ وفي قوله تعالى: (الذين اِن مكّنّاهم في الأرض أقاموا الصلاة)قال (عليه السلام): «هذه فينا أهل البيت»(6).
ز ـ في قوله تعالى : (قل لا أسألكم عليه أجراً إلاّ المودّة في القُربى)قال(عليه السلام): «انّ القرابة الّتي أمَرَ اللهُ بصلتها وعظم حقّها وجعل الخير فيها قرابتنا أهل البيت 
ــــــــــــــــــــــــ 
(1) موسوعة كلمات الإمام الحسين : 551 عن جامع الأخبار : 48 .
(2) المصدر السابق : 551 ، عن الكافي : 2 / 611، الحديث 3 .
(3) المصدر السابق : 560 عن تفسير البرهان : 2 / 323 .
(4) المصدر السابق : 561 عن ينابيع المودّة : 484 .
(5) المصدر السابق : 563 عن حياة الحسين : 2 / 234 .
(6) المصدر السابق : 564 عن بحار الأنوار : 24 / 166 . 
 الصفحة (211)
الذين أوجب حقَّنا على كلّ مسلم»(1).
ح ـ وفسّر النعمة في قوله تعالى: (وأمّا بنعمة ربّك فحدِّث) «بما أنعم الله على النبيّ (صلى الله عليه وآله) من دينهِ»(2).
ط ـ وفسّر الصَمَد بقوله : إنّ الله قد فَسَّرَهُ بقوله: (لم يلد ولم يولَد ولم يكن له كفواً أحد)(3).
ي ـ وقال : «الصمد : الذي لا جوف له، والصمد: الذي قد انتهى سؤدده، والصمد: الذي لا يأكل ولا يشرب. والصمد : الذي لا ينام، والصمد: الدائم الذي لم يزل ولا يزال»(4).
ك ـ وروي أن عبد الرحمن السلمي علّم ولد الحسين (عليه السلام) سورة الحمد، فلمّا قرأها على أبيه أعطاه (عليه السلام) ألف دينار وألف حُلّة وحشا فاه دُرّاً ، فقيل له في ذلك، فقال (عليه السلام) : وأين يقع هذا من عطائه ؟ يعني بذلك تعليمه القرآن(5).
في رحاب السُنّة النبويّة المباركة :
لقد عاصر الحسين جدّه رسول الله (صلى الله عليه وآله) وعاش في كنف الوحي والرسالة وارتضع من ثدي الإيمان، فحمل هموم الرسالة الخاتمة كاُمّه وأبيه وأخيه، وعلم أن سنة الرسول وسيرته هي المصدر الثاني للإشعاع الرسالي، وأيقن بضرورة الاهتمام بهما وضرورة الوقوف أمام مؤامرات التحريف والتضييع، ومنع التدوين التي تزعّمها جملة من كبار الصحابة وكيف واجهوا 
ــــــــــــــــــــــــ 
(1) موسوعة كلمات الإمام الحسين : 565 عن بحار الأنوار : 23 / 251 الحديث 37 .
(2) المصدر السابق : 567 عن المحاسن : 1 / 344 الحديث 11 .
(3) المصدر السابق : 568 عن التوحيد : 90 الحديث 5 ثم نقل تفسيرها بشكل تفصيلي فراجع.
(4) المصدر السابق : 569 عن معادن الحكمة : 2 / 51 .
(5) المصدر السابق : 827 عن بحار الأنوار : 44 / 191 .

 الصفحة (212)
جدّه بكل صلف، حذراً من انكشاف الحقائق التي تحول دون وصولهم للسلطة أو تعكّر عليهم صفوها.
ومن هنا نجد الحسين (عليه السلام) يقف بكل شجاعة أمام هذا التآمر على الدين، ويضحّي بأغلى ما لديه من أجل إحياء شريعة جدّه سيد المرسلين، محقّقاً شهادة جدّه الخالدة في حقّه : «حسين منّي وأنا من حسين»، «ألا وإن الحسين مصباح الهدى وسفينة النجاة».
وهكذا نجد في تراثه الرائع اعتناءه البليغ بنقل السيرة النبوية الشريفة، والتحديث بسنّته والعمل بها وإحيائها، ولو بلغ مستوى الثورة على من يتسلّح بها لمسخها وتشويهها.
قال صلوات الله عليه :
1 ـ «كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) أحسن ما خلق اللهُ خلْقاً»(1).
2 ـ وروى الحسين (عليه السلام) ـ كأخيه الحسن وصفاً دقيقاً للرسول(صلى الله عليه وآله) وهديه في سيرته مع نفسه وأهل بيته وأصحابه ومجلسه وجلسائه، أخذاه من أبيهما علي(عليه السلام) وهو الذي ربّاه الرسول(صلى الله عليه وآله) منذ نعومة أظفاره حتى التحاقه بالرفيق الأعلى. ونشير إلى مقطع من هذه السيرة. قال الحسين (عليه السلام) فسألته عن سكوت رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فقال:
«كان سكوته على أربع : على الحلم والحذر والتقدير والتفكّر. فأما التقدير ففي تسوية النظر والاستماع بين الناس، وأمّا تفكّره ففيما يبقى أو يفنى. وجمع له الحلم في الصبر، فكان لا يغضبه شيء ولا يستفزّه، وجُمع له الحذر في أربع: أخذه بالحَسَن ليُقتدى به، وتركه القبيح ليُنتهى عنه، واجتهاده الرأي في صلاح اُمّته، والقيام في ما جُمع له من خير 
ــــــــــــــــــــــــ 
(1) موسوعة كلمات الإمام الحسين : 571 ، عن كنز العمّال : 7 / 217 . 

 الصفحة (213)
الدنيا والآخرة»(1).
3 ـ وروى أيضاً أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أصبح وهو مهموم، فقيل له: ما لَكَ يا رسول الله؟ فقال: «إني رأيت في المنام كأنّ بني اُميّة يتعاورون منبري هذا».فقيل: يا رسول الله! لا تهتم فإنها دُنيا تنالهُمُ، فأنزل الله: (وما جعلنا الرؤياالتي أريناك...)(2).
4 ـ وروى أيضاً أن النبيّ (صلى الله عليه وآله) كان إذا أكل طعاماً يقول: «اللهم باركلنا فيه، وارزقنا خيراً منه»، وإذا أكل لَبَناً أو شَرِبَه يقول: «اللهم بارك لنا فيهوارزقنا منه»(3).
وكان يرفع يديه اذا ابتهل ودعا يفصل بينهما كما يَستَطْعِمُ المسكينُ(4).
5 ـ وسُئل عن الأذان وما يقول الناس فيه، قال: «الوحي ينزل على نبيّكم، وتزعمون أنّه أخَذَ الأذانَ عن عبدالله بن زيد؟! بل سمعت أبي عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) يقول: أهبَطَ الله عزّوجلَّ ملكاً حين عُرِج برسول الله(صلى الله عليه وآله) فأذّن مثنى مثنى، وأقامَ مثنى مثنى، ثم قال له جبرئيل: يا محمّد هكذا أذان الصلاة»(5).
6 ـ وروى أن رسول الله(صلى الله عليه وآله) بعث مع عليّ(عليه السلام) ثلاثين فرساً في غزاة السلاسل فقال: «يا عليّ أتلو عليك آيةً في نفقة الخيل»: (الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سِرَاً وعلانيةً) يا علي هي النفقة على الخيل ينفق الرجلُ سّراً وعلانيةً»(6).
وقد نقل (عليه السلام) حوادث عصر الرسول (صلى الله عليه وآله) ممّا رآه مباشرة أو سمعه 
ــــــــــــــــــــــــ 
(1) موسوعة كلمات الإمام الحسين (عليه السلام) : 571 ـ 575 عن مجمع الزوائد : 8 / 274 ومعاني الأخبار : 79 .
(2)المصدر السابق : 575 عن الغدير : 8 / 248 .
(3) المصدر السابق : 578 عن عيون أخبار الرضا : 2 / 42 .
(4) المصدر السابق : عن بحار الأنوار : 16 / 287 .
(5) المصدر السابق : 683 عن مستدرك الوسائل : 4 / 17 .
(6) موسوعة كلمات الإمام الحسين (عليه السلام) : 710 عن مستدرك الوسائل : 8 / 203 . 

 الصفحة (214)
عن اُمّه أو أبيه وهما المعصومان من الزلل والمعتمدان في النقل(1).
في رحاب أهل البيت (عليهم السلام) :
لقد دلّ حديث الثقلين ـ المتواتر والمقبول لدى عامة المسلمين ـ على أن خلود الاسلام رهن الأخذ بركنين مُتلازمين وهما: القرآن الكريم وعترة النبيّ المختار صلوات الله عليهم أجمعين فإنّهما لن يفترقا حتى يردا الحوض على النبيّ (صلى الله عليه وآله). فلا بد للمسلمين من التمسّك بهما ليصونوا أنفسهم عن الضلال في كل عصر وزمان.
ومن هنا جهد أعداء الاسلام القدامى على التفريق بين هذين الركنين; تارةً بدعوى تحريف القرآن لفظاً أو معنىً، واُخرى بالمنع عن تفسيره أو تطبيقه، وثالثةً بانتقاص العترة، ورابعةً بعزلهم عن ممارسة دورهم السياسي والاجتماعي التثقيفي، وخامسةً بطرح البديل عنهم ورفع شعار الاستغناء عنهم وعن علمهم ودرايتهم.
والأئمّة المعصومون المأمونون ـ على سلامة الرسالة الاسلامية بنص من الوحي الإلهي ـ كثّفوا جهودهم وركّزوا جهادهم على صيانة هذين الأساسين من أيدي العابثين وان كلّفهم ذلك أنفسهم وأموالهم، بل كل ما يملكون تقديمه فداءً للرسالة المحمّدية.
ونشير إلى جملة من النصوص المأثورة عن الحسين بن عليّ(عليهما السلام) في هذا الصدد :
1 ـ لما قضى رسول الله (صلى الله عليه وآله) مناسكه من حجة الوداع ركب راحلته وأنشأ يقول: «لا يدخل الجنّة إلاّ من كان مُسلماً. فقام إليه أبو ذرّ الغفاري(رحمه الله)فقال: يا رسول الله: وما الإسلام ؟ فقال (صلى الله عليه وآله): الإسلام عريان ولباسه التقوى
ــــــــــــــــــــــــ 
(1) راجع موسوعة كلمات الإمام الحسين وتتبع ما نقله عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) . 

 الصفحة (215)
وزينته الحياء وملاكه الورع، وكماله الدين، وثمرته العمل، ولكلّ شيء أساسوأساس الإسلام حبنّا أهل البيت»(1).
2 ـ وجاء عنه (عليه السلام) أنه قال: «من أحبّنا كان منّا أهل البيت». واستدلّ على ذلك بقوله تعالى تقريراً لقول العبد الصالح: «فمن تبعني فإنّه منّي»(2).وواضح أنّ من أحبّهم فسوف يتّبعهم ومن تبعهم كان منهم.
3 ـ وقال (عليه السلام): «أحِبّونا حُبَّ الإسلام فإنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله) قال: لا ترفعوني فوق حقّي; فإن الله تعالى اتخّذني عبداً قبل أن يتخّذني رسولاً»(3).
4 ـ وقال (عليه السلام): «ما كُنّا نعرفُ المنافقين على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلاّ ببغضهم عليّاً وولده (عليهم السلام)»(4).
5 ـ وروي أنّ المنذر بن الجارود مرّ بالحسين(عليه السلام) فقال: كيف أصبحت جعلني الله فداك ـ ياابن رسول الله ؟ فقال (عليه السلام) : «أصبَحَتْ العربُ تعتدّ على العَجَم بأنّ محمّداً منها، وأصَبَحَتْ العَجَمُ مُقِرَّةً لها بذلك، وأصبَحْنا وأصبَحَتْ قريشٌ يعرفون فضلَنا ولا يَرَوْنَ ذلكَ لنا، ومن البلاء على هذِهِ الاُمّةِ أ نّا إذا دعوناهُم لم يُجيبونا وإذا تركناهم لم يهتدوا بغيرِنا»(5).
بشائر الحسين (عليه السلام) بالمهدي (عليه السلام) ودولته :
تراكمت البشائر النبويّة حول غيبة الإمام المهدي المنتظر وظهوره وخصائص دولته وأوصافه ونسبه الشريف، كما توضح الصحاح والمسانيد 
ــــــــــــــــــــــــ 
(1) موسوعة كلمات الإمام الحسين : 582 عن أمالي الطوسي : 1 / 82 .
(2) المصدر السابق : 582 عن نزهة الناظر وتنبيه الخاطر: 85 .
(3) المصدر السابق : عن مجمع الزوائد : 9 / 21 .
(4) المصدر السابق : 585 عن عيون أخبار الرضا (عليه السلام) : 2 / 72 .
(5) المصدر السابق : 586 عن نزهة الناظر: 85 . 

 الصفحة (216)
هذه الحقيقة في أبواب الملاحم والفتن وأشراط الساعة وغيرها.
واعتنى الأئمة من أهل البيت (عليهم السلام) بهذه القضية اعتناءاً لا يقل عن عناية الرسول الخاتم (صلى الله عليه وآله) واستمراراً للخط الذي اختطّه والمنهج الذي سلكه في التمهيد لدولة الحق التي تتكفل تحقيق آمال الأنبياء والأوصياء جميعاً وعلى مدى التاريخ.
وقد كثرت النصوص الواصلة إلينا عن أبي الأئمّة التسعة من ولد الحسين (عليه السلام). فروى عن جدّه رسول الله(صلى الله عليه وآله) وعن أبيه أمير المؤمنين(عليه السلام) مجموعة فريدة من التصريحات المهمّة بشأن المهدي(عليه السلام) نختار نماذج منها:
1 ـ قال (عليه السلام) : دخلت على جدّي رسول الله (صلى الله عليه وآله) فأجلسني على فخذه وقاللي: إنّ الله اختار من صُلبك يا حسين تسعة أئمة تاسعهم قائمهم، وكلّهم في الفضلوالمنزلة عند الله سواء(1).
2 ـ وسأله شعيب بن أبي حمزة قائلاً : أنت صاحبُ هذا الأمر؟ فأجابه: لا، فقال له: فمن هو؟ فأجاب (عليه السلام): «الذي يملؤها عدلاً كما مُلئِت جَوْراً، على فترة من الأئمّة تأتي، كما أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) بُعِث على فترة من الرسل»(2).
3 ـ وقال (عليه السلام) : لصاحب هذا الأمر غيبتان إحداهما تطول حتى يقول بعضهم: مات وبعضهم: قتِل، وبعضهم: ذهب، ولا يطّلعُ على موضعه أحدٌ مِن وليّ ولا غيرهِ إلاّ المولى الذي يلي أمره(3).
4 ـ وقال (عليه السلام) : لو لم يبق من الدنيا إلاّ يوم واحد لطوَّلَ الله عزّوجلّ ذلك اليوم 
ــــــــــــــــــــــــ 
(1) موسوعة كلمات الإمام الحسين : 659 عن ينابيع المودّة : 590 .
(2) المصدر السابق : 660 عن عقد الدرر: 158 .
(3) موسوعة كلمات الإمام الحسين : عن عقد الدرر : 134 . 

 الصفحة (217)
حتى يخرجَ رجلٌ من ولدي فيملأها عدلاً وقسطاً كما مُلئِت جوراً وظُلماً، كذلك سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول(1) :
5 ـ وقال (عليه السلام): للمهدي خمسُ علامات: السفياني واليماني والصيحةُ من السماء والخسفُ بالبيداء وقتل النفسِ الزكيّة(2).
6 ـ وقال (عليه السلام) أيضاً: «لو قام المهديّ لأنكره الناس; لأنّه يرجع إليهم شابّاً موفّقاً، وإنّ من أعظم البليّة أن يخرج اليهم صاحبُهم شابّاً وهم يحسبونَه شيخاً كبيراً»(3).
7 ـ وقال (عليه السلام): «في التاسع من ولدي سُنّة من يوسف وسنّة منموسى بن عمران (عليه السلام) وهو قائمنا أهل البيت، يُصلح الله تبارك وتعالى أمرَه فيليلة واحدة»(4).
8 ـ وقال (عليه السلام): «إذا خرج المهدي (عليه السلام) لم يكن بينه وبين العرب وقريش إلاّ السيف، وما يستعجلون بخروج المهديّ؟ والله ما لباسُه إلاّ الغليظُ ولا طعامه إلاّ الشعيرُ، وما هو إلاّ السيفُ، والموتُ تحت ظِلِّ السَيْفِ»(5).
في رحاب العقيدة والكلام :
ونختار من هذه البحوث نماذج ممّا وصلنا عن أبي الشهداء الحسين بن عليّ (عليهما السلام).
1 ـ ومما قاله عن توحيد الله سبحانه : «... ولا يقدّر الواصِفون كنه عظمته، ولا يخطر على القلوبِ مبلَغَ جبروته; لأنه ليس له في الأشياء عديل، ولا تدركه العلماء بألبابها ولا أهل التفكير بتفكيرهم إلاّ بالتحقيق إيقاناً بالغيبِ; لأنه لا يوصَفُ بشيء من صفات 
ــــــــــــــــــــــــ 
(1) المصدر السابق : 661 عن كمال الدين : 317 .
(2) المصدر السابق : 662 عن عقد الدرر : 111 .
(3) المصدر السابق : 665 عن عقد الدرر: 41 .
(4) المصدر السابق عن كمال الدين : 317 .
(5) المصدر السابق : 663 عن عقد الدرر : 228 . 

 الصفحة (218)
المخلوقين وهو الواحد الصمدُ، ما تُصُوِّر في الأوهامِ فَهُوَ خلافُه ... يوجِدُ المفقودَ ويُفقِدُ الموْجُودَ، ولا تجتمع لغيره الصفتانِ في وقت، يصيب الفكرُ منه الإيمانَ به موجوداً، ووجودَ الإيمانِ لا وجودَ صِفَة، به توصف الصفاتُ لا بها يوصَفُ، وبه تُعرَفُ المعارِفُ لا بها يُعرَف، فذلك الله، لا سَميَّ لَهُ، سبحانه ليس كمثلِهِ شيء، وهو السميعُ البصيرُ(1).
ومما قاله أيضاً لابن الأزرق : أصف إلهي بما وصف به نفسَه وأُعرِّفُه بما عرّف به نفسَه، «لا يُدْرَك بالحواس ولا يُقاس بالناسِ، فهو قريبٌ غير ملتصِق، وبعيدٌ غير مُتَقَصّ (تقص) يُوَحَّدُ ولا يُبَعَّضُ، مَعروف بالآيات موصوف بالعلاماتِ، لا إله إلاّ هو الكبير المتعالُ»(2).
2 ـ وخرج على أصحابه فقال: «أيّها الناسُ! إنّ اللهَ جَلَّ ذكرهُ ما خَلَقَ العباد إلاّ ليعرفوهُ، فإذا عرفوه عبدوه، فإذا عبدوه استغنَوْا بعبادته عن عبادة ما سواهُ. ثم سأله رجل عن معرفة الله فقال: معرفةُ أهل كلّ زمان إمامَهُم الذي يجب عليهم طاعَتُه»(3).
3 ـ وتكلّم عن ملاك التكليف قائلاً : «ما أخَذَ الله طاقة أحد إلاّ وضع عنه طاعتَه، ولا أخذ قدرته إلاّ وضع عنهُ كُلْفَتَه»(4).
4 ـ وكتب للحسن بن أبي الحسن البصري جواباً عن سؤاله حول القدر: «إنّه من لم يؤمن بالقدر خيرِه وشرِّه فقد كفر، ومن حمل المعاصي على الله عزوجل فقد افترى على الله افتراءً عظيماً، إنّ الله تبارك وتعالى لا يُطاع بإكراه ولا يُعصى بغَلَبَة ولا يُهملُ العبادَ في الهلكة، لكنّه المالك لما ملّكهم، والقادرُ لما عليه أقدَرَهُم، فإن ائتمروا بالطاعة; لم يكن الله صادّاً عنها مُبطِئاً، وإن ائتمروا بالمعصية فشاء أن يمن عليهم فيحولَ بينهَم وبين ما ائتمروا به فعل، وإن لم يفعل فليس هو حَمَلَهم عليها قسراً ولا كلّفهم جبراً، بل بتمكينهِ إيّاهم بعد إعذاره وإنذاره لهم واحتجاجه عليهم طوّقَهُم ومكّنهم وجعل لهم السبيل إلى أخذ ما إليه 
ــــــــــــــــــــــــ 
(1) موسوعة كلمة الإمام الحسين : 530 عن تحف العقول : 173 .
(2) المصدر السابق : 533 عن التوحيد: 79 .
(3) المصدر السابق : 540 عن علل الشرايع : 9.
(4) موسوعة كلمات الإمام الحسين : 542 عن تحف العقول : 175 . 

 الصفحة (219)
دعاهم وترك ما عنه نهاهم...(1).
5 ـ واشتملت أدعيته (عليه السلام) على دُرر باهرة في التوحيد والمعرفة والهداية الإلهية ولا سيما دعاء العشرات المرويّ عنه(2)، ودعاء عرفة الذي عُرِف به; لِما يسطع به من معارف زاخرة وعلوم جمّة، بل هو دورة عقائدية كاملة. وإليك مطلعه :
«الحمد لله الذي ليس لقضائه دافع ولا لعطائه مانعٌ ولا كصنعه صنعُ صانِع، وهو الجوادُ الواسِعُ، فَطَر أجناسَ البدائعِ وأتقنَ بحكمتِهِ الصنائعَ، لا تخفى عليه الطلائعُ ولا تضيع عنده الودائعُ، أتى بالكتابِ الجامعِ و (بشرع الإسلام) النور الساطعِ وهو للخليقة صانعٌ وهو المستعانُ على الفجائِع...»(3).
في رحاب الأخلاق والتربية الروحية :
1 ـ سُئل عن خير الدنيا والآخرة فكتب (عليه السلام): بسم الله الرحمن الرحيم، أمّا بعدُ : فإنه من طلب رضى الله بسخط الناس كفاه الله اُمور الناس، ومن طلب رضى الناس بسخط الله وكله الله إلى الناس . والسلام(4).
2 ـ بيّن (عليه السلام) أقسام العبادة ودرجات العُبّاد قائلاً: إنّ قوماً عبدوا الله رغبةً فتلك عبادة التجّار ، وإنّ قوماً عبدوا الله رهبةً فتلك عبادةُ العبيد، وإنّ قوماً عبدوا اللهَ شُكراً فتلك عبادةُ الأحرار، وهي أفضل العبادة(5).
3 ـ قال (عليه السلام) عن آثار العبادة الحقيقية: «من عَبَدَ الله حقَّ عبادته آتاه الله فوق 
ــــــــــــــــــــــــ 
(1) المصدر السابق : 540 ـ 541 عن معادن الحكمة : 2 / 45 .
(2) البلد الأمين للكفعمي : 24 .
(3) موسوعة كلمات الإمام الحسين : 793 ـ 806 عن إقبال الأعمال : 339 .
(4) أمالي الصدوق : 167 .
(5) تحف العقول : 175 . 

 الصفحة (220)
أمانيه وكفايتهِ»(1).
4 ـ سُئل عن معنى الأدب فقال: «هو أن تخرج من بيتك فلا تَلقى أحداً إلاّ رأيت له الفضلَ عليك»(2).
5 ـ قال الإمام الحسين (عليه السلام) : «مالُك إن يكن لك كنتَ له فلا تبق عليه; فإنّه لا يُبقي عليك، وكلُه قبل أن يأكلك»(3).
في رحاب مواعظه الجليلة :
1 ـ كتب اليه رجل : عِظني بحرفين فكتب إليه: «مَن حاوَل أمراً بمعصية الله تعالى كانَ أفْوَتَ لما يَرجو وأسْرَعَ لمجي ما يحذَرُ»(4).
2 ـ وجاءه رجل فقال له: أنا رجل عاص ولا أصبر عن المعصية فعظني بموعظة فقال (عليه السلام) : «إفعل خمسةَ أشياءَ واذنب ما شئتَ، فأوّل ذلك: لا تأكل رزقَ اللهِ واذنب ما شئِتَ، والثاني : اخرج من ولاية الله واذنِب ما شئت. والثالث: اطلُبْ موضِعاً لا يراكَ اللهُ واذنب ما شِئتَ. والرابع: إذا جاء ملَكُ الموتِ ليقبِضَ روحَكَ فادفَعْهُ عن نفسِكَ واذنب ما شئتَ، والخامِسُ: اذا أدخَلَكَ مالك النارِ فلا تدخُلْ في النارِ واذنِب ما شئتَ(5).
3 ـ ومما جاء عنه (عليه السلام) في الموعظة : ياابن آدمَ! تفكَّرْ وقل: أينَ ملوكُ الدنيا وأربابُها؟ الذين عَمّروا واحتفَروا أنهارها وغَرَسوا أشجارها ومدّنوا مدائِنَها، فارقوها وهم كارهون وورثها قوم آخرون، ونحن بهم عمّا قليل لاحقونَ. ياابن آدم! اُذكر مصرعك، وفي قبرك مضجعَك وموقفَك بين يَدَي اللهِ تشهَدُ جوارحُكَ عليكَ يوم تَزِلُّ فيه الأقدامُ وتبلغُ القلوبُ الحناجِرَ وتبيضّ وجوهٌ وتسوَدُّ وجوهٌ وتبدو السرائرُ، ويوضَعُ الميزانُ القِسط. ياابن آدمَ! اذكُر مصارعَ آبائك وأبنائك كيف كانوا وحيثُ حَلّوا وكأنّك عن قليل قد حَلَلْتَ 
ــــــــــــــــــــــــ 
(1) بحار الأنوار : 71 / 184 .
(2) ديوان الإمام الحسين : 199 .
(3) بحار الأنوار : 71 / 357 .
(4) الكافي : 2 / 373 .
(5) بحار الأنوار : 78 / 126 . 
 الصفحة (221)
مَحَلَّهُم وصِرتَ عِبرَةً للمعتَبِر(1).
4 ـ وخطب (عليه السلام) فقال : يا أيّها الناسُ! نافسِوا في المكارم، وسارِعوا في المغانِم، ولا تحتسِبوا بمعروف لم تُعجّلوا، واكسبوا الحمدَ بالنُجح، ولا تكتسِبوا بالمطلِ ذَمّاً، فمهما يكنْ لاِحد عند أحد صنيعةٌ له رأى أنّه لا يقومُ بشكرِها; فالله له بمكافاتهِ فإنّه أجْزَلُ عطاءً وأعظمُ أجراً.
واعلموا أن حوائج الناس اليكم من نعم الله عليكم ، فلا تملّوا النعم فتُحوّر نقماً(2).
في رحاب الفقه والأحكام الشرعية :
لقد أثبت أهل البيت المعصومون جدارتهم للمرجعية الدينية بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله) في المجالين العلمي والسياسيّ معاً.
وقد عمل خطّ الخلافة بشكل مدروس على حذف هذا الخطّ النبوي وعزله عن الساحة السياسية والاجتماعية، وخطّط أهل البيت(عليهم السلام) لمواجهة هذه المؤامرة، كما عرفت.
غير أنّ البُعْد العلمي قد برز وطغى على البعد السياسي حتى اتُّهِمَ أهل البيت(عليهم السلام) باعتزالهم الساحة السياسية بعد الحسين(عليه السلام) ولكن العجز العلمي للخطّ الحاكم بالرغم من كل ما اوتي من إمكانات ماديّة وبشرية هو الذي قد بانَ على مدى التاريخ، وتميّزت مرجعيّة الأئمة الأطهار على من سواها من المرجعيات السائدة آنذاك. وكانت حاجة الاُمة الاسلامية إلى تفاصيل الأحكام الشرعية نظراً للمستجدات المستمرّة هي السبب الآخر في ظهور علم أهل البيت(عليهم السلام) وفضلهم وكمالهم.
وما سجّلته كتب التاريخ من حقائق لا تخفى على اللبيب مثل حقيقة عدم عجزهم أمام الأسئلة المثارة، وعدم اكتسابهم العلم من أحد من أهل 
ــــــــــــــــــــــــ 
(1) إرشاد القلوب : 1 / 29 .
(2) كشف الغمة : 2 / 29 .

 الصفحة (222)
الفضل سوى الرسول(صلى الله عليه وآله) وأهل بيته المعصومين(عليهم السلام) لدليل واضح على تميّزهم عمّن سواهم.
وهنا نختار نماذج مما يرتبط بالفقه بمعناه المصطلح بمقدار ما يسمحبه المجال.
1 ـ ممّا يرتبط بباب الصلاة، ذكر الإمام محمّد الباقر (عليه السلام) جواز الصلاة بثوب واحد مستشهداً بأنه قد حدّثه من رأى الحسين بن عليّ (عليهما السلام)وهو يصلّي في ثوب واحد وحدّثه أنه رأى رسول الله (صلى الله عليه وآله) يُصلّي فيثوب واحد(1).
2 ـ وجاء أن الأئمّة (عليهم السلام) كانوا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم فيما يجهر فيه بالقراءة من الصلوات في أوّل فاتحة الكتاب وأوّل السورة في كل ركعة. وجاء عن الحسين (عليه السلام) قوله: اجتمعنا ولد فاطمة (عليها السلام) على ذلك(2).
3 ـ وكان الحسين بن عليّ (عليهما السلام) يصلي فمرّ بين يديه رجل، فنهاه بعض جلسائه، فلما انصرف من صلاته قال له : لِمَ نَهَيْتَ الرَجُلَ؟ فقال: ياابن رسول الله! خطر فيما بينك وبين المحراب، فقال (عليه السلام): ويحك إنّ الله عزّوجلّ أقربُ إليَّ من أن يخطرَ فيما بيني وبين أحد(3).
4 ـ وكان الحسين (عليه السلام) جالساً فمرّت عليه جنازةٌ فقام الناسُ حين طلعت الجنازة، وهنا أوضح الإمام (عليه السلام) للناس ما تصوّروه خطأً من أنالقيام عند مرور الجنازة من السنّة باعتبار ما سمعوه من قيام رسول اللهعند مرور الجنازة. فقال الحسين بن عليّ (عليهما السلام): مرَّت جنازة يهوديّفكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) على طريقها جالساً فكره أن تعلو رأسَه جنازةُ يهوديّ
ــــــــــــــــــــــــ 
(1) دعائم الاسلام : 1 / 175 .
(2) مستدرك الوسائل : 4 / 189 .
(3) وسائل الشيعة : 3 / 434 الحديث 4 . 

 الصفحة (223)
فقامَ لِذلك(1).
وقد أحصى مؤلّف موسوعة كلمات الإمام الحسين (عليه السلام) ما يقارب من مائتين وخمسين رواية في الأحكام الشرعية وردت عن الإمام الحسين (عليه السلام) في مختلف أبواب الفقه الاسلامي.
على أن سيرة الإمام الحسين(عليه السلام) مثل سيرة سائر الأئمّة الأطهارتعتبر مصدراً من مصادر استلهام الاحكام الشرعية لتنظيم السلوك الفردي والاجتماعي للانسان المسلم وللمجتمع الاسلامي.
في رحاب أدعية الإمام الحسين (عليه السلام) :
لقد تميّز تراث أهل البيت (عليهم السلام) بظاهرة الدعاء تميّزاً فريداً في جانبي الكمّ والكيف معاً.
فالاهتمام بالدعاء في جميع الحالات والظروف التي يمرّ بها الانسان في الحياة كما قال تعالى : ( قل ما يعبؤُاْ بكم ربّي لولا دعاؤكم )(2) هو المظهر الذي ميّز سلوك أهل البيت عمّن سواهم، وعلى ذلك ساروا في تربيتهم لشيعتهم.
والمسلمون بشكل عام يلمسون هذه الظاهرة بوضوح في موسم الحج وغيره من مواسم العبادة عند أتباع أهل البيت(عليهم السلام) وشيعتهم.
وتفرّدت أدعية أهل البيت(عليهم السلام) في المحتوى والمقاصد والمعاني التي اشتملت عليها أدعيتهم; فإنّها تُفصح بوضوح عن البون الشاسع بينهم وبين غيرهم فأين الثرى وأين الثريّا؟
وتدلّنا بعض النصوص المأثورة عن الإمام الحسين (عليه السلام) على سر هذا 
ــــــــــــــــــــــــ 
(1) الكافي : 3 / 192 .
(2) الفرقان (25): 77. 

 الصفحة (224)
الاهتمام البليغ منهم بالدعاء.
1 ـ قال (عليه السلام) : أعجز الناس من عجز عن الدعاء، وأبخل الناس من بخل بالسلام(1).
2 ـ وجاء عنه أنه كان يدعو في قنوت الوتر بالدعاء الذي علّمهرسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو : اللهم إنك تَرى ولا تُرى وأنت بالمنظر الأعلى وإنّ اليك الرجعى وإنّ لك الآخرة والاُولى ، اللهم إنّا نعوذ بك من أن نَذِلّ ونخزى(2).
3 ـ من الأدعية القصيرة المأثورة عنه قوله (عليه السلام) : «اللهم لا تستدرِجني بالإحسانِ ولا تؤدِّبني بالبلاء»(3).
وقال في معنى الاستدراج : الاستدراج من الله لعبده أن يُسبغ عليه النِعَمَويَسْلُبَه الشُكرَ(4).
4 ـ ومن أدعيته في قنوته : «اللهمّ مَن آوى إلى مأوى فأنتَ مأوايَ، ومن لجأ الى مَلجَأ فأنتَ مَلجايَ اللهم صلّ على محمّد وآلِ محمّد واسمع ندائي وأجب دُعائي واجعل مآبي عندك ومثوايَ، واحرُسني في بَلواي من افتتانِ الامتحان ولُمَّةِ الشيطانِ بعظمتك التي لا يشوبُها وَلَعُ نفس بِتَفتين، ولا واردُ طيف بتظنين ولا يلُمُّ بها فَرَجٌ حتى تقلبني اليك بإرادتك غير ظنين ولا مظنون ولا مُراب ولا مُرتاب، إنّك أنت أرحمُ الراحِمينَ»(5).
5 ـ وله دعاء آخر كان يدعو به في قنوته هو: «اللهم منك البدءُ ولك المشيئةُ ولك الحولُ ولك القوّةُ، وأنت اللهُ الذي لا إله إلاّ أنتَ جَعَلْتَ قلوبَ أوليائك مسكناً لمَشِيّتِكَ ومكمَناً لإرادتكَ، وجَعَلتَ عُقولَهُم مَناصِبَ أوامِركَ ونواهيكَ فأنتَ إذا شِئت ما نشاءُ حرّكتَ مِن أسرارهم كوامِن ما أبطَنْتَ فيهم، وأبَدأتَ من إرادتك على ألسنتِهِم ما 
ــــــــــــــــــــــــ 
(1) بحار الأنوار : 93 / 294 .
(2) كنز العمال : 8 / 82 ، ومسند الإمام أحمد : 1 / 201 .
(3) بحار الأنوار : 78 / 128 .
(4) تحف العقول : 175 .
(5) نهج الدعوات : 49 . 

 الصفحة (225)
أفهَمْتَهُم به عنكَ في عقودِهم بعقول تدعوك وتدعو اليك بحقائقِ ما مَنَحتَهُم به، وإنّي لأعلَمُ ممّا علّمتني ممّا أنت المشكورُ على ما منه أريتني وإليه آوَيتني».
6 ـ وله دعاء يُسمّى بـ (العشرات) .
7 ـ وله دعاء كان يدعو به حين كان يمسك الركن اليماني ويناجي ربّه هو: إلهي أنعمتني فلم تجدني شاكراً وأبليتني فلم تجدني صابراً، فلا أنت سلَبْتَ النعمة بترك الشكر، ولا أدَمْتَ الشدّةَ بترك الصبرِ إلهي ما يكونُ من الكريمِ إلاّ الكرَمُ(1).
8 ـ وروي أن شريحاً دخل مسجد الرسول (صلى الله عليه وآله) فوجد الحسين(عليه السلام) في المسجد ساجداً يعفِّر خدّه على التراب وهو يقول: «سيّدي ومولاي ألِمقامِعِ الحديد خَلَقْتَ أعضائي؟ أم لِشُربِ الحميمِ خَلَقْتَ أمعائي؟ إلهي لئن طالبتني بذنوبي لاُطالبنّك بكرمك، ولئن حَبَستني مع الخاطئينَ لأخبِرنَّهُم بحُبّي لك، سيّدي! انّ طاعَتي لا تنفعُك، وَمعصيتي لا تضرّك، فهب لي ما لا ينفعُك واغفر لي ما لا يضرّك فإنك أرحم الراحمين»(2).
9 ـ وكان من دعائه إذا دخل المقابِرَ: اللّهم ربَّ هذه الأرواح الفانيةِ والأجساد البالية، والعِظامِ النَخِرةِ التي خرجتْ من الدنيا وهي بك مؤمنة أدخِل عليهم رَوْحاًمنك وسلاماً مِنّي، وقال(عليه السلام): إذا دعا أحد بهذا الدعاء كتب الله له بعدد الخلق من لدن آدم الى أن تقوم الساعةُ حسنات(3).
10 ـ ومن دعائه في الصباح والمساء قوله: «بسم الله الرحمن الرحيم، بسم الله وبالله ومن الله وإلى الله وفي سبيل الله وعلى ملّة رسول الله وتوكّلت على الله ولا حول ولا قوة إلاّ بالله العليّ العظيم. اللهم إني أسلمْتُ نفسي إليك ووجّهت وجهي إليك وفوّضت أمري اليك، إياك أسألُ العافية من كل سوء في الدنيا والآخرة، اللهم إنك تكفيني من كلّ 
ــــــــــــــــــــــــ 
(1) إحقاق الحق : 11 / 595 .
(2) المصدر السابق : 11 / 424 .
(3) مستدرك الوسائل : 2 / 373 الحديث 2323 . 

 الصفحة (226)
أحد ولا يكفيني أحد منك فاكفني من كلّ أحد ما أخاف وأحذرُ، واجعل لي من أمريفرجاً ومخرجاً إنك تعلمُ ولا أعلم وتقدرُ، ولا أقدِر، وأنت على كل شيء قدير برحمتكيا أرحم الراحمين»(1).
وأمّا دعاء عرفة المرويّ عن الإمام الحسين (عليه السلام) فهو من غرر الأدعية المطوّلة والتي تستدرّ الرحمة الإلهية بما تمليه على الإنسان من أسباب الإنابة والتوبة وشموخ المعرفة، وقد أشرنا الى مقاطع منه في بحوث سابقة.
وإليك مقطعاً آخر من هذا الدعاء:
«الحمدلله الّذي لم يتّخذ ولداً فيكون موروثاً، ولم يكن له شريك في الملك فيضادّه فيما ابتدع، ولا وليّ من الذلّ فيرفده فيما صنع، سبحانه سبحانه سبحانه لو كان فيهما آلهة إلاّ الله لفسدتا وتفطرتا، فسبحان الله الواحد الحقّ الأحد الصمد الّذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد، الحمدلله حمداً يعدل حمد ملائكته المقرّبين، وأنبيائه المرسلين، وصلّى الله على خيرته من خلقه محمّد خاتم النبّيّين وآله الطّاهرين المخلصين، اللّهمَّ اجعلني أخشاك كأ نّي أراك، وأسعدني بتقواك، ولا تشقني بمعصيتك، وخر لي في قضائك، وبارك لي في قدرك حتّى لا اُحبّ تعجيل ما أخّرت، ولا تأخير ما عجّلت»(2).
في رحاب أدب الإمام الحسين (عليه السلام) :
لا ريب في أن الإمام الحسين(عليه السلام) يعدّ امتداداً لجدّه وأبيه وأخيه من حيث المعرفة ومن حيث الاقتدار الفني في التعبير.
وقد جاء على لسان خصومهم «أنهم أهل بيت قد زقّوا العلم زَقّـاً»، و«أنها ألسِنَةُ بني هاشم التي تفلق الصخر وتغرف من البحر»(3).
وعلّق عمر بن سعد يوم عاشوراء على خطبة للإمام الحسين (عليه السلام): «إنّه
ــــــــــــــــــــــــ 
(1) مهج الدعوات : 157 .
(2) بحار الأنوار: 98 / 218 ـ 219.
(3) المجالس السنية : 21 ، 28 ، 30 .

 الصفحة (227)
ابن أبيه، ولو وقف فيكم هكذا يوماً جديداً، لما انقطع ولما حُصِر»(1).
وقال أصحاب المقاتل عن كلماته وخطبه في كربلاء ويوم عاشوراء أنه لم يُسمع متكلّم قطّ قبله ولا بعده أبلغ في منطقه من الحسين(عليه السلام)(2).
وبالرغم من قصر المدّة الزمنيّة لإمامته وعدم إتاحة الفرصة السياسيّة التي تفرض صياغة الخطب عادةً بخاصّة أنّه (عليه السلام) التزم بالهدنة التي عقدها أخوه(عليه السلام) في زمن معاوية، فقد اُثر عنه (عليه السلام) في ميدان الخطبة وغيرها أكثر من نموذج فضلاً عن أنه (عليه السلام) في زمن أبيه (عليه السلام) قد ساهم في خطب المشاورة والحرب(3)، وحشَد فيها كل السمات الفنّية التي تتناسب والغرض الذي استهدف توصيله الى الجمهور(4).
وأمّا خطب المعركة التي خاضها في الطف أو كربلاء، حيث فجّرت هذه المناسبة عشرات الخطب منذ بدايتها إلى نهايتها، فقد تنوّعت صياغةً ومضموناً، وتضمّنت التذكير بكتبهم التي أرسلوها إليه وبطاعة الله وبنصرته وبالتخليّ عن قتاله. وممّا جاء في أحدها : «تبـّاً لكم أيّتها الجماعة وتَرَحاً، أحين استصرختمونا والهِين ، فأصرخناكم موجِفين مؤدّين مستعدّين سَلَلْتُم علينا سيفاً لنا في أيْمانِكم وحششتُم علينا ناراً قدحناها على عدوّكم وعدوّنا فأصبحتم إلبْاً على أوليائكم ويداً عليهم لأعدائكم بغيرِ عدل أفشوه فيكُم ولا أمل أصبح لكم فيهم إلاّ الحرام من الدنيا أنالوكم وخسيس عيش طمعتم فيه ...».
واحتشدت هذه الخطبة بعناصر الفن المتنوعة بالإضافة الى عنصرَي المحاكمة والعاطفة. وبمقدور المتذوّق الفني الصرف أن يلحظ ما تتضمّنه 
ــــــــــــــــــــــــ 
(1 و 2) المجالس السنية: 21، 28، 30 .
(3) راجع حياة الإمام الحسين في عهد أبيه، في هذا الكتاب.
(4) تاريخ الأدب العربي في ضوء المنهج الإسلامي : 307 ـ 311 .

 الصفحة (228)
من دهشة فنّية مثيرة كل الإثارة(1).
والأشكال الأدبيّة الاُخرى التي طرقها أدب الإمام الحسين (عليه السلام) هي الرسائل والخواطر والمقالة والأدعية والشعر(2) والحديث الفني.
ونشير الى نموذجين من شعره بما يتناسب مع المجال هنا:
ـ 1 ـ
تـبـارك  ذو الـعلا والـكبرياءِ      تـفـرّد بـالـجلالِ وبـالـبقاءِ
وسـوّى الـموت بين الخلق طُرّاً      وكـلّـهُـم رهـائـنُ لـلـفناء
ودنـيـانا  وإن مـلـنا الـيـها      وطـالَ  بـها المتاعُ الى انقضاء
ألا  إن الـركونَ عـلى غـرور      الــى دار الـفناءِ مـن الـفناءِ
وقـاطنها  سـريعُ الـظعنِ عنها      وإن كان الحريصُ على الثَواءِ(3)
ـ 2 ـ 
اغـنَ  عن المخلوق بالخالقِ      تَـغنَ  عن الكاذبِ والصادقِ
واسترزق الرحمن من فضله      فـليس غـير الله من رازقِ
مـن ظـنّ أن الناس يغنونه      فـليس بـالرحمن بـالواثق
أو  ظـن أن المال من كسبه      زلّت به النعلان من حالق(4)
والحمد لله ربِّ العالمين
ــــــــــــــــــــــــ 
(1) تاريخ الأدب العربي في ضوء المنهج الإسلامي : 311 ـ 303 .
(2) للاطلاع التفصيلي على خصائص كل شكل في أدب الحسين (عليه السلام) راجع تاريخ الأدب العربي في ضوء المنهج الإسلامي للدكتور محمود البستاني.
(3) عن ديوان الإمام الحسين : 4 / 115 .
(4) عن البداية والنهاية : 8 / 228 . 

 
 
البرمجة والتصميم بواسطة : MWD