1439 / جمادی‌الاولى / 1  |  2018 / 01 / 18         الزيارات : 528896         صلاة الصبح |         صلاة الظهر والعصر |         صلاة المغرب والعشاء |

الإمام الحسين عليه السلام الظلامة الفاتحة الهادية

{ العلامة المحقق السيد سامي البدري }
الإمام الحسين عليه السلام الظلامة الفاتحة الهادية

المقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم . 
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين محمد واله الطاهرين ، وبعد ..
فهذه خلاصة لكتاب عن الإمام الحسين عليه السلام يتضمن عدة أبحاث أرجو أن تكون مفيدة ونافعة في حقلها ، وقد حاولت أن أستبق ظهور الكتاب نفسه بنشر خلاصة عن أطروحته ، مساهمة في تلبية تطلعات وشوق عشاق الحسين عليه السلام إلى أن يطالعوا شيئاً جديداً في هذا الموسم ، بوصفه أول موسم يأخذ فيه الشيعة حريتهم في إقامة شعائر المحرم ، ويشق الكتاب الحسيني طريقه بأمان إلى قرائه . وقبل أن أدع القارئ وجهاً لوجه أمام لخلاصة رأيت أن أفتتح الكتاب بعدة تنبيهات مفيدة كنت قد افتتحت بها أحاديثي عن الإمام الحسين عليه السلام في موسم المحرم قبل اثنتي عشرة سنة تقريباً : 
التنبيه الأول: 
هناك نوعان من البحوث حول أهل البيت عليهم السلام: 
الاول : بحوث تستهدف الإستدلال على إمامتهم ، وعظيم منزلتهم عند اللّه ورسوله ، ومسؤوليتهم في حفظ الإسلام وتبليغه ويتكفل هذا النوع من البحوث علم العقائد والكلام . 
الثاني : بحوث تستهدف التعريف بسيرة النبي صلى الله عليه وآله ، وأوصيائه عليهم السلام من بعده في ضوء العقيدة بهم ، فحين نعتقد أن علياً والحسن والحسين والتسعة من ذرية الحسين عليه السلام كانوا قد كُلِّفوا بحفظ الرسالة ، ونشرها في المجتمع بعد رسول اللّه صلى الله عليه وآله ، يجيء البحث التاريخي ، ليكشف عن جهودهم وخططهم التي حققت ذلك . 
التنبيه الثاني:
هناك نوعان من البحوث التاريخية : 
النوع الأول : يستهدف نقد مصادر الأخبار لتمييز صحيحها من سقيمها(1) . 
النوع الثاني : يستهدف معرفة المغزى الذي يكمن وراء الواقعة التاريخية ، وذلك من خلال التدبُّر في أسبابها ونتائجها(2) . 
ومن الطبيعي أن النوع الثاني من البحث متأخر رتبة عن النوع الأول ، فما لم تكن أخبار الفترة التاريخية المعينة قد محصت وفرز صحيحها من سقيمها ، فأن عملية التحليل ودراسة الأسباب والنتائج سوف تفقد الأساس الموضوعي لها ، إذ قد ينطلق التحليل من معلومات خاطئة ، وحينئذٍ يزداد القاريء أو الباحث بعداً عن الحق بسبب ذلك التحليل الخاطيء الذي سيكون بعد ذلك نفسه حجاب آخر يضاف إلى حجاب الراوية الكاذبة . 
التنبيه الثالث: 
ينطلق الأئمة الاثنا عشر عليهم السلام في مواقفهم ونشاطاتهم من حقيقة كونهم أوصياء للنبي صلى الله عليه وآله ، مكلفون إلهيّا بواسطته في حفظ الإسلام الذي جاء به وجعله ميسَّراً بين الناس ، وأنهم تسلموا من النبي صلى الله عليه وآله رؤية تفصيلية لما ستواجهه الرسالة من أخطار بعد الرسول صلى الله عليه وآله ، وخطة انقاذها منها ، وأنهم عليهم السلام قد شُخص لكل واحد منهم عمله المحدد(3) . 
وفي ضوء ذلك فان عملهم عليهم السلام سلسلة مترابطة يستند آخرها على أولها ، وتقود الحلقة السابقة منها إلى التي تليها ، ومن هنا تعذَّر للباحث أن يُقدّم صورة واضحة لعمل أي واحد من الائمة عليهم السلام دون أن يبيّن موقعه مما قبله بل وممّا بعده أيضا . 
التنبيه الرابع: 
في بحثنا عن سيرة الإمام الحسين عليه السلام كوصي لرسول اللّه صلى الله عليه وآله كُلِّف إلهيا بواسطة النبي صلى الله عليه وآله في حفظ الرسالة ونشرها في المجتمع لابد لنا ان نتعرف أولاً على الخطر الذي واجهه الإسلام في زمان إمامته التي استغرقت عشر سنوات ثم ندرس الخطة الإلهيه التي تحمَّل الحسين عليه السلام مسؤولية تنفيذها في مواجهة ذلك الخطر وإنقاذ الرسالة منه . 
وقد ذكرنا في التنبيه الثاني أن عمل الإمام اللاحق يتقوم بعمل الإمام السابق ، ومن هنا فانه يتعين علينا أن ندرس ولو باختصار جهود الإمام الحسن عليه السلام والإمام علي عليه السلام كأوصياء للرسول صلى الله عليه وآله في تبليغ الإسلام لنُدرِك كيف توقف عمل الإمام الحسين عليه السلام على عملهم ، كما لابد لنا أن ندرس عمل النبي صلى الله عليه وآله أولاً لندرك صلة عمل أوصيائه بعمله صلى الله عليه وآله ، وكيف أن سيرة هؤلاء الأوصياء على استقامة واحدة مع سيرة رسول اللّه صلى الله عليه وآله تبليغا وتطبيقاً وأن سيرة غيرهم تحريف لسيرته وسنته صلى الله عليه وآله . 
وهكذا يتعين علينا منذ البدء بالبحث عن الإسلام على عهد رسول اللّه صلى الله عليه وآله ثم ندرس ما جرى عليه أيام حكومة قريش المسلمةبعده صلى الله عليه وآله ، ثم كيف نشر علي عليه السلام والحسن عليه السلام الإسلام بين أهل البلاد التي فتحت بعد الرسول صلى الله عليه وآله ، ثم كيف كانت سيرة معاوية بعد وفاة الحسن عليه السلام وخطته في تحريف الإسلام ومدى نجاحه في ذلك ، ثم كيف كانت سيرة الحسين عليه السلام ومدى نجاحه في إحباط تخطيط معاوية وإنقاذ تراث النبوة الخاتمة برمته من الخطر الذي أحدق به . 
______________________
(1) وفي هذا السياق تأتي بحوث كتابنا المدخل إلى دراسة مصادر السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي المطبوع. 
(2) وفي هذا السياق تاتي بحوث كتابنا حول الإمام الحسين الذي نرجوا أن تتهيأ أسباب طبعه. 
(3) روى الكليني في الكافي ج 1 ص 281 : محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد ، عن ابن محبوب ، عن ابن رئاب ، عن ضريس الكناسي ، عن أبي جعفر عليه السلام قال : قال له حمران : جعلت فداك أرأيت ما كان من أمر علي والحسن والحسين عليهم السلام وخروجهم وقيامهم بدين الله عز وجل وما اصيبوا من قتل الطواغيت إياهم والظفر بهم حتى قتلوا وغلبوا ؟ فقال أبو جعفر عليه السلام: (يا حمران : إن الله تبارك وتعالى [ قد ] كان قدر ذلك عليهم وقضاه وأمضاه وحتمه ، ثم أجراه فبتقدم علم ذلك إليهم من رسول الله قام علي والحسن والحسين ، وبعلم صمت من صمت منا) . راجع كتاب أصول الكافي الجزء الأول باب أن أفعالهم معهودة من الله تعالى . 
 
الأطروحات الأساسية في تفسير الثورة الحسينية
من ينعم النظر في كتب التاريخ الإسلامي التي ظهرت في القرون الخمسة الهجرية الأولى يجد ثلاث أطروحات في تفسير حركة الحسين عليه السلام ونهضته تبعا للنظرة إليه . 
الأولى الأطروحة الأموية: 
تبنى الإعلام الأموي عرض الحسين عليه السلام على أنه ثائر من أجل الملك مارق عن الدين وخارج على الخليفة الشرعي ، وقد تبنّى بعض الكتّاب المعاصرين هذه الأطروحة نظير الشيخ الخضري ، قال : 
(وعلى الجملة فإن الحسين أخطأ خطأً عظيماً في خروجه هذا الذي جرَّ على الأمة وبالَ الفُرقة والإختلاف وزعزع عماد إلفتِها إلى يومنا هذا ... غاية الأمر أن الرجل طلب أمراً لم يتهيأ له ولم يعد له عدته ، فحيل بينه وبين ما يشتهي وقُتل دونه)(1) . 
وذكر أحمد العسيري نظير هذا الكلام ثم ختمه بكلام الدكتور أحمد شلبي (2) ولم ينسبه إليه قائلاً : (وكانت هذه فتنة أيسر ما نقول عنها أنها وسعت باب الفرقة والتهمت الآلاف والملايين من المسلمين ولا يزال بابها مفتوحاً حتى كتابة هذه السطور) (3) . 
الثانية الأطروحة العباسية: 
تبنى الإعلام العباسي عرض الحسين عليه السلام على أنه ثائر من أجل الملك ، وأنه وكان من حقه الثورة وطلب الخلافة ، غير أن تقديره للأمور لم يكن صحيحاً حين اختار الكوفة ، رغم كثرة الناصحين له ، وأن مسؤولية قتل الحسين عليه السلام تقع على ابن زياد والكوفيين من شيعة علي عليه السلام ، وقد كرس أبو مخنف ونظراؤه من الرواة المعاصرين له رواياتهم لهذا التفسير ، وقد تبنى العباسيون هذه الأطروحة للنهضة الحسينية ، بعد أن تعمق الصراع بين الطالبيين والعباسيين واستحكم بعد قيام ثورة محمد وإبراهيم ولدي عبد الله بن الحسن المثنى بن الحسن بن علي عليهم السلام ، ثم القضاء عليها سنة 144 هجرية . وقد تبنى أغلب المؤرخين الذين كتبوا التاريخ في العهد العباسي هذه النظرة كالطبري وغيره ، وحذا حذوهم بعدهم آخرون كالذهبي وابن كثير وغيره من القدامى وكثير من المعاصرين . 
الثالثة أطروحة الائمة من ذرية الحسين عليهم السلام: 
عرض الأئمة من ذرية الحسين عليهم السلام الحسين عليه السلام على أنه وارث الأنبياء وإمام الهدى وحجة الله على خلقه(4) ، وأنه نهض عليه السلام لأجل هداية الناس بعد أن عمت ضلالة بني أمية ، هذه الضلالة التي تمثلت بتحريف الدين وطمس أحاديث النبي(صلى لله عليه وآله) في أهل بيته عليهم السلام ، وعرض علي عليه السلام على انه رمز للفساد في الاسلام ، وعرض بني أمية على انهم ائمة هدى وحجج الله على عباده ، وهذا التفسير للحركة الحسينية يجده الباحث واضحا جليا في تراث اهل البيت عليهم السلام . 
روى ابن قولويه بسنده عن أبي حمزة الثمالي ، قال قال الصادق عليه السلام: قل ... اللهم إني أَشهَدُ أن هذا قبرُ ابنِ حبيبِك وصَفوتِك من خلقِك ، وأنه الفائزُ بكرامتِك ، أكرمتَه بكتابِك ، وخصَصْتَه وائتمَنْتَه على وحيك ، وأعطيتَه مواريثَ الأنبياء ، وجعلته حجةً على خَلقِك ، فأعذَرَ في الدعاء ، وبذَل مُهجتَه فيك ، ليستنقذَ عبادَك من الضَّلالة والجهالة ، والعَمى والشَّكِ والإرتياب ، إلى باب الهدى . 
السلام عليك يا وارث آدم صفوة الله ، السلام عليك يا وارث نوح نبي الله، السلام عليك يا وارث إبراهيم خليل الله ، السلام عليك يا وارث موسى كليم الله ، السلام عليك يا وارث عيسى روح الله ، السلام عليك يا وارث محمد حبيب الله ، السلام عليك يا وارث أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وصي رسول الله وولي الله ، السلام عليك يا وارث الحسن بن علي الزكي ، السلام عليك يا وارث فاطمة الزهراء سيدة نساء العالمين ، السلام عليك أيها الصِّدِّيق الشهيد ، السلام عليك أيها الوصيّ ، السلام عليك أيها الوفيّ ، أشهد أنك قد أقمت الصلاة ، وآتيت الزكاة وأمرت بالمعروف ونهيت عن المنكر ، وعبدت الله مخلِصاً حتى أتاك اليقين ، السلام عليك يا أبا عبد الله ورحمة الله وبركاته (5) . 
______________________
(1) الدولة الاموية الشيخ محمد الخضري /327 ، دار المعرفة بيروت 1418هجرية . والكتاب محاضرات في تاريخ الاسلام القيت على طلاب الجامعة المصرية بطلب من مجلس ادارة الجامعة المصرية ورأت إدارة الجامعة ان تجمع وتطبع . 
(2) موسوعة التاريخ الاسلامي ج7/208ط7/1984/القاهرة . 
(3) موجز التاريخ الاسلامي تاليف احمد محمود العسيري ، 152 ط1 ، الدمام 1417هجرية . 
(4) وهذا الموقع للحسين هو الذي نصت عليه الأحاديث النبوية الصحيحة في الحسين عليه السلام .
(5) رواه ابن قولويه في كتابه كامل‏الزيارات ص : 223 قال حدثني أبو عبد الرحمن محمد بن أحمد بن الحسين العسكري ومحمد بن الحسن جميعا عن الحسن بن علي بن مهزيار عن أبيه علي بن مهزيار عن محمد بن أبي عمير عن محمد بن مروان . 
 
الواقع التاريخي لحركة النبي(ص)
وعلي (ع) والحسن(ع) في أداء وظيفتهم الإلهية
قبل حركة الحسين(ع)

عهد النبوة الخاتمة: 
قال الله سبحانه وتعالى : ﴿ هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (2) وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (3) ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (4) مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (5) ﴾ الجمعة/2-5 . 
الأميون هم (قريش) ساكنو مكة ومن دانَ بدينهم من القبائل العربية في الحجاز ، ودينهم هو دين إبراهيم عليه السلام ، وقد حُرِّف على مراحل ، كان أخطرها نصب الأصنام على الكعبة ، وتحويل بيت إبراهيم عليه السلام الذي شُيِّد على التوحيد الى بيت عبادة للأصنام ، وكان آخر مراحل تحريف دين إبراهيم هو ما قامت به قريش بعد حادثة الفيل ، حين ابتدعت بدعة الحُمْس(1) ، وفصلت بين العمرة والحج ، وفرضت على الناس أن يحجّوا بثياب قريش ليُقبَل حجُّهم ، وتسمت بـ (آل الله) ، بدلاً من حصر تلك التسمية في بيت عبد المطلب ، الذي أجرى الله تعالى على يده آياته ليميِّزه بها عن بقية قريش . 
وإلى جانب الأمِّيين القرشيين هؤلاء ، حرَّف اليهود من أهل الكتاب ، كتاب الله (التوراة) وأدخلوا فيه الأساطير ، وكذلك حرَّف المسيحيون (الانجيل) ، واتخذ أهل الكتاب (أحبارهم ورهبانهم) أرباباً من دون الله . 
وكذلك القبائل العربية في الحجاز ، اتخذت (قريشاً) ارباباً من دون الله ، حين كانوا يشرِّعون لهم من الدين ما فيه تحريف لشريعة إبراهيم ويقبلون ذلك منهم . ثم بعث الله تعالى محمد صلى الله عليه وآله ، وأنزل عليه القرآن كتاب هدى ، ونسخ به كتب أهل الكتاب ، كما هدم به الإمامة الدينية لهم ولقريش . 
وشاءت حكمة الله أن يجعل القرآن بحاجة إلى شرح وتفصيل ، قال الله تعالى : ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (18) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ(19)﴾ القيامة/18-19 . 
وشاءت حكمته تعالى أن يكون النبي صلى الله عليه وآله مصدر البيان ﴿وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ النحل/44 ، وبعبارة أخرى شاءت حكمته أن يؤخذ تفصيل القرآن وبيانه من سنة النبي صلى الله عليه وآله وهي قوله وفعله وتقريره ، وبذلك صار الإسلام عبارة عن كتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وآله . 
بلَّغ النبي صلى الله عليه وآله القرآن وبيانه ، وقام المجتمع الإسلامي على إتباع كتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وآله . 
وكَتَبَ علي عليه السلام بأمر النبي صلى الله عليه وآله كلَّ السنة النبوية المطهرة من خلال لقاءات خاصة بينهما (2) ، وجعلها في صُحُف ، لتكون تراثاً إلهيا للأئمة الاثني عشر عليهم السلام ، نظير تراث آل هارون المذكور في القرآن(3) ، وبذلك صار علي عليه السلام والطاهرون من ذريته عليهم السلام الراوي الأمين والوحيد إلى سنة النبي صلى الله عليه وآله الكاملة ، والعِدْلَ الوحيد للقرآن لتحقيق الهداية التفصيلية التي جاء بها النبي صلى الله عليه وآله ، وقد أشار النبي صلى الله عليه وآله إلى ذلك بقوله : (ثم إني أوشك أن أدعي فأجيب وأني تارك فيكم الثقلين كتاب الله عز وجل وعترتي كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض وعترتي أهل بيتي وان اللطيف الخبير أخبرني انهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض فانظروني بم تخلفوني فيهما) (4) ، وقوله (أنا مدينة العلم وعلي بابها) ، وقوله : (يا علي أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبيّ بعدي) ، وقوله : (يا علي لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق) ، وجعل النبي صلى الله عليه وآله ولاية أول أهل بيته علي عليه السلام هي ولايته إلى آخر الدنيا حين قال : (من كنت مولاه فعلي مولاه) . 
وهكذا صار الإسلام عبارة عن الولاية لله تعالى وللرسول صلى الله عليه وآله ولعلي عليه السلام ثم الأئمة من ولده ، وولاية الله تعني إتباع كتابه ، وولاية الرسول تعني إتباع سنته والإقتداء به ، وولاية علي والائمة من ولده تعني أخذ سنة النبي صلى الله عليه وآله منهم والإقتداء بهم والإحتكام إليهم في زمانهم . 
حاربت قريش المشركة بكل قواها دعوة النبي صلى الله عليه وآله ، وعاونها في ذلك يهود المدينة ، واستغلت قريش حروب النبي صلى الله عليه وآله التي كانت دفاعاً عن نفسه وعن أصحابه لتشويه صورته لدى القبائل العربية ، وأخذت تصفه بأنه رجل أساء إلى البيت الحرام وقطع الطرق الآمنة وسفك الدِّماء ، وأنها تريد الأمن وخدمة البيت الحرام وخدمة الحجيج ، ونجحت قريش في تحشيد عشرة آلاف جندي لحرب النبي صلى الله عليه وآله في غزوة الأحزاب المعروفة بغزوة الخندق ، وباءت جهودها بالفشل ورجعت تلك الأحلاف والأحزاب منهزمة . 
ثم رأى النبي صلى الله عليه وآله بعد فشل قريش في الأحزاب ، أن استمرار أسلوب الحرب معها ومع حلفائها لا ينفع ، فعدَلَ عنه إلى الصلح ، وفاجأ قريشاً في ذي القعدة من السنة السادسة للهجرة بقدومه صلى الله عليه وآله ، ومعه ألف وخمسائة من أصحابه ، وقد ساقوا معهم الهدي ليعتمروا ويصالحوا قريشا ، ولكن قريشاً أخذتها حَمِيَّةُ الجاهلية ، فأصرَّت على رفض دخول النبي صلى الله عليه وآله ومن معه مكة ذلك العام ، وصالحته على الأمان عشر سنين ، وعلى أن يرجع تلك السنة ويعتمر العام القادم ، وبذلك افتضحت قريش عند القبائل بكونها هي التي تصد عن البيت الحرام وأن النبي صلى الله عليه وآله رجل يعظم البيت ويدعو إلى تعظيمه واحترامه ، وانتشر الإسلام في قبائل الجزيرة العربية ، وبلغ عدد المسلمين خلال سنتين ونصف عشرة آلاف ، ثم نقضت قريش عهدها وأخلت بشروط الصلح ، وفاجأها النبي صلى الله عليه وآله بجيش قوامه عشرة آلاف مسلم ونصر الله تعالى نبيه ودخلت قريش الإسلام وهي راغمة . 
عهد خلافة قريش المسلمة: 
خططت قريش المسلمة للإلتفاف على الإسلام واحتوائه بعد النبي صلى الله عليه وآله تحت شعار (حسبنا كتاب الله) في حياة النبي صلى الله عليه وآله من أجل فصل الكتاب عن السنة ، وتجاوزت مقام علي عليه السلام الذي أسسه الله تعالى ورسوله ورجعت تعظم مقامها في الجاهلية ، ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِيْن مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ آل عمران/144 ، وفرضت على المسلمين أن تكون الإمامة الدينية والسياسية في رجالات قريش وليست في أهل البيت عليهم السلام ، وأعادت الأمر جاهلية باسم الإسلام وقال رجالاتها في السقيفة (إن العرب لا ترضى أن يكون هذا الأمر في غير قريش) ثم فرضت بيعة أبي بكر ثم عمر ثم عثمان بالقوة(5) . 
وكانت سياستهم هي أن تتداول بطون قريش وقبائلها الإمامة الدينية والسياسية ويمنعونها بني هاشم(6) . 
رفع الخلفاء القرشيون الثلاثة شعار (حسبنا كتاب الله) ، وانَّ العرب لا ترضى أن يكون هذا الأمر في غير قريش ، في قبال شعار النبي صلى الله عليه وآله (إني تارك فيكم كتاب الله وعترتي أهل بيتي) ، واجتهد الخلفاء القرشيون الثلاثة بأمور خالفوا فيها سنة النبي صلى الله عليه وآله ، وكان من أكثر اجتهاداتهم ضرراً على الإسلام والمسلمين مَنْعُهم نشرَ حديث النبي صلى الله عليه وآله وتفسيرَ القرآن ، وإحراقُهم مدوَّنات الصحابة في الحديث(7) ، وفسحُ المجال لعلماء أهل الكتاب الذين أسلموا من نشر أساطيرهم بين المسلمين باسم الإسلام(8) ، وكان من أبرز مخالفاتهم لسنة النبي صلى الله عليه وآله بعد نكثهم وصيَّته في علي عليه السلام هو تحريمهم متعة الحج . 
وفي ضوء هذه الإجتهادات الخاطئة فُتِحت البلاد شرقاً وغرباً ، وتعلَّم أهل البلاد المفتوحة الإسلام على أنه ولاء لله وللخليفة من قريش ، وأن الدين هو كتاب الله وما شرعه الخليفة القرشي ، ومن هنا عَرَضَ عبد الرحمن بن عوف على علي عليه السلام أن يبايعه على كتاب الله والعمل بسيرة الشيخين ، فرفض علي عليه السلام ذلك قائلاً : إن سيرة النبي صلى الله عليه وآله لا تحتاج إلى إجّيري(9) أحد ، وبويع عثمان على ذلك(10) . وهكذا عاش الناس خمساً وعشرين سنة بعد النبي صلى الله عليه وآله في جاهلية وضلالة مقنَّعة باسم الإسلام. 
خالف عثمان سيرة الشيخين في قضية تولية الولاة على البلدان إذ جعلاها في قبائل قريش ، وحصرها عثمان في بني أمية. 
فقد بدأ عهده باستقدام عمه الحكم والد مروان ، وكان النبي صلى الله عليه وآله قد نفاه إلى الطائف ، ثم جعل إبنه مروان (11) كاتبه الخاص بعد أن زوجه إبنته. 
ثم عزل سعد بن أبي وقاص عن الكوفة سنة 25 هجرية وعيَّن أخاه لأمه الوليد بن عقبة الفاسق بنص القرآن . 
وفي سنة 26 هجرية جمع الشام كلها لمعاوية . 
وفي سنة 27 هجرية جمع مصر كلها لأخيه من الرضاعة عبد الله بن سعد بن أبي سرح ، وكان النبي صلى الله عليه وآله قد أهدر دمه في فتح مكة وأجاره عثمان . 
وفيها أيضا عزل أبا موسى الأشعري عن البصرة وولىّ مكانه عبد الله بن عامر بن كريز بن حبيب بن عبد شمس وهو ابن أربع وعشرين سنة وضم إليه ولاية فارس . 
وبسبب ذلك شاع التذمر في قريش ، وصار المتذمرون وهم عبد الرحمن بن عوف وطلحة والزبير وعمرو بن العاص وعائشة حزبا . 
وصار عثمان ومعه بنو أبيه بنو أمية حزبا .
وتعاظم الخلاف بين الحزبين القرشيين سنة 27 هجرية حين أعلن عبد الرحمن بن عوف المرشح الأكيد لخلافة عثمان قطيعته لعثمان ، وبدأ الخصوم يذكرون من سيرة النبي صلى الله عليه وآله وأحاديثه ما يضعِّفون به جانب عثمان وبني أمية ، وبذلك انكسرت سياسة منع الحديث وضعفت سيطرة السلطة . 
حركة علي عليه السلام لإحياء السنة النبوية: 
في أجواء الإنشقاق القرشي هذا قرَّر علي عليه السلام البدء بحركته الإحيائية لسنة النبي صلى الله عليه وآله في المجتمع ، وأعلن عن عزمه على الحج تلك السنة ، ولبّى بحج التمتع الذي أمر به النبي صلى الله عليه وآله وحرَّمته الخلافة القرشية(12)، وأوعز إلى أصحاب النبي صلى الله عليه وآله الذين على رأيه وهم أبو ذر وعمّار ومقداد ونظراؤهم أن يبدءوا بنشر الحديث النبوي ويعرِّفوا الناس بمفتاح العلم والهداية بعد النبي صلى الله عليه وآله وهم أهل بيته عليهم السلام . 
انتهى انشقاق قريش بنجاح طرف عائشة وطلحة في التحريض على عثمان ثم نجاحهم في قتله ، وكانوا يترقبون أن يتجه الناس إلى طلحة ليبايعوه ، غير أنهم فوجئوا بأن الناس اتجهوا إلى علي عليه السلام يقودهم عمار وأبو الهيثم بن التيِّهان وأبو سعيد الخُدري وغيرهم من الصحابة الأنصار ومعهم مالك الأشتر ونظراؤه من التابعين ، وأصروا على علي عليه السلام أن يبايعوه(13) . 
وقام علي عليه السلام بواجبه كوصي للنبي صلى الله عليه وآله ، وإمام هدى بأمر الله تعالى ، وشاهد إلهي على الناس ، مسؤول عن حفظ الرسالة ونشرها في المجتمع خير قيام ، حين نهض بالأمر بعد قتل عثمان وبيعة الأمة له، فأكمل عمله الذي بدأه في أخريات عهد عثمان ، أكمل نشر سنة النبي صلى الله عليه وآله وأحيا العمل بها ، وحثَّ على تدوينها ، ومنع من التحديث بالأساطير الإسرائيلية . 
ولم تطب نفس قريش بذلك فنكثت بيعة علي عليه السلام ، وعملت على تفريق الأمة وتصدى لذلك وجوهم آنذاك ، وهم عائشة وطلحة والزبير ومعاوية ، وحاربوه في البصرة في الحرب المعروفة بحرب الجمل، ولما انكسروا فيها التفّوا حول معاوية في الشام وحاربه في صفين ، ثم وقعت الفتنة في جيش علي عليه السلام وتجمهر عدة آلاف من العراقيين المتأثرين باجتهادات عمر في العبادة وغيرها(14) فحاربوه في النهروان . 
انحصر إحياء سنة النبي صلى الله عليه وآله ونشرها بين أهل البلاد المفتوحة شرقاً ، وصارت الكوفة مركزاً لتلك النهضة الإحيائية لسنة النبي صلى الله عليه وآله والعمل بها . 
أما الشام فقد بقيت منغلقة على هذه النهضة وصارت مركزاً لقريش في محاربة علي عليه السلام والكيد له ، ومحاربة الأحاديث النبوية الصحيحة ، وشوَّه معاوية عن طريق الأخبار الكاذبة صورة علي عليه السلام لدى الشاميين ، وصوَّره لهم شخصا مجرماً بحق الإسلام ، وأن دم عثمان بعهدته ، وسوَّغ لهم لعنه ومحاربته نظير ما فعلت قريش المشركة مع النبي صلى الله عليه وآله لما هاجر إلى المدينة . وصار يشن الغارات على أطراف بلاد علي عليه السلام لسلب الأموال وإرعاب الناس ليطوق تجربة علي عليه السلام الإحيائية للسنة النبوية ويحدها من الانتشار . 
واستشهد علي عليه السلام وهو يعبئ الناس لخوض معركة جديدة مع معاوية . 
______________________
(1) تعني لفظة الحمس التشدد في الدين والتطرف والغلو فيه ، في قبال اليسر والسماحة . 
(2) كما روى ذلك علي عليه السلام قال : كان لي من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مدخلان مدخل بالليل ومدخل بالنهار فكنت إذا دخلت بالليل تنحنح لي . وفي رواية أخرى قال : كانت لي من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم منزلة لم تكن لأحد من الخلائق اني كنت آتيه كل سحر فاسلم عليه حتى يتنحنح . فان تنحنح انصرفت الى اهلي والا دخلت عليه . (المجتبى من السنن للنسائي 3/2 ، مسند احمد 1/85) . 
(3) قال تعالى : ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمْ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ... وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا ... إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمْ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ (248)﴾ البقرة/246-248 . 
(4) مسند أحمد بن حنبل ج3 ص17ـ ط.مؤسسة قرطبة.
(5) روى البخاري بسنده عن عمر بن الخطاب وهو يتحدث عن مجريات الأمور في السقيفة قال : (فكثر اللغط وارتفعت الأصوات ، حتى فرقت من الإختلاف ، فقلت أبسط يدك يا أبا بكر ، فبسط يده فبايعته وبايعه المهاجرون ثم بايعته الأنصار . ونَزَوْنا على سعد بن عبادة . فقال قائل منهم قتلتم سعد بن عبادة ، فقلت قتل الله سعد بن عبادة) . وروى الطبري في تاريخه 4/224عن عمر بن شبة بسنده عن عمر بن ميمون : قال عمر لأبي طلحة الأنصاري (اختر خمسين رجلاً من الأنصار ، فاجمع هؤلاء الرهط في بيت حتى يختاروا رجلاً منهم ، فإن اجتمع خمسة ورضوا رجلاً وأبى واحد فاشدخ رأسه ، وإن اتفق أربعة فرضوا رجلاً منهم وأبى اثنان فاضرب رؤوسهما ، فإن رضي ثلاثة رجلاً منهم وثلاثة رجلاً منهم فحكِّموا عبد الله بن عمر ، فأي الفريقين حكم له فليختاروا رجلاً منهم ، فإن لم يرضوا بحكم عبد الله بن عمر فكونوا مع الذين فيهم عبد الرحمن بن عوف واقتلوا الباقين إن رغبوا عما اجتمع عليه الناس) وفي طبقات بن سعد ج3 : 342 بسنده عن سماك أن عمر قال للإنصار: (أدخلوهم بيتاً ثلاثة أيام فإن استقاموا وإلاّ فأدخلوا عليهم فاضربوا أعناقهم) ، وفي أنساب الأشراف للبلاذري 4 : 503 قال عمر: (ليتبع الأقل الأكثر فمن خالفكم فاضربوا عنقه) ومثله في كنز العمال 12 : 681 . وقال عبد الرحمن لعلي عليه السلام: بايع وإلاّ ضربت عنقك) أنساب الاشراف ج4 : 508 . واللفظ في صحيح البخاري ج9 : 98 (فلا تجعل على نفسك سبيلا) . 
(6) قال الطبري حدَّثني ابن حميد قال : حدَّثنا سلمة عن محمد بن إسحاق . عن رجل عن عكرمة عن ابن عباس قال بينما عمر بن الخطاب رضي الله عنه وبعض أصحابه يتذاكرون الشعر فقال بعضهم : فلان أشعر وقال بعضهم : بل فلان أشعر قال : فأقبلت فقال عمر : قد جاءكم أعلم الناس بها فقال عمر : من شاعر الشعراء يا بن عباس؟ قال : فقلت : زهير بن أبي سلمى فقال عمر : هلم من شعره ما نستدل به على ما ذكرت فقلت أمتدح قوما من بني عبد الله بن غطفان فقال :
لو كان يقعد فوق الشمس من كرم قوم بأولهم أو مجدهم قعـدوا
قوم أبوهم سنان حين تنسِبُهم طابوا وطاب من الأولاد ما ولدوا
إنس إذا أمنوا جن إذا فزعوا مرزَّءون بهاليل إذا حشـــدوا
محسدون على ما كان من نعم لا ينـزع الله منهم ماله حُسِـدوا
فقال عمر : أحسن ، وما أعلم أحدا أولى بهذا الشعر من هذا الحي من بني هاشم لفضل رسول الله ص وقرابتهم منه ، فقلت : وُفِّقتَ يا أمير المؤمنين ولم تزل موفقا . فقال : يا ابن عباس أ تدري ما منع قومكم منهم بعد محمد؟ فكرهت أن أجيبه فقلت : إن لم أكن أدري فأمير المؤمنين يدريني . فقال عمر : كرهوا أن يجمعوا لكم النبوة والخلافة فتبجحوا على قومكم بجحا بجحا فاختارت قريش لأنفسها فأصابت ووفقت . (الطبري في ج4/222-224) . 
(7) انظر كتابنا شيعة العراق حيث ذكرنا الراوايات في ذلك.
(8) انظر كتاب دور الأئمة في الحياة الإسلامية للعلامة العسكري.
(9) الاجيري بالكسر والتشديد العادة . انظر تاج العروس مادة(اجر) . 
(10) قال اليعقوبي في تاريخه ج 2 ص 162 : وكان عبد الرحمن بن عوف الزهري ، لما توفي عمر ، واجتمعوا للشورى ، سألهم أن يخرج نفسه منها على أن يختار منهم رجلا ، ففعلوا ذلك ، فأقام ثلاثة أيام ، وخلا بعلي بن أبي طالب ، فقال : لنا الله عليك ، إن وليت هذا الامر ، أن تسير فينا بكتاب الله وسنة نبيه وسيرة أبي بكر وعمر . فقال : أسير فيكم بكتاب الله وسنة نبيه ما استطعت . فخلا بعثمان فقال له : لنا الله عليك ، إن وليت هذا الامر ، أن تسير فينا بكتاب الله وسنة نبيه وسيرة أبي بكر وعمر. فقال : لكم أن أسير فيكم بكتاب الله وسنة نبيه وسيرة أبي بكر وعمر ، ثم خلا بعلي فقال له مثل مقالته الاولى ، فأجابه مثل الجواب الاول ، ثم خلا بعثمان فقال له مثل المقالة الاولى ، فأجابه مثل ما كان أجابه ، ثم خلا بعلي فقال له مثل المقالة الاولى ، فقال : إن كتاب الله وسنة نبيه لا يحتاج معهما إلى إجّيرى أحد . أنت مجتهد أن تزوي هذا الامر عني . فخلا بعثمان فأعاد عليه القول ، فأجابه بذلك الجواب ، وصفق على يده . 
(11) قال ابن حجر : مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس وهو ابن عم عثمان وكاتبه في خلافته يقال ولد بعد الهجرة بسنتين وقيل بأربع وقال ابن شاهين مات النبي صلى الله عليه وآله وهو ابن ثمان سنين فيكون مولده بعد الهجرة بسنتين . وكان مع أبيه بالطائف إلى أن اذن عثمان للحكم في الرجوع إلى المدينة فرجع مع أبيه ثم كان ذلك من أسباب قتل عثمان ثم شهد (مروان) الجمل مع عائشة ثم صفين مع معاوية ثم ولي إمرة المدينة لمعاوية ثم لم يزل بها إلى أن أخرجهم ابن الزبير في أوائل إمرة يزيد بن معاوية فكان ذلك من أسباب وقعة الحرة وبقي بالشام إلى أن مات معاوية بن يزيد بن معاوية فبايعه بعض أهل الشام في قصة طويلة ثم كانت الوقعة بينه وبين الضحاك بن قيس وكان أميرا لابن الزبير فانتصر مروان وقتل الضحاك واستوثق له ملك الشام ثم توجه إلى مصر فاستولى عليها ثم بَغَتَه الموت فعهد إلى ولده عبد الملك . وفي التعديل والتجريح قال عمرو بن علي بويع مروان بن الحكم وهو ابن إحدى وستين سنة في النصف من ذي القعدة سنة أربع وستين فعاش خليفة تسعة أشهر وثماني عشرة ليلة ومات لثلاث خلون من رمضان سنة خمس وستين . 
(12) روى مالك في الموطأ : « أن المقداد بن الاسود دخل على علي عليه السلام بالسُقْيا وهو يُنجِع بَكرات له دقيقاً وخبطاً ، فقال هذا عثمان بن عفان ينهى ان يقرن بين الحج والعمرة ، فخرج علي عليه السلام وعلى يديه اثر الدقيق والخبط فما أنسى اثر الدقيق والخبط ، على ذراعيه ، حتى دخل على عثمان فقال : أنت تنهى عن ان يُقْرَنَ بين الحج والعمرة ، فقال : عثمان ذلك رأيي ، فخرج عليٌّ عليه السلام مغضبا وهو يقول : «لبيك اللهم لبيك بحجة وعمرة معا» . وفي سنن النسائي ومستدرك الصحيحين ومسند احمد واللفظ للاول عن سعيد بن المسيب قال : «حج علي وعثمان فلما كنا ببعض الطريق نهى عثمان عن التمتع فقال علي إذا رأيته ارتحل فارتحلوا فلبى علي وأصحابه بالعمرة ... » . قال الامام السندي بهامشه : « قال(إذا رأيتموه قد ارتحل فارتحلوا) أي ارتحلوا معه ملبين بالعمرة ليعلم أنكم قدمتم السنة على قوله ، وانه لا طاعة له في مقابل السنة » . وفي صحيح البخاري وسنن النسائي وسنن الدارمي وسنن البيهقي ومسند احمد ومسند الطيالسي وغيرها عن علي بن الحسين عليه السلام عن مروان بن الحكم قال : «شهدت عثمان وعلي عليه السلام وعثمان ينهى عن المتعة وان يجمع بينهما فلما رأى علي أهل بهما لبيك بعمرة وحجة معا قال ما كنت لادع سنة النبي صلى الله عليه وآله لقول أحد » . وفي لفظ النسائي : « فقال عثمان أتفعلها وأنا أنهى عنها فقال علي لم اكن لادع سنة رسول الله لاحد من الناس » . انظر تفصيل المصادر في كتابنا شبهات وردود ط4/214-224بحث متعة الحج . 
(13) قال علي عليه السلام: (فما راعني إلا والناس كعرف الضبع إليَّ ، ينثالون على من كل جانب ، حتى لقد وطئ الحسنان ، وشق عطفاي ، مجتمعين حولي كربيضة الغنم) شرح النهج 1/200 ، (وبلغ من سرور الناس ببيعتهم اياي أن ابتهج بها الصغير ، وهدج إليها الكبير ، وتحامل نحوها العليل ، وحسرت إليها الكعاب . وبسطتم يدي فكففتها ، ومددتموها فقبضتها ، ثم تداككتم علي تداك الابل الهيم على حياضها يوم وردها ; حتى انقطعت النعل ، وسقط الرداء ، ووطئ الضعيف) شرح النهح 13/3 . (التداك : الازدحام الشديد . والإبل الهيم : العطاش . وهدج إليها الكبير : مشى مشيا ضعيفا مرتعشا، والمضارع يهدج بالكسر ، وتحامل نحوها العليل : تكلف المشي على مشقة . وحسرت إليها الكعاب : كشفت عن وجهها حرصا على حضور البيعة ، والكعاب : الجارية التى قد نهد ثديها ، كعبت تكعب ، بالضم) . 
(14) افتتن قسم من المسلمين في جيش علي عليه السلام بعد أن رفع معاوية وأصحابه القرآن داعين إلى الاحتكام إليه ، وانطلت عليهم حيلة معاوية وعمرو بن العاص ، وهذا القسم كان قد تعوَّد على السنن التي أجراها عمر وخالف فيها الرسول صلى الله عليه وآله ولم يستجيبوا للتصحيح الذي قاده علي عليه السلام في إحياء السنة النبوية وقد روى لنا الكليني في الكافي ج8/59قطعة من كلام علي يتحدث عن هؤلاء : (قد عملت الولاة قبلي أعمالاً خالفوا فيها رسول الله صلى الله عليه وآله متعمدين لخلافه ، ناقضين لعهده مغيرين لسنته ولو حملت الناس على تركها وحولتها إلى مواضعها وإلى ما كانت في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله لتفرق عني جندي حتى أبقى وحدي أو قليل من شيعتي الذين عرفوا فضلي وفرض إمامتي من كتاب الله عز وجل وسنة رسول الله صلى الله عليه وآله ، أرأيتم لو أمرت بمقام إبراهيم عليه السلام فرددته إلى الموضع الذي وضعه فيه رسول الله صلى الله عليه وآله ، ورددت فدك إلى ورثة فاطمة عليه السلام ورددت صاع رسول صلى الله عليه وآله كما كان ... ورددت دار جعفر إلى ورثته وهدمتها من المسجد ورددت قضايا من الجور قضي بها ، ونزعت نساءا تحت رجال بغير حق فرددتهن إلى أزواجهن واستقبلت بهن الحكم في الفروج والارحام ، ... ومحوت دواوين العطايا وأعطيت كما كان رسول الله صلى الله عليه وآله يعطي بالسوية ولم أجعلها دولة بين الاغنياء ... وسويت بين المناكح وأنفذت خمس الرسول كما أنزل الله عز وجل وفرضه ورددت مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله إلى ما كان عليه ، وسددت ما فتح فيه من الابواب ، وفتحت ما سد منه ، وحرمت المسح على الخفين ، وحددت على النبيذ وأمرت باحلال المتعتين(وأمرت بالتكبير على الجنائز خمس تكبيرات وألزمت الناس الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم ... وحملت الناس على حكم القرآن وعلى الطلاق على السنة ، وأخذت الصدقات على أصنافها وحدودها ، ورددت الوضوء والغسل والصلاة إلى مواقيتها وشرائعها ومواضعها ، ... إذا لتفرقوا عني ، والله لقد أمرت الناس أن لا يجتمعوا في شهر رمضان إلا في فريضة وأعلمتهم أن اجتماعهم في النوافل بدعة فتنادى بعض أهل عسكري ممن يقاتل معي : يا أهل الاسلام غيرت سنة عمر ينهانا عن الصلاة في شهر رمضان تطوعا ولقد خفت أن يثوروا في ناحية جانب عسكري ما لقيت من هذه الامة ...) . أقول : كلامه عليه السلام هذا كان في أواسط خلافته قبل قصة النهروان وإقبال الناس عليه والتفافهم حوله . 
صلح الإمام الحسن عليه السلام يحفظ وحدة الكتاب 
والقبلة ويثقف أهل الشام بالسنة النبوية الصحيحة:
بايع أهل العراق الحسن عليه السلام تبعاً للنصوص النبوية الواردة في حق أهل البيت عليهم السلام ، التي تعيِّنهم أئمة هدى وحججاً إلهيين بعد النبي صلى الله عليه وآله ، والتي أحيا نشرها علي عليه السلام ، وكانت حكومته مشروعة لأنّ بيعة الأمة وقعت في محلها الشرعي ، وبايع أهل الشام معاوية ولم تكن بيعة مشروعة لأنها لم تقع في محلها الشرعي ، وانقسمت الأمة بذلك إلى كيانين سياسيين: 
أحدهما : كيان سياسي محوره العراق يرأسه الحسن عليه السلام وهو عازم على مواصلة مسيرة أبيه في إحياء السنة النبوية والعمل بها ونشرها بين المسلمين . 
وثانيهما : كيان سياسي محوره الشام ، يرأسه معاوية وهو عازم على إحياء مسيرة أبي بكر وعمر وعثمان ونشر اجتهاداتهم من جديد. 
عرض معاوية الصلح على الحسن عليه السلام لحقن الدماء ، وأن يبقى كل طرف على البلاد التي بايعته واقتنعت به . 
وكان الحسن عليه السلام أمام هذا العرض بين إحراجين : 
فهو إن رفض أطروحة الصلح يكون قد سجل على نفسه أمام الشاميين مخالفة لقوله تعالى ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾ الأنفال/60-61 ، ويكون بذلك قد أمدَّهم بمبرر قوي لحربه . 
وهو إن أقرَّ أطروحة معاوية في الصلح يكون قد كرَّس جهلَ أهل الشام بالأحاديث النبوية في حق علي عليه السلام وجهلهم بسيرته التي هي سيرة رسول الله صلى الله عليه وآله ، مضافاً إلى ذلك فان أطروحة معاوية في الصلح تستبطن إجراءاً سوف يتخذه معاوية مستقبلاً يقضي بمنع أهل الشام من الذهاب إلى مكة ، حتى لا يختلطوا بالعراقيين ومن ثم يتعلموا منهم أحاديث النبي صلى الله عليه وآله في حق علي عليه السلام ، ولا يتعرفون على سيرته المشرقة ، وهذه الخطوة سوف تجر إلى تبني القبلة الأولى (بيت القدس) في قبال مكة ، وحذف آيات ونسخها من القرآن ، وبذلك تتعدد القبلة ويتعدد الكتاب ، وكذلك تجر إلى أمور أخرى(1) . 
ومن هنا قدم الحسن عليه السلام أطروحة جديدة للصلح ، تستند إلى أطروحة جده النبي صلى الله عليه وآله في صلحه مع قريش ، مع تطوير يناسب المقام ويحقق الأهداف كاملة ، وتمثلت هذه الأطروحة الحسنية بأن يسلم الأمر كله لمعاوية لقاء شروط يصوغها الحسن عليه السلام . 
وفوجئ معاوية بهذه الأطروحة وطار لها فرحا ، ولم يكن يصدِّق ذلك . 
أرسل معاوية للحسن عليه السلام صحيفة بيضاء موقعة من طرفه يكتب شروطه عليها . 
وكان من هذه الشروط : أن يكون الأمر للحسن عليه السلام بعد معاوية . 
ومنها : أن يترك لعن علي عليه السلام .
ومنها : أن يسير معاوية بالكتاب والسنة . 
ومنها : أمان كل شيعة علي عليه السلام.
وغير ذلك . 
وحاول معاوية أن يستثني عشرة من شيعة علي عليه السلام من الأمان ، ولكن الحسن عليه السلام رفض ذلك . 
واستجاب معاوية أخيراً للشروط ، واتضح لأهل الشام جلياً أن معاوية كان يقاتل على الملك ، وليس من أجل دم عثمان بدليل أنه لما عرض عليه الملك بشرط أمان الناس كلهم بما فيهم من هو متهم من قبل الإعلام الأموي بدم عثمان رضيَ به بل طار له فرحا(2) . 
عاشت الأمة عشر سنوات من الصلح ، وكانت سنوات أمان تام ، وتحرَّك أصحاب علي عليه السلام من العراقيين ينشرون سنة النبي صلى الله عليه وآله واختلطوا بأهل الشام في موسم الحج والعمرة ، ومن خلال سفرات إلى الشام كان يعرضها معاوية عليهم ، وانتشرت أحاديث النبي صلى الله عليه وآله في حق علي عليه السلام ، وعرف الشاميون موقعه في الإسلام ، وعرفوا سيرته المشرقة المتطابقة مع سيرة النبي صلى الله عليه وآله . 
وأحب الناس جميعاً الحسن عليه السلام لِما حقق لهم من الإمان ولِما رأوا من أخلاقه وعبادته وعلمه من خلال موسم الحج الذي أحياه بالحج ماشياً عشر سنوات بعد الصلح(3) ومن خلال سفراته إلى الشام ، وأدرك الناس بعمق كلمة النبي صلى الله عليه وآله في حق الحسن عليه السلام حين قال : إن إبني هذا سيد وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين(4) . 
ضلالة بني أمية: 
لم يَرُق لمعاوية أن يموت ويترك الأمور ممهَّدة للحسن بن علي عليه السلام، وقد برَّزته الأحداث كأعظم مُصلح في الأمة ، ثم يستمر الأمر من بعده للحسين بن علي والائمة عليهم السلام من ذريته شهداء على الناس وأئمة هدى يقودون الناس إلى الله تعالى . 
وخطط معاوية ليستولي على الأمور ، وليكون هو ونسله أولى بالنبي وبدين إبراهيم عليه السلام ، وأن يعرضوا أنفسهم على الناس أنهم أئمة الهدى ، وخلفاء الله وشفعاؤه في خلقه ، وأن يعرضوا علياً وأهل بيته عليهم السلام ملحدين في الدين استوجبوا اللعنة والبراءة على لسان النبي صلى الله عليه وآله . وبذلك يثأر لأسلافه الذين قُتِلوا في معركة بدر على الشرك ، ويحقق ما لم يخطر على بال أمه هند من صور الانتقام . 
كانت العقبة الكؤود أمام هذا المخطط الرهيب وجود الحسن عليه السلام ، ومحبة الناس له ، والكوفة قلعة الولاء لعلي عليه السلام، والأحاديث النبوية الصحيحة في حق علي وأهل بيته ، وتاريخ بني أمية في حرب النبي صلى الله عليه وآله ومخالفات الخلفاء السابقين لسنة النبي صلى الله عليه وآله التي انتشرت أخبارها بين المسلمين جميعا . 
كانت ركائز خطة معاوية هي : 
1 . اغتيال الحسن عليه السلام بالسم . 
2 . المنع من رواية فضائل علي عليه السلام وأهل بيته عليهم السلام . 
3 . وضع أحاديث تطعن بعلي عليه السلام وتشوه سيرته وتسوغ لعنه والبراءة منه ثم وضع أحاديث تجعل من شيخصية النبي صلى الله عليه وآله شخصية اعتيادية . 
4 . وضع أحاديث في فضائل معاوية والخلفاء السابقين توجب الولاء لهم والتقرب بهم إلى الله تعالى والطاعة المطلقة لهم . 
5 . قتل وجوه أصحاب علي عليه السلام باعتبارهم سيقفون معارضين لتلك السياسة وتفريغ الكوفة من شيعة علي بإشغالهم بالفتوح ، وتحويل الكوفة إلى بلد مطيع لبني أمية . 
وجَدَّ في ذلك معاوية كل الجِدّ وصرف كل قدراته في تنفيذ تلك الخطوات . 
شهد الحسين عليه السلام نقض معاوية لشروط الحسن عليه السلام بعد وفاته وشهد فصول حركته التحريفية التي استهدفت (تفريغ) الإسلام من محتواه المحمدي الأصيل ، الذي يقوم على الولاء لله ولرسوله صلى الله عليه وآله ولعلي والأئمة عليهم السلام من ولده بصفتهم أولى بالنبي صلى الله عليه وآله وبدين إبراهيم ، و(استبداله) بمحتوى أموي يقوم على البراءة من علي عليهم السلام ولعنه بصفته ملحداً في الدين ثم الولاء لبني أمية بصفتهم أولى بالنبي صلى الله عليه وآله وبدين إبراهيم وأنهم أئمة هدى وأنهم خلفاء الله وشفعاؤه في خلقه . 
جدَّد وجوه الكوفيين العهد مع الحسين عليه السلام بعد وفاة الحسن عليه السلام وعرضوا عليه النهوض في وجه معاوية لنقضه الشروط ، فأجابهم الحسين عليه السلام أن يكونوا أحلاس بيوتهم ريثما يموت معاوية(5) ، وطلب منهم العمل سراً على مواصلة نشر الحديث النبوي الصحيح ، وتكررت لقاءاتهم مع الحسين عليه السلام لأخذ التوجيه منه وكان آخر لقاء له معهم هو قبل موت معاوية بسنة حيث جمعهم في مؤتمر سري تدارس فيه معهم الخطة بعد موت معاوية . 
عيَّن معاوية ولده يزيد خليفة من بعده ، وأخذ البيعة له من الناس وحاول أخذ البيعة له من وجوه كان يخشى أن لا تبايعه بعد موته ، منها الحسين عليه السلام وعبد الله بن الزبير وغيرهما ، ولم ينجح معهم . 
المعركة بين الطرفين حول الهداية : 
يتضح من ذلك أنَّ المعركة الأساسية بين الحسين عليه السلام وبين ومعاوية وولده يزيد لم تكن معركة حول السلطة بل كانت حول الهداية.
فهي نظير المعركة بين النبي صلى الله عليه وآله وقريش لمّا بُعث في مكة ، حيث كانت قريش بعد وفاة عبد المطلب /بعد ان ميَّزه الله تعالى بقصة الفيل وإبرزه أولى بإبراهيم ودينه/ قد عرضت نفسها على أنها أولى الناس بمقام إبراهيم وبدينه ومن ثم يتعين على الناس أخذ أحكام الحج من قريش ، وخضعت الناس لقريش في ذلك حتى بعث الله تعالى محمد صلى الله عليه وآله وميَّز بني هاشم على غيرهم مرة أخرى .
وهي أيضا نظير المعركة بين موسى وفرعون في مصر كانت معركة حول التوحيد وليست حول السلطة فقد عرض فرعون نفسه على أنه خليفة الله وشفيعه والهادي إلى دينه ورضاه في قبال آل يعقوب واستضعف الأئمة من آل يعقوب بسب عدم خضوعهم له في ذلك ، وبعث الله تعالى موسى ليميِّز آل يعقوب من جديد ولينقذهم من العذاب المهين ويفتح الطريق لإمامتهم الهادية. 
وكذلك فإنَّ المعركة الأساسية بين علي عليه السلام والخلفاء القرشيين الثلاثة كانت حول الهداية وليس حول السلطة ، علي عليه السلام يرفض بيعة أبي بكر ولو وجد أربعين ذوي عزم لجاهدهم ليس لأجل الملك بل لأجل حفظ رسالة النبي صلى الله عليه وآله من أن تعبث بها قريش المسلمة قريش التي جعلت من سيرة أبي بكر وعمر في عداد كتاب الله وسيرة النبي صلى الله عليه وآله ، وقد رفض علي عليه السلام أن يبايعه عبد الرحمن بن عوف على أساس ذلك ، ولما وجد الأنصار نهض وقاتل كما فعل النبي صلى الله عليه وآله . وانتشرت سنة النبي صلى الله عليه وآله من جديد في الجيل الذي حرم منها ولولا علي عليه السلام لم تنتشر . 
وكذلك فإن المعركة بين معاوية والحسن عليه السلام لم تكن حول السلطة بمعنى أن الحسن عليه السلام لم يصالح معاوية من أجل أن يرجع إليه الملك حسب ، وإن كان هذا الملك من حقه ولكنه صالَح حتى تحفظ الرسالة من خطر التحريف المستلزم بعثة نبيّ وبطلان ختم النبوة . ولولا الصلح لتعددت القبلة وتعدد الكتاب فضلاً عن ضياع الشريعة وأحكامها. 
وكذلك الأمر بين الحسين عليه السلام ومعاوية ويزيد ، فلم يكن رفض البيعة من قبل الحسين عليه السلام ثم أخذ البيعة من أهل الكوفة لأجل الملك(6) ، بل رفض البيعة ليزيد وقال(لو لم يكن لي ملجأ لما بايعت يزيد) ، لأن البيعة ليزيد ولو كرها تعني السكوت عن أخطر عملية تحريف للسنة النبوية ، لأنه تحريف يجعل من عليٍّ عليه السلام رمزاً للإلحاد في الإسلام والإنحراف عنه ويكون لعنه من أفضل القربات عند الله ، ويجعل من الخليفة الأموي رمزاً للهداية تكون طاعته من أفضل الطاعات ، وبقي الحسين عليه السلام على موقفه حتى حين حوصر وفُصِل بينه وبين أنصاره ، وهذا النوع من الإنحراف لم يكن حتى زمن الخلفاء الثلاثة . 
وفيما يلي تفصيل عن مفردات الواقع السياسي والإجتماعي الذي تحرك فيه الحسين عليه السلام وكيف انحصر التغيير وفتح خط الهداية به وكيف كانت خطة الحسين عليه السلام لذلك . 
______________________
(1) من قبيل الاقتتال فيما بينهم ، ثم طمع الروم فيهم وزوال الدولة الاسلامية مبكرا . 
(2) روى ابن عبد ربه في العقد الفريد أن معاوية حج سنة 44 ولما دخل المدينة وزار بيت عثمان استقبلته عائشة بنت عثمان صائحة واعثماناه ... 
(3) يذكر المترجمون للحسن عليه السلام أنه حج خمساً وعشرين حجة ماشياً على قدميه ، فتكون هذه في السنوات الماضية من حياته عليه السلام . 
(4) أوردتها كتب الصحاح والمسانيد . 
(5) روى اليعقوبي في تاريخه قال : ولما توفي الحسن وبلغ الشيعة ذلك اجتمعوا بالكوفة في دار سليمان بن صرد ، وفيهم بنو جعدة بن هبيرة ، فكتبوا إلى الحسين بن علي يعزونه على مصابه بالحسن : (بسم الله الرحمن الرحيم ، للحسين بن علي من شيعتة وشيعة أبيه أمير المؤمنين سلام عليك ، فإنا نحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو ، أما بعد ، فقد بلغنا وفاة الحسن بن علي ... ما أعظم ما أصيب به هذه الامة عامة ، وأنت ، وهذه الشيعة خاصة ، بهلاك ابن الوصي وابن بنت النبي ، علم الهدى ، ونور البلاد المرجو لاقامة الدين ، وإعادة سير الصالحين ، فاصبر رحمك الله ... فإن فيك خلفا ممن كان قبلك ، وإن الله يؤتي رشده من يهدى بهديك ، ونحن شيعتك المصابة بمصيبتك ، المحزونة بحزنك ، المسرورة بسرورك ، السائرة بسيرتك ، المنتظرة لامرك ، شرح الله صدرك ، ورفع ذكرك ، وأعظم أجرك ، وغفر ذنبك ، ورد عليك حقك) . 
(6) كما فعل ابن الزبير حين رفض بيعة يزيد وأخذ البيعة من أهل مكة لأجل الملك.
مفردات الواقع السياسي والإجتماعي
الذي تحرك فيه الحسين (ع)
المفردة الأولى : البراءة من علي عليه السلام أحد أركان الإسلام الذي تقدمه دولة معاوية للناس : 
استطاع معاوية في حياة الحسن عليه السلام ان يكسر حِدَّة تحركات الخوارج وأن يبني جيشاً قوياً يقابل به الروم ويستأنف مشروع الخلافة في الفتوح الذي توقف زمن علي عليه السلام وأن يبني جهاز الأمن الداخلي لينفذبه ما يريد ، ثم تخلص من الحسن عليه السلام بطريقته المعهودة بأن دس السم له عن طريق زوجته إبنة الأشعث بن قيس ، ثم طالع الأمة بمنهجه الجديد في التربية والبناء من خلال ما يلي : 
أ . تربية الأمة على لعن علي عليه السلام والبراءة منه : 
جهد معاوية على تربية الأمة على البغض لعلي عليه السلام ولعنه على منابر المسلمين وترويج الأحاديث الكاذبة في ذمه ، والمنع من ذكر أيّـة رواية عن النبي صلى الله عليه وآله في فضله ومعاقبة المخالف بالقتل والتهجير والسجن وقطع الأيدي والنفي والحرمان من العطاء . 
قال أبو عثمان الجاحظ (1) : إن معاوية كان يقول في آخر خطبة الجمعة : اللهم إن أبا تراب ألحد في دينك وصد عن سبيلك فالعنه لعناً وبيلا وعذبه عذاباً أليما ، وكتب بذلك إلى الآفاق فكانت هذه الكلمات يشار بها على المنابر . 
قال أبو جعفر الأسكافي (ت220) (2) : إن معاوية وضع قوماً من الصحابه وقوماً من التابعين على رواية أخبار قبيحة في علي عليه السلام تقتضي الطعن فيه والبراءة منه وجعل لهم على ذلك جُعَلاً يُرغب في مثله فاختلقوا ما أرضاه ، منهم أبو هريرة وعمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة ومن التابعين عروة بن الزبير (3) . 
روى البخاري ومسلم في صحيحيهما مسنداً متصلاً بعمرو بن العاص قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول : إن آل أبي طالب ليسوا لي بأولياء إنما وليّيَ الله وصالح المؤمنين (4) . 
روى أبو الحسن على بن محمد بن أبي سيف المدايني في كتاب الأحداث قال كتب معاوية نسخة واحدة إلى عماله : (أن برئت الذمة ممن روى شيئاً من فضل أبي تراب وأهل بيته) (فقامت الخطباء فى كل كورة وعلى كل منبر يلعنون علياً ويبرءون منه ويقعون فيه وفي أهل بيته) . قال الباقر عليه السلام : وكان عُظم ذلك وكبره زمن معاوية بعد موت الحسن عليه السلام فقتلت شيعتنا بكل بلدة وقطعت الأيدى والأرجل على الظِنَّة وكان من يذكِّر بحبنا والانقطاع إلينا سجن أو نهب ماله أو هدمت داره ثم لم يزل البلاء يشتد ويزداد إلى زمان عبيد الله بن زياد قاتل الحسين (5) . 
ب . تربية الأمة على الولاء لمعاوية وابنه يزيد وذريته وتوصيف نفسه بخليفة الله : 
جدّ معاوية في تربية الأمة على أن طاعته هي من أعظم الطاعات الإلهية الله وأن معصيته من أعظم المعاصي ، وروَّج الأحاديث الكاذبة التي تحط من شخصية النبي صلى الله عليه وآله بما يوافق هوى الحكام وسيرتهم . وظهرت أحاديث موضوعة على لسان النبي صلى الله عليه وآله تمدح معاوية . 
- روى الترمذي بسنده عن سعيد بن عبد العزيز (راوي شامي) عن ربيعة بن يزيد (راوي شامي) عن عبد الرحمن بن أبي عميرة (صحابي سكن الشام) (6) عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال لمعاوية : اللهم اجعله هادياً مهدياً واهد به (7) . 
- ورووا أنه قال : ائتمن الله على وحيه ثلاثة جبرئيل في السماء ومحمداً في الأرض ومعاوية بن أبي سفيان (8) . 
وكان معاوية يكرم من يسايره من الرواة بالعطاء والتشفيع والتولية والتوظيف في مرافق الدولة . 
ج . تربية الأمة على السكوت على الظلم : 
وجدّ معاوية ايضا على تربية الأمة على السكوت على الظلم مهما بلغت شدته وقسوته من خلال ترويج أحاديث كاذبة تدعو إلى ذلك : 
- فرووا عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال : تسمع وتطع للأمير وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك (9) . 
- وأنه قال : فإن رأيت يومئذ لله عز وجل في الأرض خليفة فألزمه وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك (10) . 
د . تربية الأمة على الطاعة المطلقة للخليفة : 
وجهد معاوية أيضا في تربية الأمة على الطاعة المطلقة للخليفة واعتبارها رأس الطاعات . 
- ورووا عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال : من خرج من الطاعة وفارق الجماعة مات ميتة جاهلية (11) . 
وأنه صلى الله عليه وآله قال : ثلاثة لا تسأل عنهم رجل فارق الجماعة وعصى إمامه فمات عاصياً فلا تسأل عنه وأمة أو عبد أبق من سيده وإمرأة غاب زوجها وكفاها مؤنة الدنيا فتبرجت وتمرجت بعده (12) . 
أقول: المراد بالإمام في الرواية الحاكم الأعلى للمسلمين . 
المفردة الثانية : ظهور جيل مسلم جديد يتقرب إلى الله تعالى بلعن علي عليه السلام: 
نشأ على أساس تلك التربية والمنهج جيل جديد في الأمة مابين سن الخامسة عشر وسن الخامسة والعشرين . وقد كان هذا الجيل المادة الأساسية للجيش وقوى الشرطة وبقية المواقع الاجتماعية والإدارية . أما معلموا هذا الجيل فهم جماعة من الصحابة الذين حاربوا علياً في الجمل وصفين أو الذين أغراهم معاوية بالمال وجماعة من التابعين الذين ساروا على منهجهم . 
وكان من هؤلاء الصحابة مسلم بن عقبة المري (13) قائد جيش أهل الشام في واقعة الحرة في المدينة . قال في وصيته عند موته : اللهم إنك تعلم أني لم أعص خليفة قط اللهم إني لم أعمل عملاً أرجو به النجاة قط إلا ما فعلت بأهل المدينة(14) . وفي رواية اليعقوبي : اللهم إن عذبتني بعد طاعتي لخليفتك يزيد بن معاوية وقتل أهل الحرة فإني إذن لشقي (15) . 
ومن التابعين شمر بن ذي الجوشن قاتل الحسين عليه السلام ، قال أبو إسحق كان يصلي معنا ثم يقول : اللهم إنك تعلم إني شريف فاغفر لي ، قلت كيف يغفر الله لك وقد أعنت على قتل ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ويحك فكيف نصنع إن أمراءنا هؤلاء أمرونا بأمر فلم نخالفهم ولو خالفناهم كنا شراً من هذه الحمر الشقاء (16) . 
المفردة الثالثة محاصرة شيعة علي عليه السلام واضطهادهم وتصفيهم: 
شيعة علي عليه السلام هم طبقة من المحدِّثين ، فيهم مئات من الصحابة وآلاف التابعين ، لهم معتقد بعلي عليه السلام قام على أساس أحاديث النبي صلى الله عليه وآله وسيرته مع علي عليه السلام ، وكذلك قام هذا المعتقد على أساس أحاديث علي عليه السلام وسيرته في المجتمع خلال السنوات الخمس التي حكم فيها وهي سيرة أحيت المعطل من كتاب الله والمكتوم من سنة النبي صلى الله عليه وآله وتذوَّق خلالها الناس كرامة الحياة التي يدعو إليها الأنبياء . 
تركَّز شيعة علي عليه السلام في الكوفة بصفتها البلد الذي شهد حركة علي عليه السلام الفكرية والتربوية والسياسية . 
حمل شيعة علي عليه السلام كل ذكرياتهم عن علي عليه السلام وما تعلموه منه /وهو كل الإسلام الذي جاء به النبي صلى الله عليه وآله ووعاه علي عليه السلام وعياً تاماً دون غيره من الصحابة/ ونشروه في البلدان التي لم تعرف عن علي عليه السلام وسيرته وبخاصة الشام أيام سنوات الصلح بين الحسن عليه السلام ومعاوية . 
وصار الشيعة وبخاصة في العراق غرضاً لخطة معاوية في التصفية والإبادة والتطويق بصفتهم العقبة الكؤود أمام منهجه التربوي والسياسي الجديد ومن هنا سُجِّلت في الكوفة مظالم لم تسجل في غيرها من بلاد المسلمين منها : 
تهجير خمسين ألف بعيالاتهم من الكوفة والبصرة إلى خراسان سنة 50 هجرية ، كان فيهم الصحابي بريدة بن الحصيب والصحابي أبو برزة الأسلمي وغيرهما ممن عرف بولائه لعلي عليه السلام (17) . 
قتل حجر بن عدي الكندي وعمرو بن الحمق الخزاعي وأصحابهما بتلفيق تهمة الخروج على الدولة . 
نفي صعصعة بن صوحان العبدي(18) وآمنة بنت الشريد زوجة عمرو بن الحمق(19) وكان معاوية قد سجنها رهينة حتى يسلم زوجها نفسه ولما قتل نفاها إلىحمص وماتت بها وغيرهما . 
قتل رشيد الهجري وميثم التمار وجويرية بن مسهر ونظرائهم . 
قطع أيدي ثمانين حصبوه بالحجارة على لعنه علياً (20) . 
قال سُلَيم : اشتد البلاء بالأمصار كلِّها على شيعة علي واهل بيته عليهم السلام ، وكان أشدَّ الناس بلية أهلُ الكوفة ، لكثرة من بها من الشيعة ، واستعمل عليها زيادا ، وجمع له العراقيين(أي الكوفة والبصرة) ، كان يتتبع الشيعة… فقتلهم على التهم والظن والشبه تحت كل كوكب ، وتحت كل حجر ومدر وأحلأهم وأخافهم ، وقطع الأيدي والأرجل منهم ، وصلبهم على جذوع النخل ، وسمل أعينهم ، وطردهم وشردهم (21) . 
وكان آخر ما عزم زياد على فعله في الكوفة سنة ثلاث وخمسين ، هو أن جمع الناس فملأ منهم المسجد والرُّحبة والقصر ليعرضهم على البراءة من علي عليه السلام (22) فمن أبى ذلك عرضه على السيف(23) . ولكن الله تعالى سلط عليه الطاعون فأشغله عنهم ومات بعدها بأيام(24) . 
الواقع السياسي والإجتماعي الذي أسسه معاوية : 
استطاع معاوية أن يُحْكِمَ قبضته على حركة المجتمع لتحقيق أربعة أهداف هي : 
1 . القضاء على شيعة علي عليه السلام المنتشرين في البلاد الإسلامية ، وتحويل الكوفة بصفتها مركز التشيع لعلي عليه السلام إلى سابق عهدها قبل هجرة علي عليه السلام إليها مدينة موالية للخليفة القرشي سامعة مطيعة له . 
2 . تكوين أجيال جديدة توالي الأمويين بصفتهم أئمة الدين وحماته وتبغض أهل البيت عليهم السلام وعلياً بصفتهم أعداء الله ورسوله وتحفظ روايات كاذبة عن النبي صلى الله عليه وآله في ذم علي وأهل بيته عليهم السلام وروايات كاذبة في الحط من سيرة النبي صلى الله عليه وآله بما يوافق هوى الحكّام ومدح معاوية وأهل بيته . 
3 . حصر الملك في ذرية معاوية وأسرته . 
4 . تحريف السنة النبوية وتفسير القرآن بما ينسجم مع الأهداف الآنفة الذكر . 
______________________
(1) هو عمرو بن بحر الليثي البصري اللغوي النحوي كان مائلاً إلى النصب ت 256 هجـ . 
(2) قال الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد ج5/416 محمد بن عبد الله أبو جعفر الاسكافي أحد المتكلمين من معتزلة البغداديين له تصانيف معروفة وكان الحسين بن يزيد الكرابيسي صاحب الشافعي يتكلم معه ويناظره . 
(3) ومنهم أيضا مرة الهمداني والاسود بن يزيد ومسروق الاجدع وأبو وائل شقيق بن سلمة وأبو عبد الرحمن السُّلمي القاريء وقيس بن حازم وسعيد بن المسيب والزهري ومكحول وحريز بن عثمان وغيرهم (شرح النهج ج4/67-110) . 
(4) رواه البخاري 5/2233 (الموسوعة الذهبية) ، مسلم 1/197 ، مسند أحمد 4/203 وفيها (آل أبي فلان) قال في فتح الباري 10 / 423 قال أبو بكر بن العربي في سراج المريدين كان في أصل حديث عمرو بن العاص أن آل أبي طالب فغير آل أبي فلان كذا جزم به . وتعقبه بعض الناس وبالغ في التشنيع عليه ونسبه إلى التحامل على آل أبي طالب ولم يصب هذا المنكِر فإن هذه الرواية التي أشار إليها ابن العربي موجودة في مستخرج أبي نعيم من طريق الفضل بن الموفق عن عنبسة بن عبد الواحد بسند البخاري عن بيان بن بشر عن قيس بن أبي حازم عن عمرو بن العاص رفعه : أن لبني أبي طالب رحما أبلها ببلالها ، وقد أخرجه الإسماعيلي من هذا الوجه أيضا لكن أبهم لفظ (طالب) وكأن الحامل لمن أبهم هذا الموضع ظنهم أن ذلك يقتضي نقصا في آل أبي طالب وليس كما توهموه كما سأوضحه إن شاء الله تعالى قوله (ليسوا بأوليائي) كذا للأكثر وفي نسخة من رواية أبي ذر (بأولياء) فنقل بن التين عن الداودي أن المراد بهذا النفي من لم يسلم منهم أي فهو من إطلاق الكل وإرادة البعض والمنفي على هذا المجموع لا الجميع ، وقال الخطابي : الولاية المنفية ولاية القرب والاختصاص لا ولاية الدين ورجح بن التين الأول وهو الراجح فإن من جملة آل أبي طالب عليا وجعفر أو هما من أخص الناس بالنبي صلى الله عليه وسلم لما لهما من السابقة والقدم في الإسلام ونصر الدين وقد استشكل بعض الناس صحة هذا الحديث لما نسب إلى بعض رواته من النصب وهو الانحراف عن علي وآل بيته ، قال ابن حجر : أما قيس بن أبي حازم فقال يعقوب بن شيبة تكلم أصحابنا في قيس فمنهم من رفع قدره وعظمه وجعل الحديث عنه من أصح الأسانيد حتى قال بن معين هو أوثق من الزهري ومنهم من حمل عليه وقال له أحاديث مناكير ، وأجاب من أطراه بأنها غرائب وافراده لا يقدح فيه ومنهم من حمل عليه في مذهبه وقال كان يحمل على علي ولذلك تجنب الرواية عنه كثير من قدماء الكوفيين ، وأجاب من اطراه بأنه كان يقدم عثمان على علي فقط ، قال ابن حجر : والمعتمد عليه أنه ثقة ثبت مقبول الرواية وهو من كبار التابعين سمع من أبي بكر الصديق فمن دونه وقد روى عنه حديث الباب إسماعيل بن أبي خالد وبيان بن بشر وهما كوفيان ولم ينسبا إلى النصب لكن الراوي عن بيان وهو عنبسة بن عبد الواحد أموي قد نسب إلى شيء من النصب وأما عمرو بن العاص وان كان بينه وبين علي ما كان فحاشاه أن يتهم وللحديث محمل صحيح لا يستلزم نقصا في مؤمني آل أبي طالب وهو أن المراد بالنفي المجموع كما تقدم ويحتمل أن يكون المراد بآل أبي طالب أبو طالب نفسه وهو إطلاق سائغ) انتهى كلام ابن حجر . 
(5) نهج البلاغه11 / 44 . 
(6) عبد الرحمن بن أبي عميرة المزني قال أبو حاتم وابن السكن له صحبة ذكره البخاري وابن سعد وابن البرقي وابن حبان وعبد الصمد بن سعيد في الصحابة وذكره أبو الحسن بن سميع في الطبقة الأولى من الصحابة الذين نزلوا حمص وكان اختارها سكن الشام وحديثه عند أهلها ، وأخرج الترمذي والطبراني وغيرهما من طريق سعيد بن عبد العزيز (الشامي) عن ربيعة بن يزيد (الشامي) عن عبد الرحمن بن أبي عميرة المزني وكان من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لمعاوية : (اللهم علمه الكتاب والحساب وقه العذاب) لفظ الطبراني ولفظ الترمذي (اللهم اجعله هاديا مهديا واهد به) وأخرج ابن قانع من طريق الوليد بن مسلم عن سعيد بن عبد العزيز الشامي أنه سمعه يحدث عن يونس بن ميسرة (الشامي) عن عبد الرحمن بن أبي عميرة أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم نحو اللفظ الثاني وأخرجه البخاري في التاريخ قال : قال لي أبو مسهر فذكره بالعنعنة ليس فيه وكان من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وذكره من طريق مروان عن سعيد فقال فيه سمع عبد الرحمن سمع النبي صلى الله عليه وسلم (الاصابة لابن حجر) . 
(7) جامع الترمذي 5/687 ، مسند احمد 4/216 ، مسند الشاميين 1/181 ، الآحاد والمثاني 2/358 ، المعجم الاوسط للطبراني 1/380 وقد رواه عن عن سعيد بن عبد العزيز عن يونس بن ميسرة بن حلبس عن عبد الرحمن بن أبي عميرة . 
(8) سير اعلام النبلاء للذهبي وتاريخ دمشق لابن عساكر ترجمة معاوية . 
(9) صحيح مسلم 3/1476 . 
(10) مسند أحمد5/403 . 
(11) صحيح مسلم 3/1476 . 
(12) الادب المفرد للبخاري /207 ، وفيه قال حدثنا عثمان بن صالح قال أخبرنا عبد الله بن وهب قال حدثنا أبو هانئ الخولاني عن أبى على الجنبي عن فضالة بن عبيد عن النبي صلى الله عليه وآله انه قال … ، أيضا مسند احمد 6/19 ، صحيح ابن حبان 10/422 ، المستدرك على الصحيحين 1/206 ، المعجم الكبير للطبراني 18/306 . 
(13) قال ابن حجر في الاصابة : مسلم بن عقبة المري أبو عقبة الأمير من قبل يزيد بن معاوية على الجيش الذين غزوا المدينة يوم الحرة ذكره ابن عساكر وقال : أدرك النبي ، وشهد صفين مع معاوية وكان على الرجالة ، وعمدته في إدراكه أنه استند إلى ما أخرجه محمد بن سعد في الطبقات عن الواقدي بأسانيده قال لما بلغ يزيد بن معاوية أن أهل المدينة أخرجوا عامله من المدينة وخلعوه وجه إليهم عسكرا أمر عليهم مسلم بن عقبة المري وهو يومئذ شيخ بن بضع وتسعين سنة فهذا يدل على أنه كان في العهد النبوي كهلا ، وقد أفحش مسلم القول والفعل بأهل المدينة وأسرف في قتل الكبير والصغير حتى سموه مسرفا وأباح المدينة ثلاثة أيام لذلك ، والعسكر ينهبون ويقتلون ويفجرون ثم رفع القتل ، وبايع من بقي على أنهم عبيد ليزيد بن معاوية وتوجه بالعسكر إلى مكة ليحارب بن الزبير لتخلفه عن البيعة ليزيد فعوجل بالموت فمات بالطريق وذاك سنة ثلاث وستين واستمر الجيش إلى مكة فحاصروا بن الزبير ونصبوا المنجنيق على أبي قبيس فجاءهم الخبر بموت يزيد بن معاوية وانصرفوا والقصة معروفة في التواريخ . 
(14) فتوح أعثم 5/301 . 
(15) تاريخ اليعقوبي 2/251 . 
(16) لسان الميزان ترجمة شمر بن ذي الجوشن وفيه : شمر بن ذي الجوشن أبو السابغة الضبابى عن أبيه وعنه أبو إسحاق السبيعي ليس بأهل للرواية فإنه أحد قتلة الحسين رضي الله تعالى عنه وقد قتله اعوان المختار . أقول إنما صار ليس بأهل للرواية بعد قتله الحسين عليه السلام . 
(17) فتوح البلدان /507 . 
(18) الاصابة ترجمة صعصعة . وفيه ان الذي نفاه هو المغيرة ولكنا نرجح ان الذي نفاه بامر معاوية هو ا بن زياد لما ذكرناه من ان مرحلة القتل والنفي والتشريد بدئ بها في عهد زياد لا المغيرة . 
(19) انساب الاشراف القسم الرابع الجزء الاول /273 . 
(20) تاريخ ابن الاثير 3/462 . الطبري 5/235 . 
(21) شرح النهج 15/43 . 
(22) مختصر تاريخ دمشق 9/88 ترجمة زياد . 
(23) مروج الذهب للمسعودي 3/26 . قال عبد الرحمن بن السائب فإني لَمَع نفر من الانصار والناس في أمر عظيم ، قال فهوَّمتُ تهويمة (التهويم : ان ياخذ الرجل النعاس حتى يهتز الرأس) فرايت شيئا مثل عنق البعير أهدب اهدل (الاهدل الساقط الشفة ، وبعير هدِل إذا كان طويل المشفر مسترخيه) فقلت ما أنت قال أنا النقاد ذو الرقبة بعثت الى صاحب هذا القصر فاستيقظت فزعا فقلت لاصحابي هل رايتم ما رايت قالوا لا فاخبرتهم قا ل ويخرج علينا خارج من القصر فقال ان الامير يقول لكم انصرفوا عني فاني عنكم مشغول ، وإذا الطاعون قد ضربه . فانشأ عبد الرحمن بن السائب يقول : 
مـــا كان منتهيا عما اراد بنا حتى تناوله النقاد ذو الرقبة 
فاثبت الشق منه ضربة ثبتت كما تناول ظلما صاحب الرحَبَة
قال المسعودي يعني بصاحب الرحبة علي بن ابي طالب عليه السلام (مروج الذهب 3/26) . 
(24) قال البلاذري في انساب الاشراف ق4ج1/278كان زياد عند معاوية وقد وقع الطاعون بالعراق فقال له اني اخاف عليك يا ابا المغيرة الطاعون فلما صار الى العراق طعن فمكث شهرا فمات . 
التغيير المطلوب تحقيقه في الأمة
مما لا شك فيه أن المطلوب إسلامياً في وضع سياسي وإجتماعي كالذي عرضنا هو تحقيق ثلاثة أمور وهي : 
أ: كسر الطوق السياسي والإجتماعي المفروض على الحديث النبوي الصحيح في أهل البيت وعلي عليهم السلام خاصة ، ليُعرض أهل البيت وعلي عليهم السلام في الأمة من جديد امتداداً رسالياً للنبي صلى الله عليه وآله ومحوراً للولاء ومصدراً مطهراً للتثقيف بعد الرسول . 
ب: انقاذ شيعة العراق بصفتهم حملة علم علي عليه السلام وسيرته من حالة التصفية والإختناق والحصار الإجتماعي والسياسي التي يعيشونها . 
ج: تفهيم الأمة أن السكوت على ظلم بني أمية ليس من الدين في شيء بل الدين يدعو إلى قتالهم والإطاحة بهم بصفتهم قد بلغوا القمة في الظلم والإنحراف وإقامة حكومة إسلامية تستهدي تجربة علي عليه السلام وتجربة النبي صلى الله عليه وآله . 
الحسين عليه السلام هو الشخص الوحيد المعنيّ بالتغيير المطلوب والقادر عليه: 
ومما لا شك فيه أن الشخص الوحيد المعني بالتغيير المطلوب القادر عليه هو الحسين بن علي عليه السلام وذلك : لأنه سيد بني هاشم الذين يعيشون المحنة بعميدهم علي عليه السلام ، وهو مرجع شيعة أبيه وأخيه الممتحنين في العراق ولأنه يتبوأ في المجتمع الإسلامي أرفع مقام اجتماعي وديني لكونه حفيد النبي صلى الله عليه وآله . وقبل ذلك كله لانه الحجة المنصوب من قبل النبي لحفظ الرسالة . 
وفي قبال الحسين عليه السلام : هناك الخوارج وعبد الله بن الزبير ، وكلاهما معني بتغيير السلطة ، أما فيما يرتبط بعلي وشيعته فهم والأمويون مدرسة واحدة وموقف واحد(1) . 
الحسين عليه السلام عُدَّة إلهية لتحقيق التغير المطلوب: 
كان الإنقلاب الفكري الذي قام به معاوية والوضع الإجتماعي والفكري الذي انتجه خطيراً جداً ، وكان يشبه إلى حد كبير الوضع الذي صنعه فرعون مع بني إسرائيل والمجتمع المصري ودين الله الذي جاء به يوسف عليه السلام من قبل ، الوضع الذي اقتضت الحكمة الإلهية معه أن يبعث موسى عليه السلام لينقذ بني إسرائيل ويجدد دين يوسف عليه السلام ويقيم الحجة على المجتمع المصري ليحيي من حي عن بينة ويهلك من هلك عن بينة . وكذلك الحال مع الوضع الذي صنعه معاوية مع أحاديث النبي صلى الله عليه وآله والمجتمع الإسلامي عامة وشيعة علي عليه السلام خاصة ، ولما كانت النبوة قد ختمت بمحمد صلى الله عليه وآله اقتضت الحكمة الإلهية أن يقوم أوصياؤه وهم ليسوا بأنبياء بما كان يقوم به أوصياء الأنبياء السابقين الذين كانوا في الغالب أنبياء أيضا . 
اقتضت الحكمة الإلهية أن يعرِّف النبي صلى الله عليه وآله باوصيائه من بعده ويعرِّف أيضا بأبرز ما يقومون به ويحدد الموقف منه من أجل أن تهتدي الأمة بهديه ، ومن ذلك أمر النبي صلى الله عليه وآله لعلي عليه السلام : (أن يقاتل الناكثين والقاسطين والمفسدين من بعده) ، وقوله للزبير (ستقاتل علياً وأنت له ظالم) (2) ، وقوله لعائشة : (تنبحها كلاب الحوأب) (3) وقوله في الحسن عليه السلام : (إن إبني هذا سيد وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين)، ومما لا شك فيه أن هذه الأقوال من النبي صلى الله عليه وآله تفتح القلوب لفعل الوصي الذي يجيئ في ظرف فتنة واختلاف وتشوش في الرؤية عند غالبية المسلمين . 
ومن ذلك قوله في الحسين عليه السلام (أنه يقتل مظلوماً) وكان صلى الله عليه وآله قد استقبل ولادته بذرف الدموع الساخنة عليه . وليس من شك فإن قول النبي صلى الله عليه وآله هذا وبكاءه يأتي تأييداً لموقف الحسين عليه السلام وتصويباً لموقفه الذي يتألف من ركنين هما رفضه لبيعة يزيد وخروجه بأهله إلى العراق ثم يحاصر هناك ويعرض عليه البيعة أو الموت فيختار الموت على البيعة، في قبال من يحاول ان يضع اللوم على الحسين عليه السلام في عدم تقديره للظرف وتعريضه لنفسه ولأهل بيته لنكبة ومأساة قل نظيرها في التاريخ (4) . 
______________________
(1) أما عبد الله بن الزبير فموقفه من علي عليه السلام معروف بدءاً من حرب الجمل وانتهاءاً بفترة حكمه حيث أظهر بغض علي عليه السلام وتناوله في خطبه وتصدى له في بعضها محمد بن الحنفية وابن عباس ، وتذكر المصادر التاريخية أنه جمع الحطب ليحرقهم إن لم يبايعوه ثم نفاهم إلى الطائف . أما موقفه من شيعة علي عليه السلام فيكفي فيه ما صنعه بأصحاب المختار بعد قتل المختار حيث قتل منهم سبعة آلاف صبراً منهم زوجة المختار إذ رفضت أن تتبرأ من المختار وسجنها مصعب ثم استشار أخاه عبد الله في شأنها فأمره بقتلها . أما الخوارج فموقفهم من علي عليه السلام وشيعته لا يحتاج إلى بيان . 
(2) فتح الباري 13/51عن كتاب عمر بن شبة في أخبار البصرة : قال أخرج إسحاق من طريق إسماعيل بن أبي خالد عن عبدالسلام (ت145) رجل من حيَّه قال خلا علي بالزبير يوم الجمل فقال أنشدك الله هل سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول وأنت لاوي يدي لتقاتلنه وأنت ظالم له ثم لينصرن عليك قال : قد سمعت لا جرم لا أقاتلك . 
(3) روى ابو يعلى 8/282حدثنا عبد الرحمن بن صالح حدثنا محمد بن فضيل عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم قال مرت عائشة بماء لبني عامر يقال له الحوأب فنبحت عليه الكلاب فقالت ما هذا قالوا ماء لبني عامر فقالت ردوني ردوني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول كيف بإحداكن إذا نبحت عليها كلاب الحوأب . 
(4) يراجع كتاب اباطيل يجب ان تمحى من التاريخ ، وكتاب المنتقى للذهبي وغيرهما . 
 
خطة الحسين عليه السلام
العملية لتحقيق التغيير
قامت خطة الحسين عليه السلام لتحقيق التغيير عملياً على مرحلتين أساسيتين هما : 
المرحلة الأولى اتخاذ موقف السكوت على عهد معاوية والعمل سرا: 
احتفظ الإمام الحسين عليه السلام في هذه المرحلة مع أصحابه بعلاقات سريةكان يحثهم فيها على نشر أحاديث النبي صلى الله عليه وآله في أهل البيت عليهم السلام ريثما يموت معاوية ، نعم تذكر المصادر التاريخية أن معاوية بعث برسالة تهديد إلى الحسين عليه السلام بعد قتل حجر وتردد العراقيين على بيته فبعث الحسين عليه السلام برسالة يرد فيها على معاوية ، وكان آخر نشاط سرّي نوعي في هذه المرحلة هو المؤتمر السري الذي عقده بحضور بني هاشم وعدد من الصحابة والتابعين قبل موت معاوية بسنة . 
كتب معاوية إلى الحسين عليه السلام : (… فمتى تنكرني أنكرك ، ومتى تكدني أكدك ، فاتق الله في شق عصا هذه الأمة ، وأن تردهم إلى فتنة) . 
فكتب إليه الحسين عليه السلام : (... أما ما ذكرتَ أنه رُقِّيَ إليك عني فأنه إنما رقاه إليك الملاّقون المشّاؤون بالنميمة ... ما أردتُ لك حرباً ولا عليك خلافاً وإني لأخشى الله في ترك ذلك منك ، ومن الإعذار فيه إليك وإلى أوليائك الفاسقين الملحدين حزب الظلمة . 
ألستَ القاتل حجر بن عدي أخا كندة وأصحابه المصلين العابدين الذين كانوا ينكرون الظلم ويستفضعون البِدَع ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ولا يخافون اللهَ لومةَ لائم . 
ثم قتلتَهم ظلماً وعدواناً من بعدما اعطيتَهم الأيمان المغلظة والمواثيق المؤكدة .. جرأةً على الله واستخفافاً بعهده . 
ولعمري ما وفيتَ بشرط ولقد نقضتَ عهدك بقتلك هؤلاء النفر الذين قتلتهم بعد الصلح والأيمان والعهود والمواثيق فقتلتهم من غير أن يكونوا قاتلوك ونقضوا عهدك ، 
ولم تفعل ذلك بهم إلا لذكرهم فضلَنا وتعظيمهم حقَّنا . 
فأبشر يا معاوية بالقصاص وأيقن بالحساب ... 
وليس الله بناسٍ لأخذك بالظِّنَّة وقتلِك أولياءَه على التُّهَم ونفيِك إياهم من دورهم إلى دار الغربة (1) . 
قال سليم بن قيس رحمه الله : لما كان قبل موت معاوية بسنة ، حجَّ الحسين بن علي عليهم السلام وعبد اللّه بن عباس وعبد اللّه بن جعفر فجمع الحسينُ بني هاشم ، ثم رجالَهم ونساءَهم ومواليهم ومن حج من الأنصار ، ممن يعرفه الحسين عليه السلام وأهل بيته ، ثم أرسل رسلاً وقال لهم: لا تَدَعونَ أحداً حَجَّ العام من أصحاب رسول اللّه صلى الله عليه وآله المعروفين بالصلاح والنسك إلا اجمعوهم لي ، فاجتمع إليه بمنى أكثر من سبعمائة رجل ، وهم في سرادُقِه ، عامَّتُهم من التابعين ، ونحو من مائتي رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله فقام فيهم خطيبا . 
وقال : أما بعد فإن هذا الطاغية قد فعل ما قد رأيتم وعلمتم وشهدتم اسمعوا مقالتي ، واكتبوا قولي ، ثم ارجعوا إلى أمصاركم وقبائلكم فمن أمنتم من الناس ، ووثقتم به فادعوهم إلى ما تعلمون من حقنا فإني أتخوف أن يُدْرَسَ (2) هذا الأمر ويذهب الحق ويُغلب ، واللّه متم نوره ولو كره الكافرون . 
وما ترك شيئاً مما أنزله الله فيهم من القرآن إلا تلاه وفسره ، ولا شيئاً مما قال رسول الله صلى الله عليه وآله في أبيه وأخيه وأمه وفي نفسه وأهل بيته إلا رواه ... وكل ذلك يقول أصحابه ، اللّهم نعم وقد سمعنا وشهدنا ويقول التابعي : اللهم قد حدثني به من أثق به وأئتمنه من الصحابة فقال : أنشدكم الله إلا حَدَّثتُم به من تثقون به وبدينه (3) . 
المرحلة الثانية التحرك العلني بعد موت معاوية: 
وكانت الخطوات الأساسية للعمل في هذه المرحلة ثلاث وهي : 
الخطوة الأولى الإعلان عن عدم إعطاء بيعة ليزيد وإن كلفه ذلك حياته :
وذلك لأن بيعة الحسين عليه السلام ليزيد ليست في صالح الإسلام ولا في صالح الأمة بأي حال من الأحوال بل تعني أن حصلت إن الحسين عليه السلام إقرار المنهج التحريفي للإسلام الذي نهض به بنو أمية وانقطاع أثر الحديث الصحيح في أهل البيت وعلي عليهم السلام في الأمة تماما عند موت حامليه الذين حملوه في صدورهم وكتموه خوفا من السلطة . 
قال عليه السلام : (لو لم يكن في الدنيا ملجأ ولا مأوى لما بايعت يزيد) (4) . وهو في ذلك نظير جده النبي صلى الله عليه وآله حين قال لعمه أبي طالب : (ياعم والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في شمالي على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه) ، والقضية واحدة عند النبي صلى الله عليه وآله وعند الحسين عليه السلام ، فإن قريشاً كانت تريد من النبي صلى الله عليه وآله أن يترك دعوة التوحيد لتسود عبادة الأصنام ، وبنو أمية يريدون من الحسين عليه السلام أن يترك أحاديث جده في أهل بيته الذين عينهم بأمر الله تعالى حججاً على الناس تموت في الأمة وينقطع أثرها بموت حامليها ، وتحل محلها أحاديث كاذبة قيلت على لسانه في بني أمية والخلفاء منهم على أنهم حجج الله وأئمة الهدى . 
الخطوة الثانية الإنطلاق من مكة لإعلان الحركة التبليغية: 
اختار الحسين عليه السلام مكة مركزاً لإعلان رفضه لبيعة يزيد لأنها المكان الوحيد الذي يقصده المسلمون من كل الأقطار للعمرة والحج ، والحسين عليه السلام بأمس الحاجة إلى مكان عام كهذا من أجل نشر حديث جده في أهل البيت عليهم السلام ، هذا مضافاً إلى تحركه على أخيار الأمة القادمين من الآفاق لطلب نصرتهم . 
وقد بقي في مكة أربعة اشهر /شعبان ورمضان وشوال وذو القعدة ، وأيام من ذي الحجة/ التفّ حوله المعتمرون والقادمون للحج يسمعون منه حديثه عن جده في فضل أبيه أو في فضله أو في جهاد الظالمين أو فيما سوف يرتكب بحقه، وقتله مظلوماً بشط الفرات . 
قال الطبري : فأقبل الحسين حتى نزل مكة ، فأقبل أهلها يختلفون إليه ويأتونه ومن كان بها من المعتمرين وأهل الآفاق . وقال ابن كثير : فعكف الناس على الحسين يفِدون إليه ويقدِمون عليه ويجلِسون حواليه ويستمعون كلامه حين سمعوا بموت معاوية وخلافة يزيد ، وأما ابن الزبير فإنه لِزم مصلاه عند الكعبة وجعل يتردد في غُبون (5) ذلك إلى الحسين في جملة الناس ولا يمكنه أن يتحرك بشيء مما في نفسه مع وجود الحسين لما يعلم من تعظيم الناس له وتقديمهم إياه (6) . 
أقول: بقي الحسين عليه السلام في مكة شهر شعبان ورمضان وشوال وذي القعدة وثمانية أيام من ذي الحجة ، ومما لا شك فيه أن الحسين في هذه الفترة وفي حلقاته مع المعتمرين وأهل الآفاق كان قد كسر الطوق الذي فرضه معاوية على الحديث النبوي الصحيح في علي وأهل بيته عليهم السلام أو في ذم بني أمية أو في بيان أحكام متعة الحج وغير ذلك ، وبدأ يذكِّر الناس ويُسْمِع من لم يَسمَع منهم أحاديث النبي صلى الله عليه وآله في تفسير القرآن وفي فضل أبيه علي وفي فضله وفضل أخيه الحسن وفي ذم بني أمية ، وفي الموقف الصحيح عند ظهور الظلم والبدع وغير ذلك . 
من قبيل : حديث الغدير ، وحديث الدار ، وحديث المنزلة ، وحديث الثقلين ، وحديث الكساء ، وحديث رؤيا النبي صلى الله عليه وآله والشجرة الملعونة في القرآن ، وغيرها . 
ومن قبيل قوله صلى الله عليه وآله : من رأى سلطاناً جائراً مستحلاً لحرم الله ناكثاً لعهد الله مخالفاً لسنة رسول الله يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان فلم يغير عليه بفعل ولا قول كان حقاً على الله أن يدخله مدخله (7) . 
ثم يذكِّرهم بجرائم بني أمية ومخالفاتهم لأحكام الله وسنة رسوله وتعطيلهم الحدود وقتلهم الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر كحجر بن عدي وعمرو بن الحمق وغيرهم ونفي الأخيار والنساء كصعصعة بن صوحان العبدي وآمنة بنت الشريد زوجة عمرو بن الحمق بعد أن كانت رهينة الحبس لحين تسليم زوجها نفسه ، وغيرها . 
ويقول لهم : (ألا وإن هؤلاء قد لزموا طاعة الشيطان وتركوا طاعة الرحمن وأظهروا الفساد وعطلوا الحدود واستأثروا بالفيء وأحلوا حرام الله وحرموا حلاله وأنا أحق من غَيَّر) (8) .
ويقول لهم : (إلا ترون إلى الحق لا يُعملُ به وإلى الباطل لا يُتَناهى عنه لَيَرْغبَ المؤمن في لقاء الله ، فإني لا أرى الموت إلا سعادة ولا الحياة مع الظالمين إلا برما) (9) . 
ويقول لهم : (إني أدعوكم إلى إحياء معالم الحق وإماتة البدع)(10) . 
ثم يذكِّرهم بقول النبي صلى الله عليه وآله فيه : (حسين مني وأنا من حسين ، أحب الله من أحب حسينا) ، وبقوله صلى الله عليه وآله فيه وفي أخيه : (الحسن والحسين سبطان من الأسباط) ، (الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة) . 
ولابد أنه عليه السلام قد ذكّرهم وأخبرهم بما أعلنه النبي صلى الله عليه وآله منذ ولادته عليه السلام بأنه سوف تقتله الفئة الباغية (11) ، ظلماً وعدوانا . 
ثم يقول لهم : (وأيم الله لوكنتُ في جُحْرِ هامة من هذه الهوام لاستخرجوني حتى يقضوا فيَّ حاجتهم ووالله لَيَعْتَدُنَّ عليَّ كما اعتدت اليهود في السبت) (12) . 
ويقول عليه السلام لهم : (كأني بأوصالي تقطعها عسلان الفلوات بين النواويس وكربلا فيملأن مني أكراشاً جوفا وأجربةً سغبا لا محيص عن يوم خُط بالقلم رضا الله رضانا أهل البيت ويوفينا أجورالصابرين لن تشذ عن رسول الله لحمته)(13) . 
لقد كان الحسين عليه السلام يحدِّث بهذا وأمثاله سراً وعلانية في جو من الاستضعاف والخوف والإرهاب ، يبصِّر المسلمين ويستنهض هممهم ويطلب نصرتهم ، ويذكِّرهم بتكليفهم الشرعي ، نظير ما كان يصنعه جده رسول الله صلى الله عليه وآله في مكة يوم استضعفته قريش وعذبت أصحابه فقتل من قتل وسجن من سجن وشَرِّد من شُرِّد . 
وليس من شك أن هذه الحركة التبليغية العلنية من الحسين عليه السلام تقوم على أساس ما أمر به النبي صلى الله عليه وآله من تبليغ حديثه إلى الناس وما أمر به الله ورسوله من إظهار العلم عند ظهور البدع ، وقد اختار لها الحسين عليه السلام بتوفيق إلهي خاص ليتحرك في ظرفها المناسب ، وهذه الحركة تعني في الوقت نفسه أن السلطة الأموية في الشام سوف لن تسكت عليها بل سيكون موقفها منها هو العمل على القضاء عليها بكل وسيلة ممكنة وبأقسى ما يتصور من العقوبة لتكون للآخرين نكالاً وعبرة . 
الخطوة الثالثة الهجرة إلى الكوفة مركز الشيعة وبلد التضحية : 
كان الحسين عليه السلام على موعد مع شيعة أبيه في الكوفة أنه ينهض بهم بعد وفاة معاوية ، والكوفة هي البلد الممتحن وفيها بقية تلاميذ علي عليه السلام وحملة خطبه وأحاديثه وأقضيته وأخبار سيرته(14) كانت مؤهلة للانطلاق بالشيعة في مواجهة الأمويين وتطويق إنحرافهم والإطاحة بهم . 
قدم إلى الحسين عليه السلام وهو في مكة ثلة من وجوه الشيعة الكوفيين ، منهم: برير الهمداني (15) وعابس بن حبيب الشاكري الهمداني (16) وشوذب مولى عابس (17) وحجاج بن مسروق الجعفي (18) ويزيد بن مغفل المذحجي الجعفي (19) والصحابي أنس بن الحارث (20) وغيرهم أنهى عددهم الذهبي إلى ستين شيخاً (21) وبقوا مع الحسين عليه السلام حماية له إضافة إلى بني هاشم . 
أرسل الحسين عليه السلام ابن عمه مسلم بن عقيل إلى الكوفة يتحرك لتهيئة الأجواء ، وأمره أن ينزل على هانيء بن عروة شيخ مذحج أهم وأقوى شخصية اجتماعية وسياسية في الكوفة (22) وكتب مسلم للحسين عليه السلام يخبره أن الأجواء مهيأة لقدومه . 
نُمِّيَ الخبر إلى يزيد فعزل النعمان بن بشير خوفاً من أن لا يُقْدِم على الحسين عليه السلام (23) ، وضم الكوفة إلى عبيد الله بن زياد وطلب منه الذهاب إليها ومواجهة حركة مسلم ، واستطاع ابن زياد أن يسيطر على الحركة الشعبية الكامنة في الخفاء بواسطة قوى الشرطة والأمن الداخلي الموالية للنظام الأموي ، ثم ألقى القبض على هانيء ومسلم وقتهلما وزج في السجون آلاف (24) من الشيعة على الشبهة والظنة وقطع الطرق المؤدية إلى الكوفة (25) بالجيش والشرطة الذين تربَّوا على الولاء لبني أمية والطاعة للنظام منذ عشرين سنة . 
بعث يزيد إلى مكة من يقتل الحسين عليه السلام غيلة ، ووصل الخبر إلى الحسين عليه السلام ، واقترن ذلك مع وصول كتاب مسلم الذي يخبره فيه أن الأجواء في الكوفة مهيأة لقدومه . 
خرج الحسين عليه السلام يوم الثامن من ذي الحجة من مكة ، خوفاً من أن يغتال في الموسم أو يقتل في الحرم وتستباح به حرمة الحرم(26) ، وقد حاول والي مكة منعه من الخروج فلم يفلح . 
دخل الحسين عليه السلام أرض العراق واستقبلته طلائع جيش النظام الأموي بقيادة الحر بن يزيد الرياحي ولم تدعه يدخل الكوفة أو يخرج عن أرض العراق ، وانتهى المطاف بإجباره على النزول في كربلاء واجتمعت عليه كتائب جيش النظام الاموي بقيادة عمر بن سعد وعرضوا عليه البيعة وتسليم نفسه للسلطة أو يقاتلوه . 
اختار الحسين عليه السلام الموت على البيعة أو التسليم وهو شعاره منذ اليوم الأول من حركته.
وكذلك كان موقف من معه من أهل بيته وأصحابه من الكوفيين الذين صحبوه من مكة ومن الذين استطاعوا الفرار من الكوفة واللحاق به أمثال:
عمرو بن خالد الصيداوي (27) وأبي الشعثاء يزيد بن زياد بن مهاصر البهدلي الكندي (28) وحبيب بن مظاهرالأسدي (29) ومسلم بن عوسجة الأسدي (30) وأبي ثمامة الصائدي(31) ونافع بن هلال الجملي وغيرهم (32) . 
قتل الحسين عليه السلام وأصحابه وأهل بيته جميعاً بعد معركة غير متكافئة وقطعت رؤوسهم وسيِّرت إلى الكوفة مع عيال الحسين عليه السلام ومن هناك سُيِّروا إلى الشام . 
______________________
(1) رجال الكشي ترجمة عمرو بن الحمق ، طبقات ابن سعد ترجمة الامام الحسين ، انساب الاشراف ترجمة معاوية ، مختصر تاريخ دمشق ترجمة الامام الحسين عليه السلام . 
(2) دروس الشيء : إنمحاؤه . 
(3) كتاب سليم بن قيس . 
(4) فتوح أعثم ج5/32 ، مقتل الخوارزمي . 
(5) غبن الرجل يغبنه غبنا : مر به وهو مائل فلم يره ولم يفطن له (لسان العرب مادة غبن) . 
(6) البداية والنهاية 8/151 . 
(7) تاريخ الطبري 5/403 . 
(8) تاريخ الطبري 5/403 . 
(9) تاريخ ابن عساكر14/217 عن الزبير بن بكار ، تاريخ الطبري 5/404 . 
(10) الخبار الطوال للدينوري /321 . 
(11) ذخائر العقبى/وفي مجمع الزوائد ومعجم الطبراني قال النبي صلى الله عليه وآله : واها لفراخ آل محمد من خليفة مستخلف مترف بقتل خلفي وخلف الخلف . واحاديث النبي صلى الله عليه وآله في قتل الحسين عليه السلام في المصادر السنية والشيعية بل والكتابية كثيرة جدا . 
(12) الطبري 5/ ابن الاثير 4/الناقص من طبقات ابن سعد1/ 433عن معاوية بن قرة ، تاريخ ابن عساكر 14/216عن معاوية بن قرة ، وابن كثير 8/ ، أقول : وذلك لما قتلوا يحيى عليه السلام . وفي فتوح أعثم 5/ 42 ان الحسين قال لعبد الله بن عمر : اما علمت ان من هوان الدنيا على الله ان راس يحيى بن زكريا أهدي الى بغي من بغايا بني إسرائيل … فلم يعجل عليهم بل أخذهم بعد ذلك أخذ عزيز مقتدر ، ثم قال له : اتق الله يا أبا عبد الرحمن ولا تدعن نصرتي . 
(13) اللهوف لابن طاووس . 
(14) هذه البقية التي حضر الكثير منها في المؤتمر الذي عقده الحسين عليه السلام في موسم الحج قبل موت معاوية بسنة وتداول معهم أو مع الخواص منهم الخطة العامة للتحرك حتى بعد شهادة الحسين عليه السلام التي لم تكن خافية عليهم لكثرة الروايات التي سمعوها من الصحابة ومن علي عليه السلام ومن الحسين عليه السلام نفسه . 
(15) من بقايا اصحاب علي عليه السلام ومن شيوخ القراء في الكوفة له كتاب القضايا والاحكام يرويه عن علي وعن الحسن وكتابه من الاصول المعتبرة سار من الكوفة الى مكة وجاء معه الىكربلا ء . 
(16) من أصحاب علي عليه السلام واشترك في حروبه وكان من وجوه الشيعة التحق بالحسين في مكة ثم قدم معه ، كان من أشجع الناس وتحاموه وتكاثروا عليه بالحجارة من كل جانب . 
(17) اشترك مع علي عليه السلام في حروبه وكان من وجوه الشيعة وأخذ عنه أهل الكوفة العلم والحديث صحب مولاه عابسا الىمكة بعد قدوم مسلم وجاء معه من مكة الى كربلاء . 
(18) كان من أصحاب علي عليه السلام ، أقبل مع الحسين عليه السلام من مكة إلى كربلاء . 
(19) كان قد ادرك النبي صلى الله عليه وآله وشهد القادسية في عهد عمر وكان احد الشجعان من الشيعة والشعراء المجيدين وكان من أصحاب علي عليه السلام حارب معه في صفين وبعثه في حرب الخريت وكان مع الحسين عليه السلام في مجيئه من مكة . 
(20) قال ابن حجر في الاصابة أنس بن الحارث بن نبيه قال بن منده عداده في أهل الكوفة وقال البخاري أنس بن الحارث قتل مع الحسين بن علي عليهما السلام سمع النبي صلى الله عليه وسلم قاله محمد عن سعيد بن عبد الملك الحراني عن عطاء بن مسلم حدثنا أشعث بن سحيم عن أبيه سمعت أنس بن الحارث ورواه البغوي وابن السكن وغيرهما من هذا الوجه ومتنه سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إن ابني هذا يعني الحسين يقتل بأرض يقال لها كربلاء فمن شهد ذلك منكم فلينصره قال فخرج أنس بن الحارث إلى كربلاء فقتل بها مع الحسين . 
(21) قال الذهبي ج3ص305 : فسار (الحسين) في آله ، وفي ستين شيخا من أهل الكوفة في عشر ذي الحجة . فسار في آله ، أقول بل سار في الثامن من ذي الحجة . 
(22) قال ابن حجر في الاصابة : هانئ بن عروة المرادي مخضرم سكن الكوفة وكان من خواص علي عليه السلام قتله عبيد الله بن زياد وهو ابن بضع وتسعين سنة فيكون أدرك من الحياة النبوية فوق الأربعين ، وتحت عنوان عروة بن الفضفاض قال ابن حجر : وكان ابنه هانئ بن عروة من رؤساء أهل الكوفة وهو الذي نزل مسلم بن عقيل بن أبي طالب عنده لما أرسله الحسين بن علي عليه السلام لأخذ البيعة على أهل الكوفة فقبض عبد الله بن زياد عليهما فقتلهما وفي ذلك يقول الشاعر : فان كنت لا تدرين ما الموت فانظري الى هانئ في السوق وابن عقيل أقول : ومن معالم قوته الاجتماعية أنه قال لابن زياد لما انكشف أمره : قد أمنتك على نفسك ومالك . (الامامة والسياسة 2/5 ، العقد الفريد 4/377) . وفي رواية قال له هانئ : يا بن أخي انه قد جاء حق هو أحق من حقك وحق أهل بيتك (طبقات ابن سعد المفقود 1/460) فضرب ابن زياد وجهه بعصا بيده ثم قدمه فضرب عنقه . 
(23) طبقات ابن سعد المفقود 1/459
(24) قدر الدكتور الخربوطلي المصري في كتابه عن المختار/74 –79 أن عدد الذين سجنهم ابن زياد يبلغ اثنا عشر ألفا من الشيعة منهم المختار نفسه . 
(25) قال ابن سعد في الجزء المفقود 1/466 : وجعل الرجل والرجلان والثلاثة يتسللون الى الحسين من الكوفة فبلغ ذلك عبيد الله فخرج فعسكر بالنخيلة واستعمل على الكوفة عمرو بن حريث وأخذ الناس بالخروج الى النخيلة وضبط الجسر فلم يترك أحدا يجوزه . 
(26) روى الطبري5/386 قال هشام عن عوانة بن الحكم عن لبطة بن الفرزدق بن غالب عن أبيه قال : حججت بأمي فأنا أسوق بعيرها حين دخلت الحرم في أيام الحج وذلك في سنة ستين إذ لقيت الحسين بن علي خارجا من مكة معه أسيافه وأتراسه فقلت : لمن هذا القطار فقيل : للحسين بن علي فأتيته فقلت : بأبي وأمي يا بن رسول الله ما أعجلك عن الحج فقال : لو لم أعجل لأخذت . وروى البسوي في كتاب المعرفة والتاريخ/532 كتاب ابن عباس الى يزيد بعد قتل والحسين وواقعة الحرة جاء فيه : فما انس من الاشياء فلست بناس اطرادك حسينا رضي الله عنه من حرم رسول الله الى حرم الله وتسييرك اليه الرجال لتقتله في الحرم فما زلت بذلك وعلى ذلك حتى اشخصته الى العراق فخرج خائفا يترقب فتزلزلت به خيلك عداوة لله ولرسوله ولاهل بيته الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا . وفي رواية اليعقوبي 2/247 : فما زلت بذلك كذلك حتى أخرجته من مكة الى ارض الكوفة تزأر به خيلك وجنودك زئير الاسد عداوة منك لله ولرسوله ولاهل بيته ثم كتبت الى ابن مرجانة ان يستقبله بالخيل والاسنة والسيوف . 
(27) خرج من الكوفة بعد قتل مسلم هو ومولاه سعد بن مجمع بن عبد الله وابنه عائذ ودليلهم الطرماح قال ابن الاثير لما رآهم الحر حجزهم فقال له الحسين عليه السلام هؤلاء أصحابي ولأمنعنهم مما أمنع منه نفسي فكف عنهم الحر . 
(28) خرج من الكوفة الى الحسين عليه السلام فصادفه في الطريق قبل ان يلاقيه الحر . 
(29) قال ابن حجر في لسان الميزان حبيب بن مظاهر الأسدي روى عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه ذكره الطوسي في رجال الشيعة وقال أبو عمرو الكشي كان من أصحاب علي ثم كان من أصحاب الحسن والحسين عليه السلام . 
(30) كان هو وحبيب مع مسلم بن عقيل ثم خرج مع حبيب بعد قتل مسلم والتحقا بالحسين عليه السلام . 
(31) كان من اصحاب علي عليه السلام الذين شهدوا معه مشاهده كلها وبعده صحب الحسن عليه السلام ثم بقي في الكوفة الى ان هلك معاوية ثم بعد أن اجتمع مع من اجتمع من وجوه الشيعة في دار سليمان بن صرد خرج مع نافع بن هلال بعد قتل مسلم والتحق بالحسين عليه السلام . 
(32) ومن البصرة كما روى الطبري 5/354 عن ابي مخنف قال : خرج يزيد بن نبيط وهو من عبد القيس إلى الحسين عليه السلام وكان له بنون عشرة فقال : أيكم يخرج معي فانتدب معه ابنان له : عبد الله وعبيد الله ، فتقدّى في الطريق حتى انتهى إلى حسين ع فدخل في رحله بالأبطح ثم أقبل معه حتى أتى فقاتل معه فقتل معه هو وابناه . 
معالم التغيير بعد شهادة الحسين عليه السلام
وانفتاح طريق الهداية من جديد
لئن شاء الله تعالى أن يقتل الحسين عليه السلام بعد خمسة شهور من حركته الهادية ، فقد شاء أيضا أن يتحرك الواقع السياسي والاجتماعي بعد الحسين عليه السلام بالإتجاه الذي يخدم الأهداف التي تحرك الحسين عليه السلام لها وقتل من أجلها ، ثم يتحقق كل ما أراد تحقيقه وبيان ذلك كما يلي : 
أولا: 
تفهمت الأمة أن الطاعة المطلقة للخليفة ليست من الدين في شيء ، وأنَّ الدين يدعو إلى مجاهدة سلطة بني أمية والإطاحة بهم ، ومن ثم نهضت الأمة ثائرة تحت لواء هذا القائد أو ذاك من مختلف الاتجاهات وقد استمرت الثورات على الأمويين حتى هلكوا على يد بني العباس ولم تعد سلطة حاكمة بعد ذلك تتبنى لعن علي عليه السلام والتربية على بغضه . 
ثانيا: 
تصدعت وحدة الدولة وغابت السلطة المركزية (1) لبني أمية التي كانت تلاحق المحدِّثين الصادقين ولم تسترجع سيطرتها كاملة إلا بعد خمس وعشرين سنة من قتل الحسين عليه السلام وبذلك كُسِر الطوق المفروض على الحديث الصحيح ، وعُرض علي عليه السلام والمطهرون من ذريته عليهم السلام من جديد أئمة هداة في المجتمع . وذلك حين انطلق خلال هذه الفترة بقية الصحابة والتابعين من شيعة علي عليه السلام وغيرهم في المدينة ومكة والكوفة والبصرة والشام وخراسان وغيرها ينشرون حديث النبي صلى الله عليه وآله في أهل بيته ، كل حسب استطاعته وبقدر ما تسمح له ظروفه . 
فمن الصحابة في المدينة أم سلمة (توفيت سنة 61هجـ) وابو سعيد الخدري (ت64) ، وعبد الله بن عباس (ت68) بالمدينة ومكة والطائف وتوفي بها وله نيف وسبعون سنة وجابر بن عبد الله الأنصاري (ت74) عن 94 سنة وسلمة بن الأكوع (ت74) وسهل بن سعد الساعدي (ت91) . 
وفي الكوفة سليمان بن صرد قتل سنة (66 هجـ) وزيد بن أرقم (ت68) وعدي بن حاتم (ت67) والبراء بن عازب (ت72) وعامر بن واثلة (ت110) بمكة منفيا من الكوفة منذ تولى الحجاج الكوفة وهو آخر من توفى من الصحابة . 
وفي البصرة : مالك بن الحويرث (ت74) وأنس بن مالك الذي أخذ يحدث بفضائل علي عليه السلام لما أصابته دعوة علي عليه السلام (ت90) . 
وفي مرو وخراسان : بريدة بن الحصيب (ت62) ، وأبو برزة الأسلمي (ت64) . 
وفي الشام : واثلة بن الاسقع (ت85) وهو آخر من مات من الصحابة بدمشق . 
ومن التابعين وهم بقية أصحاب علي عليه السلام وأغلبهم كوفيون أمثال : الحارث الأعور الهمداني (ت65) ، وسعد بن حذيفة بن اليمان (من رجال عهد المختار) ، والأصبغ بن نباتة (ت بعد سنة70) ، وحبة بن جوين (ت76) ، وأبي البختري قتل (سنة 82) ، زاذان (ت82) ، وزر بن حبيش (ت81) ، وعبد الله بن الحارث بن نوفل (ت84) ، وعبد الرحمن بن أبي ليلى (قتل 82) ، وفضالة بن أبي فضالة (ت70-80) ، وكميل بن زياد قتله الحجاج سنة(82) ، وقيس بن عباد قتله الحجاج (83) ، وزيد بن وهب الجهني (ت84 وقيل 96) ، ومسلم بن صبيح (ت100) . 
ومنهم بصريون مثل أبي الأسود الدؤلي ، وخِلاس الهَجَري(2) . 
ومنهم مدنيون أمثال : عمر بن أبي سلمة (ت83) ، وإياس بن سلمة بن الأكوع (ت119) ، ويزيد بن أمية (ت70 ـ80) . 
ولولا هذه السنوات الخمس والعشرين من غياب السلطة المركزية التي أنتجتها شهادة الحسين عليه السلام لما استطاع أولئك الصحابة والتابعون من نشرهم حديث النبي صلى الله عليه وآله في بيان منزلة علي وأهل بيته عليهم السلام ، أو ذم بني أمية أو نشرهم حديث علي عليه السلام وخطبه التي نجدها اليوم في كتب الحديث والتاريخ لدى عامة المسلمين . 
ولولا انتشار أحاديث النبي صلى الله عليه وآله في أهل بيته لما استطاع الأئمة من ذرية الحسين عليهم السلام أن ينشروا سنة النبي صلى الله عليه وآله برواية علي عليه السلام . 
ثالثا: 
تنفس الشيعة /صحابة وتابعون/ من جديد في الكوفة بشكل عام حين ارتفع الضغط الخاص عنهم مدة أربع سنوات (64ــ67هجـ) ، وبخاصة أيام المختار لمدة سنة ونصف (14ربيع الاول 66-14رمضان 67) حيث استطاعوا أن يطهِّروا المجتمع الكوفي من قتلة الحسين عليه السلام - الذين كانوا يمثلون قمة الإنحراف وبؤرة الفساد فيه - ويعيدوا التثقيف الصحيح باتجاه علي عليه السلام وأهل بيته . 
وعلى الرغم من قصر مدة حكم المختار وقتله على يد مصعب الزبيري وقتل سبعة آلاف شيعي صبراً بعده بضمنهم عمرة بنت النعمان بن بشير زوجة المختار لأنها لم تتبرأ من زوجها المختار ، ثم ظلم الحجاج وتتبعه لشيعة علي عليه السلام ، أقول : على الرغم من ذلك بقيت الكوفة قلعة صامدة على التشيع ، أبيَّةٌ عن الترويض ، مما اضطر الحجاج في حركة ابن الأشعث (سنة 80-83) أن يستعين بجيش شامي للقضاء عليها ، ولم يسكنها الكوفة بعد ذلك خوفاً على جيش أهل الشام من التأثر بفكرهم فبنى واسط خاصة لهم . 
واستطاع الأئمة من ذرية الحسين عليه السلام وبخاصة الباقر والصادق عليهم السلام أن يثقفوا قواعدهم الشعبية الكوفية من جديد وانفسح المجال بشكل عام للصادق عليه السلام في السنوات الأولى من حكم العباسيين(132-136هجـ) وبذلك عادت الكوفة كسابق عهدها أيام علي عليه السلام قلعة للتشيع ورواية أهل البيت عليهم السلام. 
______________________
(1) استقل ابن الزبير في مكة والمدينة والعراق ، ثم ثار المختار في الكوفة واقتطعها عن ابن الزبير مدة سنة ونصف /من 14ربيع الاول سنة 66 الى 14رمضان سنة67 / ثم رجعت له بعد قتل المختار علي يد مصعب وأهل البصرة وجيش المهلب وفلول الجيش الذي قتل الحسين / . واختلف أهل الشام وصاروا رايتين راية تدعو لابن الزبير وراية تدعو لمروان واقتتلوا بسبب ذلك ثم غلبه مروان ، واقتتل اهل خراسان لسنين ثم كانت بيعتهم أخيرا لعبد الملك . استقل نجدة الخارجي في اليمن ثم قتل نجدة من قبل اصحاب ابن الزبير . قتل عبد الله بن الزبير من قبل اصحاب عبد الملك بن مروان وصفا الملك لبني أمية من جديد . وثار العراقيون من جديد بقيادة ابن الاشعث (81-85) . واستقر الملك لعبد لبني امية لمدة اربعين سنة تقريبا وأزعج مرة اخرى من قبل العراقيين بقيادة زيد وقتل سنة 122 ، ثم مات هشام سنة125 ولم يستقر الملك لبني امية بعد ذلك إذ اختلفت كلمتهم ثم زالت دولتهم على يد بني العباس سنة 132 . 
(2) كان من شرطة علي وله صحيفة كتبها عنه يحدث بها ، توفي قبيل المائة بتقدير الذهبي نقلا عن ابن حجر في تهذيب التهذيب . 
 
خلاصة وخاتمة
قال الله سبحانه تعالى : 
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونوا أَنصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ ﴾ (14) الصف/14 . 
وروى البخاري أن أعرابيا قال للنبي صلى الله عليه وآله : الرجل يقاتل للمغنم ، والرجل يقاتل ليذكر ويقاتل ليرى مكانه في سبيل الله ، فقال : من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله) . 
وجّه الحسين عليه السلام أصحابه في المرحلة السِريَّة من حركته في مواجهة الانقلاب الفكري السياسي لمعاوية (50-59 هجـ) ليواصلوا نشر الأحاديث النبوية الصحيحة في علي عليه السلام وأهل البيت عليهم السلام بين من يثقون به من الناس ، وكان آخر نشاط نوعي في هذا السبيل هو المؤتمر السري الذي عقده الحسين عليه السلام في مكة في موسم الحج لسنة 59 هجرية ، أي قبل موت معاوية بسنة ، وحضره عدد كبير من الصحابة والتابعين ، وكانت المادة الأساسية في هذا المؤتمر هي خطاب الحسين عليه السلام الذي أطلع المؤتمرين آنذاك على خطورة الوضع الفكري والسياسي ثم حثهم على نشر الحقائق الدينية في علي وأهل البيت عليهم السلام وقد استهل خطابه عليه السلام بقوله: (إني خفت دروس هذا الأمر) (أي أمر ولاية أهل البيت عليهم السلام) . 
ثم أعلن الحسين عليه السلام بعد موت معاوية عن حركته التبليغية ليقاوم بدعتين سادتا وانتشرتا انتشاراً مطبقا : 
الاولى: التربية العامة على بغض علي عليه السلام ولعنه والبراءة منه ، ورواية الأحاديث الكاذبة في ذمه والطعن عليه ومعاقبة من يظهر خلافه لهذه السياسة . 
الثانية: التربية العامة على الولاء المطلق للخليفة الأموي والتقرب إلى الله بطاعته ومحبته ، ورواية الأحاديث الكاذبة في فضل بني أمية وإكرام من يتجاوب مع هذه السياسة . 
اختار الحسين عليه السلام مكة قاعدة ينطلق منها في حركته التبليغية النهوضية تلك ، يحيط به بنو هاشم لحمايته من أجل أن يقوم بممارسته التبليغية ونشر أحاديث النبي صلى الله عليه وآله في علي عليه السلام والنهوض بوجه الظالمين ، هذه الممارسة التي تعاقب الدولة عليها بعقوبة الإعدام كما يقال بلغة العصر . 
وتحرك الحسين عليه السلام على أخيار المسلمين القادمين من مختلف البلاد الإسلامية لأداء العمرة والحج يحدِّث الجيل الجديد منهم بما حرَّمت الدولة الحديث به فلم يسمعوه ، ويستنهض الجيل القديم ويذكِّرهم بتكليفهم الشرعي إزاء ظهور البدع ، ومن ثم يطلب النصرة من الجميع ليحموه من دولة الضلال ، لكي يواصل هو وأخيار الصحابة والتابعين تبليغ أحاديث جده وسنته للامة . 
تجاوب مع الحسين عليه السلام وجوه شيعة أبيه في العراق ، وبخاصة في الكوفة الممتحنة في السنوات السابقة من النظام الأموي ، وبايعوه على النصرة ودعوه إلى البلد لينهض به في مقاومة بني أمية كما نهض جده النبي صلى الله عليه وآله بأهل المدينة لمقاومة قريش ، وشاء الله تعالى أن تنكشف الحركة في الكوفة وتُسحق في مهدها ، ويُسجن أنصار الحسين عليه السلام فيها ويُقتل هانئ أبرز وجوه في الكوفة وأقواها سياسياً واجتماعياً ، ويُقتل بعده مسلم بن عقيل ، وتُقطع الطرق المؤدية إلى الكوفة لقطع الطريق على المختفين من أنصار الحسين عليه السلام ولمنعهم من اللحاق به ، ويطوق الركب الحسيني الخارج من مكة خوفاً من أن تُستحل حرمتها به حيث كان يزيد قد دس الرجال ليقتلوا الحسين عليه السلام غِيلة في الموسم . 
عرض جيش الدولة الأموي على الحسين عليه السلام أن يسلم نفسه للسلطة وأبى الحسين عليه السلام ومن معه ذلك ، وجرت معركة غير متكافئة ، وقتل الحسين عليه السلام وأهل بيته وأصحابه ورفعت رؤوسهم على الرماح وداست الخيل صدر الحسين عليه السلام وأخذت نساؤه وأطفاله أسرى إلى الشام . 
صفا الجو ليزيد وبني أمية سنتين تقريباً بعد قتل الحسين عليه السلام ، وقدَّروا أنهم أطفأوا النور الحسيني ، وأن خطر الزلزال عليهم وعلى خطتهم انتهى إلى غير رجعة ، وما دَرَوْا أن القيام المخلص لله والقتل في سبيله ، هو من أعظم الوسائل التي يتألق بها نور الهداية ، ويستحكم بها الخطر على المنحرفين ، وتظهر معالمه جلية واضحة في كل البلاد الإسلامية . 
فقد ثار أهل المدينة على يزيد بعد سنتين (63هجرية) من قتل الحسين عليه السلام . 
وأعلن أهل مكة تمردهم في غضون ذلك . 
وعاجل الله تعالى يزيد فأماته مبكراً ، واستقال ولده معاوية الثاني من الحكم ، ومات بعد استقالته بأيام ، وتمزقت الدولة الأموية شر ممزق. 
فاقتتل أهل الشام بينهم من أجل الملك وصاروا رايتين راية تدعو لابن الزبير وأخرى تدعو لمروان ثم صفا الأمر لمروان بن الحكم بعد وقعة مرج راهط ، التي أهلكت آلاف الناس ، ومن بعده لإبنه عبد الملك. 
واقتتل اهل خراسان ، قال المدائني لما مات يزيد بن معاوية ، وثب أهل خراسان بعمالهم ، فأخرجوهم وغلب كل قوم على ناحية ، ووقعت الفتنة ، وغلب عبد الله بن حازم على خراسان ، ووقعت الحرب(1) وأقرَّ عبد الله بن الزبير عبد الله بن خازم على خراسان ، وكاتَبَه عبد الملك ليبايع له فرفض ، فثار عليه وكيع بن الدورقية وقتله(2) . 
وفي البصرة روى أبو مخنف قال : وثب الناس بعبيد الله بن زياد وكسر الخوارج أبواب السجون ، وخرجوا منها (3) ، وقادهم نافع بن الأزرق ومن بعده عبيد الله بن الماحوز ، وجرت بينهم وبين أهل البصرة حروب كثيرة ، ثم هزمهم المهلب بن أبي صفرة عن الأهواز . 
وفي الكوفة وثب رؤساء الجيش والشرط ، بعمرو بن حريث خليفة ابن زياد ومدير شرطته ، وكان هواهم مع ابن الزبير ، فأخرجوه من القصر واصطلحوا على عامر بن مسعود بن أمية الجمحي القرشي ، وبايعوا لابن الزبير ثم كسرت السجون وخرج الشيعة . 
واقتتل أهل اليمن فيما بينهم كذلك . 
وكان البلد الوحيد الذي وجدت فيه حركة تحمل خط الحسين عليه السلام ونهجه ، هو الكوفة بزعامة سليمان بن صرد ثم بزعامة المختار الثقفي ، ولكن عبد الله بن الزبير لم يحتمل ذلك وبخاصة وأن الكوفة كانت تابعة له ، فبعث أخاه مصعباً بأهل البصرة وبقايا الجيش الذي قاتل الحسين عليه السلام الذي خرج من الكوفة فاراً من المختار ، 
ثم جرت بينهم وبين جيش المختار معارك ضارية انتهت بقتل المختار رحمه الله ، وقتل بعد ذلك زوجته لأنها لم تتبرأ منه ومعها سبعة آلاف صبراً ممن كان مع المختار في القصر . 
ولئن استطاع عبد الملك بعد عشرين عاماً أن ينتصر على المعارضة والثوار في أنحاء البلاد الإسلامية ، وأن يستعيد وحدة الدولة الأموية ويفرض السياسة التي اختطها معاوية من جديد ، فإنَّ حرارة البركان في الكوفة ، والمغتربين من أبنائها في خراسان لم تكن قد انتهت ، فكانت ثورة زيد رحمه الله في الكوفة ، وكان قدره فيها كقدر جده الحسين عليه السلام فكان وقوداً وزيتاً للثائرين ، ثم كانت ثورة العباسيين بالكوفيين المغتربين ومن معهم من أهل خراسان ، وانهار على أيديهم الحكم الأموي والأطروحة الأموية للإسلام ، المبني على لعن علي عليه السلام إلى غير رجعة ، حيث لم يأتِ حكم بعد ذلك يتبنى لعن علي عليه السلام إلى اليوم ولن يأتيَ إلى آخر الدنيا . 
وانتشرت الأحاديث النبوية التي عمل بنو أمية على طمسها ، وكتمانها وتحريفها ، واهتدى بها من أراد الهداية من الأمة ، وهي محفوظة في كتب المسلمين جميعا إلى اليوم . 
وأيد الله تعالى الحسين عليه السلام تاييداً خاصاً حين بتر نسل يزيد فلا يوجد اليوم من ينتسب إليه ، وبارك الله تعالى في نسل الحسين عليه السلام فهو يملأ الدنيا ، ورزقه منهم تسعة أئمة هدى أسباطا ، أعلام هداية نشروا ما كان يحمله الحسين عليه السلام من تراث نبوي كتبه علي عليه السلام بيده الكريمة الطاهرة ، وأملاه النبي صلى الله عليه وآله من فيه الشريف المطهر ، والتف حولهم شيعة يأخذون عنهم هذا التراث الإلهي ، ويحملون ظلامة الحسين عليه السلام غضة طرية كل عام في عاشوراء ، ليهتدي بهديها من شاء من الناس . 
______________________
(1) تاريخ الطبري 5/546 . 
(2) قال ابن حجر في تهذيب التهذيب : عبد الله بن خازم البصري أمير خراسان يقال له صحبة ورواية روى عنه سعد بن عثمان الرازي وسعيد بن الأزرق قال أبو أحمد العسكري كان من أشجع الناس ولي خراسان عشر سنين وافتتح الطبسين ثم ثار به أهل خراسان فقتلوه وكان الذي تولى قتله وكيع بن الدورقية وحمل رأسه إلى عبد الملك بن مروان وقال خليفة ابن خياط قام بأمر الناس في وقعة قازن بباذغيس وكتب إلى بن عامر بالفتح فأقره على خراسان حتى قتل عثمان وقال صالح بن الرحبية قتل سنة 71 وقال السلامي في تاريخه لما وقعت فتنة بن الزبير كتب إليه بن خازم بطاعته فأقره على خراسان فبعث إليه عبد الملك بن مروان يدعوه إلى طاعته فلم يقبل فلما قتل مصعب بعث إليه عبد الملك برأسه فغسله وصلى عليه ثم ثار عليه وكيع بن الدورقية وغيره فقتلوه وبمعنى ذلك حكى أبو جعفر الطبري وزاد وكان قتله في سنة 72 . 
(3) تاريخ الطبري 5/567 عن ابي مخنف . 
 
كتاب أبي مخنف 
حول مقتل الحسين عليه السلام 
وحركة المختار رحمه الله
يعد كتاب أبي مخنف (توفي قبل سنة 170 هـ) في مقتل الحسين عليه السلام وحركة المختار أقدم وأشهر كتاب في موضوعه ، وقد اعتمد عليه خصوم الشيعة لما رأوا فيه بغيتهم من الطعن على أهل الكوفة وتحملهم مسؤولية قتل الحسين عليه السلام ووصفهم بالغدر ، كما اعتمد عليه الشيعة لتقديمه تفاصيل عن مقتل الحسين عليه السلام وحركته لا توجد في غيره وفيما يلي دراسة مختصرة عن أبي مخنف وكتابه وظرفه السياسي الذي ظهر فيه تبيّن الموقف من أخبار كتابه. 
قال فلهاوزن : «وأبو مخنف هو أَثْبَتُ حجة … في تاريخ الشيعة طالما اتصل بالكوفة ، والطبري يكاد لا يعتمد على غيره في ذكر أخبارهم وما أطولها» (1) . 
أقول: إن الطبري صاحب التاريخ ليس حجة حين يُكثِر من راوٍ معين في موضوع معين ، فلقد أكثَرَ في تاريخه من روايات سيف بن عمر في حروب الردة ومقتل عثمان وحرب الجمل ، وتبيِّن لدى التحقيق أن أكثر أخبار سيف في هذه المواضيع إما محرّفة أو موضوعة(2) . 
والطبري مؤرخ راعى في تأليفه لتاريخه ان ياتي منسجما مع السياسة العباسية ، ولذا نراه يذكر الرواية العباسية الرسمية لقصة وفاة الامام علي الرض عليه السلام وهي : أنه أكثر من أكل العنب فمات فجأة (3) . 
تبنى رواية كتب أبي مخنف كثيرون منهم: محمد بن سعد في الطبقات الكبرى ، والطبري في التاريخ ، وابن أعثم في الفتوح ، والبلاذري في أنساب الأشراف ، وروى المسعودي طرفاً منها في مروج الذهب ، ثم أخذ ابن الأثير في كتابه الكامل ، وابن كثير ، وابن خلدون ، والذهبي ، برواية الطبري ، لأنه اوردها كاملة ، وعن هؤلاء أخذ المعنيون بالتاريخ الإسلامي ، من القدامى والمعاصرين شيعة كانوا أو سنة . 
لم يكن أبو مخنف من القائلين بالنص على علي عليه السلام فهو ليس شيعيا بالمعنى الخاص للتشيع ، قال ابن أبي الحديد : وأبو مخنف من المحدِّثين وممن يرى صحة الإمامة بالإختيار ، وليس من الشيعة ولا معدوداً من رجالها(4) . ومما يؤكد ذلك قول الشيخ المفيد بعد أن أورد أخبار حرب الجمل عن أبي مخنف والواقدي وغيرهما قال : فهذه جملة من أخبار البصرة ، وسبب فتنتها ، ومقالات أصحاب الآراء في حكم الفتنة بها ، قد أوردناها على سبيل الإختصار ، وأثبتنا ما أثبتنا من الأخبار عن رجال العامة دون الخاصة ، ولم نثبت في ذلك ما روته كتب الشيعة)(5) . 
هذا وقد عاصر أبو مخنف أربعة من الأئمة من أهل البيت عليهم السلام ، وهم السجاد والباقر والصادق والكاظم عليهم السلام ، ولم يروِ عن واحد منهم بشكل مباشر ، نعم روى عن بعض أصحابهم بعض الروايات . 
وقد وثَّقَ عددٌ من أعلام الشيعة أبا مخنف في النقل (6) .
نحن نتئِد في قبول فقرات مبثوثة في رواياته التي ترتبط ببعض سيرة الأئمة عليهم السلام أو سيرة شيعة الكوفة أو علاقة الأئمة بهم في الفترة الواقعة من سنة حكم علي عليه السلام سنة 35 هجرية وحروبه إلى مقتل المختار سنة 67 هجرية ، وذلك لأنها تعطي رؤية تخالف الثابت عن أهل البيت عليهم السلام ، أو الثابت من التاريخ عن شيعتهم في الكوفة وعلاقتهم بهم . 
من قبيل : أن الحسين عليه السلام ندم على أخذ نسائه وبناته معه ، وأنه تذكَّر نصيحة ابن عباس يوم العاشر لما ارتفعت أصواتهن(7) . 
ومن قبيل أن يزيد بن معاوية قال لعلي بن الحسين عليهم السلام لما أمر بإرجاعه والسبايا إلى المدينة : لعن الله ابن مرجانة ، أما والله لو أني صاحبه ما سألني خصلة أبدا إلا أعطيتها إياه ، ولدفعت الحتف عنه بكل ما استطعت ، ولو بهلاك بعض ولدي ، ولكن الله قضى ما رأيت(8) . 
وهناك من الرواة من اسفَّ إلى أكثر من هذا كما فعل يزيد بن روح بن زنباغ الجذامي المعاصر لأبي مخنف ، يروي عن الغاز بن ربيعة الجرشى من حمير قال : والله إنا لعند يزيد بن معاوية بدمشق إذ أقبل زحر بن قيس حتى دخل على يزيد بن معاوية فقال له يزيد: ويلك ما وراءك وما عندك؟ فقال : أبشر يا أمير المؤمنين بفتح الله ونصره ، ورد علينا الحسين بن علي في ثمانية عشر من أهل بيته وستين من شيعته ، فسرنا إليهم فسألناهم أن يستسلموا وينزلوا على حكم الامير عبيد الله بن زياد ، أو القتال ، فاختاروا القتال على الإستسلام ، فعدونا عليهم مع شروق الشمس ، فأحطنا بهم من كل ناحية حتى إذا اخذت السيوف مأخذها من هام القوم ، أخذوا يهربون إلى غير وزر ، ويلوذون منا بالآكام والحفر ، لواذا كما لاذ الحمائم من صقر ، فوالله يا أمير المؤمنين ما كان إلا جزر جزور ، أو نومة قائل حتى أتينا على آخرهم ، فهاتيك أجسادهم مجردة ، وثيابهم مرملة ، وخدودهم معفرة ، تصهرهم الشمس ، وتسفي عليهم الريح ، زوارهم العقبان والرخم ... قال : فدمعت عين يزيد وقال : قد كنت أرضى من طاعتكم بدون قتل الحسين ، لعن الله ابن سمية أما والله لو أني صاحبه لعفوت عنه فرحم الله الحسين (9) . 
ومن قبيل أن شيعة علي عليه السلام في الكوفة أمثال سليمان بن صرد والمسيب بن نجبة وغيرهم كتبوا للحسين عليه السلام بالقدوم ثم خذلوه حتى قُتل ، ثم ندموا بعد ذلك ونهضوا للاخذ بثأره . وغير ذلك . 
أقول : نحن نرى ان هذه الأخبار سواء كانت في كتاب أبي مخنف أو في كتب غيره وضعت بأمر العباسيين ضمخن سياسة تهدف إلى تطويق الكوفة ومحاصرتها إعلاميا ، رُسمت خطوطها من قبل أبي جعفر المنصور خاصة ضمن مخطط اعلامي شامل لتغيير الرؤية عن تاريخ علي والحسن والحسين عليهم السلام نكاية بالحسنيين الثائرين ، حيث كان هوى الثوار من الكوفيين مع الحسنيين ، وهوى من يرى العلم والحديث مع الإمام جعفر الصادق وآبائه الائمة عليهم السلام . ثم تحرك الإعلام العباسي من خلال روايات الرواة الذين سايروا العباسيين في مخططهم رغبة في دنياهم فوضعوا وحرفوا ما شاؤوا من الروايات . 
أما كون هوى الكوفيين مع الحسنيين ، فقد قال الطبري : لما ظهر محمد وإبراهيم ابنا عبد الله ، أرسل أبو جعفر (المنصور) إلى (عمه) عبد الله بن علي ، وهو محبوس عنده ، أن هذا الرجل قد خرج فإن كان عندك رأي فأشر به علينا ، وكان ذا رأي عندهم ، فقال : ارتحل الساعة حتى تأتي الكوفة ، فاجثُم(10) على أكبادهم فإنهم شيعة أهل هذا البيت وأنصارُهم ، ثم احفُفْها بالمسالح فمن خرج منها إلى وجه من الوجوه ، أو أتاها من وجه من الوجوه ، فاضرب عنقه . (11) 
وأما كونهم في الفقه والحديث والعلم يتبعون الإمام جعفر الصادق وآبائَه عليهم السلام فقد روى القاضي عياض(12) الحوار الذي دار بين أبي جعفر المنصور ومالك بن أنس حيث عرض عليه أن يجعله مرجعاً فقهياً للدولة انذاك . 
قال مالك : قال فقلت له : ولأهل العراق قولاً تعدَّوْا فيه طورَهم . 
فقال : أما أهل العراق فلست أقبل منهم صرفاً ولا عدلا ، وإنما العلم علم أهل المدينة فضع للناس العلم . 
وفي رواية فقلت له : إن أهل العراق لا يرضون عِلمَنا . فقال أبو جعفر يضرب عليه عامَّتهم بالسيف وتقطع عليه ظهورهم بالسياط (13) . 
وقد خطب المنصور في الكوفة سنة 144 هجرية بعد أن قبض على عبد الله بن الحسن والد محمد وإبراهيم قبيل أن ينهضا ويثورا عليه. 
قال المسعودي : ولمـّا أخذ المنصور عبد الله بن الحسن وإخوته والنفر الذين كانوا معه من أهل بيته صعد المنبر بالهاشمية ، فحمد الله وأثنى عليه ، وصلى على محمد صلى الله عليه وآله ، ثمَّ قال : 
(يا أهل خراسان ، أنتم شيعتنا وأنصارنا ، وأهل دعوتنا ، ولو بايعتم غيرنا لم تبايعوا خيراً منّا . إنَّ ولد أبي طالب تركناهم والذي لا إله إلاَّ هو ، والخلافة فلم نعرض لهم لا بقليل ولا بكثير . 
فقام فيها علي بن أبي طالب عليه السلام فما أفلح ، وحكَّم الحكمين ، فاختلفت عليه الأمّة وافترقت الكلمة ، ثمَّ وثب عليه شيعته وأنصاره وثقاته فقتلوه . 
ثمَّ قام بعدَهُ الحسن بن علي عليه السلام ، فوالله ما كان برجل ، عرضت عليه الأموال فقبلها ، ودسَّ إليه معاوية إنِّي أجعلك ولي عهدي ، فخلع نفسه وانسلخ له ممَّا كان فيه ، وسلَّمه إليه وأقبل على النساء يتزوج اليوم واحدة ويطلق غداً أخرى، فلم يزل كذلك حتّى مات على فراشه. 
ثمَّ قام من بعده الحسين بن علي عليه السلام ، فخدعه أهل العراق وأهل الكوفة أهل الشقاق والنِّفاق والإغراق في الفتن ، أهل هذه المِدرة السوء، /وأشار إلى الكوفة/ فوالله ما هي لي بحرب فأُحاربها ، ولا هي لي بسلم فأُسالمها ، فرَّق الله بيني وبينها فخذلوه وأبرؤوا أنفسهم منه ، فأسلموه حتّى قتل . 
ثمَّ قام من بعده زيد بن علي ، فخدعه أهل الكوفة وغرّوه ، فلمَّا أظهروه وأخرجوه أسلموه ، وقد كان أبي محمد بن علي ناشده الله في الخروج وقال له : لا تقبل أقاويل أهل الكوفة فإنّا نجد في علمنا أنَّ بعض أهل بيتنا يصلب بالكناسة ، وأخشى أن تكون ذلك المصلوب ، وناشده الله بذلك عمّي داود وحذَّره رحمه الله غدر أهل الكوفة ، فلم يقبل ، وتمَّ على خروجه ، فقتل وصلب بالكناسة) (14) . 
ولما قتل إبراهيم بن عبد الله بن الحسن أمر المنصور أن يطاف برأسه بالكوفة سنة 145 هجرية وخطب قائلا : 
(يا أهل الكوفة عليكم لعنة الله وعلى بلد انتم فيه ... سبئية(15) ، خشبية (16) ، قائل يقول : جاءت الملائكة وقائل يقول جاء جبريل ... ، 
لَلْعجب لبني أمية وصبرهم عليكم ، كيف لم يقتلوا مقاتلتكم ويسبوا ذراريكم، ويخربوا منازلكم . 
أما والله يا اهل المَدَرَة الخبيثة لئن بقيتُ لكم لأ ذلنكم .) (17) . 
وفي ضوء ذلك كان من الضروري التحقيق في الرواية التاريخية التي ظهرت في هذه الفترة الخطيرة ، سواء كانت رواية ابي مخنف أو رواية غيره وتجزئة الرواية إلى اجزاء واستبعاد الجزء الذي يلتقي مع الهدف الإعلامي للعباسيين إن لم يكن لدينا غيرها . 
إن الكتاب المعاصرين أمثال الشيخ محمود شاكر(18) والدكتور أحمد شلبي(19) والشيخ الخضري ونظرائهم معذورون حين يعتمدون على رواية أبي مخنف دون ان يحققوا فيها بسبب خلفيتهم العقائدية التي تسوغ لهم قبول ذلك أو الأنس به ، أما أن يعتمد الكاتب الشيعي الإمامي(20) على رواية أبي مخنف دون تحقيق أو دون تجزئة فإنَّه ليس معذورا في ذلك (21) . 
______________________
(1) ‏ الخوارج والشيعة يوليوس فلهوزن ترجمه عن الألمانية الدكتور عبد الرحمن بدوي /113ط 3 ، الكويت 1978 . 
(2) ‏ انظر كتب العلامة العسكري : خمسون ومأة صحابي مختلق ثلاثة مجلدات ، وعبد الله بن سبأ مجدان فإنها مكرسة لدراسة أخبار سيف بن عمر وكشف الوضع والتحريف فيها . 
(3) ‏ تاريخ الطبري 7/15 . 
(4) ‏ شرح نهج البلاغة 1/147 . 
(5) ‏ الجمل ص 225 . 
(6) ‏ انظر معجم رجال الحديث وقاموس الرجال . 
(7) ‏ قال أبو مخنف حدثني عبد الله بن عاصم قال حدثني الضحاك المشرقي قال : لما سمع أخوات الحسين كلام الحسين يخاطب القوم يوم العاشر صحن وبكين وبكى بناته فارتفعت أصواتهن فأرسل اليهن أخاه العباس بن علي وعليا ابنه ، وقال لهما : أسكتاهن فلعمري ليكثرن بكاؤهن ، قال : فلما ذهبا ليسكتاهن ، قال : لا يبعد ابن عباس ، قال : فظننا أنه إنما قالها حين سمع بكاؤهن لانه قد كان نهاه أن يخرج بهن . الطبري 4/321 وقال أبو مخنف وحدثني الحارث بن كعب الوالبي عن عقبة بن سمعان : أن حسينا لما أجمع المسير إلى الكوفة أتاه عبد الله بن عباس وقال له فإن كنت سائرا فلا تسر بنسائك وصبيتك فوالله إني لخائف أن تقتل كما قتل عثمان ونساؤه وولده ينظرون إليه الطبري 4/287 . 
(8) ‏ تاريخ الطبري - الطبري ج 4 ص 353 . 
(9) ‏ تاريخ الطبري - الطبري ج 4 ص 351 . 
(10) ‏ جثُم يجثُم : لصق ولزم . 
(11) ‏ تاريخ الطبري ج 6 / 194 . 
(12) ‏ انظرتفصيل ذلك في كتابنا المدخل الى دراسة مصادر التاريخ الإسلامي والسيرة النبوية ص470 . 
(13) ‏ وكان المنصور قبل ذلك قد قال لابي حنيفة : يا أبا حنيفة ، إن الناس قد فتنوا بجعفر بن محمد فهيء له من مسائلك الصعاب الكامل في الضعفاء لابن عدي 2/132 . 
(14) ‏ المسعودي : مروج الذهب ج3/301 ، وكانت بوادر التحسس من الكوفيين قبل ذلك روى البلاذري في أنساب الاشراف 3/150 ، قال قال المدائني : (كتب أبو مسلم إلى أبي العباس : أن أهل الكوفة قد شاركوا شيعة أمير المؤمنين في الاسم ، وخالفوهم في الفعل ، ورأيهم في آل علي الذي يعلمه أمير المؤمنين ، يؤتى فسادهم من قبلهم باغوائهم إياهم وإطماعهم فيما ليس لهم ، فالحظهم يا أمير المؤمنين بلحظة بوار ، ولا تؤهلهم لجوارك ، فليست دارهم لك بدار . وأشار عليه أيضا عبدالله بن علي بنحو من ذلك فابتنى مدينته بالانبار وتحول اليها وبها توفي) . 
(15) ‏ اي اتباع عبد الله بن سبأ الذي ادعي له انه مبتدع الوصية لعلي عليه السلام المشابهة لوصية موسى عليه السلام ليوشع عليه السلام الذي يترتب عليها البراءة ممن تجاوز على موقعه . 
(16) ‏ في النهاية لابن الاثير : الخشبية : هم أصحاب المختار بن أبي عبيد ، ويقال لضرب من الشيعة : الخشبية . وفي المشتبه للذهبي : الخشبي : هو الرافضي في عرف السلف . 
(17) ‏ أنساب الاشراف 3/269 . 
(18) ‏ كاتب مصري ألف موسوعة في التاريخ الاسلامي في عدة مجلدات . 
(19) ‏ كاتب مصري الف موسوعة التاريخ الاسلامي في عدة مجدلات وطبعت طبعات عديدة اخر ما رايته هو الطبعة السابعة سنة 1984م وعنها ننقل في كتابنا هذا . 
(20) ‏ قد يعترض البعض علينا باعتماد مرجع الشيعة في وقته الشيخ المفيد رحمه الله على رواية ابي مخنف في كتابه الارشاد ، أو في كتابه الجمل ، ولكنه اعتراض غير وارد لان الشيخ المفيد في الجمل يصرح انه انما اورد اخبار الجمل من مصادر غير امامي لاجل الاحتجاج . 
(21) ‏ أشرنا إلى طرف من هذا الموضوع في كتابنا المدخل الى دراسة مصادر السيرة النبوية ، /469- 480 ، نرجو ان نوفق الى تفصيلها في دراسة مستقلة . 

 
 
البرمجة والتصميم بواسطة : MWD