1439 / ربیع‌الاول / 5  |  2017 / 11 / 24         الزيارات : 483680         صلاة الصبح |         صلاة الظهر والعصر |         صلاة المغرب والعشاء |

أبو مخنف ومحاولات الرواة والمصنّفين والمتكلّمين تزييف النهضة الحسينية

{ أ. م. د. كفاية طارش العلي }
أبو مخنف ومحاولات الرواة والمصنّفين والمتكلّمين تزييف النهضة الحسينية

المقدّمة[1]

تعرّض البحث إلى ثلاثة محاور، أوّلها حقيقة الشخصية التي روت مقتل الحسين عليه السلام وروت أخباره، ألا وهو لوط بن يحيى بن سعيد بن مخنف بن سليم الأزدي، متناولاً بعض سيرته الذاتية وأُسرته المعروفة بولائها لأهل البيت والإمام علي عليهم السلام، وإنّه لم يكن أعمى كما هو متعارف لدى عامّة الشيعة، بل يبدو أنّ لَبساً قد وقع بينه وبين معاصره وتلميذه عوانة بن الحكم الكلبي الكوفي الذي كان أعمى وراوياً كوفياً كذلك، لكنّه يروي وجهة نظر السلطة الأُمويّة، ومن ناحية أُخرى أثبتنا بالدليل القاطع ومن خلال معادلة حسابية أنّه وُلد بعد أحداث الطف، أي إنّه لم يعاصرها، بل يفصله عن الأحداث جيلان، مع هذا يُعتبر أوثق مَن روى أحداثها؛ لأنّه يتوخّى الحصول على المعلومة من مضانِّها ومنابعها الأصيلة، أي: من شهود عيان ممّن شاركوا في المعركة شخصياً.

أمّا الشقّ الثاني فتناول ما تفعله الأقلام المأجورة لبني أُميّة ومَن شايعهم، ابتداءً بمَن عاصرهم أو كان قريب عهدٍ منهم، ممّن صنّف وروى لمصلحتهم، ولأنّ خصمهم هذه المرّة كبير وسامٍ ولا يمكن أن يُتّهم بشيء، ألا وهو الحسين عليه السلام، فقد انحصر ميدان كذب الرواة وتزويرهم في الدفاع المباشر عن يزيد، فضلاً عن محاولاتهم النيل من صاحب الثورة ونبراسها الأبي، بأنّ الحسين عليه السلام اشترط الذهاب إلى الشام، وأن يضع يده بيد يزيد، لكنّ جيش عمر بن سعد رفض ذلك... ففنّدنا كلّ ذلك بالروايات التي نقلتها مصادرهم.

أمّا المبحث الأخير فتحدّثنا فيه عن محاولات أصحاب الكتب من المصنِّفين القدامى والمراجع الحديثة، سيّما بعض السلفيين وأساليبهم في محاولة النيل من النهضة الحسينيّة العظيمة وآثارها، مركِّزين على أهم هذه المحاولات وتزييف الحقائق الثابتة فيها، باعتبار الحسين عليه السلام خارجاً على سلطة ولي الأمر المفترض الطاعة، والمبايع له من قِبَل الأُمّة، وأنّ خروجه على السلطان مفسدة عظيمة (بزعمهم)، والبُعد الثاني هو محاولتهم تكذيب ونفي كلّ الشواهد التاريخية الثابتة بما يثبت إدانة يزيد ـ بشكل مباشر ـ وجيشه وحزبه في وقعة الطف، ابتداءً من رضِّ الصدر وحرق الخيام إلى ضرب الثنيتين والسبي، جاعلين من ابن تيمية أُنموذجاً لهؤلاء، وقد فنّدنا وأجبنا عن كلّ ذلك بالأدلّة والشواهد التاريخية وبالتحليل والاستنتاج التاريخي.

وقبل الدخول في الشق الثاني من هذا البحث، وهو محاولات الرواة والمؤلِّفين تزييف أحداث هذه الثورة العظيمة كلٌّ حسب الفائدة التي يرجوها لخدمة أهدافه ومصالحه، لا بدّ لنا من الوقوف عند الشخصية التي أحسنت صُنعاً بنقلها تفاصيل هذه الحادثة، حادثة الطف الأليمة التي أقضّت مضاجع الأُمّة، وكانت سبباً في تغيير مسار أحداثها السياسية، في ذات الوقت اتّخذها جميع الثائرين والأحرار مناراً ومنهاجاً للسير على نفس الخطى، واتّباع نفس النهج.

المبحث الأول: حقيقة راوي المقتل الأصلي (أبو مخنف)

ذلك هو راوينا أبو مخنف لوط بن يحيى بن سعيد بن مخنف بن سليم بن الحارث بن عوف بن ثعلبة بن عامر بن ذهل بن مازن بن ذبيان بن ثعلبة الدؤل بن سعد بن غامد الأزدي الغامدي الكوفي[2]، من أزد شنوءة من القبائل القحطانية الجنوبية[3].

ينحدر من أُسرة عربية عريقة لها إسهامات سياسية واضحة في سبيل إعلاء راية الإسلام والدفاع عن رسوله محمد صلى الله عليه وآله، ثمّ آله الكرام عليهم السلام، لا سيّما قائد الغرّ المحجّلين أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام.

فقد كان جدّه مخنف بن سليم صحابياً[4]، وبعد فتح الكوفة انتقل للسكن فيها مع قبيلته، ثمّ شارك في الفتوحات الإسلامية أيام الخليفة الثاني، لا سيما استكمال فتح العراق[5]، ليكون أحد أخلص الأعوان لعليّ بن أبي طالب عليه السلام هو وأخواه: الصقعب وعبد الله، فقد شاركوه في حرب الجمل وصفِّين[6]، ولكفاءته وإخلاصه ولّاه الإمام عليّ على أصبهان[7]. وكانت لهم في الكوفة جبّانة (مقبرة) خاصّة سميت باسم جدِّهم (جبّانة مخنف)[8].

ولمخنف أبناء أشهرهم سعيد بن مخنف (جدّ لوط بن يحيى)، وحبيب ومحمد، الذي شهد صفِّين مع والده وعمره (17) سنة، فضلاً عن عبد الرحمن بن مخنف الذي امتدت أدواره السياسية إلى واقعة الطف، حيث استغاث عبد الله بن عفيف الأزدي الأعمى، ونادى بشعار القبيلة، ليخلّصوه من عبيد الله بن زياد، الذي أراد قتله لردِّه الشجاع عليه لـمّا رآه ينكت ثنايا الحسين عليه السلام بقضيبه، وكان ابن مخنف جالساً، فأبت الحمية القبلية إلّا تلبية النصرة وتخليصه من براثن الجلاوزة[9].

ناهض عبد الرحمن بن مخنف الخوارج، وحاربهم مع الـمُهلّب بن أبي صفرة، وقُتِل في إحدى الغزوات معه سنة (75هـ/654م)، فدفنه المهلّب[10]وصلّى عليه، ورثاه صديقه حميد بن سليم بشعر قال فيه:[11]

 

إن يقتلوك أبا حكيم غدوة

 

فلقد تشـدّ وتقتل الأبطالا

أو يشكلونا سيّداً لمسود

 

سمح الخليفة ماجداً مفضالا

فلمثل قتلك هدّ قومك كلّهم

 

قد كان يحمل عنهم الأثقالا(2)

 

ووالد أبي مخنف (لوط) هو يحيى بن سعيد، وقد كان من أصحاب الإمام علي عليه السلام[12].

أمّا عن ولادة لوط بن يحيى (أبو مخنف) فلا تسعفنا المصادر بذلك، سوى ما ذكره فلهاوزن من أنّ أبا مخنف كان قد بلغ سن الرجال في حركة ابن الأشعث، وقد استدلّ على ذلك من موارد أبي مخنف في روايته لهذه الحركة، سيّما الذين سمع منهم مباشرة، وبعملية حسابية بسيطة نستدلّ على أنّ ولادته يمكن أن تكون محصورة بين (65ـ 70هـ)؛ إذا عرفنا أنّ ثورة ابن الأشعث حدثت سنة (82هــ)، وبهذا يصبح عمره ـ حتى وفاته عام (157هـ) ـ اثنين وتسعين سنة[13].

من ناحية أُخرى يؤكِّد هذا الاستنتاج حقيقة مهمة بعكس ما عُرف عنه من أنّه وضع كتاب مقتل الحسين عليه السلام وهو أعمى، وكان يتسقّط أخبار الحسين عليه السلام بباب الكوفة، فكان يجمع ما يسمعه حتى اجتمع منه كتاب مقتل الحسين عليه السلام[14].

وقد أكّد أحد الباحثين بطلان هذا القول، وأنّه لم يعثر له على أساس يعتمد عليه[15]، فضلاً عن دليل مهم آخر، وهو أنّه من خلال متابعة أسانيد روايات أبي مخنف عن ثورة الطف نجد أنّه يفصله عن الحدث جيلان؛ لأنّ أكثر أسانيده كانت عن رجل عن آخر شهد الحدث وشارك في المعركة، كسليمان بن أبي راشد، عن حميد بن مسلم، الذي كان ضمن جيش عمر بن سعد، أو عبد الله بن عامر، عن الضحاك المشرفي[16]، هذا من ناحية. ومن ناحية أُخرى لا بدّ لنا أن نبيّن أنّه لم يكن رجلاً أعمى وفقيراً كما نسمع من أفواه خطباء المآتم الحسينية، بل على العكس كانت عائلته ميسورة الحال، وهو كذلك، ولعلّ الرواية التالية تؤكِّد هذا فقط، روى أبو مخنف نفسه: «أكثر ما يرويه الناس من شعر سيّدنا أبي عبد الله الحسين إنّما هو ما تمثّل به، وقد أخذتُ شعره من مواضعه، واستخرجته من مظانّه وأماكنه، ورويته على ثقاة الرجال، ومنهم عبد الرحمن بن نخبة الخزاعي، وكان عارفاً بأمر أهل البيت عليهم السلام، ومنهم المسيب بن رافع المخزومي، وغيره رجال كثيرون، ولقد أنشدني يوماً رجل من ساكني سلع هذه الأبيات، فقلت له: أكتبنيها. فقال لي: ما أحسن رداءك هذا! وكنت اشتريته يومذاك بعشرة دنانير، فطرحته عليه، فأكتبنيها»[17].

إنّ هذه الرواية تؤكِّد لنا مضامين كثيرة منها:

1ـ إنّه دقيق النقل، وحريص على أخذ مادته التاريخية من مضامينها ومن ثقاة الرواة.

2ـ إنّه لم يكتفِ بنقل معركة الطف التاريخية، بل انبرى يؤلِّف ديواناً للحسين عليه السلام في شعره الذي ذكره في كلّ المعركة.

3ـ إنّه كان غنيّاً ميسور الحال، يبذل ماله للعلم واستحصال الحقائق التاريخية، فلم يكن يبخل بردائه الثمين البالغ قيمته عشرة دنانير في ذلك العصر ثمناً لبيتي شعر قالها الحسين عليه السلام.

4ـ إنّه يؤكِّد شيعيته وهواه العلوي، ابتداءً من كلمة (سيّدنا أبي عبد الله)، ومروراً بحرصه على تدوين أقوال الحسين عليه السلام وأشعاره؛ خشيةً عليها من الضياع، وحفظها للتاريخ، ونحن اليوم مدينون له بذلك، علماً بأنّ ذلك الديوان مفقود اليوم، ولم يبقَ منه إلّا ما تناثر في بطون أُمّهات الكتب المعتبرة.

ولعلّ سهواً أو تصحيفاً أو تشابهاً وقع بين هذه الشخصية ونظيره وتلميذه عوانة بن الحكم الكلبي، الذي كان معاصراً له، ومن المدرسة الكوفية في التدوين التاريخي أيضاً، لكنّه يروي وجهة النظر الأُمويّة المناهضة للرواية الكوفية، فقد كان أحد أقلام السلطة الأُمويّة، وتوفّي في سنة (158هـ)[18] ـ أي: في سنة مقاربة لسنة وفاة أبي مخنف ـ
 وكان أعمى؛ ولهذا ربما اشتبه على الرواة والناقلين عنهما، فتصوروا أنّ أبا مخنف هو الراوي الأعمى.

وقد آثرنا الشروع بإلقاء الضوء على أهم شخصية روت لنا تفاصيل حادثة الطفّ التي أقضّت مضاجع الأُمّة، وأوردتها الموارد والفتن، وفي ذات الوقت كانت نوراً يُستضاء به، ومرجعاً يرتكز عليه مَن أراد الإباء والوقوف بوجه الظلم والجبروت.

ولأهمّية روايات أبي مخنف لمعركة الطف وأثرها البالغ، فقد استغلّتها الأقلام المصطنعة، صاحبة الغايات المختلفة، سبيلاً لتزييف نهضة الحسين عليه السلام، من خلال أقلام الرواة المأجورة للسلطة أو للهوى أو لغايات دنيويّة مختلفة.

إنّ نهضة الحسين عليه السلام لهي أبلغ خطاب على أنّ انحراف المسار السياسي قد بلغ الحد الذي لا يمكن معه سكوت، نهضة رسمت خارطة الإسلام في أصدق لوحة تاريخية، فهي صراع أبدي بين التوحيد والوثنية، أيّاً كانت صورها وتعبيراتها، وأيّاً كان الإله الذي يعبده الإنسان، وثنياً أم مسلماً، لقوله تعالى: (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ . . .  فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّـهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ)[19].

نهضة أظهرت الأُمّة بسبب ركونها وخنوعها للجبروت، وأكّدت أنّها قادرة على قتل أولاد نبيِّها لا باسم الأوثان هذه المرّة، بل باسم الإسلام الذي تقمّصه الحاكمون...

أمّا يزيد (لعنه الله) فقد أظهر وثنيته الصريحة، وكفره بالإسلام، برواية مَن لا يمكن أن يُتّهم فيه، كابن أبي الدنيا وابن سعد لـمّا تمثّل بأبيات ابن الزبعرى:[20]

 

ليت أشياخي ببدر شهدوا

 

جزع الخزرج من وقع الأسل

لعبت هاشم بالملك فلا

 

خبرٌ جـاء ولا وحـيٌ نــزل(2)

 

المبحث الثاني: محاولات الرواة لتزييف النهضة الحسينيّة

يستخدم السلطان الجائر كلّ الوسائل اللازمة لتحقيق غايته، لعل أهمّها أقلام الرواة، سيّما مَن تتوافق أهواؤه ومصالحه الذاتية مع السلطة والسلطان، لكنّ الخصم هذه المرّة كبير وسامٍ، لا يمكن أن يُتّهم بشيء ـ نعني به الحسين عليه السلامـ لهذا انحصر ميدان الكذب والتزوير عند الرواة في الدفاع عن يزيد وتبرير موقفه.

أمّا الشق الثالث من البحث فسنسلط الضوء فيه على المتكلّمين، ممّن يعتقد بلزوم الطاعة للسلطان الفاجر، فانبروا يدافعون عنه، ويحرمون الخروج عليه، حتى فاضت أقلامهم بكلام اجترأوا فيه على الحسين عليه السلام، حتى يُخشى عليهم أن يكونوا شركاء في دمه الشريف، ولكي تكون الصورة أوضح سنشرع بتناول المبحثين تباعاً وكالتالي:

أولاً: تزييف الرواة

لعل أهم ما وضعه الرواة وتمسّك به المدافعون عن يزيد قضيتان، الأُولى ما ذكرهُ الطبري نقلاً عن أبي مخنف بإسناده، من أنّ الحسين عليه السلام لم يكن يرفض البيعة ليزيد، وذلك من خلال دسّهم ووضعهم رواية على لسانه الشريف لدى حواراته مع أمير المعسكر الأُموي عمر بن سعد بقوله: «اختاروا منّي خصالاً ثلاثاً: إمّا أن أرجع إلى المكان الذي أقبلت منه، وإمّا أن أضع يدي في يد يزيد بن معاوية، فيرى ما بيني وبينه من الرأي، وإمّا أن تسيروني إلى أي: ثغر من ثغور المسلمين شئتم، فأكون رجلاً من أهله، لي ما لهم، وعليّ ما عليهم»[21]. ورغم وضوح الكذب والزيف في هذه الرواية المفتراة على سيد الإباء والشموخ، لكن لا بدّ لنا من تعريتها ودحضها بالأدلّة التاريخية وكالتالي:

1ـ اعتمدوا في نقل الرواية على أبي مخنف دون غيره؛ لأنّه لم يروها أحد غيره، واعتبروه حجّة وثقة هذه المرّة فقط، بينما هو عندهم مجروح الرواية، بل تالف ومتروك وساقط، وغير ذلك من ألفاظ التجريح[22]، بل قالوا فيه أيضاً: «أخباري تالف لا يوثق به»[23]، بينما هو عند النجاشي والطوسي: «شيخ الأخبار بالكوفة ووجههم، وكان يُسكَن إلى ما يرويه»[24].

2ـ من خلال الرواية يتبيّن لنا أنّ ذلك الحديث جرى في موضع لم يحضره أحد من الناس، ولم يسمع ما دار بين الحسين عليه السلام وابن سعد، فتناقلوه من غير أن يكونوا سمعوا ذلك، فمن أين أتى لهم اليقين بشروط الحسين عليه السلام الثلاثة، سيّما شرطه أن يضع يده بيد يزيد؟!

3ـ الغريب أنّ الطبري أردف هذه الرواية بروايات أُخرى عن أبي مخنف تناقض هذه الرواية تماماً، وتثبت زيفها وبطلانها، منها ما ذكره عن أبي مخنف عن أشياخه أنّ الحسين عليه السلام طلب من ابن سعد الالتحاق به، وترك المعسكر الأُمويّ، والسير معاً لقتال يزيد، فلمّا رأى التردد من ابن سعد، وأنّه مُنّيَ بالولاية وبالأموال، أكّد له الحسين عليه السلام أنّه سيعوضه أضعاف ذلك، ويمكننا أن نرجّح هذه الرواية ونقبلها؛ لأنّها أقرب إلى أهداف الحسين عليه السلام وإلى واقع الحال، وهي أقرب إلى المنطق والعقل في القبول.

4ـ ثمّة رواية أُخرى لأبي مخنف عن عبد الرحمن بن جندب عن عقبة بن سمعان مولى الرباب زوج الحسين عليه السلام تؤكِّد بطلان هذه الرواية قال: «صحبت حسيناً فخرجت معه من المدينة إلى مكّة، ومن مكّة إلى العراق، ولم أفارقه حتى قُتِل، وليس من مخاطبته الناس كلمة بالمدينة ولا بمكّة ولا في الطريق ولا في العراق ولا في عسكر إلى يوم مقتله إلّا وقد سمعتها، ألا والله، ما أعطاهم ما يتذاكر الناس وما يزعمون من أن يضع يده في يد يزيد بن معاوية، ولا أن يسيروه إلى ثغر من ثغور المسلمين، ولكنّه قال: دعوني فلأذهب في هذه الأرض العريضة، حتى ننظر ما يصير أمر الناس»[25].

5ـ الأهمّ مما تقدّم السؤال الذي يطرحه العقل والمنطق، والذي يؤكِّد على كفر يزيد وكفر جنده وأميره على الكوفة، فإن كان الحسين عليه السلام أراد أن يضع يده بيد يزيد فبأي حجّة قتلوه وقتلوا أصحابه وأهل بيته؟!

وإن كان قد اشترط الذهاب إلى يزيد ليبايعه ويضع يده بيده، فلأيّ سبب ثار بثلّة قليلة من المدينة إلى مكّة ومن مكّة إلى العراق، وأبى إلّا أن يسفك دمه ودماء الطاهرين من آله وصحبه عليهم السلام، متحمّلاً المشاق، راضياً وعالماً بسبي العيال والنساء؟! أيّ عقل ومنطق يقبل هذا الزيف وهذا الافتراء؟! فلا مبرّر لذلك سوى النيل من هذا العملاق الأبي ونهضته الحرّة الأبية!

6ـ ولئن كان ذلك ردّنا ففي كلام الشيخ ابن تيمية الحجّة والبرهان القاطع على عدم جواز تلك الرواية، وأنّ الحسين عليه السلام لا يمكن أن يصدر منه ذلك تحت أيّ ظرف بعدما صمّم على الأمر بالمعروف والنهي عن منكر وجور يزيد، والوقوف بوجه ظلمه وسلطانه الجائر، فقد ذكر في كتابه منهاج السنة: «وطلب من الحسين يستأسر ليُحمل إلى يزيد مأسوراً، فلم يُجِب إلى ذلك، وقاتل حتى قُتل مظلوماً شهيداً»[26].

والقضية الثانية هي الرواية التي جاءت مدافعة عن يزيد (لعنه الله)، والتخفيف من الإثم الذي ارتكبه، واللوم الذي وقع عليه؛ لما نقل الطبري عن أبي مخنف أيضاً في مقتل الحسين عليه السلام قول يزيد للسبايا لما دخلوا عليه: «لعن الله ابن مرجانة ـ يعني عبيد الله بن زياد ـ فلقد كنت أرضى منه بدون قتل الحسين»[27]، ثمّ طلبه من زوجته هند بنت عبد الله بن عامر بن كريز لما ندبته، ودخلت مجلسه حاسرة الرأس، نائحة على الحسين، سائلة إيّاه عن الرأس، وأن يقمن العزاء في بيته ثلاثة أيام على صريخة قريش[28]، فكان من عجائب القدر أن يُقام أوّل عزاء على الحسين عليه السلام في بيت خصمه وعدوّه من حيث لا يشعر، وليت شعري كم هو مخجل دفاع الرواة عن يزيد بهذا الشكل؟! وهم يظنّون أنّ العقول ترضى وتقبل به، والحقيقة في أقلام كثير من مصنِّفيهم الآخرين، ممّن يعتدّون بهم، مَن يأبى إلا دحض هذا الزيف، وبيان خلاف ذلك، فقد ذكر ابن الجوزي: «ليس العجيب من فعل عمر بن سعد وعبيد الله بن زياد قيامهم برضِّ الصدر الشريف وحرق الخيام وسبي العيال والنساء، وإنّما العجب من خذلان يزيد وضربه بالقضيب على ثنية الحسين عليه السلام، وإعادته الرأس الشريف لبلوغ الغرض الفاسد أفيجوز فعل هذا بالخوارج؟! أَوَ ليس في الشرع أنّهم يُصلّى عليهم ويدفنون»[29]. وإن قبلنا ذلك فكيف نقبل حواراته مع السيدة زينب سلام الله عليها لـمّا أكّد لها في أكثر من مرّة أنّه من حقّه سبيهم واستخدامهم في البيوت، فردّت عليه بكلام أفحمه: «لا، إلّا أن تخرج من ملّتنا، وتُدين بغير ديننا!»[30]، أليس هذا ما يدحض الروايات المدافعة عن يزيد.

والدليل الثالث على بطلان تلك الرواية التي تظهره حزيناً لقتل الحسين عليه السلام هو استشهاده بالأبيات الشعرية التي تقدّمت، والتي أظهر فيها التشفّي من الحسين عليه السلام وجدّه صلى الله عليه وآله، بل كفره بالرسالة المحمدية: «لا خبر جاء ولا وحي نزل...».[31]

لست من خندف إن لم أنتقم

 

 من بني أحمد ما كان فعل(3)

 
 

 والتي أكّد فيها الأحقاد الجاهلية التي غذّاه إيّاها جدّه أبو سفيان الذي لا يبعد موقفه يوم فتح مكّة، وقوله للعبّاس عمّ النبيّ: «أصبح مُلك ابن أخيك عظيماً. فقال له: ويحك يا أبا سفيان! هي النبوّة لا الملك. فقال: أمّا هذه ففي النفس منها شيء»[32]؛ ثمّ موقفه الثاني يوم استخلاف عثمان بن عفان، وقوله لبني أُميّة: «تلقفوها تلقف الكرّة، فو الله، ما من جنّة ولا نار!»[33].

إذن؛ هي الوثنية والنفاق الأُموي الذي ما محاه إسلام، ولا غيّر فيه شيء!!

المبحث الثالث: تزييف المصنِّفين والمتكلِّمين

للمتكلِّمين أُسلوب آخر في محاولة النيل من ثورة الطفّ العظيمة، تلك الثورة التي انتصرت للعدل والحرّية، بذات الوقت هو انتصار لموقع الإمامة الذي حاول الأُمويون إهانته والنيل منه، فتمثّلت مواجهتم لها في بُعدين:

1ـ تخطئة الإمام الحسين عليه السلام بخروجه وبثورته.

2ـ تكذيب كلّ ما ذكرته أقلام الرواة من شواهد تاريخية تثبت إدانة يزيد بشكل مباشر.

ولنحاول الوقوف عند كلّ بُعدٍ، وتناوله بشيء من المنطق والعقل والحجج التاريخية.

البُعد الأوّل: أنّ الحسين عليه السلام أخطأ في نهضته خطأً عظيماً[34]، و«أنّ خروجه هذا رأي فاسد، وأنّ مفسدته أعظم من مصلحته! وقلّ مَن خرج على إمام ذي سلطان إلّا كان ما تولّد من فعله من الشرّ أعظم ممّا تولّد من الخير»[35].

والحقّ أنّ هذا كلام لا يجوز خروجه من أشخاص يدينون بدين الله، بل هو أبعد شيء عن رجل يفقه مناهج الأديان، سيما وأنّ كلامه موجّه لأشرف مخلوق على وجه البسيطة آنذاك، سيِّد شباب أهل الجنّة، وخامس أصحاب الكساء المطهّرين؛ لأنّ ذلك تسفيه لا لشهادة الحسين عليه السلام فحسب، بل لكلّ الأنبياء والصالحين الذين دعوا بدعوة الحقّ، وأكذبوا أُحدوثة سلاطين الجور والظلم، فقُتلوا على أيديهم أبشع قتلة، سيّما النبي يحيى عليه السلام، كما قُتل الحسين عليه السلام. فهل قرأنا أنّ القرآن الكريم وبّخهم وسفّه تضحياتهم، أو وصفها بالفساد؟! أو أنّه اعتذر للسلاطين، وبرّر فعلهم بأنّه حفاظ على الملك والمصلحة العامة، كما يحاول هؤلاء المرتزقة من الكتّاب والمؤلِّفين الاعتذار لمرتكبي جريمة الحسين عليه السلام بقتلهم إياه وآله وأصحابه وسبي عياله وحريمه؟!

وفاتهم في خضم دفاعهم عن يزيد وحزب ـ لما دانوا بفلسفة (الغلبة) للسلطان ـ
أنّ الانتصار للحسين عليه السلام أمانة في أعناقهم قد تركها جدّه رسول الله صلى الله عليه وآله إن كانوا مؤمنين به حقّاً.. وذلك لا يحتاج منّا مجهوداً في ذكر الأحاديث النبويّة الشريفة في فضل الحسين عليه السلام، ومحبّة النبي صلى الله عليه وآله له ولأخيه الحسن عليهما السلام، والوصية بالبر والحبّ لهما خصوصاً، ولأهل بيته عليهم السلام عموماً، فهم القربى الذين أوجب الله تعالى على محبّتهم الأجر بقوله تعالى: (. . . قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ. . .)[36].

لقد ركّز ابن تيمية على اعتماد رواية البغوي لمقتل الحسين عليه السلام، لكن الأخير من جهة أُخرى هو الذي أكّد حديث الصحابي الكبير أنس بن الحارث عن النبي صلى الله عليه وآله: «إنّ ابني الحسين سيُقتل بأرض يُقال لها كربلاء، فمَن شهد منكم ذلك فلينصرهُ»، فنصره وهو معصوب الحاجب بعصابته لكبر سنّه، فنال الشهادة والسعادة[37].

لقد حاول هؤلاء المتكلِّمون أن يعزّزوا أُكذوبتهم وأُحدوثتهم بتخطئة الحسين عليه السلام من خلال استعراض كلمات الناصحين الذين رجوا من الحسين عليه السلام عدم الخروج للعراق، أو على الأقل عدم ترك مكّة[38].

والمفارقة أنّ ما يكشف خداع هؤلاء هو أنّه في مصنّفاتهم وسردهم لأحداث ثورة الطف وكلمات (الناصحين) لا ينقلون ردود الحسين عليه السلام على أولئك الذين حاولوا ثنيه عن عزمه بالخروج، بل لا يذكرون كلامه ابتداءً من مسيرته حتى استشهاده عليه السلام، لتكون الصورة واضحة للقرّاء في معرفة الأسباب الحقيقية لخروج هذا الإمام الثائر على الظلم[39]، والأغرب أنّهم لم ينقلوا إلّا رواية أن يضع يده بيد يزيد[40]؛ لأنّ ذلك يخدم مصالحهم الدنيوية، وهذا هو منهاج التزييف في التاريخ الذي لا يقوم إلّا على بتر الروايات أو حذفها، ثمّ تكذيبها والتذكر لها بعدئذٍ.

البُعد الثاني: تكذيب ما يثبت إدانة يزيد باعتباره المسؤول الأوّل عن قتل الحسين عليه السلام وآله وأصحابه وسبي حريمه وعياله، تكذيب مَن لا يهمّه إلّا الانتصار ليزيد وحزب الشيطان من أتباعه بأيّ ثمن، ولو كان ذلك على حساب دينهم والبوء بإثمهم في الآخرة.

فمثلاً كذّبوا سبي أهل البيت عليهم السلام، ونقل الرأس الشريف إلى يزيد، ونكت الأخير (عليه اللعنة) لثنايا الحسين عليه السلام وتمثّله بالشعر المشهور لابن الزبعرى[41]... ليت شعري لا أعرف كيف اقتنعوا بذلك؟! مع أنّ مَن نقل تلك الفضائع أوثق مصنّفيهم ومؤلِّفي مصادرهم المعتبرة من أصحاب المصادر الأولية، فقد نقل حوادث السبي والسلب ونقل الرأس وتشفّي يزيد: ابن أبي الدنيا، وابن سعد، وابن الجوزي، وابن كثير، وغيرهم[42]، سيّما أنّ ابن تيمية يعتمد كلّ الاعتماد في مصنّفاته سواء أكان رأس الحسين أو منهاج السنّة على ابن سعد وابن أبي الدنيا وابن الجوزي.

لكن يأبى الله إلّا أن يتمّ نوره ولو كره الكافرون، فنرى أنّ هؤلاء يقعون في الخطأ من حيث لا يشعرون، ويظهر للناس زيف ادعاءاتهم بلسان حالهم الذي يدينهم، فابن تيمية من حيث لا يشعر يذكر ويؤكِّد على حمل أهل البيت عليهم السلام إلى يزيد بن معاوية لما حاول أن يُبرّئ ويخفّف من ذنب يزيد؛ وذلك لما أظهر الحزن والجزع لاستشهاد الحسين عليه السلام لـمّا دخلت السبايا عليه، وأنّه طلب من زوجته والموجودين إظهار الحزن والجزع والبكاء على الحسين عليه السلام بقوله: «وإنّ يزيد ظهر في داره الندب لقتل الحسين، وإنّه لـمّا قدم عليه أهله وتلاقى النساء تباكين، وأنّه خيّر ابنه عليّاً بين المقام عنده أو السفر إلى المدينة، فاختار السفر إلى المدينة، فجهّزه إلى المدينة جهازاً حسناً»[43].

فالسؤال الذي يطرح نفسه بعد هذه الرواية: يا تُرى كيف كان مقدمهم على يزيد؟ هل كان باختيار ورغبة منهم في رؤية وجهه، أم حُملوا إليه قهراً، وعلى غير رغبة منهم كما تُحمل السبايا؟!

والدليل نجده في مصادرهم التي يعتمدون عليها، فابن سعد وابن حبان يقولان: «إنّ ابن زياد دعا نصر بن قيس، فبعث معه برأس الحسين ورؤوس أصحابه إلى يزيد»[44]، ولا أعرف كيف يمكنهم تكذيب ذلك والروايات متواترة، وذكرتها كلّ المصادر الأولية والمتأخرة!!

وإن كذبوا ونفوا تلك الروايات، فهل ينكرون بقية الأحداث التي جرت في قصر يزيد أو في مسجد الشام، أو خطبة الإمام السجاد عليه السلام، أو حواره مع يزيد، أو لـمّا طلب أحد الشاميين من يزيد أن يهبه فاطمة بنت الحسين عليه السلام ظنّاً منه أنّهم من سبي الترك أو كابل[45]، فلمّا علم بحقيقة نسبها لعن يزيد، وانضم إلى فريق الإمام السجاد عليه السلام، فما كان من يزيد إلّا قتله (رضوان الله عليه)[46].

والحقيقة أنّ ابن تيمية وأحمد شلبي والخضري وسهيل طقوش، وغيرهم كثيرون، جُبلوا منذ بدايات تكوينهم الثقافي ووعيهم الديني على أنّ يزيد مؤمن، وأنّ بني أُميّة نصروا الإسلام، وأنّ الشيعة كذّابون روافض، فكلّما سمعوا أو قرأوا شيئاً يحطّ من قدر يزيد ازدادوا له حماساً، فكذّبوا بكلّ نقل لأجله، وإن كان في ذلك هلاكهم، حتى كذّبوا أنفسهم وهم لا يشعرون!!

ولا نعلم على أيّ ملّة هم، وما الأساس الذي اعتمدوه في أقاويلهم! فتارة يعتمدون مصادرهم الأولية كابن سعد وابن الجوزي والعماد الإصفهاني، وتارة يكذبونها إن حاول الآخرون تأكيد ذم يزيد، وأنّه ملام بحادثة الطف، بل يجوز لعنه كما ذكر العماد الحنبلي: «وقال التفتازاني في شرح العقائد النسفية: اتّفقوا على جواز اللعن على مَن قتل الحسين، أو أمر به، أو أجازه، أو رضي به. قال: والحق أنّ رضا يزيد بقتل الحسين واستبشاره بذلك وإهانته أهل بيت رسول الله ممّا تواتر معناه، وإن كان تفصيله آحاداً. قال: فنحن لا نتوقف في شأنه، بل في كفره وإيمانه، لعنة الله عليه وعلى أنصاره وأعوانه»[47].

أفبعد هذا تثبت لهم حجّة ويُقام لهم دليل ويعتمد على مصادرهم، وهم أساساً يتخبّطون فيما ينقلون، لا يثبتون على رأي ولا دعامة؟! وهل بعد تلك الحادثة التي لا تُغطّى بغربال يقبل عقل أو يصدق فكر أنّ يزيد بريء من دم الحسين عليه السلام وأصحابه وعياله، وأنّه ليس المسؤول عمّا حصل أثناء وبعد المعركة؟!

النتائج والخاتمة

وفي ختام هذا البحث ومن مجمله يتّضح الآتي:

1ـ لقد كان فضل أبي مخنف (راوي مقتل الحسين عليه السلام) على البشرية والمكتبة العربية عظيماً بنقله وقائع ثورة الطف العظيمة، ولعلّ إرثه وهواه العلوي الممتد من أجداده الأوائل، كمخنف بن سليم وإخوة وأبناء جدّه مخنف، ساعده في ذلك، فقد شارك كلّ هؤلاء في حروب الإمام علي عليه السلام في الجَمَل وصفِّين.

2ـ لم يكن أبو مخنف فقيراً أعمى معاصراً لمعركة الطف، وقد نقل أحداثها وهو جالس بباب مسجد الكوفة كما يُروى على ألسن العامّة، بل كان غنيّاً ومبصراً،  ويفصله عن أحداث المعركة جيلان؛ لأنّ ولادته على الأغلب انحصرت بين السنوات (65- 70هـ).

3ـ حاول الرواة من أصحاب الأقلام المأجورة لمصلحة السلطة الأُمويّة، أو الذين يدفعهم الهوى أو المصالح الذاتية، التقليل من شأن خروج الحسين عليه السلام على الظالم يزيد من خلال محاولتهم دس روايات مفادها أنّه عليه السلام أراد مبايعته، وقد أثبتت الروايات والتحليل التاريخي أنّه من غير المنطقي قبول ذلك وصحته.

4ـ دفاع هؤلاء الرواة والمتكلّمين والمصنفين من أصحاب المصادر التاريخية عن يزيد (عليه اللعنة) وتبرئته من ذنب هذه الثورة، وأنّه لم يكن المسؤول المباشر عن قتل الحسين عليه السلام، ودليلهم على ذلك إقامته لمأتم الحداد عليه في قصره، كلّ هذا مخجل، وكأنّ ذلك يقنع أصحاب العقول، متناسين أنّ الروايات المتواترة الثابتة تثبت خلاف ذلك، سيما وأنّ أحد أسباب خروج الحسين عليه السلام سرّاً من مكّة إلى العراق يوم التروية (8 ذي الحجة) قول الحسين الفصل لما سُئل عليه السلام ما أعجلك قال: «لو لم نعجل لأُخذنا»؛ لأنّ يزيد (عليه اللعنة) أراد قتله سرّاً، فضلاً عن محاولاتهم دفع التّهمة عن يزيد بنفيهم من الأساس كلّ حوادث الطف الأليمة، ابتداءً من رضّ الصدر الشريف إلى ضرب الثنيتين، مروراً بحرق الخيام والسبي.

5ـ لا بدّ لهؤلاء المتكّلمين وهم يدافعون عن يزيد أن ينالوا من الحسين عليه السلام وثورته من خلال تخطئته في الخروج على الحاكم الشرعي المبايع له بالولاية، وأنّ خروجه مفسدة عظيمة؛ لأنّ نفعه أقل من ضرّه، سيما وأنّ الكفّة العسكرية والاستراتيجية كانت راجحة للخصم، وبالتالي لم يكن يتميّز بتقديره للأُمور (وحاشاه عليه السلام من ذلك)، وقد فنّدنا كلّ ذلك بالبحث.

 


[1]* جامعة البصرة /كلية التربية للبنات/ رئيس قسم التأريخ.

[2] اُنظر: ابن الكلبي، هشام بن محمد، نسب معد واليمن الكبير: ج2، ص194. ابن سعد، محمد، الطبقات الكبرى: ج6، ص35. ابن معين، يحيى، تاريخ ابن معين: ج4، ص286، ص367، ص500. البخاري، محمد بن إسماعيل، التاريخ الكبير: ق1، ج4، ص252. ابن قتيبة الدينوري، عبد الله بن مسلم، المعارف: ص537. اليعقوبي، أحمد، تاريخ اليعقوبي: ج2، ص403. ابن أبي حاتم الرازي، عبد الرحمن، الجرح والتعديل: ج7، ص182. ابن النديم، محمد بن أبي يعقوب، الفهرست: ص93. النجاشي، أحمد بن علي، فهرست أسماء مصنفي الشيعة (الرجال): ص245. الطوسي، محمد بن الحسن، اختيار معرفة الرجال: ص57، ص70، ص79، ص279. الطوسي، محمد بن الحسن، الفهرست: ص55. ابن عبد البر، يوسف بن عبد الله، الاستيعاب: ص503ـ504. الحموي، ياقوت بن عبد الله، معجم الأُدباء: ج6، ص220ـ222. ابن الأثير، علي بن أبي الكرم، أسد الغابة: ج4، ص339. الذهبي، محمد بن أحمد، تجريد أسماء الصحابة: ج2، ص713. الذهبي، محمد بن أحمد، المغني في الضعفاء: ج2، ص535. الذهبي، محمد بن أحمد، سير أعلام النبلاء: ج7، ص301 ـ302. الذهبي، محمد بن أحمد، ميزان الاعتدال في نقد الرجال: ج3، ص419. الذهبي، محمد بن أحمد، تاريخ الإسلام وطبقات المشاهير والأعلام: ج6، ص192. الكتبي، محمد بن شاكر، فوات الوفيات: ج3، ص225. ابن حجر العسقلاني، أحمد بن علي، لسان الميزان: ج4، ص492. ابن حجر العسقلاني، أحمد بن علي، الإصابة في تمييز الصحابة: ج3، ص392. الاسترآبادي، محمد بن علي، منهج المقال في تحقيق أحوال الرجال: ص269. المامقاني، عبد الله، تنقيح المقال في أحوال الرجال: ج2، ص43. البغدادي، إسماعيل، هدية العارفين في أسماء المصنفين: ج1، ص841. القمي، عباس، الكنى والألقاب: ج1، ص155. آغا بزرك الطهراني، محمد محسن، الذريعة إلى تصانيف الشيعة: ج1، ص348. بروكلمان، تاريخ الأدب العربي: ج1، ص253. مرجليوث، دراسات عن المؤرخين العرب: ج96. مدني، أمين، التاريخ العربي ومصادره: ج2، ص474. سزكين، فؤاد، تاريخ التراث العربي: مج1، ج2، ص127. جواد علي، موارد تاريخ الطبري: ج1، السنة الأولى (1950)، ص148، ص185، مج8، سنة (1961): ص429.

[3] اُنظر: العصفري، خليفة بن خياط، طبقات خليفة: ص113. القلقشندي، أحمد، نهاية الأرب في معرفة أنساب العرب: ص308، ص387. الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الأُمم والملوك: ج6، ص214. ابن حزم، علي بن أحمد، جمهرة أنساب العرب: ص377. الأسيوطي الشافعي، عبد الرحمن، لب اللباب في تحرير الأنساب: ص184.

[4] اُنظر: ابن سعد، محمد، الطبقات: ج1، ص279، وج6، ص35. ابن قتيبة الدينوري، عبد الله بن مسلم، المعارف: ص737. ابن الأثير، علي بن أبي الكرم، أسد الغابة: ج4، ص339. ابن حجر العسقلاني، أحمد بن علي، الإصابة: ج3، ص392ـ393. القمي، عباس، الكنى والألقاب: ج1، ص155.

[5] اُنظر: اليعقوبي، أحمد بن إسحاق، البلدان: ص310ـ311. البراقي، حسين بن أحمد، تاريخ الكوفة: ص139.

[6] ابن الكلبي، هشام بن محمد، نسب معد واليمن الكبير: ج2، ص194. الدينوري، أحمد بن داود، الأخبار الطوال: ص146. البلاذري، أحمد بن يحيى، أنساب الأشراف: ج2، ص236. الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الأُمم والملوك: ج4، ص521. ابن أعثم الكوفي، أحمد، الفتوح: ج2، ص318. ابن عبد البر، يوسف بن عبد الله، الاستيعاب: ج3، ص503.

[7] المنقري، نصـر بن مزاحم، وقعة صفّين: ص11. ابن أعثم الكوفي، أحمد، الفتوح: ج2، ص449. الذهبي، محمد بن أحمد، تجريد أسماء الصحابة: ج2، ص713. الأمين، محسن، أعيان الشيعة: ج1، ص38، ص48.

[8] ماسينيون، خطط الكوفة: ص73. البراقي، حسين بن أحمد، تاريخ الكوفة: ص143.

[9] المنقري، نصـر بن مزاحم، وقعة صفّين: ص183. الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الأُمم والملوك: ج4، ص57. ابن أبي الحديد، عبد الحميد، شرح نهج البلاغة: ج1، ص575.

[10] الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الأُمم والملوك: ج5، ص261، ص459. ابن الأثير، علي بن أبي الكرم، الكامل في التاريخ: ج4، ص388. فلهاوزن، الدولة العربية وسقوطها، المقدمة.

[11] الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الأُمم والملوك: ج6، ص211 ـ213. ابن الأثير، علي بن أبي الكرم، الكامل: ج4، ص389. ابن كثير، إسماعيل بن عمر، البداية والنهاية: ج9، ص10.

[12] الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الأُمم والملوك: ج6، ص213ـ214.

[13] المصدر السابق: ج6، ص342، ص357ـ359، ص363ـ 368، وغيرها. فلهاوزن، الدولة العربية وسقوطها (المقدمة). الحموي، ياقوت بن عبد الله، معجم الأُدباء: ج6، ص221. الذهبي، محمد بن أحمد، تاريخ الإسلام: ج6، ص162. الذهبي، محمد بن أحمد، سير أعلام النبلاء: ج7، ص301. الكتبي، محمد بن شاكر، فوات الوفيات: ج3، ص225. آغا بزرك الطهراني، محمد محسن، الذريعة إلى تصانيف الشيعة: ج1، ص348. هرنشو، علم التاريخ: ص53.

[14] اُنظر: الخليلي، جعفر، القصة العراقية قديماً وحديثاً: ص26.

[15] المصدر السابق: ص26.

[16] اُنظر أسانيد الروايات عن أبي مخنف في: الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الأُمم والملوك: ج5، ص412، ص414، ص419، ص421، ص438، ص444، ص446، ص447، ص451، ص452، ص456، ص457، وغيرها كثير.

[17] الخليلي، جعفر، القصة العراقية قديماً وحديثاً: ص26.

[18] الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الأُمم والملوك: ج5، ص356، ص409، ص463، ص465، ص467. عبد الرحمن محمود أحمد، عوانة بن الحكم الكلبي (كتابة في التاريخ ومنهجه)، رسالة ماجستير غير منشورة، بغداد، (1988م)، الفصل الأوّل.

[19] الجاثية: آية 23.

[20] ابن الجوزي، عبد الرحمن، الرد على المتعصب العنيد: ص45ـ48. ابن الجوزي، عبد الرحمن، المنتظم في تاريخ الملوك والأُمم: ج5، ص343.

[21] الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الأُمم والملوك: ج5، ص413ـ414.

[22] ابن أبي حاتم الرازي، عبد الرحمن بن محمد، الجرح والتعديل: ق2، ج3، ص182. الذهبي، محمد بن أحمد، تاريخ الإسلام: ج6، ص371. الذهبي، محمد بن أحمد، المغني في الضعفاء: ج2، ص535. الذهبي، محمد بن أحمد، ميزان الاعتدال: ج3، ص420.

[23] الذهبي، محمد بن أحمد، ميزان الاعتدال: ج3، ص419. ابن حجر العسقلاني، أحمد بن علي، لسان الميزان: ج4، ص492.

[24] النجاشي، أحمد بن علي، فهرست أسماء مصنفي الشيعة (الرجال): ص245. الطوسي، محمد بن الحسن، الفهرست: ص155.

[25] اُنظر الروايات التالية:

أ ـ طلب الحسين وابن سعد من أصحابه التنحّي عنهم، وبالتالي لم يسمع أحد ما دار بينهم.

ب ـ طلب الحسين عليه السلام من ابن سعد الانضمام إليه ليحاربا يزيد معاً.

ج ـ رواية عقبة بن سمعان من أنّ الحسين لم يشترط وضع يده بيد يزيد. اُنظر: الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الأُمم والملوك: ج5، ص413ـ414. ابن كثير، إسماعيل بن عمر، البداية والنهاية: ج8، ص190.

[26] ابن تيمية، أحمد بن عبد الحليم، منهاج السنة: ج1، ص164.

[27] الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الأُمم والملوك: ج5، ص460. سبط ابن الجوزي، يوسف بن فرغلي، تذكرة الخواص: ص330ـ331.

[28] اُنظر: المصدر السابق: ج5، ص262ـ265.

[29] ابن الجوزي، عبد الرحمن، الرد على المتعصب العنيد: ص49، ص52، ص53. سبط ابن الجوزي، يوسف بن فرغلي، تذكرة الخواص: ص312ـ313.

[30] الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الأُمم والملوك: ج5، ص461.

[31] ابن كثير، إسماعيل بن عمر، البداية والنهاية: ج8، ص192. سبط ابن الجوزي، يوسف بن فرغلي، تذكرة الخواص: ص331، وأورد قائلاً: «إن صح ذلك من يزيد فقد فسق»، وهو بنص رواياتهم قد صح منه ذلك؛ إذن؛ هو فاسق بقولهم.

[32] الطبراني، سليمان بن أحمد، المعجم الكبير: ج8، ص12. البيهقي، أحمد بن الحسين، دلائل النبوة: ج5، ص34. ابن هشام، سيرة ابن هشام: ج4، ص24. الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الأُمم والملوك: ج2، ص331. ابن كثير، إسماعيل بن عمر، البداية والنهاية: ج4، ص331. ابن عساكر، عليّ بن الحسن، تاريخ مدينة دمشق: ج24، ص449. ابن أبي الحديد، عبد الحميد، شرح نهج البلاغة: ج17، ص269.

[33] البلاذري، البلاذري، أحمد بن يحيى، أنساب الأشراف: ج5، ص9. المسعودي، علي بن الحسين، مروج الذهب: ج2، ص343. أبو الفداء، إسماعيل بن علي، المختصر في أخبار البشر: ج2، ص57. ابن عبد البر، يوسف بن عبد الله، الاستيعاب: ج4، ص179.

[34] دروزة، محمد عزة، الجنس العربي: ج8، ص383ـ384. الخضري بك، تاريخ الأُمم الإسلامية (الدولة الأُموية): ج2، ص130. ابن العربي، محمد بن عبد الله، العواصم من القواصم: ص242ـ244. أحمد شلبي، الدولة الأُمويّة: ج2، ص192ـ202. العش، يوسف، الدولة الأُمويّة والأحداث التي سبقتها: ص167. عبد المنعم ماجد، التاريخ السياسي للدولة العربية: ج2، ص67، ص68، ص71، ص77، ص78.

[35] ابن تيمية، أحمد بن عبد الحليم، منهاج السنة: ج4، ص245.

[36] الشورى: آية 23.

[37] ابن كثير، إسماعيل بن عمر، البداية والنهاية: ج8، ص317. الكليدار، مصطفى، مختصر تاريخ كربلاء: ص43.

[38] اُنظر روايات الناصحين للحسين عليه السلام بعدم الخروج في: الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الأُمم والملوك: ج5، ص382ـ388، والتي اعتمد عليها مرتزقة الأقلام المأجورة لبني أُميّة في مصنّفاتهم، كابن العربي، محمد بن عبد الله، العواصم من القواصم: ص237ـ238. ابن تيمية، أحمد بن عبد الحليم، منهاج السنة: ج4، ص241. الجبري، عبد المتعال، حوار مع الشيعة: ص247.

[39] اُنظر أقوال الحسين عليه السلام في: الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الأُمم والملوك: ج5، ص383، ص386، ص388، ص402، ص407، ص421، ص423، ص424، ص430، ص439، ص446، ص450.

[40] اُنظر: ابن تيمية، أحمد بن عبد الحليم، منهاج السنة: ج4، ص237. أحمد شلبي، الدولة الأُموية: ج2، ص198. العش، يوسف، الدولة الأُمويّة والأحداث التي سبقتها: ص170، وغيرهم.

[41] اُنظر: ابن تيمية، أحمد بن عبد الحليم، منهاج السنة: ج4، ص251ـ252، ص256.

[42] ذكرنا تلك المصادر في الهوامش السابقة ومنها: الجوزي، عبد الرحمن، الرد على المتعصب العنيد: ص45ـ47. ابن كثير، إسماعيل بن عمر، البداية والنهاية: ج8، ص209ـ222. الذهبي، محمد بن أحمد، تاريخ الإسلام: ج5، ص 18ـ 19، وغيرها كثير.

[43] ابن تيمية، أحمد بن عبد الحليم، رأس الحسين: ص207. ابن تيمية، أحمد بن عبد الحليم، منهاج السنة: ج4، ص241، ص256. الجبري، عبد المتعال، حوار مع الشيعة: ص255.

[44] ابن الجوزي، عبد الرحمن، الرد على المتعصب العنيد: ص49ـ50. ابن حبان، محمد، الثقات: ج2، ص312ـ313. الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الأُمم والملوك: ج5، ص459، إلّا أنّه جعل حامل الرؤوس زجر بن قيس، وهو الأرجح.

[45] اُنظر: الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الأُمم والملوك: ج5، ص459ـ465.

[46] اُنظر: الطبري، محمد بن جرير، تـاريخ الأُمم والملوك: ج5، ص462. المقرم، عبد الرزاق، مقتل الحسين عليه السلام: ص328. العلي، كفاية طارش، ردود الأفعال الشعبية للمجتمع الكوفي والشامي أثناء وبعد الطف وانعكاساتها السياسية على الدولة الأُموية، مجلة دراسات تاريخية، العدد تحت الطبع: ص9.

[47] ابن العماد، عبد الحي بن أحمد، شذرات الذهب: ج1، ص68ـ69. سبط ابن الجوزي، يوسف بن فرغلي، تذكرة الخواص: ص265.

 
 
البرمجة والتصميم بواسطة : MWD