1439 / ربیع‌الاول / 5  |  2017 / 11 / 24         الزيارات : 483686         صلاة الصبح |         صلاة الظهر والعصر |         صلاة المغرب والعشاء |

البناء الفكري التربوي عند الإمام الحسين عليه السلام.. دراسة في التأثير والتأثر

{ أ. م. د. نعمة عبد الصمد الأسدي/ أ.م. د. محمد كاظم الفتلاوي }
البناء الفكري التربوي عند الإمام الحسين عليه السلام.. دراسة في التأثير والتأثر

مقدّمة[1]

إنّ الأُمّة الإسلامية في هذه الآونة إن كانت فقدت التقدّم التقني، فإنّها تملك المنهجَ الربانيّ الأقومَ المتمثِّل بنصوص القرآن المجيد، الذي يُعيد لها مكان الصدارة والريادة. ومحور ارتكاز الشهود الحضاري ينبثق من الأخلاق، ونتائج ذلك لا تأتي في يوم وليلة، بل تحتاج إلى مجاهدة وصبر والتزام حقيقي.

والإمام الحسين عليه السلام مصباح الإنسانية الباهر الذي أضاء بالنور في ليل من لياليها الحالكة؛ ليصنع لها نهارها المشرق الوضّاح، وما ذاك إلّا لارتباطه الوثيق بالمصدر الإلهي وينبوع الحياة القرآن المجيد؛ ولهذا كان هذا البحث في بيان ذلك التأثّر العظيم في نهج الإمام عليه السلام، والأثر البالغ للقرآن العظيم فيه، وليكون في ذلك دلالة دامغة على الترابط والكينونة الواحدة بين الثقلين العظيمين: (القرآن الكريم والعترة المطهرة)[2].

وتكمن أهمّية هذا البحث في بناء الشخصية المتوازنة التي تجمع بين مكوّنات التربية الإسلامية، وتوازن بين الأُصول والقوانين الثابتة لهذه التربية، وبين ما أنتجته المعاصرة والحداثة؛ ممّا تسبّب باختلال حركة الأُمّة، وانحرافها نحو تيارات الفكر التربوي الغربي وتقليده ونسيان الذات؛ ممّا طبع تربيتها بالجفاف الروحي، وطبع مجتمعنا بالتمزّق الداخلي والاضطراب الخُلقي والتبعية الفكرية؛ ممّا أدّى إلى تغريب الإنسان المسلم وتشويه فكره وروحه.

وقد كان منهج البحث الذي اعتمده الباحثان هو المنهج التحليلي، مضافاً إليه سائر المناهج البحثية بحسب ما يقتضيه مقام البحث، مع التعويل في فهم نصوص القرآن الكريم وتوجيهها على المصادر التفسيرية وذلك التزاماً بعنوان البحث.

أما خطة البحث، فكانت من مقدّمة ومطلبين، الأوّل منهما كان عن نصوص في القرآن الكريم توضِّح منهج القرآن الكريم في البناء التربوي، والذي كان بعنوان: (الأثر القرآني في بناء الفكر التربوي للإمام الحسين عليه السلام).

وأمّا المطلب الثاني، فقد كان عن الملامح الفلسفية العملية التي تجلّت في سنّة الإمام الحسين عليه السلام (التقريرية والقولية والعملية)، وبعنوان: (بعض جوانب الفلسفة التربوية للإمام الحسين عليه السلام)، متلواً بخاتمة وقائمة بالمصادر.

المطلب الأول: الأثر القرآني في بناء الفكر التربوي للإمام الحسين عليه السلام

تساهم التربية مساهمةً فعّالةً في تخطيط وتشكيل وصنع شخصية الفرد، وتحديد صيغتها، فشخصيّة الفرد ـ في غالب الأحيان ـ هي نتاج صُنع المربّي وصورة جهوده.

فالاستعدادات والقابليات الإنسانية تُولد وهي طاقة حرّة غير متكيّفة، ولا متشكّلة، فتتناولها يد المربّي، أباً كان أو أُمّاً أو معلِّماً، فتتصرّف بها، وتعمل على تشكيلها وتخطيط بُنيتها وفق قيم وأهداف تربوية فكرية محدّدة؛ لذلك نشاهد الدول والأحزاب والمنظّمات تحرص على توجيه وتربية الأفراد والجماعات تربية خاصّة ووفق منهج خاص.

ولقد جاءت رسالات الأنبياء ومناهج الرسل عليهم السلام كلّها للبناء الفكري التربوي، ورسم منهاج الإعداد وتربية الذات لشخصية الإنسان.

إذا ما علمنا أنّ التربية هي: «النشاط الفردي والاجتماعي الهادف إلى تنشئة الإنسان فكرياً وعقلياً ووجدانياً وحسِّياً وجمالياً وخُلقياً، وتزويده بالمعارف والاتّجاهات والقيم والخبرات اللّازمة لنموه نمواً سليماً طبقاً لأهداف الإسلام»[3].

ونصوص القرآن الكريم حافلة بهذا النهج البنائي للإنسان، وهو ما سوف نلحظه من دور مميّز في تكوين الشخصية المتّزنة ـ وخصوصاً أثر الأُسرة القرآنية في بناء الإنسان، وفي شخصية الإمام الحسين عليه السلام وفكره الرسالي[4] ـ وهو محل البحث، ومن ذلك نلحظ أنّ العناية القرآنية في بناء الإنسان تبدأ منذ مرحلة الطفولة داخل الأُسرة، فهذه المرحلة التي فيها تشكيل الذات والشخصية[5].

لذلك جاء تأكيد القرآن المجيد صريحاً على العناية بتربية النفس والأهل والأبناء، بقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ . . .) [6]، وذلك أنّ «المؤمن مكلّف هداية أهله، وإصلاح بيته، كما هو مكلّف هداية نفسه وإصلاح قلبه»[7]؛ إذ إنّ البيت الواحد قلعة من قلاع العقيدة، ولا بدّ أنّ تكون القلعة متماسكة من داخلها حصينة في ذاتها، والآية المباركة تربِّي الإنسان المؤمن على «أن يتّجه بالدعوة، أوّل ما يتّجه إلى بيته وأهله، واجبه أن يؤمِّن هذه القلعة من داخلها، واجبه أن يسدّ الثغرات فيها قبل أن يذهب عنها بدعوته بعيداً»[8].

وتُترجم السنّة النبوّية هذا المحتوى القرآني، وتؤكِّد أنّ التربية الصالحة حقّ للولد على الوالد، فقد رُوي عن الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام أنّه قال: «جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وآله فقال: يا رسول الله، ما حقّ ابني هذا؟ قال صلى الله عليه وآله: تحسن اسمه وأدبه، وضعه موضعاً حسناً»[9].

ولقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله يوصي بحبّ الصبيان وتقبيلهم ومداعبتهم، وكان هو نفسه يقبِّل ابنته فاطمة سلام الله عليها، وابنيها الحسن والحسين عليهما السلام، ويداعبهما ليملأ نفس الصبي بالحبّ والحنان، ويُبعد عنها عقدة الكراهية والقسوة والنفور، فيشبّ الصبي سليم النفس، سويّ السلوك، نظيف القلب.

فشخصية الإنسان تبدأ التشكُّل من خلال التأثّر بالواقع الأُسري، والجو الفكري والتربوي الذي يحيط به، والإمام الحسين عليه السلام عاش في كنف مُعلِّم الإنسانية الأوّل الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله، وقد أولاه عنايته الخاصّة ورعايته منذ صغره، فكان نهج الإمام عليه السلام في فكره وسلوكه نهج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلوكه القرآني.

وذلك أنّ النبي الأكرم صلى الله عليه وآله يؤكّد في حديث آخر أهمّية التربية ودورها في البناء الفكري وفي تكييف الملكات والاستعدادات الفطرية، وأثرها في بناء الشخصية بقوله: «كلّ مولود يُولد على الفطرة، فأبواه يُهوّدانه، أو ينصّـرانه، أو يُمجِّسانه»[10].

ولأهمّية هذه النشأة وأثرها في نفس الطفل داخل الأُسرة، ما نلحظه في وصية الإمام علي عليه السلام لابنه الحسن عليه السلام، فنشاهده واضحاً ومتجسِّداً وهو يخاطب ابنه بقوله: «...وإنّما قلب الحدث كالأرض الخالية ما أُلقي فيها من شيء قبلته، فبادرتُك بالأدب قبل أن يقسو قلبُك ويشتغل لبُّك...»[11].

فنفس الطفل وعقله واستعداداته ـ إذن ـ قابلة للنمو والتوجيه الذي تتلقّاه، خيراً كان أو شرّاً، كما تتقبّل الأرض البذرة، فتنمو في رحابها، بغض النظر عن خبثها أو طيبتها، ومن المعلوم بداهة دور القرآن المجيد في بناء فكر الإنسان، فالتربية الأُسرية القرآنية ذات أهمّية بالغة في بناء الشخصية الإنسانية، وتكوين اتّجاهها.

كما ونلحظ أثر القرآن المجيد على المجتمع من خلال ذلك البناء القيمي الذي يُنمِّي في الإنسان الفرد إيقاظ الشعور بالمسؤولية تجاه الآخرين، وذلك من خلال تأكيد القرآن الكريم على مسؤولية الإنسان تجاه نفسه وغيره، قال تعالى: (وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ)[12]. فالإنسان مسؤول عمّا كان تحت تصرّفه وقادراً على إحداث تغيير فيه ونفعٍ، فـ«في ذلك اليوم يتمّ السؤال عن كلّ شيء، عن العقائد وعن التوحيد والولاية، وعن الحديث والعمل، وعن النعم والمواهب التي وضعها الله سبحانه وتعالى في اختيار الإنسان»[13]، وكيف كان موقفه اتّجاهها، ومن ذلك موقف الإنسان اتّجاه الآخرين وهدايتهم إلى سواء السبيل.

ومن ذلك ما نلحظه في السنّة الشريفة، قول الرسول الأكرم  صلى الله عليه وآله: «ألا كلّكم راعٍ وكلّكم مسؤول عن رعيّته...»[14]. ويقول أمير المؤمنين علي عليه السلام: «اتّقوا الله في عباده وبلاده، فإنّكم مسؤولون حتى عن البقاع والبهائم»[15].

والإمام الحسين عليه السلام ـ وهو ابن الدوحة المحمدية والنشأة القرآنية ـ كان واضحاً فيه الأثر القرآني وهو عِدْل القرآن، فكان في خروجه على النظام الحاكم، جزءاً من مسؤوليته في الإصلاح، الإصلاح الذي «يجعل الله تعالى مصدراً للسلطة الوحيدة في جهاز ذلك الحكم، ويعتبر الشعوب عياله وشعبه ويقيم الإمام أميناً على تنفيذ قوانينه، وحارساً لأحكامه ومسؤولاً بين يديه، يوزع على ضوء تلك القوانين حقوق الحياة السواء بين إخوانٍ في الدين والإنسانية، وقد أعطى سيد الشهداء عليه السلام صورة رائعة عن ذلك في قوله: فَلَعَمري ما الإمام إلا الحاكم بالكتاب، القائم بالقسط، الدائن بدين الحق، الحابس نفسه على ذلك»[16].

وكنظرة مقارنة، نجد أنّ المذاهب الاجتماعية الوضعية، بُنيت على أساس المسؤولية الفردية في هذه الحياة فحسب، وتأييدها بمؤيِّدات قانونية كحجز الحرية، أو التعذيب، أو التغريم المالي، أو العزل عن الوظيفة، أو التسـريح عن العمل، أو المكافأة بالمال، أو الترقية في الوظيفة... وما إلى ذلك، وبمؤيِّدات اجتماعية كالثقة أو حجبها، والتقدير أو التحقير.

أمّا المذهب القرآني، فلا يقتصر على مسؤولية الفرد أمام المجتمع الذي يعيش بين ظهرانيه في هذه الحياة، وإنّما يُنمِّي في الفرد المسؤولية العظمى أمام الخالق العظيم في حياة أُخرى، وحينئذٍ يدفعه إلى التحديد الذاتي أو الطوعي لرغباته، والشعور الاجتماعي نحو غيره، بغض النظر عن القانون أو العرف أو الضمير، لأنّ الضمير قد يعجز عن مواجهة الغرائز عند فقدان العقيدة الدينيّة، كما أنّه ليس من الميسور توفير الرقابة الاجتماعية في كلّ مكان وبصورة دائمة، وعليه فإنّ هذه الرقابة الداخلية لا توجد في غير العقيدة الدينيّة.

كما أنّ الدعوة لدين الله ليست حرفة ولا مهنة، وإنّما يقوم بها مَن يرى نفسه أهلاً لها لوجه الله وحده، ولمصلحة الإنسانية دون غيرها.

وكذلك كانت آثار العقيدة الدينيّة في فكر الإمام الحسين عليه السلام، يقول المفكّر عباس محمود العقاد: «إنّ مسألة العقيدة الدينيّة في نفس الحسين لم تكن مسألة مزاج أو مساومة، وأنّه كان رجلاً يؤمن أقوى الإيمان بأحكام الإسلام، ويعتقد أشدّ الاعتقاد أنّ تعطيل حدود الدين هو أكبر بلاء يحيق به وبأهله وبالأُمّة العربية قاطبة في حاضرها ومصيرها، لأنّه مسلم، ولأنّه سبط محمد... فمَن كان إسلامه هداية نفس، فالإسلام عند الحسين هداية نفس وشرف بيت»[17].

وقد تجلّى مفهوم الرقابة الذاتية في فكر الإمام الحسين عليه السلام واضحاً في دعائه المعروف في يوم عرفة، إذ قال: «متى غبتَ حتى تحتاج إلى دليل يدلّ عليك، ومتى بعُدت حتى تكون الآثار هي التي تُوصل إليك، عميت عينٌ لا تراك عليها رقيباً»[18]. وواضح أنّ هذه الرقابة لا يمكن أن تتحقق في غير الأثر القرآني، وليس من شأن القيم والمفاهيم المجرّدة الميتة التي يؤمن بها الإنسان أن تعي تصرفات الناس، وتراقب حركاتهم وتصرفاتهم، وتحاسبهم على ذلك.

إذن؛ تعمل القيم القرآنية على بناء حياة الإنسان من خلال تقديم الخير وبذل التضحية ومقاومة الانحراف؛ لأنّها ربّانية المصدر، والإيمان بها يستلزم العمل بها؛ لأنّها ضوابط وحوافز بين الإنسان وربّه، وبين الإنسان ونفسه، وبين الإنسان والإنسان[19]، ولا شك في أنّ القيم المستمدّة من الأديان السماوية تُعتبر السبيل إلى توجيه الإنسان إلى الخير العام.

والقيم القرآنية تسمو بالفرد وترفعه فوق المادّيات الحسّية، من مستوى الحيوانية إلى مستوى الإنسانية الرفيعة بكلّ ما فيها من مُثُل ومبادئ ومعايير ومشاركة وجدانية، وهي في الوقت نفسه تُعتبر عاملاً هامّاً وفعّالاً في ربط أفراد المجتمع بعضهم ببعض، وتوحيد وجهتهم، ومساعدتهم على تحديد هدفهم، والسعي الجاد للوصول إليه، هذه حقيقة واضحة إذا أمعنا النظر في حكمة هذه القيم والمعاني الكبيرة التي تحملها، وهي واضحة في كثير من النصوص القرآنية، ولا يمكن تحقيق السعادة من دون اتّخاذ هذه القيم طريقة ومنهجاً في الحياة الفردية والاجتماعية معاً[20].

فبالتأثر بهذه القيم القرآنية يكون بناء «الروح الرائعة التي لا يدخل شيء من أشياء هذا العالم المحدود في حسابها، ولا ترى بعد الظفر بالجانب الإلهي جانباً آخر يخشى فواته، أو يؤمل إدراكه؛ لأنّ المحدود ليس إلّا لمعة لذلك الوجود غير المحدود»[21].

إذن؛ التربية الإسلامية وبنظرة موضوعية في مناهجها وموضوعاتها الإلهية والبشـرية «تحقّق جانبي القيمة الظاهرية والباطنية، فهي تُعنى بسلوك الفرد مع نفسه ومع الناس، وتحثّه على أداء العبادات، وعلى طهارة القلب والنفس والجوارح، وتمنحه الوازع الذي يدفعه إلى التضحية والفداء والصبر، وتقترب به في مثاليتها إلى جوانب الحق والخير والجمال، وتصل به في بعض مواقفها إلى سمو يرفعه فوق تُرابيّته، ويدنيه من عالم الروح، فهي إذن تربية تنشد الوصول إلى الخلق الكامل عند الفرد المسلم، وتساعده بهذا البناء الخلقي على الاهتمام بالجسم والعقل والعمل»[22].

والتربية الإسلامية نمط خاص من التربية يتعهد المسلم بتغذيته روحياً، وتُنمّي فيه العواطف الإنسانية، والمشاعر الخلقية[23].

وإذا أردنا أن نوضِّح بالأمثلة حقيقة كون القيم القرآنية ذات أثر تربوي تُمثّل المعاقد التي تُعقد بها الروابط الاجتماعية والفردية، فقد تواردت علينا أمثلة كثيرة جداً. وبما أنّ الصلاة من أهم أهداف حركة الإمام الحسين عليه السلام ونهضته ـ إذ لم يكن مؤدياً لها فحسب، بل مقيماً لها، وفي أضنك الظروف[24]ـ فسوف نتّخذ منها مثلاً من أمثلة القيم القرآنية وبيان أثرها ـ بحسب جهد الباحث ـ على الشخصية الإنسانية، وقد علمنا سلفاً معنى التربية، واتّضح أنّها مجموعة المؤثّرات المعينة التي تمتد إلى إحداث تغييرات لدى الأفراد، حتى يكتسبوا سمات الشخصية التي نتّفق على اعتبار أنّها قد تزودت بالخصائص التربوية[25].

وأقول: لا يصل صاحب الأخلاق إلى هذه الدرجة إلّا بعد المرور بمرحلة من تربية النفس نحو الفضائل، وتنحيتها عن الرذائل؛ لأنّ العلاقة بين الأخلاق والتربية هي العلاقة بين النظرية والتطبيق. فالأخلاق الفاضلة ـ من عفو وحلم وعزّة وسخاء ـ
علم نظري راقٍ، والتربية تعويدُ النفس على هذه الأخلاق حتى تصبح سجية.

إذ لا يكتمل إسلام المرء إلّا بامتزاج التشريعات بالأخلاق، كامتزاج الروح بالجسد، فلا يُكتفى بالعقيدة والعبادة وتُهجر التربية والأخلاق، وقد جمع الله عز وجل كلّ ذلك في قوله تعالى: (بَلَىٰ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّـهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ)[26].

إنّ ما بين التشريعات والجوانب الأخلاقية والتربوية من تعاضد وتكاتف كما بين لحمة النسيج وسداه، لا يتم الفصل بينها، فإنّ المسلم الحق هو الذي ملأت أخلاقه جميعَ جوانب حياته في عقيدته وعبادته ومعاملاته؛ إذ «لا يغني إسلام القلب وحده ولا العمل بدون إخلاص، بل لا نجاة إلّا بهما»[27].

وفي موضوع الصلاة في القرآن الكريم وأثرها على الإنسان، نلحظ في قوله سبحانه: (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا. . .)[28]. ووجه الدلالة من هذه الآية: أنّ الصلاة التي هي جزء في سلوك الإنسان اليومي تحتاج إلى صبر، وهذا يؤكّد مكانتها وعظمتها، فكل ما يتعلق بالأخلاق والسلوك التربوي كذلك، فقد اقترنت عبادة الصلاة بالقول الحَسَن، فقال تعالى: (. . . وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ. . .)[29].

فينبغي أن يكون المصلّي متعاهداً نفسه لتربيتها على القول الحسن، وليس القول الحسن خاصاً بالمؤمنين فقط، بل لجميع الخلق مؤمنهم وكافرهم، فقد ذكر النيسابوري نقلاً عن أهل التحقيق: أنّه على العموم، وذلك أنّ كلام الناس مع الناس في الأُمور الدينيّة إن كان بالدعوة إلى الإيمان وجب أن يكون بالرفق واللين، كما قال الله تعالى لموسى عليه السلام: (فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ)[30]، وقال لنبينا محمد صلى الله عليه وآله: ( . . . وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ. . . )[31]. وإن كان بالدعوة إلى الطاعة كدعوة الفسّاق، فحُسنُ القولِ أيضاً معتبر، قال تعالى: (ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ)[32]، وقوله تعالى: (ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ)[33]. وأمّا في الأُمور الدنيويّة فمن المعلوم أنّه إذا أمكن التوصّل إلى الغرض باللطيف من القول لم يُعدل إلى غيره، وما دخل الرفق في شيء إلّا زانه، وما دخل الخرق في شيء إلّا شانه، فثبت أنّ جميع آداب الدين والدنيا داخل تحت هذا القول[34].

ولنتأمّل في ذلك قوله تعالى: (وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ ﴿٣﴾ وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ﴿٤﴾ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ[35].

فمع أنّ الصلاة قرينة الزكاة في أغلب آيات القرآن، لكن في هذا الموطن لما كانت السورة تحمل في اسمها أسمى ما يتّصف به المرء (المؤمنون)، فقد مزجت التشريعَ بالأخلاق، فأتبعت الصلاةَ بخُلق الإعراض عن اللغو.

من هذا المنطلق؛ وجب على حامل القرآن أن يتدبّر في كلام الله عز وجل، حتى يكون أُنموذجاً يُحتذى، وخليفة لله في أرضه، عفّ اللسان، طاهر اليد، نظيف القلب.

تؤثّر الصلاة تأثيراً إيجابياً فتجعل صاحبها يعي ما يتكلّم به، بحيث يكون عقله قبل لسانه، فلا يلغو ولا يفحش، وإذا سمعه يعرض عنه، (وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ)[36]. وعن معنى اللغو يقول ابن منظور: «اللغو واللغا: السقط وما لا يُعتد به من كلام وغيره، ولا يحصل منه فائدة ولا نفع؛ لقلته أو لخروجه على غير جهة الاعتماد من فاعله»[37].

وقال الراغب: «هو ما لا يُعتد به، وهو الذي يرد لا عن روية وفكر، فيجري مجرى اللغا، وهو صوت العصافير، وقد يُسمّى كلّ كلام قبيح: لغواً»[38].

وفي التعبير بـ(مُعْرِضُونَ) يفيد أنّهم على هذه الأخلاق في عامّة أوقاتهم ـ أي: تربّوا على ذلك ـ كما يُنبئ عنه الاسم الدالّ على الاستمرار، فيدخل في ذلك إعراضهم عنه حال اشتغالهم بالصلاة دخولاً أولياً، وإقامة الإعراض مقام الترك؛ ليدل على تباعدهم عنه رأساً مباشرة وتسبباً وميلاً وحضوراً[39]، ومَن ثمّ إذا «كانوا معرضين عن اللغو المحرّم من بابٍ أَولى وأحرى»[40].

ونرى أن الصلاة مقترنة بتطهير النفس من براثن الفواحش والمنكر، قال تعالى: (اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ  إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ)[41].

ومن التطبيقات العملية لهذه الآية ما رواه أنس بن مالك قال: «كان فتى من الأنصار يصلّي مع النبي(صلّى الله عليه وسلّم) ولا يدع شيئاً من الفواحش والسرقة إلّا ركبه، فذُكر للنبي (صلّى الله عليه وسلّم)، فقال (صلّى الله عليه وسلّم): إنّ الصلاة ستنهاه. فلم يلبث أن تاب، وصلحت حاله، فقال رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم): ألم أقل لكم»[42].

ونلحظ أيضاً أنّ القرآن الكريم حينما عرض للصلاة وهو يبرز أهدافها، عرض لها من جهات متعددة، فقد عرض لها في موضع على أنّها من أوصاف المتّقين الذين ينتفعون بهذا الكتاب الكريم، والذين كانوا بتلك الأوصاف على هدى من ربّهم وكانوا هم المفلحون، قال تعالى: (ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ * أُولَـٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُولَـٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) [43]. فتعميق الصلاة لهذه الصفات لكونها «خطاً روحياً مباشراً بين الإنسان وبين الله»[44].

وعرض لها مرّة على أنّها عنصر من عناصر البرّ والحقّ الذي رسمه الله لعباده ودعاهم إليه، وجعله عنواناً على صدقهم في الإيمان، وعلى أنّهم المتّقون، قال تعالى: ( لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَـٰكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّـهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَـٰئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَـٰئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ)[45]. فـ«الإيمان وإقامة الصلاة هما منبع الفضائل الفردية؛ لأنّهما ينبثق عنهما سائر التحليات المأمور بها»[46].

وعرض لها على أنّها سبيل يؤهل القائمين بها أن يتآخوا في الدين ويتقرّر لهم ما تفرضه الأُخوّة من حقوق وواجبات، قال تعالى: (فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ)[47]. فنلحظ أنّ المشركين بمجرّد الإتيان بهذه الصلاة وإقامتها مع الركن الآخر، يكونوا إخوان المسلمين على الرغم من العداوة السابقة، فهذا «نص في أنّ أُخوّة الدين تثبت بهذين الركنين، ولا تثبت بغيرهما من دونهما... وهل يتعارف الإخوان في الدين إلّا بإقامة الصلوات في المساجد وسائر المعاهد»[48]، فهي عنوان للأُخوّة في المجتمع.

كما عرض لها على أنّها عنوان للتمسّك بالكتاب وسبيل للحصول على أجر المصلحين، قال تعالى: (وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ)[49]. إلى غير ذلك من المواطن التي تقرّر أنّ المقيم للصلاة كما أرادها الله، والمتفاعل معها، إنسانٌ تتحقّق فيه العناصر المكوّنة لشخصية الإنسان المؤمن، وإذا وُجِدت هذه الشخصية المؤمنة داخل المجتمع فإنّها بالطبيعة تندفع نحو الخير والترابط والتعاون؛ إذ الإيمان الذي تؤسّس له الصلاة وتثبّته يتعامل بأوامر الإسلام القاضية بلزوم أُخوة مَن يتماثل معها في الدين والعقيدة.

وبكلمة، إنّ من فضل الله على البشرية أنّه لم يتركها هملاً، تخبط خبط عشواء، فتهيم على غير هدى، بل وضع لها منهاجاً شاملاً قويماً في تربية النفس، وتنشئة الأجيال، وتكوين الأُمم، وبناء الحضارات، يقول ربّ العزّة في محكم آياته: (إِنَّ هَـٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا)[50].

ولعلّ المتأمّل للحالة الراهنة للأُمّة الإسلامية، يجد أنّها في أمسّ الحاجة إلى منهاج تربوي يعمل على تقويمها وإصلاحها، ليخرجها ممّا وقعت فيه من ضعف نفسي، وأزمات فكرية، وانحرافات أخلاقية، وفساد اجتماعي، زلزلت كيانها وأدّت إلى تراجعها وتخلّفها، والتربية القرآنية «حتماً هي الوسيلة لذلك الصلاح؛ لأنّها البوتقة التي ينصهر فيها الرجال الذين يقودون الإصلاح»[51]. فالمسلمون يجب أن يُدركوا أنّ دينهم ليس مجرّد مجموعة من الآيات والنصوص يترنّمون بتلاوتها من دون وعي أو تدبّر، وأن يُدركوا ذلك الدور الفكري التربوي لمنهج القرآن الكريم، وما يحويه من قيم ومبادئ وأبعاد تربوية عظيمة، إذ بتوجيهات القرآن المجيد كان قد تجلى للبشـرية رجالٌ عظماء، عمالقة في الفكر والرأي في شتّى المجالات؛ لأنّهم التزموا صراط ربِّهم المستقيم ومنهجه القويم، يستقون من معينه، ويستضيئون بنوره، وينهجون في التربية نهجه، ومنهم عِدل القرآن وترجمانه الواقعي، العترة الطاهرة من آل محمد صلى الله عليه وآله، والإمام الحسين عليه السلام ـ محل البحث ـ.

ومن ثَمّ نعلم يقيناً «بأنّ النصوص وحدها لا تصنع شيئاً، وأنّ المصحف وحده لا يعمل على صنع الرجال، وأنّ المبادئ وحدها لا تعيش إلّا أن تكون سلوكاً ملموساً»[52]؛ لذلك فإنّ التربية الناجحة هي التي تصوغ من فكر الإسلام شخوصاً، وتجعل إيمانهم بالإسلام عملاً، وهم الذين يطبقون المنهج القرآني بالقول والفعل كما وصفهم ربّهم عز وجل في قوله: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّـهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ)[53]، فالقرآن الكريم يدعو إلى صياغة إنسان «بعيداً عن الهوى، والضلالة، والخرافة، وفي كلّ المجالات: السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والتربوية و... وبالتالي فهو ينسّق بين سعي الإنسان من جهة، وبين فطرته والطبيعة من حوله، والتاريخ وسنته من جهة أُخرى»[54].

والمستقرئ لنصوص القرآن الكريم والمتدبِّر لآياته ومعانيها، يجدها توجّه الأُمّة إلى الاستقامة على منهج الله سبحانه وسنّة المعصوم في مواضع متعدّدة، منها قوله تعالى: (وَأَنَّ هَـٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)[55]. فنلحظ أنّ المنهج القرآني في البناء الفكري لا يحدّد أمراً معيّناً من شؤون الإنسان وبنائه أو فعل خاص من أفعاله، ويقتصـر عليه بناؤه دون غيره، بل الطريق واحد لجميع شؤون الإنسان، فالآية في مضمونها منهج «تشمل كلّ حياته، إنّها دعوةٌ لتحديد الطريق التي يسلكها على أساس الهدف الذي يستهدفه، فإذا كان الله هو هدف وجوده في ما يريد أن يبلغه من رضوانه ويصل إليه من جنته، فإنّ هناك طريقاً واحداً يصل به إلى هذا الهدف لا يوجد غيره، ولا سبيل سواه، وهو الطريق المستقيم الذي يبدأ من الإيمان بالله وينتهي بنيل رضاه»[56].

وفي موضع آخر، نجد الحثّ القرآني على الاستقامة، لنصل بالتالي إلى بناء فكر جامع لمعاني التربية وقيمها، قال تعالى: (فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ)[57]. فنلحظ هنا الأمر الإلهي للنبي صلى الله عليه وآله ولـمَن اتّبعه من المؤمنين بالتزام الاستقامة بما تحمل هذه المفردة من معاني الاعتدال، والمضـي على النهج من دون انحراف. والإنسان الذي يروم حياة قرآنية يكون «في حاجة دائمة إلى اليقظة الدائمة، والتدبّر الدائم، والتحرّي الدائم لحدود الطريق، وضبط الانفعالات البشرية التي تميل الاتجاه قليلاً أو كثيراً... ومن ثَمّ فهي شغل دائم في كلّ حركة من حركات الحياة»[58]، ومجالاتها الواسعة، لتحقق واقع يعيش مبادئ القرآن الكريم وما أراده من منهج مستقيم يصل بالإنسان إلى سعادة الدارين.

المطلب الثاني: بعض جوانب الفلسفة التربوية للإمام الحسين عليه السلام

يُنظر للفلسفة حديثاً بأنّها المجهود المنظّم من قِبَل الإنسان لجعل الحياة ذات معنى، ويشير(Finney) بأنّ الفلسفة هي ذلك العمل العقلي الذي يهدف الى تكوين المعتقدات حتى تتميّز بدرجة عالية من الاحتمال. وتتميّز الفلسفة بميزات، منها: اتباعها منهجاً للكشف عن المبادئ والحقائق والفروض، واهتمامها بالدراسة التحليلية للمفاهيم والقواعد، و«قد ارتبطت الفلسفة بالتربية بعلاقة وثيقة؛ لأنّ التربية تهتمّ بالخبرة الإنسانية ونقلها من جيل إلى آخر؛ لذا يمكن القول: بأنّ فلسفة التربية هي تطبيق الطريقة الفلسفية في مجال الخبرة الإنسانية في الحياة»[59].

وحظيت الفلسفة التربوية الإسلامية باهتمام واسع؛ لما تميّزت به من نظرتها للإنسان ببُعديه الروحي والمادي، ولما لها من غايات ووظائف، فلا بدّ أن تُشتق من العديد من المصادر و«أن يُراعى في بنائها العديد من العوامل على أن تُربط هذه العوامل، والمصادر جميعاً بمصدر الإسلام وما يتضمّنه من عقائد صحيحة تقبلها العقول السليمة والفطرة البريئة، وتطمئن لها النفوس الصافية من كلّ غش ودنس، وما يشتمل عليه من مبادئ وتشـريعات تُنظّم علاقات الإنسان بربّه وبكلّ ما في هذا الكون الواسع من عناصر مادّية ومعنوية، وتُنظّم علاقاته مع غيره من البشـر سواء كانوا أفراد أو جماعات»[60].

وسنحاول الوقوف على بعض ملامح الفلسفة التربوية للإمام الحسين عليه السلام؛ لكونه سبط الرسول صلى الله عليه وآله، وواحداً من أئمّة المسلمين وعظمائهم، وفيما يأتي استعراض لبعض تلك الملامح لفلسفته التربوية:

1ـ نظرته للخالق سبحانه وتعالى

يقول تعالى في كتابه الكريم: (هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)[61]. «إنّ الإيمان بالله هو أساس كلّ شيء، فالله في القرآن واجب الوجود لذاته، وهو قد أحاط بكلّ شيء علماً، وهو يعلم خائنة الأعين وما تُخفي الصدور، ويعلم ما تكسب كلّ نفس، ويعلم ما كان وما يكون جملة وتفصيلاً، وهو لا يخفى عليه شيء في الأرض والسماء»[62].

وحينما نستقرئ تراث الإمام الحسين عليه السلام نجد أنّ هناك العديد من النصوص التي وضّحت فلسفته التربوية تجاه الخالق (جلّ علاه)، فنجده في دعائه في يوم عرفة يقول عليه السلام: «اللّهُمَّ إنِّي أَرغبُ إليكَ وأشهدُ بالرّبوبيّةِ لكَ، مُقرّاً بأنّكَ ربِّي، وأنَّ إليكَ مردّي، ابتدأتني بنعمتِكَ قبلَ أن أكُونَ شيئاً مذكُوراً، وخلقتنِي مِنَ التُّراب... متى غبت حتى تحتاج إلى دليل يدلّ عليك، ومتى بعُدت حتى تكون الآثار هي التي توصل إليك، عميت عين لا تراك عليها رقيباً»[63]. ويقول في خطبة له عن توحيد الله: «... هو في الأشياء كائن لا كينونة محظور بها عليه، ومن الأشياء بائن لا بينونة غائب عنها، ليس بقادر مَن قارنه ضد أو ساواه ند، ليس عن الدهر قدمه ولا بالناحية أُممه، احتجب عن العقول كما احتجب عن الأبصار...»[64].

والمتأمّل للنصّين السابقين يجد أنّ الإمام عليه السلام يوضّح أنّ علاقة الإنسان بربّه ينبغي أن تكون علاقة معرفة بأنّه هو الخالق المبدئ المعيد، وأنّ الله منزّه عن المادّيات والأشياء، يُعرف بالعقول والأفكار.

2 ـ الكون

هو كلّ ما خلق الله من أشياء في السموات والأرض، قال تعالى: ) هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ[65]. ونجد هناك إشارات عديدة عند الإمام الحسين عليه السلام إلى الكون منها ما ورد في دعاء الإمام في يوم عرفة حيث يقول: «... أَوْجَبْتَ عَلَيَّ حُجَّتَكَ بِأَنْ أَلْهَمْتَنِي مَعْرِفَتَكَ، وَرَوَّعْتَنِي بِعَجَائِبِ فِطْرَتِكَ، وَأَنْطَقْتَنِي لِمَا ذَرَأْتَ فِي سَمَائِكَ وَأَرْضِكَ مِنْ بَدَائِعِ خَلْقِكَ... يَا مَنْ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ إِغْمَاضُ الجُفُونِ، وَلَا لَـحْظُ الْعُيُونِ، وَلَا مَا اسْتَقَرَّ فِي الْمـَكْنُونِ، وَلَا مَا انْطَوَتْ عَلَيْهِ مُضْمَرَاتُ الْقُلُوبِ، أَلَا كُلُّ ذَلِكَ قَدْ أَحْصَاهُ عِلْمُكَ، وَوَسِعَهُ حِلْمُكَ، سُبْحَانَكَ وَتَعَالَيْتَ عَمَّا يَقُولُ الظَّالِمُونَ عُلُوّاً كَبِيراً، تُسَبِّحُ لَكَ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَا فِيهِنَّ»[66].

3ـ الإيمان

يشكّل الإيمان العقيدةَ المتكاملة التي يتحرّك بها المسلم في مجال الحياة، عابداً لربّه ومجاهداً في سبيله وساعياً في الخيرات بإذنه، والإيمان الحقّ بالله عز وجل لا بدّ من توفّره على معرفة حقّه بصفات الله تعالى، وإلّا ما كان إيماناً ولا كان معرفةً بالخالق (جلّ جلاله)، وقد تجسّدت فلسفة الإمام الحسين عليه السلام وهو في أشدّ محنة، هو وأهل بيته وأصحابه، فهو يوصي أُخته زينب سلام الله عليها وهو في ساحة المعركة فيقول عليه السلام لها: «يا أُخيّة، اتقي الله، وتعزّي بعزاء الله، واعلمي أنّ أهل الأرض يموتون، وأنّ أهل السماء لا يبقون، وأنّ كلّ شيء هالك إلّا وجه الله الذي خلق الأرض بقدرته، ويبعث الخلق فيعودون وهو فرد وحده...»[67].

4ـ الخوف من الله

لقد كان الإمام الحسين عليه السلام مصداقاً للمسلم المؤمن الخائف من الله حقّ مخافته، وتجسّد خوفه من الله من خلال عبادته حقّ العبادة، وقد ظهر عليه الخوف من الله وشدّة مراقبته له حتى قيل له: «ما أعظم خوفك من ربّك. فقال عليه السلام: لا يأمن يوم القيامة إلّا مَن خاف الله في الدنيا»[68].

وكان عليه السلام يؤكِّد دوماً على ضرورة مراقبة الإنسان أعماله ودعوته إلى الرغبة في لقاء الله، إذ قال عليه السلام: «ليرغب المؤمن في لقاء ربّه حقّاً حقّاً»[69].

5ـ الشهادة

يُعدّ الجهاد في سبيل الله من أعظم الطاعات في الإسلام، وأشرف إطاعة للأوامر الإلهية تكون من خلال بذل الإنسان لنفسه في مرضاة الله وطاعته من خلال الجهاد في سبيله، وقد أصبحت هذه الوسيلة هي الباب العظيم الذي يقصده الأولياء ويفرحون بنواله، وقد صرّح الإمام الحسين عليه السلام في أكثر من مناسبة برغبته في الشهادة في سبيل الله، فقد قال عليه السلام: «فإنّي لا أرى الموت إلّا سعادة، والحياة مع الظالمين إلّا برماً»[70]. وقال عليه السلام: «ما من شيعتنا إلّا صدِّيق شهيد». فقال زيد بن أرقم: أنّى يكون ذلك وهم يموتون على فرشهم؟ فقال الإمام الحسين عليه السلام: «لو لم تكن الشهادة إلّا لـمَن قُتِل بالسيف لأقلّ الله الشهداء»[71].

6ـ الشجاعة

تُعدّ الشجاعة من السمات الفاضلة التي يفتخر أيّ فرد بامتلاكها وتحلّيه بها، ونالت هذه السمة مكانة سامية عند جميع الشعوب والأُمم والمجتمعات، وقد أستأثر العديد من قادة المسلمين بهذه السمة، وتميّز بها أشخاصٌ في صدر الإسلام لعلّ من أبرزهم هو الإمام علي عليه السلام، فلا غرو أن يكون الإمام الحسين عليه السلام وارثاً لأبيه في هذه السمة وفي غيرها، ومن المشهور أنّ بطولته وشجاعته يوم عاشوراء أصبحت مضـرباً للأمثال وقدوة للأجيال، ومن مصاديق شجاعته قوله الحقّ أمام سلطان جائر، إذ وجدناه عليه السلام في مواقف عديدة يخاطب معاوية بن أبي سفيان وهو آنذاك خليفة المسلمين قائلاً: «يا معاوية، فضح الصبح الدجى، وبهرت الشمس أنوار السراج، ولقد فضَّلت حتى أفرطت، وأستأثرت حتى أجحفت، ومنعت حتى بخلت، وجُرت حتى تجاوزت...»[72].

7ـ العلم

يشغل العلم مكانة عظيمة في التربية الإسلامية، وقد حثّت نصوص قرآنية وأحاديث شريفة عديدة على طلب العلم وأفضليته على غيره، منها قوله تعالى: (. . . يَرْفَعِ اللَّـهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّـهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ)[73]. ومنها قول الرسول صلى الله عليه وآله: «طلب العلم فريضة على كلّ مسلم ومسلمة»[74].

وقد وردت نصوص عديدة عن الإمام الحسين عليه السلام في مدح العلم وطلبه، منها قوله: «العلم لقاح المعرفة وطول التجارب، وزيادة في العقل والشرف والتقوى»[75].

وقد سأل رجل من قريش معاوية بن أبي سفيان: أين أجد الحسين؟ فقال له: «إذا دخلت مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله فرأيت حلقة فيها قوم كأنّ على رؤوسهم الطير فتلك حلقة أبي عبد الله»[76]. وكان مجلسه عليه السلام مجلس علم ووقار، وقد ازدان بأهل العلم من الصحابة وهم يأخذون عنه ما يلقيه عليهم من الأدب والحكمة.

8 ـ الحرية

 تُعدّ الحرية واحدة من حقوق الإنسان الأساسية والتي نصّت عليها المواثيق والمعاهدات الدولية، فقد نصّت المادة الأُولى من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على أنّه «يولد جميع الناس أحراراً متساوين في الكرامة والحقوق...»، وقد نصّت المادة الثالثة: «لكلّ فرد الحقّ في الحياة والحرية وسلامة شخصه...»[77].

ولا تعني الحرية تجاوز الإنسان على الآخرين؛ إذ ربما تُفهم الحرية فهماً مغلوطاً، بل هي تقف وتتحدد إذا أدّت إلى تهديد سلامة الآخرين أو الإضرار بهم، أو تتسبب بضياع الحقوق، ويُعدّ مبدأ الحرية وفق مبادئ التربية الحديثة مبدأً هامّاً في التعليم؛ إذ تؤكِّد على حرية المتعلم وعدم قهره أو المسّ بكرامته.

وقد أكّد القرآن الكريم على مبدأ الحرية وأنّ الناس لا تُكرَه على الإيمان رغم ما له من أثر نافع للإنسان، قال تعالى: (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ. . .)[78].

وقد تجلّت فلسفة الإمام الحسين عليه السلام في التأكيد على مبدأ الحرية، وقد ضمّنها في مواقف عديدة، فقد تأمّلناه وهو في لحظاته الأخيرة يؤكّد على أعدائه بأن يكونوا أحراراً، مخاطباً إياهم بقوله: «ويحكم يا شيعة آل أبي سفيان، إن لم يكن [لكم] دين، وكنتم لا تخافون المعاد، فكونوا أحراراً في دنياكم»[79].

9ـ الإصلاح

كلمة إصلاح تعني: خلاف الفساد، أو ضد الفساد. ويعني كذلك تقويم وتصحيح الأخطاء أو محاربة الفساد الذي اعترى الفرد أو الجماعة في وقت من الأوقات للوصول للحالة المستقيمة والسوية[80].

وقد وردت كلمة الإصلاح ومشتقاتها في القرآن الكريم في موارد عديدة، منها قوله تعالى: ( وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا. . .)[81]. ويمكن القول: إنّ الإصلاح هو السبيل لرقي المجتمع وتحسين أحواله المختلفة، هذا وقد ركّزت دعوة الرسل على مفهوم الإصلاح الذي يُعد مشتركاً هامّاً بين جميع الدعوات، قال تعالى: (قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّـهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ)[82].

ويرى الدكتور يونس محمود: «أنّ للإصلاح ركيزتين، هما: التمسّك بكتاب الله تعالى، وإقامة الصلاة (العبادات)»[83]، قال تعالى: (وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ)[84].

وقد ركز الإمام الحسين عليه السلام مضمون الإصلاح قولاً وفعلاً وسلوكاً وممارسةً من خلال سيرة حياته، فهو المصلح الديني والاجتماعي والسياسي، وقد وضّح أهداف ثورته الإصلاحية وهي العودة إلى التمسّك بكتاب الله وإقامة الفرائض والعدل بين الناس، إذ قال عليه السلام: «وإنّي لم أخرج أشراً ولا بطراً، ولا مفسداً ولا ظالماً، وإنّما خرجت لطلب الإصلاح في أُمّة جدّي صلى الله عليه وآله»[85].

10ـ الصدق

يُعدّ الصدق من أفضل الصفات التي يتحلّى بها الإنسان المسلم، وأوضح دلائل الإيمان، ويساهم الصدق في زيادة تماسك المجتمع وتبادل الثقة بين أفراده، وقد وردت آيات عديدة تؤكِّد على الصدق، وأنّه من صفات الأنبياء والصالحين، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّـهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) [86]. وقال تعالى: (الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ)[87]. وقد تجسّد الصدق في سلوك الإمام الحسين عليه السلام في أقواله وأفعاله، فقد رأيناه في مسيره للطف بعد ورود الأخبار بشهادة مسلم بن عقيل (رضوان الله عليه) أنّه لم يخفِ ذلك عن أصحابه، وإنّما أخبرهم بذلك، وأخبرهم أنّ القوم لا يطلبون إلّا إياه، إذ خاطب عليه السلام أصحابه في ليلة العاشر، حيث قال لهم: «هذا الليل قد غشيكم فاتّخذوه جملاً، وليأخذ كلّ رجل منكم بيد صاحبه، أو رجل من إخوتي، وتفرّقوا في سواد هذا الليل، وذروني وهؤلاء القوم، فإنّهم لا يطلبون غيري، ولو أصابوني وقدروا على قتلي لما طلبوكم»[88].

11ـ صلة الرحم

حثّت الشريعة الإسلامية على صلة الرحم والبِر بالأرحام، وحذّرت من قطيعة الرحم، قال تعالى: (فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ)[89].

وقد كان الإمام الحسين عليه السلام بارّاً بأرحامه، يشفق على كبيرهم ويعطف على صغيرهم، وتجسّد ذلك في سلوكه وفي أقواله، إذ إنّه يمتدح مَن يصل الناس، وخاصّة مَن يصل مَن قطعه، إذ قال عليه السلام: «وأنّ أوصلَ الناس مَن وصل إلى مَن قطعه، والأُصول على مغارسها بفروعها تسمو، فمَن تعجّل لأخيه وجده إذ قدم عليه غداً»[90].

12ـ السلام

يُعدّ مبدأ السلام ونبذ العنف من المبادئ الهامّة التي دعا إليها الإسلام وحثّ المسلمين على إشاعتها ونشرها، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً. . .)[91]. ولعلّ من أصدق جوانب الاهتمام بثقافة السلام بين المسلمين هو إشاعة ثقافة إفشاء التحية التي تعبِّر عن الوئام والود، وقد تجلّى ذلك في سيرة وسلوك الإمام الحسين عليه السلام، فقد روي عنه أنّه «قال له رجل ابتداءً: كيف أنت عافاك الله؟ فقال  عليه السلام له: السلام قبل الكلام عافاك الله، ثمّ قال عليه السلام: لا تأذنوا لأحد حتى يسلِّم»[92]. وقال عليه السلام: «للسلام سبعون حسنة، تسع وستون للمبتدئ، وواحدة للراد»[93]. وقال عليه السلام: «البخيل مَن بخل بالسلام»[94].

13ـ التفكير

يُعدّ التفكير من أهمّ الصفات التي تميّز الإنسان عن بقية الكائنات، فالإنسان كائن مفكِّر يستفيد ممّا وهبه الله تعالى من نعمة العقل في تيسير أُموره وإدارة حياته وحلّ مشكلاته، وقد حثّت الشريعة الإسلامية على إعمال العقل والتفكر في الأُمور، وقد وردت في القرآن الكريم أكثر من (600) آية تحثّ على التفكير والتدبّر بمفردات عديدة، مثل: (يتدبّرون، يتفكّرون، يعقلون، يتذكّرون، يعلمون، يسمعون، ينظرون)، قال تعالى: (أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّـهُ مِن شَيْءٍ...)[95]. وقد وردت في سيرة الإمام الحسين عليه السلام إشارات عديدة إلى الحثّ على التفكير وإعمال العقل، فقد ورد في دعائه عليه السلام في يوم عرفة: «... حَتَّى إِذَا اسْتَهْلَلْتُ نَاطِقاً بِالْكَلَامِ، أَتْمَمْتَ عَلَيَّ سَوَابِغَ الْإِنْعَامَ، فَرَبَّيْتَنِي زَائِداً فِي كُلِّ عَامٍ، حَتَّى إِذَا كَمُلَتْ فِطْرَتِي، وَاعْتَدَلَتْ سَرِيرَتِي، أَوْجَبْتَ عَلَيَّ حُجَّتَكَ بِأَنْ أَلْهَمْتَنِي مَعْرِفَتَكَ، وَرَوَّعْتَنِي بِعَجَائِبِ فِطْرَتِكَ، وَأَنْطَقْتَنِي لِمَا ذَرَأْتَ فِي سَمَائِكَ وَأَرْضِكَ مِنْ بَدَائِعِ خَلْقِكَ...»[96].

وفي الدعوة إلى التحقيق في توحيد الله والتفكّر، روي عنه عليه السلام أنّه قال: «لا تتداوله الأُمور، ولا تجري عليه الأحوال، ولا تنزل عليه الأحداث، ولا يقدِّر الواصفون كنه عظمته، ولا يخطر على القلوب مبلغ جبروته؛ لأنّه ليس في الأشياء عديل، ولا تدركه العلماء بألبابها، ولا أهل التفكير بتفكيرهم إلّا بالتحقيق»[97].

14ـ احترام العلماء

ينال العلماء في المجتمعات الإنسانية مكانة محترمة لما لهم من دور في حل مشكلات المجتمع وتغييره وتطويره والنهوض به نحو الأفضل، وارتبطت مكانة العلماء بمكانة العلم، يقول الإمام علي عليه السلام: «كفى بالعلم شرفاً أن يدّعيه مَن لا يُحسنه، ويفرح إذا نُسب إليه. وكفى بالجهل ذمّاً يبرأُ منه مَن هو فيه»[98]. وقال أيضاً: «مات خزّان الأموال وهم أحياء، والعلماء باقون ما بقي الدهر، أعيانهم مفقودة، وأمثلتهم في القلوب موجودة»[99].

وقد تجلّت في فلسفة الإمام الحسين عليه السلام الإشارة إلى مكانة العلماء وخصائصهم، فمثلاً وجدناه عليه السلام يحدد خصائص وشروطاً لمعرفة العالم، فيقول: «من دلائل العالم انتقاده لحديثه، وعلمه بحقائق فنون النظر»[100]. وقد أشار إلى مكانة العلماء ووجوب احترامهم بقوله عليه السلام: «وأنتم أعظم الناس مصيبة لما غلبتم عليه من منازل العلماء لو كنتم تشعرون، ذلك بأنّ مجاري الأُمور والأحكام على أيدي العلماء بالله، الأُمناء على حلاله وحرامه»[101].

15ـ صحة الجسم

تنال التربية الصحية اهتماماً كبيراً ضمن مجالات التربية الحديثة؛ إذ يتوقّف على تطور البلدان تمتّع شعوبها بالصحة الجسمية والعقلية والنفسية، ولا يخفى ما لصحة الجسم من أثر في إنتاجية الفرد، كما أنّ الفرد الذي يُمارس أُصول الصحة يتمتع بالثقة بالنفس والروح المعنوية العالية، وتكون قدرته على التحصيل والعمل والإنتاج أحسن في النواحي كلّها من الذي لا يمارسها، ويُعدّ ذلك من الأُمور الهامّة التي اهتمّت بها الشـريعة، إذ دعت إلى الموازنة في الأكل والشراب حفاظاً على صحة الجسم، قال تعالى: (. . .وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ)[102]. وقد ورد عن الرسول صلى الله عليه وآله قوله: «لا خير في الحياة إلّا مع الصحة»[103].

وقد وردت إشارات عديدة في تراث الإمام الحسين عليه السلام حول الصحة وأهمّيتها للإنسان، فقد ضمَّن دعاءه في يوم عرفة مقاطع هامّة حول صحة الجسم كقوله عليه السلام: «... حَتَّى إِذَا اسْتَهْلَلْتُ نَاطِقاً بِالْكَلَامِ، أَتْمَمْتَ عَلَيَّ سَوَابِغَ الْإِنْعَامَ، فَرَبَّيْتَنِي زَائِداً فِي كُلِّ عَامٍ... اللَّهُمَّ لَكَ الحَمْدُ كَمَا خَلَقْتَنِي فَجَعَلْتَنِي سَمِيعاً بَصِيراً، وَلَكَ الحَمْدُ كَمَا خَلَقْتَنِي فَجَعَلْتَنِي حَيّاً سَوِيّاً، رَحْمَةً بِي وَكُنْتَ عَنْ خَلْقِي غَنِيّاً، رَبِّ بِمَا بَرَأْتَنِي فَعَدَّلْتَ فِطْرَتِي، رَبِّ بِمَا أَنْشَأْتَنِي فَأَحْسَنْتَ صُورَتِي، يَا رَبِّ بِمَا أَحْسَنْتَ بِي وَفِي نَفْسِي عَافَيْتَنِي»[104]. وقال عليه السلام في المحافظة على صحة الجسم: «فبادروا بصحة الجسم في مدّة الأعمار»[105].

 

الخاتمة

من خلال هذه الرحلة القرآنية الحسينيّة، وبين الجانب النظري والواقع العملي، أضع بين يدي القارئ الكريم أهم نتائجها، وهي كالآتي:

إنّ القيم القرآنية، ليست شكلاً فارغاً أو إطاراً من الشعائر والأقوال التي تتردد آلياً على الألسن، بل هي قبل كلّ شيء سلوك عملي في الحياة، والحريص حقّاً على القيم الروحية ليس ذلك الذي يردد ألفاظاً أو يؤدّي طقوساً، بل هو ذلك الذي يثبت بسلوكه في الحياة أنّه يتّخذ لنفسه هدفاً رفيعاً، ويضمن من أجل ذلك تحقيقه بكلّ ما يملكه.

أوضح القرآن الحكيم أنّ رسالات الأنبياء ومناهج الرسل عليهم السلام جاءت كلّها للبناء الفكري، ورسم منهاج الإعداد وتربية الذات الإنسانية.

إنّ الرقابة الداخلية لا يمكن أن تتحقّق إلّا عن طريق الأثر القرآني في النفس البشرية، وليس من شأن القيم والمفاهيم المجرّدة أن يكون لها أثر.

جسّد الإمام الحسين عليه السلام الأُنموذج الأكمل في ريادة تمثِّل قيم السماء، ومبادئ القرآن الكريم، في المستوى التطبيقي لنظريات القرآن.

القرآن الكريم منهج متكامل للإصلاح والبناء، ونصوصه داعمة إلى النهوض ضد الاستبداد والطغيان.

تضمّنت سيرة الإمام الحسين عليه السلام وأقواله منطلقات هامّة لفلسفته التربوية يمكن الاستفادة منها في تربية النشئ المسلم.

لم يقتصر فكر الإمام الحسين عليه السلام على طرح أفكار نظرية، بل جسّدها فعلاً وممارسة، وتضمّن فكره أبعاداً دينية واجتماعية وتربوية وصحية وأخلاقية.

--------------------------------------------------------------------------

فهرست المصادر

        * القرآن الكريم.

        * نهج البلاغة.

  1. الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل، ناصر مكارم الشيرازي، ط2، 2005م، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
  2. أبعاد متطورة في الفكر التربوي، نبيه يس، القاهرة، مطبعة الخانجي، (د ت).
  3. الإصلاح الأُسري من منظور قرآني، يونس محمود صادق ياسين، رسالة ماجستير غير منشورة، كلية الدراسات العليا، جامعة النجاح الوطنية، 2006 م.
  4. أبو الشهداء الحسين بن علي، عباس محمود العقاد، تحقيق: محمد جاسم الساعدي، المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية، طهران، 2004م.
  5. الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، إصدارات الأُمم المتحدة، إدارة شؤون الإعلام،
    (د ت).
  6. بناء الأُسرة في ضوء القرآن والسنة، خالد عبد الرحمن العك، دار المعرفة، بيروت، 2001م.
  7. تاريخ الأُمم والملوك، محمد بن جرير الطبري (ت310هـ)، مؤسسة الأعلمي، بيروت، (د ت).
  8. التحرير والتنوير، ابن عاشور محمد الطاهر، مؤسسة التاريخ، بيروت، (د ت).
  9. تحف العقول عن آل الرسول صلى الله عليه وآله، الحسن بن علي بن شعبة الحراني، دار القارئ، ط2، بيروت، 2009.
  10. تحف العقول عن آل الرسول صلى الله عليه وآله، الحسن بن علي بن شعبة الحراني، تحقيق: علي أكبر الغفاري، ط2، 1404هـ، مؤسسة النشـر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين، قم المشرفة.
  11. تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنّان، عبد الرحمن بن ناصر السعدي، دار الحديث، القاهرة، 2005م.
  12. تربية الأولاد في الإسلام، عبد الله ناصح علوان، دار السلام، القاهرة، 1994م.
  13. تفسير من وحي القرآن، محمد حسين فضل الله، ط3، 2007م، دار الملاك، بيروت.
  14. تفسير القرآن العظيم المعروف بتفسير المنار، محمد رشيد رضا، دار إحياء التراث العربي، بيروت، (د ت).
  15. التربية الأخلاقية والإسلامية، مقداد يالجن، مكتبة الخانجي، القاهرة، 1977م.
  16. جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة، أحمد زكي صفوت، المكتبة العلمية، بيروت ـ لبنان.
  17. حياة الامام الحسين بن علي عليهما السلام.. دراسة وتحليل، باقر شريف القرشي، إصدارات العتبة الحسينية، ط2، 2008م.
  18. سنن ابن ماجة (المقدمة)، محمد بن يزيد المعروف بابن ماجة (ت275هـ)، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباق، ط1، الناشر: دار الفكر، بيروت ـ لبنان.
  19. سيبقى هذا الصوت خالداً، محمد باقر الصدر، مجلة النشاط الثقافي، تصدرها جمعية التحرير الثقافي في النجف، السنة الأولى، 1957م، العدد الأول.
  20. شرح نهج البلاغة، محمد عبده.
  21. صحيح البخاري، محمد بن إسماعيل البخاري (ت456هـ)، تحقيق: د. مصطفى ديب البنا، ط3، 1987م، دار ابن كثير، بيروت ـ لبنان.
  22. طرق تدريس التربية الإسلامية، عبد العزيز عبد الرشيد سالم، ط3، 1982م، وكالة المطبوعات، بيروت.
  23. الطفل بين الوراثة والتربية، محمد تقي فلسفي، تعريب: فاضل الحسيني الميلاني، دار سبط النبي، قم، 2005م.
  24. الفتوح: أحمد بن أعثم الكوفي (ت314هـ)، تحقيق: علي شيري (ماجستير في التاريخ الإسلامي)، ط1، 1411هـ، المطبعة: دار الأضواء، الناشر: دار الأضواء للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت ـ لبنان.
  25. فلسفتنا، محمد باقر الصدر، دار التعارف، بيروت، ط10، 1980م.
  26. فلسفة التربية في الإسلام انتماء وارتقاء، أحمد رجب الأسمر، دار الفرقان، الأردن، 1997م.
  27. الفلسفة التربوية للإمام علي بن الحسين عليه السلام، باسم قاسم الغبان، مجلة كلية الآداب، بغداد، العدد95، 2010.
  28. فلسفة التربية الإسلامية، عمر محمد الشيباني، ط5، 1985م، المنشأة العامة للنشر والتوزيع، طرابلس.
  29. في ظلال القرآن، سيد قطب، دار الشروق، بيروت، ط34، 2004م.
  30. القيم التربوية في فكر الإمام الحسين عليه السلام.. دراسة تحليلية، حاتم جاسم عزيز السعدي، إصدارات العتبة الحسينية، ط1، 2013م.
  31. الكامل في التاريخ، عز الدين محمد الشيباني المعروف بابن الأثير (ت630هـ)، دار صادر، بيروت ـ لبنان، 1965م.
  32. المدخل إلى التربية والتعليم، عبد الله الرشدان ونعيم جعنيني، ط1، 2002م، دار الشروق، عمان.
  33. مفاتيح الجنان، عباس القمي، ط1، دار الفجر، لبنان، 2012م.
  34. مفاهيم العلوم الاجتماعية والنفس والأخلاق في ضوء الإسلام، أنور الجندي، دار الاعتصام، القاهرة، 1977م.
  35. منهجية البحث في التربية الإسلامية، علي خليل أبو العينين، مجلة رسالة الخليج العربي، السنة الثامنة، 1988م، العدد24.
  36. من هدى القرآن، محمد تقي المدرسي، دار القارئ، بيروت، ط2، 2008م.
  37. النظام السياسي في الإسلام، باقر شريف القرشي، ط2، 1987م، دار التعارف، بيروت ـ لبنان.

 

 


[1]جامعة الكوفة /كلية التربية.

 جامعة الكوفة/كلية التربية.

[2] في ذلك إشارة إلى قول النبي الكريم صلى الله عليه وآله: «إنّي مخلِّف فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي ـ أهل بيتي ـ لن تضلّوا ما تمسكتم بهما، وإنّهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض». ابن شعبة الحراني، الحسن بن علي، تحف العقول: ص459.

[3] أبو العينين، علي خليل، منهجية البحث في التربية الإسلامية: ص110.

[4] ينظر الباحث إلى شخصية الإمام الحسين عليه السلام هنا على أنّها شخصية إنسانية، بعيداً عن التبنّي العقائدي الذي يرى فيه الإمام عليه السلام مفترض الطاعة ومعصوماً مسدّداً من السماء، وإن كانت هذه حقائق ثابتة لا غبار عليها.

[5] اُنظر: العك، خالد عبد الرحمن، بناء الأُسرة في ضوء القرآن والسنة: ص22. فلسفي، محمد تقي، الطفل بين الوراثة والتربية: ص12.

[6] التحريم: آية6.

[7] سيد قطب، إبراهيم حسين، في ظلال القرآن: ج6، ص3619.

[8] المصدر السابق.

[9] الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي: ج6، ص48.

[10] البخاري، محمد بن إسماعيل، صحيح البخاري: ج1، ص465.

[11] محمد عبده، شرح نهج البلاغة: ج3، ص40.

[12] الصافات: آية24.

[13] الشيرازي، ناصر مكارم، الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل: ج 14، ص222.

[14] النيسابوري، مسلم بن الحجاج، الجامع الصحيح (صحيح مسلم): ج3، ص1459.

[15] محمد عبده، شرح نهج البلاغة: ج2، ص80.

[16] الصدر، محمد باقر، سيبقى هذا الصوت خالداً: ص429.

[17] العقاد، عباس محمود، أبو الشهداء الحسين بن علي: ص206.

[18] المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج95، ص226.

[19] اُنظر: الجندي، أنور، مفاهيم العلوم الاجتماعية والنفس والأخلاق في ضوء الإسلام: ص67.

[20] اُنظر: يالجن، مقداد، التربية الأخلاقية والإسلامية: ص109.

[21] الصدر، محمد باقر، سيبقى هذا الصوت خالداً: ص428.

[22] عبد العزيز عبد الرشيد سالم، طرق تدريس التربية الإسلامية: ص253.

[23] اُنظر: الصدر، محمد باقر، فلسفتنا: ص48.

[24] ففي أرض كربلاء وفي ضراوة المعركة نلحظ أداء الصلاة وقيامها، «فلا يزال الرجل من أصحاب الحسين قد قُتل، فإذا قُتل منهم الرجل والرجلان تبيّن فيهم، وأولئك كثير لا يتبيّن فيهم ما يُقتل منهم، قال: فلمّا رأى ذلك أبو ثمامة عمرو بن عبد الله الصائدي قال للحسين: يا أبا عبد الله، نفسي لك الفداء، إنّي أرى هؤلاء قد اقتربوا منك، ولا والله لا تُقتـل حتى أُقتل دونك إن شاء الله، وأحبّ أن ألقى ربّي وقد صلّيت هذه الصلاة التي قد دنا وقتها. قال: فرفع الحسين رأسه ثمّ قال: ذكرت الصلاة، جعلك الله من المصلّين الذاكرين، نعم هذا أوّل وقتها. ثمّ قال: سلوهم أن يكفّوا عنّا حتى نصلّي. فقال لهم الحصين بن تميم: إنّها لا تُقبل. فقال له حبيب بن مظاهر: زعمت الصلاة من آل محمد صلى الله عليه وآله لا تُقبل، وتُقبل منك يا حمار...». الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الأُمم والملوك: ج4، ص334. اُنظر: ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ج4، ص70.

[25] اُنظر: نبيه يس، أبعاد متطورة في الفكر التربوي: ص18. أبو العينين، علي خليل، منهجية البحث في التربية الإسلامية: ص110.

[26] البقرة: آية112.

[27] ابن عاشور، محمد الطاهر، التحرير والتنوير: ج1، ص657.

[28] طه: آية132.

[29] البقرة: آية83.

[30] طه: آية44.

[31] آل عمران: آية159.

[32] النحل: آية125.

[33] فصلت: آية34.

[34] اُنظر: النيسابوري، الحسن بن محمد، غرائب القرآن ورغائب الفرقان: ج1، ص325.

[35] المؤمنون: آية2- 4.

[36] القصص: آية55.

[37] ابن منظور، محمد بن مكرم، لسان العرب: ج15، ص4501.

[38] الراغب الإصفهاني، الحسين بن محمد، المفردات في غريب القرآن: ص451.

[39] اُنظر: أبو السعود، محمد بن محمد، إرشاد العقل السليم: ج6، ص124.

[40] السعدي، عبد الرحمن بن ناصر، تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان: ص594.

[41] العنكبوت: آية45.

[42] البيهقي، أحمد بن الحسين، السنن الكبرى: ج3، ص174.

[43] البقرة: آية1ـ 5.

[44] المدرسي، محمد تقي، من هدى القرآن: ج1، ص158.

[45] البقرة: آية177.

[46] ابن عاشور، محمد الطاهر، التحرير والتنوير: ج2، ص131.

[47] التوبة: آية11.

[48] محمد رشيد رضا، تفسير القرآن العظيم (تفسير المنار): ج10، ص174.

[49] الأعراف: آية170.

[50] الإسراء: آية9.

[51] الأسمر، أحمد رجب، فلسفة التربية في الإسلام انتماء وارتقاء: ص19.

[52] علوان، عبد الله ناصح، تربية الأولاد في الإسلام: ج1، ص7.

[53] الأحقاف: آية13.

[54] المدرسي، محمد تقي، تفسير من هدى القرآن: ج4، ص423.

[55] الأنعام: آية153.

[56] فضل الله، محمد حسين، تفسير من وحي القرآن: ج9، ص377.

[57] هود: آية112.

[58] سيد قطب، إبراهيم بن الحسين، في ظلال القرآن: ج4، ص1931.

[59] عبد الله الرشدان، ونعيم جعنيني، المدخل إلى التربية والتعليم: ص43.

[60] الشيباني، عمر محمد، فلسفة التربية الإسلامية: ص21.

[61] الحديد: آية3.

[62] الغبان، باسم قاسم، الفلسفة التربوية للإمام علي بن الحسين عليهما السلام: ص31.

[63] القمي، عباس، مفاتيح الجنان: ص32.

[64] ابن شعبة الحراني، الحسن بن علي، تحف العقول: ص245.

[65] آل عمران: آية190.

[66] القمي، عباس، مفاتيح الجنان: ص32.

[67] الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الأُمم والملوك: 3، ص314.

[68] المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج44، ص190.

[69] اُنظر: السعدي، حاتم جاسم عزيز، القيم التربوية في فكر الإمام الحسين عليه السلام.. دراسة تحليلية: ص155.

[70] الطبري، محمـد بن جرير، تاريخ الأُمم والملوك: ج3، ص307.

[71] المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج82، ص173.

[72] صفوت، أحمد زكي، جمهرة خطب العرب: ج2، ص228.

[73] المجادلة: آية11.

[74] ابن ماجة، محمد بن يزيد، سنن ابن ماجة (المقدمة): ص65.

[75] المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج78، ص128.

[76] القرشي، باقر شريف، حياة الإمام الحسين بن علي عليهما السلام.. دراسة وتحليل: ص149.

[77] الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، إصدارات الأُمم المتحدة: ص6ـ 7.

[78] البقرة: آية256.

[79] ابن أعثم الكوفي، أحمد، الفتوح: ج5، ص117.

[80] ياسين، يونس محمود، الإصلاح الأُسري من منظور قرآني: ص23.

[81] الأعراف: آية56.

[82] هود: آية88.

[83] ياسين، يونس محمود، الإصلاح الأُسري من منظور قرآني: ص27.

[84] الأعراف: آية170.

[85] المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج44، ص329.

[86] التوبة: آية119.

[87] آل عمران: آية17.

[88] ابن الأثير، عليّ بن أبي الكرم، الكامل في التاريخ: ج2، ص559.

[89] محمد: آية22.

[90] المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج74، ص91.

[91] البقرة: آية208.

[92] ابن شعبة الحراني، الحسن بن علي، تحف العقول: ص269.

[93] المصدر السابق: ص271.

[94] المصدر السابق.

[95] الأعراف: آية185.

[96] القمي، عباس، مفاتيح الجنان: ص302.

[97] ابن شعبة الحراني، الحسن بن علي، تحف العقول: ص269.

[98] المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج1، ص185.

[99] ابن شعبة الحراني، الحسن بن علي، تحف العقول: ص191.

[100] المصدر السابق: ص271.

[101] المصدر السابق: ص260.

[102] الأعراف: آية31.

[103] القرشي، باقر شريف، النظام السياسي في الإسلام: ص295.

[104] القمي، عباس، مفاتيح الجنان: ص301ـ304.

[105] ابن شعبة الحراني، الحسن بن علي، تحف العقول: ص264.

 
 
البرمجة والتصميم بواسطة : MWD