1439 / ربیع‌الاول / 5  |  2017 / 11 / 24         الزيارات : 483671         صلاة الصبح |         صلاة الظهر والعصر |         صلاة المغرب والعشاء |

نظريات النهضة الحسينيّة.. نظرية ذات الأهداف المتعددة أُنموذجاً

{ أ. م. د. بلاسم عزيز شبيب/ الباحث: صلاح عوده عبد الأمير الدعمي }
نظريات النهضة الحسينيّة.. نظرية ذات الأهداف المتعددة أُنموذجاً

المقدّمة[1]

تحظى النهضة الحسينية بأهمّية بالغة في مجالات البحث كافّة، وطُرحت للنهضة الحسينية عدّة نظريات تبيّن هدف الإمام الحسين عليه السلام وكما يلي:

1 ـ نظرية إقامة الحكومة.

2 ـ نظرية الشهادة التي تبنّاها العديد من الفقهاء والباحثين.

3 ـ النظرية الغيبية.

4 ـ نظرية المواجهة المفروضة.

5 ـ نظرية الفرار من البيعة.

6 ـ نظرية العمل بالتكليف الإلهي، بغضّ النظر عن النتائج.

وطُرقت هذه النظريات بشكل تفصيلي في بحث موسّع خاص، لا يسع المقام للخوض فيها.

7 ـ النظرية ذات الأهداف المتعدّدة؛ وهي النظرية التي تجمع كلّ النظريات المطروحة أعلاه، وقد وقع اختياري على هذه النظرية لسببين:

الأوّل: إنّها لم تُبحث بصورة مفصّلة، بل هي فكرة وضعها بعض العلماء، مثل الشهيد مطهّري، وتبعه آخرون ولم يفصّلوا فيها.

الثاني: إنّ هذه النظرية تجمع كلّ النظريات المطروحة؛ لذا سعيتُ لبيان هذه النظرية من مصادرها الأصلية وتحليلها وبيان أهدافها.

وعليه؛ يُعدّ هذا الموضوع من الموضوعات التي أخذت على عاتقها دراسة هذه النظرية؛ كون أنّ للنهضة الحسينية صدى في الواقع، وهو يتفاعل مع الأحداث والمستجدّات، ممّا يعالج الكثير من القضايا التي هي محلّ جدلٍ معاصر، ممّا جعل بيان هذا الوجه ضرورياً، وعدم طرح هذا الموضوع عند الباحثين بشمولية الجوانب، والتأصيل الذي بُنِيَت عليه هذه النظرية، لعلّنا أسهمنا في إثراء البحث، عسى أن تكون نقطة ضوء لفتح نافذةٍ أوسع، وأن تكون خطوة في سبيل رضا الله تعالى وأهل بيته عليهم السلام.

المطلب الأوّل: ماهية النظرية

تُعدّ هذه النظرية من النظريات المهمّة في مسار النهضة الحسينية، وفتحت هذه النظرية آفاقاً جديدة حول دراستها ـ فإنّ النظريات السابقة لا تخلو من إشكالات ـ فإنّها تجمع عدّة عوامل في أسبابها، وهذا يجعلها أفضل النظريات، إذ لم تقتصر على هدفٍ معيّن، بل على عدّة أهداف كانت منظورة للإمام الحسين عليه السلام، ومَن ذهب إلى هذه النظرية:

1- الشيخ مرتضى مطهّري (ت1399ﻫ): فقد ذكر سبب اختياره لهذه النظرية؛ إذ قال: «هنالك عدّة عوامل لعبت دوراً في وقوع النهضة الحسينية، وهذ الأمر بحدّ ذاته ساعد في تشابك التفسيرات، وتداخل التحليلات المتنوّعة لهذه الحادثة، التي أُريد من خلالها الوصول إلى كُنه واقعيتها العميقة والبليغة، بالرغم من عدم اتّساع الرقعة الزمانية لواقع الحادثة»[2].

ويعتقد مطهّري أنّ سبب اختلاف التفسيرات في النهضة الحسينية هو استغلالها بشكل سيّئ؛ بسبب النظر إلى الزوايا المؤثّرة في صناعة الحدث والرواية الحسينية، مثل قضية أخذ البيعة ليزيد، وامتناع الإمام الحسين عليه السلام، وكذلك قضية أهل الكوفة وقبول الإمام عليه السلام لهذه الدعوة. وفي حديثٍ آخر فإنّه لا يتناول الإمام عليه السلام قضية البيعة، كما أنّه لا يتطرّق بالمرّة إلى موضوع دعوة أهل الكوفة له، بل إنّه يتحدّث عن الأُمور العمومية وإلى أوضاع الحكومة الفاسدة، وبالتالي فإنّه يوجّه النقد اللازم لوضع حكومة العصر، وكيف أنّها تريد أن تغيّر ماهية الإسلام، ويتحدّث عن تحوّل الحرام إلى حلال، والحلال إلى حرام، وأخيراً يُذكّر الناس بواجبهم الإسلامي وعدم الرضوخ والسكوت.

ومن هنا يتساءل مطهّري: هل أنّ الإمام الحسين عليه السلام لم يتطرّق إلى موضوع البيعة، ولا إلى موضوع دعوة أهل الكوفة، وكأنّه ليس هنالك مسألة باسم البيعة ليزيد، ولا قضية باسم دعوة أهل الكوفة له؟ فأين يكمن السبب، في حصول النهضة أم في مسألة البيعة، أم في دعوة أهل الكوفة، أم أنّها ليست واحدة من هذه المسائل، بل مسألة المعارضة والنقد، أم شيوع المنكرات وضرورة محاربتها؟ فأيّ قضية من تلك القضايا كانت وراء الباعث الحقيقي للنهضة؟ وكيف تبرّر هذه الحالة؟ وما هو تفسيرنا النهائي؟[3].

 ويضيف مطهّري: أنّ كلّ تلك العوامل كانت مؤثّرة في النهضة الحسينية، وأنّ الإمام الحسين عليه السلام قد أبدى ردوده المناسبة تجاه كلّ عامل من العوامل، فنجد أنّ جزءاً من تحرّكه استند في الواقع إلى موقف الامتناع عن البيعة، في حين أنّ بعض قراراته جاءت على أساس دعوة الكوفيين، بينما الآخر يقوم على أساس محاربة الفساد والمنكر؛ لذلك كانت كلّ تلك العوامل مؤثّرة في واقعة الطف، تلك الواقعة كانت عبارة عن مجموع ردود الأفعال والقرارات التي تمّ اتخاذها من قبل الوجود القدسي العظيم لأبي عبد الله عليه السلام[4].

2ـ السيّد محمد محمد صادق الصدر: إذ جعل عوامل النهضة الحسينية مجموعة من الاحتمالات، وسبب جعلها على عدّة احتمالات؛ لأنّهُ يعتقد أنّ حدود أهداف النهضة الحسينية التي نتحدّث عنها هي على حدود فهمنا وإدراكنا، وهو البعيد عن فهم الواقعيات، فإنّنا نتحدّث عن أقصى ما نُدركه من أمر منطقي ومعقول، كأُطروحة مقبولة ومحتملة في هذا الصدد، وليس كشـيء قطعي وناجز، ونحن نعلم أنّ ما خفي علينا من الحق أكثر ممّا اتّضح لنا بكثير، وعلى هذا فإنّ طرح بعض الأهداف عن ثورة الإمام الحسين عليه السلام، يجب أن تتّصف بعدّة شروط، منها[5]:

الشرط الأوّل: أن يكون الهدف الذي نتصوّره للإمام الحسين عليه السلام أمراً مُرضياً لله عز وجل، لا تشوبه شائبة عصيان، أو أن يكون مرجوحاً في الشريعة.

الشرط الثاني: أن يكون الهدف الذي نتصوّره مناسباً مع حال الإمام الحسين عليه السلام وشأنه، لا أن يكون هدفاً مؤقّتاً أو متدنّياً أو ضئيلاً، وإنّما يجب أن يكون الهدف معمّقاً وواسعاً وأكيداً وشديداً.

الشرط الثالث: أن يكون أمراً متحقّقاً أمّا في الحال أو الاستقبال، ولا يجوز أن نطرح له هدفاً فاشلاً وغير متحقّق أو غير قابل للتحقّق، مثل استهداف النصر العسكري، أو إزالة حكم بني أُميّة.

 الشرط الرابع: أن يكون الهدف مذكوراً في كلام الإمام الحسين عليه السلام، فإن كان مذكوراً أخذنا به، وإن لم يذكره عرضنا عنه، ويردّ السيّد الصدر على هذا الهدف بقوله: ضعف الروايات الناقلة لكلام الإمام عليه السلام، فلم يردنا عن طريق صحيح بيان أهدافه عليه السلام، فلو اشترطنا ذلك لم يكن لنا طريق إلى معرفة الأهداف إطلاقاً.

 إنّ الإمام عليه السلام عمل بقانون التخاطب الشرعي والعرفي، وهو كلّم الناس على قدر عقولهم؛ لأنّ المجتمع في ذلك الحين لم يكن يطيق فهم واستيعاب أهدافه الحقيقية، وكذلك المجتمع لم يكن قد تربّى بالقدر المطلوب، ويعتبر التصريح ببعض الأعمال فساداً لها؛ وبالتالي تكون عقيمة وغير مجدية.

3ـ السيّد محمد باقر الحكيم: إذ جعل هدف نهضة الإمام الحسين عليه السلام هو هزّ ضمير الأُمّة، ولهذا الهدف أبعاد ثلاثة:

البعد الأوّل: هو البعد الذي يرتبط بفهم الرسالة الإسلامية، وذلك بتوضيح الموقف الشـرعي تجاه الظاهرة الخطيرة.

البعد الثاني: هو البعد الذي يرتبط بحركة رسالة الإسلام المستقبلية.

البعد الثالث: هو البعد الذي يرتبط بحركة الأُمّة الفعلية وأوضاعها السياسية والاجتماعية والنفسية، وعلى هذا التفسير لحركة الإمام الحسين عليه السلام يمكن أن نحتفظ بكرامة الحسين عليه السلام وعظمته[6].

المطلب الثاني: الأهداف المنظورة في النظرية

لقد ذهب الشيخ مطهّري في تحليل هذه النظرية إلى القول في طبيعة النهضة الحسينية: يمكن القول بإمكانية فرض ثلاثة أنواع من الماهية وهي: الماهية التقوائية، والماهية الهجومية والثورية، والماهية التجاوبية، أي: التجاوب مع نداءٍ مقدّس، وهي الماهية التعاونية، وأنّ حركة الإمام عليه السلام هنا شكّلت تعبيراً على ردّة فعل من النوع السلبي، إذا نظر إلى العمل من ناحية عامل البيعة.

وفيما يخصّ عامل الدعوة أيضاً يمكن القول: بأنّ الحركة كانت عن ردّة فعل، لكنّها هذه المرّة كانت إيجابية، بينما إذا نظرنا إلى العمل من ناحية عامل الأمر بالمعروف، فإنّ الإمام عليه السلام حينها يكون هو المهاجم والبادئ بالحركة[7]. ويقسّم الشيخ مطهّري العوامل التي تكوّنت منها النهضة الحسينية إلى أربعة عوامل[8]:

العامل الأوّل: أنّ الإمام الحسين عليه السلام هو الشخصية الوحيدة الجديرة والمنصوص عليها بالخلافة.

وعلى هذا؛ فلا فرق بينه وبين أخيه وأبيه، كما لا يوجد فرق بين حكومة معاوية ويزيد والخلفاء الثلاثة، وإنّ هذا العامل لم يُوجب أيّ تكليفٍ خاصّ، فإذا شخّصت الناس صلاحيته وبايعته ـ وفي الحقيقة إذا ما أعلنت من خلال البيعة له عن صلاحيتها وجدارتها واستعدادها لقبول حكم هذا الإمام ـ فإنّه سيقبل أيضاً مثل هذه البيعة.

العامل الثاني: أخْذ البيعة من الإمام عليه السلام

تعامل الإمام عليه السلام مع هذا العامل بالرفض حتى لو أدّى إلى قتله، بأي شكلٍ من الأشكال. ويضيف الشيخ مطهّري: أنّ تكليف الإمام عليه السلام كان الامتناع عن البيعة فقط، وهذا التكليف يمكن القيام به من خلال الخروج من البلاد، فإنّ تركيز الإمام عليه السلام في هذه المهمّة هو رفض البيعة، وعدم الرضوخ تحت كلّ الظروف، حتى لو أدّى ذلك إلى ترك البلاد، أو مواجهة القتل.

العامل الثالث: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

إنّ العمل بالمبدأ المعروف في الإسلام باسم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا سيما إذا كان الأمر يتعدّى الأُمور الجزئية، وتصبح القضية تحليل الحرام، وتحريم الحلال، أو ظهور البِدَع، أو تهديد المصالح العامّة وحقوقها، وانتشار الظلم وشيوعه، وإنّ كثيراً من النصوص تتحدّث عن هذا العامل[9]؛ لذا كان هذا العامل سبباً في انطلاق النهضة الحسينية.

العامل الرابع: استجابة الإمام لدعوة أهل الكوفة

 إنّ قدوم الإمام عليه السلام كان بسبب عدم مبايعته، فلما عرفَ أهل الكوفة بامتناع الإمام عليه السلام عن المبايعة قاموا بالدعوة إليه، وأعلنوا عن استعدادهم لنصرته، ويرى الشيخ مطهّري أنّ دعوة أهل الكوفة تأتي كحجّة تاريخية على الإمام عليه السلام؛ وهذا يتطلّب عملاً من قِبَل الإمام عليه السلام، ليُتمّ الحجّة على الناس أمام التاريخ[10]. وعلى هذا فإنّ الشيخ مطهّري يوضّح جانباً مهمّاً ودقيقاً يرتبط بتلك العوامل المؤثّرة في تحريك الثورة، إذ يقول: «إنّ عامل رفض البيعة أهمّ من عامل دعوة أهل الكوفة؛ لأنّ دعوة أهل الكوفة كانت تتضمّن احتمال النجاة والسلامة والموفقية، بينما كان رفض البيعة يتضمّن مجازفة خطرة وتعريضاً للموت؛ ولكن يبرز هنا عامل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والذي يركّز عليه الإمام عليه السلام بصورة خاصّة، ويذكره بصورة مستقلّة، وهو يحمل عدّة دلالات هجومية صادرة من الإمام عليه السلام، تنطلق من رغبة تغييرية إصلاحية عارمة، وكما أنّ هذا العامل يحمل صلاحية أكبر للتخليد والإحياء، وأنّ تلك المواجهة مع الحكم القائم هو نوع من الهجوم الذي يبدأ به الإمام عليه السلام بنفسه، وليس الحكومة ولا حتى الناس»[11].

ويضيف مطهّري أنّ الإمام الحسين عليه السلام يريد التغيير، سواء طلبت منه الحكومة البيعة أم لم تطلب، والحال هذا بالنسبة لأهل الكوفة، سواء طلبوا منه القدوم أو لم يطلبوا، فإنّه الرجل المعارض في كلّ الحالات، وهو من هذه الناحية درسٌ كبيرٌ وغنيٌ، وعليه فإنّ العوامل تختلف عن بعضها البعض، وتتفاوت أهمّيتها، سواء من زاوية تكليف الإمام عليه السلام وردود فعله تجاه كلّ واحدٍ منها، أم من زاوية قيمتها وصلاحية موضوعها للإحياء والتخليد، أم من زاوية آثارها التعليمية والتربوية، وإنّ عامل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو الذي جعل الإمام الحسين عليه السلام يقاتل حتى الاستشهاد، ومنطق الشهيد هو المنطق الذي لا يعلو عليه شيء[12]؛ وبالتالي فإنّ كلّ عامل من العوامل يُعطي مضموناً مغايراً للنهضة.

 وكذلك يرى السيد محمد محمد صادق الصدر؛ إذ جعل مجموعة من الأهداف المحتملة للنهضة الحسينية وهي:

الهدف الأوّل: أن لا يبايع الحاكم الأُموي يومئذٍ كما طُلب منه، فإنّه عليه السلام رفض ذلك بكلّ قوّة وصمود، فقد تحمّل القتل وهذه التضحيات الجسام في سبيل ترك هذه البيعة الدنيئة[13].

الهدف الثاني: الامتثال لأوامر الله تعالى، ذلك الأمر المعروف لديه، إمّا بالإلهام أو بالرواية عن جدّه صلى الله عليه وآله، وكان يطلب ثواب الله وجزاءه الأُخروي على ذلك، كما يفعل أيّ مؤمن حين يؤدّي أيّ واجب ديني، كالصلاة أو الصوم أو الحج[14].

الهدف الثالث: الانتصار العسكري المباشر، أو إزاحة الحكم الأُموي فوراً. وهذا ما لا يتبنّاه السيّد الصدر، وذكره هنا بسبب أنّ بعض المفكّرين تبنّوه، كما مرّ في نظرية إقامة الحكومة[15].

الهدف الرابع: فضح بني أُميّة ومَن على شاكلتهم من يومه إلى يوم القيامة، بأنّهم ليسوا فقط ظالمين لأنفسهم بينهم وبين الله تعالى، ولا ظالمين للناس في حكمهم غير العادل فحسب، وإنّما الأمر أكثر من ذلك، فإنّهم على استعداد أن يقتلوا الرجال والأطفال، وأن يسبوا النساء، وأن يقتلوا خير الخلق الموجودين على وجه الأرض؛ من أجل التمسّك بالحكم والكرسي، وهذا يعني أنّهم مستعدّون أن يقتلوا أيّ عدد من الناس في سبيل ذلك، كما أنّ معناه عدم وجود أيّ عاطفة في قلوبهم على الإطلاق، وهم على استعداد أن يفعلوا كلّ شيء بسبب انسلاخهم عن الإنسانية وعن الورع عن المحارم[16].

الهدف الخامس: طلب الإصلاح في الأُمّة المسلمة، أُمة جدّه رسول الله صلى الله عليه وآله، حين رأى أنّ الدين قد تغيّر، وأنّ المعروف لا يُعمل به، وأنّ المنكر لا يُتناهى عنه، وكان الإمام الحسين عليه السلام أهلاً له[17]، ويقسّم السيّد محمد الصدر الإصلاح على قسمين:

القسم الأوّل: الإصلاح الذي يصدر من الإمام الحسين عليه السلام مباشرةً قبل مقتله، فإنّه لا يكون هدفاً؛ لأنّه فاقد لأحد الشرائط السابقة، وعدم التحقّق في المجتمع؛ بسبب أنّ الأمر الذي لم يتحقّق لا يمكن أن يكون هدفاً، أمّا إذا قلنا: إنّ الإصلاح المباشر قد حصل من خلال الأقوال والخطب، فإنّها كانت مكرّسة عن شرح أبعاد النهضة الحسينية، وعليه فلا يمكن أن تكون هي الإصلاح المعهود، وإنّما التوقّع هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في جوانب عامّة، وفي فروعه كافّة، وهو ما لم يحصل على الإطلاق؛ لأنّ الأجل لم يُمهله.

القسم الثاني: الإصلاح بعد شهادته، وهو الإصلاح المقصود، والذي كان يقصده الإمام الحسين عليه السلام، وكان يستهدفه وإن لم يصرّح به تماماً، أخذاً بقانون (كلّم الناس على قدر عقولهم)، وهو هدفٌ جليل ولا غبار عليه[18].

الهدف السادس: الاستجابة لأهل الكوفة حين طلبوا منه القدوم عليهم وأخذ البيعة منهم وممارسة الحكم بينهم. ويُضيف السيّد الصدر بأنّ هذه الاستجابة وإن كانت صحيحة بحسب الحكم الظاهري في الشـريعة؛ إذ عليه عليه السلام أن يستجيب لذلك، ولكن هل كانت هذه الدعوة هدفاً حقيقياً لنهضته، أم هي استجابة لا بدّ منها لسدّ الألسن وقطع المعاذير، وتكليم الناس على قدر عقولهم؟[19]

الهدف السابع: «إعطاء الأُمثولة للدين الحنيف القويم، وأنّه يستحقّ هذا المقدار العظيم من التضحية والفداء، في سبيل إقامة الأحكام الإسلامية والشعائر الدينية»[20]. ويُضيف السيّد الصدر بأنّ هذه التضحية لا تكون على مستوى واحد، بل على عدّة مستويات؛ لأنّ انطباعها في نفس صاحبها وفي نفوس الآخرين يكون معتدّاً لا محال، ومنها[21]:

المستوى الأوّل: التضحية بمعنى تحمّل الألم والجروح والقتل والصبر عليه طواعيةً، وهذا المستوى خاصٌّ بصاحب التضحية، ولا يمكن أن يكون شاملاً لغيره.

المستوى الثاني: التضحية بمعنى الإعانة لصاحب التضحية بكلّ ما يمكن من جهد وجهاد، وتحمّل كلّ بلاء في سبيله، مضافاً إلى تحمّل فراقه كشخص محبوب أُسرياً ودينياً واجتماعياً، وتحمّل الحرمان من فوائده وتوجيهاته ولطفه. وتختصّ هذه التضحية بمَن كان مع الإمام الحسين عليه السلام، من الركب المعاون له في الحياة والموافِق له في الأهداف، ولعلّ السيّدة زينب سلام الله عليها من ذلك الركب المضحّي في سبيل الحسين عليه السلام، ولعلّها أهمّ النساء الموجودات على الإطلاق.

المستوى الثالث: الموافقة مع الإمام الحسين عليه السلام نفسياً وعاطفياً وقلبياً؛ وبالتالي الموافقة الحقيقية على عمل الإمام الحسين عليه السلام وتضحيته وعلى هدفه ورسالته.

الهدف الثامن: إنّ الإمام الحسين عليه السلام قُتل من أجل إقامة المأتم عليه والبكاء عليه، فإنّها من الشعائر الدينية المهمّة، والتي تُوجب هداية الكثيرين من الباطل إلى الحق[22]، ومن خلال ما مرّ بنا يمكن القول: إنّ تكليف الإمام عليه السلام هو إعلان المعارضة والحرب، وعليه فهدفه الأساسي هو أداء التكليف الشرعي المنوط به، وأمّا بقية النظريات فترجع إلى هذا الرأي، فإنّ الإمام عليه السلام عليه تكاليف شرعية، يجب عليه عليه السلام أن يقوم بأداء تلك التكاليف باعتباره أحد المسلمين، فيجب عليه دفع الخطر الذي يهدّد عياله، ولعلّ من هنا يمكن معرفة لماذا حمل الإمام عليه السلام عياله وأطفاله، وباعتباره إمام المسلمين عليه تكاليف عامّة من الحفاظ على عقائد الناس، والحفاظ على الشريعة الإسلامية، فمرّة يأتي فعله عليه السلام بالقول، ومرّة بالجهاد، فإن لم ينهض يعتقد الناس بأنّ الإمام عليه السلام راضٍ عن تلك الممارسات[23]، وخصوصاً فسق يزيد وأنّه صاحب جوارٍ وطرب وكلاب وفهود، ومنادمة على الشراب، وأغلب أصحاب يزيد وعمّاله كانوا يفعلون ما يفعل، وظهور الغناء والملاهي في عصـره، وجاهَرَ الناس بشرب الخمر، وأنّ أُصول الدين كانت مهدّدة بالزوال، فضلاً عن الفروع[24].

فإنّ النهضة الحسينية لها ملاكها في التكليف الشرعي، وهذا الملاك واضحٌ في رسائل الإمام عليه السلام، وهو طريق الإصلاح، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفي هذا عنصـر التعميم؛ لأنّها وريثة حركة الأنبياء الذين ما جاءوا ليكونوا منفردين بتكاليفهم بين الناس، وإلّا لما صحّ مخاطبة الناس بالاقتداء بهداهم.

إنّ كل الأنبياء عليهم السلام هم أسرار الله بين خلقه، وخزائن علمه؛ ولكن لا يعطيهم هذا الوصف خصوصية في التكاليف الشرعية التي فيها حياة الناس، مثل الجهاد في سبيل الله، وإلّا لصعب على الناس الاستجابة لهم، وهذا بخلاف ما توصف به شريعة الله تعالى بأنّها السمحة السهلة، هذا من جانب، ومن جانبٍ آخر فإنّ قاعدة الاشتراك هي: «اشتراك المكلّفين في الحكم رجالاً ونساءً إلى قيام يوم القيامة، أي:
ما دام بقاء هذه الشـريعة المقدسة. وبعبارةٍ أُخرى: إذا ثبت حكمٌ لأحد المكلّفين أو لطائفة منهم ـ سواء كان ثبوته بخطابٍ لفظي أو دليل لبّي من إجماع أو غيره ـ فيكون شاملاً لجميع المكلّفين في جميع الأزمنة إلى قيام يوم القيامة، إلّا أن يكون مأخوذاً في الموضوع خصوصية وقيد لا ينطبق إلّا على شخصٍ خاصّ، أو طائفة خاصّة، أو في زمانٍ خاصّ كزمان حضور الإمام عليه السلام مثلاً»[25]. فإنّ الاشتراك في الأحكام بين جميع المسلمين ثابتٌ بضرورة الفقه، فإنّ وظيفة الرسول صلى الله عليه وآله هي التبليغ، والإمام عليه السلام هو الخليفة الشرعي، والمتعهّد لإرشاد الناس وتبليغ الأحكام وإرشادهم إلى دين الله، فإنّ بني أُميّة من أجل الوصول إلى أغراضهم، قاموا بإبعاد الناس عن دين الله وشريعة رسوله صلى الله عليه وآله؛ لذا يجب على الإمام عليه السلام أن يُخرج الناس من الجهل والغفلة، ويحملهم على اتّباع الكتاب والسنّة، فقد ورد في زيارة عيدي الفطر والأضحى: «وبذلَ مُهْجَتَهُ فِيكَ حَتّى اسْتَنْقَذَ عِبادَكَ مِنَ الجَهالَةِ وَحَيْرَةِ الضَّلالَةِ»[26]. وعلى هذا فإنّه عليه السلام كان مصرّاً على تأدية هذه الوظيفة حتى لو لم يجِد أيَّ ناصر، أو كان الناصر قليلاً.

نتائج البحث

1 ـ تنشأ أهمّية البحث عن النظرية ذات الأهداف المتعددة من الأُمور التالية:

طرح بعض الشبهات والتصوّرات غير المقبولة، والتي تمسّ شخصية الإمام الحسين عليه السلام.

كثرة الأسئلة حول موضوع النهضة الحسينية، وتطلّع الكثير من الباحثين إلى هذا الموضوع.

عدم دراسة هذا الموضوع بشمولية الجوانب.

تسليط الضوء على هذه النظرية التي فتحت آفاقاً جديدة حول فلسفة النهضة الحسينية.

2 ـ إنّ هذه النظرية تجمع عدّة أهداف حول فلسفة النهضة الحسينية، ممّا يجعلها الأقرب إلى أهداف الإمام الحسين عليه السلام.

3 ـ يمكن اعتبار أنّ أداء التكليف الشرعي هو مَن حرّك الإمام الحسين عليه السلام، وأنّ كلّ تلك النظريات التي طُرحت ترجع إلى هذا التكليف؛ لأنّ الإمام الحسين عليه السلام هو المسؤول عن تصحيح عقائد الناس؛ لأنّه هو الخليفة الشرعي لرسول  الله صلى الله عليه وآله.

4 ـ تفاوت الأقوال والآراء حول نظريات النهضة الحسينية؛ بسبب اختلاف الروايات التي تعطي أكثر من نظرية.

5 ـ إنّ النظريات التي طُرحت مستقات من أقوال الإمام الحسين عليه السلام.

6 ـ إنّ تبنّي أيّ نظرية من نظريات النهضة الحسينية هي في حدود فهمنا وإدراكنا، لا أنّه شيءٌ قطعي، والحقيقة الوحيدة أنّ عظمة الإمام الحسين عليه السلام هي منهاج عملٍ لكلّ البشر.

7 ـ على الرغم من كون هذه النظرية هي الأقرب، إلّا أنّه قليلٌ مَن تبنّاها وسلّط الضوء عليها.

 

--------------------------------------------------------------------------

فهرست المصادر

        * القرآن الكريم.

  1. أضواء على ثورة الحسين عليه السلام، السيد محمد محمد صادق الصدر (ت1421ﻫ)، دار الأضواء للطباعة والنشر والتوزيع، ط1، 1417هـ/1996م، بيروت ـ لبنان.
  2. ثورة الحسين، السيد محمد باقر الحكيم (ت1424ﻫ)، مؤسّسة تراث الشهيد الحكيم، النجف الأشرف، ط1، 2008م، العراق.
  3. القواعد الفقهية، السيد محمد حسن البجنوردي (ت1395ﻫ)، تحقيق: مهدي المهريزي ومحمد حسن الدرايتي، نشر: دار الهادي، ط1، 1419ﻫ/1377ش، قم ـ إيران.
  4. مجلّة دراسات إسلامية معاصرة، القيم الإسلامية والإنسانية في نهضة الحسين عليه السلام، للدكتور السيد بلاسم عزيز شبيب، كلّية العلوم الإسلامية، جامعة كربلاء، السنة الرابعة، ط1، 1434ﻫ/2013م، العدد/8.
  5. مروج الذهب ومعادن الجوهر، علي بن الحسين بن علي المسعودي (ت346هـ)، منشورات دار الهجرة، ط2، 1404هـ/1363ش/1984م، قم ـ إيران.
  6. مفاتيح الجنان، الشيخ عباس القمّي (ت1359ﻫ)، نشـر: مكتبة العزيزي، ط3، 1385ش، قم ـ إيران.
  7. الملحمة الحسينية، الشيخ مرتضـى مطهّري (ت1399ﻫ)، المركز العالمي للدراسات الإسلامية، ط2، 1411هـ/1990م، بيروت ـ لبنان.

 


[1] جامعة كربلاء/كلية العلوم الإسلامية/قسم الفقه وأصوله.

مدرس في تربية كربلاء.

[2] مطهّري، مرتضى، الملحمة الحسينية: ج2، ص8.

[3] اُنظر: المصدر السابق: ج2، ص8ـ9.

[4] اُنظر: المصدر السابق: ج2، ص9.

5] اُنظر: الصدر، محمد محمد صادق، أضواء على ثورة الحسين عليه السلام: ص42.

[6] اُنظر: الحكيم، محمد باقر، ثورة الإمام الحسين عليه السلام: ص87.

[7] اُنظر: مطهّري، مرتضى، الملحمة الحسينية: ج3، ص164

[8] اُنظر: المصدر السابق: ج3، ص168ـ 171.

[9] اُنظر: المصدر السابق: ج3، ص166ـ176

[10] اُنظر: المصدر السابق: ج3، ص173.

[11] المصدر السابق: ج3، ص180.

[12] اُنظر: المصدر السابق: ج3، ص170.

[13] اُنظر: الصدر، محمد محمد صادق، أضواء على ثورة الحسين عليه السلام: ص44ـ45.

[14] اُنظر: المصدر السابق: ص49.

[15] اُنظر: المصدر السابق: ص50.

[16] اُنظر: المصدر السابق: ص51.

[17] اُنظر: المصدر السابق: ص53.

[18] اُنظر: المصدر السابق: ص52ـ 53.

[19] اُنظر: المصدر السابق: ص53ـ54.

[20] المصدر السابق: ص56.

[21] اُنظر: المصدر السابق: ص57ـ85.

[22] اُنظر: المصدر السابق: ص59.

[23] اُنظر: بلاسم عزيز شبيب، مجلة (دراسات إسـلامية معاصرة)، بحث بعنوان: (القيم الإسلامية والإنسانية في نهضة الحسين عليه السلام): ص286ـ287.

[24] اُنظر: المسعودي، علي بن الحسين، مروج الذهب: ج3، ص67.

[25] البجنوردي، محمد حسن، القواعد الفقهية: ج2، ص53.

[26] القمي، عباس، مفاتيح الجنان: ص655.

 
 
البرمجة والتصميم بواسطة : MWD